الجزء 1 · صفحة 5
حاشية على كتاب أدب القاضي من الهداية
للعلامة شيخ الإسلام أحمد بن سليمان بن كمال باشا الحنفي
توفي سنة (940هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 6
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين
كتاب أدب القاضي
قدمه على (كتابِ الشَّهادة)؛ لاختصاصها في اعتبارِ الشَّرْعِ بِمَجْلِسِ القَضَاءِ، فهو سابق في الاعتبارِ، والأَدَبُ يُطلقُ عَلى كلِّ خُلُقٍ جَمِيلٍ وخَصْلَةٍ حَميدةٍ فِي مُعاشرة النَّاسِ ومعاملتهم".
والقضاء لغة: الإلزام، ذكرَهُ صاحبُ «الخزانة»، ونَقلهُ النَّوويُّ عَنِ الواحدي في التهذيب.
وفي الشرع: قولٌ مُلْزِم يصدر عن ولاية عامة.
(ولا تصح ولاية القاضي): المُرادِ من الولاية تنفيذ الأحكام) على الغير شاء أو أبى.
وإنما لمْ يقُل: تَوليةُ القاضِي معَ أَنَّهُ المُناسب لعِبارَةِ المُوَلَّى؛ لأنَّ فِي شَرائط الشَّهادةِ ما يَتوقَّفُ عَليهِ الوِلايةُ دُونَ التَّولِيةِ.
قال في «الأجناس»: السلطان إذا ولى قاضياً مُشْرِكَاً عَلَى المُسْلِمِينَ ثُمَّ اسلَمَ، قال محمدٌ: هُو على قضائه، ولا يحتاج إلى ما يُوليه ثانياً.
ومن لم يتنبه لهذا الفرق الدقيق بين الولاية والتولية، زعم أن شرائط الشهادةِ كلها مُعتبرة في صحة تقليد القضاء) حَتَّى تجميع في المُولَّى، عَدَلَ عَنِ الضَّمير، وهو مُقتضى الظاهر، لا لأنَّ في عوده إلى المُصَافِ إِلَيْهِ قُبحاً؛ لأنه واقع في مواضع من كلام الله تعالى، {ومَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً}، مِنها: قوله تعالى:} كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا} [الجمعة: 5]، ومنها: قوله تعالى: {ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِبُونَ} [سبا: 42]، بل للتنبيهِ عَلى أَنَّ المُرَادَ مِنْ الْقَاضِي هُنا مَنْ ولاه السلطان، لا الحاكِمُ مُطلقاً الشامل للمُحكّم؛ لأنَّ المُصنِّف أفرد للمُحكَمِ باباً برأسِهِ، وبَيَّنَ فيهِ ما يَتعلق به من الأحكام.
وأنَّما قُلنا: «هناء»؛ لأنَّ المُرادَ منه في عُنوانِ الكِتابِ ما يَنتظِمُ المُحكّم ومن هنا ظهر الاشتداد في الحاجَةِ إلى التّنبيهِ عَلى المُرادِ، فافهم، والله الهادِي إلى سَبيلِ الرَّشادِ.
الجزء 1 · صفحة 7
ويكُونُ مِن أهل الاجتهادِ هَذا ما نصَّ عَليه الإمامُ مُحَمَّدٌ رحمه الله تعالى؛ حيث قال في «الأصل»: إنَّ المُقلّد لا يجوز أن يكون قاضياً، وبه أخذ القدوري في مختصره»، أورده المصنف في المتن الجامع له، ولـ: «الجامع الصغير» بعبارته، ولكنه خِلافُ الصحيح على ما يأتي به التصريح مِن قَبْلِهِ.
يقي هاهنا شيء، وهو أن تعقيب الكلامِ المُجْمَلِ بالتفصيلِ المُصدّر ب: «أَمَّا» حقه ان يَكُونَ الثَّاني مُقرَّراً للأوَّلِ لا مُغيّراً له، (فلان حكمَ القَضاءِ يُسْتَقى مِن حُكم الشَّهادة) استعير الاستقاء لاستفادة القاضي من الشَّاهِدِ العِلم بوجه القضية.
ولا يخفى وجه حُسْنِ هذهِ الاستعارة؛ لأنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُما مِن بَابِ الوِلايةِ، يرد عليه أن لا يلزم من كون الشَّيئين من باب واحد أصالة أحدهما؛ نظراً إلى الآخر، واستفادتُهُ، فالتعليل بما ذُكرَ غير تام.
وتمامه ببيانِ مَزِيَّة) ولاية الشَّاهِدِ عَلى ولاية القاضي كما ذكرهُ مَن قالَ: لان كل واحد منهما إلزام، فالشهادة ملزمة على الفاضي، والقضاءُ مُلزم على الخصم، فما يُشترط لأهلية الشهادة يُشترط الأهلية القاضي، إلَّا اله حينذ لا يتم التقريب؛ إذ لا يلزم من اشتراط ما هو أعلى في باب بشيء اشتراط ما هو أدْنَى مَنهُ فِيهِ بذَلكَ الشَّيء.
وبهذا التقرير تبيَّنَ أنَّ القائل المذكور لم يُصب في قوله: «فما يُشترط لأهليةِ الشَّهادةِ يُشترط لأهليَّةِ القَضاءِ»؛ إذ حينئذ لا يَظهرُ وَجهُ تَفريعِهِ عَلى ما تقدم من كلامه.
نعم؛ حينئذ يظهرُ وَجهُ للتفريع الواقع في كلامِ المُصنِّفِ، إِلَّا أَنَّ في تمامِ المتفرع على ما قَبلَهُ كلاماً عَلى ما ستقفُ عَليهِ بإِذنِ المَلِكِ العلَّام. فالصواب في التعليلِ ما ذكره الزَّاهدي في شرح مختصر القدوري» بقولهِ: أَمَّا الأوَّلُ: فلأنَّ الشَّهادةَ دُونَ القَضاءِ في الوِلاية، فأولَى أَنْ يُعتبر في أهلِيَّةِ القَضاءِ ما يُعتَبَرُ في أهليتها.
ويُوافقه ما في البدائع؛ حيثُ قال بعد تفصيل شرائطِ الشَّهادةِ: فلا يَجوزُ تقليد المجنُونِ، والصَّبي، والكافر، والعبد، والأعمى، والأخرس، والمحدودِ في القَذف؛ لأنَّ القضاء من باب الولاية، بل هو أعظمُ الوِلايات، وهؤلاء ليست لهم أهلية لأذنى الولايات، وهي الشهادة، فلآن لا يكون لهم أهلية الأعلى أولى، انتهى كلامه
ومن هاهنا تبيَّنَ مَا فِي قَولِ المصنفِ: فكلُّ مَن كانَ أَهْلاً للشَّهَادَةِ يَكُونُ أهلاً للقضاء) مِن الخَللِ الموعُودِ، فتأَمَّلْ.
الجزء 1 · صفحة 8
ثمَّ إنه لا حاجَةَ إِلَيهِ في تمامِ التّعريف وبيان أصل المطلوبِ، فإنَّ قولَهُ: (وما يُشترط لأهليةِ الشَّهادةِ يُشترط لأهليَّة القَضاءِ) كافٍ فيه كما لا يخفى.
وبما سبق من التفصيل في وجهي التعليلِ تبيَّنَ ما في قَولِ مَن قالَ في شرح كلام المصنف في هذا المقام الأن ولاية القاضي لما كانت أعم وأكمَلَ مِن وِلايةِ الشَّهادةِ، أو مرتبةٌ عَليها كانَتْ أولى باشتراطها» من وجوه الخلل:
أما الأول: فلأَنَّهُ ذَكرَ الوجهينِ المجتمعين في القضاء، وعطف أحدَهُما على الآخر بأداة التوزيع، زاعماً أنهما لا يجتمعان، بل الموجود فيه واحد منهما لا بعينه.
وأما الثاني: فلان ما ذكرهُ أَوَّلاً بمعزل عمَّا ذُكر في الكِتابِ، فالشرح لا يُطابق المَشرُوح
وأما الثَّالثُ: فلأنَّ ما ذكرهُ مِن الأولوية عَلى الأُول) خاصَّةً، فلا وجه لترتيبها على الثاني أيضاً.
وأما الرابع: فلأنَّ التَّرتيب بينَ القَضاءِ والشَّهادةِ، لا بين ولايتيهما كما هو الظَّاهِرُ من قوله: «أو مرتبة عليها».
وأما الخامِسُ: فلأنَّ آخرَ كلامِهِ أبتر
وأنتَ بعد ما أحطَّتَ بجوانب الكلام، ووقفتَ عَلى مَذاهب الأوهامِ، فَقَدْ عرفتَ أَنَّ مَن اعتَرَضَ عَلى كلامِ المصنفِ هاهنا قائلاً: يلزَمُ مِن هَذا بناء القوي على الضعيف؛ لأنَّ القضاء أقوى حالاً، وأعلَى مَرتبةٌ مِن الشَّهَادَةِ. وهَذا التَّعليلُ يُوهِمُ أنَّ القَضَاءَ مُنفرعٌ مِنها، ومبني عليها.
ثم أجاب بأنَّ هَذَا مِن قَبيلِ بيانِ حَكم المرجع؛ أي: مرجعهما إلى أصل واحد؛ وهو أن يكون القاضي حراً مُسلِماً بالغاً عاقلاً عدلاً كما في الشهادة، لا أن يكون حكم القَضاءِ مَبنيَّاً عَلى حُكمِ الشَّهادةِ ما أصابَ في أصل الجواب كما لم يُصب في بَيانِ الأصْلِ المذكور؛ حيثُ لم يذكر الأصل المذكورُ بعضَ الشَّرائط المعتبرة فيه، وقد مرَّ تَفصيلها فيما سبق فتدبَّر.
ثمَّ إنَّ الأصل الواحِدَ المشترك بينَ القَضاءِ والشَّهَادَةِ هُو أَنْ يَكُونَ حَرَّاً مُسلِماً بالغاً ... إلخ، لا كونُ القَاضِي كَذلِكَ، وَهَذَا ظَاهِرُ.
وإنَّ قولَهُ: «لا أن يَكُونَ حُكمُ القَضاءِ ... إلخ» خارجٌ عَن سَننِ الانتِظامِ مَعَ ما سبق من الكلام.
وبالجملة فمَفاسد قلَّةِ التأمل أكثرُ مِن أنْ تحصى.
الجزء 1 · صفحة 9
إلَّا أنه لا ينبغي أنْ يُقلَّدَ: تقليد الفاسِقِ مَنهي عنه تحريماً، فعبارة: «لا ينبغي»؛ لتقاعدها عن الدلالة على النهي التَّحْرِيمي، بل لتطاولها بما فيها من الإشعارِ بعَدمِ التحريم، وكذا الحال في قبول الشهادة، فالعبارة المذكورة لا تناسبه أيضاً.
(ولو قبل، جازَ): لقد أصابَ في الاقتصار على الحكم بالجواز.
ومن قال: لو قضَى بِشَهادتِهِ نَفَذَ، لمْ يُصِبْ؛ لأنَّ المسألةَ مُختلَفٌ فيها، فلا يكُونُ القضاء المذكورُ نافذاً، بل لقاض آخرَ أَنْ يَفسخَهُ.
ثمَّ إِنَّ الكلامَ فيمَنْ ظَهَرَ فِسقُهُ، لا في مَستُورِ الحالِ، فلم يصِبْ مَن قال: إنهُ جازَ عِندنا؛ بناءً على أنَّ العَدالَةَ لَيستْ مِن شَرائطِ الشَّهادةِ؛ نظراً إلى أهل ذلكَ العَصرِ الَّذِينَ شهِدَ لهم النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بالخيرية، وإلى ظاهِرِ حالِ المُسلِمِ في غَيرهم؛ لأنَّ ما ذكره إنما يصلح مبنى للثاني دُونَ الأَوَّلِ. (ولو كان القاضي] عَدلاً فَفَسَقَ بأخذِ الرّشوة: قال فخرُ الدِّينِ قاضي خان: أجمعُوا عَلى أَنَّهُ إذا ارتشَى لا ينفذُ قضاؤه فيما ارتشى، وفِيهِ نَظَرُ؛ لأَنَّهُ مُختلَفٌ فِيهِ على ما ذكرهُ بُرهانُ الدِّينِ الكبير في محيطه؛ حيث قال: قال الخصَّافُ في «أدب القاضي: وإذا قبلَ القاضِي الرّشوة وقضَى للرَّاشِي، فَقَضاؤُهُ فيما ارتشى باطل، وقضاياه فيما لم يرتش نافذة، وبه أخذ شمس الأئمة الحلواني، وشمس الأئمة السرخسي.
وذكر فخر الإسلام علي البزدوي: قضاؤه نافذ فيما ارتشى فيه، وفيما لم يرتش.
وقال بعض مشايخ العراق: قضاياه باطلة فيما ارتشى، وفيما لم يرتش. (لا ينعزل): مُوجَبُ هَذَا هُو ان يصِحٌ قَضاؤه بعد أخذ الرشوة، وأنا نفوذ قضائه فيما أخذ فيه الرشوة، فلا يلزم ممَّا ذُكرَ، وَهَذَا ظَاهِرٌ وإِنْ حَفِيَ عَلَى بعض الناظرين فيه.
(يَستحِقُ العَزلَ): فَيَجِبُ عَلَى السُّلطانِ عَزلَّهُ إِذا عَلِمَ حَالَهُ، وَهَذَا مُوجِبُ مَا ذُكرَ لا معناه كما توهم).
(وهذا ظاهِرُ المذهب: الإشارة إلى ما ذكرَ قَريباً؛ مِن أَنَّ العَدْلَ بالفسق يستحق العزل، ولا ينعزل، وكونه ظاهِر المذهب يتضمن كون صحة قضاء الفاسق ظاهر المذهب، فلا حاجة إلى تعميم الإشارة إليهِ) مَعَ عَدمِ المُساعَدَةِ في الآلة.
(وعَليهِ مَشايخنا)؛ يعني مَشايخ بخارَى وسَمرقند.
الجزء 1 · صفحة 10
قالَ بُرهانُ الدِّينِ الكبيرُ في محيطه»: وإشارات محمَّدٍ في «الكِتابِ مُنعارِضةً، في بعضها يُشير إلى أنَّهُ يَنعِزِلُ، وبه أخذ بعض مشايخنا، وفي بعضها يُشيرُ إِلى أَنَّهُ لا ينعزل، ولكن يستحقُ بهِ العَزلَ، وَبِهِ أَخذَ عامَّةُ المشايخ.
(وقال الشافعي: الفاسِقُ لا يجُوزُ قَضاؤهُ): حقٌّ هَذَا الخِلافِ إلى قوله: (وقال بعض المشايخ) تُقدم عَلى قَولِهِ: (ولو كانَ عَدلاً فَفَسَقَ ... إلخ)؛ لأَنَّهُ مُرتبط بقولهِ: (ولو قبلَ جازَ عِندنا) ارتباط المفهوم بالمنطوق، ومتعلق به تعلَّق أحدِ الشَّيئين) بالآخر. وأيضاً قوله: (وقال بعضُ المشايخ: إذا قُلد الفاستُ ... إلخ)؛ أي: مِنْ تمامِ المسألة القائلة: (ولو كان عدلاً فقس ... إلخ)، فلا وجه للفصل بينهما بما ليس منهما.
كما لا تُقْبلُ شَهادَتْهُ [عِنْدَهُ]): عِبارة «عِنده» مُستَدركةٌ فِي هَذَا المَقامِ، بَلْ مُخِلَّةٌ لانتظام الكلام، كما لا يخفى على ذوي الأفهام.
وقوله: «كمَا تُقبَلُ شَهادتُهُ» تَمثيلٌ عَلَى وَجهِ التَّعليلِ؛ يعنِي: أَنَّ الشَّافِعِيَّ إِنَّمَا قالَ بعَدمِ جواز قضَاءِ الفاسِقِ؛ بناءً على أنَّ الفاسِقَ ليسَ مِنْ أَهْلِ الشَّهَادَةِ عِندَهُ، ومَنْ لا يكُونُ أهلاً للشَّهادةِ لا يَكُونُ أَهْلاً للقضاء، وهَذا بالاتفاق، وقد نصَّ عَلَى ابْتِنائِهِ على ما ذكره في «البدائع.
وأما وجه قولِهِ: إِنَّ الفاسِقَ ليس مِن أهلِ الشَّهادَةِ: فهو أَنَّ مبنَى قَبولِ الشَّهادة على الصدق، ولا يظهرُ الصِّدقُ إلَّا بالعدالة؛ لأَنَّ خَبَرَ مَن لَيسَ بِمَعصُومٍ عَنِ الكَذبِ يحتمل الصدق والكذب، ولا يقعُ التَّرجيحُ إِلَّا) بالعدالة، وهذا أيضاً مذكور في «البدائع.
وأما ما قيل: مبنى قوله المذكُورِ: أَنَّ الأعمال مِن الإيمانِ عِندَهُ، فَإِذا فَسَقَ، فقد انتقص (8) إيمانُهُ، فلا يخفَى ضَعْفُهُ.
وعِندَ عُلمائنا الثلاثة في النَّوادِرِ): قالَ بُرهانُ الدِّينِ الكَبير في «المحيط»:
ولم يشترط الخصَّافُ العدالة، وصاحِبُ «الأقضية» أبو جعفرٍ شَرَطَ العدالة، وكذا الجصَّاصُ شرطها، وهي شرط لازم عِندَ الشَّافعيّ، وهَكَذَا رُوِيَ عَن أصحابنا في غَيرِ رواية الأصول، وبه أخذَ مَشايِخُنا: لأنَّ المقلد اعتمد عدالته، فكانَ تَقليده القضاءَ مَشرُوطاً بعد التهِ، فَيَنتفي بانتفائه.
والقاعدة التي تُسرَتْ عَليها كَثيرٌ من المسائل، وهي أنَّ البَقَاءَ أَسهَلُ مِن الابتداء، لا تُنقَضُ بما
الجزء 1 · صفحة 11
ذكر؛ لما عرفت أنَّ انعزاله بالفسق ليسَ لعَدمِ جواز بقاء التقليد به، بل لانتفاء التَّقليد بانتفاء شرطهِ، دلَّ عَلى ذلكَ بَقَاؤُهُ مَعَ الفِسق فيما إذا قلده وهو فاسق.
ومن المتصدِّينَ لشَرحِ الكِتابِ مَن اعتَرضَ عَلى ما ذُكرَ مُتمسكاً بتِلكَ القاعدة، ثم أتى في معْرِضِ الجوابِ بِشَيْءٍ عُجاب؛ حَيثُ زعمَ أَنَّ تِلكَ القاعِدَةَ انتَقضَتْ هُنا؛ بدَليل اقتضاهُ، وذَكرَ في مَعرِضِ الكَشفِ لما أجابَ بِهِ مَا انْكَشَفَ) بِهِ وَجهُ عَدمِ انتقاضها به.
(وأما الثاني: فالصَّحيحُ): لو قالَ: «وأمَّا الثَّاني، فقد ذكرَهُ محمَّدٌ في «الأصل»، والقُدوري في الكتاب»، ولكنَّ الصَّحيحَ أنَّ أهليَّة الاجتِهادِ شَرطُ الأَوْلَوِيَّةِ»، لكان معطياً حق التفصيل، كما لا يخفى على ذوي التحصيل.
(يمكنه أنْ يَقضِيَ بفتوى غَيره كما يُمْكِنُ للمُفتِي أَنْ يُفتيَ بِقَولِ غيرِهِ.
قال صاحِبُ «الملتقط: إذا كانَ صَوَابهُ أكثرَ مِن خَطئهِ، حَلَّ لَهُ أَنْ يُفتيَ، وإِنْ لم يكن من أهل الاجتهاد، ولا يحل له أن يُفتي إلا بطريق الحكاية، فيحكي ما يحفظ من أقوال الفقهاء، انتهى.
فما قيل: أجمع العلماء على أن المغني يجب أن يَكُونَ مِن أهل الاجتهاد؛ لأنَّه يُبين أحكام الشرع، وإنما يمكنه ذلك إذا علم بالدلائل الشرعية، ليس بذلك، ثم إنه لا يخفى ما في تعليلِهِ مِنَ الخَللِ، فتأمل.
(وأما تقليد الجاهِلِ: صحيح عِندَنا): أرادَ بالجاهِلِ مُقابل العالم كما هو الظَّاهرُ المُتبادِرُ، لا مُقابل المُجْتَهدِ: بأنْ يُراد بالجَهْلِ جَهلُ وُجوه الاجتهاد، وبقرينة القران في الذُّكرِ بقوله: (خلافاً للشَّافعي)؛ فإنَّ خِلافَهُ في الأَوَّلِ دُونَ الثاني، يُرشدُكَ إلَيْهِ تَعليلُهُ؛ فَإِنَّهُ لا يُساعده الخلافُ الثَّانِي.
نعم له خِلافُ فِيهِ أيضًا، إِلَّا أَنَّهُ عَلَى التَّقيدِ لا عَلَى الإِطْلَاقِ؛ فَإِنَّهُ قَالَ باشتراط الاجتهاد في القضاء قبل استقرار المذاهب، لا في جميع الأزمان
نص على ذلك في «عُيونِ المذاهب: حيثُ قال: والاجتهادُ شَرْطُ الأُولَوِيَّةِ، وعندَ الثَّلاثة شرط الجواز.
قال الغزالي وابن هبيرة: هَذا قبل استقرار المذاهب، لا بَعدَهُ.
فإن قلت: أليس مقتضَى السَّباقِ خِلافُ هَذا؟
قلتُ: بَلْ مُقتضَاهُ عَينهُ؛ فَإِنَّهُ لو كانَ المراد بالجاهِلِ مُقابل المجتهد، لكان حقه أنْ يَقول: فتقليدُ
الجزء 1 · صفحة 12
الجاهِلِ صحيح، ولما فصلهُ عمَّا قبلَهُ بِكَلِمَةٍ: «أَمَّا»، عُلِمَ مِنهُ أنهُ أَخذَ في مسألة أخرى. قال في البدائع: أما إذا لم يكن من أهل الاجتهاد؛ فإن عرف أقاويل أصحابنا وحفظها على الاختِلافِ والاتفاقِ، عَمِلَ بقَولِ مَن يَعتَقِدُ قولَهُ حَقًّا عَلَى التقليد، وإن لم يحفظ أقاويلهم عمل بفتوى أهل الفقه في بلده من أصحابنا، إلى هنا كلامه.
ومُراد المصنفِ بما ذُكر بيانُ حَالِهِ عَلى التَّقديرِ الثَّاني، يُرشِدُكَ إِليه قوله في التعليل: «إنَّهُ يمكنه أنْ يقضي بفتوى غيره».
وبهذا التفصيل تبيَّنَ أَنهُ قَدْ خَفيَ وَجهُ المقالِ عَلَى مَن قَالَ: يَحتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُراده بالجاهِلِ المقلد؛ لأنَّهُ ذَكرهُ في مُقابلة المجتهد، وسماه جاهلاً بالنسبة إلى المجتهد، وهو المناسب لسباق الكلام.
ويحتمل أن يكُونَ المراد بهِ مَن لا يحفَظُ شَيئاً مِن أقاوِيلِ الفُقَهَاءِ وهُو أَنسَبُ لسياق الكلام، وهو قوله: «خلافاً للشَّافعيّ»؛ فإنهُ علَّلهُ بقوله: «إِنَّ الأمرَ بالقَضاءِ يستدعي القدرةَ عَليهِ، ولا قُدرة بدُونِ العِلمِ، ولم يقل: دُونَ الاجتهاد، وشبهه بالتحري: فإنَّ الإنسانَ لا يصِلُ إلى المقصُودِ بتحرِّي غَيْرِهِ بالاتفاق، فلو صلَّى بتحري غيره، لمْ يُعتبر ذلكَ، انتهى كلامه.
وتفصيل ما ذكر بقوله: «وشبهه بالتحري ... إلخ»: أنَّ القاضي في قضائه في الخلافيَّاتِ حاله يُشَبَّهُ بحالِ المُتحرِّي فيما يَحتاجُ إلى التحري، ومَن لا يحفَظُ شيئاً من أقاويل الفقهاء لا يقدر على القضاء فيها باختياره قول بعضهم على قولِ المُخالف، فيحتاج إلى العمل باختيار الغير، ولا رخصة له؛ إذ العمل بتحري الغير غير جائز، فكذا الحال فيما يُشبِهُه من القضاء، وأَمَّا مَن يحفَظُ أقاويلهمْ، فإنَّهُ قادِرٌ عَلى العمل ببعض الأقوال المتخالفة باختياره من عند نفسه، فلا تعدُّرَ في قضائهِ مِن تلكَ الجَهالَةِ.
وبهذا التقرير انّصْحَ وَجهُ دلالةِ التَّشبيه المذكُورِ عَلَى أَنَّ المرادَ مِن الجَاهِلِ ما يُقابِلُ العالم لا ما يقابل المجتهد.
(وهو إيصال الحق إلى مستحقه): في الحصر المذكور نظر؛ فإنَّ إيقاءَ الحق في يدِ مُستحقه، وإقامة الحُدودِ مِن مَقاصدِ القَضاءِ أَيضَاً.
وينبغي للمقلد أنْ يختارَ: بل يجِبُ عَليهِ ذَلكَ عَلى ما دلَّ عَليهِ النص المذكورُ في معرض التعليل.
فعبارة: «ينبغي لا تنبغي.
الجزء 1 · صفحة 13
القولهِ عَليهِ السَّلامُ: مَن قلد ... »): الحديث بهذهِ العِبارةِ غَرِيبٌ، ورَواهُ الحاكم في المستدرك» بهذه العبارة: «من استعمل رجُلاً على عصابة، وفي تلك العصابة من هو أرضَى الله منه، فقد خانَ اللهَ ورسولَهُ وجَماعة المؤمِنينَ، وقال: صحيح الإسنادِ
وأخرجه الطبراني عنِ ابنِ عباس رضي الله عنهما بهذهِ العِبارة: «مَن تولَّى مِن أمر المسلمينَ شَيئاً، فاستعمل عَليهِمْ رجُلاً وهو يعلَمُ أَنَّ فِيهِمْ مَن هُو أولَى بِذلِكَ وأعلَمُ منه بكتاب الله وسنَّةِ رَسولِهِ، فَقَدْ خانَ اللهَ ورسولَهُ وجماعةَ المُسلِمين.
رواه أبو يعلى الموصلي في «مُسنَدِهِ» عَن حُذيفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَن النبيِّ عَليهِ الصَّلاة والسَّلام بهذه العبارة: أيما رجل استعملَ رَجُلاً عَلَى عَشَرَةِ أَنفُسٍ، وَعَلِمَ أَنَّ في العشرةِ مَن هُو أفضَلُ منه، فقَدْ خانَ اللهَ ورسوله وجَماعةَ المُسلِمينَ». فقد عرفتَ ممَّا أخرجه الطبرانيُّ أنَّ ما ذكرَ مَشروطٌ بِعِلمِ المقلدِ أَنَّ فِي رَعِيَّتِهِ مَن هو أولى من المقلد، فإن لم يعلم ذلِكَ يَكُونُ مَعذوراً.
ليعرف معاني الآثار: أراد بالمعاني العلل التي هي مناط الأحكام، وإنما ذكر الآثارَ دُونَ الأخبار: لانتظامها أقسام السُّنَّةِ من القولية والفعليَّةِ والتَّقريريَّةِ، دُونَ الأخبار. أوْ صَاحِبَ فقهِ لهُ مَعرفةٌ بالحَديثِ: يعني لا بدَّ مِن مَعرفتِهما معاً، سَواءٌ كَانَ انتسابه إلى الحَديثِ، وأظهرَ مُلازمتهُ إِيَّاهُ أكثرَ، فَيَكُونُ مِن فُقَهَاءِ أَصحَابِ الحَدِيثِ، أو إلى الفقه، فيكُونُ مِن محدثي أصحاب الفقه.
ثمَّ إِنَّهُ إِنَّما ذَكَرَ لِكُلِّ مِنهُما فائدَةً عندَ ذِكرِهِ ضَمِيمَةٌ لما ذُكرَ في مَقامِ الأَصالَةِ؛ لشدَّةِ الحاجَةِ عِندَ ذَلكَ إلى بَيانِ الفائدَةِ لَهُ، وهَذا هو الوَجهُ لتَحْصِيصِ ذِكرِ كلَّ مِن التعليلين بأحدِ الوَجهَينِ المَذْكُورينِ في مَقامِ التَّحدِيدِ، مع أَنَّهما مَلحُوظانِ في كلِّ منهما، وإن لم يكونا ملفوظين كذَلكَ، ومَن لم يتنبه لهذا قال ما قال، وماذا بعد الحق إلا الضلال. ثمَّ إِنَّهُ تَفنَّنَ في ذكرِ التعليلين: إشارة إلى قوة الحاجة إلى معرفة الفقه؛ حيثُ عَلَّلها بفائدَةِ الوُجودِيةِ دُونَ العَدميَّةِ، وهي الاحترازُ عَنِ الخَطأ في الاجتهاد، وعَلَّلَ مَعرفة الحَديثِ بفائدَةٍ عَدميَّةٍ دُونَ وُجوديَّة، وهي الوُقوفُ على مأخذ الأحكام.
بقي هاهنا شيء؛ وهو أنَّ مَعرفة الحَديثِ لا يكفي في الاحتراز المذكُورِ بقوله:
(كيلا يشتغل بالقياس في المنصوص عَليهِ)، بل لا بدَّ مِن مَعرفةِ الكِتابِ أيضاً. يعرفُ بها عاداتِ النَّاسِ): لو زاد قوله: «وَعُرْفَهم»، لكان أولى؛ إذ لا بد للمجتهد من معرفتهما؛ فإنَّ العُرْفَ قد يغلب على القياس، والحكم قد يتغير بتغير العادات للنَّاسِ، وكثير من الأحكامِ تَبتَني عَليهما؛ كالاستصناع، وعدمِ
الجزء 1 · صفحة 14
سقوط الخيار في البيع برؤية خارج الدار، وأحد نوعي العُرفِ - وهو العملي - وإن أمكن درجه في العادة، ولكن نوعه الآخَرَ - وهو القَوليُّ - لا يمكِنُ دَرجُهُ فيها.
مثاله: ما سَبقَ في كِتابِ الأيمان: مِن أنَّ مَن حلف لا يَسْتَرِي بَنفسجاً، ولا نيَّةَ له، فهو عَلى دُهنه؛ اعتباراً للعُرْفِ، وقيل: في عُرفنا يقعُ عَلَى الوَرقِ، وَإِنْ حَلَفَ عَلَى الورد، فاليَمينُ يقعُ عَلى الوَرقِ؛ لأَنَّهُ حَقيقةٌ فيه، والعُرفُ مقرر له، وفي البنفسج قاصر عليه.
ولا بأس بالدُّخولِ في القَضاءِ): ولقائلِ أنْ يَقُولَ: إِنَّما تُستَعمَلُ عِبارة: «لا بأسَ فيما يتخلَّص عنه رأساً برأس، ومَن يُقيمُ فَرْضاً ولو عَلَى الكِفاية، لا يحرَمُ مِنَ الثّوابِ، فبينَ التَّعليلِ والمعلَّلِ تدافع ظاهر.
وبهذا التقرير للسُّؤالِ اندَفعَ جَوابُ مَن قالَ: إنهُ كذلكَ؛ يعني: أنَّ مُقيمَ فرضِ الكفاية لا يُحرم من الثَّوابِ إِلَّا أَنَّ فِيهِ؛ أي: في تقليدِ القَضاءِ خَطرَ الوُقوعِ في المحظور، فكان به باس. (لأنَّ الصَّحابةَ رَضِيَ اللهُ عَنهمْ: إِنَّما خصهم بالذَّكرِ فِي مَقامِ التَّمَسُّكِ بتقليد القَضاءِ؛ لأنَّ الأنبياء عَليهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ مُؤيَّدُونَ مِن عِندِ الله تعالى، فلا وَجهَ للتمسك بدخولهم في القضاء، ولما في هَذا الاعتبارِ مِن الدُّقَةِ ذَهَبَ عَلَى المُتصَدِّينَ لشرح الكتاب. (ولأنه فَرضُ كفاية)؛ يعني عَلى الَّذِين استجمعُوا شَرائط صحةِ القَضَاءِ، وأمكن لهم القيام بحقه، ومُوجِبُ كونِهِ فرضَ كفاية أَنْ يَكُونَ فِيهِ ثوابُ دُونَ عِقابِ. فما أصابَ مَن قال: ولكنَّهُ معَ هَذا يجب الاحتراز عنه؛ لاشتماله على خطر عظيم؛ فلهذا قال: لا بأس.
ثمَّ إِنَّهُ أتى في تعريفه المذكُورِ بقوله: «فلهذا» بشيء عُجاب كما لا يخفى على ذوي الألباب.
لكونه أمراً بالمعروفِ: اقتَصرَ عَلى هَذا، ولم يذكر شقيقه؛ لشموله أفراد القَضاءِ دُونَ شَقيقِهِ: فإنه مخصُوص بالقضاء المتعلق بالزَّواجرِ: كالقصاص، والحدود، والتَّعزير. نعم؛ لو كانَ التَّعليلُ يتضمَّنُ القضاء إيَّاهُ، لكانَ الوَجهُ أَنْ يَذكرَ شَقِيقَهُ أيضاً، ومن لم يتنبه لهذا الفَرقِ الدَّقيق، ذكر في شرح كلام المصنفِ ما تُرِكَ لاعتبار اقتضى تركه، فكأَنَّهُ ظَنَّ أَنَّ المصنف قصَّرَ في إيفاءِ حقه، ولمْ يدرِ أَنَّ ذلِكَ الظَّنَّ؛ لقصوره عن إدراك مر الاقتصار.
ويُكره الدخول فيهِ: هَذا لا ينافي فرضيه على الكفاية؛ لما عرفت أنها في حق الذين أمكن لهم القيام بحقه، والكراهة فيمَنْ عَجِزَ عَنهُ، وَاللهُ سُبحانهُ وتعالى أعلم.
والحَمدُ للهِ عَلى الاختتام، ولرسوله أفضَلُ الصَّلاةِ والسَّلام، ما دارَتِ الدُّهورُ والأعوام.