المقبول لرد الافتا المعلول بدية المقتول
للإمام حسن بن عمار الشُّرُنبُلالِي
توفي سنة (1069 هـ)
جارٍ تحميل الكتاب…
المقبول لرد الافتا المعلول بدية المقتول
للإمام حسن بن عمار الشُّرُنبُلالِي
توفي سنة (1069 هـ)
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمدُ للهِ الّذِي أَسبغَ نِعمَه، ودَفعَ نِقمَه، ووَفّقَ مَن علّمَه، وفَهمَه، وأَطلَعَه على أَسرارِ المسايلِ المُشكلةِ، والمُبهَمةِ؛ فأزَالَ شُبهَتَها، وَكَشَفَ عن طلابِها، وَالصّلاةُ والسلام على سيّدنا مُحَمّدٍ كاشفَ شرفَ الضلالِ وعلى آله، وأَصحابهِ والتّابِعين بجَميلِ الأحوالِ بِتوَالي نِعَمِ ذي الجلالِ والأفضالِ وبعد:
فَهذهِ نَبذةٍ يسيرةٍ؛ لدفعِ شبهةِ عن مسئلةِ في القسامةِ شهيرةٍ، وسمَيتُها:
«النّصُ المقبولُ لردِّ الافتَا المعلولِ بديةِ المقتولِ»
وصورةُ الحادثةِ: سُئِلَ عن قَتلَى، وجِدوا في بيتٍ موقوفٍ على جماعةٍ مُعَيّنين، والقاتلُ مجهولٌ؛ فَهَل تكونُ القَسامَةُ والديّةُ، على أَهلهِ الموقوفِ عليهم ولبيتِ المالِ، أَخذُ الدّيّة حَيثُ جَهِلَ الوارثُ. أَجابَ حَنفيُّ بِقَولِهِ: الحمدُ للهِ الهادي للصَّوابِ، إِذا وجِدَ قَتيلٌ في أَرضِ، أَو دَارٍ موقوفةٍ على أَربابٍ معلومين، فالقسامةُ والدّيّةُ على أَربابِها، وَإِن كانت مَوقوفةٌ على المسجدِ؛ فَهو كمَا لَو وُجِدَ في المسجدِ؛ فَيجبُ على أَهلِ المَحِلّةِ القسامةَ والديَةَ، كَذا في «المحيطِ» وفي «التتارخانيةِ» مُعزِياً إلى «البقالى»: ‹‹إِذا وجِدَ القتيلُ في وقفٍ إِن كان الوقفُ على قومٍ معلومين؛ فالدّيّةُ والقسامةُ عليهم انتهى. ››]
وحيثُ لا وارثَ للقتيلِ فديّتُهُ لبيتِ المالَ المعموره، واللهُ - سبحانه وتعالى اعلَم. كَتَبَهُ: (فُلانُ الحَنفِيِّ)، وَرَفعَ الي خَطَّهُ، وَمَا سَطّرَه فَرَدَدتَه، وَكَتبتُ الحُكمَ المنصوصَ عَليهِ وبيّنتَه، وسطّرتُ المسألةَ؛ فقلتُ: مستعيناً باِللهِ ـ تعالى-
إِنّ جَوابَه، فِيهِ خَللٍ، وَهوَ خَطَا، وَفِيهِ إِيجابٍ ومالٍ عظيمٍ على مَن لَم يَلزَمهُ شيئاً منه؛ فإَنّهُ لمّا صَدرَ ذَلك، مسّك بعضَ الموقوفِ عليهم لوجودِ القَتلَى في البيتِ الموقوفِ و بهِ ساكنٍ.
والموقوفُ عَلَيهِم بِبُعدٍ مِنه؛ فَألزَمَ أَي الّذي مُسِّك بمالٍ عظيمٍ؛ أَدّى إِلى استيصالِه بمفرَدِه، اعتماداً على هذه الزَّلَّةِ العظيمةِ الصَّادرةِ من ذلكَ المجيبِ بِفتواه الباطلةِ؛ فإنّ لله وإِنّا إِلَيه راجعون.
وَسَطّرتُ الحُكمَ وبَيّنتَه لِيَعلَمَهُ من يريدُ الوقوفَ على حدودِ الشريعةِ ولِطُلّابِ العلمَ ودَّفعِ الذريعةَ؛ فإِنّ الفروعَ وإِن ذَكَرتُ في معظمِ الكتبِ وأَجلُّها لا يُفتى بِمُجرّدِ ما نُعطي من الحكمِ المجملِ؛ فإِنّ بَياَنَه في غيرِ ذلك الموطن، والأَحكامُ والمسائِلُ مرتبطةٌ بِبعضِها خصوصاً مثلُ هذا الفرعُ المذكور.
مُلَخصُّ الحُكمُ فِيه: إِنّ الموقوفَ عليهم، إِذا كان لَهم النّظَرُ، وَوِلايةُ التدبير، ولم يَفُت عنهُم مِنهُ غيَر البيعِ، صارَ كالمملوكِ لهم؛ فلا بدّ، وأَن يدّعي ولّيُ المقتولِ الموجودِ به القتلِ منهم، أو من مُعيّن مُنهم، إِمَّا قَتلاً عمداً، أَو خطاء بمحددٍ، أَو غيرِه.
ثُمَّ بعدَها يَحلِفُ خمسون رجلاً، لا فَرقَ في تَحليفِ الخمسين بين دعوى القتلِ عمداً أَو خَطَا، أَمّا الدّيّةُ؛ فعلى أَهلِ المَحِلّةِ في دعوى العمدِ، وعليهم، وعلى العاقلةِ في دعوى الخطا كما في «الذخيرةِ».
وهذا بعد صحةِالمعلومةِ في محلِها، وطلبَ القسامةَ بِشروطِها، ثم بعدَها يَقضى بالديَةِ في ثلاثِ سنينَ بحيثِ لا تزيدَ غرامةُ المدَّعى عَليه، ولا غرامةَ غَيرِه على أكثرِ من أربعةِ دراهمِ فضةٍ، توخذُ في ثلاثِ سنين كما هو‹‹ مَبسوط» في محلِه، وهذا كلَّهُ من اللازمِ على المجيبِ؛ الدعوى بشروطِها وقد تَرك.
وإذا لَم يَكُن للموقوفِ عليهم ولايةَ التدبيرِ، كبيتٍ، أَو أَرضِ وقفِ مسجدٍ، أو جامعٍ ولَه خدامٌ وقرا، ومُؤَذِنون، وخَطيبٌ و إِمامٌ، وغيرُهم. لا قائِلَ بِأَنَّ القسامةَ، والديةَ عَلِيهم، أو على فرضٍ؛ أَن يَكونَ لَهم ولايةُ التدبيرِ؛ لا بُدَّ من دَعوى القتلِ علِيهم، أو على مُعيَّنٍ مِنهُم، وهو (منتفٍ) وقد حصلَ الابهامُ
والابهامُ في قولِ المجيبِ: وَإِن كانت موقوفةٌ على المسجدِ فَهو كمَا لَو وجدَ في المسجدِ وليسَ المرادُ مطلقَ المسجدِ؛ بل هو الخاصُ بقومٍ بسكةٍ غيرِ نافذة؛ لأَنَّ مساجدَ الشوارعِ المسلوكةِ، والجوامعَ للعامةِ، لا يَقضِى بوجودِ القتيلِ فيها على أحدِ، وديَّتُه في بيتِ المالِ، ولا قسامةَ فيه.
وقد وقعَ في عِبارةِ ‹‹الهدايةِ» إِبهامٍ بمثلِ الفرعِ المذكورِ ‹‹وَنَصُّها: قتيلٌ وُجِدَ في مَحِلَّةٍ، إِذا حَلَفوا قَضى على أهلِ المَحِلَّةِ بالديةِ» انتهى، وَقالَ شارِحُها: ليسَ المرادُ ظاهرَ الإِيجابِ على المَحِلَّة، بلِ المرادُ عواقِلَهم مَعَهم.
وقالَ ـ الإِمامُ جلالِ الدينِ الخَبِّازي ـ: قولُه، يعنى صاحبُ ‹‹ الهدايةِ ››:‹‹فَإِذا حَلَفوا قَضَى عَلى أَهلِ المَحِلَّةِ بالديِّةِ أي على عاقلةِ أَهلِ المَحِلَّةِ في ثلاثِ سنينَ؛ لإِنَّ حالَهم هُنا دونَ حالِ مَن باشَر القَتلَ خَطَا، وإِذا كانت الدَّيَّةُ هناك على عاقِلَتِه أَي مَعَه في ثلاثِ سنينَ فهاهنا أَولي انتهى
قُلتُ: لكنَّ صاحبَ ‹‹الهدايةِ» - رَحِمَه الله - وإِن أَطلَقَ الإيجابَ هُنا على أَهلِ المَحِلَّةِ فقد بَيَّنَهُ وبيِّن من يُقضى عليه ومِقدَارُ المأخوذِ من كلِّ فردٍ بعدَ ذلك؛ فَإِنَّه قَال: بَعدَ هذا ‹‹ومَنِ اشتري داراً، فَلَم يَقبِضها حتى وَجدَ فيها قتيلٍ إِلى أن قَالَ: فَهُو على عاقِلَتِه»،
وقالَ أَيضاً: ‹‹ ومَن كان في يَدِهِ دارٌ، فوَجَدَ فيها قتيلاً، لَم يَعقِلهُ العاقلةَ حتى يَشهدُ الشهودُ أَنَّها لِلّذي في يَدِه»: يَعني؛ إِذا أَنكَرَت العاقلةُ أَن تَكونَ الدارُ لَه، وَقالوا: أَّنَّها وَديعةٌ في يَدِه.
ثمَّ ذَكرَ في كتابِ المعاقلَ: «إِنَّ القاتلَ خطا كواحدٍ»؛أَي في قدرِ ما يُؤخَذُ مِنهُ في الدَّيَّةِ، للتحقيقِ عَنهُ فَقَد بَيَّن المرادَ بكونِ القضا على أَهلِ المحلةِ مع عاقِلَتِهم لِهذا كصاحبِ الدارِ، فكلامَه شارحٌ لِبَعضِ بعضاً، فلا مُؤَاخَذةَ عَلَيهِ إِلَّا أَن يكونَ قد اقتَصَرَ على ذلِك وقد بَسَّطَه وَبَيَّنَه فَإِجمَالَه في عبارة
وقد أظهَرَ المُرَادَ مِنها في غًيرِها طريقةُ المؤلفين - رحمهم الله – وفي التترخانيةِ عن المنتقي:‹‹ كلّ قتيلٍ وجِدَ في المَسجِدِ الجامع، ولا يَدري من قتلهُ، أَو قتلهُ رجلاً مِن المٌسلِمين، ولا يَدري من هو؟ أَو زاحمه النّاسَ يومَ جمعةٍ؛ فَقَتَلوه فديّتهٌ في بيتِ المال يَعنى، ولا قَسامّة فيه، وإِذا وجِدَ القتيلٌ في المسجدِ لقبيلةِ، فَهٌو على عاقلةِ القبيلة، وإِن كان في دربِ غيرَ نافذٍ، ومٌصَلّاه واحدٌ؛ كان على عاقلةِ أصحابُ الدربِ»، يَعني في دَعوى الخَطَا كما تقدّم.
وَفي البقّالي: ‹‹إِذا وجِدَ القَتيلُ في وقفِ المسجدِ فَهوَ كَوجودِه في المسجدِ الجامعِ كانت الديةُ في بيتِ المالِ» انتهى.
فبعدَ هذا التصريحِ، والتفصيلِ، كيف يسوغُ إِطلاقَ الجوابَ الذي سطّرَهُ ذلكَ المجيبُ!؟ ثمّ إنّ المجيبَ (قال) عدّهُ من تِلقاءِ نفسِهِ، وحيثُ وارثَ للقتيلِ؛ فَديّتُهُ لبيتِ المالِ فأَطلَقَ الأَخذ لِظاهِرِهِ جملةً فقد ظَلمَ نَفسَهُ، فَأَوقَعَ غيرَهُ فيهِ فَلا حَولَ وَلَا قوّةَ إِلّا بالله العليّ العظيم انتهى بحسب ضيق الحالة تسطير هذه المقالة وصلى الله على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه وسلم