البديعة المهمة لبيان نقض القسمة
للإمام حسن بن عمار الشرنبلالي الحنفي
توفي سنة 1069هـ
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
جارٍ تحميل الكتاب…
البديعة المهمة لبيان نقض القسمة
للإمام حسن بن عمار الشرنبلالي الحنفي
توفي سنة 1069هـ
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين
الحمد الله الموفّق للسَّداد الهادي إلى سبيل الرَّشادِ، المنزَّهِ عَنِ والأولاد، المنعم على العِبادِ بالإيجادِ والإمداد، المُنزِّلِ أُمورَهم بِقَدَرِه وحُكمه على ترتيب جميل وإفراد الموضّح الطَّريقَ لمَن يركب جَوادَ التَّحقيقِ فنالَ المُنَى بالجد والاجتهاد، ومَن قصَّرَ في ذلك ولم يسلك تلك المسالك مال عنِ الصَّوابِ وحاد، من يهدِ الله فهوَ المُهتدي، ومَن يُضْلِلْ فما له من هاد.
والصَّلاة والسَّلامُ المتّصلانِ إلى أبد الآبادِ على سيدنا محمد أحمد الحماد وأعبدِ العُبَّادِ، الذي كان يأمرُ باتِّباع الحقِّ وتركِ العِناد، وعلى آله وصحبه وشيعته ووارثيه وحزبه الذين هم لشَرْعِه الشَّريف أوتاد، ولاتصالنا به منهم أشرفُ إسناد. قال شيخ الإسلامِ مُفتي الأنامِ نورُ الدِّينِ علي المقدِسِيُّ، شارحُ نظمِ الكَنز» شيخ مشايخي رحمهم الله:
أبصره صاحب جامع الفصولين» لقال: هذا ثالث الإمامين بغير مَيْنِ، أو عاصر جامع صدر الشريعةِ لأدهشه تأسيه وتفضيله وتفريعه، وأضحى تابعه ومطيعه، أو اجتمع به مُؤلِّفُ «فصولِ العمادي لقال: اتباع هذا الإمام غاية إسعادي، أو شاهده صاحب «المجمع» لشهد بأنه خاتمةُ المُحقِّقِينَ أجمع، أو صاحب درر البحار» لقال: هذا العمري البحرُ الزَّخَارُ.
وأما التفسير: فلو راه الفخر الرازي لأثنى عليه، أو العلامة جار الله لقال: هذا الإمام الذي تُشدُّ الرحال إليه. وأما الحديث: فهو فيه ابن العساكر، والذهبي حينَ يُقررُ أو يُداكِرُ. وأما النحو: فلفظه قطر الندى، وحفظه بَلْ الصَّدَى، وجمعه مُغني اللبيب، وتقريره شافي الكتيب، يشهد له نعنه باله مبتدأ العلوم ومبديها، واشتهر عنه الخبر بأنه فاعل الكمالات ومشديها، فهو مَصْدَرُها ومَورِدُها ومَوثِلُها ومحيدها، فلو أدركه مَلِكُ النُّحاة سيبويه لسعى بجنده إليه، أو ابنُ عُصْفُورٍ لرفرف عليه بجناحيه، وصله الخليفة من بعده.
وأما اللغة: فهو قاموس العلوم، ونظامُ غَريبٍ منطوقها والمفهوم، فلو أبصَرَه الجَوْهَرِيُّ لاستغنى بألفاظه الصحاح عن صحاحِه، أو المَجْدُ لَرَأَى تَرْكَ قاموسه عَينَ صَلاحِه.
وأَمَّا التصوف فلو رآه ابن عربي لأفحم به الغَبِي، أو أبصره إمامٌ رَبَّاني لقال: هذا الجنيد الثاني. وأما المعاني والبيان: فلفظه المُختَصَرُ والمطوّل تلخيص المعاني، وتأصيله وتأسيسه أرواح المباني، فمِن كُلِّ عِلم حاز منا فَضِيلة، ومِن كُلِّ فنّ حاز أمنى المراتب، إلى غير ذلك من فنونِ يطول عدها، ويفي الامتحان بأنه في المجموع فردها. وكان إذا نثر فالأنْجُمُ الزُّهرُ بعضُ يثاره، أو نظم لم يقنع منَ الدُّرْ إِلَّا بِكِبَارِه، تفقه في بدايتِه ورَيعانِ شبابه على قاضي القضاة الطرابلسي والغزي وغيرهما، وأخذ الفنون العقلية عنِ النَّاصِرِ اللَّقَانِيُّ، والشيخ مغوش المغربي، والشهابِ الرَّملي، والنَّاصر الطبلاوي، والشيخ أبي الحَسَنِ البكري وغيرهم، وجد واجتهد حتى انفردَ والزَّمانُ بأهله مشحون، والعصر بمحاسِينِ بَنِيهِ مَفْتُون، وسار علماء مصر قاطبة، واستوطنها والأرضُ المُقدَّسة له خاطبة طالبة، وقَطَعَ بها مُقامه في عِلمٍ يَنشُره وحَقٌّ يَنصُرُه، وإفتاء يعتمد عليه فقهاء الآفاق، ويتمسك به حُكّام مصر والحجاز والعراق، وانتهت إليه مشيخة السليمانية بالاستحقاق، ولم يرق صهوتها ولا امتطى ذروتها أعلم منه على الإطلاق، فشَرُفَ قدرها وكَمُل بدرها، وشرح بنصوص مذهب الإمام أبي حنيفة صدرها، وصارَ يُلقي بها =
وبعد: فقد تكرّرَ السُّؤال في جمع كلام في مسألة الوقفِ على الأولاد، مع الترتيب والتقييد المُشتبه على بعض الأفراد، ووقع من بعض المُتأخرين تخطئة ا جمع من أعيان الأفاضل الذين هم للعلم خُصوصاً الفقة أطواد، ونسبهم إلى الغفلة
ولعلهم ينسبونه إلى الرُّقادِ، وطلب منا تحرير المَقامِ وبيان ما فيه مِنَ الوَهمِ والإيهام وما عليه الاعتماد من غير تطويل في الكلام وازدياد، فنذكر السُّؤال بعينه لأمورٍ لا تخفى، ونسأل الله الإسعاف والإسعاد، في المبدأ والمعاد، وأن يجعل ذلك خالصاً لوجهه الكريم الذي هو أسنَى مُراد.
دروساً محققة مفيدة، يأتي بتقول غريبة وأبحاث فوائدها عديدةٌ، حَتَّى خَضَعَتِ الأعناق إليه، وجَمَّتِ الأسود بين يديه، وعُرِفَ بذلك قدره بينَ الرَّجالِ حتَّى أَنشده لِسانُ الحال:
وحدثتني يا سعد عنه فزدتني شجونَا فَزِدْنِي مِنْ حَدِيثِكَ يَا سَعْدُ ثمَّ وَلِيَ مَشيخة المُؤيدية، فسلك فيها سُبُلَه المَرْضِيَّة، وقام بشروطها، وطرز وَشْيَ أعلامها وشروطها، ثم صار في آخر عُمُرِه حفيظاً على المراقبة، يقوم الليل في عبادة رب العالمين، وينام النهار بعد التوقيع على أسئلة المسلمين، ويبر الفقراء ويتحبَّلُ على كتمان أمره، ويُفرِّقُ الذهب ويُحافظ على ستره. وكان يجتمع بالفقراء ويُحبهم ويحبونه، ويعرفهم ويعرفونه، ويُكرم الحاضر والبادي، وكم له على مصر من الأيادي، يُعظم الصوفية ويُحسنُ فيهم الاعتقاد، ويقول: طريق الصوفية إذا صحت طريق الرشاد، ورأى المصطفى مراراً عديدة، وأخبره شيخه الشيخ كريمُ الدِّينِ الخلوتي أنه شهد الوحدة في الكثرة، والكثرة في الوحدة، وأنه وصل إلى مقام استحق أن يأخذ العهد ويُربي وأجازه بذلك.
ولم يزل على هذا حتَّى حل بحماه الحمام، وأبكى عليه حتى الحمام، ليلة السبت ثامن عشر جمادى الثاني سنة أربع بعد الألف، وصلي عليه بالجامع الأزهر في محفلٍ، ودُفنَ بينَ القَصَرَينِ من يوم السبت بتربة المجاورين، وأجمع أهل الخلافِ والوفاق أنه لم يخلف بعده مثله على الإطلاق. انتهى من آخر طبقات المناوي.
الحمد لله رب العالمين، ما قولكم رضي الله عنكم في شخص وقَفَ وقفاً على نفسه أيام حياته، ثمَّ مِن بعده على جماعة مُعيَّنين بكتاب وقفه، وما فَضُل بعد ذلك يُصرَفُ بتمامه وكماله لمَن يُوجد من أولادِ الواقفِ المُشار إليه أعلاه، واحداً كان أو أكثر ذكراً كان أو أُنثَى، ذكوراً كانوا أو إناثاً بالسوية بينهم، يستقل به الواحد إذا انفرد، ويشترك فيه الاثنان فما فوقهما عند الاجتماع، الذَّكرُ والأُنثَى في ذلك سواء. ثم من بعدهم على أولادهم وأولاد أولادهم وذُريَّتِهم ونَسْلِهم وعقبهم، طبقة بعد طبقةٍ ونَسْلاً بعدَ نَسلِ، تَحجُبُ الطَّبقة العليا منهم أبداً الطبقة السفلى، على أن من مات وترك ولداً أو ولد ولد أو أسفل من ذلك، انتقل نصيبه من ذلك إلى ولده أو وَلدِ وَلدِه وإن سَفَل، فإن لم يكن له ولد ولا ولد ولد ولا أسفل من ذلك، انتقل نصيبه من ذلك إلى إخوته المُشارِكِينَ له في الاستحقاق، فإن لم يكن له إخوة ولا أخوات انتقل نصيبه من ذلك إلى من هو في درجته وذوي طبقته من أهل هذا الوقف، فإن لم يكن في درجته غيره فإلى أقرب الطبقاتِ إلى المُتوفّى المذكور. وعلى أن من مات قبل دخوله في هذا الوقف واستحقاقه لشيء من منافعه وتَرَكَ وَلداً أو وَلَدَ وَلد أو أسفل من ذلك، وآل الوقف إلى حال لو كان المتوفى حيا باقياً لاستحق ذلك أو شيئاً منه، قامَ وَلده أو وَلدُ وَلدِه مَقامه في
الاستحقاق، واستحق ما كانَ أصله يُستحق من ذلك لو كان المتوفى حيا باقياً، يتداولون ذلك بينهم كذلك إلى حال انقراضهم، فإن انقرضوا بأسرهم وأبادهم
الموتُ عن آخرهم، وخَلَتْ بِقاعُ الأرض منهم أجمعين، حينَ ذلك يُصرَفُ ما
كانَ يُصرَفُ لهم في وُجوهِ البِرِّ والقُرُباتِ بحسَب ما يراه الناظر ويؤدي إليه اجتهاده.
فماتَ الواقفُ المذكورُ وخلّفَ ستَّةَ أولادٍ: هم شرفُ الدِّينِ وزينُ الدِّينِ وأحمد وزينب وعائشة وفاخته، ثمَّ مات شرفٌ عن وَلَدَينِ عليٍّ وحياةِ النُّفُوسِ، ثمَّ ماتَتْ زينب عن ابنتها سيدة الأنام، ثمَّ ماتَتْ سيّدةُ الأنامِ عن غيرِ وَلَدٍ، والمُخلَّفُ من أهل هذا الوقف أخوالها زين الدين وأحمد، وخالاتها: عائشة وفاخته، وأولاد خالها علي وحياةُ النُّفوس. فهل - والحالة هذه ـ تنتقل حِصَّةُ سيدة الأنام إلى أخوالها وخالاتها أو إلى أولاد خالها؟
ثمَّ مات علي عن ولده شرفِ الدِّينِ الموجودِ، ثمَّ ماتَتْ [حياة] [الأنفوس عن غيرِ وَلد، والمُخلَّفونَ من أهل هذا الوقفِ أعمامها وعمَّاتُها، وولد أخيها شرفُ الدِّينِ، فهل - والحالة هذه - تنتقل حِصَّةُ حياةِ النُّفُوسِ إلى أعمامِها وعمَّاتِها أو إلى ولد أخيها؟
ثم ماتتْ عائشةُ عن غيرِ ولدٍ والمخلَّفُ عنها أخوَاها وأختها فاختة، ثمَّ ماتَ زينُ الدِّينِ عن غير ولد، والمخلَّفُ عنه أخوه أحمد وأخته فاخته، ثمَّ مَاتَتْ فاخته عن ابنتها نَسَب، ثمَّ مات أحمد آخرُ أولادِ الواقفِ السِّتَّةِ المذكورِينَ أعلاه، وخلَّفَ أولاده الموجودِينَ الآنَ، ثمَّ ماتَتْ نَسَب عن ابنها صلاح الموجود.
فهل - والحالة هذه - تنتقضُ القسمة بموتِ أحمد المذكور، وبمُقْتَضَى
أنَّه آخرُ أولادِ الواقفِ السَّتَّةِ، ويُقسَمُ رَيعُ الوقف على أولاد أحمد المذكورين، وشرف الدين وصلاح الدين بالنسبة بينهم على عدد رؤوسهم، من غير تفاوت لأحدهم عن الآخر، أو لا تُنقَضُ القِسمةُ بالنسبة إلى شرف الدين وصلاح الدين المذكورين، ويختص كلّ منهما بالحصة التي تلقاها عن والده كَثُرَتْ أو قلَّتْ؟
أفتونا مأجورين، وأوضحوا لنا الجَوابَ أثابكم الله الجنَّةَ بمنه وكرَمِه آمين. بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله العلي العظيم، الهادي إلى الصراط المستقيم.
تُنقَضُ القِسمة بموتِ أحمد المذكور بمقتضى كونه آخر أولادِ الوَاقِفِ موتاً، ويُقسَمُ رَيعُ الوقف على عددِ رُؤوس هذه الطبقة، فمَن كانَ موجوداً أخذ نصيبه، ومن كان ميتاً وله ولَدٌ قامَ ولده مَقامَه، وأخذ نصيبه عملاً بقول الواقفِ المذكور.
وقد وقَعَتْ هذه الواقعةُ وأفتى فيها مشايخ مشايخنا وبعضُ مشايخنا بنقض القِسمةِ، ومنهمُ الشَّيخُ المُحقِّقُ الحافظ الزَّيني قاسم، وذكرَ أَنَّ بعضَ المُحقِّقِينَ مِنَ الشافعيَّة؛ كالسبكي والبُلْقِيني تبعاً للإمامِ الخَصَّافِ في ذلكَ، وأَلَّفَ في ذلك رسالةً سماها: «العصمة في نَقْضِ القِسمةِ، ومَن طالَعَها اطلع على ما يَشفِي الغَلِيلَ بواضِحِ التَّقرير والتعليل.
وقد رأيتُ بعض المُتأخرين تعرَّضَ لهذهِ المسائل، واعترضَ فيها على
بعض الأفاضل، ونسَبَ إلى بعض مشايخ عصرِه أَنَّه أخطأ فيها]، وأنَّه ظهرَ له بالتأمل الفرقُ بين ما ذكره الخَصَّافُ وما وَقَعَ في كلامِ السُّبكي، وقد تعرَّضَ بما لا يعنيه من تكلمه في مذهب الغَيرِ معَ أكابر المذهب، فغاية ما يعنيه من تحري مذهبه. فنقول ونستغني عن ذكرِ الصُّورَتَينِ بكونه ذكرهما في «كتاب الأشباءِ» في القاعدة التّاسعة: إعمال الكلام أولى من إهماله، ونبيِّنُ ما وقع له من الاشتباه. قال بعد ذكر الكلامَينِ للإمامينِ: هذا آخر ما أورده السُّيوطي، ثمَّ أذكرُ بعدَه ما عندي في ذلك، وإنَّما أُطيلُ فيها لكثرة وقوعها، وقد أفتيتُ فيها مراراً. أمَّا حاصلُ السُّؤالِ أَنَّ الواقِفَ وقف على ذُرِّيَّتِهِ مُرتِّباً بينَ البُطُونِ بـ ثم، للذَّكرِ مثل حظ الأنثيين، وشرَطَ انتقال نصيب المتوفّى عن ولد إليه، وعن غيرِ ولد إلى من هو في درجَتِه، وأنَّ مَن ماتَ قبل استحقاقه ولَه ولدٌ، قامَ ولده مَقامَه لو كانَ بقِيَ حيًّا، فمات الواقِفُ عن وَلَدَينِ، ثمَّ مات أحدهما عن ثلاثة ووَلَدَي ابن لم يستحق، ثمَّ مات اثنانِ منَ الثَّلاثة عن وَلَدَينِ، ثمَّ مات واحدٌ من غيرِ نَسْلِ، ثُمَّ مَاتَ أَحدُ الوَلَدَينِ من غير نسل.
وحاصل جوابِ السبكي: أنَّ ما خَصَّ المُتوفَّى ـ وهو النصفُ - مقسوم بينَ أولاده الثلاثة، ولا شيء لوَلَدَيْ ابنه المُتوفّى في حياتِه، ومَن مَاتَ مِنَ الثَّلاثِةِ عن غيرِ نَسْلِ رُدَّ نصيبه إلى إخوته، فيكونُ النّصفُ بينهما، ومَن ماتَ عن وَلَدٍ فنصيبه
له ما دام أهل طبقة أبيه، فمَن ماتَ بعدَهم يُقسَمُ نصيبه بينَ جميعِ أولاد الأولادِ بالسوية، فيدخُلُ ولدُ المُتوفّى في حياة أبيه، فتُنقَضُ القِسمةُ بموتِ الطَّبقة الثانية، ويزولُ الحَجْبُ عن وَلَدَي المُتوفّى في حياة أبيه عملاً بقوله، ثمَّ على أولاد الأولاد. وأَنَّه إِنَّما يُعمَل بقوله: مَن مات عن ولد انتقل نصيبه إليه ما دامَ البَطنُ الأَوَّلُ،
فمن مات من أهلِ البَطنِ الأَوَّلِ انتقل نصيبه إلى وَلَدِهِ ويُقسَمُ الرَّيعُ على هذا، فإن لم يبق أحد من البطونِ الأُولِ تَنتَقِضُ القِسمة وتكون بينهم بالسوية، ومن مات من أهل الثاني عن ولد انتقل نصيبه إليه إلى أن ينقرِضَ أهل تلك الطبقة، فتَنتَقِضُ القِسمة ويُقسم بينهم بالسوية، وهكذا انتقل في كل بطن. و حاصل مُخالفة الأسيوطي له في شيء واحد، وهو أنَّ أولادَ المُتوفّى في حياة أبيه لا يُحرَمُونَ مَعَ بقاء الطبقة الأولى، وأَنَّهم يستَحِقُونَ معَهم، ووافقه على نقض القسمة. قلتُ: أمَّا مُخالفته في أولادِ المُتوفّى في حياة أبيه فواجبةٌ؛ لما ذكره الأسيوطي وأما قوله: تنتقضُ القِسمَةُ بعد انقراض كلِّ بطن، فقد أفتى به بعض علماء العصر، وعزوا ذلك إلى الخَصَّافِ، ولم يتنبهوا لما صوَّرَه الخَصَّافُ وما صوَّرَه السبكي، فأنا أذكرُ حاصل ما ذكره الخَصَّافُ بالاختصار، وأُبينُ ما بينهما منَ الفَرقِ. فذكرَ الخَصَّافُ صُوَراً. هذا كلامُ المتأخّر وهو أستاذنا المَقدِسي، وأنا أتركُ من
فنقول: الثامنة منَ الصُّورِ التي اختصرها وقف على ولده وولد ولده ونسلهم مرتباً شارِطاً أنَّ من مات عن ولد فنصيبه لولده، وعن غيرِ وَلَدٍ فراجع إلى الوقف، وحكمُه أَنَّ الغَلَّةَ للأعلى ثمَّ وثمَّ، فإن قسمت سنينَ ثُمَّ مات بعضُهم عن نَسْلِ، قال: يُقسم على عدد أولادِ الواقفِ الموجودِينَ يومَ الوقف، وعلى أولاد الحادثين له بعده، فما أصابَ الأحياء أخذوه، وما أصاب الميت كان لولده.
وإِنَّما جُعِلَ لولد من ماتَ حِصَّةُ أبيه مع وجودِ البَطنِ الأعلى - مع كون الواقفِ شَرَط تقديم الأعلى - لكونه قال بعده: إنَّ من ماتَ عن ولد انتقل نصيبه إليه، فنصيبه له كما في أصله، وكذا لو مات الأعلى إلا واحداً، فيُجعَلُ سهمُ المَيِّتِ لابنه وإن كان
منَ البطنِ الثَّالِثِ مع وجودِ الأعلى، ثم قال بعدُ: فروع تُعلَمُ من محلها. ثم أعادَ الإمامُ الخَصَّافُ الصُّورة الثامنة من غير زيادة ولا نقص، وفرَّعَ أَنَّ البطن الأعلى لو كانوا عشرةً، وكان له ابنانِ ماتا قبل الوقف، وترك كل ولداً لا حق لهما ما دام واحد من الأعلى؛ لأنهما منَ البَطنِ الثَّاني، فلا حق لهما حتَّى تنقرِضَ، فلو مات العشرة وترك كل ولداً أخذ كل نصيب أبيه، ولا شيء لولدِ مَن مات قبلَ الوَقفِ. وإن استووا في الطَّبقة فإن بقي منهم واحدٌ قُسِمَتْ على عَشَرَةٍ، فما أصابَ الحي أخذه، وما أصاب الموتى كانَ لأولادهم، فإن مات العاشر عن ولد انتقضَتِ القسمة؛ لانقراض البطن الأعلى، ورجعنا إلى البطن الثاني، فيُنظَرُ إلى أولادِ العَشَرَةِ وأولاد الميت قبل الوقفِ، فتقسَمُ بالسَّويَّةِ بينهم، ولا يُردُّ نصيبُ مَن ماتَ إلى ولده. إلا قبل انقراض الأعلى، فتقسم على عددِ البَطنِ الأعلى، فما أصابَ المَيِّتَ كَانَ لولده، فإذا انقرض البطنُ الأعلى نُقِضَتِ القِسمةُ، وجعلناها على عددِ البَطنِ الثاني.
ولم نعمل باشتراط انتقالِ نصيب الميِّتِ إلى ولَدِه هنا؛ لكون الواقفِ قال: على ولده وولد ولده، فلَزِمَ دُخول أولادِ من مات قبل الوقف فلزم نقضُ القِسمة، ولو لم يكن له ولدٌ إِلَّا العَشرَةُ فماتوا واحداً بعد واحد، وكُلَّما مات واحدٌ ترك أولاداً، فمنهم من ترك خمسةٌ، ومنهم من ترك ثلاثةً، ومنهم مَن تركَ ستّة، ومنهم من ترك واحداً ليس إلا.
قلْتُ فمَن مات كان نصيبه لولده، فلما مات العاشر كيف يُقسَمُ؟ قال: أنقُضُ القِسمةَ الأُولَى وأرُدُّ ذلك إلى عَددِ البَطنِ الثَّاني، فأقسمها بينهم على عددِ رؤوسهم.
ويبطل قوله: مَن مات عن ولد انتقل نصيبه لولده؛ لأنَّ الأمر يؤول إلى قوله: ولولد ولدي، وكذا لو مات جميعُ ولدِ الصُّلْبِ، يُنظَرُ إلى البطنِ الثَّالِثِ، فوجدناهم ثمانية أنفس، وكذا كلُّ بطن يصير لهم، فإنَّما أقسم على عددهم، ويبطل ما كان قبل ذلكَ.
فأخذ بعض العصريين منَ الصُّورةِ الثَّامنة، وبيان حُكمِها أَنَّ الخَصَّافَ قائل بنقض القسمة في مثلِ مسألةِ السُّبكي، ولم يتأمَّلِ الفَرقَ بينَ الصُّورتَينِ؛ فإِنَّ فِي مسألة السبكي وَقَفَ على أولاده ثمَّ أولادهم بكلمة: «ثمَّ» بينَ الطَّبقتين، وفي مسألة الخَصَّافِ وقفَ على ولده وولد ولده بالواو لا بثم.
فصَدرُ مسألةِ الخَصَّافِ اقتضَى اشتراك البطنِ الأعلى معَ الأسفل، وصَدرُ مسألةِ السُّبكي اقتضى عدم الاشتراكِ، فالقولُ بنقض القسمة وعدمه مبني على هذا،
والدليل عليه أنَّ الخَصَّافَ قالَ: فإنْ قلْتَ: فلِمَ كانَ هذا القولُ عندَكَ المعمول به، وتركت قولَه: كلَّما حدَثَ الموتُ على أحدٍ منهم كان نصيبه مردوداً لولده وولد ولدِه ونَسْلِه أبداً؟
قالَ: مِن قِبَلِ إِنَّا وَجدْنا بعضهم يدخُلُ في الغَلَّةِ ويجب حقه فيها بنفسه لا بأبيه، فعملنا بذلك وقسَمْنا الغَلَّةَ على عددِهم انتهى
فقد أفادَ أَنَّ سَبَبَ نقضها دخول ولدِ الولدِ معَ الولد الصدر الكلام، فإذا كانَ صدره لا يتناول ولد الولد مع الولد] فكيفَ يُقالُ بنقض القسمة؟
فإن قلْتَ: صدقت، إنَّ الخَصَّافَ صوَّرَها بالواو، ولكن ذكر بعده ما يُفيدُ معنَى ثم»، وهو تقديمُ البَطنِ الأعلى، فاستويا.
قلْتُ: نعم، لكنْ هوَ إخراج بعد الدخول في الأَوَّلِ، بخلافِ التَّعبيرِ بثمَّ من أَوَّلِ الكلامِ؛ فإنَّ البطنَ الثَّاني لم يدخل معَ البطنِ الأَوَّلِ، فلا يصح أن يُستدَلَّ بكلام الخَصَّافِ على مسألةِ السُّبكي، معَ أَنَّ السُّبكي بنَى القول بنقض القسمة على الواقف إذا ذكر شرطينِ مُتعارِضَينِ يُعمَلُ بأَوَّلِهما.
قال: هذا ليس من بابِ النَّسخ حتى يُعمَلَ بالمُتأخّر، فإذا كانَ هذا رأيَ السُّبكي في الشرطين، فلا كلام في عدمِ التَّعويل عليه، فإنْ كانَ مَذهَبَ الشَّافعي فهوَ مُشكِلٌ على قولهم: إنَّ شرط الواقفِ كنص الشارع؛ فإنَّه يقتضي العمل بالمُتأخر، وحيثُ كان مبنى كلام السُّبكي على أصله ذلك لم يصح القولُ به على مذهبنا؛ فإنَّ مذهبنا العمل بالمُتأخر منهما.
قال الإمام الخصَّافُ إِنَّه لو كُتِبَ في أوَّلِ المكتوب بعد الوقفِ: لا يُباع ولا يُوهَبُ، وكُتِبَ في آخرِه: على أنَّ لفلان بيعَ ذلك، والاستبدال بثمنه، كان له الاستبدال، قالَ: مِن قِبَل أَنَّ الآخِرَ ناسخُ للأَوَّلِ، ولو كان على عكسه امتنع بيعه، انتهى كلامه.
فإن كان فيه تطويل، لكن فيما نقله الخَصَّافُ ما يُفيدُ الحق والصواب، فتبعناه في نقله له على وجه الاختصار، ولا ريب أنَّ التَّأمُّل فيه بالإنصافِ يُوقِفُ الطَّالبَ على الحق الذي لا يحيد عنه إلَّا بالاعتساف.
ثمَّ نقول لإزالة الاشتباه بما يحصل به الانتباه:
قوله: وإنَّما أطلْتُ فيها لكثرة وقوعها، فقد أفتيْتُ فيها مراراً». قُلْتُ: أَمَّا الإطالة، فهو فيها صادقُ المقالة، وأمَّا مَا يَحتَجُ به منَ الإفتاء فيها
مراراً، فإِنَّهُ كانَ بما فهمَه ووَهِمَه، وكانَ الأصوب تركه، والمسألة صعبة. قال الإمامُ السُّبكي في «فتاواه»: هذه المسألةُ قلَّ مَن يعرِفُها لا في الشَّامِ ولا في مِصرَ، ورُبَّما يغتر بقولِ الرَّافعي: إِنَّ بطناً بعد بطن للتّعميم لا للترتيب.
وقد صنفت في ذلك تصنيفاً لطيفاً بيَّنْتُ فيه أنَّه للترتيب، سميتُه: «المباحِثُ المُشرقةُ في الوقفِ على طبقة بعدَ طَبقةٍ»، قال: وهو موجود فمَن أرادَ فلينظره، وهو تصنيفان، أحدهما يقولُ: سمَّيتُه المباحِثُ والنُّقولَ المُشرِقةَ، والآخرُ: سمَّيتُه
المباحث المُشرِقةَ» مُلخّص، ثمَّ جمعْتُ بينهما لمَّا وَرَدَ هذا السُّؤالُ في واحِدٍ سميته: «المطالع المُشرِقةَ»، وذكرْتُ فيه بعض ما فيهما، والله تعالى ينفعنا بذلك، ويسلك بنا أفضل المسالك، ونحن نسأله ذلك.
قوله: «وأما قوله بنقض القسمة»: فقد أفتى به بعضُ عُلَماءِ العَصْرِ، وَعَزَوْا ذلكَ إلى الخَصَّافِ.
قلْتُ: كأنه يزعُمُ أَنَّهم مُخطِئونَ وهُوَ على الصّوابِ، والأمر بالعكس بلا ارتياب، فالمفتي بذلك بعض مشايخه الذين هم بالصَّلاحِ واتَّبَاعِ النُّقولِ معروفونَ وقد أفتى في نظير هذه الواقعة جماعةٌ من أفاضل الحنفية والشافعية، والترتيب فيها بلفظ: ثم، وهم مشايخنا ومشايخهم.
فمنهم شيخُ الإسلام سَرِيُّ الدِّينِ بنُ عبدِ البَر بنِ الشَّحْنَةِ الحَنفِيُّ، وتبعه الشَّيخُ المحقِّقُ نورُ الدِّينِ المَحَلَّيُّ الشَّافعي، والشَّيخُ العالمُ الصَّالِحُ بُرْهانُ الدِّينِ الطرابلسي الحنفي، وقاضي القضاةِ شَيخُنا نورُ الدِّينِ الطَّرابلسي، والشَّيخُ العُمدة مجلي الشَّافعي، وشَيخُنا العلامة شهابُ الدِّينِ الرَّمليُّ الشَّافِعِيُّ، ومنهم قاضي القضاة البرْهانُ ابنُ أبي شَرِيفِ المَقدِسِيُّ الشَّافِعِيُّ، وتَبِعَه العَلَّامةُ عَلَاءُ الدِّينِ الإِخْمِيمِيُّ وغيرهم.
قوله: «لم يتنبهوا للفرق».
قلتُ: هل يتوَهَّمُ عاقل فضلاً عن فاضِل أنَّ هؤلاء وغيرهم جميعاً لم يتنبهوا للفرق الذي خصه الله به وأطلعه عليه، معَ عُلُو مقامهم وارتفاع شأنهم، بل هو
المُحتاجُ إلى الانتباه وإزالة الاشتباه عافانا الله تعالى وإيَّاه، بل يجب عليكَ أنْ تنتبه لما ق لما قاله الزَّيْنِيُّ قاسِمٌ في «العِصْمةِ»، ونقَلَه عن أكابر الشَّافعيّة، من متابعتهم للإمامِ الخَصَّافِ في نقض القسمة، وما نقله من عبارته.
قوله: ولم يتأمَّلِ الفَرقَ بينَ الصُّورَتَينِ، فإِنَّ في مسألةِ السُّبكيِّ وَقَفَ عَلَى أولاده ثمَّ أولادهم بكَلِمَةِ ثمّ بينَ الطَّبَقتَينِ، وفي مسألةِ الخَصَّافِ وَقَفَ على ولده وولد ولده بالواو.
قُلْتُ: هذا الفَرقُ لا يُجزى بطائلِ يتَحصَّلُ منه حاصل، بل هو وضفٌ طَردِيٌّ لا يُعوّل عليه، كالذُّكورة في حديثِ: «مَن أَعْتَقَ شِرْكَاً لَهُ فِي عَبْدٍ قُوِّمَ عَلَيْهِ نَصِيْبُ شَرِيْكِه، لا يُلتَفَتُ إلى مَن يُفرِّقُ ويقولُ: الحديثُ وَرَدَ في العَبدِ المذكور، فلا يُحكم بذلك في الأَمَةِ؛ لما عُلِمَ أَنَّ الشَّرعَ لم يعتبر مِثلَ هذا، وكالطُّولِ والقِصَرِ ونحوهما، كما قُرِّرَ في شُروحِ ابنِ الحاجِبِ وغيرها. وقد تقرَّرَ في النَّحوِ والأُصولِ أنَّ ثمَّ تُشارِكُ الواو في إفادة التشريكِ في الحكم، وإن خالفتها في إفادةِ التَّرتيبِ والتَّراخِي، ومن القواعدِ في المذهبِ أَنَّ العبرة بالمعاني، فلا فرْقَ بينَ خُروجِ الشَّيء بأوَّلِ الكلام أو بنهايته، ألا تَرَى أَنَّهم قالوا في الاستثناء: هوَ التَّكلُّمُ بالباقي بعد الاستثناء، فإذا قال له: عليَّ عَشَرَةٌ إِلَّا ثلاثة، فكأنَّه قالَ مِنَ الابتداء: له عليَّ سَبْعة.
قوله: «فالقولُ بنقض القسمة وعدمه مبني على هذا».
قُلْتُ: ليس كذلك، بل بناه الإمامُ الخَصَّافُ على ما قرره.
فقوله: في جَوابِ قولِ السَّائلِ: فلِمَ كانَ هذا القول هو المعمول به عندَكَ، وتركْتَ قولَه: كُلَّما حدَثَ الموتُ على أحدٍ منهم كان نصيبه مَردوداً إلى ولده وولد ولده ... إلى آخره.
قالَ: مِن قِبَلِ إِنَّا وجدنا بعضهم يدخُلُ في الغَلَّةِ ويجب حقه فيها بنفسه لا بأبيه، فعَمِلْنا بذلك وقسَمْنا الغَلَّةَ على عددهم، وتوضيحه أنَّ الواقف على الصورة المشروحة قد رتَّبَ في وَقْفه ترتيباً يقتضي استحقاق البَطنِ الأعلَى مُقدَّماً على غيره، مع قصدِ صِلة بعض الأسفل، معَ وجودِ البَطنِ الأعلى، فجعل نصيبَ المَيِّتِ من البطنِ الأعلى مردوداً لولده وإنْ سَفَلَ، قصداً لعَدَمِ حرمانه من الوصول إلى شيءٍ من وقفه وصَدَقتِه بعد موت أبيه، الذي صِلَتُه صِلَةُ أبيه غالباً، فكان كلامه مشتَمِلاً على ترتيبين:
ترتيب أفراد، وهو ترتيب الفرع على أصله، وعدم حرمان أحدٍ منَ البَطنِ بفرع غيره.
وترتيب جُملة، وهو ترتيب استحقاقِ جُملةِ البَطنِ الثَّاني على انقراض جُملة البطنِ الأَوَّلِ، وهو ترتيب جُملة، فيكونُ الوَقفُ منحصراً في البطن الذي يليه، ويبطُلُ حُكْمُ ما انتقل من الميِّتِ من البطنِ الأعلى إلى وَلَدِه من الأسفل، ويستحقُ جميع الوقف جميعُ البطنِ الثَّاني، فيضرِبُ معهم بسهمه الذي يستحقه بقولِ الواقف وولد ولد، أي: بطن بعد بطن، كما يضرِبُ ولد من مات قبل الوقفِ منَ البَطنِ الأعلى بسَهمِه؛ لأنَّه من البطن الثاني يستحقُ بعموم قوله ولد ولدي، ولم يبقَ حينذ صُورة يحتاجُ فيها إلى انتقال نصيب أحد إلى ولده لاستواء أهل البطن في الاستحقاق.
[لا يُقالُ: الاستواء في الاستحقاق] مخصوص بما إذا استوى أهلُ الطَّبقةِ ولم يكن هناك ولد أو ولد ولد؛ لأنَّا نقول: صريح كلامِ الخَصَّافِ يُنادي بخلافه، فإِنَّه قالَ: يُقسم على عددِ الأولادِ الأحياء والأموات، فيأخُذُ الأحياء سهامهم، وسهام الأمواتِ تُعطى لأولادهم.
قُلْتُ: وحينئذ فالاستواء قسمان: حقيقي، وهو الظَّاهِرُ المُتبادرُ، وحُكمِيٌّ وهو ما إذا كانَ ثَمَّ أولاد أولاد أو أسفل؛ وذلك لأنَّ الواقف جعل ابن الابنِ عندَ عدمِه قائماً مقامه، فقد جعله من تلكَ الطَّبقةِ حُكْماً.
وهذا يقعُ كثيراً في ابتداء الوقفِ بأن يكونَ للواقفِ ولد مات قبل وقفه، وله ولد، فيجعله مُقامَ أبيه معَ أعمامه، وتترتَّبُ البُطُونُ والطَّبقات بعد ذلك على هذا النَّسْقِ، وقد ذكرَ الشَّيخُ العلامةُ الزّينيُّ قاسِمٌ صُورَتَينِ أفتى فيهما العَلَّامةُ السُّبكي، والعَلَّامةُ البُلْقِينِيُّ بنقض القِسمةِ، وقَرارُه كما ذكرنا، ويحتجَّانِ بموافقتهما لما في «أوقافِ الخَصَّافِ».
وقال بعضُ المُحققينَ منَ الشَّافعيّة بعد نقل كلامه: وهذا التعليل الخصَّافِ يقتَضِي أَنَّ كلامي الواقِفِ مُتعارِضان، ورُبِّحَ الثَّاني؛ لاستحقاقهم بأنْفُسِهم، واستحقاقهم في الأَوَّلِ بأبيهم، والاستحقاق بالنَّفْسِ مُقدَّم على الاستحقاقِ بالأَب؛ لأنَّ ذلك بلا واسطةٍ وهذا بواسطة، وما ليس بواسطة أرجَعُ ممَّا هو بواسطة.
وقد رُبِّحَ أيضاً بأنَّ قولَه: لوَلدِه مُطلَقٌ، وتقييده دُونَ تخصيص العُموم أسهل، والبَطنُ الثَّاني عُموم، فتخصيصه ضعيفٌ، فاحتمل تقييد المُطلَقِ؛ لأنَّه قد عُمِلَ به الأفراد في حَياةِ أعمامهم، ولم يحتَمِل تخصيص العام؛ لما فيه من حرمانِ بعض بالكلية.
ثم قال: وعِندي لكلامِ الخَصَّافِ ومَن وافقه توجيه ببحث أُصولي، وهو أنَّ فيه استنباط معنى منَ النَّصَّ يُخصِّصُه، فإنَّه فُهِمَ أنَّ المعنَى فِي جَعَلِ الْوَاقِفِ نصيبَ مَن له ولد لولده أنْ لا يُحرَمَ وَلدُه معَ وجودِ الطَّبقة التي هي أعلى منه، فأعطاه لذلك نصيبَ [والده، فإذا لم يُحْرَم، فلا يُعْطَى نصيبَ] والده، وإِنَّما يُعطَى ممَّا تقضيه القسمة على طبقتِه، فحُمِلَ على ما إذا وُجِدَ من أهلِ الطَّبقةِ الأُولَى أحد، فإنَّه لو لم يُعط في هذه الصُّورة نصيباً يُحرَمُ.
وأُخرِجَ عنه ما إذا لم يُوجَدْ مِنَ الطَّبقةِ الأُولَى أَحدٌ، فَإِنَّه لا يُحرَمُ لعدمِ حاجِبِ له، فأعطيناه ما يليقُ بطبقتِه، وهذا هو المشهور في الأُصولِ عِندَنا وعِندَ غَيرِنا، وقد عُلِمَ في محله.
قوله: «فقد أفادَ أَنَّ سَبَبَ نقضها دخول ولدِ الوَلدِ معَ الوَلدِ بصَدرِ الكَلامِ. قُلْتُ: ليس كما يزعُمُ، بل دخول أولادِ الأولاد بتمامِ الكَلامِ؛ لأنَّ حجبهم بمَن فوقهم لا يُخرِجُهم عن كونهم موقوفاً عليهم، وإذا كانوا موقوفاً عليهم، فإذا جاءَ أوَانُ استحقاقهم وترتَّبَ استحقاقُ جُملة تلكَ الطَّبقةِ على انقراض جُملةِ الطَّبقةِ العليا، فيصيرُ الوَقفُ إليهم جُملةً، فيُقسَمُ بينهم قسمةً غيرَ تلكَ القِسمةِ الأُولَى. قوله: «نعم، لكنه إخراج بعد الدخول».
قُلْتُ: هذا وَصْفٌ طردي غير مقبول كما مثلنا لك في العَبدِ المُشترك. قوله: «فكيفَ يصح أن يستَدِلَّ بكلامِ الخَصَّافِ على كَلامِ السُّبكي؟». قُلْتُ: تقدَّمَ أَنَّها عين مسألةِ السُّبكي، ويكفي ذكر السبكي بجلالة قدرِه كلام الخَصَّافِ، مُستدلا به على موافقته في مسألته، على أنَّ في كلامِ الإمامِ الخَصَّافِ التصريح بأنَّ الواو إذا أتى بها في أوَّلِ الكلام، ثمَّ أَنَّى فِي آخِرِه بما يُفيدُ الترتيب، تصير الواو بمنزلة «ثم»، وهذا هو الحق الذي أنطقه اللهُ بِه مُعترِفاً بقوله: نَعَمْ، ثُمَّ تَرَكَه والتجأ إلى الفَرقِ الذي عَرَفْتَ حاله.
قوله: «معَ أَنَّ السُّبكي بنَى القَولَ بنقض القِسمةِ على أنَّ الواقِفَ إِذَا ذَكَرَ شَرِطَينِ متعارِضَين يُعمل بأولهما، قال وليس هذا من باب النسخ حتَّى يُعمَل بالمُتأخر. قُلْتُ: ليس كما زعمت، بل ذَكَرْتَ فيما نقله عنه أنَّه ظَهرَ له طرق في حل هذا المحل الصعب، قال: وليسَ التَّرجيح فيه بالهين بل هو محل نظرِ الفقيه، فأخذْتَ من بعض ما ذكر ما وافق عَرَضَكَ من فتواكَ بعدم نقضِ القِسمة، وهو إنَّما ذكَرَه على سبيل الاحتمال المرجوح؛ ليشمل كلامه السَّالِمَ والمرجوح، وتركت المُرجّح ممَّا ذكره فيما نقلته عنه، وهو المُوافق لما يُفهم من كلام الخَصَّافِ، وهو قوله: ومنها: أنَّ مَن صيغة عامة بقوله: ومَن مات وله وَلدٌ صالح لكل فرد منهم وبمجموعهم، وإذا أفرد مجموعهم كانَ انتقال نصيب مجموعهم إلى مجموع الأولاد، ومن مقتضيات هذا الشرط، فكان إعمالاً له من وَجهِ معَ إعمالِ الأَوَّلِ، وَإِنْ لم يُعمَل بذلكَ، كَانَ إلغاء للأول من كُلِّ وجه، وهو مَرجُوحٌ، انتَهَى.
فهذا كما ترى يُوافق كلامَ الخَصَّافِ وكلامَ البلقيني أيضاً، ونقلت عن السيوطي، قال: ولا يُنافي هذا اشتراط الترتيب في الطبقاتِ بـ: «ثم»؛ لأنَّ ذاكَ عام خصصه هذا، كما خصصه أيضاً قوله: «على أن من مات عن ولد .... إلخ.
وأيضاً فإِنَّا إِذا عَمِلْنا بِعُمُومِ اشتراطِ الترتيب لزم منه إلغاء هذا الكلام بالكلية، وأن لا يُعمل به في صورة؛ لأنَّه على هذا التَّقدير إنَّما استحق عبدُ الرَّحمنِ ومَلَكة لما استَوُوا في الدرجة؛ أخذاً من قوله عاد على مَن في درجته، فبقي قوله: ومَن مات قبل استحقاقه إلى آخرِه مُهمَلاً لا يظهرُ له أثر في صورة، بخلاف ما إذا أعملناه و خصصنا به عُموم الترتيب، فإن فيه إعمالاً للكلامين وجَمْعاً بينهما.
قوله: وهذا أمر ينبغي أن يُقطَعَ به حينذ .... إلخ.
قُلْتُ: والحاصل كما مر أنَّه لما تعارضا وأمكن العَمَلُ بكل منهما وحده في حالة، وعمل بهما في حالة أبقيا ولم يُلغَ واحد؛ لصون كلام العاقل عن الإلغاء، فإذا مات بعضُ الطَّبقة العليا عُمِلَ بقوله: مَن مات في حقٌّ مَن له ولد، وعُمِلَ بقوله تحجُبُ العُليا السفلى في حقٌّ مَن ليس له ولد ولد، وفي حقٌّ مَن مات أبوه في حَياةِ الواقفِ. ولم يدخل في قوله: من مات وله ولد ولد .... إلى آخره، فيُمنَعُ ما دامَ مَن فوقه من البطن، ويدخل ولد ولد فيُعطى له بعد انقراض العليا، وعُمِلَ بهما معاً إذا مات كل الطبقة وخلَّفَ كل ولداً أو ولد ولد.
قُلْتُ: فبينهما عُموم من وجه؛ أي: في التَّحقق كما عُرِفَ في محله. قوله: «فإذا كانَ هذا رأي السبكي في الشَّرطين، فلا كلام في عدم التعويل عليه، فإنْ كانَ مذهَبَ الشَّافعي، فهو مُشكِل على قولهم: إنَّ شرط الواقفِ كنص الشارع، فإنَّه يقتضي العمل بالمتأخر ... إلى آخره.
قُلْتُ: عدم التعويل إن كانَ بمجرَّدِ قوله: كلامُ السُّبكي، فهو كلامُ مَن جَهِلَ مقام الشبكي، وقد اشتهر حاله بين سائر الأئمة، فإنَّه بلغَ رُتبة الاجتهاد، وأيضاً إذا كانَ الكلام متجهاً، فيجب الالتفاتُ إليه، والتَّعويل عليه، سَواءٌ قاله مشهورٌ أو غيره. وهذا كلام مُتَّجِة سيما على مذهبهم؛ لأن الوقف إذا تمَّ بمجرَّدِ قول الواقف: وقفتُ كذا بشرط كذا، فالشَّرطُ الثَّاني إذا وَقَعَ كَانَ بعدَ خُروج الأمرِ من يده فيلغُو،
لا كلام في ذلك. واستشكاله كونه قولَ الشَّافعي رحمه الله مع قولهم: شرط الواقف كنص الشارع ساقط بالمرة؛ لأنَّ هذا لم يَرِدْ به أنَّه مثله من كل الوجوه، تعالَى اللهُ أن يكونَ كلامه يُشبه به عموماً، فإنَّه تعالى يفعل ما يشاءُ ويحكُمُ ما يُريدُ، والواقِفُ عبد من
العبيد، وإِنَّما شَبَّهوه به في لزومِ اتَّبَاعِه بأمرِ الشَّارع فيما لا يُخالِفُ الشَّرعَ. وقال المحقق الحُجَّةُ قاسِمٌ المذكورُ في قولهم المذكور: نصوص الواقِفِ كنُصوص الشَّارع؛ يعني: في الفَهمِ والدَّلالةِ لا في وجوبِ العَمَلِ، مَعَ أَنَّ التَّحقيق أن لفظه ولفظ المُوصي والحالِفِ والنَّاذِرِ وكل عاقدٍ يُحمل على عادته في خطابه ولغته التي يتكلم بها، وافقت لغة العرب أو لغةَ الشَّارع، أو لا، ولا خِلافَ أَنَّ مَن وقف على صلاة أو صيام أو قراءة أو جهادٍ غير شرعي ونحو ذلك لم يصح، انتهى.
فكيف يُشبه بنص الشَّارع، ويُجعَلُ ما صدر منه أخيراً ناسخاً لما قبله؟ قوله: «لم يصح القولُ به على مذهبنا؛ فإنَّ مذهبنا العمل بالمُتأخر .... إلى
آخره منهما. قُلْتُ: لِقائل أن يقول: يردُّ عليه ما مرَّ قريباً، فما وجهه على مذهبنا؟ فإنْ كانَ الخَصَّافُ قاله، فإنَّه مُشكل؛ إذْ لم يشترط الواقِفُ لنفسه تغييراً ولا تبديلاً، فإن
خصَّصْتُم ذلك بما إذا فَعَلَ ذلكَ وشَرَطَ لنفسه التغيير، قُلْنَا: كلامُه مُطلَقٌ ويحتاجُ إلى زيادة تأمل في الجواب، وفي كلام الإمامِ الخَصَّافِ ما يُزِيلُ الارتياب، والله سبحانه أعلمُ بالصَّوابِ.
قوله: «فالحاصل أنَّ الواقِفَ إذا وَقفَ على أولاده وأولاد أولاده، وعلى أولادِ
أولاد أولاده، ثمَّ على ذُرِّيَّتِه ونَسْلِه طبقةً بعد طبقةٍ .... إلى آخره.
قُلْتُ: هذه صورة عجيبة اخترعها، وقضيَّةٌ غَريبة ابتدَعَها؛ فإِنَّ إتيانه بالواو وذكرِ الأولاد إلى المرتبة الثالثة قالوا: يكونون على الأولادِ أبداً ما تناسلوا، وذلك يُوجِبُ اشتراك ابنِ ابنِ الابنِ معَ الوَلدِ الصُّلبي.
وقوله: «ثم على نَسْلِه ... » إلخ، يُخالِفُ ذلك وقل أن يقع مثل هذا إِلَّا من جَهلة الموثّقِينَ الذين لا يعرفونَ ما يكتبون، وبالجملة هذا الحكم الذي بينه بناه على ما أصله، وهو خطأ باطل لا أصل له، وليس بمُرادٍ للإمامِ الخَصَّافِ ولا من تابعه من أهل الوفاق والخلاف كما بيناه مراراً؛ لأنه لما ذكر بطناً بعد بطن وتحجُبُ العُليا السفلى، وصارَتِ الواو ك: «ثم»، وقد ذكر حكمها بخلافِ ما توهمه، فعليك أن تجتنبه.
قوله: «ثم اعلم ... إلى أنْ قالَ: «وإنَّ شرْطَ الانتقال إلى الولد، فالمراد أنَّ الأصل يحجُبُ فرع نفْسِهِ لا فرعَ غيره»، هذا أيضاً مبني على ما توهمه معَ أَنَّ الأصل يحجُبُ فرعَ غيره، ولو شَرَطَ ذلك، كما في ولدِ ولد ماتَ في زمن قبل الوقف، فإنَّه يحجبه الولد لكونه أعلى منه طبقةً، نَعَم؛ إذا انقرَضَتِ الطَّبَقَةُ استحق ولد الولد المذكور مع من في طبقته، فالإطلاق المذكورُ خطاً.
قوله: «ثمَّ اعلمْ أنَّ العَلَّامةَ عبدَ البَرِّ ابنَ الشَّحْنَةِ رحمه الله.
انتهت كتابةُ الرِّسَالَةِ على يد الفقير إلى الله تعالى حسنِ بنِ عمار بن علي الشُّرنبلالي الحنفي، غفر الله له ولوالديه ولجميعِ المُسلِمِينَ والمُسلِماتِ، ولمن نظر في هذه الرّسالة ودعا لمؤلّفها، وكانَ الفراغ في أواخر شهرِ مُحرَّمِ الحرام سنةَ عشرة وألفٍ، وصلَّى الله على سيدنا محمَّدٍ وعلى آله وصحبه وسلَّم، والحمد لله وحده، آمين.