إصابة الغرض الأهم في العتق المبهم
للإمام حسن بن عمار الشرنبلالي الحنفي
توفي سنة 1069هـ
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
جارٍ تحميل الكتاب…
إصابة الغرض الأهم في العتق المبهم
للإمام حسن بن عمار الشرنبلالي الحنفي
توفي سنة 1069هـ
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الملِكِ العلام، وأزكى الصَّلاةِ وأَشْرَفِ السَّلامِ، على حبيبه المُصطَفَى ذَخيرة الأنام، وعلى آله وأصحابه نُجومِ الاقتدارِ البَرَرَةِ الكِرامِ.
وبعد:
فيقول العبد الحقيرُ، حسَنُ الشُّرُنبلاليُّ المُستجيرُ: هذه نُبذةٌ يسيرةٌ سَمَحَ بها الخاطِرُ الفاتر، للمذاكرةِ بينَ الأفاضل لخلُوِّ الدفاتر، عنِ التَّعرُّضِ لِما وقَعَ في «الهداية» من قبولِ الشَّهادةِ على عِتْقِ أحد العبدين مَنسُوباً للإمامِ الأَعظَمِ حالَ مَرَضِ المولى وهو حيٌّ حاضر، معَ وُجودِ نص الإمامِ الأعظَمِ على مُنابدَتِها من غيرِ نصّ مثله حاظر. وسميتها:
«إصابة الغَرَضِ الأهم في العِتقِ المُبْهَمِ «
وقرَّبْتُها هديَّةً للسادةِ الطُّلابِ رجاءَ القَبولِ والفَوزِ حالاً ويومَ المَآبِ.
قال في «الهداية»: إذا شهِدَا أنَّه أعتَقَ أحدَ عبدَيه في مَرَضِ موته، أو شهدا على تدبيره في صحتِه، أو مرضه، وأداءُ الشَّهادةِ في مَرَضِ موته أو بعد الوفاة، تُقبَلُ استحساناً، انتهى
يعني: عند الإمام، وقد نصَّ الإمامُ الأعظَمُ على أَنَّها لا تُقبَلُ حالَ حياةِ المَولَى،
وقبولها استحساناً إنَّما هو فيما بعدَ مَوتِ المَولى، كما نقله عن الإمام في شرح مُختَصرِ الطَّحاوِي» للإسبيجابي رحِمَهُم الله بقوله:
وإذا شهدا على رجُلٍ أنَّه قال لعبديه: أحدُكُما حُرِّ، والعبدانِ يدعيانِ أو يدعي أحدهما، ففي قولهما تُقبل هذه الشَّهادة، ويُجبَرُ على البيان.
وأما على قول أبي حنيفة: إن كان هذا في حال الحياة فلا تُقبَلُ، وإنْ شَهِدا بعد الوفاة، فإن قالا: إنَّه كانَ في حالِ الصَّحَّةِ فهو على الاختلافِ أيضاً، وإن قالا: كانَ ذلك في المَرَضِ، تُقبَلُ، استحساناً، ويعتق من كل واحدٍ نصفه على اعتبار الثلث. ولو شهدا أنَّه قال لعبديه: أحدُكُما مُدبَّرٌ؛ فإن شهدا في حال الحياة، فهو على الاختلاف، وإنْ كانَ بعدَ الوَفاةِ، تُقبَلُ سواء كانَ القَولُ في المرض، أو في الصحة؛ لأنَّ هذه وصيَّةٌ، والجهالة لا تُبطل الوصية، انتهى.
وكذا قال في شرح الكثرِ المُسمَّى بـ كشف الحقائق للإمام أبي بكر بن إسحاق: ولو شهدا أنه حرَّر أحد عبدَيه أو أمتيه، لغت؛ للجهالة، إلا أن تكون في وصية بعد موت الموصي، بأن شَهدا أنه أعتَقَ أحد عبديه، أو إحدى أمتيه في مرض موته، فإنَّها تُقبَلُ؛ لأنَّ بالموتِ شاعَ العِتق فيهما، فصار كل واحد منهما خَصْماً مُعيَّناً، انتهى. فقد قصَرَ قَبول الشَّهادةِ على حصولها بعد موت الموصي عند الإمام؛ لمنع الإمام الأعظمِ رحمه الله قبولَ الشَّهادةِ على عِتْقِ أحدهما حال الحياة؛ لعدم تصور الدعوى من مجهول في العبدين، ولعدم المشهود له عَيناً في الأمتين، فلا يَتَّجِه ما أريد من تصحيح قبول الشهادة الحاصلة في مرضِ مَوتِ المَولَى بِقَولِ «السراج» تبعاً
لـ «الهداية» بأن العتق المذكور وصيةٌ، والخصم؛ أي: المُدَّعِي في إثباتِ الوصيَّةِ إِنَّما هو الموصي؛ لأنَّ نفعه يعود إليه، وهو معلوم، وله خَلَفٌ، وهو الوصي أو الوارث. ووَجهُ عدَم الاستقامة: أنَّ الخلَفَ لا حُكم له مع وُجودِ الأصل، فلا يُتصَوَّرُ له حكم؛ لما أنه حال حياة المولى إنَّما تكونُ الدَّعوَى من العبد لا مِنَ المَولى؛ لأنَّه منكر، والعبد هنا مجهول.
ولهذا قال المُحقِّقُ الكَمالُ ابنُ الهُمامِ رحمه الله: قوله - أي: في «الهداية» -: وأداء الشَّهادةِ في مَرَضِ موته ... إلى آخره، يُفيدُ أنَّها تُقبل في حياته؛ يعني: عند الإمام، وأنتَ علمتَ أنَّ قبولها بعد موته باعتبارها وصيَّةً لاعتباره؛ أي: المولى مُدَّعياً، وعدم
قبولها قبل موته؛ أي: عند الإمام؛ لأنَّ المُدَّعِي العبدانِ، وهما غيرُ مَن أُثبِتَ فيه العِتْقُ؛ أعني: المبهم. والحاصل: أنَّ إنزاله؛ أي: المَولَى مُدَّعياً لا يكون إلا بعد موته، وأمَّا قبلَ مَوتِه فهو منكر، ولهذا احتيج إلى الشَّهادة، ورُدَّتْ لعدَمِ المُدَّعِي، ولا مَخلَص إلا بتقييده بما إذا كان المريضُ قد أُصمِتَ حالَ أداءِ الشَّهادةِ، واستمر كذلك إلى أن مات، وعلى هذا يجب أن يُؤَخَّرَ القَضاءُ بهذه الشَّهادةِ إلى أن يموت فيقضى بها، ولا يحتاج إلى إعادتها، أو يعيش فيُطلق لسانه، فتُرَدُّ لعَدَمِ الخصم، انتَهَى عبارةُ ابن الهمامِ. وأقول: فيما جعله مخلصاً نظر؛ لقوله: إنَّه قبل موته منكر، فاحتيج إلى الشهادة، ورُدَّتْ لعَدَمِ المُدَّعي، فلا وُجودَ للشَّهادة ليتأخَّرَ القَضاءُ بها لما بعد الموتِ لفَقْدِ الدَّعوَى؛ إذ لا شهادةً دُونَها؛ لأنه ليس الخصم إلا العبد حال حياة
المولى، وهو مجهول، فانتَفَى قَبولُ الشَّهادةِ لفَقْدِ الدَّعوَى الحقيقيَّةِ والتَّقديريَّةِ، فلا مخلص، كيف وقد وُجِدَ نص الإمام الأعظم على عدم قبولها حال الحياة كما قد علمته؟
وقد نظَرَ صدرُ الشَّريعة رحمه اللهُ في الدَّليلِ الذي ذكره في «الهداية» بقوله: لأنَّ التدبير والعتق المذكور وصيَّةٌ، والخصم؛ أي: المُدَّعي في إثباتِ الوصيَّةِ إِنَّما هو المُوصي؛ لأنَّ نفعه يعود إليه، وهو معلوم، وله خلَفٌ، وهو الوصِيُّ أو الوارِثُ، ولأنَّ العتق يشيعُ بالموت، فيكونُ كُلُّ منَ العبدَينِ خَصْماً مُعَيَّناً.
أقولُ: الدَّليل الأوَّلُ مُشكِلٌ؛ لأنَّ المُتنازَعَ فيه ما إذا أَنْكَرَ المَولى تدبير أحدِ عبديه، أو الوارِثُ يُنكر ذلك بعدَ مَوتِ المُورِّثِ، والعبدانِ يُريدانِ إثباته، فكيف يُقالُ: إِنَّ المُدَّعي هو الموصي أو نائبه؟ انتَهَى.
ووجه تعجبه أنَّ الدَّليل المذكورَ لا يُلائِمُ حالَ حَياةِ المَولَى؛ لأنَّه لا يكونُ
الشَّخصُ مُنكِراً حقيقةً ومُدَّعياً تقديراً [حال المرض]، ولم يتعرَّضُ صَدرُ
الشريعة للحكم، وهو قَبولُ الشَّهادةِ حال المرضِ مَعَ أَنَّه أَجدَرُ بالنَّظَرِ فيه. وبهذا السِّرِّ حذَفَ الشَّيخُ أَكمَلُ الدِّينِ ذلك من «شرحه»، ولم يتعَرَّضُ له، وكانَ بعيداً عن مَقامِ المَولَى سَعدي جَلَبي رحمه اللهُ ما أَجابَ به عن «الهدايةِ» بقوله: إِنَّ المولى وإنْ كانَ مُنكِراً صورةً إلا أنَّه نُزِّلَ مُدَّعِباً معنى؛ لأنَّ نفعَ العِتق يعود إليه، وهو
:
معلوم، وعنه خلَفٌ، وهو الوصِيُّ أو الوارِثُ، فنزل الوارِثُ أو الوَصِيُّ مُدَّعياً للعتقِ خَلَفاً عن الميِّتِ فَقُبِلَتِ الشَّهادةُ، انتَهَى.
لِما أَنَّه حكَمَ بوجودِ المَولى، وإنكاره حقيقةً، ثمَّ حكم عليه بأنه ميت، وله خَلَفٌ، وهذا خُلْفٌ.
ثم أقولُ: إِنَّ تعليل صاحب الهداية» ليسَ مُطابِقاً إِلَّا لصورةِ الشَّهادةِ بعدَ مَوتِ المولى؛ لإنزاله مُدَّعياً حكماً لإثبات الوصيَّةِ، أو لأنَّ العِتق يشيعُ بالموتِ، فيكون كل منَ العبدَينِ خَصْماً مُعيَّناً، فقُبِلَت الشَّهادة لإثبات الوصيَّةِ.
وأمَّا حالَ حياةِ المَولَى، فدَعوَى الإعتاقِ إذ ذاك ليسَتْ دَعوَى وصيةٍ، بل دَعوَى إعتاق على منكر، ولا يُتصَوَّرُ من مجهول، وإنْ كانَ حُكمُ الإعتاقِ في المَرَضِ حُكمَ الوصيَّةِ بالنَّظر لنفوذه منَ الثَّلُثِ، لكنَّه لا يُتصَوَّرُ إِثباتُه هُنا حالَ الحياة.
وبهذا يُنظَرُ في قولِ الزَّيلعي أيضاً: فالخَصم في تنفيذ الوصيَّة هو المُوصِي؛ لأنَّ وُجوبَ تنفيذ الوصيَّةِ لحقه، ونفعه يعود إليه، وإنكاره مردود؛ لأنَّه سفة، وهو معلوم، وله خلَفٌ، وهو الوصيُّ أو الوارِثُ فتحقق الدعوى منَ الخلف، انتهى.
لما أنه حال الحياة الخصمُ إِنَّما هو المولى، فكيف يُقالُ: إِنَّ تنفيذ الوصيَّةِ لحقه؟ وإنكارُه مَردودٌ؛ لأنَّه سفَهُ؟ أَيْتَصَوَّرُ قَبولُ الشَّهادةِ حال حياةِ المَولَى ويُحكم عليه بالسَّفَهِ؟
ثمَّ يُقالُ: وهو مَعلومٌ وله خَلَفٌ، وهو الوَصِيُّ، هل يُعتبرُ ويُوجَدُ الخَلَفُ بعدَ مَوتِ المُوصي، فتبيَّنَ أنَّه لا وجهَ يُعارِضُ نصَّ الإمام الأعظَمِ الذي ذكرنا من منع قبولِ الشَّهادةِ حال حياةِ المَولى، ولهذا قال في «غاية البيانِ»: الشَّهادة حال حياة المولى للعبدِ لا للمولى؛ لأنَّ المَولَى لا يدَّعي، والعبد الذي وقعَتْ له الشَّهادة مجهول.
لا يُقالُ: للمولى في حالةِ الحياةِ حَظِّ في العِتق وهو معلوم؛ لأنَّا نقولُ: حَظِّ العِتقِ له إنَّما يكونُ إذا كانَ مُقرَّاً، وهو مُنكِرٌ فتكونُ الشَّهادة للعبد وهو مجهول في حال الحياة.
وبهذا بطل اعتراض صاحبِ الدُّرَرِ» على صَدرِ الشَّريعة، وسقَطَ ما ادَّعى عدم تسليمه، وما بناه عليه في هذه المسألة ممَّا لا حاجة بنا إلى بَسْطِه وبيانِ رَدَّه بأكثرَ ممَّا ذكرناه. ومن مُلَخَّص كلامه: أنَّه جعلَ المَولَى مُدَّعياً من وَجهِ، ومُدَّعَى عليه من آخَرَ، وجعَلَه مُراداً لصاحب الهداية»، وليسَ، ثمَّ ادَّعى أنَّه بحله اضمحَلَّ إِشكال صدرِ الشَّريعةِ معَ ثُبوتِ قُوَّتِه بكونِ الشَّخص لا يكونُ مُنكِراً حقيقةً، ومُدَّعياً تقديراً، ثمَّ الشريعة ادَّعَى عدَمَ تسليم ما ذكَرَ صدرُ الشَّريعةِ معَ ثُبوتِه، فأشبَهَ المُكابرة لذكرِ صدرا كلاً منَ الصُّورتَينِ الشَّهادةِ حال الحياة، والشَّهادة بعد الموتِ، مَعَ بيانِ وَجهِ القَبولِ بعد الموت، بخلافِ الحياة بدليلي وجهِ الاستحسانِ لقَبولِ الشَّهادةِ بعدَ المَوتِ؛ إِمَّا لكَونِ الموصِي خَصْماً، أو نفس كلّ منَ العبدَينِ لشيوع العِتق بالمَوتِ، وهو الفرقُ للإمام الأعظَمِ بين مسألتي الحياة والموت.
وتأيد كلام صدرِ الشَّريعة بما ذكرَه صاحِبُ «الدرر» عن صاحب «غاية البيانِ؛ إذ هو عين كلامه لا غيره؛ ليكون رداً عليه.
وكان تعجب صاحبَ الدُّرَرِ» من صدرِ الشَّريعة، وجعله أعجَبَ منه كلام الكافي»، والزيلعي غير واقع موقعه؛ لأنَّ الإنكار ثابت في كل من حالتي الصحةِ والموت، وليس في حالة الموتِ إقرار، بل إنكار لما قامَتْ عليه البينة، فنزلنا الوارث أو القاضي منزلة الموصي، فتعجب صاحِبِ الدُّرَرِ» يرجعُ إلى تعجبه من نفسه، وبطل ما رتبه من الوجهين، وصدق عليه قوله، فليتأمل في هذا المَقامِ، فإنَّه من مزال الأقدام ..
و حاصِلُ حُكمِ المسألةِ: أَنَّ الشَّهادة على المولى بأنَّه أعتق أحد عبدَيه أو إحدى أمتيه في صحتِه غير مقبول أصلاً عند الإمام، لا في الحياة ولا بعدَ مَوتِ المَولى، غيرَ أَنَّ الأصح أنهما لو شهدا بعدَ مَوتِ المَولى أنَّه قال في صحتِهِ: أَحدُكُما حُرِّ يُقبَلُ اعتباراً للشيوع، كما ذكره ابن الهمام بـ «فتح القدير.
ونقل ابن كمال باشا عن «المُحيط»: أنَّهما لو شهدا بعد موتِ المَولَى أَنَّه قال في حياته؛ يعني: في صحته: أحدُكُما حُرِّ، فلا رواية فيه.
واختَلَفُوا على قوله؛ يعني: الإمام، فعلى طريق الوصية لم يُقبَل؛ يعني؛ لانعدامها بوقوع كلامه في صحتِه، وعلى طريق الشُّيوع تُقبَلُ، والصحيحُ أَنَّه يُقبَلُ؛ لجواز أنْ يكون معلولاً بالعِلَّتين، فيُعدَّى بأحدِهِما، انتهى. وأقولُ: في نَفْي الرواية نظر؛ لِما قدمناه نصاً عن الإمامِ في شرحِ مُختَصَرِ الطَّحاوِي.
وأمَّا الشَّهادة على أنَّه أعتَقَ أحدَهُما في المرض، أو على تدبير أحدهما مُطلَقاً؛ أي: سواء كانَ التَّدبير في الصَّحَّةِ أو في المرَضِ، فلا تُقبَلُ حالة الحياة، وتُقبَلُ بعدَ مَوتِ المَولَى؛ لِما أَنَّ العِشقَ في المرَضِ وصيّة، والتدبير وصيَّةٌ مطلقاً
[قلتُ: ويُؤيده ما في كافي الحاكم»؛ حيث قال: وإِنْ شَهِدا أَنَّه أَعْتَقَ أحدَ عَبْدِيْه بغيرِ عَيْنِه، فالشَّهادَةُ باطلةٌ في قولِ أَبِي حَنيفةَ، ولو قال: كان هذا عند الموتِ، استحسنتُ أنْ أُعْتِق من كُلِّ واحدٍ منهما، نصفَهُ، وقال أبو يُوسُفَ ومحمَّدٌ: الشَّهادة جائزة في الحياة أيضاً، انتهى]، والله المُوفّقُ ..
***
ثُمَّ تجددت لنا نعمةٌ بفائدة حصل بها معرفةُ الفَرْق بين ما إذا أَنكَرَ المَوْلَى أَنَّهُ لم يقل: أحدكما حُرِّ، فلا تقبلُ الشَّهادة عند الإمام، ولا يُخبرُ المَوْلى على البيان، وبين ما إذا كانَ مُقراً فيُخبرُ على البيان: هُوَ أنَّه لما أقر بأنَّهُ قالَ: أحدُكُما حُرِّ، أو قال: هذا حر، أو هذا، فقد ألزم نفسَهُ إنشاء لمُستحق للحُرِّية، فيلزمه البيانُ؛ لاستعماله حرف أو في مقام الإنشاء، فأوجبَ التَّخْسِيرَ لهُ لدفع الإبهام، وقوله: هذا حُرِّ، أو هذا، كقوله: أحدكما حُرِّ سواء، فالعبارتان على السَّواءِ؛ لتناول الإيجاب أحدهما إِلَّا أَنَّه لمَّا كان هذا الكلام إنشاء يحتمل الخبر؛ لأنَّه خبر في وضعه الأَصْلي حتَّى قَالَ مُحمَّدٌ رحمه الله تعالى في الزِّيادَات»: لو جمعَ بينَ حُرُ وعَبْد وقال: أحدُكما حُر، لا يعتق العبد، ولكنه صارَ في الشَّرْع إنشاء، فأوجب على التَّخْيير، على احتمالِ أَنَّه بيان ليكونَ عملاً بهما، وجعل البيان إنشاء من وجه حتَّى شُرِط لصلاحية البيان صلاحية المحل؛ للإيقاع، فلو مات أحد العبدين، لا يملكُ المَوْلى تعيين الميت للعنق، ولو كان إظهاراً مِن كُل وجه، لما شُرطت الصَّلاحية، وجعل البيان إظهاراً من وجهِ حَتَّى يُجبَرَ المَوْلى على البيان لو كانا حيين، ولو كان إنشاء من كل وجه، لما كانَ مَجبوراً؛ لأنَّ الإنسان لا يُخبرُ على إنشاء العِلْق.
فبهذا علم الفرق بين إنكارِ المَوْلى وبين إقراره بأنَّه قال: أحدُكما حُرٌّ امتنع في الإنكار الثبوت، ولزم البيانُ عليه بإقْرَارِه، وبهذا لا معارضة بين كلام الأصوليين الذي قدمناه وهُوَ أَنَّه يُخبرُ المَوْلى على البيان، أو المراد به حال إقراره أنه قال: أحدُكُما حُرِّ، ولا بين نص الفُرُوع؛ كقوله في «الكنز»: ولو
شهدا أنَّه حَرّر أحدَ عَبْدَيه، أو أمنيه، لغت؛ لأنه في حال إنكاره كما حَرَّرناه في هذه الرسالة.
وتجددت لنا فائدة أيضاً، وهي أنَّ حرف أو تُستعار هذه الكلمة للعموم في موضع النَّفي، وللعُمُوم أيضاً في موضع الإباحة، أما الأول: فكقوله تعالى: وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ، أَيْمًا أَوْكَفُورًا} [الإنسان:]، وأما الثاني: فكقوله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرِ} [الأنعام:] الآية، وكقوله تعالى: {وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ ءَابَابِهِ} [النور:] الآية، كان الاستثناء من التحريم إباحةً، فاقتضتُ عُموم الاجتماع لحِلِّ ما حملت ظهورهما، أو الحوايا، أو ما اختلط بعظم، وحل إبداء الزينة لبعولتهنَّ، وآبائهنَّ، وَمَنْ عُطِفَ جميعاً باقتضاء عُموم الاجتماع؛ كما هو مبسوط في التحقيق شرح المنتخب وشرح القاآني على المغني».
فاستفدنا جواب حادثة، والفائدة المستجدة بإنتاج حُكْمِها في حادثةٍ هي: أنَّ الواقف رتَّب استحقاق البُطُون وحجب الأعلى لمَنْ سَفَلَ مِنْهُ، ثُمَّ اسْتدرك واسْتَثْنَى، فقال: إلَّا أَنَّ مَنْ ماتَ منهم، وترك ولداً أو ولد ولد، أو أسفل منه، انتقل نصيبه إليه، وقد مات الواقف عن ثلاث بنات ومِتْنَ جميعاً، وخلَّفت كل بنت فرعاً، ثم انقرضَتْ الطبقة الثانية أيضاً وبعضُهم وجد له ولد ذكر، وبنت وبنتا ابن مات في حياته، فاستفدنا عموم الاجتماع؛ لاستحقاق نصيب جدهما لهما مع عمهما وعمتهما للعطف بـ:
أو، فلا وجه لتخصيص أحدِ المعطوفات على غيره، لإطلاق المعطوفاتِ عن الترتيب فيما بينها، فصارت أو كالواو التي نص عليها الخصَّاف، وهذا بالنظر لعدم نقض القِسْمة، وأمَّا بالنظر لها فقد استحقتا أيضاً مع العم والعمة، ومَنْ هو في وجه والدهما بانقراض طبقتِه، والقسمة على أولادِ أهل تلك الطبقة المُنْقرضة، فمَنْ كانَ حياً أخذ نصيبه، ومَنْ ماتَ وله ولدٌ أخذَ نصيبه حتّى تنقرض طبقتهم، وهكذا كلُّ أهل طبقة كما قالَهُ الخَصَّافُ، ورأينا هذا في هذه الحادثة لموجب اقتضاء الاشتراك بالحرف المُقْتَضي للجمع، وهو «أو»؛ لمقام الإباحة بعد الحظر، وقد بسطنا ذلك في جوابِ الحادثة، وأثبتناهُ في المُسوَّدة للمراجعة، والله أعلم.
في ربيع الثاني سنة ألف وتسعة وستين