بسطُ المقالةِ في تحقيقِ تأجيلِ وتعليقِ الكفالةِ
للإمام حسن بن عمار الشُّرُنبُلالِي
توفي سنة (1069 هـ)
تحقيق
مالك جميل زغول
جارٍ تحميل الكتاب…
بسطُ المقالةِ في تحقيقِ تأجيلِ وتعليقِ الكفالةِ
للإمام حسن بن عمار الشُّرُنبُلالِي
توفي سنة (1069 هـ)
تحقيق
مالك جميل زغول
بسم الله الرحمن الرحيم [ربّ يَسّر]
الحمدُ لله الذي مَنّ على منْ شاءَ بِما شاءَ مِنْ جَزيلِ النّعمِ، ووفّقَ مَنْ أرادَ إلى محجّةِ الصوابِ بِمحْضِ الجودِ والكَرمِ، والصلاةُ والسلامُ على سيدنا محمّدٍ المبعوثِ ببيانِ الشرْعِ وأحكامهِ، وعلى آلهِ الذين جاهدوا في الله حقَّ جِهادِهِ، فوضَّحَ بِهِم طريقَ الدّينِ بتشييدِ اركانهِ ورفعِ أعلامهِ، وبعدُ:
فيقُولُ العبدُ الفقِيرُ حسن الشُّرُنْبُلالِي الحنفيُّ، عامَلَهُ الله بِلُطفِهِ الخَفي: إِنِّي لمّا رأَيتُ الإمَامَ الزَّيلَعي] شارِحُ الكَنزِ [على الإطْلاقِ مَنْ شَهِدَ بعلوِّ قَدْرِهِ ورُسوخِهِ في العُلومِ، خُصوصاً أُصولَ الفِقهِ وفٌروعِهِ، عُلماءَ العَربِ والعَجَمِ بِالاتفاقِ،] قَدْ ذَكَر [حُكمَ مسأَلَةَ الكفالةِ على التحقيقِ، وخطَّأ صاحِبُ الهِدايةِ، والكافي، على ما ذَكَرهُ ولم يَكنْ بِوجهٍ وَثيقٍ، ورَدّ مقالةَ صاحَبِ الدُرَرِ والغُرَرِ، لكن بما لا يرتضيهِ مَنْ مَارَسَ الفقهَ وسَبَرَ، ورأيْتُ جُلَّ الشُرّاحِ مِنْ أهلِ التحقيقِ والدِرايَةِ قدْ أوَّلَ كلامَ الحَبْرٍ صاحِبُ الهِدايةِ بِما يوافقُ ما رآهُ الإمَامَ الزَّيلَعي بِبَدائِعِ فتحِ القديرِ ونهايةِ العناية ِ.
إلا أنّ بعضَهُم مشى على ظاهِرِ العبارَةِ، وتبعَهُ الطَرسُوسيّ، وتَحاملَ في الرّدِ على صاحب النهاية، استَخَرتُ اللهَ سبحانَهُ وأثبتُّ ما فتحَ بهِ عليَّ في ذلك المُرامِ، وما اطَّلعتُ عليهِ مِنْ كلامِ أئمَّتنا مِنْ متَعلق ذلك المُقامِ، قاصداً بذلك مِنَ الله الكريم الوهاب جَزيلَ الثوابِ وبلوغَ الامل وحُسنَ المآبِ، إنه على ذلك قدير وبالإجابة جديرٌ، وسميتهُ:
«بسطُ المقالة ِ في تحقيقِ تأجيلِ وتعليقِ الكفالةِ»
ربنا عليك توكلنا وإليك أَنبْنا وإليك المصير، أنت مولانا فنِعْمَ المولى ونِعْمَ النَّصير.
قال في الدُرَرِ والغُرَرِ: (لا - أي لا تصِحُّ الكفالةُ - إِنْ علَّقَهُ ... بنحوٍ - أي بِشرطٍ غيرِ مُلائِمٍ - نحوَ إنْ هَبَّت الريحُ، و جاءَ المطَرُ)، قال في الهِدايةِ: (لا يَصحُّ التعليقُ بِمُجرّدِ الشرطِ، كقولهِ: إنْ هَبَّت الريحُ، أو جاءَ المَطَرُ، إلا أنَّه تصِحُّ الكفالةُ ويجبُ المالُ حالّاً؛ لأنّ الكفالةَ لمّا صحَّ تعليقُها بالشرطِ، لا تبطلُ بالشروطِ الفاسدةِ كالطلاق والعِتاقِ)، وتبِعهُ صاحبُ الكافي وقال الزيلعي: (هذا سهوٌ، فإنَّ الحُكْمَ فيه أنَّ التعليقَ لا يصحُّ، ولا يلزم المال؛ لأنَّ الشرطَ غيرُ ملائِمً فصارَ كما لو علَّقَهُ بدخولِ الدارِ ونحوِهِ بما ليس بمُلائِمٍ، كما ذَكرهُ قاضي خان وغيره).
أقولُ: قولهُ: سهوٌ، خطأٌ؛ لأنّ المذكورَ في العِماديَّةِ و الإسْترُوشْنِيَّةِ ... أنَّ الكفالةَ مما لا يبطلُ بالشروطِ الفاسدةِ فالظاهرُ أن فيه روايتين يؤيده أن الصَّدرَ الشهيدَ يَنقُلُ مسألةً هيَ: (أَنّ العبد المأذون إذا لحقه دَينٌ وخافَ صاحب المال أَنْ يُعتِقهُ المولى فقالَ رجلٌ لصاحبِ المالِ: إنْ أَعتقهُ المولَى فأنا ضامِنٌ لدَيْنِكَ عليهِ صحَّت الكفالةُ).
ثمَّ نقول: (هذه المسألةُ دليلٌ على أنَّ تعليق الكفالة بشرطٍ غيرِ متعارفٍ جائزٌ)، انتهى ما قالهُ صاحبُ الدُّرَرِ والغُرَرِ.
وأقولُ، وباللهِ التوفيق: ما نَسَبَهُ الزَّيلعي إلى الهِدايةِ وما حُكِمَ بهِ من إتْباعِها الكافي، وما قاله الزَّيلعي أنَّه سهوٌ، وما خطَّأ بهِ المُص الزَّيلعي، وما قالهُ المُصَنِّف في الاستدلال على تخطئة الزيلعي وما أيَّد به مُدَّعاهُ، وما جعله منَ المسألةِ دليلاً، فَلِيَ في ذلك نَظَرٌ، سَأذْكُرُهُ.
فأقول: أمَّا قولهُ: (قال في الهداية ... إلخ)، فأقولُ: ما قاله ليسَ عبارَتَها، إذ هي: ... (ويجوز تعليقُ الكفالة بالشرطِ مثلَ أن يقولَ: ما بايعتُ فلاناً أو ما ذاب لك عليه فَعَلَيَّ وما غَصَبَكَ فَعَلَيَّ؛ والأصلُ فيه قوله تعالى: {وَلِمَن جَاء بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَاْ بِهِ زَعِيم} يوسف:72.
والإجماعُ على صحَّةِ ضَمانِ الدَّرْكِ.
ثمَّ الأصلُ أَنَّهُ يصبحُ تعليقُهُ بشرطٍ ملائمٍ، مِثلَ أن يكونَ شرطاً لوجوبِ الحقِّ، كقولهِ: إذا استَحَقَّ المَبيْع، أو لإمكانِ الاستيفاءِ، مِثلَ قولهِ: إذا قَدِمَ زيدٌ وهو مكفولٌ عَنهُ، أو لتعذّر الاستيفاءِ، مِثلَ قَولهِ إذا غَابَ عن البلدِ، وما ذُكِرَ مِنَ الشُّروطِ في معنى ما ذكرناه، فأمَّا لا يصحِّحُ التعليقُ بمجردِ الشّرطِ، كقولهِ إذا هبَّت الريحُ أو جاءَ المطرُ، وكذا: إذا جَعلَ واحداً منهما أجلاً.
إلا أنّه تَصِحُّ الكفالةُ ويجبُ المالُ حالَّاً؛ لأن الكفالةَ لَمَّا تصحُّ تَعليقُها بالشَّرطِ، لا تَبْطلُ بالشروطِ الفاسدةِ كالطلاقِ والعتاقِ)، انتهى ... .
فَقولُ الهِدايةِ: (فأمَّا لا يَصِحُّ التعليقُ بِمجرَّدِ الشَّرطِ، كقولهِ: إذا هبت الريحُ أو جاء المطرُ)، مَسْألةٌ مُستقلةٌ، صرَّحَ فيها بِنَفي صِحَّةِ تعليقِ الكفالةِ بِهُبوبِ الريحِ ومَجيءِ المطرِ، ويَلْزمُ مِنْهُ نَفْيُ جَوازِ الكفالةِ، ولا يُقالُ: أنَّ نَفْيَ جَوازِ التعليقِ لا يَقْتضي نَفْي جَوازِ الصِّحةِ، كمَا أنَّه إذا جُعِلَ هُبوبَ الريحِ أو نزولَ المطرِ أجلاً، ينتفي الأجلُ ولا تنتفي الكفالة؛ لأننا نقول يمكن أن ينتفي المجموع بإنتفاء جُزْئيهِ، فإذا انتفى التعليق انتفى التَّكَفُلُ، ولا كذلك نَفْيُ الكفالةِ المُؤجَّلةِ لهُبوبِ الريحِ أنْ تكونَ منتفيةً، كإنتفاءِ أجلها؛ لأن الإيجابَ المعلقَ نوعٌ، اذ التعليقُ يُخرجُ العلَّةَ عن العِلِّيَةِ، والأجلُ عارضٌ بعد انعقادِ الكفالةِ بقولهِ كفلته، فلا يلزمُ مِن انتفاءِ العارِضِ انتفاءُ مَعروضِهِ، كما في العنايةِ وغيرها.
وكذا قال في شرحِ النِّقايةِ: (وإنْ علَّقَ الكفيلُ الكفالةَ بمجرد الشرط، - أي بشرطٍ غيرِ ملائمٍ -، فلا - أي فلا تصحُّ الكفالةُ -، ولا يجب المال، وذَكَرَ شُرّاحُ الهدايةِ: أنَّ الكفالةَ لا تصح فيما اذا عُلِّقت بهبوبِ الريحِ أو نزولِ المطرِ، وكذا ذَكَرَ قاضي خان أيضاً أنَّهُ لا يصير كفيلاً)، انتهى ما ذكره شارح النقاية.
ولهذا - أي لِمَا قُلناهُ مِنَ اللزومِ -، فَصَّلَ صاحبُ الهدايةِ مسألةَ جَعْلِ هبوبِ الريحِ ومجيءِ المطرِ أجلًا، عن مسألةِ التعليقِ بقولهِ: (وكذا إذا جُعِلَ واحداً منهما أجلاً، إلا أنَّه تصِحُّ الكفالةُ، ويَجِبُ المال حالّاً)، انتهى.
يعني وكذا لا يصحُّ التَّأجيلُ أو المُرادُ، وكذا لا يتحقق الصحَّةُ أو المعنى، وكذا لا يصِحُّ التعليقُ على أن يَكونَ المُرادُ التَّأجيلُ على طريقةِ الاستخدامِ، كما ذَكرهُ سَعْدِي جَلَبِي.
وبه يَنْدفِعُ الاشتباه الحاصل في معرفة فاعلٍ، لا يصِحُّ المُقَدَّرُ في قوله: (وكذا اذا جُعِلَ)، وليست مسألةُ التعليقِ مشاركةً لمسألةِ التأجيلِ في صحةِ الكفالةِ، كما صرَّحَ به في البحر، حيث قال أنَّ قوله: (إلا أنه يصح الكفالةُ ... إنما يعود الى الاجل، بنحوِ إن هَبَّت الريحُ لا الى التعليقِ بالشرطِ.)، انتهى.
وقولُهُ في الهدايةِ: (كالطَّلاق والعِتاقِ)، قال الامام العَيْنِيُّ في شرحِها بعد حكايةِ ما ذكرناه عَنْ السِّغْنَاقِيُّ والأَكْمَلُ: (ومُشَبَّهٌ على ما قالاهُ – أي - كما أنَّ الشرطَ المجهولَ في الطَّلاق والعِتاقِ يَبْطُلُ، ويَصِحُّ الطَّلاقُ والعِتاقُ بأنَّ قال: أعتقتُ عبدي، أو قال طَلَّقْتُ امرأتي الى قدوم الحاج، أو الحَصادِ، او القِطافِ.)، انتهى.
قُلتُ: وقولُ العَيْنِيِّ - أي - كما أن الشَّرطَ المجهولَ أراد بهِ التَّأجيلّ، كما ذَكَرَهُ في تصويرِ المسألةِ، انتهى.
وقال الشيخ الامام خِتامُ أهل التحقيقِ الكَمالُ ابن الهُمَامِ في فتحِ القديرِ: (فالحاصل أنَّ الشرط الغيرَ المُلائم، لا تصح معه الكفالة اصلاً، ومع الاجل الغير الملائم، تصح حالَّة ويبطل الاجل، لكنَّ تعليلَ المُصنف لهذا بقوله: (لأن الكفالة لمَّا صح تعليقها بالشرط ِلا تبطُلُ بالشروطِ الفاسدةِ كالطَّلاقِ والعِتاقِ.))، يقتضي أنَّ في التعليق بغير الملائم، تصح الكفالة حالَّة وإنما يبطل الشرط.
والمُصُرَّحُ به في المَبْسوطِ وفتاوى قاضي خان أنَّ الكفالةَ باطلةٌ، فتصحيحه أن يُحملَ
لفْظُ تعليقها على معنى تأجيلها، بجامع أن في كُلٍ منهما عدمَ ثبوتِ الحُكمِ في الحال، وقلَّدَ المصنف في هذا الاستعمال لفظَ المبسوطِ، فإنه ذَكَرَ التعليقَ وأراد التأجيلَ.
هذا، وظاهِرُ شَرْحُ الإتْقانِيُّ المشيُ على ظاهرِ اللفظِ فإنَّه قال فيه: (الشرطُ اذا كان ملائماً جَازَ تعليقُ الكفالةِ)، وَمَثَلَ بقولهِ: (إذا اسْتَحَقَّ المَبيعُ، فأنا ضَامنٌ).
إلى أن قال: (وان كان بخلاف ذلك كهبوب الريح ومجيء المطر، لا يصح التعليق ويبطل الشرط، ولكن تنعقد الكفالة ويجب المال؛ لأن كلَّ ما جاز تعليقه بالشرط لا يفسد بالشروط الفاسدة).
وفي الخلاصة: «كَفَلَ بمالٍ على أن يَجْعَلَ لهَ الطالب جُعْلاً، فإن لم يكن مشروطاً في الكفالة فالشرط باطل، وإن كان مشروطاً فيها فالكفالة باطلةٌ، انتهى.
وهذا يفيد أنها تَبطلُ بالشروط الفاسدة إذا كانت في صُلبِها»، انتهى ما قاله الكمال.
قلتُ: فهذا كما ترى يفيد أنَّ هذا المحقق ابن الهُمام، لم يرتضي بما مشى عليه الإتْقانِيُّ، ولهذا عَقَّبَهُ بما يفيد بطلانَ الكفالة بالمرَّةِ، فلو كان له وَجْهُ رواية لذكره؛ لِسِعَةِ اطِّلاعِهِ وعدم تَحامُلهِ، كما هو مشهورٌ عنه - رحمه الله -.
بل إن قوله: فظاهر شرح الإتْقانِيُّ المشي على ظاهر اللفظِ، يقتضي أن يُؤَوِّلَ بما أوَّلَ به اللفظ.
قلتُ: وما مشى عليه الإتْقانِيُّ نقل صاحبِ انْفَعِ الوَسائلِ عن الخبازِيِّ، لما ظاهره يوافقه بعد ان نَقَلَ كلام السِّغناقي الموافق لِمَا قالهُ الكَمالُ.
وهذه عبارة الشيخ جَلالُ الدين الخَبَّازِيّ، كما نَقَلَهَا صاحبُ انْفَعِ الوسائل قولُهُ: (وكذا إذ جُعِلَ كلُّ واحدٍ منهما أجلاً؛ يعني مجيءَ المطرِ وهبوبَ الريحِ، لا يجوز تعليق الكفالة ولا تأجيلها اليه، ولو علق الكفالة بها مع ذلك صحت الكفالة ولزم المال حالّا؛ لأن ما جاز تعليقه بالشرط لا يبطل بالشروط الفاسدة؛ كالطلاق والعتاق.)، انتهى.
ثم قال: - أعْنِي صاحب انْفَع الوسائل -: الى أن الأولى ما قاله الشيخ جلال الدين الخبازي، ومن مُحَصَّلِ سبب ميله: (أن صاحب الهداية صرح بلفظ التعليق في مَوْضِعَي التعليق بالشرط الملائم
وغير الملائم، وصرح بلفظ التأجيل بقوله: وكذا اذا جَعَلَ واحداً منهما أجلاً).
فعَلِمنا تَعَلُّقَ كلامه بالتعليقِ والتأجيلِ، فلا يجوزُ أنَّ يُقالَ: يُحْمَلُ كلامه [في التعليقِ] أنّه أراد التأجيلَ، اللهم إنّ هذا يكون إنْ لو لم يذكر التأجيل اصلاً، اما بعد ذِكْرِ التعليق والتأجيل، كيف يَحْسُنُ أن يُحْمَل على أنه أراد بالتعليق التأجيل؛ لما يلزم عليه من عَطْفِ الشَّيء على نفسه، فلا يجوز أن يُقَالَ أراد بالتعليق التأجيل، ولمِا يلزم منه ترك المسألةِ واخلاؤها من الكتب!)، انتهى.
قُلتُ: وهذا ليس شيءٌ ليكون وجهاً للأولوية؛ لأنَّ مبناه على أنَّ تأويل التعليق بالتأجيل راجع لأصل المسألة، وهو قولُ الهداية -، وكذا اذا جُعِلَ واحداً منهما أجلاً، وليس كذلك بل إنما هو لقوله بعده في التعليل؛ لأن الكفالة لمَّا صح تعليقها بالشرط لا تبطل بالشروط الفاسدة، كما صرح به الكمال فيما قدمناه.
قُلتُ: وإنما كان كذلك ليطابق التعليل المُدَّعِي؛ لأن المُدَّعِي أن الكفالة لا تصح اذا عُلِّقت بهبوب الريح، وتصح إنْ أُجِّلَت به، لكنْ يَبْطُلُ الاجل، فلا يَحْسُنُ أن يُقال؛ لأن الكفالة لمَّا صح تعليقها بالشرط لا تبطل بالشروط الفاسدة؛ لما يلزم من مناقضته للمُدَّعَي، فَأَوَّلْنَا التعليقَ بالتأجيل، فصار كأنه قال: وكذا - أي لا يصح - اذا جُعِلَ واحداً منهما اجلاً، ألا أنه تصح الكفالةُ ويجبُ المال حالّاً؛ لأن الكفالةَ لمَّا صح تأجيلها بالشرط لا تبطل بالشروط الفاسدة، غايته أن يكون تعليلاً للمسألةِ الأخيرة فقط، وليس بِضِارِّ بل هو واجبٌ؛ لِمَا قلناه.
ثم قولهُ: (إن هذا، إنْ لو لم يَذْكُر التأجيلَ أصلاً).
قلت: وهذا مما لم يُتُعُقَّلُ معناه؛ لأنه اذا سقطَ لفظُ التأجيلِ كيف يُحْتاجُ إلى تَكَلُّفِ ذِكْرِهِ فتأمَّلْ منصفاً!
وَالوَجْهُ الثاني: بِسَبَبِ أَوْلَويةِ كلامِ الخَبَّازي، أنَّ صَاحِبَ الهِداية ذَكَرَ جُملتينِ وَعَقَّبَهُما بإلَّا، وهي تَقتضِي تَعْليقُها بِكُلٍ مِنَ الجُمْلتَينِ على ما عُرِفَ في مَسألةِ الجُمَلِ، إذا تَعَقَّبَها اسْتثناءٌ فإنه يَتَعلَّقُ بِكُل جُملةٍ ولا يَخْتصُّ بالجُملةِ الأخيرةِ، كما إذا قال: (عبدُهُ حُرٌ، وزوجتُهُ طَالِقٌ إن شَاءَ الله تعالى، فإنَّ الاسْتثناءَ ينصرفُ الى الجُملتينِ ولا ينصرفُ الى الاخيرةِ وَحدها.
فكذا هنا لمَّا ذَكَرَ حُكْمَ التَّعليقِ على حِدَةٍ، وعَطَفَ عليهِ بيانُ حُكْمِ التأجيل، وعَقَّبَ ذلك بالاستثناء، اقْتَضى ذلك أن ينصرِفَ الاستثناءُ الى كُلٍ مِنَ الجُملتينِ التعليقِ والتأجيلِ، وَمُقتضاهُ أنَّ الكفالةَ تصِحُّ وَيبطُلُ الشَّرطُ.)، انتهى.
ءلتُ: وهذا خَطَأٌ مَحْضٌ، لَمْ يَقُلْ بِهِ مَنْ يَدَّعِي تَقْليدَ الإمامَ الأعظَم، نَشَأ مِنْ عَدَمِ التَّفْرِقَة بينَ الشَّرطِ وَالاستثناءِ؛ لأنَّ الشَّرطَ مُبْدَلٌ ولا كذلك الاستثناءُ، لِما قَال في شرْحِ المَنَارِ لابن المَلَكِ:
(والاستثناءُ متى تَعَقَّبَ كلماتٍ - أي جُمَلًا مَعطوفَةً -، صِفَةُ كَلِمَاتٍ أو حَال بَعضها على بعض، ينصَرِفُ الى الجميع - أي جميعُ ما تَقَّدمَ ذِكرُهُ -، كقولهِ لزيدٍ عليَّ الفُ دِرْهَمٍ، وَلِبَكرٍ عليَّ الفُ دِرهَمٍ، ولِخالدٍ عليَّ الفُ دِرهَمٍ إلا سِتمائةٍ، كالشَّرط - أي كما أنَّ الشَّرطَ - يَنْصرفُ الى جَميعِ مَا سَبَقَ حتى يَتَعَّلقَ الكُلُّ بِهِ، لَو قال عَبدي حرٌ، وامرأتي طَالقٌ، وعليَّ حَجٌّ، إنْ لَمْ أدْخُلَ هذه الدَّارَ.
عِندَ الشَّافعي بِنا على أَصْلِهِ، أنَّهُ مُعارِضٌ مَانِعٌ للحُكْمَ المُتَقَّدِمَ؛ كالشَّرِطِ، والجَامِعُ كَوْن كُلَّ واحدٍ مِنْهما مَانِعٌ للحُكمِ، وعندنا ينصَرِفُ الى ما يليهِ - أي - الى ما قَبلَهُ؛ لأنَّ الاصْلَ عَدَمُ الاستثناءِ؛ لأنَّه يُخرج الكلام مِنْ أن يَكونَ عَامِلاً في جَميعهِ، وإنما وجب رُجوعُ الاستثناءِ الى ما قَبلِهِ؛ ليصِحَّ ضَرورَةً عَدَمِ استقلالِهِ بِنفسِهِ.
وقَدْ انْدفعت الضرورَةُ لصَرفِهِ الى الاخيرةِ بخلافِ الشَّرطِ؛ لأنَّه مُبْدَلٌ، فَلا يَخرُجُ بِهِ اصْلُ الكلامِ مِنْ أنَّ يَكونَ عامِلاً، وإنما يتبدلُ بِهِ الحُكْمُ؛ لأنَّ مقتضَىْ قولِهِ أنت حرٌ: نزول العتْقِ في محله وبذكْرِ الشَّرطِ يتبدل ذلك؛ لأنه يبين أنهُ ليس بِعلَّةٍ للحُكمِ قبلَ الشَّرط، ومُطْلقُ العطفِ يقتضي الاشترَاك، فلهذا اثبتنا حُكمَ التبديلِ بالشَّرطِ في جَميعِ ما سُبِقَ ذِكرُهُ.)، انتهى.
ولمَّا قَالَ المُحقِّقُ الكَمالُ ابن الهُمام في شرحِهِ فتحِ القديرِ: ... (أنَّ الاستثناءَ في قولهِ تعالى: {إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ} المائدة:34، يَنْصرفُ الى الجُملةِ الاخيرةِ أو الى الكُل، فالمسألةُ مُحَرَّرَةٌ في الأصُول، وهي أنَّ الاستثناءَ إذا تَعَقَّبَ جُملاً مُتعاطِفةً، هَلْ ينصرِفُ الى الكُلِّ أوَ الأخيرةِ؟
عندنا الى الأخيرةِ، وقد تَقَدَّمَ ثَلاثُ جُمَلٍ في قولِهِ تعالى: {فَاجْلِدُوهُمْ} النور: 4، ثم قال: وأمَّا رُجوعُ الاستثناءِ الى الكُلِّ في قولِهِ تعالى في المُحارِبين: {أَن يُقَتَّلُواْ} المائدة: 33، الى قولِهِ تعالى: {إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ .. } المائدة: 34،حتى سَقَطَ عَنْهُم؛ فلِدَليلِ اقتضَاهُ.)، انتهى، وَتَمامُ الكَلامِ عَليهِ فيهِ فَلْيُراجِعْهُ مَنْ رَامَهُ.
فهذا، قَدْ عَلِمْت بِهِ أنَّ حُكمَ الاستثناءِ خَاصٌ بِالجُملةِ الاخيرةِ، فَلمْ يصِح قَولُ الطَرسُوسي أنَّ صاحِبَ الهِدايةِ ذَكَرَ جُملتينِ، وعَقَّبها بإلَّا، وهي تقتضي تَعَلَّقَها بِكُلٍ مِنَ الجُملتَينِ ... إلخ؛ لأنَّه جَعَلَ الاستثناءَ كالشَّرطِ.
ولا قائِلٌ بِهِ ممن قَلَّدَ الإمامَ وصاحِبَيْهِ، على أنَّ الإمامَ وصاحِبَيْهِ لَمْ يتَّفِقُوا على أنَّ الشَّرطَ مُبطِلٌ للكُلِّ، بل هو قَولُ الإمام، وقالا: (ينصرِفُ الى ما يليه)، وهو الاخيرُ فيما إذا كَتَبَهُ في صَكِّ اقْرار، أما لو قال عبدُهُ حُرٌ، وامرأتُهُ طَالِقٌ وعليه المشي الى بيت الله إن شاء الله، فإنّه يبطل الكل اتفاقاً، كما في فتح القدير، فهذا رُكْنُ سببُ الأولويَّةِ وقد عَلِمت عَدَمَ قِيامِهِ.
ثُمَّ أقولُ: بل يُمكِنُ تَأويلُ كَلامِ الخَبَّازِي بما يوافِقُ كَلامَ السِّغْناقِي، وذلك بتأويلِ قولهِ: عَلَّقَ مِنْ، ولَوْ عَلَّقَ الكفالةَ بهما بمعنى أجَّلَ، وذلك] لأنه لو أراد بقولهِ: عَلَّقَ، حقيقَةَ التَّعْليقِ، لَذَكَرَ التأجيلَ [ايضاً بَعْدَهُ، ولا يُقالُ: يَلزَمُ مِنْهُ عدَمُ الكَلامِ على تعليقِ الكفالةِ بهما؛ لأن ذاك قدْ عُلِمَ مِنَ الَمتْنِ قَبْلَ هذا بقولهِ: (ولا يَصِحُّ بِنَحوِ إنْ هَبَّتْ الرِّيْحُ).
فإن قلتَ: ذاك صريحٌ في عدم صحة التعليق، فهذا لبيان الحكم.
قلت: يُعْلَمُ الحُكْمُ منه ايضاً كما قدَّمناه عن العنايَةِ، فلا ضرورةَ الى] ذِكْرِهِ هنا [، فلا مُخالفَة بين الشَّارِحينِ.
ثم لَمْ يَبْقَ سَبَبٌ للأولَوِيَّةِ، إلا نَقْلٌ صَريْحٌ ذَكَرَهُ الطَّرْسوسِي، أو مُحتَمَلٌ للتأويلِ، ولَيسَ ذلك بِوَجْهٍ
لمِا قَد عَلِمْتَ؛ لأنَّهُ يُمْكِنُ أن يَكونَ مَنْ صَرَّحَ بِمَنْ يُخالِفُ السِّغْناقِي، أخَذَهُ مِنْ مَفهومِ ظاهِرِ الهِدايةِ، فَصَرَّحَ بِالمُخالفَةِ أو مَشَى على ظاهِرِ العِبَارَةِ، فَيَحْتَمِلُ كلامُهُ التَّأويل، أو يكونُ قَدْ اطَّلَعَ المُخالِفُ على نَصِّ رِوايَةِ مُخَالِفٍ للسِّغْناقِي، فَمَشَى عليهِ.
لكِنْ قَدْ عَلِمت أنَّ المُحَقِّقيْنَ كقَاضي خان، وصَاحِبِ المُبسوطِ، والكَمَالِ، والأكْمَلِ، وشُرَّاحِ الهِدايَةِ، كمَا في شَرحِ الوِقايَةِ، وغيرِ ذلك مِنْ الفَتاوى والشُّروح، كُلٌّ مِنْهُم مُوَافِقٌ لمِا قَالَهُ السِّغْناقِي، ولهذا حَكَمَ الزَّيْلَعِي بِتَخْطِئَةِ الهِدايةِ والكَافي الظَّاهِرِ العِبارَةِ كمَا سَنَذْكُرُهُ.
وكذا ذَكَرَ الشَّيخُ زَيْنٌ في بَحْرِهِ كمَا قَالَهُ السِّغْناقِي، وَلمْ يَذْكُر خِلافَهُ مع صِحَّةِ اطَّلاعِهِ، فَلَو ارتَضَى مَا يُخَالِفُهُ رِوايَةً لأثبَتَهُ، حتى أنَّه قال: (وقد ظَهَرَ لي أنَّ لا حاجَةَ الى جَعْلِ التَّعليقِ بمعنى التأجيلِ، بَلْ المُرادُ إنَّما صَحَّت الكفالةُ مع هذا التأجيل؛ لأنَّ الكفالةَ لمَّا صَحَّ تَعْليقُها بشرطٍ في الجُملةِ وهو الملائِمُ لم تَبطل بالشُّروطِ الفاسِدَةِ، والتأجيل بغيرِ المُتعارَفِ شرط، فَلِمَ تبطل.)، انتهى.
] وقال الشَّيخُ الإمامُ نورُ الدِّين عّلِيٌّ المَقْدِسِي - رحمهما الله - في شَرحِهِ لِنِظْمِ الكِنْزِ، وِقَولِ بَعْضِ المُتأخِّرينَ، ظَهَرَ لي أنْ لا حاجَةَ الى جَعْلِ التعليقِ بمعنى التأجيلِ، يُقَالُ لَهُ: فأنت احْتَجْتَ الى جَعْلِ التأجيل عَيْنَ الشَّرطِ، ولا حاجة اليهِ، يكفي التَّشْبيهُ بِهِ في حُكْمِهِ، انتهى [.
قلتُ: ومُحَصِّلُهُ أنَّه اقرَّهُ على ذلك، لكنْ لا يحتاجُ الى أن يَجْعَلَ التأجيلَ] عين الشرط بل يكفي أن نشبه التأجيل [بالشَّرط، فَيُقالُ: والتأجيلُ بغيِر المُتعارَفِ، كالرسول.
قلتُ: لكنْ اطْلَقَ ذلك لِمَا في الولوالجية: (ولَو قَالَ: الى أن تُمْطِرَ السَّماءُ أو تُمْسِ السَّماءَ، فالكفالةُ جَائزَةٌ والشَّرطُ بَاطِلٌ).
ولما قال في (شرح مختصر الكَرْخِي للقُدوري): (واذا كَفِلَ رجل عن رجل الى اجل مجهول لا يشبه آجال الناس؛ مثل المطر والريح واشباه ذلك، فالكفالة جائزة والشرط باطل)، انتهى.
ولما قلنا: أنَّ من صرح بخلاف ما قاله السِّغناقي، يمكن ان يكون جرياً على ظاهر العبارة، أثبت في شرح لطائف الإشارات ما يتوهم من الهداية والكافي، قولاً ضعيفاً مقابلاً لما مشى عليه السِّغناقي، كقاضي خان، لكن لم يرتضه.
وهذه عبارته - رحمه الله -: (ولا يصح تعليقها بمجرد الشرط - أي إنْ لم يكن الشرط ملائماً -، كقوله: إنْ هبت الريح، او إنْ جاء المطر، او إنْ دخل فلان الدار، لا تصح الكفالة،] لأنه تعليق لوجوب المال بالحظر فلا يصح؛ كالبيع).
وهذا؛ لأن الكفالة [ ... بالمال تشبه النَّذْرَ ابتداءً، باعتبار الالتزام، وتشبه البيع باعتبار المعاوضة انتهاءً.
اذ التكفيل يرجع على الاصل بما ادعى عنه، ويصح التعليق بالاعتبار الاول لا الثاني.
فعملنا بالشبهين، فصح التعليق بشرط ملائم لا بما لا يلائم فتبطل الكفالة فيما لا يلائم على ما نقله] صاحب النهاية عن فتاوى قاضي خان والمبسوط وكذا نقله [صاحب الغاية عن الاجناس، وتصح الكفالة لا الشرط، على ما ذكر في الهداية والكافي.
اقول: الاصح عندي هو الاول، اذ البيع لا يصح بالشرط، فالتكفل يشبه البيع لا يتحقق الا اذا لم تصح الكفالة، فإنَّ بطلان الشرط مع صحة الكفالة لا يتحقق به شبه البيع؛ لأن ما يصح تعليقه بالشرط كذلك كله يصح العقد ويبطل الشرط الفاسد، فينبغي أنْ لا تصح الكفالة فيما لا يلائم؛ لما مر، ولأنه لم يلتزم الكفالة الا معلقة فلو جعل كفيلاً في الحال يلزم أنْ يكفل بما لم يلتزمه.
والاصل أنَّ المتبرع لا يلزمه ما لم يلتزمه، كما إذا قال: إن لم يُعْطِكَ فلانٌ مَالَكَ عليه فأنا ضامن له، لا يصير ضامناً حتى يتقاضاه الطالب، ويقول المديون: لا اعطيك، والى الثاني اشار بقوله، قيل بطل الشرط لا الكفالة، وكذا اذا كفل الى مجيء المطر او هبوب الريح، بأن قال: كفلت الى مجيء المطر او هبوب.
ثم قال: فإن قيل ما الفرق على القول الأول بين التعليق والتأجيل حتى بطل الكفالة في التعليق لا في التأجيل؟
أقول: إنَّه لم يلتزم الكفالة في التعليق الا معلقةً، فلا تلزمه منجزة؛ حذراً عن الزام المتبرع ما لم يلتزمه، بخلاف التأجيل؛ لأنه التزامها في الحال، لكن مؤجلاً فلما تَقَرَّتْ صِحة الكفالة بطل التأجيل المتعارف)، انتهى.
فهذا انما اثبته مقابلاً لما ذكر في النهاية على صيغة التمريض؛ لما يتوهم من الفهم عن الهداية] والكافي وعلمت اندفاعه عن الهداية [
وسنذكر اندفاعه عن الكافي إن شاء الله تعالى ايضاً، بل سنذكر ايضاً ما يدل على الاتفاق بطلانها بالتعليق بالهبوب مثلاً.
وممن ذكر حُكْمَها على ما يوافق ما في النهاية، صاحب البدائع، حيث قال: (ركن الكفالة الايجاب من الكفيل، والقبول من الطالب، عند ابو حنيفة ومحمد، وهو قول ابو يوسف آخراً، وفي قوله الاول: الركن هو الايجاب فحسب، فأما القبول فليس بشرط.
ثم ركن الكفالة في الاصل لا يخلو من اربعة اقسام: إما أن يكون مطلقاً، او مقيداً بوصف، او معلقاً بشرط، او مضافاً الى وقت.
فأن كان مطلقاً، فلا شك في جوازه اذا استجمع شرائط الجواز.
وأما المقيد فإن قُيِّدَ بوصفِ التأجيل الى وقتٍ معلومٍ كإلى سنةٍ أو شهرٍ جاز.
وإن كان الى وقت مجهول، فإن كان يشبه آجال الناس كالحصاد، والدياس، والنيروز ونحوها، جاز عند اصحابنا - رحمهم الله -، وإن كان لا يشبه آجال الناس نحو المطر وهبوب الريح، فالأجل باطل والكفالة صحيحة، واما اذا كانت معلقة بشرط، فإن كان المذكور شرطاً، سبباً لظهور الحق او لوجوبه، او وسيلة الى الأداء في الجملة جاز، بأن قال: إن استحق المبيع فأنا كفيل؛ لأن استحقاق المبيع سبب لظهور الحق.
وكذا اذا قدم زيدٌ فأنا كفيل؛ لأن قدومه وسيلة الى الاداء في الجملة؛ لجواز أن يكون مكفولاً عنه او يكون مضاربةً، وإن لم يكن سبباً لظهور الحق، ولا لوجوبه، ولا وسيلة الى الاداء في الجملة، لا يجوز، بأن قال: إن جاء المطر، او هبت الريح، او ان دخل زيد الدار، فأنا كفيل؛ لأن الكفالة فيها معنى التمليك؛ لما نذكر، فالأصل أن لا يجوز تعليقها بالشرط الا شرطاً للحق به تَعَلُّقٌ بالظهورِ، او التوسل اليه في الجملة، فيكون ملائماً للعقد فيجوز؛ ولأن الكفالة جوازها بالعرف، والعرف في مثل هذا الشرط دون غيره)، انتهى ما قاله في البدائع.
فأن قلت: ما ذكرت من كلام البدائع ليس ظهوره تاماً فيما ذكرت؛ لأن قول البدائع، وإن لم يكن سبباً لظهور الحق، و لا لوجوبه، ولا وسيلة الاداء في الجملة، لا يجوز، بأن قال: اذا جاء المطر ... الخ، يحتمل أن يكون المراد به لا يجوز، - يعني الكفالة - او لا يجوز - يعني التعليق -.
قلت: قوله بعده؛ ولأن الكفالة جوازها بالعرف، والعرف في مثل هذا يعني شرطاً للحق به تعلق دون غيره، يعني ان احد المحتملين هو عدم جواز الكفالة، انتهى.
هذا وما قاله في المحيط، فَصْلٌ اصله: (أن الكفالة التزام المطالبة في الحال وتمليك الدين عند الاداء، فباعتبار معنى الالتزام يستدعي ان يصح تعليقها بالشروط المحضة؛] كالنذور وغيرها من الالتزامات واعتبار معنى التمليك يقتضي أن لا يصح تعليقها بالشروط المحضة [، فوفرنا على الشبهين حظهما، فباعتبار الالتزام صححنا تعليقها واضافتها الى سبب يوجب الحق، او وسيلة وذريعة الى الاداء، كقوله: اذا اقر به زيدٌ فأنا كفيل؛ لأنه سبباً للوصول الى الاداء، فيكون توثيقاً وتوكيداً له، وباعتبار معنى التمليك اذا علقها بما لا يكون سبباً لوجوب الحق، او للوصول الى الاداء، كما اذا قال: اذا جاء المطر، او هبت الريح، او دخل زيد الدار ونحوه، فأنا كفيل، لا تصح ... الكفالة)، انتهى.
تصريحٌ بما اثبتناه، ودافعٌ لما يُتَوَهَّم مِن احتمال عبارة الهداية، ثم قال - أي في المحيط -: (لو قال: إن لم اوافِ به غداً، فالمال الذي له على رجل آخر عليه، وهو الف درهم، جاز عندهما، خلافاً لمحمد؛ لأن هذه الكفالة علقت بحظر لا تعامل للناس فيه؛ لأن التعامل فيما اذا كانت الثانية مؤكدة لما وجب بالأولى، وليس في الكفالة الثانية هنا تأكيد ما وجب بالأولى، فكانت معلقة بحظرٍ لا تعامل فيه فتفسد، كما لو قال: انا كفيل إن مطرت السماء، او هبت الريح؛ لأن الكفالة تمليكٌ وليس بإسقاط، وتعليق التمليكات بالحظر لا يجوز، إلا ان يكون للناس فيه تعامل ولا تعامل هنا فتفسد)، انتهى.
فهذا ايضاً تصريحٌ بما ذكرناه من التأويل على جهة الاتفاق بين الامام وصاحبيه، من عدم صحة الكفالة المعلقة بهبوب الريح ومجيء المطر، وبه يندفع ما يتوهم من عبارة الهداية، وجعله قولاً ضعيفاً، كما فعل صاحب لطائف الإشارات.
ثم قال - أي في المحيط -: (ولو كفل الى أن تمطر السماء، والى قدوم رجل ليس معه في الكفالة، جازت الكفالة والشرط باطل، ولو قال: الى أن يقدم المكفول به، صح التأقيت، كان القياس أن تصح الكفالة ولا يصح التأجيل؛ لأنه يتوهم قدومه للحال، فلا ينتفع به الكفيل؛ لأنه يتوجه عليه المطابقة للحال إذا توهم حلوله كل ساعة، كما لو كفل الى أن تمطر السماء وتهب الريح، أو يتوهم أن لا يقدم اصلاً فلا يتوجه عليه المطالبة أصلاً، فلا يفيد الكفالة شيئاً إلا أنَّا تركنا القياس للتعامل)، انتهى.
فقد استوفى قسمي المسألة التَّأليق والتأجيل، مع زيادة إيضاح، انتهى.
وكذا ما قال في شرح الجامع الصغير المسمى بالتقسيم والتشجير، للإمام الكبير مفتي الشرق والغرب جمال الدين ابو سعد المُطَهَّر بن الحسن بن سعد بن علي بن بندار، المنتخب من شرحه الكبير المطول للجامع الصغير:
(والأصل أن كل شيء يذكر على طريق الحظر، إذا علق وجوب المال في الكفالة به يصح، وإن كان مجهولاً، وما يذكر على سبيل الشرط، فإن كان سبباً لوجوب الحق، مثل أن يقول: إن استحق المبيع فعليَّ ضمان الدَّرك، أو لذكر الأداء، إذ الاستيفاء مثل أن يقول: إن قدم زيد فعليَّ أداؤها، جازت الكفالة، وإلا فلا، مثل أن يقول: إذا جاء المطر أو هبت الريح؛ لأنه شرط محض لا تعلق الكفالة به وجوباً وإذا فلا تصح)، انتهى.
وكذا ما قال الحدَّادِيُّ: (ويجوز تعليق الكفالة بالشرط اذا كانت سبباً له وملائمة له، مثل أن يكون شرطاً لوجوب الحق، كقوله اذا استحق المبيع، أو لإمكان الاستيفاء، مثل ما إذا غاب عن البلد، أما إذا لم يكن الشرط سبباً لوجوب الحق، مثل إذا جاء المطر أو هبت الريح، أو دخل زيد الدار، فإنه لا تصح الكفالة به)، انتهى.
فهذا ما يتعلق ببيان حكم تعليق الكفالة وتأجيلها، وفَهْمِ عبارة الهداية عن المحققين، وما صُرِّحَ من النقول بما يوافق ذلك.
فإن قلت: ما تقول في قول السِّغناقِي، وغيره في غير هذا الباب، أنَّ الكفالة لا تبطل] بالشروط الفاسدة، أليس ذلك مُخالفٌ لما ذكر هنا؟!
قلتُ: لا مُخالفةَ؛ لأن قوله، وقول غيره في غير هذا الباب، أن الكفالة لا تبطل [بالشروط الفاسدة]- أي بالشروط الفاسدة في الجملة، لا مطلق الشروط -[، والمراد بها آجال لا تشبه آجال الناس، ولا هي متعارفة؛ لما قد علمت من إطلاق الشروط عنها، كما نقلناه آنفاً فلا مخالفة.
وإذ قد علمت ما ذكرنا، فلا يليق أن يقال: ما ذكره الطرسوسي، أنَّ السِّغناقي ناقضَ كلامه الذي في الكفالة، القائل بالبطلان بما في الهبة من أن الكفالة لا تبطل بالشروط الفاسدة، وسَهَى عن أن يصلح ما وقع منه، ولا شك أن الذي وقع في الكفالة تَفَقَّهّ منه، ما هو على وجه النقل عن الأصحاب، والذي اورده في الهبة نقل، والنقل لا يدخله الغلط، وانما يدخل الغلط في النفقة كما قيل:
وكم من عائبٍ قولاً صحيحاً ... وآفته من الفَهْمِ السَّقيمِ، انتهى كلامه.
هذا ما ذكرته لك، واختر لنفسك ما يحلو، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
واما قوله: أعني صاحب الدرر، حكايةً عن الزَّيلعِي، أو من نفسه، وتبعه صاحب الكافي، فأقول: ليس كما قيل، فإن عبارته: (ويصح تعليق الكفالة بالشروط، كما لو قيل: ما بايعت فلاناً فعليّ وما ذاب لك عليه فعليّ)، الى أن قال: (ثم إن كان الشرط ملائماً بأن كان شرطاً لوجوب الحق، كقوله: إذا استحق المبيع، أو لإمكان الاستيفاء، كقوله إذا قدم زيد وهو مكفول عنه، أو لتعذر الاستيفاء، كقوله إذا غاب عن البلد، يصح، وإن لم يكن ملائماً، كقوله إن هبت الريح، أو جاء المطر، أو إن دخل زيد الدار، لا يصح، وكذا اذا كفل به الى مجيء المطر، أو هبوب، بطل الأجل وصحت الكفالة؛ لأنهما ليسا من الآجال المعروفة بين التجار)، انتهى.
فقد تبع الهداية، لكن كما قلنا، والكلام فيه كالكلام على عبارة: ولأنه لو كان قوله: وصحت الكفالة راجعاً للمسألتين؛ لَبَيَّنَ ذلك في التعليل، ولم يقتصر في التعليل على قوله؛ لأنهما ليسا من الآجال، انتهى.
وكيف يتأتى نسبةُ ما ذكر الى الكافي؟، وقد قال صاحبه في الكنز مختصِر متن الكافي - أعني الوافي -:
(ولا يصح بنحو إن هبت الريح، فإن جعل أجلاً تصح الكفالة، ويجب المال حالّاً)، انتهى. ومنشأ هذه التسمية: اختلاف نسخة من الكنز وعليها شرح الزيلعي بقوله: (قال: ولا يصح بنحو إن هبت الريح، فتصح الكفالة ويجب المال حالاً، يعني لا يصح تعليق الكفالة لهبوب الريح ونحوه، كنزول المطر، فإن علق به تصح الكفالة ويجب المال حالَّاً، هكذا ذكر في الهداية والكافي، وهذا سهوٌ، فإن الحكم فيه أنَّ التعليق لا يصح ولا يلزمه المال؛ لأن الشرط غير ملائم، فصار كما لو علقه بدخول الدار، ونحوه بما ليس بملائم، ذكره قاضي خان وغيره، ولو جعل الأجل بالكفالة الى هبوب الريح، لا يصح التأجيل ويجب المال حالاً)، انتهى.
كذا في نسخة الشيخ ابن الشَّلَبِي المقابَلَةُ على نسخة الشارح الزيلعي، ثم كتب عليها كما نقلته من خطه.
قوله: (ولا يصح بنحو إن هبت الريح)، اعْلَمْ أنَّ نُسَخَ المتن قد اختلفت في هذا الموضع، ففي نسخةٍ وعليها شرح الزيلعي - رحمه الله -، كما شاهدته في خطه هكذا: (ولا يصح بنحو إن هبت الريح، فتصح الكفالة ويجب المال حالاً)، وعلى هذه النسخة يكون ما نسبه الزيلعي من السهو للهداية والكافي لعبارة الكنز، والذي في غالب نُسَخِ المتن، ومشى عليه جَمْعٌ مِنَ الشُّراحِ هكذا، ولا يصح بنحو إن هبت الريح، فإن جعل اجلاً تصح الكفالة ويجب المال حالاً، ولا سَهْوَ في عبارة الكنز على هذا، انتهى ما قاله الشيخ ابن الشلبي - رحمه الله -.
قلت: فقول الزيلعي: (هذا سَهْوٌ)، لا يَرِدُ على النسخ الصحيحة من الكنز، وكذا لا يرد على الهداية والكافي؛ لما ذكرنا، لكن يمكن أن يرد على ما يفهم من تعليل صاحب الهداية بقوله: لأن الكفالة لما صح تعليقها بالشرط لا تبطل بالشروط الفاسدة، وهذا - أعني الورود - إنما يكون على جعل أن الصحة متعلقة بمسألة التعليق بهبوب الريح ومجيء المطر، وعلمت عدم التعلق ودفع الورود بحمل لفظ تعليقها على معنى تأجيلها، او ابقائِهِ على حَالِهِ؛ كما قدمناه، انتهى.
هذا وقد ذكر الأّقْصَرائي التأجيل الذي ذكرناه عَقِبَ ذكر العبارة المذكورة عن الكنز بعينها، لكن لم ينصفه الطرسوسي، حيث قال: (ذكر الشيخ حافظ الدين: (ويصح تعليق الكفالة بشرط ملائم) إلى ان قال: (ولا تصح بنحو إن هبت الريح، فتصح الكفالة ويجب المال حالاً).
ثم جاء الأقْصَرائي في شرحه قال: (هذه العبارة بعينها، ثم قال: - يعني - اذا كفل بالمال الى مجيء المطر، او هبوب الريح، بطل الاجل وصحت الكفالة؛ لأنهما ليسا من الآجال المعروفة بين التجار، والكفالة مما يصح تعليقها بالشروط، فلا تبطل بالشروط الفاسدة؛ كالطلاق والعتاق)، انتهى كلام الأقصرائي -.
قلت: - قائله الطرسوسي -: ليت شعري من لم يفرق بين التعليق والتأجيل كيف يتصدى للتصنيف! ومن اين له أنَّ مراد الشيخ حافظ الدين بهذا الكلام، الى أن قال:
فإن كنت لا تدري فتلك مصيبةٌ ... وان كنت تدري فالمصيبة أعظم
فالواجب من كلامه على كل فقيه مَرَّ بكلام الأقصرائي المذكور أن يَصْرِفَ النظر عنه، ولا يتبعه فيه ولا فيما أول واخطأ، بل يتبع ما قاله الشيخ حافظ الدين في الكنز، فإن الذي قاله الأقصرائي من زُبَدِ المعدة، وظاهِرُهُ منادى عليه بالجهل وقلة العلم)، انتهى.
قلت: نعم، الواجب اتباع صاحب الكنز، لكن ما ... أوَّلَ به الأقصرائي، إذ هو المسطور في أكثر نُسَخِ الكنز، ومشى عليه جمع من الشُّراح، بل لم يقع ذاك الا في نادر النُّسَخ، فوجب المصير الى ما قاله الأقصرائي تبعاً للمحققين.
والذي يظهر لي أن الأقصرائي - رحمه الله تعالى -، تأدب مع صاحب الكنز بحسب ما وقع له من النسخ، فأوَّلَهُ الى ما يوافق اهل التحقيق، ولم يصرح بتخطئته كما فعل الزيلعي، وإن كان ما مراد الزيلعي الا اظهار الحق لا الانتقاض، فالذي ينبغي أن لا يعامل الا من جنس عمله، انتهى.
واما قوله - اعني صاحب الدرر- في تخطئة الزيلعي، اقول قوله: (سهوٌ، خطأٌ؛ لأن المذكور في العمادية والاستروشنية، أن الكفالة مما لا يبطل بالشروط الفاسدة).
فأقول: يلزم منه أن يكون ما قاله قبله مَتْنَاً لا تصح، بنحو إن هبت الريح او جاء المطر، خطأٌ؛ لأنه عين ما قاله الزيلعي، وليس بخطأ، بل هو عين الصواب؛ لما ذكرنا من النقول، وهذا ليس وجهاً للتخطئة؛ لأن الزيلعي يقول ايضاً بأن الكفالة مما لا يبطل بالشروط الفاسدة، وقد ذكره في شرح الكنز في محله وتبعته انت ايضاً، وليس الكلام هنا فيما اذا كفل بشرطٍ ما، أيِّ شرطٍ كان، بل في شرطٍ لا تعلق للحق به، ولا هو وسيلة اليه كما اذا هبت الريح، فقول الزيلعي فيما قيل: لا تبطل الكفالة بالشروط الفاسدة، يعني في الجملة لا مطلق الشروط؛ كما قدمناه.
لكن يقال: أنَّ فيه نظراً؛ لما أنَّ ما قاله ليس عبارة الهداية والكافي، كما ذكرناه، وليس نقلاً بالمعنى التام، فكان على المصنف - أعني صاحب الدرر رحمه الله -، أن يذكر عبارة الكتابين على نحو ما ذكرناه، انتهى.
واما قوله - أعني صاحب الدّرر -: (فالظاهر أنَّ فيه روايتين)، فأقول: هذا مبني على ما نقله عن العمادية والاستروشنية، وعلمت ما فيه، وأنَّ المنازعة ليست في مطلق الشرط فيما ادَّعاهُ من الظهور ليس بظاهر.
وأما قوله: (يريده أن الصدر الشهيد ينقل مسألةَ هي: أنَّ العبد المأذون إذا لحقه دَيْنٌ وخاف صاحب المال أنْ يعتقه المولى، فقال رجل لصاحب المال: إن أعتقه المولى فأنا ضامن لِدَيْنِكَ عليه، صحت الكفالة)، فَلِقَائِلٍ أن لا يسلِّمَ ذلك، ويقول: أنَّ هذه المسألة مما شرطه متعارفٌ، كما لو قال: إن غاب عن المِصر بجامعٍ تعذر الاستيفاء بالعتق؛ كالغيبة عن المِصر.
وأما قوله: (ثم نقول: هذه المسألة دليل على أن تعليق الكفالة بشرط غير متعارف جاز).
فأقول: قد ظهر لك أنها مما شرطه متعارف، بل قد قال الكمال في فتح القدير كما قدمناه، و في الخلاصة كفل بمالٍ على أن يجعل له الطالب جُعلاً، فإن لم يكن مشروطاً في الكفالة فالشرط باطل، وإن كان مشروطاً فيها فالكفالة باطلة، انتهى.
وهذا يفيد أنها تبطل بالشروط الفاسدة إذا كانت في صلبها، انتهى ما قاله الكمال - رحمه الله -.
وهذا ما تيسر بعون الملك القدير للعاجز الحقير، ثم إني رأيت] بها من [نسخةٍ من الدرر والغرر،
ما يوافق ما قلته مَعْزُوَّاً للفاضل المرحوم] جَوَّى زَادَه [، ما صورته، أقول: هذا تلبيسٌ بإسقاط بعض كلام صاحب الهداية،] في أنه [قال بعد قوله: أو جاء المطر، وكذا إذا جعل واحداً منهما أجلاً، إلَّا أنه تصح الكفالة ... إلخ، فمدلول كلامه صحة الكفالة في صورةِ جعلِ واحداً منهما أجلاً، لا في صورة التعليق بهما، وَوَجْهُ أن التأجيل اليهما شرط فاسد، كما صرحوا به، والكفالة لا تبطل بالشروط الفاسدة، وهذا اصل مقرر عندهم، ولا شك أن الكفالة مما يصح تعليقها بالشرط في الجملة، فهي لا تبطل بالشروط الفاسدة،] لا أنها [لا تبطل إذا علقت بالشروط الغير الملائمة، فإن بطلانها حينئذ مما صُرِّح به في كثيرٍ من الكتب المعتبرة من غير ذكر خلاف، كقاضي خان وغيره.
إلا أن بعض المتأخرين لم يَفهَم كلام صاحب الهداية،] وغَفِلَ عن معنى الاصل المقرر المذكور وظن أن مراد صاحب الهداية [، أنَّ الكفالة لمَّا صح تعليقها بالشرط لا تبطل إذا علقت بالشروط الفاسدة، ثم منهم من اعتقد صحة الكفالة في هذه الصورة؛ بناءً على ما فهمه من الهداية، ومنهم من عَرَفَ بطلانها بمراجعته إلى الكتب المعتبرة، فخطَّأ صاحب الهداية؛ بناءً على ما فهمه من كلامه، كالزيلعي.
وبما ذكرنا عُلِمَ أنَّ البطلان بشرط فاسد شيء، والبطلان بالتعليق بشرط غير ملائم شيء آخر، ولا تلازم بينهما، فاستدلاله بما في الكتابين من أن الكفالة ما لا تبطل بالشروط الفاسدة، على أن في بطلان الكفالة بشرط غير ملائم روايتين من الغرائب، مع أن التصريح بصحة الكفالة إذا علقت بشرط غير ملائم موجود فيهما.
وأما ما نقله من الصَّدر الشهيد فقد رُدَّ بما ذكره صاحب الذخيرة بقوله: (وعندي أن المسألة المذكورة لا تصلح دليلاً؛ لأن المولى بإعتاقه العبد يضمن قيمته للغُرَمَاء، فهذا إضافةُ الضمان إلى سبب الوجوب، وليس بتعليقٍ على الحقيقة وإضافةُ الضمان الى سبب الوجوب جائزةٌ، فيصح الضمان في تلك المسألة من هذا الوجه)، انتهى.
وأيضاً، فعلى تقدير صحة كون هذه المسألة دليلاً على أن تعليق الكفالة بشرط غير متعارف جائز، لا شك أن يصح التعليق فيها، فلا يكون دليلاً على ما فهمه من الهداية من أن الكفالة صحيحة والشرط باطل، بل يكون روايةً أخرى، غيرهما فلا يتم مُدَّعاه، انتهى.
وهذا ما تيسر في هذا المقام بعون الملك العلام، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم،] انتهى تأليفه في أواسِطِ شهر صَفر سنةَ ستة وعشرين وألف، بيد مؤلفها الفقير إلى الله تعالى حسن الشرنبلالي الحنفي، غفر الله له [، آمين.