الجزء 1 · صفحة 7
حُسام الحُكَّامِ المُحقِّينَ لصدِّ البُغاةِ المُعتَدِينَ عن أوقافِ المُسلمينَ
للإمام حسن بن عمار الشرنبلالي الحنفي
توفي سنة 1069هـ
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
الجزء 1 · صفحة 8
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه الإعانة
الحمد لله ربّ العالَمينَ، والصَّلاةُ والسَّلامُ على خير خلقه الأمين، سيدنا وسَنَدِنا محمد، وعلى آله وصحبه والتابعين، وتابعيهم بإحسان إلى يومِ الدِّينِ، وبعد: فيقول العبد الفقيرُ الحقيرُ المُلتَجِيُّ إلى عنايةِ المَولى القديرِ، حَسَنُ الشُّرنبلالي الحنَفِيُّ عامله الله بدَوامِ لُطفِه الجليّ والخفيّ، وغفر له ولوالديه ولمشايخه وإخوانه والمسلمين:
هذه أحكام مُحرَّرةٌ قاطِعَةٌ بِحُجَّتِها رِقابَ المُتَهَوِّرِينَ بِجُرأَتِهم على الفَتْوَى من حق مُبينِ، وتَرْكِهم ما حُرِّرَ من كلامِ الأئِمَّةِ المُحقِّقِينَ، واعتمادهم على فاسد بمُجَرَّدِ ما يُرَى مَسطُوراً لبعض المُتأخرينَ، جمعتُها خِدمةً لشريعةِ سيِّدِ المُرسَلين؛ لتكونَ عَوْناً للحُكّام على القضاء بالحقِّ المُبينِ، وصَدَّاً للمُعتَدينَ، وسميتُها:
«حُسام الحُكَّامِ المُحقِّينَ لصدِّ البُغاةِ المُعتَدِينَ عن أوقافِ المُسلمينَ»
لخصتُها من رِسالتي المُسَمَّاةِ: بـ: «حَسناء الأوصافِ في حِفْظِ الأوقاف» التي جمعتها لمَّا سُئِلتُ عن بيعِ وَقْفٍ عامرٍ من غيرِ مُسَوِّعَ لبَيعِه وقد وقَفَه مُشتَريه بعد تكرر البيع والشراء.
وأجَبْتُ بيُطلانِ بَيعِه، وأنَّه لا يُفيدُ الملك، ولو اتَّصَلَ به القَبْضُ، وتدَاوَلَتْه البياعاتُ، وببطلانِ وَقْفِ المُشتَري وانتِزاعِه منه، وإبقائه على ما كانَ مِنَ الوَقْفِ السَّابِقِ مُستَئِداً في ذلك للنُّقولِ المُعتَمَدةِ الصَّحيحةِ الصَّريحة.
الجزء 1 · صفحة 9
بيَّنتُ بُطلانَ فَتَوَى مَن سبقنا بخِلافِ ذلك بالدلائلِ الصَّحيحة، والأقوالِ المُحرَّرةِ الرَّجيحة، ورتَّبتُ هذه على فُصول:
الأَدِلَّةِ.
الأَوَّلُ: فِي الأَدِلَّةِ لمَنعِ بيع الأوقافِ.
الثَّاني: في نص أئِمَّتِنا الحنفيَّةِ على بطلانِ بَيعِ الوَقْفِ، واعتمادهم على تلكَ
الثَّالثُ: في ذِكرِ فَتَوَى قاضي القُضَاةِ نُورِ الدِّينِ الطَّرابلسي، وفَتَوَى الشَّيخِ الإمامِ العالم التحريرِ شِهَابِ الدِّينِ أحمدَ بنِ يُونسَ الشَّلْبِيِّ بمثله، ومُناقَضَتِه لنَفْسِه. الرّابع: في إبطالِ فَتَواهُما، والكرّ على كلامهما ونقضه.
***
الفصلُ الأَوَّلُ
في الأدلة الواردة لمنع بيع الأوقاف
قال في «الإسعاف»: تصَدَّقَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بسبع حوائط، وهي بساتين في المدينة المنورة، وإبراهيم الخليل عليه السَّلامُ وقَفَ أوقافاً، وهي باقية إلى يومنا هذا، والخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ وَقَفُوا أوقافاً كثيرة.
فأما أبو بكرِ الصِّدِّيقُ رَضِيَ الله عنه، فقد حَبَسَ رِبَاعاً له بمكة.
وأمَّا عُمَرُ بنُ الخطَّابِ رَضِيَ الله عنه، فكانَتْ له أَرضُ بِخَيْبَرَ، وَكَانَ نَخْلاً، فقالَ: يا رَسولَ الله، إِنِّي استفدتُ مالاً هو عندي نفيس، أفَأَتَصَّدَقُ به؟ فقالَ رسولُ الله: تصَدَّقُ بأصله، لا يُباعُ، ولا يُوهَبُ، ولا يُورَثُ.
وأَمَّا عُثمانُ بنُ عَفَّانَ رَضِيَ الله عنه، فقد تصَدَّقَ بِمالِهِ بِخَيْبَرَ، وصُورَةُ كتابه:
بسم اللهِ الرَّحمنِ الرَّحيم
هذا ما تصَدَّقَ به عُثمانُ بنُ عفَّانَ في حياتِه، تصَدَّقَ بماله الذي بخَيْبَرَ يُدعَى: مال ابن أبي الحقيق على ابنِه أَبانَ بنِ عُثمانَ صدقةٌ بَنَّةً بَتْلَةٌ، لا يُشتَرَى أصله أبداً، ولا يُوهَبُ، ولا يُورَثُ، شَهِدَ علي بن أبي طالب، وأُسامة بن زيد.
الجزء 1 · صفحة 10
وأما أمير المؤمنينَ علي بن أبي طالب رضِيَ اللهُ عنه، فكانَ له بَيَنْبُعَ أَقْطاعاً من عُمَرَ بنِ الخطَّابِ، ثمَّ اشترى الإمام علي أشياء إلى قطيعتِه، فَحَفَرَ فيها عَيْناً، فبينما هم يعملون إذ انفجر عليهم مثلُ عُنُقِ الجَزُورِ عن الماء، فأتى عليَّاً فَبَشِّرَه بذلك، فقال علي رضِيَ الله عنه: بشِّرِ الوارِثَ، ثمَّ تصَدَّقَ بها على الفُقراء، والمساكين، وفي سبيل الله، وابنِ السَّبيلِ، القريب والبعيد، في السّلْمِ والحَرْبِ، يومَ تبيَضُّ وُجوهٌ لِيَصْرِفَ اللهُ النَّارَ
عن وجهه بها. وقد بَلَغَ جُذاذها في زَمَنِ عَلَيَّ رَضِيَ اللهُ عنه أَلفَ وَسَقٍ. وتصَدَّقَتْ عائشةُ أَمُّ المُؤمنينَ رضي الله عنها، وأسماء بنت أبي بكر الصِّدِّيقِ رضِيَ اللهُ عنها، وأُمُّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَرَضِيَ اللهُ عنها، وأُمُّ حبيبةً رَضِيَ اللهُ عنها، وصفِيَّةُ بِنتُ حُيَيٍّ رَضِيَ اللهُ عنها.
وتصدَّقَ الزُّبَيْرُ بنُ العَوَّامِ، وسَعدُ بنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وخالدُ بنُ الوَلِيدِ، وأَبو أَرْوَى، وجابر بن عبد الله، وسَعدُ بنُ عُبادةَ، وعُقبة بن عامر، وأَهلُ بَدرٍ مِنَ المُهاجرين عنهم والأنصارِ رضِيَ اللهُ وتصَدَّقَ كثيرٌ منَ التَّابعينَ وغَيْرِهم رَضِيَ اللهُ عَنِ الصَّحابة وعنهم أجمعين،
ونفَعَنا ببركاتِهم. آمين. فهل يُقدِمُ على إبطالِ وَقْفِ هَؤُلاءِ مُؤْمِنُ بالله واليومِ الآخِرِ؟ أو يحِلُّ له الإفتاء به ببيع باطل أو فاسد، نسألُ اللهَ الحِفْظُ منَ الزَّلَّاتِ، وَمِنَ الْوُقُوعِ فِي المُهْلِكاتِ، بِفَضْلِهِ وكَرَمِه.
الفصل الثاني
في ذِكْرِ شيءٍ من منصوص أَئِمَّتِنا على لزومِ الوَقْفِ، وعلى بطلان بيعه اعتماداً على تلك الأدِلَّةِ المُتَقَدِّمة:
الجزء 1 · صفحة 11
قال هلالٌ رحمه الله في «أوقافه»: لو لم يشرطِ الواقِفُ بيعها واستبدلها الواقِفُ بما هو خَيرٌ منها، ليس له ذلك؛ لأنَّ الوَقْفَ لا يُطلَبُ به التِّجارة، ولا يُطلب به الأرباح، وإنَّما سُمِّيت وَقْفاً؛ لأنَّها لا تُباع، ولو جاز له بيعُ الوَقْفِ بِغَيرِ شرط في أصله كان له أن يبيع ما استبدلَ بالوَقْفِ، فيكونُ الوَقْفُ يُباع كلَّ يومٍ، وليس هكذا شأنُ الوَقْفِ.
وكذا نقله الشَّيخُ قاسم تلميذُ المُحقِّقِ الكَمالِ بنِ الهمام، وكذا الطَّرسُوسِيُّ في أنفَع الوسائل، وقال: من شرط الوَقْفِ أَن لا يُمْلَكَ ولا يُورَثَ.
وقال الخصَّافُ: الوَقْفُ بمَنزلةِ المُدَبَّرِ، لو غَصَبَه عَاصِبٌ من مَولاهُ فَأَبَقَ مِنَ الغاصب، أو أخرجه الغاصِبُ من يده، يضمَنُ قيمَتَه، ولم يملكه، ومتى ظهر عاد إلى مَوْلاهُ، رَدَّ مَولاهُ القيمة التي أخَذَها، انتهى.
ومثله في أوقاف هلال»، انتهى.
وكذا حُكمُ الوَقْفِ إذا عادَ ليدِ غاصِبه بعدَ القَضاء عليه بقيمَتِه يرجعُ وَقْفاً، ولا يملكه، ولا يحبسه لأخذ ما دفَعَه كالمُدَبَّرِ. كذا في أوقافِ هلال» و «الخصَّافِ»؛ لأنَّه كالمُدبَّرِ لا يقبلُ التَّمَلُّكَ والتَّمليك.
وقال في البَحرِ الرَّائقِ» نقلاً عن «الذَّخيرةِ»: إِذا خَرِبَتْ أَرضُ الوَقْفِ، وأرادَ القيم أن يبيع بعضاً منها لرمّ الباقي، ليس له ذلك، فإنْ باعَه فهو باطِلٌ.
وقال في «الفَتاوَى الصُّغرى»: إِذا وَجَدَ في الضَّيعةِ المُسْتَراةِ قِطعةً وَقْفٍ، كَانَ شمسُ الأَئِمَّةِ الحُلوانيُّ يَقُولُ: البَيعُ في الكُلِّ باطِلٌ؛ كما لو جَمَعَ بينَ حُرِّ وعَبدِ، ثمَّ رجَعَ إلى قول القاضي علي السُّغدي، فقالَ: يجوز في الملكِ خاصَّةً، انتهى.
الجزء 1 · صفحة 12
فقد اتَّفَقا على بطلانِ بَيعِ الوَقْفِ، وعلى صِحَّةِ بيع ملك ضُمَّ إليه. وقال العلامةُ شيخُ الإسلامِ عليٌّ المَقدِسي شارِحُ «نظمِ الكَنز»: قد صرَّحَ جميعُ الفُقَهَاءِ بِعَدَمِ تَمَلُّكِ الوَقْفِ؛ فَإِنَّ الوَقْفَ المَعمُورَ إِذَا صَحَّ زالَ مِلكُ الواقِفِ عنه، ولا يعود لملك الواقِفِ، ولا إلى وَرَثَتِه عند الأئِمَّةِ الحنفية، وهذا ممَّا لا نزاع فيه لأحدٍ أصلاً؛ كالمسجدِ المَعمورِ، وإِنَّما النزاع فيما إذا خَرِبَ الوَقْفُ، فعند محمَّدٍ يعود، وعند أبي يوسف لا يعود؛ لأنَّه إسقاط للملك، فلا يعود إلى ملكه، كالإعتاق، ومن هنا تسمعُهم يقولونَ الوَقْفُ مُحرَّرٌ عنِ التَّمليكِ والتَّمَلُّكِ، كما نقَلَه الزّيلعِيُّ منهم وغيره، انتهى.
وقال العلامةُ الشَّيخُ زَينُ بنُ نُجَيمٍ فِي شَرْحِ الكَنْزِ»؛ «البَحرِ الرَّائِقِ»: لا يُملكُ الوَقْفُ بإجماعِ الفُقَهَاءِ كما نقله في «فتح القدير»، ونقله غيرُه. وقال أيضاً: مُتَولَّي المسجدِ إذا باعَ منزِلاً موقوفاً على المسجدِ، فَسَكَنَه المُشتَرِي، ثمَّ عُزِلَ هذا المُتَوَلّي، ووُلّي غيرُه، فادَّعَى على المُشتَرِي، وأبطل القاضي بيعَ المَنزِلِ، وسلَّمَه إلى المُتَوَلَّي الثَّاني، فعَلَى المُشتَرِي أَجرُ المِثْلِ، انتَهَى. وقال في «القُنية» راقماً لأبي حامد، قال: لو باعه الوارِثُ لضرورة، فالبيع باطِلٌ، ولو قَضَى قاض بصحته، قال: ولا يجوز فتح باب بيعِ الوَقْفِ القديمِ الذي لا يُعرَفُ صحته ولا فَسادُه إذا باعَه الوارِثُ لضرورة؛ لأنَّه على القَولِ الضَّعِيفِ المَشروط ه للزُومِ الوَقْفِ القضاء به؛ لأنَّ الوَقْفَ يلزَمُ بمُجَرَّدِ القَوْلِ عَلَى المُفْتَى به، فلا يبيعه الواقف ولا الوارِثُ ولا غَيرُه، ولا يصِحُ الحكم به؛ لأنَّ القاضي معزول بالنسبة للقولِ المَرجُوحِ، وقد مشى على هذا من بعده، وأفتى به الشَّيخُ قاسِمٌ مُحقِّقُ الحنفية في الفتوى تلميذُ ابن الهمام.
الجزء 1 · صفحة 13
وقال أُستاذ مشايخي العلامة عليّ المَقدِسي بعدَ نَقْلِهِ إِجماع الفُقَهَاءِ على اله لا يصح تملكُ عَينِ الوَقْفِ الحديث عُمر: الاتباع ولا نورث، ولأنه باللزومِ خرج عن ملك الواقف، وبلا ملك لا يتمكن من البيع ما دامَ قائماً
عامراً، والفتوى على خلافِ ما رُوِيَ عن مُحمد رحمه الله، إذا ضَعُفَتْ أرضُ الوقف عن الاستغلال، ويجِدُ القَيِّمُ بثَمَنِها أُخرى أكثرَ رَيْعاً، له بَيعُها، ويشتري ما هو أكثرُ رَيْعاً؛ لأنَّهم قالوا: والفتوى على خلافه؛ لأنَّ الوَقْفَ بِعَدَمَا صَحْ بشرائطه لا يحتمل البيع، وهذا هو الصحيح.
حتَّى ذَكَرَ في شَجرةِ جَوز وقف في دارٍ، خَرِبَتِ الدَّارُ، لا تُبَاعُ الشَّجرةُ لعمارة الدَّارِ، بل تُكرَى الدَّارُ ويُستَعانُ بنفس الجوز على العمارة.
وأما مسألة بيع الوَقْفِ المُنضَمِّ لملك، فهم مُتَّفِقُونَ على بطلان بيعِ الوَقْفِ فيها، وما حَصَلَ الخِلافُ إِلَّا في بيع الملكِ المُنضَم إليه.
ونقل استاذ مشايخنا العلامة عليّ المَقدِسي في رسالته التي رَدَّ فيها على رسالة المفتي التي مُلَخَصُها: أنه إذا بيعَ الوَقْفُ والملك صفقةً واحدةً يكونُ البيع فاسداً في الملكِ مُقيَّداً بما إذا كانَ الوَقْفُ مَحكوماً به، وأنَّه يجب تقييد المسائل التي حكم فيها بالجَوازِ بغَيرِ المَحكوم به، وأطنب فيها غاية الإطناب ومَدَّ خِيامَ الإسهاب. وقال العلامةُ المَقدِسيُّ: إِنَّ ما في تلكَ الرِّسالةِ حائِدٌ عن سواء الطريق، ومن محصل رسالة العلامة المقدسي رحمه الله: أنَّه لا فَرْقَ بينَ الْوَقْفِ المَحكوم به وغيرِ المحكوم به، فإذا ضُمَّ ملك إلى وَقْفٍ مُسجّل، أو غير مسجل، قيل: يسري البطلان للملك، وقيل يقتَصِرُ على الوَقْفِ، وهذا هو الأصح.
ونقل العلامةُ المَقدِسي رحمه الله تقُولا كثيرةً، كلُّهَا مُطبقةٌ عَلَى بُطَلَانِ بِيعِ الوَقْفِ
الجزء 1 · صفحة 14
المنضم للملك، بعضُها بالصَّراحة، وبعضُها بالمفهوم والإشارة؛ منها «الكنز والوافي»، و «الكافي»، و «شَرْحُ المَجمَعِ» لابنِ الضّياءِ المَكِّي، والعَيني، والكمال ابن الهمامِ في شَرْحَيهِما على «الهداية» و «الوقاية»، وشرحها لابن الملك، و البرهانُ شَرحُ مَواهِبِ الرَّحمن»، و «الدُّرَرُ والغُرَرُ، و «البَزَّازِيَّةُ»، و «الخلاصة»، وشَرْحُ الزَّاهِدِي»، و «الذخيرة»، و «قاضيخان، و «السير الكبير»، و «تتِمَّةُ الفَتاوَى»، و الظَّهِيرِيَّةِ»، فهذه التقولُ المُعتبَرةُ حاكمةٌ ببطلان بيعِ الوَقْفِ كما ترى. فإِنْ قُلتَ هذا ظاهِرٌ على التصريح ببطلان بيعِ الوَقْفِ، فَمَا الوَجْهُ على قَولِ مَن صَرَّحَ بأنَّه فاسد؟ أليس الفاسِدُ حُكمُه أَن يُملَكَ بالقَبْضِ؟
قُلتُ: مَعلومٌ أَنَّ الفاسِدَ يُطلَقُ على الباطل بالمعنى الأعم، فيُعَبَّر بالفاسِدِ ويُرادُ الباطل، ألا ترى إلى تعليل ذلك؟ عبر عنه بلفظ الفاسِدِ بِقَولِهِ: لأَنَّ بيعَ الوَقْفِ لا يُفيدُ الملك، ولا يقبل التمليك والثَّمَلكِ، كالمُدَبَّر، وما لا يقبل البيع ولا التمليك يكونُ بَيعُه باطِلاً كالمُدبَّر.
وهو كما قالَ الكَمالُ بنُ الهُمامِ رحمه الله عندَ قَولِ «الهداية»: وبيعُ أُمَّ الولد والمُدَيَّرِ والمُكاتَبِ فَاسِدٌ: هذا لفظ القُدُورِيُّ، قال المُصَنِّفُ: «الهداية»: ومعناه باطِلٌ؛ لأنَّ استحقاق الحُرِّيةِ بالعِنقِ ثابت لكل منهم بجهةٍ لازمة
على المولى، فلو ثَبَتَ الملكُ للمُشتَرِي بطَلَ ذلك كلُّه، فلا يجوز البيع، وما لا يُفيدُ الملك من البيع فهو باطل، انتهى.
وأنت ترى لزومَ الوَقْفِ واستحقاق تحريره عنِ البيع بنَ الشَّارع فهو كالمُدبَّر.
الجزء 1 · صفحة 15
وكما قال في المُحيط»: ولو باع الملك والوَقْفَ صَفقةً واحدةً؛ قيل: فَسَدَ البيع في الملك؛ لأنَّ البيع لا ينعَقِدُ على الوَقْفِ؛ لأنَّه صارَ مُحرَّراً عن التمليك والثَّمَلكِ. وهكذا ذكر الفقيه أبو اللَّيثِ في نوازِلِه»: رجُلٌ اشترى قريةً ولم يستثن المقبرة والمساجد، فسد البيع؛ لأن بيع هذه الأشياء باطل؛ لأنَّ البيعَ إنَّما ينعقِدُ لاحتمال
النَّفاذِ، وبيعُ الوَقْفِ لا يُتَوَهَّمُ نَفَاذُه، فصار كما لو باعَ حُرَّاً وعَبْداً.
وقيل: يصح البيعُ في الملك، وهو الأصح؛ نظراً لمالية الوقف، وكذا قال الكمال: وأمَّا تملُّكُ القِنِّ المَضمومِ إليهم؛ فلِدُخولهم في البيع؛ أي: بالنَّظر إلى المالية، ثم يخرجون منه، فيبقى البيع في الملكِ بالحصة، وإنَّه جائز بقاء، وكذلك الوَقْفُ صالح؛ لدخوله في البيع للمالية، ثمَّ يخرُجُ ويبقى ما ضُمَّ إليه، فيقتَصِرُ بطلان البيع على المدير وأم الولد والمُكاتَبِ والوَقْفِ.
وصع البيع في الملك المضموم لواحد منهم كما قال الإمامُ المُحقِّقُ فَخرُ الدين عثمانُ الزِّيلَعِيُّ شارِحُ «الكنز» رحمه الله: وفيما إذا جَمَعَ بينَ ملك ووقف روايتان، في رواية يفسد في الملكِ؛ لأن البيع لا ينعقد على الوَقْفِ؛ لأنه صارَ محرراً عن الملك والتّمليك، فصار كما لو جمَعَ بينَ حُر وعبد، ذكره أبو الليث في «نوازله»، والأصح أنه يجوز في الملكِ؛ لأنَّ الوَقْف مال، ولهذا يُنتَفَعُ به
انتفاع الأموال، غير أنه لا يُباع لأجل حق تعلّق به، وذلك لا يُوجِبُ فسادَ العَقدِ فيما ضُم إليه كالمُدبَّر ونحوه، انتَهَى.
فانظُرْ - حفَّكَ اللهُ بلُطفِه - إلى حُسنِ صَنيع الزِّيلَعِيِّ، وتحقيقه بطلانَ بيعِ الوَقْفِ على الروايتين، رواية سَرَيانِ البُطلانِ مِنَ الوَقْفِ إلى الملك، ورواية اقتصار البطلانِ على الوَقْفِ.
أما في الرواية الأولى، فبقوله: لأنَّ البيع لا ينعقد على الوَقْفِ".
الجزء 1 · صفحة 16
[وأما في الثانية، فبقولِهِ: غيرَ أَنَّ الوَقْفَ] لا يُباع لأجل حق تعلق به. وانظر إلى حُسنِ صَنيعِ الزِّيلَعِيِّ، وتصريحه بصُدُورِ الرّوايتينِ في حُكمِ الملكِ المضمومِ خاصَّةً وإفهامه، بل بتصريح تعليله حكم بطلانِ بيعِ الوَقْفِ على الرِّوايتَينِ. وقد تيقنت وعلِمتَ بنَصِّ الخصَّافِ وهِلال والمُحقِّقِ ابنِ الهُمامِ وغيرهم أَنَّ الوَقْفَ حُكمُه حُكمُ المُدبَّر.
وقال العلامة المقدسي: إنَّه لا فرق بينَ الوَقْفِ والمُدبَّرِ، انتَهَى.
فمَن وَهِمَ وزَعَمَ أَنَّ في بيع الوَقْفِ راويتَينِ، روايةً [قائلة ببطلانه، ورواية] بفَسادِه، وأنَّها هي الأصَحُ، فقد غَلِطَ غلَطاً فاحِشاً، يرد عليه كلامُ الزَّيْلَعِيِّ كغَيرِه وهذا شرحُ كلامِ الزِّيلَعِيِّ وإيضاحه: وهو أنَّ الزِّيلَعِيَّ بدأ ببيانِ الرِّوايةِ الأُولى
لبيان حكم بيع الملكِ نصاً بقوله: في روايةٍ يفسُدُ في الملك، فبعد هذا التصريح كيف يُظَنُّ صُدورُ الرّواية في الوَقْفِ نَصَّاً على بطلان بيعه أو فَسَادِه؟ ثمَّ يُغَايِرُ ذلكَ الظَّان بالروايةِ الثانية فيه، مع تعليلِ الزَّيلَعِيُّ فسادَ بيع الملكِ بقوله: لأنَّ البيع لا ينعقد على الوقف، وحيثُ لم ينعقد كانَ باطِلاً، فيسري بطلانه إلى الملكِ، ثمَّ بَيَّنَ وَجهَ البطلان في تعليله بقوله: لأنه صار مُحرَّراً عن الملك والتمليك.
الجزء 1 · صفحة 17
ثم شبة الزَّيلَعِيُّ عدَمَ انعِقادِ البيع على الوَقْفِ، وسَرَيان بطلانِه إلى الملكِ على هذه الرواية بمسألة بيع الحرّ مع عبد فقال: كما لو جَمَعَ بينَ حُرِّ وعبد، فقد أثبَتَ وَجهَ بطلان بيع الوَقْفِ كالحر، وأثبَتَ عدَمَ صِحَّةِ بيع الملك المضموم إليه بذلك الشَّبه، ثم عزاه إلى قائله أبي اللَّيتِ رحمه الله غير أَنَّه لما كانَ المُشبَّهُ لا يُعطى له حكمُ المُشبه به من كل وجه، ورأينا في الوَقْفِ صفة ليست في الحر، وهي المالية، ورَدَتِ الرّوايةُ الثَّانِيَةُ فِي حُكم بيع الملكِ المُنضَمِّ للوقف، فسلمت بطلان بيع الوَقْفِ نظراً لكونه صارَ مُحرَّراً عن الملكِ والتمليك، ونظرتُ إلى الأمر الفارق بينَ الوَقْفِ والحُرّ، وهو المالية في الوَقْفِ وعدَمُها في الحر، فلعَدَمِ المالية في الحرِّسرَى البطلانُ لِما ضم إليه، لما يلزمُ مِنَ القَولِ بالبيع بالحصة ابتداء، وأنه لا يجوز لعدَمِ قَبولِ الحرّ العقد من الابتداء، وينتفي به العقد أصلاً، فيبطل بيع الحر والملك، ولوجود المالية في الوَقْفِ لم يسر البطلان للملك المنضم إليه؛ لانعِقادِ العَقدِ على الجميع لقبولِ الوَقْفِ البيع في الجملة، ثمَّ يخرُجُ من العقد، فيبقى البيع في الملك بالحصة، وأنه جائز بقاء، فلذا أثبت صحة بيع الملكِ خاصةً على الرواية الثانية بقوله:
والأصح أنه يجوز في الملكِ؛ لأنَّ الوَقْفَ مالٌ، غَيْرَ أَنَّه لا يُباع لأجل حق تعلَّقَ به، وذلك لا يُوجِبُ فَساد العقد فيما ضُمَّ إلى الوَقْفِ، كالملكِ المُنضَم إلى مُدَبَّر ينعقد في الملك خاصَّةً، ولا يسري إليه البطلان منَ المُديَّرِ؛ لأنَّه مالٌ، غَيْرَ أَنَّ المُدبَّرَ لا يُباع لأجل حق تعلَّق به، وذلك لا يُوجِبُ فساد العقد فيما ضُمَّ إليه، وكذا أُمُّ الولد والمكاتب.
الجزء 1 · صفحة 18
ثمَّ أَجابَ الزِّيلَعِيُّ رَحِمَهُ اللهُ عمَّا يُورَدُ من سَرَيانِ البطلان لملك ضُمَّ لمسجد وبيعا صفقة، فقال: بخِلافِ المسجدِ؛ حيثُ يبطل العقد فيما ضُمَّ إليه؛ لأنَّه ليسَ بمال، وهذا لا يُنتفع به انتفاع الأموال، فلا يُؤَجَّرُ، ولا يُسكَنُ سُكَنَى البيوتِ، فخالف الوقف الذي لم يكن مسجداً لهذا المعنى.
وأطلق المسجد عن قيد العامر، فشَمِل المسجد الخراب، وهو الأصح المفتى به؛ فإنَّه مسجد إلى قيام الساعة، لا يرجع لملك بانيه، ولا يعود ميراثاً، وهو قول أبي يوسف، وعليه أكثر المشايخ كما بسطنا الكلام عليه في رسالتنا المسماة: ب: «سعادة الماجدِ في عمارة المساجد»، فتحصل من كلامِ الزَّيلعي كغَيرِه أَنَّ اختلاف الروايتينِ إنَّما هو في الملكِ المُنضَمَّ لَوَقفِ، وَأَنَّ بيعَ الوَقْفِ باطل اتفاقاً، سواء كان مسجداً أو غيره.
وتحصل منه أن بيع الملكِ المَضمومِ إنْ كانَ قد ضُمَّ لمسجد فهو باطل أيضاً، وإِنْ ضُمَّ لوقف غير مسجدِ كانَ بيع الملك فاسداً على رواية، وكان صحيحاً على الأصح، وهي الرّوايةُ الثَّانيةُ الصَّادرة في حكم بيع الملكِ المُنضَمِّ لَوَقْفٍ، فَإِذَنْ لا اختلاف روايةً في بطلان بيع الوَقْفِ.
ولمَّا اشتبه كلامُ الزّيلَعِيِّ على بعض المُفتينَ المَوجودين في أوائلِ القَرْنِ العاشر، أو قريب منه ظَنَّ أَنَّ اختِلافَ الرّوايتين في بيع الوَقْفِ، وَجَعَلَ بفَهمه روايةٌ قائلةً بفَسادِه، وروايةً قائلةً ببطلانه، وأنَّ الرّواية القائلة بالفسادِ هي الأصح، على ذلك الفَهم: تمَلُّكُ الوَقْفِ وبطلانه بالشِّراءِ المذكور.
وتبعه على ذلك من بعده مُقلّداً له لعُلُوّ منصِبه وشُهرَةِ صِيته، وما نظَرَ إلى النُّقولِ التي ظَنَّ أَنَّها تُفيدُ ما أفتى به وهي ترُدُّ عليه فَهمه بصريحها، فضاعَ بذلك كثير من الأوقاف العامرة.
الجزء 1 · صفحة 19
ويستند القاضي لمُجرَّدِ تلك الفتوى، بل يُسطّرُها في وثيقة بيعِ الوَقْفِ، ويُسجِّلُها لتصير حُجّةً له وللمشتري.
وأعرَضَ مَن جَاءَ بعد ذلك المُفتي عنِ النَّظَرِ في كلامِ مَن حَقَّقَ الحُكمَ، وَرَدَّ تلكَ الفتوى الباطلة؛ لأنَّه غيّر ما يُريده من تحصيلِ السُّحتِ والرشوة، ولا يُبالي بكونه صارَ ملعوناً بنص الشَّارع: «لعَنَ اللهُ الرَّاشِيَ والمُرتَشِيّ والمُراشِيَ.
وليس له مُستَنَدٌ يحتج به لتشبيه الأئمَّةِ الوَقْفَ بالمُدبَّرِ وبالحُرِّ [بجِهَتَينِ، وظهَرَ أَنَّه لا فرق بينَ الوَقْفِ والمُدبَّرِ والحُرِّ من حيثيَّة عدم قبولهم التّملَّكَ.
غاية الأمرِ أَنَّه اتَّفَقَ أَنَّ بعض ما هو مبيعٌ باطِلٌ يدخُلُ في العقدِ دُخُولاً ابتدائياً كالمُدبَّرِ والوَقْفِ، ثمَّ يخرُجُ منه بالحصّة بقاء، وهو جائز كما هو مُقَرَّرُ. واتَّفَقَ أَنَّ بعض ما هو مبيع باطل لا يدخُلُ في العقد أصلاً كالحر، فيصح تشبيه الوَقْفِ بالحرّ، كما يصح تشبيه المُدبَّرِ بالحرِّ من حيثيَّةِ كَونه لا يملكُ العَقْد. ولا يصح تشبيه الوَقْفِ بالحُرِّ من حيثيَّةِ كَونِهِ يُبْطِلُ العَقد في الملكِ المَضمومِ إليه، كما لا يصح تشبيه المُدبَّرِ بالحرِّ من هذه الحيثيَّةِ.
ومن لم يُميز الحيثياتِ خَلَط أو خبط عشواء، وقد قيل: لولا الحيثيات لا تَحدَتِ الحقائق.
الفصل الثالث
رَدُّ
الجزء 1 · صفحة 20
قد صدر من قاضي القُضاةِ مُحيي الدِّينِ محمَّدِ بنِ إِلياس رحمه الله: أنَّه ر فَتَوَى قاضي القضاةِ نُورِ الدِّينِ الطَّرابلسي بأنَّ بيعَ الوَقْفِ فَاسِدٌ لا باطل كما نشرَحُها، وفتوى العلامة الشيخ أحمد بن يونُسَ السلبي الموافقةِ للطَّرابلسي في وَجْهِهما؛ لأنَّه تولى قضاءَ مِصْرَ في حياتهما، ونازَعَهُما أيضاً بعضُ المُحققين من علماء عصرهما، فأفتوا ببطلان بيع الوَقْفِ مُوافقةً لابن إلياس. وكتب في ذلك الرسائل، وأشار أستاذ مشايخنا إلى ذلك، وبين تحقيق المسألة كما قاله ابنُ إِلياس، ثمَّ إِنِّي بتوفيق الله تعالى نَظَرتُ في فَتَاوَى العلامة المرحومِ ابْنِ الشَّلْبِي، فَوَجَدتُه ناقض نفسه، فأفتى بخِلافِ الفتوى التي وافَقَ الطَّرابلسي فيها، كما هو مسطور في «فَتَاوَى ابنِ الشَّلْبِيِّ».
ونصه في كتاب الوَقْفِ منها، وقدَّمناه لأنه هو الصَّوابُ، حيث قال: سؤالٌ: شَرَطَ واقفٌ أَنَّه لا يُستبدل وقفه ولو بلغ من الخرابِ ما بلغ وحكم بصحته ولزومه، ثمَّ استَبَدَلَ ناظره منه، مع كون الوَقْفِ فائضا، فهل لمن بعده الرجوع على من استبدل، أو على واضع اليد على العَينِ؟ وهل يُقبَلُ قَولُ
البينة: إِنَّ العَينَ الوَقْفَ سائغة للاستبدال، وحكمه به صحيح معَ وُجودِ الفائض للعمارة أم لا؟ جوابه البيِّنةُ الشَّاهدةُ بوُجودِ المُسوِّعَاتِ للاستبدال في هذا الوَقْفِ مَردودة لأنَّ الحِس يُكذِّبُها، والحكم به باطل والوَقْفُ باقٍ على أصوله فائض، ولو لم يُصرح الواقِفُ بعدَمِ الاستبدال لقلنا بطلان هذا الاستبدال، فكيف وقد صرَّحَ بِعَدَمِ الاستبدال؟!
الجزء 1 · صفحة 21
ويُؤْمَرُ واضع اليد على هذه العَينِ المُستَبْدَلة برفع يده عنها، ويُتَابُ مَن أعان على صَرْفِ رَيْعها لجهةِ الوَقْفِ الثَّوابَ الجزيل، والله تعالى أعلَمُ بِالصَّوابِ، انتَهَى. قُلتُ: فيه مُخالفةٌ لفَتواه التي وافَقَ فيها الطرابلسي، وجَعله فيها بيعَ الوَقْفِ فاسداً؛ لقوله هُنا ببطلان الاستبدال؛ لأنَّه يُفَرَّقُ بينَ البَاطِلِ والفاسد كما ستعلَمُه. ثم قال:
سؤال: باغ ولد ولد الواقِفِ بيتاً منه، وادَّعَى عدَمَ عِلمه بالوَقْفِ، ثمَّ عَرَّفَه الحاكم بطلب مستحق أنه وقف، فأقر به، ثمَّ إِنَّ المُشترِيَ مِنه وَقَفَه على جامع، فهل يصح وقفه أم لا؟ وهل للنَّاظِرِ على الوَقْفِ الأَوَّلِ مُطالبته بأجرةِ المِثلِ مُدَّةَ وَضْعِ يده؟ جوابه: الوَقْفُ الصَّادِرُ منَ المُشتَرِي غير صحيح، وعلى النَّاظِرِ على الوَقْفِ الأَوَّلِ مُطالَبته بأجرة البيتِ مُدَّةَ وَضْعِ يده، والله أَعلَمُ، انتَهَى.
قُلتُ: وفيه مُخالفة لمُوافَقَتِهِ الطَّرابلسي من جهةِ عَدَم صِحَّةِ وَقْفِ المُشتَرِي، وإلزامه بالأجرة؛ لأنَّه يجعل بيعَ الوَقْفِ من قبيل الفاسِدِ، فَيُمَلَكُ بِالقَبضِ، ويصِحُ تصرفه فيه، لكنَّ هذا وما قبله هو الصواب.
ثم قال:
سؤال في وَقْفِ عامر ساكن قائم على أصله ليس فيه شيءٌ مُعَطَّل، تواطأ ناظِرُه مع مستحق عارف بجميعِ الوَقْفِ مُتَشَرِّع على رجل وامرأتينِ مُستَحقِّينِ بالوَقْفِ، وأفرزا لهم موضعاً من غير قسمة، ثم قالا لهم: بيعوا ذلك.
وجاءَ النَّاظِرُ برجل حيلة لنَفْيِ الريبة، وقال: هذا يشتري منكم ولا يُغرِّمُكم للقاضي دِرْهَما، فباعوه له، ثمَّ بَاعَه الرَّجُلُ المُشتَرِي للنَّاظِرِ والمُستحقِّ المُتشرِّعِ، ثمَّ إِنَّ النَّاظِرَ والمُتشرِّعَ وَقَفَاهُ بعد ذلك.
الجزء 1 · صفحة 22
فهل هذا البيع جائز، والوقف صحيح، أو لا؟ وهل يلزم البائعين رَدُّ الثَّمَن، ويعودُ الوَقْفُ كما كانَ، ويلزَمُ واضِعَ اليد على المكان أُجرة المثل إلى حينِ رفع يده، أم لا؟
جوابه: البيع المذكورُ والوَقْفُ المُترتِّبُ عليه باطِلانِ، والوَقْفُ باقٍ على حالتِه الأولى، ويلزم البائعينَ ردُّ ما أخَذُوه منَ الثَّمن، ويلزَمُ واضِعَ اليد على الوَقْفِ جميعُ الأجرة مدة وضع يده، والله أعلَمُ بالصَّوابِ، انتهى.
قُلتُ: وفيه مُخالَفَةٌ لفَتواه التي وافَقَ فيها الطَّرابلسي؛ لتصريحه هنا بأنَّ البيع والوَقْفَ باطِلانِ، وقد قال في تلك الفتوى بفسادِ البيعِ الأَوَّلِ، وصِحَّةِ البيعِ الثَّاني، وصِحَّةِ الوَقْفِ بعده، ولزومه وانقطاعِ حقِّ الوَقْفِ الْأَوَّلِ، وَمِن لَازِمِه أَن لا يُطَالَبَ بأُجرة للوقفِ السَّابِقِ، ولا يَرُدَّ البائعُ الثَّمَن، وذلك باطل كلَّه.
والصواب هو الذي ذكره هنا في هذه الأجوبة الثلاثةِ المُطابقة لجميعِ النُّقول، لكنَّه بعد هذا ناقض نفسه بما سطره في كتاب البيوع منَ الفَتَاوَى المذكورة، حيث قال:
سُئِلَ قاضي القضاة شيخُ الإسلامِ نورُ الدِّينِ الطَّرابلسي رحِمَهُ اللهُ عن بيع الوَقْفِ: هل هو باطِلٌ أو فاسِدٌ؟
فأجاب بأنَّه فاسد، ووافقه على ذلك سيدي الجد، هو الشَّيخُ أحمد بن يونس الشَّلْبِيُّ تغمَّدَه اللهُ برَحمتِه.
وأَمْلَى شيخ الإسلامِ الطَّرابلسي لبعض تلامذته إملاء في ذلك نصه:
الحمد لله وكفى، والصَّلاة والسَّلامُ على سيّدِنا محمَّدٍ المُصطَفَى، وعلى آله وأصحابه وأتباعه السَّادَةِ الحُنفَا، وبعد:
فقد سُئِلَ العبد الفقير إلى الله تعالى علي بن ياسينَ الطَّرابلسي الحنفي عن بيع الوَقْف: هل هو باطِلٌ أو فاسدٌ؟
فأجابَ بأَنَّ بعض المشايخ قالَ ببطلانه، وبعضهم قال بفساده، وهذا هو الصحيحُ من المذهب؛ فإِنَّ أَئِمَّتَنا رَضِيَ اللهُ عنهم عرَّفُوا الباطل والفاسد فقالوا:
الجزء 1 · صفحة 23
الباطل: ما كانَ أصله غير مشروع؛ أي: لم يكُنْ مالاً؛ كبيعِ الحُرِّ والميتةِ والدَّمِ والخمر والخنزير.
وعرَّفُوا الفاسِدَ فقالوا: الفاسِدُ: ما كانَ أصله مشروعاً؛ أي: مالاً مُتقَوماً مُنتَفَعاً به.
ولا شك أنَّ الوَقْفَ مالٌ مُتَقَوِّمٌ مُنتَفَع به، مُحتَرَمٌ مَضمون بالإتلافِ. وفرَّعُوا على الباطِلِ فُروعاً، وعلى الفاسِدِ فُروعاً، فقالوا في فُروع الباطل: لو جمَعَ بينَ عبد وحُرِّ وباعَهُما صفقةً واحدةً، كانَ البيع باطِلاً فيهما، فإنَّ قُوَّةَ الباطِلِ سَرَتْ إلى العبدِ فأبطَلَتْهُ.
وكذا لو جمع بين شاة ذكيَّةٍ وميتة، وباعَهُما صفقةً واحدةً، كان البيع باطِلاً فيهما؛ لما قلنا.
وكذا لو جمَعَ بينَ خَلٌّ ودَمٍ، أو خَلٌّ وخَمر، وباعَهُما صفقةً واحدةً، كانَ البيع باطِلاً فيهما.
وكذا لو جمَعَ بينَ شَاةٍ وخنزير وباعَهُما صَفقةً واحدةً، كانَ البيع باطِلاً فيهما].
وفرَّعُوا على الفاسد فُروعاً، فقالوا: لو جمَعَ بينَ عبدِه وعبدِ غيره وباعَهُما
صفقة واحدةً، كان البيع في عبده صحيحاً نافذا لازماً، وكان في عبد غيره موقوفاً على إجازة مالكه، إنْ أجازه نفَذ، وإنْ ردَّهَ بطل.
وكذا لو جمع بين عبد ومُدَبَّر، أو عبد ومكاتب، أو عبد وأمّ وَلَدٍ، وباعَهُما صفقة واحدةً، كان البيعُ في العبدِ صحيحاً نافذاً لازماً، وكانَ فِي المُدبَّرِ أو المُكاتَبِ أو أُمّ الوَلَدِ فاسداً.
وكذا لو جمَعَ بينَ ملك ووقف، وباعَهُما صفقةً واحدةً كانَ البيع في الملكِ صحيحاً نافذاً لازماً، وكانَ البيع في الوَقْفِ فاسداً؛ إذ لو كانَ باطِلاً لبطل في الملكِ أيضاً كما قدمناه في الحر والعبد وأمثاله.
فظَهَرَ بما قررناه من تعريف الباطل والفاسد والتَّفريعِ عليهما أَنَّ بيعَ الوَقْفِ فَاسِدٌ لا باطل.
الجزء 1 · صفحة 24
وهذه الفُروعُ والتَّعاريفُ مذكورةٌ في كتُبِ أَئِمَّتِنا مِنَ المُتونِ والشَّروحِ؛ كـ «الكنز» و «شُروحِه» و «الهداية» و «شُروحِها»؟، وغير ذلك منَ المُتونِ والشُّروحِ المُعَوَّلِ عليها في المَذْهَبِ.
وقد أصلَ أَئِمَّتُنا أصلاً، وهو أنَّ المبيعَ فاسد إذا لم يكُنْ مُستحقاً للحُرِّيةِ من وَجهِ يُملَكُ بالقبض، واحترزنا بقولنا: ولم يكُنْ مُستحقاً للحُرِّيةِ من وجه عن بيع المُدبَّرِ والمُكاتَبِ وأُمِّ الوَلَدِ؛ فإنَّ البيع فيهم فاسد، ومع ذلك لا يُملَكُونَ بالقَبضِ لاستحقاق كل منهم الحرِّيةَ من وَجْهِ.
وقالوا: يجب على كُلِّ منَ المُتَعَاقِدَينِ فَسخُ المبيع بيعاً فاسداً، وإِنْ قُبِضَ؛ لأنَّ رَفعَ الفَسادِ حَقُّ الله تعالى، فيجبُ رَفعُه، هذا إذا لم يتصَرَّف فيه المُشتري، فإِنْ تَصرَّفَ فيه ببيع أو هبة أو تمليك من غيرِ عِوَض، كانَ البيعُ صحيحاً نافذاً لازماً؛ لأنَّه تعلَّق به حق العبد.
وإذا اجتَمَعَ حقُّ الله وحقُّ العبد كانَ حقٌّ العبدِ مُقَدَّماً على حق الله تعالى؛ لاحتياج العبدِ وغِنَى الله تعالى. فإذا عُلِمَ هذا وتقرَّرَ وباعَ الواقِفُ أو النَّاظِرُ على الوَقْفِ على وجه الاستبدال، فإِنْ وُجِدَتِ المُسوّغاتُ الشَّرعيَّةُ، بأنْ فُقِدَ الرَّيعُ مثلاً، أو نقَصَ نَقْصاً فاحِشاً، أو ما أشبه ذلك؛ كانَ البيع صحيحاً لازماً على ما هو المُفتَى به منَ المَذهَبِ، وإِنْ لم تكُنِ المُسوّغاتُ موجودةً، أو باعَ لا على وجه الاستبدال كانَ البيع فاسداً، فإذا قبَضَه المُشتَرِي ملكه بالقَبْضِ، فإذا باعه لآخر كانَ البيع صحيحاً لازماً نافِذاً، فلا يجوز لأحدٍ إبطاله كما قررناه.
الجزء 1 · صفحة 25
فإذا عُلِمَ هذا فقد وَقَعَتْ حادثةٌ ووَقَعَ فيها خَبْطُ كبير، وهي أَنَّ شَخصاً من أكابر البلدةِ اشْتَرَى أماكِنَ من وَقْفِ مدرسة معلومة على وجه الاستبدال من ثالث المُشْتَرِينَ أو من ثانيهم. سواء كان الاستبدال صحيحاً أو لا، أو كانَ البيع لا على وجه الاستبدال؛ كانَ شراءُ الشَّخص المذكور صحيحاً نافذاً لازماً، وقد وَقَفَ ذلك وحكَمَ بصِحة الوَقْفِ ولزومه قاض حنفي.
فإذا رَفَعَ هذا الشَّخصُ المذكورُ أمره إلى ولي الأمرِ أَيَّدَ الله به الدِّينَ، وَقَمَعَ به الطغاة والمُفسِدينَ، وَجَبَ عليه أن يُمَكِّنه من وَضْع يده على وَقْفِهِ، وَمَنْعِ مَن يُعارِضُه في ذلك، ويُثاب وليُّ الأمر أيده الله تعالى الثَّواب الجزيل، وإن امتنع من ذلك والعِياذُ بالله تعالى كانَ آثِماً، وكانَ الله تعالى خَصْمَه في الدُّنيا والآخرة.
ولا يرد عليه ما قرَّرْناه من القواعدِ المذكورة، والفروع المشهورة، بيع المساجد والجوامع؛ فإنَّ مُلاكَها خَرَجُوا عنها خُروجاً خالصاً الله تعالى، فصاروا بمنزلة الأحرار، صرح بذلك غيرُ واحدٍ من أئِمَّتِنا رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
فجميع ما ذكرته وقرّرتُه منقول في كتب أئِمَّتِنا رَضِيَ اللهُ عنهم أجمعين، ومَن نازع في شيء مما ذكرتُه عن أئِمَّتِنا، وقرَّرتُه فهو بعيد عن العلم، وعن ممارسة كتب أئِمَّتِنا رضي الله عنهم أجمعين، والحمد لله وحده، وصلَّى اللهُ على من لا نبي بعده.
قال ذلك العبد المُقَصِّرُ المُستَغفِرُ علي بن ياسين بن محمد الطرابلسي الحنفي، حامداً الله، مُصلِّياً على نبيه محمد وآله وصحبه ومسلماً. وكتب سيدي الجد هو الشَّيخُ أحمد بن يونُسَ الشَّلْبِيُّ رحمه الله تعالى على الإملاء المذكور ما نصه:
الجزء 1 · صفحة 26
قال في المحيط» ما نصه ولو باعَ الوَقْفَ والملك صفقةً واحدةً، قيل: يفسُدُ البيع في الملك، وهو الأصح؛ لأنَّ البيع ينعقد على الوَقْفِ، ثمَّ قَالَ: وَقِيلَ: يَصِحُ البيع في الملك، وهو الأصح؛ لأنَّ البيع ينعقد على الوَقْفِ؛ لأنَّه مالٌ مُنقَوِّم، ألا ترى لو أتلف إنسانُ الوَقْفَ؛ بأنْ هَدَمَ العقار، أو أجرى الماء على الأرضِ حتَّى صارَتْ بحال لا تصلح للزراعةِ يُغرَّمَ قيمتها؟
وهكذا ذكَرَ هِلال في «وَقفه» قال: لو باعَ المُتولّي الوَقْفَ لا يجوزُ، فَإِنْ هَدَمَ المُشتري البناء، فللقاضي أن يُضَمِّنَ البائع قيمة البناء، أو المُشتَرِي، فَإِنْ ضَمِنَ البائع نفذ بيعه؛ لأنه ملكه بالضّمان، فصارَ كأَنه باع ملك نفسه، ولو ضَمِنَ المُشتَرِي لا ينفذ البيع، ويملكُ البناء، فدل على أنَّ الوَقْف قابل للتمليك والنَّملكِ، فانعقد البيع عليه،
فظَهَرَ فائدةُ انعِقادِه في صِحَّةِ البيع على الملك، كما لو باغ قِناً ومُدَبَّراً، انتهى. الحمد الله، يقولُ مُسَطّرُها أحمدُ بنُ يُونُسَ الحَنَفِيُّ الشَّهِيرُ بابنِ الشَّلْبِيِّ: إِنِّي موافق لما أفاده شيخ الإسلام أبو الحسن نور الدين الطرابلسي الحنفي مد الله أجله، وختم بالصالحات أعمالنا، وعمله من أن بيعَ الوَقْفِ فَاسِدٌ لا باطِل على الصحيح. وكتب مشايخنا رحمهم الله طافحة بذلك، ولو تتبعنا كلامهم في ذلك لأتعبنا القَلَمَ، وأورثنا السَّامَ، والحقُّ أحقُّ أن يُتَّبَعَ، فماذا بعد الحقِّ إِلَّا الضَّلالُ؟ والله الموفق، انتهى.
ثم قال ولَدُ ولَدِ الشَّيخِ ابنِ الشَّلبي في جامع فتاويه»: ورأيتُ في ورقةٍ بخَطّ شيخ الإسلام؛ يعني جده ابنَ الشَّلْبِي، وقد كتبها خطاباً لقاضي القضاةِ مُحيي الدِّينِ محمد بن إلياس ما صُورَتُه:
الجزء 1 · صفحة 27
الحمد الله، عن مشايخنا رحِمَهُم الله تعالى في بيع الوَقْفِ روايتان، في رواية باطل، واختارها الإمام أبو اللَّيثِ رحمه الله تعالى ومن تبعه، فعلى هذه الرواية البيع باطل، ولا يملكه المُشتَري بالقَبْض، والوَقْفُ باقي على ما كان عليه أوَّلاً.
وفي رواية: البيع فاسد، وهو الأصح كما هو مُصَرَّح به، فعلى هذه الرواية يملكه المُشتَري بالقبض، ووقفه صحيح، واختار هذه الرواية كثير من مشايخنا،
منهم الإمام حافظ الدين النسفي رحمة الله تعالى عليه في مَنِ الكَنْزِ»، وأصله «الكافي»، وغيرهما.
هذا في الوَقْفِ الذي لم يشرُطِ الواقِفُ لنفسه فيه الاستبدال، أما معَ الشَّرط فقد جعله الواقِفِ محلاً للتمليك والتملك، فيكونُ حُكمه حكم الملكِ إنْ باعَ طائعاً وَقَعَ صحيحاً، وإنْ باعَ مُكرهاً وقَعَ فاسداً بلا خلافٍ، فيُفيدُ الملك بالقبض للمُشتري، ويصح وقفه، وينقطعُ به حق البائع في الاسترداد، كما صرَّحَ به أَئِمَّتُنا رحمة الله عليهم، منهم الإمام أحمدُ بنُ عمرو الخصافُ، والإمامُ المجتهد تلميذ أبي يوسف هلال الرأي في اوقفهما»، وغيرهما من الأئمة رحمة الله تعالى عليهم أجمعين.
وإِنْ أَرادَ مَولانا أَيَّدَه الله تعالى، وكَفاهُ شَرَّ الأعداء والحاسدين زيادة بيانِ حضَرْتُ بين يديه بالمنقول منَ الشُّروحِ والمُتونِ، وإلَّا؛ فالحقُّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ، والسَّلامُ، انتَهَى ما رأيته.
كذا سطَّرَه وَلَدُ وَلَدِه في كتاب البيوع، وهو مُناقِضُ لِما قَدَّمَه في كتابِ الوَقْفِ، والذي في كتابِ الوَقْفِ هو الصَّوابُ.
الفَصِلُ الرَّابعُ
الجزء 1 · صفحة 28
في إبطالِ فَتَوَى الطَّرابلسيِّ والشَّيخِ ابنِ الشَّلْبِيِّ، والكَرِّ على كلامهما بالنَّقْضِ فأقولُ لبَيانِ ذلك مُعتَمِداً في الاستمدادِ على كَرَمِ اللهِ الفَتَّاحِ الجَوَادِ: أمَّا قَولُ قاضي القضاةِ نُورِ الدِّين الطَّرابلسي رحمه الله، فقد قدَّمنا ما يُغني عن الاعتناء برده من نُصوصِ المَذهَبِ، وما هو مُصَرِّح ببطلان كلامه وكلام متتبعه
لكِنْ وَعَدْنا بالكرّ عليه لإظهار الحقِّ وامتثال الأمر، من غيرِ تَحامُلِ وعِنادِ، ولَنَفْعِ العبادِ، وبيان سبيل الرّشادِ.
قوله: «إِنَّ بعض المشايخ قال ببطلانه».
أقولُ: هذا هو الحقُّ، لكنَّه بالاتفاق، لا كما ظَنَّه من گونه قول بعض المشايخ، للنُّصوص المُتقدِّمة عنِ الشَّارع، ولإطباق الفقهاء، وإجماعهم عليه.
قوله: «وقال بعضُهم بفَسادِه».
أقول: هذا اللفظ وإنْ ورَدَ عن بعضهم فليسَ المُراد به الفاسِدَ منَ القَبيلِ الذي ظَنّه الطَّرابلسي ليُفيد الملك بالقبض، بل المُرادُ الباطِلُ من قَبيلِ إطلاقِ الأعَمِّ وإرادةِ الأخَصّ، وإليه يُرشِدُ التَّعليلُ في كلامهم بكَونِ الوَقْفِ لا يقبل البيع، ولِما قال في المحيط: بيعُ الوَقْفِ لا يُتوهم نفاده كبيع المُدَبَّر.
قوله: «وهذا هو الصحيح من المذهب.
أقولُ: هذا كلام قاله من تلقاء نفسه لم يتفَوَّه به أَحَدٌ من أَئِمَّةِ مذهبنا قبله، على ما رأيتُه اعتَمَدَ فيه على ما ذَكَرَه من تعريف الفاسِدِ وأَنَّه لا يُفيدُ ذلك في الوَقْفِ،
لاختصاص ذلك الحكم بالملك المخصوص، وهو الذي لا إكراه في بيعه، ولا هَزْلَ؛ إذ معَ أحدهما لا يُفيدُ الملك.
قوله: «فإنَّ أَئِمَّتَنا عَرَّفُوا الباطِلَ والفاسد .... إلى آخره.
أقولُ: التّعاريف أغلبية، والنَّقضُ وارِدُ عليها طَرْداً وعَكْساً غالباً، فلا يُؤْخَذُ حكم من مُجرَّدِ التّعريف، لم يُنَصَّ عليه في المذهبِ، كيفَ والنَّصُّ بخِلافِ ما تَوَهَّمَ استنتاجه منَ التَّعريف؟!
الجزء 1 · صفحة 29
قوله: «وعَرَّفُوا الباطل ... إلى قوله: كبيع الحر ... » إلى آخره.
أقولُ: ليس هذا مُطَّرِداً؛ فإنَّ بعض ما هو مالٌ مُحتَرَمٌ مُنتَفَعُ به يكونُ بيعه باطِلاً كالمُدبَّر، ووَجَدْنا الوَقْفَ مثله، والصيد في حق المحرم، فهذا نَقضّ لعموم ذلك.
قوله: «وعَرَّفُوا الفاسد ... » إلى آخره.
أقولُ: يُنقَضُ بالمُدبَّرِ ونحوه؛ فإنَّه مالٌ، ومع ذلك بَيعُه باطِلٌ.
قوله: ولا شَكٌّ أَنَّ الوَقْفَ مالٌ».
أقولُ: نعم، ولكنَّه ليس كما ظنَّه، ليُفيد الملك بالقَبْضِ، وبيَّنا أنَّ بعضَ ما هو مالٌ
يكون بَيعُه باطِلاً، فهذا نَقضُ لكَلامِه.
قوله: «وفرَّعُوا على الفاسِدِ فُروعاً».
أقولُ: لم نرَ مَن فَعَلَ هذا التفريع.
قوله: «فقالوا: لو باع عبده وعبد غيره ... » إلى آخره.
أقولُ: الفاء تُنادي: لست آتياً بما أضاف إليه، ليس هذا من أقسامِ البَيعِ الفاسِد،
فجعله منها فاسِدٌ؛ لأنَّه موقوفٌ.
قوله: «وكانَ في المُدَبَّرِ والمُكاتَبِ وأُمَّ الوَلدِ فاسداً».
أقولُ: بَيعُ هؤلاء باطل لا فاسد، وقد علِمْتَ وَجْهَهُ، فَإِطلاقه الفاسِدَ على بيعها
فاسد بالمعنى الذي يُريدُه، كما علمته بكلامِ «الهدايةِ» و «فتح القدير. ولعلَّ الطَّرابلسي رحمه اللهُ لمَّا لَحَظَ هذا الأمرَ اسْتَدرَكَ على نفسه ممَّا سيذكُرُه بقوله: «وقد أصلَ أَئِمَّتُنا أصلاً»، فاستثنَى به عدَمَ تملُّكِ هؤلاء، ولكنَّه أبقى به وَصْفَ بيعهم بالفاسد، وهو باطل.
قوله: وكذا لو جمَعَ بينَ ملك ووقف ... » إلى آخره.
أقولُ: لم يُصَرِّحْ أَحَدٌ بِفَسادِ بَيعِ الوَقْفِ مثل ما فعل، ولم تصدر هذه العبارةُ في كتاب على ما رأيتُه، ولا تُفيدُه بمفهومها خُصوصاً الكتب التي استند هو إليها، فإنَّهم يقتَصِرونَ فيها على حكم الملكِ منطوقاً، ويُفيدون بطلانَ بَيعِ الوَقْفِ بالمفهومِ والإشارة، بل بعبارة التعليل له.
قوله: «إذ لو كان باطِلاً لبطل في الملكِ أيضاً».
الجزء 1 · صفحة 30
أقولُ: المُلازمة ممنوعةٌ، والفَرقُ بينهما وُجود الماليَّة في الوَقْفِ وعَدَمُها في الحر، ولزوم البيع بالحِصَّة ابتداءً وبقاء، فمن لم يتنبه لهذا، فقد غَلِطَ غَلَطاً فَاحِشَاً. قوله: «كما قدمناه في الحر والعبد».
أقولُ: التشبيه من هذا القبيل ممنوع، والفَرقُ بينهما قد عَلِمْتَه مِن كَونِ الْوَقْفِ العامرِ مالاً يقبل البيع في الجملة، فلم يسر البطلان منه للملكِ، والحرُّ غيرُ مال، فسرى منه للملكِ، فقِياسُه معَ الفارِقِ باطل.
قوله: «فظَهَرَ بما قرَّرناه من تعريف الباطل والفاسد ... » إلى آخره.
أقول: هذا اعتراف منه بأنَّه لم يستند لنص صريح فيما أراده، والتعاريفُ لا تُفيدُ
ذلك، فما ادعاه غير ظاهر، وبيَّنا بالنَّصَّ الصَّرِيحِ بُطَلانَ بَيعِ الوَقْفِ.
قوله: وهذه الفروع».
أقولُ: هي مُصَرِّحةٌ بخِلافِ ما قاله.
قوله: «والتعاريف ... » إلى آخره.
أقولُ: لا يُفيدُ مُدَّعاه لا نَصَّاً ولا مفهوماً.
قوله: كـ «الكنز».
أقولُ: قد أزالَ التَّموية بإظهارِ مُستَنَدِه؛ إذ لم يُصَرِّح في «الكَنْزِ» بقوله: كانَ البيعُ في الوَقْفِ فاسداً، ونفي الصِّحَّةِ بالمَفهومِ في بَيعِ الوَقْفِ، وإرادة الباطِلِ ثابت في كلام الأئِمَّةِ، لتعليلهم بأنَّ البيع لا ينعقد على الوَقْفِ، وما لا ينعقد فهو باطِلٌ، وإليه أشارَ الزِّيلَعِيُّ
قوله: «وشُروحِه».
أقولُ: الشَّروحُ مُصَرِّحةٌ بَرَدَّ دَعواهُ؛ لَقَولِ الزَّيلعِيِّ: إِنَّ البيع لا ينعقد على الوَقْف؛ لأنَّه صارَ مُحرَّراً عنِ التَّمليكِ والتَّمَلُّكِ، فقد أفاد بطلانه، فكيفَ يُتَوَهَّمُ خِلافُه؟
قوله: «و «الهداية» و «شُروحِها».
أقولُ: الكَلامُ فيها كما في «الكنز» وشُروحِه، يُرُدُّ كلامه.
قوله: «وغير ذلك منَ المُتونِ».
أقولُ هذه دَعوَى لا دليل عليها فيما رأيناه.
قوله: «وقد أصَّلَ أَئِمَّتُنا أصلاً .... إلى آخره.
الجزء 1 · صفحة 31
أقولُ: ليس ذلك على إطلاقه، فإنَّهم يُريدون به الملك القابل لانعقاد العقد، والوَقْفُ بخلاف ذلك، فبيعه باطل، على أنَّه استثني من تملكِ المبيع فاسداً بالقبض مسائل، منها: بَيعُ الهازِلِ وبَيعُ المُكرَهِ، حَتَّى لو كانَ المَبيعُ عبداً فأعتَقَه المُشتَرِي لا ينفُذُ عِتقه؛ لأنَّ الملك غير ثابت فيه، والوَقْفُ كذلك، فلم يُفِدْ مُدَّعاهُ.
قوله: «فإنَّ البيع فيهم فاسد».
أقولُ: إطلاق لفظ الفاسِد على بَيعِهم فاسِدٌ هُنا؛ لِما علمته من كلامِ «الهداية» وافتح القدير، بأنه باطل.
قوله: «هذا إذا لم يتصرف فيه المُشتَري ... » إلى آخره.
أقولُ: يُريدُ شُمولَه الوَقْفَ، وهو باطِلٌ، والحكم به باطل.
قوله: «بأنه تعلّق به حق العبد ... » إلى آخره.
أقول ما نحن فيه ليسَ من هذا القبيل؛ فإنَّ حق العبدِ مُتعلّق بالوَقْفِ من جهةِ الغَلَّةِ والمنفعة، وإن لم يتعلّق من جهة عينه، فالواقِفُ يعود منفعته بسكناه واستغلاله أيَّامَ حياته باشتراطه، له وثوابه، مُطلَقاً، أو بعد مماته، وكذلك المُستحقُ للريع والسكنى عبد مُحتاج بحقِّ أكثر من العبدِ الظَّالِمِ المُشتري بالباطل، فلا يترجح بباطل على مُستحق بحَقِّ، وقد صرّح قاضيخان بأنَّ الوَقْفَ حق العبادِ،
فلم يُفد كلامُ الطَّرابلسي مُدَّعاهُ.
قوله: «فإذا عُلِمَ هذا وتقرَّرَ ... » إلى آخره.
أقولُ: الواقف كالنَّاظِرِ لا يملكان الاستبدال من غير شرط، فإطلاقه البَيعَ لهما باطِلٌ، والرَّاجِعُ منَ المَذهبِ أَنَّه لا يُستبدل؛ لأنَّه حيلة لإبطاله كما أفتى به المحققونَ؛ كصَدْرِ الشَّريعة.
قوله: «كانَ البيع صحيحاً لازماً على ما هو المُفتَى به منَ المَذهَبِ».
أقولُ: المَذهب بريء من هذه النِّسبة على ما حققه الأئِمَّةُ.
قوله: «وإن لم تكُنِ المُسوّغاتُ ... » إلى آخره.
الجزء 1 · صفحة 32
أقولُ: قدَّمنا أنَّ هذا فاسد، وأنَّ البَيعَ غيرُ مُنعَقِد، ولا يملك الاستبدالَ إِلَّا القاضي العالمُ العامِلُ، كما في «البرهان»، وقيل: ليس له ذلك، وهو التحقيق الآنَ.
قوله: «فإذا قبَضَه المُشتَرِي ملكه».
أقولُ: هذا كلام باطل لا أصل له في كتُبِ المذهَبِ.
قوله: «فإذا باعه لآخرَ كَانَ البَيعُ صحيحاً نافذاً».
أقولُ: هذا باطِلٌ؛ لأنَّ مَبناه على باطل، كما علمته.
قوله: «ولا يجوز لأحدٍ إبطاله».
أقولُ: هذا تخويف بتمويه، لا يُصغي إليه فقيه.
قوله: «كما قررناه».
أقول: لكنه تقرير باطل، لم يتحصل به على طائل.
قوله: «وقعَتْ حادثةٌ فيها خَبْطُ كثيرٌ».
أقولُ: وقد أوقَعَكَ فيها ما جَرَى عليك به قلَمُ التَّقدير.
قوله: وهي أنَّ شَخصاً من أكابر البلد اشترى».
أقولُ: هذا عَجَبٌ، ولعلَّ مُراعاة منصِبه هو المُوقِعُ في العَطَبِ. قوله: «اشترى أماكن».
أقولُ: حرَّكَ به وَجَعَ القلبِ السَّاكن، فلقد بكتْ عُيونُ المدرسة بضياعها، وأحزَنَتْ قُلوبَ المُؤمنينَ لتعطيلها، واندِراسها بالاستيلاء على رباعها.
وكيف الإقدام على التصريح بهذه الزَّلَّةِ العظيمة التي صارَ ضَرَرُها مُستَمِرَّاً على الدَّوامِ؟ وسُطَّرَتْ في الكُتُبِ، واقتدى بها كثيرٌ من ذَوي الأغراض الفاسدة، والظُّلَمةِ العادية، وباعُوا بها كثيراً من الأوقافِ العامِرةِ من غيرِ مُسوّغ له اعتماداً على فَتَوَى الطَّرابلسي هذه، وفَتَوَى الشَّيخِ ابنِ الشَّلْبي تبعاً له، بمُجَرَّدِ النَّظِرِ، ويضرِبونَ صَفْحاً كلامِ أَئِمَّةِ المَذهَبِ المُحقِّقِينَ؛ لكونه يمنعُهم ويَصُدُّهم عن غَيْهم.
فإذا قيل لهم في ذلك يقولون: قالَ قاضي القُضَاةِ نُورُ الدِّينِ الطَّرابلسي وأَفَتَى وبكذا. وقال شيخ الإسلامِ الشَّيخُ أحمدُ بنُ يُونُسَ الشَّلْبِيُّ مثله، وأفتى به.
الجزء 1 · صفحة 33
ثمَّ يذكرون تلك الفتوى المُدلِهِمَّةَ، فكانُوا على حد قوله تعالى: {إِنَّا وَجَدْنَا ءَابَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى اشَرِهِم مُّقْتَدُونَ} [الزخرف:].
ويتمثّلُونَ بِقَولِ القائل: [من الطويل]
أولئك آبائي فجتني بمثلهم إذا جَمَعَتْنا يا جَريرُ المَحافِلُ
وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَى مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ} [الشعراء:].
أمَا عَلِمُوا أَنَّهما من جُملةِ المُقلّدينَ، الذين شأنُهم نَقل صحيح المَذهَبِ والإفتاء به، وقد استندا في تلك الفتوى لكُتب مشهورة، وليسَتْ تلك الكُتُبُ قائلةً بها، ولم تكُنْ بغَيرِها مسطورةً، وإِنَّما حَصَلَ لهما ظَنُّ واشتباه.
وهذا شَأْنُ النَّوعِ البَشرِيٌّ يغفره الله، فالإثمُ على مَن عَلِمَ ذنبه فلم ينته عن غيه، وقلَّدَهُما في تلك الفتوى الباطلة.
وقد أفادني أستاذي ونبهني بقوله: إنَّ فَتوَى مثل هؤلاء الأكابر وأضرابهم شأنها النظر فيها من غير تقليد وإفتاء بما فيها من غير إحاطة بحكمها من كُتُبِ المَذهَبِ المُعْتَمَدَةِ؛ فَإِنَّ مَقامَ الإفتاءِ خَطِرٌ.
وقد يظُنُّ الإنسانُ أنَّه فهم المسألة على حقيقتها، والأمر بخلافه، أو يشتبه عليه حفظه فيُخطئ، ولذلك إذا حقَّقْتَ كثيراً منَ الفَتاوَى المجموعة من أصحابنا فَضْلاً عن التي جمعها غيرهم عنهم تجد النَّصَّ في المذهب بخلافها.
وكَانَ أُستاذي الثَّانِي إِذَا جَاءَتْ فَتَوَى يَأْمُرُني بالنَّظَرِ فيها، ويقولُ لطالبها: إِمَّا أَنْ تصير حتَّى تُراجع النقل، أو خُذْها، فيذهَبُ، ثمَّ يقول لي الأستاذ: أنا أعرِفُ الحكم في هذه كما أعرِفُكَ، وكما أعرِفُ الشَّمسَ، لكنْ لا بُدَّ من مُراجعةِ النَّقْلِ؛ لاحتمال الخلافِ ونحوه، ما الذي يسعني من الله تعالى أن أقول: هذا يستحق، وهذا لا يستحق، أو هذا يجوز وهذا لا يجوز، إلَّا بعدَ النَّظَرِ والحُكمِ وَإِسنادِ الحُكمِ لقَائِلِهِ مِنْ
الجزء 1 · صفحة 34
ألمَّةِ المَذهَبِ رَحِمَهُم الله تعالى، ونفَعَنا بهم؟
قوله: سواء كان الاستبدال صحيحاً أو لا.
أقول: ليته لم يتفوه بهذا الخطأ الصريح، ولم يُحرِّك به قلَمَه ومَنطِقَه الفَصيحَ. قوله: «أو كان البيع لا على وجه الاستبدال».
أقول: هذا معَ ما قبله مُجازَفَةٌ في المَقالِ، وفتح باب الأهوالِ، وإغراء للظلمة الأغوال، لا يُرضِي مَن يخشَى مَقامَ مَولاهُ، وينهى نفسه عن غَيْهَا وَهَواهُ. قوله: «كان شراء ذلك الشَّخص صحيحاً».
أقولُ: هذا مَردودٌ، وعلِمْتَ بطلانه صريحاً.
قوله: «نافذاً لازماً».
أقولُ: هذه أحوال الأهوالِ، ونتنَزَّلُ معَكَ في المَقالِ، أنتَ تشتَرِطُ لإثباتِ
تصَرُّفك في المَبيعِ الفاسدِ قَبْضَ الظَّالِمِ بشرائه ليملك العين، وهو ملك خبيث، لو حَصَلَ قبضُ المَبيعِ ولم يشترطه في هذا المَوضِعِ المُفيد، وهو خطأ عندَ كل عارِف صنديد، وتُثبِتُ له اللزومَ والنَّفَاذَ، وهو مفقودُ الشَّرطِ، مُنصَرِم بالجذاذ. وهلا قلت ناهياً للمُشترِي المذكور عنِ المُنكَرِ: اُرْدُدْ، أَرْدُدْ؛ فقد جَنَيْتَ وَلِزِمَتْكَ التّوبةُ، ومن شَرْطِها رَدُّ المَظالم، واستَغفِرْ لعلَّ ذَنْبَكَ يُغفَرْ، وحيثُ ارتكَبْتَ هذا البلاءَ المُبينَ يلزَمُكَ أن تقول: يصِحُ بيعُ كافرٍ وظالم أوقافَ سَيِّدِ المُرسَلينَ، والخليل إبراهيم، والخُلفاء الراشدينَ وأُمَّهَاتِ المُؤمنينَ، وأهل بدر من الأنصارِ والمُهاجرينَ والمجاهدين، وبقيَّةِ الصَّحابة والتابعينَ.
ونقطع عنهم عمَلَهُم وثوابه الجاري إلى يومِ الدِّينِ، وحاشا صدور هذا ممَّنْ تروى في أَمرِه وما غَوَى، وخافَ مَقامَ رَبِّه ونهى النَّفْسَ عَنِ الهَوَى.
وأقول لك مقالاً يقطَعُ النّزاعَ كالصَّارِمِ بالحد: قالَ: مَن أحدَثَ في دينا ما ليس منه فهو رد.
قوله: «وقد وَقَفَ ذلك».
أقولُ: ولكِنْ أوقفه موقف ذل وهوان، وحسرة وخُسران؛ فإنَّ ارتكاب الفاسِد حرام وعصيان، لو ثبت الملك شرطه وقد بانَ.
الجزء 1 · صفحة 35
فإنْ قُلتَ أنتَ تَنفي ثبوت الملكِ، وصحَّةَ الوَقْفِ في هذه الحادثة، ويرد عليكَ قَولُ «الإسعاف»: لو وَقَفَ أرضاً اشتراها بعقد فاسد، يصِحُ إِنْ كَانَ بعدَ القَبْضِ؛ لأَنَّه استهلَكَها بإخراجه إيَّاها عن ملكه، وعليه قيمتها.
قلت: لا يرد علينا؛ لأننا علمناه، وأتقَنَّا فَهمَه وأحكَمْناهُ، فيما يثبتُ فيه الملك بالقبض، وذلك غيرُ الوَقْفِ العامر، ولا مُسوّغَ لبيعه، فليسَ بيعه من هذا القبيل، لأنَّه باطِلٌ لا انعِقادَ له، فَضْلاً عنِ النَّفاذِ؛ لقوله في «الإسعاف» عقب ذلك: وإنْ كانَ الوَقْفُ قبلَ القَبْضِ، أو كانَ البيع باطِلاً، كانَ الوَقْفُ باطِلاً، انتَهَى. وسنذكُرُ تمامه إِنْ شَاءَ اللهُ تعالى.
وقد علِمْتَ بما قدَّمناهُ اتَّفاقَ الفُقَهَاءِ على بطلانِ بَيعِ الوَقْفِ العَامِرِ، فلا يُتَصَوَّرُ
ملكه، ولا وَقْفُ مُشتريه إِيَّاهُ، فالحكم به باطِلٌ.
قوله: وحَكَمَ بصِحَّةِ الوَقْفِ ولزومه قاض حنفيٌّ:
أقولُ: لعله أحد القاضيين لا الأوَّلُ الأفخر؛ إذ هو أعَزُّ من الكبريت الأحمر، وحُكمُ المذكور باطل؛ إذ القضاء بغير الصحيح قضاء معزول عاطل. قوله: «فإذا رَفَعَ هذا الشَّخصُ] أمرَه إلى ولي الأمر.
أقول: هذا تحريض له على غيرِ مَرضِي له في الشرع، فقد غَشَشْتَه حيث لم تُرشده إلى طريقِ النّجاة برَد البَيعِ الفاسِدِ معَ القَبْضِ بالنَّزْعِ،
وسدَدْتَ عليه طريق الحقِّ والرَّشادِ المُنجِياتِ، وأَوقَعْتَه في المُهْلِكاتِ، حيثُ لم تبين له الواجبات، ولم تُعلمه بأنَّ الملك لو حَصَلَ بِقَبْضِ المَبيعِ الفاسد ملكٌ خَبيثُ خَسيس، والله سُبحانَه لا يقبل إلا الطَّيِّبَ النَّفيس.
قوله: «أَيَّدَ الله به الدِّينَ، وَقَمَعَ به الطَّعَاةَ المُفْسِدِينَ».
أقولُ: هذه دعوةٌ مُستجابةٌ، ولقد رَدَّ فَتواه قاضي القضاةِ مُحيِي الدِّينِ بنُ إِلياس،
وحاز به الفَخْرَ الدَّائِمَ وَالثَّناءَ الحَسَنَ فيما بينَ النَّاسِ.
الجزء 1 · صفحة 36
قوله: «ويُتاب به ولي الأمر».
أقول: هذا تحريض له على باطل أرهَقَه الحقُّ بالدَّلائل.
قوله: «وإنِ امْتَنَعَ ... » إلى آخره.
أقول: هذا كصَريرِ، باب، أو طنينِ ذُباب، لا يهولُ الحُكَّامَ المُحِقِّينَ، ولا يُحجِمُ العُلماءَ الرَّاسِخينَ المُحققين، ولقد صَدَرَ منهم له في عصره الخِصام، وقطَعُوا تمَسُّكَه بما مضى من نُصوصِ الأَحْكامِ.
قوله: وجميع ما ذكرتُه وقَرَّرْتُه منقول في كتب أيمينا».
أقولُ: قد برأها اللهُ ممَّا أَرادَه بذلك المنسوب.
قوله: «و مَن نازَعَ في شيء ... » إلى آخره.
أقولُ: قد نازَعْناهُ كمَن قبلنا بالتحقيقِ والثَّبوتِ، ورَدَدْنا ذلك القَولَ المَبهوت، وبذلك يعلَمُ القَريبُ للعلم والبعيد، والمُمارِسُ للكتُبِ مُمارَسَةُ الحاذِقِ الصَّنديد.
بيد أني لا أدعي الوصول لدَرَجَتِه، ولا الحلول بشريف رتبته، وما سطرته فهو فَضل من كَرَمِ الله لا غُبار عليه ولا غِشاء، ذلك فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ، غَفَرَ اللَّهُ لنا ولقاضي القضاة المذكور، وسَترَنا بجَميلِ عَفوه إلى يومِ النُّشورِ، وأدخَلَنا جميعاً في شفاعةِ المُصطَفَى عليه أشرَفُ الصَّلاةِ والسَّلامِ، ومتَّعَنا بمشاهدةِ ذاتِه بدار القرار،
فإِنَّها لَنِعْمَ الختام، انتهى ما يتعلق بجواب قاضي القضاةِ الطَّرابلسي رحمه الله و به تعلم الجواب عن كلامِ موافقه الإمام العالمِ الهُمامِ شِهَابِ الدِّينِ ابنِ السلبي رحمه الله
الجزء 1 · صفحة 37
لكن نقول أيضاً ما يُسره الله بفتحه، وهو القدير، لواضح التقرير، وتحقيق التصوير: قال تعالى: {مَا يَفْتَح اللهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةِ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا} [فاطر:]، إِنَّ قَولَ الشيخ ابنِ الشَّلَبِيِّ رحمه الله: «قال في المُحيط ... إلى آخره؛ ليس فيه دلالة على ما ادعاه من أنَّ بَيعَ الوَقْفِ فَاسِدٌ يُفيد الملك بالقَبْضِ، وعِبارتُه مُصرِّحةٌ بأَنَّ بيعَ الوَقْفِ باطل بتعليله بأنَّ البيع لا ينعقد على الوَقْفِ، وقَدَّمْنا ما لا ينعقد بكونه باطِلاً. قوله: وقيل: يصح البيع في الملك».
أقول: ومفهومُه عَدَمُ صِحَّةِ بيعِ الوَقْفِ ونَفْيُّ الصَّحَّةِ وَإِنِ احْتَمَلَ الفَسَادَ لَكِنَّ ترجح الاحتمال الثاني - وهو البطلان - بتعليله بأنَّ البيع لا ينعقد على الوَقْفِ، وما لا ينعقد يكونُ باطِلاً، ولذا قالَ زُفَرُ رحمه اللهُ بِسَرَيانِه للملكِ.
قوله: «وهو الأصح .... إلى آخره.
أقول: كانَ على الشَّيخِ أن ينظر في تعليلِ المُحيطِ» للجانبين ليُفَرِّقَ بينَ صحيح الكلام وعليله، ويُزِيلَ الشَّكُ والرَّينَ، وأنتَ ترى أنَّ «المُحيط» علَّلَ صِحةَ بيع الملكِ
المُنضَمُ للوَقْفِ بأنَّ البيع ينعقِدُ على الوَقْفِ؛ لأنَّه مال، وقد علَّل عدَمَ صِحَّةِ بيع الملكِ المُنضَمُ للوَقْفِ على الروايةِ الثَّانية بأنَّ البَيعَ لا ينعقد على الوَقْفِ، والشَّيءُ الواحد لا يحتمل النقيضين، وهما البَيعُ ينعقد على الوَقْفِ وضده، وهو البيع لا ينعقد على الوَقْفِ.
الجزء 1 · صفحة 38
وأقولُ: دَفَعُ التَّناقُضِ بحمل نفي الانعِقادِ على الانعِقادِ اللُّزومي، وذلك ما دامَ الوَقْفُ عامراً، ولا مُسَوّغَ لبيعه، فيكونُ باطِلاً غير مُنعقد، وبحمْل قوله الثاني، وهو ثبوت الانعقاد على الانعقاد الابتدائي؛ نظراً لكونه مالاً، ثم يخرُجُ مِنَ العقدِ انتهاء، ويبقى العقد فيما ضُمَّ إليه بالحِصَّةِ، والبيع بالحِصَّةِ بقاءً جائز، فليس نفي انعِقادِ بَيعِ الوَقْفِ وإثباته واردين عليه في حالةٍ واحدةٍ ليُجمع الضَّدَّانِ.
قلنا: انعقاد ان لزومي وغيرُ لزومي، المنفي الأول، والمُتَبَتُ الثَّاني، فبهذا التحقيق ظهر إفادةُ المُحيط بطلان بيعِ الوَقْفِ على كل حال ما دامَ عامِراً، ولا مُسوِّعَ لبَيعِه. يُرشد إلى ذلك استظهاره للانعِقادِ بقوله: ألا ترى أنَّه لو أتلَفَ إِنسانُ الوَقْفِ؛ بأنْ هَدَمَ الوَقْف، أو أجرى الماء على الأرض حتَّى صارَتْ بحالٍ لا تصلح للزراعةِ، يُغَرَّمُ قيمتها ... إلى آخره، وذلك لضرورة حفظِ الوَقْفِ بِالقَدْرِ المُمكن.
ألا ترى لو أخرَجَهُم الغاصِبُ من يده وقضَى عليه ببدله، ثم زالت عنه اليد عادَ وَقْفاً كما كان؟ فلو نظرَ الشَّيخُ ابنُ الشَّلْبِيِّ رحمه الله لهذا ما تبع الطرابلسي فيما توَهَّمَه.
قوله: «وهكذا ذَكَرَ هِلال»، إلى قوله: «لا يجوز».
أقولُ: ليسَ المُرَادُ ما تَوَهَّمَه من فسادِ بيعه المُقتَضِي لتملكه بالقَبْضِ؛ لأَنَّ نفي الجواز معناه نفي الانعِقادِ، وبمعنى لا يتصوَّرُ تملكُه ما دامَ قائماً لا مُسوِّعَ لبيعه. يُرشد إليه قوله: «فإنْ هدَمَ المُشتري البناء وضمَّنَ القاضي المُشترِيَ لا ينفُذُ
البيع؛ إذ لو تُصُوِّرَ الانعِقادُ بقَبضه قبلَ هَدْمِه ما نُفِيَ عنه النَّفَاذُ بالهَدْمِ، فكان تصريحاً منه بعَدَم انعِقادِ بيعه، فَضْلاً عن تملكه بالقَبضِ السَّابق على الإتلافِ، وذلك لاتفاقِ الفقهاء على أنَّه لا يقبل الانعِقادَ، ولا يُتَوَهَّمُ نَفَاذُ بيعه، كما بَيَّنَّاهُ.
الجزء 1 · صفحة 39
غيرَ أنَّه لما أتلَفَهُ يُقضَى عليه بضمانه من غيرِ تملكه بالبيع بل بالضّمانِ حِفْظاً للوَقْفِ بالقَدْرِ المُمكن.
وفي قوله: «يملِكُ البناء» إشارة إلى أنَّه لا يملك البقعة، فتُنزَعُ منه، وتبقى على حالها وَقْفاً، ويُعمَّرُ فيها بقيمة النقض، فليس فيه دلالة على ما توَهَّماه، فكيف مع تصريح الخصَّافِ وغيره بأنَّ الوَقْفَ كالمُدبَّرِ، ومتى ظَهَرَ عَادَ وَقْفاً كما يعودُ المُدبَّرُ مُدَبَّراً.
قوله: «فدَلَّ على أنَّ الوَقْفَ قابل للتّمليك والتَّمَلُّكِ».
أقولُ: ليس هو من كلام هلال، وقد صَرَّحَ الخصَّافُ بأَنَّ الوَقْفَ لا يُملَكُ، والوَقْفُ بمنزلة المدَبَّرِ، فذاك من لفظ ابنِ الشَّلْبي، وهو وإنْ صدَرَ في عبارة المشايخ، قد علمت أنَّه ليس على إطلاقه ليُفيد ما أرادَه من تملكه بالبيع الذي ظنَّه، بل المُرادُ قبوله التمليك في الجملة كما صَوَّرَه هِلالٌ، ومعَ ذلك علمتَ أنَّه لا يُملَكُ بعدَ هديه بالبيع.
قوله: «فانعَقَدَ عليه البيع».
أقولُ: إِنْ أرادَ الانعِقادَ اللُّزومِيَّ، فهو ممنوع؛ لِما قدَّمْناهُ.
قوله: «فظَهَرَ فائدةُ انعِقادِه في صِحَّةِ البَيعِ على الملكِ».
أقولُ: هذه النتيجة لا تُثبِتُ مُدَّعاهُ؛ لكون النتيجة خاصَّةً بما ذكرَ، فكيفَ يَتمَسَّكُ بها لإثبات الملكِ في الوَقْفِ وهو بيع باطِلٌ؟
الجزء 1 · صفحة 40
وقد أعلَمْناكَ أنَّ الانعِقادَ وهذا هو الانعقاد الابتدائي الحاصِلُ بالنَّظرِ لِما في الوَقْفِ من الماليَّة، وبوجودِها حصَلَ العقد، ثمَّ يخرُجُ الوَقْفُ مِنَ العقدِ بِحِصَّتِهِ مِنَ الثَّمن، ويبقى العقد في الملكِ بحِصَّته منه، والبيع بالحصّةِ بقاءً جائز كما بيناهُ مِراراً لتوضيح الحكم. وإِنَّما قُلنا بهذا؛ ليُفارِقَ الوَقْفُ الحرَّ، فإنَّه ليس فيه مالية، فكانَ العقدُ عَدَماً منَ الابتداء، والوَقْفُ بخلافه، وله شبَةٌ بالمُدبَّرِ من حيثُ الماليَّة كما ذكرته أنتَ وهوَ. قوله: «كما لو باع قِناً ومُدَبَّراً».
أقولُ: قد علِمْتَ وَجهَ مُشابهةِ الوَقْفِ المُدبَّرِ، وهو المالية، وبها ينعقد البيع، ويلزَمُ في الملكِ الذي ضُمَّ إليه، وعلِمتَ وَجْهَ مُشابهةِ الوَقْفِ للحُرِّ من حيثيَّةِ كَونِه صارَ مُحرَّراً عن التّمليك والتَّمَلُّكِ، فشُبِّه به من ذلك الوَجْهِ، فلا وَجْهَ لِما يُريدُه الشَّيخُ ابنُ الشَّلْبِيِّ بهذا الكلام، بل هذا تصريح منه بخلافِ مُرادِه.
فظَهَرَ الحَقُّ، فليُرْجَع إليه لتشبيه الوَقْفِ [بالمُدبَّر، وقدَّمنا أَنَّه لا فرق بينهما، فإِنَّ كلا منهما لا يمنعُ صِحَّةَ بيع] الملكِ المُنضَم إليه، وأَنَّه ينعَقِدُ البَيعُ ثمَّ يَخْرُجُ منه الوَقْفُ والمُدبَّرُ بالحِصَّةِ كما بَيَّنَّاهُ.
قوله: «إِنِّي مُوافِقُ لِما أفاده شيخُ الإسلام ... » إلى آخره.
أقولُ: هذه موافقةٌ غير صحيحةٍ لِما علِمتَه من بطلانِ بيع الوَقْفِ بالاتِّفَاقِ، فاندَفَعَ به ما ظَنَّاهُ.
قوله: وكتُبُ مشايخنا طافحة بذلك».
أقولُ: أما عبارة «المُحيط» ونحوه، فهم على ذلك مُطبِقُونَ، ولكِنْ هم بريؤونَ ممَّا تظنُّونَ؛ إذ ليس في كتاب من كُتُبِ المشايخ ما ظنَّاهُ من تملكِ الوَقْفِ بالبيعِ الفَاسِدِ، وليسَ ثَمَّ بيع فاسد في الوَقْفِ العامر بلا مُسوّغ، بل باطِلٌ، فلم يتحصلا على طائل. قوله: «فالحق أحق أن يُتَّبع». حررناه
الجزء 1 · صفحة 41
أقولُ: هي كلمةُ حقٌّ، وقد ظهَرَ الحقُّ فيما قلناه، وبطَلَ ما يُخالِفُه ممَّا ادَّعَياه كما قوله: «عن مشايخنا في بَيعِ الوَقْفِ رِوايتان».
أقول: هذا ممنوع، وليس فيما استند إليه شيء يُثبِتُ اختِلافاً في حُكمِ بَيعِ الوَقْفِ، وقد اتَّفَقَتْ كلمةُ المشايخ على بطلانِ بَيعِه من غيرِ مُسوّغ له، وإِنَّما وَقَعَ الخِلافُ في صِحَّةِ بَيعِ الملكِ المَضمومِ للوَقْفِ، قيل: فاسد، وهو قول زُفَرَ، وقيل: صحيح، وهو الأصح كما علمته مُحرَّراً.
قوله: «في رواية باطل».
أقولُ: بطلانه متفق عليه، روايةً واحدةً فلا رواية تُخالِفُها.
قوله: «فعلى هذه الرواية البيع باطِلٌ ... » إلى آخره.
أقولُ: الحكم، صواب، وقد أفتى به هو في كتابِ الوَقْفِ كما بيناه، وأَمَّا نسبةُ الرّواية، فخَطةٌ من حيثُ إفهامها روايةً تُقابِلُها لا من حيثُ هي هي.
قوله: «وفي رواية: البَيعُ فاسد». أقولُ: قدَّمنا أنَّه ليسَ ثَمَّ روايةٌ ثانيةً، فهذا من استنباطه وظَنَّهُ ممَّا استنَدَ إِليه، وظَنَّه مُستفاداً من «الكنز» وغيره، وأنَّها لا تُفيدُه.
قوله: «أما معَ الشَّرطِ يكونُ حُكمُه حُكم الملكِ».
أقول: ليس على إطلاقه، فلا يملكُ استبداله بغبن فاحش، وإذا فعله كان استهلاكاً فيضمَنُه؛ إذ العقارُ يُضمَنُ بالبيع والتسليم عندَ الكُلِّ، ويلزَمُ المُشتري ردُّ العين لو باقية، وبدلها لو تالفة، وللاستبدال شُروط معلومة.
قوله: وإنْ باعَ مُكَرَها وَقَعَ فَاسِداً بلا خلافٍ.
أقول: هذا مبني منه على ما توهمه من كونه باشتراط الاستبدال يكون كالملك، وبيع المالك مكرهاً فَاسِدٌ اتفاقاً، فتوهَّمَ أَنَّ الوَقْفَ يكون كذلك باشتراطه استبداله وهو مردودٌ؛ فإنَّ بيعَ الوَقْفِ باطِل اتّفاقاً معَ الطَّواعية، ومعَ الإكراه ينعَدِمُ المُسوِّغُ ا لبيعه، لزَوالِ ملكِ الواقِفِ عنه، وقوات ما هو الأصلَحُ للوَقْفِ.
الجزء 1 · صفحة 42
و بانعدام شرط صحة الاستبدال الصحيح لا يملكه المشتري بالإكراه، فلا يكونُ حكمه حكم الملك الذي باعه مالكه مُكرهاً، يقعُ فاسداً، ويُملَكُ بِالقَبْضِ، بل يقعُ باطِلاً كما حررناه.
حتَّى إِنَّ الغاصِبَ المقضي عليه بقيمةِ الوَقْفِ لا يملِكُه، فمَتَى زالَتْ يده عنه عادَ وَقْفاً كما كان، مثلُ المُدَبَّرِ المَقضي بقيمته، إذا عاد ليد الغاضب يردُّه لَمَولاهُ مُدبَّراً ويرد القيمة للغاصب، ويكون العبدُ المُشترى بدلاً عنِ المُدبَّر ملكاً لمشتريه، وتكونُ
الأرضُ المُشتَراةُ بدلاً عن الوَقْفِ المُشتريها، كما قال الخصَّافُ وهلال. وسنذكر تمامه إنْ شاءَ اللهُ تعالى، فافتَرَقَ الحكم بينَ الأرضِ المُسْتَرَاةِ بدلاً عن
الوَقْفِ المغصوبة، وبين الأرض التي أوصى بوقفِيَّتها ومات ولم يظهر له مال سواها، وأطلق القاضي للورَثَةِ ثلثيها وباعُوهما، ثمَّ ظهر للميت مال، يُخرجُ منه الثلثان، لا يبطل بَيعُ الثُّلتَينِ، ولا يظهرُ فيهما حُكمُ الوَقْفِ من حيثيّةِ رَدُّهما إليه، بل يشتري الورثةُ بقيمة الثلثين بدلاً للوَقْفِ مكانهما. وجه الفَرقِ: أنَّ المُوصَى بالوَقْفِ ما ثبَتَ وَقفُه في الجميعِ حال إطلاق القاضي الثلثين للورثة، فكانَ بيعَ ملك ثابت ظاهراً، وأمَّا قَضاءُ القاضي ببدلِ الوَقْفِ المغصوب، فصادِرٌ حالَ ثُبوتِ وَقْفٍ، قائم، فلم يملكه المقضي عليه بالبَدَلِ، ويُعْتَفَرُ في البقاء ما لا يُعْتَفَرُ في الابتداء، فلذا يُرَدُّ المَغصوبُ للوَقْفِ وَقْفاً بِزَوالِ يدِ العَاصِبِ، دون ما أطلق القاضي بيعه للوَرَثَةِ مِنَ الثلثين.
هذا ما ظهر لي مِنَ الفَرْقِ بتوفيق الله تعالى. قوله: «يُفيد الملك بالقبض للمُشتَري.
الجزء 1 · صفحة 43
أقول: هذا كلام ساقِطٌ مَردودٌ؛ لما علمته، ويرُدُّه ما قدَّمناه من أَنَّ بيعَ المُكرَةِ فاسد في الملك، ولا يُملَكُ بالقبض، وينقُضُ جميع تصرُّفاتِ المُشتَري بالإكراه في الملك، فكيف به في الوَقْفِ؟ وقد ذكرَ الشَّيخُ ابنُ الشَّلْبيِّ رحمه الله في شرحه على الكَنْزِ» أَنَّ بيعَ الهَازِلِ لا يُفيد الملك بالقبض، حتى لو كانَ المبيعُ عَبْداً فأعتقه المُشتَرِي بعد قبضه لا ينفُذُ عنقه؛ لأنَّ الملك غيرُ ثَابِتٍ، انتَهَى.
فكذلك الحكم في الوَقْفِ، فقوله: «يُفيدُ الملك بالقبض؛ أَخذَه من عُموم المفهوم من حُكمِ البَيعِ الفاسِدِ الحاصل في الوَقْفِ الملك وليس الوَقْفُ مملوكاً، كيف والتصريح في المذهب بخلافه؟
فلا يُتَّبِعُ غيرُ نص المذهب، وبه يُرَدُّ كَلامُ الشَّيخِ ابنِ الشَّلبي رحمه الله.
قوله: ويصح وقفه».
أقولُ: لا وَجْهَ الصحتِه، لما قدمناه، ولما علمته من أَنَّ جميعَ تصرُّفاتِ المُشتَرِي الملك بالإكراه كلُّها تنقضُ، فكيف في الوَقْفِ؟ فيناؤُه هذا قد أُنقِضَ.
قوله: «وينقَطِعُ به حقُّ البائع في الاسترداد».
أقولُ: هذا قول ساقِطٌ مُنقَطِعُ الإسنادِ، ولا حق لبائِعِ الوَقْفِ فِي عَينِهِ لينعَقِدَ بِيعُه،، له حق الاسترداد؛ لأنَّ الوَقْفَ العامِرَ لا يقبل بيعه الانعِقادَ بدُونِ استبدال ثمَّ يثبت له صحيح عندَ كلِّ أُستاذ نقاد.
قوله: «كما صَرَّحَ به أَئِمَّتُنا».
أقولُ: هم بريؤُونَ من هذه النِّسبةِ الذَّميمة التي تردُّها الطَّباعُ السَّليمةُ والأفهام المستقيمة، قد صدَرَتْ من هفَواتِ القلَمِ كما جرى به التَّقديرُ في القِدَمِ، ولا أنفي عنك شريف الصِّفاتِ، ولا أقولُ: إِنَّ ذلك صدَرَ مَقصُوداً بالذَّاتِ، بل للقَلَمِ زَلَّاتٌ يغفِرُها المولى عالِمُ الحَفِيَّاتِ والجليَّاتِ.
قوله: «منهم الإمام الخصَّافُ وهِلال».
الجزء 1 · صفحة 44
أقول: هذا ذهول عن فَهم حقيقة كلامِ الخصَّافِ وهلال وغيرهما؛ فإنَّ كلامهم إنَّما هو في الملك الذي اشتُرِيَ شراءً فاسداً، وقُبِضَ ثمَّ وقفَه المُشتَرِي؛ لأنَّ الملك شرط لثبوتِ وَصْفِ المَبيعِ بالفَسادِ، والوَقْفُ ليسَ مملوكاً، فانعَدَمَ وَصْفُ بيعه بالفاسد، وبطَلَ الوَقْفُ المُرتَّب عليه. قالَ هِلال والخصَّافُ في بابِ الرَّجُلِ يشتري الأرض شراء فاسداً فيُوقِفُها: إذا
اشترى أرْضاً أو داراً بيعاً فاسداً وقبَضَها، فوَقَفَها وَقْفاً صحيحاً، قالَ: الوَقْفُ جائز، ويضمن قيمتها، قاله الخصَّافُ وهلال.
وزاد هلال: يضمَنُ قيمتها يومَ قبَضَها، ويرجعُ بالثَّمن، فإن جَاءَ شفيع لهذه الدَّارِ هل له أن يأخُذها بالشُّفعةِ؟ قال: نعم، ينقضُ الوَقْف، ويأخذها الشَّفيعُ مِنَ المُشتَرِي بالقيمة التي غرمها.
ألا ترى أنَّ رَجُلاً لو اشترى داراً بيعاً صحيحاً فوَقَفَها وَقْفاً صحيحاً، ثمَّ جَاءَ شفيع لها فطلبها بالشفعة أنَّ له أنْ يأخُذَها، ويبطلُ الوَقْفُ فيها، فإذا كانَ للشَّفيع أن يأخُذَها في البَيعِ الصَّحيح، فهو في البيع الفاسِدِ أَحْرَى أن يأخُذَهَا، انتهى. فالخصَّافُ وهلال ذكرا هذا [في الملكِ، بدليل حكمِ الشُّفعةِ، وأَمَّا الوَقْفُ فقالا قبل هذا]: إنَّه كالمُديَّرِ، وهو لا يقبلُ النَّمْلُكَ.
وقالا في الوَقْفِ: إذا غُصِبَ يُرَدُّ كما كانَ بزَوالِ الغَصْبِ، فلو مُلِكَ لبطل ذلك قالاء من أنه كالمُدَبَّر، وبطَلَ قَولهُم يُعاد بعد زوالِ الغَصْبِ كما كانَ وَقْفاً، فالخصَّافُ وهلال لسان حالهما وقالهما يُنادُونَ بأقوى حال الاستهلالِ مُستَغيثين بأهل العلم والإنصاف في المقال: نحنُ بريؤُونَ ممَّا نُسِبَ إلينا، وإن كتبنا عُدولٌ حاضِرونَ للشَّهادة لنا أو علينا، لم نقل فيها بتملكِ الوَقْفِ الذي بيع، باطِلاً كان أو فاسداً، ولا يُطِلانِ حق الموقوف عليهم به لا سهواً ولا عامداً.
الجزء 1 · صفحة 45
ولسان حال كلَّ منَ الخصَّافِ وهِلالٍ يقولُ أيضاً: كيف تظُنُّونَ بي أَنْ أَقولَ بتملكِ الوَقْفِ بكلامي هذا الذي قلته في بابِ وقف المشتراة شراء فاسداً، وتصويري ذلك في الملكِ؟
أما فهمتُم قولي: فإِنْ جاءَ الشَّفيع بعدَ وَقفِها يبطُلُ الوَقْفُ ويأخُذُها بالشُّفعة؟ تظنونَ أَنَّ الشُّفعة تكونُ فِي الوَقْفِ والوَقْفُ لا يُملَكُ.
أما علِمتُم أنَّ من شرط انعقادِ البيع الفاسِدِ أن يكون المبيع مملوكاً؟ والملك مُنعَدِمٌ في الوَقْفِ، تظُنُّونَ بي أَنِّي نسيتُ ما ذكَرتُه في الاستبدالِ: أَنَّه لو لم يشرطِ الواقِفُ بَيعَها، واستبدلها الواقِفُ بما هو خيرٌ منها، أنَّه ليس له ذلك؛ لأنَّ الوَقْفَ لا يُطلَبُ به الأرباح، وإنَّما سُمِّيَتْ وَقْفاً؛ لأنَّها لا تُباعُ، ولو جاز له بَيعُ الوَقْفِ بغيرِ شرط في أصله كان له أن يبيع ما استُبدِلَ بالوَقْفِ، فيكونُ الوَقْفُ يُباع كل يوم، وليس هكذا شأنُ الوَقْفِ.
أتظُنُّونَ أنَّ قولي: «جاز» بمعنى «حل»، فينعقد البيعُ معَ الحُرمةِ معَ نفي الاستبدال، والمنفي تصور البيع في جميع الصُّورِ التي تُخالف صحيح
الاستبدال؟
أتظُنُّونَ بي أَنِّي نسيتُ ما قدَّمتُه في بابِ غَصْبِ الوَقْفِ مِن قَولي: وإِذا ضَمِنَ الغاصِبُ قيمة الأرضِ الوَقْفِ، ثمَّ رجَعَت الأرضُ الوَقْفُ إليه لا يملكها؛ لأنَّ الوَقْفَ لا يُملَكُ، والوَقْفُ بمَنزلةِ المُدبَّرِ، لو غَصَبَه غاصِبٌ من مولاه فَأَبَقَ منه أو أخرَجَه
الغاصِبُ من يده، يضمَنُ قيمته ولم يملكه، ومتى ظهَرَ عاد إلى مولاه، ورَدَّ مَولاهُ القيمة التي أخذها؟
أتظُنُّونَ بي أنّي نسيتُ: قولي: وليس للغاصِب أن يحبس الأرض التي رُدَّتْ إليه حتى بأخذ القيمة؛ لأن هذه وقفٌ، ولا يكون بمنزلة الرهن، ولا يكون رَهْناً؟.
الجزء 1 · صفحة 46
أتظُنُّونَ بي أَنِّي نسيتُ قَولي وتحقيقي أنَّ الوَقْفَ كالمُدبَّرِ، وَأَنَّه لا فَرْقَ بينَهما، وأنَّ لكُل شبهاً بالحرّ، فلا يُملَكُ لِما فيه من الصفةِ اللَّازِمةِ، وليسَ مثل الحرّ من حيثيَّةِ سراية البطلان منه للملكِ المضمومِ إليه، فيقتَصِرُ البطلان على المُدبَّرِ أو الوَقْفِ، ولا يسري البطلانُ لِما ضُمَّ إليه لقبوله الانعِقادَ، وفي الجملة للماليَّة التي فيه، ثمَّ يخرُجُ منه بالحصّة بقاءً كما علمتُم؟
أتظُنُّونَ بي أَنّي بعد تصريحي بقولي: والوَقْفُ لا يُملَكُ أَناقِضُه بأنَّه بالشّراءِ الفاسد يُملَكُ؟
واعجباه منكُم كيفَ تَوَهَّمْتُم تصُوَّرَ وُجودِ البيع الفاسِدِ في الوَقْفِ؟ ونحنُ معاشِرَ الفُقَهَاءِ قائلونَ بأنَّ بيعَ الوَقْفِ لا يُتوَهَّمُ نَفَاذُه، وكَلِمَتُنا مُجتمعةٌ على بطلان بيعه في غير حالة الاستبدال الشَّرعيّ.
وأَعجَبُ منه حُكمُكُم بتمَلُّكه بذلك الشَّراءِ، والحكم فرح عن تصورِ الشَّيء، أفتَحكُمُونَ على مَعدوم؟
فنحن وإنْ صَدَرَتْ منا العِبارة عنه بقولنا: لا يجوز، أو كان فاسداً، فهو ظاهر، فالمراد منه أنَّه بالمعنى العام، والمراد منه الخاص، وهو البطلانُ بنَص التعليل لذلك.
أما سمِعتُم تعليل عدَمِ الجواز بأنَّه لا يقبلُ التَّمليك والتَّملُكَ؟. أوما فهِمْتُم المُرادَ من إثباتِ قبولِه التَّمَلُّكَ والتَّمليك بأنَّه يكونُ في الجملة كمسألة إتلافِ الغَاصِب بناءَ الوَقْفِ.
أنظنُّونَ المُناقَضَةَ بنَفْيِ التمليك وإثباته للعامر والغامر؟ أنحن لا نعي كما ينبغي؟ أما سمِعتُم قولنا: إِنَّ الوَقْفَ لا يكونُ رَهْناً؛ إذ كُلُّ ما لا يجوزُ بَيعُه لا يجوز رَهنه؟