النعمة المجددة بكفيل الوالدة
للإمام حسن بن عمار الشرنبلالي الحنفي
توفي سنة 1069هـ
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
جارٍ تحميل الكتاب…
النعمة المجددة بكفيل الوالدة
للإمام حسن بن عمار الشرنبلالي الحنفي
توفي سنة 1069هـ
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد الله الذي أمَدَّ بحرَ الشَّريعةِ المُطَهَّرة بفضله المزيد، ومَنَّ على مَن وَرَدَه مُعْتَرِفاً وصَدَرَ مُعتَرِفاً بتحصيل ما يُريدُ؛ إذ أطلَعَه بصِدقِ عَزِيمَتِه وخُلوصِ طَوِيَّتِهِ على جواهر سره المجيد، فحَلَّى بها جيده وقد نظَمَها بعقد نضيد.
وأشرَفُ الصَّلاةِ وأزكى السَّلامِ مِنَ الملكِ الحميدِ على رسوله المُصطَفَى وحبيبه المُجتبى، سيّدنا محمد أشرفِ مَن كانَ عابداً الله وحامده، الآمر ببر الوالدين، وقدم فيه على الأب الوالدة، وعلى آله وأصحابه، خيرِ مَن أَقامَ الدِّينَ وجاهَدَ في الله حقَّ المُجاهدة، ما وَكَدَ تحرير تنقيح حكم موطودٍ مثبتاً، واقتَنَص قبيضُ ماجدٌ في طلبه مِن نَافِرٍ وراضَهُ، وقد كانَ ممتَنِعاً شَرُوداً، وذادَ عن حلبة السباق من أناضَ فَخَنَسَ عنها محرُوماً مَطرُوداً، وأعطَى مَن تملَّى بمحاسن حسناء وافتضَّها فَضْلاً كَانَ به مَوعُوداً.
وبعد:
فيقول العبد الفقيرُ حسَن بنُ عمَّار بن عليّ الشُّرنبلالي الحنفي، عامله الله ومشايخه ووالِدَيهِ وذُرِّيَّتَه ومُحبّيه وإخوانه بلطفه الجلي والخَفِيّ:
إنَّ الله سبحانَه في كلِّ آنٍ وزَمانٍ عوائدَ نِعَمِ يُبديها لذوي العِرْفان، بإرشادِ خلاصتهم، وإبداع هدايته أئمتهم لإبداء أحكام وإظهارِها مِنَ السُّنَّةِ الشَّرِيفةِ ومُحكَمِ التنيان.
ومنها جواب حادثةٍ لم نرَ مَنْ تعَرَّضَ له نصا بإثبات أو نفي، وكأَنَّه لم يخطر ببال، ولم يُذكَرْ بلسان، ولمَّا برزَ في الوُجودِ بالجُودِ، وسَطَّرتُ الجواب بفضل غير مجحود، وسمِعتُ بعضاً يصُدُّ بالصَّدرِ كأَنَّه الحَسود، وسطَّرَ غيرُه جواباً كانَ به لمُخالفته الصَّوابَ هو المَدحُوضَ المَطرود، أردتُ بيان ما به أَجَبْتُ، وتحقيق ما كتبتُ، وقد أشرَفَ ربعُ الفَضائلِ على الاندِراس، وكادَ مَناره الرَّفِيعُ أن ينقَضَّ إلى الأساس؛ إذ تحلّى بصورةِ الفُضَلاءِ الأنكاسُ، قد استبدلُوا الحَنِيفيَّ بجَنَفٌ، فباؤُوا بمَقْتٍ، وإفلاس، وساوَرَتهُم شُمُّ العرانينِ، ورَشَقَتْهُم بِنَبلِ قطَعَ منهُم الوتين، بإمدادِ مُولي الإِلى مَولى. الرسالة - النعمة المُجددة بكفيل الوالدة الألى أَلَوْ إلا أن ليسوا آلاءه، بل آلا، قَمِين ذي الحِما لإجلاء ذي البَغْيِ المُرحبين،، حامي الحِمَى عدا العدى، فهم بالعدى تحت العداء من الخاسرين، ونفي المرا بأحسن المراء والتبيين، ومسارعته إلى الحُسْنَى، وتجنبه الحسناء، ومُجافاة جنبيه الوطى اقتفاء أثر الزَّاهدين، وتحاشياً. سيرة المترفين، وإماطته عنه كُسَى الزَّهو، فنال أفخر كَسَاء لإعراضه عن اللهو، شيخ الإسلام والمُسلمين، إنسانُ عَينِ الأئِمَّةِ الأعلامِ الرَّاسخينَ، مِلِكُ العُلماءِ الفخامِ المُحقِّقِينَ فَضْلاً، الجدير بذلك عَقْلاً ونَقْلاً، الجامع لفنونِ العُلومِ بتحقيقه المنطوق والمفهومِ شَمْلاً، مُفتي الخافِقَينِ والسّلطنةِ الشَّريفة بالقُسْطَنطينية، ذو المقام الأفخرِ الأعلى، مُقتَدى الأنام، بدرُ سماء المَعارِفِ، صَدرُ الشَّرِيعَةِ الأَوحَدُ، مجمَعُ الأحكامِ المُفَرَدُ، مَن وَصفُه كاسمِهِ الشَّرِيفِ الأَعظَمِ، حفظه الله وبلَّغَه مُناه.
فناسَبَ إهداء هذه النبذة اليسيرة إلى حضرته، غير أنها كإهداء قطرة إلى المحيط، لتحظى بشريفِ جَنابِه وسعادتِه، والتَّوصُّل إلى كرم أعتابه، والاندِراج في خدمته، فإنَّها إن حلّ عليها شريف نظره السعيد فازَتْ ببلوغ المُرادِ مع المزيد، كيف لا وهو ذو النَّفْسِ القُدسِيَّةِ والذَّاتِ المُبارَكَةِ التي هي في الصورة بشريَّةٌ إنسيَّة وفي السيرة الحميدة ملكية إنسية؟! قد اعترف بفضائله وفواضله الغائبُ والشَّاهد، واغترَفَ من فيض إحسانه الصادي والصادر والوارد، كساه ذو الجلال والإكرام الخلاق، منَ الوَقارِ والجمال ثياباً من غير إخلاق، وأجمع على استحقاقه لها تفضّلاً أهل الحل والعقد، وإنَّه لجدير بذلك لصادق الوعد أدام الله عليه سوابغَ نِعمه التي لا تُحصى في الباطِنِ والظَّاهِرِ بعد، وكفاه شر كل ذي حسَدٍ وحِقدٍ وصَدّ، وبلغه ما يُؤمِّلُه من فضله، وبفيضه العميمِ إيَّاه آمد، بجاءِ سيدنا محمد المُصطَفَى الأمجد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأصحابه ذَوي السَّعادة على الأبد، وسميته:
النعمة المجددة بكفيل الوالدة
وصورة الحادثة: ما قولكم في امرأة استدانت من ابنها مالاً، وكفلها لابنها
فيه أجنبي، ثمَّ إِنَّ الابنَ أرادَ حبس كفيل أُمه، فهل له ذلك؟ أم كيف الحال؟ فأجَبْتُ بأنَّه ليس له حبشه؛ إذ يلزم من حبيسه حبس الأم، وإنَّه لا يجوز، وقد أجَبْتُ به تفقهاً، وذلك لأني لم أر لأئِمَّتِنا نصا في هذه القضية، غيرَ أَنَّهم قالوا: إِنَّ الكفيل يُحبَسُ فيما التزمه بعقدِ الكَفالة، وإذا لوزم لازم الأَصِيلَ، وإِنْ حُبِسَ حبَسَه. هكذا أطلَقُوا الحُكم عاما، وما من عام إلا وقد خُصَّ أو قَبِلَ التَّخصيص، وقد رأيتُ إجماعهم على أنَّ الأصل وإن علا لا يُحبَسُ لدَينِ فَرعِهِ، وَإِنْ سَفَلَ. فقلتُ: إِنَّ هذا المنع من حَبْسِ الأصلِ لدَينِ فرعِه مُقيَّدٌ ومُخصص لإطلاق حبس الكفيل، فيُستثنى كفيل الأصل؛ لأنَّ القَولَ بِحَبْسٍ كَفَيلِ الأَصلِ قَولٌ بِحَبْسِ الأصل؛ لأنه لازم له، واللَّازِمُ المَنفِيُّ ينتفي به مَلزُومُه، ولأنَّ الشَّيء ينتفي بانتفاء جزئه؛ كالكَفالة المُعلَّقة بهبوبِ الرِّيحِ، أو مجيء المطَرِ هي منفيَّةٌ كانتِفَاء شَرْطِها، صرح به في العناية وغيرها.
وقد صَرَّحَ أَئِمَّتُنا بأنَّ الشَّركةَ تبطل بمَوتِ أحدِ الشَّريكَين؛ لأنَّ الوكالة لازمةٌ للشركة، والموتُ يُبْطِلُ الوكالة، ومُبْطِلُ اللَّازِمِ مُبْطِلُ المَلزومِ، انتَهَى.
فقُلتُ: كذلك حَبْسُ كفيل الأم مُستلزم حبس الأم لدين ابنها، وحبسها له ممتنع باطل، فيكون مبطلاً للملزوم الذي هو حبس كفيلها، انتهى.
ونقل ابن الهمامِ عنِ الذَّخيرة»: الكفالة في حق الطالب بمنزلة البيع، والبيع لا يصح بدونِ قَبولِ المُشتَرِي، وقبوله يستلزم تعيين البائع، فكانَتْ جَهالَةُ الطَّالبِ مانعةً جوازها؛ كجهالة المُشتَرِي مانعة للبيع، انتهى.
كذلك الحكمُ هُنا، حَبْسُ كفيل الأم يستلزمُ حَبْسَ الأم، والصَّفةُ فيها كالصفةِ في البائع أو المشتري مانعة تمام الحكم، فكان منفيًّا، انتهى.
ولما صرحوا به من أنَّه إذا شهِدَ اثنانِ بِقَتلِ زيدٍ عَمْراً يومَ النَّحْرِ بِمَكَّةَ، وَآخَرانِ بأنه قتله يوم النحر بالكوفة رُدَّتا؛ لاستلزام القبولِ قتله في مكانين مُتباينين في وقت واحد، وهو باطل، فكانَ المَلزوم باطِلاً، كذلك الحكم في مسألة كفيل الأم.
فإن قلت: كم من شيء يثبتُ ضِمْناً وإن لم يثبت قَصْداً؛ لأنَّه يُعْتَفَرُ في الضمنِيَّاتِ ما لا يُعْتَفَرُ في القَصْدِيَّاتِ، كما هو مُصرَّح به في كتب المذهب، كالكفالة بدينِ الكتابة هي باطلة؛ لأنَّ شرط الكفالة كونُ الدِّينِ لا يسقُطُ إِلَّا بِالأداء أو الإبراء، ودَينُ الكتابة يسقط بثالث، وهو التَّعجيز.
وإذا كانتِ الكفالة به في ضِمْنِ الكتابة، صحت كعبدَينِ كاتبهما السيد كتابةً واحدة بألف وكفَلَ كلّ صاحبَه بإذنه، صحتِ الكَفَالةُ، حَتَّى إذا أَعتَقَ المَولَى
أحدَهُما، أخَذَ أَيَّا شَاءَ بحِصَّة مَنْ لم يُعتِقه، فكذا حَبْسُ الأُمِّ يجوزُ فِي ضِمْنِ حَبْسِ كفيلها، ولا يُضافُ إلى الابن.
قلت: هذا غيرُ مُساوِ لِما نحنُ فيه؛ لأنَّ النَّهيَ عن أذِيَّتِها مقطوع به؛ لقوله: تعالى: {فَلَا تَقُل مَّمَا أُفٍ وَلَا تَنْهَرْهُمَا} [الإسراء:]، وليسَ حَبسُها منفيًّا عن الابنِ؛ لأنَّه يُقالُ في العُرفِ والعادةِ إنَّها محبوسةٌ معَ كفيلها لدين ابنها، وهو الحابِسُ؛ إذ حَبْسُها مُركَّبٌ من قضيَّتَينِ: دَينِ ابنها، وهو الأصل، والأمر بالكفالة فيه، وأحَدُ الجزأين منفي، فينتفي به الآخرُ، فبطل حبس كفيلها ببطلانِ حَبسِها.
وأمَّا كفالة العبدَينِ، فلا محظور فيها، بل لهما النَّفَعُ النَّامُّ بها، ولكونها جُعِلَتْ شرطاً لعتقهما، فصحتْ دُونَ ما نحنُ فيه.
فإِنْ قُلتَ أيضاً: إنَّ أهلَ الحرب الذين تترَّسُوا بالمُسلمينَ، يجوزُ رَميهم وإِنْ أصابَ المسلمين إيذاء؛ لكونه ضمناً وإنْ لم يجُزْ قصداً؛ لأنَّا نقصِدُ أهل الحربِ بالرمي، فكذا هنا.
قلتُ: لمَّا كانَ الامتناع عنِ الرَّمي مُستلزماً ضرراً عاما، وهو قتل سائرِ المُسلمينَ، جازَ دَفعُ الشَّررِ العام بخاص، ولا كذلك في مسألتِنا؛ لأنَّه ضررٌ خاص لخاص، وهو مُعْتَفَرّ كما صرَّحَ به في الأشباه والنظائر بقوله: يُتحَمَّلُ الضَّررُ الخاص لأجلِ ضررٍ، عام وهذا مُقيّد لقولهم: الضَّررُ لا يُزالُ بِمِثلِه، وعليه فروع كثيرة:
منها جَوازُ الرَّمْي إلى كفَّارِ تتَرَّسُوا بصبيانِ المُسلمينَ، انتَهَى.
وأيضاً الحبس لم يتعيَّن طريقاً لأخذ الحقِّ، لجوازه بظَفَرِه بجنس حقه، فيأخذه بدونِ قضاء ورِضًا، فتَدارُكُ الحقِّ به مُمكِنٌ، فينتفي الحبس إذا لم يتعيَّن طريقاً، ولم يُقطَعْ بجوازه لضررِ الأُمِّ المقطوع بنفيه.
ولا يُمكِنُ تَدارُكُ إحياءِ مَن قُتِلَ منَ المُسلمينَ بِعَدَمِ الرَّمي إلى المُتَتَرسِينَ، ولأنَّ الابنَ يُضافُ إِليه الرِّضَا بعدَمِ حَبْسٍ كفيلِ الأُمِّ بالضّمن؛ لإعطائه ماله لها، معَ
العلمِ شَرْعاً بِعَدَمِ حَبْسِ الأصلِ لدَينِ فَرْعِهِ بِاللَّازِمِ للضَّرِرِ.
وقد علمتَ أنَّ منَ القَواعِدِ المُقرَّرةِ الضَّررُ لا يُزالُ بمثلِه، وحَبْسُ كفيل الأم
ضَرَرٌ يلحَقُ الأم، للزومِ حَبْسِها به، فلا يُزالُ به ضَرَرُ الابنِ.
ولا يُقالُ: يلزَمُ منه أنَّ كُلَّ حَبْسٍ غريمٍ ضَرَرٌ، فلا يُزالُ به ضَرَرُ صاحبِ الحقِّ، فينتفي الحبس أصلاً؛ لأنَّا نقولُ: ضَرَرُ الأُم أرقى من ضرر الابن كما ذكرناه، بل لا ضرَرَ في جانبه مُعتبر لرضائه حالَ الإعطاء، ولا كذلك سائر الغُرَماءِ؛ لأنَّ المدينَ الأجنبيَّ بالاستدانة رضِيَ لنَفْسِه الحبسَ عندَ المَطل شَرْعاً، فهو الذي أضر بنفسه، فلا يُضافُ إضرار للدائن، فانتَفَى الإيراد.
وقد عرف أئِمَّتُنا الكفالة بأنَّها ضَمُّ ذِمَّةٍ إلى ذِمَّةٍ في المطالبة أو في الدين، وعلى الثَّاني مَنعُ حَبْسٍ كفيل الأم أظهَرُ؛ لأنَّه إِذا حُبِسَ كفيل الأم تكون محبوسة الابن لدينه؛ للضّم فيه، وصارَ كأَنَّه وكل الكفيل لحبسها، وهو منفي.
ومن القواعدِ المُقرَّرة: ما اجتمعَ الحلال والحرام، أو المُحرَّمُ والمُبيحُ إِلَّا غلب الحرام والمُحرم.
ومن فروعها: إذا تعارَضَ دليلان أحدهما يقتضي التَّحريم، والآخَرُ يقتضي الإباحة، قدم دليل التحريم.
كذلك في مسألتِنا اجْتَمَعَ دليلُ حَبْسِ الكفيل بالنَّظر إلى أصل الكفالة، ودليل حُرمةِ حَبْسِه، لما يلزم منه من حَبْسِ الأمّ المُحرَّمِ، فقُدِّمَ دليل حُرمةِ حَبْسِه.
ومنه: إذا تعارَضَ المَانِعُ والمُقتَضي يُقدَّمُ المانع.
كذلك لأمرُ في مسألتِنا تعارَضَ حَبسُ الكفيل والمَنعُ بحَبْسِ الأم، فقُدِّمَ المانع من حَبْس الكفيل.
فإن قلت: حيثُ اعْتَمَدْتَ واعتبَرْتَ عدَمَ حَبْسٍ كفيل الأم بما يُضافُ إلى الابنِ منَ الرِّضَا بعدَمِ حَبْسٍ كفيلِ الأُمِّ بالضّمْنِ؛ لعلمه شرعاً بعدَمِ حَبْسِ الأصلِ لدَينِ فَرْعِه باللَّازم، كذلك يُعتبرُ الرّضَا الضّمنيٌّ منَ الكفيل في حق نفسه خاصَّةً، فيُحبَسُ هو دونَ الأم؛ لعلمه بنَفْيِ حَبْسِها شرعاً لدَينِ ابنها. قلت: هذه مُغالطةٌ؛ لأنَّ الكفيل حُكمُه حُكمُ الأصيل، فيُعامَلُ بما يُعامَلُ به الأصيلُ حَبْساً ومُلازَمةً، فما لزِمَ الأصيل لزِمَه، وما انتفى عن الأصيل كانَ منفيًّا عنه؛ لأنَّ الكفيل لا يزيد حكمه عن حكم الأصيل، بل يكونُ حاله دونَ حاله؛ لأنَّ الكفالة قد تكون عن دين حال إلى أجَلٍ، وعن بعض ما على الأصيل، ومُعلَّقةً بما يُلائِمُها، وبالنفس لا بالمال. فلما لم يكن الحبسُ من مُقتضياتِ دَينِ الفَرع على أصله لم يكن الحبس به مَرضِيًّا للكفيل شَرْعاً في حق نفسه؛ لعَدَمِ تصوره شرعاً في جانب الأصيل، فلا
الصفحة
يُضاف إلى كفيل الأصلِ رِضاً بِحَبْسِ نفسه خاصَّةً دُونَ الأصل، وأمَّا الابن فقد أضيف إليه الرّضَا بعدَمِ حَبْسٍ كفيل أُمَّه؛ لأنَّ حبسها منفي شرعاً بالدليل القطعي. فإِنْ قُلتَ: قد صرَّحَ الفُهُسْتانِيُّ شارِحُ النُّقاية» بِحَبْسِ كفيل الأصل، ومَنعِ الكفيل من حَبْسِ الأصل، حيثُ قال: وإنْ حُبِسَ الكفيل حَبَسَه؛ أي: الأصيل، إلَّا إذا كان كفيلاً عن أحد الأبوين أو الجدِّينِ فإنَّه إنْ حُبِسَ لم يحبسهم، به يُشعِرُ قضاءُ الخلاصة»، انتهى عبارته. قلت: هذا الحكم منَ الشَّارحِ المذكور قد أحال به على ما ذكره، ولم أر في كلام الخُلاصة» ما يُفيده، ومنِ ادَّعَى إفادته عليه البيانُ، فتبيَّنَ صِحَّةُ ما سطرناه من الحكم بالاستنباط الفقهي، والدليل القطعي. تنبيه: قال العلامةُ الشَّيخُ الإمامُ شيخ مشايخي نورُ الدِّينِ علي المقدسي رحمهم الله في شرحه وإطلاقهم يعمُّ الجدَّ لأم، والمُعسِر والمُوسِرَ، ولكن ينبغي إذا كان الأصل مُوسِراً وامتنع من قضاءِ دَينِ فَرْعِه، وقُلنا: لا يُحبَسُ، فالقاضي يقضي دينه من ماله إن كان من جنيه، وإِلَّا؛ باعه للقضاءِ كَبَيعِه مالَ المَحبوسِ المُمتَنِعِ عن قضاءِ دينه عندهما، والصَّحيح عندهما بيع عقاره كمَنقوله، فبيعُ القاضي مالَ الأَبِ لدَينِ ابنِه إذا امتنع؛ لأنَّه لا طريق له إِلَّا البيع، انتهى.
وأقول: إنَّ له طريقاً آخر هو الظُّفَرُ بجنس حقه كما قدَّمناه، فلا حصر، وبحثه هذا وإجراء حكمه على مذهَبِ الصَّاحِبَينِ قد يقال: لا يُسلَّمُ إجراؤه على مذهبهما إِلَّا إِذا كانَ النَّصُّ منهما به؛ لما أنَّ للأبوين مزيَّةً واختصاصاً؛ للأمر ببرهما وعدَمِ أذيتهما، ولو كانا كافرين؛ لقوله تعالى: {وَصَاحِبَهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا [لقمان:]. تنبيه آخر: قد حَكَينا الإجماع على أنَّ الأصلَ لا يُحبَسُ لدَينِ فَرعِه، وعن أبي يوسُفَ أنَّه يُحبَسُ، كما في «التَّرْخانِيَّةِ»، انتهى.
وقال في شرحِ النُّقايةِ للشَّيخ صالح ابنِ مُؤلَّف «تنويرِ الأَبصارِ» الشَّيخِ محمَّدِ ابن عبد الله الغَزّي ما نصه: الوالد لا يُحبَسُ في دَينِ ولدِهِ إِلَّا إِذا تمرَّدَ، فَإِذا ظَهَرَ تمرده حبسه القاضي، كما في جَواهِرِ الفَتَاوَى»، انتَهَى.
مخالف للمُعتَمَداتِ، ومُعارَضٌ بالنَّص القطعي في سورة بني وهو إسرائيل، قال تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ} [الإسراء:]؛ أي: أمر، قاله ابن عباس وقيل: وأَوْجَبَ رَبُّكَ، وقيل: معناه الحكمُ الجَزْمُ، قيلَ: وَوَصَّى ربُّكَ، أَلَّا تعبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} [الإسراء:] اقتضى وُجوبَ عبادة الله سبحانه، والمنع من عبادة غيره، وهذا هو الحقُّ، وَبِالْوَلِدَيْنِ إِحْسَنا؛ أي: وأمر بالوالدين إحساناً؛ أي: برا بهما، وعطفاً عليهما، وإحساناً إليهما، إمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كلاهما؛ معناه أنهما يبلغان إلى حالةِ الضَّعَفِ والعَجْزِ، فيصيران عندك في آخر العمر كما كُنتَ عندهما في أوَّلِ العُمرِ، فكلَّفَكَ اللهُ تعالى خمسة أشياءَ للوالدين فاعلمها وأيقنها واعمل بها.
الأول منها: قوله تعالى: {فَلَا تَقُل مَا أُنِ} [الإسراء:]، وهي: كلمةُ تَضَجُرٍ وكراهية، وقيل: إن أصل هذه الكلمةِ أنَّه إذا سَقَطَ عليك تُراب أو ذُبَابٌ ونَفَخْتَ فيه لتزيله، تقول: أفٍّ، ثمَّ إنَّهم توَسَّعُوا بذكر هذه الكلمة عند كل مكروه يصل إليهم. والثاني من الخمسة: قوله تعالى: {وَلَا تَنْهَرْهُمَا} [الإسراء:؛ أي: لا تزجُرُهُما عمَّا يتعاطيانِه ممَّا لا يُعجِبُكَ، يُقالُ: نهره وانتهره بمعنى.
فإِنْ قُلتَ: المَنعُ عَنِ التَّأْفِيفِ يدلُّ على المنع من الانتهارِ، فما وجه الجمع؟ قلتُ: المراد من قوله تعالى: فَلَا تَقُل لَّمَا أَنِ، المَنعُ من إظهارِ الشَّجَرِ بالقليل والكثير، والمراد من قوله تعالى: {وَلَا تَنْهَرْهُمَا المَنْعُ من إظهارِ المُخالفة في القول على سبيلِ الرَّدُّ عليهما.
والثالث: قوله تعالى: {وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا؛ أي: حَسَناً جميلاً ليناً كما يقتضيه حُسْنُ الأدب معهما، هو أن يقول: يا أبتاه، يا أُمَّاه، ولا يُسميهما بأسمائهما، ولا يكنيهما.
وقيل: هو أن يقول لهما كقول العبدِ الزَّليلِ المُذنب للسَّيِّدِ الفَظ الغليظ. والرابع: قوله عزّ وجلَّ: وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّل} [الإسراء:؛ أي: أَلِنُ لهما جَناحَكَ واخفِضْ لهما، حتَّى لا تمتنع من شيء أحباه، مِنَ الرَّحْمَةِ؛ أي: الشفقة عليهما لكبرهما وافتقارهما اليوم إليك، كما كُنتَ في حالِ الصِّغَرِ والضَّعَفِ مفتقراً إليهما.
والخامس: قوله تعالى: {وَقُل رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَارتيانِي صَغِيرًا [الإسراء:]؛ أي: وادع لهما أن يرحَمَهُما برحمته الباقية إذا كانا مُسلِمين، ويجوزُ الدُّعاءُ بهدايتهما للإسلام إذا كانا كافرين.
وقد بالغ سُبحانه وتعالى في الوصية بهما، حيثُ افتتحها بالأمر بتوحيده وعبادته، ثمَّ شفعه بالإحسان إليهما، ثمَّ ضيِّقَ الأمر في مُراعاتِهما حتَّى لم يُرخص في أدنى كلمة تسوؤُهما، وأن يذلَّ ويخضع لهما، ثمَّ خَتَمَها بالدُّعاءِ لهما، والتَّرحُمِ عليهما، انتهى من تفسير الخازن رحمه الله.
وفي سورة لقمان: {وَوَضَيْنَا الْإِنسَنَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمَّهُ وَهَنَا عَلَى وَهْنٍ} [لقمان:]، قال ابن عباس: شِدَّةً بعد شِدَّةٍ، وقيل: إنَّ المرأة إذا حمَلَتْ توالى عليها الضَّعَفُ والمَشقَّةُ، وذلك لأنَّ الحمل ضَعْفٌ، والطَّلْقَ ضَعْفٌ، والوَضْعَ ضَعْفٌ.
وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ} [لقمان:]؛ أي: فطامه في عامين.
أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَلِدَيْكَ إِلَى الْمَصِيرُ} [لقمان: لمَّا جَعَلَ اللهُ سُبحانَه بِفَضْلِهِ للوالدين صورة التربية الظاهرة، وهو المُوجِدُ والمُربي في الحقيقةِ جَعَلَ الشُّكر بينهما، فقال: أشْكُرْ لِي وَلِوَلِدَيْكَ}، ثمَّ فَرَّقَ فقالَ: إلَى الْمَصِيرُ؛ يعني: أنَّ نعمتهما مختصةٌ بالدُّنيا، ونعمتي عليك في الدُّنيا والآخرة.
وقيل: لمَّا أمر بشُكرِه وشُكرِ الوالدين قال: الجزاء على وقتِ المصير إلي. قالَ سُفيان بن عيينة في هذه الآية: مَن صلَّى الصَّلَواتِ الخمس فقد شكَرَ، وَمَن
دعا للوالدين في أدبار الصلواتِ الخَمْسِ فقد شَكَرَ للوالدين.
وفي سورة الأحقاف: {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إحْسَنا [الأحقاف:]؛ أي: يُوصل إليهما إحساناً، وهو ضد الإساءةِ، حَمَلَتْهُ أُنهُ كَرهَا} [الأحقاف:] يريدُ حين أثقلت وثقُلَ عليها الولدُ، وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا؛ يريدُ شِدَّةَ الطَّلْقِ، وَحَمْلُهُ
وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا؛ يعني: ومُدَّةُ حَمْلِه إلى أن ينفصِلَ منَ الرَّضاع وهو الفطام ثلاثون شهراً، انتهى.
فبهذه النصوص القطعيَّةِ الآمرة ببر الوالدينِ والنَّاهية عن أذِيَّتهما بأدنَى شيءٍ ينتفي القَولُ بحبس الأُمّ بواسطة كفيلها لدين ابنها، وبه ينتفي حَبسُه لاقتضائِه حَبْسَ الأم والمُضايقة.
وفي تفسير أبي اللَّيثِ»: {فَلَا تَقُل لهما أف} [الإسراء:]؛ يعني: لا تَقْذَرْهُما، ولا تقل لهما قولاً رَدِيَّا عندَ خُروج الغائط منهما إذا احتاجا إلى معالجتك عند ذلك، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لو علِمَ اللهُ في العُقوقِ أدنى من أُفٍّ لحرَّمَه، فَلْيَعمَل العاقُ ما شاءَ أن يعمَل، فلن يدخُلَ الجنَّةَ، وَلْيَعْمَلِ البار ما شاءَ أن يعمل فلن يدخُلَ النَّارَ».
وقالَ مُجاهِدٌ: إذا كَبِرا فلا تأفَّفْ لهما؛ فإنَّهما قد رأيا منك مثل ذلك، انتهى. وقد رأيا منك ذلك معَ محبّيه وطلب بقائِكَ، ولعلَّكَ تكرَهُه وتكرَهُ بقاءَهما حين ذلك، فما أنصَفْتَ إِذ فَعَلْتَ.
وقال عطاء: جَناحُكَ أُريد به يداك، لا ينبغي أن ترفَعَ يديك على والديك، ولا ينبغي أن تحدَّ بصَرَكَ إليهما تعظيماً لهما.
واعلَمْ أنَّ في هذه النُّصوص القُرآنيةِ إشارة إلى تقديم بر الأم لزيادة مشقّتِها، وتعبها، وتربيتها، وإرضاعها، وسهَرِها، وحملها على الأب. الرسالة - النعمة المُجددة بكفيل الوالدة
وقد ورَدَ نصُّ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بتقديم بر الأم؛ لِمَا رَوَى أبو هريرةَ رَضِيَ اللَّهُ عنه: قَالَ رجل يا رسول الله: أيُّ النَّاسِ أحقُّ مني بحُسنِ الصُّحبة؟ فقالَ: «أَمُّكَ» قالَ: ثُمَّ مَن؟
قالَ «ثمَّ أُمُّكَ، ثلاثاً، ثمَّ قَالَ: «أبوك»، أخرجه البخاري ومسلم.
وفي البخاري»: وكان - أي: النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم - ينهى عن حقوقِ الأُمَّهَاتِ. قال القَسطلاني: جمع أُمَّهَةٍ»، لمن يعقِلُ، و «أم» لمن يعقِلُ ولمن لا يعقِلُ، وتخصيص العُقوقِ بالأمَّهاتِ معَ امتناعه في الآباء أيضاً لأجلِ شِدَّةِ حقُوقِهِنَّ
ورجحان الأمر بيرهِنَّ بالنسبة إلى الآباءِ، وإظهارِ عِظَمه في المنع، انتهى. وإذا علمتَ هذا فكيفَ يُقالُ: إِنَّ الأمّ تُحبَسُ لواسطة الكفالة بدينِ ابنها
وكفيلها؟ هذا لا يقُولُه مَن له أدنى إلمام بمسائلِ الفِقْهِ ووُجوهها. وقد قالَ أَئِمَّتُنا إِنَّ نفقة الوالدين لا يُشترط لوجوبها العَجْزُ عَنِ الكَسْبِ، فلا يُكلَّفانِ الكَسْبَ للنفقة مع يسار الولد، بخِلافِ القَريبِ المحرمِ فَإِنَّه يُشتَرَطُ عَجْزُه عن الكسب معَ فَقْرِه لوجوب نفقته على قريبه المُوسِرِ.
والفَرقُ أنه ليس من البر تكليف الوالدينِ التَّعَبَ والكَدَّ معَ الأمرِ بتحَمُّل المشاق عنهما، والإحسان إليهما، وعدم أذيَّتهما، فإذا ثارَ عَضَبُكَ عليهما فاذْكُرْ تربيتهما وسهَرَهُما وتعبهما، وإذا أَرَدْتَ برَّهُما وظفِرْتَ بطعام أو شراب أو كسوة، فعليك بإيثارهما من أطيبه.
فلقد طالما أثراك وجاعا، وستراكَ وعريا، ونوماك وسهرا، وطيباك ومرضا، والأُمُّ أَشدُّ تحملا للضَّرِرِ في ذلك، ولذا قال: «الجنَّةُ تحت أقدامِ الأُمَّهَاتِ»، حديث جيد.
وقالَ ابنُ أبي الدُّنيا: حدَّثني محمَّدُ بنُ الحسَنِ يرفعه إلى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَن زار قبر أبويه أو أحدهما في كلِّ جمعةٍ غُفِرَ له وكُتِبَ بارا». وعن محمد بن سيرين قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الرَّجُلَ ليَموتُ أبواه وهو لهما، فيدعو لهما بعد موتهما، فيكتبه الله من البارينَ»، حديث مُرسَلٌ جيّد عال الإسناد.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رَغِمَ أَنفُهُ، رَغِمَ أَنفُهُ، رَغِمَ أنفُه»، قالَ: مَن يا رسول الله؟ قالَ: مَن أدرَكَ أبواه عنده الكبر أو أحدهما يدخُلِ الجنَّةَ». انفَرَدَ به مُسلمه.
وعن النبي لال قالَ: رِضًا الرَّبِّ فِي رِضًا الوالدَينِ، وسَخَطُ الرَّبِّ فِي سَخَطِ الوالِدَينِ».
وفي حديث ابن مسعود رضي الله عنه: سُئِلَ النَّبِيُّ: أَيُّ العَمَلِ أَحَبُّ إلى الله تعالى؟ قال: «الصَّلاةُ على وَقتِها»، قلتُ: ثمَّ أَيّ؟ قالَ: «بِرُّ الوالِدَينِ»، أخرجه الشيخان.
وعن عبد الله بنِ عَمرو قالَ: جَاءَ رجُلٌ يستأذِنُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم في الجهادِ، فقال له النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «أحَيُّ والداكَ؟ قالَ: نَعَمْ قالَ: «فَفيهما فجاهِدٌ»، أخرَجَه الشَّيخانِ. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: لو كانَ جُرَيجُ الرَّاهِبُ فقيهاً لعَلِمَ أَنَّ إِجابةً أُمِّه أفضل من صلاته» اه.
قال الفقيه أبو اللَّيثِ رحمه الله: لأنَّ في ذلك الوقت كان الكلام الذي يحتاج إليه مباحاً في الصَّلاةِ، وكذلك كانَ في مبدأ شريعَتِنا، ثمَّ نُسِخَ الكلام في الصلاة، ولا يجوز أن يُجيبَهُما إلَّا أن يعلم أنه وقع لهما أمر مهم، يجوز له أن يقطَعَ الصَّلاةَ ثمَّ يستقبل.
كان بعض أهل العلم يزور قبر أبويه، فطالَ ذلك عليه فترك ذلك، فرأى أباه في المنامِ وقال: يا بني مالك لا تفعل بي ما كُنتُ تفعَلُ؟ فَقُلتُ: أزورُ التُّرابَ، فقالَ: لا تقُلْ يا بني، فوالله لقد كُنتَ تُشْرِفُ عليَّ فتُبشِّرُني بك جيراني، ولقد كنتَ تنصَرِفُ فما أزال أنظرُ في قَفاكَ حتّى تدخُلَ الكوفة.
وعن محمد بن الحسين رحمه الله قال: حدثنا يحيى بن بسطام قال: حدثنا عثمان بن سودةَ، وكانت [أُمُّهُ] منَ العابِداتِ، يقال لها: راهِبَةٌ، فلما احتضرَتْ رَفَعَتْ رأسها إلى السَّماءِ وقالت: يا ذُخري وذَخيرتي، ويا من عليه اعتمادي في حياتي وبعد موتي، لا تخذلني بعد الموت، ولا تُوحِشني في قَبري، قالَ ابنُها: فمَاتَتْ فكُنْتُ آتيها في كل جمعة فأدعُو لها، وأستغفر لها، ولأهلِ القُبورِ، فرأيتُها ليلة في منامي، فقلتُ لها يا أُمَّاه؛ كيف أنتِ؟ فقالت: يا بُنَيَّ، إنَّ الموتَ لشديدٌ كَربُه، وأنا بحمد الله في برزخ محمود، فقلتُ: أَلكِ حاجةٌ؟ قالت: نعم، قُلتُ: ما هي؟ قالت: لا تكُنْ تدَعُ ما كُنتَ تصنَعُ من زيارتنا، والدُّعاءِ لنا؛ فإنِّي أَنَسُ بمجيئكَ يومَ الجمعةِ إذ أقبلت من أهلِكَ، ويقال لي: يا راهبةُ، قد أقبل من أهلِكِ زائِرٌ، قَالَتْ: فَأُبِشَّرُ ويُبشِّرُ بذلك مَن حولي من الأموات.
وعن عائشةَ رَضِيَ الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نِمْتُ فرأيتُني في الجنَّةِ، فسمِعْتُ صَوتَ قارِئ يقرأُ، فقُلتُ: مَن هذا؟ قالوا: حارِثةُ بنُ النُّعْمانِ»، فقال رسول الله: كذلك البر، كذلك البر، كذلك البر»، وكان أبر النَّاسِ بأُمه، رُوِيَ بإسنادٍ صحيح.
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَحَبَّ أن يُمِدَّ اللهُ في عُمرِه، ويزيد في رِزْقِه، فليبَرَّ والدَيه، وليصل رحمه»، إسناده حَسَنٌ.
وعن وَهْبِ بنِ مُنبِّهِ قالَ: إِنَّ اللهَ تعالى قالَ لمُوسى صلَّى اللهُ عليهِ وعلى نبينا وسلَّمَ: وقُرْ والِدَيكَ؛ فإنَّه مَن وَقَرَ والدَيه مَدَدْتُ له في عُمُرِه، ووَهَبْتُ له وَلَداً يبره، ومَن عَقَّ والديه قصرتُ عمره، ووَهَبْتُ له ولداً يعُقُه.
والأحاديثُ والأخبار في هذا كثيرةٌ، فمَن يكون عنده أدنى خشية أو معرفة بالأحكامِ يُقدِمُ ويقولُ: إِنَّ الأُمَّ تُحبَسُ معَ كفيلها في دَينِ ابنِها؟ لا يقولُ هذا إِلَّا غبي، فلا بُدَّ من استثناء كفيل الأم ونحوها منَ الأُصولِ من عُمومِ حَبْسِ الكَفيل؛ لِما ذَكَرْنا، فلا يُحبَسُ كَفيل أصلٍ وإِنْ علا بدَينِ لَفَرْعِهِ وإِنْ سَفَلَ.
ومن الوارِدِ في خُصوص الأبِ ما قاله القُرطبي في تفسيره»: روينا بالإسنادِ المُتَّصِلِ عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: جاءَ رَجُلٌ إِلى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فقالَ: يا رسول الله، إنَّ أبي أخَذَ مالي، فقالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «فائتني بأبيك»، فنزل جبريل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وسلم فقالَ: إِنَّ اللهَ سُبحانه وتعالى يُقرِئُكَ السَّلام، ويقول لك: إذا جاءَكَ الشَّيخُ فاسأله عن شيء قاله في نفسه ما سَمِعَتْه أُذُناه، فلمَّا جَاءَ الشَّيخُ قال له النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: ما بال ابنك يشكُوكَ؟ أتُريد أن تأخُذَ ماله؟ فقالَ: سَلْهُ يا رَسول الله: هل أنفَقْتُه إِلَّا على عماته وخالاته وعلى نفسي؟ ن؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أيُّها الشَّيخُ أخبرني عن شيءٍ قُلتَه في نفسك ما سمِعَتْه أُذُنَاكَ»، فقالَ الشَّيخُ: يا رسول الله ما زال الله يزيدُنا بك يقيناً، لقد قُلتُ في نفسي شيئاً ما سمِعَتْه أُذُنَايَ»، قالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «قُلْ»، فقالَ:
غَذَوتُكَ مَولوداً وصُكَ يافعاً تعل بما أجني عليكَ وتَنْهَلُ إذا ليلةٌ ضَاقَتْ لسُقْمِكَ لم أبت لسفمِكَ إِلَّا سَاهِراً أَتَمَلْمَلُ كأني أنا المطروقُ دُونَكَ بالذي طُرِقْتَ به والعينُ بالدَّمعِ تَهمُلُ تخافُ الرَّدَى نفسي عليكَ وإنَّها لَتَعلَمُ أَنَّ الموتَ وَقتُ مُؤَجَّلُ فلما بلغت السن والغاية التي لها مُنتَهَى ما كُنْتُ قبلُ أُؤَمِّلُ جَعَلْتَ جَزائي غِلْظَةٌ وفَظاظة كأنَّكَ أَنتَ المُنعِمُ المُتفَضُلُ فليتك إذ لم تَرْعَ حَقَّ أُبوتي فعلت كما الجارُ المُصاحِبُ يفعَلُ فأَوْلَيتَني حَقَّ الجِوارِ فَلَمْ تكُن علي بمالٍ دونَ مالِك تبخَلُ فَأَخَذَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بتلابيبٍ ثَوبِه، وقال: «أنت ومالك لأبيك»، انتهى.
كذا في «مَنهَلِ الوُرَّادِ وتُزهَةِ القُصَّادِ» للسَّيْدِ حَسَنِ الحُسَينِيُّ النَّشَابِ الذي شَرَحَ به كتاب «الاقتصاد في كفاية العقادِ، نَظمِ الشَّيخِ الإمامِ العلامةِ شِهَابِ الدِّينِ أحمد ابن العماد رحمهم الله، وقد نقله العلامة المُحقِّقُ الكَمالُ بنُ الهُمام في شرحه افتح القدير» على «الهداية عند قوله: ولا حَدَّ على مَن وَطِئَ جارية ولده، أو ولد ولده، وإن كان ولده حيا؛ لأنَّ الشُّبهة حكميَّة؛ لأنَّها عن دليل، هو ما رواه ابن ماجه عن جابر بسند صحيح، نصَّ عليه ابنُ القَطَّانِ والمُنذِرِيُّ، أَنَّ رجلاً قالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ لي مالاً وولداً، وأبي يُريد أن يحتاج مالي، قال: «أنت ومالك لأبيك. وأخرج الطبراني في الأصغَرِ»، والبيهقي في دلائل النبوة»، عن جابر: جاء رجل إلى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إِنَّ أَبيهُ يُرِيدُ أن يأخُذَ مالية، فقال: «دَعُه ليه»، فلما جاءَ قال: «إِنَّ ابنَكَ يزعُمُ أَنَّكَ تَأخُذُ ماله، فقال: سَلْه هل هو إلا عماتُه أو قراباتُه أو ما أنفَقْتُه على نفسي وعيالي؟ قال: فهبط جبريل عليه السلام فقال: يا رسول الله، إنَّ الشَّيخَ قال في نفسه شِعْراً لم تسمعه أَذْنَاهُ، قَالَ: «قلت في نفسك شعراً لم تسمعه أذناكَ، فهاتِه»، قال: لا يزالُ الله يزيدُنا بك بصيرة ويقيناً، ثم أنشأ يقول:
غَذَوتُكَ مَولوداً وصُنْتُكَ يافعاً تُعَلُّ بما أجني عليكَ وتَنْهَلُ إذا ليلةٌ ضاقتكَ بالسُّقْمِ لم أبت لسقمِكَ إِلَّا سَاهِراً أَتمَلْمَلُ تخافُ الرَّدَى نفسي عليكَ وإنَّها لَتَعلَمُ أَنَّ الموتَ حَتْم مُوكَّل كأني أنا المطروقُ دُونَكَ بالذي طرقت به دُونِي فَعَيْنايَ تَهمُلُ فلما بلغت السن والغاية التي إليك مراماً فيك قبل أومل
جَعَلْتَ جَزائي غِلْظَةٌ وفَظاظةً كأَنَّكَ أنتَ المُنعِمُ المُتفَضّلُ فليتَكَ إذ لم تَرْعَ حَقَّ أُبوّتي فعَلْتَ كما الجارُ المُجاوِرُ يَفعَلُ قال: فبكى النَّبيُّ، و أخَذَ بتلابيب ابنه، وقالَ: «اذْهَبْ، أنتَ ومالك لأبيك». ورُوِيَ حديث جابر الأوَّلُ من طُرُق كثيرة. انتَهَى عبارةُ ابن الهمامِ رحمه الله. كما ترى ليسَ فيها البيتُ الأخيرُ معَ التَّقديم والتأخير وتغيير لبعض الألفاظ، وليس بضار في ذلك الحكم الذي نقَلَتْهُ الحُفَّاظُ في القِصَّةِ المذكورة. تأليف هذه الأوراق، وتحرير الحكم الذي بها قد فاق، بشهرِ رَجَبٍ الحرام سنة خمس خمس وخمسين وألفٍ، وكُتِبَتْ هذه النسخة في شهرِ شوَّالٍ من شُهورِ سنة تسع وخمسين وألفٍ، وحَسبنا الله ونعمَ الوَكيلُ، نِعمَ المَولى ونعمَ النَّصيرُ، وصلَّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّمَ أجمعينَ.