إسعاد آل عثمان المكرم ببناء بيت الله المحرم
للإمام حسن بن عمار الشرنبلالي الحنفي
توفي سنة 1069هـ
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
جارٍ تحميل الكتاب…
إسعاد آل عثمان المكرم ببناء بيت الله المحرم
للإمام حسن بن عمار الشرنبلالي الحنفي
توفي سنة 1069هـ
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي جعَلَ البيتَ مثابةٌ للنَّاسِ وأَمْناً غير مجحود، وأمر بتطهيره للطَّائفين والعاكِفِينَ والرُّكَّعِ السُّجودِ، وأنزَلَ عليه كل يوم وليلة مئة وعشرين رحمةً مُنقَسِمةً على مَن تقدَّمَ مع أهلِ الشُّهودِ والصَّلاةُ والسَّلامُ على سَيِّدِنا ومولانا مُحمَّدٍ صاحب المقام المحْمُودِ والحَوْضِ المَورُودِ الَّذي شَرَّفَ اللهُ به كلَّ مكان وزمانٍ مُفضَّل وولي ونبي بفضل غير محدود، وعلى آله وأصحابِه وأزواجه وذُرِّيَّتِه والتَّابعينَ بإحسان إلى يوم الورود.
وبعد:
فيقول الفقير إلى لُطفِ مَولاه الخفِيِّ حَسَنُ الشُّرنبلالي، الوفائيُّ الحنَفَيُّ: إِنَّه قد ورد الخبر من مكَّةَ المُشرَّفةِ، بأنَّه لَمَّا كانَ يوم الأربعاء تاسع عشر شعبان، سنةَ تسع وثلاثين وألفٍ، ابتدأ نُزول سيل عظيم، اقتلَعَ الأشجار والأحجارَ وأَعْرَقَ فأبكى العيون بالدموعِ الغزارِ؛ لِما أَنَّه لعِظَمِه ودوامِ ثَباتِه بالمسجدِ الحرامِ، أسقط ميزاب الرَّحمةِ وما قامَ عليه منَ الجِدارِ بالحجرِ وذلك المَقامِ، وقطعة من الجانب الذي به الباب ثاني يومِ نُزولِه.
فدُهِشَتْ لذلك العقول والألبابُ، ولما بلغ خبر ذلك لكافل كنانة الله في أرضه المأنوسة، أشرف الممالكِ مِصرنا المحروسة، المُقلَّدِ تدبير الدَّولةِ المُرادِيَّةِ، والقوانين العثمانية، والقيام بنظامِ الشَّريعةِ المُطَهَّرَةِ المُحمَّديَّةِ، صاحبِ السَّعِدِ الأَوحَدِ، مولانا الوزير محمد باشا، يسر الله له من أسباب السَّعادة ما يشاء.
فاهتم لذلك الوارد، وجمع منَ العُلَماء والأكابر الأماجد؛ لينظر ما تجتمع عليه الآراء السَّديدة، في شأن هذا الأمرِ المُهم، وأظهر ما أرادَ منَ المُبادرة للعمارة من غير توقف واستشارة في مُدَّةٍ غير مديدةٍ، ثمَّ بادَرَ إلى الإرسال إلى مَكَّةَ المُشرَّفَةِ مَنْ يعتمدُ عليه في الأمور المهمة، واحتاط؛ لينظر الجواب من الباب الذي لا يخيب قاصده، والجنابِ الذي لا يشقى وافده، والمَورد العَذْبِ الذي لا يظمَأُ وارِدُه، حضرَةِ مولانا السلطانِ الأعظَمِ والخاقان الأفخَم وارِثِ المَجدِ وحائز قصباتِ السَّبْقِ بالجد والأب والجد والإسعادِ، مولانا السُّلطانِ الأعظَم ابنِ السُّلطانِ مُراد، أدامَ اللهُ عن الإسلام بدَوامِ دَولتِه، والذي يُرجَى بكَرَمِ الله ومِنتِه، أَنَّ عمارة البيتِ الشَّرِيفِ والقيام بواجب خدمته، بما صارَ إليه الآنَ، مُضافاً إلى مولانا السُّلطانِ مُراد خان، ظهر أنه وعدٌ حَسَنٌ مَنَّ الله عليه بهِ مِن قديم الأزلِ إذ لم يبلغه من قبله من سُلطان، زيادةً على ما كان لأبيه كجده منَ التَّشريفِ، بعمارةِ سَقْفِ البيتِ المُنيفِ، وذلك بسبب انكسار خشبة من سَقْفه المُكرَّمِ، فصارَ الماءُ ينزل من موضِعِ الكَسْرِ إِلَى جَوْفِ البيت المُعظَّم، فعُرِضَ الأمرُ على حضرة مولانا المغفور له السلطانِ سُليمان خان، جد مولانا السُّلطان، أدام الله دولته ما تعاقب الملوان.
فأرسل إلى مفتي الإسلام أبي السعودِ أَفَندِي - سقى الله عهده ـ يستفتيه عن حكم الله في هذه المسألة، جوازاً وعَدَماً، فكتب إليه: يجوز ذلك إِنْ دَعتِ الضرورة إليه.
فأرسل بالجواب إلى صاحبِ مِصْرَ يومئذ، الوزير علي باشا، فأرسله إلى الحرمِ الشريف مع أمر مضمونه العملُ بمُقتَضَى الفَتوَى، فَاتَّفَقَت آراء الحاضِرِينَ بمَكَّةَ إِذ ذاك على الإقدام على عمارة السَّطح، وتبديل تلك الأعواد، وعينوا لابتداء الشروع السبت منتصف صبح يوم الأول سنة (959هـ)، فتعصَّبَ جماعةٌ حركتهم ربيع الأنفُسُ والأغراض الفاسدة بمخالفة ذلك، وحرَّكُوا طائفةٌ منَ العُلَماءِ إلى الخلافِ.
فلما بلغ الخبرُ للمَقامِ المُكرَّمِ الشَّرِيفِ السَّيِّدِ شهابِ الدِّينِ أحمد بن أبي نمي، صاحب مكة إذ ذاك، حضر بنفسه من البر إلى مكَّةَ المُشرَّفة، وطلب سيدنا ومولانا شيخ الإسلامِ شمس الملَّةِ والدِّينِ الشَّيخ محمد ابن شيخ الإسلام أبي الحَسَنِ البكري، نفعنا الله ببركته، وبركة أسلافه الكرام، وجمع أكابر مكَّةَ وعُظَماءها. وأُشير إلى سَيِّدِنَا الشَّيخِ محمد البكري أن يُلْقِيَ دَرْساً يتكَلَّمُ فيه على قوله تعالى: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ} الآية [البقرة: 127].
فتكلم على جاري عادته بلسانٍ طَلْقٍ فصيح، ولفظ مُنتَظِم بليغ مليح، أبهَرَ الحاضرينَ، وأَدْهَشَ النَّاظرينَ، فأفاد وأجادَ، وقلَّدَ نفائِسَ الدُّرَرِ الجياد، فلما أن انقَضَى الدَّرسُ، أَخْرَجَ النَّاظِرُ فتوى شيخ الإسلام أبي السعودِ، فقرأها مولانا شيخ الإسلامِ الشَّيخُ محمَّدٌ البَكْرِيُّ، وقال: ومَن يُخالِفُ في هذا منَ النَّاسِ؟! هذا هو عَينُ الحقِّ، ومَحْضُ الصَّوابِ.
فأمر مولانا السَّيِّدُ أحمدُ العُمَّالَ بالشُّروع في العمل، فشرَعُوا وسكَنَتِ الفتنةُ، وأُبدِلَتِ الأعواد بأعوادٍ جيدةٍ في غاية الإحكام والاستقامة، وأُعيدَ السَّطْحُ والسَّقفُ كما كان بغاية الإحكام، وسُطَّرَ ثواب ذلك في صحائفِ المَرحوم مولانا السُّلطانِ سُليمان، تغمده الله بالرَّحمةِ والرّضوانِ.
وأيضاً نرجو من كرم الله سبحانه أن تكون هذه العمارة الحاصلة من مولانا السلطانِ مُراد - نصره الله - مُستمِرَّةَ البقاء، مُصانةٌ عنِ التَّغَيرِ إِلى انقضاءِ الزَّمانِ؛ فَإِنَّ البيتَ المُكرَّمَ عُمِرَ - كما ذكره أهلُ التَّاريخ - عشرَ مرَّاتٍ.
وسببُ الثَّامن منها: أن امرأةٌ بخَرتِ الكعبة، فطارَتْ شرارة في ثياب الكعبة فاحترق أكثر أخشابها، ودخَلَها سيل عظيم، فصَدَّعَ جُدرانها بعد توهينها، وكانت حيَّةٌ عظيمة تخرج من بئر الكعبة التي يُطرَحُ فيها ما يُهدى إليها، فتُشْرِفُ على جدار الكعبة، لا يدنُو منها أحدٌ إِلَّا فتحَتْ فاها؛ لتلتقِمَه، فكانوا يهابُونَها، ويزعُمُونَ أَنَّها تحفَظُ الكعبة وهداياها، ورأسُها كرأسِ الجَدْيِ، وظهرُها وَبَطنُها أَسوَدُ، وأَنَّها أَقامَتْ فيها خمس مئة عام.
فابتهلوا إلى الله تعالى، فبعث الله طائِراً اختَطَفَها وذهب بها، فقالت قريش نرجو أن يكون الله سبحانه وتعالى) رضي لنا ما أَرَدْنَا فِعله، فأجمَعَ رأيهم على هدمها وبنائها، فتَقَدَّمَ أبو وَهْبٍ بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم، وهو خال أبي النبي، فتناول حجراً من الكعبة، فوَثَبَ من يده حتَّى رَجَعَ إلى مكانه، فقال: يا معشر قريش لا تُدخِلُوا في بنيانها من مالِكُم إلا حلالاً طيباً، ليس فيه مهر بغي، ولا رباً، ولا مظلمةٌ، انتهى.
فبعد أن عَلِمَ أَنَّ البيتَ المُكرَّمَ لا يُبنى إلَّا بمال حلالٍ، طلب النقل والحكم في شأن البناء، وبأي مالٍ يُعمَرُ به البيتُ الشَّريف، فسَطَّرتُ ما به ظَفِرْتُ، مُفيداً للحكم عموماً ونصا حسب طاقتي القاصِرَةِ، وهمتي الفاتِرَةِ، وسميتُه: إسعادَ آلِ عُثمانَ المُكرَّم ببناء بيتِ الله المُحرَّمِ
قال في «الكنز»، و «الهدايةِ»، و «الدُّرَرِ والغُرَر»، وعامَّةِ كتب الحنفية المعتبرة المحررة ما نصه: الخَراجُ، والجزية، ومالُ التَّغلبي، وهديَّةُ أهل الحرب، وما أُخِذَ منهم بلا حَرْبٍ، يُصرَفُ في مصالحنا؛ كسَد الثغور، وبناءِ القَناطِرِ والجُسور، وكفاية العُلماءِ والقُضَاةِ والعُمَّالِ، ورِزْقِ المُقاتلة وذراريهم، انتهى.
فهذا بعمومه يُفيدُ أنَّ عمارة البيت من ذلك، وقد أوضَحَ أَئِمَّتُنا الحكم، وذَكَرُوا أَنَّ مال المُسلمين يكون في أربعةِ خَزائنَ لكُلِّ خِزانةٍ مَصْرِفٌ، وأنَّه يجب على ولي الأمر - أيده الله بنصره - أن يجعَلَ لكُل نوع منها بيتاً يخُصُّه، ولا يخلِطَ بعضه ببعض، وأَنَّه إذا احتاج الأمر إلى مصرفِ خِزانة وليس فيها ما يفي به، يستقرِضُ من خزانة غيرها. ثمَّ إذا حصَلَ للَّتي استقرَضَ لها مالٌ، يُرَدُّ إلى المُستَقرَض منها، إلَّا أن يكونَ المصروفُ مِنَ الصَّدقاتِ، أو خُمُسِ الغَنائم على أهلِ الخَراجِ وهُم فُقَراءُ، فَإِنَّه لا يُرَدُّ شيء؛ لاستحقاقهم للصَّدقاتِ بالفقر، وكذا في غيره إذا صرَفَه إلى المُستحِقِّ.
فأوَّلُ خِزانة: مال الجزيةِ والخَراج، وهديَّةُ أهل الحرب، وما أُخِذَ منهم بغير قتال، وما يأخُذُه العاشرُ بحَقِّ من أهلِ الذَّمَّةِ والحرب إذا مرُّوا عليه، ومالُ أهل نَجْرانَ، وما صُولِحَ عليه أهل الحربِ لتَركِ القِتالِ قبلَ نُزولِ العَسْكَرِ بساحتِهم، كلَّ ذلك يُصرَفُ إلى مصالح المسلمين؛ كسَدٌ الثَّغور، وبناء القَناطِرِ والجُسور، وكفاية العُلَماءِ، والقُضَاةِ والعُمَّالِ، ورِزْقِ المُقاتلة وذَرَارِيهم، كما تقَدَّمَ. والثاني من الخزائن: مالُ الزَّكاةِ والعُشْرِ، ومَصْرِفُهما: مَن يجوزُ صَرْفُ الزَّكاة إليه.
والثَّالثُ من الخزائنِ خُمُسُ الغَنائم، والمَعادِنُ والرِّكازُ، ومَصْرِفُه ما ذُكر في قوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ مُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى والْيَتَمَى وَالْمَسَكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} [الأنفال: 41] الآية.
والرابعُ منَ الخزائن: اللُّقطات، والشركات التي لا وارِثَ لها، ودِيةُ مَقتول لا ولي له، ومصرِفُه: اللقيط الفقير، والفُقَراءُ الذين لا أولياء لهم، يُعطى منها نفَقَتُهم وأدويَتُهم، وكَفَنُهم، وعَقْلُ جنايتهم، انتهى. كذا ذكره الزيلعي شارحُ «الكنز» وغيره.
ويُوافِقُه ما ذكره في الظَّهيرِيَّةِ» وإنْ كانَ فيها تقديم وتأخير في عَدَّ البُيوتِ وبيانِ مَصارِفِها؛ حيثُ قالَ: اعْلَمْ بأَنَّ جميع ما في بيتِ المالِ أربعة أقسام: الأوّلُ: الصَّدَقَاتُ، وما يُضَمُّ إليها، يُصْرَفُ إلى ما قالَ اللهُ تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَكِينِ} [التوبة: 60] الآية.
والثَّاني: خُمُسُ الغَنائم، ويُصرَفُ الحاصل إلى اليتامى والمساكين، وابنِ السبيل.
والثالث: الجزيةُ والخَراجُ، ومال بني نَجْرانَ، ومال بني تغلب، وما أخذه العاشر من تُجَّارِ أهل الحرب، أو أهلِ الذَّمَّةِ، يُصرَفُ إلى ما فيه صلاح دارِ الإسلامِ والمُسلمين؛ نحو سدَّ الثَّغور والمُقاتلة، وأُمرائهم، وسلاحهم، وكُرَاعِهم؛ ليُقاتِلُوا أعداء الدين، ويفتَحُوا البلاد، أو يُصْرَفُ إلى أمنِ الطَّريقِ، وإلى إصلاح القناطر، وكَرْيِ الأنهار العِظامِ التي فيها مصالحُ المُسلمين، وإلى أرزاق الولاة والقُضاة والمُحتسبين والمفتين والمعلمينَ.
والرابع: ما أُخِذَ من تركةِ مِيَّتٍ لا وارِثَ له، يُصرَفُ إلى نفقةِ المَرْضَى وأدويتهم وعلاجهم إذا كانُوا فُقَراءَ، وإلى نفقة اللقيط وعَقْلِ جنايته، وإلى نفقة من هو عاجز عن الكَسْبِ، وليس له مَن يُنفِقُ عليه، انتهى.
وذكر في «البَزَّازِيَّةِ التَّقسيم المذكور؛ حيثُ قال: مالُ بيتِ المالِ على أربعةِ أنواع:
الأوَّلُ: الصَّدَقاتُ وما في معناها؛ كالعُشْرِ والخَراجِ، فيُصرَفُ إلى المصارفِ
التي ذُكِرَتْ في قوله تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَتُ لِلْفُقَرَاءِ} [التوبة: 60] الآية.
والثَّاني: ما أُخِذَ من بني: من بني تَغْلِبَ، وتُجَّارِ أهلِ الذَّمَّةِ، فَمَحَلُّه الرّباطاتُ والجُسور والقَناطِرُ، والأئِمَّةُ والقُضاة القائمون بالحقِّ.
والثالثُ: خُمُسُ الغَنائم، والمَعادِنُ، فيُصرَفُ إلى ما ذُكِرَ في قوله تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ} [الأنفال: 41] الآيةَ.
والرَّابع: ما أُخِذَ من تركةِ ميّتٍ لا وارِثَ له، فيُصرَفُ إلى كفَنِ الأمواتِ ونفقة المرضى، واللقيط، وأدوية المَرضَى وعِلاجهم، ومَن هو عاجِز عنِ الكَسْبِ، انتَهَى.
وقال العلامة عبد البر ابنُ الشَّحْنَةِ في شرح منظومةِ ابنِ وَهْبانَ» ما نصه: وما أحسَنَ ما نظَمَ سيدي ووالدي شيخ الإسلام - سقى اللهُ عَهْدَه: بيوت المالِ ومَصارِفَها، فقال فيما سمِعتُه من لفظه، وقرأته عليه بخطه: من الوافر
بيوت المال أربعَةٌ لكُلِّ ... مَصارِفُ بيَّنَتْها العالِمُونَ
فأَوَّلُها الغَنَائِمُ والكُنُوزُ الر ... ركازُ وَبعدها المُتَصَدِّقُونَ
وثالثها خَراجُ مَعْ عُشورٍ ... وجالية يليها العامِلُونَ
ورابعها الضّوائِعُ مثل ما ... لا يکون له أُناسٌ وارِثُونَ
فمصَرِفُ الأولينِ أَتَى بنَص وثالثها حَوَاهُ مُقاتِلُونَ
ورابعُها فمصرفه جهات ... تَساوَى النَّفَعَ فيها المُسلِمُونَ
انتهى.
وفيه مخالفةٌ لِما تقدَّمَ؛ لأنَّه جَعَلَ مَصرِفَ التَّرِكاتِ والضّوائع للجهاتِ العامة، وفيما تقدَّمَ جَعَلَ العامَّة في نحوِ الخَراجِ والجِزْيَةِ، وجَعَلَ التَّرَكاتِ للمَرْضَى واللَّقيط والعاجز عنِ الكَسْبِ، وأكفانهم وأدويَتِهم، انتَهَى.
ويتَّجِه على ما قاله ابنُ الشَّحْنَةِ تعميرُ الكعبة المُشرفة بما فيها منَ المالِ؛ كالقناديل التي أُهدِيَتْ للكعبة؛ لأنَّه إما أن يُقالَ بِأَنَّها بقيَتْ على مِلكِ مَالِكِها؛ لعَدَمِ انتقَلَتْ إلى يده، وقد مات المالِكُ، وانقَطَعَتِ الملكيَّة عنه، وآل إلى بيتِ مالِ المُسلمينَ، فيُعمَّرُ منه الكعبةُ المُشرَّفةُ، أو أنَّه بقي مُحتبساً لا إلى مالك، وغَرَضُ صاحبه انتسابه إلى الكعبة، وتجملها به.
ولا شكّ أنَّ قيامها ببنائها مُقدَّم على زينَتِها؛ لأنَّها لا تقوم بلا قيام ذاتها، وهذا المالُ أطيبُ من غَيره، فيُعمَّرُ به الكعبةُ المُشرَّفةُ خيرٌ من بقائه حتّى تتطرق إليه الأيدي العادية - والعياذ بالله - كما صارَ في الزَّمَنِ السَّابق انتَهَى.
ويُوافِقُ الزيلعي قولُ قاضي خان مَصْرِفُ خَراجِ الأراضي والجزية، وما يُؤخَذُ من نصارى بني تَغلِبَ للمُقاتلة وذَراريهم، وكلُّ ما يعودُ مَنفَعَتُه إلى عامَّةِ المُسلمينَ؛ نحو: الكُراع والسلاح، والعُدَّةِ للعَدُوِّ، وعمارة الجسور والقناطر، وحفر أنهار العامَّةِ، وبناء المساجد والنفقة عليها، والقُضاة، انتَهَى.
فقد صرَّحَ ببناء المساجد، ولا أعظَمَ من المسجد الحرام، والكعبة المُشرفة، فهو نص في العمارة، ومُوافق للعُمومِ المُتقدِّم، انتَهَى.
وصرَّحَ في الظَّهيريَّةِ» بعد ما قدَّمناه عنها بأكثر من ورقة ونصف بما نصه ويبدأُ منَ الخَراجِ بأرزاقِ المُقاتلة وأرزاق عيالهم، فإنْ فضَلَ شيءٌ يجوز أن يُصرَفَ إلى الفُقَراءِ، فإن لم يكن في بيت المال منَ الخَراجِ شيء، جاز أن يُصرَفَ من بيتِ مالِ الصَّدقة إلى أصحابِ الخَراج، ثمَّ يُقضَى إذا خرج الخراجُ، ويجوز صَرْفُ الخراج إلى نفقة الكعبة.
وفي المُبتَغَى أَنَّ تركةَ أَهلِ الذَّمَّةِ كالخَراج، انتهت عبارة «الظَّهيريَّةِ». فقد زاد صراحةً على ما في قاضي خان» لتصريحه بما يُنفَقُ على الكعبة المُشرفة.
وقال في «البزازيَّةِ»: ديباجُ الكعبة إذا خَلْقَ لا يجوز أخذه، ويُباع ويُستَعانُ بِثَمَنِه في أمر الكعبة.
وقال قاضي خان دِيباجُ الكَعبة إذا صارَ خَلَقاً، يبيعه السلطان، ويستعين به في أمر الكعبة؛ لأنَّ الولاية فيه للسلطانِ لا لغَيرِه انتَهَى.
وقالَ الشَّيخُ زَين شارِحُ «الكَنْزِ»: وأمَّا ثيابُ الكَعبة: فنقَلَ أَئِمَّتُنا أَنَّه لا يجوز بيعها ولا شراؤُها، لكنَّ الواقع الآنَ أنَّ الإمامَ أذِنَ في إعطائها لبني شَيبَةَ عندَ التَّجديدِ، وللإمام ذلك، فأئِمَّتُنا إنَّما منَعُوا بيعها؛ لأنَّها مالُ بيتِ المالِ، ولا شكٌّ أَنَّ التَّصَرُّفَ فيه للإمام، فحيثُ جَعَلَه عطاءً لقَومِ مخصُوصينَ، فإِنَّ البيع جائز.
وهكذا اختاره الإمامُ النَّوويُّ في شرحِ المُهذَّبِ»، فقالَ: إِنَّ الأمر فيها للإمامِ يصرفها ببعض مَصارِفِ بيتِ المالِ بيعاً وعَطاء؛ لِما رَواهُ الأَزرَقيُّ أَنَّ عُمَرَ رضيَ اللهُ عنه كان ينزع كسوة البيت كل سنة فيقيمها على الحاج، ولأنه لو لم يجز التصرف في كسوتها لتَلِفَتْ بِطُولِ الزَّمانِ.
وقال ابن عباس وعائشة رضي الله عنهما: تُباع كسوتُها، ويُجعَلُ ثَمَنُها في سبيل الله، والمساكين، وابنِ السَّبيل، ولا بأس أن يلبس كسوتها من صارَتْ إليه من حائض وجُنُب وغيرِهما، انتَهَى.
وقد نظَمَ ابنُ وَهْبانَ ما قدَّمناه عن قاضي خان» و «البزازِيَّةِ» فقال: [من الطويل] ودِيباجة البيت العتيق عتيقة تباع وبالأثمانِ تُكْسَى وتُعْمَرُ وقال شارحه ابنُ الشَّحْنَةِ: مسألة البيتِ من واقعاتِ الحسام الشهيد»، قال: ديباج الكعبة إذا صارَ خَلَقاً، لا يجوز أخذه، لكن للسلطان أن يبيعه ويستعين به على أمر الكعبة، انتهى.
قالَ الطَّرَسُوسِيُّ: وفي زَمانِنا ما رَبَّ منه يُبتاعُ من بني شيبةً، وكان هذا الأمرُ مُفوَّضاً إليهم؛ لأنَّهم خُدَّامُ الكعبة.
وينبغي أن يجوز الشَّراءُ منهم، قالَ المُصنِّفُ: لا بُدَّ في ذلك منَ الإذن لهم منَ السلطانِ في الأخذ والبيعِ إذا كانَتِ الكسوة التي يشتريها الإمام في كل سنة من مالِ نفسه، وإن كانت من بيتِ المالِ فإِنْ لم يكونوا مُستَحقِّينَ لأخذ شيء من بيتِ المالِ بوَجهِ منَ الوُجوه المُسوّعَةِ للأخذ منه، لا يجوز لهم الأخذُ ولا البيع، والله أعلم. قلتُ: أما الأوَّلُ فيُمكنُ أن يُقال فيه: إِنَّ تقريرهم على ذلك في كل سنةٍ يُنَزِّلُ منزلة الإذن، والحالُ في زَمانِنا أنَّ ما يُكسَى به الكعبةُ المُشرَّفةُ مِنَ المالِ يتحصل من بلادٍ موقوفة عليها، فلا يجوز حينئذ بيع ذلك الواقع من بني شيبة ولا الابتياع منهم، بل ينبغي أن يُصرَفَ في مصالح الكعبة، كما قالُوا في حصير المسجدِ ونحوه، اللَّهُمَّ إلا أن يكونَ الواقِفُ شرط أن يكونَ الرَّثُ لبني شيبة، فيجوزُ الابتياع منهم، والله أعلَمُ، انتهت عبارةُ ابنِ الشَّحْنَةِ.
ويُمكن أن يُقالَ: إنَّ بني شيبةَ من جُملةِ المَصالح للكعبة باعتبارِ خِدمتهم لها؛ كخُدَّامِ المسجدِ في استحقاقِ ما رَبَّ، وهذا النظمُ وشَرحُه لا يدفَعُ ولا يُعارِضُ ما قدَّمناه منَ التَّنبيه على أنَّ نَظمَ والدِ الشَّارحِ ابنِ الشَّحنَةِ مُخالِفٌ لِما في «الزيلعي) و «البزازِيَّةِ» و «الظَّهيريَّةِ» من أنَّ الأمور العامَّةَ في نحو الخراج لا في الأموالِ الضائعة؛ كالتَّرِكاتِ، بل كان ينبغي التنبيه على ذلك، فيُعْتَنَمَ هذا، ففيه كفايةٌ لبيان ما يعمر به الكعبةُ المُشرَّفةُ مِنَ النُّقولِ نصَّاً وعُموماً على مذهب الإمامِ الأعظَمِ أبي حنيفة رحمه الله، وأعاد علينا من بركاته ومددِه.
وأما ما قيل في غير مذهبنا، فمنه ما ذكره في المحيط» من بابِ قِسمةِ الغنيمة ما نصه: تُقسَمُ الغَنائم على خمسةِ أسهم، فأربعةٌ للغُزاة، والخُمُسُ لأربابه، ويُقسَمُ الخُمُسُ على ثلاثة أسهم، سهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لأبناء السبيل. وعندَ الشَّافعي على خمسةِ أسهم: سهم لذوي القُربَى، وسهم للنَّبيِّ صلى الله عليه وسلم يُدفَعُ إلى الفقراء، والثَّلاثةُ كما ذكرناه.
وقال بعضُ النَّاسِ على ستَّةِ أسهم: سهم الله تعالَى يُصرَفُ إِلى عمارة البيتِ وأستاره، وسهم الرَّسولِ يُصْرَفُ إلى كلِّ خليفةٍ في زمانه، وأربعة كما ذكرنا، والصَّحيحُ قولنا، وذكَرَ دليله.
وقوله: «وقال بعضُ النَّاسِ»؛ لعلَّه أُريد به أبو العالية، قالَ: يُقسَمُ الخمس ستَّةَ أسهُم، ويُصرَفُ سهمُ الله إلى الكعبة؛ لِما رُوِيَ أَنَّه عليه الصَّلاةُ وَالسَّلامُ كَانَ يَأْخُذُ منه قبضَةً فيجعَلُها للكعبة، ثمَّ يقسِمُ ما بقي على خمسة، قاله البيضاوِيُّ في تفسير سورة الأنفال.
ثمَّ قال في سورة الحشر: اختُلِفَ في قسم الفيء، فقيل: يُسدس لظاهرِ الآية، ويُصرَفُ سهم الله في عمارة الكعبة وسائر المساجد)، وكذا في «تفسير العلامة أبي السعودِ المُفتي»، و «الكشَّافِ» رحمهم الله تعالى.
وقال العارف بالله تعالى سيّدي الشَّيخُ عبد الوَهَّابِ الشَّعراني في البابِ (376) من مُختَصَرِ الفتوحاتِ المكَّيَّةِ: قالَ ابنُ أَبي ليلى رحمه الله: وَكَانَ يقبضُ الخمس الأصلي ويُخرِجُه للكعبة، ويقول: هذا الله، ثم يقسم ما بقي لمَن عينهم الله، انتهى.
ولا حاجة بنا إلى ذِكرِ عدَدِ البناء وأسبابه؛ فإنَّ هذا ليس محلَّه، وما ذكرتُ المُتقدِّمَ إلا لمُناسبته لما نحنُ فيه.
فإنْ قُلتَ: إنَّ تحصيل ما يُصرَفُ على العمارة من المال الحلالِ المأخوذ على حُكمِ الشَّرعِ ولم يُخلط بغَيرِه مُتعذِّرٌ أو مُتَعَسِّر تحصيله على وجهه، فبماذا يتخَلَّصُ من شُبهته؟ قلتُ: يُمكن ذلك بالاستبدال بالقَرْضِ أو الهبة بشرطِ العِوَض أو الصَّرفِ، فهو المخلَص كما ذكرَ أَئِمَّتُنا فيمن ابتلي بمال غير طيب، أنَّه إذا اشترى بالنَّسيئةِ وقضاه من غيرِ الطَّيِّبِ، كانَ المأكول حلالاً طيباً، وإنْ كانَت ذِمَّتُه مشغولةٌ بِضَمَانِ غيرِ الطَّيِّبِ.
فإِنْ قُلتَ: هل يُنقَضُ شيءٌ من بنائها ممَّا بقي بعدَ المُنْهَدِمِ؟
قلت: نعم، إن كانَ آيلاً إلى السُّقوط، فإنَّه إذا لم يُنقَضْ عادَ الأمرُ بالضَّرِرِ؛ لأنَّه لا يمضي أدنَى مُدَّةٍ ونُزولُ مَطَرٍ إِلا ويتَداعَى البناء للسقوطِ، فيهدمُ ما بُنِيَ بعدَه، فإذا أُحكِمَ البناء جميعه، حصَلَ الأمنُ من هذه الجهة، وفيه صيانة للكعبة المُشرفة من استطراق الأغراض بالنسبةِ إلى البناء في كلِّ زَمانِ قليل، وفيه مُنافاة لاحترام البيتِ العتيقِ المُكرَّمِ.
فإنْ قُلتَ: إذا احتاج البناء لأحجار غيرِ ما بالمحل؟
قلتُ: تُؤخَذُ من جبل مُناسب، ولا يُدخَلُ في البناء حجر قد استُعمِلَ في غيرِ الكعبة، ولا خَشَبٌ كذلك.
فإِنْ قُلتَ: فإذا بقي من الأحجارِ المُنكسرة ما لم يدخُلْ في البناء ممَّا كانَ مبنيًّا، فماذا يُفعَلُ به وبالتُّرابِ الذي اجتمع من بنائها الذي تهدم؟
قُلتُ: تُحفَظُ الأحجارُ بوضعها في المسجدِ الحرامِ معَ التُّرابِ مَدفوناً لا يصِلُ إليه أحَدٌ، ومَن أرادَ منَ المسلمين أخذ شيء منَ التُّرابِ الباقي ممَّا سقط من بناء الكعبة المُشرفة تبرُّكاً منه مُكَّنَ منه، فإنَّه إنَّما يُمْنَعُ أخذُ ما في جَوفِها بالحفرِ صيانةً لها على الأبد، صانَها الله وعمرها، وأدامَ إسباغَ الرَّحمةِ عليها، وعمرها وعمَّ جميع المسلمين وبلاد الإسلام بمَدَدِها.
ونسأله سبحانه أن يمُنَّ علينا بالعَوْدِ لنتمَتَّعَ بِمُشاهَدَتِها، والطَّوافِ بها، واليمن بلم تُرابها، وإلصاق جباهنا بعتبة بابها، والالتزام بالمُلتَزَمِ، والشُّربِ من ماء زَمْزَمَ، وتقبيل الحجر الأسود المُعظَمِ، وَالصَّلاةِ خلفَ المَقامِ المُحَرَّمِ، ختاماً ولَنِعْمَ الختام ختامها.
تمَّتِ الرِّسالةُ، تأليفها في مُستَهَلَّ شوَّالٍ سنة تسع وثلاثينَ وألفٍ، غَفَرَ اللهُ لمُؤلّفها ولوالديه ومشايخه وذُرِّيَّتِه وإخوانه والمسلمينَ، خُتِمَتْ بخَيرٍ، وَبِحَمْدِ اللهِ وعَوْنه، وحُسْنِ توفيقه على التّمامِ والكَمالِ، والحمد لله على كل حال. آمين.