الجزء 1 · صفحة 7
قهر المِلَّةِ الكُفْرِيَّةِ بالأدِلَّةِ المُحمَّديّةِ لتَحْرِيبِ دَيرِ المحلَّةِ الجُوَّانِيَّةِ
للإمام حسن بن عمار الشرنبلالي الحنفي
توفي سنة 1069هـ
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
الجزء 1 · صفحة 8
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه ثقتي
الحمد الله الذي أعزّ الإسلام وأهله، وأذلَّ الكفر وبدَّدَ شَملَه، ورفَعَ مَنارَ الدِّينِ المتين، وهدَمَ رُكن الكُفْرِ المَهين، واصطَفَى مِن خيارِ عبادِه حُكّاماً، واقتضَتْ حِكمَتُه الباهرة أنْ أو جَدَ الآنَ منهم حاكماً هُماما، زاكياً راحِماً خاشعاً عابداً علاما، به صارَ كُلٌّ منَ الدِّينِ الحنيفي والمَذهَبِ الحنفيّ والشَّرع الشَّرِيفِ مَوصُوفاً بِأَنَّه كاسمِهِ الشَّرِيفِ يَحيَا دَواما؛ لِما أَنَّه أَعْرَضَ عَمَّا عُرِضَ مِنَ العَرَضِ الفاني مِن ذَوِي الزَّيعِ والضَّلَالِ والمَرَضِ، زادَهُم الله مرَضاً، وأعدَّ لهم جهنَّمَ خُلوداً أماما، لا يحيفُ عنهم من عذابها لتبديلهم جلوداً وأجساما. لقد زكَّى عرضه الشَّريف وصانَ، عمَّا لغيره قد دُنّسَ وشَانَ، فمدَّ بعَزمِهِ الشَّديدِ ساعِدَه، وأمده الله سُبحانَه بمولانا الوزير وساعَدَه، فكشَفَ بنفسه عن فَظيع أمرٍ حدَثَ مِن ذَوي الكفر ومسه ليُزيل ما حلَّ بذلك المحلّ من رجسِه، ويُطهِّرَه دائماً بإقامة شعائر الدين طهارة قُدسِه، بمسجد يعمُرُ فيطيبُ بقَوحٍ أُنسِه، بدلاً عن دَيرٍ حَدَثَ رجساً بأقبح خُبثه.
الجزء 1 · صفحة 9
فكانَ منه فتحاً عُمَرِيَّاً؛ كفتح المسجد الأقصى فتحاً زكياً، لم يتقدم إليه حاكم فيما تقدم، ولم يطمح خاطره ليُصغي لعاذل فلا يندم؛ لأنَّه اختار الباقي لنصرة الدين الأقوم، وأعرضَ فترك الفاني اختياراً للأعظم، بلغه الله من فضله الأكرم، ما ترجَّاهُ ووَقاهُ ورقاه إلى أعالي المراتب مصحوباً بالأُنسِ المُجسم. والصَّلاة والسَّلامُ على سيدنا محمَّدٍ المُصطَفَى المُكرَّم، فاتح مكَّةَ المُشرَّفة مطهر البيت المحرم، وعلى آله الذين بذلوا أموالهم ونُفُوسَهم لنصر دين الله، فنُصِرُ والمَّا نصَرُوا الله وعباده، لقد أحسَنُوا فأعد لهم الحُسنى وزيادة، ما تُلِيَ قوله تعالى: وَالَّذِينَ جَهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} [العنكبوت:]. وبعد: فيقولُ المُرتَجي مدَى الأَيَّام والليالي فيض الملكِ المنانِ حسَن الشُّرنبلالي: هذه عُجالةٌ بحَسَبٍ ضَعَفِ الحالة سميتها:
قهر المِلَّةِ الكُفْرِيَّةِ بالأدِلَّةِ المُحمَّديّةِ لتَحْرِيبِ دَيرِ المحلَّةِ الجُوَّانِيَّةِ
لمَّا وَرَدَ سؤال في شهر شعبان سنة ثلاث وستينَ وألف، هو: ما يقول مشايخ الإسلام أدام الله بهم نُصرةَ الدِّينِ، وأبقاهُم لنفع العالَمينَ، في حكم بناءِ اتَّخِذَ دَيراً في محلة داخل بابِ النَّصرِ بالقاهرة المعزية قريباً منه، بمحلَّةٍ تُدعى الجوانية، وقد كشَفَ عنه مولانا وليُّ الأمرِ شيخ الإسلامِ قاضي القضاة بمصر المحروسة، يحيى أفندي أحيا الله به مآثِرَ الدِّينِ، وبلَّغه المُرادَ في الدُّنيا ويومَ الدِّينِ، فَوَجَدَ أَصله بيوتاً إسلاميةً مكتوباً على دائرها قريباً منَ السَّقفِ الآيات القرآنية؛ كآية الكرسي، كما هي عادة الأمة المحمدية، وقد جعَلَتِ النَّصارى والرهبانُ ذلك ديراً ومحلاً لاجتماعهم على الكفر، ووضع الصُّورِ والصُّلبانِ وعِبادتها والأوثان؟
الجزء 1 · صفحة 10
فهل حكم هذا البنيان الذي جُعِلَ دَيراً وما يتعلق به من سائر البنيان يكون لبيت المال، فيتصرَّفُ فيه مولانا الوزير أعزه الله تعالى بما فيه المصلحة العامة لجميع المسلمين كما هو حكم ما يؤول لبيت المال؟
أوضحوا الجواب بالنقل عن أئِمَّةِ مَذهب الإمامِ الأعظَمِ أبي حنيفةً رَضِيَ الله عنه، وبما يقتضيه مُخالفة أهلِ الذَّمَّةِ من نَقْضِ العَهْدِ العُمَرِيِّ الصَّادِرِ من أميرِ المُؤْمِنِينِ فاتح مِصرَ عُمر بن الخطاب رضي الله عنه، فيظهر الوجه الواضِحُ عَينُ الصَّوابِ، فَتَطْمَئِنُ قلوب المؤمنينَ، وتُخذَل الكُفَّارُ والمُنافِقُونَ، وتخمد نيرانُ الشَّركِ، ويُقهر المُعانِدُونَ مصداقاً لقوله تعالى: {هُوَ الَّذِى أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ} [التوبة:] اهـ.
واذكروا نوعاً مما للحاكم به منَ الثَّوابِ الجاري متجدداً متزايداً إلى يوم المآب،
ولكم بمثله من الملكِ الكريمِ الوَهَّابِ. فاجَبتُ قائلاً: الحمدُ للهِ مانحِ الصَّوابِ، أمَّا إِزالة هذا المُنكَرِ المُجمَعِ عليه فيما بينَ مِلَّةِ الإسلام فهو فرضُ عَينٍ على مولانا ولي الأمر، نصره الله، ويجب على كل أمير من أمراء الدولة العثمانية أدامَ اللهُ نُصرَتَها بجاءِ سيد البريَّةِ أن يسعى في إزالة ذلك المنكر؛ إذ هو عليه الأيسر، ولا عُذر له في التَّقاعس يظهرُ، فيشُدُّ أَزرَ ولي الأمر ويُعينُه، فإنَّ الله تعالى يُعِزُّ مَن يُعِزُّ الدِّينَ ويُهينُ مَن يُهِينُهُ، وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن تكريم [الحج:]، {وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ} [الروم:]، {إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ منْ أَحْسَنَ عَمَلًا} [الكهف:].
الجزء 1 · صفحة 11
وذلك لأنَّ الدَّير المذكور صار لبيت المال المعمور؛ لأنَّ بانيه إما أن يكونَ شخصاً واحِداً مَعلُوماً بناه بماله ديراً، وذلك باطل، أو يكون بناؤُه حصل بمال مجموع منَ النَّصارى ليبني ديراً، ولا يصح ذلك أيضاً، وقد خرج ذلك البناء عن ملك بانيه، سواء كان معلوماً أو مجهولاً بهلاكه، ولا مُستحِقَّ له، فصار لبيت المال حقاً لكافة المسلمينَ، يتصرِّفُ فيه مولانا ولي الأمر بما يعود نفعه لعامتهم.
ذلك أن يَتَّخِذَه مسجِداً مَوقُوفاً منه على المُسلمين كافة، ويُوقف سائرَ ومن
الأبنية التي به على إقامة شعائر المسجد، ليبقى على الدَّوامِ بَدَوامِ دورِ رَيعِها وصرفِ الأجرة على القائمين بالشَّعائرِ وآلتِها، ولا يُتلف البناء المذكور لهدمه؛ لأنَّه لا نفع فيه للمسلمين، وقد يعود ضرره بعوده لحالته الأولى بعد أيام هذا الحاكمِ الأبية بالرشا لمن يليه باتباعه حظ نفسه وشيطانه فيغويه.
أما البناء العالي المُشْرِفُ على منازلِ المُسلمين فيُهدَمُ قطعاً، ولا يبقى بحال كما هو نص أئمة الدين، ووَجهُ ما قلناه نَقْلاً أنَّ الذَّمّى لو تصرف في ملكه الخاص بأن جعل داره بيعة أو كنيسة أو بيت نار في حياته وصحته وأشهد على ذلك، وأنه قد أخرجه من ملكه للوجه الذي جُعِلَ له ذلك، قال الإمام الأجل أبو بكر الخصافُ: هذا باطل، لا يجوز، وهي كسائر أمواله، فإنْ ماتَ هي ميراثُ، ومِنَ المُقرِّرِ أَنَّ بيت المال يصير إليه كل مالٍ لا مُستحِق له شرعاً.
الجزء 1 · صفحة 12
وقال الإمام الخصَّافُ أيضاً: قلتُ: أرأيتَ الذَّمِّيَّ إِذا وقَفَ أرضاً له أو به مستغلاً على بيعة أو كنيسة أو بيتِ نارٍ؟ قالَ: إن فعل ذلك في صحتِه فالوَقفُ باطِلٌ، وذلك باطل، وكذا هو باطِلٌ لو قالَ: تُصرَفُ غلَّةٌ تلك الصدقة فيما يحتاج إليه هذه البيعة من البناء والمرمة، قال: هذا باطل من وجهين، أما أحدهما: فإنَّ ذلك معصيةٌ للَّهِ عَزَّ وجل، وأمَّا الوجه الآخرُ: فلأنه ينقطع. وكذلك إنْ قالَ: تُستغل هذه الصدقة فيُنفَقُ غلتُها في إصلاح البيع، وفي الإسراج فيها، وفيما يحتاج إليه من الزَّيت للإسراج فيها، قال الخصافُ: هذا عندي باطل من قبل أنه معصية الله عزَّ وجلَّ، وكذلك إنْ قالَ: تجري غله هذه الصَّدقةِ على الرهبانِ والقسيسين، قال: هذا باطل.
قلت: فإنْ خَصَّ فقال: الرهبان والقِسيسين الذين في بيعة كذا وكذا، قال: هذا باطل، وكذلك لو قال: على القُوَّامِ الذين في بيعة كذا وكذا، قال: هذا باطل، انتهى. ومعلوم أنَّ هذا كله فيما لو تُصُوِّرَ للذِّمِّي أن يفعل ذلك فيما يملكه، وفيما لو صح بقاؤُه كنيسة ونحوها، وأمَّا في هذه الحادثة، فالأمر باطل من أصله، لا يُتصوَّرُ أن يُجعَل شيء من الكنائس والبيع ونحوها في القاهرة؛ لأنَّ القاهرة المعزية نشأت إسلامية بعد فتح مصر القديمةِ عَنوةً سنة ستّينَ وثلاث مئةٍ، فلا يُتصَوَّرُ إحداث شيء من الكنائس والبيع ونحوها فيها، كما نص عليه مفتي الإسلام العلامةُ الشَّيخُ قاسم بن قُطلُوبُنَا الحنفي إمامُ الدِّيارِ المصرية رحمه الله.
وكل كتب المذهب على هذا مانعةٌ من إحداث كنيسة ودير ونحوه بدار الإسلام في محلّ مملوك لذمي، فكيفَ في هذه المحلَّةِ الإسلامية التي ما وضَعَ الكفر يده عليها أصلاً؟!
فهذه الحادثة أظهَرَتْ عدَمَ صِحَّةِ ذلك البناء بالمحلَّةِ المذكورة ديراً، ولو لم نجد سمَةَ بناء المُسلمين بأصله، فكيف وقد وُجِدَت سمة الإسلام على بعض جدرانه؛ كآية الكرسي كما ذُكِرَ؟
الجزء 1 · صفحة 13
فلزم على مولانا ولي الأمر إزالة هذا المنكر، فإنَّه عليه أقدَرُ.
وليُعلَمْ أَنَّ تملُّكَ الأبنية إِمَّا أن يكونَ ببيع مالكه، أو ببيع الأبنية، وقد كانَتْ وَقْفاً من أوقاف المُسلمين، ثمَّ طرأ تغييره ببيع أو استبدال وبَيع أنقاض كما يفعله بعض من لا يخشى الله تعالى، والمُتملكُ له قد أزالَ مُعظمه فصار مضموناً عليه لجهة الوقف؛ لما أنَّ الاستبدال ليس على شرطه؛ إذ لا يملكه إلَّا القاضي العام العادِلُ إذا راه مصلحة، وأنى هذا وذلك البناء الذي بناه واضعه لا لنفسه؟ وإِنَّما فعله تقرباً ليكونَ ديراً فيما يزعُمُه بزعمه الباطل، فصار بعده لبيت المال، وقد قالَ النَّبِيُّ: الا كنيسة في دار الإسلام، فمن خالَفَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وأبقاها قادِراً على إزالتها كانَ ممَّن خَالَفَ كمال دين الإسلام. وقال الشَّيخُ أكمَلُ الدِّينِ شارِحُ الهدايةِ»: هو نفي بمعنى النَّهي؛ أي: لا تُحدث كنيسة في دار الإسلام؛ لأنَّ إحداثها في دار الإسلام إزالة فُحولية أهل دار الإسلام، وأنه لا يجوز كإزالة فُحوليَّةِ الرَّجل بقطع مذاكيره.
وقال العلامةُ الكَمالُ بنُ الهُمامِ ونقله عنه شيخُ الإسلام ابنُ نُجَيمٍ في شرح الكنز»: كل بلدة مصرَها المسلمون؛ كالكوفة والبصرة وبغداد وواسط لا يجوز فيها إحداث بيعةٍ ولا كنيسة ولا مُجتمع لصلاتهم ولا صومعة، بإجماع العلماء، ولا يُمكنون فيه من شُرب الخمر، واتخاذ الخنزير، وضَرْبِ النَّاقوس، انتهى. وكذا أفتى به العلامةُ الشَّيخُ قاسم بن قُطلُوبُغا، وقال أيضاً: إنَّ الكنائس التي بالصعيد؛ أي: صعيد مصر، والتي بالشَّامِ ونحوها من أرض العنوة، فما كانَ مُحدّثاً وجَبَ هَدْمُه، وإذا اشتبه المُحدَثُ بالقديمِ وجَبَ هَدْمُهما جميعاً؛ لأَنَّ هَدْمَ المُحدَثِ
واجب، وهَدمَ القديم جائز، وما لا يتمُّ الواجب إلا به فهو واجب، انتهى.
الجزء 1 · صفحة 14
فتكون منها القاهرة المعزيَّةُ؛ لأنَّها إسلاميَّةٌ مصَّرَها المسلمونَ، فَتُمنَع أَهْلُ الذَّمَّةِ من الاجتماع لصلاتهم في بيت من بيوت أحدهم ليس مبنياً ككنيسة ولا بيعة؛ فإنَّ اجتماعَهُم يُصيَّره مثلها حكماً، وهو لا يجوز.
وسنذكرُ فَتَوَى الأئمة بمنعهم من الاجتماع في محل لا يُسمى كنيسة، فإنَّه يُصيَّره كنيسة حكماً، وقد حصلَ الآنَ أنَّهم يجتَمِعُونَ في بيتِ وقف من أوقافِ المُسلمين أنشأه واقفه بساحل النيل بمدينة بولاق تجتمع فيه اليهود، ومظهرينَ في خُروجهم إليه زيَّهم على عواتقهم، ويسمَعُ المُسلِمونَ ومَن يمرُّ أصواتهم، فإنَّهم يرفَعُونَها بفعلهم المُنكَرِ القبيح، وهذا منَ المُنكَرِ الذي يلزم إزالته.
واعلم أن مصر القديمة المحروسة فُتِحَت عَنْوة، وصارَتْ أراضيها الآنَ لبَيتِ المال، قال الكَمالُ بنُ الهمام: لانقطاعِ مُلاكِها بالمَوتِ من غير إخلافِ وارِث. تنبيه: كل بلدة فُتِحَتْ عَنوةً، وفيها كنيسة أو نحوها، حكَمْنَا بِأَنَّهَا بُنيت مسكناً لا معبداً، فيُمنعُونَ من الاجتماع فيها للتَّقرُّبِ، وإنْ فُتِحَتْ صُلحاً حَكَمْنا بأنَّها أُقِرَّتْ معابد، فلا يُمنعون من ذلك فيها، بل من الإظهار، كما في «فتح القدير: والثَّالثة من الكنائس ما أُحدِثَ، فلا يجوزُ مُطلقاً لا في أرض فُتِحَتْ عَنوةً، ولا صُلْحاً، وَسَنَدَكُرُه بعد هذا إن شاء الله تعالى.
واعلَمْ أَنَّ سَفحَ الجبلِ المُقَطَّمِ وقَفَه أميرُ المُؤْمِنِينَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عنه لدَفْنِ مَوتَى المُسلِمينَ، حينَ أرادَ القِبْطُ شِراءَه من فاتح مصر عمرو بن العاص بسبعين ألف دينار، فقال: لِمَ تَرغَبونَ فيه؟ وهو لا يُزرَعُ، ولا بناءَ له، إنَّما قالُوا: نجده في كتبنا غراس الجنَّةِ فتجعله لموتانا ..
فكتب إلى أمير المؤمنينَ بذلك، فقالَ عُمرُ رضي الله عنه: المُسلمونَ أُولى به، ووقفه لدفن موتاهم، وسنذكرُ القِصَّةَ أيضاً.
الجزء 1 · صفحة 15
وذكر العلماء أَنَّ سَفحَ المُقطَّمِ ينتهي إلى نحو الجامع الأزهر وما هو بحياله لنحو الشارع الأعظم منه تلك المحلَّةِ التي بها هذا الدِّيرُ؛ لأنَّ الصَّحراءَ تَسْمَلُها قبل وضع السُّورِ، فهي أرضُ موقوفةٌ على دفنِ المسلمين لا تُملَكُ.
ووقف البناء باطل لم يُتَعارَف على هذا النَّحوِ الذي فعلته النَّصارى بهذا المحل وسموه ديراً، ووضعوا فيه الصُّورَ والأوثان والصُّلبان، فلا يبقى بحال البتة على صفة
كونه ديراً، إِلَّا على تغيره مسجِداً للمُسلمين؛ لأنَّه نفع عام لهم كما تقدَّم. وقد أفتى العلامة ابنُ الشَّحنة قاضي القضاة الحنفي بأن ولي الأمر يجعل للمُسلمين مسجداً من الأراضي الموقوفة، كما تُجعَلُ القنطرة فيها، فكذلك يُجعَلُ البناء الذي صار لبيت المال مسجداً بأرضه، والجامعُ بينهما عمومُ النَّفْعِ للمُسلمين. فإن قلت: أليسَ وَقفُ الدِّمي على فقراء أهل الدُّمَّةِ جائزاً؟
قلت: بلى.
فإن قلت: فكذلك يجوز منه هنا على فُقَراءِ الدَّيرِ المذكور. قلت: هذا منك مُغالطةٌ أو غفلةٌ؛ لأنَّك تُثبتُ وَقْفاً صحيحاً ومُستَحِقَّاً موجوداً بصِفَتِه التي شرطها الواقِفُ، وكل منهما مفقود هنا.
أمَّا الوقف؛ فلأنه لا يكون عند الإمام الأعظَمِ إِلَّا في العقار، والبناء بالتبعية له، ولا عقار هنا؛ لأنَّ الأرضَ لم تُملَك؛ لأنَّها فُتِحت عنوةً، ووَقَفَها أمير المؤمنين عُمرُ بن الخطاب ـ كما تقدَّمَ - على تلك الجهة التي أرادها لدفن الموتى المسلمين، وهو
قبيل هذا، فصار هذا وقف بناء غير تابع لأرض، فبطل وقفه؛ لأنَّه منقول، وليس محلاً للوقف ابتداء.
وأما الموقوف عليه هنا، فهو مفقود أيضاً؛ لأنَّ الذَّمِّيَّ الذي أرادَه الواقِفُ لو صَحْ الوقف منه عليه خصه بصفة كونه من أهل محلّة كذا، وكونه وارداً على دير كذا، وأنَّه ليس موجُوداً بانتفاء وُجودِ الدَّير بما قدمناه.
الجزء 1 · صفحة 16
فإن قلت: يلزم من ذلك عدَمُ صِحَّةِ وقف المساجد والمحلات التي على هذه الأرض على قرباتٍ
قلت: هذا منكَ عَجَبٌ؛ لأنَّكَ علمتَ جَوازَ وقف بعض ما هو للعامة على العموم، والمساجد من هذا القبيل، والوَقفُ على القُرباتِ صح باعتبار تعاملِ النَّاسِ ذلك وتعارفهم، ولا مانع منه على الذي اختاره أهل الفتوى ممَّن سَلَفَ؛ كقارِي «الهداية» الشيخ الإمامِ سراج الدين شيخ العلامة المُحقِّقِ ابنِ الهُمامِ رَحِمَهُم الله وعليه غالب أوقافِ مِصْرَ والقاهرة، وقف بناء بدون أرض، وحكَمَ قُضاة الإسلام بصحته، وتقريرُ وُلاةِ الأُمورِ النَّاسَ على ذلك فيما مضى وإلى الآن، وما رآه المؤمنون حَسَناً فهو عندَ الله حَسَنٌ.
ومنصوص المذهب أنَّه للإمام أن يُقطع إنساناً من الجادَّةِ إن لم يضُر بالمارةِ، وأنه يجوز جَعْلُ بعض الطَّريق مسجِداً، وبعض المسجد طريقاً، وعلى هذا صِحَّةُ وقف الجامعين بساحل النيل بمدينة بولاق، هما السنانية والسليمانية في حريم النَّهرِ، وصحة الجمعةِ فيهما كباقي المساجد على الرَّاجح من المذهب، وهو جواز إقامة الجمعة في مصر في مواضع كثيرة دَفْعاً للحرج، ومن لازمه سُقوط اعتبارِ السَّبق، فتصح المُتأخرة كالمُنقَدِّمة.
وأما وقف بناء بتلك الأرض من كافر على تلك الصفة فليسَ مُتعارَفاً، ولا جائزاً، ولا يراه المؤمنونَ حَسَناً ولا صحيحاً، بل مُنكَراً قبيحاً، فبطل على مُوجبِ الأصلِ وَقفُه.
وأيضاً وَقفُ الذِّمِّي في حد ذاته إذا صَحَّ كما قدمناه تُراعَى شروطه وأوصافه، فإذا قيد بفقير محلَّةِ كذا، وبلدة كذا، أو فقير يهودي أو نصراني اعتبر ذلك، ولكنَّ هذا غير متصور وجوده هنا؛ لأنَّه لا دير ليسند إليه وارد فقير ذمي، والشَّيء ينتفي بانتفاء جزئه، وينعدم بانعدام شرطه، فليتنبه له.
هذا ما يتعلق بافتراض إزالة ذلك الدير والبناء وتغييره مسجداً.
الجزء 1 · صفحة 17
وأما حكم أهلِ الدّمةِ بموجب إحداثِ الدِّيرِ: ففي شُروطِ أميرِ المُؤْمِنِينَ عُمَرَ بن الخطاب عليهم أنهم شرَطُوا على أنفُسِهم للمُسلمين أن لا يُحدِثُوا في مدائِتِنا، ولا فيما حولها ديراً، ولا كنيسة، ولا بيعة، ولا صومعة راهب، فإن نحنُ خالفنا شيئاً ممَّا شرطناه لكم على أنفُسنا فلا ذِمَّةً لنا، وقد حلَّ لَكُم منا ما يحِلُّ لأهل المُعانَدَةِ والشَّقاقِ، وَمَن ضَرَبَ مُسلِماً عَمْداً فقد خلَعَ عهده.
وقد ذكر هذا العهد من أئمة الحديث أبو عُبيد، واعتمد عليها الفقهاء من كل مذهب، كذا نقله القاضي بدر الدِّينِ القَرافِيُّ رحمه الله.
ومن هذا القبيل ما ذكره المؤرخونَ أنَّ المشهد الحُسَينِيَّ إِنَّما وُضِعَ في داخل مقبرة كانت تُدعَى تُربةَ الزَّعَفَرانِ، وأنَّ خانَ الخليلي كان مقبرة للماضين؛ كالفاطميين، وأنَّ الجامع الأزهر لمَّا حُفِرَ في صحنِه ليُجعَلَ صهريجاً للمرحومِ الخواجا ابنِ طعيمةَ في زمن غير بعيد وجدوا قبوراً فيها الموتى بصحن الجامع الأزهر، تحولت عظامهم ونقلت لضرورة الحفر للصّهريج، فَوَضْعُ المساجد كالجامع الأزهر بهذه الأرض؛
لأنها للعامة، وتبعها ما هو من ضرورة المصالح والسكنى؛ لاتساع تلك الأرض. لكن في زمن الجراكِسةِ كثُرَتِ الأبنية من تُرب ورباطاتٍ ومساجد وغيرها، حتَّى ملأت الصحراء، وغالبها الآن قد خربَ ونُقِلَتْ أنقاضه وبقيَتْ آثَارُه إِلَّا ما ندَرَ
من أوقاف كبيرة لملوك ونحوها، كمسجد السلطان قايتباي، والسلطانِ الأَشرَفِ برسباي، والسلطانِ بَرْقُوق، رحِمَهُم الله تعالى.
الجزء 1 · صفحة 18
و مُلَخَّصُ الحكم في هذه الحادثة: أنَّ هذا البناء الذي سُمِّيَ ديراً عند جميع أهلِ مضر المحروسة وبلَغَ خبره والكشف عليه إلى مسامعهم يلزم تغييره، وزَوالُ اسمِ الدَّيرِ عنه مطلقاً، سواء كان على شكلِ الدَّيرِ عندهم أو خلافه؛ لأنَّه من حيثُ هو مُجتَمَعُ لأهل الكفر والطغيان، وعبادةِ الصُّورِ والصُّلبانِ مِنَ النَّصَارَى والقِسيسين والرهبانِ، وأنَّه مُحدَثٌ بعد الفتح بلا شك في هذا المكان الإسلامي، فَإِنَّه يُفتَرَضُ فَرضَ عَيْنٍ على مولانا الوزير نصره الله تعالى، وعلى مولانا قاضي القضاة حفظهما الله تعالى، وبلغهما من كرمه ورضاه؛ إعلان إزالة هذا المُنكَرِ الذي أجمعَ عُلَماءُ الإسلام على لزوم إزالة مثله، لقدرة ولي الأمر عليه من غير احتياج لأحد في إماطته.
وقد وصل علم هذا النَّكير لكلِّ أحدٍ بمِصْرَ المحروسة من كبير وصغير، فبعده لا يحِلُّ لأحدٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ أَن يُعينَ على الدفع عنِ الكَافِرِينَ، مِلَّةِ النَّصَارَى فَإِنَّهُ كَفَرٌ أقبَحُ ذَنبٍ، وأكبر كبيرة، لا يغفره الله العليم الخبير، وإنَّه لا يبقَى، ولا يُمَكِّنُ كافرٌ مِنَ الدخول فيه، سواءٌ صح صفتُه دَيراً أو لا، وسواء كانَ هُناكَ وقفٌ للأبنية المذكورة أو لا، وسواء كان بانيه شَخصاً مُعيَّناً أو لا، وسواءٌ وقَفَ باقي الأبنية المُتَّصِلة عليه أو لا، وسواء كانت على الرهبان به أو بغيره، أو على الفقراءِ النَّصَارَى الواردينَ إليه، أو أعم منهم من القسيسين، وسواء كانت على العمارة فيه وعلى آلته وترميمه، أو على زيت و قناديل وخُدَّام به أو على مَن يقوم عليه كالمُتولّي، فإنَّ ذلك كله باطِلٌ وضَلال حکمتِ الشَّرِيعةُ المُحمَّديَّةُ ببطلانِه حُكماً أظهرَ كُفَرَ مَن عانَدَه وتكبر.
فلْيَحذَرِ الذين يُخالفون أمر الله القاهرِ الأكبر أن تُصيبهم فتنةٌ أو يُصيبهم عذابٌ
الجزء 1 · صفحة 19
أليم في الدُّنيا، كيوم القيامة وخزيهم في المحشرِ، هذا هو الدِّينُ القَويمُ أَلزَمَنَا أَداءَ الأمانةِ التي الله تعالى فأدَّيناها كما أَمَرَنا الله تعالى.
قالَ اللهُ سُبحانَه: وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة:]، ولما صدق هذا الوارِدُ الرَّحمانيُّ، ووَرَدَ بأواخر شعبان، ظهَرَ في الوُجودِ أثره وبانَ، فَهُدِمَ أَعالي بناء ذلك الدِّيرِ وبان، ونُكِّسَتْ أعلامه وقُهِرَ حِزْبُه وهانَ، أَلهَمَ اللهُ العزيزُ مَولانا الوزير وصانَ، مَقامَه الشَّريف عن أن يُنسَبَ إليه تقصير فيما به شرَّفَه بِكُلِّ عصر وأوان، فبَرَزَ أمره الواجِبُ القبول على كلّ إنسان لمولانا شيخ الإسلام الذي كان هو القائم على ذَوي الكُفْرِ وأولئك الرهبانِ المارقينَ النَّاقضين للعَهْدِ العُمَرِيِّ بالمُخالفة له بهذا الزَّمانِ، ولم يَمَلَّ قلبه، ولم يَمَلَّ جسَدُه من الحركةِ والذَّهاب بذاتِه، وينثني عنِ المُرادِ لله العزيزِ المَنَّانِ، فأعزه الله ونصره فأَيَّدَه بغاية الإمكان، لهَدْمِ أعالي الدِّيرِ إزالةٌ لضَرَرِهِ عَنِ المُؤْمِنِينَ، ويجعلُ بدَلَه مسجِداً للعابدين، وإقامة شعائرِ الدِّينِ، ففعل ذلك كله بأسرع زمان وحين، وأُقيم به المحراب قبلةٌ للكعبة كما أمر الله به سيّد المرسلين، وقرَّرَ إماماً ومُؤذِّناً ووَقَاداً وقائِماً بالشَّعائرِ ليخدم الواردينَ لأداء العبادةِ والصَّلواتِ الخمسِ، أَعزَّه الله ونصره كما أعزّ ونصر الدين.
سادِسَ شهرِ رمَضانَ سنةَ ثلاث وستِّينَ وألفٍ، فللَّهِ الشُّكرُ على التوفيق لفعل هذا الأمر الحميد لإعزازِ الدِّينِ، فقُطِعَ دابِرُ الذين ظَلَمُوا، والحمد لله ربِّ العالمينَ، وصلَّى الله على سيِّدِنا محمد النَّبيِّ الأُمِّيِّ، وعلى آله وصحبه وسلَّمَ تسليماً.