عرف الند والعنبر في جواز الاقتداء بالإمام خلف المنبر
للفقيه حسن بن عمار الشرنبلالي الحنفي
توفي في سنة (1069 هـ)
تحقيق:
ملك نعيم
إشراف:
د. رأفت الصعيدي
جارٍ تحميل الكتاب…
عرف الند والعنبر في جواز الاقتداء بالإمام خلف المنبر
للفقيه حسن بن عمار الشرنبلالي الحنفي
توفي في سنة (1069 هـ)
تحقيق:
ملك نعيم
إشراف:
د. رأفت الصعيدي
عرف الند والعنبر في جواز الاقتداء بالإمام خلف المنبر
بسم الله الرَّحمن الرَّحيم
قال شيخنا وأستاذنا نخبة العلماء العاملين، وإمام الرؤساء المجتهدين، فريد عصره والأوان، محيي مذهب النعمان، الواثق بربه المتعالي، مولانا الشيخ عبد الحي الشرنبلالي, لا زالت شمس معارفه في أفق الزيادة، و نجوم إفادته هادية لدار السعادة.
الحمد لله الذي رفع لمن وفقه من عباده منابر الهداية، وشيدها بالبناية [ظ/161] في البداية والنهاية. ورقاهم بمعراج الدراية بلطفه وإحسانه إلى الغاية، وخذل من ابتدع في شريعته ما ليس منها خذلاناً، و قبَّح فعله وقوله سراً وإعلاناً، والصلاة والسلام على حبيبه الأكرم، و رسوله الأعظم، محمد المخصوص من ربه بفيض العرفان، المبعوث لقطع عرق الشرك و الشك والبهتان، و على آله و أصحابه الذين أعلوا منار الدين، و نفذوا أحكام الشريعة بالحزم المتين , [وعلى سائرالأنبياء و آلهم أجمعين]. و بعد:
فيقول العبد الفقير إلى لطف ربه الخفي عبد الحي بن عبد الحق الشرنبلالي الحنفي، أنه وقع السؤال عن صحة الاقتداء بالإمام الفاصل بينه وبين المقتدى به المنبر الذي لا ثقب فيه ولا كُوَّة ولا منفذ، فأجبت بأن الاقتداء صحيح قولاً واحداً في مذهب أبي حنيفة.
فذكر لي أن شخصاً من الوعاظ قال أن الاقتداء على هذا الوجه باطل، و أنه لا بد من ثقب المنبر لصحة الاقتداء, و تمسك بعدة كتب من المذهب، أقواها شبهة له عبارة الحلبي في شرحه الكبير؛ فراجعتها فرأيتها لا شبهة فيها ولا اشتباه. ولا يؤخذ منها ما ذكره من أن المنبر مانع من الاقتداء، فنذكر عبارته وعبارة جملة من كتب المذهب ليتضح الحق لمن له أدنى فكر، ويظهر له جهل الواعظ و عدم معرفته للعلم.
قال العلّامة الحلبي: " يُشترط (لصحة) الاقتداء اتحاد مكان الإمام و المأموم حكماً، فلو كان بينهما حائط فإن كان قصيراً ذليلاً بأن كان طوله دون طول القامة و عرضه غير زائد على ما بين الصفين، لا يمنع لعدم الاشتباه وإلا فإن (كان) فيه باب أو كوة يمكن الوصول منه إلى الإمام وهو مفتوح فكذلك لا يمنع [لعدم الاشتباه]، وإن كان الباب مسدوداً و الكوة صغيرةً لا يمكن النفوذ منها أو مُشَبَّكة ًفإن كان لا يشتبه عليه حال الإمام براوية أو سماع لا يمنع، على ما اختاره شمس الأئمة الحلواني، قال في المحيط وهو الصحيح، وكذا اختاره قاضي خان وغيره، وإن كان الحائط على خلاف ما ذكر بأن كان عريضاً؛ يعني عرضاً زائداً على قدر الصفين، طويلاً يعني طولاً زائداً على قدر القامة و ليس فيه ثقب مُنع". [و/161] انتهى كلام الحلبي.
أقول:" لم يكن قوله وليس فيه ثقب خارج مخرج الشرط، بل لأن وجود الثقب أوعدم تعريض الحائط أو تطويله يسهل عدم الاشتباة بحال الإمام، و يدل على ما قلناه كلام البزازي حيث قال:" ولو كان الثقب صغيراً لا يمكنه الوصول إليه ولكن لايخفى عليه حال الإمام اختلفوا فيه و اختار الإمام الحلواني رحمه الله الصحة و عوَّل على اشتباه حال الإمام و عدمه في مثل هذا المقام " انتهى
فقول البزازي: " وعوَّل "؛ أي شمس الأئمة على اشتباه حال الإمام وعدمه يدل على ما قلناه من أن الثقب الصغير لا يُعول عليه و إلا لقال البزازي: "وعول على اشتباه حال الإمام وعدمه، والثقب وعدمه، فهذا من أقوى الأدلة على أن الثقب لا يعتبر، [وإنما هو لأجل سهولة الاطلاع على حالة الإمام و عدمه. و كل كلام أهل المذهب] إنما هو مبني على الاشتباه و عدمه، فإن اشتبه منع الاقتداء و إن لم يشتبه لا يمتنع، وهذه عباراتهم.
قال العلّامة صاحب الدرر:" الحائل بينهما؛ أي الإمام و المقتدي لو كان بحيث يشتبه به أي يشتبه حال الإمام يمنعه أي الاقتداء و إلا أي وإن لم يشتبه فلا يمنعه." انتهى
ثم نقل كلام قاضي خان فعوَّل على الاشتباه و عدمه كما ترى. وقال شيخنا في حاشيته:" قال في البرهان لو كان بينهما حائط كبير لا يمكن الوصول منه إلى الإمام؛ يعني بأن كان في كامل المسجد، لقوله لا يمكن إذ عُدم, و الإمكان إنما يكون إذا كان الحائط كاملاً في المسجد و إلا فهو ممكن، ولكن لا يشتبه عليه حال الإمام بسماع أو رؤية لانتقالاته لا يمنع صحة الاقتداء في الصحيح و اختيار شمس الأئمة الحلواني." انتهى
وعلى الصحيح يصح الاقتداء بإمام المسجد الحرام في المَحال المتصلة به و إن كانت أبوابها خارج المسجد. انتهى
وقال في معراج الدراية:" ولو اقتدى على سطح متصل بالمسجد فهو كمن صلى في مسجد متصل بالمسجد إن سمع تكبير الإمام أو المؤذن وإلا فلا." انتهى كلام المعراج
وقال قاضي خان:" إن قام على الجدار الذي بين داره وبين المسجد و لا يشتبه عليه حال الإمام يصح الاقتداء." انتهى
وقال العلّامة صاحب البحر:" أطلق في الحائط فشمل الصغير و الكبير وما يشتبه فيه حال الإمام أو لا، لكن قيده في الخلاصة وغيرها بعدم الاشتباه. فإن أمكن الوصول إلى الإمام فهو صحيح اتفاقاً، و إن لم يمكنه ولم يشتبه اختلفوا فيه. ولو قام على سطح المسجد و اقتدى بالإمام أو في المئذنة مقتدياً بالإمام في المسجد فإن كان لهما باب في المسجد ولا يشتبه يجوز في قولهم، و إن كان (من) خارج المسجد ولا يشتبه فعلى الخلاف، وفي الخلاصة اختار الصحة." انتهى
أقول وهو كما ترى في الحائط الكبير الموصوف بأن عرضه زائد على قدر الصفين وطوله زائد على قدر القامة
و هو لا يمكن الوصول إلى الإمام منه بأن كان في كامل المسجد كما هو المفهوم من عباراتهم، و أما المنبرفليس هو بهذه الصفة إذ الوصول إلى الإمام ممكن فهو كأصطوانة أو بايكة من بوايك المسجد هـ وأصطواناته فهو غير مانع من الاقتداء قولاً واحداً لا خلاف في ذلك. و إنما خلاف شمس الأئمة في الحائط الكبير المتقدم ذكره وصفته.
وإذا علمت ما ذكرته لك من كلام أهل المذهب كقاضي خان و البزازي و صاحب الدرر و الحلبي و صاحب البحر و مثله جميع كتب المذهب. إذ هي على هذا المنوال، علمت ما ذكره هذا الواعظ من عدم صحة الاقتداء بالإمام الحائل بينه و بين مأمومه المنبر, قول باطل لا أصل له لا ضعيف ولا قوي، و لا ينسب لمذهب الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه بوجه من الوجوه، ولا بطريق من الطرق بل ولا لمذهب من المذاهب.
و إن أخذ هذا الواعظ عدم الصحة من عبارة الحلبي و أمثالها أخذ لا يُعوَّل عليه، بل هو سَوقهم لكلام الأئمة و جهل بكلام أهل المذهب و قد بلغني جماعة من غير أهل المذهب يعينوه على هذا الفهم السقيم، و ذلك كله من قلة دينهم ومن تهوراتهم في دين الله و عدم خوفهم من عذابه، فقد وقع من أكابر علماء المالكية و الشافعية من أشياخنا ما سيعرض على سمعك.
فقد سألني العلامة الشيخ علي الأجهوري المالكي عن مسألة [و/162] تتعلق بمذهب أبي حنيفة و كنت إذ ذاك في مبادىء الاشتغال،
فقلت له: يا سيدي هذه مسألة ذكرها الإمام أبو الليث في مقدمته فقال:" لا بد أن تأتيني بها " فجئت له بها فوجدها طبق ما ذكرته له ولم يتجاسر على أخذ المسألة من الكتاب من غير أن يسأل أحداً من أهل المذهب وهذا لقوة دينه. و كثيراً ما كان يرجع في شروحه عما كتبه و قرره أولاً، وهذا من الإنصاف في العلم و الأمانة رحمه الله تعالى و نفعنا به و بأشياخه.
وكذلك كثيراً ما كان يقع السؤال للفقير عن مسائل تتعلق بمذهب الإمام أبي حنيفة من مشايخي الشافعية كالشمس الشوبري، وكان يلقب بالشافعي الصغير،
والعلامة البابلي عند قراءته درس البخاري و غيره، وولى الله الشيخ سلطان و خاتمة المحدثين و المفسرين
و الأصوليين و الفقهاء العلامة أبو الضياء والنور الشبراملسي خصوصاً حال قراءتي عليه شرح المنار في الأصول، فيسألني عن الفروع ثم يخرجها على الأصول
و هذا من قوة الدين و التقوى و خوف الله، و أما من ليس له خوف ولا تقوى فكل شيء نظره تكلم فيه سواء كان له سلف فيه أو لا و هذا من المجازفة في دين الله تعالى. و أما هذا الواعظ فهو ثلمة في الدين، فهو ممن عصى الله ورسوله و أولي الأمر. فإنه قد منعه ولاة الأمور عن مثل هذه الأكاذيب في دين الله فما امتنع.
و بلغني أن أنفاراً يأتون إليه بعد المنع و يتكلم لهم بهذا الكلام الباطل و أمثاله، فهو غير مبال بأحد، وكل ذلك إساءة أدب مع الله و مع الناس إذ الواجب عليه بعد منع ولاة الأمورله الامتثال وترك ما هو فيه فيما يحكي عن الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه و أرضاه، و إن كان في هذه الحكاية مقال أن الخليفة منعه من الإفتاء فسألته ابنته ليلة من ليالي عن مسألة، فقال لها سلي أخاك حماداً فإن ولي الأمر منعني من ذلك، وما تجاسر على مخالفة ولي الأمر وهو أمر بينه وبين ابنته.
فهذا هو الإمام المجتهد المتقي الخائف من الله تعالى، المراقب له في كل لحظة و طرفة عين امتنع وامتثل الأمر ولم يخالف حتى بينه وبين ابنته. نفعنا الله به و ببركاته في الدنيا و الآخرة، فالواجب على كل من يخالف الله ورسوله المباعدة عن هذا الواعظ و عدم تصديقه فيما يقول فلربما أوقع المصدق له في شيء من العقائد الفاسدة.
فإن هذه الفروع الفقهية ظاهرة كل الظهور بعبارات واضحة، و مع ذلك يخالف و يعاند، فما بالك بالعقائد التي قد يسري للإنسان الزيغ فيها وهو لا يشعر، و حيث لم يمتثل أمر ولاة الأمور و يمتنع مما هو عليه من الفجور فالواجب عليهم ردعه وزجره و الخروج من حقه ليمتنع من الكذب في دين الله المصمم عليه مع عدم الانقياد و الرجوع إلى الحق.
فإن الله تعالى يثيبهم بذلك الثواب الجزيل إذ هم منصوبون لإقامة الأحكام و تنفيذها، ومن ذلك الذب عن الشريعة المطهرة والخروج من حق من يحدث فيها ما ليس منها، فإن ما صدرمن هذا الواعظ أولاً و ثانياً كذب محض، ونسبته إلى مذهب الإمام [أبي حنيفة رحمه الله] نسبة كاذبة فهي لاتتماشى على قول فيه كما علمته من النقول و وقفت عليه مما أوقعه الله من العبارات، فإن الله يجازيه بأقواله و أفعاله ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم و صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله و صحبه وسلم.