إيضاح الخفيات عند تعارض بينة النفي والإثبات
للإمام حسن بن عمار الشُّرُنبُلالِي
توفي سنة (1069 هـ)
تحقيق
محمود محمد احمد أبو شقير
إشراف
د. محمد شريف استيتي
جارٍ تحميل الكتاب…
إيضاح الخفيات عند تعارض بينة النفي والإثبات
للإمام حسن بن عمار الشُّرُنبُلالِي
توفي سنة (1069 هـ)
تحقيق
محمود محمد احمد أبو شقير
إشراف
د. محمد شريف استيتي
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه العناية
الحمد لله الذي أحكم محكم الآيات، وجعل المآول طريقًا لإظهار حكمته بما رآه كل مجتهد من الحكم في الحادثات والصلاة والسلام على سيدنا محمد، سيد أهل الأرض والسماوات، وعلى آله وأصحابه الذين شيدوا أركان الدين ونشروا في الخافقين، بإقامته الرايات، فانتفى ببركاتهم المؤيد بالمعجزات معارضة الأوهام والتخيلات.
وبعد:
فيقول العبد المعتمد على لطف مولاه الخفي، حسن الشرنبلالي الوفائي الحنفي، أنه أراد جمع ما تضمنته هذه الورقات، في حكم حادثة ليسهل مراجعته في النوازل، وتتجلى بذكره المحادثة.
وهي أقام رجل البرهان، على أنه أبراه غريمه هذا مما كان له عليه من كذا، وأنه يستحق بذمته ثمن أمتعة اشتراها منه بتاريخ كذا بمصر المحروسة، فعارضه خصمه بأنه كان في ذلك التاريخ مقيمًا بالفيوم، وأنكر صدور الإبراء والشراء، وأقام البينة على مقامه بالفيوم إذ ذاك، فأي البراهين يقدم؟ وهل إذا شهد بإقامته بالفيوم جمع كبير يقدم على بينة الآخر؟.
وهل إذا حكم على مدعي الإقامة بالفيوم ثم أقام الجمع الكبير على إقامته بالفيوم إذ ذاك يفيده ويبطل الحكم عليه بالبراءة والثمن أم كيف الحال؟.
وسميته إيضاح الخفيات عند تعارض بينة النفي والإثبات، راجيًا من الله سبحانه القبول والعفو عن السيئات، ودوام الستر إلى اللقاء وحسن الخاتمة.
ورتبته على مقدمة، وبابين، وخاتمة.
أما المقدمة: فلبيان حل الشهادة، وطريق معرفة الشهود للمشهود عليه، وتعريفه، ومن يصح تعريفه.
وأما الباب الأول: فلبيان تقديم بينة الإثبات على بينة النفي عند التعارض.
وأما الباب الثاني: فلبيان ترجيح بينة النفي المستفيض قبل الحكم، وحكمها بعده.
وأما الخاتمة: فلبيان جملة المسائل التي تقبل فيها بينة النفي، وبيان دخول يوم القتل تحت الحكم دون يوم الموت، ولبيان العمل بالبينتين عند الإمكان.
المقدمة اعلم أن المشهود عليه إما أن يكون (حاضرًا أو غائبًا)، وإما أن يكون معروفًا أو لا، وإما أن يكون رجلاً أو امرأة متنقبة أو لا، ولابد من الإحاطة بما يفيد الحكم في ذلك.
قال في جامع الفصولين "لا يجوز الاعتماد على أخبار المتعاقدان باسمهما ونسبهما؛ لعلهما تسميا وانتسبا باسم غيرهما ونسبه، يريدان تزويراً على الشهود، ليخرجا المبيع من يد مالكه ونحوه، فلو اعتمِد على قولهما نفذ ... تزويرهما، وبطل أملاك الناس.
وهذا فصل غفل عنه كثير من الناس، فإنهم يسمعون لفظ الشراء، والبيع، والإقرار، والتقابض من رجلين لا يعرفانهما، ثم إذا استشهد بعد موت صاحب المبيع أي: ونحوه شهدوا على ذلك الاسم والنسب، ولا علم لهم بذلك، فيجب أن يحترز عن مثل ذلك؛ حذرًا عن المجازفة، وعن ضياع أملاك الناس.
وطريق علم الشهود بالنسب أن يشهد عندهم جماعة لا يتصور تواطؤهم (على الكذب عند أبي حنيفة -رحمه الله-، وعندهما شهادة رجلين كاف) كما في سائر الحقوق، أقول: يحصل للقاضي العلم بالنسب بشهادة رجلين عدلين، فينبغي أن يحصل للشهود أيضًا بشهادة عدلين، كما هو قولهما وهذا من االنوادر.
قال: ولو لحقه الحرج في إحضار جماعة شرطها أبو حنيفة - رحمه الله- ينبغي أن يشهد عدلان على شهادتهما عدولا آخرين على النسب، حتى لو احتاجوا إلى أداء الشهادة شهدوا على شهادتهما على النسب، وعلى ما في الكتاب بما أشهدوا عليه.
أقول فيه نظر؛ لأن كثرة الفرع لا يعتبر مع كون الأصل عدلين؛ لأن حضور الفرع وإن كثر كحضور الأصل، وكان العدلين شهدا فقط، فلا يوجب شرط علم الشهود بالنسب عند أبي حنيفة حينئذ، انتهى عبارة جامع الفصولين.
والجواب: عن نظره الأخير، بأنه ليس المراد ظاهر العبارة من إشهاد غيرهما على شهادتهما، بل المراد الإخبار للغير بالنسب، فيحصل له العلم، و به تحل الشهادة على النسب، ويقول: أشهد أن فلانًا بن فلان، ولا يقول أشهدني فلان على شهادته، انتهى.
وقال في جامع الفصولين: "لو أخبر الشاهد عدلان أن هذه المقرة فلانة بنت فلان تكفي هذه الشهادة على الاسم والنسب عندهما، وعليه الفتوى، ألا ترى أنهما لو شهدا عند القاضي يقضي بشهادتهما، والقضاء فوق الشهادة، فتجوز الشهادة بإخبارهما بالطريق الأولى. فإن عرفها باسمها ونسبها عدلان ينبغي للعدلين أن يشهدا الفرع على شهادتهما، كما هو طريق الإشهاد على الشهادة، حتى يشهد عند القاضي على شهادتهما بالاسم والنسب، ويشهد بأصل الحق أصالة، فيجوز ذلك وفاقًا".
"ولو أخبرت امرأة أنها فلانة بنت فلان لا يحل للشاهد الشهادة باسمها ونسبها؛ لأن تعريف المرأة الواحدة والرجل الواحد لا يكفي ولو عرفها رجلان،
وقالا: نشهد أنها فلانة بنت فلان ابن فلان حل له الشهادة وفاقًا؛ لأن في لفظ الشهادة من التأكيد ما ليس في لفظ الخبر؛ (لأنه يمين بالله معنى) ولو كان بلفظ الخبر.
إنما يجوز عند أبي حنيفة- رحمه الله- لو أخبر جماعة لا يتصور تواطؤهم على الكذب وعندهما لو أخبره عدلان أنها فلانة بنت فلان تحل له الشهادة على النسب، ويصح تعريف من لا يصلح شاهدًا لها، سوا كانت الشهادة لها أو عليها. وقيل: لا يصح فيما لها.
واختار النسفي الأول؛ لأن هذا خبر لا شهادة، بخلاف تعديلها لأن التعديل شهادة"، انتهى.
الباب الأول في تقديم بينة الإثبات على بينة النفيشهدا على رجل أنه استقرض من فلان يوم كذا، أو صنع شيئًا في مكان كذا، (فأقام المشهود عليه شاهدين أنه لم يكن في ذلك اليوم في المكان الذي ذكره الأول وكان في مكان كذا، لا تقبل هذه الشهادة؛ لأنها قامت على النفي.
لأن قولهما ما كان في موضع كذا نفى صورة ومعنى، وقولهما وكان في مكان كذا إن كان إثباتًا صورة فهو نفي معنى؛ لأن المقصود نفي ما دامت عليه الشهادة. ذكره قبيل باب الشهادات في النسب وغيره من كتاب الشهادات، انتهى.
كذا في الفتاوى الصغرى، ونقله العمادي في فصوله عنها من غير زيادة ولا نقص، وكذا حكاه في جامع الفصولين.
وفي الظهيرية، البينة على النفي غير مقبولة، وهو نظير ما لو ادعى على رجل أنه أقرضه ألف درهم في يوم كذا في مكان كذا، وأقام المدعى عليه البينة أنه في ذلك اليوم كان في مكان كذا سمّى مكانًا آخر، لا تقبل بينته؛ لأنها في الحقيقة قامت على النفي، انتهى.
وفي التترخانية من الفصل السابع عشر في الشهادة ذكر ابن سماعة عن أبي يوسف في شاهدين شهدا على رجل بقول أو فعل يلزمه ذلك بإجارة أو كتابة أو بيع أو قصاص أو مال أو طلاق أو إعتاق في موضع وصفاه، أو في يوم سمياه، فأقام المشهود عليه بينة إنه لم يكن في ذلك الموضع، ولا في ذلك اليوم في الموضع الذي وصفاه، لم تقبل منه البينة على ذلك، وكذلك كل بينة قامت على أن فلانًا لم يقتل لم يفعل، فهذا كله من التهاتر؛ لأنها قامت على النفي، انتهى.
وكذا ذكر مثل ما في التترخانية صاحب القنية بقوله بعد رقمه بعلامة ظ: كل بينة لا يكون حجة شرعًا فهي من التهاتر، منها ما ذكر ابن سماعة عن أبي يوسف -رحمه الله- شاهدان شهدا على رجل بقول أو فعل الخ.
وقال في القنية قبل هذا بعد أن رقم للخجندي ما نصه: ادعى عليه كذا دينارا، و أقام بينة أنه أقر عندهم في شهور سنة سبع وثمانين وأربعمائة، فقال المدعى عليه: لم أكن [بخوارزم] وقتئذ، وكنت غائبًا، ولم يعلم القاضي غيبته وقتئذ لا تسمع، انتهى.
ثم رقم للعلاء التاجري بمثل ذلك، ثم رقم للعتابي أنه دفع عند بعض العلماء فللقاضي أن يسمع، انتهى.
وقال في يتيمة الدهر: سئل الخجندي عمن ادعى على آخر مائة وأربعين دينار، فجحد فأقام المدعي بينة شهدت له على المدعى عليه أنه أقر عندهم في شهور سنة سبع وثمانين وأربعمائة، وعدلت البينة فتوجه الحكم على المدعى عليه، ثم أخذ يدعي دفعًا أنه لم يكن بخوارزم وقتئذ، وكان غائبا، وليس في علم القاضي كونه غائبا وقتئذ، هل يسمع منه هذا الدفع؟ فقال: لا.
وسئل عنها (علي ابن أحمد) فأجاب به كذلك.
وسئل عنها والدي فقال: عند بعض العلماء يكون هذا دفعا، فللقاضي أن يسمع ذلك. قيل لعلي بن أحمد: ادعى هذا المشهود عليه بعد ذلك أنه أوصل هذا القدر إلى المقر له، هل يكون هذا مناقضًا في هذه الدعوى؟ فقال: لا، إذا وفق بأن قال لم يكن علي ولكن أوصلتها إليه لدعواه، انتهى.
وفي فتاوى قارئ الهداية ما نصه: سئل عن شخص ادعى على آخر بمبلغ، فأنكر، فأحضر شهودًا عليه، شهدوا أنه أقر بالمبلغ بالقاهرة، فادعى المنكر أنه في تاريخ الإقرار الذي شهد به الشهود، كان مقيمًا يوم الإقرار بدمياط فأي البينتين تقبل؟ أجاب: يعمل بشهادة الإقرار لا شهادة أنه كان مقيمًا يوم الإقرار بدمياط، انتهى.
فهذا علمت به حكم ما إذا تساوى البينتان وتعارضتا، أما إذا كان بخلافه، بأن كان النفي أمرًا مكشوفًا، يشهده كل صغير وكبير فلما توجه الحكم على المدعى عليه دفعه بإقامة الجمع المستفيض، فإنه يقبل الدفع، كما سنذكره إن شاء الله تعالى في الباب الذي يلي هذا وهو: الباب الثاني لبيان ترجيح النفي المستفيض.
قال في التترخانية بعد ما قدمناه عنها: رجل أقام البينة على آخر، أنه قتل أباه عمدًا، في ربيع الأول، فأقام المدعى عليه البينة أنهم رأوا أباه حيًا بعد ذلك الوقت، وأنه كان حيًا، وأقرضه ألف درهم بعد ذلك الوقت، وأنها دين عليه، أو أقام (رجل على آخر البينة أنه أقرض فلانًا أباه أمس ألف درهم)، وأقام الآخر البينة أن أباه مات قبل ذلك، أو شهدا أن فلانًا طلق امرأته يوم النحر بالكوفة، وأقام فلان البينة أنه كان في ذلك اليوم حاجًا بمنى.
فالبينة في جميع ذلك بينة المدعي، ولا يلتفت إلى بينة المدعى عليه، إلا أن تأتي العامة ويشهدون بذلك ويكون أمرًا مكشوفًا، فيؤخذ بشهادتهم.
ثم (قال): لو أقام المدعى عليه بينة على أن شهود المدعي محدودون في قذف حدهم قاضي بلدة كذا فلان في سنة سبع وخمسين وأربعمائة، وأقام المشهود عليه بينة أن ذلك القاضي مات سنة ست وخمسين وأربعمائة،
أو أقام البينة أنه أي القاضي كان غائبا في أرض كذا سنة سبع وخمسين وأربعمائة، فإن القاضي يقضي بكونه محدودًا في القذف ولا يلتفت إلى بينته قال: إلا أن يكون سببًا مشهورا في ذلك، فحينئذ لا يقضى بكونه محدودًا في القذف.
ومعنى هذا الكلام أن يكون موت القاضي قبل ذلك الوقت الذي شهد به الشهود بإقامة الحد فيه مستفيضًا ظاهرًا فيما بين الناس، علم به كل صغير وكبير، وكل جاهل وعالم.
وكان كون القاضي في أرض كذا في الوقت الذي شهد الشهود بإقامة الحد فيه مستفيضًا، يعرفه كل صغير وكبير، وعالم وجاهل، فحينئذ لا يقضي القاضي بكون الشاهد محدودًا في القذف، ويقضي على المشهود عليه بالمال، وليس طريقه أن القاضي يقبل بينته على موت القاضي وعلى غيبته.
هذا وقد أفتى بهذا الشيخ الإمام زين بن نجيم -رحمه الله- ونصه فيما جمع من فتواه: سئل في شخص أقام بينة شهدت بأن فلانًا ضرب فلانًا في يوم الأحد مثلاً في كذا، وشهدت بينة بأن الضارب كان في ذلك اليوم في محل آخر في ذلك اليوم، فهل تسمع البينة الشاهدة بأنه كان في محل كذا لا في محل الضرب وتعارض البينتان أم لا تسمع؟
أجاب: البينة الشاهدة بأنه لم يكن في محل الضرب غير مقبولة؛ لأنها بينة نفي، إلا إذا تواتر عند الناس، وعلم عموم كونه في ذلك المكان والزمان، لا تسمع الدعوى عليه، ويقضي بفراغ الذمة؛ لأنه يلزم تكذيب الثابت بالضرورة، والضروريات ما لا يلزمه الشك، كذا في الفتاوى البزازية معزيًا إلى المحيط، انتهى.
قلت: ونص البزازية هذا شهدا أنه استقرض من فلان كذا في يوم كذا في بلد كذا، فبرهن على أنه لم يكن (في ذلك) اليوم (في ذلك المكان) بل في مكان آخر، لا تقبل؛ لأن قوله لم يكن فيه، نفي صورة ومعنى، وقوله بل كان في كذا، نفي معنى.
وأصله ما ذكر في النوادر عن الثاني: شهدا عليه بقول أو فعل يلزم عليه بذلك إجارة، أو بيع، أو كتابة، أو طلاق، أو إعتاق، أو قتل، أو قصاص في مكان وزمان وصفاه، فبرهن المشهود عليه أنه لم يكن ثمة يومئذ، لا يقبل.
لكنه قال في المحيط: (إن تواتر عند الناس، وعلم الكل عدم كونه في ذلك المكان والزمان، لا تسمع الدعوى عليه، ويقضى بفراغ الذمة؛ لأنه يلزم تكذيب الثابت بالضرورة، والضروريات مما لا يدخله الشك عندنا، وكذا كل بينة قامت على أن فلانًا لم يقل ولم يفعل ولم يقر)، انتهى.
قلت: ونص المحيط هذا لو أقام رجل البينة (على رجل أنه قتل أباه منذ سنة، وأقام الذي قامت عليه البينة) أن الذي شهدوا بقتله صلى بالناس العام الموسم، أو صلى الجمعة.
قال أبو حنيفة -رحمه الله-: إذا كان شيئًا مشهورًا فالأحدث أولى، ولا تختلف الرواية عنه في هذا، انتهى. قلت: وهذا يشير إلى عدم مخالفته لقولهم لا يرجح بزيادة عدم الشهود ولا بزيادة العدالة. انتهى؛ لما أنه ترقى إلى مرتبة عليا وعدم الترجيح بالمعارضة عند المساواة ا هـ.
وأما إذا حكم عليه ثم أقام الجمع المستفيض بعده هل تقبل منه؟ لم أره صريحًا.
وقد يستفاد القبول مما قاله في الأشباه والنظائر: "المقضي عليه في حادثة لا تسمع دعواه ولا بينته، إلا إذا ادعى تلقى الملك من المدعي، أو النتاج، أو برهن على إبطال القضاء، كما ذكره العمادي , (والدفع بعد القضاء بواحد مما ذكر صحيح) وينتقض القضاء ,
فكما يسمع الدفع قبله يسمع بعده، لكن بهذه الثلاث".
ثم قال في الأشباه: "و كما يصح الدفع قبل إقامة البينة يصح بعدها، وكما يصح قبل الحكم يصح بعده، إلا في المسألة المخمسة كما في الشرح، وكما يصح عند الحاكم الأول يصح عند غيره. وكما يصح قبل الاستمهال يصح بعده، وهو المختار إلا في ثلاث:
الأولى: إذا قال لي دفع ولم يبين وجهه لا يلتفت إليه. الثانية: لو بينه لكن قال بينتي به غائبة عن البلد لم تقبل. الثالثة: لو بين دفعًا فاسدًا" انتهى.
الخاتمة لبيان جملة المسائل التي تقبل [فيها] بينة النفي.
قال في الأشباه والنظائر: "بينة النفي غير مقبولة إلا في عشر: فيما إذا علق طلاقها على عدم شيء، فشهدا بالعدم، وفيما إذا شهدا أنه أسلم (ولم يستثنى).
وفيما إذا شهدوا أنه قال المسيح ابن الله ولم يقل قول النصارى" قلت: وهذه الثلاث في الفتاوى الصغرى رجل حلف إن لم تجيء صهرتي هذه الليلة، ولم أكلمها في كذا، فامرأتي طالق ثلاثًا، فشهدا أنه حلف بكذا ولم تجيء صهرته في تلك الليلة، ولم يكلمها في ذلك الوقت، وقد طلقت امرأته بحكم هذه اليمين، تقبل هذه الشهادة؛ لأن ما فيها صورة النفي.
وفي الحقيقة قامت لإثبات الطلقات الثلاث، والعبرة للمقاصد دون الصور. كما لو شهد اثنان أنه أسلم واستثنى في إسلامه، (وشهد آخران أنه أسلم ولم يستثني) في إسلامه تقبل الشهادة على إثبات الإسلام، وإن كان فيها نفي؛ لأن مقصودهما إثبات الإسلام كذا هذا.
وقال فيها قبل هذا: إذا شهدا على رجل أنا سمعناه يقول المسيح ابن الله، ولم يقل قول النصارى، فبانت منه امرأته، والرجل يقول: وصلت بقولي قول النصارى تقبل الشهادة، وتقع الفرقة، انتهى.
وهذا يشير إلى أنها قامت على إثبات الفرقة، وإن كان فيها نفي والعبرة للمقاصد، انتهى.
ثم قال في الفتاوى الصغرى: ولو قالا: سمعناه يقول: المسيح ابن الله، ولم تسمع منه غير ذلك، لم تقبل هذه الشهادة، انتهى، (ففرق بين قولهم لم نسمع وبين قولهم لم يقل).
الرابعة: "فيما إذا شهدا على نتاج دابة ولم تزل على ملكه" قلت: وصورها في جامع الفصولين بقوله: "الشهادة لو قامت على الإثبات وفيها نفي بأن يقول هذا غلامه نتج عنده، أو هذه دابته نتجت عنده، ولم تزل ملكًا له هل تقبل"؟ اختلف فيه المشايخ، والأصح أنها تقبل، انتهى.
الخامسة: "فيما إذا شهدا بخلع أو طلاق ولم يستثن" قلت: صورها في الفتاوى الصغرى بقوله: "فإن شهد الشهود بخلع، أو طلاق بغير استثناء بأن قالوا نشهد أنه خلع بغير استثناء، أو قالوا طلق (بغير استثناء، أو قالوا طلق) ولم يستثن، لا يقبل قول الزوج.
وإن قالوا لم نسمع منه غير كلمة الخلع والطلاق كان القول قول الزوج، ولا يفرق القاضي بينهما، إلا أن يظهر منه ما يكون دليلاً على صحة الخلع من قبض البدل، أو سبب آخر، فحينئذ يكون القول لها، انتهى،
وكذا ذكره العمادي في فصوله.
السادسة: "فيما إذا أمن الإمام أهل مدينة، فشهدا أن هؤلاء لم يكونوا فيها وقت الأمان"، انتهى، قلت: وهي في الفتاوى الصغرى عن واقعات الناطفي محيلاً إلى السير الكبير للحسن ابن زياد، انتهى، وكذا في فصول العمادي.
قلت: إلا أن هذه مشكلة؛ لأن النفي فيها مقصود، (والشهادة عليه مقصودًا تقدم أنها لا تصح، وقد يجاب بأن) الشهادة صدرت لقوم ادعوا أنهم كانوا فيها فقط دون أولئك، وشهدا الشهود بذلك، فتقبل، وإن كان فيها النفي لقيامها في الحقيقة على وجود أولئك بالمدينة، وإن كان فيها نفي.
السابعة: "فيما إذا شهدا أن الأجل لم يذكر في عقد السلم"، قلت: وصورها في جامع الفصولين بقوله:" ولو برهن المسلم إليه أن السلم فاسد؛ لأنه لم يذكر الأجل، تقبل؛ لأنها قامت على الشرط ولو كان نفيا".
الثامنة: "في الإرث، إذا قالوا لا وارث له غيره ".قلت: في جعله مسألة مستقلة تأمل؛ لأنه قال في التترخانية: إذا شهدوا بوارثه، وبينوا سببه، وقالوا لا نعلم له وارثًا آخر، فهذه شهادة مقبولة، ويدفع القاضي المال إليه للحال، من غير تلوم. وقولهم لا نعلم له وارثًا آخر سوى هذا، ليس من صلب الشهادة، بل هو لإسقاط مؤنة التلوم عن القاضي؛ لأن بدون ذكر هذه الزيادة القاضي يتلوم، وبعد ذكره هذه الزيادة لا يتلوم، انتهى.
وقال في فصول العمادي: وهذه شهادة على إثبات شرط الوراثة؛ لأن الشرط نفي، وإثبات الشرط بالبينة يجوز نفيًا كان أو إثباتًا، كما لو قال لعبده إن لم أدخل الدار اليوم فأنت حر، فأقام العبد بينة أنه لم يدخل الدار، انتهى.
ثم قال في التترخانية: والتلوم أن لا يدفع القاضي المال للحال، بل يتلوم زمانًا، لجواز أن يظهر وارث آخر للميت مزاحم للمشهود له، أو مقدم عليه، انتهى.
ولم يقدر الزمان بمدة وقدره في الحاوي القدسي حيث قال: شهدوا بأنه ابنه، ولم يشهد أن لا يعلمان له وارثًا غيره، حكم القاضي بشهادتهما، وتأنى في دفع الميراث إليه حولاً، فإن ثبت وارث سواه وإلا سلم الميراث إليه، وأخذ منه كفيلاً، انتهى. وهذا ضعيف لما قاله العمادي.
فإن كان المستحق للميراث من لا يحجب بأحد إذا شهدوا أنه وارثه، ولم يقولوا لا وارث له غيره، أو لا نعلم له وارثًا غيره، يتلوم القاضي زمانًا رجاء أن يحضر وارث آخر، فإن لم يحضر يقضى له بجميع الميراث، ولا يستوثق منه بكفيل عند أبي حنيفة في المسألتين، يعني (فيما إذا قالوا لا وارث له غيره)، وفيما إذا قالوا لا نعلم له وارثًا غيره، وهو الأصح من مذهبه، وعندهما يأخذ كفيلاً في المسألتين.
ومدة التلوم مفوض إلى رأي القاضي، وقيل: حول، وقيل: شهر، وهذا عند أبي يوسف. انتهى عبارة الفصول.
ثم قال في الفصول نقلاً عن المحيط: "وإذا شهد شاهدان أن فلانًا مات وترك هذه الدار ميراثًا لابنه، وهو هذا لا يعلم له وارثًا آخر، إلا أنهما لم يدركا فلانًا الميت، لا تقبل شهادتهما؛ لأنهما يشهدان بالملك للميت بالشهرة والتسامع فلا يجوز " انتهى.
وكتب على هامش الفصول قاضي القضاة نور الدين الطرابلسي -رحمه الله- عن أستاذه العلامة عبد البر بن الشحنة ما نصه: أقول قال الصدر الشهيد في شرحه أدب القاضي: وإن عاين الملك دون المالك بأن عاين ملكًا بحدوده ينسب إلى فلان ابن فلان الفلاني، وهو لم يعاينه بوجه، ولا يعرفه بنسبه، القياس فيه أن لا يحل، والاستحسان يحل؛ لأن النسب مما يثبت بالتسامع والشهرة، فيصير المالك معروفًا بالتسامع والملك معروف، فترتفع الجهالة.
لكن إنما تقبل الشهادة على الملك في الموضع الذي تقبل إذا لم يفسر الشاهد، أما إذا فسر فلا، قال: وإذا شهد من أدرك الملك ولم يعاين المالك، والمالك امرأة لا يراها الرجال ولا تخرج، فإن كان ذلك مشهورًا عند العوام والناس فالشهادة على ذلك جائزة، يريد به إذا عاين الملك (ووقع في قلبه أن الأمر كما اشتهر، وهذه صورة من عاين الملك) ولم يعاين المالك الذي أشرنا إليه هذا حاصله وملخصه، انتهى.
التاسعة: "فيما (إذا) شهدا أنها أي الظئر أرضعت بلبن شاة لا بلبن نفسها، كما في جامع الفصولين".
قلت: المسألة مبسوطة في فصول العمادي، قال: ذكر في أواخر الفصل العاشر من إجارات المحيط إذا شرط على الظئر الإرضاع بلبنها فأرضعته بلبن شاة فلا أجر لها، فإن جحدت ذلك، وقالت: ما أرضعته بلبن البهائم، (وإنما أرضعته بلبني)، فالقول قولها مع يمينها استحسانًا، وإن قامت لأهل الصبي بينة على ما ادعوا فلا أجر لها.
قال شمس الأئمة: تأويل المسألة أنهم شهدوا أنها أرضعته بلبن الشاة وما أرضعته بلبن نفسها، لا تقبل شهادتهم؛ لأنها قامت على النفي مقصودًا بخلاف الفصل الأول؛ لأن هناك النفي دخل في ضمن الإثبات، وإن أقام البينة أخذت بينة المرأة والله أعلم، انتهى.
العاشرة: "بينة النفي المتواتر"، وقد علمت ما ذكرناه فيها، قلت: ويزاد مسألة حادية عشر ذكرها في الدرر.
و توجيهها في البحر، كما نقلته عنه في حاشيتي على الدرر والغرر، وهي قبول بينة الزوج على سكوت البكر البالغة؛ لأنه نفي يحيط به علم الشاهد، انتهى.
ثم ذكر صاحب الأشباه عقب العاشرة ما نصه: وفي إيمان الهداية لا فرق بين أن يحيط به أي بالنفي علم الشاهد ولا في عدم القبول تيسيرًا)،قلت: ولا يخفى أنه مخالف لما ذكر من القبول في الصور العشر.
ونص على المخالفة صاحب الدرر عند قوله:" قال لعبده إن لم أحج العام فأنت حر، فشهدا بنحره بكونه لم يعتق العبد عندهما".
وقال محمد: يعتق لأنها شهادة على أمر معلوم وهو التضحية، ومن ضرورته انتفاء الحج، فيتحقق الشرط.
ولهما أنها قامت على النفي؛ لأن المقصود منها نفي الحج لا إثبات التضحية، إذ لا مطالب لها، فصار كما لو شهد أنه لم يحج العام غايته أن هذا النفي مما يحيط به علم الشاهد، ولكنه لا تمييز بين نفي ونفي تيسيرًا، كذا في الهداية
والكافي وغيرهما من كتب الفروع.
لكنه مخالف لما تقرر في كتب الأصول أن النفي إذا كان محصورًا أحاط به علم الشاهد كان من قبيل الإثبات، انتهى عبارة الدرر، قلت يمكن دفع المخالفة بحمل قول الأصوليين على ما يدخل تحت القضاء، ومقابلة على ما لا يدخل تحته.
والقبول ليس باعتبار قيام الشهادة على النفي؛ لأنه لا فرق بين محصور وغيره , (كما ذكره في الهداية، بل باعتبار قيام الشهادة على) أمر وجودي يدخل
تحت القضاء، كالسكوت في نحو شهادتهما أنه قال: المسيح ابن الله ولم يقل قول النصارى
والرجل يقول: وصلت به بذلك، قبلت الشهادة، وبانت امرأته، باعتبار قيام الشهادة على السكوت الذي هو أمر وجودي، وصار كشهود الإرث إذا قالوا أنه وارثه لا نعلم له وارثًا غيره؛ لأنها شهادة على الإرث، والنفي في ضمنه، والإرث فيما يدخل تحت القضاء.
فأما النحر وإن كان وجوديًا وينفي الحج في ضمنه، لكنه لا يدخل تحت القضاء لعدم تعلق العتق به، فكانت الشهادة كعدمها في حقه، فبقي النفي مقصود بالشهادة، وهي على النفي مقصودًا باطلة، انتهى.
يعلم هذا من الفتح والتبيين. قلت: ويستفاد من هذا أن العبد لو ادعى أن سيده علق عتقه بعدم حجه، وأنه قد عتق لعدم الحج، فشهدا بذلك، تقبل هذه الشهادة؛ لأن ما فيها صورة النفي، وفي الحقيقة قامت لإثبات العتق، كما تقبل لإثبات الطلاق بعدم مجيء فلان هذه الليلة، وكما تقدم من قبولها على عدم الدخول فيما إذا علق عتقه به، انتهى.
لكن قال يعقوب باشا -رحمه الله- ولا يخفى أن من قال لا تمييز بين نفي ونفي تيسيرًا لا يقول باستماع الشهادة على النفي في الشروط، كما لا يقول باستماع الشهادة فيما يحيط به علم الشاهد، فتأمل.
وأما دخول يوم القتل تحت القضاء، بخلاف يوم الموت، فقال في الظهيرية لو ادعى شيئًا لأبيه، وأقام البينة أنه كان لأبيه مات يوم كذا من شهر كذا من سنة كذا.
ثم إن امرأة أقامت البينة بعد ما أثبت الابن موته بيوم على النكاح، فإن القاضي يقضي لكل واحد منهما، بالنكاح للمرأة، وللابن بالميراث، وكذلك لو أقامت امرأة أخرى بينة أنه كان ينكحها بعد نكاح الأولى بيوم، يقضي بنكاحها أيضًا مع نكاح الاُولى، ويقضي لهما بالميراث مع الابن، ولا يشبه هذا ما لو ادعى الابن أن فلانًا قتل أباه في يوم كذا، وادعت أنه تزوجها بعده بيوم، فإنه لا يقضي بالنكاح.
والفرق بينهما أن يقال أن يوم القتل يدخل تحت القضاء , (ويوم الموت لا يدخل تحت القضاء)؛ لأن المقتول يستحق حقًا على القاتل إما الدية وإما القصاص، فإذا قضينا بقتله وجبت الدية أو القصاص، في ذلك الوقت لا تقبل بينة النكاح بعده، بخلاف الموت، فإن الميت بالموت لا يستوجب شيئًا على أحد.
غير أن مسألة أخرى ترد إشكالاً على هذا، وهي أن الرجل إذا ادعى على رجل أنه قتل أباه بالسيف منذ عشرين سنة، وأنه وارثه (ولا وارث) له سواه، وأقام البينة على ذلك، فجاءت امرأة معها ولد، وأقامت البينة أن والد هذا تزوجها منذ خمس عشر سنة، وأن هذا ولده منها، ووارثه مع ابنه هذا، قال أبو حنيفة -رحمه الله-: استحسن في هذا أن أجيز بينة المرأة، وأثبت نسب الولد، ولا أبطل بينة الابن على القتل، فكان هذا الاستحسان للاحتياط في أمر النسب، بدليل أنها لو أقامت البينة على النكاح، ولم تأت بالولد فالبينة بينة الابن، وله الميراث دون المرأة، وهذا قول أبي يوسف ومحمد.
ويناسبه ما في الظهيرية أيضًا: ادعى ضيعة في يد رجل، أنها كانت لفلان مات وتركها ميراثًا لفلانة، ولا وارث له غيرها، ثم إن فلانة ماتت، وتركتها ميراثًا لي، لا وارث لها غيري، وقضى القاضي له بالضيعة، وقال المقضي عليه بالضيعة بطريق الدفع لدعوى المدعي أن فلانة التي تدعي أنت الوارث عنها لنفسك ماتت قبل فلان الذي تدعى الإرث عنه لفلانة، فقد اختلفوا، بعضهم قالوا: أنه صحيح، وبعضهم قالوا: أنه غير صحيح، بناء على ما قدمنا أن يوم الموت لا يدخل تحت القضاء.
وأما بيان العمل بالبينتين عند الإمكان فهو كما قال في التترخانية: أقامت المرأة البينة أن زوجها طلقها يوم النحر بالكوفة، وشهد شاهدان أنه طلق فلانة غيرها في هذا اليوم بمكة، فشهادتهما باطلة، ولو حكم الحاكم بإحدى البينتين، ثم جاءت الأخرى، لا تقبل البينة الثانية، ولو شهدا بذلك في يوم متفرقين، وبينهما من الأيام مقدار ما يسير الراكب من الكوفة إلى مكة جازت شهادتهما.
انتهى تأليفه في أوائل جمادى الثاني سنة خمسين وألف وحسبنا الله ونعم الوكيل وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى [جميع الأنبياء والمرسلين] وآله وصحبه والتابعين وسلم تسليماً كثيراً دائماً إلى يوم الدين، آمين.