الجزء 1 · صفحة 7
الإيضاح في شرح الإصلاح
لشمس الدين ابن كمال باشا الحنفي
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين
أحمده في البداية والنهاية على الهداية والوقاية وأشكره على ما أنعم عليَّ من التوفيق والعناية، وأصلي على من بلغ الغاية، وبلّغ الآية، محمد قاطع دابر أهل الضلالة، وقالع أصل الجهالة والغواية، وعلى آله وصحبه والتابعين من بعده، الذين نهجوا منهاج الرواية، وعرجوا في معراج الدراية.
أما بعد:
فغير خاف على ذوي البصائر، أن المختصر الموسوم بالوقاية مع صغر حجمه ووجازة، نظمه كتاب حاوِ لمنتخب كل مزيد ومفيد ومنتقى كل مديد وبسيط، جامع نافع لخلاصة كل وجيز ووسيط، بحر محيط بغرر درر الحقائق، وكنز مغنٍ أُودع فيه نقود الدقائق، إلا أن فيه نبذاً من مواضع سهو وزلل، خبط وخلل، ولا غرو فإنّ الجواد قد يكبو، والصارم قد ينبو، فأردت تصحيحه وتنقيحه بنوع تغيير في أصل التعبير، أو في فصل النظم ووصله ونسق التركيب، وقصدت تكميله وتقويمه وتعديله ببعض حذف وإثبات، وتبديل في التصوير والتحرير والترتيب.
ثم إن شرحه المنسوب إلى التحرير الشهير بصدر الشريعة - تغمده الله بالرحمة والغفران الذي سارت بذكره الركبان وصار مقبولاً عند أفاضل الأنام، مع احتوائه على تصرفات فاسدة واعتراضات غير واردة، لا تخلو عن القصور في تقرير الدلائل، بل عن الخطأ في تحرير المسائل؛ لعدم العثور على مأخذ الكلام، فلاجرم كان مضلة للأفهام، ومزلة للأقدام.
ولما وقفت على هذه الطامة وشاهدت ما فيه من المضرة العامة، سعيت في إيضاح ما يحتويه من الخبط والخطأ، وتبيين وجه الحق بكشف الحجاب والغطا، وقفيت أثر ذلك الفاضل إلا فيما زل. فيه قدمه وتتبعت أثره فمحوت ما طغى فيه قلمه، وسميت المتن بالإصلاح؛ التضمنه إصلاح ما في الوقاية من الزلل، والشرح بالإيضاح لاشتماله على إيضاح ما في الشرح المذكور من الخلل.
الجزء 1 · صفحة 8
وكان شروعي في ذلك الأمر الخطير في شهور سنة ثمان وعشرين وتسعمائة من تاريخ هجرة نبينا عليه وعلى سائر الأنبياء الصلاة والسلام، ووقع الاختتام لسلخ شوال ذلك العام، وكنت أقدر الإتمام في أكثر من ثلاث سنين، وتيسر لي في أقل من ثلث السنة. بعون الملك العلام.
وذلك بيمن دولة السلطان الأعظم والخاقان الأكرم الأعلم، الذي الله جمع في طبعه الملكي نفائس العلوم والحكم، مالك رقاب الأمم، خليفة الله في العالم، حامي بلاد أهل الإيمان ماحي آثار الكفر والطغيان، أصبح الرعايا في عهد خلافته فارغة البال، وظل البرايا في مهد رأفته رافعة الحال، كف فكيه عن نهر السائل وفك كفيه عن نهر سائل، ولقد أحسن في حُسن وصفه القائل:
له راحة منها الولاة براحة له شوكة منها العداة بشكوة
الجزء 1 · صفحة 9
سلطان سلاطين العرب والعجم، خاقان خواقين الترك والديلم، خالع لباس بأس الإفرنج والانكروس، قالع أساس الكفر والفساد عن قلاع بلغراد ورودس، وهو السلطان ابن السلطان مفخر آل عثمان السلطان سليمان ابن السلطان السعيد الشهيد صاحب الآيات الظاهرة ناصب الرايات الباهرة، فاتح الشامات والقاهرة، قاهر الملوك وقهرمان القروم سلطان العرب والعجم والروم، سليم خان ابن السلطان بايزيد خان ابن السلطان محمد خان ابن السلطان مراد خان بسط الله تعالى بساط خلافته على بسيط الغبراء مدى الأيام، ومهد فوق فرق الفرقدين مهاد خلافته إلى يوم القيام. وحُسْنِ إقبال آصف الزمان، سمّي خليل الرحمن سلطان الوزراء في الشرق والغرب، مقدام الأمراء يوم الضرب والحرب على تربية أهل الفضيلة والكمال، وتهيئة أسباب أرباب الفضل والإفضال، لا زال لسانُ سِنانِهِ بالحق ناطقا وسنان لسانه للباطل، ماحقاً، وهو الذي صرف عنان العناية نحو حماية الإسلام، برعاية العلماء الأعلام، وأمطر على العالمين سحائب الإكرام والإنعام وخص من بينهم العالمين بمزيد الإعزاز والاحترام، أقامت بالرقاب له أياد هي الأطواق والناس الحمام، أجرى الله تعالى معالي السلطان والوزير على صفحات الأيام، وربط أطناب دولتهما بأوتاد الخلود والدوام، ولا زال متن العلماء بألطافهما متيناً، ويرحم الله عبداً قال آمينا.
كتاب الطهارة
الطهارة في اللغة: مطلق النظافة.
وفي الشرع: النظافة عن النجاسة حقيقية كانتْ وهي: الخبثُ، أو حكميةً وهي: الحدث، وباعتبار الثاني تنقسم الطهارة إلى: الكبرى واسمها الخاص: الغسلُ، وهي: النظافةُ عمَّا يوجبُهُ، جنابةً كانت أو حيضاً أو نفاساً، وذلك الموجبُ الحَدَثُ، الأكبرُ، وإلى الصُّغرى واسمُها الخاص: الوضوء، وهي: النظافةُ عمَّا ينقضُهُ، وذلك الناقضُ الحدث الأصغر.
وها هنا نوع آخر وهو: التيمُّمُ، فإنَّه ج: طهارة حكمية يخلفهما معاً، ويخلف كلاً منهما منفرداً الآخر.
الجزء 1 · صفحة 10
عن فإن قلت: الطهارة اسمُ جنس فتشمل الأنواع والأفراد فلا حاجَةً إلى لفظ الجمع، قلتُ: بل الحاجة إليه قائمة، فإنَّه لو أتى بلفظ الواحد لما دل على أنها هنا أجناساً تشملها الطهارة ب: فَجَمَعَ ليَدلُّ على ذلك.
قال الله تعالى: {يَتأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} ... افتتح الكتاب بهذه الآية تيمناً، وإلَّا فذكر الدليل خصوصاً على وجه التقديم ليس من دأبه.
(ففرض الوضوء الفاء للتعقيب والفرضُ لغة: التقدير والقطع. (
وشرعاً: ما ثبت لزومُهُ بدليل قطعي لا شبهةً فيه، كأصل الغسل والمسح في أعضاء الوضوء، وهو الفرضُ علماً وعملاً ويسمى الفرض القطعي، وكثيراً ما يطلق الفرضُ على ما يفوتُ الجواز بفوته ولا ينجبر بجابر، كغسل مقدار معين ومسح مقدار معين فيها، وهو الفرضُ عملاً لا عِلماً، ويسمى: الفرض الاجتهادي، وذكر الحدودِ الخلافية والمقدار الاجتهادي اقتضيا حمل الفرض المذكور على المعنى الثاني.
والوُضُوه بضم الواو -: اسمٌ للفعل، والشرع نقله إلى الطهارة الصغرى، وبفتحها: اسم للماء الذي يُتَوَضَّأُ بِه.
غَسْلُ الْوَجْهِ الغسلُ: الإسالة، والوجه حده لم يُذْكَرُ في ظاهر الرواية، وذُكِرَ في غير رواية الأصول على وفق ما ذكرَهُ المصنفُ، قالوا: وهو حد صحيح؛ لأنه تحديد له بما ينبئ عنه لفظه لغةٌ.
من الشعر، أي: من منتهى منبته عادةً، سواء نبت فيه شعر أو لم ينبت إلى الأذن فيجب غسل البياض الذي بين العذار والأذن، وهو قول أبي حنيفة ومحمد- رحمهما الله-، وروي عن أبي يوسف رَحِمَهُ الله- أنه لا يجب؛ لوجود الحائل.
ولهما: أَنَّهُ لا شعر عليه فبقي على ما كان عليه، وبه قال الشافعي وأحمد رحمهما الله، وقال مالك: لا يجب غسله قبل نبات العذار وبعده، فخلافه في دخوله في حد الوجه، وأما أبو يوسف رَحِمَهُ الله - فلا خلاف له فيه؛ ولذلك يقول بوجوب غسله قبل نبات العذار.
الجزء 1 · صفحة 11
وقال شمس الأئمة الحلواني: في غسله ضرب كلفة ومشقة، فالأولى أن يقال: إنه يكفيه أن يبله بالماء، بناء على ما روي عن أبي يوسف أن المصلي إذا بل وجهه وأعضاء وضوئه بالماء ولم يسل الماء عن عضوه أَنَّهُ يجزؤه، ذكره صاحب الذخيرة، ثم قال تضعيفاً له: ولكن قيل تأويل ما روي عن أبي يوسف أنه سال من العضو قطرة أو قطرتان ولم يتدارك، يعني أن المروي المذكور لا يصلح مبنى لما قاله شمس الأئمة؛ لأنه ليس على ظاهره بل مؤول بما لا يصلح لذلك، وأيضاً هو عام فلا وجه لتخصيص ما بني عليه.
وأسفل الذقن اعلم أَنَّهُ يجب غسل ما بين هذه الحدود قبل نبات الشعر إلا عند مالك، وإذا نبت الشعر يسقط غسل ما تحته عند عامة العلماء، وقال أبو عبد الله البلخي يه لا يسقط، وقال الشافعي إن كان الشعر كثيفاً يسقط وإن كان خفيفاً لا يسقط وعلى هذا الخلاف غسل ما تحت الشارب والحاجبين.
وأما الشعر الذي يلاقي الخدين وظاهر الذقن فقد روى ابن شجاع عن الحسن عن ابي حنيفة-رحمه الله-وزفر أَنَّه إذا مسح من لحيته ثلثاً منها أو ربعاً جاز، وإن مسح أقل من ذلك لم يجز.
وقال أبو يوسف: إن لم يمسح شيئاً منها جاز، قال فيد: البدائع: وهذه الروايات مرجوع عنها، والصحيح أنه يجب غسله لأن البشرة خرجت من أن تكون وجها؛ لعدم المواجهة لاستتارها بالشعر، وصار ظاهر الشعر الملاقي إياها ظاهر الوجه؛ لأن المواجهة تقع به، وإلى هذا أشار أبو حنيفة فقال: وإنما مواضع الوضوء ما ظهر منها، والظاهر هو الشعر لا البشرة فيجب غسله.
وإذا وقفت على هذا فقد انكشف لديك وجه الدقة في اعتبار صاحب الهداية، حيث لم يذكر اللحية نظراً إلى أنها ليست بصاحبة وظيفة مستقلة، بل هي قائمة مقام ما تحتها، فلها حكمه لا حكم آخر، واتضح ما في قول من قال ومسح ربع الرأس واللحية فرض، وقول من قال: مسح ربع اللحية فرض عند أبي حنيفة -رحمه الله-.
الجزء 1 · صفحة 12
واليدين والرجلين مع المرفقين والكعبين المرفق بكسر الميم وفتح الفاء وعكسه مجتمع الساعد والعضد، والمراد من الكعب ها هنا: هوالعظم الناتئ المتصل بعظم الساق.
وفي دخولهما في المغسول خلاف لزفر بناءً على أن الأصل في الغاية عدم الدخول تحت المغيَّا، كالليل في الصوم، ولنا أن ضرب الغاية لا بد له من فائدة، وهي إما من الحكم إليها، أو إسقاط ما وراءها، والأول يحصل ها هنا بدونه لأن اليد اسم لذلك العضو إلى الإبط، فتعيَّن الثاني، وموجبه دخول الغاية تحت المغيا.
ومسح ربع الرأس المسحُ في اللغةِ إمرار اليد على الشيء السائل أو المتلطخ لإذهابه، ذكره صاحب القاموس.
وفي الشرع: إصابة البلل سواءٌ كانَ المصاب عضواً أو غيره، كالخف والسيف ونحوه، وسواء كانت الإصابة باليد أو بغيرها، يرشدك إلى هذا أَنَّهُ لو أصابَ رأسَهُ أو خفَّهُ من ماء المطر قدر المفروض أجزأه مسحه باليد أو لم يمسحه.
وشرط في صحة المسح أن لا يكون البلل مستعملاً، كما شرط في صحة الغسل أن لا يكون الماء مستعملاً، فلا يصح المسحُ ببلل يأخذه من عضو، ممسوحاً كان أو مغسولاً، وكذا يبلل بقي في يده بعد المسح، وأما الذي بقي فيها بعد الغسل فقال الحاكم ج: الشهيدُ: لا يجوز المسح به أيضاً، وخطا عامَّةُ المشايخ لما ذكرَهُ محمد في مسح الخف و: أَنَّهُ إذا توضأ ثم مسح على الخف بيلة بقيت على كفه بعد الغسل جاز.
والصحيح ما قاله الحاكم، فقد نصَّ الكرخي في جامعه الكبير على الرواية عن أبي حَنِيفَةً وأبي يوسف رحمهما الله- مفسراً معللاً: أَنَّهُ إذا مسح رأسه بفضل غسل ذراعَيْهِ لم يجز إلا بماء جديد؛ لأنه قد تظهر به مرّة.
الجزء 1 · صفحة 13
واعلم أن العلماء قد اختلفوا في مقدار المفروض من الرأس، فعن أصحابنا فيه ثلاث روايات في ظاهر الرواية مقدَّر بثلاث أصابع من اليد مطلقاً، وفي اختلافِ زفر ويعقوب مقدَّرٌ: بربع الرأس، وهو قول زفر، وذكر الشيخ أبو الحسن الكرخي والشيخ أبو جعفر الطحاوي مقدار الناصية، وقال مالك: ما لم يمسح جميع الرأس أو أكثرَهُ لا يجوز، وقال الشافعي - رحمه الله - إذا مسح مقدار ما يسمى ماسحاً جاز.
والصحيح جواب ظاهر الرواية، كذا في التحفة، فالباءُ عند مالك صلة، كما في قوله تعالى: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ}، وعند الشافعي للتبعيض، وعندنا للإلصاق، ومن رام تفصيل الكلام وتحقيق المقام، فعليه بمطالعة شرحنا للهداية، فثمةَ مَأْخَذُ عَنَانِهِ، وموضع بيانه.
وَسُنَتُهُ آثَرَ صيغة الجمع على صيغة المفردِ تنبيهاً على استقلال كل منها دليلاً وحكماً، أما الأول فظاهر عندَ مَنْ تأمَّلَ في الهداية وسائر الكتب المطولة، وأما الثاني؛ فلأنَّ ما يترتب على فعل السنَّةِ وتركها من الثواب والعقاب يترتب على فعل كل منها وتركه منفردةً كانتْ أو مجتمعة مع أخواتها، وليس الأمر في الفرض كذلك، فإنَّ فرضَ الوضوء مجموع غسل الأعضاء الثلاثة ومسحُ الرأس، لا أنَّ كلاً منها فرض مستقل يترتب على فعله وتركه حكم الفرض؛ ولذلك آثر فيه صيغة المفردِ ومَنْ لم يَتَنَبَّة لهذه الدقيقة الأنيقة، سلك في الموضعين مسلك الإفراد.
والسنة: ما واظب عليه النبيُّ - صلَّى اللهُ علَيْهِ وسَلَّمَ- على وجه العبادة مع الترك في الجملة، هذا هو المشهور في حدها المسطور في الكتب، وفيه قصور لأنَّ ما واظب عليه الخلفاء الراشدونَ أيضاً من السنة، ألا يرى إلى ما قاله صاحب الهداية في التراويح: والأصح أنَّها سنَّةٌ؛ لأنَّه واظب عليها الخلفاء الراشدون، وقال في النهاية: والدليل على أنَّها سنَّةٌ قوله - عليه السلام: عليكُم بِسُنَّتِي وسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِيْنَ مِنْ بَعْدِي.
الجزء 1 · صفحة 14
البداية بالتسمية قولاً، وبغَسْلِ يَدَيْهِ فعلاً، وللتنبيه على أنَّ البداية تقع بكل منهما حقيقة لا إضافةً، أعاد حرف الجر في المعطوف، وإنما ترك قولهم: للمستيقظ: تنصيصاً على ما هو المختارُ، وهو عدم اختصاص سُنْيَّةِ البداية بغسل اليد بالمستيقظ، وأما تركُ قولهم: قبل إدخالهما الإناء؛ فلئلا يُتَوَهَّمَ اختصاص سنِّيَّتِها بوقتِ الحاجة إلى إدخالهما الإناء، بناءً على أنَّ المفهوم معتبر في الروايات اتفاقاً.
والسنة تقديم غسل اليد، وأما نفسُ الغسل ففرض، وللإشارة إلى هذا المعنى قال في البداية: بغسل يديه، ولم يقل: غسل يديه ابتداءً كما قاله غيره.
إلى رسفَيْهِ الرّسع: موصل الساعد بالكف ثلاثاً.
والسواك والمضمضة بمياه لم يقل ثلاثاً معَ أَنَّهُ أخص، وفي الدلالة على العددِ المسنون أظهرُ لما في عبارةِ المياهِ منَ الإشارة إلى أنَّ السنَّةَ التثليث بتجديد الماء، لا مطلق التثليث.
والتثليث ها هنا ممكن بدونِ التجديد بخلافِ ما تقدم لكون الماء مستعملاً بالانفصال عن العضو المغسول ولذلك اكتفى ثمة بذكرِ العدد.
والاستنشاق بمياه كررَ قولَه بمياء؛ لأنَّ السنَّةَ عندنا تجديد الماء لكل منهما، خلافاً للشافعي - رحمه الله -.
اعلم أن المضمضة ليست غسل الفم، وكذا الاستنشاق ليس غسل الأنف، بل هي عبارة عن إدارة الماء في الفم، وهو عبارةٌ عن جذب الماء بالنَّفْسِ، نصَّ على ذلك في فصل الجنائز من غاية البيان، فمَنْ بدَّلَهُما بغسل الفم والأنف لم يُصِبْ.
وتخليل اللحية والأصابع هذا إذا كان الماء واصلاً إلى خَلَلِ الأصابع بدون التخليل، وأما إذا لم يصل بدونه فهو فرض.
وتثليث الغسل ومسحُ كلَّ الرأس مرةً خلافاً للشافعي، فإنَّه يرى التثليث في المسح أيضاً سنة والخلاف في التثليث بمياء، والأذنين بمائه أي: بماء الرأس خلافاً له، فإنَّ تجديد الماء لمسحهما سنة عنده.
والنية وهي فرض عند الشافعي لقوله: «إنما الأعمال بالنيات».
الجزء 1 · صفحة 15
وجه الاستدلال: أن المقصود الأهم من بعثةِ الرُّسُلِ - عليهم السلام بيان الحل والحُرْمَةِ والصحة والفسادِ، فكانَ الظاهرُ بقرينة الحال المتبادر إلى الفهم من ذلك المقال إرادة الصحة أو ما يعمها نحو حكم الأعمال، فإن قدر الصحة فظاهر، وإن قدر الحكم الشامل لها فكذلك؛ لما عرفت من قيام القرينة على إرادتها، فلا مساغ لإخراجها عن حيز الإرادة.
ونحن نقول في جوابه: كما أَنَّهُ لم يُرِدْ بنفي العمل بدون النيَّة نفي وجودِهِ، كذلك لم يُرِدْ به نفي صحتِهِ؛ لعدم الصحة، فإنَّ أكثر الأعمال تصح بدونِ النِّيَّةِ، كما أنَّ كلَّها يوجد بدونها، وحملها على العباداتِ يُبْطِلُ الاحتجاج؛ إذ غايةُ ما لَزِمَ منه حينئذٍ أن لا يكون الوضوء بدون النية عبادة، ونحن لا ننكره على ما ستقف عليه عن قريب.
على أَنَّهُ حينئذ يضعُ التكلف في الصرف عن الظاهر، وهو نفي الوجود إلى نفي الصحة؛ لأنَّ العمل العاري عن النية ليس بعبادة، فوُجُودُها مشروط ج: بالنية، بل أريد به نفي اعتباره بدونها - أعني اعتبارهديانة لا قضاء - لأنَّا نحكم بالظاهر، والله يتولَّى السرائر، فكأنه قيلَ إِنَّمَا اعتبارالأعمال بينه وبين الله تعالى بالنيات؛ وذلك أنَّ العمل الواحد بعينه يكون بنية حراماً وبأخرى حلالاً، بل مندوباً، أو واجباً، كالأكل فوق الشبع، فإنَّه حرام بقصد التشهي والتلذذ، ومباح بل مندوب بقصد أنْ لا يستحي الضيف الجائع، والرمي إلى مسلم تترَّسَ به الكفار، فإنَّه حرام بقصد قتل المسلم، وفرض بقصد دفع مضرةِ الكفَّارِ إذا انحصر الطريق فيه.
فموجب الحديث على هذا المعنى أن لا يكون لعمل من الأعمال أي عمل كان وزن واعتبار عند الله إلا بنية خالصة، وبذلك ينتهض حجة على اشتراط النية في عامة العبادات، لا على اشتراطها في صحة الأعمال والله أعلم بحقيقة الحال.
الجزء 1 · صفحة 16
ودليلنا على عدم الفرضيةِ أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاة والسلام- علم الأعرابي الوضوء ولم يذكر النية، ولو كانت مما لا بدَّ و: منه لما أهملها.
فإن قلت أليس كل عارف باللغة يفهم من قوله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصلوة فَاغْسِلُوا الآية، أنَّ المأمور به هو الغسلُ لأجل الصلاة، لا الغسل مطلقاً، كما يُفهم من قولك إذا أردت الدخول على الأمير فتاهبُ أنَّ المراد فتأهب له، قلت: بلى، ولكن الكلام فيما هو مفتاح الصلاة، لا في الوضوء المأمور به، وبينهما فرق على ما بُيِّنَ في موضعه من كتب الأصول والفروع.
بقي ها هنا شيء، وهو أنَّ الظاهر من تصدير بيان فرض الوضوء وسننه بالآية المذكورة وترتيبه عليها أن يكون الكلام في الوضوء المأمور به.
وترتيب، نَصَّ عليه أراد التنصيص من قبل الشارع كما هو المتبادِرُ، وذلك أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ - لَمَّا بين الترتيب المسنونَ بفَعَلِهِ، حيثُ واظب عليه، كان فعله ذاك نصاً من قبيل السنة الفعلية، لا التنصيص في آية الوضوء؛ لأنَّها خلو عن الدلالة عليه عندنا، وهل المشاجرة بيننا وبين المخالفين إلا فيه.
فإن قلت: أليس ذكرُهُ في النَّص المذكور مرتباً؟ قلتُ: بلى، ولكن الترتيب في الذِّكْرِ لا يدلُّ على الترتيب في الوجودِ؛ ولذلك لم يتمسك المخالف به، بل تمسك بحرف الفاء، ورُدَّ عليه بأنَّها داخلة في المجموع لا في غسل الوجه وحده.
ولا يخفى عليك أن مبنى الاحتجاج على أن يكون وضع الفاء الجزائية للتعقيب بدونِ الفصل، ولم يثبت ذلك، كيف ولو كان كذلك لما صح الفصل بين القصدِ إلى الصلاة والوضوء بعمل آخر؟ ومن رام زيادة تفصيل في هذا المقام فلينظر ما علقناه على الهدايةِ في سَلكِ المطالعة.
والولاء، أي: الموالاة: بين أفعال الوضوء، بحيث يكون غسل المتأخر أو مسحه قبل أن يجف المتقدم، وهو فرض عند مالك.
الجزء 1 · صفحة 17
والدليل على سنية هذه الأمور كلها مواظبته- علَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - مع الترك في الجملة عند العمل، أو عند التعليم.
ومستحبه التيامن، أي: الابتداء باليمين في غسل الأعضاء، فإن قلت: قد واظب النبي - صلى الله عليْهِ وسَلَّمَ- على التيامن فكان حقه أن يكون من السنن، قلتُ: إِنَّما واظب عليه على سبيل العادة، والمعتَبَرُ في السنية المواظبة على سبيل العبادة.
ومسح الرقبة.
وناقِضُهُ: ما خرج من السبيليْنِ المراد ما اعتاد خروجَهُ وإنْ لم يخرج على الوجه المعتاد، لا بدَّ من التخصيص بالخارج المعتاد إخراجاً للريح الخارجة من الذكر أو القُبل من الحد المذكور لأنَّها لا تنقض الوضوء، نَصَّ عليهِ في الهداية.
ومن التعميم للخروج ج لا على وجهِ المعتادِ إدخالاً لدم الاستحاضة، وما خرج مع دودة من البلةِ فيهِ فافهم هذا الاعتبار الدقيق فإِنَّهُ قد ذهب على كثير من الناظرين في هذا المقام.
أَوْ مِنْ غَيْرِهِ أي من غير أحد السبيلين، ففيه تنبيه على أنَّ المضاف مقدَّر في قوله: من السبيلين ولفظة أو لتنويع المَخْرَجِ لا لتنويعالخارج، يُرشدك إلى هذا عطف باقي النواقض بالواو، إن كانَ أي: الخارج من ذلك الغيرِ نَجَساً بفتح الجيم- وهو عينُ النَّجاسَةِ سَالَ، أي: بقوَّةِ نفسِهِ لا بالعصر إلى ما يُطَهَّرُ، أي: إلى موضع يجب أن يُطَهَّرَ في الوضوء، أو في الغسل، بالغسل أو بالمسح عند عدم العذر الشرعي لا بدَّ من هذا التعميم حتى ينتظم الموضع الذي سقط عنه حكم التطهير بعذر.
اعلم أنَّهم اختلفوا في الخارج من غير السبيلين، فقال أصحابنا: إذا خرج وسال عن رأسِ الجُرْحِ نقض الوضوء، وإن لم يسل عنها لا وقال زفر: ينقضُه كما خرج سال أو لم يسل، وقال الشافعي: لا ينقضه سال أو لم يسل، كذا في شرح الطحاوي.
الجزء 1 · صفحة 18
وفي قوله: وسال عن رأسِ الجُرْحِ دلالة على أنَّ المراد من السيلان ها هنا السيلان عن المخرج، ثمَّ إِنَّ الرواية محفوظةٌ عن أصحابنا في أنَّ المعتبر هو قوَّةُ السَّيلان، أي: يكونُ الخارج بحيثُ يتحقَّقُ فِيهِ قوَّةُ أَنْ يَسِيلَ بِنفسِهِ عن المخرج إن لم يمنع مانع، سواء وُجِدَ السَّيلان بالفعل إلى موضع يجب تطهيره، أو لم يوجد، كما إذا مسحه كلماخرجَ بخرقَةٍ ثُمَّ وثَمَّ.
فإذا تقرر هذا فالنقض بصورة الفصد غير وارد، والقصد إلى التفصي عنه بصرف قوله إلى ما يُظهرُ عن التعلق بقوله سال إلى قوله خرج تعسف بارد، بل تصرُّف فاسد، إذ حينئذ ينتقِضُ الحد بما إذا غَرَزَ جانب العين، فسال منه الدم إلى الجانب الآخر، فإنَّ الحد على التقدير المذكور يَصْدُقُ عليه، مع أنَّ الوضوء لا ينتقض به، ذكره الزَّاهِدِي في شرح مختصر القدوري.
فلا تنقض دودة خرجَتْ مِنْ جُرْحِ؛ لأنَّها طاهرةٌ، وما عليها من البلَّة قليلة، وإنما قال من جُرْحٍ لأنَّها إذا خرجَتْ مِنَ الدُّبُرِ أوِ القُبُلِ تنقُصُ؛ لِمَا مَرَّ أَنَّ البلةَ الخارجة معها منهما تنقُضُ وإن كانت قليلة.
ولخم سقط منه، أي منَ الجُرْحِ هاتان ب المسألتانِ مندرجتان تحت مفهوم قوله: ناقضه ما خرج من السبيلين أو من غيره إن كان نجساً سال، وقد مر أن المفهوم معتبر في الروايات اتفاقاً، فحقهما عندَ الذِّكْرِ أَنْ تُذْكَرَا ها هنا مصدرَتَيْنِ بأداة التفريع والقَيْءُ دَماً رَقِيقاً، أي: مائعاً خرج بقوَّةِ نفسِهِ لا بقوَّةِ المُزاقِ، إِن احْمَرَّ بِهِ البزاق بأن كان غالباً عليه، أو مساوياً له، لا إن اصْفَرَّ بِهِ وغَيَّرَهُ مرة كانَ، أو طعاماً، أو ماء، أو علقاً، إن ملأ الف - م وحده الصحيح على ما نص عليه في الجامع الصغير: أن لا يمكنه الإمساك إلا بكلفة ومشقة.
الجزء 1 · صفحة 19
لا بَلْغَماً أضلاً قليلاً كان أو كثيراً، مرتقياً كانَ من الجوفِ أو نازِلاً من الرأس، خلافاً لأبي يوسف في المُرْتَقي إذا كان ملأ الفم.
وهو يَعْتَبِرُ الاتِّحَادَ في المَجْلِسِ ومحمد في السَّبَبِ بجمع ما قاءَ قليلاً قليلاً، أراد بالسبب الغثيان، فإنْ كانَ بغثيان واحدٍ يجمعُ عندَهُ، وإن كان في مجالس، وإلا فلا، وعند أبي يوسف إن كان في مجلس واحدٍ يجمعُ، وإن لم يكن بغثيان واحدٍ، وإلا فلا.
وما ليس بحدث يعني لقلَّتِهِ ليس بنجس - بكسر الجيم- وهو ما لا يكونُ طاهراً، فلا نقض بالجرح القائم، والرُّعافِ الدائم.
وعن محمد في غير رواية الأصول أَنَّهُ نجس، ولا حجَّةً عليه في قوله تعالى: {قُل لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَى مُحَرَّما الآية لأنَّ الاستثناء على ما ذُكَرَ في الكشافِ وغيره من المحرَّم من الأطعمة التي حرَّمُوها، لا من مطلق المُحرَّمِ.
أما الفرقُ بين الدم السائِلِ وغيرِهِ بأَنَّهُ إذا سالَ عن رأسِ الجُرْحِ عُلِمَ أَنَّهُ دم انتقل من العروقِ الآن، وهو الدَّمُ النجس، وإذا لم يسِلْ عُلِمَ أَنَّهُ دُمُ العضو، فليس بذاك لأنَّ أمر السيلان وعدمِهِ كثيراً ما يدورُ على سَعَةِ المخرج وضِيقِهِ، فلا يَصِحُ الاستدلال المذكور.
ونَوْمُ مُتَّكِي ذكر حكم المتكي، فعُلِمَ مِنْهُ حكم المضطجع بالطريق الأولى إِلَى مَا أي: مستنداً إلى شيءٍ لَوْ أُزِيْلَ، أي: ذَلكَ الشيء سَقَط فالمراد من الاتكاء هو الاستناد لا ما قيلَ أَنَّهُ وَضْعُ الرأس على الركبتين، أو على اليدين؛ لأنَّ النوم على هذا الوجهِ أيضاً لا يَنْقُضُ الوضوء إلا إذا وُجِدَ الاستناد إلى شيءٍ لو أزيلَ سقط، نصَّ على ذلك في شرح الطحاوي.
وَالإِغْمَاءُ وهو مرض معروف.
والجُنُونُ على أي هيئةٍ كانا والفرقُ بينهما أنَّ العقل بالإغماء يصير مغلوباً، وبالجنون يصير مسلوباً.
الجزء 1 · صفحة 20
وَالسُّكْرُ وهو ليس بداخل في حدٌ الإغماء لِمَا عرفْتَ أَنَّهُ مرضٌ والسُّكرُ ليس بمرض وحده على ما اختارَهُ الصَّدرُ الشهيدُ: أنْ لا يفرِّقَ الرجُلَ منَ المرأة.
وَقَهْقَهَةُ بَالِغِ عمداً كان أو سهواً، نائماً كان أو يقظان، به أخذتْ عامَّةُ المتأخّرِينَ احتياطاً، احتياطاً، وحدها: أنْ يُسْمعَها نفسَهُ وجيرانه، وللشافعي خلاف في انتقاض الوضوء بالقهقهة، في صَلَاةٍ مُطْلَقَةٍ، أي: ذاتِ ركوع وسجود في أصلها، سواءٌ ركع وسجدَ، أو أوْمَاً لعذرٍ، ثمَّ إِنَّهُ لا يلزم أن يكونَ حالَ الرُّكوعِ والسجودِ.
وَالمُبَاشَرَةُ الفَاحِشَةُ حدُّها أنْ يتماس الفرجان والآلة منتشِرَةٌ، ومَنْ زادَ على هذا قيد تماس البدنَين مجرَّدَيْنِ فقد جاوز الحد خلافاً لمحمد، لا مس المَرْأَةِ والذَّكَر خلافاً للشافعي.
وَفَرْضُ الغُسْلِ هو في اللغة اسم للماء الذي يُغسل به، وفي عرف الشرع اسم للطهارة الكبرى على ما مرَّ في أوَّلِ الكتاب.
المَضْمَضَةُ وَالاسْتِنْشَاقُ حَصَّهُما بالذّكرِ اهتماماً لموضع الخلاف، فإنَّهُما سنَّتَانِ عِندَ الشَّافعي - رَحِمَهُ الله -، هذا الوجه بحسب النظر الجلي، وأما ما هو بحسب النظر الدقيق فهو أنَّ في. حدهما قيدَيْنِ زائدَيْن على مطلق غسل الفم والأنف على ما مرَّ بيانه فلا يغني عن ذكرهما قوله وَغَسْلُ البَدَنِ ركن الغُسْل إسالة الماء على جميع ما يُمكن إسالَتُهُ عليهِ مِنَ البَدَنِ من غير حرج مرة واحدة، حتى لو بقيت لمعةٌ لم يُصِبها الماء لم يَتِمَّ الغُسْلُ، وإن كانت بسيرة؛ لأن المأمور به تطهير. جميع البدن، واسم البدن يقعُ على الظاهر والباطن، فيجب تطهير ما يُمكن تطهيره منه بلا حرج؛ ولهذا وجبت المضمضة والاستنشاق في الغُسْلِ، فإنَّه لا حرج في إيصال الماء إلى داخل الفم والأنف، وعدم وجوبهما في الوضوء؛ لأنَّ الواجب هناك غسل الوجهِ، وداخل الفم والأنف خارجان عن حده.
الجزء 1 · صفحة 21
ويجب إيصال الماء إلى داخل السُّرَّةِ، وثقبِ القِرْط، وعلى المرأة غسل الفرج الخارج لِعَدَمِ الحَرَج، وكذا الأقْلَفُ يجب عليه إيصال الماء إلى القلفة، وقال بعضهم: لا يجب، وليس بصحيح، إذ لا حرج فيه، صرح بهذا كله في البدائع.
لا دلكه خلافاً لمالك.
وَسُنته: أنْ يَغْسِلَ يَدَيْهِ لم يقل غسل يديهِ كما قال غسل البدنِ عند بيان فرضِهِ معَ أَنَّهُ أخصر؛ لأنَّ الفرضَ يتمُّ بمطلق الغسل، ولو بدونِ صُنْعِهِ بخلاف السنة، أسقط قولهم وفرجه؛ لأنَّ قولَه وَيُزِيلُ نَجْساً - بالفتح - إِنْ كَانَ يعني على بَدَنِهِ يُغني عنه؛ لأنَّ الفرج إِنَّمَا يُغسل لأجل النَّجَاسَةِ، ذَكَرَهُ في التبيين.
ثُمَّ يتوضأ، أي: يستعمل الماء في أعضاء الوضوء، فالاستثناء بقوله إلَّا رِجْلَيْهِ متصل، إن كان في المستنقع إِنَّمَا قيَّد به لأنَّه إذا لم يكن فيهِ لا يؤخِّرُ غسل الرجلَيْنِ، لا أَنَّهُ يؤخِّرُهُ إلَّا أنَّه لا يغسلهما هناك، ثُمَّ يَفِيْضُ الماء عَلَى كُلِّ بَدَنِهِ، الإفاضة: التَّوسِعَةُ، يُقالُ: أَفاضَ عليهِ نِعَمَهُ، ثلاثاً، ثُمَّ يَغْسِلُ رجليه.
وَلَيْسَ عَلَى المَرْأَةِ نَقْصُ ظَفِيْرَتِهَا فيه إشارة إلى أنَّ عدم الوجوب ها هنا لأنَّ في النقض ثمَّ الفَتْل حرجاً، فإذا كانت منقوضَةً يجب إيصال الماء إلى أثناءِ الشَّعْرِ كَمَا في اللحية؛ لعدم الحرج، وإنما خص المرأةَ بالذِّكْرِ؛ لأنَّ الأحوط في الرَّجل إذا كانَ مُظْفِرَ الشَّعرِ العَمَلُ بالوجوب ولا بَلْها إذا ابْتَلَ أصْلُها هذا على الأصح.
وَمُوجِبُهُ: إِنْزَالُ مَنِيٍّ إنزالُ المني ناقض لطهارة كبرى، وموجب لأخرى، بخلافِ الحدَثِ الأصغَرِ، فإنَّه ناقض الطهارةٍ صُغرى لا موجب لأخرى؛ ولذلك قال ثمَّةَ: وناقضه دون وموجيه.
الجزء 1 · صفحة 22
واعلم أن موجِبَ الغُسل الجنابة، والإنزال موجِبُها، وهو إِنَّمَا يوجِبُ الغُسْل بواسطتها، وسيأتي تَيَمَّةُ هذا الكلام، وتقفُ عند ذلك على ثمرة هذا التوسط بإذن الله تعالى. ذِي دَفْقٍ وَشَهْوَةٍ، نقضُهُ السَّابق، وإيجابُهُ اللاحق مشروطان بهذا القيد عندنا، خلافاً للشافعي، عندَ الانْفِصَالِ فقط في قول أبي حنيفة ومحمد - رحمهما الله-، وعند الخروج أيضاً في قول أبي يوسف، فإذا انْفَصَلَ عَنْ مكانه بشهوة، وأخذ رأسَ العُضوِ حتَّى سكنتْ شهوتُهُ، فخرج بلا شهوة يجب الغُسْلُ عندهما لا عنده، وكذا لو اغتسل قبل أن يبول أو ينام أو يمشي، فخرج بقية المني يجبُ الغُسْلُ ثانياً عندهما لا عنده.
وَغَيْبَةُ حَشَفَةٍ أو قدرها إذا كان مقطوع الرأس، في قبل أو دُبُرِ بشرط أن يكونَ المفعول به حياً، وإنما لم يذْكُرُهُ؛ لانفهامِهِ من قولِهِ عَلَى الفاعل والمفعول به، فإِنَّ الغُلَ إِنَّمَا يجب على الحي، ولا بد من قيد البلوغ، وإنما تركه اعتماداً على أن ونه شرطاً في التكاليف كلّها معلوم في أصول هذا الفن.
وَرُؤْيَةُ المُسْتَيْقِظَ المَنِي أَوِ المَذْيَ وَإِنْ لَمْ يَتَذَكَّرِ الاحْتِلام، فإنَّ ما ظهر في صورة المذي يحتمل أن يكون منيّاً رقّ بحرارةِ البدن، أو بإصابة الهواء، فمتى وجب من وجه فالاحتياط في الإيجاب، وفيه خلافٌ لأبي يوسف - رَحِمَهُ الله -. وَانْقِطَاعُ الحَيْضِ وَالنَّفَاسِب؛ لقوله تعالى: وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ على قراءة التشديد.
والتحقيق: أنَّ سبب الوجوب ها هنا الحدث هو الحكمي الثابت بخروج الدم، إلا أن إيجابه الغُسْل مشروط بانقطاعِهِ فلذلك نسب الإيجاب إليه.
الجزء 1 · صفحة 23
وهذا الحدث الحكمي بمنزلة و الجنابة الثابتة بسبب الإنزال أو الإدخال، يُفْصِحُ عن ذلك ما في الذخيرة من أنَّ المسافرة إذا طَهُرَتْ من الحيض فتيممت ثم وجدت الماءَ جاز للزوج أن يقربها، لكن لا تقرأ القرآن؛ لأَنَّها لَمَّا تيممَتْ فقد خرجت من الحيض، فلما وجدت الماء وجب عليها الغُسْلُ، فصارت بمنزلَةِ الجُنُبِ، وبهذا ظهر ما في الفرق الذي ذكَرَهُ مَنْ قَالَ لَمَّا كَانَ الانقطاع سيباً فإذا انقطع ثمَّ أسلمتُ لا يلزَمُها الاغتسال، إذ وقت الانقطاع كانت كافرة، وهي غير مأمورة بالشرائع عندنا، ومتى أسلمت لم يوجد السبب، وهو الانقطاع، بخلاف ما إذا أجنبتِ الكافرة ثمَّ أسلمت، حيث يجب عليها غُسْلُ الجنابة؛ لأنَّ الجنابة أمر مستمر، فتكونُ جُنُباً بعد الإسلام، والانقطاع غير مستمر فافترقا، فإنَّ مبناه على أن لا يثبت لها بالحيضهـ: والنفاس حدث حكمي يستمر، مثل الجنابة، وقد عرفت حال ذلك المبنى.
قوله: ومتى أسلمتْ لم يوجد السببُ يَرِدُ عليهِ أنَّ الحال كذلك فيما إذا انتقض تيمُّمُها، فإن قيل يعودُ الحدث ثمَّةَ، قلنا لا بد من القول به ها هنا أيضاً، والتفرقةُ بينَهُما تَحَكُم، ولا شُبهةً في أنَّها لا تبقى طاهرة بعد انتقاض تيممها، فلا جَرَمَ تكون محدِثَةٌ، إذ لا واسِطة بينهما، فثبت أن ها هنا حدثاً حكمياً وراء الانقطاع، فعند هذا اتضحَ المُرام، وانقطع الكلام، والحمدُ لله الملك العلام
لا وَطْءَ بَهِيمَةٍ بِلا إِنْزَال، وكذلك الميتة، ذكرَهُ في الفتاوى الظهيرية.
وَسُنَّ عَطف على ما قبله من حيثُد المعنى، كأنَّه قال فرِضَ الغُسْلِ لكذا وسُنَّ الْجُمُعَةِ، أي: الصلاتها على ما هو ظاهرُ الرواية، والعيدَيْنِ وَالإحْرَامِ وَعَرَفَة ها هنا غُسل آخرُ، لا فرضٌ ولا سنَّةٌ، بل واجب، وهو غُسْلُ الميت.
الجزء 1 · صفحة 24
وَيَجُوزُ الوُضُوْءُ بِمَاءِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ كَالمَطَرِ وَالعَيْنِ وأمَّا الثلج فإذا كانَ ذائباً يجوز به الوضوء؛ لأنَّه من جملة ماء السَّماءِ، وفي قوله: كالمطر إشارة إلى ذلك.
وَإِنْ تَغَيَّرَ بِالمُكْثِ لم يقُلْ بطول المكثِ؛ لأنَّ المياة متفاوتَةٌ، بعضُها يتغيَّرُ في أدنى مدَّةٍ، وقيد الطولِ يُؤذِنُ تغيَّر الحكم عند تغيره بسرعة.
واعلم أَنَّهُ إذا أنتن الماء فإنْ عُلِمَ أنَّ نَتَنَهُ للنجاسة لا يجوز بهِ الوضوء، وإلَّا يجوز حملاً على أن نتنه بطول المكث.
أَوْ غَيَّرَ أَحَدَ أَوْصَافِهِ، أي: الطعم أو اللون أو الرائحة، والتغير على الحقيقة في الأولين دونج الأخير فلا بد من المصير إلى عموم المجاز، وإنما قال أحد أوصافه احترازاً عن محل الخلافِ شَيْءٌ ظَاهِرٌ كَالتُّرابِ وَالزَّعْفُرَانِ فائدة التفصيل بيانُ أنَّ الحكم لا يختلف بكون المخلوط من جنس الأرض كالتراب، أو شيئاً آخر كالزعفران.
وَبِمَاءٍ جَارٍ، اختلفوا في حد الجاري والذي ليس في درکه حرج ما يذهب بتبنة أو وَرَقٍ فِيْهِ نَجِسٌ لَمْ يُرَ اثَرُهُ، أي: طعمه أو لونه أو ريحه.
فإن قلت هذا بإطلاقه يتناول المرئي وغير المرئي، والحكم المذكور مخصوص بالثاني، قلتُ اكتفى بدلالة قوله: لم يُرَ أثره على أن المراد ما لم يُر نفسه، فإن النجس إذا كانَ مرئيّاً يترتَّبُ الحكم على نفسه لا على أثَرِهِ.
الجزء 1 · صفحة 25
قال صاحِبُ التَّحفة: أما إذا وقع في الماء فلا يخلو إما أن يكون جارياً أو راكداً، فإن كان جارياً إن كانتِ النجاسة غير مرئية فإنَّه لا ينجس ما لم يتغيَّر لونه أو طعمه أو ريحه، وإن كانتْ مرئيَّة، مثل الجيفة ونحوها، فإن كان النهرُ كبيراً فإنَّه لا يُتَوضَّأُ من أسفل الجانب الذي وقعت فيه النجاسة، ولكن يُتَوَضَّا. من الجانب الآخر؛ لأنَّه متيقن بوصول النجاسة إلى الموضع الذي يتوضأ منه، وإنْ كانَ النهر صغيراً بحيثُ لا يجري بالجيفة، بل يجري الماء عليها إن كان يجري عليها جميع الماء، فإنَّه لا يجوز التوضؤ به من أسفل الجيفة؛ لأنَّه تنجس جميع الماء، والنجاسة لا تظهر بالجريان، وإن كان عليها بعض الماء، فإنْ كانَ: يجري عليها أكثرُ الماءِ فهو نجس، عليها أقل الماء فهو طاهر؛ لأنَّ العبرة بالغالب، وإن كان يجري عليها النصفُ يجوز التوضو به في الحكم، لكن الأحوط أن لا يُتَوَضَّأَ بِهِ إِلَى هنا كلامه.
وفي البدائع أيضاً على هذا التفصيل.
وبهذا اتضح ما في قول من قال: وإذا سَدَّ كلب عرض النهر ويجري الماء فوقه، إن كان ما يُلاقي الكلب أقل ممَّا لا يُلاقيه يجوز الوضوء في الأسفل، وإلا فلا.
الجزء 1 · صفحة 26
وَبِمَاءٍ مَاتَ فِيهِ حَيْوَانٌ مَائيُّ المَوْلِدِ، احترز به عن مائي المعاش دون المولد، كالبط، فإنَّ موتَهُ فِيهِ يُنَجِّسُهُ كالسَّمَكِب: والضفدع - بكسر الدال- أو ما ليس له دم سائِلٌ كالبق والذُّبابِ لانعدام المُنَجِّسِ، وهو الدم المسفوح، وفيه خلاف الشافعي، وحديث وقوع: الذباب في الطعام حُجَّةٌ عليهِ لا بما اعْتُصِرَ، الروايةُ بالقصر، كأَنهم أَبَوْا عن إطلاق اسم الماء عليه، إيماء إلى قصوره عن حد الماء المطلق؛ ولذلك لا يجوز التوضؤ به من شَجَرٍ أو ثَمَرٍ أمَّا مَا يَقْطرُ من الشجر فيجوزُ بهِ الوضوء، كالأَشْرِبَةِ وَالخَلِّ، نظير ما اعتُصِر من الشجر والثمر، فإنَّ شرابَ الرِّيباس معتَصَر من الشجر، وشراب التفاح مثلاً معتصر من الثمر.
ولا بماءٍ زَالَ طَبْعُهُ، وهو الرِّقَّةُ والسَّيَلانُ بِغَلَبَةِ غَيْرِهِ أَجْزَاءً كماء الباقلاء، أو تغيَّرَ بالطبخ معه، أي: مع الغير، وهو ما لا يُقصد به النظافَةُ كالمَرَقِ، إِنَّما شرط أن لا يكون ذلك الغير ممَّا يُقصدُ بخلطه النظافةُ لأنَّه لو كان من جنس ما يُقصدُ بخلطه النظافة كالأشنان والصَّابون يجوز أنْ يُتَوَضَّأُ بِهِ.
ولا بِمَاءٍ رَاكِدٍ وَقَعَ فِيهِ نَجَسٌ إِلَّا إِذا كَانَ عشْرَةَ أَذْرُعٍ فِي عَشْرَةِ أَذْرُعٍ، ولا يَنْحَسِرُ أَرْضُهُ بالغَرْفِ فحكمه حكم الماءِ الجاري، فإن كانتِ النَّجاسة مرئية لا يُتَوَضَّأُ من موضع النجاسةِ، بل من الجانبِ الآخَرِ، وَإِنْ كَانَتْ غير مرتيَّةٍ من جميع الجوانب، وكذا من موضع غُسَالَتِهِ
الجزء 1 · صفحة 27
قال محيي السنة: التقدير بعشر في عشر لا يرجع إلى أصل شرعي يُعتمدُ عليه، وكأنَّه لما قال إنَّهُ لا يرجع إلى أصل شرعي استشعرَ أَنْ يُتَكَلَّفَ ويُقال: بل يَرجِعُ إلى أضل، شرعي، وذلكوأنَّ التقدير به بناء على قوله - صلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ -: مَنْ حَفَرَ بِتْراً فَلَهُد: حَوْلَهَا أَرْبَعُوْنَ ذِرَاعاً تداركه بزيادة قولِهِ: يُعتمدُ عليه، تقيُّداً للأصل المنفي، وبتلك الزيادة اندفع ما قيل: عُلِمَ من الحديث المذكور أنَّ الشرعَ اعتبر العَشْرَ في العَشْرِ في عدم سراية النجاسة اندفاعاً ظاهراً؛ لأنَّ فيه قياسُ السرايةِ في الماء على السراية في الأرض، ولا وجه له، ولقد أحسَنَ صاحب الهداية حيث قال: «إنَّ ذلك التقدير توسعة على النَّاسِ.
ولا بِمَاءٍ اسْتُعْمِلَ لِقُرْبَةٍ فالسببُ إقامَةُ القُربَةِ لا نيّتها لأنَّها قد توجد ولا تقام القربة فلا يتحقق الاستعمال.
أوْ رَفْعِ حَدَثٍ، اعلم أنَّ ها هنا اختلافات:
الأول في أَنَّهُ بأي شيءٍ يصيرُ الماء مستعملاً؟ فعند الشيخين بأحد الأمرين المذكورين، وعند محمد بالأول فقط، وعند زفر والشافعيز: بالثانيهـ فقط.
قال في البدائع: «هذا الاختلافُ لم يُنقَلْ عنهم نصاً، لكن مسائلهم تدلُّ عليهِ» ثمَّ قال: لوِ اغتَسَلَ المُحْدِثُ أو توضأ للتبردِ صَارَ الماء مستعملاً عندَ الشَّيخَيْنِ وزفر والشَّافعي لوُجودِ إزالَةِ الحَدَثِ، خلافاً لمحمد؛ لِعَدَمِ إقامة القُرْبَةِ».
وهذا القول منه صريح في أنَّ الشافعي لا يقولُ باشتراط النية في إزالة الحدث، نعم قال به في صحة الوضوء الذي هو شرط الصلاة، ومن لم يفرق بين المقامين قال: «إزالَةُ الحَدَثِ لا يتحقَّقُ إلَّا بنيَّةِ القُرْبَةِج: عنده بناءً على اشتراط النية في الوضوء».
الجزء 1 · صفحة 28
والاختلاف الثاني في أَنَّهُ متى يصيرُ مستعملاً؟ ذكر كثير من المشايخ، وهو قول سفيان الثوري - رَحِمَهُ الله - أنَّه لا يكون مستعملاً حتى يستقر في مكان أرضاً كان أو إناء أو كف المستعمل؛ لأنَّ صونَ الثياب عنه متعذر فتحققت الضرورة.
وفي الهداية: الصحيح أنَّه كما زائل العُضو صارَ مستعملاً؛ لأنَّ سقوط حكم الاستعمالِ قبل الانفصال للضرور، ولا ضرورة بعده.
ولا يَذْهَبُ عليك أنَّ هذا التعليلَ إِنَّمَا ينتهِضُ على أصل من قالَ إِنَّهُ طاهر، كما أنَّ التعليل الأوَّلَ إِنَّمَا ينتهِضُ على أصل من قال إِنَّهُ نجس.
غير طهور والاختلاف الثالثُ في حكمه، فعند أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللهُ - نجس نجاسة هو غليظة، وعند أبي يوسف نجس نجاسة خفيفة، وعند محمد طاهر غيرُ طهور، هكذا ذكره مشايخ ما وراء النَّهْرِ، واثبتوا فيه الخلاف بين الثلاثة.
وقال مشايخ العراق: إنَّه طاهرٌ غيرُ طهور عند أصحابنا، ذكَرَهُ في التحفة وغيرها.
وقال في الغاية: وهو اختيار المحققين من مشايخ ما وراء النهر، وقال الإسبيجابي: وعليه الفتوى.
وفي البدائع: «إنَّ الأمَّةَ اجتمعت على أنَ من كان في السفر ومعه ماءً يكفيه لوضوئه وهو يخافُ على نفسِهِ العطش يباحُ له التيمم، ولو بقي طاهراً بعد الاستعمالِ لَمَا أُبيح لأنَّه يُمكِنُهُ أنْ يتوضأ ويأخُذَ الغُسالة في إناءٍ نظيف ويُمسكها للشُّرْبِ.
ولقائل أن يقول: الطهارة لا تستلزم جواز الشربِ كما أنَّها لا تستلزم جواز الأكل على ما يأتي عن قريب فيحتمل أن يكون الماء المستعمل طاهراً ومع ذلك لا يجوزُ شُربُه، فلا تتِمُّ الملازمَةُ القائِلَةُ: ولو بقي طاهراً ... إلخ.
وسيأتي وجه آخرُ في دفع ما ذُكِرَ بإذن الله تعالى.
الجزء 1 · صفحة 29
وَكُلُ إِهَابٍ دُبغَ فَقَدْ طَهُرَ، الإهابُ اسمٌ لجلد غير مدبوغ، والدباغة: إزالة النَّتَنِ والرطوباتِ النَّجِسَةِ من الجلدِ إِلَّا جِلْدَ الخِنْزِيرِ، قدَّمَ جلد الخنزير تحقيراً؛ لأنه في مقام الإهانة، وفي ظاهر الرواية أنَّ جلدب: الخنزير يندبعُ، ذكره في المبسوط، لا أَنَّهُ يندبغ ولا يطهر.
فإن قلت: فعلى هذا يُشْكِلُ الاستثناء المذكورُ لأنَّ المفهوم منه أَنَّهُ يندبعُ لكنه لا يَطهُرُ، قلتُ: الاستثناء من جهة المعنى، فكأنه قال: كلُّ إهابٍ يطهر بالدباغة لا جلد الخنزير.
والآدمي استثناؤُهُ معَ الخنزير: يدلُّ على أنَّه لا يطهر وليس كذلك، فإنه إذا دبغَ يطهر، ذكَرَهُ في الغاية، ولكن لا يجوز الانتفاع به كسائر أجزائه.
قال شيخ الإسلام في مبسوطه: وأمَّا جلدُ الكلبِ فعن أصحابنا فيه روايتان في رواية يطهُرُ بالدباغة، وفي روايةٍ لا يطهُرُ، وهو الظاهر من المذهب فالحصر المذكور على خلاف الظاهر.
وَمَا طَهُرَ جِلْدُهُ بِالدَبْغِ طَهُرَ بِالذَّكَاةِ هي عبارة عن الذُّبحِ الشَّرعيّ واشْتُرِطَ فيهِ أَهْلُهُ ومَحِلُّهُ وَذِكْرُ التسمية تحقيقاً أو تقديرا وَكَذَا لَحْمُهُ وإِنْ لَمْ يُؤكَلْ، وَإِلَّا فَلا، أي: ما لا يطهر جلدُهُ بالدبغ لا يطهر بالذكاة لا جلدُهُ ولا لحمة.
وَشَعْرُ المَيْتَةِ أراد بها غير الخنزير لأنَّه بجميع أجزائه نجِسُ العينِ، وَعَظْمُهَا وَعَصَبُهَا اكتفى بذكرهما عن ذكرِ القرنِ والحافِرِ وَشَعْرُ الإِنْسَانِ وَعَظْمُه طَاهِرُ، فيجوز صلاة من أعاد سِنَّهُد: إلى فَمِهِ وإنْ جَاوَزَ قَدَرَ الدَّرْهَم، أفردَ هَذِهِ المسألة بالذكر مع انفهامها من قوله: وعظمُه طاهر لخلاف محمد فيه؛ لأنَّه لا يُجَوِّزُ الصَّلاةَ بِهِ إذا كان أكثر من قدرِ الدّرْهَمِ.
الجزء 1 · صفحة 30
فَصْلٌ بِقَرٌ فِيْهَا نَجِسٌ أَوْ حَيْوَان لم يقُلْ أَوْ ماتَ فيها حيوان، إذ لا تأثير لمويه فيها، مُنْتَفِخُ أَوْ مُتَفَسِّخُ كلٌّ من الانتفاخ والتفشخز: قد ينفك عن الآخر؛ فلذلك ذكرهما معاً، أَوْ كلبٌ أَوْ شَاةٌ أَوْ آدَمِيٌّ مَيِّتُ، قَيْدُ الموتِ للثلاثة وتأخير الآدمي لنكتة نبهتُ عليها، يُنْزَحُ كُلُّ مَائِهَا الذي كان فيها وقتَ الوقوعِ، ولا يعتبر النزح قبل إخراجه، ولابد منه، وإنَّما لم يصرح به إحالةٌ له عَلَى الدلالةِ إِنْ أَمْكَنَ وَإِلَّا فَقُدْرَ مَا فِيْهَا في ذلك الوقت، ويؤخذ في التقدير بقول رجلَيْنِ لَهُما بَصَارَةٌ في أمرِ الماءِ، هذا. هو الصحيح، وعليه الفتوى.
وفي نَحْوِ حَمَامَةٍ أَوْ دَجَاجَةٍ وُجِدَ مَيْتًا فِيْهَا أَرْبَعُوْنَ إِلَى سِمِّيْنَ، نَزْحُ الأَربعينَ بطريق الإيجاب والستين بطريق الاستحباب وفِي نَحْوِ فَأَرَةٍ أَوْ عُصْفُورَةٍ عِشْرُونَ إِلَى ثلاثين.
وَالمُعْتَبَرُ الدَّلْوُ الوسط، وهو الذي يسعُ فيه صاعاً، وهو ثمانية أرطال وَغَيْرُهُ اكبر كانَ أَوْ أصغر: احتسب به لأنَّ العبرة للمعاني دون الصور، صرح به في الجامع الصغير.
وَتَنَجَّسَ البِثْرُ مِنْ وَقْتِ الوُقُوْعِ إِنْ عُلِمَ ذَلِكَ، وَإِلَّا فَمُنْذُ يومٍ وَلَيْلَةٍ إِنْ لَمْ ينتَفِعُ، وَمُنْذُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ وَلَيَالِيْهَا إِنِ انْتَفَخَ، وقالا منذُ وُجِدَ.
والسُّورُ لِلآدَمِيإِلَّا حالَ شرب الخمرِ وَالفَرَسِ وَكُلِّ مَأكُولٍ طَاهِرٌ، وَالكَلْبِ وَالخِنْزِيرِ، خلافاً لِمَالِكِ، وَسِبَاعِ البَهَائِمِ نَجِسٌ.
وللهرَّةِ والدَّجَاجَةِ المُخَلاةِ وهي التي يصلُ منقارها إلى ما تحتَ رجليها وسباع الطير وسَوَاكِنِ البيوت مكروه.
والحمار والبغل مشكوك، قيل الشكُ في طهارته، وقيل في طُهُورِيَّتِهِ، وقيل فيهما جميعاً، يُتَوَضَّأُ بِهِ وَيُتَيَمَّمُ إِنْ عُدِمَ غَيْرُهُ.
الجزء 1 · صفحة 31
وَالعَرَقُ كَالسُّورِ، لم يقل معتبر بالسؤرِ لأن موحب تعليلهم القائل لأن السور مخلوط باللعاب، وحكمُ العَرَقِ واللعابِ واحدٌ لأنَّ كليهما متولدج: من اللحم، اعتبار السور بالعَرَقِ كما لا يخفى.
وَإِنْ عَدِمَ إِلَّا نبيذَ التَّمْرِ، قالَ أَبُو حَنِيفَةَ: بالوُضُوءِ فقط، وأبُو يُوسُفَ بِالتَّيمُمِ فحسب، ومحمد بهما، وروى نوح رجوع أبي حَنِيفَةَ إِلى قول أبي يُوسُفَ،
ذَكَرَ في المبسوط أَنَّ المُسْكِرَ منه: لا يجوز الوضوء به؛ لأنَّهُ حرام.
بَابُ التيمم
هو لغة: القَصْدُ.
وشرعاً: طهارة حاصلة باستعمال الصعيدِ الطَّاهِرِ في عُصْوَيْنِ مَخصُوصَيْنِ عَلَى قصد مخصوص ي، والمُرادُ من الاستعمال ما يعُمُّ الحكمي، فيُوجَدُ في التيمم بالحجر الأملس.
مبتدأ خبره ضَرْبَة مع ما عطف عليه لمحدث وجُنُب وحائِضِ وَنُفَسَاءَ عجزوا عن الماء، أي: عن ماءٍ يكفي لطهارتِهِ، فلو كان للجُنُبِ ماءً يكفي للوُضُوءِ لا للغُسل يتيمم، ولا يجب عليه الوُضُوءُ، خلافاً لِلشَّافِعِيّ، لِبُعْدِهِ ميلاً لم يذكر حد البعدِ في ظاهر الرواية، ورُوي عن محمدٍ أَنَّهُ قدَّرَهُ بالميل، والميل ثلث الفرسخ.
وقال الحسَنُ بن زياد: من تلقاء نفسه إن كان الماء أمامَهُ يُعتَبَرُ ميلين، وإن كانَ يَمْنَةٌ أَوْ يَسْرَةٌ يُعتبرُ ميلاً واحداً»، كذا في البدائع.
أَوْ لِمَرَضِ، سواءٌ خاف ازديادَهُ أَوْ طوله باستعمال الماء، أو بالتَّحرُّكِ، ولا يُشترط خوفُ التَّلَفِ، خلافاً لِلشَّافِعِي رَحِمَهُ الله-.
أو لم يقدِرُ عَلَى استعماله بنفسه ولم يجد من يُوَفِّيْهِ، فإن وجدَ مَنْ يُوَفِّيْهِ على ظاهر المذهب لا يتيمم؛ لأنَّه قادر.
ورُوي عن أبي حَنِيفَةَ أنَّه يتيمم، وعندَهُما لا يتيمم.
أَوْ بَرْدٍ إن استُعمل يضُرُّهُ، وقالا: لا يجوز في المضرِ لخوفِ البَرْدِ.
الجزء 1 · صفحة 32
ثمَّ إِنَّ رُحْصَةَ التيمم بسبب البرد ثابتةٌ للمحدثِ أيضاً عند أبي حَنِيفَةً عَلَى ما ذكَرَهُ الإمامُ السَّرْخَسِيُّ، وأمَّا عَلَى ما ذكرَهُ الإمامُ الحَلَوَانِيُّ فَلا رُحْصَةً له بذلك السبب بالإجماع، وفي الحقائق: الصحيحُ ما قاله الحَلَوَانِيُّ.
أَوْ عَدُوِّ، ويجبُ أنْ يُعْلَمَ أنَّ المانِعَ عن الوضوء إذا كان من جهة العباد كأسير يمنعُهُ الكفَّارُب: عن الوُضُوءِ، ومحبوس في السجن، والذي قيل له إن توضأت قتلتك، يجوز له التيمُّمُ، لكن إذا زال المانع يُعيد الصلاة.
أَوْ عَطَش، عطش رفيقه كعَطَشِهِ، وكذا عطش دوابه وكلبِهِ؛ ولذلك أطلق العطش.
فإن قلت أليس يمكنه أن يتوضأ ويأخذ الغُسالة في إناء لدوابه وكلبِهِ؟ قلتُ: فحينئذ لا يتحقق خوف عطش دوابه وكلابِهِ، والكلام عَلَى ذلك التقدير، فتقدير الخوف المذكورِ مُتَضَمِّنُ لتعذرِ حفظ الغُسالة بعدم الإناء، ومن هنا خرج الجواب عمَّا نقلناه ز: عن صاحب البدائع فيما سبق فتذكر.
أو عدم الةٍ، أَوْ خوفِ فَوْتِد: صلاة العيد في الابتداء، هذا بالاتفاق، وبعد الشروع متوضئاً والحدث، أي شرع فيها متوضئاً ثمَّ سبقه الحدث، وخافَ أَنَّهُ إِن توضأ تفوتُهُ الصلاة، جاز له أن يتيمم للبناء خلافاً لَهُما، وإِنَّما قال متوضئاً ليُعلم الحكم فيما إذا كانَ الشروعُ متيمماً بطريق الدلالة.
أَوْ صَلاةِ الجَنَازَةِ لِغَيْر الوَلِيِّ، هذا عَلَى روايةِ الحَسَنِ، قال في الهداية: "وهو الصحيح "، وفي ظاهرِ الرِّوايةِ: أنَّه يجوز للولي أيضاً، قال شمس الأئمة: هو الصحيح.
لفَوْتِ الجُمُعَةِ والوَقْتِ لأنَّها تفوتُ إِلَى، بدل، وإنما قالَ عَلَى وفق ما في الهداية والوقت دون الوقتية؛ لأنَّها لا تفوتُ.
ضَرْبَةٌ لمسح وجهه يمسح بها وجهه بحيث لا يبقى منه شيءٌ، فيمسَحُ الوَتَرَة التي بين المنخرين، ولا يجوز المسح بأقل من ثلاث أصابع كمسح الرَّأْسِ والخُفَّيْنِ.
الجزء 1 · صفحة 33
وَضَرْبَةٌ لِيَدَيْهِ مَعَ مِرْفَقَيْهِ، ولا يُشترط الترتيب عندنا، وإِنَّما أثر عبارَةَ الضَّرْبِ عَلَى عِبارَةِ الوَضْع لكونها مأثورة، وإلا فهي ليست بضربَةٍ لا ريبَ، فَإِنَّ محمداً قد نبَّة في بعض رواياتِ الأصول على أَنَّ الوَضْعَ كافٍ، والمراد بيان كفاية الضربتين، لا أنَّه لا بدَّ في التيمم منهما، كيف وقد ذكر في كتابِ الصَّلاةِ: لو كنس داراً، أَوْ هَدَمَ حائطاً، أو كال حنطة، فأصاب وجهَهُ وذِرَاعَيْهِ غبار لمْ يُجْزه ذلك عن التيمم حتَّى يُمرَّ يَدَهُ عليهِ.
ويجب تخليل الأصابع إن لم يدخُلْ بينها غبار، فيُحْتَاجُ إِلَى ضربَةٍ ثالثة لتخليلها، ذكَرَهُ في الذخيرة، وفيه نظر؛ لأنَّ العبرة للمسح لا لإصابة الغبار، وموجب ذلك أن يجب مسح ما بين الأصابع.
عَلَى كل طاهر من جنس الأرْضِ، فلا يجوز على مكان فيه نجاسة وقد زال أثرها، مع أنه تجوز الصلاة فيه في ظاهر الرواية؛ لأنَّه لا يخلو عن أجزاء النجاسة، وهي وإنْ قَلتْ تُنافي وصف الطيب، ولا يمنعُ جواز الصَّلاةِ. وفي رواية أبي كاس: يجوز لاستحالتها أرضاً، ذكرَهُ في البدائع.
كالتراب والرمل والحَجَرِ، خلافاً لأبي يوسف في الحجر، وللشافعي في الرمل أيضاً، ولو بلا نقع خلافاً لمحمدٍ - رَحِمَهُ اللهُ - وَعَلَيْهِ، أي: على النفْعِ مَعَ قُدرَتِهِ عَلَى الصعيد، خلافاً لأبي يوسف.
والقانون الفارق بينَ جنس الأرضِ وغيرها أنَّ كلَّ ما يحتَرِقُ بالنار فيصيرُ رماداً كالشَّجَرِ، والحشيش، أو ينطبع ويلين كالحديدِ والصَّفْرِ والذَّهَبِ والزُّجاج ونحوها، فليس من جنس الأرض، ذكَرَهُ في التحفة.
بنيَّة، خلافاً لزفر، نيَّةُ الظَّهارَةِ أو نيَّة عبادة مقصودة لا تصح بدونِ الطهارة.
فَلَغَى تيمم كافرٍ لا وُضُوؤُهُ وقالَ زُفَرُ: يجوز تيممُهُ أيضاً؛ لأنَّ النية ليست بفرض عنده، فيُعتبر تيممه.
الجزء 1 · صفحة 34
وهي فرض عندهم، ولا نيَّة للكافِرِ، فيلْغُو تيممُهُ، وعن أبي يوسف أَنَّهُ إذا نوى به الإسلام صح، ويصلي به إذا أسلم؛ لأنَّه من أهل الإسلام فيصح تيمُّمُهُ له، بخلافِ ما إذا نوى الصَّلاةَ؛ لأنَّه ليس من أهلها.
ولا تُشتَرَط نيَّةُ التيمُّمِ للحدَثِ أَوِ الجنابة ج:، هو الصحيح من المذهب.
ثم المعتبر في التيمم في حق الصلاةِ نيَّة الطهارة، أو نيَّة عبادَةٍ مقصودة لا تصح بدون الطهارة، خلافاً لأبي يوسف، فإنَّ شرط صحة التيمم في حق جواز الصلاة عنده أن ينوي قُرْبَةٌ مقصودةً، سواءٌ صحت بدون الطهارة كالإسلام، أو لم تصح كالصلاةِ، فإنَّ تيمم لصلاة الجنازة أو سجدَةِ التلاوة يجوز أداء المكتوبات بذلك التيمم بالاتفاق، وإن تيمَّمَ لِمَس المصحف أو دخول المسجد لا تَصِحُ بهِ الصَّلاة لكن يحل له مس المصحف، ودخول المسجد بالاتفاق.
وَيُصَلِّي بِهِ مَا شَاءَ مِنْ نَفْلٍ وَفَرْضِ، خلافاً لِلشَّافِعِيِّ.
وَيَصحُز:، أي: التيمُّمُ لِلْوَقْتِيَّةِ قَبْلَ الوَقْتِ خلافاً لِلشَّافِعِي، لا خلاف: في صحة التيمم قبل دخولِ وقتِ الصَّلاةِ، حتى يصح التيمم لصلاة ضحوة النَّهارِ بالاتفاق، إنَّما الخلاف في أَنَّهُ يصح أداء الوقتية بذلك التيمم أو لا، ومدار هذا الخلافِ وما قبلَهُ عَلَى أنَّ التيمُّمَ خَلْفٌ مطلقاً حال عدم الماء عندنا، فيجوز التيمم للصلاة قبل دخول وقتها عند عدم الماء، وعندَهُ خَلَفٌ ضروري، ولا ضرورة قبل الوقتِ فلا يجوز، ولا تأثير في ذلك للخلافِ الواقع بين أصحابنا في أنَّ البَدَلِيَّة بين التراب والماء كما قالا، أو بين التيمم والوُضُوءِ عندَ عَدَم الماء كما قال محمد - رَحِمَهُ الله -، إِنَّما تأثيره في صحة إمامة المتيمم للمتوضي.
الجزء 1 · صفحة 35
وَقَبْلَ طَلَبِهِ مِنْ رَفِيْقِ لَهُ مَاءً؛ لأنَّه لا يلزمُهُ الطَّلَبُ من مِلْكِ الغير، خلافاً لهما، فإنَّهماب: قالا: لا يصح قبلَهُ لأنَّه مبذول عادةً، فكان الغالب الإعْطاءُ، هذا على وفق ما في الهداية والإيضاح والتقريب وغيرها.
وفي التجريد: ذكر محمَّدٌ مع أبي حَنِيْفَةَ - رَحِمَهُ الله، وفي الذَّخيرة عن الجصاص: أَنَّهُ لا خلاف فإنَّ قولَهُ فيما إذا غلب على ظنّه منعه إيَّاهُ، وقولهما عند غلَبَةِ الظَّنِّ بعدَم المنْعِ، وقال في المبسوط: يجب الطلب إِلَّا عَلَى قُولِ الحسن بن زياد، وفي البدائع الماء في السفر من أعز الأشياء، فلم يكن مبذولاً عادة.
وصح بعد الطلبِ والمَنْعِ بِلا خِلافٍ، حتَّى إذا صلَّى بعد المنع، ثم أعطاه، ينتقض تيممه الآن، فلا يُعيدُ ما قد صلَّى بِهِ.
وَيَنْقُضُهُ نَاقِضُ الوُضُوءِ، وَقُدْرَتُهُ عَلَى ما زوال التيمم عند القدرةِ عَلَى المَاءِ ليس من قبيل الانتقاض حقيقةً، بل من قبيل الانتهاء، قالوا: المراد به ظهور الحَدَثِ السَّابِقِ عند القدرةِ عَلَى المَاءِ، لأنَّ القدرة في الحقيقة غير ناقضة، إذ ليست بخروج نجس حقيقةٌ، ولا حُكماً، ولكن انتهت طُهُورِيَّةُ الترابِ عندها لأنَّه لم يُجْعَلْ طَهُوراً إِلَّا إِلى وجودِ الماء، فإذا وُجِدَ بَقِيَ مُحْدِثاً بالحدث السابق.
كافٍ لِطُهُورِهِ لأنَّه إذا لم يكن كافياً يكون وجوده كعدمه، فلا ينقضُ تيثمه، خلافاً لِلشَّافِعِيِّ، فإنَّه يقولُ: يغسلُ بِقَدَرِ ذلكَ ثُمَّ يتيمَّمُ، والقُدرَةُ المعتَبَرَةُ ها هنا إِنَّمَا تثبتُ إذا لم يجب صرفه إلى جهةٍ أهم، فلو كانَ عَلَى بَدَنِهِ أَوْ ثوبِهِ نجاسةٌ يصرفُهُ إِلَى النجاسةِ ويتيمم.
الجزء 1 · صفحة 36
لا ردَّتُه خلافاً لزفر، ويظهرُ الخلافُ في جواز الصلاة بعد الإسلام، فإن قلت هذا القول من زفر يقتضي أنَّ النيَّةَ في التيمم واجبة عنده، قلتُ: يجوز أَنَّهُ تكلم فيه عَلَى قَوْلِ من يرى فيه وجوب النيَّة، كما تكلم أبو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللهُ - في المزارَعَةِ عَلَى قولهما، وإن كان هو لا يرى جوازها.
وَنُدِبَ لراجيه تأخيرُ الوَقْتِيَّةِ إِلى آخرِهِ؛ ليؤدِّيها بأكمل الطهارتين، ولا يجب عليه ذلك؛ لأنَّ العَدَمَ ثابت حقيقة، فلا يزولُ حُكْمُهُ بالشَّك.
وَيَجِبُ طَلَبُهُ قَدْرُ خُلْوَةٍ، وهي رميةُ السهم، وقُدِّر بثلاثمائة ذراع إِلَى أربعمائة، لَوْ ظَنَّهُ قَرِيباً، وَإِلَّا فَلا، قالَ الشَّافعي: يجب عند توهمه، ولا يجوز له التيمم حتى يطلبه.
وَلَوْ نَسِيَهُ فِي رَحْلِهِ الرحل في الغالب يكون للمُسافِرِ، فاكتفى بهِ عنه، ثمَّ المُعْتَبَرُ عدم كونِهِ في العِمْرَانِ، مُسافراً كانَ أَوْ غَيرَ مُسافِرٍ؛ ولذلك
أتى في الجامع الصغيرِ بلفظ الرَّحْلِ بدل المسافر، وصرح بذلك فخرُ الإسلام في شرحه، وإِنَّما شَرَط النسيان دونَ عَدَم العِلْم؛ لأنَّه إذا لم يعلمُ بِهِ لا يُعيدُ عند أبي يوسف أيضاً عَلَى الأَصَحُ، وَصَلَّى مُنَتِمِّمَا ثُمَّ ذَكَرَهُ لَمْ يُعِدْ إِلَّا عِنْدَ أبي يوسف الذِّكْرُ في الوقت وبعده سواءٌ، ذكَرَهُ في الهداية، والله أعلم بالصواب.
بابُ المَسْحِ عَلَى الخُفَّيْنِ
الجزء 1 · صفحة 37
جَازَ بالسُّنَّةِ، إِنَّمَا قالَ جاز؛ لأنَّ تُبوتَهُ عَلَى وَجْهِ التخيير، لا عَلَى وَجْهِ الإيجاب، وقد وَرَدَ فيهِ حِكَايَةٌ فِعْلُهُ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وروَايَةٌ قولُه ولذلك قال بالسنة، وأشار بِهِ إِلَى أنْ نصَّ الكتاب ساكت عنه، ردّاً عَلَى من زعم أن قراءة الجرِّ في وَأَرْجُلَكُمْ تدلُّ عليه لأنَّ قوله تعالى وإلى الكمبين يدفَعُهُ ضرورةُ أنَّ مسح الخف غير مغيًّا، وَلِمَا اشتهرت السنة الواردة في هذا الباب جاز بها الزيادة على نص الكتاب.
لِلْمُحْدِثِ دُونَ مَنْ عَلَيْهِ الغُسْلُ جنباً، كانَ، أَوْ حائضاً، أَوْ نُفَسَاءَ، فمن لَبِسَ حَفَّيْهِ وهو عَلَى وضوء، ثُمَّ اجْنَبَ في مدَّةِ المسح يَنزِعُ حَفَّيْهِ، ويغسِلُ رَجلَيْهِ إذا توضأ، وليس له أن يمسح عليهما.
وَفَرْضُهُ قَدْرُ ثَلاثِ أَصابع اليد، يعني مِنْ كُلِّ رِجْلٍ عَلَى حِدَةٍ، حتى لو مسح على إحدى رجليه مقدار إصبعين، وعلى الأخرى مقدار خمس أصابع لا تجزيه، وإنما اعتبر أصابع اليد؛ لأنَّها آله المسح، وكفَى تُلْتُهَا، الأكثر يقوم مقام الكل، وإنَّما قُلْنا كفّى إذ لا منع على الزيادة، وما قيلَ إِنَّمَا زاد مقدار ثلاث أصابعَ إنَّما هو بماء مستعمل، فلا اعتبار لَهُ لان الزيادة إذا كانَتْ بإصبع أخرى لا يَلْزَمُ المحذُورُ المذكور.
وقال الكرخي: يُعتبرُ أصابعُ الرِّجُلِ كما في الخَرْقِج:، والأوَّلُ أصح، وزيادة لفظ قدر للإشارة إلى أنَّهُ لو مسح بإصبع واحدة ثلاث مرَّاتٍ وأخذ لكلِّ مرَّةٍ ماء جاز.
وكذا لو مسح بالإبهام والمُسَبِّحَةِ مُنفرجتين يضَعُهُما مع ما بينَهُما من الكف علَى الخُفْ جاز؛ لأنَّ ما بينهما مقدارُ إصبع أخرى، ذكره في الخانية، وكذا لو مشى في حشيش مبتل بالمطر، أو أصابَ مُوضِعَ المسح ماءٌ، أَوْ مطرٌ قَدْرَ ثَلاثِ أصابع جاز؛ لحصول المقصود، فإنَّ النية ليست بفرض فيه.
الجزء 1 · صفحة 38
عَلَى ظَاهِرٍ خُفَّيْهِ سواءٌ كانَ طُولاً، أو عرضاً، وقيد الظاهر للاحتراز عن الباطن والعقب والجَوَانِبِ، وأمَّا السَّاقُ فخارج عن حد الحف الشرعي.
أَوْ جُرْمُوقَيْهِ، الجرموق: مُعرَّبُ عَرْمُؤكَ، وهو ما يُلبَسُ فوقَ الخُفْ وِقايَةٌ له منَ الوَحْلِ والنَّجَاسَةِ، فإنْ كانَ من أديم أَو نحوه جاز عليهما المسحُ، سواءٌ لَبِسَهُما مُنفَرِدَينِ، أَوْ فوقَ الحُفَّيْنِ، وللشافعي خلافو: فيما إذا لَبِسَهُما فوق الخفين، وإن كانا منْ كِرْبَاس أَو نحوه، فإن لَبِسَهُما مُنفردين لا يجوز، وكذاإن لبسهما على الخفين، إلا أن يكوناب: بحيثُ يصلُ بللُ المسح إلى الخفين.
ثم إذا كانا من نحو أديم وقد لبسهما فوق الخفين، فإن لبسهما بعدما أحدث، أو قبل ما أحدث، ومسحَ عَلَى الخُفين لا يجوز المسحُ عَلَى الجُرمُوقَيْنِ، وإن لبسهما قبل الحدَثِ ومسح عليهما ثُمَّ نَزَعَهُما دونَ الخُفَّيْنِ أعادَ المَسْحَ على الخفين، بخلافِ ما إذا مسحَ عَلَى حَفٌ ذِي طَاقَيْنِ فَنَزَعَ أحد الطاقين، فإنَّه لا يُعيدُ المسحَ عَلَى الطَّاقِ الآخر، وإنْ نزَعَ أحد الجُرمُوقَيْنِ مسح عَلَى الخُفْ، وأعاد المسح على الجُرمُوقِ الآخر في ظاهرِ الرواية، وقال الحسن وزفرُ: يمسحُ عَلَى الحُفْ ولا يُعيدُ المسح عَلَى الجُرمُوقِ الآخر وعن أبي يوسف أنَّه يَخلَعُ الجُرمُونَ الآخَرَ ويمسحُ عَلَى الخفينهـ:.
أَوْ جَوْرَبَيْهِ مُجَلَّدَيْنِ أَوْ مُنَعْلَيْنِ، المُجَلَّدُ: هو الذي وُضِعَ الجِلْدُ عَلَى أعلاه وأسفله، والمُنعلُ: هو الذي وُضِعَ الجِلْدُ عَلَى أَسْفَلِهِ، كالنعل للقَدَمِ في ظاهر الرواية، وفي رواية الحسن: يكونُ إِلَى الكَعْبِ أوْ تَخِيْنَيْنِ، الثخينين: ما يقومُ عَلَى السَّاقِ من غيرِ شَدَّ، ولا يسقط ولا ينشُفُ، ذكَرَهُ في الخانية.
الجزء 1 · صفحة 39
هذا، أي: جواز المسح عَلَى الثخينَيْنِ مجرَّداً عن الجِلْدِ والنَّعْلِ عِنْدَهُمَا ويُروى رجُوعُهُ إِلَى قولهما، وبه: و به يُفتى.
وقال الشافعي: لا يجوزُ المسحُ عَلَى الجوارب: وإِنْ كانتْ مُنَعَّلَةٌ إِلَّا إذا كانت مجلدَةً إلى الكعبين، ذكَرَهُ في التحفة.
مَلْبُوْسَيْنِ عَلَى وُضُوْءٍ، لم يَقُلْ عَلَى ظهر لأنَّه يشمل التيمم، ولا عبرة له في هذا الباب، قال في التجنيس: لو تيمم ولبس الخُفَّيْنِ ثُمَّ أحدَثَ وهو واحد للماء لا يمسحُ لأنَّ التيمم ليس بطهارة كاملة من كل وجه.
تام، احترز بهِ عَنْ وُضُوءٍ غير مُسْبَعْ، بأن بقي منْ أعضائِهِ لمعَةٌ لم يُصِبُها الماء، فإنَّه لو أحدث قبل الاستيعاب لا يجوزُ لَهُ المسحُ.
وَقتَ الحَدَثِ، فيه إشارة إلى أنَّ التمام وقتَ اللبس ليس بشرط، خلافاً لِلشَّافِعِي، فلو غسل رجلَيْهِ، ولَبِسَ خُفَّيْهِ، ثمَّ أَتمَّ الوُضُوة قبل أن يُحدِث جاز له أن يمسح عليهز: عندنا لوجود التمام عند الحدث، وكذا لو لَبِسَ خُفَّيْهِ مُحْدِثاً، وخاض الماء حتَّى دخَلَ الماء في خُفَّيهِ وانْغَسَلَ رجلاه، ثم أتمَّ الوُضُوءَ، ثمَّ أحدَثَ جاز له أيضاً المسحُ عَلَى الخُفَّيْنِ، وعند الشافعي لا يجوز لواحدٍ منهما أن يمسح.
وبما قررناه تبيَّنَ أَنَّ قولَه: ملْبُوسَيْنِ أحسنُ من قولهم: إذا لبسهما لأنَّ المُتبادر منه إِنَّما يكون حدوث اللبس حال تمام الطهارة، وإِنَّما قلنا إنَّه أحسنُ؛ لأن قولهم أيضاً صحيح حسن لأنَّ اللبس كما يُطلَقُ عَلَى ابتدائِهِ كذلك يُطلَقُ عَلَى دوامِهِ، بناءً على أنَّ للدوام فيما يُستَدَامُ حكمُ الابتداء؛ ولهذا يحنث بالدوام عليه في يمينه لا يلبس هذا الثوب وهو لابسه.
لا عَلَى عِمَامَةٍ وَقُلْنَسُوَّةٍ وَيُرْقُع وَقُفَّازَيْنِ، القفاز: شيءٌ تلبسه النساء في أيدِيهِنَّ حفظاً لها، ومنه الجلْدُ الذي يلبَسُهُ الصَّيَّادونَ، ويُمسِكُونَ الجَوارح عليه.
الجزء 1 · صفحة 40
وَسُنَّته عندنا، وأمَّا عندَ الشَّافعي فالسنَّةُ الجمعُ بين المسح عَلَى ظاهر الخف وأسفله، ذكَرَهُ في التحفة أنْ يبدأ بالأصابع ويَمْسَحَ بِكِلْتَا يَدَيْهِ إِلَى السَّاقِ؛ لِمَا رُوي عن مغيرةَ بنِ شُعْبَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- توضأ وَوَضَعَ يَدَهُ اليُمْنَى عَلَى خُفْهِ الأيمن، ويَدَهُ اليُسْرَى عَلَى حُفْهِ الأَيْسَرِ، ومدَّهُنَّ من الأصابع إلى أعلاهُما مَسْحَةً واحِدَةً، وكأني أنظرُ إِلَى أصابع رسُولِ اللهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَى ظاهرِ خُفَّيْهِ، ذَكَرَهُ في التَّحْفَةِ.
خُطوطاً، في عبارةِ الخُطوطِ إشارَةٌ إِلَى أَنَّهُما بالأصابع منفرجة، لا بالكف، ولا بها مضمومة.
وَمُدَّتُهُ لِلْمُقِيمِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، وَلِلْمُسَافِرِ ثَلاثَةُ أَيَّامٍ وَلَيَالِيْهَا مِنْ وَقْتِ الحَدَثِ؛ لأَنَّ الخُفَّ عُهِدَ مايعاً فيُعْتَبَرُ من وقتِ المَنْعِ؛ ولأن ما قبلَهُ طَهَارَةُ الغَسْلِ، لا طَهَارَةُ المَسْحِ فلا يُعتبر.
ويُتِمُّ مُدَّةَ السَّفَرِ ماسِحٌ سَافَرَ قَبْلَ تمَام يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ؛ لأنَّه حُكم متعلق بالوقتِ، فيُعتَبَرُ آخِرُهُ كالصَّلاةِ، وقد دل ما ذكر بمفهومه، وهو مُعْتَبر الروايات اتفاقاً، عَلَى أنه لا يُتِمُّ مدَّةَ السَّفَرِ ماسح سافر بعد تمام يومٍ وليلة.
ويُنمها، أي: يتم مدَّةَ الإقامة، إنْ أَقَامَ قبلَهُمَا دَلَّ بمفهومِهِ عَلَى أَنَّهُ يَنْزَعُ إِنْ أقام بعدَهُما، فالصور أربع، حكم الاثنين منهما مذكور بطريق المَنْهُومِ فافهم. وَيَنْقُضُهُ نَاقِضُ الوُضُوءِ؛ لأنَّهُ بدَلّ عنِ الغَسْلِ، فَيَنْقُضُهُ ناقِضُ الأَصْلِ، وَيَبْطُلُ بنزع الخف لِسِرَايَةِ الحدّثِ السَّابِقِ إِلَى القَدّم؛ ومن هنا تبيَّن أنه ليس بناقض، فمن أسند إليه النقض فقد تجوَّز.
الجزء 1 · صفحة 41
وفي توحيدِ الخُفْ إشارَةٌ إِلَى أن نزعَ أحدِهِما كاف في بظلان ج: المسح وذلك لأنه إذا نَزَعَ أحدَهُما يجِبُ غَسْلُ إحدَى الرّجلَيْنِ، فيجب غسل الأخرى أيضاً لِعَدَمِ صِحَّةِ الجَمْعِ بينَ الغَسْلِ والمَسْحِ فيما هو كعضو واحد. وحده، أي: حد النزع الذي يَبْطُلُ عندَهُ المَسْحُ:، خُرُوجُ أَكْثَرِ القَدَمِ إِلَى السَّاقِ، فَإِنَّ السَّاقَ عَلَى ما نبَّهتُ عليهِ فيمَا سَبَقَ - خارج عن حَدَّ الخُفَّ المُعْتَبر في هذا البَابِ فَخُرُوجُ القَدَمِ إليهِب: خُروجُ عَنِ الخُفْ، ثمَّ إِنَّ لأكثرها حُكْمُ الكل.
قال في النَّبيين: حكمُ النَّزْع بخروج أكثَرِ القَدَم إِلَى سَاقِ الحُفٌ في الصَّحِيح، وهو المَرْوِيُّ عن أبي يوسفَ لأنَّ لِلأَكثَرِ حكْمُ الكُلِّ، وعن أبي حَنِيفَةَ أنَّه إِنْ خَرَجَ العَقِبُ أو أكثرها بطل المسْحُ، وعن محمَّدٍ أَنَّهُ إِنْ بَقِيَ منَ الحُفْ في القَدَمقَدْرُ ما يَجُوزُ المَسْحُ عليهِ لا يَنْتَقِضُ، وإِلَّا يَنْتَقِصُ، وقال بعض المشايخ: إن أمكن المشي بِهِ لا يَنْقُضُ، وإلَّا يَنْقُضُ.
وَمُضِيُّ المُدَّةِ؛ للأحاديث التي دلَّتْ عَلَى التَّوقِيت، فبعد أحدهما عَلَى المُتَوَضّي، أي: على من كانَ عَلَى وُضُوءٍ، غَسْلُ رِجْلَيْهِ، فقط تفريعٌ عَلَى كونِ النَّزْعِ والمُضِي المَذْكُورَيْنِ مِمَّا يَبْطُلُ عندَهُ المسحُ، يعني لما بطل المسحُ عندهما حل الحدث السابق إلى قدميه، وقد غَسَلَ سائر أعضاء الوضوء عن ذلك الحَدَثِ، فلا يَجِبُ عليه إلا غسلَهُما لأنَّ الغايةَ هي الموالاة، وهي ليست بشرط عندنا.
الجزء 1 · صفحة 42
وَيَمْنَعُهُ خَرْقٌ يَبْدُو مِنْهُ، في عبارَةِ يبدو إشارَةٌ إِلَى صِفَةِ الخَرْقِ المَانِعِ وهي أن يكون مُنفتحاً يَظهَرُ ما تحتَهُ، أَوْ يكونَ مُنْضَمّاً لكن ينفرجُ عند المشي، ويَظْهَرُ ما تحته، ومُوجِبُ تلك الإشارة أنه إذا كان مُنْضَمّاً لا يَنفَرِجُ الصَّلابَتِهِ، فَلا يَظْهَرُ ما تحتَهُ عند المشي لا يمنعُ، وإنْ كانَ أَكثَرَ من ثَلاثِ أصابع، وهو المروي عن أبي حَنِيْفَةَ قَدْرَ ثَلاثِ أَصابع الرَّجُل، خلافاً لمالك، فإنَّ الخرق قليله وكثيره لا يمنعُ عندَهُ بعدَ أنْ يُطلَقَ عليه اسم الخُفْ، أَصْغَرِهَا هذا إذا انكشف موضع غير موضع الأصابع، وأمَّا إذا انكشف الأصابع نفسُهَا يُعتبرُ أن ينكشف الثَّلاثِ أَيَّتها كانَتْ، ولا يُعتبرُ الأَصْغَرُ؛ لأَنَّ كلَّ موضع إِصْبَعِ أصل بنفسها، فَلا يُعتَبَر بغيرها حتّى لو انكَشَفَتِ الإبهامُ مَعَ جَارَتِها وهُمَا قَدْرُ ثَلاثِ أصابع من أصغَرِها يجوزُ المسحُ، كذا في التبيين.
لا مَا دُونَهُ، هذا جواب الاستحسان والقياسُ أن يكون اليسير مانعاً كالكثير، وهو قول زُفَرَ والشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُمَا الله -
وتُجْمَعُ خُرُوقُ خُفْ لا خُفَّيْنِ، الخَرْقُ الذي يُجمَعُ الله ما يَدخُلُ فيهِ المسلة، وما دونه لا يُعتبرُ الحَاقاً لهُ بِمَواضِعِ الخَرز، ثُمَّ المُعْتَبَرُ مَا فِي الكَعْبِ وَمَا تَحتَهُ؛ لِمَا مَرَّ من أنَّ ما فوقَهُ خارج عن حد هـ: الخُفْ المعتبر في المسح.
وَيَجُوزُ عَلَى جَبِيرَة للمحدثِ والجُنُبِ، والجبيرَةُ: هي العِيْدَانُ التي يُجبَرُ بِها العظام، والمراد من الجواز المشروعية في الجُمْلَةِ، فلا يُنافي الوُجُوبَ.
الجزء 1 · صفحة 43
قال في الحقائق: ترك المسح على الجبائر والمسحُ لا يَضُرُّهُ، ولم يَجُز عندهما، وقيل هو بالإجماع، والصحيح أنَّه قولهما، والخِلافُ في المجروح، ففي المكسور يجبُ بالاتفاقِ، وذكر في العُيُونِ أَنَّ الفَتْوَى عَلَى قولهما احتياطاً، وفي شرحِ الطَّحَاوِي والزياداتِ: أنَّ المسح على الجبائر ليس بفرض عند أبي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ الله، وفي تجريدِ القُدُوري: الصحيح من مذهَبِ أبي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ الله - أنَّ المسحَ عَلَى الجبيرة ليس بفرض، وقال في الغَايَةِ: والصحيح أنه واجبٌ عندَهُ وليس بفرض، حتَّى تجوز صلاتُهُ بدونِهِ.
قال صاحب الهداية في مختاراتِ النَّوازِلِ: وإِنَّما يجوزُ: المسح عليها إذا كان الماءُ يَضُرُّ بالجَرَاحَةِ إذا غسَلَها فأضرَّ بهِ يمسَحُ على الجَرَاحَةِ، وَإِنْ أضَرَّ يمسَحُ عَلَى الجبيرةِ، سواءٌ شدَّها عَلَى وُضُوءٍ، أَوْ عَلَى غَيرِ وُضُوءٍ، وَإِنْ أضر المسحُ عَلى الجبيرَةِ أيضاً سقط المسْحُ وكَذَا الحُكْمُ في موضع الفصد، والزيادَةُ عَلَى موضع الجَرَاحَةِ تَبَع لها.
وفي الأخيرة: كان القاضي الإمام أبو علي النَّسَفِي لا يُجيزُ المسحَ عَلَى عصابة المُفْتَصِدِ ويُجيزُ المسحَ عَلَى خِرْقَةِ المُفتَصِدِ، وذكر الإمام القاضي علاء الدين: إنْ كانَ الفصدُ في موضع يُمْكِنُهُ أَنْ يَشَدَّ بنفسِهِ مِن غَيرِ إِعَانَةِ أَحَدٍ لا يجُوزُ المسحُ عَلَى العصابة، وإنْ كانَ في موضع لا يُمكِنه يجوزُ المسحُ عَلَى العصابة، وعامة المشايخ عَلَى جواز المسح على عصابَةِ المُفْتَصِدِ.
الجزء 1 · صفحة 44
وفي هداية الناطفي: إذا كانَ حَلُّ الجبائرِ يضُرُّ بالجراحة، وتحتَ العِصَابَةِ موضع لا جُرْح فيه لم يكُن عليهِ أنْ يَحُلَّ الجبائر، وليس عليه أن يغسل ما تحت العصابة في غير موضعِ الجَرَاحَةِ وإنْ كانَ حَلَّ العِصَابَةِ لا يَضُرُّ بِالجَراحَةِ ولكِنَّ نَزْعَ العِصَابَةِ عن موضع الجَراحَةِ يَضُرُّ بالجَراحَةِ، فَإِنَّ عليه أن يحلها ويغسل ما تحتها إلى أن يبلُغَ موضعاً يَضُرُّ بالجَراحَةِ، ثم يشد العصابة، ويَمْسَحُ عَلَى موضعِ الجَراحَةِ.
وذكر في الأسْرَارِ أنَّ استيعاب المسْحِ عَلَى الجبائِرِ شرط، وفي الذخيرة: أنَّ محمداً ذكَرَ استيعاب العِصَابَةِ في المَسْحِ، وفيه اختلاف المشايخ، وفي التجنيس نقلاً عن مبسُوط شيخ الإسلام: إذا مسَحَ عَلَى بَعْضِ الْجَبَائِرِ هل يُجْزِتُهُ أم لا؟ لم يَذْكُرْ هذا في ظَاهِرِ الروايةد:، وذكرَ الحَسَنُ بنُ زِيَادٍ أنَّه إِنْ مسَحَ عَلَى الأكثر أجزاهُ وإنْ مسَحَ عَلَى النِّصْفِ وما دُونَهُ لا يُجْزِتُهُ وبه يفتى.
وَلا يُبْطِلُهُ السُّقُوطُ إِلَّا عَنْ بُرْءٍ إذا سقطت الجبيرة لا عن بُرْء لا يَلْزَمُهُ الغسل أصلاً، وإنْ كانَ عن بُرْء يلزمُهُ غَسْلُ ذلك خاصة، الموضع ذكره في الذخيرَةِ، وأمَّا إعادَةُ المَسْحِ عَلَى الجبيرة إذا بدلها فلا يجب، إلَّا أنَّها احسَنُج:، ذكَرَهُ في مختاراتِ النَّوازِلِ.
اعلم أنَّ المسحَ عَلَى الجبيرَةِ يُخالِفُ المسْحَ عَلَى الخُفٌ من وُجُوهِ:
أحدِهَا: أنَّ الجبيرَةَ لا يُشْتَرَطُ شَدُّهَا عَلَى وُضُوءٍ، بِخِلافِ الحُفٌ.
وثانيها: أنَّ مَسْحَ الجبيرَةِ غيرُ مؤقَتِ، بخلافِ الخُفٌ.
وثالثها: أنَّ الجبيرَةَ إذا سقَطَتْ عن غيرِ بُرْءٍ لا يَنْتَقِصُ غيرِ بُرْءٍ لا يَنْتَقِضُ المسْحُ، بخلافِ الخُفّ.
الجزء 1 · صفحة 45
وَرَابِعِهَا: أَنَّها إذا سقَطَتْ عن غيرِ بُرْءٍب: لا يجب عليهِ إِلَّا غسلُ: ذلك الموضع إذا كانَ عَلَى وُضُوءٍ، بخلافِ الخُفٌ، حيثُ يجِبُ عليهِ غَسْلُ الأخرى.
وخَامِسِهَا: أَنَّ الجبيرة يستوي فيها المُحْدِثُ والجُنُب، بخلافِ الخُفٌ، هُنا اتَّضَحَ وجْهُ إصَابَةِ المُصَنِّفِ، حيثُ اسْقَطَ قيدَ مُحْدِثٍ عندَ ذِكْرِهِ ومن جوَازَ المَسْحِ عَلَى الجبيرة، والله أعلم.
بَابُ الحَيْضِ
الدّماءُ المُختَصَّةُ بالنِّسَاءِ ثلاث: حَيْضُ واستِحَاضَةٌ ونِفَاسُ، وَإِنَّمَا خَصَّ الحيض بالذِّكْرِ في العنوان؛ لأَصَالَتِهِ في هذا الباب، هُوَ دَمٌ يَنْفُضُهُ رَحِمُ بَالِغَةٍ، ولا بُلُوغَ قبل تسع سنينَ.
لا عن داء، احترز بقيدِ الرَّحِمِ عنِ الرُّعافِ والدماء الخارجة من الجراحات، ودَمِ الاستحاضة، فإنها دمَ عِرْقٍ لَا دَمُ رَحِمٍ، وبقيدِ البُلُوغ عن دم تراه الصغيرة، فإنَّ عَدَمَ كونِهِ منَ الرَّحِمِ غيرُ معلوم، وبقيد لا عن داء عما ينفُضُهُ الرَّحِمُ لِمَرَضِ، ومنه دمُ النّفاسِ، فإنَّ النفاس مرض في اعتبار الشرع حَتَّى اعتبر تبرعات النفساء من الثلث.
وَإِنَّمَا قَالَ لا عن داء ولم يقل: لا داء بها لأنَّ العبرة بعدم كون نَفْضِ الدم عن داء، لا بِسَلامَتِهَا عنه؛ لأنَّ كونَهَا مريضة سواء كان الداءُ في رحِمَهَا، أو في موضع آخَرَ لا يُنافي كونَ الدَّم الخارج من رَحِمِهَا حَيْضاً إِذا لم يَكُنْ نَفْضُهُ إِيَّاهُ بِسَبَبٍ الداء، ثمَّ الأصحُ أن الحَيْضَ مُؤَفَّتُ إِلى سِنْ الإِياس، وأكثر المشايخو: بستين، ومشايخ بُخَارَى وخَوَارِزْمَ بخَمْسٍ وخَمسينَ، فما رأتْ بعدها لا يكون حيضاً في ظاهِرِ المُذهَبِ، والمُختار أَنَّهَا إنْ رَأَتْ دَماً قَوِيّاً كالأسْوَدِ والأَحْمَرِ القَانِي كان حيضاً، ويَبْطل الاعتداد بالأشهر قبل التَّمَامِ وبعدَهُ لا، وإنْ رأتْ صُفْرَةٌ أَوْ خُضْرَةٌ أَوْ تَرْبِيَةً فَهِيَ استحاضة.
الجزء 1 · صفحة 46
وَأَقَلُهُ ثَلاثَةُ أَيَّامٍ وَثَلاثُ لَيَالٍ، هذا نصُّ في ظاهِرِ الرواية، وأمَّا قولُهم: ولَيَالِيهَا فيُمْكِنُ تطبيقه على ما رَوَى الحسن عن أبي حنيفة أيضاً، وهو أنَّه ثلاثة أيَّامٍ وما يتخللها من الليالي وهو ليلتان.
قَالَ النَّاطِفِيُّ في الأجناس: أقل الحيض ثلاثَةُ أيَّام ولياليها، وهو مذكور في الأصل، ولكن معناه بليالٍ تَقَعُ في مُضِيّ هذه الأيَّام، ولا يُريدُ بِهِ ثَلاثَ لَيَالٍ مُقَدَّرٍ بها كالأيَّامِ، حَتَّى لو رأتْ عند طلوع الفجر يوم السبت، وانقطع عندَ غُرُوبِ الشَّمْسِ يومَ الاثْنَيْنِ، فَهَذِهِ ثَلاثَةُ أَيَّام بلياليها، ويكون حيضاً.
وفي التجنيس هذا رِوَايَةٌ عن أبي يُوسُفَ، أَمَّا على ظَاهِرِ الرِّوايَةِ أقل الحيض ثلاثة أيام وثلاث ليال، وفي الهدايةِ: عن أبي يُوسُفَ أنَّه يومان وأكثرُ الثَّالِثِ، وعند الشَّافِعِي يوم وليلة.
وَأَكْثَرُهُ عَشْرَةٌ وعندَ الشَّافِعِي خمسَةَ عشرَ، ومبدأ الحيض من وقتِ خروج الدَّمِ إلى الفَرْجِ الخَارِج.
اعلمُ أَنَّ المرأةَ لَهَا فرجانِ دَاخِلٌ، وهو بمنزِلَةِ الدُّبُرِ، وَخَارِج، وهو بمنزلة الإلْيَتَيْنِ، فإذا وضَعَتِ الكُرْسُفَ فِي الفَرْجِ الخَارِج فَابْتَلُ الجَانِبُ الدَّاخِلُ مِنْهُ كَانَ حَدَّثاً وحَيْضاً هـ: ونفاساً، وَإِنْ لم يَنْفَذ إلى الخارج لوُجُودِ الظهور، وإنْ وضَعَتْهُ في الفَرْج الدَّاخِلِ فابْتَلَ مِنْهُ الجَانِبُ الدَّاخِلُ، إِنْ كان عالياً على حرفِ الفَرْج، أو مُحاذِياً لَهُ فَهُوَ حَدَتْ وَحَيْضُ وَنِفَاسُ، وَإِنْ كانَ مُتَسَفَلا فلا حَتَّى تَنْفُذَ البَلَّه إلى الخارج لِعَدَمِ الظُّهُورِ، وَإِنْ سَقَطَ الكُرْسُفُ فهو حَدَتْ وحَيْضُ وَنِفَاسُ لوُجُودِ الخُرُوجِ.
الجزء 1 · صفحة 47
وَالظُّهْرُ بَيْنَ دَمَيْنِ فِي مُدَّتِهِ، يعني أنَّ الظُّهْرَ المُتَخَلَّلَ بينَ دَمَيْنِ وَالدَّمَانِ فِي مُدَّةٍ الحَيْض يكونُ حيْضاً، ولَوْ خرج أحدُ الدَّمينِ عنْ مُدَّةِ الحيض بأن رأتْ يوماً دَماً ويَسْعَةً ظهراً ويَوماً دَماً مَثَلاً لا يكُونُ حيضاً؛ لأنَّ الدم الأخير لم يُوجَدْ في مدة الحيض، ووجْهُهُ أنَّ استيعابَ الدَّم مُدَّةَ الحَيْضِ ليس بشرط إجماعاً، فيُعتبرُ أوَّلُهُ وَآخِرُهُ كالنصاب في بابِ الزَّكاةِ.
ولا يبتدئ الحيض بالظهر، ولا يَخْتِمُ به على هذه الرواية، وهي رواية محمد عن أبي حَنِيْفَةَ، وكذا النّقاسُد: على هذا الاعْتِبَارِ. وَمَا رَأَتْ مِنْ لَوْنِ فِيهَا، أي: في المدَّةِ سِوَى البَيَاضِ حَيْضُ اعلمُ أَنَّ ألوان الحيض هي: الحُمْرَةُ والسَّوَادُ، فَهُمَا حيض إجماعاً، وكذا الصُّفْرَةُ المُشْبَعَةُ في الأصحُ، وَالحُضْرَةُ وَالصُّفْرَةُ الضَّعِيفَةُ والكُدْرَةُ والتَّرْبِيَةُ عندنا، والفَرْقُ بينهما أنَّ الكُدْرَةَ تضرِبُ إلى البَياضِ، والتَّرْبِيَةُ إلى السَّوَادِ، وَإِنَّمَا قَدَّمَ مسألةَ الظُّهْرِ المُتَخَلَّل على ألوان الحيض؛ لأنَّها مُتَعلِّقَةٌ بِمُدَّةٍ الحيض، فأَلْحَقها بها، ثمَّ ذكَرَ الألوان، ثمَّ بعد ذلك شرع في أحكام الحيض فقال: يَمْنَعُ الصَّلاةَ وَالصَّوْمَ، وَتَقْضِي هَؤُلاءِ، بناءً على أنَّ الحيض يمنعُ وُجُوبَهَا وصحة أدائها ويمنعُ صحة أدائِهِ دونَ وُجُوبِهِ، فيجِبُ قضاؤُهُ إِذا طَهُرَتْ دونَ قضائها.
الجزء 1 · صفحة 48
ثمَّ المُعتَبَرُ عندنا آخِرُ الوقت، فإذا حاضت في آخر الوقتِ سقطت، وإن ظهرت: فيه وجبَتْ، فإذا كانَتْ طهارتُهَا لعَشْرَة وجَبَتِ الصَّلاة، وإنْ كانَ الباقي من الوقت لا يَسَعُ إِلَّا قَدْرَ التَّحْرِيْمَةِ، وإِنْ كانَتْ لأَقَلَّ مِنْهَا وذلك عادتها، فإن كان الباقي من الوقتِ مقدارُ ما يَسَعُ الغُسْلَ والتَّحريمة وجبَتْ، والا فَلا لأنَّ مدَّة الاغتسال من الحيض عشرة، وأربَعُونَ ج: في النَّفَاسِ بمنزِلَةِ العشَرَةِ في الحيض.
وَدُخُولَ المَسْجِدِ، لمْ يقُلْ والطَّوافِ لأنَّ الحيض لا يمنعُ الطواف على ما يأتي في كتاب الحج، نعم يجب عليها التَّحَرُّزُ عنِ الطَّوافِ في الحيض، وهي من مسائلِ الحَجِّ تُذْكَرُ في مَوْضِعِهَا.
وَاسْتِمْتَاعَ مَا تَحْتَ الإِزارِ، وعن محمد: يتَّقِي شِعَارَ الدَّمِ، أي: موضع الفرح فقط وَلا تَقْرَأْ، أي: القرآن سواءً كانتْ آيةً أَو مَا دُونَهَا فِي روايَةِ الكَرْخِي، وهُوَ المُخْتَارُ، وفي روايَةِ الطَّحَاوِيُّ: يحِلُّ ما دُونَ الآية، هذا إذا قرأَتْهُ على قصد التلاوة، وأمَّا إذا قرأتُهُ على قصدِ الذِّكْرِ والثَّنَاءِ فَلا بأسَ بِهِ بالاتفاق.
كَجُنُبٍ وَنُفَسَاءَ بِخِلافِ المُحْدِثِ، متعلّق بقولِهِ ولا تقرأ، ولا تَمَسُّ هولاء الأرْبَعَةُ مُصْحفاً ولا جِلْدَهُ المُتَّصِلَ، احترز به عن المنفصل، ولم يقل إلا بغلاف مُتَجَافٍ لعدم صحة حضر المستثنى فيما ذَكَرَهُ وَكُرة بالكُم، ولا درهماً فيه آيةٌ، إِلَّا بِصَرَّة.
الجزء 1 · صفحة 49
وَحَلَّ وَظَهُ مَنْ قُطِعَ دَمُها لأكثر الحيض أوِ النَّفاسِ قَبْلَ الغُسْلِ، فَإِنْ قلت: حل الوطء حينئذ لا يتوقَّفُ على انقطاع الدم، قلتُ: إِنَّمَا فَرَضَ انقطاعَهُ؛ لأنَّ الكلام بعد في أحكام الحيض، وحِلُّ وظيها على تقدير عدم انقطاعه في الصورة المذكورة من أحكام الاستحاضة، دونَ منْ قُطِعَ لأَقَلَّ مِنْهُ، أي: من الأكثر، إلَّا إذا اغْتَسَلَتْ أو تيمَّمَت لأنَّ الدَّمَ يَدُرُّ تارةً، وينقطعُ أخرى، فلا بد من الاغتسال أو التيمم ليترجح جانب الانقطاع.
أوْ مَضَى قدرُ ما يَسَعُ الغُسْلَ والتَّحريمَةَ منْ آخرِ وقت الصَّلاةِ لأنَّ الصَّلاةَ صارت دَيْناً في ذِمَّتِها، فطَهُرَتْ حُكماً، هذا في المسلمة، وأما الكتابية فيحل وطؤها بنفس الانقطاعِ قبلَ العَشْرَةِ؛ لأنَّه لا يُنتَظَرُ في حقها أمارَةٌ زائدةٌ.
وَإِنَّمَا قَالَ في آخرِ وقتِ الصَّلاةِ إذ لا عبرة للوقتِ المهمل، ولا لأول وقت الصلاة على ما عُرِف في موضعه.
الجزء 1 · صفحة 50
ثمَّ إنَّ ما ذُكِرَ إذا لم يكن الانقطاع دونَ عادَتِها الأنَّه إذا كان دونَها لا يقربها وإن اغتسلتْ حَتَّى تمضي عادَتُها لأنَّ العود في العادة غالب. وَاقَلُ الظُّهْرِ خمسَةَ عَشَرَ يوماً، ولا حَدَّ لأكثَرِهِ؛ لأنه قد يمتد إلى سنة وسنتين وقد لا يمتد، وقد لا تَرى الحيض أصلاً، فلا يمكن تقديره، إلا عند نصبِ العادَةِ في وقتِ الاستمرَارِ: أي: لا حدَّز: لأكثر الطهر إلا إذا استمر بها الدم فاحتيج إلى نصب العادةِ، فيقدَّرُ طُهْرُهَا عند عامة المشايخ، ثم اختلفوا في مقداره، فقَالَ: مُحمَّدُ بنُ إبراهيمَ المَيْدَانِي بقدرِ ستَّةِ أَشهرٍ إلا ساعةو:؛ لأن الطهر بين الدمين عدتُها بتسعة عشر شهراً إلا ثلاث أقل من أدنى مدة الحمل عادَةً، فَنَقَصْنَا من ذلك ساعة، فإذا طلقَتْ تنقضي ساعاتٍ؛ لجواز أن يكونَ طلقها في أوَّلِ الطهرِ، فيُحْتَاجُ إلى ثلاث حِيَضِ بشهر، وإلى ثلاث أطهار بثمانية عشر شهراً إلا ثلاث ساعاتٍ، وَإِنَّمَا اعتبروا جواز طلاقها في أوَّلِ الطهر ولم يعتبروا جواز طلاقها في أوَّلِ حيضها حَتَّى يُحتاج إلى أزيد ممَّا ذُكِرَ؛ لأنَّ الطلاق في الحيض بدعةٌ، فلا يليقُ أنْ يُعتَبَرَ بهِ.
وَمَا نَقَصَ عن أقل الحيض، أو زاد على أكثَرِهِ، أي: على العشرة، هذا على إطلاقه يتناولُ المُبْتَدَأَةَ التي بلغت مستحاضة، فحيضُها مِنْ كُلِّ شهرٍ عَشَرَةُ أيام، وما زاد عليها استحاضة، وقس على هذا قوله: أو أكثر النِّفاسِ، أَوْ عَلَى عادة عُرِفَتْ لحيض وَجَاوَزَ العشَرَةَ، أوْ نِفَاسِ وجاوَزَ الأَرْبَعِينَ، أي: إذا كانت لها عادة في الحيض وفرضْنَاهَا سبعَةً فرأتِ الدَّمَ اثني عَشَرَ يوماً، فخمسةُ أَيَّامٍ بعد السبعة استحاضةد:، وإذا كانت لها عادَةٌ في النفاس، وهي ثلاثُونَ يوماً مثلاً، فرأتِ الدم خمسين يوماً، فالعشرون التي بعد الثلاثين استحاضة.
الجزء 1 · صفحة 51
والعادة لا تثبتُ إلَّا بمرتين عندَهُما، وقَالَ أَبُو يُوسُفَ: تثبتُ بمرة واحدة او رأتْ حامِلٌ فهُوَ استِحَاضَةٌ أي: الدم الذي تراه الحامل ليس بحيض، بل استحاضة، خلافاً للشافعي، قوله وما نقص مبتداً، وقوله فهو استحاضة خبره، ثم بين حكم الاستحاضةِ فَقَالَ: لا تُمْنَعُ صَلاةٌ وصَوْماً ووَظنا، ومن لم يمض عليه وقت فرضِ إِلَّا وبهِ حَدَثٌ، أي: الحدث الذي ابتلي بِهِ مِنَ استِحَاضَةٍ وَرُعَافٍ ونحوهما هذا حد المستحاضة، وصاحِبِ العُذْرِ في البقاء، وأما في حق الابتداء، فلا بد من الاستيعاب بأن يستمر العُذْرُ وقت صلاةٍ كاملةٍ، صرَّحَ به صاحبُ الهدايَةِ في التَجْنِيْسِ.
يتوضأ لوقت كلِّ فرض ويُصلِّي بِهِ فِيهِ مَا شَاءَ مِنْ فرض ونفل، خلافاً للشافعي، فإنَّ عندَهُ: يتوضأ لكل فرض ويصلي النَّوَافِلَ تبعيَّة الفرائض.
ويَبْطل عندَ خُرُوجِهِ أي: خروج وقتِ الفرض لو توضاً لصلاة العيد، قيل ـل: ليس له أن يؤدي بهِ الظهر؛ لأنَّه يَبْطَلُ بخروج وقتِ صلاةِ العيد، والصحيح أنه يجوز له ذلك؛ لأنَّها ليست بفرض ومن هنا تبين وجهُ، ومن رُجْحَانِ قوله: خروجه على قول من قَالَ خروج الوقتِ لفظاً ومعنى، وَإِنَّمَا قَالَ ويبطل عند الخروج ولم يقل ينقضُه الخروج لأنَّ الناقض هو الحدث السابق، لكن الشرع أسقط اعتبارَهُ في الوقتِ للحاجة، وعند الخروج تنعدم الحاجة فيعمل ذلك الحدث، فيكونُ الخروج شرط إعمال الحدث، إذ الشرط ما يوجَدُ الحكم عنده لا به ويظهر هذا في عدم جواز المسح على الحف بعد خروج الوقت.
لا عِنْدَ دُخُولِه، هذا عندهما، وعند أبي يُوسُفَ: يَبْطُلُ عِندَ أَيْهِمَاج: كان، وعند زُفَرَ: ينظُلُ عند دخولِهِ فقط، فيصلي من توضأ قبل الزوال، إلى آخر وقت الظهر؛ لعدم خروج وقت الفرض، وفيه خلاف لأبي يُوسُف وزُفَرَ؛ لِمَا عرفت أنَّ دخول الوقت معتبر عندَهُما.
الجزء 1 · صفحة 52
لا بعد طُلُوعِ الشَّمْسِ من توضَّأَ قُبَيْلَهُ إنَّما قَالَ قبيله دون قبله؛ لأنَّ المراد أن يكون بعد طلوع الفجرِ كيلا يتحقق دخول الوقت بعد التوضؤ فيتعين الخروج شرطاً للبطلان، وفيه خلافٌ لزفَرَ لِمَا عَرَفْتَ أَنَّ المعتبر عندَهُ هو الدخول فقط ولم يوجد.
وَالنَّفَاسُ دَم ي
َعْقُبُ الوَلَدَ، قَالَ المطرِّزِيُّ: النِّفاسُ - بكسر النون- ولادة: المرأة، مصدر سمي بهِ الدَّمُ كما سمي بالحيض، ولا حد لأقله وأكثره أربعون يوماً خلافاً للشافعي، فإنَّ أكثرَهُ ستّونَ يوماً عنده.
وهو لأم التوأمين من الأوَّلِ، خلافاً لمحمد وهو قول زُفَرَ، التوأمَانِ ولدان من بطن واحدٍ لا يكون بين ولادتهما أقل مدة الحمل، وهو ستة أشهر.
وقالز: المطرزِيُّ: التوأم اسمٌ للولد إذا كان معه آخرُ في بطن واحدٍ، ويُقَالُ: هُما توأمَانِ كَمَا يُقَالُ هُما زوجان، وقولهم: هما توأم خطأ، وفي المبسوط: ذكر التوأم مكان التوأمين صحيح عند أهل اللغة: «منهم من قال: التوأم أفصح كما يقَالُ: هُما زوج، ومنهم من قال: التوأمان أفضحُ كما يقَالُ: هُما كفُوانِ وأَخَوَانِ.
وانقضاء العدة من الآخر إجماعاً، وسقط يُرَى بعضُ خَلْقِهِ وَلَدٌ، فتصير هي نُفَسَاءُ، والأمة أمُّ الوَلَدِ، ويقعُ المعلَّقُ بالولد، أي: يحنث به لو كان على يمينه بالوِلادَةِ وَتَنْقَضِي العِدَّةُ بِهِ أطلقها ليشمل عدة أم الولد.
بَابُ الأَنْجَاسِ
يَظْهرُ البَدَنُ وَالثَّوْبُ، أسقط إضافَتَهُما إلى المصلي؛ لأنَّ المقصود ها هنا بيان جواز طهارتهما بما ذُكر، لا بيان وجوبها حالة الصلاة، فإنَّه من مسائل بابٍ شروط الصلاة، ولم يَذْكُرْها هنا المكانَ؛ لأنَّه أنواعٌ، ولكل منها حكم خاص على ما ستقف عليه، عنْ نَجِسٍ مرتيّ بزَوَالِ عَينِهِ وأَثَرِهِ الذي لا يَشُقُّ رَوالُهُ، فَإِنَّ الأثر الذي يشق زواله معفو، بهذا وَرَدَ الأثر ه.
الجزء 1 · صفحة 53
بكل مانع طاهر، ماءً كان أو غيرَهُ، قال محمَّدٌ وزُفَرُ والشَّافِعِيُّ: لا يجوزُ إِلَّا بالمَاءِ، وَإِنَّما ترك قيد المُزِيْلِ لانفهامه من قوله بزوال عينه، كالخل ونحوه، أي: نحو الخل في الانْعِصَارِ بالعَصْرِ، فالكاف للتمثيل، والنحو للتشبيه، فالمَعْنَى مثاله الخل وما يُشْبِهُهُ. وَعَمَّا لَمْ يُرَ بِغَسْلِهِ ثلاثاً، وعضرِهِ في كُلِّ مرَّةٍ، بشرط أن يبالغ في العَصْرِ في المَرَّةِ الثَالِثَةِ بقدرٍ قُوَّتِهِ إِنْ امْكَنَ المعتبرُ فيهِ غَلَبَةُ الظَّنِّ، وَإِنَّمَا قَدَّروه بالثلاث؛ لأنَّ غلبة الظنِّ تحصُلُ عنده غالباً، حَتَّى لو جرى الماء على ثوب نجس وغلب على ظنه أنه قد ظهر جازَ وإنْ لم يكُنْ ثمَّةَ عصر. وإلا يغسل ويترك إلى عدم القطران ثمَّ وثمَّ هكذا، ولا يشترط البيس.
ويطهر الخُفُ عن ذي جُرْمٍ، كلُّ ما يُرَى بعد الجفاف ذو جرم، وما لا يُرى بعده فليس بذي جرم جَفَّ لا بدَّ من الجفافِ عندَه؛ لأن مسح الرطب يكثره، بالدَّلْكِ بالأرْضِ، وَجوَّزَهُ، أي: جوز الدَّلْكَ أبو يوسف و: في رطبه، أي: في رطب ذي جُرم جرم، فإنَّه لا يَشْتَرِطُ الجفاف، ولكن يشترط ذهاب الرائحة وعلى قوله أكثر المشايخ، وبِهِ يُفتى، وقال محمدٌ وزُفَرُ: لا يطهرُ إِلَّا بِالغَسْلِ. وعما لا جُرْمَ لَهُ كالبول، بالغسل فقط، وعن المني رطباً بالغَسْلِ، ويابساً به وبالفَرْكِ، ومن خص اليابس بالفرك فقط فقد أخطأ، وإنْ أصَابَ مني دنَهُ لا يطهُرُ إلا بالغسل رطباً كان أو يابساً ذكره في الأصل، وهو مروِيٌّ عن أبي حَنِيفَةَ، ذكرَهُ في الكافي، وذكر الكرخي في مختصره: أن يَابِسَهُ يَطهُرُ بالفَرْكِ من غير فرق بين العُضو وغيره، ومن وهم أن عدم الفرق في ظاهر الرواية والفرقُ في رواية الحسن فقد وهم.
الجزء 1 · صفحة 54
وَالسَّيْفِ ونَحْوِهُ في الصلابة والصقالة بالمسح، إن كان يابساً يكفي مطلق المسح، وإنْ كانَ رَطباً لا بدَّ من المسح بالترابِ حَتَّى يَجِفَّ ثم يطهرُ. والبساط بجَرْيِ المَاءِ عليهِ ليلةٌ في الذَّخيرة يوماً وليلة، وفي الخانية: اكتفى بمطلق الجري والأرض والآجُرُ المَفْرُوش، احترز به عن الموضوع بالجفاف، لم يقل باليبس؛ لأنَّهم يفرقونَ بينه وبين الجفاف، والمعتبر ها هنا هو الثاني، ذكره في الذخيرة.
وَذَهَابُ الأَثَرِ من اللون والريح للصلاة، خلافاً لزُفَرَ والشَّافِعِي، لا للتيَمُّمِ يعني تظهرُ الأرض بما ذُكِرَ طهارةً كافيةً للصلاة عليها، ولا تطهر طهارة كافية للتيمم بها.
وكذا الخص، أراد به السترة التي تكون على السطوح من القَصَبِوَشَجَر وكَلا قَائِم في الأرْضِ، اختلفوا فيهما، وقيل ما داما قائِمَيْنِ على الأرض يطهرانِ بالجفاف، وهو المُختار.
وما قطع منهما يغسِلُهُ لا غيرُ.
وقَدَرُ الدرهم من نجس غَلُظَ كبول ودَم وخمْرٍ وخُرْءِ دَجَاجِ وبولِ حِمَارٍ وهرة وفارَةٍ ورَوْتِ وحتى الروتُ: يُستعمَلُ في الفَرَسِ والحمار، والجني: يُستَعمَلُ في البَقَرِ والبَعرَةُ: في الإبل وما دونَ رُبع ثوب، أي: ربع أدنى ثوب تجوزُ فيه الصلاة، وقيل جميع ثوب عليه، وقيل ربع طَرَف أصابَتْهُ النَّجاسَةُ كالذِّيْلِ والكُمّ والدّخريص، وعند أبي يُوسُفَ: شبر في شبر، وعنه: ذراع في ذراع، ومثله عن محمد مما خفَّ كبول فرس، ومَا أُكِلَ لَحْمُهُ وخُرْءُ طَيْرِ، سواءً كان من السباع، أو من غيرها، وما وقع في بعض نُسَخ الهداية وغاية البيان من التخصيص بالأول ليس بصحيح؛ لأنه حينئذ يخرُجُ الخطَّافُ مع أنَّ َعلَّةَ العَفْوِ - وَهِيَ كونُهُ مِمَّا يَزْرُقُ مِّنَ الهَوَاءِ شامِلَةٌ لَهُ، لا يؤكلُ عَفَرٌ وإنْ زَادَ، لا خفة النجاسة وغلقها لا فيما يظهر يقعُ في الماءِ، وَإِنَّما يظهرُ فيما يُصيب الثوب، ذكَرَهُ في الأسرار.
الجزء 1 · صفحة 55
يُعتبرُ وزُنُ الدرهم بقدرِ مِثْقال في الكَثِيفِ، وَمَسَاحَتُهُ بقدرٍ عَرْضِ كَفَّ في الرقيق. المراد من الكف: ما وراء المفاصل ودَمُ السَّمَكِ ليسَ بِنَجِسٍ، فصلهُ عمَّا قبله ولم يشركه له في حكم العفو كما فعله صاحبُ الكنز؛ لأنه طاهر في ظاهر الرواية، والعفو يقتضي النَّجَاسَةَ.
ولعابُ البغْلِ والحمار لا يَنْجُسُ لأنه مشكوك، والطاهر لا تزول طهارته بالشك وبول انتضح مثلُ رؤوس الإبرِ ليس بشيءٍ، وماءٌ ورَدَ على نجس نجس کعکسه، لا رمادُ قَذَرٍ فيه خلافُ الشَّافعي، وحمار صار ملحاً.
ويصلى على ثَوْبِ بِطَانَتُهُ نَجسَةٌ، هذا إذا لم يكُنِ النُّوبُ مضرباً، وعلى طَرَفِ بِسَاطِ طَرَفٌ أَخَرُ مِنهُ نَجِسَ، وَإِنْ تَحَرَّكَ أحَدُهُمَا بِتَحْرِيكِ الآخَرِ، إنما قال هذا ردّاً لِمَنْ شرط أنْ لا يَتَحَرَّكَ أحدهما بتحريك الآخَرِ.
وفي ثوب ظهَرَ فِيهِ نُدْوَةٌ، ثوبٌ رَطْبٌ نَجِسٌ لُكَ فِيهِ لَا بِحَيْثُ لو عُصِرَ قطرتْ، أي: ليس ظهور الندوة فيه بحيث لو عصر قطرتْ تلك البله منه، أو وُضِعَ رَطْباً عَلَى مَا طَيِّنَ بِطِيْنِ فِيهِ سِرْقِينَ وَيَبْسَ أوْ تَنَجَّسَ طَرَفٌ مِنْهُ فَنَسِيَهُ وَغَسَلَ طَرَفا آخَرَ بِلا تَحَرِّ، أي: لا يُشْتَرَطُ التَّحرِّي في غَسْلِ طرف من الثوب، كحنطة بال عليها حُمُرٌ، خَصَّها بالذِّكْرِ للاتفاقِ في غِلظ نجاسَةِ بولها فيُعلَمُ الْحُكْمُ في غيرها بالدلالةِ، تَدُوسُها فغسلَ أَو ذَهَبَ بعضُهَا فيظهرُ الكُل، ولا يُسْتَرَطُ التَّحري فِيهِ أيضاً قبل الطهارة ها هنا؛ لمكان الضَّرورَةِ، وفيه نظر، إذ لا ضرورة في
التحري.
الجزء 1 · صفحة 56
الاستنجاء، النَّجاءُ: ما يخرُجُ من البطن، والاستنجاء: طلب الفراغ عنه وعن أثَرِه بماء أو تراب، ذكَرَهُ في المُجْمَلِ، من نجس يخْرُجُ من البطن، لم يقُلْ من كل حدث غير النوم والريح؛ لإِنْبَائِهِ عَنِ اختيار مذهب منْ قالَ: إِنَّ النَّوم ليس حدثاً لعينه، إنَّما الحَدَثُ ما لا يخلو النَّائِمُ عَنْهُ غالباً، فأُقِيمَ السَّبَبُ مُقَامَهُ، وهو مذهب مرجوح. بنحو حَجَرٍ يمسَحُهُ حَتَّى يُنَفِّيْهِ، منَ الإنقاء، وهو جعل الشيء نقياً طاهراً، بلا عددٍ سُنة وعندَ الشَّافعي فرضٌ حَتَّى لو تركه لا تجوز صلاته، والمُعتبَرُ في إقامة هذهِ السُّنَّةِ عندنا هو الإنقاء لا العدد، فإن حصل بحجر واحد كفاهُ وإنْ لم يحصل بالثَّلاثِ زاد عليه، وعند الشافعي: العدد مع الإنقاء شرط، حَتَّى لو حصل الإنقاء بدونِ الثلاث كمل الثلاث، ولو ترك لم يُجْزِهِ، ذكَرَهُ في البدائِعِ.
فالمنفي بقوله بلا عددٍ لزومُ العددِ في إقامَةِ السُّنةِ لا نفسه، وللتنبيه على ذلك: قالَ: يُذيرُ بالحَجَرِ الأَوَّلِ، ويُقْبِلُ بالثَّاني، ويُدْبِرُ بالثَّالِثِ، يعني إذا احتاج في إقامةِ السُّنةِ إلى العدد يفعل كذلك.
الجزء 1 · صفحة 57
صيفاً، إنَّما يُدير بالحجرِ الأَوَّلِ في الصَّيفِ لأنَّ الخِصْيَةَ فِيهِ مُدْلاةٌ، فَلا يُقْبِلُ احترازاً عن تَلْوِيثِها، ثمَّ يُقْبِلُ، ثمَّ يُدْيِرُ مبالَغَةً في تنظيفه، والإدبار: الذهاب إلى جانبِ الدُّبُرِ، والإقبال ضِدُّهُ. ويُقْبِلُ الرَّجُلُ، إنما قيد به؛ لأنَّ المرأةَ تُدْبِرُ بالأَوَّلِ في كل حال؛ لئلا يتلوَّثَ فرجُها، بِالأَوَّلِ والثَّالِثِ شِتَاءُ؛ لأنَّ الخِصْيَةَ في الشتاءِ غيرُ مُدْلاةٍ، فَيُقْبِلُى بالأول؛ لأنَّ الإقبال أبلغ في الإنقاء، ثمَّ يُدْبِرُ، ثُمَّ يُقْبِلُ للمبالَغَةِ. وغَسْلُهُ بعدَ الحَجَرِ أَدَبٌ، فَيَغْسِلُ يدَيْهِ ثُمَّ يُرْخِي المَخْرَجَ بِمُبَالَغَةِ، ويَغْسِلُهُ بِبَطْنِ إصْبَعِ أو إِصْبَعَيْنِ أوْ ثَلاثَةٍ نبه بالتفصيل على أنَّه ينبغي أن يغسله بإصْبَعِ واحِدٍ إِنْ كَفَى، وإِلَّا فَيَضُمُّ إليهِ الآخَرَ، ثُمَّ الْآخَرَ إِنْ لم تحصل الكفاية بهما؛ ليكونَ التَّلَوُّثُ بقدرِ الضَّرورَةِ، لا برؤوسها؛ كيلا ترتكز النَّجاسَةُ في شقوق الأظفار، ثم يغسل يدَيْهِ ثانياً.
الجزء 1 · صفحة 58
ويجِبُ في نجسٍ جَاوَزَ المَخْرَجَ أكثَرَ مِنْ دِرْهَم، هذا عندهما، وعند محمد يُعتبر ما تجاوَزَ معَ ما في المخرج. ولا يستنجي بعظم ورَوْثٍ ويمين قال في الغاية: يُكره الاستنجاء بعشرة أشياء: العظم، والرَّجيع، والروثِ، والطعام، واللحم، والزجاج، والورق، والخزف، وورق الشجر، والشعر ولا يَستَقْبِلُ القِبْلَةَ ولا يَسْتَدْبِرُهَا، ولم يقل: وكُرة استقبال القبلة؛ لأنَّه يُشْعِرُ بأن لا يكون المنفي سابقاً مكروهاً، وَإِنَّمَا قال في الخلاء ليعلم الكراهة في الصحراء بطريق الدلالة، ولو أطلق لَتُوُهُمَ احْتِصَاصُهَا بِمَا إذا كان في الصحراء، وذكر في الأجناس: أنَّ هذا إذا كان الاستقبال والاستدبار لأجل التَّغَوُّطِ، ولو كان لإزالة الحدث فلا كراهَةً، فحينئذٍ لا تعلق له للاستنجاء، فحقه أَنْ يُذْكَرَ فِي آخِرِ بابِ ما يُفسِدُ الصَّلاةَ كما فعله صاحِبُ الهِدَايَةِ.
كتَابُ الصَّلاةِ
الوَقْتُ لِلفَجْرِ مِنَ الصُّبْحِ المُعتَرِضِ، أي: المنتَشِرِ في الأُفُقِ، وهو الصَّادِقُ، احترز به عن المستطيل، وهو الكاذِبُ، إلى طلوع ذكاء بالضم معروف، اسم للشَّمس، معرِفَةٌ لا يدخُلُها الألف واللام.
الجزء 1 · صفحة 59
وللظهر من زَوَالِهَا، طريق معرفته على ما صرح في المبسوط بأنَّه أصح الأقاويل، وفي الخانية بأنَّه المُختارُ - هو أن يغرز خشبة في مكان مستو، ويُوضع على مبلغِ الظَّلِّ علامةٌ، فما دام الظل في الانتقاص فالشمس في الارتفاع، والوقت قبل الزوال، وإنْ أخذ الظلُّ في الازدياد فالشمس قد زالت، والوقت بعد الزوال، وإنْ أمْسَكَ الظِّلُّ عن الازدياد والانتقاص فهو وقت الزوال، ومنْ موضع العلامة إلى الخشَبَةِ فَيْءُ الزَّوالِ إلى بلوغ ظلّ الشَّيء مثلَيْهِ سوَى فَيْءِ الزَّوَالِ، هذا قول أبي حَنِيفَةَ رواه أبو يُوسُفَ عنه، وقال أبو يوسف ومحمد والشَّافعي - وهو رواية محمد والحسن عنه - إذا صار ظل الشيء و الزوال، وفي رواية أسَدِ بن عمرو " مثله سوى فيه. والحسن عنه إذا صَارَ ظَلُّ كل شيءٍ مثلَهُ يخْرُجُ وقت الظهر ولا يدخُلُ وقت العصر حَتَّى يصير ظلُّ كلّ شيءٍ مثلَيْهِ، فعلى هذه الرواية بين الوقتين وقت مهمل
وللعَصْرِ مِنْهُ إِلَى غَيْبَتِهَا، وقت العصر من آخرِ الظهر على القولين، إلى أن تغيب الشمس.
وللمغرِبِ منه إلى أنْ يغِيْبَ الشَّفَقُ وهُو الحُمْرَةُ عندَهُما، وهو رواية عنه، وهو قول الشافعي وَبِهِ يُفْتَى، وعندهُ الشَّفَقُ البَيَاضُ.
وللعشاء، والوثر منهُ إلَى الفَجْرِ، وعدم صحة تقديم الوتر على العشاء عند التذكرِ الوُجُوبِ الترتيب، وعندَهُما للعِشَاء منهُ، وَلِلْوِتْرِ مِمَّا بَعدَ العِشَاءِ إِلَى الفَجْرِ، لَمَّا كانَ المُتبادِرُ قياساً على سائر الأوقاتِ المُتَعَاقِبَةِ أَن تكونَ الغَايَةُ المذكورة للوتر فقط تدارَكَهُ بقولِهِ لهُما يعني أنَّ الغايةَ المذكورة لهُما لا للوِتْرِ خاصة، بأن يكون وقت العشاء منتهياً بدخُولِ وقتِ الوِثر.
الجزء 1 · صفحة 60
ويُستَحَبُّ للفَجْرِ البِدَايَةُ مُسْفِراً بحَيْثُ يُمْكِنُهُ ترتيلُ أربعين آيةً ثُمَّ إعادَتُهُ إِنْ ظَهَرَ فَسادُ وُضُوئِهِ قالَ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَسْفِرُوا بِالفَجْرِ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلأَجْرِ».
والتَّأْخِيرُ لِظُهْرِ الصَّيفِ؛ للأمر بالتبريد، وحده: أنْ يتمكَّنَ الماشونَ إلى الجماعات منَ المَشْيِ في الظل، ذكرَهُ في الحقائقِ ولِلْعَصْرِ مَا لَمْ يَتَغَيَّرُ، المعتبر تغيرُ القُرْصِ، وهو أن يصير بحال لا تَحَارُ فيهِ الأعيُنُ هو الصحيحُ، والتأخير إليه مكروه.
ولِلْعِشَاءِ إِلَى ثُلُثِ الليلِ، وَلِلْوِتْرِ إِلَى آخِرِهِ لِمَنْ وَثِقَ بِالانْتِبَاءِ لا حَاجَةً إلى أن يُقَالَ فحسب؛ لِمَا عَرَفْتَ أنَّ المفهوم حُجَّةٌ في الروايات.
والتَّعْجِيْلُ لِظُهْرِ الشَّتَاءِ، وَالمَغْرِبِ، وَيَوْمِ غَيْمٍ يُعَجِّلُ العَصْرَ والعِشَاءَ، وَيُؤَخِّرُ غيرَهُما.
ولا تَجُوزُ عندَ طُلُوعِهَا، وقِيَامِهَا، وغُرُوبِهَا. حدُّ الأَوَّلِ والثالِثِ: أنْ لا تَحَارَ العين في عين الشمس، هُو الصَّحيحُ. وعلامَةُ الثَّاني: أنْ يمتَنِعَ الظِّلُّ عن القصر ولم يأخُذ في الطول، من الحقائق صلاة، فرضاً كانت أو نفلاً، نص عليه في الخانية.
وَسَجْدَةُ تِلاوَةٍ وَجَبَتْ قَبْلَهَا؛ لأنها وجبتْ كاملةً فلا تتأدى بالناقصة، وأما إذا تلاها فيها جاز أداؤها فيها من غير كراهة، لكنَّ الأفضل تأخيرها ليؤديها في الوقت المستحب؛ لأنَّها لا تفوتُ بالتأخير.
الجزء 1 · صفحة 61
وَصَلاةُ جَنَازَةٍ حَضَرَتْ قَبْلَهَا، إنما قال قبلها؛ لأنَّها إنْ حضرَتْ فيها جازت من غير كراهة؛ لأنَّها أُدْيَتْ كما وجبَتْ، إذ الوجوبُ بالحضور، وهو أفضل، والتأخير مكروه؛ لِقَولِهِ صلّى الله عليه وسلّم: «ثَلاتٌ لا يُؤْخَرُونَ وذكر منها الجنازة». إِلَّا عَصْرَ يَوْمِهِ؛ لأنه أداها كما وجبت؛ لأنَّ سبب الوجوبِ آخِرُ الوَقْتِ إِنْ لم يؤد قبله، وإلَّا فالجُزْءُ المتصل بالأداء، فإذَا أذَاهَا كما وجبتْ لا يُكْرَهُ فعلها فيه، إنَّما يُكْرَهُ تأخيرها إليه، وهذا كالقَضَاءِ لا يُكْرَهُ فَعلُهُ بعدَمَا خَرَجَ الوقتُ، وَإِنَّمَا يحرُمُ تفويته.
وَكُرِهَ النَّفْلُ إِذَا خَرَجَ الإِمَامُ لِخُطْبَةِ الجُمُعَةِ، ذَكَرَ ه في الخُلاصَةِ: إِذًا صعد الإمامُ المِنْبَرَ ولَمْ يَشْرُعُ في الخُطْبَةِ، أَوْ فَرَغَ مِنَ الخُطْبَةِ. قال أبو حَنِيفَةَ: يُكره الكَلامُ في هذين الوَقتَيْنِ أيضاً، وعندهما لا بأس به.
وأجمعوا على أنَّ صلاة التطوُّعِ تُكْرَهُ في هذين الوقتين، وكذا بينَ الخُطبتَيْنِ على هذا، وبهذا تبيَّنَ أنَّه أصابَ في تركِهِ قول صاحِبِ الهِدَايَةِ: إلَى أنْ يفرغ.
وَبَعْدَ الصُّبْحِ إِلَّا سُنتَهُ، وَبَعْدَ أَدَاءِ العَصْرِ إِلَى تَغَيُّرِهَا لَمْ يَقُلْ إِلَى أَدَاءِ المغرب؛ لمكان قولِهِ: وَصَحَ الفَوَائِتُ، وَصَلاةُ الجَنَازَةِ، وَسَجْدَةُ الثَّلاوَةِ في هذين، أي: بعد الصبح وبعد أداء العصر؛ لما عرَفْتَ أَنَّ مَا وَجَبَ كاملاً لا يُؤدَّى ناقصاً، قال قاضيخان: يجوز قضاء الفائتة بعد صلاة العصر قبل التغير.
وَلَا يُجْمَعُ فَرْضَانِ فِي وَقتٍ بِلا حَجٌ، خلافاً للشافعي:، فإِنَّهُ يُجَوِّزُ الجمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء بِعُذْرِ المَطرِ والسَّفَرِ.
الجزء 1 · صفحة 62
وَمَنْ صَارَ أَهْلاً لَهَا، لمْ يقُلْ منْ طَهُرَتْ؛ لِعَدَمِ اختصاص الحكم بها، فإِنَّهُ كذلك إذا بلغ الصبيُّ أو أسلم الكافِرُ أوْ أَفَاقَ المَجْنُونُ، فِي وَقْتِ عَصْرٍ أَوْ عِشَاءٍ صَلاهَا فَقَط، خلافاً للشافعي؛ لأنَّه يقول: إن وقت الظهر والعصر كوقت واحد، وكذا وقتُ المغرِبِ والعِشَاءِ، وإلَّا يكفي عنده وُجُو الحدث في أحد الوقتين من الظهر والعصر، وكذا من المغرب ... والعشاء في حق صاحِبِ العُذْرِ، بل إنه يقولُ إِنَّ وقت العضرِ وقت للظهر، ووقت العشاء وقت للمغرب والعشاء في حق من صار أهلاً للصَّلاة.
وَمَنْ هُوَ أَهْلُ فَرْضِ فِي آخِرِ وَقْتِهِ يَقْضِيْهِ، خلافاً لزُفَرَ لا في العكس، خلافاً للشافعي، لم يقُلْ لا مَنْ حاضَتْ فيهِ؛ لعدم اختصاص الحكم بها، فلا وَجْهَ لَهُ، خُصُوصاً في مُقَابَلَةِ التعميم السَّابِقِ، ذَكَرَهُ في الفَتَاوَى الظهيرِيَّةِ، والحاصِلُ أنَّ زوال المانع في آخِرِ الوقتِ مُوجِبٌ، وحُلُولُهُ فِيهِ مُسقط.
بَابُ الأَذَانِ
الجزء 1 · صفحة 63
هُوَ سُنَّةٌ لِلْفَرَائِضِ أداء وقضاء فقط قَبْلَهَا لا قَبْلَ وَقْتِهَا، وعند أبي يُوسُفَ - وهو قول الشافعي - يجوز للفجر في النصف الأخير من الليلِ، وَإِنَّمَا لم يقُلْ فِي وَقْتِهَا؛ لأنَّ أذان ما يُقضَى منها لا يَلْزَمُ أن يكون في وقتها، فإن قوله عليهِ الصَّلاة والسَّلامُ: «فَلْيُصَلِّ إِذَا ذَكَرَهَا»، فإنَّ ذلك وقتها في حق النَّاسي، فلا يدلُّ على أنَّ القضاء مطلقاً يكون في وقتها، فَيُعَادُ، أي: يؤذِّنُ مرَّةٌ أخرى في وقتها، لو أذنَ قَبْلَهُ. وَيُؤَذِّنُ عَالِماً بِالأَوْقَاتِ؛ لينال الثواب الموعود للأذان، مستقبل القِبْلَةِ وَإِصْبُعَاهُ فِي أُذُنَيْهِ يَتَرَسَلُ فِيْهِ، أي: يتمهَّلُ بِلا لَحْن، المُراد به التَّطريب والترنم ُ وَتَرْجِيع المرادُ بِهِ أن يذكر الشهادَتَيْنِ مع خفض الصوت مرتين، ثمَّ يرفَعُ الصوت بهما مرَّتَيْنِ، وفيه خلافٌ للشَّافعي. وَيُحَوِّلُ وَجْهَهُ فِي الحَيْعَلَتَيْنِ يَمْنَةٌ وَيَسْرَةً، وَيَسْتَدِيرُ فِي صَوْمَعَتِهِ إِنْ لَمْ يُمْكِنِ الإِعْلامُ مَعَ الثَّبَاتِ فِي مَكَانِهِ؛ لكون الصَّومَعَةِ مُتَّسِعَةً. وَيَقُوْلُ بَعْدَ فَلاحِ الفَجْرِ: الصَّلاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْم مَرَّتَيْنِ، وَالإِقَامَةُ مِثْلُهُ، خلافاً للشافعي، فإنَّ الإقامة عندَه فُرَادَى إِلَّا قد قامَتِ الصَّلاةُ لكنْ يَحْدِرُ فِيْهَا، وَيَقُوْلُ بَعْدَ فَلاحِهَا: قَدْ قَامَتِ الصَّلاةُ مَرَّتَيْنِ.
وَلَا يَتَكَلَّمُ فِيْهِمَا، أي لا يتكلم في أثناء الأذان، ولا في أثناء الإقامة، وَاسْتَحْسَنَ المُتَأَخْرُوْنَ التَّنْوِيْبَ هو الإعلام بعد الإعلام، في الصلوات كُلِّهَا، وَيَجْلِسُ بَيْنَهُمَا إِلَّا فِي المَغْرِبِ، وقالا: يجلس في المغرب أيضاً جلسة خفيفة.
الجزء 1 · صفحة 64
وَيُؤَذِّنُ لِلْفَائِتَةِ وَيُقِيمُ، وَعِنْدَ تَعَدُّدِهَا يَأْتِي بِهِمَا لِكُلِّ مِنْهَا، أَوْ بِهَا لِغَيْرِ الْأُوْلَى، فَإِنَّ لَهَا يَأْتِي بِهِمَا. وَكُرِهَ إِقَامَةُ المُحْدِثِ، لا أَذَاتُهُ، وَلَمْ يُعَادَا، وَكُرِهَ أَذَانُ الجُنُبِ وَإِقَامَتُهُ، وَلا تُعَادُ هِيَ بَلْ هُوَ، لا؛ لأنَّ تكرار الأذان مُفيد، بل لأنَّه مشروع في الجُملَةِ كَمَا فِي الْجُمُعَةِ دُونَ الإقامة، وإنْ لم يُعد أجزأه الأذانُ والصَّلاةُ، ذكَرَهُ في التَّنْبِيْنِ كأذانِ المَرْأَةِ وَالمَجْنُونِ، وَالسَّكْرَانِ، وَصَبِيَّ لا يَعْقِلُ، فَإِنَّ أَذانَ هؤلاء الخمسة يعاد، ذكره في الخلاصة.
وَيَأْتِي بِهِمَا المُسَافِرُ وَالمُصَلِّي فِي المَسْجِدِ جَمَاعَةٌ، إنما قال جماعةً؛ لأنَّ المُصَلِّي في المسجد منفرداً حُكْمُهُ حكم المصلي في بيتِهِ فِي مِصْرٍ فِي عَدَمِ كراهة تركهما معاً، أَوْ فِي بَيْتِهِ في مصر، إنما قالَ: في مصر؛ لأنَّ في القُرَى قد لا يكون مسجد، فالمصلِّي في بيته فيها حكمُه حكم المسافِرِ، وأمَّا إِذَا كَانَ فيها مسجد فحكمه حكم من في المِصْرِ. وَكُرِهَ تَرْكُهُما معاً لِلأولَيْنِ، أي: كُرِة تركهما معاً للمُسَافِرِ والمصلي في المسجد جماعة، وَإِنَّمَا قالَ تركهما؛ لأنَّه يجوز ترك الأذان والاكتفاء بالإقامة للمسافر، بخلاف المصلِّي في المسجدِ جماعة لا للثالث، فإنه لا يُكْرَهُ له تركهما معاً، هذا إذا أُذُنَ وأُقيمَ في مسجد حيه.
الجزء 1 · صفحة 65
وَيَقُوْمُ الإِمَامُ وَالقَوْمُ عِنْدَ حَيَّ عَلَى الفَلاحِ، قال في الأخيرة: يقومُ الإمام والقومُ إِذَا قَالَ المُؤَذِّنُ حيَّ عَلَى الفَلاحِ عند علمائنا الثلاثة، وقال الحسن بن زيادٍ وزُفَرُ: إِذَا قَالَ المؤذِّنُ قد قامَتِ الصَّلَاةُ قامُوا في الصف، وإذا قالَ مرَّةً ثانيةً كبروا، والصحيح قول علمائنا الثلاثة. وَيَشْرُعُ قَبْلَ قَامَتِ الصَّلاةُ، قال في الأَخيرة: قالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُكَبِّرُ قبل قولِهِ قد قامَتِ الصَّلاةُ هكذا فسَّرَهُ في النوادِرِ، وإنَّهُ يَدُلُّ على القيام عند قوله: حَيَّ على الفلاح وظاهِرُ ما ذُكِرَ في الكتابِ يُوجِبُ أنْ يُكَبِّر بعد فراغ المؤذِّنِ عَنْ قوله: قد قامَتِ الصَّلاةُ، قال شمسُ الأئمةِ الحَلَوَانِيُّ: الصحيح ما ذُكِرَ في النوادر.
بَابُ شُرُوطِ الصَّلاةِ
الَّتِي تَتَقَدَّمُهَا لا بدَّ من هذا القيد؛ احترازاً عن الشروط التي لا تتقدمها، بل يقارنها أو يتأخَّرُ عنها، وهي التي تُذكَرُ في باب صفةِ الصَّلاةِ كالتحريمةِ والترتيب والخروجُ، بصُنْعِهِ، والمُراد شرط الصحة لا شرط الوجود؛ ولذلك صح تنوُّعُه إلى النوعين المذكورين. هِيَ طُهْرُ ثَوْبِ المُصَلِّي وَمَكَانُهُ مِنْ خَبَثٍ وَجَدَهُ مِنْهُ ومِنْ حَدَثٍ، قد مرَّ بيانُ الخبث والحَدَثِ، وَسَتْرُ عَوْرَتِهِ عَنْ غيرِهِ، واستقبال القبلة، والنية. والعَوْرَةُ لِلرَّجُلِ مِنْ تَحْتِ سُرَّتِهِ إِلَى تَحْتِ رُكْبَتِهِ، فالركبة عورة دونَ السُّرَّةِ، خلافاً للشافعي فيهما وَلِلأَمَةِ مِثْلُهُ مَعَ ظَهْرِهَا وَبَطْنِهَا، وَلِلْحُرَّةِ جَسَدُهَا، أي: جميع أعضائها، إِلَّا الوَجْهَ وَالكَفَّ وَالقَدَم.
الجزء 1 · صفحة 66
وَكَشْفُ رُبْعِ سَاقِهَا، وَبَطْنِهَا، وَفَخِذِهَا، وَدُبُرِهَا، وَشَعْرٍ نَزَلَ مِنْ رَأْسِهَا، وَرُبْعِ ذَكَرِهِ مُنْفَرِداً، وَالأنْثَيَيْنِ، نبَّه بقولِهِ منفرداً على أنَّ كلاً مِنَ الذَّكَرِ وَالأُنثَيَيْنِ عُضْو مُستَقِل، والمُعتَبَرُ رُبْعُ عضو مستقل، وعند الشَّافعي: انكشاف قليل العورةِ يَمْنَعُ من الجواز، إنَّما يمنعُ إذا استمرَّ زماناً كثيراً، وَقَدَرُ الكثير ما يُؤدَّى فيه رُكُنُ. وَعَادِمُ مُزِيْلِ النَّجَسِ صَلَّى مَعَهُ وَلَمْ يُعِدْ، وَإِنْ صَلَّى عَارِياً وَرُبْعُ ثَوْبِهِ ظَاهِرٌ لَمْ يَجُزُ، وَفِي أَقَلَّ مِنْ رُبْعِهِ الْأَفْضَلُ صَلاتُهُ مَعَهُ، وعند محمد ذلك ختم، وإنما قال معه دونَ فيهِ؛ تنبيهاً على أنَّ الفضيلة في كونه مع المصلي ساتراً عورته، لا في وُقُوعِ الصَّلاةِ فيه.
وَعَادِمُ سَاتِرِ الشَّرْط، عدمُ مَا يَسْتُرُ بهِ، لا عَدمُ الثَّوْبِ بِخُصُوصِهِ، حَتَّى لو وجد ورقاً أو حشيشاً أو غير ذلك ممَّا يُمكِنُ الاستتار به لا تجوز صلاته عرياناً، قائماً كان أو قاعداً، فلذلك قال: عادم ساترٍ ولَمْ يَقُلْ عَادِمُ ثَوْبٍ تجوزُ صلاته قَائِماً، وَيُنْدَبُ قَاعِداً مُوْمِياً.
وَقِبْلَةُ خَائِف الاسْتِقْبَالُ جِهَةً قُدْرَتِهِ، وَإِنْ جَهِلَهَا وَعَدِمٌ مَنْ يُعَلِّمُ، إنَّما لم يقل: من سأل إذ لا عبرة بوجودِ من يُسأل عنه إذا لم يكُن عالماً بالمسؤول عنهُ، تَحَرَّى وَلَمْ يُعِدْ إِنْ أَخْطَأَ، وقال الشافعي: يعيدها إذا استدبر.
وَإِنْ عَلِمَ بِهِ، أي: بالخطأ ووقف على جِهَةِ الصَّوابِ، مُصَلِّياً أَوْ تَحَوَّلَ رَأْبُهُ إِلَى أُخْرَى اسْتَدَارَ إِلَيْهَا، أي: تلك الجهة وأتم. وَإِنْ شَرَعَ بِلا تَحَرِّ لَمْ يَجُزُ وَإِنْ أَصَابَ فإنْ علم ذلك قبل الفراغ عليهِ أنْ يستأنفها:؛ لأنَّ التحري افتُرِضَ عليهِ؛ فيَفْسُدُ بتركِهِ، وَأَمَّا إِذَا عَلِمَهُ بعد الفراغ
الجزء 1 · صفحة 67
فَلا استئناف:؛ لحُصُولِ المقصود، هكذا ينبغي أنْ تُفْهَمَ هذهِ المسألة، وبه صرَّحَ في التبيين.
وأمَّا ما فُهِمَ من قولِ مَنْ قالَ: ولَمْ يُعِدُ مُخْطِئُ تَحرَّى، بَلْ مُصِيبٌ وَلَمْ يَتَحَرَّ فلم يثبت رِوَايَةٌ، بل أُخِذَ من إشارَةِ عبارَةِ القُدُورِيّ حيث قال: «فإن اشتبهت عليه القبلة اجتهد»، وقال شيخ الإسلام خواهر زاده: أشار إلى أنه لو صلَّى من غيرِ تَحْرُ ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّهُ أصابَ القبلة لا تجوز صلاتُه؛ لأنَّ القبلة حالة الاشتباءِ جِهَةُ التَّحَرِّي، وعلى هذا التعليل اعتمد شُرَّاحُ الكتاب في شرح تلك العبارة، وجواب هذا التعليلِ ما أشير إليه في التَّبيين، وهُو أَنَّ جِهَةَ التَّحَرِّي وَإِنْ كَانَتْ هي القبلة حالة الاشتباءِ، إِلَّا أَنَّ التَّحَرِّي لم يُقْصَدْ لذاته، وإِنَّما قُصِدَ للإصابة، فإذا حصلت أغنَتْ عَنْهُ؛ لِمَا عُلِمَ مِنَ القواعِدِ أنَّ ما فُرِضَ لِغَيرِهِ يُسْتَرَطُ حُصُولُهُ له لا غير، كالسَّعْيِ إلى الجُمُعَةِ، بل الرِّواياتُ مُتوافِرَةٌ عَلَى خِلافِ مَا ذكر.
قالَ الطَّحَاوِيُّ: ولو أنَّهُ شَكٌّ ولم يتحَرَّ وصلَّىهـ: من غيرِ تَحَرِّ فهو على الفسادِ ما لم يتَبَيَّنِ الصَّواب بعد الفراغ من الصلاةِ عَلَى وِفْقِ هَذَا، ذَكَرَهُ صَاحِبُ الخُلاصَة.
الجزء 1 · صفحة 68
وقال في الخانيَّة: ولَو شَكٍّ فصَلَّى بِلا تَحَرِّ، فَعَلِمَ فِي الصَّلاةِ أَنَّهُ أَصابَ القبلة أو أخطأ يَسْتَأْنف؛ لأنَّ افتتاحهُ كانَ ضعيفاً، وإِنْ عَلِمَ بعدَ الصَّلاةِ أَنَّهُ أصابَ لا يُعيدُها؛ لأنَّهُ ثمَّةَ لا يحتاجُ إلى البناء، ويُوافِقُ هذا ما في المُفيد والتَّحْفَةِ والبدائع. وَإِنْ تَحَرَّى كُلٌّ جِهَةٌ بِلا عِلْمٍ حَالِ إِمَامِهِمْ، لمانع: كالظلمةِ، وَهُمْ خَلْفَهُ، سواءٌ علموا أنهم خلفه أو لم يعلمُوا، فإنَّ الشرط كونُهم خلفه في الواقع، لا علمهم بذلك كما تُوُهُم، جَازَ، وإنما قال: بلا علم حال إمامهم؛ لأنَّه لو عَلِمَ أحدهم في الصَّلاةِ جِهَةً توجه الإمام ومع ذلك خالفه لا تجوز صلاته، وأيضاً لو كان عنده أنه تقدَّمَ عليه لا تجوز صلاته، ذكرَهُ في الخُلاصَة.
فعدم العلم بالتقدم عليه شرط، وهذا أعم من العلم بأنَّه خلفه، وذلك ظاهر، ثُمَّ إِنَّ كُونَهُم خلفه لا يقتضي أن تكون وجُوهُهُم إلى ظهرِ الإمام،. والا لَمَا صح ما فُرِضَ من تَحَرِّي كلَّ منهم جهةً مُخالفة لجهَةِ الآخَرِ، إِذْ حينئذ يلزم أن تكونَ جِهَةُ الكل واحدة.
وَنُدِبَ أَنْ يُصَلِّي قَصْدَ قَلْبِهِ صَلاتَهُ بِتَحْرِيْمَتِهَا، بيان لوقت النية على وجه يتضمَّنُ
الإشارة إلى تفسيرها.
ذكر الطَّحَاوِيُّ أَنَّه يُكَبِّرُ تكبيرَة الافتتاح مُخالِطَاً لنيته إياها، أي: مُقارناً، أشار إلى أنَّ وقت النية وقت التكبيرة، وهو عندنا محمول على النَّدْبِ والاستحباب دون الحتم والإيجاب ... ، فإنَّ تقديم النية على التحريمة جائز عندنا إذا لم يوجد بينَهُما عَمَل لا يليق بالصَّلاةِ، مثل الأكل والشرب، والقران ليس بشرط، وعند الشَّافعي القِرَانُ شرط، من البدائع، وبهذا تبين أنَّ ما قيل: ويُصلِّي قصد قلبه صلاته بتحريمتها ظاهرُهُ إِنَّما ينطبق على قول الشافعي.
الجزء 1 · صفحة 69
وَالقَصْدُ مع لَفْظِهِ أَفْضَلُ، فإن قلت: الظاهرُ من قوله أفضل أن لا: يكون ذكرُ النية باللسان سنَّةٌ إذ لا فضيلة في ترك السنة، وقد صرح في المحيط بأنه سنَّةٌ، قلتُ: ما ذُكِرَ على وفق قول المشايخ أنَّ الذكر باللسان يحسنُ؛ لجمع العزيمة، قال في التجنيس: والنية بالقلب؛ لأنه عمله، والتكلم لا معتبر بهِ، ومن اختاره ليجتمع عزيمته، وما ذُكر في المُحِيطِ منظور فيه.
وَيَكْفِي لِلنَّفْلِ وَالتَّرَاوِيْحِ وَسَائِرِ السُّنَنِ نِيَّة مُطلَقِ الصَّلاةِ، وَلِلْفَرْضِ شَرْطُ تَعْبِيْنِهِ، لَا نِيَّةُ عَدَدِ رَكَعَاتِهِ، وَلِلْمُقْتَدِي نِيَّةُ صَلاتِهِ وَاقْتِدَائِهِ والله تعالى أعلمُ.
بَابُ صِفَةِ الصَّلاةِ
فَرْضُهَا التَّحْرِيْمَةُ، وَهِيَ قوله: الله أكبَرُ وما يقومُ مُقَامَهُ، وهُو شرط عندنا، وعند الشافعي ركن وَالقِيَامُ، وَالقِرَاءَةُ، وَالرُّكُوْعُ، وَالسُّجُوْدُ بِالْجَبْهَةِ أَوِ الْأَنْفِ وهو اسمٌ لِمَا صَلبَ، فلا يكفيه أن يسجد على ما لان منه، وهو الأرنبة، ذكرَهُ في المُحيط، وَعِنْدَهُمَا لا يَجُوْزُ بِالثَّانِي وَحْدَهُ إِلَّا مِنْ عُذْرٍ، وَبِهِ يُفْتَى، أما الاقتصار على الجبهة فجائز بالاتفاق، ذكره في الخلاصة، وفي الذخيرة أجمع أصحابنا على أن فرض السجودِ يتأدَّى بوضع الجبهة وإن لم يكن بالأنف عذر، فمن قال إن ... السجود بالجبهة والأنف فرضٌ ثُمَّ زعم أَنَّه المفتى بهِ فقد أخطأ مرتين ..
وَالقَعْدَةُ الأَخِيْرَةُ قَدْرَ الشَّشَهدِ، قال بعضُهمُ القعدة من الأركان الأصلية، وإليهِ مال عاصم بن يُوسُفَ، والصحيح أنها ليست بركن أصلي؛ ولهذا لو حلف لا يصلي فقيَّد الركعة بالسجدَةِ يَحْنَثُ وإن لم توجد القعدَةُ، ولو أتى بما دُونَ الركعة لا يحنث، فلم يكن: من الأركان الأصلية للصلاة، وإن كانت من فُرُوضِها حتّى لا تجوزُ الصَّلاةُ، بدونها، كذا في البدائع.
الجزء 1 · صفحة 70
وَالخُرُوجُ بِصُنْعِهِ، هذا على تخريج البُرْدُعِي، أخذه من اثنى عشرية، وعلى تخريج الكرخي ليس بفرض، وهو الصحيح على ما ستقف عليه.
وَوَاجِبَاتُهَا ترك الواجب لا يُفسِدُ الصَّلاةَ، لكن يوجِبُ الإثم إنْ كانَ عمداً، وسجدة السهو إنْ كانَ سهواً، قراءةُ الفَاتِحَةِ، فَلا يُفْسِدُ الصَّلاة تركها عندنا خلافاً للشَّافعي، فإنَّها فرضٌ تَفْسُدُ الصَّلاةُ بتركها عنده. وَضَمُّ سُوْرَةٍ، لا خلاف فيه لمالك قائلاً بفرضيتِهِ كما توهم صاحب الهداية، ذكره صاحب الغاية.
وَرِعَايَةُ التَّرْتِيْبِ فِيْمَا تَكَرَّر مِنَ الأَفْعَالِ، لا بدَّ من قيد التكرار احترازاً عن الترتيب بين ما لا يتكرر، فإنَّه فرض كالترتيب بين الركوع والسجود، وبين السجود والقعدة.
الجزء 1 · صفحة 71
قال في الكافي: إنَّ الترتيب فرضٌ فيما اتَّحدَث شرعيته في كل ركعة كالقيام والركوع، وليس بفرض فيما تعدَّدَتْ في كل ركعة كالسجدة، فلو ركع قبل القيام، أو سجد قبل الركوعِ لم يَجُز. وبما قرَّرْناهُ تبيَّن أن المراد من التكرُّرِ التكَررُ في كل ركعة، لا في الصَّلاةِ كما سبق إلى بعض الأوهام، إذ لا وجة للاحتراز عما لا يتكرر فيها على سبيل الفَرْضِيَّة، وهو تكبيرة الافتتاح، والقعدة الأخيرة، إذ لا احتمال لترك الترتيب بينهما، وإنَّ مَنْ ترك القيد المذكور زاعماً أنَّ الترتيب مطلقاً واجب فقد أخطأ، وإنما قال من الأفعال؛ لأنَّ ما لا يتكَرَّرُ إذا لم يكن من الأفعال كالقِرَاءَةِ لا يكون الترتيب بينه وبين سائر الأركان فرضاً، والزَّعْمُ المذكورُ إِنَّمَا نَشَأَ عن الغفلة عن هذا القيدِ كما لا يخفى على من تأمل في كلامه. وَالقَعْدَةُ الأَوْلَى وَالنَّشَهْدَانِ صاحبُ الذخيرة أوردَ تَرْكَ التشهد في القعدة الأولى مثالاً لتركِ السُّنةِ المُضافَةِ إلى. الصَّلاةِ، إلا أنَّه قال بُعَيْدَ ذلك: فأمَّا التشهد في القعدة الأولى فإن صدرَ الإسلام" كان يقولُ: هُو واجب، وعليه المحققون من أصحابنا، وهو أصح.
وفي باب سجود السهو من الهدايةِ: ثمَّ ذِكْرُ التشهد يحتَمِلُ القعدة الأولى والثانية والقراءة فيهما، وكلُّ ذلك واجبٌ، وفيها سجدَةُ السَّهْرِ، وَهُوَ الصحيح.
فإن قلت: أليس عندَ عَد الواجبات: ذَكَرَ قراءة التشهد مقيّدة بالأخيرة، فدل بمفهومِهِ على عَدَمِ وُجُوبِ القراءة في الأُولَى؟ قلتُ: نعم، إِلَّا أَنَّه لا عبرة بالمفهوم في مقابلة المنطوق.
الجزء 1 · صفحة 72
وَلَفْظُ السَّلام، خلافاً للشافعي، فإنَّه فرض لا تصح الصَّلاة بدونه عنده، لا بد من ذكر هذا القيد؛ لعدم الفرق بين الفرض والواجب عنده، فلا يتحقق الخلاف بمجرد إطلاقه الفرض عليه. وَقُنُوْتُ الوِتْرِ، وَتَكْبِيرَاتُ العِيْدَيْنِ، وَتَعْيِينُ الأَوْلَيَيْنِ لِلْقِرَاءَةِ، وَالظُّلْمَأْنِيْنَةُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ لم يقل وتعديل الأركان؛ لأنَّه يشمل ما ليس بواجب كالقَوْمَةِ والقَعْدَةِ بينَ السجدَتَيْنِ، فإنَّهُما سنَّتَانِ عند أبي حَنِيفَةً ومحمَّدٍ، صرح بذلك في الهداية.
وأمَّا قضيَّةُ الشُّمُول فقد نصَّ عليها صاحب الحقائق حيث قال: تعديل أركان الصَّلاةِ، وهو الطمأنينة، والقَرَارُ في الركوعِ والسجود، وقومة الركوع، والقعدة بين السجدتين ليسَ بفرض عند أصحابنا وعن أبي يُوسُفَ في غير رواية الأصول أنه فرض، وهو قولُ الشَّافعي، ثمَّ طمأنينة الركوع والسجود على قولهما سُنَّةٌ عند الجُرْجَانِي وواجب عند الكرخي حتى يجب سجودالسهو بتركه، ويُكره تركه عمداً على القولين وأمَّا طمأنينة قومة الركوع وقعدة السجودِ بقدرِ تسبيحةٍ سُنَّةٌ لا واجب على قولهما بالاتفاق.
وَالجَهْرُ وَالإِخْفَاءُ فِيْمَا يُجْهَرُ وَيُخْفَى إِمَامَاً وإنما قال إماماً لاختصاص وجوبهما حال كونه إماماً، صرح بذلك في المحيط.
وَسُنَّ غَيْرُهُمَا أَوْ نُدِبَ، أي ما عدا الفرائضَ والواجبات، إمَّا سُنَّةٌ وإما مندوبٌ، فَإِذَا أَرَادَ الشَّرُوْعَ كَبَّرَ حَاذِفاً، المراد بالحذف أن لا يأتي بالمد في همزة الله ولا في باءِ أَكْبَرُ بَعْدَ رَفْعِ يَدَيْهِ، خلافاً لأبي يُوسُفَ فإنهُ يُكَبِّرُ عندَهُ معَ رفعِ يَدَيْهِ، وَلا يُغْنى عن ذلك قوله ماساً إلخ؛ لأنَّه خَلْو الدلالة على الترتيب.
غَيْرَ مُفَرِّج أَصَابِعَهُ وَلا ضَامٌ، بل يتركها على حالها، مَاسَاً بِإِبْهَا مَيْهِ شَحْمَتَيْ أُذُنَيْهِ، وَالمَرْأَةُ تَرْفَعُ حِذَاءَ مَنْكِبَيْهَا.
الجزء 1 · صفحة 73
وَجَازَ التَّكْبِيرُ بِكُلِّ ذِكْرِ هُوَ ثَنَاءٌ خَالِصٌ للهِ تَعَالَى كَالنَّهْلِيْلِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّسْبِيحِ وَكُلِّ اسْمِ مَعَ صِفَةِ تَعْظِيم، كقولِهِ الله أجل، أو الرحمن أكبر سواءٌ يُحْسِنُ التكبير أو لا، خلافاً لأبي يُوسُفَ والشَّافعي ومالك، على التفصيل المذكور في الحقائق. وَبِالْفَارِسِيَّةِ، وَكَذَا لَوْ قَرَأَ بِهَا بِعُذْرٍ، أَوْ ذَبَحَ وَسَمَّى بِهَا، وَبِاللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي لا قال في الذخيرة والحاصل من مذهَبِهما أنَّ ما تجرَّدَ اسماً من أسماء الله تعالى، أو تجرَّدَ ثناء جاز الافتتاح به، وما كان مسألة أو دعاءً لا يجوز الافتتاح به.
وَيَضَعُ يَمِيْنَهُ عَلَى شِمَالِهِ تَحْتَ سُرَّتِهِ كَمَا فِي القُنُوْتِ وَصَلَاةِ الجَنَازَةِ، وَيُرْسِلُ فِي قَوْمَةِ الرُّكُوعِ، وَبَيْنَ تَكْبِيرَاتِ العِيْدِ. قال شمس الائمةِ الحَلَوَانِيُّ: إِنَّ كلَّ قيام ليسَ فيه ذكر مسنون فالسنَّة فيهِ الإرسال، وكل قيام فيه ذكر مسنون فالسنة فيهِ الوَضْعُ، وَبِهِ كَانَ يُفْتِي شمس الأئمةِ السَّرْخَسِيُّ والصَّدْرُ الكبيرُ بُرْهَانُ الأئمة، والصَّدْرُ الشهيدُ حُسَامُ الأئمة، من الذخيرة. ثُمَّ يُثْنِي وَلا يُوَجهُ، أراد بالثناء: سبحانك اللهم إلخ، وبالتوجيه: قراءة إنِّي وجهت وجهي بعد التحريمةِ، وإنما أتى بـ ثُمَّ للتفاوتِ بين المعطوفين، فإنَّ الوضع والإرسال من الأفعال، والثناء من الأذكار، لا للتراخي، فإنَّه لا يَلْزَمُ أنْ يكونَ الثناء متراخياً عنها. وَيَتَعَوَّذُ لِلْقِرَاءَةِ لا لِلثَّنَاءِ، خلافاً لأبي يُوسُفَ، فَيَقُولُهُ المَسْبُوْقُ؛ لأنَّهُ لا يُثْنِي، فَيَقْرَأُ، وَيَتَعَوَّذُ لا المُؤْتَمُّ؛ لأنَّه يُثْنِي ولا يَقْرَأُ، فَلَا يَتَعَوَّذُ، وَيُؤْخَرُ عَنْ تكْبِيرَاتِ العِيدِ، وَمَنْ يَجعَلُهُ تبعاً للثناء يُقَدِّمُهُ عليها.
الجزء 1 · صفحة 74
وَيُسَمِّي لا بَيْنَ الفَاتِحَةِ وَالسُّوْرَةِ، إِلَّا على قول محمَّدٍ في الصَّلاةِ المُخَافِتَةِ، ويُسِرُّهُنَّ، أي: الثناء والتعوذ والتسمية، خلافاً للشَّافعي في التسمية؛ لِمَا رُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ صلّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ جَهَرَ فِي صَلاتِهِ بالتَّسْمِيَةِ، وهذَا مِنْ جُملَةِ ما تمسك بهِ الشَّافعي على أنَّها آيةٌ منَ الفاتحة.
ثُمَّ يَقْرَأُ، وَيُؤَمِّنُ بَعْدَ وَلا سِراً، خلافاً للشافعي في الجهرية كَالمُؤْتَم، وعند مالك: لا يأتي الإمام بالتأمين، وهو روايةُ الحَسَنِ عن أبي حَنِيفَةَ. ثُمَّ يُكَبِّرُ لِلرُّكُوعِ خَافِضاً، وَيَعْتَمِدُ بِيَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ مُفَرِّجاً أَصَابِعَهُ بَاسِطاً ظَهْرَهُ غَيْرَ رَافِعِ وَلَا مُنَكِّسِ رَأْسَهُ، وَيُسَبِّحُ ثَلاثاً، وَهُوَ أَدْنَاهُ أي: أدنى الكمال لا الجواز "
ثُمَّ يُسمع أي: يقولُ سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَافِعاً رَأْسَهُ وَيَكْتَفِي بِهِ الإِمَامُ، خلافاً لهما، واختار الطَّحَاوِيُّ قولَهُما، وَبِالتَّحْمِيدِ المُؤْتَمُ، خلافاً للشَّافعي وَالمُنْفَرِدُ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا، هذا في روايةِ الحَسَنِ عنه، وقال صاحب الهداية: وهو الأصح، وفي الخلاصة: الصحيحُ مِنْ مَذهَبِهِ أنَّه يأتِي بالتحميد لا غير، وقال في المبسُوط: وهُوَ الأَصَحُ وعَلَيْهِ أَكثرُ المَشَايخ.
الجزء 1 · صفحة 75
وَيَقُوْمُ مُسْتَوِياً قد مرَّ أنَّه سنّةٌ عندهما خلافاً لأبي يُوسُفَ والشَّافعي ثُمَّ يُكَبِّرُ وَيَسْجُدُ فَيَضَعُ رُكْبَتَيْهِ أَوْلاً ثُمَّ يَدَيْهِ، وضع الركبتين واليدَيْنِ سنَّةٌ عند أئمتنا الثلاثَةِ، وعند زُفَرَ - وهُوَ قولُ الشَّافعي ومُخْتَارُ الفقيه أبي الليث - أنَّه واجب، وأما وضع القدمينِ فقد ذكَرَ القُدُورِيُّ والكَرْخِيُّ والجَصَّاصُ أنَّه فرضُ. ثُمَّ وَجْهَهُ بَيْنَ كَفَّيْهِ وَيَدَيْهِ حِذَاءَ أُذُنَيْهِ وقال الشَّافعي: يضعُ يَدَيْهِ حِذَاءَ مَنْكِبَيْهِ ضَامّاً أَصَابِعَهُ مُبْدِياً ضَبْعَيْهِ، الضبعُ - بسكون الباء - العَضُدُ مُجَافِياً بَطْنَهُ عَنْ فَخِذَيْهِ، مُوَجّهاً أَصَابِعَ رِجْلَيْهِ نَحْوَ القَبْلَةِ، وَيُسَبِّحُ فِيْهِ ثلاثاً، وهو أيضاً أدناه، ويُستحَبُّ أنْ يزيد على الثَّلاثِ فِيهِمَا بشرط أن يختم بالوثر، وإن كان إماماً لا يزيد على وجه يُمِلُّ القوم.
فَإِنْ سَجَدَ عَلَى كُوْرِ عِمَامَتِهِ، كُوُر العمامَةِ: دَوْرُهَا، وعندَ الشَّافعي لا يجوز السجدة عليه، والخلاف فيما إذا وَجَدَ حجم الأرضِ، أَمَّا بدونه فلا تجوز إجماعاً، ذكَرَهُ في المُخْتَلِفِ، وتفسيرُ وَجَدَ أَنَّ الحجم ما قالوا إن بالغ لا يَتَسَفَّل رأسُهُ أبلغ من ذلك، ذكَرَهُ في التجنيس، ثمَّ إِنَّ الظاهر من تعليل أصحابنا المذكور في الهدايةِ وغيره بأنَّ النَّبِيَّ صلّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ كانَ يسجُدُ على كُوْرٍ عمامَتِهِ عَدَمُ الكراهة فيهِ عندنا؛ لأنَّ في عبارة كان دِلالَةٌ على التكرر والفِعْلِ مرَّاتٍ أَوْ فَاضِلِ ثَوْبِهِ، أَوْ شَيْءٍ يَجِدُ حَجْمَهُ وَتَسْتَقِرُّ جَبْهَتُهُ عَلَيْهِ جَازَ، وَإِلَّا فَلَا.
الجزء 1 · صفحة 76
وَكَذَا لَوْ سَجَدَ لِلزِّحَامِ عَلَى ظَهْرِ مَنْ فِي صَلاتِهِ لا غَيْرَهُ، لو سجد على ظهرِ من هو في صلاته يجوز للضرورة، وعلى ظهر من يُصَلِّي صلاةٌ أُخرى أو ليس في الصَّلاة لا يجوز؛ لعدم الضرورة.
وَالمَرْأَةُ تَخْفِضُ، وَتُلْزِقُ بَطْنَهَا بِفَخِذَيْهَا، وَيرْفَعُ مُكَبِّراً، وَيَجْلِسُ مُطْمَئِنَا، وَيُكَبِّرُ، وَيَسْجُدُ مُطْمَئِناً، وَيُكَبِّرُ، وَيَرْفَعُ رَأْسَهُ أَوْلاً، ثُمَّ يَدَيْهِ، ثُمَّ رُكْبَتَيْهِ، وَيَقُوْمُ مُسْتَوِياً بلا اعْتِمَادٍ عَلَى الأَرْضِ وَلا تُعُوْدٍ وقال الشَّافعي: يعتمد بيديه على الأرض، ويجلس جلسة خفيفة.
وَالرَّكْعَةُ الثَّانِيَةُ كَالأَوْلَى لَكِنْ لا ثَنَاءَ وَلا تَعَوَّذَ وَلَا رَفْعَ يَدٍ فِيْهَا، وَقَالَ الشافعي: يرفع في الركوعِ والرفع منه وَإِذَا أَتَمَّهَا افْتَرَضَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَجَلَسَ عَلَيْهَا نَاصِباً يُمْنَاهُ مُوَجَّهَا أَصَابِعَهُ نَحْوَ القِبْلَةِ: باسطاً يَدَيْهِ عَلَى فَخِذَيْهِ مُوَجِّهاً أَصَابِعَهُ نَحْوَ القِبْلَةِ، ذكرَ أَبُو يُوسُفَ في الأمالي: أَنَّه يَعْقِدُ الخِنْصِرَ والبِنْصِرَ، ويُحَلِّقُ الوُسْطَى والإِبْهَامَ، ويُشيرُ بالسَّبَّابَةِ، وذكر محمَّدٌ أَنَّه عليهِ السَّلامُ كَانَ يُشِيرُ وَنَحْنُ نَصْنَعُ بِصُنْعِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقال: وهو قول أبي حنيفة، وكثير من المشايخ لا يرون الإشارَةَ، وَكرَّهَهَا فِي مُنْيَةِ الْمُفْتِي، وقال. في الفتاوى: لا إشَارَةَ في الصَّلاةِ إِلَّا عند الشهادَةِ في التشهد، وهُوَ حَسَنٌ.
الجزء 1 · صفحة 77
وَتَشَهَّدَ كَابْنِ مَسْعُوْدٍ وقال: الشَّافعي: الأخذُ بتشهدِ ابنِ عباس أولَى وَلا يَزِيدُ عَلَيْهِ فِي القَعْدَةِ الأَوْلَى، وَيَقْرَأُ فِيْمَا بَعْدَ الْأَوْلَيَيْنِ الفَاتِحَةَ فَقَط، وَهِيَ أَفْضَلُ، وَإِنْ سَبَّحَ أَوْ سَكَتَ جَازَ، وروى الحَسَنُ عن أبي حَنِيفَةَ أَنَّهَا واجبة، والصحيح الأول.
وَيَقْعُدُ كَالأَوْلَى، خلافاً للشافعي ومالك وأحمد، فإِنَّ السنَّةَ التَّوَرُّلُ في كلِّ تشهد يتعقبه التسليم عند الأوَّلِ، وفي الجميع عند الثاني، وفي كل تشهد ثانٍ عند الثالث، ذكرَهُ في التَّبْيِينِ، والتورك وهو هيئة جلوس ... المرأة في الصَّلاةِ المذكورة في قولِهِ: وَالمَرْأَةُ تَجْلِسُ عَلَى إِلْيَتِهَا اليُسْرَى مُخْرِجَةٌ رِجْلَيْهَا مِنَ الجَانِبِ الأَيْمَنِ فِيْهِمَا، أي: في القعدَتَيْنِ وَيَتَشَهَّدُ وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ سَنَّةٌ عندنا، وعند الشافعي فرض.
قالَ الكَرْخِيُّ: الصَّلاة على النَّبِيِّ - صلى الله عليهِ وسلَّمَ - واجبَةٌ عَلَى الإِنسانِ مرَّةً، إن شاء جعلها في الصَّلاةِ أو في غيرِهَا، وعن الطَّحَاوِي أنه تجبُ عليه الصَّلاةُ كلَّما ذُكِرَ، قال شمسُ الأئمةِ السرخسي: وما ذكر الطحاوِيُّ مخالف للإجماع، فعامَّة العلماء على أنَّ الصَّلاةَ على النَّبِيِّ - صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ - كلَّما ذُكِرَ مُسْتَحَبَّةٌ وليسَتْ، بواجِبَةٍ، كذَا في الذَّخِيرَةِ والمُحِيطِ. وَيَدْعُو بِمَا يُشْبِهُ القُرْآنَ، أَوْ بِمَأْتُوْرٍ مِنَ الدُّعَاءِ لا كَلامِ النَّاسِ، خلافاً للشافعي، فإنَّ عنده يجوز أن يدعُوَ في الصَّلاةِ بكُلِّ ما جازَ في خارجها، والأصل فيه عندنا أنَّ كلَّ ما لا يستحيل سؤاله من العبادِ فهو كلامهم، وما يستحيلُ فليس بكلامهم "
الجزء 1 · صفحة 78
ثُمَّ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ بِنِيَّةِ مَنْ ثَمَّةَ مِنَ الذي يُشَارِكُهُ فِي صَلاتِهِ وَالمَلَكَ، ثُمَّ عَنْ يَسَارِهِ كَذَلِكَ، وَالمُؤْتَمُّ يَنْوِي إِمَامَهُ فِي جَانِبِهِ، وَفِيْهِمَا إِنْ حَاذَاهُ هذا قولُ محمد، وهو رواية عن أبي حَنِيفَةً. وقال أبو يوسف: نواه في الأولى فقط والإمامُ بهما، وقيل: لا ينويهم؛ لأنَّه يُشِيرُ إليهم بالسلام، وقيل: ينوي بالأولى لا غير، خلافاً لمالك إذا كانَ يعرفه، والصحيح الأول وَالمُنْفَرِدُ المَلَكَ فَقَط.
فَصْلٌ
يَجْهَرُ الإِمَامُ فِي الجُمُعَةِ وَالعِيْدَيْنِ وَالفَجْرِ وَأُوْلَتِي العِشَاءَينِ أَدَاءً وَقَضَاءَ لا غَيْرُ، وَالمُنْفَرِدُ خُيْرَ إِنْ أَدَّى، لكن الأوَّلُ أَفضلُ، وَخَافَتَ حَتْماً إِنْ قضَى وهو الصحيحُ، كذا في الهدايةِ، وفيه نظر، وفي التطوع بالنهار يخافت وفي الليلِ يُخَيَّرُ اعتباراً بالفرائضِ في حقِّ الْمُنْفَرِهِ؛ لأنَّه تَبَعْ لها.
وَأَدْنَى الجَهْرِ إِسْمَاعُ غَيْرِهِ، وَأَدْنَى المُخَافَتَةِ إِسْمَاعُ نَفْسِهِ هُوَ الصَّحِيحُ، رَدُّ لِمَا قيل إن أدنى الجهرِ إسماعُ نفسِهِ وأدنى المُخَافَتَةِ تصحيحُ الحُرُوفِ وَكَذَا فِي كُلِّ مَا تَعَلَّقَ بِالنُّطْقِ كَالطَّلاقِ وَالعِتَاقِ وَالاسْتِثْنَاءِ وَغَيْرِهَا، من البيع والنكاح والإيلاء واليمين، أي: أدنى المُخَافَتَةِ في هذه الأشياء إسماعُ نفسه حتى لو طلق بحيثُ صحح الحُرُوف ولكن لم يُسْمِعْ نفسَهُ لا يقعُ، ولو طلق جهراً ووصل بهِ إِنْ شاء الله بحيثُ لمْ يُسْمِعْ نفسَهُ يَقَعُ الطلاق ولا يصح الاستثناء.
الجزء 1 · صفحة 79
وَإِنْ تَرَكَ سُوْرَة أُوْلَتِي العِشَاءِ قَرَأَهَا بَعْدَ فَاتِحَةِ أُخْرَيَيْهِ وَجَهَرَ بِهِمَا إِنْ أَمَّ، سُوْرَةٌ وَلَوْ تَرَكَ فَاتِحَتَهُمَا لَمْ يُعِدُ، هذا عندهما، وقال أبو يُوسُف: لا يقضي واحدةً منهما، ثُمَّ المذكور في الجامع الصغيرِ يَدُلُّ على الوجوب، وهُوَ قوله: «قرأَهَا، وفي الأصل ذكر بلفظ الاستحبابِ فقال: أَحَبُّ إليَّ أنْ يَقْضِيَهَا. وَفَرْضُ القِرَاءَةِ آيَةٌ، وَالمُكْتَفِي بِهَا عَمْداً آثِمٌ؛ لتركهِ الواجب، هذا عنده، وقالا: ثلاث آيات قصار، أو آية طويلة. وَسُنَّتْهَا فِي السَّفَرِ عَجَلَةَ الفَاتِحَةُ وَأَيُّ سُورَةٍ شَاءَ، وَأَمَنَةٌ نَحْوُ البُرُوْحِ وَانْشَقَّتْ، وَفِي الحَضَرِ اسْتَحْسَنُوا طِوَالَ المُفَصَّلِ فِي الفَجْرِ وَالظُّهْرِ، وَأَوْسَاطَهُ فِي العَصْرِ وَالعِشَاءِ، وَقِصَارَهُ فِي المَغْرِبِ، وَمِنَ الْحُجُرَاتِ إِلَى البُرُوحِ طِوَالٌ، وَمِنْهَا إِلَى لَمْ يَكُنْ أَوْسَاطٌ، وَمِنْهَا إِلَى الآخِرِ قِصَارُ، وَفِي الضَّرُورَةِ بِقَدْرِ الحال.
وَكُرِهَ تَوْقِيتُ سُوْرَةٍ، أي: تعينها الصلاة، قال الطحاوي والإسبيجابي: هذا إذا راه حتماً واجباً بحيث لا يجوز غيرها، أو رأى قراءة غيرها مكروهة، أما لو قرأ لأجل التيسير عليه، أو تبركاً بقراءته فلا كراهة في ذلك، لكن يُشترط أن يقرأ غيرها أحياناً؛ لئلا يظُنُّ الجاهلُ أنَّ غيرَها لا يجوز.
وَلا يَقْرَأُ المُؤْتَمُ، بَلْ يَسْتَمِعُ وَيُنْصِتُ، خلافاً للشافعي، فإنه يقولُ يجب على المؤتم قراءة الفاتحة، ولنا قوله تعالى: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْوَانُ فَاسْتَمِعُوا لَه} الأعراف: الآية، قال أبو هريرة: «كَانُوا يَقْرَأُونَ خَلْفَ الْإِمَامِ فَنَزَلَتْ» وَقَالَ أحمد: «أجمع الناسُ على أنَّ هذه الآية في الصَّلاةِ.
الجزء 1 · صفحة 80
وَإِنْ قَرَأَ إِمَامُهُ آيَةَ تَرْغِيْبِ أَوْ تَرْهِيْبٍ، أَوْ خَطَبَ، عطف على قرأ، لَمَّا كانت الخطبة قائمة مقامَ ركعتي الظهرِ نَزَّلَ من حضَرَها منزلة المؤتم فلا دلالة فيه، وفي قولِهِ أَوْ صَلَّى عَلَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، على أن تكونَ الخطبة والصَّلاةُ على النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ واقعتين في نفس الصَّلاة، ولا اتجاه لما قيل إنَّه يقتضي أن يكون الإنصاتُ واجباً قبل الخطبة؛ لانعدام التنزيل المذكور حينئذ فتدبر، إلا: إذا قرأَ قَوْلَهُ تَعَالَى: صَلُّوا عَلَيْهِ} الأحزاب: الآية فَيُصَلِّي سِرّاً، واختلفوا في الثاني عن المنبر، والأحوط السكوت. وَالجَمَاعَةُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ أي: قويةٌ تشبه الواجب في القوَّةِ وتسقط بالأعذار، منها المطر، والطين، والبرد الشديد، والظلمة الشديدة.
الجزء 1 · صفحة 81
وَالأَوْلَى بِالإِمَامَةِ الأَعْلَمُ بِالسُّنَّةِ، ثُمَّ الأَقْرَأُ، ثُمَّ الْأَوْرَعُ، ثُمَّ الأَسَنُ، فإن أم عَبْدٌ أَوْ أَعْرَابِيٌّ هو الذي يسكن في البادية، سواء كان عربياً أو عجمياً؛ لأنَّ الغالب عليه الجهل أَوْ فَاسِقٌ أَوْ أَعْمَى هذا إذا كانوا سواء، فأمَّا إذا كانَ الأعمى أفضلُ فتقديمُهُ، أولى كذا في المبسوط لخواهر زاده أَوْ مُبْتَدِعٌ أَوْ وَلَدُ زِنَا، كُرِهَ كَجَمَاعَةِ النِّسَاءِ وَحْدَهُنَّ، وَتَقِفُ الإِمَامُ وَسْطَهُنَّ لَوْ فَعَلْنَ قال المطرزي: الإمامُ مَنْ يوْتَمُ به، أي: يُقتدى به ذكراً كان أو أنثى. وَكَحُضُورِ الشَّابَّةِ كُلَّ جَمَاعَةٍ، وَالعَجُوْزُ الظُّهْرَ وَالعَصْرَ وَالجُمُعَةَ لا البَاقِيَةَ، وقيل: المغرب كالظهر؛ لانتشار الفسَّاقِ فيه، والجُمُعة كالعيدين؛ لإمكان الاعتزال، وقالا: إنَّ العجائز يخرُجْنَ في الصَّلاة كلها؛ لأنَّهُ لا فتنة لقلة الرغبة فيهنَّ، وهذا في عصرِهِمْ أمَّا في زمانِنَا جَمَاعَاتُ النِّسَاءِ مكرُوهَةٌ لفسادِهِنَّ، كذا في الحقائق.
وَيَقْتَدِي الْمُتَوَفِّى بِالمُتَبَمِّهِ، خلافاً لمحمد، فإنَّ الطهارة بالترابِ بَدَلُّ عن الطهارة بالماء عنده، والأُولَى ضروريَّةٌ بخلافِ الثانية، فيكون بناء القوي على الضعيف وعندهما الترابُ خَلَفٌ عن الماء فيَعْمَلُ عمله عند فَقْدِهِ.
وَالغاسِلُ بِالمَاسِحِ، وَالقَائِمُ بِالقَاعِدِ، خلافاً لمحمدٍ، وَالْمُؤْمِنُ بِالْمُؤْمِنِ، إِلَّا أن يُومى المؤتم قاعداً والإمام مضطجعاً، وَالمُتَنَزِّلُ بِالمُفْتَرِضِ لا رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ أَوْ صَبِي، خلافاً للشافعي في الصبي.
وَطَاهِرٌ بِمَعْذُورٍ، وَقَارِئُ بِأُمِّي، وَلابِسٌ بِعَارٍ، وَغَيْرُ مُوْمٍ بِمُوْمٍ، خلافاً لزُفَرَ، وَمُفْتَرِضٌ بِمُتَنَفْلٍ؛ لأنَّ بناء القوي على الضعيف لا يَجُوزُ، وَمُفْتَرِضٌ فَرْضاًآخر؛ لأن الاقتداء شرِكَةً، فيجب الاتِّحَادُ.
الجزء 1 · صفحة 82
وَالإِمَامُ لا يُطِيلُهَا، وَلا قِرَاءةَ الأوْلَى إِلَّا فِي الفَجْرِ، قال محمدٌ: أَحَبُّ إليَّ تطويل الأولى في الصَّلاةِ كلِّهَا، وَيُقِيمُ مُؤْتَمّاً تَوَحَّدَ عَنْ يَمِينِهِ، وَيَتَقَدَّمُ إِنْ زَادَ، أي: إذا كان المؤتَمُّ واحداً يأمُرُهُ الإمام أن يقوم عن يمينه، وإذا كان متعدداً فالأولى أن يتقدَّمَ الإمامُ لا أنْ يأمُرَهُم بالتأخير عنه؛ لأنَّه أيسر. وَإِنْ ظَهَرَ حَدَثُهُ يُعِيدُ المُؤْتَمُّ؛ لأنَّ صلاة الإمام تتضمَّنُ صلاةَ المُقتدي، ففسادُها يُوجِبُ فسادها. وَيَصُفُ الرِّجَالَ ثُمَّ الصِّبْيَانَ، ثُمَّ الخَنَاثَى بالفتح - جمعُ الخُنثى، كالحَبَالَى جمعُ الحُبْلَى ثُمَّ النِّسَاءَ، فَإِنْ حَاذَتْهُ مُشْتَهَاةٌ حالاً أو ماضياً محرماً كانت أو أجنبية، بلا حائل قدر مؤخّرِ الرجل، وغُلظه مثل غلظ الإصبع، والفُرْجَةُ تقوم مقام الحائل، وأدناها ما يقومُ فيهِ الرجُلُ، ذكره في التبيين في صلاة مُطْلَقَةٍ، هي التي لها رُكُوع وسُجُودٌ في الأصل، مُشْتَرَكَةٌ تَحْرِيْمَة، هوَ بأَنْ: يبني أحدُهُما تحريمَتَهُ على تحريمته على تحريمة الآخر، أو بنيا تحريمَتَهُما على تحريمة ثالث. وأداء هو بأن يكون أحدُهُما إمام الآخر، أو يكون لهما إمام فيما يؤديانه حقيقة أو تقديراً، كانَ ذِكْرُ الاشتراك في الأداءِ مُغنياً عن ذكر الاشتراك في التحريمةِ؛ ولذلك اكتفى بهِ في تلخيص الجامع، إلا أنهم أفردُوا كلاً منهما بالذكر تفصيلاً لمحل الخلافِ عن محلّ الوفاق كما هو دأبهم، وتَبِعَهُم المصنِّفُ، وذلك أنَّ الاشتراك تحريمة شرط اتفاقاً، والاشتراك أداء شرط على الأصح، ذكره في شرح التلخيص، بِأَنْ نَوَى أي: الإمامُ إِمَامَتَهَا، نَبَّة بهذا على أنَّ الشركة لا توجد بدونِ نيَّة الإمام إمامتها، وضمَّنَهُ الردَّ على من اعتَبَرَهُ شرطاً زائداً على شرط الشركة، وفي اعتبارِ النيَّةِ في صحة الشركة خلاف زُفَرَ.
الجزء 1 · صفحة 83
وَالجِهَةُ مُتَّحِدَةٌ، أي: جهتها وجهة مَنْ حاذَتْهُ، ذكر هذا الشرط في الغاية، في باب الصَّلاةِ في الكعبة، ولا يُتَصَوَّرُ اختلاف الجهةِ إلَّا في جَوْفِ الكعبة، أو في لَيْلَةٍ مُظلِمَةٍ إِذَا صَلَّى كُلُّ واحدٍ بالتحري إلى جِهَةٍ، فَسَدَتْ صَلاتُهُ، استحسانا والقياس أن لا تفسد، وهو قولُ زُفَرَ والشَّافعي اعتباراً بصلاتها، حيث لا تفسد، وجه الاستحسان أنَّ الرجل مأمور بتأخير النساء؛ لقوله صلّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: «أَخْرُوْهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَخْرَهُنَّ الله»، وهو المُخاطِبُ بِهِ دُونَها، فيكونُ هُو التارك لفرض المقام، فتَفْسُدُ صلاته دون صلاتها، كالمَأْمُومِ إِذَا تَقَدَّمَ عَلَى إِمَامِهِ.
وَإِنْ لَمْ يَنْوِ إِمَامَتَهَا لا تَجُوْزُ صَلاتُهَا؛ لِعَدَمِ صحة الاقتداء بدونِ النية حينئذ، أي: عند محاذاتها لرجل، لا أنَّ صلاتها تَفْسُدُ بالمُحاذاة عند عدمِ نيَّة الإمام إمامتها؛ لأن الفساد فرع الانعقاد.
صَلَّى أُمِّي بِقَارِي وَأُمِّي، أي: أم أمي قارناً وأمياً، والفساد في هذه الصورة عنده، وقالا صلاة الإمام والأمِّي تامَّةٌ؛ لأنَّهُ معذُورٌ أم معذوراً وغير معذورٍ: فصار كما إذَا أمَّ العاري عُراة ولابسين، وله أنَّ الإمام ترك فرض القراءة مع القدرة عليها، فتَفْسُدُ صلاتُه؛ وهذا لأنه لو اقتدى بالقاري تكون قراءته قراءة له، بخلافِ تلك المسألة؛ لأنَّ اللباس الموجُودَ في حق الإمام لا يكون موجوداً في حقِّ المُقتَدِي، وفيهِ بَحْتُ، وهُو أَنَّهُ لا قراءة للقاري في الصورة رة المذكورة، وليس في وسع الأمي تكليف القراءة عليه، على أنَّ القادِر بقدرةِ الغيرِ لا يُعَدُّ قادراً عنده؛ ولهذا لا تجبُ الجُمُعَةُ على الأعمى وإن وجد قائداً.
الجزء 1 · صفحة 84
أَوِ اسْتَخْلَفَ فِي الأُخْرَيَيْنِ أُمِّيّاً فَسَدَتْ لِلْكُلِّ خلافاً لِزُفَرَ؛ لتأدي فرضِ القراءة، ولنا أن كل ركعة صلاةٌ، فلا تخلو عن القراءة إما تحقيقاً أو تقديراً، ولا تقدير في حق الأمي؛ لانعدام الأهلِيَّةِ، وعلى هذا الخلافِ لو قدَّمَهُ في التشهد والله أعلم.
بابُ الحَدَثِ فِي الصَّلاةِ
مُصَلِّ سَبَقَهُ، أي: عرَضَ له بلا اختيار حَدَتْ انْصَرَفَ من غيرِ مُكْثِ، وَتَوَضَّاً؛ لأنَّهُ لو مكث ثمَّ توضأ يلزَمُ أداءُ جُزْء منَ الصَّلاةِ مَعَ الحَدَثِ فتبطل، واتم، والقياس أن يستقبل، وهو قولُ الشَّافعي.
وَلَوْ بَعْدَ التَّشَهُدِهـ:؛ لأنَّ التسليم واجب عليه، فلا بدَّ من التوضُؤ ليأتي به، صرح به في الهداية، وهذا صريح في أنَّه لا خلاف للإمامين ها هنا؛ إذ لا خلاف لهُما في وُجُوبِ التسليم.
وَالاسْتِلئنَافُ أَفْضَلُ.
وَالْإِمَامُ يَجُرُّ آخَرَ إِلَى مَكَانِهِ، يعني: إنْ كانَ مَنْ سَبَقَهُ الحدث إماماً يستخلف أحداً من الجماعة يجُرُّ إلى مكَانِهِ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وَيُنِمُ ثَمَّةَ، أَوْ يَعُوْدُ، إِنَّما خير؛ لأنَّ في الأول قلةُ المشي، وفي الثاني أداء الصلاة في مكان واحدٍ كَالمُنْفَرِدِ إِنْ فَرَغَ إِمَامُهُ الضمير يرجعُ إلى الإمام الذي استخلَفَهُ، فإنَّه إمام له وللقوم، وإلا، أي: إن لم يفرغ إمامُهُ، عَادَ، وأتمَّ خَلْفَ خَلِيفَتِهِ، إِلَّا إِذا لم يكن بينهما حائلٌ، وَكَذَا المُقْتَدِي.
الجزء 1 · صفحة 85
وَلَوْ جُنَّ، علَي صيغة المبني للمفعول كانَ القياسُ بناءً الفاعل إلا أنه مهجور، كأنه قصد الإشعار بأنَّه مسلوبُ الاختيار، أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ أَوْ احْتَلَمَ بأَنْ نَامَ في الصلاة نوماً لا يُنْقِض وضوءه؛ لأنَّه يندرُ وجود هذه العوارض فلم يكُن في معنى ما ورد به النَّصُ، وهُو الحَدَثُ، أَوْ قَهْقَة أَوْ أَحْدَثَ عَمْداً أَوْ أَصَابَهُ نَجَسٌ كَثِيرٌ، حَدُّهُ أن يكون فوق الدرْهَم. أَوْ شُجَّ فَسَالَ دَمُهُ أَوْ ظَنَّ أَنَّهُ أَحْدَثَ فَخَرَجَ مِنَ المَسْجِدِ أَوْ جَاوَزَ الصُّفُوْفَ خَارِجَهُ أَي حالَ كونِهِ خارج المسجد، فإن مكان | الصُّفُوفِ في الصحراء له حكم المسجد، إنما قيَّد بأحدِ هذين القيدَينِ؛ إذْ بدُونِهِمَا لا تبطل الصلاةُ إِنْ لم يستذير القِبْلَةَ فيُصلِّي ما بَقِي أَوِ اسْتَخْلَفَ، هذا مخصوص بالإمام، وما ذُكِرَ أَوَّلاً مشترك بينه وبين المؤتَمَ، أَوْ جَاوَزَ مَوْضِعَ سُجُودِهِ، مِنْ أي جانبٍ كَانَ مُنْفَرِداً، أي: حال كونه منفرداً في الصلاةِ، ثُمَّ ظَهَرَ ظهرُهُ بَطَلَتْ. وَلَوْ أَحْدَثَ عَمْداً بَعْدَ التَّشَهُدِ مِنْ هُنا ظهر أنَّ الكلام السابق فيما يكون قَبْلَهُ، أَوْ تَكَلَّمَ أَوْ عَمِلَ مَا يُنَافِيْهَا تَمَّتْ، لا لوجودِ الخروج بصنعه؛ لأنَّه مُتَمِّم الأركان عند القائل به لا مُتَمِّم الصلاةَ؛ بل لأنَّه تعذر البناء لوجُودِ القاطع، لكن لا إعادة عليه؛ لأنَّه لم يَبْقَ عليهِ شيءٌ مِنْ الأركان، ذكَرَهُ في الهداية.
الجزء 1 · صفحة 86
وَيُبْطِلُهَا بَعْدَهُ، أي: بعد التشهدِ عِنْدَهُ خلافاً لهُما، قيل مبنى هذا الخلافِ على أنَّ الخروج بصُنْعِهِ فرضٌ عندَهُ، لا عندَهُما، وكان الكرخي يقول: لا خلاف بين أصحابنا في أنَّ الخُروج بصُنْعِهِ ليس بفرض، وليس فيه نص عن أبي حنيفة، وإنَّما استنبط أبو سعيد البردعي لما رأى جواب أبي حنيفة في هذه المسائل أنَّها تبطل فقال من ذاتِ نفسِهِ لا تبطلُ إلَّا بترك فرض ولم يبق عليه إِلَّا الخروج منها بفعله فقال الخروج منَ الصَّلاةِ بفعل المصلي فرضٌ عنده، وهذا غلط منه؛ لأنه لو كان فرضاً كما زعَمَهُ لاختَصَّ بِمَا هُو قُربَةٌ، وَهُوَ السَّلامُ، ولَمَّا لم يختص بِهِ عَلِمْنَا أنَّه ليس بفرض، وإنما قالَ يبطل في هذِهِ المسائل لأن ما يغير في أثنائها يغيّرُ في آخرها كنيَّةِ الإقامة واقتداء المُسافِرِو بالمقيم.
قُدْرَةُ المُتَيَمِّم عَلَى المَاءِ، وَنَزْعُ المَاسِحِ خُفَّهُ بِعَمَلٍ يَسِيْرِ، إِنَّمَا قَالَ بعملٍ يسير؛ إذ لو كان بعمل كثير لا تبطل الصلاة عنده أيضاً. وَمُضِي مُدَّةُ مَسْحِهِ، اعلَمُ أنَّ مضيَّ مدَّةٍ المسح في هذه الحالة لا تُفْسِدُ الصَّلاةَ مطلقاً، بل إذا وجد الماء، وإلَّا فيمضي على صلاته على الأصح، ذكَرَهُ في
الخانية.
وَزَوَالُ عُذْرِ المَعْدُوْرِ، وَسُقُوْطُ الجَبِيْرَةِ عَنْ بُرْءٍ، وَتَعَلَّمُ الْأُمِّيِّ سُوْرَةٌ، وَنَيْلُ العَارِي ثَوْباً، وَقُدْرَةُ المُؤمِنِ عَلَى الأَرْكَانِ، وَتَذَكُرُ فَائِتَةٍ وَهُوَ صَاحِبُ تَرْتِيْبٍ، وَتَقْدِيمُ القَارِئِ أُمِّيّاً، وَطُلُوعُ ذُكَاءَ فِي الفَجْرِ، وَدُخُولُ وَقْتِ العَصْرِ فِي الجُمُعَةِ، وَكَذَا قَهْقَهَةُ الإِمَامِ وَحَدَثُهُ عَمْداً، يُبْطِلُ بَعْدَ التَّشَهُدِ صَلاةَ المَسْبُوْقِ؛ لوقوعه في خلال صلاته، وفيهما أيضاً خلاف: لهما، لا كَلامُهُ؛ لأَنَّهُ فِي معنى السَّلام.