كشف القناع الرفيع عن مسألة التبرع بما يستحق الرضيع
للإمام حسن بن عمار الشرنبلالي الحنفي
توفي سنة 1069هـ
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
جارٍ تحميل الكتاب…
كشف القناع الرفيع عن مسألة التبرع بما يستحق الرضيع
للإمام حسن بن عمار الشرنبلالي الحنفي
توفي سنة 1069هـ
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الوليّ الحَمِيد خالقِ الشَّقي والسعيد، جاعل كلاً مُيَسَّراً لِما خُلِقَ له فليس له عنهُ مَحِيد، وقد نبَّهَ مَن كانَ ضعيفاً صغيراً حين بلوغه وقد كان حقيراً، بفضل والديه وحملِ أُمّه وإرضاعه وتحملها أمراً خطيراً، بما تضمنه النَّهي عن قول به الأذى
ولو يسيراً: {فَلَا تَقُل لهما أف} [الإسراء:]، {ووَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} [الإسراء:]، فمَنْ فَرَّطَ وأضاعَ ولده رضيعاً ولو فقيراً، فقد أحرم نفسَه مِنَ التَّرحُمِ عليه، وأبدله بالسَّبِّ والخُسرانِ لاتِّباعه هوى نفسه وشُحها بطولِ الزَّمانِ، وقد نبهه المُصطفى الرَّسولُ بقوله: كفى بالمرء إثماً أن يُضيِّعَ مَن يعولُ»، وتغافل فظنَّ أنَّه يُعذَرُ بترك المفروض عليه؛ لقيامِ غيره عنه بولده المنسوب إليه، فمنعه حُطامه، وانتزعه من أُمَّه وما خشي وما خشي عذابَ جهنَّمَ، أمامه، وقد أخبره المُصطَفَى النَّذِيرُ بما لا محيد عنه يومَ لا تنفعه الندامةُ، فقالَ: «مَن فرَّقَ بينَ والدةٍ وولدها، فَرَّقَ اللهُ بينه وبينَ أحبَّتِه يوم القيامة.
وهذا كنايةٌ عن حجبه عن الجنَّةِ، وإيذان بدخوله النَّارَ؛ إذ هو التَّفْرِيقُ لبعده عن الأحبَّةِ بدار الكرامةِ والقَرارِ؛ لأنَّه أضاع صغيرَهُ وارتكب كبيرة.
والصَّلاة والسَّلامُ على سيد الأنبياء وسنَدِ الأبرار وكل تقي، القائل: «ما نُزِعَت الرحمة إلا من قلب شقي".
وبعد:
فيقول العبد الضعيفُ بين الموالي، حَسَنُ الحنفي الشرنبلالي: هذه رسالة سميتها:
كَشْف القناع الرفيع، عن مسألةِ التَّبرع بما يستحِقُ الرَّضِيعُ
وقد سُئِلتُ عن رجلٍ طلَّقَ زوجته، وفرّضَ لرضيع له عليه قدراً يسيراً أحقر من أن يُذكر لأمه في نظير إرضاعها وحضانتها والقيام به والسَّهَرِ، ثمَّ أَرادَ قَطعَ ذلك المُقَرَّرِ بدعواه وُجودَ مُتبرعة بالرضاع، وإنَّه عن المُقرَّر أعسر، أو سكت عن الإعسار؛ لظهور كذبه فيه؛ لأنَّ الأمر على القُدرةِ أشهَرُ، فهل يُؤخَذُ الصَّغِيرُ من أُمَّه وتُقهَرُ، ويُدفَعُ لَمَن زعَمَتِ التَّبَرُّعَ، وما الحكمُ المُحرَّرُ؟
أفتونا مأجورين غير ناظرين المُجرَّدِ ما كتبه مُؤلّفه وسطر، وأوضحوا الاستدلال، وبينوا وَجْهَ المَقالِ، أَرشَدَكُم الله الكريمُ المُتعال، وبلغكم من فضله أحسنَ الآمال.
فأجبتُ طامِعاً في جزيل الثّوابِ مِنَ الكريم الوهَّابِ، وقلتُ:
الحمد الله مانحِ الصَّوابِ، الأم أَحَقُّ بالولد قبل الفرقة وبعدها، وبانقضاء عدتها لها الأجرةُ على الحضانة، ولها أُجرةً أخرى على الإرضاع، ويُلزَمُ الوالد بالأجرتَينِ، وبإنفاقه على الصغير؛ ككسوة ودُهُن وغيرهما.
فإن ادعى وُجودَ مُتبرعة بالإرضاع، لا يأخذ الولد من أُمه، فيبقى عندها؛ لاستحقاقها الحضانة، وتأتي المُتبرِّعةُ لتُرضِعَ الصَّغير عندَ أُمه ليلاً ونهاراً، لتقوم بإرضاعه حتى يشبع كلَّما طلبه كيلا يهلك، أو يمرَضَ جُوعاً، لدلالة حاله على طلبه؛ فإنَّ لسان الحال أنطَقُ من لسانِ المَقالِ، وبُكاؤُه مُؤذِنٌ بحاجتِه لشُربَ اللَّبَنِ، وإزالة فيُسلمان له، والله أعلم. كتبه الفقير سليمان المنصوري الحنفي، وقد كنا صورنا الجواب قبل، غفر الله لكاتبها وللمسلمين آمين.
ضرره للحالِ، فكل عاقل لسماع بكائه يحثُ المُرضِعةً على تحصيل مُرادِه، وقيامها إليه بأحسن الفعال.
وإذا طلبت الأم أجرة الحضانة، لا يُدفَعُ للأجنبية حتى لا يرضى أحد ممن يستحق الحضانة بإمساك الصغير بدون أجر، فإنَّ الحق في الحضانة لها، وهي أحقُّ ما لم تطلب زيادة أكثر من أُجرةِ الأجنبية بغُبن فاحش؛ لأنَّ الأَم أَشفَقُ وأَنظَرُ للصَّبي، وفي الأخذ منها إضرار بها وبالولد، فكانت أولى.
وكذلك من تستحِقُ الحضانة بعد الأم تكونُ أحق بإمساكه بأجرة لا تزيد عن أجرة الأجنبية؛ نظراً للصغير، ثم بعد الأم تكون الأحق بالحضانة أُمُّ الأم، ثمَّ أُمُّها وإن علَتْ، ثمَّ أُمُّ الآب، ثُمَّ أُمُّها وإن علَتْ لأنَّ لها قرابة الولاد، وهي أشفَقُ، ثمَّ الأختُ الشقيقة، ثم الأختُ لأم، ثمَّ الأختُ لأب، ثمَّ بنتُ الأختِ الشَّقيقةِ، ثمَّ بنتُ الأختِ لأم، ثم الخالةُ الشَّقيقة، ثمَّ الخالة لأم، ثم الخالة لأب، ثم بنتُ الأخت لأب، ثمَّ بنت الأخ الشقيق، ثمَّ بنت الأخ لأم، ثمَّ بنتُ الأخ لأب، ثمَّ العمَّةُ الشَّقيقةُ، ثُمَّ العمَّةُ لام، ثم العمةُ لأب، ثمَّ خالاتُ الأم على ترتيبهنَّ، ثمَّ عَمَّاتُ الأم على الترتيب، ثمَّ خالات الأب على الترتيب، ثمَّ عمَّاتُ الأب على الترتيب، وهكذا في الأجدادِ والجدات، يستحق الحضانةَ كلُّ أُنثَى تُدلي بأصلِ على الترتيب، ولا حق لبناتِ العمةِ والخالة في الحضانة؛ لأنَّهنَّ غير محرم.
ثمَّ إذا لم تُوجد امرأة من محارمِ الصَّغيرِ مُستحقَّةٌ للحضانة ممن تقدَّمَ تكون الحضانة للعصبات على ترتيبهم في الإرثِ، على ما عُرِفَ في موضعه، يُقدم الأقرب فالأقرب لأن الولاية له، غير أنَّ الصغيرة لا تدفع إلى غير المحرم من الأقارب؛ كابن العم.
ثمَّ إذا لم يكن للصَّغيرِ عصبةٌ يُدفَعُ إلى ذَوي الأرحام على ترتيبهم عند أبي حنيفة، كأخ من أم، وعم من أم، وخالٍ، ونحوهم؛ لأنَّ لهم ولاية الإنكاح عنده فكذا الحضانة، انتهى.
فتنبه أيها القاضي والمُفتي، ولا تُقدِمْ على إضاعة حقٌّ الصَّغير، ومُستحِق الحضانة على هذا الترتيب.
فإذا قُدِّرَ أنَّ كلَّ مُستحقَّةٍ للحضانة أو مُستحِقٌّ لها لم يرضَ بإمساكِ الصَّغير أو الصغيرة إلَّا بأجر أو بأزيد من أجر المثل، فحينئذ إذا توفّرَتْ شروط القيام بالصَّغير في المُتبرعة كما سنذكُرُه تُقدَّمُ [المُتبرِّعةُ]، فإن اختل حالها لا يُدفَعُ إليها؛ لأنَّ الأم إذا كانت فاجِرةً، أو تخرُجُ غالب الأوقاتِ وتترُكُ البنت ضائعةً لا تستحق حضانةٌ، فكيف إذا كانتِ الأُمُّ المُتبرِّعةُ بمثابتِها.
واعلم أنَّ الحضانة حقُّ الصَّغيرِ لاحتياجه إلى مَن يكفله، فتارةً يحتاجُ إلى مَن يقومُ بمَنفعة بدَنِه في حضانته، وتارةً إلى مَن يقوم بحفظ ماله حتَّى لا يلحقه الضَّرَرُ، وجُعِلَ كلّ واحدٍ منهما إلى من هو أقوَمُ به وأبصَرُ، فالولاية في المالِ جُعِلَت إلى الأب والجد، والوصيُّ لكمال العقل والقوَّةِ على تنمية المالِ والسَّفرِ والتّجارة واقتحام الأهوالِ، وحق الحضانة جُعِلَ إلى النِّساءِ ابتداءً؛ لأَنَّهُنَّ أَبصَرُ وأَقوَمُ علىحِفْظِ الصبيان ومعالجتهنَّ، وزيادة شفَقَتِهِنَّ ومُلازمتهنَّ للبيوت في كلِّ حالٍ، وولاية التزويج قد أفرَدْتُها برسالة، وقد علمت ترتيب مُستحِقي الحضانة، فإذا قدَّرْنا أن لا أحد رضي بإمساك الصَّغير من مُستحِقِّي الحضانة إلا بأجر أو بأزيد من أجر المثل. يُقالُ: يُدفَعُ الصَّغير للأجنبية، وأنَّى يكون هذا؟! أيوجد امتناع من جميع مستحقي الحضانة عن إمساك الصغير بمنزله بدونِ أَجْرٍ حَتَّى يُقالَ: يُدفَعُ الصَّغيرُ للأجنبية المتبرعة؟!
غاية الأمر أنْ لا تَرضَى مُستحِقَّةُ الحضانة بالإرضاع بدون أجر، وتَرضَى ببقاء الصغير بمنزلها لا تأخُذُ عليه أجراً، فتأتي الأجنبية وتتفرغ للإرضاع عندَ مُستحِقةِ الحضانة، وأنى يكون هذا؟ اليس هذا بمُمكن عقلاً وعادة إلا بطريقِ الفَرضِ والتقدير. وقد اتفق المشايخ على أن الأبَ يُجبر على نفقة الصغير، وعلى صيانته إذا استغنى عن النساء، وإذا كانَ للصَّغير مالٌ أنفق عليه الأب منه إن شاء، وإن غابَ المال له أن يستأذن القاضي ليرجع بما أنفق قضاءً، وله الرجوع ديانةً إن أنفَقَ بنية الرجوع في مالِ الصَّغير، وإذا كانَ كلَّ منَ الآبِ والولد فقيراً؛ فعند الإمام الخصافِ على الأب أن يتكفَّفَ النَّاسَ ويُنفِقَ على أولاده الصغار.
وقيل: نفقتهم في بيتِ المالِ وهذا إذا كانَ الأب عاجزاً عن الكسب، وإنْ كانَ قادِراً على الكسب، فإن امتنع عن الكَسْبِ حُبِسَ، ولا يُترك بدونِ تقرير عليه وهو محبوس؛ لأنَّه يُضيعُ حق الصغار، فيُقضَى عليه، وتُؤمَرُ الأم ونحوها بالاستدانة والإنفاق لترجع على الأب وليعلم الأبُ أنَّه لا فائدة في حبيه؛ لما يلزمه بعد خروجه ممَّا فُرِضَ واستدانَتهُ الأم فيُبادِرُ إلى الخروج، ولا يتهاون في مقامه وجُلوسه
في الحبس؛ لأنَّ كثيراً من السَّفَلَةِ يرضَى لنفسه بالبقاء في الحبس وأكل الصدقة إضراراً بمن حبسه وعِناداً، فإذا علم الأبُ أنَّه يُطالب بما يتجمد مفروضاً عليه بادر إلى الخروج للإنفاق والتكسب.
تنبية: علمت استحقاق الحضانة على الترتيب، وبقي القَولُ بوجوب الحضانة
على الأم وجبرها إذا امتنعتْ صحَّحَ في شرح الكنز» أنَّها لا تُجبر، وعليه الفتوى كما في الولوالجية»، و «الواقعات»؛ لأنَّها. أن تعجز عن الحضانة، وقال عسى الفقهاء الثلاثة، أبو الليث والهندوانيُّ وخُوَاهَرْ زادَه إِنَّها تُجبَرُ.
أقول: ينبغي أن يكون كذلك الحكم في كلِّ مُستحِقةٍ للحضانة على الترتيب؛ لأَنَّه قيَّدَ في الظَّهيرية جبر الأم بأن لا يكونَ للصَّغير نحو الجدة وقد رضيت بإمساكه، فإنَّه يُدفَع إليها؛ لأنَّ الأم لمَّا أسقَطَتْ حقها بقي حق الولد، فصارَتْ بمنزلة الميتة، فانتقل الحق لمن يليها من الحاضنات، انتهى.
وقال الشَّيخُ زَينُ الدِّينِ بنُ نُجَيمِ رحمه الله تعالى: وحيثُ اختلف الترجيح في هذه المسألة فالأولى الإفتاء بقولِ الفُقَهَاءِ الثَّلاثةِ، وكلام الحاكم الشَّهِيدِ يدلُّ على أنَّ قولَ الفُقَهَاءِ الثلاثةِ ظَاهِرُ الرّواية، انتهى.
قلت: وهذا منه يُخالِفُ صنيعه فيما إذا اختلفَ التَّرجِيحُ؛ فإِنَّه يميل إلى اتِّباع ما عليه الفتوى، ووَجهُهُ ظاهِرٌ؛ فإنَّ المرأة عاجزةً حقيقةً وشرعاً، وبهذا وجَبَتْ نفقتها على قريبها المحرمِ المُوسِرِ بمُجرَّدِ فَقْرِها؛ لوُجودِ عَجْزِها بخلافِ الرَّجُلِ. تنبية آخَرُ: إذا وُجِدَت المُتبرعةُ؛ قالَ الزَّيلَعِيُّ: وإِنْ رَضِيَتِ الأجنبية أن تُرضِعَه
بغير أجرٍ أو بدون أجر المثل والأم بأجر المثل، فالأجنبية أولى، انتهى. يعني: فتُرضِعه عند أمه، كما ذكره في قوله: ويستأجِرُ مَن تُرضِعه عندها؛ أي: عند الأم.
قلت: والمراد بالأجنبية إما حقيقةً إذا فُقِدَت النِّساء اللاتي لهنَّ الحضانة بعد الأم، وإما أن يُراد الأجنبية في الجملة ممَّن تلي الأم؛ لأنَّها لا حق لها مع الأم إلا بعد تركها أو طلبها زائداً على الأجرة، انتهى.
وقال في «شرح النقاية» للشيخ قاسم عن «شرح الجامع» لفخرِ الإسلام: فإنْ
وجَدَ الزَّوجُ مَن تُرضِعُه بغير أجرٍ فله أن لا يُعطي الأم أجراً، لكنَّ المرأةَ تُرضِعه عند
امه، انتهى. فهو مقيد لكلامِ الزَّيلعي هنا، وهو أيضاً مُصرَّح به عند قول «الكنز»: ويستأجِرُ مَن تُرضِعه عندها؛ أي: عند الأم كما ذكرناه، وذلك لأنَّ حق الحضانة غير حق الإرضاع، والحضانة للأم، ثمَّ لمَن تليها كما ذكرناه. فإذا انتهى الحقُّ إلى وُجودِ عمَّةٍ معَ الأم، وليست متزوجةً بغير محرم للصغير فقد قال في شرح النُّقاية ما نصه: وفي الخانيَّةِ» و «الظَّهيريَّةِ صغيرةً لها أبٌ مُعسِر، وعمَّةٌ مُوسرة، أرادت العمَّةُ أن تُربي؛ أي: وتُرضِعَ الولد مجاناً، ولا يمتنع الولد عن الأم، والأم تأبى ذلك وتطلب الأجر ونفقة الولد، اختَلَفُوا فيه، والصحيح أن يُقالَ
للام: إما أن تُمسكي الولد بغير أجر، وإما أن تدفعيه إلى العمة.
ومقابل الصحيح هو ما قاله في البحرِ»: إنَّ الأم إذا أبَتْ أَن تُمسِكَه إلا بأجرِ ونفقة الولد، فالأم أحق بالولد، وإنَّما يبطل حقُّ الأم لو احتكمت في أجرِ الإرضاع
بأكثر من أجر مثلها. والصحيح أن يُقال: للأم ... إلى آخره، وإذا وَجَدَتْ مَن هِي أَقرَبُ من العمَّةِ من أهل الحضانة، فالحقُّ لها في إمساك الصغير بغير أجرٍ؛ كالأم، وتُرضِعُه العمةُ عندها، وإنما قيدت العمَّةُ ونحوها بكونها غير متزوجةٍ بغير محرم للصغير؛ لأنَّها حينيذ لا حق لها في أخذ الولد، وإنما لها أن تتبرع بإرضاعه عند من لها الحضانة.
وأقولُ: يُستفاد من تقييدهم للعمَّةِ، باليسار، والأب بالإعسار، أنَّ الأبَ إذا كانَ مُوسِراً تكون الأم أحق بإمساك الولد بأجر المثلِ نظراً للصغير؛ إذ لا ضرر فيه على الأب الموس، فلا تُقَدَّمُ العمَّةُ المُتبرعةُ. انتهى.
وحيثُ علمت ما قدمناه فنقول: يجب على الحاكمِ إِذَا ادَّعَى الأَبُ وُجودَ مُتبرعةٍ أن يحتاط، فلا يُجيبه بمُجرَّدِ ادّعائه، ولا بمُجرَّدِ حُصولِ امرأةٍ تدعي التَّبَرُّعَ؛ لأنَّ الحق ثابت للأُم شَرْعاً، فلا يبطل بمُجرَّدِ قَول غيرها، ولا بحضورِ المُدَّعية وطلبها أخذ الولد، فإنَّه قد يفعل تواطئاً وتحيلاً على الأم لإسقاط ما فُرِّرَ على الأب، فإنَّ الأم لقُوَّةِ شفَقَتِها لما ترى من الأجنبية تُريد أخذ الولد بدونِ أُجرة تتركُ الأجرة وتُقبل على أخذ الولد بغير شيء، وتتحَمَّلُ الضَّرر، وذلك يُؤدي إلى ما لا يخفى. ولا يفعل هذا إلا السُّوقَةُ والأراذل والسَّفلةُ من رَعَاعِ العَامَّةِ، وقد علمنا أنَّ الحضانة حقُّ الصَّغير على ما تقدَّمَ، فعلى القاضي - لطف الله به ـ أن ينظر، فإذا مالَتِ الأم إلى ترك الولد؛ لعَدَمِ قُدرَتها على تَرْكِ الفَرْضِ مَعَ إمساك الولد لضرورةِ مُؤنَتِها واحتياجها لِما يُنزِلُ اللَّبنَ منَ المأكل أن يحتاط في أمر الصغير، وينظر في أمر الأجنبية التي تزعُمُ النَّبرُّعَ لدَفْعِ التَّواطؤ مع الآبِ والتَّحيل على الأم لإضاعةِ التَّقرير وتحملها بالصغير:
هل للأجنبية لبن؟ وهل معَها رَضيع يزاحِمُ الذي تُريدُ التَّبرع بإرضاعه وحضانته؟ وهل لها زَوْجٌ ويرضَى بأخذ الولد، ويرضَى بمزاحمته لابنه في الرّضاع، والشهر به والقيام له؟ وهل للمُتبرعةِ قُوَّةٌ وقُدرَةٌ على القيام بالولدين؟ وهل يرضى زوجها باطِناً وظاهِراً بأن يُصدَّقَ ظاهِرُه بكونه غنيَّا، سَمْحَ النَّفْسِ، رَضِيَّ الأخلاق، واسع النفقة، تاركاً نظره لما يطلبه الزوج من امرأته، فيتركها لتقوم بإرضاع الولدين، ويُطعمها ما يليقُ بالمراضع لتكثيرِ اللَّبَنِ، وترك خدمة البيت للتَّفَرُّغِ عن طبخ وغسل
وعجنٍ، وغربلة قمح، ونَخْلِ دقيق، وغير ذلك، وتتقيد بمصلحةِ الصَّغيرين، ويُنفِقُ على الصغيرين فيما يحتاجانه.
وينظر القاضي بالسُّؤالِ منَ الجيران الثقاتِ، هل ظاهِرُ حالِها القدرة على السَّهَرِ والإرضاع، والصبر على إزالة الخارج منَ الصَّغير والأجنبي، وغَسْلِ ثيابه من غائط، خصوصاً في زمانِ البَرْدِ، وتصيرُ على غَسْلِ جَسَدِه بماءٍ مُسَخْنٍ، وتصيرُ على السَّهَرِ به في الليالي الطوالِ، خُصوصاً في شِدَّةِ البَرْدِ، فتتركُ الكَنَّ والغطاء، والدخول في فراش زوجها معه، وتبادرُ للقيام لأخذ الصغير حين يقوم باكياً، وإعطائه ثديها، وترمي ولدها الذي ولَدَتْه، وتُقبل على الذي تبرَّعَتْ بإرضاعه، أو تصبر على أخذ الولدين جُملةً، وتُعطي كلاً ثَدْياً، وخصوصاً معَ وَجَعِ عينٍ وأُذُنِ للصَّغير؛ فإِنَّه لا يهدأ ليلاً ولا نهاراً، و رُبَّما قامت على أقدامها حاملة له، وهي تُهنهنه وتتلَطَّفُ به، وتدور به ليسكُن ما به، ويترك الصياح من شدَّةِ وجَعِه، كلما تكرر منه ذلك، فتُكرر القيام به
ليلاً للضرورة كما هي عادة الرّضيع، ومُشاهَدٌ لكل أحد ليلاً ونهاراً. ونُحنُ نُشاهِدُ حالنا مع أم ولدنا الذي ليسَ معَها غيره، وكذلك نرى ونسمع جيراننا وأولادَهُم، لولا أنَّ الوالد ينهرُ الأم ويحثها على القيامِ لأَخَذَ الولَدَ وربَّما شتمها مراراً كثيرةً في كلّ ليلةٍ معَ بُكاءِ الصَّغير، ورُبَّما صَبَ الماءَ على وجهها لغلبة نومها وثقله عليها وكَسَلِها، وشِدَّةِ تعبها لتقوم وتُسكت الولد بإرضاعه وحمله، وإزالة بوله وغائطه الذي أحرق جسده بيلة الخرق التي عليه، وتغييرها بخِرَقٍ نِظافٍ جافَّة.
هل تستطيعُ المُتبرعةُ ذلك كله؟ وتستعد لجميع محتاجاتِ الرّضيع من ثياب نظاف، وخرق جافة غير التي مُلِئَتْ مِنَ الخارج منه؟
فيجب على مولانا القاضي حفظه الله تعالى، ونور بصيرته إذا ثبت عنده أَنَّه ليس للصغير مستحق لحضانيه ممَّن تقدَّمَ بيانه أن لا يقبل قول الوالد: عندي مُتبرعةٌ بإرضاع ولدي وحضانَتِه حتَّى يُحضِرَها وينظرها القاضي، وينظر فيما ذكرناه جميعاً، ويُحضِرَ زَوجَهَا إنْ كانَ لها زَوْجٌ، هل يرضَى ويُصَدَّقُ على إرادةِ التَّبرع منها؟ فإذا لم يظهر للقاضي ذلك لا يُصَدِّقُ، ولا يُقبَلُ قَولُ الوالد، ويبقى الولد معَ أُمَّه، ويُلزَمُ الأب بما يجب عليه للأم؛ لأنَّ دعوَى وُجودِ المُتبرِّعةِ لا يُفعَلُ غالباً إلا حيلة على الأُم، ووسيلة إلى تركها المُقَرَّرَ على الأب، وفيه منَ الضَّررِ ما هو ظاهِرٌ لكل أحد، وكيف ترضى الأجنبيَّةُ بالتبرع وتقدرُ معَ وُجودِ ما ذكرناه ولزومه عليها؟ مسألة: وقد نصَّ أئِمَّتُنا على أنَّ الأم يسقط حقها بتزوجها بغير محرم للصغير، لما أن الزوج يُعطيه نَزْراً، وينظر إليه شَزْراً، والنَّزْرُ الشَّيءُ القليل، والشَّزُرُ النَّظَرُ بغَضَبِ، وبعض طرف العين؛ لكراهة من ينظر إليه، ولذا لو كانَتِ الجدَّةُ التي استحقَّتِ الحضانةَ تُمسِكُ الولد ببيتِ زَوج بنتها الأجنبي، جاز للأبِ أخذه مِنَ الجدَّةِ؛ لسُقوطِ حقها به كتزوجها بغير محرم للصَّغير، ونحنُ نرى كما شاهدناه. المُستأجراتِ المَرَضِ الأم، أنَّ الوالد يُعطي المُرضِعةَ أُجرةً وافِرة بقدرِ ما يُرضيها، ويُطعمها ما أحبَّتْ ويُطعِمُ مَن معها من أولادٍ وزَوجِ، ثمَّ إِنَّهَا تُظهِرُ العَجْزَ، وتغيبُ عن إرضاع الصغير بما يُؤدي إلى ضرره مع كونه في يد أُمه وأبيه، ثم لا يزال يتلطَّفُ بالمُرضعة حتَّى تُقبل على الولد مع مشاركته لولدها.
وإذا تكرر منها ذلك يطلب الوالد غيرها، فتسمعُ به وتتقاعد. عن الحضور والإرضاع، وإذا علمت الثانية تطلب أكثر ممّا كانَ جُعِلَ لها، ثمَّ لا يحصل منها ما يُرضِي الأم والوالد، ويحصل للولد من المرض لقلَّةِ اللبن وتغيره ما هو ظاهر. وقد يتكلف لشراء جاريةٍ مُرضِعةٍ معَها ولدها، ولا يحصل المراد منها لغلبة
شفقتها على ولدها دونَ الرَّضيعِ، ولغلبة طبعها الجافي عليها، فلا يقدر على تأليفها لطباع أهلِ الرَّضِيعِ والتَّلطَّفِ بهِ إِلَّا النَّادِرُ.
فمن علم هذا، كيفَ يُقدِمُ على الفتوى، أو على القضاءِ بِمُجرَّدِ قَولِ الآبِ: عندي مرضعةٌ مُتبرعةٌ؟ فيُقدِمُ على تكليف الأم بدفع الولد أو أخذه وإمساكه بغير أجر، ولا يفعل ذلك إلا من علم عدَمَ استقامة حاله.
وهذا آخر ما تحصل من هذه الرسالة في حق إرضاع الولد والمُتبرعة، ولما ذكرنا، والله أعلم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وحسبنا الله ونعم الوكيل.