إنفاذُ الأوامرُ الإِلهيةِ بنُصرةِ العَساكر العُثمانية وإنقاذُ سُكّان الجزيرةِ العربية
للإمام حسن بن عمار الشُّرُنبُلالِي
توفي سنة (1069 هـ)
تحقيق
محمد محمود محمد العيسوي
إشراف: أ. د. صلاح محمد سالم أبو الحاج
جارٍ تحميل الكتاب…
إنفاذُ الأوامرُ الإِلهيةِ بنُصرةِ العَساكر العُثمانية وإنقاذُ سُكّان الجزيرةِ العربية
للإمام حسن بن عمار الشُّرُنبُلالِي
توفي سنة (1069 هـ)
تحقيق
محمد محمود محمد العيسوي
إشراف: أ. د. صلاح محمد سالم أبو الحاج
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ للهِ الذي جَعل السُّلطانَ ظِلّهُ في الأرض يأوي إليه كلَّ مَظلوم، ورفعَ له بِعدله وتواضُعِه في كلِّ يومٍ وليلةٍ عمل سِتينَ صِدِّيقاً، كُلهمْ عابدٌ مجتهدٌ بالخيرِ موسومْ، ونظمهُ في سلك الذين يُظلهم الله بظلِّ عرشه، وقد ألجم الناس العَرَق، وعَنَتِ الوُجوهُ لِلحَيِّ القَيّوم،
والصلاةُ والسَّلامُ على سيِّدنا محمّد - صلى الله عليه وسلم - القائلُ- بما أوحى إليه الله -: «السُّلطانُ ظِلُّ اللهِ في الأرضْ، منْ أكرمهُ أكرمهُ الله، ومنْ أهانَهُ أهانهُ الله، ومنْ غشّهُ في نَفسِهِ وفي عِبادِ الله خَذَلهُ الله»،
صلّى الله وسلم على هذا النَّبِيِّ العَظيمِ الرَّؤوفِ الرَّحيم، وعلى آلهِ وأصحابِهِ الّذينَ بَذلوا أنفُسَهُمْ وأموالِهم لإِعزازِ دينِ الله.
وبعدُ فيقولُ -الفقيرُ إلى لُطف الله الخَفي- أبو الإخلاص حسنُ الوفاي الشُرُنْبُلاليُّ الحَنَفِيُّ: لمّا وردَ الخبرُ في العشْرِِِ الأخيرِِ مِنْ رمضانَ، سَنةَ إحدى وأربعين وألف، عنْ مكّة المشرّفةُ حماها الله وطَهّرها من الباغينَ، والخارجينَ عن طاعةِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، المخالفينَ لكتابِ الله بما فعلوهُ من سَفكِ دِماءِ المسلمين، وآل ِبيتِ رسولِِ الله - صلى الله عليه وسلم - والأشراف، ونَهْبِ الأمْوالِ، وهَتْكِ الحرَمِ بالحرمْ، وإخراجهمْ منْ منازلهم بِغايةِ البَغي والإشراف،
وبلغَ خبرُ ذلكَ لِمولانا كافلِ كِنانَةِ اللهِ في أرضهِ المأنوسة، مِصرُنا المباركةُ المحروسة، المقلَّدِ تدبيرَ الدولةِ المُراديةِ، والقوانين العُثمانيّة، والقِيامِ بنظام الشّريعةِ المُطهّرَةِ المُحَمّديّةِ، الوزيرُ المُفخَّمْ، والمشيرُ المعظَّم، منْ جعلَ اللهُ وَصفَ أبينا إِبراهيم الخليلُ علماً عليهِ، وتابعهُ فيما أخبرَ اللهُ بهِ عنهُ في كِتابهِ العظيم، بقوله تعالى {إنّ إبراهيم لأوَّاهٌ حليم} [هود: 75].
فبادرَ مولانا صاحبُ السَعادةِ بِصادقِ عَزيمتهِ، وإخلاصِِ عَملِه ونيّته؛ لِدفعِ هذا الكَربِِ العَظيم، ونيْلِِ هذا الفَخرِ الجَسيم عنْ أهلِ الحرَم الشريفِ المُحترم، وجِيرانِ حَرمِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، وما قصّر فيما عزم، فساعدتهُ العِنايةُ الرَّبَّانيَّة، ونشرَ اللهُ عليهِ لواء الهمّةِ العليّة المُحَمديّة،
وانتدب لكشفِ هذا الخطبِِ العظيم، جُلَّ العَساكِرِ الإِِسْلاميّةِ والفُرسانِ المُنتخبةِ لِحميةِ السّيفِ والسِّنان، مِنْ أميرٍ كَبير و «بَيْك» فقالَ كلٌّ مِنهمْ - حين دُعي لذلك -: لَبيكَ لَبيكَ وسَعديْك،
فَتلى عليهمُ التّالي وقالَ: نَشَرْتُ عليكُمْ للنَّصرِِِ أعلامَكُم وإنّ اللهَ قدْ ألقى الرعبَ نُصرةً لكمْ في قلوبِ أعدائِكم، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ} [محمد: 7]
والذي نَرتجيهِ مِنْ كَرمِ الله ومِنَّتِه، وسَوابق إِعزازهِ لِدينهِ ونُصرته، أنْ يَمُنَّ على مَوْلانا السُّلطان الأعظمْ مُراد بِنصْرِهِ ونَصرِِ عَساكره الفِخام، ويمكِّنَهم منْ أعدائهم بِقطع دابرةِ الفسادِ من الحرَم المحترم، وذلك المقام؛ لِتكون مِنّةً ثانيةً عَليهِ مُضافةً لِنعمةٍ سابقةٍ لَديه، بِعمارةِ البيتِ الحَرام، إذ لم يَنلها أحدٌ ممن تقدم من سلاطينِ الإسلام،
ولمّا أنْ كان هذا الجهادُ من أهم الأمور؛ طُلِبَ النّقلُ من المَذْهبِ لِيتمسَّك به في متعلَّقهِ؛ لِتحْصيلِ الأُجور، فانتخبتُ بعضَ ما سَطّرتُه سابقاً بإِشارةِ سَيِّدنا العارفُ الرَّبّاني، والوليُّ العالمِ الحَبرِ الهُمام الصَمَدانيُّ، سُلالةِ ساداتنا الأقطابِ الحُنفا، سيدي جمالُ الوُجود ... «يوسُف» أبو الإسعاد ابنُ وفا، وهذهِ إشارةٌ منه حفظهُ الله لنُصرةِ هذهِ العُصبَةِ المُحمَّديّة، والعَسَاكِرِِ المنْصورَةِ العُثمانيّة، أدامَ اللهُ علينا بِمَنّهِ دَوْلَتها، وقَطَعَ دابرَ المُعانِدين لها وحَسدَتها.
فنقولُ - مُعتمدين في ذلك على المشهور من الكتب والنقول- وسمّيتُها:
[إنفاذُ الأوامِرِ الإِلهيّةُ بِنُصْرَةِ العَساكِرِ العُثمانِيَّةِ وإِنْقاذُ سُكَّانِ الجَزيرَةِ العَرَبِيَّة].
قالَ أَئِمَّتُنا السَّادةُ الحنفيَّةُ: أمّا جَوازُ الجهادِ وقَتلُِ منْ أنشأَ ما يُوجبهُ في الحرم الشَّريفِ المُحتَرَمِ، فذلكَ جائزٌ بِإجماعِ المسلمين على حِلِّ دُخولِ مَكَّةَ بعدَ النّبي - صلى الله عليه وسلم - لِلْقِتالِ، كما ذكره الزيلعي وغيرهُ،
لكن لا يكون دخول مكة المشرَّفة إلا بالإِحْرامِِ لِمَنْ قَصَدَ من الآفاقييِّن دخولها، فإن أراد تَسهيل الأمرِ والدّخولَ «[بِلا إحرام]»، فإنَّهُ يَقصِدُ- وهوَ خارجَ المواقيتِ - محلاً داخلَ المواقيتِ خارجاً عنْ حُدود الحَرم
كجدّةُ وبُستانِ بني عامر،
وما رُوي من دُخوله - صلى الله عليه وسلم - يومَ فتحِ مكّة وعَليهِ عمامةٌ سوداء «بلا» إحرام، فكان مختصاً بتلك الساعةِ بدليلِ قولهِ - صلى الله عليه وسلم - في ذلكَ اليوم: «مَكةُ حرامٌ لمْ تَحل لأحدٍ قَبلي ولا تَحلُّ لأحدٍ بعدي وإنما أُحِلتْ لي ساعةً من نهارٍ ثم عادتْ حراماً» يعني به الدخول بغير إحرام؛ لما حكيناه من الإجماع
وأمّا قوله تعالى {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ *فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ} [آل عمران: 96 - 97] فكانت الهاء التي في «دخله» عائدةٌ على البيت، وكان المرادُ بالبيتِ في هذا هو الحرم كلّهُ؛ لا اختلافَ بين أهل العِلْم في ذلك علمناه، وكان ذلك عندهم كقوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [التوبة:28]، فكان الخطابُ مَقصوداً به إلى المسجدِ الحرام، والمرادُ الحرمُ كلُّهُ؛ لا اختلاف بين أهل العلم في ذلك علمناه.
وكأن معنى الآية والله أعلم: مَنْ أصابَ حَدَّاً للهِ عزَّ وجلَّ، أو لِعباده، ثمّ دخلَ الحرمَ؛ أمِنَ من ذلكَ الحدّ، فلمْ يُقَمْ عليه مدّةَ إِقامَتِهِ بالحرَم، لَكنّهُ لا يُكلَّم، ولا يُجالَس، ولا يُبايَع، ولا يُطعم، ولمْ يُسْقَ، ولمْ يُؤوَ حتى يخرج من الحرم، فيقامَ عليه،
وأمّا إذا فعلَ في الحَرمِِِ ما يُوجبُ حدَّاً فإنّهُ يُقامُ عليه؛ لأنّه بإصابته «الذَّنب» في الحرَم يكون مُنتهكاً لحُرمته، ومُستحلِاً لها، بِخلاف منْ التجأ إليه خائفاً ممّا كان منه قبل دُخولِه، وهذا مَذهبُ ابن عبَّاس، وابن عمر، وابنِ الزُّبير رضي الله عنهم، غير أنّ ابنَ الزّبير يَرى بِإخراج الُملتجئ إلى الحرَم؛ ليُقامَ عليه ما فعلهُ خارجهُ، وهما لا يقولان بإزعاجِه ولا تهييجهِ، وكلٌّ منهما قال: «لوْ لقيتُ فيه قاتِلَ أبي ما هِجتُه حتى يَخرج منه»،
وهكذا كان أبو حَنيفةَ وأبو يُوسف وزُفر ومُحمد يقولون ذلك، غير أنّهم كانوا يجعلون ذلك أماناً في كل حدٍّ يأتي على النَّفس لا على الطَّرف، سواءً كان لله، أو لِعباده، مثلَ أنْ يَزنيَ وهو مُحصَنٌ، فيجبُ عليه الرَّجم، فيلجأ إلى الحرم فيَدْخُلهُ،
ومِثلُ الذي يَرتدُّ عن الإسلام، فيَجبُ عليهِ القَتلُ، فَيلجأُ إلى الحرم فيَدخلهُ، ومِثلُ أنْ يَقطَع الطّريقَ على المسلمين فيَجبُ عليه القتلُ فيلجأ إلى الحرمِ فيدخُلهُ، ومثل أن يَقتلَ رجلاً عمداً، فيجبُ عليه القِصاصُ في ذلك فيلجأ إلى الحرم فيدخله،
وما أشبهَ ذلك من الوجوهِ الّتي لله عزَّ وجلَّ، أو لِعبادهِ مّما يجبُ سَفكُ الدّماءِ بها، كما رواه محمد بنُ الحسَنِ، عنْ أبي يوسُف، عنْ أبي حنيفة، فذكر هذه المعاني التي ذكرناها كلّها، وإنْ كُنا قدْ زِدنا في ألفاظها ما كشفنا به وجوهها ممّا لم تَخرُج به عنْ معانيها، ولم يُحكَ في ذلك خِلافاً بينهم،
ورَوى الحسنُ بنُ زِياد، عَن أبي يُوسف أنَّهُ كان يقولُ: إنَّ الحرَم لا يُجير ظالماً، وإنّ منْ لجأ إلى الحرَمِِ أُقيمَ عليهِ حدُّهُ الذي كان وَجبَ عليه قبلَ أنْ يلجأ إلى الحرم، كما قال الشافعي رحمهم الله، فصار عن أبي يُوسف رِوايتان،
قال الإمام الطّحاويُّ رحمه الله: وقولُ أبي يُوسف الموافقُ لقولِ أبي حنيفة ومحمد وزفر أولى عندنا؛ لأنا لمْ نجدْ عنْ أحدٍ مِنْ أَصحابِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في تأويل هذه الآية غير التأويل الذي ذكرناه عن ابنِ عبَّاس، وابن عُمر، وابن الزُّبير رضي الله عنهم،
ثمَّ قال الإمامُ الطَّحاويُّ رحمهُ الله: وما قاله أبو حنيفةَ وأصحابُه منَ التَّفرِقةِ بين الحُدود التي على الأنفُس والتي لا تأتي عليها، فلا وجه لذلك عندنا، ومَنعُ إقامة ما يكونُ في الأطراف أيضاً باللَّجأ إلى الحرَم قِياساً على الصَّيد، فإنه يكونُ بدخوله آمناً على نفسه وعلى أعضائه فيكون في الآدميين كذلك،
قال الطَّحاوِيُّ: وهذا ابنُ عبّاس وابن عمر لم يفرقا فيه بين الأنفس والأعضاء، فذلك عِندنا أوْلى ممّا قاله أبو حنيفةَ وزُفر ومحمّد وأبو يوسف في روايته الثانية، لا سِيَّما «إذ» ... لم نعلم أحداً منْ أصحابِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خالفهما فيما قالا من ذلك، وقد رُوي عن أبي رباح كما ذهبنا إليه من عدم التفرقة، انتهى من أحكام القرآن للطّحاوي،
قلتُ: يرحمُ اللهُ الطّحاويَّ، فقد قال بما رُوي عن أبي حنيفة ممّا لم يُفرِّق فيه بين ما يَأتي على النفس أو الطّرفِ، ولَعلّهُ لو اطّلع على تِلك الرِّوايةِ المُوافقةِ لما ذَهب إليه الإمامُ، لرجَّحها بما ذكرناه عنه، وهيَ مذكورةٌ في فتاوى قاضيخان - رحمه الله- قال: وعن أبي حنيفة لا يُقطعُ السّارقُ في الحرم خلافاً لهما، والمراد بالسَّرِقة ما كان خارجَ الحرمِ، كما هو معلوم منْ سِياق الكلام في فتاوى قاضيخان، ومُصرَّحٌ به في غيره من أنّه لا خِلافَ في إِقامةِ ما كان موجبهُ في داخلِ الحرمِ على فاعله فيه،
ثمّ اعلم رحمكَ الله وحفظكَ، أنّ الخارجينَ عنْ طاعةِ الإمامِ أربعةُ أصناف:
- الصنفُ الأول: الخارجون بلا تأويل بِمَنعةٍ وبلا مَنعةٍ، يأخذونَ أموالَ المسلمينَ ويقتلونهم ويُخيفونَ الطريق، وهم قُطّاع الطريق، وسَنذكر أحكامهم إن شاء الله تعالى،
- الصنف الثاني: قومٌ كذلك إلا أنّهمْ لا منعةَ لهم، لكن لهم تأويلٌ، فحُكمهم حكمُ قُطّاع الطَّريق،
- الصنف الثالث: قومٌ لهم مَنعةٌ وحِمية، خرجوا عليه بتأويل، يرون أنه على باطل كفراً ومعصية، يُوجبُ قِتاله بِتأويلهم، وهؤلاء يُسمَّون بالخوارج يَستحلون دماء المسلمين وأموالهم، ويَسبون نِسائهم، ويُكفِّرون الصَّحابةَ، وحُكمُهم عند جُمهور الفقهاء وجُمهور أهلِ الحديث حُكمُ البُغاة،
- الصنف الرابع: قومٌ مسلمون خرجوا عن طاعتهِ، ولمْ يَستحِلّوا ما استباحه الخوارج من دماء المسلمين وسَبيِ ذَراريهم وهم البغاةُ،
إذا تقرّر هذا فاعلم -وفقك الله لطاعته- أنّ قُطّاع الطريق هم الذين لهم قوةٌ وشوكة، والواحدُ يَتحقَّق مِنهُ قَطعُ الطَّريق، إذا كان بتلك الصفة خارج المصر، ولو بدون مسيرةِ سَفرٍ، أو في المصر ليلاً، وعليهِ الفتوى لمصلحةِ النّاس وهي دفعُ شرِّ المُتَغَلِّبَةِ المُتَلَصِّصَة
وأحوالُ قُطَّاعُ الطَّريقِ تنتهي إلى أربعةِ أقسام:
- الحالة الأولى: لو مُسك بعدما قَصدَ قَطْعَ الطّريق، ولم يَقطعها، فيُعَزَّرُ وَيُحْبَسْ حتى يتوب،
- الثانية: أن يُمسك بعدما أخذ المال، ولم يَقْتُل أحداً، تُقْطَع يَدُهُ اليُمنى ورِجْلُهُ اليُسْرى مِنْ خِلافٍ؛ إذا كان المالُ نِصاباً لِمُسْلِمٍ أوْ ذِمّي، والنِّصابُ «قَدْرُهُ» عَشرةُ دَراهم مَضْروبة، وإن كان القُطّاعُ جَماعةً فلا بُدَّ وأن يُصيبَ كلّ واحدٍ نِصاباً حتى يَجري عليهِم القَطْع، ويُشترط لإقامة الحدّ أنْ لا يكون شُبهة «دارئة» للحدّ كما هو مقرَّر،
- الثالثة: أنْ يُؤخذ بعدما قَتلَ نَفْساً مَعصومةً، ولم يَأخُذ مالاً فَيُقتلُه الإِمامُ حدّاً لله تعالى، لا قِصاصاً حتى لا يصحَّ عَفوُ الوليِ عنه، والُمباشِرُ لِلقَتلِ بأيِّ آلةٍ كانت، وغيرُ المباشِر سواء،
- الرابعة: أنْ يُؤخَذ وقدْ قَتل، وأَخذَ المال، فَيُخيّرُ الإِمام بين ثلاثة أشياء:
? إمّا أنْ يَجمع بين قَطْعِ اليَدِ والرِّجلِ مِنْ خِلاف، والقَتْل والصَّلْب
? وإمّا أن يَقتصِرَ على القَتل
? وإمّا أنْ يَقتصر على الصَّلب
وكيْفِيّةُ الصَّلبِ أنْ تُغرزَ خَشبةٌ في الأرض، ثمّ تُربَط عليها أُخرى عَرضاً، فيَضُعُ عليْها قَدميْهِ، ثمّ يُربطُ مِنْ أَعلاها خَشبةٌ أُخرى ويُربَطُ عليها يَديهِ، ويَبقى ثَلاثة أيّام، ثمّ يُطعنُ بِالرمْحِِ في ثَدْيِهِ الأيْسر، وتُخَضْخَضُ بَطْنُهُ إِلى أنْ يَموتْ،
وإن خَرجَ وأخذَ المالَ؛ قُطِعَ مِنْ خِلافٍ
وبَطلَ الجُرح، وإنْ «جَرحَ» فقطْ، أوْ قَتلَ عَمداً بِمُحَدَّدٍ، وأَخَذَ المال، فتابَ قبل أنْ يُمْسَكْ، أو كان في القُطّاعِ غيرَ مُكَلّفٍ، أو ذو رَحمٍٍ مِن المارّة، أو قَطع بَعضُ القافِلةِ على بعضٍ؛ فلا حَدَّ، وللوليِ القِصاصُ في النّفْسِ والجِراحة أو العفوْ،
«وأمّا» البُغاةُ: فهم قومٌ مُسلمونَ، خَرجوا عنْ طَاعة الإِمامِ، وغَلَبوا على بَلد، فَيدعوهمْ إليه، ويُستحبُّ أن يَكشف شُبهتهم؛ بِأن يَسألهم عن سَبب خُروجِهم، فإنْ كانَ الظُلْمُ مِنْهُ؛ أَزالهُ، وإنْ قالوا: الحقُّ معنا والولايةُ لنا؛ فهمُ البُغاة، وإذا اجتمعوا مُتحيّزينَ؛ حَلَّ قِتالهُم ابتداءاً على المذهب، ولوْ أمكنَ دفعَ شرِّهِمْ بِالحَبْسِِ قبْلَ القِتال؛ حبَسهُمْ ولا يُقاتِلهم؛ فإنَّ القِتالَ واجبٌ بِقَدْرِ دَفعِ شرِّهم، وإذا قاتلهُم وكانَ لهُمْ فِئةً؛ أجهزَ على جَريحهم واتبعَ مُوَلِّيهِم، وإلّا فلا،
ويجوزر قِتالُ البُغاةِ بكلِّ ما يُقاتلُ بِه أهلُ الحرْب؛ كالرَّمي بالنَّبل، والمنَجنيق، وإِرسال الماء والنّار عليهم؛ لأن قتالهم فرضٌ لقوله تعالى: {فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ} [الحجرات:9] فصار قِتالُهم كقتال أهلِ الحرب، انتهى،
ويجوزُ الرّميُ على أهل الحربِ ولوْ تَتَرّسوا بالمسلمين، ونَقصِدهُم، فعلى ذلك نَرمي هؤلاء، ولو وقفوا بإزاءِ الكَعبَةِ، ولوْ أصابَ الرّميُ ما كان بحذائِهم، إذا لم يكن بما دون ذلك،
فإن قيل: إن هؤلاء لم يكن قَصدُهم القِتال، وإنّما كان قصدُهم الدّخول لأخذ زادٍ، وهمْ مُتوجهونَ لِحالِ سَبيلهم، فلمّا أن خرج إليهم أهلُ مكّة قاتلوهم، فاضّطّروا إلى قتالهم.
قلنا: هذا تأويلٌ فاسدٌ؛ لأن ما أُبيح للضّرورة يُتقدر بِقَدْرِها، فكان اللّازمُ عليهِم حين وقعتْ الهزيمةُ على أهلِ الحرَمِ أن يُمسكوا عنْ قِتالهم؛ كمن جَرح رجُلاً فولّى هارباً؛ لا يجوز للمجروح اتّباعه، فإذا اتبعه وقتله قُتل به، فكان عليهم أن لا يدخلوا البلد الحرام بتلك الصفة، فيسفكون الدّماء في الحرم عند المسجد الحرام، ويُخرجون أهلَ المنازل منها، ويَستولون على ما فيها ويُوقعون أنواع الفَواحشِ بأهلها، ويركبون الفجور، ويستوطنون البلدة، ويطلبون بقاء يدهمْ عليها، فهذه الصِّفات تُوجِبُ قَتلهُمْ بالحرَم. انتهى.
ثم بعد تَسطيرِ «هذا» وردَ الخبرُعلى استيلائِهم على جدّة فسقطَ السُؤال ووجَبَ قَتلُهم مِنْ غير مُحال في أيِّ المحال،
قال الإمامُ علي كرّم الله وجههُ: سمعتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «سيخرجُ قومٌ في آخر الزّمان أحداثُ الأسنانِ سُفهاءُ الأحلامِ يقولون منْ قولِ خيرِ البريّة، لا يُجاوز إيمانَهُمْ حَناجِرهم، يَمْرقُونَ مِنَ الدّينِ كما يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيّة، فأينما لَقيتُموهُمْ، فاقتُلوهُمْ، فإنّ في قَتلِهِمْ أجراً لمنْ قَتَلهُمْ يَومَ القِيامَة» رواه أحمد والبخاري ومسلم كذا قاله الزيلعي،
ولا يجوزُ للعادلِ أن يبدأ بقَتلِِ مُحرِمِهِ مِنَ البُغاةِ مُباشرةً إِلا دَفعاً، ويجوز تسبيباً، كعقرِِ دابتهِ، بِخلاف الحربيِّ المُحرِم؛ فإنّ له قتلهُ مُباشرةً إلّا الوالدين، ولم تُسبَ ذُريةُ البُغاةِ وتُحبسُ أَموالهُم حتى يَتوبوا، و «يُباعُ» الكراعُ ويُحبس ثَمنُه، وإنْ احتاجَ الإمام قاتلهُمْ بِخيلِهمْ وسِلاحِهِمْ، ولا ضَمان بإتلافها،
ومنْ حُكمِ الباغي إذا انقادَ لِإمامِِ أهلِِ العَدل، أن لا يُؤاخَذَ بما سَبق منه مِن إتلاف أموال أهل العَدل، وسَفكِ دِمائِهم، وجَرْحِ أبدانهم، فلمْ يجب على الإمام قَتلهم، ولا دَفعهم إلى الطالب هكذا أطلقه بعضهم، وهو مُقيّدٌ بما قالهُ الكمالُ بنُ الهُمام: والحاصلُ أنَّ نَفيَ الضّمانِ منوطٌ «بالمنَعةِ» مع التأويل، فلو تجرد «المنعةَ» عنِ التَّأويل كقومٍٍ غَلبوا على أهلِ بَلدةٍ فقَتلوا واستهْلَكوا الأموالَ بِلا تأويل ثم «ظهروا» عليهم أخذوا بِجميع ذلك ولو انفرد التأويل عن «المنعة» بأن انفرد واحد أو اثنان فقَتلوا، وأخذوا عن تأويل ضَمِنوا إذا تابوا و «قدروا» ... عليهم، انتهى،
وقال الكمال: يُكره أخذُ رُؤوسهم، فَيُطافُ بها في الآفاق لأنه مِثلةٌ، وجَوَّزه بعض المتأخرين إذا كان فيه طمأنينةُ قلوبُ أهلِ العدل، أوْ كسْر شَوْكَةِ البُغاة، وإذا حَمل العادِلُ على الباغي، وقال: تُبتُ وألقى السلاح؛ كفّ عنه، وكذا لو قال: كُفَّ عنِّي حتى أنظر لعلِّي أتوب وأُلقي السِّلاح، وما لم يُلقِ السِّلاح في صورةٍ من الصور كان له قتلُه، ومتى ألقاه، كفَّ عنه بِخلافِ الحربي، فإنه لا يَلزمه الكفَّ عنه بإلقاء السلاح، انتهى،
وأمّا الأسير من البُغاةُ فإنَّ الإمامَ مُخَيَّرٌ إنْ شاء قَتلهُ، وإنْ شاء حبسهُ لاندفاعِ شرِّه، والله سبحانه أعلم،
خاتمةٌ حُسنى إن شاء الله تعالى
فإن قِيل: هل يُفترضُ الذَّهابُ إلى الحجّ في هذا الزّمان مع ما سُمع من الخبر عن مكّة المشرّفةُ؟
قلنا: نعم؛ لأن العبرة بِغَلَبَةِ السَّلامة - براً كان أو بحراً -،ولا شكّ أن الأمن حاصلٌ مِنْ هُنا إلى مكّة المشرّفة، خُصوصاً مع صُحبة هذه العساكر المنصورة المتقدمة على ركب أمير الحاج، المصطحبُ معه ما يَزيد عن الُمعتاد في كلِّ عام من العَدَدِ والعُدَدْ،
والأمور تُبنى على الغالب؛ لأنّهُ كالمتحقق، ولا عِبرة بِتوهُم الصدِّ لمثل هذا العَسكر والرّكب، خُصوصاً مع كثرة المقاتلين والرماة، فلا عُذر لمن قَدر على الحجِّ في تأخيره ويكونُ به آثماً؛ لوجوبِ الخروج للحجِّ على الفور، والله الُموفقُ بِمَنِّه وكرمه.
وهذا ما تيسّر للعاجز الحقير بعناية الملك القدير، بتاريخ أواسطِ شوالٍ سنةَ إحدى وأربعين وألفٍ كان تأليفه، [غفر الله تعالى لمؤلفها ولوالديه ومشايخه ومحبيه والمسلمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم دائماً أبداً إلى يوم الدين]، وقد حصل بحمد الله النصرُ والظفرُ بأولئك القوم فإنّهم خرجوا من مكّة قبل وُصول العَسكَرِ إليها ودخل الحاج، وأتمّوا الحجّ بِأحسن حال، ثم لحق العسكر أولئك القوم، وحصروهم وأخذوهم عن آخرهم، فقُطعَ دابرُ القوم الذين ظلموا، والحمد لله رب العالمين.
وكان الفراغ من كتابتها يوم الثلووث غرّة رجب الأصم عام السادس عشر بعد الثلاثمائة والألف.