تحفة الاكمل والهمام المصدّر لبيان جواز لبس الاحمر
للإمام حسن بن عمار الشُّرُنْبُلالي
توفي سنة (ت 1069 هـ)
تحقيق
سناء جمال سرور زريقات
اشراف: أ. د. صلاح ابو الحاج
جارٍ تحميل الكتاب…
تحفة الاكمل والهمام المصدّر لبيان جواز لبس الاحمر
للإمام حسن بن عمار الشُّرُنْبُلالي
توفي سنة (ت 1069 هـ)
تحقيق
سناء جمال سرور زريقات
اشراف: أ. د. صلاح ابو الحاج
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله على نعمه التي لا تحصى ولاتحظر، وأشرف الصّلاة وأزكى السّلام من الملك الكريم العلاّم على حبيبنا محمّد المجتبي، ذوا الوصف الأفخر، والجبين الأزهر، الفائق نوره على البدر دواماً له المزيد الأظهر، والمقام المحمود، والحوض المورود، شفاءً لمن ورد و صدر، سيد المرسلين، وسند المتقين، لم يرأحسن منه بل ولامثل جماله، وقد لبس الأحمر، جمّل الوجود، وعطّر الكون بريحه الأنفس الأعطر، وعلى آله وأصحابه ذوى المفاخر التي يطوى الزمان وذكرها ينشر.
وبعد:
فيقول خادم مذهب الإمام الأعظم الأشهر، المقدم على كل إمام، فهو المقتدى به في كل مجمع وجامع أزهر، حسن بن عمار بن علي بالشرنبلالي قد يذكر: هذه تحفة أظهرتها، وفريدة أشهرتها، وجوهرة يتيمة استخرجتها، وقد كانت كامنةً بمعدنها في محيط غواصة لامثل له يلفى وينظر، ونظمتها بعقد، فجملة مابه من نفائس الدرر، سمّيتها:
«تحفة الأكمل والهمام المصدّر لبيان جواز لبس الأحمر»
[يحظى بها] تاليها، ويستلذ بها سامعها حين قرر، والله سبحانه بها اتقرب؛ اذ هي حاكيه مافي «الصّحيحين»، وما في كتب المذهب المحرّر، وما ألهمته من الدّليل القطعي له بما لم يلحق به ذو الجواد المضمر، في حلية ذوي التحقيق فما جنح اليه مدقق فيما علمته وما نظر، فوجب عليها [اظهار النّعمة] وشكرها، [والحمد كحمد ما حمد] وشكر.
وقد تحصل لنا في لبس الأحمر ولبس حريرا ثلاثة أقوال في كتب المذهب، والظاهر منها للدليل جواز لبس الأحمر، وأمّا جملة أقوال العلماء فإلى ثمانية مذاهب، سنذكرها ان شاء الله تعالى، والثّلاثه التى عندنا: منها: نصّ على الحُرمة في «متن مواهب الرحمن»، وقد نقلت منه نسخة المصنّف بخطّه، وتاريخها ثامن المحرّم افتتاح سنه تسعه عشر وتسعمائه، فهو في أوائل القرن العاشر، وكان بالقاهرة المحروسة، وشرحه مؤلّفه وسمّاه «البرهان»، وله «الإسعاف في أحكام الأوقاف»، ولم أر من وافقه من المحققين على إطلاق الحرمة، ولعلّه أخذه من قول بعض أئمّتنا: لايجوز، كما قال في «السّراج الوهّاج» لايجوز للرجل لُبس المعصفر والمزعفر والمصبوغ بالورس، أشار الى ذلك في الكرخي، انتهى.
فقد نفى الجواز، ولم يصرّح بالحرمة؛ لعدم الدّليل القطعي، لكن قال العلاّمة ابن نجيم في «البحر»: يصح إطلاق الحرمة على المكروه تحريماً، فيحتاج إلى إثباتها، وسنذكر النّص على كراهة التّنزيه في هذا، بل نفي الكراهة، فلم ينهض تصريح صاحب «البرهان» بالحرمة في متنه «مواهب الرحمن»، ولم يكن له دليل عليه حيث قال: ويحرم لبس الأحمر والمعصفر، انتهى.
وسنذكر نص الإمام على جواز المعصفر، ولُبس النّبي - صلى الله عليه وسلم - الأحمر، فيندفع به قوله: يحرم، واستدلاله بقوله: لما في «سنن أبي داود» و «التّرمذي» عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: مر رجل عليه ثوبان أحمران، فسلّم على النّبي - صلى الله عليه وسلم - فلم يرد عليه.
وفي «سُنن أبي داود» عنه أيضا قال: رآني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعليه ثوب مصبوغ بعصفر موردا، فقال: ماهذا؟ فعرفت ماكره، فانطلقت فأحرقته، فقال النّبي صلى الله عليه وسلم: «ماصنعت بثوبك؟» فقلت: أحرقته، قال: «أفلا كسوته بعض أهلك؛ فإنّه لابأس به للنّساء».
وفي «صحيح مسلم» عنه أيضاً قال: رآني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - علي ثوبين معصفرين، فقال: إنّ هذه من ثياب الكفار، فلا تلبسهما، وفي رواية: قلت: اغسلهما، قال: بل احرقهما، انتهت عبارة «البرهان».
وهي لا تثبت الحرمة التي نصّ عليها في متنه؛ لعدم القطعي؛ لأنّ دليله [ليس من هذا القبيل، ومع ذلك لم يصرح فيه بالحرمة، ولو وجد التصريح بها فيه، لايسلم]؛ لأنّه ظنّي، ويعارض رواية الأمر بالاحراق، وعدم رضاه - صلى الله عليه وسلم - به بقوله: «افلا كسوته بعض اهلك» حين اخبره بحرقه، فانتفى القول بالحرمة.
هذا والعجب كيف نصّ على الحُرمةِ مع الدّليل القطعي النافي لها، وجنح إلى اثباتها بما لم توجبه السنّة، ولو تيقظ لذلك ماسطر مبتدئاً او مقلداً لما هو مردود بالقطعي، ومخالف لنصّ الإمام على خلافه.
ويُوضّحه ويدفع الشبهة قولهم: إنّ المكروه تحريماً حرامٌ عند محمّد رحمه الله، لكنّه لما لم يوجد نصّا قاطعا ًلم يُطلق [فيه الحرمة] بل الكراهة، وعندهما إلى الحرام أقرب، كما أنّ المكروه تنزيهاً إلى الحلِّ أقرب.
وفي مسئلتنا وهي لُبس الأحمر لم نجد نصّا ًقطعيا ًلإثبات الحُرمة، ووجدنا النّهي عن لُبسه، وهو لعلّة قامت بالفاعل من تشبهه بالنساء، أو بالأعاجم، أو التكبر، وبانتفاء العلّة تزولُ الكراهة العارضة.
ووجدنا نصّ الإمام الأعظم على جواز لبس الأحمر، ودليلاً قطعياً لإباحة لُبس الأحمر، وهو إطلاق المأمور بأخذه من الزّينة عن الوصف، بقوله تعالى {يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} (الاعراف:31).
[ووجدنا في «الصّحيحين» موجبه]، وبه تنتفى الحرمة والكراهة عن ذات لُبس الأحمر، فلا وجه لتحريم لبسه لذاته، وسنذكر تمامه إن شاء الله تعالى.
والثّاني من الأقوال: النصّ علي الكراهةِ كما قدّمناه عن «السّراج»، وكذا قال في «الإختيار شرح المُختار»، ويُكره الأحمر والمعصفر؛ لأنّه - صلى الله عليه وسلم - نهى عن لبس المعصفر، انتهى.
وهو أخص من المدعى، وقال في «الفتاوى الكبرى»:وكان أبو حنيفة رحمه الله يكره للرجل أن يلبس الثوب المصبوغ بالمعصفر أو بالورس أو بالزعفران للأثر الوارد فيه، انتهى.
وفي «المُحيط»: [ويُكره لُبس الثّوب الأحمر والمعصفر، وقال عليه السلام: «ايّاكم والحُمرة] فانّها زي الشّيطان»، ولأنّها كسوة النّساء، ويُكره التشبّه بهنّ، انتهى.
ويعارضه ما سنذكره من الجواز عن الإمام وغيره، وقد تنتفى المعارضة بحمل الكراهة على التشبّه بالنّساء، وعدم الكراهة على إرادة إظهار نعمة الله تعالى، [وعدم التشبه] وعدم التّكبر، فالنّهي ليس لذات الثّوب وصبغه، كما سنذكره عن شيخ الإسلام ابن حجر رحمه الله تعالى.
وأقول أيضا: قد قيّدت الكراهة بما إذا كان في صبغه دمٌ، قال في «الحاوى الزاهدي»: يُكره للّرّجال لُبس المعصفر والمزعفر والمورّص والمحمّر أي: الأحمر [حريراً كان] أو غيره، إذا كان في صبغه دم، [وان لم يكن في صبغه دم] لايُكره، ونقله عن عدة كتب.
وقال في «مجمع الفتاوى»: لُبس الأحمر مكروه عند البعض، وعند البعض لا يُكره، وقيل: لُبس الأحمر مكروهٌ إذا صُبغ بالأحمرالقاني؛ لأنّه خلط بالنجس أي نجس الكلب وغيره. وفي «الواقعات» مثله، ولو صُبغ بالشّجر البقم لايُكره، ولو صُبغ بقشر الجوز عسليا لايكره لُبسه إجماعاً، انتهى. ويدفع الكراهة النٌصٌ القطعيٌ كما سنذكره.
والثٌّالث من الأقوال: جواز لُبس الأحمر، قال العلاّمه القهستاني رحمه الله في شرح «النقاية»: وأحبّ الألوان البياض، ولبس الأخضر سنّة كما في «الشرعة»، ولبس الأسود مستحبّ كما في «الخلاصة»، ولابأس بالثّوب الأحمر كما في «الزّاهديِّ». انتهت عبارة القُهستانيِّ
وذكره الزاهديّ في «المجتبى شرح القدوري»، وقدّمنا القول بالجواز مُطلقا، وتقييد الكراهة بما اذا صُبغ بنجس.
وفي «التّجنيس والمَزيد»: لُبس الثياب الجميلة يُباح اذا لم يتكبّر؛ لأنّ التّكبر حرامٌ، وتفسير ذلك يكون معها كما كان قبلها، انتهى.
وقال العلاّمة الشيخ قاسم رحمه الله تعالى في «حاشيته على المجمع» ما نصّه: المختار انّ لبس الثّياب الجميلة مباح اذا لم يتكبر؛ كما ان جمع المال الحلال حلال اذ لم يضيع الفرائض، ولا يمنع حقوق الله تعالى، ولايتكبر، ويستحب أن يلبس الثوب المصبوغ أحيانا خلافا للمجوس، انتهى.
[ولم يسندها]، وهي مسطرة في «مختارات النوازل» لصاحب «الهداية» رحمه الله تعالى.
قلت: وفيه التوقى عن الإباحة إلى الاستحباب، وشمول الألوان كلّها، الأحمر وغيره، وفي «مجموع النوازل»: خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم وعليه رداء قيمته أربعة آلاف درهم، وأبو حنيفة رحمه الله تعالى كان يرتدي بردا قيمته أربع مائة دينار، وكان يقول لتلامذته: إذا رجعتم إلى أوطانكم، فعليكم بالثّياب النّفيسة.
وقال الإمام السّرَخسِيُّ: ينبغي أن يلبس الغسيل في عامة الأوقات، ويلبس الأحسن في بعض الأوقات إظهاراً لنعمة الله تعالى، ولايُلبس في جميع الأوقات؛ لأنّ ذلك يُوذي المحتاجين، انتهى كذا في «الفيض».
[وقال في «خزانة الاكمل»: وعن محمد لاباس باللباس المرتفع جدا، انتهى].
وقال الشّيخ أكمل الدين رحمه الله تعالى قي «شرح المشارق»: اختلف الصحابة والتابعين في لبس المعصفر، قال أبو حنيفة رحمه الله ومالكٌ والشافعيّ رحمهم الله: يجوز، لكن قال مالكٌ: وغيرها افضل منها.
[وسنذكر مثله عن الامام النّووي رحمه الله]، وقال جماعةٌ من العلماء: مكروهةٌ كراهة تنزيه، وحملو النّهي على ذلك؛ لأنه عليه السلام لبس حلّه حمراء.
وفي الصّحيحين أنّه عليه السلام كان يصبغ بالصفرة، وقال الخطابي: النّهي منصرف الى ما صبغ من الثياب بعد النسج، فاما ما صبغ غزله ثم نسج، فليس بداخل تحت النّهي، وحمل بعضهم النّهي على أنّه للمحرم بحجٍ او عمرة ٍ؛ ليكون موافقا لحديث ابن عمر انّه عليه السلام نهي المحرم أن يلبس ثوبا مسّه زعفران أو ورس، وفيه نظر؛ لأنّ عبد الله لم يكن محرماً وقت النّهي، انتهى.
وقد يقال: لايلزم أن يكون المخاطب بالنّهي محرما، ففي النّظر تامّل. وقد وجدنا في كتب المذهب موافقة الحمل المذكور.
قال الزّيلعيّ: اذا أحرمت فاتّق الرّفث والثّوب المصبوغ بورسٍ أو زعفران أو عصفر، إلا أن يكون غسيلا لاينفض، اي، لايفوح، وقيل: لايتناثر، والتفسيران مرويّان عن محمّد؛ لانّ المنهي عنه الطيب لا اللّون، ألاترى أنّه يجوز للمحرم أن يلبس الثوب المصبوغ بمغرة؛ لانّه ليس له رايحةٌ طيبة، وانما فيه الزينة، والمحرم وليس بممنوع عنها، انتهى.
ومثله في «الكافي»، فكان المنع عن المزعفر لعارض على منوال ما تقدّم من التّشبّه بنحو النّساء، فيزول المنع بانعدام العارض، والحديث أنّ هذه من لباس الكفّار، فلا تلبسهما، قاله النّبيّ - صلى الله عليه وسلم - لعبد الله بن عمرو حين رأى عليه ثوبين مصبوغين، وفي رواية قال: «أمّك أمرتك بهذا»، قلت: أغسلهما، قال: «بل احرقهما» الحديث.
الرواية الاولى فيها التصريح بأنها من لباس الكفار، والثّانية على أنّها من لباس النّساء وزينتهنّ، قيل: المراد بالاحراق الافناء ببيع أو هبة او اهلاك صبغها، وصُدّر بلفظ الإهلاك؛ تنبيها على شدّة التنكير، انتهت عبارة الشيخ أكمل الدين رحمه الله تعالى.
وقول الشيخ أكمل الدين: انّه عليه السلام لبس حلة حمراء، يشير الى ردّ قول من أوّلها بذات الخطوط، كما سنذكره.
ويشير الى قول البخاريّ رحمه الله: باب الصلاة في الثوب الأحمر، وقال شارحه الامام محمود العينيّ رحمه الله: لاخلاف للحنفية في جواز ذلك، [ولا يحتاج الى تاويل بعضهم بانّها حلّة من برود فيها خطوط حمر] ولايحتاج الى هذا التاويل؛ لأنّهم يعني أئمّة الحنفيّة لم يقولوا بحرمة لبس الأحمر، حتّى تأوّلوا هذا، وانّما قالوا مكروه لحديث آخر، وهونهيه - صلى الله عليه وسلم - عن لبس المعصفر.
قلت: وهو يشير إلى ماقاله الكمال بن الهمام رحمه الله تعالى: كان عليه السلام يلبس يوم العيد بردة حمراء، انتهى.
واعلم أنّ الحلّة الحمراء عبارةٌ عن ثوبين من اليمن، فيها خطوط حمرٌ وخضرٌ، لا أنّها حمراء بحت، اي: خالص، فليكن محمل البردة احدهما، انتهى كلام ابن الهمام رحمه الله تعالى.
والحمل فيه تأمّل من حيث انّ البردة قد يقال: انّها ليست مدلول أحد الثوبين بل غيرهما؛ لما سنذكر أنّ البردة جمع برد، [فنحتاج الى [اثبات انّ البردة] جمع بردة بالهاء].
وقد قال في «الصحاح»: البرد من الثياب، والجمع: برود وابراد، والبردة كساءٌ أسودٌ مربع فيه صفر تلبسه الأعراب، والجمع: بردٌ، انتهى.
وقوله في «الصحاح»: كساء ٌأسودٌ بيان نوع، وذلك لما قال في «شرح المصابيح» للخلخاليِّ: قال ابن عباس: جعل في قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - قطيفة حمراء، وهو نوع ٌمن الكُسى كان النّبي - صلى الله عليه وسلم - يلبسها، فوضعها صفوان، وهو مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم في قبره وقال: والله لايلبسها أحدٌ بعدك، انتهى.
وأيضاً الحمل مردودٌ كما سنذكره في الردّ على ابن القيّم، حيث حمل الحلّة الحمراء على ذوي الخطوط الحمر والسود.
وقد نقل صاحب «البحر» كلام ابن الهمام، وعقّبه بقوله: بدليل نهيه - صلى الله عليه وسلم - عن لبس الأحمر، والقول مقدّم على الفعل، والحاظر مقدم على المبيح لو تعارضا، فكيف اذا لم يتعارضا بالحمل المذكور؟ انتهى.
فاقرّ الحمل مع كونه مردودا، وسنذكر ان شاءالله تعالى افادة النّص القطعيّ جواز لبس الأحمر الخالص، وما يفيد عدم المعارضة.
ثمّ أقول: ولو استحضر العينيّ مانقلناه من حلّ لبس الأحمر في كلام ائمّتنا بدون كراهة، لاثبته وقوّاه بدليله، او استحضر ما اُلهمناه من الدّليل القطعيّ للجواز لنصّ عليه، وسطّره رحمه الله، وفي هذا ردّ لما قاله في «مواهب الرحمن» وشرحه.
ثم قال العينيّ: والعمل بما ورد من الحديثين أولى من العمل بأحدهما، فاحتجّوا بالأوّل على الجواز، وبالثّاني على الكراهة، وأقول: الكراهة منتفية، كما سنذكره.
ونصّ البخاريّ: خرج النّبي - صلى الله عليه وسلم - في حلّة حمراء، وصلّى الى العنزة بالناس ركعتين.
ثمّ قال الشارح العينيّ: أخرجه البخاري أيضا في اللّباس، وأخرجه أيضا في سيرة الامام وأخرجه بعده بقليل في باب الصلاة الي العنزة، وأخرجه مسلم في الصلاة، وأخرجه أبو داود، وأخرجه الترمذي، وأخرجه النّسائي، وأخرجه ابن ماجه.
ثمّ قال العينيّ: قوله في حلّة حمراء في موضع النصب على الحال، والحلّة ثوبان؛ ازار و رداء ن و قيل: أن تكون من ثوبين من جنس واحد، سمّيا بذلك؛ لان كل واحد منها يحل على الاخر، وقيل: أصل تسميتها بهذا اذا كان الثوبان جديدين، فقيل لهما: حلّة لهذا، ثمّ استمر عليها الاسم.
وقال ابن الاثير: الحلّة واحدة الحلل، وهي برود اليمن، ولا تسمى حلّة الا أ ن تكون من جنس واحد.
وفي رواية أبي داود: عليه حلّة حمراء برد يمانية قطريّ، قوله: برود جمع برد مرفوع لانّه صفة للحلّة، وقوله: يمانية صفة البرود؛ أي منسوبة الى اليمن، ووصف الحلّة بثلاث صفات:
الأولى: صفة الذات، وهي قوله: حمراء.
والثانية: صفة الجنس، وهي قوله: برودٌ، بيّن به أنّ جنس هذه الحلّة من البرود اليمانية.
والثالثة: صفة النّوع، و هي قوله: قِطري ّلانّ اليمانية أنواع، نوع منها قطريّ.
قوله: صلّى بالنّاس، هي صلاة الظهر ركعتين، ثمّ صلّى العصر ركعتين، ثمّ لم يزل يصلّي ركعتين حتّى رجع الى المدينة.
وفي «شرح الشمائل» للقسطلانيّ قوله: قِطريّ، بكسر القاف وسكون المهملة ضرب من البرود، أو قرية يقال لها: قُطرى بضم القاف، والثياب القِطرية نسبة اليها بكسر القاف من تغيير النّسب، و قيل منسوب الى قَطر موضع بين عُمان وسيف البحر، انتهى.
ثم قال الشارح العينيّ رحمه الله تعالى: ذكر استنباط الاحكام، فيه جواز لبس الأحمر، والصلاة فيه، وجوز المرور وراء سترة المصلى.
وقال ابن بطّال: فيه انّه يجوز لبس الثياب الملوّنة للسيّد الكبير، والحمرة أشهر الملونات، وأجمل الزّينة في الدنيا، انتهى.
وسنذكر انّ السيّد لايختص بالجواز، وفيه طهارة الماء المستعمل لمبادرة النّاس وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمن أصاب منه شيئا مسح به وجهه، ومن لم يصب شيئا أخذ من بلل يد صاحبه، وكونه؛ أي المستعمل نجسا في رواية عن أبي حنيفة، وليس العمل عليها، على انّ حكم تلك الرواية باعتبار ازالة الاثام النّجسة عن البدن المذنب، فينجس الماء حكما، بخلا ف وضوء النّبي - صلى الله عليه وسلم - فانّه طاهر من بدن طاهر، [وطهور أيضا أطهر من كل طاهر] وأطيب، انتهى كلام العيني رحمه الله.
ونقل الشيخ قاسم حديث جابر بن سمرة: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ليلة اضحيان، وعليه حلّة حمراء، فجعلت أنظر اليه والى القمر، فهو أحسن في عيني من القمر. رواه التّرمذيّ والحاكم، وقال: صحيح الاسناد، انتهى.
قوله: في ليله إضحيان؛ أي مضيئة مقمرة، يقال: ليلة إضحيان وإضحيانة والالف والنّون زائدتان، كذا في «نهاية ابن الاثير».
وفي «المواهب اللدنية» ذكر بعد رواية ابن سمرة: وعن عوف بن ابي جحيفة عن أبيه قال: رأيت النّبي - صلى الله عليه وسلم - وعليه حلّة حمراء كانني انظر الى بريق ساقيه، ثمّ ذكر حديث البراء المذكور في «الشمائل» وفي رواية البخاري ومسلم: رأيته في حلّة حمراء، لم ار قط أحسن منه، انتهى.
والذي في «الشمائل» من رواية سفيان عن أبي اسحاق عن البراء بن عازب قال: مارأيت من ذى لِمّة سوداء في حلّة حمراء أحسن من رسول الله صلّى الله عليه وسلم.
وفي «الشمائل» أيضا من رواية شعبة، عن أبي إسحاق قال: سمعت البراء بن عازب يقول: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلًا مربوعًا بعيد مابين المنكبين، عظيم الجمّة الى شحمة اذنيه، عليه حلّة حمراء، مارأيت قط أحسن منه، انتهى.
[وقوله: من ذي لِمّة بكسر اللام أي شعر الرأس دون الجمّة، سميت بذلك لانّها ألمّت بالمنكبين، فان زادت فهي الجُمّة، كذا في «المواهب اللدنية»].
وقال العلّامة شيخ الاسلام ابن حجر رحمه الله تعالى في شرحها: عليه حلّة بضم الحاء ازار و رداء، برد أوغيره، ولا يكون الا من ثوبين: ظهارة وبطانة، وان كانا من جنسين، خلافا لمن اشترط اتحاد جنسهما.
حمراء: أفرده رعاية للفظ، وإشارة إلى أن الثّوبين بمنزلة ثوب واحد للاحتياج اليهما معا.
والحديث صحيح، وبه استدل إمامنا الشّافعيّ رضي الله عنه على لبس الأحمر وان كان قانيا.
[اقول: كذلك هو دليلٌ لامامنا الأعظم] أبي حنيفة رحمه الله تعالى، [لقوله بجواز لبس الأحمر، كما نقله الأكمل عن الأئمّة الثّلاثة، أبي حنيفة ومالك والشّافعيّ رضي الله عنهم، انتهى].
وقال شيخ الاسلام الرّمليّ رحمه الله تعالى: ولا كراهة فيه، انتهى.
وحمله على ذي الخطوط، سيأتي ردّه مع بسط الكلام على ذلك في لباس النّبي - صلى الله عليه وسلم -.
ثمّ بيّن ردّه بقوله: وامّا قول ابن القيّم: غلط من ظنّ انّها حمراء بحتا؛ [أي خالصا] لايخالطها غيرها، وإنّما الحلّة الحمرا ء بردان يمانيات منسوجات بخطوط حمر مع الأسود كساير البرود اليمنية، وهي معروفةٌ بهذا الاسم باعتبار ما فيها من الخطوط، والاّ فالأحمر البحت منهيّ عنه أشدّ النّهي.
ففي «البخاري»: النّهي عن المياثر الحمر. وفي «مسلم» انّ هذين الثّوبين معصفرين لباس أهل النّار فلا تلبسهما، ومعلومٌ انّه انّما يصبغ صباغا أحمر، وفي جواز لبس الأحمر من الثّياب و الجوخ وغيرهما نظرٌ.
وأمّا كراهته فشديدةٌ، فكيف يظنّ به - صلى الله عليه وسلم - ا نّه لبس الأحمر القاني؟ وانّما وقعت الشّبهة في لفظ الحلّة الحمراء فهو الغلط، انتهى.
أي: الغلط قول ابن القيّم الذي قد حُكي بهذا اللّفظ.
ثمّ قال العلاّمة ابن حجرٍ في بيان وجه الغلط الحاصل من ابن القيّم: لانّ حمله الحلّة على ما ذكره لايشهد له لغةً ولا شرعاً، فان زعم انّه عرف ذلك الزّمن، قلنا له أين دليلك على ذلك؟ وليس النّهي عن المعصفر لمجرد الحمرة، بل لما فيه من التشبّه بالنّساء، فانّه من زينتهنّ وحدهنّ، وليس في لبسه - صلى الله عليه وسلم - الأحمر القاني محذور؛ لانّه لبيان الجواز، وهو واجبٌ عليه، وان نهى عنه.
وقد قال النّوويّ: أباح المعصفر جميع العلماء.
[وكذا قال في «المواهب اللدنيّة»: قال النّووي: اختلف العلماء في الثّياب المعصفرة، فأباحها جميع العلماء من الصّحابة والتابعين ومن بعدهم، وبه قال الامام الشّافعيّ وأبو حنيفة ومالكٌ، ولكنّه قال: غيرها أفضل منها، انتهى. ثم قال ابن حجر]: ومنهم من كرهه تنزيهاً، وحمل النّهي عليه.
وروى الحافظ الدّمياطيّ انّه عليه السّلام كان يلبس برده الأحمر في العيدين والجمعة، ولعلّه فعل ذلك في الجمعة في بعض الأحيان لبيان الجواز فيها، وانّ لُبس الثّياب البياض أفضل لاواجبٌ، انتهى.
وما رواه الحافظ الدّمياطيّ، رواه البيهقيّ في «السنن».
وروى الطّبرانيُّ من حديث ابن عبّاس: كان أي: النّبي - صلى الله عليه وسلم - يلبس يوم العيد بردة حمراء، قال البيهقيّ: ورجاله رجال ثقات. قاله المناوي.
قلت: ويستدلّ للجواز باطلاق الكتاب العزيز، وهو قوله تعالى: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} الاعراف:31.
قال في «الاختيار»: قال ائمّة التّفسير: هي مايواري به العورة، انتهى.
ولم يخصّها بنوعٍ، وفسّرت بما يلبس للصّلاة، فانّ ستر الجسد زينة، والمأمور به في الأمر عامٌ، فيشمل الأحمر وغيره.
وكذا قوله تعالى: {{قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْقِ} الاعراف:32، وقد لبس النّبي - صلى الله عليه وسلم - الحلّة الحمراء، وصلّى بها إماماً، ولبس الأحمر في الجمعة والعيدين، وفيها الخطبة، وهو الخطيب اللاّبس للأحمر، وللحلّة الحمراء، ولاأقوى من هذا في الإستدلال للجواز.
ونصُّ المذهب: الأحسن أن يلبس أحسن ثيابه للصّلاة، قال الله تعالى: {خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلّ مَسْجِدٍ} الاعراف:31.
وفي «معراج الدراية»: هذا من قبيل اطلاق اسم الحال على المحلّ، وهو الثّوب، كذا ذكره عامّة المشايخ، قال شيخي العلاّمة رحمه الله تعالى: [هذا من قبيل اطلاق المسبب على السبب]؛ لانّ الثّوب سبب الزّينة، ومحلّ الزّينة الشخص، وقيل: الزّينة ماتزيّن به من ثوبٍ وغيره، كما في قوله تعالى {وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ} النور:31، فعلى هذا يصحّ ما ذكروه من التأويل، انتهى.
هذا نصُّ الفروع، ونصُّ الأصول: الأمر موجبه الوجوب مطلقاً، سواءٌ كان قبل الحظر أو بعده، والمأمور به في الأمرعامٌ بأخذ الزّينة عند كل مسجدٍ، لم يخصّ بنوعٍ، فشمل كلّ لونٍ، والنّهي الوارد في الحديث عن لبس الأحمر ان كان قبل الاية، فقد نسخته مع صلاحيته للاحتجاج، فكيف وقد ضعف؟ كما سنذكره ان شاء الله تعالى؛ لانّ العامّ ينسخ الخاصّ، وان كان بعدها يكون مقيّداً للعام، ولايكون بالآحاد، وشرط التّخصيص مفقودٌ، فكان الأمرعاماً، وهو قطعيّ في لزوم السّتر، ولا معارض في وصف لساترِ بلونِ.
وهذا يدفع ماذُكر من أنّ النّهي عن لبس المعصفر ورد بعد لبس الحلّة، وهو كما نقله الشّيخ قاسم بما نصّه: قال في «شرح السّير الكبير»: وما روي عن البراء بن عازب انّه قال: مارأيت ذا لِمّةٍ سوادء في حلّة حمراء أحسن من رسول الله صلّى الله عليه وسلم.
فانّه كان في الابتداء، ثمّ كرهه بعد ذلك، فقد جاء في حديث ابن عمرو أنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن لبس المعصفر، وإنّما لبسه الشّعبي فرار من القضاء، انتهى.
وعلى تسليم ذلك يكون النّص القطعيّ مثبتاً للجواز، [وهذا الايصلح مخصّصًا له]، فلا معارض للنّص بوصفٍ لساتر بلونٍ، فلزم السّتر ولو بالحرير اذا لم يوجد غيره للرّجال، وانتفت كراهة الأحمرمطلقًا، وانتفت كراهة الصّلاة بالحريرعند تعيّنه للسّتر، وفي هذا اشارةٌ إلى دفع مايقال: جواز استعمال الأحمر للصّلاة اذا تعيّن.
ووجه الدّفع أنّ إباحة الأحمر كانت ثابتةً قبل إرادة الصّلاة فيه، فإذا كان معه غيره لاكراهة في صلاته به، وكذلك الحريرلحظر استعماله، وماأبيح إلاّ للضّرورة، وبها يلزم السّتر لسقوط الحظر، كما جازت الصّلاة في ثوبٍ كلّه نجسٌ لم نجد غيره، ولاما يطهّره، وإن طهر ربعه لزمه الصّلاة فيه، فلم تجز لو صلّى عاريا، وخُيّر إن طَهر أقل من ربعه، فقد صار القدر المانع من النّجاسة ساقطا ًللضّرورة. هذا ما وعدنا به، فللّه الحمد على تنبيهه.
وقال في «المحصول» للرّازي الشافعي رحمه الله تعالى: المسلك الثّاني: قوله تعالى {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْقِ} الاعراف:32، أنكر الله تعالى على من حرّم زينة الله تعالى فوجب أن لاتثبت حرمة زينة الله، [واذا لم تثبت حرمة زينة الله]، امتنع ثبوت الحرمة في فرد من أفراد زينة الله تعالى، واذا انتفت الحرمة بالكلّية ثبتت الاباحة.
المسلك الثّالث: قوله تعالى {أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ} المائدة:4،وليس المراد من الطيّب الحلال، والإّ لزم التّكرار، فوجب تفسيره بما يستطاب طبعاً، وذلك يقتضى حِلّ المنافع بأسرها، انتهى كلامه رحمه الله تعالى.
وفيه إشارة إلى انّ ما ثبتت حرمته بقطعيٍّ؛ كالخمروالخنزير، أو الإجماع [كلُبس الرّجال] الحريرفليس الكلام فيه، وفيه موافقةٌ لقولنا: إنّ قوله تعالى {خُذُواْ زِينَتَكُمْ} الاعراف:31، نسخ النّهي عن لُبس الأحمر مع كونه صحيحاً، [مقدّماً على نزول الاية]، فكيف ولم يصحّ الاستدلال به، ولم يصلح تقييداً للعامّ المبيح [لو صدر بعد الاية]، فبقيت الإباحة ثابتةً في أخذ تلك الزّينة على العموم.
وفي «شرح الشمائل» للقسطلانيّ رحمه الله عند الكلام على حديث البراء بن عازب الذي تقدّم، وهو: ماارأيت أحداً من النّاس أحسن في حلّة حمراء من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولأبي داود من حديث هلال بن عامر، عن أبيه، رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخطب بمنى على بعيره، وعليه برد أحمر، وإسناده حسنٌ، وللطّبراني نحوه.
ففي هذه الأحاديث جواز لُبس الأحمر، قلت: وهذا كلّه سندٌ ودليلٌ لما قاله القهستانيّ، ولذا لم يذكر قولاً بالكراهة رحمه الله تعالى؛ وذلك لنصّ الإمام الأعظم على جواز لُبس الأحمر كما ذكره الأكمل رحمه الله تعالى، [وكذا قاله] النّووي، وتقدّم، ثمّ قال القسطلانيّ: واختلف العلماء فيه على أقوالٍ:
الأوّل: الجواز مطلقاً؛ لهذه الأحاديث.
الثّاني: المنع مطلقاً؛ لحديث ابن عمروأنّ هذه من ثياب الكفّار، فلا تلبسها، وعنه: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن المُفدّم، بتشديد الدّال وبالفاء المشبع بالعصفر. أخرجه البيهقيّ، وهو ضعيفٌ.
ولحديث «إنّ الشّيطان يحبّ الحمرة، فإيّاكم والحمرة، وكلّ ثوبٍ ذي شهرة»، وهو ضعيفٌ، وبالغ ابن الجوزيّ فقال: إنّه باطلٌ، وليس كذلك.
الثّالث: يُكره لبس الثّوب المشبع بالحمرة دون ماكان خفيفاً.
الرّابع: يُكره لبس الأحمرمطلقاً بقصد الزّينة والشّهرة، ويجوز في البيوت والمهنة.
الخامسُ: التّفرقة ُبين ماصُبغ غزله ثم نُسج، وما صبغ بعد النّسج، يجوز الأول لا الثّاني.
السّادس: اختصاص النّهي [بما صُبغ] بالعصفر، ولايمنع ماصبغ بغيره.
السّابع: اختصاص المنع بما ليس فيه خطوطٌ، وأمّا مافيه لونٌ اخر من بياضٍ وسوادٍ وغيرهما، فلا يمتنعُ، وعليه التّأويل المردود كما تقدّم.
الثّامن: بالنّظر إلى اصطلاح أهل الزّمان، فإنّ منهم أي: العلماء من نظر إليه [قال مافيه] خللٌ بالمروءة، وقال العلّامة شيخ الإسلام ابن حجر رحمه الله تعالى: والتّحقيق في هذا المقام أنّ النهي عن لُبسِ الثّوب الأحمر إن كان من أجل أنّه من لباس الكفّار، فالقول فيه كالقول في الميثرةِ الحمراء، بكسر الميم وسكون التّحتيّة وفتح المثلّثة وتاء، كانت النّساء تصنعه من الحرير والدّيباج لبعولتهنّ.
قلتُ: وفي افتراش الحرير وتوسُده اختلافٌ، يجوز عند أبي حنيفة رحمه الله، ثمّ قال ابن حجر: وتحقيق القول فيها: إنْ كانت من حريرٍحمراء، فالمنع للحرير، أي: عند من يقول به، ويتاكّد المنعُ مع كونها حمراء، وإن كانت غير حريرٍ فالنّهي للزجر عن التشبّه بالأعاجم، وإنْ كان النّهي عن لبس الأحمر لكونه من زيّ النّساء فهو راجعٌ للزّجر عن التّشبّه بهنّ، فعلى الوجهين يكون النّهي لالذات الثّوب، بل للتّشبيه، وإن كان من أجل الشّهرة أو خَرم المروءةِ فيمتنعُ حيث يقع لذلك، [وإلاّ فلا] ملخّصاً.
وهذه الأقوال يظهر أنّ الرّاجح منها القول الأوّل، وهو جواز لبس الأحمر، وهو قول الإمام الأعظم أبي حنيفة، والإمام مالك، والإمام الشّافعي، رضي الله عنهم، [كما نصّ عليه الشّيخ أكمل الدين]، وهو قولُ جميع العلماء.
قال الإمام النّووي: أباح جميع العلماءمن الصّحابة والتابعين ومن بعدهم لبس المعصفر، منهم من كرهه تنزيهاً، وحمل النّهي عليه؛ يعنى الوارد في الحديث، وكذلك يكون محمل ما قدمناه عن أبي حنيفة من الكراهة على التّنزيه؛ لقوله بالحلِّ فيما نقله الأكمل والنّوويّ، فتوجد كراهته اللُبس على التّشبّه بالنّساء أو بالأعاجم، وتنتفي الكراهة اذا لم يكن اللُّبس لذلك.
ودليل الجواز من غير كراهة إطلاق نصّ الكتاب العزيز، ولُبس النّبي - صلى الله عليه وسلم - إيّاه، وهو دليلٌ لما قدّمناه موافقاً له نقلاً في المذهب عن القُهستاني عن الزّاهديّ، ونقله في «المجتبى شرح القدوري»، وفي «الحاوي الزّاهديّ» من أنّه لابأس بالثّوب الأحمر؛ أي: فلا كراهة في لبسه لنفي البأس.
وفي «منتخب الفتاوى»: قال صاحب «الرّوضة»: يجوز للرّجال والنّساء لبس الثّوب الأحمر و الأخضر بلاكراهةٍ. نقله الخلخالي.
ونقل الشّيخ قاسم حديث بُريدة: كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يخطب، فأقبل الحسن والحسين وعليهما قميصان أحمران، فجعلا يتعثّران ويقومان، فنزل النّبيّ صلى الله عليه وسلم، فوضعهما بين يديه، ثمّ قال: صدق الله ورسوله {أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ} الأنفال:28، رأيت هذين فلم أصبر، ثمّ أخذ في خطبته، قال الحاكم: صحيحٌ على شرط الشّيخين، انتهى.
وفيه تقريره عليه السّلام على لبس الأحمر وعلى إلباسه.
وقدّمنا أنّه يُستحبّ لُبس الثّوب المصبوغ أحياناً خلافاً للمجوس، وهو يقتضي استحباب لُبس الأحمر أحيانا، وبه يترقّى إلى مرتبة الاستحباب عن مرتبة الإباحة، وقدّمنا دليله، وهو مافي «الشمائل» من لُبس النّبي - صلى الله عليه وسلم - الحلّة الحمراء، وقد تعدّدت طرقها في «البخاري»، وأخرجه مسلم وأصحاب السّنن، أبو داود، والتّرمذيُّ، والنّسائيُّ، وابن ماجه.
فاتّفاق أئّمة ِالحديث على وصف الحلّة الحمراء وإتفاق الأئمّة الثّلاثة، أبي حنيفة ومالك والشافعيّ على جواز لُبس الأحمر، وقول شيخ الإسلام الرّمليّ: إنّه لاكراهة في لُبس الأحمر، وهو كما قال الشّيخ أكمل الدّين، وكماقال الإمام النّوويّ: أباح لُبس المعصفر جميع العلماء من الصّحابة والتّابعين و من بعدهم، وبه قال الإمام الشّافعيُّ وأبو حنيفة ومالكٌ كما قدّمناه عن «المواهب اللدنية»، كل ذلك مبطلٌ، لما زعم أنّها ذات خطوط ٍ، لما فيه من نوع تكذيبٍ للصّحابي فيما وصف به الحلّة الحمراء، ولذا ردّه المُحقق ابنُ حجرٍ رحمه الله تعالى وقد بيّناه.
وقدّمنا قولَ الإمام العينيّ في استنباط الأحكام أنّه يجوز لُبس الأحمر والصّلاة فيه، يعني: لكلِّ فاعل، فلا يختصّ به الكبير، وبه يشير إلى قول ابن بطّال في استنباط الأحكام فيه أنّه يجوز لُبس الثّياب الملوّنة للسيّد الكبيرِ، والحُمرة أشهر الملوّنات، وأجمل الزّينة في الدّنيا.
ليس ذكرُه السّيِّد قيدا ًاحترازياً، بل اتّفاقيا فذكر الجواز له ليعلم جوازه لمن هو دونه بالطّريق الأولى؛ لأنّه هوالمُقتدى به، وقد صلّى النّبي - صلى الله عليه وسلم - إماما وهو لابِسُه، فلا كراهة في صلاة الإمام به اتّباعاً للنّبي - صلى الله عليه وسلم -؛لأنّه المُشرّع، ولأنّه مَفاد إطلاق نصِّ الكتاب العزيز الآمر بأخذ الزّينة أمرا ًعاماً في المأموربه بقوله تعالى: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ} الاعراف:31.
وهو دليلٌ لما حكاه الشّيخ الأكمل والنّووي، عن الإمام الأعظم، والإمام مالكٍ، والإمام الشّافعي، رضي الله عنهم، ودافعَ لما نقل عن «شرح السير الكبير» [كما بيّناه]، ودليل نصِّ المذهب الذي حكاه ُالقُهستانيُّ [وغيرُه بمثلِ نصّ الإمام الأعظم من غيرنظرٍ لأمر ٍعارضٍ]، وعُروضُ الكراهةِ للصّبغ النَّجس تزول بغسله، أو المتشبّه بالنّساء تزولُ بإخلاصِ النّيه لإظهار نعمةِ الله تعالى، فتنتفي الكراهةُ، بل ويثبتُ استحبابُ لُبسِه؛ اقتداءً بالنّبي صلى الله عليه وسلم.
[وتكريرنا حكماً لفائدة ٍظاهرة ٍ]، وهذا كافٍ في الاستناد للقولِ بالجواز بدون كراهةٍ، وهو خلاصةُ ماحرّرناه بقدرةِ العليّ العليم، وسطّرتُه رجاءَ الثّواب الجسيم، وأعتذر لذوي العلم كيف وفوق كل ذي علم عليم؟
انتهى تأليفُه يوم السّبت المبارك حادي عشر شوّال سنة خمسٍ وستّين وألف، [وكتب هذه النسخة المباركة ان شاء الله تعالى مؤلفها، وانتهت كتابته منها بطلوع الفجر من يوم السّبت المُبارك، سادس عشر ربيع الأوّل سنة ثمان وستين وألف].
ونتيجةُ هذه الفائدةِ تخليصُ الأمّة المُحمّدية عن نسبتها لارتكاب المكروه أو الحرام، بيان جواز الأحمرالقاني للعلماء، وجُند الإسلام، والسّادة العلماء، أدام اللهُ نفعَهُم للأنام، ولطَفَ بمُؤلفها وبذرّيّتهِ، ِ [ورحم مشايخه الكرام، ووالديه وإخوانه ومحبّيه والمسلمين، بجاه النّبي المُصطفى صلى الله عليه وسلم، وعلى سائر الأنبياء والمرسلين. آمين. وكان الفراغ من نقل هذه الرّسالة يومُ الإثنين المُوافق 18 شهر رمضان سنة 1316، والحمد لله رب العالمين].