الجزء 1 · صفحة 5
دخول ولد البنت في الموقوف على الأولاد
للعلامة شيخ الإسلام أحمد بن سليمان بن كمال باشا الحنفي
توفي سنة (940هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 6
بسم الله الرحمن الرحيم
الحَمدُ لوليه، والصَّلاةُ عَلى نبيه، والثَّناءُ عَلَى خَليفَتِهِ في أَرضِهِ اللَّهمَّ ارضَ عنه وأرضِهِ.
وبعد:
فإنَّ المسألة السائرة في البلاد، الدائرة على السُنِ العِباد، وهِيَ مَسألة دخول ولد البنت في المَوقُوفِ عَلى أولادِ الأولاد، وقد ذُكرتْ في حَضرةِ مَن نَصْرَ رياضُ العِلمِ بحُسن تربيته، وفاضَ حِياضُ الشَّرعِ بإمدادِ تَقويته، استخرجَ طَبعَهُ الغَوَّاصُ عَن بحارِ العُلومِ دُررَ دَقائقِ المَسائلِ، وفكَ كفَّيهِ عَن نهرٍ سَائِل، وَكَفَّ فَكَيْهِ عن نهرِ السَّائل، وهِي حَضرةُ السُّلطانِ خَليفةُ الرَّحمنِ صاحِبُ الزَّمانِ، ناصِبُ راية الأمن والأمانِ، المُستغني عن التوصيفِ والتَّعريف والبيان، أبي الفتوح سُلطان سليم خان، فخرِ آلِ عُثمانَ، سلّمه الله في الدارين وصانَ شأنهُ عَن الشَّينِ والرَّيْنِ.
فأمرني بإظهار ما هو الحقُّ فيها، فإنَّ بإظهار الحقِّ تَظْهرُ مَراتب الرجال، لا يتقادم الأزمنة والآجال، فامتثلتُ أمَرَهُ العالي، وشَرعتُ فيهِ مُتوكَّلاً على الملك المتعالي.
فنقول وبالله التوفيق وبيَدِهِ أَزِمَّةُ التَّحقيق -: إنَّ المسألةَ المَذْكُورَةَ عَلَى وَجهين:
أحدُهما: ما يُذكَرُ فيهِ المَوقُوفُ عليهِ مَقصُوراً عَلى الدَّرَجةِ الأُولى.
والثَّاني: ما يُذكَرُ فيهِ المَوقوفُ عَليهِ غيرَ مَحصُورٍ عَلى الدّرجةِ الأُولى.
وكلُّ مِنَ الوجهينِ المَذْكُورينِ عَلَى صُورَتين:
أحدهما: ما يُذكرُ فيهِ المَوقُوفُ عَليهِ بصِيعَةِ المُفرد.
وثانيهما: ما يُذكر فيه الموقُوفُ عَليه بصيغة الجمع.
فللمسألة المذكورة صور أربع:
الأولى: صُورةُ: «وَقفتُ عَلَى وَلدِي».
الجزء 1 · صفحة 7
والثانية: صُورةُ: «وَقفتُ عَلى أولادِي».
والثالثة: صُورةُ: وَقفتُ عَلى ولدي وولد ولدِي».
والرابعةُ: صُورةُ: وَقفتُ على أولادي وأولادِ أولادي».
والخلاف قائم في كُلِّ مِن صُورَتي الوجهِ الأَوَّلِ، أما في صُورتِهِ الأُولى؛ فلما ذكره الإمامُ فَخرُ الدِّينِ قاضي خان؛ حَيثُ قال في فتاواه» بعد تصويره المسألة على الصورة الأولى من الوَجْهِ الأَوَّلِ: ولا يَدخُلُ فيه ولد البنت في ظاهر الرواية، وبه أخذَ هِلال، وذكرَ الخصَّافُ عَن محمَّد أَنَّهُ يَدخل فيه أولادُ البَناتِ أيضاً، والصحيح ظاهرُ الرواية؛ لأنَّ أولادَ البَنَاتِ يُنسبون إلى آبائهم، لا إلى [آباء] أمهاتهم، بخلاف ولد الابن.
وأما في صُورتهِ الثَّانية؛ فلما ذكره صاحِبُ الذَّخيرةِ»؛ حَيثُ قالَ: إذا وقف على أولادِهِ، يَدخُلُ في الوَقفِ بنُو البَنينَ، وهَل يَدخل فيهمْ بَنُو البناتِ؟ ففيه روايتان، وأصلُ هَذا ما ذكرَ محمَّدٌ في السِّيرِ الكبير في باب من أبواب الأمان: إذا قال أهل الحَربِ للمُسلِمينَ آمِنونا عَلى أولادنا؛ فهم آمِنونَ عَلَى أَنْفُسهمْ، وَعَلَى أولادِهِمْ لأصلابهم، وعلى أولادِ أولادِهِمْ مِن قبلِ الرِّجالِ بني البَنينَ دُونَ بني البَناتِ، وذكر في باب آخر من أبواب الأمان: أن بني البناتِ يَدخُلونَ في الأمان، فيصير في المسألة روايتان.
وكانَ الشَّيخُ الإمام الجليل أبو بكر محمدُ بنُ الفَضلِ يميل إلى أنَّ البنت لا تدخل تحت الأمان، وكذا الخِلافُ قائم في الصُّورَةِ الأُولى مِن الوَجهِ النَّاني؛ فَإِنَّ عَليّاً الرازي خالف فيه هلالاً على ما ذكرَهُ الإمام فخر الدين قاضي خان؛ حيثُ قال في فتاواه» بعد تصويره المسألةَ عَلى الصُّورة المذكورة: هل يدخُلُ فيهِ ولَدُ البِنتِ؟ قالَ هِلال: يدخُلُ، وقال عليّ الرَّازِيُّ: لا يدخلُ، والصَّحيحُ ما قاله هلال: لأنَّ اسم ولد الولد كما يتناول أولاد البنين يتناول أولادَ البنات.
وأمَّا الصورة الأخيرةُ مِن الوَجهِ الثَّاني، وهي رابعُ الصُّوَر الأربَعَةِ المَذْكُورةِ، فلا خلاف في دخول ولدِ البِنتِ في الموقوفِ عَليهِ عَلى تلكَ الصُّورةِ عَلى ما دلَّ عليه عبارة الإمامِ قاضي خانَ في «فتاواه»؛ حيثُ ذكر سائرَ الصُّورِ عَلَى الخِلافِ، ق وذكرها بلا خلاف؛ حيثُ قال في «فتاواه»: ولو قال: على أولادي، وأولادهم، كانَ ذلك لكلّهم، فيدخُلُ فيه ولد الابن، وولد البنتِ، ويوافقه صاحِبُ «تتمَّةِ الفتاوى»، وصاحِبُ «الخلاصة» في ذلك.
وعدم دخول ولدِ البِنتِ فيهِ عَلى ظاهرِ الرّوايةِ إِنَّما هو في صُورَتي الوَجهِ الأوَّلِ عَلى ما يُفصح عنه
الجزء 1 · صفحة 8
ما نقلناه سابقاً عن الإمام قاضي خان في «فتاواه»، ويشهد على ذلك ما ذُكرَ في مَعرِضِ التَّعليلِ بقوله: لأنَّ أولادَ البَناتِ يُنسَبونَ إِلَى آبائهم لا إلى [آباء] أُمهاتهم، فإن التمسك بعدم النسبة في الحكم المذكور إنما هو في صُورَتي الوَجهِ الأَوَّلِ، وأمَّا في الوَجهِ الثَّاني، فالحكم بالدخول بمقتضى العبارة عَلى حَسبِ الدَّلالِةِ اللُّغويةِ عَلى ما أَفصح عنه الإِمَامُ شَمسُ الأئمةِ السرخسي، ونقل عنه الإمام فخر الدين قاضي خان؛ حيث قال في فتاواهه: قال شمس الأئمة السَّرَغْيُّ: لأنَّ وَلدَ الولد اسم لمنْ وَلدَه وَلدُهُ، وابنه ولده، ومن وَلدَتهُ ابتُهُ يَكُونُ ولد ولدِهِ حَقيقة بخلاف ما إذا قال: على ولدي؛ فإنَّ ثمة ولد البنت لا يدخل في الوقف في ظاهر الرواية؛ لأنَّ اسم الولد يتناول ولده لصله وإنما يتناول ولد الابن؛ لأنه يُنسب إليه عرفا.
ويَقطَعُ عِرفَ شُبهة الخِلافِ في الصُّورة الأخيرة ما نقله صاحِبُ الذَّخيرةِ» عَن الإمام شمس الأئمة السرخسي بهذه العبارة:
وذكر الشَّيخُ الإمَامُ الأجلُّ شمسُ الأئمة السرخسي: أنَّ فِي هَذِهِ الصُّورة أولاد البَناتِ يَدخُلونَ رِوايةً واحدةً، وإِنَّما الرِّوَايتان فيما إذا قال: آمنوني على أولادي، وهَذا لأنَّ المذكور هاهنا ولد الولد وولد الولد حقيقة اسم لمنْ ولَدَهُ ولَدُهُ وابنه ولَدِهِ، ومَنْ وَلَدَتهُ ابنته يكون ولدَ ولَدِهِ حقيقةً، فأما إذا ذكر أولادَهُ فَأُولادُهُ حَقيقَةٌ مَن هو ولده، ومن حيثُ الحكمُ مَن يَكُونُ مَنسُوباً إليه بالولادة، وذلك أولاد الابنِ دُونَ أولاد البنات، ثمَّ قال صاحِبُ الذَّخيرةِ»: والجَوابُ في الوَقفِ عَلى قولِ شمس الأئمةِ يَكُونُ هَكذا إذا وَقفَ عَلى أولاد أولادِ فُلانٍ دَخلَ تحتَ الوَقفِ أولادُ البَناتِ روايةً واحدةً، انتهى كلامه.
وبهذا البيان الواضح والنبيين الموضح تبيَّنَ الحَقُّ وَاتَّضِحَ أَنَّ ما وقع في بعض الكتب؛ كـ «التجنيس»، و «الواقعات»، و «محيط» رضي الدِّينِ السرخسي، وغيره من ذكرِ الخِلافِ في الصورة المذكورة من قبيل نقل الخلاف في إحدى الصورتين؛ قياساً على الأخرى مع قيام الفرق بينهما، كيف لا؛ فإنَّ ما ذكروه في معرض التعليلِ لا يُساعدهم، وإِنَّما قُلنا: إنَّ ما ذُكر لا يصحُ) تَعلِيلاً للمسألة في الصورة المذكورة؛ لأنه لو علل الحكم فيها بما ذُكر، لاتَّجَهَ عَلِيهِ أَنْ يُقالَ: إِنْ أُريد أَنه لا يُنسب الولد إلى الأُم لغة وشرعاً، فلا وجه له؛ إذ لا شُبهة في صحة قول الواقف وقفتُ عَلى أولادِ بَناتي، واعتباره شَرْعاً، وإِنْ أُريدَ أَنَّهُ لا يُنسَبُ إلَيها عرفاً، فلا يُجدي نفعاً في دفع ولد البنتِ عَنِ الدُّخول في الصورة المذكورة؛ لما عرفت أنَّ دخولَهُ فيها بحكم العبارة لا بحُكم العُرفِ، والدخول بحكمِ العُرفِ إنما هو في صُورَتي الوجه الأوَّلِ، والتعليل المذكور ينطبق المعلل فيهما؛ ولهذا رد الإمام شمس الأئمة السرخسي على
الجزء 1 · صفحة 9
القاضي الإمامِ ركن الإسلام علي السعدي، والشيخ الإمام شيخ الإسلام في قولهما: إنَّ المسألة المذكورة على الصورة الرابعة على الروايتين أيضاً على ما نقله صاحِبُ «الذَّخيرة».
ولو تنزّلنا عن ذلك، وسلَّمْنا أنَّ المسألةَ المذكورةَ عَلى الصُّورة الرابعةِ أيضاً على الاختلاف، فنقول: الترجيح معنا؛ فإنَّ القول بالدخول راجع بقوة دليله، وتقدم القائلينَ بهِ، والترجيحُ إِنما يَكُونُ بِأَحدِ هَذَينِ الْأَمْرَينِ.
أمَّا قوَّةُ دَليلِهِ: فقد مرَّ ما يفي في بيانها، وأمَّا تقدُّمُ القائلينَ بِهِ؛ فَلأَنَّهُمْ أعيانُ المجتهدين، وشُيوخ الفقهاء؛ كهلال، والخصَّافِ، وشمس الأئمة السرخسي، وصاحب «الذخيرة»، وقاضي خان، وصاحب «تتمة الفتاوى»، وصاحب «الخلاصة»، وفي طرف الخلافِ ليسَ مَن يُقاوِمهم في المعارضة، ويُساوِيهِمْ في الدَّرجةِ، ومَعرفةُ هَذا مَوقُوفٌ عَلى الوُقوفِ عَلى طَبَقاتِ الفُقهاءِ ومَراتبِ المجتهدين، وهو العُمْدةُ في هذا الباب، كما لا يخفى على ذوي الألباب.
ولما انجز الكلامُ إلى هَذا الفَصل، واقتضى المقامُ تَفصِيلَ ذلكَ الأصل، فتقول:
لا بد للمفتي المقلد أن يعلَم حالَ مَنْ يُفتي بقوله، ولا نعني بذلك معرفته باسمِهِ ونَسبه ونسبته إلى بلد من البلاد؛ إذ لا يُسمِنُ ذَلِكَ مِن جُوعٍ ولا يُعْنِي، بَلْ يُعْنِي مَعرفتُهُ بمعرفةِ مَرتَبته في الرواية، ودَرجَتِهِ في الدراية، وطبقتِهِ مِن طَبَقاتِ الفقهاء؛ ليكونَ على بصيرة وافية في التمييز بين القائلينَ المُتخالفين، وقدرة كافية في الترجيح بينَ القولَينِ المُتعارِضينِ.
اعلم أن الفقهاء على سبع طبقات:
الأُولى: طَبَقَةُ المجتهدينَ في الشَّرِعِ؛ كالأئمةِ الأَربَعَةِ، وَمَن سَلَكَ مَسلَكهُمْ فِي تأسيس قواعد الأصول واستنباط أحكام الفروع عن الأدلَّةِ الأربعة: الكتاب والسنة، والإجماع، والقياس، عَلى حَسبِ تلك القواعدِ مِن غَير تقليد لأحدٍ لا في الفروع، ولا في الأصول.
الثانية: طبقةُ المجتهدين في المذهَبِ؛ كأبي يوسف، ومحمد، وسائر أصحاب أبي حنيفة القادرينَ عَلى استخراج الأحكام عن الأدلَّةِ المذكُورَةِ عَلَى مُقْتَضَى القَواعِدِ التي قررها أستاذهم أبو حنيفة؛ فإنَّهم وإن خالفوه في بعض أحكامِ الفُروع، لكنَّهُمْ يُقلدونه في قواعدِ الأُصولِ، وبه يمتازُونَ عَن المُعارِضِينَ في المَذهبِ، ويُفارِ قونهم؛ محو ال ابن كمال باشا كالشافعي ونظرائِهِ المُخالِفين لأبي حنيفة في الأحكامِ غَير مقلدينَ لَهُ في الأُصولِ.
الجزء 1 · صفحة 10
الثالثة: طبقةُ المجتهدين في المسائل التي لا روايةً فيها عَن صاحِبِ المذهَبِ؛ كالخصافِ، وأبي جعفرِ الطَّحاوي، وأبي الحَسنِ الكَرْخِي، وشمس الأئمة الحلواني، وشمس الأئمة السرخسي، وفخرِ الإسلام البزدوي، وفخرِ الدِّينِ قاضيخان، وأمثالهم، فإنهم لا يقدرون على المخالفة للشيخ لا في الأصول، ولا في الفروع، لكنهم يستنبطونَ الأحكام في المسائل التي لا نص فيها عَنهُ عَلى حَسَبٍ أصول قررها، ومقتضى قواعد بَسطَها.
والرابعةُ: طَبقةُ أصحابِ التَّخريج من المقلدين؛ كالرازي وأَحْزابه، فإنهمْ لا يقدرون على الاجتهاد أصلاً، لكنَّهم لإحاطتهم بالأُصولِ وضَبطهم للمآخذ يَقدِرونَ عَلى تَفصيل قولٍ مُجمل ذي وجهين، وحُكم مُبهم محتمل لأمرين منقول عَن صاحِبِ المذهَبِ، أو عَن واحدٍ مِن أصحاب المجتهدين برأيهم، ونَظُرُهم في الأصول والمقايسة علي أمثاله ونظرائه مِن الفُروع، وما وقع في بعض المواضع من «الهداية» من قوله: «كذا في تخريج الكرخي، وتخريج الرازي، مِن هَذا القبيل.
والخامسة: طبقة أصحاب الترجيح من المقلدين؛ كأبي الحسينِ القُدوري وصاحب الهداية، وأمثالهما، وشأنهُمْ تفضيل بعض الرواياتِ عَلى بعض آخر بقولهمْ: هَذا أولى، وهذا أصح درايةً»، و «هَذا أوضح روايةً»، و «هَذا أوفقُ للقياس»، و «هذا أرفق للنَّاسِ.
والسَّادسة: طبقة المقلدين القادِرينَ عَلى التمييز بين الأقوى والقوي والضعيف، وظاهر المذهب، وظاهر الرواية، والرواية النادرة؛ كأصحاب المتونِ المُعتبرة من المتأخرينَ؛ مثل صاحب «الكنز»، وصاحب «المختار، وصاحب «الوقاية»، وصاحب المجمع، وشأنهمْ أنْ لا يُنقل في كتابهم الأقوال المردودة، والروايات الضعيفة.
السابعة: طبقة المقلدينَ الَّذِينَ لا يَقدِرُونَ عَلى ما ذُكر، ولا يُفَرِّقُونَ بينَ الغَتُ والسمين، ولا يُميِّرُونَ الشِّمال عَن اليمين، بل يجمعون ما يجدُونَ كحاطب اللَّيلِ، فالويل لهم ولمن قلدهم كل الويل.
والحَمدُ لو عَلى النِّمَامِ.