الجزء 1 · صفحة 5
رسالة في بيان الدوران والرقص
للعلامة شيخ الإسلام أحمد بن سليمان بن كمال باشا الحنفي
توفي سنة (940هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 6
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ لوليه، والصَّلاةُ عَلى نبيه، وعلى آله وأصحابه.
وبعد:
فهذه رسالة مرتبةٌ في تحقيق الحق، وإبطال رأي الصوفية في الرقص والدورانِ.
وفي «التتمَّةِ»: سُئلَ الحُلْوانِيُّ عمَّن سَمَّوا أَنفُسَهم بالصُّوفيَّةِ، فاختصُّوا بنَوعِ لبس، واشتغلوا باللهو والرَّقص، وادَّعوا لأنفُسِهِم مَنزلةٌ؟
فقال: افتروا على الله كذباً.
ومثل إن كانُوا زائغِينَ عَن الطَّريقِ المُستقيم، هلْ يُنفون من البلاد؛ لقطع فتنتهم عن العامة؟
فقَالَ: إماطة الأذى أبلغ في الصيانة، وأمثَلُ في الدِّيانِةِ، وَتَمْيِيزُ الخَبِيثِ مِن الطيِّبِ أزكى وأولى.
وفي نصابِ الاحتساب»: هَل يَجوزُ الرَّقصُ و السَّماعُ؟ الجواب: لا يجوز، وذكر في الأخيرةِ» أَنَّهُ كَبيرة، ومن أباحه من المشايخ فذلكَ الَّذِي [صارت] حَركاتُهُ حرَكاتُ المُرتعش، وذَكَرَ في «العُيونِ» أَنَّهُ لا يليق بمنصب المشايخ والذين يُقتدى بهم؛ لأنه شابة اللهوَ؛ لأنه يباين حال التمكن.
ولو قيل: هل يجوزُ السَّماعُ لهم؟
فيُقالُ: إِنْ كانَ السَّماعُ سماعَ القُرآنِ أو المَوعِظَةِ، فَيَجوزُ، ويُستحبُّ، وإِنْ كانَ سَماعَ غِناء، فهو حَرام؛ لأنَّ التغنّي واستماع التغنِّي حَرام، أجمعَ عَليهِ العُلماء، ومَن أباحَهُ مِن المَشايخ الصُّوفيَّةِ فَلِمَن تخلَّى عنِ اللَّهْو، وتحلَّى بالتَّقوى، واحتاجَ إليه احتياج المَريضِ إلى الدَّواءِ، ولهُ شَرائط:
أحدها: أنْ لا يَكُونَ فيهم أمرد.
والثاني: أن لا يكُونَ جميعهم إلا من جنسهم، ليس فيهم فَاسِقٌ، ولا أهل الدنيا.
الجزء 1 · صفحة 7
والثالث: أنْ يَكُونَ بإخلاص، لا لأخذِهِ الأُجرةَ والطَّعامَ.
والرابع: أن لا يجتمعوا لأجل طعام أو فتوح.
والخامس: لا يَقومُونَ إِلَّا مَعْلُوبين.
والسادس: لا يُظهرونَ الوَجدَ إلا صادِقِينَ، وقال بعضهم: كذب في الوجد أشد من الغيبة [كَذا وكذا سَنَةٌ].
والحاصِلُ: أَنَّهُ لا رُخصةً في بابِ السَّماعِ فِي زَمَانِنا؛ لأَنَّ جُنيداً رَحمهُ اللَّهُ تَابَ عن السَّماعِ في زَمانهِ، مِن فتاوى «تتارخانية» في كتاب الكراهية.
وفي العوارف»: قال عبد الله بن عُروة بن الزبير: قُلتُ لجدتي أسماء بنتِ أبي بكر: كيف كانَ أصحابُ رَسولِ اللهِ عَليهِ السَّلامُ يفعلونَ إِذا قُرى عليهم القُرآنُ؟ قالت: كانوا كما وصفهمُ الله تعالى تدمعُ أعينهم وتَقْشَعِرُّ جُلُودُهُمْ، فقلتُ لها: إِنَّ ناسا اليوم إذا قُرِى عليهمُ القُرآنُ حَرَّ أحدُهم مَغْشِيَّاً عليه، قالت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. وروي عن عبد الله بن عُمرَ مرَّ على رجل من أهل العراق يتساقط قال: مال هذا؟ قالوا: إنه إذا قُرى عَليهِ القُرآنُ وسمع ذكر الله، سقط، فقالَ ابنُ عُمَرَ: إنا نخشى الله تعالى وما نسقط، إلا أن الشيطان يدخل في جوفه، ما هكذا يصنعُ أصحابُ رَسولِ الله عَليهِ السَّلام ..
وفي «جواهر الفتاوى»: السَّماعُ والقَولُ والرَّقص الَّذِي يَفعله المتصوفة في زَمانِنا حرام لا يَجوزُ القَصدُ والجُلوس إليه، وهو والغِناءُ والمَزاميرُ سَواءٌ. وفي كتاب حياةِ الحَيوانِ»: نقل الإمَامُ القُرطبيُّ عَن الطَّرطُوشي: أَنَّهُ سُئِلَ عَن قَومٍ يَجتمعونَ في مَكان يَقرؤونَ القُرآنَ، ثمَّ يُنشِدهمْ مُنشَدٌ شَيْئاً مِنَ الشَّعرِ، فير قصونَ ويَطرَبونَ، هلِ الحُضورُ مَعهمْ حلال أم لا؟
فقالَ: مَذهبُ الصُّوفية بطالةٌ وجَهالةٌ وضَلالةٌ، وما الإسلامُ إِلَّا في كتاب الله تعالى، وسنَّةِ رَسولِ الله عَليهِ السَّلامُ، وأمَّا الرَّقصُ والتَّواجدُ: فَأَوَّلُ ما أَحدَثَهُ أَصْحَابُ السَّامري لمَّا اتَّخذُوا عِجلاً جَسداً لهُ خُوارٌ، قامُوا يَرقُصونَ حَولهُ ويَتواجدونَ، فهُو دِينُ الكفَّارِ وعُبَّادِ العِجلِ وإِنَّما كانَ النبيُّ عَليهِ السَّلامُ مَعَ أصحابهِ كَأَنَّما عَلَى رُؤوسِهمُ الطَّيرُ مِن الوَقَارِ.
وفي «البزازيَّةِ»: وقد نقل صاحبُ «الهداية» فيها: أَنَّ المُعَنِّي للنَّاسِ إِنَّما لا تقبل شَهادتهُ؛ لأَنَّهُ يَجمعُهُمْ عَلى ارتكاب الكبيرةِ، والقُرطبي: على أَنَّ هَذَا الغِناءَ وضَربَ القضيبِ والرَّقص حرام بالإجماع عند مالك والشافعي وأحمد في مواضع في كتابه، وسيِّدُ الطَّريقةِ شَيخ سيد احمد پوسي صرَّحَ بحُرمته،
الجزء 1 · صفحة 8
ورأيتُ فتوى شيخ الإسْلامِ جلال الملَّةِ والدِّينِ الكَرماني: إِنَّ مُستحلَّ هَذا الرَّقص كافر؛ لأَنَّ ما عُلمَ حُرمتهُ بالإجماع لزِمَ أَنْ يُكْفَرَ مُستحِله).
وفي كتاب الاستحسان: استماع صَوتِ المَلاهي حرام، واستطابَته فسق واستحلاله كفر، وكذا صوتُ الدُّفُ والشَّبابة، وكذا الرقص، وتخريقُ النياب، وإن كان في مجلس القُرآنِ أو الوعظ، وشَهادَةُ مَن يَحضُرُ هَذا النَّوعَ مِن المجالس لا تقبل.
وفي «التحفة»: ويحرم التسبيحُ والتكبير، والصَّلاةُ عَلى النَّبِيِّ عَليهِ السَّلامُ عِندَ عمل محرَّم أو عرض سلعة.
وفي «فتاوى الصُّوفيَّة»: مَن أباحَ اللعب والرقص والشِّعرَ يَصيرُ فاسقاً، ولا يصير كافراً؛ لأنَّ الحُرمة ثبتت بخبر الواحِدِ، ولو قال: هذا الخبر غير صحيح، والقِياسُ غَيرُ ثابت؛ لا يَصيرُ كافراً، ويكُونُ فاسقاً.
وفي «الحاوِي القُدسِيّ»: الدُّفُّ وأشباهه حرام، وكذا الرقص، وتخريق النّياب، والرّياحُ ولَو عِندَ قِراءةِ القُرآنِ ولا تُقبلُ شَهادَةُ مَن حَضرَ مجالس هَذا النوع من السَّماع. انتهى كلام «الحاوي».