تحفة التَّحرير وإسعاف النَّاذر الغنيِّ والفقير
بالتَّخيير على الصَّحيح والتَّحرير
للإمام حسن بن عمار الشُّرُنبُلالِي
توفي سنة (1069 هـ)
جارٍ تحميل الكتاب…
تحفة التَّحرير وإسعاف النَّاذر الغنيِّ والفقير
بالتَّخيير على الصَّحيح والتَّحرير
للإمام حسن بن عمار الشُّرُنبُلالِي
توفي سنة (1069 هـ)
بسم الله الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي أكرم خيار عباده، وأفاض عليهم عزيز إمداده، ويسَّر لهم القيام بخدمته وأبدلهم ما يشق بأيسر موجود من نعمته. والصَّلاة والسَّلام على حبيبه وصفوته وعلى آله وأصحابه والتَّابعين وذرِّيَّته.
وبعد:
فيقول العبد المقصِّر في خدمته حسن الشُّرنْبُلالي لطف الله بذرِّيَّته وتغمَّده بمغفرته: هذه نبذةٌ يسيرةٌ لتحرير مسألة النَّذر بحسب عجزه وقلَّة بضاعته، وسمَّيتها:
«تحفة التَّحرير وإسعاف النَّاذر الغنيِّ والفقير بالتَّخيير على الصَّحيح والتَّحرير»
لمَّا ورد سؤالٌ فيمن قال: إن دخلتُ دار زيدٍ فعليَّ لله تعالى صوم سنةٍ، فما الحكم؟.
فأجبت كما في «الهداية»، يجزؤه كفَّارة يمينٍ بعد دخوله. ثم إنَّني أردت ذكر المسألة من أصلها وما ذكره الشُّراح في حلِّها.
قال في «الهداية»: «ومن نذر نذرًا مطلقًا فعليه الوفاء به لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «من نذر وسمَّى فعليه الوفاء بما سمَّى»، وإن علَّق النَّذر بشرطٍ فوُجد الشَّرط، فعليه الوفاء بنفس النَّذر؛ لإطلاق الحديث، ولأن المعلَّق بالشَّرط كالمنجَّز عنده.
وعن أبي حنيفة أنه رجع عنه، وقال: إذا قال إن فعلت كذا فعليَّ حِجةٌ أو صوم سنةٍ، أو صدقة [ما أملكه]، أجزأه من ذلك كفارة يمينٍ، وهو قول محمدٍ، ويخرج عن العهدة بالوفاء بما سمَّى أيضًا، وهذا إذا كان شرطًا لا يريد كونه، لأنَّ فيه معنى اليمين وهو المنع، وهو بظاهره نذرٌ فيتخيَّر ويميل إلى أيِّ الجهتين شاء.
بخلاف ما إذا كان شرطًا يريد كونه، كقوله: إن شفى الله مريضي، لانعدام معنى اليمين فيه وهذا التَّفصيل هو الصَّحيح» انتهى.
وقال الشَّيخ أكمل الدِّين في «العناية» رحمه الله: «ومن نذر نذرًا مطلقًا مثل أن قال: لله عليَّ صوم سنةٍ، ولم يعلِّقه بشيءٍ فعليه الوفاء به؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «من نذر وسمَّى فعليه الوفاء بما سمَّى».
وإن علَّق النَّذر بشرطٍ، سواءً كان شرطًا أراد كونه أو لم يرد، فوجد الشَّرط فعليه الوفاء بنفس النَّذر، ولا تنفعه كفَّارة يمين لإطلاق الحديث.
فإنَّه لم يفصِّل بين كون النَّذر مطلقًا، أو معلقًا بشرطٍ، ولأنَّ المعلَّق بالشَّرط كالمنجَّز عنده، ولو نجز عند وجود الشَّرط لم يجزه الكفَّارة فكذا هاهنا».
وعن أبي حنيفة أنه رجع عنه- أي عن تعيين الوفاء بنفس النَّذر المعلَّق بشرطٍ مطلقًا-، ورجع إلى التَّخيير بين كفَّارة يمين، وبين الوفاء بالمنذور في المعلَّق بما لا يُراد كونه، وقال: إذا قال إن فعلت كذا فعليَّ حجَّةٌ، أو صوم شهرٍ، أو صدقة ما أملكه، أجزأه من ذلك كفَّارة يمين، وهو قول محمدٍ، ويخرج عن العهدة بالوفاء بما سمَّى أيضًا، حتى لو كان معسرًا كان مخيَّرًا بين أن يصوم ثلاثة أيامٍ، وأن يصوم شهرًا، وهذا مرويٌّ عن أبي حنيفة في النَّوادر.
ووجهه ما روي في السُّنن مُسندًا إلى عقبة بن عامر - رضي الله عنه - أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «كفارة النذر كفارة اليمين».
قالوا هذا إذا كان شرطًا لا يريد كونه؛ لأنَّ بين الحديثين كما ترى تعارضًا، فحملوا الحديث الأوَّل على النَّذر المرسل، وعلى نذرٍ مقيَّدٍ أراد الحالف كونه. والثَّاني على مقيَّدٍ لا يريد كونه جمعًا بين الآثار.
والمعنى الفقهيُّ في ذلك، أنَّ في الشَّرط الذي لا يريد كونه كلامُه يشتمل على معنى النَّذر واليمين جميعًا، أمَّا معنى النَّذر فظاهرٌ، وأمَّا معنى اليمين؛ فلأنَّه قصد به المنع عن إيجاد الشَّرط، فيتخيَّر ويميل إلى أي الجهتين شاء.
والتَّخيير بين القليل والكثير في الجنس الواحد باعتبار معنيين مختلفين جائزٌ، كالعبد إذا أذنه مولاه بالجمعة، فإنَّه مخيَّرٌ بين أداء الجمعة ركعتين، وبين أداء الظُّهر أربعًا.
والنَّذر واليمين معنيان مختلفان؛ لأن النَّذر قربةٌ مقصودةٌ واجبٌ لعينه، واليمين قربةٌ مقصودةٌ لغيره، وهو صيانة اسم الله تعالى.
بخلاف ما إذا كان شرطًا يريد كونه كقوله: إن شفى الله مريضي، لانعدام معنى اليمين فيه وهو المنع، لأنَّه قصد إظهار الرَّغبة فيما جعله شرطًا.
«قال المصنِّف: وهذا التَّفصيل ـ أي الذي ذكرنا بين شرطٍ لا يريد كونه، وبين شرطٍ يريده ـ هو الصَّحيح.
وفيه نظرٌ؛ لأنَّه إن أراد حصر الصِّحة فيه من حيث الرِّواية فليس بصحيحٍ؛ لأنَّه غير ظاهر الرِّواية، وإن أراد حصرها فيه من حيث الدِّراية لدفع التَّعارض، فالدَّفع ممكنٌ من حيث حمل أحدهما على المرسل والآخر على المعلَّق، من غير تفرقةٍ بين ما يريد كونه ومالا يريده، على أنَّ فيه إيماءً إلى القصور في الذَّهاب إلى ظاهر الرِّواية» انتهى كلام الأكمل.
أقول: التَّنظير غير مسلَّمٍ، أمَّا الجواب عن منع الشَّيخ أكمل الدِّين الصِّحة روايةً بما ذكر من أنَّه غير ظاهر الرِّواية، فليس حصر الصِّحة من هذا القبيل، بل حصر الصِّحة من حيثيَّة رجوع الإمام إليه، لأنَّه رجع إليه قبل موته بسبعة أيامٍ فصار هو الصَّحيح.
لأنَّ المرجوع عنه لا يقاوم المرجوع إليه في الصِّحة، لأنَّ الذي استقرَّ أمر المجتهد ورأيه عليه صار هو المذهب للإمام، فيصير المسطَّر عنه في ظاهر الرِّواية [كالمنسوخ بما بعده.
فَجَعْلُ الشَّيخ أكمل الدِّين رحمه الله ظاهر الرِّواية] وجهًا لمنع الصِّحة لما في النَّوادر غير مسلمٍ؛ لأنَّه لا يكون ما أراده الأكمل إلَّا إذا تقابل ظاهر الرِّواية والنَّوادر وتعارضا من غير رجوعٍ عن إحدى الرِّوايتين.
فأمَّا مع الرُّجوع كما بيَّنا فلا يأتي ذلك، ولهذا أفتى بما في النَّوادر إسماعيل الزَّاهد، ومشايخ بلخٍ، وبعض مشايخ بخارى، واختاره شمس الأئمَّة، والقاضي المروزيِّ.
وقال في «البزَّازيَّة»: وعليه الفتوى.
وقال في «الفيض»: «والمفتى به ما رويناه عن أبي حنيفة من رجوعه، وكذا اختاره الصدر الشهيد».
وفي «الخلاصة»: وعن أبي حنيفة أنه رجع قبل موته بسبعة أيامٍ، وقال: تجب فيه الكفارة، واختاره شمس الأئمَّة السَّرخسي، والصَّدر الشَّهيد، وبه يفتى.
وقد جعله متنًا في «مجمع البحرين»، فقال: «ومن نذر نذرًا مطلقًا لزمه الوفاء به، والصَّحيح في المعلَّق بشرطٍ لا يُرادْ لزوم الكفَّارة، وفي المراد الإيفاء» انتهى.
لكنَّه لم يفصح عن المراد، حيث حكم بلزوم الكفَّارة في المعلَّق بما لا يُراد، وهو غير مراد الإمام في المعلَّق بما لا يُراد، فإنه خيَّره فيه بين الكفَّارة، وبين الوفاء بما نذره. ولم أرَ من نبَّه على كلام المجمع.
وقال الزَّيلعي: «وإن سمَّى _ أي النَّاذر _ شيئًا، ففي المطلق يجب الوفاء به، وكذا في المعلَّق إن كان التَّعليق بشرطٍ يراد كونه، وإن كان لا يراد كونه قيل يجب عليه الوفاء بالنَّذر، وقيل يجزيه كفَّارة اليمين إن شاء، وإن شاء أوفى المنذور وهو الصَّحيح، رجع إليه أبو حنيفة [قبل موته بثلاثة أيَّامٍ وقيل بسبعةٍ» انتهى.
وفي «الدُّرر والغرر»: «نذرٌ معلَّقٌ بشرطٍ لا يريده وفَّى أو كفَّر]، وبه يُفتى، رجع إليه أبو حنيفة، وبه كان يفتي شمس الأئمَّة وغيره من كبار الفقهاء» انتهى.
وكذا قال صدر الشريعة: «وبما لم يرده وفَّى أو كفَّر هوالصحيح» انتهى.
فبهذا ظهر حصر الصِّحة بالهداية روايةً فيما رجع إليه الإمام واتَّضح حصر تصحيح الهداية لها.
فإن قلت إنَّ رجوع الإمام ليس عامًّا بل كان خاصًّا، فإنَّه ما خيَّر بين الوفاء بالمنذور وبين كفَّارة اليمين إلَّا في المعلَّق بما لا يُراد كونه؛ لأنَّ الإمام لمَّا صوَّره بقوله: إذا قال إن فعلت كذا فعليَّ حِجَّةٌ، أو صوم سنةٍ، أو صدقة ما أملكه، أجزأه من ذلك كفَّارة يمين، كان مخصوصًا بهذا النَّوع، إذ لا يحتمل التَّصوير غيره، لأنَّه معلَّقٌ بفعل النَّاذر، فبقي ما عداه على لزوم عين المنذور، وهو المطلق والمعلَّق بما يراد كونه.
فما الحاجة إلى استدراك صاحب الهداية وغيره بقوله: وهذا إذا كان شرطًا لا يريد كونه، مع نقله تصوير الإمام رجوعه.
وما وجه قول ابن الهمام: «واختار المصنِّف _أي صاحب الهداية _ والمحقِّقون، أنَّ المراد بالشَّرط الذي يُجزي معه الكفَّارة، الشَّرط الذي لا يريد كونه، مثل: دخول الدَّار»، سيما مع نصِّ الإمام على ذلك.
وكذا قول الشَّيخ أكمل الدين رحمه الله: «وعن أبي حنيفة أنه رجع عنه أي عن تعيين الوفاء بنفس النَّذر إلى القول بالتخيير الخ»،مع تصوير الإمام المذكور.
قلت: إنَّه لَّما كان ظاهر قول حاكي الرُّجوع شمول المنذور بقوله: أخبرني الوليد بن أبان أنَّ الإمام رجع قبل موته بسبعة أيَّام، وقال: يتخيَّر، كان قول صاحب الهداية ومن وافقه إظهارًا وبيانًا لتحقيق حكم النَّوع الذي رجع عنه الإمام، لئلا يفهم أحدٌ شمول الرُّجوع فيُجري التخيير عمومًا في كل منذور.
نعم كان الأولى والأحسن أن يقال أفاد الإمام بهذا التَّصوير تخصيص رجوعه عن لزوم عين المنذور المعلَّق بما لا يراد كونه، ورجع إلى التخيير فبقي لزوم عين المنذور في غيره وهو ما يراد كونه.
والنَّذر المرسل إذ لا يحتمل التَّصوير بذلك النَّوع غيره، وكان الأولى من تقدير الأكمل مضافًا أن يصرِّح بمضافه فيقول: وعن أبي حنيفة أنه رجع عن إطلاق تعيين الوفاء بنفس النَّذر إلى القول بالتخيير الخ، فيكون أحسن من قوله رجع عن تعيين الوفاء بنفس النَّذر.
وراوي الرُّجوع سمَّاه الكمال، قال _أي الكمال بن الهمام_ رحمه الله: «وروي عن عبد العزيز بن خالد الترمذي خرجت حاجًا، فلمَّا وصلت الكوفة، قرأت كتاب النُّذور والكفَّارات على أبي حنيفة، فلمَّا انتهيت إلى هذه المسألة، قال: قف، فإن من رأيي أن أرجع.
فلمَّا رجعت من الحجِّ إذا أبو حنيفة قد توفِّي رحمه الله. فأخبرني الوليد بن أبان أنَّه رجع قبل موته بسبعة أيَّامٍ، وقال: يتخيَّر، أي في المعلق بما لا يريد كونه.
وبهذا كان يفتي اسماعيل الزاهد وقال الولوالجي: مشايخ بلخٍ وبخارى يفتون بهذا، وهو اختيار شمس الأئمَّة، قال: لكثرة البلوى في هذا الزمان.» انتهى.
والمحقِّقون فصَّلوا بين ما يُراد كونه وما لا يراد بما نصَّ عليه الإمام تصويرًا، فأوضحوا المراد واختاروا ما صحَّحه صاحب الهداية من التَّفصيل لأنَّه الذي رجع إليه الإمام.
وقد حقَّق الكمال بن الهمام ذلك بقوله: «واختار المصنِّف _يعني صاحب الهداية_ والمحقِّقون، أنَّ المراد بالشَّرط الذي يجزء معه الكفَّارة، الشَّرط الذي لا يريد كونه، مثل: دخول الدَّار، وكلام فلان، فإنَّه إذا لم يُرد كونه يُعلم أنَّه لم يُرد كون المنذور.
حيث جعله مانعًا من فعل ذلك الشَّرط، لأنَّ تعليق النَّذر بعمل ما لا يُريد كونه بالضَّرورة، يكون لمنع نفسه عنه، فإنَّ الإنسان لا يريد إيجاب العبادات دائمًا، وإن كانت مجلبةً للثَّواب مخافة أن تثقل فيتعرَّض للعقاب.
ولهذا صحَّ عنه - عليه السلام -: أنه نهى عن النَّذر وقال: «إنه لا يأت بخير» الحديث».
تنبيهٌ: لتجديد حكمٍ يبتني على ما ذكرناه، بل هو من أفراد ما صدق عليه، وهو أنَّ من قال لزوجته إن قربتك فعليَّ حجٌ، أو صوم كذا، ونحوه لله تعالى، يكون مولِّيًا، فإن قربها في مدَّة الإيلاء لزمه الجزاء، ويتخيَّر بين الوفاء بعين المنذور وكفَّارة يمين على الصَّحيح المفتى به.
وهذا لم أُسبق إلى إفادته فيما علمته فللّه الحمد والمنَّة.
«وأما الشَّرط الذي يريد كونه، مثل قوله: إن شفى الله مريضي، أو قدم غائبي، أو مات عدوي، فلله عليَّ صوم شهرٍ، فوُجد الشَّرط لا يجزيه إلَّا عين المنذور؛ لأنَّه إذا أراد كونه كان مُريدًا ذات النَّذر، فكان النَّذر في معنى المنجَّز، فيندرج في حكمه، وهو وجوب الإيفاء به، فصار محمل ما _أي محمل الحديث_ الذي يقتضي الإيفاء المنجَّز والمعلَّق المراد كونه، ونصُّ الحديث: «من نذر وسمَّى فعليه الوفاء بما سمَّى».
ومحمل ما يقتضي إجزاء الكفَّارة المعلَّق الذي لا يُراد كونه، وهو المسمَّى عند طائقةٍ من الفقهاء نذر اللُّجاج.
ومذهب أحمد فيه كهذا التَّفصيل الذي اختاره المصنِّف،
واستدلَّ ابن الجوزي في «التَّحقيق» للاكتفاء في خصوص هذا النَّذر بحديث مسلمٍ، مع أنَّه مطلقٌ وليس إلَّا لما قلنا» انتهى.
وهذا هو المقتضي لإجزاء الكفَّارة كما تقدَّم.
قلت: فهذا تسليمٌ، وتحقيقٌ. وحكايةُ موافقة الإمام أحمد بن حنبل لما قال به الإمام الأعظم أبو حنيفة برجوعه إليه، فهو ممَّا اتفق عليه إمامان عظيمان مجتهدان، صدر ذلك من الكمال تأييدًا للهداية، وفيه لطيف ردٍّ على ذلك الأكمل رحمهم الله تعالى.
ثم قال الكمال بعد تقريره الذي تقدَّم: «وهذا التَّقرير أولى ممَّا قيل؛ لأنَّ الشَّرط إذا لم يُرَد كونُه كان في معنى اليمين، فإنَّها تعقد للمنع، فأجزأ فيه الكفَّارة.
بخلاف الذي يريد كونَه، فإنَّه يرد على هذا التَّقرير أنَّ اليمين كما تكون للمنع تكون للحمل فلم يختص معناها بما لا يراد كونه فالفرق على هذا تحكُّمٌ» انتهى.
هذا ما يتعلق ببيان صحَّة إرادة حصر صاحب الهداية الصِّحة روايةً، ولم يذكر المحشي العلامة سعدي شيئًا في هذا المحل.
وقد علمت الجواب عن العلَّامة صاحب الهداية، وأوضحنا صحَّة إرادته روايةً.
وأمَّا الجواب الثَّاني: فتعلمه بما نذكره جوابًا للشَّيخ أكمل الدين، وكلامه مع صاحب الهداية بموجب قوله _أي الشَّيخ أكمل الدين رحمه الله تعالى_: «وإن أراد حصرها _أي الصَّحة_ فيه _أي التَّفصيل _من حيث الدِّراية لدفع التَّعارض، فالدَّفع ممكنٌ، من حيث حمل أحدهما _أي الحديثين_ على المرسل والآخر على المعلَّق، من غير تفرقةٍ بين ما يريد كونه وما لا يريده».
أقول: هذا لا يكفي لدفع التَّعارض؛ لأنَّه إذا لم يوجد التَّفرقة فيما بين ما لا يريد كونه وما يريده، يبقى التَّعارض على حاله؛ لأنَّ الأمر بوفاء ما نذره، ويكون في أحدهما مطلقًا فيعارضه الثاني بقوله: «كفَّارة النَّذر كفَّارة اليمين» مطلقًا، فلا يكفي حمل أحدهما على المرسل والثاني على المقيَّد لدفع التَّعارض على إطلاق الحمل؛ لأنَّ الأحد دائرٌ غير معيَّنٍ فلا بدَّ من التَّفرقة لدفع التَّعارض.
ويرجِّحُ الحمل على التَّفرقة، إشارةُ [الحديث الثَّاني] بقوله: «كفَّارة النَّذر كفَّارة اليمين»؛ لأنَّ النَّذر المحض لا كفَّارة فيه إلا على إرادة التَّأويل، والكفَّارة فيما فيه معنى اليمين، ولا يكون إلَّا فيما لا يُّراد كونه فكان التَّفصيل هو الصَّحيح درايةً أيضًا.
أي كما أنَّه صحيحٌ روايةً لرجوع الإمام إليه كما قدَّمناه، وهو مفاد نصِّ الإمام بما صوَّر به المسألة، فكان كلام المحقِّقين أيضًا حاله ليس مثبِتًا غير ما قاله الإمام واختاروه للفتوى.
قوله _أي الشَّيخ أكمل الدين_: «على أنَّه فيه إماءً إلى القصور في الذَّهاب إلى ظاهر الرِّواية».
أقول: ضمير «أنَّه» و «فيه» يرجع إلى حصر الصِّحة من حيث الدِّراية، أي أن حصر التَّفصيل درايةً فيه إيماءً _أي إشارةً_ إلى القصور عن التَّفصيل في الذَّهاب _أي في الأخذ والاستناد_ إلى ظاهر الرِّواية، أي إلى اعتقاد حكمها بعدم التَّفرقة.
فالمعنى أنَّ ظاهر الرِّواية يقصُر عن إفادة ذلك، لحكمها بلزوم عين المنذور مطلقًا، سواءً عُلِّق بما يُراد كونه أو لا يُراد، هذا حلُّ كلامه.
ولقائلٍ أن يقول نعم هو كذلك، مشيرًا إلى قُصور ظاهر الرِّواية عن التَّفصيل المذكور، وهو وجه رجوع الإمام الأعظم عن ظاهر الرِّواية إلى ما في النَّوادر؛ لأن حديث عقبة يقتضيه، وهو المعنى الفقهيُّ المستفاد منه، وذلك المعنى هو النَّظر لما في النَّذر المعلَّق بما لا يُراد من معنى اليمين، وهو المنع عن الفعل الذي لا يراد حصوله بلزوم المنذور، فإنَّه إذا لم يُرد كونه، يعلم بالضَّرورة أنَّه لم يُرد كون المنذور، حيث جعله مانعًا من فعل ذلك الشَّرط انتهى.
وقال المحشِّي سعدي رحمه الله تعالى: «قوله وان أراد حصرها فيه، أقول فيه: أنَّه يجوز أن يراد حصرها فيه من حيث الدِّراية لدفع التَّعارض من حيث المعنى الفقهيِّ» انتهى.
أقول: هذا تأييدٌ منه و توضيحٌ لقول الهداية وحصرها الصِّحة فيما ذكرته انتهى.
فتبين بما سطَّرناه، وبما عن المحقِّقين أوردناه ونقلناه، حصر الصِّحة في كلام الهداية والله سبحانه هو المانُّ بفضله ومنته.
[وهذا آخر ما يسَّر الله بفضله وكرمه للشَّيخ حسن الشُّرنبلالي الحنفي]
وكان الفراغ من تأليف هذه النُّسخة، من يد حسن الشُّرنبلالي، في مستهلِّ شهر ربيع الأوَّل سنة ستٍّ وستين وألف، غفر الله له ولوالديه وللمسلمين أجمعين، ولطف به وبذرِّيته آمين، وصلي الله على سيِّدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم دائمًا إلى يوم الدِّين.
والحمد لله ربِّ العالمين آمين.
وكان الفراغ من كتابتها يوم الأربعاء في 3 شهر جمادى الثَّاني سنة 1316ه والسَّلام خير ختام.