قهرُ المِلَّة الكُفريةِ بالأَدِلَّةِ المحمَّديَّةِ لتْخريبِ دَير المَحَلَّة الجَوَّانِيَّة
للإمام حسن بن عمار الشرنبلالي
توفي سنة (1069 هـ)
تحقيق
أحْمَد عَبْدُ الْمُنْعِم عَبْدُ اللَّهِ رَيْحَان
إشراف
أ. د. صَلاح مُحَمَّد سَالم أبو الحَاج
جارٍ تحميل الكتاب…
قهرُ المِلَّة الكُفريةِ بالأَدِلَّةِ المحمَّديَّةِ لتْخريبِ دَير المَحَلَّة الجَوَّانِيَّة
للإمام حسن بن عمار الشرنبلالي
توفي سنة (1069 هـ)
تحقيق
أحْمَد عَبْدُ الْمُنْعِم عَبْدُ اللَّهِ رَيْحَان
إشراف
أ. د. صَلاح مُحَمَّد سَالم أبو الحَاج
مقدمة المحقق
الْحَمدُ لله رب الْعَالمين الممتن علينا بهذا الدِّين المبين، الذي به العِزَّة والتمكيين، وكان العلماء به ورثة النَّبيين، وأفضل الصَّلاة وأتمُّ التسليم على سيّدنا محمَّد النَّبي الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
فهذه مخطوطة للإمام الشُّرُنْبُلَالِيّ في بيان حكم بناء الكنائس في بلاد الإسلام، من خلالها نلاحظ عزَّة الإسلام وأهله، وكيفية احترام الحكام للعلماء الربانيين العاملين وهيبتهم وتأثيرهم على الرأي العام للبلاد؛ لأنَّهم صدقوا الله فصدقهم.
وامتازت هذه المخطوطة بكثرة الأعلام والكتب المعتمدة في المذهب، فقمتُ ولله الفضل بترجمة جميع الأعلام والكتب، وتميزت المخطوطة بكثرة النقل عن أئمة المذهب، ممَّا جعلني أغوص بالبحث في مصادر تلك النقول وقد تكون مروية بالمعنى وهنا تكمن الصعوبة في البحث عن أصل العبارة وفي أي كتاب وجدت.
وحرصت في هذه المخطوطة أن أتناولها بمنظور شامل، بتخريج الآيات والأحاديث المذكورة، والتعليق في الحاشية بما يخدم القارئ، وتقسيم المخطوط لفقرات، بحيث لا تتجاوز الفقرة خمسة أسطر للتسهيل على القارئ، وحققت النص على أربعة نسخ، واعتمدت في الأعلى ما يوافق المعنى والسياق، والله ولي التوفيق والسداد.
ووقفت على تحقيقين للرسالة التي أبحثها وهما:
1. تحقيق المخطوطة للدكتور جابر زايد السميرى المدرس في قسم العقيدة والمذاهب المعاصرة، والأستاذ حسن نصر بظاظو، طالب ماجستير في قسم العقيدة والمذاهب المعاصرة، في كلية أصول الدين الجامعة الإسلامية - غزة.
2. تحقيق رسائل مجموع رسائل العلامة الشُّرُنْبُلَالِيّ المسمى (التحقيقات القدسية والنفحات الرحمانية الحسنية في مذهب السادة الحنفية)، تطبع لأول مرة مقابلة على ثلاث نسخ خطية تحوي ستين رسالة في جميع أبواب الفقه، حققها ووثق نصوصها وضبطها (أحمد فواز الحمير، طارق محمد صيرفي، محمد عبد الرحمن الخطيب) دار اللباب.
حيث اقتصرت الدراستان على تحقيق النص، والتعليق عليه بذكر بعض المعاني اللغوية، وعوز بعض النصوص لكتبها فقط.
وفي التحقيق المقدم علقتُ بما يفيد القارئ، بجعله يستغني عن الكتب الأخرى في هذه المسألة.
هذا وقد خلصتُ بتوفيق الله - عز وجل - إلى جعل الدراسة الأولى التي تتعلق بالمخطوط في مبحثين وخمسة مطالب، والدراسة الثانية التي تخص ترجمة المؤلف في خمسة مباحث وعشرة مطالب، ثم حققت النص بكماله وتمامه، وذكرتُ خاتمة بفهرست جميع الآيات والأحاديث والأعلام والأماكن، ولله الحمد والمنَّة.
الدراسة الأولى: في المخطوط، وفيها:
فالمبحث الأول: دراسة المخطوط، وفيه مطلبان.
المطلب الأول: عنوان المخطوط، وسبب تأليفه، وصحة نسبته.
المطلب الثاني: في أهمية المخطوط، ومميزاته.
والمبحث الثاني: منهج المصنف ومصادر المخطوط والنسخ المعتمدة، وفيه ثلاثة مطالب.
المطلب الأول: في منهج المصنف.
والمطلب الثاني: في مصادر المخطوط.
والمطلب الثالث: في النسخ المعتمدة.
والدراسة الثانية: في ترجمة المؤلف، وفيها:
فالمبحث الأول: ترجمته ببيان عصره واسمه ونسبه ولقبه وكنيته، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: عصره.
المطلب الثاني: اسمه وكنيته ونسبه.
والمبحث الثاني: ولادته ونشأته ووظيفته ورحلته، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: ولادته ونشأته.
المطلب الثاني: وظيفته ورحلته.
والمبحث الثالث: شيوخه وسنده وتلامذته وثناء العلماء عليه ووفته، وفيه أربعة مطالب:
المطلب الأول: شيوخه.
المطلب الثاني: سنده الفقهي.
المطلب الثالث: تلامذته
المطلب الرابع: ثناء العلماء عليه ووفاته.
والمبحث الرابع: مؤلفاته ودرجته الفقهية، وفيه مطلبان:
المطلب الأول: مؤلفاته.
المطلب الثاني: درجته الفقهية.
وأسأل المولى أن يجعل هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم، ويتقبله مني ويجعله حجة لي يوم يساق أهل الشر إلى سقر، ويساق أهل الخير إلى ... {مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ} [القمر:55].
وما أرجوه من القارئ الكريم دعوة خالصة لي ولوالدي ولمشايخي.
والحمَّد لله رب العالمين
المنهج المتبع في التحقيق
في عملي في تحقيق «قهرُ المِلَّة الكُفريةِ بالأَدِلَّةِ المحمَّديَّةِ لتْخريبِ دَير المَحَلَّة الجَوَّانِيَّة»، سرت في منهجٍ يمكن بيانه في النقاط الآتية:
1 - جمعتُ أربعة نسخ مخطوطة وقابلتها، وأثبت الصحيح في الأعلى وسجلت غيره من الفروق في الهامش.
2 - خرَّجتُ الأحاديث بذكر رواته من الصحابة، والكتب التي خرّجته، وحكمه من حيث الصحة والضعف من قبل كبار المحدثين، وأتيت له بالشواهد التي تقويه إن كان فيه ضعف، وذكرت لفظ الحديث المذكور في كتب السنة إن ذكره الشارح بمعناه.
3 - ترجمتُ لما ورد من أعلام، بذكر اسمه ونسبه وكلمة لأحد العلماء فيه وبعض مؤلفاته، وولادته ووفاته.
4 - وثَّقتُ ما ورد من آيات بذكر السورة ورقم الآية، وتتمتها إن احتيج لذلك.
5 - أرجعتُ ما ورد فيه من النصوص إلى مظانِّها، مطبوعة كانت أو مخطوطة، فذكرت في الهامش اسم الكتاب، ونص العبارة كما هي.
6 - ضبطتُ ما يشكل من الكلمات بالشكل وكذا أواخرها؛ للإعانة على فهم العبارة.
7 - راعيتُ قواعد الإملاء الحديثة مع وضع علامات الترقيم المناسبة، وفصَّلتُ عباراته إلى مقاطع قصيرة على حسب ما يقتضيه المعنى.
8 - بيَّنتُ كثيراً من المعاني اللغوية من كتب اللغة، لربطها مع المعنى الفقهي، وتوضيح العبارة.
9 - خرجتُ من اختلاف النسخ بصيغة الصلاة على رسول الله بإثبات شكل الصلاة كالآتي «- صلى الله عليه وسلم -»، وكذا اختلاف النسخ بصيغة الترحم والترضي على من يذكر من الصحابة وعدمه، بذكر «(» بدون الإشارة إلى ذلك.
10 - أكثرتُ من الحواشي والتعليقات، لتكون عوناً للقارئ على توضيح كلام المصنف، والاستغناء في هذه المسألة عن الشروح الأخرى.
11 - ترجمتُ لما ورد من أسماء بلدان بذكر معنها اللغوي وموقعها ومكانتها قديماً، لتصور الحالة الاجتماعية التي كان يعيشها فقهاؤنا، وذكرت الحالة الحديثة واستعنت بذلك بـ «ويكيبيديا».
12 - ترجمتُ لأسماء الكتب التي وردت، في ذكر الاسم المعتمد والصحيح ومؤلفه، ونبذة يسيرة عن الكتاب، وبيان المخطوطات وتفاصيلها إن لم يطبع الكتاب.
13 - رمزتُ لكل نسخة بحرف، فالأولى (أ) والثانية (ب) والثالثة (ج) والرابعة (د).
14 - في حال الاختلاف بين النسخ في كلمة وضعت علامة الحاشية () عليها دون وضعها بين معكوفتين، وإن كان الاختلاف في كلمتين فأكثر، وضعت علامة الحاشية () على معكوفتين [].
15 - في حال وجود كلمات ساقطة من نسخة أو أكثر، أثبتُ في الحاشية «ساقطة من ب» مثلاً أو «ساقطة من أ، ب»، وفي حال سقوط الكلمة في أكثر الحواشي، أثبت في الحاشية «زيادة في د».
كتبه
أحْمَد عَبْدُ الْمُنْعِم عَبْدُ اللَّهِ رَيْحَان
ربيع الأول-1442هـ
10 - 2020م
الأردن-عمَّان
إهداء
إلى من يحمل معاني العزة والكرامة
إلى من عاش عزيزًا ومات كريمًا
إلى من ذاق ظلمة الجهل
وأدرك أن الخلاص منه بالعلم
الدراسة الأولى في المخطوط
المبحث الأول
دراسة المخطوط
المطلب الأول: عنوان المخطوط، وسبب تأليفه، وصحة نسبته للمصنف:
أولاً: عنوان المخطوط:
«قهرُ المِلَّة الكُفريةِ بالأَدِلَّةِ المحمَّديَّةِ لتْخريبِ دَير المَحَلَّة الجَوَّانِيَّة» (¬1)
ثانياً: سبب تأليفه:
ذكر الإمام الشُّرُنْبُلَالِيّ بداية المخطوط، فقال: «لمَّا وردَ سؤالٌ في شهر شعبانَ سنةَ ثلاثٍ وستِّينَ وألفٍ، هو: ما يقولُ مشايخُ الإسلامِ أدامَ اللهُ بهم نُصرةَ الدِّينِ، وأبقاهُم لنَفعِ العالمينَ، في حُكم بناءٍ، اتُّخِذَ دَيراً في مَحَلَّةٍ داخلَ بابِ النَّصرِ القاهرةِ المُعَزيَّة قريباً منه، بمَحَلَّةٍ تُدعَى الجَوَّانِيَّة».
فأراد بيان حكم بناء الكنائس في بلاد الإسلام، تحديداً في مصر القاهرة.
ثالثاً: صحة نسبته للمصنف:
ذكرت مصادر المخطوطات نسبتها للإمام الشُّرُنْبُلَالِيّ (¬2)، وفي كتبه تحديداً (¬3).
المطلب الثاني: في أهمية المخطوط، ومميزاته:
أولاً: أهمية المخطوط:
1 - ذكر فهرس مخطوطات خزانة التراث، ثمانية نسخ له (¬4)، وذكر فهارس آل البيت خمسة عشر نسخة له (¬5).
2 - كونها تبين عزة الإسلام وقوته، وكيفية التعامل مع الدول، بناءً على تعاليم الإسلام.
3 - كونها تُبين تأثير العلماء الربانيين في صلاح الدولة وإظهار قوتها، وسماع الحُكام لهم، والأخذ بتقريراتهم.
ثانياً: مميزات المخطوط:
1. الرجوع لكتب المذهب والاستدلال بها.
2. مدحه للأئمة والإطناب في ذلك.
¬
(¬1) في «سعادة أهل الإسلام» «1/ 19)، «اتحاف الأريب» (1/ 7): ذكر اسمها «قهرُ المِلّة الكُفريةِ بالأدِلةِ المحمّديّةِ».
وفي النسخ الأربعة التي نقلت النص عنها، ذكر الاسم كاملاً، باستثناء نسخة (ب): سقطت «دير».
(¬2) في «خزانة التراث» (39/ 854) و «فهرس مخطوطات المكتبة السليمانية» (4/ 407) و «الفهرس الشامل لسلسلة المصطفى» (1/ 10) و «فهرس آل البيت» (21/ 126) و «هدية العارفين» (1/ 239).
(¬3) في «سعادة أهل الإسلام» «1/ 19)، «اتحاف الأريب» (1/ 7).
(¬4) «خزانة التراث» (39/ 854)
(¬5) «فهارس آل البيت» (22/ 126)
3. ذكره التعليل للحكم.
4. أورد بعض الإشكالات ورد عليها.
5. الاستدلال بفعل الصحابة رضوان الله عليهم، لتقوية بيان الحكم.
المبحث الثاني
منهج المصنف ومصادر المخطوط
المطلب الأول: في منهج المصنف:
1. ذكر أسماء كتب المذهب التي نقل منها ومؤلفها، وهي خمسة، وإليك الشواهد:
• كتاب «الْهِدَايَة» ولم يذكر مؤلفه وهو الإمام الْمَرْغِينَانِيُّ بصفحة 79.
• كتاب «الْبَحْر الرَّائِق» للإمام ابْنُ نُجَيْمٍ، ذُكِر في صفحة 81.
• كتاب «فَتْح الْقَدِير» ولم يذكر مؤلفه وهو الإمام ابْنَ الْهُمَامِ، ذُكِر في صفحة 88.
• كتاب «فَتَاوَى قارئ الْهِدَايَة» للإمام سِرَاجُ الدِّينِ الْكِنَانِيَّ، ذُكِرَ في صفحة 94.
• كتاب «الكَنْز» للإمام أبو البركات النَّسَفيّ، ذُكِر في صفحة 95.
2. ذكر حديث واحد بلا تخريج، وهو: «لا كنيسة في دار الإسلام»، بصفحة 79.
3. ذكر ست آيات، وكانت بمثابة الاستئناس بها للحكم، لا الاستدلال.
4. لم يذكر آراء المخالفين.
5. استشهد بفعل الصحابة، والنص في صفحة 89 «واعلم أنَّ سفحَ الجبلِ المُقَطَّمِ وقَفَه أميرُ المؤمنينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، لدفنِ موتَى المسلمينَ، حين عرض عليه عَمْرو بن العَاص ما أراده المقوقس .... الخ».
6. أورد إشكالات ورد عليها، بنقله لنص فيها إشكال ورد أورده الإمام الْخَصَّافُ في كتابه أحكام الْأَوْقَاف، ونصه: «وقال الإمامُ الْخَصَّافُ أيضاً: قلتُ: أرأَيتَ الذِّمِّيَّ إذا وقفَ .... الخ»، في صفحة 73.
7. رجح مسألة عدم جواز بناء الكنائس بذكره: «وكل كتب المذهب»، كما في صفحة 77.
8. مدحه للأئمة داخل المذهب، كما ذكر في صفحة 66 «وليُّ الأمرِ شيخُ الإسلامِ قاضي القُضاةِ بمصر المحروسة، يَحْيَى أَفَنْدِي»، وفي صفحة 76 «العلَّامة الشيخُ قاسمُ بنُ قُطُلُوبُغَا الْحَنَفِيّ إمامُ الديارِ المصرية»، وفي صفحة 55 «شيخُ الإسلامِ ابْنُ نُجَيْمٍ»، وفي صفحة 92 «أفتى العلَّامة قاضي القضاة شيخ الإسلام ابنُ الشِّحْنَة، وفي صفحة 94 «قارئ «الْهِدَايَة» الشَّيخِ الإمامِ سِرَاجُ الدِّينِ شيخِ العلَّامة المحقِّق ابْنَ الْهُمَامِ».
9. ذكره التعليل للحكم، وإليك الشواهد:
• في صفحة 71: «فيهدم ذلك الدَير، لأنّ الدَير المَذكورَ آل لبيتِ المال المعمورِ؛ لأنَّ بانيَهُ إمَّا أن يكونَ شخصاً واحِداً معلوماً ... الخ».
• في صفحة 71: «ولا يُتلفُ البناءَ المذكورَ لهدمهِ؛ لأنَّه لا نفع فيه للمسلمين ... الخ».
• في صفحة 79: «لا تُحدَث كنيسةً في دارِ الإسلامِ؛ لأنَّ إحداثَها في دارِ الإسلامِ إزالةُ فُحوليَّةِ أهلِ دارِ الإسلامِ .... الخ».
• في صفحة 85: «وإذا اشتبَه المُحدَثُ بالقديمِ وجبَ هدمُهما جميعاً؛ لأنَّ هدمَ المُحدَثِ واجبٌ .... الخ».
• في صفحة 86: «فتكونُ منها القاهرةُ المعزيةُ؛ لأنَّها إسلامية، مصَّرها المسلمونَ، فتُمنعُ أهلُ الذِّمَّةِ من الاجتماعِ لصلاتِهم .... الخ».
• في صفحة 93: «أمَّا الوقفُ؛ فلأنَّه لا يكونُ عندَ الإمامِ الأعظمِ إلَّا في العقارِ، والبناء بالتَّبعيَّةِ له، ولا عقارَ هُنا؛ لأنَّ الأرضَ لم تُملَكْ؛ لأنَها فُتحت عَنْوَة .... الخ».
• في صفحة 100: «فوَضْعُ المساجد كالجامعِ الأزهرِ بهذهِ الأرضِ؛ لأنَّها للعامَّةِ .... الخ».
المطلب الثاني: النسخ المعتمدة:
اعتمدت في اخراج هذه المخطوطة على أربعة نسخ، وهي:
نسخة (أ):
وهي نسخة ضمتها المكتبة الأزهرية رقم (3580)، وتقع في (4) ورقات، وتحتوي كل صفحة على (23) سطراً، وهي بخط معتاد كبير مضبوط.
نسخة (ب):
وهي نسخة ضمتها المكتبة الأزهرية رقم (2347)، وتقع في (10) ورقات، وتحتوي كل صفحة على (12) سطراً، وهي بخط معتاد جيد مضبوط، مُيزت بعض الكلمات باللون الأحمر وبخط أكبر.
نسخة (ج):
وهي نسخة ضمتها الجامعة الأردنية رقم، وتقع في (3) ورقات، وتحتوي كل صفحة على (25) سطراً، وهي بخط صغير متعرج غير واضح.
نسخة (د):
وهي نسخة ضمتها جامعة الملك سعود رقم (495)، وتقع في (5) ورقات، وتحتوي كل صفحة على (25) سطراً، وهي بخط صغير لكنه واضح، وعلى الهامش بعض التصحيحات.
تَرْجَمةُ الإمَامِ
حسنُ بن عمَّار بن عليّ الشُّرُنْبُلَالِيّ
الحَنَفِيِّ
الدِّراسة الثَّانية
ترجمةُ المؤلِّف
الحمد لله رب العالمين، والصلاة السلام على النبي الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد:
فإنَّ هذه الترجمة المختصرة، تهذيب لكتاب «بدر الليالي في ترجمة الإمام الشُّرُنْبُلَالِيّ» لشيخنا الدكتور صلاح محمد أبو الحاج حفظه الله، الَّذي أدرجها في كتابه القيِّم «منَّة الفتَّاح على مراقي الفلاح شرح نور الإيضاح»، حيثُ هممتُ في ترجمة للإمام الشُّرُنْبُلَالِيّ، لكني تذكرتُ كتاب «بدر الليالي» فوجته جامع مانع، وفي الفوائد الجمَّة، والترتيب البديع، والإحاطة الكليَّة لترجمة المصنف رحمه الله، فاستقر الأمر بيَّ أن أهذب الكتاب بعدما استئذنت شيخنا الدكتور صلاح أبو الحاج في ذلك، فجزاه الله عنَّا كل خير.
فقمتُ بتهذيب الترجمة دون إخلال، وأعدتُ ترتيب الفصول والمباحث والمطالب، بما يتوافق مع التهذيب للكتاب، والله ولي التوفيق.
قال الدكتور صلاح في مقدمته على الترجمة: «إنَّ معرفة عصر المؤلف وأحواله من أسرته وتلامذته وشيوخه وكتبه وكلام العلماء عنه، تساعد في فهم علمه واختياراته واجتهاداته؛ لذلك كانت لنا رغبةٌ في كتابة ترجمة هذا الإمام العظيم، الذي انتشرت كتبه في الآفاق، وشاع صيته في البلاد.
لم أقف على من ترجم له ترجمة توفيه حقَّهُ، وتُبين مكانته، وتُنزله منزلته الكبيرة، فشمَّرتُ عن ساعد الجدِّ في القيام بهذا الواجب؛ لكبير فضله علينا لما انتهلنا من كتبه واستفدنا من علمه وخيرِه.
فجمعتُ عامة ما كُتب حوله من بطون الكتب، ونقَّحتُه ورتَّبتُه بما يسرُّ النَّاظرين، ويُسعدُ القارئين، ويُفرحُ الرَّاغبين بعلم هذا الإمام» (¬1) انتهى.
قلتُ: ترجمة الدكتور صلاح تجاوزت (250) صفحة، وفيها المعلومات التي تغنيك عن جميع الكتب التي ترجمت للإمام الشُّرُنْبُلَالِيّ، وهذا ما تعلمناه من شيخنا بأنْ نعطي الأئمة حقهم عند الترجمة لهم، وهذا أقل ما نقدمه من واجب تجاه علماء مذهبنا الحنيف، جمعنا الله وإياهم على النَّبي - صلى الله عليه وسلم -، إنَّه نعم المولى، واهب العطايا والخير الكثير.
المبحث الأول
الترجمة الشخصية للإمام الشُّرُنْبُلَالِيّ (
ببيان عصره واسمه ونَسَبه ولقبه وكنيته
المطلب الأول: عصر الإمام الشُّرُنْبُلَالِيّ (:
كانت مصر في زمنه تابعة للدولة العثمانية، وعاصر إمامنا مجموعة من السَّلاطين العثمانيين الذين كان لأحوالهم وأخبارهم أثرٌ على حياة المسلمين، وتفكير العلماء واتجاهاتهم، فإليك نبذةً من سلوكياتهم، يزداد بها وضوحًا زمن مترجمنا، ويُعرفُ منها أحدُ العناصر المؤثرة فيه:
الأول: السُّلطان مراد الثالث ابن سليم الثاني (¬2)، حكم (982 - 1003هـ/1574 - 1594م): اهتم بفنون العلم والأدب والشعر.
وكان يتقن اللغات الثلاث: التركية، والعربية، والفارسية.
وكان يميل إلى علم التصوف.
واشتهر بالتقوى واهتم بالعلماء (¬3).
الثاني: السُّلطان محمد خان الثالث: (1003 - 1012هـ):
¬
(¬1) «منة الفتاح» (ص13).
(¬2) سليم الثاني: تولّى الحكم في 9 ربيع الأول سنة 947 هـ، ولم يكن مؤهلًا لحفظ فتوحات والده السلطان سليمان.
(¬3) ينظر: «الدولة العثمانية» (292:1).
ولد عام 974هـ، كانت أمُّه إيطالية الأصل تسمَّى صفية (¬1).
ممَّا يُخَلِّد للسطان الغازي محمد الثالث الذكرَ، ويجعله رصيفًا لأجداده الأوائل؛ أنَّه لما تحقَّق أنَّ هذا الانحلال ناشئٌ عن تحجُّبه عن الأعمال وعدم قيادته الجيوش، برز بنفسه وتقلَّد المركز الذي كان تَرْك مراد الثالث وسليم الثاني له من دواعي تقهقر الدولة أمام أعدائها، فسار إلى بلغراد ومنها إلى ميدان الحرب والنزال.
وكان هذا السلطان عندما يسمع اسم نبينا - صلى الله عليه وسلم - يقوم إجلالًا واحترامًا لسيد الكائنات (¬2).
الثالث: السلطان أحمد الأول ابن محمد الثالث، حكم (1012 - 1026هـ/1603 - 1617م):
كانت أحوال الدولة مرتبكة جدًا؛ لانشغالها بحروب النمسا في أوروبا، وحرب إيران، والثورات الداخلية في آسيا.
وكان رحمه الله في غاية التقوى، وكان رجلًا مثابرًا على الطاعات
وكان يباشر أمور الدولة بنفسه، وكان متواضعًا في ملابسه، وكان كثير الاستشارة لأهل العلم والمعرفة والقيادة، وكان شديد الحب للنبي - صلى الله عليه وسلم -.
الرابع: السلطان مصطفى الأول:
تولَّى السلطة بعد وفاة أخيه عام (1026هـ)، ومنذ عهده ظهر جليًّا أن يدًا أجنبية كانت خلف تعيين وإزاحة الخلفاء، فهذا السلطان عزل بعد ثلاثة أشهر، وجيء بابن أخيه (عثمان الثاني) الذي لم يزد عمره على الثالثة عشرة (¬3).
الخامس: السلطان عثمان الثاني (1026 - 1031هـ/1617 - 1621م):
أعلن الجهاد على بولونيا لتدخلها في شؤون إمارة البلغدان، وتم الصلح بين الطرفين عام (1029هـ)، بناء على طلب بولونيا.
كان عالمًا فاضلًا شجاعًا مطاعًا شريفًا، يدور بالسيف والسنان، ويحمي بطوقه وطوعه بيضة الإسلام والإيمان (¬4).
السادس: مراد الرابع (1032 - 1049/ 1622 - 1639م):
¬
(¬1) ينظر: «الدولة العثمانية» (295:1).
(¬2) ينظر: «الدولة العثمانية» (295:1).
(¬3) ينظر: «الدولة العثمانية» (304:1).
(¬4) ينظر: «سمط النجوم العوالي» (117:4).
تولَّى أمر السلطنه بعد عزل عمه مصطفى الأول عام (1032هـ)، وهو أخو عثمان الثاني، وكانت أحوال الدولة سيئة للغاية، فقام بإصلاح الأحوال الداخلية، فبدأ بالقضاء على طغاة العسكر الذين قتلوا أخاه.
ومنع في عهده الخمر والتدخين، وكان عاقلًا شجاعًا ثاقب الرأي، استأصل الفساد وقمع العُصاة، ولُقِّب بـ (مؤسس الدولة الثاني)؛ لأنَّه أحياه بعد السقوط (¬1).
السابع: السلطان إبراهيم بن أحمد (1049 - 1058هـ): كانت الأحوال الداخلية شبه مستقرة بسبب إصلاحات أخيه نحو الانكشارية، وتجديد الجيش (¬2).
الثامن: السلطان محمد الرابع (1051 - 1104هـ/1642 - 1692م):
حاولت فرنسا التقرب من الدولة العثمانية في عهده، لكنَّه رفض ذلك، وللسلطان فتوحات لا تحصى، ومغازي لا تُستقصى (¬3).
المطلب الثاني: اسمه وكنيته ونسبه (:
أولًا: اسمه:
هو: حسنُ بن عمَّار بن عليّ.
وهذا ما اتفق عليه المترجمون (¬4) وشذَّ عنهم البغدادي (¬5)؛ فجعل اسم جدَّه يوسف، وهذا بعيدٌ عن الصَّواب؛ لأنَّ هذا الاسم ذكره إمامنا الشُّرُنْبُلَالِيّ لنفسه في مقدمة مؤلفاته، ومنها ديباجة «المراقي».
ثانيًا: كنيته:
أبو الإخلاص، وهي ما توافقت عليه كتب ترجمته (¬6)، وشذَّ سركيس (¬7)، فأضاف له كنية أُخرى، وهي: أبو البركات، ولم يجعلها المؤلف لنفسه، وإنَّما اقتصر على أبي الإخلاص.
ثالثًا: نسبته:
وهي: الشُّرُنْبُلَالِيّ، المصري، الوفائي، الحنفي، وتفصيل الكلام كالآتي:
¬
(¬1) ينظر: «الدولة العثمانية» (305:1 - 306).
(¬2) ينظر: «الدولة العثمانية» (307:1 - 308).
(¬3) ينظر: «سمط النجوم العوالي» (121:4).
(¬4) ينظر: «خلاصة الأثر» (38:2)، و «تاريخ عجائب الآثار» (135:1)، و «الأعلام» (207:2)، و «معجم المطبوعات» (1118:2)، وغيرهم.
(¬5) ينظر: «هدية العارفين» (292:1).
(¬6) ينظر: «هدية العارفين» (292:2)، و «معجم المؤلفين» (265:3).
(¬7) «معجم المطبوعات العربية» (1118:2).
الأولى: الشُّرُنْبُلَالِيّ:
الشُّرُنْبُلَالِيّ؛ بضم الشين والراء، وسكون النون وضم الباء الموحدة، ثم لام ألف وبعدها لام: ينسب إلى «شبرا بلولة»، وهي على غير القياس، والأصل «شبْرًا بلولى» نسبة لبلدة تجاه منوف العليا بإقليم المنوفية بسواد مصر (¬1).
الثانية: المصري:
نسبة لمصر، وهي بلد المولد والنشأة والتدريس؛ إذ ولد ببلدة المنوفية، ونشأ في القاهرة، ودرَّس بالأزهر، فنسبتُه لها نسبة كاملة لقضاء كلِّ حياته بها، فتأثر بثقافتها في علمه وسلوكه، وأثَّر في ثقافتها بعلمه وسبيله، فنعم البلد، فرَّج الله كربها.
الثالثة: الحنفيُّ:
وهذه النسبة لمذهب فقهي عند جميع علمائنا السابقين هي نسبة تخصُّص في علم؛ لأنَّ علم الفقه من أوسع العلوم عل ى الإطلاق، وفي كلِّ
علم مناهج وطرق ومذاهب في تعلُّمه، وإلَّا لم يكن علمًا، فما لم يكن اختلافًا لم يكن علمًا؛ لأنَّه حينئذ سيكون أمورًا مسلَّمة يعرفها الخاص والعام.
وبالتالي من أراد التخصص بعلم فعليه أن يسلك أحد طرق ومذاهب أهله؛ ليتمكن فيه ويضبطه، وهذا مُسلَّم عند أهل العلوم والاختصاص، وكذا الحال في علم الفقه، فمن أراد دراسته وضبطه؛ لا بد له من سبيل أهله بسلوك أحد الطرق الموصلة له بدراسته من خلال مذهب من المذاهب الفقهية المقرَّرة المؤسَّسة على قواعد علميَّة في الأصول والفروع، وإلَّا فإنَّه لن يعدَّ عالمًا في علم الفقه؛ لأنَّه يدَّعي علمًا لم يراعِ قواعده الأولية، ولم يدرسه دراسة منهجية، فكيف سيكون من أهله إلَّا من جهة العواطف والوعظ.
الرابعة: الوفائي:
¬
(¬1) «خلاصة الأثر» (39:2)، و «مختصر فتح رب الأرباب» (31:1)، و «الضوء اللامع» (209:11).
من الوفائية: وهي إحدى طرق التربية الصوفية، نسبة لسيدي علي وفا بن سيدي محمد وفا طريقةً، وهي شعبةٌ من الشاذليَّة (¬1)، وكان للإمام الشُّرُنْبُلَالِيّ في علم القوم-أي التصوف- باعٌ طويل، وكان معتقدًا للصَّالحين (¬2).
المبحث الثاني
ولادته ونشأته ووظيفته ورحلته (
المطلب الأول: ولادته ونشأته (:
ولد عالمنا بـ «شبرا بلولة» كم سبق سنة (994هـ-1585م)، فعاش فيها أيام طفولته فحسب، ثم نقله والده من «شبرا بلولة» إلى القاهرة، وعمره ما يقرب من ستّ سنين، فحفظ القرآن، كما هو المعتاد عند أهل ذلك الزمان، وبدأ بطلب العلم والاشتغال بالعلم من صغره، فكانت نشأته بمصر (¬3).
والبيئة العلمية لها أثرٌ بليغ في التكوين العلمي لدى الطالب، وهذا ما توافر لإمامنا بانتقاله للقاهرة؛ إذ معلومٌ أنَّ القاهرة كانت حاضرةً للعلم، ففيها الأزهر منارة الشرق ومنبع الخيرات، ومحطُّ نظر الطلبة، فكانت فرصة سانحة لمترجمنا أن يلتقي بأكبار فحول علماء زمانه ويصحبهم ويلازمهم ويطلب العلم على أيديهم.
ويلاحظ في زماننا ضعف العلم الشرعي؛ لضعف البيئة العلمية المحفزَّة له، سائلين المولى أن يغيِّر الحال إلى أحسن منه.
المطلب الثَّاني: وظيفته ورحلته (:
الأوَّل: وظيفتُه:
توافقت عامَّة الكتب التي ترجمت له على أنَّه درَّس بالأزهر، وتعيَّن بالقاهرة (¬4).
الثاني: رحلتُه:
ذكر المحبِّي: «قَدِمَ المسجد الأقصى في سنة خمس وثلاثين وألف، صحبه الأستاذ أبي الإسعاد يوسف بن وفا، وكان خصيصًا به في حياته» (¬5).
المبحث الثالث
شيوخه وسنده وتلامذته وثناء العلماء عليه ووفاته (
المطلب الأول: شيوخه (:
¬
(¬1) «مختصر فتح رب الأرباب» (66:1).
(¬2) «خلاصة الأثر» (39:2).
(¬3) «خلاصة الأثر» (39:2)، و «موسوعة الأعلام» (303:1)، و «الأعلام» (207:2).
(¬4) «خلاصة الأثر» (39:2)، و «موسوعة الأعلام» (303:1).
(¬5) «خلاصة الأثر» (39:2).
من أهم العوامل في كمال الطلبة هو الدراسة على أيدي الكَمَلة من العظام الكبار، ويقدر مكانة الأُستاذ ترتقي مكانة الطلاب؛ لذا يُعرف الطالب بأستاذه.
وإليك تعريف ببعض من درس عليهم.
الأول: الشيخ العلَّامة أحمد بن محمد بن أحمد بن يونس المسعودي، الشهير بـ (الشلبي المصري): الفقيه الحنفي، الإمام المحدث، رأس فقهاء زمنه ومحدِّثيه، وله سهمٌ عال في الفقه والفرائض، وكان سريع الفهم، وافر الاطلاع، أخذ عنه الشيخ حسن الشُّرُنْبُلَالِيّ، (ت1020هـ) (¬1).
الثاني: الشيخ العلَّامة عبد الرحمن المسيري: كان رئيس الحنفية في زمانه، المعروف بابن الذئب (¬2).
الثالث: الشيخ العلَّامة عبد الله النحريري، عالم الأزهر.
قال المحبِّي: «تفقَّه على الإمام النحريري، وسنده في الفقه عنه» (¬3).
الرابع: الشيخ العلَّامة علي بن غانم بن علي المقدسي الأصل، الخزرجي السعدي العبَّادي، القاهري الحنفي، نور الدين.
قال المحبِّي: «العالم الكبير الحجة الرحلة القدوة، رأس الحنفية في عصره، وإمام أئمة الدهر، ..... وسند الشُّرُنْبُلَالِيّ في الفقه عن الشيخ الإمام علي بن غانم مشهور مستفيض» (¬4).
لكن تاريخ وفاة المقدسي هو (1004هـ)، وتاريخ ولادة الشُّرُنْبُلَالِيّ هو (994هـ)، كما سبق، حيث كان عمره (10) سنوات عند موت المقدسي.
وأيضًا: قول الشُّرُنْبُلَالِيّ في «التحقيقات السنيَّة» عند الرسالة الرابعة والثلاثين: «لشيخ أستاذي العلامة علي المقدسي»، فهذا بيانٌ أن المقدسي هو شيخ شيوخه، وليس شيخًا له، والله أعلم (¬5).
الخامس: الشيخ العلَّامة محمد بن محمد بن يوسف الحموي، الأصل الدمشقي المولد، الميداني الشافعي، شمس الدين.
¬
(¬1) «خلاصة الأثر» (283:1).
(¬2) «خلاصة الأثر» (198:1)، «ترويح الجنان بحكم شرب الدخان» (ص14).
(¬3) «خلاصة الأثر» (38:2).
(¬4) «خلاصة الأثر» (38:2).
(¬5) «منة الفتاح» (38:1).
عالم الشام ومحدِّثُها، وصدرُ علمئها، الحافظ المتقن، كان بديع التقرير، متين التحقيق، غايًة في دقَّةِ النَّظر وكمال التدقيق، حافظًا ضابطًا، ذا ذهن ثاقب، وقريحةٍ وقادة، وسرعة فهم ونظرٍ مستقيم.
قال المحبِّي: «قرأ في صباه على الشَّيخ الحَمويّ، توفي 1033هـ» (¬1).
السادس: الشيخ العلَّامة محمد بن منصور بن إبراهيم المحبي المصري الحنفي، شمس الدين.
شيخ الإسلام، وأجلُّ علماء الحنفية الكبار في المذهب والخلاف، وكان يغلب عليه التغفل والصَّلاح.
السابع: الشيخ العلَّامة يحيى بن عمر العلائي الرومي، الشهير بـ (مِنْقاري زاده)، شيخ الإسلام.
علاَّمة العلماء، صاحب التقرير والتحرير، أستاذ الشُّرُنْبُلَالِيّ (¬2).
المطلب الثاني: سندُه في الفقه (:
طالما أنَّ مقامنا في مقالنا الحديثُ عن شيوخه؛ فيحسن بنا ذكر سنده في الفقه إلى الإمام الأعظم أبي حنيفة.
ونصُّ إجازة مترجمنا بيَّنها ابنه، ونصُّها كالآتي:
«الحمد لله الذي أنعم على عبده بتوفيقه، وأرشدَه إلى سواء طريقه، وأذاقه حلاوة التفقُّه في دينه وتمام تحقيقه.
وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، المنعم بلطائف الإنعام وعظيمه ودقيقه، وأشهد أنَّ سيِّدنا محمَّدًا عبدُه ورسولُه، الهادي إلى الخير الكامل، والجبر الشامل، فأصبح كلُّ أحد مغمورًا في بحر فضله وجودِه، محفوظًا من كيدِ الشيطان وجنودِه وتعويقه، وعلى آله الأطهار وصحابته الأخيار.
وبعد:
¬
(¬1) «خلاصة الأثر» (38:2).
(¬2) «خلاصة الأثر» (38:2)، و «فيض الباري» (104:4).
فقد حضر لدي الولد النجيب، الموفق اللبيب، الفطن الماهر، الذكي الباهر، سليل العلماء الأعلام، نتيجة الفضلاء العظام، نور الدين حسن بن برهان الدين إبراهيم ابن العلَّامة مفتي المسلمين وإمام المحققين الشيخ حسن الجبرتي الحنفي، رحم الله أسلافه وبارك فيه، وقرأ عليَّ متن «نور الإيضاح» من أوله إلى آخره، تأليف والدي، المندرج إلى رحمة الله تعالى، سيدي وسندي الإمام العلَّامة الشيخ حسن بن عمَّار الشُّرُنْبُلَالِيّ، وأجزته أن يروي ذلك عنِّي وجميع ما يجوز لي روايتُه إجازةً عامَّةً كما أجازني به وبفقه أبي حنيفة النعمان رضي الله عنه.
كما تلقى ذلك هو عن الشيخ عليِّ المقدسي شارح «نظم الكنز».
عن العلَّامة الشَّلبي شارح «الكنز».
عن القاضي عبد البر ابن الشحنة.
عن المحقق الكمال بن الهمام.
عن سراج الدين قارئ «الهداية».
عن علاء الدين السيرامي.
عن السيد جلال الدين شارح «الهداية».
عن علاء الدين بن عبد العزيز البخاري.
عن حافظ الدين صاحب «الكنز».
عن شمس الأئمة الكردري.
عن برهان الدين صاحب «الهداية».
عن فخر الإسلام البَزْدوي.
عن شمس الأئمة السَّرخسيّ.
عن شمس الأئمة الحَلواني.
عن القاضي ابن عليّ النسفيّ.
عن الإمام محمد بن الفضل البخاري.
عن عبد الله السبذموني.
عن الأمير عبد الله بن أبي حفص البخاري.
عن أبيه المذكور.
عن الإمام محمد بن الحسن الشيباني.
عن الإمام أبي يوسف.
عن الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان بن ثابت (.
عن إبراهيم النخعي.
عن الإمام علقمة.
عن عبد الله بن مسعود (.
عن النَّبي - صلى الله عليه وسلم -، عن أمين الوحي جبريل (، عن الله (.
وأوصي الولد الأعز بالتقوى ومراقبة الله في السرِّ والنجوى، والله تعالى يوفِّقه وينفه به وبعلومه، ويهدينا وإيَّاه لما كان عليه السلف الصَّالح في أساس الدين ورسومه.
قال ذلك الفقير إلى الله تعالى: حسن بن حين الشُّرُنْبُلَالِيّ الحنفي في ثالث ربيع الأول من سنة (1223هـ) (¬1).
وليس ذكرنا لإجازته يدلُّ على أنَّ الإجازات غايات، وإنَّما هي علامات تدلُّ على علم الرجل إن درس على الشيوخ الكرام، فهي اعتراف منهم له بالعلم والمعرفة والخير والصَّلاح، ولا ينبغي للطَّالب الجاد الصَّادق أن يعتني بها، بل يصرف نفسه وهمَّه لتكوين ملكة علميةٍ قويةٍ في العلم، ثمَّ ييسر الله له إجازة تكون شهادة على علمه (¬2).
المطلب الثالث: تلامذته (:
إنَّ النَّاظر في كتب التراجم والتاريخ في ومن المؤلف يلاحظ المكانة الرفيعة التي حصَّلها، والدرجة العالية التي وصل إليها، فالنسبة إليه مكرمةٌ، والدراسة عليه محسنةٌ، فهو من محاسن ذلك الزمان.
والمترجمون يسارعون بتعريف الآخرين به، دلالةً على علوِّ مقامه وحسنِ حاله ودقَّة علمهِ، ولذلك قال المحبِّي: «اشتغل عليه خلق كثير وانتفعوا به» (¬3).
ومن هؤلاء العظام الذين تلقوا العلم عليه:
الأول: الشيخ العلَّامة أحمد بن محمد المكِّيُّ الحُسَيْنِيُّ الحمويِّ المصري الحنفي، شهاب الدين.
من مؤلفاته: «غمز عيون الأبصار على محاسن الأشباه والنظائر»، و «العقود الحسان في مذهب النعمان»، وبلغت مؤلفاته (44) مؤلفًا.
قال المحبِّي: «انتفع به السيد السند أحمد الحموي من المصريين» (¬4).
الثاني: الشيخ العلَّامة أحمد بن أحمد بن محمد الشافعي الوفائي المصري، المعروف بالعجمي، شهاب الدين، الإمام المفنَّن اللوذعي.
كان من أجلَّاء علماء مصر، له الفضل الباهر، والحافظة القوية، والذهن الثاقب، وكان صدوقًا، حَسَن العشرة.
من مؤلفاته: «شرح ثلاثيات البخاري» و «رسالة في الآثار النبوية» (¬5).
¬
(¬1) ينظر: «تاريخ عجائب الآثار» (446:1).
(¬2) «منَّة الفتَّاح» (44:1).
(¬3) «خلاصة الأثر» (38:2).
(¬4) «المصدر السابق».
(¬5) «منَّة الفتَّاح» (44:1).
الثالث: الشيخ العلَّامة إسماعيل بن عبد الغني بن إسماعيل النابلسي الأصل، الدمشقي المولد، العلَّامة الفقيه الحنفي.
قال أبو المواهب: «كان إمامًا فقيهًا مفسرًا محدثًا، نبيهًا متيقظًا، حافظًا فطنًا ذكيًا، أديبًا مربيًا، يحفظ التفسير ويمليه إملاء من حفظه من غير كراسة، محررًا مدققًا له المعرفة بالتاريخ والأدب، وله كثرة المودة والصحبة الأكيدة، ومن مصنفاته: «الإحكام شرح الدرر»، وبعد أن كان شافعيًا عدل إلى مذهب أبي حنيفة (¬1).
الرابع: الشيخ العلَّامة حسن بن علي بن محمد بن عبد الرحمن الجبرتي الحنفي.
الخامس: الشيخ العلَّامة شاهين بن منصور بن عامر الأرمناوي الحنفي.
السادس: الشيخ العلَّامة صالح بن عليِّ الصَّفدي الحنفي، مفتي الحنفية بصفد.
السابع: الشيخ العلَّامة عبد الباقي بن عبد الرحمن بن علي الخزرجي المقدسي المصري.
الثامن: الشيخ العلَّامة عبد الحي بن عبد الحق بن عبد الشافي الشُّرُنْبُلَالِيّ الحنفي.
التاسع: الشيخ العلَّامة عبد الرحيم بن أبي اللطف بن إسحاق الحسيني الحنفي المقدسي.
العاشر: الشيخ العلَّامة فخر الدين بن زكريا بن إبراهيم المقدسي، المعروف بـ (المعري الحنفي) (¬2).
المطلب الرابع: ثناء العلماء عليه ووفاته (:
بلغ إمامنا مقامًا مرموقًا، فكان من أفراد الزَّمان الذين يهبهم الله تعالى لأمتِّه لحفظ دينها، قال المحبِّي: «كان من أعيان الفقهاء وفضلاء عصره، ومن سار ذكره، فانتشر أمره، وهو أحسن المتأخرين ملكة في الفقه، وأعرفهم بنصوصه وقواعده، وأنداهم قلمًا في التحرير والتصنيف، وكان المعول عليه في الفتاوى في عصره، وتقدم عند أرباب الدولة» (¬3).
¬
(¬1) «مشيخة أبي المواهب» (9:1).
(¬2) من أراد ترجمة هذه الأعلام الزكيَّة، يراجع كتاب «منة الفتاح» (44:1 - 51).
(¬3) «خلاصة الأثر» (38:2).
وقال المحبِّي أيضًا: «واجتمع به والدي المرحوم في متصرفه إلى مصر وذكره في رحلته فقال في حقه: والشيخ العمدة الحسن الشُّرُنْبُلَالِيّ مصباح الأزهر وكوكبه المنير المتلالي ... إليه عمدة أرباب الخلاف، وعدة أصحاب الإختلاف، صاحب خلق حسن وفصاحة ولسن وكان أحسن فقهاء زمانه» (¬1)، ووصفه الجبرتي: «شيخ الجماعة»، ووصفه أبو الفضل: «صاحب التأليف» (¬2) توفي يوم الجمعة، بمصر سنة (1069هـ=1659م) (¬3)
المبحث الرابع
مؤلفاته ودرجته الفقهية (
المطلب الأول: مؤلفاته (:
المصنفات أبرز علامات علم العالم، المرشدة إليه، فهي تظهر ملكته العلمية، وتبين قبول الله له، وتخبر عن المنهج الذي سار عليه، ومقدار التحقيق الذي وصل إليه، وكتبه شملت عدة أنواع من التصنانيف، وهي:
1. المتون؛ وله «نور الإيضاح»، و «مراقي السعادات».
2. النظم؛ وله «در الكنوز».
3. الشروح؛ وله «إمداد الفتاح»، و «مراقي الفلاح».
4. الحواشي؛ وله «حاشيته على الدرر».
5. الاختصار؛ وله «تيسير المقاصد شرح الفرائد».
6. الرسائل؛ وله ما زاد على ستين رسالة، ضمَّنها «التحقيقات القدسية» إجمالًا (¬4)
سأقتصر في هذه الترجمة على ذكر أسماء كتب الإمام الشُّرُنْبُلَالِيّ، ومن أراد التوسع في ترجمتها، سيجدها في كتاب «منة الفتاح» (ص56) إلى (ص136) للدكتور صلاح أبو الحاج حفظه الله، فقد ترجم لجميع كتب عالمنا ورسائله، نفعنا الله بهذا الجهد المبارك، وأسأل الله أن يتقبل هذا العمل العظيم الذي يسهم في خدمة دينه.
ومن كتبه:
1. نور الإيضاح ونجاة الأرواح.
2. مراقي الفلاح بإمداد الفتاح شرح نور الإيضاح ونجاة الأرواح.
3. إمداد الفتاح شرح نور الإيضاح ونجاة الأرواح.
4. غنية ذوي الأحكام في بغية درر الحكام.
¬
(¬1) «المصدر السابق».
(¬2) «سلك الدرر» (42:2)، و «تاريخ عجائب الآثار» (135:1).
(¬3) «خلاصة الأثر» (39:2)، و «هدية العارفين» (292:1)، و «الأعلام» (303:1).
(¬4) «منة الفتاح» (54:1).
5. مراقي السعادات في التوحيد والعبادات.
6. تيسير المقاصد شرح نظم الفوائد.
7. حاشية على الأشباه والنظائر.
ومن رسائله (:
1. الابتسام بأحكام الإفحام ونشق نسيم الشام.
2. اتحاف الاريب بجواز استنابة الخطيب.
3. إتحاف ذوى الاتقان بحكم الرهان
4. الاثر المحمود لقهر ذوى العهود الجحود.
5. أحسن الأقوال للتخلص من محظور الفعال.
6. الأحكام الملخصة في حكم ماء الحمصة.
7. إرشاد الأعلام لرتبة الحدة وذوى الأرحام في تزويج الأيتام.
8. الاستفادة من كتاب الشهادة.
9. إسعاد آل عثمان المكرم ببناء بيت الله المحرم.
10. إصابة الغرض الاهم في العتق المبهم.
11. إكرام أولى الألباب بشريف الخطاب.
12. الدر الثمين في اليمين: حققتها وعقلت عليها بما يخدم القارئ ويعينه على فهمها، ولله الحمد.
13. قهر الملة الكفرية بالأدلة المحمدية لتخريب دير المحلة الجوانية: وهي الرسالة التي بين يديك.
المطلب الثاني: درجة الإمام الشُّرُنْبُلَالِيّ (الفقهية:
وبعد كل هذا التفصيل يمكن التكلم عن درجة الإمام الشُّرُنْبُلَالِيّ في الاجتهاد، إذ لو نظرنا لطبقات المجتهدين المعروفة يتبين أنَّه عاش في طور المجتهدين في المذهب، فهو إذن من طبقة المجتهدين المتأخرين في المذهب بلا شك ولا ريب، وهذا أمر واضح، بناء على التقسيم الزمنيّ المعروف.
وإن ما نحتاج إلى مناقشته وتحقيقه هو مقدار الاجتهاد الذي حققه في المذهب، وذلك بالنظر إلى القدر الذي حصله من الوظائف الخمس للمجتهدين في المذهب.
ونستطيع أن نتوصل إلى درجة اجتهاده بتطبيق وظائف المجتهدين فكل وظيفة فيها درجات عديدة ومتفاوتة بين العلماء في مقدار تحصيلها، بُينت في كتاب «منة الفتاح» (ص145) إلى (ص161).
وذكر أيضًا في «منة الفتاح» اختيارات الشُّرُنْبُلَالِيّ في «نور الإيضاح» حيث بلغت سبعة وعشرين مسألة، وكذلك في كتاب «المراقي» بست وعشرين مسألة، وهذا يدل على اجتهاده وتبحره في المذهب.
خلاصة الترجمة:
1. اسم مترجمنا حسن بن عمَّار الشُّرُنْبُلَالِيّ، وكنيته أبو الإخلاص.
2. المصادر التي تحدثت عن نشأته وطبيعة البيئة التي عاشها كثيرة.
3. عدد مؤلفاته (7) كتب، ورسائله (67) رسالة متنوعة.
4. هو من المجتهدين المتأخرين في المذهب.
5. أكثر ما يميز نتاجه العلمي، كتابه «نور الإيضاح»، و «مراقي الفلاح».
6. كان ورعًا تقيًّا عفيفًا، جمع بين السلوك القويم والعلم السليم، والمهابة الشخصية، فكون ملكة فقهية فذة، وهيبة جلية لورعه وتواضعه فساعده على رسوخ اسمه في المذهب الأعظم.
7. كان له اهتمام كبير في الفقه، ولم يغفل جانب التأليف والتحقيق كما رأينا في مؤلفاته.
8. ثناء من بعده عليه، دليل له على رسوخه في العلم، وانتشار كتبه إلى يومنا هذا، دليل على قَبول الله له.
9. الناظر لمؤلفاته المتنوعة وترجمتها، تكشف له عن عقلية ضابطة للقواعد والأصول، منشغًلا بالفقه، فهو عالم موسوعي.
النص المحقق
بسم الله الرحمن الرحيم
وبهِ نستعينُ (¬1)
¬
(¬1) «ساقطة من ب»، وفي (د) «وبه ثقتي».
الحمدُ لله (¬1) الذي أعزَّ الإسلام وأهلَه، وأذلَّ الكفر وبدَّدَ (¬2) شملَه (¬3)، ورفعَ منارَ (¬4) الدِّينِ المَتين (¬5)، وهدمَ ركنَ الكفرِ المَهين (¬6)، [واصطفى من خيارِ عبادِه حُكَّاماً، واقتضتْ حكمتَه الباهرةُ أن أوجدَ الآنَ منهم حاكِماً هُماماً .....
زاكياً راحماً، خاشعاً عابداً علَّاماً، به صار كلٌّ من الدِّينِ الحَنيفيِّ والمذهبُ الْحَنَفِيّ، والشَّرعِ الشَّريفِ، موصوفاً بأنَّه كاسمِه الشَّريف يحيَى دواماً لما أنَّه أعرض عمَّا عُرضَ من العَرض الفاني من ذوي الزَّيغِ (¬7) والضَّلال (¬8) والمَرضِ، زادهُم الله مرضاً، وأعدَّ لهم جهنَّم خُلوداً أَماما، لا يخففُ عنهم من عذابها لتبديلِهم جلوداً وأجساماً.
¬
(¬1) (الحمد) ضد الذم وبابه فهم و (محمدة) بوزن متربة فهو (حميد) و (محمود)، والحمد أعم من الشكر، ينظر: «مختار الصحاح» (1/ 80) و «لسان العرب» (3/ 155) والحمدلة: حكاية قولك: الحمد لله «القاموس المحيط» (1/ 987).
(¬2) قال ابن منظور: «التبديد: التفريق؛ يقال: شمل مبدد. وبدد الشيء فتبدد: فرقه فتفرق. وتبدد القوم إذا تفرقوا» «لسان العرب» (10/ 398).
(¬3) «فرق الله شمله أي ما اجتمع من أمره» ينظر: «لسان العرب» (11/ 370) و «مختار الصحاح» (1/ 169).
(¬4) «أي العلامة، عن أبي هريرة، رضي الله عنه: إن للإسلام صوى ومنارا أي علامات وشرائع يعرف بها» ينظر: «لسان العرب». (5/ 241) و «تاج العروس» (14/ 304).
(¬5) الصلب الشديد. ينظر: «لسان العرب» (11/ 137) و «الكليات» (1/ 880).
(¬6) «والفتح على المفعول من المهانة والحقارة، وهو مهين أي حقير»، ينظر «لسان العرب» (14/ 149).
(¬7) وهو «الميلُ عن الصوابِ في الفهم»، ينظر: «لسان العرب» (8/ 432).
(¬8) وهو «الضلال والضلالة: ضد الهدى والرشاد، هو العُدول عن الطريق المستقيم، ينظر: «لسان العرب» (11/ 390) و «تاج العروس» (29/ 343).
لقد زكَّي عِرضَه الشَّريفَ وصانَ عمَّا لغيره قد دُنِّسَ وشانَ، فمدَّ بعزمه الشَّديدِ ساعده، وأمدَّه اللهُ سبحانَه وبمولانا الوزيرِ وساعده، فكشَفَ بنفسِه عن فظيع أمرٍ حدثَ من ذوي الكُفرِ ومسَّه.
ليُزيلَ ما حلَّ بذلك المَحلِّ من رجسِه، ويطهِّرَه دائماً بإقامة شعائرِ الدِّين طهارةَ قدسه، بمسجدٍ يَعمُرُ فيطيبُ بفوحِ أُنسِه، بدلاً عن دَير حدثَ رجساً بأقبحِ خبثِه.
فكان منه فتحاً عمريَّاً (¬1)؛ كفتح المسجدِ الأقصى فتحاً زكيَّاً، لم يتقدَّمْ إليه حاكمٌ فيما تقدَّمَ، ولم يطمحْ خاطرَه الذكيُّ ليُصغى لعاذلٍ فلا يندمُ؛ لأنَّه اختار الباقيَ لنُصرةِ الدِّين الأقوم، وأعرضَ فترك الفانيَ اختياراً للأعظم.
بلَّغه الله من فضله الأكرمِ، ما ترجَّاهُ ووقَاهُ ورقَّاهُ إلى أَعالي المَراتبِ مصحُوباً بالأُنس المُجسَّم] (¬2)
والصَّلاةُ والسَّلامُ على سيّدنا محمَّدٍ المصطفى المُكرَّم - صلى الله عليه وسلم -، فاتحِ مكَّة المشرَّفة (¬3)،
¬
(¬1) العهدة العمرية: «هي كتاب كتبه الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه لأهل القدس عندما فتحها المسلمون عام 638 للميلاد، أمنهم فيها على كنائسهم وممتلكاتهم.
ينظر: «تاريخ الخلفاء الراشدين» (1/ 273)، «ويكيبيديا».
(¬2) «زيادة من د».
(¬3) سبب تسمية مكة بهذا الاسم: «قال أبو بكر بن الأنباري: سمِّيت مكة لأنها تمك الجبارين أي تذهب نخوتهم، ويقال إنما سُمِّيت مكة لازدحام الناس بها ويقال: مكة اسم المدينة وبكة اسم البيت ... ». «معجم البلدان» (5/ 181).
=فتح مكة: قال الزهري: «غزا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غزوة الفتح -فتح مكة -فخرج من المدينة في رمضان ومعه من المسلمين عشرة آلاف، وذلك على رأس ثماني سنين ونصف سنة من مقدمه المدينة، وافتتح مكة لثلاث عشرة بقين من رمضان،». «شذرات الذهب» (1/ 127)
ونذكر بيان بعض مظاهر العزة للمسلمين، كما ذكرها صاحب «البداية والنهاية»: «وفي «صحيح مسلم» عن أبي هريرة في حديث فتح مكة قال: وأقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى أقبل إلى الحجر فاستلمه، وطاف بالبيت، وأتى إلى صنم إلى جنب البيت كانوا يعبدونه، وفي يد رسول - صلى الله عليه وسلم - قوس، وهو آخذ بسيتها، فلما أتى على الصنم، جعل يطعن في عينه ويقول: «جاء الحق وزهق الباطل، إن الباطل كان زهوقا» فلما فرغ من طوافه أتى الصفا، فعلا عليه، حتى نظر إلى البيت، فرفع يديه وجعل يحمد الله ويدعو بما شاء أن يدعو» «البداية والنهاية» (6/ 572).
مُطَّهرِ البيتِ المحرَّمِ، وعلى آلِه الذين بذلُوا أموالَهم ونُفُوسَهم لنُصرةِ دينِ الله، فنُصروا لمَّا نَصَروا اللهَ وعبادَه، لقد أحسنوا فأعدَّ لهم الحُسنى
وزيادة، ما تُليَ قولُه تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت:69].
وبعدُ: فيقولُ [الراجي دوامَ المددِ المتوالي] (¬1)، [المرتجى مدَى الأيَّام واللَّيالي فيضَ الملكِ المنَّانِ] (¬2) حَسَنٌ الْحَنَفِيّ الشُّرُنْبُلَالِيّ: هذه عُجالةٌ بحَسَبِ ضَعفِ الحالةِ، سمَّيتُها: ....................................................
«قهرُ المِلَّة الكُفريةِ بالأَدِلَّةِ المحمَّديَّةِ لتخريبِ دَير (¬3) المَحَلَّة (¬4) الجَوَّانِيَّة (¬5)»
¬
(¬1) «ساقطة من د».
(¬2) «زيادة من د».
(¬3) «ساقطة من ب».
(¬4) هي المنْزِل ودار الإقامة والقوم، ينظر: «لسان العرب» (8/ 102)، «تاج العروس» (21/ 23)، «المعجم الوسيط» (1/ 194)
(¬5) الجوّانِية بالفتح وتشديد ثانيه وكسر النون وياء مشددة، وهو موضع أو قرية قرب المدينة إليها ينسب بنو الجواني العلويون منهم أسعد بن علي يعرف بالنحوي كان بمصر، وهي نفسها منشأة ابن ثعلب: فإنها بالقرب من باب اللوق. ينظر: «معجم البلدان» (2/ 172)، و «المعالم الأثيرة» (1/ 93)، «المواعظ والاعتبار» (3/ 21).
لمَّا وردَ سؤالٌ في شهر شعبانَ سنةَ ثلاثٍ وستِّينَ وألفٍ، [هو: ما يقولُ مشايخُ الإسلامِ أدامَ اللهُ بهم نُصرةَ الدِّينِ، وأبقاهُم لنَفعِ العالمينَ] (¬1) في حُكم بناءٍ اتُّخِذَ دَيراً في مَحَلَّةٍ داخلَ بابِ النَّصر (¬2) القاهرةِ ............................
المُعَزيَّة ِ (¬3) قريباً منه، بمَحَلَّةٍ تُدعَى «الجَوَّانِيَّة».
¬
(¬1) «ساقطة من أ، ب».
(¬2) هو بوابة حجرية ضخمة محصنة، شيدها القائد العسكري جوهر الصقلي كان بوابة دخول الجيوش المصرية المنتصرة، ومن أهم الآثار ذات الطبيعة العسكرية التي بقيت في مصر من تلك الفترة التي حكم الفاطميون فيها مصر، وتمتاز البوابة بالزخرفة التي تدل على القوة والنصر، ينظر: «المواعظ والاعتبار» (3/ 196) و «ويكيبيديا».
(¬3) هي كبرى مدن مصر وإفريقية اليوم، بناها القائد الفاطمي جوهر الصقلي عند فتحه مصر سنة 358 هـ لسيده المعز لدين الله الفاطمي، وسماها بالقاهرة المعزية، وازدهرت الازدهار الكبير في العهد الفاطمي.
ومن ميزاتها:
1 - إنها كانت من أكبر مراكز الإسلام ثقافة وحضارة وتجارة ونضالا، وبها الجامع الأزهر.
2 - أجل مدينة بمصر لاجتماع أسباب الخيرات.
3 - أجمع المسافرون غربا وشرقا وبرا وبحرا على أنه لم يكن في المعمورة أحسن منها منظرا ولا أكثر ناسا ولا أصح هواء ولا أعذب ماء ولا أوسع فناء. ينظر: «آثار البلاد وأخبار العباد» (1/ 240) و «معجم البلدان» (4/ 301) و «المواعظ والاعتبار» (3/ 282).
وقد كشف عنه مولانا وليُّ الأمرِ شيخُ الإسلامِ قاضي القضاة بمصرَ (¬1) المَحروسةِ يَحْيَى أَفَنْدِي-أحيا اللهُ به مآثرَ الدِّينِ، وبلَّغه المرادَ في الدُّنيا
¬
(¬1) كيفية فتح مصر: في عام 639 م، قاد عمرو بن العاص في عهد الخليفة عمر بن الخطاب جيشاً إسلامياً، قدم من الشام واستطاع هزيمة الرومان الشرقيين في مصر والاستيلاء عليها عام 641 م، وقام بإنشاء مدينة الفسطاط وأصبحت ولاية إسلامية تابعة للخلافة، وقاعدة لانطلاق الفتوحات الإسلامية في شمال إفريقيا. ينظر: «الكامل» (1/ 450) و «تاريخ الرسل» (2/ 510) وتعاقبت ممالك ودول على مصر، فبعد الخلفاء الراشدين والدولة الأموية حكمها العباسيون، واستطاع أحمد بن طولون تأسيس أول دولة في مصر (الدولة الطولونية) ثم أعقبه الإخشيديون، حتى انتزعها منهم الفاطميون وجعلوا عاصمتهم القاهرة التي أسسها الخليفة الفاطمي المعز لدين الله الفاطمي، وذلك حتى أعادها الأيوبيون اسميا إلى الخلافة العباسية، وأسس صلاح الدين الدولة الأيوبية التي حكمت مصر والحجاز وأجزاء من الشام والعراق. ينظر: «المواعظ والاعتبار» (1/ 44) و «فتوح مصر» (1/ 147).
ويومَ الدِّينِ (¬1) -، فوَجدَ أصلَه بيوتاً إسلاميَّة مكتوباً [على دائرها قريباً من السَّقفِ] (¬2) آيات قرآنية (¬3)؛ كآيةِ الكرسيِّ كما هي عادة الأمَّة المحمَّديَّة، وقد جَعَلتِ النَّصارَى (¬4) والرُّهبانُ (¬5) ذلك دَيراً ومحلاًّ لاجتماعِهم على الكُفرِ، .......
ووضعِ الصُّورِ والصُّلبانِ (¬6) وعبادتِها الأوثانِ (¬7)؟
¬
(¬1) يحيى بن زكريا بن بيرم القسطنطيني الرومي، كان يلقب بشيخ الإسلام ويحيى أفندي والشهير بالمنقاري، قال مصطفى القسطنطيني: «وكان شاعرا لطيف الطبع، حسن الأخلاق، متواضعا، كثير الأشعار والنادرة»، من مؤلفاته: «تخميس قصيدة البردة»، «شرح الفرائض»، «والفتاوى»، (999 - 1053هـ). ينظر: «حاشية ابن عابدين» (5/ 419) و «معجم العارفين» (13/ 197) و «كشف الظنون» (1/ 820) و «سلك الدرر» (4/ 237).
(¬2) في (أ-ب) «بسقفها».
(¬3) في (د) «العبرانية».
(¬4) من مادة «ن ص ر» (نصره) على عدوه ينصره (نصرا)، والاسم (النصرة) و (نصران) بوزن نجران قرية بالشام تنسب إليها (النصارى)، ويقال: اسمها (ناصرة). «مختار الصحاح» (1/ 311).
(¬5) المتعبد في الصومعة». «لسان العرب» (1/ 437) و «تاج العروس» (2/ 540).
(¬6) الصليب ما يتخذه النصارى قبلة، والجمع صلبان، «لسان العرب» (1/ 592). المربع المشهور للنصارى من الخشب، يدعون أن عيسى النبي صلب على خشبة على تلك الصورة. «الكليات» (1/ 563).
(¬7) الوثن: صنم يعبد، وجمعه: الأوثان والوثن، والواتن والواثن بالتاء والثاء، «العين» (8/ 242)، وهو عبارة عن حجارة كانت تعبد، وأصلها قولهم استوثن الشيء أي: قوي. «مقاييس اللغة» (6/ 85).
فهل حُكمُ هذا البُنيان الذي جعل دَيراً وما يتعلَّقُ بهِ من سائر البنيان (¬1)، يكونُ لبيت المالِ، فيَتصرَّفُ فيه وزير مولانا السُّلطان –نصره الله-بما فيه المصلحةُ العامَّةُ [لجميعِ المسلمينَ] (¬2)، كما هو حكمُ ما يؤولُ لبيتِ المال، [وما الذي يوجبه نقض أهل الذمَّة (¬3) عهد أمير المؤمنين عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ (بإحداث ذلك الدَير ونحوه]؟ (¬4)
أوضِحُوا الجوابَ «بالنَّقل عن أئمَّة مذهب الإمام الأعظم أبي حَنِيفَة النُعْمان» (¬5) [وبما يقتضيه مُخالفةُ أهل الذِّمَّةِ من نَقضِ العهد العُمريِّ الصَّادر من أمير المؤمنين فاتحِ مصرَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ (] (¬6) [ليظهر الصواب] (¬7)، «فتطمَئِنُ» (¬8) قلوبُ المؤمنينَ، وتُخذَل الكُفّارُ [مع المنافقين] (¬9)، [وتَخمُد نيرانُ الشِّركِ، ويُقهَر المُعانِدونَ
مصداقاً لقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [التوبة: 33].
واذكرُوا نوعاً ممَّا للحاكم به منَ الثَّوابِ الجاري مُتجدِّداً مُتزايِداً إلى يوم المآب] (¬10)، ولكم الثواب منَ الملكِ (¬11) الوَهَّاب.
¬
(¬1) في (أ-ب-ج) «البناء».
(¬2) في (أ-ب) «للمسلمين».
(¬3) هم المعاهدون من اليهود والنصارى وغيرهم ممن يقيم بدار الإسلام. «التعريفات الفقهية» (1/ 39).
(¬4) «ساقطة من د»
(¬5) في (أ-ب-ج) «بنقل كلام أئمة الإسلام، والإمام الأعظم - رضي الله عنه -».
(¬6) «زيادة من د»
(¬7) في (د) «فيظهر الوجه الواضح عين الصواب».
(¬8) في (أ-ب-ج) «وتطمئن به».
(¬9) في (د) «والمنافقون».
(¬10) «زيادة من د»
(¬11) في (أ-ج) «الكريم».
فأجبتُ قائلاَ: الحمدُ لله مانحِ الصواب، أمَّا (¬1) إزالةُ هذا المُنكَرِ المُجمَعِ عليه فيما بينَ أهل (¬2) الإسلام، فهو فرضُ عينٍ على مَولانا وليِّ الأمرِ-نصره الله-، ويجبُ على كلِّ أميرٍ [من أمراء الدَّولة العثمانيَّة أدامَ اللهُ نُصرتها بجاه سيِّدِ البريَّة أن يسعى في إزالة ذلك المُنكر؛ إذ هو عليه الأيسرُ، ولا عُذرَ له في التَّقاعسِ يظهَرُ، فيشُدُّ أزرَ وليِّ الأمرِ ويُعينُه،] (¬3).
فإنَّ اللهَ تعالى يُعِزُّ مَن يُعزُّ الدين، ويُهينُ من يُهينهُ، [ويخذل من يُسْعف (¬4) المخالف ومن يخالفَه] (¬5).
قال تعالى: {وَمَنْ يُهِنْ اللَّهُ (¬6) فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ} [الحج:18].
وقال أيضاً: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلاً إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانتَقَمْنَا مِنْ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} [الروم:47]، وقال أيضاً: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً} [الكهف:30].
¬
(¬1) في (ب) «لما».
(¬2) في (د) «ملة».
(¬3) في (أ-ب-ج) «إعانته على إزالته للقدرة منهم عليه، فلا عذر لأحد، في المخالفة»
(¬4) من الإسعاف الذي هو القرب والإعانة وقضاء الحاجة. «لسان العرب» (9/ 152) و «الكليات» (1/ 114)
(¬5) «ساقطة من د»
(¬6) «ساقطة من أ»
[فيهدم ذلك الدَير] (¬1)، [وذلك لأنّ الدَير المَذكورَ آل (¬2) لبيتِ المال المعمورِ؛ لأنَّ بانيَهُ إمَّا أن يكونَ شخصاً واحِداً معلوماً بناه بمالِه دَيراً، وذلك باطِلٌ، أو يكونَ بناؤُه حصلَ بمالٍ مجموعٍ منَ النَّصارى ليبنيَ دَيراً، ولا يصحُّ في ذلك أيضاً، وقد خرجَ ذلك البناءُ عن ملك بانيه، سواءٌ كان معلوماً أو مجهولاً بهلاكه، ولا مستحِقَّ له، فصار لبيتِ المالِ حقَّاً لكافَّةِ المسلمينَ، يتصرَّفُ فيه مولانا وليُّ الأمرِ بما يعودُ نفعُه لعامَّتهم.
ومن ذلك أن يتَّخِذَه مسجداً موقوفاً منه على المسلمينَ كافَّةً، ويُوقفَ سائرَ الأبنيةِ التي به على إقامةِ شعائرِ المسجدِ، ليبقَى على الدَّوام بدوامِ دور رَبعها وصَرفِ الأجرةِ على القائمينَ بالشَّعائر وآلتها، ولا يُتلفُ البناءَ المذكورَ
لهدمهِ؛ لأنَّه لا نفع فيه للمسلمين، وقد يعودُ ضررُه بعوِدِه لحالتِه الأولى بعدَ أيَّامِ هذا الحاكمِ الأبيَّةِ بالرِّشا لمَن يليه باتِّباعه حظَّ نفسهِ وشيطانِه فيُغويه.
أمَّا البناء العالي المُشرفُ على منازل المُسلمين فيُهدمُ قطعاً، ولا يبقى بحالٍ، كما هو نصُّ أئمَّةِ الدِّينِ، ووَجهُ ما قُلناهُ نقلاً أنَّ الذِّميَّ لو تصرَّفَ في ملكهِ الخاصُ، بأن جعلَ دارَه بِيَعة أو كنيسةً أو بيتَ نارٍ في حياتهِ وصحَّتهِ، وأشهَدَ على ذلك، وأنَّه قد أخرجَه من ملكِه للوَجه الذي جُعل له ذلك.
¬
(¬1) «ساقطة من ب، د».
(¬2) من «آل، يؤول» أي: رجع. «مختار الصحاح» (1/ 25)، «الكليات» (/207).
قال الإمامُ الأجلُّ أبو بكرٍ الْخَصَّافُ (¬1): «هذا باطلٌ، لا يجوز، وهي كسائرِ أموالهِ، فإن ماتَ هي ميراثٌ».
ومن المُقرَّرِ أنَّ بيتَ المالِ يصيرُ إليه كلُّ مالٍ لا مُستحقًّ له شرعاً] (¬2).
[وقال الإمامُ الْخَصَّافُ أيضاً: قلتُ: أرأَيتَ الذِّمِّيَّ إذا وقفَ أرضاً له أو به مستغلاً على بِيَعة أو كنيسةٍ أو بيتِ نارٍ؟ قالً: تصرَفُ غلَّةُ تلك الصَّدقة فيما يحتاجُ إليه هذه البِيَعة منَ البناءِ والمَرَمَّةِ (¬3)، قال: هذا باطلُ من وجهَينِ، أمَّا أحدُهما: فإنَّ ذلك معصيةٌ لله عزَّ وجلَّ، وأمَّا الوجهُ الآخرُ: فلأنَّهُ ينقطعُ».
¬
(¬1) هو أحمد بن عمرو بن مهير الشيباني الْحنفِيّ الْخصّافُ، أبو بكر، قال شمس الأئمة الْحلْوانِيُّ: «الْخصّافُ رجل كبير في العلم وهو ممن يصح الاقتداء، كان فرضياً حاسباً عارفاً بمذهب أبي حنيفة»، من تصانيفه: «كتاب الحيل» و «كتاب الوصايا» و «كتاب الشروط الكبير»، (181 - 261هـ) وقد قارب الثمانين. ينظر: «الجواهر المضية» (1/ 88)، و «الفوائد البهية» (1/ 29)، و «معجم المؤلفين» (2/ 35)، و «موسوعة الأعلام» (1/ 192)، و «الطبقات السنية» (1/ 123).
(¬2) «ساقطة من أ، ب، ج» «وتوجد فقرة مختصرة لهذا ذكرت: «وذلك لأن بناءه آل لبيت المال، سواء علم بانيه أو جهل، لأنه لم يتخذه ملكا، بل جعله كالمسبل لعبادتهم الباطلة، وملتهم العاطلة، ويتخذ مسجدا ليبقى على الدوام، نفعا للمسلمين، ولا يعود لحالته الأولى، قطعا لمارة المخالفين والفاسقين، كما نص عليه أئمة المذهب، كالإمام الْخصّافُ في «أحكام الأوقاف».
(¬3) من الرم: وهو إصلاح الشيء الذي فسد بعضه من نحو حبل أو دار. «تاج العروس» (32/ 281) و «المحيط» (2/ 428).
وكذلك إنْ قالَ: تُستغَلُّ هذه الصَّدقةُ فيُنفَقُ غلَّتُها في إصلاحِ البِيَعِ، وفي الإسراجِ فيها، وفيما يحتاج إليهِ منَ الزَّيتِ للإسْراجِ (¬1) فيها، ..............
قال الْخَصَّافُ: «هذا عندي باطلٌ من قِبَلِ أنَّه معصيةٌ لله عزَ ّوجلَّ، وكذلك إنْ قالَ: تجري غلَّةُ هذه الصَّدقةِ على الرُّهبانِ والقِسِّيسينَ، قال: هذا باطل، قلتُ: فإنْ خَصَّ فقال: الرُّهبانِ والقِسِّيسينَ الذينَ في بِيَعة كذا وكذا، قالَ: هذا باطلٌ، وكذلك لو قال: على القُوَّامِ (¬2) الذين في بِيَعة كذا وكذا، قال: هذا باطلٌ». انتهى.
[ومعلومٌ أنَّ هذا كلَه فيما لو تُصُورَ للذِّمِّيِّ أن يفعلَ ذلك فيما يملكُه، وفيما لو صحَّ بقاؤُه كنيسةً ونحوها، وأمَّا في هذه الحادثةِ، فالأمرُ باطلٌ من أصلِهِ، لا يُتصوَّرُ أن يُجعَلَ شيءٌ منَ الكنائسِ والِبيَعِ ونحوِها في القاهرة؛ لأنَّ القاهرة المُعَزِّيةَ، مدينة إسلامية، اتخذت بعد فتح مصر عَنْوَة (¬3)
¬
(¬1) قال ابن منظور: «المصباح الزاهر الذي يسرج بالليل، الجمع سرج، والمسرجة: التي فيها الفتيل»، «لسان العرب» (2/ 297) وهي: «الأضاءة». «شمس العلوم» (5/ 3063).
(¬2) هم الذين يقومون على مرافق العوام، «المغرب» (2/ 200).
(¬3) فتحت مصر سنة عشرين، كتب الفاروق إلى عمرو بن العاص أن يسير إلى مصر، فسار وبعث عمر الزبير بن العوام مدداً له، حتى أتى باب أليون فتحصنوا، فافتتحها عنوة وصالحه أهل الحصن، وكان الزبير أول من ارتقى سور المدينة ثم تبعه الناس. وعن عمرو بن العاص أنه قال على المنبر: لقد قعدت مقعدي هذا وما لأحد من قبط مصر على عهد ولا عقد، إن شئت قتلت، وإن شئت بعت، وإن شئت خمست إلا أهل أنطابلس، فإن لهم عهدا نفي به، وعن ابن عمر قال: افتتحت مصر بغير عهد وكذا قال جماعة، وقال يزيد بن أبي حبيب: مصر كلها صلح إلا الإسكندرية. ينظر: «سير أعلام النبلاء» (7/ 123)، وغيره.
في دولة الفاطميين (¬1) سنة ستين وثلاثمائة] (¬2)، فلا يُتصَوَّرُ إحداثُ شيءٍ منَ الكنائسِ (¬3) والبِيَعِ (¬4) ونحوِها (¬5) فيها، كما نَصَّ عليه مفتي الإسلامِ العلَّامة الشيخُ قاسمُ بنُ قُطُلُوبُغَا الْحَنَفِيّ ............................................
¬
(¬1) إحدى دول الخلافة الإسلامية، شملت الدولة مناطق وأقاليم واسعة في شمال أفريقيا، فامتد نطاقها على طول الساحل المتوسطي من المغرب إلى مصر، ثم توسعوا فضموا الشام والحجاز، ويطلق عليها الخلافة الفاطمية أو الدولة العبيدية نسبة إلى أول خلفاؤها = ... عبيد الله المهدي، وكان الخليفة الأخير العاضد لدين الله، اختلفت المصادر في تحديد نسب الفاطميين، فمعظم المصادر تشير إلى أن نسبهم يرجع لمحمد بن إسماعيل بن جعفر الصادق. ينظر «ويكيبيديا»، وغيرها.
(¬2) في (د) «لأن القاهرة المعزية نشأت إسلامية بعد فتح مصر القديمة عنوة سنة ستين وثلاث مئة».
(¬3) متعبد اليهود والنصارى. ينظر: «المعجم الوسيط» (2/ 800)، والكنيسة، كسفينة، والجمع الكنائس، وهي معربة، أصلها: كنشت. «تاج العروس» (16/ 453).
(¬4) كنيسة للنصارى. «مختار الصحاح» (1/ 43)، وهو بيت النصارى الذي فيه صليبهم. ينظر «لسان العرب» (13/ 561).
(¬5) في (ج) «ونحوهما».
كما نَصَّ عليه مفتي الإسلامِ (¬1) العلَّامة الشيخُ قاسمُ بنُ قُطُلُوبُغَا الْحَنَفِيّ (¬2) إمامُ الديارِ المصرية، ...............................................
¬
(¬1) النص هو كما قال ابن الهمام: «لو مصرنا برية فيها دير أو كنيسة فوقع في داخل السور ينبغي ألا يهدم؛ لأنه كان مستحقا للأمان قبل وضع السور، فيحمل ما في جوف القاهرة من الكنائس على ذلك؛ لأنها كانت فضاء فأدار العبيديون عليها السور، ثم فيها الآن كنائس، ويبعد من إمام تمكين الكفار من إحداثها جهارا في جوف المدن الإسلامية، فالظاهر أنها كانت في الضواحي فأدير السور عليها فأحاط بها، وعلى هذا فالكنائس الموجودة الآن في دار الإسلام غير جزيرة العرب كلها ينبغي أن لا تهدم؛ لأنها إن كانت في أمصار قديمة فلا شك أن الصحابة أو التابعين حين فتحوا المدينة علموا بها وبقوها، وبعد ذلك ينظر، فإن كانت البلدة فتحت عنوة حكمنا بأنهم بقوها مساكن لا معابد فلا تهدم، ولكن يمنعون من الاجتماع فيها للتقرب، وإن عرف أنها فتحت صلحا حكمنا بأنهم أقروها معابد فلا يمنعون من ذلك فيها بل من الإظهار». «فتح القدير» (13/ 196).
(¬2) هو قاسم بن قطلوبغا بن عبد الله الجمالي المصري، زين الدين، أبو العدل السودوني، محقق الديار المصرية، قال السخاوي: «إمام علامة، طلق اللسان، قادر على المناظرة، مغرم بالانتقاد ولو لمشايخه»، ومن تصانيفه: «تاج التراجم في علماء الأحناف»، «القول القائم في بيان حكم الحاكم»، (809 - 881 هـ)، ينظر: «الأعلام» (5/ 180)، و «معجم المؤلفين» (1/ 35)، و «الطبقات السنية» (1/ 232)، و «إيضاح المكنون» (4/ 251).
تلميذ ابْنَ الْهُمَامِ (¬1).
[وكلُّ كتبِ المذهبِ على هذا مانعةٌ من إحداثِ دَيرٍ ونحوه بدارِ الإسلامِ في محلٍّ مملوكٍ لذمِّيٍّ فكيفَ في هذه المَحَلَّة الإسلاميَّةِ التي وضَعَ الكفرُ يدَه عليها أصلاً؟!
فهذه الحادثةُ أظهرَتْ عدَمَ صِحَّةِ ذلك البناءِ بالمَحَلَّة المذكورة دَيراً، ولو لم نجِدْ سِمَةَ بناءِ المسلمينَ بأصلهِ، فكيفَ وقد وُجِدَت سمةُ الإسلام على بعضِ جُدرانهِ؛ كآية الكرسيِّ كما ذُكِرَ؟
فلمَ على مولانا وليِّ الأمر إزالة هذا المنكرِ، فإَنه عليه أقدرُ] (¬2)
[وليُعلمْ أنَّ تملُّكَ الأبنيةِ إمَّا أن يكونَ ببَيعِ مالكِه، أو ببيعِ الأبنيةِ، وقد كانتْ وَقفاً من أوقافِ المسلمينَ، ثمَّ طرأَ تغييرُه ببَيعٍ أو استبدالٍ وبَيعِ أنقاضٍ كما يفعلُه بعضُ من لا يخشى اللهَ تعالى، والمُتملِّكُ له قد أزالَ مُعظمَه، فصارَ مضموناً عليه لجهةِ الوقفِ (¬3)؛
¬
(¬1) هو محمد بن عبد الواحد بن مسعود الإسكندري، كمال الدين، المعروف بابن الهمام، قال يحيى بن العطار: «لم يزل ضرب به المثل في حسن النعمة مع الديانة وفي الفصاحة واستقامة البحث مع الأدب وأذعن له الأكابر عن الأصاغر»، ومن كتبه «فتح القدير» و «التحرير» و «المسايرة»، (790 - 861 هـ)، ينظر: «الأعلام» (6/ 255)، و «البدر المطالع» (2/ 264).
(¬2) «زيادة من د»، وذكرت فقرة شبيهة بالمعنى في (أ، ب، ج): «وكل كتب الْحنفِيّة مجمعة على منع إحداث كنيسة أو دير ونحوه بدار الإسلام في محل مملوك لذمي فكيف في هذه المحلة الإسلامية في مصر؟! ما وضع الكفر يده عليها منذ بنيت، فهذه الحالة أظهرت وجوب هدم ذلك الدير أو تغيير صفته وهيئته بأن يجعل مسجدا».
(¬3) هو حبس العين على ملك الواقف، والتصدق بالمنفعة كالعارية.
وعندهما: هو حبس العين على ملك الله تعالى. فلو وقف على الفقراء، أو بنى سقاية، او خانا لبني السبيل، أو رباطا، أو جعل أرضه مقبرة لا يزول ملك الواقف عنه، ينظر: «نهاية النقاية» (3/ 389) و «عمدة الرعاية» (1/ 1).
لِما أنَّ الاستبدالَ ليسَ على شرطِه؛ إذ لا يملِكُه إلَّا القاضي العالمُّ العادلُ إذا رآه مصلحةً، وأنَّى هذا وذلك البناء الذي بناه واضِعُه لا لنفسه؟ وإنَّما فعلَه تقرباً ليكون دَيراً فيما يزعُمُه بزَعمه الباطل، فصار بعدَه لبيتِ المال] (¬1).
وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا كنيسة في دار الإسلام» (¬2)، [فمن خالفَ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وأبقها قادِراً على إزالتها كان ممَّن خالف كمال دينِ الإسلام] (¬3).
¬
(¬1) «زيادة من د»، وذكرت فقرة شبيهة بالمعنى في (أ، ب، ج): «وهو الذي ينبغي حتى لا يعاد لحالته الكفرية، وقد وجدت علامات أهل الإسلام على البناء بكتابة آيات من القرآن في سقفها، فكيف لا يزال هذا المنكر لعود البناء لبيت المال لجهل بانيه، وعدم انتقاله عنه لوارث، وعدم احترامه ليبقى على حاله، فيهدم أو يغير بما يبقى لنفع العامة بجعله مسجدا؟!.».
(¬2) في التلخيص الحبير (6318)، وكنز العمال في سنن الأقوال والأفعال 1/ 316، ونصه: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تبنى كنيسة في الإسلام ولا يجدد ما خرب منها»، وهو ضعيف كما ذكره صاحب نصب الراية (3/ 454)، قال عنه ابن الهمام: «وإذا تعددت طرق الضعيف يصير حسنًا» «فتح القدير» (6/ 56)، وقد تعددت طرق هذا الحديث.
(¬3) «زيادة من د».
قال الشَّيخُ أكْمَلُ الدِّين (¬1) شارحُ «الْهِدَايَة» (¬2): هو نفيٌ بمعنى النَّهي؛ أي لا تُحدَث كنيسةً ...........................................................
¬
(¬1) هو محمد بن محمود بن أحمد البابرْتيّ، لقبه الشيخ أكمل الدين، قال السيوطي: «أكمل الدين، علامة المتأخرين وخاتمة المحققين، برع وساد، ودرس وأفاد»، ومن تصانيفه: شرح أصول البزدوي «المسمى بـ «التقرير»، و «الإرشاد» بتحقيقي، ويتضمن كتاب في الاعتقادات وآخرٌ في العبادات وشيء من الحظر والإباحة. (710 - 786هـ)، ينظر: و «الفوائد البهية» (1/ 78)، و «تاج التراجم» (1/ 276) و «حسن المحاضرة» (1/ 471).
(¬2) لعلي بن أبي بكر بن عبد الجليل المرْغِيناني، الْحنفِيّ، قال اللّكْنوِيّ: «كان المصنف متعبداً، بارعاً في العلوم، فقيهاً أصولياً ثقة ناسكاً»، من مؤلفاته: «بداية المهتدي» و «كفاية المنتهي» و «الفرائض»، (531 - 593هـ)، قال البابرْتيّ عن الهداية: «احتوى على أصول الدراية= =وانطوائه على متون الرواية، خلصت معادن ألفاظه من خبث الإسهاب، وخلت نقود معانيه عن زيف الإيجاز، بقي في تصنيف الكتاب ثلاث عشرة سنة، وكان في تلك المدة لا يفطر»، وهو شرح لكتاب «بداية المبتدي». ينظر: «الأعلام» (4/ 226) و «معجم المؤلفين» (7/ 45) و «سير أعلام النبلاء» (21/ 232) و «العناية» (1/ 6).
في دارِ الإسلامِ؛ لأنَّ إحداثَها في دارِ الإسلامِ إزالةُ فُحوليَّةِ (¬1) أهلِ دارِ الإسلامِ وأنَّه لا يجوزُ كإزالةِ فُحوليةِ الرَّجلِ بقطعِ مذاكيرِه (¬2)، ...........
وقالَ العلَّامة (¬3) الكمالُ بنُ الهُمام (¬4)
¬
(¬1) الفاء والحاء واللام أصل صحيح يدل على ذكارة وقوة. من ذلك الفحل من كل شيء، وهو الذكر الباسل والقوي، ينظر: «مقاييس اللغة» (4/ 478) وغيره.
(¬2) قال البابرْتيّ: «ولا يجوز إحداث بيعة ولا كنيسة في دار الإسلام لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا خصاء في الإسلام ولا كنيسة» والخصاء بكسر الخاء والمد على وزن فعال مصدر خصاه: إذا نزع خصيتيه، والإخصاء في معناه خطأ ذكره في المغرب، والمناسبة بين ذكر الخصاء والكنيسة هي أن إحداث الكنيسة في دار الإسلام إزالة لفحولية أهل داره معنى، كما أن الخصاء إزالة لفحولية الحيوان إن كان الخصاء على حقيقته، وإن كان المراد به التبتل والامتناع عن النساء بملازمة الكنائس فالمناسبة ظاهرة، والمراد بقوله - صلى الله عليه وسلم - «ولا كنيسة» فهو نفي بمعنى النهي: أي لا تحدث كنيسة في دار الإسلام، ويقال كنيسة اليهود والنصارى لمتعبدهم، وكذا البيعة كان مطلقا في الأصل، ثم غلب استعمال الكنيسة لمتعبد اليهود والبيعة لمتعبد النصارى» العناية شرح الهداية» (6/ 59).
(¬3) «زيادة من د».
(¬4) قال ابن الهمام: «أمصار المسلمين ثلاثة:
أحدها: ما مصره المسلمون كالكوفة والبصرة وبغداد وواسط، فلا يجوز فيها إحداث بيعة ولا كنيسة ولا مجتمع لصلاتهم ولا صومعة بإجماع أهل العلم، ولا يمكنون فيه من شرب الخمر واتخاذ الخنازير وضرب الناقوس.
وثانيها: ما فتحه المسلمون عنوةً فلا يجوز فيها إحداث شيء بالإجماع، وما كان فيها شيء من ذلك هل يجب هدمه؟ عندنا جعلهم ذمة أمرهم أن يجعلوا كنائسهم مساكن، ويمنع من صلاتهم فيها ولكن لا تهدم؛ لأن الصحابة فتحوا كثيراً من البلاد عنوة، ولم يهدموا كنيسة، ولا ديراً، ولم ينقل ذلك قط.
وثالثها: ما فتح صلحاً، فإن صالحهم على أن الأرض لهم والخراج لنا جاز إحداثهم، وإن صالحهم على أن الدار لنا ويؤدون الجزية فالحكم في الكنائس على ما يوقع عليه الصلح، فإن صالحهم على شرط تمكين الإحداث لا يمنعهم، إلا أن الأولى أن لا يصالحهم إلا على ما وقع عليه صلح عمر من عدم إحداث شيء منها، وإن وقع الصلح مطلقا لا يجوز الإحداث ولا يتعرض للقديمة ويمنعون من ضرب الناقوس وشرب الخمر واتخاذ الخنزير بالإجماع». ينظر «فتح القدير» (6/ 58)، «البحر الرائق» (5/ 121).
ونقلَه عنه شيخُ الإسلامِ ابْنُ نُجَيْمٍ
في «شرحِ الْكَنْز»: «كلُّ بلدةٍ مصَّرَها المسلمون؛ كالكوفةِ والبصرة .....
ابْنُ نُجَيْمٍ (¬1) في «شرحِ الْكَنْز» (¬2): «كلُّ بلدةٍ مصَّرَها (¬3) المسلمون؛ كالكوفة
¬
(¬1) هو زين الدين بن ابراهيم بن محمد الْحنفِيّ المصري، الشهير بابن نجيم، قال عبد الوهاب الشعراني: «صحبته عشر سنين فما رأيت عليه شيئا يشينه وحججت معه في سنة 953 فرأيته على خلق عظيم مع جيرانه وغلمانه مع أن السفر يسفر عن أخلاق الرجال» له تصانيف منها: «الأشباه والنظائر» و «البحر الرائق» و «الرسائل الزينية»، (926 - 970هـ)، ينظر: «سلك الدرر» (2/ 82)، و «الأعلام» (3/ 64)، و «موسوعة الأعلام» (2/ 65)، و «معجم المطبوعات» (1/ 265)، و «هدية العارفين» (1/ 378).
(¬2) لابن نجيم، و «البحر الرائق» وهو شرح للكنز للنسفي، قال ابن نجيم: «وإن كنز الدقائق أحسن مختصر صنف في فقه الأئمة الْحنفِيّة، وقد وضعوا له شروحا وأحسنها التبيين للزيلعي، لكنه قد أطال من ذكر الخلافيات ولم يفصح عن منطوقه ومفهومه وقد كنت مشتغلا به من ابتداء حالي معتنيا بمفهوماته فأحببت أن أضع عليه شرحا يفصح عن منطوقه ومفهومه»، طبع في «دار الكتب العلمية» وهو ثمانية أجزاء، وطبع في «دار الكتاب الإسلامي» وفي «دار إحياء التراث العربي» ينظر: «الأعلام» (3/ 64) و «النجوم الزاهرة» (15/ 712)، و «البحر الرائق» (1/ 2).
(¬3) يقال مصر الأمصار بناها. «المعجم الوسيط» (2/ 873)، مدن المدائن تمدينا، أي جعلها مدينة. «تاج العروس» (36/ 157).
والبصرة (¬1) وبغدادَ (¬2)، وواسِطَ (¬3) ......................................
لا يجوزُ فيها إحداثُ بِيَعة ولا كنيسةٍ ولا مُجتمعٍ لصلاتهم، ولا صَّومعةٍ (¬4)، بإجماعِ العُلماءِ.
¬
(¬1) ثالث أكبر مدن العراق، تقع في أقصى جنوب العراق، شيدها عتبة بن غزوان في الفاروق سنة 14هـ، ومعنى البصرة: الأرض الغليظة الصلبة ذات الحجارة الصلبة، سميت بالبصرة كما يقول الجوهري: «نسبة إلى الموضع الذي بنيت فيه ويتكون من حجارة بيضاء اللون»، ومن معالمها: مسجد البصرة القديم وهو أول مسجد خارج مكة والمدينة شيد في عهد الفاروق
ومن أعلامها: الماوردي، الجاحظ، الأصمعي، سيبويه، الحسن البصري، ينظر: «ويكيبيديا» و «لسان العرب» (4/ 129) و «معجم البلدان» (3/ 17).
(¬2) عاصمة العراق، وهي أكبر مدينة في العراق، بناها الخليفة العباسي المنصور في القرن الثامن واتخذها عاصمة للدولة العباسية موقعها استراتيجي لتوافر المياه فيها، وأصل تسميتها من اللغة الفارسية فكلمة «باغ» تعني بستان، وكلمة «داد» عطية، فيكون معناها البستان العطية، أطلق عليها في العصر العباسي مدينة السلام، يوجد فيها مقام الإمام الأعظم ومقام الشيخ عبد القادر الجيلاني، ينظر: «ويكبيديا» و «تاريخ الطبري» (4/ 481).
(¬3) محافظة تقع وسط العراق، بناها الحجاج بن يوسف الثقفي سنة 78 هـ وأتمها سنة 86 هـ، يحيطها نهر دجلة، سميت بهذا الاسم لأن موقعها يتوسط الكوفة والبصرة، تشتهر بإنتاج المواد الغذائية مثل الحنطة والشعير والسمسم، ومدينة الكوت عاصمة لبغداد تبلغ مساحتها 17153 كم، فيها عدة مساجد بنيت في عهد الدولة العثمانية ومنها: جامع النعمانية وجامع عبد الله بن رواحة وفيها ضريح سعيد بن جبير، ينظر: «ويكبيديا».
(¬4) الصومعة من البناء سميت صومعة لتلطيف أعلاها، والصومعة: منار الراهب. «لسان العرب» (8/ 208).
ولا يُمكَّنونَ فيه من شُرب الخمرِ، واتِّخاذ الخنزيرِ، وضَربِ النَّاقوس» (¬1) (¬2).انتهى.
وكذا أفتى به ُ الشَّيخُ قاسمُ بنُ قُطُلُوبُغَا، وقال أيضاً: «إنَّ الكنائسَ التي بالصَّعيد؛ أي: .......................................................
¬
(¬1) قال محمد في السير: «في أرض الصلح لا يمنعون ضرب الناقوس في بيعهم وكنائسهم، ومذهب مالك أنهم يمنعون منه، وقال الليث يمنعون، وقال الشافعي: «إذا صالح الإمام قوما من النصارى على مدينة فيها كنائس فينبغي أن يشترط عليهم أن لا يسمعوا المسلمين فيها ضرب الناقوس»، قال أبو جعفر: «لا يختلفون أنهم غير ممنوعين من رفع أصواتهم بقراءة كتبهم وكذلك الناقوس» «مختصر اختلاف العلماء» (3/ 497).
(¬2) الذي يضرب به النصارى لأوقات الصلوات. «مختار الصحاح» (1/ 137)، وهي: خشبة كبيرة طويلة وأخرى قصيرة، واسمها الوبيل. «تاج العروس» (16/ 574)، و «القاموس المحيط» (1/ 578).
صعيدِ مصرَ (¬1)، والتي بالشَّام ونحوهِا من أرضِ العَنْوَة (¬2)، فما كانَ مُحدَثاً (¬3) وجبَ هدمُه، وإذا اشتبَه المُحدَثُ بالقديمِ وجبَ هدمُهما جميعاً؛ لأنَّ هدمَ المُحدَثِ واجبٌ، وهدمَ القديمِ جائزٌ، وما لا يتمُّ الواجبُ إلَّا به فهو واجب» (¬4).انتهى.
¬
(¬1) يسمَّى بالوجه القبلي، وهي منطقة تمثل الجنوب الشرقي من مصر أو الجزء العلوي من أراضي نهر النيل، وتمتد من الجيزة شمالاً حتى أسوان جنوباً، وإلى الحدود مع السودان، وشرقاً بمحاذاة البحر الأحمر، ويتميز الصعيد بخصوبة أراضيه، لذلك تنتشر فيه الزراعة وخاصة قصب السكر، ينظر: «ويكيبيديا»، وكل أرض مستوية فهي صعيد، ينظر: «الكليات» (1/ 543)، «المعجم الوسيط» (1/ 514).
(¬2) عنوة، أي قسراً، وفتحت هذه المدينة عنوة، أي بالقتال، قوتل أهلها حتى غلبوا عليها وعجزوا عن حفظها، فتركوها وجلوا من غير أن يجرى بينهم وبين المسلمين فيها عقد صلح، فالإجماع على أن العنوة هي الأخذ بالقهر والغلبة، دفن تحته عمرو بن العاص وقيل: هو الجبل الذي صعد فيه ابن سيدنا نوح عليه السلام للنجاة من الطوفان، ينظر «تاج العروس» (39/ 116) و «لسان العرب» (4/ 3144).
(¬3) الحديث: نقيض القديم، حدث الشيء يحدث حدوثا وحداثة، فهو محدث وحديث. «لسان العرب» (2/ 131).
(¬4) قال صاحب البدائع: «إحداث الكنيسة في مصر من أمصار المسلمين ممنوع عنه شرعا، فإن مصر الإمام مصرا للمسلمين، كما مصر سيدنا عمر الكوفة والبصرة، فاشترى قوم من= =أهل الذمة دورا، وأرادوا أن يتخذوا فيها كنائس لا يمكنوا من ذلك لما قلنا، وكذلك لو تخلى رجل في صومعته منع من ذلك؛ لأن ذلك في معنى اتخاذ الكنيسة، وكل مصر من أمصار المشركين ظهر عليه الإمام عنوة، وجعلهم ذمة فما كان فيه كنيسة قديمة منعهم من الصلاة في تلك الكنائس؛ لأنه لما فتح عنوة فقد استحقه المسلمون، فيمنعهم من الصلاة فيها، ويأمرهم أن يتخذوها مساكن». «البدائع» (7/ 114).
[فتكونُ منها القاهرةُ المعزيةُ؛ لأنَّها] (¬1) إسلامية، مصَّرها المسلمونَ، فتُمنعُ أهلُ الذِّمَّةِ من الاجتماعِ لصلاتِهم في بيتٍ من بيوت أحدِهم، ليس مبنيَّاً
كنيسةٍ ولا بِيَعة ولا دَيراً، فإنَّ اجتماعَهُم يُصيُرُه مثلَها حُكماً، وهذا لا يجوز [فكيف لا يمنعون بهدم هذا الدَير، واتخاذه مسجداً؟!
[وسنَذكرُ فتوى الأئمَّةِ بمنعهم منَ الاجتماعِ في محلٍّ لا يُسمى كنيسةً، فإَنَّهُ يُصيرُهُ كنيسةً حُكماً، وقد حصلَ الآن أنَّهم يجتمعونَ في بيتِ وقفٍ من أوقافِ المسلمينَ، أنشأَهُ واقِفُه بساحل النيلِ (¬2) بمدينة ........................
بولاقَ (¬3) تجتمع فيه اليهودُ ومُظهرينَ في خُروجهم إليه زِيَّهم على عواتقِهم، ويسمعُ المسلمون ومن يمرُّ أصواتَهم، فإنَّهم يرفعونها بفعلهم المنكرِ القبيحِ، وهذا من المنكَرِ الذي يلزَمُ إزالتُه] (¬4).
واعلم أن مصر القديمةَ المحروسةَ فُتحت عَنْوَة، [وصارتْ أراضيها الآن لِبيتِ المالِ.
قال الكَمالُ بنُ الهُمامُ: «لانقطاعِ مُلَّاكها بالموتِ من غيرِ إخلافِ وارثٍ».
¬
(¬1) «زيادة من د» وذكرت فقرة شبيهة بالمعنى في (أ، ب، ج): «فهذه مصر المحروسة القاهرة مصر».
(¬2) أطول أنهار الكرة الأرضية ويقع في قارة أفريقيا، يجتمع في عاصمة السودان، ويتكون من رافدين رئيسيين وهما: النيل الأبيض والنيل الأزرق. ينظر «ويكيبيديا».
(¬3) حي قديم من أحياء القاهرة، تقع على ضفة النيل الشرقية، اختلف في معنى بولاق، فالبعض قال: إن أصل الكلمة هو «بو» أي: الجميلة بالفرنسية و «لاك البحيرة» أي: البحيرة الجميلة، وهي مدينة كبيرة على ضفاف النيل بمصر، ينظر: «ويكبيديا» «معجم متن اللغة» (1/ 371).
(¬4) «زيادة من د» وذكرت فقرة شبيهة بالمعنى في (أ، ب، ج): «وقد أفتى الأئمة الأربعة بمنعهم من الاجتماع في بيت لعبادتهم كما ذكرنا».
تنبيه: كلُ بلدةٍ فُتحت عَنْوَة، وفيها كنيسةٌ أو نحوها، حكما بأنَّها بُنيت مسكناً لا مَعبداً، فلا يُمنعون من ذلكَ فيها، بل من الإظهارِ .................
كما في «فَتْح الْقَدِير» (¬1): «والثالثةُ من الكنائسِ ما أُحدثَ، فلا يجوزُ مُطلقاً لا في أرضٍ فُتحت عَنْوَة، ولا صُلحاً وسنذكره بعد هذا إن شاء الله تعالى»] (¬2).
¬
(¬1) لابن همام الْحنفِيّ، وهو شرح على «الهداية»، قال صاحبه عن سبب تسميته: «ولما جاء بفضل الله ورحمته أكبر من قدري بما لا ينتسب بنسبة، علمت أنه من فتح جود القادر على كل شيء، فسميته ولله المنة «فتح القدير» للعاجز الفقير ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم»، إلا أن ابن الهمام توفي قبل أن يتمه، حيث وصل فيه إلى كتاب الوكالة، فأتمه الإمام قاضي
زاده الرومي في كتابه «نتائج الأفكار في كشف الرموز والأسرار»، وقد طبعت المطبعة الكبرى الأميرية ببولاق مصر، سنة 1315هـ، في تسع مجلدات، كتاب «فتح القدير» مع تكملته ومعه كتاب «الكفاية» بشرح «الهداية» للخوارزمي وبهامشه «العناية» بشرح «الهداية» للبابرتي، وحاشية سعد جلبي على شرح العناية. ينظر: «معجم المطبوعات» (1/ 279).
(¬2) «زيادة من د» وذكرت فقرة شبيهة بالمعنى في (أ، ب، ج): «وكان محل القاهرة صحراء خالية، فأنشأ المسلمون بها القاهرة كما ذكرناه، وحكم مصر الذي كان بأيدي الكفار ثم افتتحها المسلمون عنوة، وفيها كنائس، تبقى مسكنا يستغله المسلمون، ولا يجعل معبدا كما كانت، فيمنعون من الاجتماع فيها لعبادتهم وأما التي فتحت صلحا فتقر معابدهم على ما كانوا عليه قبل الفتح، ولكن لا يظهرون شعارهم كما قاله الكمال بن الهمام، هذا فيما كان مبنيا قبل الفتح، وأما بعده فلا يحدث فيه شيء من الكنائس ونحوها، سواء فتحت صلحا أو عنوة.
[واعلم أنَّ سفحَ (¬1) الجبلِ المُقَطَّمِ (¬2) وقَفَه أميرُ المؤمنينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ (، لدفنِ موتَى المسلمينَ، حين عرض عليه عَمْرو بن العَاص ((¬3) ما أراده المقوقس (¬4) من شراء سفح الجبل المقطم بسبعين ألف دينار، فأرسل إليه ......
¬
(¬1) السفح أصل الجبل. «لسان العرب» (2/ 485) وقيل: أسفله الذي يغلظ فيسفح فيه الماء. «المعجم الوسيط» (1/ 432).
(¬2) هو جبل يقع في القاهرة وسبب تسميته: لأن أطرافه منقطعة، وقيل مأخوذ من القطم وهو القطع كأنه منقطع الشجر والنبات، وهو مثلث الشكل على هيئة هضبة متوسطة الارتفاع تبلغ مساحتها 14 كم، وينقسم إلى ثلاث هضبات: الهضبة العليا والوسطى والصغرى. ينظر «ويكبيديا».
(¬3) هو عمرو بن العاص بن وائل السهمي القرشي الكناني، أسلم سنة ثمان قبل الفتح، قال قبيصة بن جابر: «قد صحبت عمرو بن العاص، فما رأيت رجلا أبين، أو أنصع رأياً، ولا أكرم جليساً منه، ولا أشبه سريرة بعلانية منه»، توفي في مصر وله من العمر ثمانية وثمانون سنة ودفن قرب المقطم، ينظر: «سيرة ابن هشام» (2/ 276) و «الاستيعاب في معرفة الأصحاب» (3/ 1184) و «تهذيب الكمال» (2/ 211)، و «سير أعلام النبلاء» (3/ 57).
(¬4) ملك الإسكندرية. «تاج العروس» (15/ 314) ولقب لكل من ملك مصر والإسكندرية قبل الإسلام وطائر مطوق طوقا سواده في بياض كالحمام. ينظر: «المعجم الوسيط» (2/ 767) «القاموس المحيط» (1/ 567).
عمر (: «سله-أي المقوقس-لِمَ يرغب فيه بذلك-أي المال الجزيل-؟ وهو لا يُزرع ولا ينتفع به، ولا يستنبط به ماء»، قال: «نجد في الكتب أنه غراس أهل (¬1) الجنة»، فكتب عَمْرو بن العَاص (إلى أمير المؤمنين عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ (بذلك، فقال: «إنَّا لا نعلم غراس الجنَّة إلا المسلمين، فلا تبعه بشيء، وأبقه لمن مات قبلك من المسلمين»] (¬2).
وسفحُ الجبل شاملٌ لمَحلِ ذلك الدَير، لأنَّه داخل الصور المحيط بتجديد القاهرة (¬3) المحدَّدة (¬4) في سفح الجبل إسلامية، فلا يبقى بحال.
وأمَّا المساجدَ والبيوتَ التي به، فللإمام إبقاؤها لنفع المسلمين العام، وما رآه المسلمون حسناً فه عند الله حسن، وليس من الحسن اتخاذُ دَيرٍ بأرض، لم يكن بها مدينة قبل فتح المسلمين لها.
¬
(¬1) «ساقطة من أ».
(¬2) «ساقطة من د» وذكرت القصة مختصرة في (د): «واعلم أن سفح الجبل المقطم وقفه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، لدفن موتى المسلمين، حين أراد القبط شراءه من فاتح مصر عمرو بن العاص بسبعين ألف دينار، فقال: لم ترغبون فيه؟ وهو لا يزرع، ولا يناله الماء، قالوا: نجده في كتبنا غراس الجنة فنجعله لموتانا، فكتب إلى أمير المؤمنين بذلك، فقال عمر: المسلمون أولى به، ووقفه لدفن موتاهم، وسنذكر القصة أيضا».
(¬3) في (ب) «بالقاهرة».
(¬4) في (ب-ج) «المجددة».
[وذكرَ العلماءُ أنَّ سفح المًقطم ينتهي إلى نحو الجامعِ الأزهر (¬1) وما هو بِحيالِه لنحو الشَّارع الأعظم، منه تلك المَحَلَّة التي بها الدَير؛ لأنَّ الصحراء تشمَلًها قبل وضعِ السٌّورِ، فهي أرضٌ موقوفةٌ على دفنِ المسلمين لا تُملَكُ، ووقفُ البناء باطلٌ لم يُتعارفْ على هذا النَّحوِ الذي فعلَتْه النَّصارى بهذا المحل وسمَّوه دَيراً، ووضعوا فيه الصُّورَ والأوثانَ والصُّلبانَ، فلا يبقى بحالٍ
ألبتَّةَ على صفةِ كونهِ دَيراً، إلَّا على تغيُّرِه مسجداً للمسلمينَ؛ لأنَّهُ نفعٌ عامٌ لهم كما تقدَّمَ] (¬2).
¬
(¬1) هذا الجامع أول جامع أسس بالقاهرة، أنشأه القائد جوهر الكاتب الصقلي مولى المعز لدين الله لما اختط القاهرة، وابتدأ بناءه سنة 359هـ، وكمل بناؤه 361هـ، وكان به طلسم، لا يسكنه عصفور ولا يمام ولا حمام، ثم جدده الحاكم بأمر الله، ووقف عليه أوقافا، وجعل فيه تنورين فضة وسبعة وعشرين قنديلا فضة، ولم تنقطع الجمعة من الجامع الأزهر بالكلي. ينظر: «حسن المحاضرة» (2/ 252) و «المواعظ والاعتبار» (4/ 51).
(¬2) «زيادة من د».
وقد أفتى العلَّامة قاضي القضاة شيخ الإسلام ابنُ الشِّحْنَة (¬1) الْحَنَفِيّ (¬2) بأنّ ولي الأمر يجعلُ للمسلمينَ مسجداً من الأراضي الموقوفةِ، كما تُجعلُ (¬3) القنطرةُ فيها لهم (¬4)، [فكذلكَ يُجعلُ البناءُ الذي صار لبيتِ المالِ مسجداً بأرضهِ، والجامعُ بينهما عمومُ النَّفعِ للمسلمينَ (¬5).
فإنْ قلتَ: أليسَ وقفُ الذِّميِّ على فقراءِ أهل الذِّمَّةِ جائزاً (¬6) ...........
قلتُ: بلى
فإنْ قلتَ: فكذلكَ يجوزُ منه هنا على فقراءِ الدَير المذكورِ
قلتُ: هذا منك مُغالطةٌ أو غفلةٌ؛ لأنَّك تُثبتُ وقفاً صحيحاً ومُستحقاً موجوداً بصفتهِ التي شرطها الواقِفُ، وكلٌّ منهما مفقودٌ هُنا.
¬
(¬1) هو عبد البر بن محمد بن الشِّحنة، سرى الدين أبو البركات، الحلبي القاهري الْحنفِيّ، ولي قضاء الْحنفِيّة ببلده، قال الحمصي: «وكان عالماً متفنناً للعلوم الشرعية والعقلية»، له من التصانيف: «الإشارة والرمز إلى تحقيق الوقاية» وشرح الكنز» و «لسان الحكام في معرفة الأحكام»، توفي في الطاعون في حلب (851 - 882 هـ)، ينظر: «معجم المؤلفين» (7/ 86)، و «سير أعلام النبلاء» (16/ 292)، و «هدية العارفين» (1/ 21)، و «الأعلام» (1/ 230) و «الكواكب السائرة» (1/ 220).
(¬2) «زيادة من د»
(¬3) في (أ، ب، ج) «يجعل»
(¬4) «ساقطة من د»
(¬5) ذكر صاحب اللباب: «يختار في الوقف ما هو الأنفع والأصلح للوقف» «اللباب» (2/ 182)، وقال ابن عابدين: «يرجح ما هو الأنفع للوقف» «رد المحتار» (6/ 9)
(¬6) قال ابن الهمام: «فلو وقف الذمي على ولده ونسله، وجعل آخره للمساكين جاز» «فتح القدير» (6/ 200).
أمَّا الوقفُ؛ فلأنَّه لا يكونُ عندَ الإمامِ الأعظمِ إلَّا في العقارِ (¬1)، والبناء بالتَّبعيَّةِ له، ولا عقارَ هُنا؛ لأنَّ الأرضَ لم تُملَكْ؛ لأنَها فُتحت عَنْوَة، ووقَفَها
أميرُ المؤمنين عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ (-كما تقدم-على تلكَ الجهةِ التي أرادها لدَفنِ الموتى من المسلمينَ، وهو قُبيلَ هذا، فصارَ هذا وقفَ بناءٍ غيرِ تابعٍ لأرضٍ، فبطلَ وقفُه؛ لأنَّه منقولٌ، وليس محلاً للوقفِ ابتداءً.
وأمَّا الموقوفُ عليه هنا، فهو مفقودٌ أيضاً؛ لأنَّ الذِّمِّيَّ الذي أرادَه الواقفُ لو صحَّ الوقفُ منه عليه خصَّه بصفةِ كونهِ من أهلِ مَحَلَّة كذا، وكونِه وارِداً على دَير كذا، وأنَّه ليسَ موجُوداً بانتفاءِ وُجودِ الدَير بما قدَّمناهُ.
فإن قلتَ: يلزمُ من ذلك عدمُ صحَّةِ وقفِ المساجد والمحلاَّت التي على هذه الأرضِ على قرباتٍ.
¬
(¬1) قال الإمام المرْغِيناني: «ويجوز وقف العقار؛ لأن جماعة من الصحابة رضوان الله عليهم وقفوه، ولا يجوز وقف ما ينقل ويحول» «الهداية» (3/ 17).
قلتُ: هذا منكَ عجبٌ؛ لأنَّك علمتَ جوازَ وقفِ بعض ما هو للعامَّةِ على العموم، والمساجدُ من هذا القَبيلِ، والوقف على القُرباتِ صحَّ باعتبار تعاملُ النَّاسِ ذلك وتعارُفِهم، ولا مانعَ منهُ على الذي اختاره أهل الفتوى ممَّن سلَفَ؛ كقارئ «الْهِدَايَة» الشَّيخِ الإمامِ سِرَاجُ الدِّينِ (¬1) شيخِ العلَّامة المحقِّق ابْنَ الْهُمَامِ رحمهم اللهُ، وعليه غالبُ أوقافِ مصرَ والقاهرةِ، وقفُ بناءٍ بدونِ أرضٍ، وحكم قُضاةُ الإسلامِ بصحَّتِه، وتقرير وُلاةِ الأمورِ النَّاسَ على ذلك فيما مضى وإلى الآنَ، وما رآه المؤمنونَ حسناً فهو عندَ الله حسنٌ] (¬2).
ونص المذهبِ كما قال في الْكَنْز (¬3):
¬
(¬1) هو عمر بن علي بن فارس الكناني القاهري الحسيني، أبو حفص، سراج الدين المعروف بقارئ الهداية، قال صاحب الضوء اللامع: «وسبب تسميته بقارئ الهداية؛ لأنه قرأ كتاب الهداية على شيخه البابرْتيّ ست عشرة سنة، وصار أفضل منه»، وقال الجلال البقيني: «هو أبو حنيفة زمانه»، من مؤلفاته: «أجوبة على سؤالات سألها بعض الحكام» «فتاوى قارئ الهداية»، (829هـ)، ينظر: «الضوء اللامع» (6/ 109 - 110) و «شذرات الذهب» (7: 191) و «ديوان الإسلام» (4/ 8).
(¬2) «زيادة من د»
(¬3) لعبد الله بن أحمد بن محمود حافظ الدين أبو البركات النّسفيّ، قال الإمام حسام الدين السغناقي: «الإمام الزاهد، رئيس أهل الطريقة، تاج أهل الحقيقة، مصنف آخر الزمان، نفاع طلبة العلم الذين هجروا الأوطان»، من مصنفاته: «مدارك التنزيل»، و «المنافع»، «عمدة العقائد» (710هـ). ينظر: «الجواهر المضية» (1/ 271) و «هدية العارفين» (1/ 464).
وكتاب الكنز: في فروع الْحنفِيّة، أوله: «الحمد لله الذي أعز العلم في الأعصار .... »، لخص فيه: (الوافي)،بذكر ما عم وقوعه، حاويا لمسائل الفتاوى والواقعات، واعتنى به الفقهاء، فشرحه: الإمام، فخر الدين الزيلعي وسماه: «تبيين الحقائق»، وابن العيني وسماه: «رمز الحقائق»، قال فيه: «لما رأيت الهمم مائلة إلى المختصرات، والطباع راغبة عن المطولات، أردت أن ألخص الوافي بذكر ما عم وقوعه، وكثر وجوده لتكثر فائدته ....... »، طبع هذا المتن عدة مرات منها: «في مطبعة المجيدي في كانغور في الهند سنة (1320هـ)» و في الهند سنة (1328هـ) وعليه حاشية للشيخ محمد أحسن الصديقي النانوتوي، ثم أعادت نشره المكتبة الإمدادية في ملتان ـ باكستان». ينظر: «كشف الظنون» (2/ 1516)، و «لآلئ المحار» (1/ 258).
«أنَّهُ للإمامِ أن يقطعَ أغصاناً (¬1) من الجادَّةِ (¬2) إنْ لم يضُّرُ بالمارَّةِ، وأنَّه يجوزُ جَعلُ بعضِ الطَّريقِ مسجداً، ............
وبعضِ المسجدِ طريقاً.
وعلى ذلك صحَّةُ وقفِ الجامعَيْنِ بساحلِ النِّيلِ بمدينةِ بولاق؛ كالسُّلَيمانيَّةِ (¬3)، والسِّنانيَّةِ (¬4) [في حريم النَّهرِ] (¬5)، وجامع الخطيري (¬6).
¬
(¬1) في (أ-ج) «إنسانا».
(¬2) قال أبو حنيفة: الجادة الطريق إلى الماء. «لسان العرب» (3/ 110).
(¬3) إحدى القرى التابعة لمصر، وهي محلة كبيرة كالمحلة العظيمة بظاهر حلب، بين بنائها وسور المدينة رمية سهم من جهة القبلة والغرب، ينظر: «معجم البلدان» (2/ 206).
(¬4) إحدى قرى محافظة دمياط في جمهورية مصر العربية، تقع بموقع متميز بدمياط بين النيل وميناء ودمياط وكفر البطيخ ورأس البر وبها القناة الملاحية، تشتهر بزراعة الليمون والموالح والبلح والرطب، وتشتهر بصناعة الصالونات والجبن والحلويات، يوجد فيها كثير من البنوك والمصانع، وبها ميناء دمياط ومطاحن الدلتا، «ويكبيديا».
(¬5) «زيادة من د»، وقد اختلف أبو يوسف ومحمد في تقديره، فعند أبي يوسف قدر نصف بطن النهر من كل جانب النصف من هذا الجانب والنصف من ذلك الجانب، وعند محمد قدر جميع بطن النهر من كل جانب قدر جميعه، ينظر: «البدائع» (6/ 195).
(¬6) موقعه ببولاق خارج القاهرة، يتوسط المسجد صحن صغير يحيط به من ثلاث جهات، يوجد به ضريح الشيخ سلمان تجاه باب الوسط عليه قبة ومقصورة من الخشب، والضريح عبارة عن حجرة صغيرة مربعة الشكل في أركانها الأربعة، وبجوار الضريح يوجد خزانة للكتب بجوارها باب يسمى باب القبة، وفي وسط جدار القبلة يوجد المحراب وقد كتب أعلاه «كلما دخل عليه زكريا المحراب وجد عندها رزقا» «ويكيبيديا».
وصِحَّةُ الجمُعةِ والعيدين (¬1) فيها (¬2) كباقي المساجدِ على الرَّاجحِ من المذهب (¬3)، وهو جوازُ تعدّد (¬4) الجمعةِ بمصر في مواضعَ كثيرةٍ دفعاً للحرجِ، ومِن لازِمِه سُقوطُ اعتبارِ السَّبقِ، فتصحُّ المُتأخِّرةُ كالمتقدِّمةِ للضرورة».
[وأمَّا وقفُ بناءٍ بتلكَ الأرضِ من كافرٍ على تلك الصِّفةِ، فليسَ مُتعارَفاً، ولا جائزاً، ولا يراهُ المؤمنونَ حَسَناً ولا صحيحاً، بل مُنكَراً قبيحاً، فبطَلَ على مُوجبِ الأصلِ وَقفُه، وأيضاً وقفُ الذِّميِّ في حدِّ ذاتِه إذا صحَّ كما قدَّمناهُ، تُراعى شروطُه وأوصافه، فإذا قُيِّدَ بفقرٍ، مَحَلَّةِ كذا، وبلدةِ كذا، أو فقيرٍ يهوديِّ أو نصرانيٍّ اعتُبرَ ذلك (¬5)، ولكن هذا غيرُ مُتصوَّرٍ وجودُه هنا؛ لأنَّه
لا دَير ليُسنَدَ إليه واردٌ فقيرٌ ذميٌ، والشَّيءُ ينتفي بانتفاء جُزئِه، وينعدمُ بانعدامِ شرطِه، فليُتنبَّه له] (¬6)، هذا ما يتعلَّقُ بافتِراض إزالةِ ذلك الدَير والبناءِ وتغييرِه مسجداً.
¬
(¬1) «ساقطة من د».
(¬2) في (د) «فيهما».
(¬3) ذكر الكاساني: «وأما إقامة الجمعة في مصر واحد في موضعين فقد ذكر الكرخي: أنه لا بأس بأن يجمعوا في موضعين أو ثلاثة عند محمد» «البدائع» (1/ 260).
(¬4) في (د) «إقامة».
(¬5) قال ابن نجيم: «وأما الإسلام فليس من شرطه فصح وقف الذمي بشرط كونه قربة عندنا وعندهم كما لو وقف على أولاده أو على الفقراء أو على فقراء أهل الذمة فإن عمم جاز الصرف إلى كل فقير مسلم أو كافر وإن خصص فقراء أهل الذمة اعتبر شرطه كما نص عليه الْخصّافُ» «البحر الرائق» (5/ 204).
(¬6) «زيادة من د».
وأمَّا حكمُ أهلِ الذِّمةِ بمُوجبِ إحداثِ الدَير: ففي شُروطِ أمير المؤمنينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ (عليهم أنَّهم شرَطوا على أنفُسِهم للمُسلمينَ أن لا يُحدِثُوا في مدائننا، ولا فيما حولَها دَيراً، ولا كنيسةً، ولا بِيَعة، ولا صومعةَ راهبٍ، فإنْ نحنُ خالَفْنا شيئاً ممَّا شرَطناهُ لكم على أنفسِنا فلا ذِمَّةَ لنا، وقد حلَّ لكم منَّا ما يحِلُّ لأهلِ المعاندةِ والشِّقاقِ، ومن ضرَبَ مُسلماً عمْداً فقد خلعَ عهدَه.
[وقد ذكرَ هذا العهدَ من أئمَّةِ الحديثِ أبو عُبيدٍ (¬1)، واعتمد عليها الفُقهاءُ من كلِّ مذهبٍ، وكذا نقلَه القاضي بدرُ الدِّينِ .......................
¬
(¬1) هو القاسم بن سلام الهروي الأزدي الخراساني البغدادي، قال الجاحظ: «لم يكتب الناس أصح من كتبه، ولا أكثر فائدة»، من مؤلفاته: «الغريب المصنف في غريب الحديث»، و «الطهور في الحديث»، (157 - 224 هـ)، ينظر: «الأعلام» (5/ 176) و «معجم المؤلفين» (1/ 229).
الْقَرَافِيُّ (¬1)، ومن هذا القبيلِ ما ذكرهُ المؤرِّخونَ: أنَّ المشهدَ الحُسينيَّ (¬2) إنَّما وُضعَ في داخل مقبرةٍ كانت تُدعى تُربةَ الزَّعفرانِ (¬3)، وأنَّ خانَ
¬
(¬1) هو محمد بن يحيى بن عمر بن يونس، بدر الدين القرافي، المالكي، قال صاحب خلاصة الأثر: «رئيس العلماء في عصره وشيخ المالكية كان صدراً من صدور العلم، له همة عالية وطلاقة وجه مع الخلق»، ومن مصنفاته: «القول المأنوس بتحرير ما في القاموس» و «رسالة في بعض أحكام الوقف»، (939 - 1008 هـ)، ينظر: «الأعلام» (7/ 140) و «خلاصة الأثر» (4/ 258).
(¬2) قال المقريزي: «هذا المسجد أنهي في مستهل سنة 662 هـ، للملك الظاهر ركن الدين بيبرس، وهو بدار العدل، أن مسجدا على باب مشهد السيد الحسين عليه السلام، وإلى جانبه مكان من حقوق القصر بيع وحمل ثمنه للديوان، وهو ستة آلاف درهم، فسأل السلطان عن صورة المسجد وهذا الموضع، وهل كل منهما بمفرده أو عليهما حائط دائر، فقيل له إن بينهما زرب قصب، فأمر برد المبلغ وأبقى الجميع مسجدا، وأمر بعمارة ذلك مسجدا لله تعالى. «المواعظ والاعتبار» (4/ 279).
(¬3) قال المقريزي: «مكانه الآن بجوار خان الخليلي من بحريه، مقابل فندق المهمندار الذي يدق فيه ورق الذهب، وقد بني بأعلاه طبقة، ورواق ولا يكاد يعرفه كثير من الناس، وعليه كتابة بالقلم الكوفي، وهذا الباب كان يتوصل منه إلى تربة القصر، ويعرف بخط الزراكشة العتيق» «المواعظ والاعتبار» (2/ 206).
الخَليليِّ (¬1) كان مقبرةً للماضين؛ كالفاطميِّينَ وأنَّ الجامعَ الأزهرَ لمَّا حُفرَ في صحنهِ ليُجعلَ صِهريجاً (¬2) لمرحومِ الخَواجا ابنُ طُعَيمَةُ في زمنٍ غيرَ بعيدٍ، وجَدوا قُبوراً فيها الموتى بصحنِ الجامعِ الأزهرِ، تحوَّلت عِظامُهم ونُقلَت لضرورةِ الحفرِ للصِّهريجِ.
فوَضْعُ المساجد كالجامعِ الأزهرِ بهذهِ الأرضِ؛ لأنَّها للعامَّةِ، وتبِعَها ما هو ضرورةُ المصالحِ والسُّكنى لاتِّساع تلك الأرضِ لكنْ في زمنِ الجراكِسةِ (¬3)
كثُرتِ الأبنيةُ من تُربٍ ورِباطاتٍ ومساجدَ وغيرها، حتَّى ملأتِ الصحراءَ، وغالبُها الآن قد خرِبَ ونُقلَتْ أنقاضُه، وبقيَتْ آثاره إلَّا ما ندَرَ من أوقافٍ كبيرةٍ لُملوكٍ ونحوِها:
¬
(¬1) «هذا الخان بخط الزراكشة العتيق بالقاهرة، كان موضعه تربة القصر التي فيها قبور الخلفاء الفاطميين المعروفة بتربة الزعفران، أنشأه الأمير جهاركس الخليلي أميراخور الملك الظاهر برقوق، وأخرج منها عظام الأموات في المزابل على الحمير وألقاها بكيمان البرقية». ينظر: «المواعظ والاعتبار» (3/ 171) «النجوم الزاهرة» (15/ 636).
(¬2) قال ابن منظور: «الصهريج: واحد الصهاريج، وهي كالحياض يجتمع فيها الماء» «لسان العرب» (2/ 312)
(¬3) الشراكسة (أو الجركس) واليونان هم أول من أطلق عليهم هذا الاسم، ويطلق حاليا على أعراق شمال القوقاز، يقطنون حاليا في شركيسيا والقبردي والأديغي والسواحل الشمالية الغربية للقوقاز على البحر الأسود، والشيشان، وبعض القبائل القليلة من الداغستان، هاجر الكثير منهم إلى بلاد الشام وباقي أرجاء الدولة العثمانية هجرة قسرية نتيجة للحرب التي استمرت قرابة المائة وعشرين عاماً مع روسيا القيصرية، استقر معظم الشراكسة المهاجرين في تركيا، بينما استقرت مجموعات منهم في بعض بلاد الشام مثل سوريا والأردن وفلسطين. ينظر: «الموسوعة التاريخية» (9/ 185).
• كمسجدِ السُّلطانِ قايِتْبَاي (¬1).
• والسُّلطان الأَشْرَفِ بَرْسْباي (¬2).
• والسُّلطانِ بَرقوق (¬3)، رحمهم الله تعالى.
¬
(¬1) هو قايتباي بن عبد الله أبو النصر الجركسي الظاهري، الملك الأشرف نسبة إلى الملك الظاهر جقمق، بويع له بالسلطنة سنة 872هـ بحضرة الخليفة المستنجد بالله أبي المظفر، وقضاة القضاة الأربعة الولوي الشافعي، وابن الشحنة الْحنفِيّ، والحسام بن محمد المالكي، والعز أحمد العسقلاني الحنبلي، قال النجم الغزي: «كان بين السلطان قايتباي وبين الجد رحمه الله غاية الاتحاد، ولكل منهما في الآخر مزيد الاعتقاد، وكان الجد يقطع له بالولاية» (826 - 901هـ)، ينظر: «الكواكب السائرة» (1/ 299)، و «شذرات الذهب» (10/ 13).
(¬2) هو برسباي الدقماقي الظاهري، أبو النصر، صاحب مصر جركسي الأصل، وتلقب بالملك «الأشرف» سنة824 فأطاعه الأمراء وهدأت البلاد في أيامه، قال ابن إياس: «كان ملكا جليلا مبجلا منقادا للشريعة يحب أهل العلم، مهيبا مع لين جانب، كفؤا للملك إلا أنه كان عنده طمع زائد في تحصيل الأموال، وكان خيار ملوك الجراكسة»، (766 - 841 هـ)، ينظر: «الأعلام» (2/ 48) و «النجوم الزاهرة» (13/ 81).
(¬3) برقوق بن أنس العثماني، أبو سعيد، ولقبه سيف الدين، الملك الظاهر، أول من ملك مصر من الشراكسة، قال السخاوي: «وكان حازماً شجاعاً فيه دهاء ومضاء»، قيل اشتهر ببرقوق لجحوظ عينيه، جلس على تخت الملك سنة 784هـ، بعد أن اجتمع الخليفة المتوكل على الله والقضاة وشيخ الإسلام سراج الدين البلقينى وخطب الخليفة المتوكل على الله خطبة بليغة، ثم بايعه على السلطنة وقلده أمور المملكة ثم بايعه من بعده القضاة والأمراء، وتلقب بالملك (الظاهر)،وانقادت إليه مصر والشام، وقام بأعمال من الإصلاح، وبنى المدرسة البرقوقية، (738 - 801 هـ)، ينظر: «الأعلام» (2/ 48)، و «النجوم الزاهرة» (11/ 221).
[وليس مثل ذلك أن يبني كافرٌ دَيراً أو كنيسة في مدينة إسلامية، لم يضع الكفر عليها يداً، وقد أجمع أئمة الإسلام على المنع من ذلك] (¬1).
وملخّص الحكم في هذا (¬2) البناء الذي جُعِلَ (¬3) دَيراً [عندَ جميعِ أهلِ مصرَ المحروسةِ] (¬4) وبَلَغَ خبرُه لعامة المسلمين، وكَشف عليه قاضي القضاة بأمر صاحب الدولة وزير مولانا السلطان -نصره الله-أنّه يلزَمُ تغييرُه، ......
[وزوالُ اسمِ الدَير عنهُ مطلقاً] (¬5)، بجعله مسجداً، سواءٌ كانَ [على شكلِ الدَير عندهم أو خلافَه] (¬6)؛ لأنَّه هو مجتمعٌ لأهلِ الكفرِ والطُّغيانِ وعُبَّادِ الصُّورِ والأوثان (¬7)، من النَصَارى والقسّيسينَ (¬8) والرُّهبانِ.
وأنَّه محدَثٌ بعدَ الفتحِ الإسلامي بدون شكِّ في هذاالمكانِ الإسلاميِّ، وأنَّه يُفترَضُ فرضَ (¬9) عينٍ (¬10) على مولانا الوزيرِ، [وعلى ومولانا قاضي القُضاةِ حفظَهما الله تعالى، وبلغهمُا من كرمِه ورضاه] (¬11)؛ إعلانُ إزالةِ هذا المنكرِ الذي أجمعَ عُلماءُ الإسلامِ على لُزومِ إزالته وإزالةِ مِثلهِ، لقدرةِ وليِّ الأمرِ عليه من غيرِ احتياجٍ لأحدٍ في «إعانته على إزالته» (¬12).
¬
(¬1) «ساقطة من د».
(¬2) «ساقطة من ج»، في (د) «هذه الحادثة».
(¬3) في (د) سمي».
(¬4) «زيادة من د».
(¬5) «زيادة من د».
(¬6) «زيادة من د» وباقي النسخ «بنيه باقيا أو هالكا معلوما أو مجهولا».
(¬7) في (د) «والصلبان».
(¬8) القس: رئيس من رؤساء النصارى في الدين والعلم وكذا القسيس بكسر القاف. «مختار الصحاح» (1/ 253)، رأس النصارى: «تاج العروس» (16/ 261).
(¬9) «ساقطة من أ».
(¬10) «ساقطة من ب».
(¬11) «زيادة من د»، باقي النسخ «وعلى ولي الأمر».
(¬12) في (د) «إماطته».
[وقد وصلَ علمُ هذا النَّكيرِ لكلِّ أحدٍ بمصرَ المحروسةِ من كبيرٍ وصغيرٍ، فبعدَه] (¬1) لا يحلُّ لأحدٍ من المسلمين أن يُعينَ الدَّفعِ عنِ الكافرينَ ملَّةِ النَّصارى، ويدفعُ عنهم بإبقاءِ ذلكَ الدَير، فإنَّهُ كفرٌ، أقبحُ ذنبٍ، وأكبرُ كبيرةٍ، [لا تغفر] (¬2).
وإنَّهُ لا يبقى ولا يُمكَّن كافرٌ من الدُّخولِ فيه:
• سواءٌ [صحَّ صِفتُه دَيراً أو لا، وسواءٌ كانَ هناكَ وقفٌ للأبنيةِ المذكورةِ أو لا.
• وسواءٌ كان بانيه شَخصاً مُعيَّنا أولا.
• وسواءٌ وقفَ باقيَ الأبنيةِ المتَّصلةِ عليه أو لا.
• وسواءٌ كانت على الرٌّهبان به أو بغيره، أو على الفقراء النَّصارى الواردينَ إليه أو أعمَّ منهم من القِسِّيسينَ.
• وسواءٌ كانت على العمارةِ فيه وعلى آلته وترميمه، أو على زيت وقناديلَ وخُدَّامِ به، أو على من يَقومُ عليه كالمتولِّي (¬3) فإنَّ ذلك كلَّه باطلٌ وضلالٌ] (¬4).
حكمتِ الشريعةُ المحمَّديةُ ببُطلانِه حُكماً أظهرَ كُفرَ من عانَدَه وتكبَّرَ، فليحذَرِ الذين يُخالفونَ أمرَ اللهِ القاهرِ القادر أن تُصيبَهم فتنةٌ أو يصيبَهم عذابٌ أليم في الدُّنيا والآخرة، [كيوم القيامةِ وخزيهم في المحشرِ] (¬5).
¬
(¬1) «زيادة من د».
(¬2) في (د) «لا يغفره الله العليم الخبير».
(¬3) قال السرخسيي: «هو النائب عن الواقف» «المبسوط» (12/ 36)، وهو: من تولى أمر الأوقاف. وقام بتدبيرها، ينظر: «التعريفات الفقهية» (1/ 194)، «الفروق اللغوية» (1/ 206).
(¬4) «زيادة من د»، وذكر ملخصه في باقي النسخ بعبارة «وسواء كانت كان فيه صفة التماثيل أو غيرها، وسواء جعل للرهبان خاصة أو لأهل الذمة كلهم».
(¬5) «زيادة من د»، وذكرت عبارة شبيهة في باقي النسخ «مع الخزي الأكبر في يوم المعاد والحشر».
هذا هو الدِّينُ القويمُ، قد ألزمنا أداءَ الأمانةِ التي هي لله تعالى، فأدَّيناها كما أمرنا الله تعالى [فأوصلناها لوليّ الأمر-نصره الله تعالى-ليعمل بها، وجزاؤه على الله تعالى] (¬1).
قال الله سبحانَهُ: {وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة:42].
ولمَّا أنْ صدقَ هذا «العزمُ الصحيح» (¬2) والواردُ الرَّحمانيُّ الرجيح، وردَ الأمر في شعبان، [سنة ثلاث وستين وألف بهدم ذلك الدَير] (¬3).
ظهرَ في الوجودِ أثرُه وبانَ، فهُدمَ [أعالي بناء ذلك الدَير وبان] (¬4)، ونُكَّسَتْ [أعلامُه وقُهِرَ حِزبُه وهانَ، ألهَمَ اللهُ العزيزُ مولانا الوزيرَ وصان مقامَه الشريفَ عن أن يُنسبَ إليه تقصيرٌ فيما به شرَّفَه بكُلِ عصرٍ وأوان] (¬5).
فبرزَ أمرُه الواجبُ القبولُ على كلِّ إنسانٍ لمولانا شيخ الإسلام الذي هو القائمَ على ذوي الكفر وأولئك الرَّهبانِ المارقينَ (¬6) الناقضينَ للعهدِ
العُمريِّ بالمُخالفة [له بهذا الزَّمان، ولم يَمَلَّ قلبُه، ولم يَمَلَّ جسدُه منَ الحركةِ والذَّهابِ بذاتهِ، وينثَني عن المُرادِ لله العزيزِ المنَّانِ، فأعزَّه اللهُ ونصرَه فأيَّدَهُ بغايةِ الإمكان، لهدمِ أعالي الدَير إزالةً لضررِه عن المؤمنينَ، ويجعلُ بَدلَه مسجداً للعابدينَ، وإقامة شعائرِ الدِّينِ.
¬
(¬1) «ساقطة من د».
(¬2) «ساقطة من د».
(¬3) «ساقطة من د».
(¬4) باقي النسخ غير (د) «منه أعلاه».
(¬5) «زيادة من د»، وباقي النسخ «رؤوس الكفر ومن والاه».
(¬6) (المرق) معروف و (المرقة) أخص منه، و (مرق) القدر من باب نصر، و (أمرقها) أيضا أي أكثر مرقها، و (مرق) السهم من الرمية خرج من الجانب الآخر وبابه دخل. ومنه سميت الخوارج (مارقة) لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية» وجمع (المارق) (مراق). «مختار الصحاح» (1/ 239) والتمريق: الغناء. «تاج العروس» (26/ 386).
ففعلَ ذلك كلَّه بأسرعِ زمانٍ وحينٍ، وأُقيمَ به المِحرابُ قبلةً للكعبةِ كما أمر اللهً به سيَّدَ المرسلين، وقرَرَّ إماماً ومؤذناَ ووقاداَ وقائماً بالشَّعائر ليخدُمَ الواردينَ لأداء العبادةِ والصَّلوات الخمس، أعزَّه اللهَ ونصره كما أعزَّ ونصرَ الدِّينَ] (¬1).
وكانَ ذلك حاصلاً في سادسَ شهرِ رمضانَ المعظّم سنةَ ثلاثٍ وستِّينَ وألفٍ، فقُطعَ دابرُ القوم الذين ظلموا [فالله الشُكرُ على التَّوفيقِ لفعلِ هذا الأمر الحميدِ لإعزازِ الدَّينِ] (¬2).
¬
(¬1) في باقي النسخ غير (د) «لما شرط، عليهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -، وحل به دمهم وهان، ولم يمل قلبه، ولم يمل جسده، لمراد وترداد أعوان وركوب جواب العزم =
بالجزم فطعن قلوب الكافرين، وأهان الرهبان، وكسر صليبهم، وصدع أركان حزبهم، المهان، بإيجاد المراد في أسرع زمان، وجعله مسجدا، ونصب فيه المحراب، فنحر أهل الكفر وطعنهم، بأشد الحرب، وجعل له إماما ومؤذنا ليغيظ به حزبهم حين ينادي بالفلاح والصلاة أوقاتا وأياما وقيما ليقيم به شعائر الإسلام بأداء الصلوات الخمس، ورحل عنه حزبه المخزي وهدم وأزيل ما كان به وطمس، كأن لم يكن بالأمس، وطمس رسم الكفار وأهل العناد ذوي الرجس والنجس، ونصر دين الله العزيز، وجبر قلوب المؤمنين».
(¬2) «زيادة من د».
والحمدُ لله ربِّ العالمينَ، وصلَّى الله على سيِّدنا محمَّد النَّبيِّ الأٌمِّيِّ [الناصرِ والمنشئِ للدينِ القويم، وعلى آله الذين بذلوا أنفسَهُم وأموالَهم لنصرهِمُ النبيِّ الكريم - صلى الله عليه وسلم -، وتشييدَ أركان الدين، وخزي الكافرين والمعاندين] (¬1).
[مؤلفها حسنُ الشُّرُنْبُلَالِيّ غفرَ الله له ولوالديه ولمشايخه ومحبيه ولطفَ بذريتِه والمسلمينَ في ربيعِ الأولِ سنة ثمانٍ وستينَ وألفٍ] (¬2)
المراجع
1. اتحاف الاريب بجواز استنابة الخطيب: لحسن بن عمار الشُّرُنْبُلَالِيّ الْحَنَفِيّ المتوفى (1069 هـ)، ت: الدكتور أحمد جبار عبد، جامعة ذي قار.
2. آثار البلاد وأخبار العباد: لزكريا بن محمد بن محمود القزويني (المتوفى: 682هـ)، دار صادر – بيروت، 1948م.
3. أحكام الْأَوْقَاف: لأحمد بن عمرو الشيباني أبو بكر الْخَصَّافُ (261هـ)، مطبعة بولاق الأميرية-تصوير مكتبة الثقافة الدينية، 1322هـ.
4. الاستيعاب في معرفة الأصحاب: لأبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم النمري القرطبي (المتوفى: 463هـ)، ت: علي محمد البجاوي، دار الجيل، بيروت، ط1، 1412 هـ -1992 م.
5. أسماء الكتب المتمم لكشف الظنون: لعبد اللطيف بن محمد بن مصطفى المتخلص بلطفي، الشهير بـ «رِياض زَادَه» الْحَنَفِيّ (المتوفى: 1078هـ)، ت: الدكتور محمد التونجي، دار الفكر –دمشق، ط3، 1983م.
¬
(¬1) «ساقطة من د» وجميع النسخ فيها العبارة التالية ما عدا (د) «وهذا ملخص من الجواب الأصلي تقريبا للطالبين، وأهل الإسلام المفلحين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا دائما إلى يوم الدين والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم».
(¬2) «ساقطة من د».
6. إيضاح المكنون في الذيل على كشف الظنون: لإسماعيل بن محمد أمين بن مير سليم الباباني البغدادي (المتوفى: 1399هـ)، عنى بتصحيحه وطبعه على نسخة المؤلف: محمد شرف الدين بالتقايا رئيس أمور الدين، والمعلم رفعت بيلكه الكليسى، دار إحياء التراث العربي، بيروت الْبَحْر الرَّائِق: لزين الدين بن إبراهيم بن محمد، المعروف بابْنُ نُجَيْمٍ المصري (المتوفى: 970هـ)، دار الكتاب الإسلامي، ط2.
7. البداية والنهاية: لأبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي (المتوفى: 774هـ)، ت: علي شيري، دار إحياء التراث العربي، ط1، 1408، هـ -1988 م.
8. البدر الطالع: لمحمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني (المتوفى: 1250هـ)، دار المعرفة –بيروت.
9. تاج التراجم: لقاسم بن قطلوبغا (ت879هـ)، ت: محمد خيب رمضان، دار القلم، ط1، 1992م.
10. تاج العروس من جواهر القاموس: لمحمّد بن محمّد بن عبد الرزّاق الحسيني، أبو الفيض، الملقّب بمرتضى، الزَّبيدي (المتوفى: 1205هـ)، دار الْهِدَايَة.
11. تاريخ الخلفاء الراشدين الفتوحات والإنجازات السياسية: لمحمد سهيل طقوش، دار النفائس، ط1، 1424هـ-2003م.
12. تاريخ الطبري، تاريخ الرسل والملوك: لمحمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي، أبو جعفر الطبري (المتوفى: 310هـ)، دار التراث – بيروت، ط2، 1387 هـ.
13. التعريفات الفقهية: لمحمد عميم الإحسان المجددي البركتي، دار الكتب العلمية (إعادة صف للطبعة القديمة في باكستان 1407هـ -1986م)، ط1، 1424هـ -2003م.
14. التلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير: لأبو الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني (المتوفى: 852هـ)، ت: أبو عاصم حسن بن عباس بن قطب، مؤسسة قرطبة – مصر، ط1،1416هـ/1995م.
15. تهذيب الكمال في أسماء الرجال: ليوسف بن عبد الرحمن بن يوسف، أبو الحجاج، جمال الدين ابن الزكي أبي محمد القضاعي الكلبي المزي (المتوفى: 742هـ)، ت د. بشار عواد معروف، مؤسسة الرسالة – بيروت، ط1، 1400 – 1980م.
16. الجواهر المضية في طبقات الْحَنَفِيّة: لعبد القادر بن محمد بن نصر الله القرشي، أبو محمد، محيي الدين الْحَنَفِيّ (المتوفى: 775هـ)، الناشر: مير محمد كتب خانه.
17. حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة: لعبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي (المتوفى: 911هـ)، ت: محمد أبو الفضل إبراهيم، دار إحياء الكتب العربية -عيسى البابي الحلبي وشركاه – مصر، ط1، 1387 هـ -1967م.
18. خزانة التراث: تحتضن فهارس المخطوطات الإسلامية في كل العالم، في إطار اهتمام مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية بالتراث، حتى بلغ عد عناوين هذه المخطوطات أكثر من 50 ألف عنوان، وتتجاوز «خزانة التراث» حاجز اللغة، باشتمالها على ترجمة للمعلومات المكتوبة بلغات متعددة كالفارسية والتركية والإنجليزية والألمانية والإيطالية.
19. خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر: لمحمد أمين بن فضل الله بن محب الدين بن محمد المحبي الحموي الأصل، الدمشقي (المتوفى: 1111هـ)، دار صادر – بيروت.
20. ديوان الإسلام: لشمس الدين أبو المعالي محمد بن عبد الرحمن بن الغزي (المتوفى: 1167هـ)، ت: سيد كسروي حسن، دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان، ط1، 1411 هـ -1990 م
21. رد المحتار على الدر المختار: لمحمد أمين بن عمر بن عبد العزيز عابدين الدمشقي الْحَنَفِيّ (المتوفى: 1252هـ)، دار الفكر-بيروت، ط2، 1412هـ -1992م.
22. سعادة أهل الاسلام بالمصافحة عقد الصلاة والسلام: لأبي الإخلاص حسن الشُّرُنْبُلَالِيّ (المتوفى 1069هـ)، ت: الدكتور أحمد محمود إبراهيم آل محمود، الطبعة الأولى، جامعة الْبَحْرين، (1418هـ -1997م).
23. سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر: لمحمد خليل بن علي بن محمد بن محمد مراد الحسيني، أبو الفضل (المتوفى: 1206هـ)، دار البشائر الإسلامية، ط3، 1408 هـ -1988 م
24. سير أعلام النبلاء: لشمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي (المتوفى: 748هـ)، ت: مجموعة من المحققين بإشراف الشيخ شعيب الأرناؤوط، مؤسسة الرسالة، ط3، 1405 هـ / 1985 م.
25. السيرة النبوية لابن هشام: لعبد الملك بن هشام بن أيوب الحميري المعافري، أبو محمد، جمال الدين (المتوفى: 213هـ)، ت: مصطفى السقا وإبراهيم الأبياري وعبد الحفيظ الشلبي، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر، ط2، 1375هـ -1955م.
26. شذرات الذهب في أخبار من ذهب: لعبد الحي بن أحمد بن محمد ابن العماد العَكري الحنبلي، أبو الفلاح (المتوفى: 1089هـ)، ت: محمود الأرناؤوط، خرج أحاديثه: عبد القادر الأرناؤوط، دار ابن كثير، دمشق – بيروت، ط1، 1406 هـ -1986م.
27. شمس العلوم ودواء كلام العرب من الكلوم: لنشوان بن سعيد الحميرى اليمني (المتوفى: 573هـ)، ت: د حسين بن عبد الله العمري -مطهر بن علي الإرياني -د يوسف عبد الله، دار الفكر المعاصر (بيروت -لبنان)، دار الفكر (دمشق -سورية)، ط1، 1420 هـ -1999 م.
28. الضوء اللامع لأهل القرن التاسع: لشمس الدين أبو الخير محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن أبي بكر بن عثمان بن محمد السخاوي (المتوفى: 902هـ)، دار مكتبة الحياة – بيروت، ط2، 1408 هـ = 1988 م.
29. الطبقات السنية في تراجم الْحَنَفِيّة: لتقي الدين بن عبد القادر التميمي الداري الغزي (المتوفى: 1010هـ)، ت: عبد الفتاح محمد الحلو، دار الرفاعي، ط1، 1983م.
30. عمدة الرعاية على شرح الوقاية: لعبد الحي اللَّكْنَوِيّ الْحَنَفِيّ (المتوفى 1304هـ)، ت: الدكتور صلاح أبو الحاج، ط1، دار الكتب العلمية،2009 م.
31. العين: لأبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم الفراهيدي البصري (المتوفى: 170هـ)، ت: د مهدي المخزومي، د إبراهيم السامرائي، دار ومكتبة الهلال.
32. فَتْح الْقَدِير: لكمال الدين محمد بن عبد الواحد السيواسي المعروف بابْنَ الْهُمَامِ (المتوفى: 861هـ)، دار الفكر، بدون طبعة.
33. فتوح مصر والمغرب: لعبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم، أبو القاسم المصري (المتوفى: 257هـ)، مكتبة الثقافة الدينية، 1415هـ.
34. الفروق اللغوية: لأبو هلال الحسن بن عبد الله بن سهل بن سعيد بن يحيى بن مهران العسكري (المتوفى: نحو 395هـ)، ت: محمد إبراهيم سليم، دار العلم والثقافة للنشر والتوزيع، القاهرة – مصر.
35. الفوائد البهية في تراجم الْحَنَفِيّة: لمحمد عبد الحي اللَّكْنَوِيّ (ت1304هـ)، ت: محمد بدر الدين النعساني، مطبعة السعادة، ط1، 1324هـ.
36. القاموس الفقهي: للدكتور سعدي أبو حبيب، دار الفكر. دمشق، ط2، 1408 هـ = 1988 م.
37. القاموس المحيط: لمجد الدين أبو طاهر محمد بن يعقوب الفيروز آبادي (المتوفى: 817هـ)، ت: مكتب تحقيق التراث في مؤسسة الرسالة، بإشراف: محمد نعيم العرقسُوسي، مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت – لبنان، ط8، 1426 هـ -2005 م.
38. الكامل في التاريخ: لأبو الحسن علي بن أبي الكرم محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني الجزري، عز الدين ابن الأثير (المتوفى: 630هـ)، ت: عمر عبد السلام تدمري، دار الكتاب العربي، بيروت – لبنان، ط1، 1417هـ / 1997م.
39. كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون: لمصطفى بن عبد الله كاتب جلبي القسطنطيني المشهور باسم حاجي خليفة أو الحاج خليفة (المتوفى: 1067هـ)، مكتبة المثنى -بغداد (وصورتها عدة دور لبنانية، بنفس ترقيم صفحاتها، مثل: دار إحياء التراث العربي، ودار العلوم الحديثة، ودار الكتب العلمية)، 1941م.
40. الكليات معجم في المصطلحات والفروق اللغوية: لأيوب بن موسى الحسيني الكفوي، أبو البقاء الْحَنَفِيّ (المتوفى: 1094هـ)، ت: عدنان درويش -محمد المصري، مؤسسة الرسالة – بيروت.
41. كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال: لعلاء الدين علي بن حسام الدين ابن قاضي خان القادري الشاذلي الهندي البرهانفوري ثم المدني فالمكي الشهير بالمتقي الهندي (المتوفى: 975هـ)، ت: بكري حياني -صفوة السقا، مؤسسة الرسالة، ط5، 1401هـ/1981م.
42. الكواكب السائرة: لنجم الدين محمد بن محمد الغزي (المتوفى: 1061هـ)، ت: خليل المنصور، دار الكتب العلمية، بيروت –لبنان، ط1، 1418 هـ -1997 م.
43. لالئ المحار في تخريج مصادر رد المحتار: للؤي عبد الرؤوف الخليلي، دار الفتح للدراسات والنشر، 2010م.
44. اللباب في شرح الكتاب: لعبد الغني بن طالب بن حمادة بن إبراهيم الغنيمي الدمشقي الميداني الْحَنَفِيّ (المتوفى: 1298هـ)، ت: محمد محيي الدين عبد الحميد، لمكتبة العلمية، بيروت.
45. لسان العرب: لمحمد بن مكرم بن على، أبو الفضل، جمال الدين ابن منظور الأنصاري الإفريقي (المتوفى: 711هـ)، دار صادر – بيروت، ط3 - 1414هـ.
46. المبسوط: لمحمد بن أحمد بن أبي سهل شمس الأئمة السرخسي (المتوفى: 483هـ)، دار المعرفة – بيروت، بدون طبعة، تاريخ النشر: 1414هـ -1993م.
47. المحيط البرهاني في الفقه النعماني فقه الإمام أبي حنيفة: لأبو المعالي برهان الدين محمود بن مَازَةَ البخاري الْحَنَفِيّ (المتوفى: 616هـ)، ت: عبد الكريم سامي الجندي، دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان، ط1، 1424 هـ -2004 م.
48. مختار الصحاح: لزين الدين محمد بن أبي بكر بن عبد القادر الْحَنَفِيّ الرازي (المتوفى: 666هـ)، ت: يوسف الشيخ محمد، المكتبة العصرية -الدار النموذجية، بيروت – صيدا، ط5، 1420هـ / 1999م.
49. مختصر اختلاف العلماء: لأبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة بن عبد الملك بن سلمة الأزدي الحجري المصري المعروف بالطحاوي (المتوفى: 321هـ)، ت: د. عبد الله نذير أحمد، دار البشائر الإسلامية – بيروت، ط2، 1417هـ.
50. المعالم الأثيرة في السنة والسيرة: ت: محمد بن محمد حسن شُرَّاب، دار القلم، الدار الشامية -دمشق-بيروت، ط1، 1411هـ.
51. معجم البلدان: لشهاب الدين أبو عبد الله ياقوت بن عبد الله الرومي الحموي (المتوفى: 626هـ)، دار صادر، بيروت، ط2، 1995 م.
52. معجم المطبوعات العربية والمعربة: ليوسف بن إليان بن موسى سركيس (المتوفى: 1351هـ)، مطبعة سركيس بمصر 1346 هـ -1928 م.
53. المعجم الوسيط: مجمع اللغة العربية بالقاهرة: إبراهيم مصطفى / أحمد الزيات / حامد عبد القادر / محمد النجار، دار الدعوة.
54. معجم مقاييس اللغة: لأحمد بن فارس بن زكريا القزويني الرازي، أبو الحسين (المتوفى: 395هـ)، ت: عبد السلام محمد هارون، دار الفكر،1399هـ -1979م.
55. المغرب في ترتيب المعرب: لأبو الفتح ناصر الدين بن عبد السيدبن علي بن المطرز، مكتبة أسامة بن زيد – حلب، ط1، 1979م.
56. المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار: لأحمد بن علي بن عبد القادر، أبو العباس الحسيني العبيدي، تقي الدين المقريزي (المتوفى: 845هـ)، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1418هـ.
57. موسوعة الأعلام تراجم موجزة للأعلام: المؤلف: موقع وزارة الْأَوْقَاف المصرية.
58. النجوم الزاهرة: ليوسف بن تغري بردي بن عبد الله الظاهري الْحَنَفِيّ، أبو المحاسن، جمال الدين (المتوفى: 874هـ)، وزارة الثقافة والإرشاد القومي، دار الكتب، مصر، 1383هـ-1963م.
59. نهاية النقاية على شرح الوقاية: الوقاية لبرهان الشريعة وشرح الوقاية لصدر الشريعة عبيد الله بن مسعود المحبوبي (ت747هـ) ونهاية النقاية للدكتور صلاح محمد أبو الحاج، ت: الدكتور صلاح أبو الحاج، دار الوراق، عمان-الأردن، ط1، 2005م.
60. هدية العارفين أسماء المؤلفين وآثار المصنفين: لإسماعيل بن محمد أمين بن مير سليم الباباني البغدادي (المتوفى: 1399هـ)، طبع بعناية وكالة المعارف الجليلة في مطبعتها البهية إستانبول 1951 م، أعادت طبعه بالأوفست: دار إحياء التراث العربي بيروت – لبنان.