تحفة المنصفين في جواز الاقتداء بالمستوشمين
للفقيه حسن بن عمار الشرنبلالي (ت 1069 هـ)
توفي في سنة (1142 هـ)
تحقيق:
ملك نعيم
إشراف:
د. رأفت الصعيدي
جارٍ تحميل الكتاب…
تحفة المنصفين في جواز الاقتداء بالمستوشمين
للفقيه حسن بن عمار الشرنبلالي (ت 1069 هـ)
توفي في سنة (1142 هـ)
تحقيق:
ملك نعيم
إشراف:
د. رأفت الصعيدي
تحفة المنصفين في جواز الاقتداء بالمستوشمين
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين و الصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله و صحبه أجمعين وبعد:
فيقول العبد الفقير إلى رحمة ربه الغني , عبد الحي بن عبد الحق بن عبد اللطيف بن عبد الحق الشرنبلالي الحنفي عامله الله بلطفه الخفي و أجراه على عوائد بره الخفي. قد تكرر السؤال عن الوشم؛ وهو الدق الذي يُعمل في بعض الأعضاء فيؤثر في محله خضرة متولدة من الدم المخروج بكحل أو نورة أو نحو ذلك , فيصير المكان الواقع فيه ذلك ذا لون ناشئ من نجاسة ذلك [الدم. ما اختلط به , هل هو نجس؟ و ما الحكم في ذلك؟] وهل قول من قال من الوعاظ أنه نجس و الصلاة معه باطلة وإذا لاقى الماء (لما) القليل صحيح أم باطل؟ لكونه مخالفاً لكلام أهل المذهب.
فأجبت بأنه ليس بنجس , والصلاة معه صحيحة , والوشم لا يلزم إزالته بعد غسله ثلاثاً ,كما أفاده الإمام الزاهدي في القنية ,
فعُرض الجواب على الواعظ فقال: " إن الزاهدي معتزلي وإن الأكمل في شرحه للمشارق ذكر أنه نجس و أنه يجب إزالته بالعلاج ولو بالجرح ".
فراجعت الأكمل فرأيته ذكر في شرح حديث ابن عمر الذي هو: «لعن الله الواصلة والمستوصلة و الواشمة والمستوشمة» , فقال: " الوشم أن تغرز إبرة ونحوها في ظهر الكف أو المعصم أو الشفة أو غيرها من بدن المرأة حتى يسيل الدم , ثم يحشوه بالكحل و النورة فيخضر , و فاعلته واشمة والطالبة مستوشمة , وهو حرام إن كان بالاختيار.
فإن فُعل بطفلة فلا تأثم بعد بلوغها؛ لأنها غير مكلفة في وقت العمل ".
قيل ويصير ذلك الموضع نجساً , فإن أمكن إزالته بالعلاج وجبت , وإن لم يمكن إلا بالجرح , فإن خيف منه الهلاك أو فوت عضو لم تجب إزالته. و إن لم يخف وجبت , وتأخيره يؤثم , و الرجل و المرأة فيه سواء. انتهى كلام الأكمل.
أقول قول الأكمل قيل ويصير ذلك الموضع نجساً إلى آخره. قائله بعض أصحاب الشافعي رحمه الله , لا أنه حاكيه عن مذهب أبي حنيفة رضي الله عنه؛ بدليل قوله قبل ذلك في شرح الحديث , وليس ذلك تحريم نجاسة بل تحريم كرامة خلافاً للشافعي , فقد صرح أن القائل بالنجاسة إنما هو الشافعي و أن مذهبه حرمة الفعل نفسه ,
وبدليل ما ذكره أيضاً ابن الملك في شرحه للمشارق في هذا الحديث حيث قال: " و قال بعض أصحاب الشافعي وجبت إزالته إن أمكن بالعلاج وإلا فبالجرح إن لم يخف فوت عضو " انتهى بحروفه
فهذا صريح من الأكمل وابن الملك أن القول بالنجاسة إنما هو مذهب الشافعي رضي الله تعالى عنه. [ويؤكد كونه مذهب الشافعي] أن العلّامة العلقمي الشافعي في شرحه للجامع الصغير من حديث لعن الله الواشمات إلى آخره. ذكر معنى ما ذكره الأكمل بقيل ويصير إلى آخره.
فقال:" الوشم بفتح ثم سكون , أن تغرز في العضو إبرة أو نحوها حتى يسيل الدم ثم يحشى نورة أو غيرها فيخضر و تعاطيه حرام بدليل اللعن. و يصير الموضع الموشوم نجساً؛ لأن الدم انحبس فيه فيجب إزالته إن أمكن و لو بالجرح إلا أن يخاف منه تلفاً أوشيناً أو فوات منفعة عضو فيجوز إبقاؤه , ويكفي التوبة في سقوط الإثم , ويستوي في ذلك الرجل و المرأة " انتهى كلام العلقمي. وهو تقرير لمذهب الإمام الشافعي رضي الله عنه بحكم نجاسة المحل , وأنه يجب إزالته و غير ذلك.
و أما مذهب الحنفية فقد علمت ما قاله الأكمل أنه عندنا ليس تحريم نجاسة بل تحريم كراهة.
فإن قلت قول الأكمل إلى آخره في شرح تقرير الواصلة , قلت نعم , ظاهره ذلك , إلا أن قوله خلافاً للشافعي يدل على أنه راجع للواشمة؛ لأن الشافعي رضي الله عنه لا يقول بأن حرمة وصل الشعر لنجاسة الشعر؛ لأن عنده ميتة الآدمي طاهرة , فضلاً عن شعره.
ولما قال صاحب البحر: " أن حرمة غير الدم المسفوح بناءً على حرمة لحمه لا يوجب نجاسته , إذ هذه الحرمة للكرامة لا للنجاسة. فغير المسفوح في الآدمي يكون على طهارته الأصلية مع كونه محرماً ". انتهى
وعلى كل حال لا يخفى ما في كلام الأكمل من التساهل , ثم إن الواعظ المذكور تمسك بعبارة وقعت لنوح أفندي في زبدة الكلام له وكذا سنان أفندي ذكر أن الوشم نجس تجب إزالته. فكلاهما أيضاً سرى لهما من كلام أهل الحديث , لا أنه لأهل المذهب , إذ لم يستندا في قولهما إلى كلامهم في الفروع. و أما كتب الحنفية فقد ذكر الإمام الزاهدي أنه لا يلزم سلخه.
ومعلوم أن الزاهدي ممن يُعتمد عليه في الفروع الفقهية حتى إنهم يعبرون عنه بفقيه النفس , بمعنى أن الفقه صار طبيعة له.
وقد ذكره صاحب البحر في بحث الدباغة , و أن معراج الدراية نقل عن الزاهدي من كتاب القنية
والمجتبى أن تذكية المجوس و تارك التسمية عمداً توجب الطهارة. ثم قال:" و صاحب القنية هو صاحب المجتبى و هو الإمام الزاهدي المشهود على علمه و فقهه " انتهى كلام البحر فليراجعه من أراده.
وإنما اقتصرنا على القنية في ذلك لأنه هو الذي صرح بخصوص المسألة , وإلا فكتب المذهب جميعاً مصرحة بأن من غرز إبرة ونحوها فارتقى الدم من مغرز الإبرة ولم يسِل فهو طاهر.
والشافعي يحكم بنجاسته و بأن أثر النجاسة الذي يَشُق زواله يُعفى عنه ولا يُحكم بأن الموضع نجس معفو عنه؛ لما سمعته من كلام الأكمل و غيره.
وعبارة الأكمل في شرح الهداية: " إلا أن يبقى من أثره لونه أو ريحه ما يشق إزالته بالاحتياج في الإزالة إلى غير الماء كالصابون و الإشنان. فإن ذلك لا يمنع الجواز. والأصل في ذلك أن إزالة مثل ذلك حرج و هو موضوع ". انتهى كلامه بحروفه
و قال العلّامة الأتقاني في شرحه على الهداية المسمى بغاية البيان: " إلا إذا بقي ما في إزالته مشقة بأن لا يزول بالماء الصرف كاللون , فيُعفى ذلك؛ لقوله صلى الله عليه وسلم في دم الحيض: " حُتِّيه ثم اقرُصيه ثم اغسليه بالماء ولا يضرك أثره " , و لأن الحرج مدفوع شرعاً. انتهى كلام الأتقاني.
ولما نقله صاحب البحر عن السّراج و غيره حيث قال: " إن النجاسة إذا شق زوالها كالحناء النجسة و الدهن النجس و الصبغ النجس يُعفى عنها , و المشقة أن يحتاج في إزالته إلى استعمال غير الماء كالصابون و الإشنان ,
أو الماء المغلي بالنار. كذا في السراج الوهاج و في المجتبى إذا غسل يديه من دهن نجس طهرت , ولا يضر أثر الدهن على الأصح " انتهى
هذا كما قوي كتب المذهب مطبقة على أن الأثر الذي يشق زواله ساقط الاعتبار ولا يضر في الصلاة ولا في الماء القليل.
وحينئذ فما قاله هذا الواعظ من نسبة النجاسة للوشم لمذهب أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه باطل
وأعانه عليه قوم آخرون فلا يُعَوَّل عليه ولا يُستند إليه؛ لأن ما استُدل به من قول الأكمل يَرد عليه ولا يَشهد له و يَشهد عليه كما علمته.
وقوله الزاهدي معتزلي جهل منه إذ لا يقدح ذلك في كلامه في الفروع بل ولا شهادته و عدالته , لقول علمائنا وتقبل شهادة الأهواء إلا الخطّابية , فإن كثيراً من علماء الفروع الفقهية من الشافعية و الحنفية منسوب إلى الاعتزال , كالقاضي عبد الجبار من أكابر علماء الشافعية و هو من رؤوس المعتزلة , كذا أبو حيان التوحيدي وهو من قبل أبو حيان النحوي من أكابر علماء الشافعية.
قال الذهبي: " له مصنفات عديدة في الأدب و الفصاحة و الفلسفة و غير ذلك ولم يقدح ذلك في فقاهته ". فكون هذا الواعظ يرد كلام الزاهدي بكونه معتزلياً , علمت جوابه. فالحق أحق أن يُتبع وأحق أن يُرجع إليه.
ومن ذلك القطع بعدم فساد صلاة الموشوم بالدق المذكور وعدم فساد إمامته أيضاً و عدم تنجيسه للماء القليل على مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة رحمه الله. و أن القول بوجوب الإزالة و التنجيس منسوب لبعض أصحاب الشافعي رضي الله عنه كما علمته من عبارة ابن الملك في شرح المشارق. و أنه هو المراد بقول العلّامة الأكمل في شرحه أيضاً لها.
وإن نسبته إلى مذهب أبي حنيفة نسبة كاذبة قبح الله من نسبها له. إذ قواعد مذهبه لا تقتضي ذلك , و كتب مذهبه مطبقة على خلافه , و حيث لم يمنعه الحكام من تهويراته في مذهب الإمام و نسبته له ما ليس فيه من المسائل , فالمأمول من الله سبحانه و تعالى ببركة صاحب المذهب وقوع ما يمنعه من نسبة المسائل التي ليس لها أصل فيه
وخوضه في تكذيب مؤلفيه بغير مستند يستند إليه , وهذا كله إنما هو لأجل الجيفة التي أوقعته في هذا الخطر الجسيم.
ثم بلغني زيادة على ما تقدم أنه ما تقدم لا يُخرج الوشوم بالدق المذكور من جنابة ولا حدث و هو كاذب في ذلك أيضاً. إذ لا يقول به أحد لا من الشافعية ولا (من) غيرهم , فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
والمقصود من وضع هذه الكلمات القليلة إظهار كلام أهل المذهب في هذه المسألة و إن كانت كالبديهيات لكون غاية الكتب مشيرة إليها , [وبعضها بالتصريح فيها , كما وقفْتُ عليه من النُّقُول].
والمرجو ممن اطلع على الحق و عرفه أن لا يعدل إلى غيره و يزيغ لأجل هوى النفس و ميله , مع الدعاء لجامعها و مشايخه ومحبيه وذريته بالستر في الدنيا , وفي الآخرة بالفوز بالسعادة الأبدية والدخول في شفاعة المصطفى صلى الله عليه وسلم مع السابقين الأولين و الحمد لله أولاً و آخراً ظاهراً و باطناً.