تحفة أعيان الغناء بصحة الجمعة والعيدين في الفنا
للإمام حسن بن عمار الشُّرُنبُلالِي
توفي سنة (1069 هـ)
جارٍ تحميل الكتاب…
تحفة أعيان الغناء بصحة الجمعة والعيدين في الفنا
للإمام حسن بن عمار الشُّرُنبُلالِي
توفي سنة (1069 هـ)
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه ثقاتي ورجائي، وعليه أعتمد
الحمد لله الذي من على المؤمنين بإيجاد العلماء المحققين، في كل زمن من ّ لدن سيد المرسلين، إلى يومنا رغماً على الجاحدين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الذي جمع به للإسلام شملاً، وخصّه بصلاة الجمعة والعيدين فأحسن جمعاً وكمّل فعلاً، وعلى آله وأصحابه الّين بذلوا جهدهم في العداة قتلاً، وأنفقوا أموالهم لحفظ الدين وإيصاله نقلاً، ما أُقيمت الجماعات والجُمع والأعياد، وأنزل الله الرحمة بدوام الإمداد، وبيّن أحكام الشريعة بأوضح مراد، فهي على منصة الشّرف بين أهلها وعليهم تجلّى.
وبعد:
فيقول العبد الراجّي دوام الإمداد المتوالي، الحنفيّ الشرنبلاليّ: هذه فوائد جليلة، [وبيان منة] ونعمة جزيلة، لصحة صلاة الجمعة في فناء الأمصار، وبيان تعريفه وتحديده بمقدار، سميتها:
«تحفة أعيان الغنا بصحة الجمعة والعيدين في الفنا»
لخّصتها من رسالة حرّرت فيها الحكم بجواز الجمعة والعيدين بالجامع المجدّد عند سبيل علّام بمصر المحروسة؛ لاستجماع شرائط الصحة، وهي ستّة: فناء المِصر كالمِصر، وإذن السلطان بإقامة الجمعة فيه، والخطبة، والإذن العام.
واعلم أن بعض المحققين أهل الترجيح أطلقق الفناء عن تقديره بمسافة، وعرفه بتعريف بينه، وبعضهم قدر الفناء بمسافة.
والأولون منهم قاضيخان، وشمس الأئمة في "المبسوط"، وصاحب "الهداية" و "النهاية"، وصدر الشريعة، و"الخلاصة"، و"البزازية"، و"الدرر".
قال قاضيخان في "فتاواه": كما يجوز أداء الجمعة في المِصر، يجوز أدائها في فناء المِصر، وفناء المِصر هو الموضع المعد لمصالح المِصر، متصل به، انتهى.
وقال صدر الشرعة: ما اتصل به؛ أي: بالمِصر معّداً لمصالحه فناؤه، مصالح المِصر: ركض الخيل، وجمع العساكر، والخروج للرمي، ودفن الموتى، وصلاة الجنازة، ونحو ذلك، انتهى.
وكذا أطلق الفناء أبو الليث ولم يحده بمسافة، وكذا ضابط المذهب الإمام محمد ابن الحسن رحمه الله، أطلق الفناء عن تحديده بمسافة، ونقل عنه تحديده، كما سنذكره.
وأما الذين قّدروا الفناء بمسافة: فجملة أقوالهم ثمانية أو تسعة: غلوةٌ، ميل، ميلان، ثلاثة أميال، فرسخان، ثلاثة فراسخ، سماع الصوت إذا صاح في المِصر، سماع الأذان من المِصر، فمنتهى الصوت فناء المِصر.
أقول وبالله التوفيق: إن التعريف أحسن من التحديد بمسافة؛ لأن تحديده بمسافة لا يوجد ذلك في كل مصر، وإنما هو بحسب كبر فناء المِصر وصغره.
فالأقوال التسعة صحيحة، يحمل كل منها على ما يناسبه، فالمرجح للتعريف؛ لأنه جامع.
بيان أن التقدير بغلوة أو ميل ونحوه لا يصح في مثل مصر المحروسة؛ لأنه إذا خرج أحد منها يريد زيارة المقابر؛ كالقرافة، ومقام ضريح الإمام الشافعي، والإمام الطحاوي، والليث بن سعيد، والكمال بن همام، والزيلعي، والعارف بالله تعالى الشيخ تاج الدين ابن عطاء الله السكندري، والعز بن عبد السلام، والسادة الوفائية، ونحوهم رحمهم الله ونفعنا ببركاتهم، هل هل إذا مشى حين خروجه من باب القرافة والميدان قدر غلوة أو ميل انتهت المقابر.
لا يسع أحد القول به؛ فإن القرافة والترب التي تلي باب النصر يزيد كل منها على فراسخ من كل جانب، فما الذي يكون بعد المقابر لباقي مصالح المِصر؛ كجمع العساكر، والترب والمقابر بعض الفناء.
فالتقدير بنحو غلوة أو ميل مثل بولاق المحروسة، والجيزة من جهة البحر ليس إلا قدراً يسيراً، ومن جهة المزارع كذلك، ومقابرها تلي مساكنها، فيحمل كل تقدير بمسافة على ما يناسبه.
أرأيت لو كان لمصر فناء يليه جبل أو بحر أو مزارع، وما دونه ليس إلا نحو ميل، أيسع القائل بأن الفناء مقدّر بثلاثة فراسخ أن يأخذ باقيها من الجبل أو البحر؟
لا يقول بهذا أحد، أو يقول من قدر الفناء بغلوة أو ميل: إن مثل مصر المحروسة فناؤها ذلك القدر المحسوس يمنعه كما بينّا، وبالقرافة وما فيها من المقامات والزوايا، فذلك في فناء مستطيل جداً، كفناه مصر من جهة العادلية.
فالقول بالتّحديد بمسافة مخالفٌ التّعريف المتّفق على ما صدق عليه بأنّه المعدّ لمصالح المصر، فيبطله؛ لأنّ الميل والأميال لا تكفي لكلّ مصر أن يكون ذلك فقط فناءً لها.
فعلمنا أنّ كل تقدير صحيح بمناسب له، فمن ذلك ما قاله في "الدراية": ثم اختلف أصحابنا في قدر الفناء؛ فقدّره محمّد في "النوادر" بالغلوة، وأبو يوسف بميل أو ميلين، وبعضهم بمنتهى حدّ الصوت، واختار شيخ الإسلام وشمس الأئمة قول محمّد، والغلوة مقدار ثلاث مئة ذراع إلى أربع مئة ذراع، انتهى.
وقال أيضاً في "معراج الدراية " من باب المسافر: قال الإمام السرخسي: والصحيح أن الفناء مقدّر بالغلوة، وقدّره بعضهم بفرسخين، وبعضهم بثلاثة فراسخ، ذكره في "المحيط"، وكذا في "النهاية"، انتهى.
وعلمنا أن هذا لا يكون في كل مصر، بل فيما يناسبه؛ لأن المحسوس يرّد التقدير، ألا يرى أن القرافة لا تنقطع بميل ولا فراسخ وأبو يوسف ردّد بين ميل أو ميلين، فكان مشيراً إلى عدم التحديد بشيء من المسافة قطعاً لكل مصر.
وفي "البزّازيّة ": قيل إنّ جواز الجمعة بمنى بناءً على الفناء لا على البناء، ومنى على فرسخين من مكة.
وقال الأستاذ أبو نصر البغدادي شارح "القدوري" رحمه الله: قد قال أبو حنيفة وأبو يوسف رحمها الله بجواز إقامة الجمعة بمنى، فمن أصحابنا من قال: لأنها من توابع مكة، فصارت كربض المِصر، ومنهم من قال: إنها في نفسها موضع لذلك، فيها جامع وأسواق مرتبة، وسلطان يقيم الحدود في أيام الموسم، فصارت كسائر الأمصار، وقال محمد: لا جمعة فيها؛ لأنها منزل من منازل الحاج كعَرَفة، انتهى.
وقال في "النهاية": تجوز الجمعة في منى عند أبي حنيفة وأبي يوسف، ولهما في ذلك طريقان:
إحداهما: أن منى من فناء مكة؛ فإنه من الحرم، قال الله تعالى: {هديا بلغ الكعبة} [المائدة:95]، سمّاه باسم الكعبة؛ لكونه تابعاً لها، كما أن الهدايا والضحايا لا تُنحر بمكة بل بمنى، دل ذلك على أنه من حكمها ومن فنائها، وإقامة الجمعة كما تجوز في المصر تجوز في فنائه، أما عرفات: فليس من فناء مكة، بل من الحل، وبينها وبين مكة أربعة فراسخ.
والثاني: أن منى تتمصر في أيام الموسم، انتهى. وفي "المحيط": من المشايخ من قال: إن عندهما إنما تجوز الجمعة بمنى؛ لأنها من أفنية مكة، وهذا فاسد إلا على قول من يقدر فناء المصر بفرسخين، انتهى.
وأقول: لا فساد؛ لأن التقدير بشيء لا يدل على فساد مقابله، وكيف وقد حُكم بإنها تابعة لمكة بمقتضى النص؛ لأنها من حرمها بأداء المناسك فيها.
وقال الكمال بن الهمام رحمه الله: إنما اقتصر على هذا الوجه من التعليل؛ أي: تخفيف الأمر في سقوط العيد عن الحاج بمِنى؛ لاشتغالهم بالمناسك، دون التعليل بأن مِنى من أفنية مكة؛ لأنه فاسد؛ لأن بينهما فرسخين، وتقدير الفناء بذلك غير صحيح.
قال محمد في "الأصيل": إذا نوى المسافر أن يقيم بمكة ومنى خمية عشر يوماً لا يصير مقيماً، فعلم اعتبارهما؛ أي: مكة ومنى موضعين، انتهى.
وأقول: في جعله فساد التقدير بفرسخين بما ذكر تأمل، ومحمد جعلها منزلاً من منازل الحاج كعرفات، فمنع الجمعة بها، وعلمنا جعلها من فناء مكة بالنص بكونها حرماً لها.
ولا يلزم من تقدير الفناء بغلوة فساد تقديرة بغيره لاختلافه بكبر المِصر والفناء وصغيره، ففرق ظاهر بين مساكين بمصر تزيد عن عشرين ألفاً، وأخرى فيها ألف، الفناء الذي يحتاج إليه لجمع الفريق الأول ليس هو مثل الثاني بالضرورة، وكذا مقبرة تلك.
والثانية وضع صلاة العيد عن الحاج من أهل مكة وغيرهم لاشتغالهم بالمناسك، وإن كانوا غير مسافرين، بخلاف الجمعة؛ لأنه قل مجيء سنة توافق الجمعة فيها بمنى، كما في "الذخيرة "و "النهاية".
وقال في "المبسوط": فأنما إقامة صلاة الجمعة والعيدين فمن حوائج أهل المصر، وهذا الموضع؛ أي: الفناء معد لذلك، فجعل في هذا الحكم فناء المصر؛ كجوف المصر، انتهى.
وفي "الهداية ":والحكم غير مقصور على المصلى، بل تجوز ـ أي: الجمعة ـ في جميع أفنية المصر؛ لأنها بمنزلته في حوائج أهله.
وكذا قال الشيخ أكمل الدين في "العناية": جواز إقامة الجمعة ليس بمنحصر في المُصلى، بل تجوز في جميع أفنية المصر؛ لأنها ـ أي: الأفنية ـ بمنزلة المصر في جميع حوائج أهله، ويعرف من هذا التعليل تعريف الفناء، وهو ما أعد لحوائج أهل المصر، انتهى.
وهذا يمنع لزوم التحديد بمسافة على إطلاقة، وحديث الليث بن سعد قال: سأل المقوقس عمرو بن العاص أن يبيعه سفح الجبل المقطم بسبعين ألف دينار، فعجب عمرو من ذلك وقال: أكتب إلى أمير المؤمنين، فكتب إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فكتب إليه عمر: سلة لِم أعطاك به ما أعطاك؟ وهي لا تزرع ولا يستنبط بها ماء، ولا ينتفع بها.
فسأله، فقال له: إنا لنجد صفتها في الكتب أن فيها غراس الجنة، فكتب إلى عمر بذلك، فكتب إليه عمر رضي الله عنه: إنا لا نعلم غراس الجنة إلا للمؤمنين، فأبقها، فتدفن فيها من مات قبلك من المسلمين، لا تبعه بشيء، فكان أول من دفن فيها رجل من المعافر، يقال له: عامر، انتهى.
فانظر إلى سعة سفح الجبل المقطم، أيقدر فناء المصر منه بقدر غلوة أو فرسخ.
هذا لا يكون، وهو بعض فناء مصر؛ لأنه المقابر، وهذا يبين أن يبين أن التحديد بمسافة ليس لازماً لكل مصر، بل هو بحسب الأمصار.
ولم أر نصاً للإمام الأعظم في تحديد الفناء، وهذا شأنه رحمه الله، يفوض الأمر في مثله للمبتلى به؛ كتقدير الغدير العظيم، ومدة اختبار المحبوس.
وأما تقدير محمد الفناء لغلوة، واختاره شيخ الإسلام وشمس الأئمة؛ فقد رأيت خلاف ذلك عن محمد، فإن محمداً قدّر الفاصل بين المصر والفناء بغلوة، لا الفناء، كما نقل عنه ابن الهمام في باب الجمعة.
قال: المسجد الداخل في الفناء انتظمه اسم المصر، وفناؤه هو المكان المّعد لمصالح المصر متّصل به أو منفصل بغلوة، كذا قدره محمد في "النوادر "، انتهى.
فعلى هذا محمد موافق لإطلاق الإمام الأعظم والمشايخ والمحقّقين، ويبعد إطلاقه التقدير بغلوة لكل مصر فيحمل على مناسبه؛ دفعاً للتعارض، هذا ما ظهر لي.
وفي "شرح الجامع الصغير" لظهير الدين التُّمرتاشي قال: والفناء ما أُعد لحوائج المِصر وفناء كل شيء كذلك، انتهى.
وانظر إلى سعة قرافة مصر بسفح الجبل المقطم يزيد على فراسخ، وهو بعض فنائها، ونص الأئمة على أن الفناء ما أعد لدفن الموتى، وحوائج المصر كركض الخيل، والدواب، وجمع العساكر، والخروج للرمي، وغير ذلك.
وأي موضع يُحد بمسافة يسع عساكر مصر إذا خرج كل أمير بخدمه وجماعته وخيله وإبله ودوابه وخيامه, وكل أحد يطلب مكاناً يسع ذلك له خاصَّة، ثم ينظر إلى ميدان للخيل والفرسان، ومحل لرمي النُبل، ومحل لرمي بندق البارود، واختبار المدافع للبارود، وما يصل إليه المدفع ليُعد للقتال.
وهذا يزيد على فراسخ بالضرورة من غير شك، فلا يقال: إن المختار غَلوة لكل مصر.
وبهذا علمنا أن الجامع المجدد في فناء المحروسة عند سبيل علام الذي أنشأه أمير اللواء الشريف حسن بيك حفظه الله تعالى لا شك أنه في فناء المصر على كل قول من التحديد بمسافة ومن التعريف.
وقد استقر الآن مقام الجند حرساً به لمصلحة المصر كل شهر على أمير من أمراء اللواء الشريف، ويجتمع عنده كل يوم للرمي وركض الخيل ما هو مشهور.
وقد اعتنى أمير من أمراء اللواء الشريف، فأرسل من أهل العلم وأهل الخبرة بقياس الأرضين بالقصبة الحاكمية، وعين معهم جماعة؛ ليعلم مقدار مساحة ما بين الجامع المجدد بالسبيل وبين سور مصر المحروسة.
فابتدؤوا بالقياس من الجامع المجدد عند سبيل علَّام إلى أن انتهوا إلى باب الفتوح، فانتهى القياس إلى جامع النبهاوي الذي هو خارج باب الفتوح بسُويقَة اللبن منعطفاً عن باب الفتوح بمسافة، فوجدوا جملة ذلك ألف، وأربع مئة قصبة، وخمسين قصبة، ومن جملتها سبعةٌ وعشرون قصبة مما هو داخل العمران والبيوت التي خارج باب الفتوح من الحسينية المنتهية إلى المذبح وجامع شرف الدين المجاور للمذبح، مع أن العمارة المتصلة بالسور ـ وتسمى ربض المصر ـ لا تعد من الفناء، فإنه هو المنفصل عنه، وذلك حفظاً لأصله سبع مئة قصبة بتقديم السين على الباء، وخمسة وعشرون قصبة.
ثم إنهم ابتدؤوا بالقياس من باب النصر، فابتدؤوا من سُلم المدرسة الجان بلاطية الملاصقة لسور باب النصر، حتى انتهوا إلى الجامع المجدد بسبيل علَّام فكان ما بين باب النصر إلى الجامع المجدد ألف قصبة، وست ُّ مئة قصبة، وأربعةٌ وعشرون قصبة، منها من باب النصر إلى تُجاه العادلية ثمان مئة قصبة، وسبعون قصبة، ومن مقابل العادلية إلى الجامع المجدد بالسبيل سبع مئة وأربعة وخمسون قصبة ونصفها حفظاً لأصلها ثمان مئة قصبة واثنتي عشرة قصبة.
وعلى كل تقدير لم تبلغ مسافة الجامع المجدد فرسخاً من حد الجدار لسور مصر المحروسة، فإن جملة الأقصاب بالذراع المصري تسعة آلاف وست مئة وستة وستون ذراعاً وثُلثا ذراع، وضُبط الذراع بأربعة وعشرين قيراطاً.
وهذا أقل من فرسخ؛ لأنه إثنا عشر ألف ذراع، هذا قياسه من الجامع المجدد لباب الفتوح.
وكذا لم تبلغ المسافة فرسخا من باب النصر إلى الجامع المجدد عند سبيل علَّام، فإنها عشرة آلاف ذراع وثمان مئة ذراع ويتة وعشرون ذراعاً وثلثا ذراع، وهذا أيضاً أٌقل من فرسخ.
فقد ظهر صحة صلاة الجمعة بذلك الجامع المجدد على كل من التحديد والتعريف للفناء.
وكذا تصح الجمعة وصلاة العيدين فيما يماثله، كما سأل عنه أهل المغرب في مسجد اتُّخذ في فناء مصر بتونس، والشروط مجتمعة معظمها، إذن السلطان نصره الله تعالى بإقامة الجمعة فيه، وقد أذن بذلك، فإن الأمير لما أراد إنشاء الخطبة أرسل للسلطان ببلادد الروم، فبرز إذنه بها في ذلك الجامع المجدد عند سبيل علَّام، [وقد نظمت الحُكم فقلت]:
سبيلٌ لعلَّام حَوى فخره بمن ... لدفع فساد بالفناء لمن كمن
أمير وجُند يحفظون لمصرنا ... ويأتون جمعا بالفريضة والسنن
وقد جاء نقل من شريف هدايةٍ ... بمرقاة مجد والدراية والفطن
تصح صلاة للجماعة جمعةٌ ... بجامع صدر مشرف باهي حسن
به قد بنى هذا الأمير ووصفه ... مريح نزيل ماؤه المنُّ بالمنن
وناقل هذا الحكم أسدى معارفاً ... غدا حسنا شبرا بلولي لذا فاعلمن
حنفي وصف قد جاءه الهنا ... ومذهب نعمان بذلك مؤتمن
وأزكى صلاة للنبي وآله ... وكل نبي والسلام مدى الزمن
فقولي: "بالفناء "إشارة إلى ما هو المقصود بالذات، وهو فناء المصر، ثم صرَّحتُ به فقلت: "به قد بنى"؛ أي: بنى الجامع في الفناء، ودليل صحة الجمعة من "الهداية"وشروحها.
والمراد بالفطن: فهم كلام الأئمة كما شرحناه بحمد الله.
*مسألة مهمة في حُكم لزوم الذهاب أو عدمه لصلاة الجمعة على من قرب من المصر وهو مقبم بقؤية خارج فناء المصر مثل جزيرة النيل، ومُنية السيرج، وقُبة الغوري، والمطرية.
وقد اختلف التصحيح في لزوم حضورهم المصر لصلاة الجمعة، واختار المحققون من أهل الترجيح أنه لا يلزمهم المجيء إلى المصر لأداء الجمعة؛ لأنهم ليسوا مخاطبين بأداء الجمعة، فعذرهم أسقط تكليفهم بالمجيء من قريتهم لأداء الجمعة، ولا عبرة ببلوغ النداء، ولا بالأميال، ولا بإمكان العود للأهل بعد شهود الجمعة قبل هجوم الليل، ولو صُحح لا يُتبع؛ لأن نص الحديث والرواية الظاهرة عن أئمتنا إلى أبي حنيفة وصاحبيه بنفي لزوم حضورهم المصر لأداء الجمعة.
*فائدة أُخرى في تحقيق السفر بماذا يكون؟
قال قاضيخان: إن كان بين المصر وفنائه أقل من قدر غلوة، ولم يكن بينهما مزرعه، يعتبر مجاوزة الفناء كمجاوزة عمران المصر أيضاً.
وفي "النهاية" قال: يقصر بخروجه عن عمران المصر، ولا يلحق فناء المصر بالمصر في حق السفر، ويلحق الفناء بالمصر لصحة صلاة الجمعة.
والفرق أن الجمعة من مصالح المصر، وفناء المصر ملحق بالمصر فيما هو من حوائج المصر، وأداء الجمعة منها، وقصر الصلاة ليس من حوائج أهل المصر، فلا يُلحق فناء المصر بالمصر في حق هذا الحكم؛ أي: قصر الصلاة، انتهى.
وأما القرى المتصلة بربض المصر، فالصحيح مجاوزتها وإن كانت فراسخ، وإذا جاوز القرى ولم ينأ عنها، قيل: يقصؤ، وقيل: لابد من أن ينأى عنها.
قال الحسن: وحد ُّ النَّاي يحتمل وجهين:
أحدهما: أنه كحد انفصال القرية، قيل: قدر مئة ذراع، وقيل: ما لا يسمع منه الصوت، وقيل: قدر سكة.
والثاني: كحد الفناء، وقال الحسن: قدر غلوة، وكل ذلك اجتهاد، وكذا في "شرح الجامع الصغير "لظهير الدين التمرتاشي رحمه الله.
انتهى التلخيص بيد مؤلفه في شهر ذي الحجة سنة سبع وستين وألف من هجرة من له العز والشرف.