تجَدُّد المَسرّاتِ بالقَسْم بينَ الزَّوجاتِ
للإمام حسن بن عمار الشرنبلالي
توفي سنة (1069 هـ)
تحقيق
باسم محمد محمود الزغول
إشراف
أ. د. صلاح محمد أبو الحاج
جارٍ تحميل الكتاب…
تجَدُّد المَسرّاتِ بالقَسْم بينَ الزَّوجاتِ
للإمام حسن بن عمار الشرنبلالي
توفي سنة (1069 هـ)
تحقيق
باسم محمد محمود الزغول
إشراف
أ. د. صلاح محمد أبو الحاج
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي خلقَ الإنسان وعلَّمَه البَيان وأمَره بالعَدلِ والإحسان والصلاة والسَّلام ُعلى سيِّدِنا محمَّدٍ المرُسَل رحمةً للعالمينَ بشيراً القائل: «استَوصوا بالنِّساءِ خيراً»، فشَمِلَ أمرُه الشَّريفُ مَن كانَ أميراً أو مأمُوراً وعلى آلِه وأصحابِه وأزواجِه وذُرِّيَّتِه ما تعاقَبَ النَّهارُ واللَّيل وتلا قولَه تعالى: {وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ}
وبعد:
فيقولُ العبدُ الفقيرُ الحَقيرُ حسَنٌ الشُّرُنبُلاليُّ الحنفيُّ غفرَ اللهُ ذُنوبَه وسَترَ عُيوبَه: هذِه نُبذَةٌ يسيرةٌ عزيزٌ نقْلُها قلَّ أن تُوجدَ في الكُتبِ المشهورةِ مسطورةً فانِّي تتبَّعتُ غالِبَ الأسفارِ وغُصتُ مُقتَحِماً لُجّةَ المحيطِ ومَجمَعَ البِحارِ فاستخرجتُها ليسَ إلَّا بفتح القدير وأظهرتُها بمِنَّةِ اللَّطيفِ الخَبيرِ وسمَّيتُها:
«تجَدُّد المَسرّاتِ بالقَسْم بينَ الزَّوجاتِ»
جمعتُها جواباً لحادثةٍ هي: ما قولُكم - رضي اللهُ تعالى عنكم - في رَجلٍ مُتزوِّجٍ بزوجَتَينِ يَبيتُ عندَ كُلِّ واحدةٍ منهما بقَدْرِ ما يبيتُ عندَ الأُخرى وله جَواري ملكُ يمينِه يَبيتُ عندَهنَّ ما يشاءُ ثمَّ يرجِعُ الى زوجته ويفعلُ ما فعلَه أوَّلاً فهل يحرمُ عليه المبيتُ عندَ جواريه على هذا الحُكمِ؟ أم كيفَ الحالُ؟ فأجبتُ حامداً لله مانحِ الصَّواب: اللَّازم على الزَّوج التَّسويةُ بينَ زوجَتَيه في البيتوتةِ والتَّأنيس في اليوم واللَّيلة دونَ الجماعِ ودواعيه.
قال الكَمَالُ بن الهُمام في «شرح الدراية المسمى بفتح القدير»: وليسَ المُراد أن يضبِطَ زمان النَّهار فيقَدْرِ ما عاشرَ إحداهما يُعاشرُ الأخرى بقَدْرِه بل ذلك في البَيتوتِه وأمَّا في النَّهار ففي الجُملة فاللَّازم أنَّه إذا بات عند واحدهٍ ليلةً يبيتُ عند الأُخرى كذلك لا على معنى وجوب أن يبيت عندَ كُلِّ واحدهٍ منهما دائماً فإنَّه لو ترك المبيتَ عند الكُلِّ بعض اللَّيالي وانفردَ لم يُمنعْ من ذلك انتهى.
يعني: بعد تمامِ دورهنَّ كما ذكره الكَمالُ رحمه الله عند قوله: ولا حقَّ لهنَّ في القَسْم حالةَ السَّفر وسواءٌ انفرد بنفسه او كانَ مع جواريه وهذا في القضاءِ.
وأمَّا في الدِّيانة: فقد قال الشيخ الإمام عليٌّ المقدسيُّ «في شرحه»: اعلم أنَّ ترك جماعهنَّ مُطلقاً لا يحلُّ له صرَّح أصحابُنا بأنَّ جماعهنَّ أحياناً واجبٌ ديانةً لكن لا يدخُلُ تحت القضاء والإلزام الَّا الوطئة الأولى ولم يُقدِّروا فيه مُدَّهً ويجب الَّا يبلغ بالتَّرك مدَّة الإيلاء _و هي أربعة أشهرٍ_ إلا برضاها وطيب نفْسِها به انتهى.
و حيث علمتَ جوابَ الحادثة فأزيدُك بفضل الله سُبحانَه عِلمَ ما يتعلَّق بالحُكم فيما إذا كان للإنسان زوجهٌ واحدهٌ أو أكثر وله أُمَّهات أولادٍ وسراري.
قال قاضي خان - رحمه الله -: لو كان للرَّجل امرأةٌ واحدةٌو هو يقوم باللَّيل ويصوم بالنَّهار أو يشتغل بصحبة الإمام فتظلَّمت المرأةُ الى القاضي أمرهُ القاضي أن يبيت معها ايَّاماً ويُفطِرَ لها أحياناً.
وكان أبو حَنِيفَةَ رحمه الله أولا يجعل لها يوماً وليلةًو للزَّوج ثلاثة أيَّامٍ ولياليها ثمَّ رجع فقال: يؤمرُ الزَّوج ان يُراعيها فيؤنسَها بصُحبتِه أيَّاماً وأحياناً من غير أن يكون في ذلك شيءٌ مُوقَّتٌ.
وفي المُنتقى: إذا تزَّوج امرأةً وله أُمَّهاتُ أولاد وسراري، فقال اكونُ عندهنَّ وآتيها إذا بدا لي لم يكنْ له ذلك ويقال له: كُنْ عندها في كُلِّ أربع يوماً وليلةً وكن في الثَّلاث البواقي عند من شيئتَ.
ولو كان عنده امرأتانِ وله أُمَّهاتُ أولاد وسراري أقام عند كُلِّ واحدةٍ منهما يوماً وليلة ويقيم في يومين وليلتينِ عند من شاءَ من السَّراري.
ولو كان عنده أربع نسوةٍ أقام عند كُلِّ واحدةٍ منهنَّ يوماً وليلةًو لم يكن عند السَّراري الإ وقفه شبه المارَّ. انتهى عبارة قاضي خان.
وأنت خبيرٌ بأنَّ ما في المُنتقى ليس إلاَّ على الرِّواية المرجوع عنها ولم أرَ من نبه على ذلك.
وعلى الرِّواية المرجوع عنها ما حكاه الشُّمُنِّيُّ عن مختصرِ الطَّحاويِّ: وإن كان له زوجةٌ واحدةٌ حرَّةٌ فطالبته بالواجب من القَسمكان عليه أن يقسِم لها يوماً وليلةً ثمَّ يتصرَّفُ في أُموره في ثلاثة أيَّام وثلاثِ ليالٍ.
وإن كانت زوجتُه أمةً والمسألة بحالها كان لها من كُلِّ سبعة أيَّام يومٌ ومن كُلِّ سبع ليالٍ ليلةٌ؛ لأن له أن يتزوَّج عليها بثلاث حرائر فيكون لكلِّ واحدة منهنَّ من القسم يومان وليلتان ولها يومٌ وليلةٌ.
ورويَ أنَّ امرأةً جاءت الى عمر بن الخطاب رضي الله عنه وعنده كعب بن ميسور فقالت يا أمير المؤمنين ان زوجي يصوم النَّهار ويقوم اللَّيل وأنا اكره أن اشكوه فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: ِنعمَ الرَّجُلُ زوجك فردَّدتْ كلامها وعمر بن الخطاب - رضي الله عنه - لا يزيدُها على ذلك فقال كعب- رضي الله عنه: يا أمير المؤمنينإنها تشكوا زوجها في هجره فراشَها فقال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه: كما فهِمْتَ إشارتها فاحكُمْ بينهما فأرسل إلى زوجها فجاء فقال لها كعبٌ - رضي الله عنه - ما تقولين؟ فقالت:
يا أيُّها القاضِي الحَكِيمُ أرشدُه ... أَلهَى خَلِيلِي عَنْ فِرَاشِي مَسْجِدُهْ
زَهَّدَهُ فِي مَضْجَعِي تَعَبُّدُهُ ... نَهَارَهُ وَلَيْلَهُ مَا يَرْقُدُهْ
ولَسْتُ فِي أمر النِّسَاءِ أَحْمَدُهُ
فقال لزوجها: ما تقول؟ فقال
زَهَّدَنِي فِي فَرشِهَا وَفِي الكِلَل ... أَنِّي امْرُؤٌ أَذْهَلَنِي مَا قَدْ نَزَلْ
فِي سُوْرَةِ النَّمْلِ وَفِي السَّبْعِ الطِّوَلْ
فقال له كعب: فقال له كعب:
إِنَّ لَهَا عَلَيْكَ حَقًا يَا رَجُلْ ... تُصِيبُهَا فِي أَرْبَعٍ لِمَنْ عَقل
فَأَعْطِهَا ذَاكَ وَدَعْ عَنْكَ الْعِلَلْ
فقال له عمَرُ -رضي الله عنه-: من أين لكَ هذا؟ قال: لانَّ الله تعالى أباحَ للحُرِّ أربعَ زوجاتٍ، فلكُلِّ واحدةٍ يومٌ وليلةٌ فأعجَبَ ذلك عمر رضيَ الله عنه وجعلَه قاضيَ البَصرةِ.
والكِلَلُ: بكسرِ الكاف جَمعُ كِلَّهٍ بكسرِها وتشديدِ اللَّام وهي السِّترُ الرقيق يُحاطُ بالبيت يُتوقَّى فيه من البَقِّ؛ اي: البَعوضِ.
والطُّوَلُ: - بضمِّ المهملةِ - و جمعُ طُولى أُنثى لأَطول انتَهَى عبارة ُ الشُّمُنِّيِّ شارحِ «النُّقاية» ومثلُ ما قدَّمناه عن فتح القدير قولُ صاحبِ «الاختيار»: و يُؤمَرُ الصَّائمُ بالنَّهارِ والقائمُ باللَّيل أن يَبيتَ معَها إذا طَلبَتْ.
وعن أبي حَنيفَةَ رحمه اللهُ: يجعَلُ لها يوماً من أربعةِ أيَّامٍ، وليسَ هذا بواجبٍ؛ لأنَّه يُؤدي إلى فواتِ النَّوافل أصلاً على من له أربعٌ من النِّساءِ ولكن يُؤمَر بإيفاءِ حقِّها من نفسه أحياناً ويصوم ويُصلِّي ما أمكنه انتهى.
و كذا قال في «المُحيط»:- ويؤمرُ الصَّائم بالنَّهارِ والقائم باللَّيل أن يَبيتَ معها إذا طلبت.
وعن أبي حنيفه رحمه الله: يجعَلُ لها يوماً من أربعة ايَّام؛ لانَّ له أن يتزوَّج بثلاثٍ سواها فيُفوَّضُ إلى اختياره إلَّا انَّ هذا التَّوقيت ليس بواجبٍ؛ لأنَّه يُودِّي الى فوات النوافلِ على الزَّوج أصلاً متى كانَ له أربع نسوةٍ وإنّضما يُؤمر بإيفاء حقِّها من نفسه أحياناً ويُصلِّي ويصوم ما امكنَ انتهى
تنبيه:
القَسمُ إنَّما يلزمُ بتعدُّدِ المنكوحات وليسَ للايماء قسمٌ فلو كان له مُستولداتٌ وإماءٌ لا قَسمَ لهنَّ؛ لأنَّه بالنْكاحِ لكن يُندبُ أن لا يعضُلهنَّ ويُسوي بينهنَّ في المُضاجَعةِ.
وفي «القاموسِ» القَسمُ العَطاءُ والرَّأيُ والشَّكُّ والغيثُ والماءُ والقدرُ وهذا ينقسِمُ قَسمَينِ: بالفتحِ إذا أُريدَ المصدرُ وبالكسرِ إذا أريدَ النَّصبُ.
اعلَمْ أنَّ الزَّوجَ مأمورٌ بالعدلِ في القَّسم بين النِّساء بالكتاب: قال تعالى ولن تستطيعوا ان تعدلوا بين النساء ولو حرصتم الايه أي: لن تستطيعوا العَدالةَ والتَّسويةَ في المحبَّةِ فَلَا تَمِيلوا في القسْمةِ.
وبالسُّنَّةِ لحديثِ عائشه رضيَ اللهُ عنها انَّه صلى الله عليه وسلم كان يعدِلُ بينَ نسائه وكان يقولُ
(اللهمَّ هذا قَسْمي فيما أملكُ فلا تُؤاخذني فيما لا أملِكُ) يعني: زيادةَ المحبَّة لبعضهن.
وحديث أبي هريرةَ - رضي الله عنه- (من كانَ له زَوجتَانِ فمالَ الى إحداهما في القَسم جاءَ يوم القيامةِ وأحدُ شِقَّيهِ مائلٌ) وقال تعالى: {فان خفتم ان لا تعدلوا فواحده}.
قالَ في «البدائع»:أي: إن خِفتُم أن لا تعدِلوا في القَسْمِ والنَّفقِة في المثَنى والثلاثِ والأربعِ فواحِدةً ندَبَ إلى إنكاحِ الواحدةِ عندَ خوفَ ترك العَدل في الزِّياده وانما يُخاف على تَرْك الواجبِفدلَّ أن العَدل فيما ذُكرَ واجبٌ انتهى.
قيلَ: ظاهرُه أنَّه إذا خافَ عدمَ العَدل يُستَحبُّ أن لا يزيدَ ولا يَحرُمُ انتهى
قُلتُ: مُرادُه بالنَّدبِ اللُّغويُّ فلا مخالفةَ لقولِهم: تَرْكُ الحرامِ واجبٌ [في البَيتوتَةِ والتَّأنيسِ].
قال الكَمالُ لا نعلمُ خلافاً في أنَّ العدلَ الواجبَ في البَيتوتَةِ والتَّأنيسِ في اليومِ واللَّيلهِ وليسَ المُرادُ أن يضبطَ زمانَ النَّهارِ فبقَدرِ ما عاشَرَ إحديهما يُعاشر الأُخرَى بقدْرِه بل ذلكَ في البَيتُوتَةِ وامَّا في النَّهارِ ففي الجُملَةِ انتَهَى.
كذا قالَه العلَّامهُ الشَّيخُ علىٌّ المقدسيُّ في «شرحِه نَظْمَ الكَنزِ»
وقال الكَمالُ: القَسْمُ بفتح القاف مصدر قَسَمَ والمراد التَّسويه بين المنكوحاتو يُسمَّى العدل أيضا بينهنَّ. وحقيقته مُطلقاً ممتنعةٌ كما اخبر سبحانه حيث قال «ولن تستطيعوا ان تعدلوا الخ وقال تعالى: {فان خفتم ان لا تعدلوا فواحده او ما ملكت ايمانكم بعد احلال الاربع بقوله تعالى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع}، فاستفدنا ان حِلَّ الأربع مقيدٌ بعدم خوف العدلِ وثبوت المنع عن أكثر من واحدةِ عند خوفه فعُلم ايجابه عند تعدُّدهنَّ.
وأمَّا قوله صلى الله عليه وسلم «استوصوا بالنساء خيرا» فلا يخُصُّ حالة تعدُّدِهنَّ ولأنَّهنَّ رعيَّة ُ الرَّجل وكل راع مسؤولٌ عن رعيته وأنَّه في أمرِ مبهم يحتاج الى البيان؛ لأنَّه اوجبه وصرِّح بأنَّه مُطلقاً لا يستطاع فعُلِمَ ان الواجب شيءٌ مُعيَّنٌ وكذا السُّنَّة جاءت مجمله فيه.
روى أصحاب السُّنن الأربعة عن عائشه رضي الله عنها قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسِمُ فيعَدِلُ ويقول: اللهمَّ قَسْمي فيما أملِكُ فلا تلُمني فيما تملِكُ ولا املِك» يعني: القلب؛ أي زيادةَ المحبَّة فظاهره أنَّ ما عداه ممَّا هو داخلٌ تحت ملِكه وقُدرّته يجب التَّسوية فيه ومنه عددُ الوطآت والقُبُلات والتَّسوية فيهما غيرُ لازمةٍ اجماعاً انتهى.
و قال الكَمَالُ: وكما لا فرق في القَسْم بين الجديدةِ والقديمةِ كذلك لا فرق بين البِكرِ والثَّيِّب والمسلمة والكتابيَّة الحرتَّين والمجنونة التي لا يُخاف منها، والمريضة والصَّحيحة والرِّتقاء والحائض والنُّفساء والصغيرة التي يُمكنُ وَطؤُها والمحرَّمة والمُظاهَرِ منها ومُقابلاتهنَّ وكذلك يستوي وجوبه على المَجبوب والعنِّينو المريض والصِّبيِّ الذي دخل بامرأته ومُقابلهم.
قال مالك: ويدورُ وليُّ الصَّبيِّ به على نسائه؛ لان القَسْم حقُّ العباد، وهم من أهله انتهى.
والمطلَّقة رجعياً إن قصد رجعتها قَسمَ لها لا النَّاشزه فإذا نشزتْ يبدؤها بالوعظ ثمَّ بالهجر، ثم بالضِّرب للايه قال تعالى: {وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا}؛ لأنها للترتيب بالتوزيع.
والهجر قيلَ: ترك مُضاجعتِها وقيل: جِماعها والأظهرُ: ترك كلامِها مع المُضاجعةِ والجماع إن احتاج إليه.
ولا يجوز جمع بين ضرَّتين أو ضرائر في مسكنٍ واحدٍ إلا بالرِّضا ولو اجتمعْنَ يكره أن يطأ واحدة ًبحضرة أخرى فلو طَلَبه لم يلزمها الإجابة.
وفي دَورِ القَسْم لا يُجامع مع امرأةً في غير يومها ولا يدخُلُ باللَّيل على من لا قسم لها ولا بأس به في النَّهار لحاجه ويعودها في مرضِها في ليلة غيرها فإن ثقُل مرضُها فلا بأس أن يُقيم عندها حتَّى تشفَى أو تموت.
ومقدارُ الدَّور الى الزَّوج؛ لأنَّ المستحقَّ هو التَّسويةُ دون طريقها إن شاء يوماً يوماً أو يومين يومين، او ثلاثاً ثلاثاً أو أربعاً أربعاً.
و اعلم أنَّ هذا الإطلاق لا يمكن اعتباره على صرافَتِه؛ لأنَّه لو أراد أن يدُور سنةً ما يُظنُّ إطلاق ذلك له بل لا ينبغي أن يُطلق مقدار مُدَّة الايلاء وهو أربعة أشهر.
واذا كان وجوبُه للتَّأنيس ودفع الوحشة وجب أن تُعتبَر المُددُ القريبة، وأظنُّ أكثر من جُمُعَهٍ مُضارَّةً الَّا أن يرضيا به والله اعلم انتهى. كلامُ الكمال رحمه الله.
وقال الشَّيخُ عليٌّ المقدسيُّ: وهو ظاهرٌ ولكن كتب على نُسخته شرحِ الكنزِ مُلحقاً بعد نقل كلام الكمال: وارتضائه: ظاهرُه أنَّه لم يطَّلع على قدْرِ عينه فيه وفي الخُلاصة منع الزِّيادة على الثَّلاثة أيام إلَّا بإذن الأُخرى. انتهى.
قُلتُ: يُعارضُه حديث أمِّ سلمَه رضي اللهُ عنها «إن شئت سبعت لك وسبعت لنسائي وإن شئت ثلثت لك ودرت» انتهى.
وفيه دليلٌ على عدم الزيادة على جُمُعَةٍ فيكون مؤيِّداً لما ظنَّه الكمالُ رحمه الله من أنَّ اكثر من جُمُعَهٍ مُضارَّهٌ إلا ان يرضيا. انتهى.
وقال الكمال ُ: لو تَرك القَسْمَ بأن أقام عند إحداهن شهراً مثلا أمره القاضي أن يستأنفَ العدل لا بالقضاء فإن جارّ بعد ذلك أوجعَهُ عُقوبةً كذا قالوا والذي يقتضيه النَّظرُ ان يُؤمرَ بالقضاء اذا طلبت؛ لأنَّه حقُّ آدميِّ، وله قُدرةٌ على ايفائه. انتهى.
و قال العلَّامة المقدسيُّ رحمه الله: ولو عاد بعد ما نهاهُ القاضي أوجعه عُقوبة؛ لأنه اساءَ الأدب وارتكب الحرام فيعزَّر بالضرب. وفي الجوهرة: لا بالحبس؛ لأنه لا يستدركُ الحقُّ فيه بالحبس؛ لأنَّه يفُوتُ بمُضيِّ الزَّمان فيستثنى من قولهم: له التَّعزيرُ بالحبس انتهى.
و لا يُسقطُ القَسْم المرضُ فقد استأذن النَّبي صلى الله عليه وسلم نساءَه أن يُمرَّضَ عند عائشه رضي الله عنها فأذنَّ له.
قُلتُ: مرَّ قريباً أنَّه لا قَسْم عليه؛ أي النبي صلى الله عليه وسلم لقوله تعالى: {ترجى من تشاء منهن وتؤوي اليك من تشاء}، وكان ممَّن أرجأهُنَّ جُوَيرية وسودة وأمُّ حبيبة وصفيَّهُ ومّيمونّة وممَّنْ آوى: عايشه والباقيات رضي الله عنهنَّ ولو كان لا يقدرُ على تحوُّله للأخرى مُدَّة مرضه فكيف يقْسم؟ قيل: ينبغي إذا صحَّ أقام عند الأخرى بقدره بخلاف ما إذا سافر لا يقضي؛ إذ لا قَسْمَ حالةَ السَّفرِ [وإن كانت القُرعةُ عند إرادة السفر بواحدةٍ] مستحبَّةً فله تركُ الكُلِّ عند سفره انتهى.
وفي الأشباه والنَّظائر تزوَّجَ امرأةً أُخرى وخاف ألَّا يعدل لا يسعهذلك وإن عَلِمَ أنّه يعدلُ بينهما في القَسْم والنَّفقه وجعل لكلِّ واحدةِ مسكناً على حدةٍ، جاز له أن يفعَل فان لم يفعل- أي لم يتزوَّج عليها – فهو مأجورٌ لترك الغمِّ عليها، انتهى.
تتِّمه: من أحكام النِّكاح المعاشرةُ بالمعروف للأيه.
قيل: المراد التَّفضُّلُ والإحسان إليها قولاً وفعلاً وخُلُقاً.
و قيل: أن يعمَل معها كما يجبُ أن يعمل مع نفسه وله جَبرُها على غّسْلِ الحَيضِ والجنابة والنِّفاس إلَّا أن تكون ذِمِّيهً وعلى التَّطيُّب والاستِحداد، ومنعُها ممَّا يتأذَّى برائحته حتَّى الحنَّاءُ المخضَّب إن تأذَّى به ومن الغزل.
ويضرِبُها بترك الزِّينه" إن اراد وبترْكِ إجابته إن أرادَ جماعها طاهرةً وترك الصَّلاة " والخروج من المنزل بلا إذنه بعد إيفاء مَهرها وإذا كانتْ لا تُصلِّي له أن يُطلِّقَها وإن لم يقْدرْ على إيفاء مهرها فلأن يلقى الله ومهرُها في عُنُقِه خيرٌ له من أن يطأ امرأةً لا تُصلِّي.
وحقُّ الزَّوج على الزَّوجة أن تُطيعه في كُلِّ مباحٍ يأمرها به ولو كان أبوها زَمِناً ليسَ له مَن يقومُ عليه غيرُ البنتِ فعَلَيها ان تعصِيَ الزَّوج في المنع عنه ولو كان كافراً؛ لأنَّ القيامَ عليه فرض ٌ في هذه الحالة.
امرأةٌ مُعتدَّةٌ أو منكوحةٌ أبَتْ ان تطبُخَ أو تخبِزَ إن كان بها عِلَّةٌ لا تقدرُ على الطَّبخ والخبزأو كانت من الأشراف فعلى الزَّوج أن يأتيها بمن تطبُخُ وتخبزُ؛ لأنّها غيرُ مُتعنِّتةٍ.
فأمَّا إن كانت تقدرُ- وهي ممَّن تخدُمُ نفسها- تُجبرُ؛ لأنَّها مُتعنِّتهٌ فان رسول الله صلى الله عليه وسلم جعلَ الخِدْمةَ التي داخِلَ البيتِ على المرأةِ والتي خارجَ البيتِ على الزَّوج هكذا قضَى بينَ عليٍّ وفاطمةَ رضي الله عنهما.
انتهى تأليفا في شهر جُمادى الأوَّل سنة ثلاثٍ وأربعين وألفٍ (هكذا وجد بخط مؤلفها تقبل الله ذلك منه ولطف به وبذريته والمسلمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه وسلم) غفر الله لمؤلفها ولوالديه ولمشايخه ومحبيه ولمسورها بعد وصحبيهما والمسلمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه وسلم وعلى سائر الانبياء والمرسلين اجمعين امين.