الجزء 1 · صفحة 5
رسالة في بيان طبيعة الأفيون
للعلامة شيخ الإسلام أحمد بن سليمان بن كمال باشا الحنفي
توفي سنة (940هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 6
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، والصَّلاةُ عَلَى محمَّدٍ سَيِّدِ الأنبياء والمرسَلِينَ وَعَلَى آلِهِ الطيبين الطاهرين.
وبعد:
فهذه رسالةٌ في بَيانِ طبيعة الأفيون، وقبل الشروع في المقصودِ نقدم مقدمةً لبيان كيفية التسعة البسيطة، فنقول:
اتفق الحكماء على أن بسائط العموم يسعة، وهي المرارة، والخرافة، والحموضة، والمُلوحَةُ، والعفوصَةُ، والقبضُ والحَلاوَة، والدسومة، والتفاهة ويُسمونَها أُصولاً؛ لأنَّ ما سواها يتركَّبُ مِنْها، وهي حاصلةٌ مِن ضَرب ثَلاثة في ثلاثة؛ لأنَّ الطَّعم لا بدَّلهُ مِن فاعِل، وهوَ الحَرارة، أو البرودة، أو الكيفية المتوسطة بينهما.
ومن قابل، وهو الكثيف، أو اللطيف، أو المعتَدِلُ بينهما، فالفاعِلُ إِنْ كَانَ حَارَّاً، فالقابلُ إمَّا كثيفٌ أو لطيف أو مُعتدل، فإنْ كانَ كَثِيفاً، فالحاصل المرارة، وإنْ كانَ لطيفاً، فالحاصِلُ الحَرَافَةُ، وإنْ كانَ مُعتدلاً، فالحاصل الحمُوضَةُ، وإِنْ كانَ الفاعِلُ بارداً، فالقابل إن كان كثيفاً، فالحاصل الملوحة، وإن كان لطيفاً، فالحاصل العفوصَةُ، وإنْ كانَ مُعتَدِلاً، فالحاصِلُ القَبضُ، وإنْ كانَ الفاعِلُ مُعتَدِلاً، فَإِنْ كَانَ القابِلُ كَثِيفاً، فالحاصِلُ الحَلاوَةُ، وإنْ كانَ لَطيفاً فالحاصِل الدُّسومَةً، وإِنْ كانَ مُعتَدِلاً، فالحاصل التفاهة، وهذه النِّسعَةُ هي بسائط الطعوم المشهورة.
وأما المركباتُ فكَثيرةٌ غَيْرُ مُضبوطة، وهي في الحقيقةِ طَعَمانِ مِنَ البَسَائط، أو أكثر يدرك معاً لمجاورة فيما بين موضوعاتها، وتظن أنها طعم واحد، والفرقُ بين العفوضة والقبض: أنَّ العفص يقبضُ ظَاهِرَ اللسان وباطنه، والقابِضُ يقبضُ ظاهِرَهُ فقط.
ثمَّ اعلَمُ أَنَّ التَّقَامَةَ تُقَالَ عَلَى مَعنيين:
أحدهما: عدَمُ الطَّعم؛ كما في الأجسَادِ التي لَيْسَ لَها مِزاج، وتُسَمَّى هَذِهِ تَفَاهَةٌ حقيقيَّة، والمتصف
الجزء 1 · صفحة 7
بهذِهِ التَّفاهَةِ: تَفِها ومَسِيخاً.
وثانيهما: كون الجسم بحيث لا يُحس بطعمه؛ لكثافة أجزائه؛ كالحديد فإنَّه لكثافة أجزائه لا يتحلل منه شيء يُخالط الرطوبة اللعابية ما لم يحتل في تحليله، فعِندَ ذلِكَ يُحسُّ منه شي بطعم قوي بسيط، وتُسَمَّى هَذِهِ تَفَاهَةٌ غَيْرَ حَقيقيَّة وتَفاهَةٌ حِسيَّةً.
واختلفُوا في أنَّ المعدود في الطعوم هو المعنى الأول أو الثاني؛ لأن الاستقراء لما دلّ على أنَّ بسائطها تسعَةٌ فقط، لم يجز أنْ يُعَدَّ كِلاهُما مِنَ البَسَائِطِ اللَّهمَّ إِلا أَنْ يندرج أحدهما في أحد البسائطِ، فَبَعضُهم ذهَبَ إلى الأَوَّلِ، واستدَلَّ بأنهُمْ يَقولُونَ: إن طعم الهندباء مُركَّب من المرارة والتفاهة، فلو كانت التفاهة المعدودة من الطعوم التفاهة بالمعنَى الثَّاني، لم يصح هذا الحكم.
أقولُ: فيه نظر؛ لأنَّ الفلاسِفَةَ اتَّفقُوا عَلى أنَّ الطعوم من توابع المزاحِ؛ لأنهُمْ عَدُّوها مِنَ الكيفيَّاتِ المحسوسة المذكورة؛ أي: المدْركَةِ بالقوَّةِ الذَّائقة، فلو كانَ التفاهة بالمعنَى الأَوَّلِ، لم يصح هذا الحكم.
والبعض الذي ذهب إلى الثاني استدل بأن التفاهة المعدُودَة مِنَ الطعوم لو كانت بالمعنى الأول لم يصح هذا الحكم بأنَّ الذوق مِن توابع المزاج كما مر، فليتأمل.
فإذا تمهد هذا، فنقول: إن طبيعة الأفيون لا يجوز أن تكون باردة لوجوه: الأول: أن الأفيُونَ مرغاية المرارَةِ، وقد سبق أن الفاعل في المرارَةِ هُوَ الحَرارَةُ، فلو كان الأفيون بارداً يلزم بطلان تلكَ القاعِدَةِ.
والثاني: أنَّ الأنبُونَ يُعطي لأكله فرحاً يدلُّ عَليهِ النَّجرِيةُ، فقد ثبت أن الفرح يتبعه حركة الروح إلى الخارج بالانبساط، فلو كان بارداً للزِمَ أَنْ يَكُونَ آكِلَهُ مَعْمُوماً؛ لأنَّ البارِدَ شأنه أن يقبضَ الرُّوحَ، وهذا ظاهِرٌ جداً.
والثالث: أن الأفيون يُعطي لأكله في أوَّلِ الأمر حرارة قوية يدل عليه التجربة، فلو كانت حرارته بالعرض لما كان الأمر كذلِكَ؛ لأن ما بالنَّاتِ يتقدَّمُ عَلى ما با لعرَضِ بالضرورة.
وزعم البعض من جهلة الأطباء أن طبيعته باردة لما رأوا أنه يبرد تبريداً عظيماً بعد زوال كيفيته، وهذا ظن فاسد نشأ من عدم الفرق بين ما بالذَّاتِ وبين ما بالعرض.
الجزء 1 · صفحة 8
فإِنَّ الأَفيون بحرارَتِهِ وتسْخِينِهِ يَبسُطُ الرُّوحَ ويحلله أيضاً، ومن شأنِ الحَرارةِ إحداث الميل المصعِدِ والتَّحليل، وإذا تحلَّل بعضُ مِن الرُّوحِ الحامِلِ للحرارةِ الغريزية وانبسط بعضُهُ الباقي حتّى يخلو مركز الرُّوح، فيحْصُلُ بالعَرَضِ منهُ تَبريد، فإنَّه لما زالَ المسخن عادَ أجزاء البدَنِ المُقتضيةُ للبُرُودَةِ بطباعها إلى التبريد، وليس هذا فعل الأفيون حتَّى يلزَمَ كونُهُ بارداً، بل هو فعل الفاعِلِ الآخرِ الذِي أَزَالَ عَنْهُ الأفيُونُ بحرارَتِهِ ما كَانَ مِنْ فعلِهِ.
فإن قيل: فكيفَ وقَعَ صَريحُ الحُكمِ بِأَنَّهُ بارِدٌ مِن بَعض الأطباء؟ قلنا: بالنظر إلى أنَّ الحاصِلَ مِن أكلِهِ بعد انهضَامِهِ البُرودَةُ؛ لأَنَّ نَظَرَ الأطباء في أمثاله إلى أن أثرها في البدن، لا إلى حَقِيقَتِها.
وأمَّا الفلسفي، فنظَرُهُ مَقصورٌ عَلى حَقائق الأشياء في أَنْفُسِها، فلا تَناقُضَ بين كلامي الأطباء والفلاسفة كما توهمه بعضُ مَن لمْ يقف على حقيقة ما ذكرناه.
ومما يؤيد كونَهُ حاراً أيضاً مَوتُ مَن يَعتادُ لأكله بترك أكله بالكلية، لأنَّهُ بحرارته وتسخينه ينقص فيترك أكله تستولي البرودة عَلَى البَدنِ فَيَمُوتُ الشَّخصُ.
فلو كان بارداً لما كان كذلك، وهو ظاهِرُ عند من يعرفُ طبائع الأشياء. ومن متأخري الأطْباءِ مَن أنكَرَ كَونَ طَعمِ الْأَفْيُونِ مِنَ الطُّعُومِ البَسِيطَةِ، وزادَ وأطنب في بيان ذلِكَ إطناباً مجتهُ الأذهَانُ السَّليمةُ والعُقولُ المستقيمة لتأنف الاشتغال بنقل كلامه، وإقرار عند من سميته بعدما ظهَرَ حَقِيقةُ الحالِ وحقيَّةُ المقال.
والله أعلَمُ بالصَّوابِ
والحمد لله عَلى التَّمام والرَسُولِهِ أَفضَلُ السَّلامُ.