النظم المستطاب لحكم القراءة في صلاة الجنازة
للإمام حسن بن عمار الشُّرُنبُلالِي
توفي سنة (1069 هـ)
جارٍ تحميل الكتاب…
النظم المستطاب لحكم القراءة في صلاة الجنازة
للإمام حسن بن عمار الشُّرُنبُلالِي
توفي سنة (1069 هـ)
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله العلي العليم، والشكر له علي جزيل فضله العميم، ونتوسل إليه بالمصطفى النبي الكريم، - صلى الله عليه وسلم - وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، أن يمن [بما نرجوه] من فضله؛ إنه هو البَرُ الرحيم، لبيان حكم قراءة الفاتحة في صلاة الجنازه؛ ليطمئن به من وفق للسعادة وللسيادة بالحيازة، بالنظر الدليل المنَافي للقراءه والمثبت لها، لزوماً وحظراً، ويدري سر ذلك من رقى إلى النهاية بمعراج الدراية فكان أدراى، وبموجب ما ورد يعملُ احتياطاً ليحرز به اجراً.
وقد قال النَافي لجواز قراءة الفاتحة فيها: إن مراعاة الخلاف مستحبة، نص على ذلك في كثير من المسائل المختلف فيها، فكراهة القراءة مع القول بافتراضها لمجتهد ينفيها نظر من كان فطناً فقيهاً، ونذكر إن شاء الله تعالى أمثله منها لتزداد بها تنبيهاً.
قال جامعها الفقير حسن الشرنبلالي، بلغه الله أحسن المعالي، سميتها:
«النظم المستطاب لحكم القراءة في صلاة الجنازة بأم الكتاب»
وتقدم الكلام على حقيقة صلاة الجنازة على مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة رحمه الله، ونستطرد مذهب غيره بالدليل لكل على حسب تيسير العلي العظيم.
واعلم أن كل طالب عليه إمعان النظر؛ ليصل به الى أجل مقام كريم، وما قصر عن فهم المراد منه وأدركه كان عليه التسليم والرجوع لمن هو أدري، {وفوق كل ذي علم عليم} [يوسف:67]
والغاية المطلوبة بعد التعلم والتعليم القيام بما كلف به؛ امتثال للأمر، ورجاءً للفوز بجنات النعيم، وليس لمقلد إلا الاتباع والتفويض لإمامه، وحسن اعتقاده فيه، بترجيح اجتهاده في أحكامه، ولم أر نصاً صريحاً مسنداً إلى الإمام في كراهة قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة غاية ما رأيته في «المبسوط» وغيره: ولا يقرأ في صلاة الجنازة بشيء من القرآن.
وذكر الشارح مقابلته بافتراض الفاتحة عند الإمام الشافعي، فاقتضى نفي اللزوم لا نفي الجواز وسنبينه إن شاء الله تعالى.
فاعلم أن حقيقة صلاة الجنازة التكبيرات الأربع، وهي أركانها، والقيام، والتكبيرة الأولى لها شبه بالتحريمة؛ للدخول في الصلاة، والركنية؛ لقيامها مقام ركعة.
والنيةُ شرطٌ.
وسننها: الثناء في الأولى، والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - في الثانية، والدعاء للميت البالغ العاقل بالمغفرة، ولولي الصغير والمجنون في الثالثة، وقيام الإمام بحذاء الصدر؛ وترتيب الوضع في الصلاة على جمع.
وشرائطها: إسلام الميت، ولو بالتبعية، وغسله، أو تيممه لعذر قبل دفنه، وبعده يصلي بدونه على قبره ما لم يتفسخ، ولا يشترط طهارة سريره، ويشترط تقدمه وحضوره، أو حضور أكثر بدنه، أو نصفه أو نصفه مع رأسه، ووضعه على الأرض، وقيام المصلي عليها إلا لعذر.
وآدابها: منها المشي خلفها، والتأخر عنها بغير بعيد، والاتعاظ بها, والسكوت عن صوت بقراءة، أو ذكر والإسراع بها وبتجهيزها بعد تيقن موتها بنحو تغير لاحتمال غشي.
ويكره رفع الصوت بقراءة وذكر، ويذكر في نفسه، ولا يمشي عن يمينها ولا شمالها ولا يجلس قبل وضعها، ولا يرجع بدون تعزية وليها واستئذانه ولو دلالة، وقبل دفنه إلا لعذر، روي الكمال ابن الهمام رحمه الله تعالى: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من عزى أخاه بمصيبته، كساه الله من حلل الكرامة يوم القيامة» ,وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من عزى مصاباً فله مثل أجره» , وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: من عزى ثكلى كسي بردين في الجنة».
وفي الحديث ما معناه: «أول ما يتحف به المؤمن الغفران لمن صلى عليه»، و «للمصلي على الجنازة قيراط من الأجر، وإن حضر دفنه كان له قيراطان، كلٌ مثل أحد»، «ومن حمل جنازة أربعين خطوة، كفرت عنه أربعين كبيرة».
وباقي أحكامها ليس هذا محله.
ولنرجع لما نحن بصدده من أمر قراءة الفاتحة فيها، فعند الإمام الشافعي والإمام أحمد بن حنبل رحمهم الله تفترض الفاتحة، والصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم -، والدعاء.
ودار الأمر بين النص على عدم جواز القراءة، والنص على كراهتها في كلام أئمتنا الحنفية، وقد نصوا على استحباب مراعاة الخلاف في كثير من المسائل، ولم ارَ نصاً قاطعاً للمنع مقتضياً لعدم جواز قراءة الفاتحة في الجنازة.
ولم يتعرض في «الهداية» ومن تبعها للقراءة، لا نفياً ولا اثباتاً، إلا بالإشارة وكذا لم يتعرض لها، صاحب «العناية» الشيخ الأجل أكمل الدين، وكذلك الإمام فخر الدين عثمان الزيلعي شارح «الكنز» وأضرابهم.
وقال في «الاختيار» ولو قرأ الفاتحة بنية الدعاء، فلا بأس به، أما بنية التلاوة فمكروه، انتهي.
وفي «المحيط» و «التجنيس» لو قرأ الفاتحة بنية الدعاء، فلا بأس به، وإن قرأها بنية القراءة، لا تجوز لأنها محل الدعاء دون القراءة، انتهى.
وفي نفي الجواز بما ذكر تأمل، انتهى
وفي «معراج الدراية» ولا يقرأ الفاتحة، وبه قال مالكٌ، وفي دعاء الاستفتاح للشافعي قولان أحدهما: أنه يسن كسائر الصلوات، والثاني: لا يسن؛ لأن هذه الصلاة مبناها على التخفيف، ولهذا لا ركوع فيها ولا سجود، ولا قعده فيها.
وقراءة الفاتحة واجبة عنده، وبه قال أحمد وداود؛ ولما روى جابر رضي الله عنه انه عليه الصلاة والسلام كان يقرأ فيها بأم الكتاب.
وقرأ ابن عباس رضي الله عنهما الفاتحة وجهر بها، ثم قال: عمداً فعلت؛ ليعلم أنه سنة, وقال عليه الصلاة والسلام: «صلوا كما رأيتموني أصلي» ولأنها صلاة وجب فيها القيام، فيجب فيها القراءة كسائر الصلوات.
ولنا قول ابن مسعود رضي الله عنه: أنه عليه السلام لم يؤقت لنا في الصلاة على الجنازة دعاء لا قراءة، كبِر ما كبَر، الإمام واختر من الدعاء أطيبه.
وهكذا روي عن عبدالرحمن بن عوف وابن عمر؛ فإنهما قالا: ليس فيها قراءة شيء من القرآن، وتأويل حديث جابر أنه عليه الصلاة والسلام كان يقرأ على سبيل الثناء، لا على وجه القراءة.
وعنده لو قرأ الفاتحة على سبيل الثناء والدعاء، لا يكفيه.
وقال الترمذي: حديث جابر وابن عباس إسناده ليس بقوي، ولأن هذه ليست بصلاة حقيقية، وإنما هي دعاء، واستغفار للميت، ولهذا ليس فيها أركان الصلاة، وسميت بالصلاة؛ لما قلنا: إن الصلاة لغة الدعاء.
واشتراط الطهارة واستقبال القبلة فيها لا يدل على كونها صلاة حقيقه؛ كسجدة التلاوة، كذا في «المبسوط»، انتهت عبارة «الدراية».
وأقول: جميع ما استدل به إنما يفيد نفي افتراض قراءة الفاتحة، وأما الكراهة: فليس فيه إفادة كراهتها، بل يفيد سنية قراءتها.
أما استدلاله لنفي القراءة بقول ابن مسعود: فلا يفيده؛ لأنه إنما نفى التوقيت، وسنذكر أن ابن مسعود قرأ فيها، والراوي إذا فعل بخلاف ما روي بيقين، وهو أن لا يحتمل أن يكون مراداً من الخبر بوجه، يسقط العمل به كما في «شرح المنار».
وعمله هنا لا يخالف ما رواه؛ لأنه احتمل أن يكون مرادا من الخبر من وجه، وهو هنا كذلك؛ لأن فعله يحتمله مرويه، وهو عدم التوقيت، فيثبت به جواز القراءة، بل سنيتها، فكيف يستدل به على نفي القراءة؟
وأما ما رواه عن عبدالرحمن وابن عمر: فليس فيه نفي جواز القراءة فيحتمل أن يكون المنفي اللزوم لا الجواز.
وأما قوله: «وتأويل حديث جابر ... » فغير مسلم؛ لأن التأويل بحتمل القراءه على الثناء دعوى لا دليل عليها؛ لأن الثناء أمر مبطن لا يعلم إلا من الفاعل، وهو الرسول - صلى الله عليه وسلم -، والمتلو من قرآن حقيقة ً، لا يعدل عنها بدون صارف، والسنه فعل الرسول - صلى الله عليه وسلم - فبهذا ثبت سنية قراءة الفاتحه، لا نفي القراءة.
وأما قوله: «وإنما هي دعاء واستغفار للميت» الحصر غيرمسلم: لأنه لا يشترط للاستغفار والدعاء ما اشترط للصلاة على الميت، ونفي الحقيقة نقول به؛ لما أنها صلاة من وجه، فيقرأ فيها؛ لشبهها بالكاملة من وجه، ومما ينفي الحصر كيفية نيتها، وهي أن ينوي الصلاة لله تعالى، والدعاء للميت، فهي وإن لم تكن صلاة حقيقة كاملة، فهي صلاة من وجه.
وأما قوله: «ليس فيها أركان الصلاة ... »:المنفي كلها لا بعضها، فالقيام ركن اتفاقا فيها، والتحريمة فيها على اختيار الطحاوي، وقول محمد بركنية التحريمة، وهو لا ينفي جواز القراءة فيها.
وأما قوله: «واشتراط الطهارة واستقبال القبلة فيها لا يدل على كونها صلاة حقيقة ... » ليس نافياً لجواز القراءة؛ لأن المدعى ليس حقيقتها فينفيه، بل كونها صلاة من وجه، وليست سجدة التلاوة تماثلها؛ لأنه يلزم القيام في صلاة الجنازة، ومتابعة الإمام، وعدم التقدم عليه، وسجدة التلاوة لا يشترط فيها القيام، وإذا سجد تاليها، لا يشترط متابعته، ولا تقدمه حال السجود على السامعين.
على أنه لا يصح نفي القراءة في الجنازة بالقياس على سجدة التلاوة؛ لما أن تقليد الصحابي واجب، وهو عبارة عن اتباعه في قوله أو فعله معتقداً للحقيقة من غير تأمل في الدليل، يترك به القياس؛ لاحتمال السماع من النبي - صلى الله عليه وسلم - كما في «شرح المنار» لابن الملك، انتهى.
وهذا فيما لم يصف الصحابي فعله بكونه من السنة فإنه إذا قال: «من السنة كذا» يكون حكمه حكم الرفع، وقد وجدنا ذلك هنا بقول ابن عباس و فعله، كما سنذكره أنه قرأ الفاتحة وجهر بها.
وقال الكمال ابن الهمام في «فتح القدير»: قالوا: لا يقرأ الفاتحة إلا أن يقرأها بنية الثناء، ولم تثبت القراءة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وفي «موطأ مالك» عن نافع: أن ابن عمر كان لا يقرأ في الصلاة على الجنازة، انتهي.
وأقول: لفظه «قالوا» تذكر فيما فيه خلاف، والمنفي يحتمل أنه اللزوم، وعدم قراءة ابن عمر لا ينفي الجواز، ونفي ثبوت القراءة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إن أريد به لزومها، فمسلَم، وإن أريد عدم ورودها أصلاً، فسنذكر الدليل على ثبوتها عنه - صلى الله عليه وسلم - إن شاء الله تعالى.
وقال شارح «القدوري» الشيخ الإمام أبو نصر البغدادي رحمه الله تعالى: ليس في صلاة الجنازة قراءة، وقال الشافعي رحمه الله: لا بد من قراءة الفاتحة؛ لما روي ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال:) ما أوجب لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في صلاة الجنازة قولاً، ولا قراءة، كبر ما كبر الإمام، واختر من أطيب الكلام ما شئت (، ولأن القراءة لو وجبت في صلاة الجنازة، لتكرر وجوبها كسائر الصلوات.
فان قيل: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب».
قيل له: المراد به غير صلاة الجنازة بدليل أنه قال في الخبر: «يقرأ فيها بفاتحة الكتاب أو شيئاً من القرآن»، انتهى.
وأقول: إن قوله: «ما أوجب لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم» إلى آخره، يفسر ما تقدم عن ابن مسعود من قوله: «لم يؤقت لنا»، فهذا إنما ينفي وجوب قراءة الفاتحة، والخبر الذي رواه خيره بين قراءة الفاتحة أو شيء من القرآن، فلا ينفي القراءة.
وتقدم أن ابن مسعود قرأ، وفعله بين ما احتمله مرويه، فبهذا يثبت جواز قراءة الفاتحة، ولأن أدنى درجات عدم التوقيت الإباحة لا الكراهة، كما أبيح من أطيب الكلام ما شاء.
فقول الشيخ أبي نصر رحمه الله: «ليس في صلاة الجنازه قراءة»، المنفي به الوجوب لا الجواز.
وقال الإمام النَسفيُ في «الكافي» ولا يقرأ الفاتحه عقيب الأولى خلافاً للشافعي؛ لأن ما هو ركن مفرد لم يشرع فيها قراءة شيء؛ كسجدة التلاوة، واعتبرها الشافعي بسائر الصلوات.
وقد يقال: المقيس عليه ليس صلاة أصلاً، فلا يماثل صلاة الجنازة؛ لأنها ذات أركان أربع، والقيام فيها شرط صحتها كما بيناه، وعلمت أن فعل الصحابي يترك به القياس.
وقد جعلها في «الكافي» صلاة من وجه بقوله بعد هذا: إنه لا يصلي راكباً استحساناً؛ لأنها صلاة من وجه، لوجود التحريمة، واستقبال القبلة، وفي حكم القيام تشارك سائر الصلوات، وكما أن ترك التكبير والاستقبال يمنع الاعتداد بها، فكذا ترك القيام، انتهى كلامه.
وهو يلزم القراءة كما لزم القيام؛ لكونها صلاة من وجهِ، فلا أقل من ثبوت جواز القراءة، فقوله قبله: «لم يشرع فيها قراءة» إنما يسلم أن يكون المنفي به شرعية اللزوم لهذا المعنى الذي ذكره بعده.
وقول المحقق الكمال ابن الهمام فيما تقدم: «ولم تثبت القراءه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -»، لا ينفي جوازها.
ونقول: بل تثبت القراءة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فالمنفي إنما يكون ثبوت اللزوم لا نفس القراءة؛ اذ نفيها غير مسلم، فإنني قد رأيت بخط أستاذي العلَامه الشيخ الإمام محمد المحبي الحنفي رحمه الله على نسخته من «شرح الشيخ ابن الهمام على الهداية» ما صورته:
قد يستدل على القراءة في الجنازة بعموم حديث: «لا صلاه إلا بفاتحة الكتاب»، وعن أم شريك: «أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نقرأ على الجنازة بفاتحة الكتاب»، رواه ابن ماجه.
وعن ابن عباس: أنه صلى على جنازة، فقرأ بفاتحة الكتاب، وقال: «لتعلموا أنه من السنة»، رواه البخاري وصححه الترمذي.
وعن جابر: أنه عليه السلام كبَر على جنازة أربعاً، وقرأ بفاتحة الكتاب بعد التكبيرة الأولى.
وعن أبي أمامة بن سهل قال: من السنه أن يقرأ على الجنازة بفاتحة الكتاب، رواها الشافعي في «مسنده».
وسنذكر أن قول الصحابي: «من السنة كذا» حكمه الرفع.
وروى سعيد، وابن المنذر: كان ابن مسعود يقرأ على الجنازة بفاتحة الكتاب.
قلت: وفيه عمل الرواي بخلاف ما روى من وجه، فيعمل به كما تقدم، انتهى.
وعن عبدالله بن عمرو مثله، رواه الأثرم وعن مجاهد: سألت ثمانية عشر صحابياً، فقالوا: يقرأ، رواه الاثرم، هكذا للشيخ قاسم فيما أظن، انتهى.
ما رأيته بخط أستاذي رحمه الله.
قلت: وهذا ينظر به إلى ما قاله الكمال: «لم تثبت القراءة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -»؛ لأن قول الصحابي: «إنه من السنة» حكمه الرفع كما سنذكره، وتقدم رواية عن جابر أنه صلى الله عليه وسلم قرأ بفاتحة كتاب بعد التكبيرة الأولى.
وقال العلامة ابن الضياء شارح «المجمع»: ولا نعين الفاتحة، وعند الشافعي يقرأ الفاتحة، يعني لزوماً؛ لكون صلاة الجنازة صلاة من وجه، فيتناولها قوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب»، وبه قال أحمد.
وروي عن ابن عباس أنه صلى على الجنازة، فقرأ فيها بفاتحة الكتاب، وجهر بها، وقال: إنما جهرت لتعلموا أنه سنة، ذكره الترمذي وغيره.
ولنا ما روي ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: ما وقَت لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في صلاة الجنازة قولاً ولا قراءة، كبر ما كبر الإمام، واختر من أطيب الكلام ما شئت. انتهى.
قلت: وقدمنا أن ابن مسعود كان يقرأ على الجنازة بفاتحة الكتاب، فالمنفي في روايته توقيت القراءة لا جوازها، وفعله ليس من قبيل إسقاط العمل بما رواه؛ لأنه ليس مخالفاً من كل وجه، بل ورد بياناً لما يحتمله ما رواه من عدم التأقيت لزوماً,. انتهى.
ثم قال ابن الضياء: قال ابن بطال: وممن كان لا يقرأ في صلاة الجنازة وينكر: عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وابن عمر، وأبو هريرة، ومن التابعين عطاء، وطاووس، وسعيد بن المسيب، وابن سرين، وابن جبير، والشعيبي، والحاكم.
وقال مالك: قراءة القرآن في صلاة الجنازة ليست بمعمول بها في بلدنا.
وقول ابن عباس: «إنها سنة» سلمنا ذلك، ولكن لا نسلم أنها سنة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقد تكون سنة لغير النبي صلى الله عليه وسلم، ألا ترى لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «من سن سنةً حسنة، فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة».
وأما قوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب»، قلنا: لا نسلم أن مطلق الصلاة يدل على صلاة الجنازة؛ لأنها صلاة مقيدة، والمطلق لا يدل على المقيد.
ومن وجهة النظر أنها لو كانت مسنونة لجازت قراءتها بعد كل تكبيرة كما جازت في كل ركعة؛ لأن كل تكبيرة بمنزلة ركعة، وإن قرأ الفاتحة بنية الدعاء جاز، انتهت عبارة ابن الضياء رحمه الله.
وأقول: قدمنا قراءة ابن مسعود خلافا لما روى، وأنه يحتمله مرويه.
وقوله: «وممن كان لا يقرأ وينكر» لم يدكر مفعوله، فيحتمل: ينكر الوجوب، وبه نقول، إنما الكلام في الجواز.
وقول الإمام مالك: «قراءة القرآن في صلاة الجنازة ليست بمعمول بها في بلدنا»: يحتمل نفي العمل وجوباً أو جوازاً، فلا يستدل به على المدعي.
وقول ابن الضياء: «سلمنا قول ابن عباس: إنها سنة ... » إلى آخره، لا يكفي لإثبات المدعي، وهو نفي القراءة؛ لأنه سلم كونها سنة حسنة، فأثبت جوازها، ولكن هو يريد نفي سنيتها ومشروعيتها.
ويرد عليه ويثبت سنيتها قول المحقق ابن الهمام ـ كما في «التحرير» ـ: وقوله ـ أي صحابي ـ: «من السنة» ظاهر عند الأكثر في سنته عليه السلام؛ كقول علي رضي الله عنه: «من السنة وضع الأكف على الأكف في الصلاة تحت السرة»، رواه أبو داود، وابن الأعرابي، انتهى.
وكذا نص الحافظ العراقي رحمه الله بقوله:
قول ... الصحابي: ... «من السنة» أو ... نحو: أمرنا حكمه الرفع ولو
بعد النبي قاله بأعصر ... على الصحيح، وهو قول الأكثر
أي: أكثر العلماء، سواء قاله في محل الاحتجاج، أو لا، تأمر عليه غير النبي - صلى الله عليه وسلم -، أم لا؛ لأنه المتبادر إلى الذهن عند إطلاق هذه الألفاظ؛ لأن مدلولها منه - صلى الله عليه وسلم -، أصل؛ لأنه الشارع، ومن غيره له، مع ان الظاهر أن مقصود الصحابي بيان الشرع.
ومقابل الصحيح الذي هو قول الأكثر: أنه لا يحكم لذلك بالرفع لاحتمال أنه من غير النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ كسنة البلد، وسنة الخلفاء الراشدين، وأمرهم ونهيهم، فمحل الخلاف ـ كما قال دقيق العيد ـ إذا كان للاجتهاد في المروي بحال، وإلا فحكمه الرفع قطعاً، كذا قال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري في «شرحه ألفية العراقي» رحمه الله تعالى.
فانتفى به حمل ابن الضياء قول الصحابي على أنه طريقة حسنةٌ؛ لأنه ليس الصحيح، وثبت على الصحيح سنة القراءة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بقول ابن عباس: «إنها سنة»؛ أي: قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة.
ومع هذا قال في «شرح المنار» لابن الملك: وتقليد الصحابي واجب، وهو عبارة عن اتباعه في قوله او فعله؛ يعني: الذي لم يصفه بكونه من السنة، فيجب تقليد الصحابي فيه، ويعتقد المقلد حقيقته من غير تأمل في الدليل، ويترك به القياس لاحتمال السماع من النبي - صلى الله عليه وسلم -، انتهى.
فهذا نص على وجوب اتباع ابن عباس ولزومه في حقيقة سنة قراءة الفاتحة، فكيف مع بيان ابن عباس وجه جهره بقراءة الفاتحة على الجنازة بأنه فعل ذلك عمداً؛ ليعلموا أنه من السنة فلا يعدل عنه؛ لأنه نص من ابن عباس رضي الله عنهما، فوجب تقليده؛ لأنه فعل وقال، فلزمنا ذلك بقوله في «المنار»: تقليد الصحابي واجب في قوله وفعله المجرد عن وصفه بأنه من السنة، فكيف وقد وصفه ابن عباس بأنه فعله عمداً؛ ليعلموا أنه من السنة.
فهذا نص على وجوب اتباع ابن عباس ولزومه في حقيقه سنة قراءة الفاتحة، فكيف مع بيان ابن عباس وجه جهره بقراءة الفاتحة على الجنازة بأنه فعل ذلك عمداً؛ ليعلموا أنه من السنة فلا يعدل عنه؛ لأنه نص من ابن عباس رضي الله عنهما، فوجب تقليده؛ لأنه فعل وقال، فلزمنا ذلك بقوله في "المنار": تقليد الصحابي واجب في قوله وفعله المجرد عن وصفه بأنه من السنة، فكيف وقد وصفه ابن عباس بأنه فعله عمداً؛ ليعلموا أنه من السنة.
فبهذا ثبت سنة قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة بكلام أئمتنا في أصول الفقه بوجوب تقليد الصحابي، فكيف يحكم مع ذلك في كتب الفروع بكراهية قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة.
وقوله ـ أي: ابن الضياء ـ: «لا نسلم أن مطلق الصلاة في قوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب» يدل على صلاة الجنازة؛ لأنها صلاة مقيدة، والمطلق لا يدل على المقيد».
وهذا القول من ابن الضياء لا يثبت مدعاه، ولا ينفي جواز قراءة الفاتحة في الجنازة، ولو كانت ليست صلاة كاملة؛ لأنها لها حكم الكاملة لزوماً عند الشافعي، ونقول بموجب الدليل جوازاً.
وأما كون صلاة الجنازة مشروعه للدعاء للميت، فلا يثبت لزوم قراءة الفاتحة في كل تكبيرة، ولا سنيتها في كل تكبيرة عند الشافعي، فانتقى وجه النظر الذي قاله ابن الضياء.
فبهذا النص المذكور في أصول الفقه عند أئمتنا لم نر وجها يقتضي كراهة الفاتحة في صلاة الجنازة، بل نصهم ملزم سنيتها كما علمته، وفي «المبسوط» شمس الأئمة السرخسي رحمه الله، قال: ولا يقرأ في صلاة الجنازة بشيء من القرآن، وقال الشافعي يفترض قراءة الفاتحة فيها، وموضعها ـ يعني: الأفضل ـ عقيب تكبيرة الافتتاح؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا صلاة إلا بقراءة الفاتحة»، وهذه صلاة بدليل اشتراط الطهارة واستقبال القبلة فيها.
وفي حديث جابر رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ في الصلاة على الجنازة بأم القرآن، وقرأ ابن عباس فيها بالفاتحة، وجهر، ثم قال: عمداً فعلت ليعلم أنها سنة.
ولنا حديث ابن مسعود، وقال: لم يؤقت لنا في الصلاة على الجنازة دعاء ولا قراءة، كبر ما كبر، واختر من الدعاء أطيبه.
وهكذا روي عن عبد الرحمن بن عوف وابن عمر أنهما قالا: ليس فيها قراءة شيء من القرآن، وتأويل حديث جابر أنه كان قرأ على سبيل الثناء لا على وجه القراءة، انتهى.
قلت: قدمنا أن التأويل غير مسلم؛ إذ لا يعلم قصد الثناء إلا من التالي؛ لأنه أمر مبطن، والنبي صلى الله عليه سلم؛ لأنه الشارع، وأقل مراتب القراءة سنيتها.
وقد علمنا قول ابن عباس: إنه من السنة، وعلمنا أن حكمه الرفع، كما بيناه، وقدمنا النص في الأصول على وجوب اتباع الصحابي في قوله وفعله الخالي عن وصفه بأنه من السنه، وأنه يترك به القياس، فكيف مع وصفه بأنه من السنة.
وقدمنا ما رواه ابن ماجه، عن أم شريك: أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نقرأ على الجنازة بفاتحة الكتاب.
ورواية جابر: أن - صلى الله عليه وسلم - كبَر على جنازة أٍربعاً، وقرأ بفاتحة الكتاب بعد التكبيرة الأولى.
وما عن أبي أمامة قال: من السنة أن يقرأ على الجنازة بفاتحة الكتاب.
[وما عن ابن مسعود انه كان يقرأ على الجنازة بفاتحة الكتاب]
وما عن ابن عمر مثله، وما عن مجاهد: سألت ثمانية عشر صحابياً، فقالوا: يقرأ، فهذا كله يثبت سنة قراءة الفاتحة مع نص أئمتنا في كتب الأصول على مثله، فكيف تكون القراءة مكروهة أو غير جائزة مع ذلك كما نص عليه في الفروع من كتب المذهب.
وقال في «النتف»: وأما الصلاة على الجنازة، أهي صلاة على الحقيقة أم لا؟ فإن في قول: «هـ ص» هي دعاء في الحقيقة وليست بصلاة؛ لأنه لا قراءة فيها، ولا ركوع ولا سجود، وفي قول «ع» هي صلاة على الحقيقة بعشرة علل فيها، لأجل التكبير، والتسليم، واستقبال القبلة، وتقدم الإمام، واصطفاف القوم خلفه، والطهارة، والامتناع من الكلام، ومتابعة الإمام، ورفع اليدين عند التكبيرة الأولى وتعارف إياها بالصلاة، وأكد ذلك قوله تعالى: [ولا تصلي على أحد منهم مات أبدا] [التوبة: 84]، انتهى.
وقلت: ويزداد عليها القيام، وستر العورة، ولزوم وقوف المصلي على الأرض، ولزوم وضعها على الأرض بدون عذر.
وأما نفي القراءة فيها: فهو لا ينفي جوازها، بل لزومها.
وقال في «القنية»: [لا قراءة] في صلاة الجنازة، وفي التكبيرة الأولى يحب التحميد، ولو قرأ فيه «الحمد لله» جاز، ولو كان ساكتا تجوز صلاة، انتهى. فالمنفى لزوم القراءة، لا جوازها.
وكتب فاضل تحت قوله: ولو قرأ فيه «الحمدلله» أي: إلى آخر السورة، جاز، انتهى.
وهذا نص على جواز قراءة الفاتحة بكونها بكونها قرآناً، وهو موافق لما علمته من كتب الأصول موافقا ً للسنة.
ومن الفروع التي نص فيها على استحباب مراعاة الخلاف؛ [كمس الذكر، ومس المرأة]، وأكل لحم الجزور، فيعاد بها الوضوء استحباباً، وقهقهته خارج، والرجعه بالقول؛ لإيجابه عند مجتهد، وصيغة الإيجاب والقبول في البياعات دون التعاطي، فبذلك تستحب قراءة الفاتحة؛ مراعاة للخلاف المقتضي بطلان الصلاة بدون قراءتها، مع موافقة كتب الأصول عندنا على سنيتها، فلا يعدل عنه، والله سبحانه هو الموفق بمنة وكرمه، هذا ما ذكرته لك واختر بنفسك ما يحلو, والله الموفق بمنه وكرمة، انتهى.