الجزء 1 · صفحة 5
رسالة في تحقيق الصَّبْرِ
للعلامة شيخ الإسلام أحمد بن سليمان بن كمال باشا الحنفي
توفي سنة (940هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 6
باسْمهِ سُبْحَانه
الحمد لوليه، والصَّلاةُ عَلَى نَبِيِّهِ. وبعد:
فهَذهِ رِسالةٌ مَعمولةٌ في تَحقيقِ الصَّبرِ
قد مدح الله تعالى الصَّبَرَ في مواضعَ مِن كِتابه العزيز، وأمرَ بهِ وأَثْنَى عَلَى مَن صبَرَ، وكفى في ذلك قوله تعالى: {إِنَّ الله مع الصيرينَ} [البقرة: 153] لمن اعتبر.
وقد ورد في الخَبرِ عَن خيرِ البَشَرِ أَنَّهُ قالَ: «النَّصْرُ مَعَ الصَّبرِ لَ الشَّاعرُ: شعر [من الطويل]
أرى الصبرَ مَحموداً وعَنهُ مَذاهب ... فكيف إذا لم يكن عنهُ مَذهب
هو المهرَبُ المُنجي لمن أحدقتْ بهِ ... مکاره دهر لَيسَ عَنهنَّ مَهرب
أصل الصَّبرِ: حَبسُ النَّفْسِ عَلى الشَّرِّ، ولذلكَ: قُتلَ فُلانٌ صَبراً، ولا يلزمُ أَنْ يكُونَ ذلك الشرُّ مُهلِكاً كما أوهَمهُ مَن قالَ: إنَّ الصَّبرَ في حالِ الاختيار القاءُ النَّفْسِ في التهلكة.
والحمد: هو الوَصفُ بالجَميلِ عَلى جهةِ التَّعظيمِ والتبجيل، ولا اختصاص لهُ بالاختيار كما صرح به الإمام المرزوقي حيث قال في شرح قول «الحماسة»:
إنِّي حَمِدت بني شيبان إذ خمدت ... نيران قومي وفيهم شبتِ النار
الحمد: هو الثَّناءُ عَلى الرَّجلِ بما فيهِ مِن الخِصالِ المُرتضاةِ، وبهذا المعنى فارق الشُّكر؛ لأنَّ الشكر لا يَكُونُ إِلَّا عَلى صَنيعة، انتهى
ويُرادفه المدحُ عَلى ما أفصح عنه الجوهري حيثُ قال: الحمدُ نقيضُ الذَّم)، ثم قال: والدم نقيضُ المدح، وقد فسر المدح بالثناء الحسن.
فقُولهُ: «مَحمُوداً» بمعنى «ممدوحاً»، وكونُ الصبر ممدوحاً على حقيقته، ولَيسَ بكِناية عَن وُجوبِ الذَّهَابِ إِلَيْهِ كما تُوهم.
الجزء 1 · صفحة 7
والمذاهبُ: مَواضِعُ الذَّهاب، وطرُقُ التَّقصي والنَّجاةِ، والجُملة الاسمية في موقع الحال من المكروه المُعتبر في مفهومِ الصَّبرِ، والضَّمير له، لا للصبر كما تُوهم؛ لأنَّ المَذهب عنه غيرُ مُتعدِّدِ بخِلافِ المَكروه المذكور.
قوله: «فكَيفَ» متعلق بمحذوف؛ أي: فكيف لا يُحمد الصبر إذا ما لم يكن عنه أي: عَن المَكروه المَذكُورِ مَذهب مخلّص؛ إذ حينئذ لا يغير الجزعُ والقَلقُ سِوى النَّصبِ النَّفساني والتعب الجسماني، فلا هجنةً في الكَلامِ، ولا حَاجَةَ إِلى صَرْفِهِ عَن الظَّاهرِ المُتبادر كما سبق إلى بعض الأوهام.
والمُرادُ مِن المَهربِ الملا، وإنما عبر عنه به؛ للمُشاكلة بما ذُكر في المصراع الثاني من الهرب. ومَن غَفَلَ عَنْ هَذا تَعسَّفَ في الجَوابِ وانصَرفَ عَن سَنَنِ الصَّوابِ. ومن النُّصوص الواردة في أمرِ الصَّبرِ قولهُ تَعَالَى: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أَولُوا الْعَزْمِ من الرسل} [الأحقاف: 35] لم يأمره عليه السَّلامُ بالصَّبرِ الشَّبيه بصبرهم، بل بالصَّبِرِ الأقوى والأئم من صبرهم؛ وذلك أن أداء التمثيل إذا استعيرت للتعليل و (ما) كافة؛ يعني: أنتَ مِن أُولي العَزمِ من الرُّسل) وحقهم الصبر فاصبِرْ لذلكَ، هَذَا مَدلُوله عبارة.
والَّذِي دلَّ عَليهِ إشارةً: هُو أنَّ باعِثَ صَبِرِهمْ كونُهم أُولي العزم، وأنتَ في هذا أكمل وأفضَلُ؛ فحقُكَ أن تكونَ أنتَ أشدَّهُمْ صَبراً، وأكمَلَهُمْ تحملاً لمشاق تبليغ الرسالة، كيفَ وأنتَ مَبعوث إلى عامَّةِ البَشر، وهم كانوا مبعوثينَ إلى أقوامٍ مَخصُوصين.
واعلم أنَّ الصَّبَرَ ضَربانِ: جسماني ونَفساني:
والصبر الجسماني: هو تحمل المشاق بقدر القوة البدنية، ونهايته معلومة وأكثره لذوي الجُسومِ الخشنة، وليسَ ذَلكَ بفَضيلة تامة، ولهذا قالَ الشَّاعرُ: [من الكامل]
والصبر بالأرواح يُعرف فضله ... صَيرُ المُلوكِ وليس بالأجسامِ
وذلك في الفعل؛ كالمشي ورفع الحجر، وفي الانفعال؛ كالصَّبرِ عَلى المَرضِ، واحتمال الضرب والقطع.
والصَّبرُ النَّفساني - وبه يتعلَّقُ الفَضيلة - قسمان: صبرٌ عَن تَناول المُشتَهي، ويُقال له: العفّة، وصبرٌ عَلى تحمل المكروه، وذلكَ يَختلفُ أسماؤهُ بحَسبِ اختِلافِ مواقعه، فإنْ كانَ ذَلكَ في نُزولِ مُصيبة، فلم يتعد به اسم الصبر، ويُضادُّه الجزعُ والقَلقُ والحَزَنُ، وإن كان في احتمالِ غنى، فقد سمِّيَ ضَبط النَّفس، ويُضادُّهُ الرَّقاعةُ والبَطرُ، وإنْ كانَ في مُحاربة، فيُسمَّى شَجاعةً، ويضادُّه الجبن.
الجزء 1 · صفحة 8
سئلَ بَعضُهمْ: ما الشَّجاعةُ؟ فقالَ: صَبرُ ساعة، وقيل: إذا ابتليتَ بالبَياتِ فعَليكَ بالثبات.
وفي الخبر عن خير البشرِ: «الصَّبرُ عندَ الصَّدمةِ الأُولى.
وإن كان في إمسَاكِ النَّفْسِ عَن قضاءِ وَطرِ الغَضبِ، فسُمِّي حِلماً، ويُضادُّه التذمر، وإنْ كانَ في نائبة مُضْجِرة، فسُمِّي سعةَ الصَّدرِ، ويُضادُّهُ ضِيقُ الصَّدرُ والضَّحِرُ والتبرم.
وإنْ كانَ في إمسَاكِ كلام في الضمير، فسمي كتمان السر، ويُضاده الإفشاء. وإنْ كانَ عَن فضولاتِ العيش فسُمِّيَ قناعة، ويضادُّهُ الحِرْصُ والشَّره.
فالصبر يعمُّ الكل، قال الله تعالى: {وَالصَّبِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَاسُ أَوَلَيْكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَيكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} [البقرة: ???]، فذكرَ أَنَّهُمْ يَصبرونَ في البَأْسَاءِ؛ أي: في الفقرِ والضَّراءِ؛ أي: في المُصيبة، وحين البأس؛ أي: المُحاربة. ولمَّا كانَ جَميعُ المحامِدِ ضَربين ترك الشّر، ويعبر عنه بالصبر، وفعل الخير يعبر عنه بالشَّكرِ، صارَ الصَّبرُ الَّذِي هُو تَركُ الشر نصف الآثار المترتبة على الإيمان الحقيقي.
و من هنا انگشفَ وَجهُ قولهِ عَليهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ: «الصَّبرُ نِصف الإيمان.