اختيارات الإمام الشرنبلالي ....
.............. في نور الإيضاح
جارٍ تحميل الكتاب…
اختيارات الإمام الشرنبلالي ....
.............. في نور الإيضاح
الطبعة الأولى
1441هـ ـ 2020م
اختيارات الإمام الشرنبلالي
في نور الإيضاح
للأستاذ الدكتور صلاح محمد أبو الحاج
عميد كلية الفقه الحنفي
جامعة العلوم الإسلامية العالمية
عمان، الأردن
مركز أنوار العلماء للدراسات
بسم الله الرحمن الرحيم
* قبل للنشر في مجلة دراسات \علوم الشريعة والقانون\ الجامعة الأردنية
ملخص البحث:
اهتم البحث في أهمّ متن في الطهارة والصلاة عند الحنفية، فجمعت فيه اختياراته التي خالف فيها المعتمد من المذهب، بمقارنتها بكتب المذهب الأُخرى، وبينتُ أَسباب هذه الاختيارات، وتناولتها في ثلاثة مباحث: المبحث الأول: في اختياراته المعتمدة على أصول الاستنباط كالبناء على ظواهر الأحاديث، والمبحث الثاني: في اختياراته المعتمدة على أصول البناء في المذهب من أصل الباب وأصل المسألة، والمبحث الثالث: في اختياراته المعتمدة على أصول الإفتاء، فذكرت المسائل التي لم يراع فيها أصول التطبيق من قواعد رسم المفتي من ضرورة وتيسير وعرف وغيرها.
ALimam Ashoronbolali Choices In «Noor Aledah»
Research Summary:
I was interested in this research in the most prominent" maten" text for hanafi school in purity and prayer for ALimam Ashoronbolali. I gathered his choices in which he dissented the approved in hanafi school. I compared his choices to other books in hanafi school, and indicated the reasons for these choices. I returned his choices to three things: choices to take account of the construction of the outward of Hadith, and choices of non-observance building assets in the school as the origin of the issue and the origin of matter, and choices of non-observance of the rules of the application assets in Rasm Al Mufti as need, facilitation,convention and others.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، سيدنا محمّد النبي الأمي، وعلى آله وصحبه وسلم، ومَن اتبعه بإحسان إلى يوم الدين، وبعد:
فإنَّ متن «نور الإيضاح» يعد أشهر (¬1) متن في العبادات عند السادة الحنفية، وهو ما يبدأ الطلبة بدراسته في عامة المدارس والمعاهد التي تعتنى بتدريس الفقه الحنفي.
وأهمية البحث: تكمن في ذكر مسائل من اختيارات الإمام الشرنبلالي في «نور الإيضاح» الذي شاع صيته وانتشر ذكره، والتي خالف فيها المعتمد من المذهب؛ ليتنبّه الدارس له إلى عدم التّسليم لكلّ ما فيه، وحتى يتعرّف على هذه المسائل، والأسباب التي أوصلته لهذا الاختيارات.
¬
(¬1) لأنه أول متن يدرسه الطالب في الشام والعراق ومصر وتركيا والهند ودول أواسط أسيا وغيرها.
ومشكلة البحث: تكمن في الإجابة عن: هل للشرنبلالي اختيارات في «نور الإيضاح» خالف فيها المعتمد من المذهب؟ وما هي المسائل التي خالف فيها؟ وما هي الأسباب الداعية له لهذه المخالفة؟
ولم أقف على دراسة سابقة اهتمّت بجمع أقوال الشُّرُنْبُلاليّ أو اختياراتُه أو مخالفاته لا سيما في «نور الإيضاح».
والمنهج المتبع هو المنهج الاستقرائي في جمع المسائل من «نور الإيضاح»، ثم المنهج المقارن في مقارنتها بالمسائل الموجودة في كتب المذهب؛ ليتميّز موافقته أو مخالفته للمعتمد في المذهب، ثم المنهج التّحليلي للتعرّف على أسباب المخالفة للمذهب.
واقتصرت في هذا البحث على اختيارات الشرنبلالي في المسائل التي في ظنِّ الباحث أنَّه خالف فيها المذهب، ولم أعرض لكلّ اختياراته؛ لأنّ المقام سيطول ولا يتسع له البحث، ولأنّ المقصودَ من البحثِ ليست التّرجيحات له في المذهب، وهي كثيرةٌ جداً، وإنّما الاختيارات التي خالف فيها المذهب.
وتحقيقاً للمقصود، فقد قسمتُ البحث إلى تمهيد وثلاثةِ مباحث وخاتمة:
المبحث الأوّل: في الاختيارات المعتمدة على أصول الاستنباط.
والمبحث الثّاني: في الاختيارات المعتمدة على أصول البناء.
والمبحث الثّالث: في الاختيارات المعتمدة على أصول الإفتاء.
والخاتمة: في أهمّ نتائج البحث.
سائلاً المولى - عز وجل - التّوفيق والسَّداد إلى المراد.
* * *
التمهيد:
ونذكر لمحة عن نور الإيضاح ومؤلفه ومكانته، وأنواع الأصول، ومناهج الترجيح، وأنواع المدارس عند الحنفية في النقاط التالية:
أولاً: «نور الإيضاح»:
هو متن مشهور جداً في المذهب الحنفي، يشتمل على كتابي الطهارة والصلاة، ونال قبولاً كبيراً بين العلماء في التدريس والإفتاء؛ لما امتاز به من وضوح العبارة والترتيب لمسائله بحيث يجمع الفرائض في سلك واحد، وكذلك السنن، وهكذا غيرها، ويتوسَّع بذكرها بما لا يوجد في غيره من المتون، فاشتمل على تفريعات وتفاصيل عديدة.
ثانياً: مؤلف «النور»:
هو الإمام الفقيه حسن بن عمَّار بن علي الشُّرُنْبَلالِيّ المصريّ الوفائيّ الحَنَفيّ،، أبو الإخلاص، والشُّرُنْبُلاليّ: بضم الشِّين المعجمة والرَّاء المهملةِ وسكون النُّون وضمِّ الباء الموحدة ثُمَّ لام ألف بعدها لام، نسبةً إلى شراب شرابلوله على غير قياس، وهي بلدة بسواد مصر.
قال المحبي (¬1): «كان من أعيان الفقهاء وفضلاء عصره، ومنسار ذكرهن فانتشر أمره، وهو أحسن المتأخرين ملكة في الفقه وأعرفهم بنصوصه وقواعده وأنداهم قلَّما في التحرير والتصنيف، وكان المعوَّل عليه في الفتاوى في عصره».
وله مؤلفات كثيرة، ومنها: «حاشية على الدرر والغرر»، و «شرح الوقاية»، و «شرح منظومة ابن وهبان»، و «مراقي الفلاح شرح نور الإيضاح».
وله: «التحقيقات القدسية والنفحات الرحمانية»، جمع فيها عشرات الرسائل له، ومنها: «إسعاد آل عثمان المكرم ببناء بيت الله المحرم»، و «إكرام أولي الألباب بشريف الخطَّاب»، و «الزهر النضير فِي الحوض المستدير»، «العقد الفريد لبيان الرَّاجح من الخلاف في جواز التقليد»، «النفحة القدسية في حكم قراءة الفاتحة وكتابتها بالفارسية»، ولد سنة (994هـ)، وتوفي سنة (1069هـ) (¬2).
¬
(¬1) المحبي: خلاصة الأثر ج2، ص 38 - 39.
(¬2) ينظر: اللكنوي، طرب الأماثل ص466 - 469، و المحبي: خلاصة الأثر ج2، ص 38 - 39، وابن عابدين، رد المحتار 1: 13 - 14.
ثالثاً: مكانة «نور الإيضاح» في المذهب الحنفي:
تظهر مكانته من عناية العلماء به من النقل عنه، كما فعل ابن عابدين (¬1) حيث نقل عنه مئات المرات، والتدريس له، والشرح والتحشية والتعليق عليه، حيث بلغت الشروح العشرات، ومنها:
1. «إمداد الفتاح شرح نور الإيضاح» الشرح الكبير للمُصَنِّف.
2. «مراقي الفلاح بإمداد الفتاح شرح نور الإيضاح» الشرح المختصر للمُصَنِّف، وهو أشهر شروح الكتاب وأكثرها شيوعاً بحثاً ودراسة.
3.شرح علاء الدين عابدين (ت1306هـ)، وسمَّاه: «معراج الفلاح شرح نور الإيضاح» (¬2).
4.شرح عثمان بن يعقوب الكماخي (ت1171هـ)، وسمّاه: «سلم الفلاح الكاشف عن غموض مُذَنَّب نُور الإيضاح ونجاة الأرواح» (¬3).
5.شرح مصطفى بن أحمد الطرودي، وسمّاه: «مواهب الفَتّاح شرح نظم نور الإيضاح ونجاة الأرواح» (¬4).
¬
(¬1) في منحة الخالق1: 40، 51، 63، ورد المحتار1: 142، 143، 156.
(¬2) ينظر: فهرس آل البيت: الفقه: 75، وعطا، مقدمة مراقي الفلاح ص57.
(¬3) ينظر: البغدادي، هدية العارفين ج1، ص659، والبيطار، حلية البشر ج1، ص1335.
(¬4) ينظر: فهرس آل البيت: الفقه: 1407.
6.شرح محمد بن علي الحسيني المصري الحنفي، أبو السعود (ت1172هـ) (¬1)، وسمّاه: «ضوء المصباح شرح نور الإيضاح» (¬2).
7.شرح حامد بن علي بن إبراهيم العمادي (ت1171هـ)، وسمّاه: «مِصْباح الفلاح شرح نور الإيضاح» (¬3).
8.شرح محمد بن محمد بن أحمد الأمير الكبير السنباويّ، وسمّاه: «إمداد الفتاح شرح نور الايضاح» (¬4).
9.شرح محمد بن اسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن خضر النفراوي المصري المالكي (ت1185هـ)، المسمّى: «شرح نور الايضاح» (¬5). (¬6)
¬
(¬1) ينظر: فهرس مخطوطات آب ديابربل القدس ج1، ص423، وفهرس آل البيت (6: 118) 19.
(¬2) ينظر: فهرس آل البيت: الفقه: 125.
(¬3) ينظر: فهرس آل البيت، الفقه: 1768.
(¬4) ينظر: خزانة التراث ر1242.
(¬5) ينظر: البغدادي، هدية العارفين ج2، ص339، وكحالة، معجم المؤلفين ج9، ص60.
(¬6) وممن شرحه أيضاً:
شرح محيي الدين عبد الحميد، وسمَّاه: «سبيل الفلاح في شرح نور الإيضاح»، وجعل له تكملة سمّاها: «هبة الفتاح بتكملة نور الإيضاح»، وهو مطبوع ومتداول.
وشرح ابن الخطيب، وسمّاه: «الإفادة على نور الإيضاح»، ينظر: فهرس آل البيت: الفقه: 1888.
وحاشية للدكتور سائد بكداش، وهي تعليقات على الكتب من الدكتور، ولم يذكر لها اسماً.
وشرح العلامة حامد الدين النعمان.
و «تبسيط نور الإيضاح» للفاضل أحمد كامل قاسم، طبع في المكتبة الأزهرية للتراث، القاهرة، 1997م.
ونظمه عددٌ من العلماء منهم:
1.العلامة أحمد بن إبراهيم الصابونيّ الحمويّ (ت1334هـ)، وسمَّاه: «الإصباح نظم نور الإيضاح» (¬1).
2. مصطفى بن عبد الفتاح النابلسيّ الحنفيّ، المعروف بـ (التميميّ)، (1111 – 1183هـ)، وسمَّاه: «نظم نور الإيضاح» (¬2). (¬3)
رابعاً: أصول الترجيح الثلاثة:
1.أصول الاستنباط، والمقصود به علم أصول الفقه، ومن تعريفاته: «العلمُ بالقواعدِ التي يتوصَّل بها إلى استنباطِ الأحكام الشرعيّة الفرعيّة من أدلتها التفصيلية» (¬4).
¬
(¬1) ينظر: الزركلي، الأعلام ج1، ص89.
(¬2) ينظر: الحسيني، سلك الدرر ج4، ص184، والبغدادي، هدية العارفين ج2، ص452.
(¬3) وممن نظمه أيضاً:
محمد بن خالد الأنصاريّ الحمصيّ (ت1364هـ)، وسمَّاه: «نظم نور الإيضاح»، الزركلي، الأعلام ج6، ص112.
وعبد الكريم بن عبد الله حمزة، وسمَّاه: «نظم نور الإيضاح»، طبع في دار البيروتي، دمشق سنة 2005م.
(¬4) ينظر: ابن الساعاتي، بديع النظام ج1، ص 9، والتهانوي، كشاف اصطلاحات الفنون ج1، ص 38.
وفي هذا التعريف ثلاثة أمور: الحكم الفرعي، والقاعدة، والدليل، فالحكم الفرعي مثل: وجوب الصلاة، والقاعدة هي أن {أَقِيمُوا} أمر، والقاعدةُ الأصولية هي: أن الأمر للوجوب، والدليل التفصيلي هو قوله - جل جلاله -: {أَقِيمُوا الصَّلاةَ} (¬1) ففي ضوء هاتين القاعدتين يتوصل المجتهد إلى الحكم الفرعي، وهو وجوب الصلاة من دليله التفصيلي، وهو قوله - جل جلاله -: {َقِيمُوا الصَّلاةَ} (¬2).
فهو مجموعة القواعد التي تُبيّن للفقيه طرق استخراج الأحكام من الأدلة التفصيلية، سواء أكانت تلك الطرق لفظية كمعرفة دلالات الألفاظ الشرعية على معانيها، واستنباطها منها، وطرق التوفيق بينها عند تعارض ظواهرها، أو اختلاف تاريخها، أم كانت معنوية كاستخراج العلل من النصوص وتعميمها، وبيان طرق استخراجها، وأسلم المناهج لتعرفها .... (¬3).
2.أصول البناء، والمقصود بها: القواعد والضوابط الفقهيّة للمسائل.
وهذه الضوابط علمٌ كبيرٌ واسع، اعتنى به العلماء كثيراً في إظهار
¬
(¬1) الأنعام: من الآية72.
(¬2) ينظر: بدخشاني، أصول الفقه للمبتدئين ص26 - 27.
(¬3) ينظر: أبو زهرة، أصول الفقه ص3 - 6.
البناء الفقهيّ للمسائل، ومن أبرزها كتاب: «شرح الزيادات» لقاضي خان، حيث ذكر فيه ما يزيد عن ألف قاعدة، ويُبيِّن في كلِّ بابٍ أنَّه مبنيّ على أصل أو أصلين، وهكذا.
ومثاله: سلامة المبيع للمشتري توجب سلامة الثمن للبائع، ويترتب عليه استحقاق المبيع على المشتري يوجب الرجوع بالثمن على البائع تحقيقاً لمقتضى المعاوضة والمساواة (¬1).
فإنَّ المسائل الفقهيّةَ مبنيّةٌ على ضوابط وقواعد، تُدرس من أجل تحصيلها، وعامّة المذكور في كتب الفقه فيما عدا أبواب العبادات، فإنَّها عبارةٌ عن أمثلةٍ وليست مقصودةً بذاتها، وإنَّما هي تطبيقٌ في زمن ومكانٍ مُعيّن، بالتالي مَن لا يدرس المسائل الفقهية ملاحظاً لمبانيها وقواعدها وأسسها، فإنَّه لا يقدر على فهم حقيقةِ الفقه والعيش في كنفه، وإنَّما يبقى متعلِّقاً بقشورٍ بدون قدرةٍ على ضبطٍ وتمكُّن فيه، ولا يصل إلى الملكة الفقهية التي بها نطبق الفقه، ولا يقدر على إدراك مقاصد التشريع.
والفهم لبناء المسائل يوضح لنا جزءاً كبير من الخلاف بين المذاهب، كما في مسألة الاختلاف في نوع بدلية التيمم عن الماء: فعن أبي ذر - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ الصعيد الطيب وضوء المسلم ولو عشر حجج، فإذا
¬
(¬1) ينظر: قاضي خان، شرح الزيادات ج2، ص 678.
وجد الماء فليمس بشرته الماء» (¬1)، فاختلف الفقهاء في نوع بدلية التيمم عن الماء:
فعند الحنفية (¬2):التيمم بدل مطلق عن الماء، وعليه قالوا: بجواز التيمم قبل دخول الوقت ولأكثر من فرض ولغير الفرض أيضاً، فيُصلِّي بتيمّمه ما شاء من الفرائض والنَّوَافل؛ لأنَّ الله - جل جلاله - أقامَ التيمُّم مقام الوضوء مُطلقاً.
وعند الشافعية والحنابلة (¬3): التيمم بدل ضروري عن الماء، وعليه قالوا: بعدم صحة التيمم إلا بعد دخول وقت ما يتيمم له من فرض أو نفل له وقت مخصوص، فيُصلّي به فرضاً واحداً وما شاء من النوافل، إلا أنَّ الحنابلة أجازوا بالتيمم الواحد صلاة ما عليه من فوائت في الوقت إن كانت عليه، خلافاً للمالكية والشافعية؛ لأنَّه طهارةٌ ضرورية، والضرورة تتحقق بفرض واحد.
وارتباط المسائل بأصولٍ ومبانٍ دقيقة يُعرِّفنا بانتفاء العشوائية في
¬
(¬1) الترمذي، السنن ج1، ص 211، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، وابن حبان، الصحيح ج4، ص139، وابن أبي شيبة، المصنف ج1، ص144، وأحمد، المسند ج5، ص146.
(¬2) ابن عابدين، رد المحتار ج1، ص167.
(¬3) النووي، المنهاج ج1، ص105، وابن قدامة، المغني ج1، ص198.
الأحكام وانتظامها وترتيبها، بما يورث الثِّقة من الدَّارس والعامل بها، في تحقيقها لمقصد الشريعة، ويجعل الأحكام متسقة مع بعضها مع بعض.
3.أصول التطبيق، والمقصود بها قواعد الإفتاء المعروفة بعلم رسم المفتي، والرسم: هو العلامة التي تدل المفتي على ما يفتي به (¬1)، وكتاب ابن عابدين مشهور فيه، وهو «شرح عقود رسم المفتي».
ورسم المفتي: علم يبحث في كيفية تطبيق الفقه في الواقع بمراعات أصوله هي: الضرورة، والحاجة، ورفع الحرج، والتيسير، وتغير الزمان، والعرف، والمصلحة.
وعامّةُ الأحكام الفقهيّة متعلّقةٌ بهذه الأصول، فكان لها تأثيرها البالغ في اختلافها من مجتهد إلى مجتهد، بسبب اختلاف بيئة الفقهاء وعصورهم، فقد كان لذلك أثر كبير في اختلافهم في كثير من الأحكام والفروع، حتى إنَّ الفقيه الواحدَ كان يرجع عن كثيرٍ من أقوالِه إلى أقوال أُخرى إذا تعرّض لبيئةٍ جديدةٍ تُخالف البيئة التي كان فيها.
والحكم الشرعيّ له طرفان: طرف في كيفيّة استنباطه، ويكون بأصول الفقه، وطرف في كيفيّة تطبيقه ويكون برسم المفتي.
¬
(¬1) ابن عابدين، رد المحتار1: 69.
وهذا الترتيب يعطي للأحكام الفقهيّة ميزة عظيمة جداً بمراعاة قواعد رسم المفتي عند تطبيقها، فيتحّقق العدل المطلوب، والمطابقة المرجوة، قال ابن عابدين (¬1): «وكثيرٌ منها ما يُبَيِّنُه المجتهدُ على ما كان في عرفِ زمانه، بحيث لو كان في زمان العرف الحادث لقال بخلاف ما قاله أوّلاً؛ ولهذا قالوا في شروط الاجتهاد: أنَّه لا بُدّ فيه من معرفةِ عادات الناس.
فكثيرٌ من الأحكام تختلفُ باختلافِ الزَّمان؛ لتغيّر عرف أهله، أو لحدوثِ ضرورةٍ، أو فساد أهلِ الزّمان، بحيث لو بقي الحكم على ما كان عليه أَوّلاً للزم منه المشقّة والضرر بالناس، ولخالف الشَّريعة المبنيّةَ على التّخفيف والتَّيسير ودفع الضرر والفساد؛ لبقاء العالم على أتمّ نظام وأحسن إحكام».
وكما أنَّ أُصولَ المجتهد المطلق تدور في محاور رئيسيّة فيها العديد من القواعد الأصوليّة وهي: الكتاب والسّنّة والإجماع والقياس، فكذلك فإنَّ أصولَ المجتهد في المذهب لها محاور رئيسيّةٌ مليئةٌ بقواعدِ الإفتاء، وهذه المحاور: هي الضرورة والعرف والتيسير، فهذه هي الأُصول الكبرى في رسم المفتي التي يرتكز عليها المفتي في فهمه وضبطِهِ وتطبيقِهِ للفقه.
¬
(¬1) ابن عابدين، نشر العرف 2: 123.
وهي الأصولُ التي يعتمدُ عليها المجتهدُ في المذهبِ في الترجيح والتفريع والتطبيق والإفتاء، كما يعتمد المجتهدُ المستقلّ على أصولِ الفقه لاستخراج الأحكام من الكتاب والسنة والآثار والترجيح بينها، فكما لا غنى للمجتهد المطلق عن أصول الفقه ـ فهي القواعد التي تُمَكّنه من القيامِ بعلمه واستفراغ جهده في استنباط الأحكام، وهي آلته في ذلك ـ فكذلك العالم في المذهب، فإنَّ رسمَ المفتي هو الأداة التي يتمكَّن بها من القيام بعمله، وبذل جهده في إنزال الفقه على الواقع، والخروج من دائرة الخلاف، وتلبية حاجات مجتمعه، فهي الوسيلة لذلك.
خامساً: مناهج الاجتهاد والترجيح:
1.منهج الاستباط، وذلك من خلال استعمال قواعد الأصول في الاجتهاد والترجيح، كالاعتماد على أصولٍ مُقرّرةٍ في المذهبِ استخرج أُسسها أئمّتُه، قال ابنُ كمال باشا (¬1): «طبقةُ المجتهدين ... القادرين على استخراج الأحكام عن الأدلّة المذكورة على حسَب القواعد التي قرَّرها إمامُهم ... ». وهذه الوظيفةُ تظهر لدى المجتهد المنتسب.
2.منهج التَّخريج بالتَّفريع على مسائلِ المجتهدِ وقواعدِه في المسائل المستجدة، فالمجتهدون الأوائلُ نُقِل عنهم قواعد الأبواب وأُمَّهات مسائلها أَكثر ممّا نُقِل عنهم من فروعِها وتفصيلاتها، وهذه كلُّها من
¬
(¬1) العثماني، أصول الإفتاء ص 87.
تفريعات مشايخ المذهب على أُصول مذهبهم، وهذا واضح جليٌّ في كتب الفتاوى، فأكثرها من تفريعات المشايخ، قال ابنُ عابدين (¬1): «هو مَن استخرج الأحكام من مذهب مجتهدٍ تخريجاً على أصولِه ... ».
3.منهج التَّرجيح والتَّصحيح بين أقوالِ علماءِ المذهب، من خلال التَّرجيح بين الأقوال اعتماداً على الأصول والقواعد والمعاني وأسس الأبواب الفقهية: أي من حيث قوّة البناء الفقهي والأُصولي، بحيث يراعى مبنى المسألة ومبنى الباب، أو التَّرجيحُ بين الأقوال بناءً على قواعدِ رسم المفتي من المصلحة والعرف والتيسير وتغيّر الزَّمان والضرورة والحاجة: أي من حيث الأنسب في التَّطبيق في الواقع. قال ابن عابدين (¬2): «وينبغي أن يكون مطمح نظره إلى ما هو الأرفق والأصلح وهذا معنى قولهم: إنَّ المفتي يفتي بما يقع عنده من المصلحة: أي المصلحة الدينيّة لا مصلحته الدنيويّة».
سادساً: المدراس الفقهية عند الحنفية:
1. مدرسة الفقهاء: وهي التي تعتمد على الترجيحُ بأصول الأبواب، وهي المعاني التي تَوصّل لها المجتهد باستقرائه لما ورد في الباب من قرآن وأحاديث وآثار، وبالتّالي هي معاني إمّا قطعيّة أو ظنيّة قويّة
¬
(¬1) ابن عابدين، شرح عقود رسم المفتي 1: 31.
(¬2) ابن عابدين، رد المحتار 4: 363.
صادرةٌ من مجتهد معتبر لا يقول بخلاف القرآن والسنة أبداً، فإن ترك ظاهر حديث فقد وافق ما هو أقوى منه من معاني القرآن والأحاديث الأخرى، فإهمال تأصيله للفقه في الترجيح والتَّرجيح بظواهر الأحاديث بعيد عن الصّواب؛ ولذلك لم يلتفت له أئمتنا في مدرسة الفقهاء؛ لإدراكهم هذا المعنى، وغفلة محدّثي الفقهاء عن هذا جعلتهم يسلكون مسلك الترجيح بظواهر النصوص.
قال قاضي خان (¬1)، فقال: «المفتي في زماننا من أصحابنا إذا استفتي في مسألةٍ وسُئِل عن واقعةٍ، إن كانت المسألة مرويةً عن أصحابنا في الرِّوايات الظّاهرة بلا خلاف بينهم، فإنَّه يميلُ إليهم ويُفتي بقولهم ولا يخالفهم برأيه وإن كان مجتهداً متقناً؛ لأنَّ الظاهرَ أن يكون الحقّ مع أَصحابنا ولا يعدوهم، واجتهاده لا يبلغ اجتهادهم، ولا ينظر إلى قول مَن خالفهم ولا يقبل حجّته؛ لأنَّهم عرفوا الأدلة ومَيَّزوا بَيْن ما صَحّ وثبت وبين ضدّه».
2. مدرسة محدثي الفقهاء: وهي المدرسة المتأخرة مدار أصولهم على أصول المحدّثين، مع ضعفٍ ظاهر منهم لما يوردون من أحاديث في استدلالاتِهم يرجِّحون من خلالها، حتى أنَّ إمامَ هذه المدرسة ـ وهو الإمامُ ابنُ الهُمام ـ تكلّموا فيه أنَّه لم يكن مِنَ المشتغلين والمتمرّسين في علم
¬
(¬1) قاضي خان، الخانية، ج1، ص 1.
الحديث، حيث وصفه تلميذه السَّخاوي (¬1) بقوله: «وكان إماماً علامّة عارفاً بأصولِ الدِّيانات والتَّفسير والفقه وأصوله والفرائض والحساب والتَّصوف والنَّحو والصَّرف والمعاني والبيان والبديع والمنطق والجدل والأدب والموسيقى وجلّ علم النَّقل والعقل، متفاوت المرتبة في ذلك، مع قلّةِ علمِه في الحديث، عالم أهل الأرض ومحقِّق أولى العصر، حجة أعجوبة، ذا حجج باهرة، واختيارات كثيرة، وترجيحات قويّة، بل كان يصرّح بأنَّه لولا العوارض البدنية من طول الضعف والأسقام وتراكمهما في طول المدد لبلغ رتبة الاجتهاد ... ».
وقال تلميذه ابن قطلوبغا: إنَّه لا يتلفت لأبحاث شيخنا المخالفة للمذهب (¬2)، وَنُقل عن الكشميري (¬3): «أنَّ الشيخ ابن الهمام كل ما ذكره في «فتحه» من أدلة مذهبنا، مستفاد من تخريج الإمام الزيلعي، ولم يزد عليه دليلاً، إلا في ثلاثة مواضع: منها مسألة المهر، وقدر ما يجب».
ويظهر من حالهم غفلةٌ واضحةٌ عن طريقةِ الفقهاء في تصحيح الأحاديث وقَبولها وردّها، قال الجصّاص (¬4): «لا أعلم أحداً مِنَ الفقهاء اعتمد طريق المحدِّثين ولا اعتبر أصولهم»، لاسيما أنَّ الوقوفَ على
¬
(¬1) السخاوي، الضوء اللامع 8: 131.
(¬2) ابن عابدين، رد المحتار3: 74.
(¬3) عوامة، مقدمة نصب الراية1: 8.
(¬4) الجصاص، شرح مختصر الطحاوي4: 244.
النّصوص الحديثيّة بصورتها الأدقّ والأحكم بالنسبة إلى طبقة المنتسب أقوى؛ لقربها مِنَ العهد النبويّ، فحكمُهم أصحُّ وأثبتُ وأَصوب، كما صَرَّح الذهبيُّ (¬1): «وهذا في زماننا يعسُرُ نقدُه على المحدِّث، فإنَّ أولئك الأئمة: كالبُخاريّ وأبي حاتم وأبي داود، عاينوا الأصول، وعَرَفوا عِلَلَها، وأمّا نحن فطالَتْ علينا الأسانيد، وفُقِدَت العباراتُ المُتيقّنة، وبمثلِ هذا ونحوه دَخَل الدَّخَلُ على الحاكم في تصرُّفِهِ في المستدرك».
وهذا يفسّر ردّ ابن عابدين لكثير من أقوالِهم وترجيحاتِهم والرّجوع إلى مَنْ سبقهم في الوقوف على المعتبر من المذهب، وهم متفاوتون في الاعتماد على الحديث.
* * *
¬
(¬1) الذهبي، الموقظة ص46.
المبحث الأوّل
في الاختيارات المعتمدة
على أصول الاستنباط
سبق بيان أصول الاستنباط في التَّميهد، وكذلك وجود مدرستين فقهيتين عند الحنفية، ويعتبر الشُّرنبلاليّ من أعلام مدرسة محدثي الفقهاء من متأخري الحنفية الذين اجتهدوا اعتماداً على ظاهر بعض الأحاديث، فرجَّح عدة مسائل بهذه الطريقة، وهذه الاختيارات هي:
المسألة الأولى:
اختياره سنيّة مسح الرَّقبة:
قال الشُّرُنْبُلاليُّ: «ويُسَنُّ مسح الرَّقبة؛ لأنَّه - صلى الله عليه وسلم - «توضّأَ وأَومأ بيديه من مُقَدَّمِ رأسِهِ، حتى بَلَغَ بهما أسفل عنقه من قِبَلِ قَفَاه» (¬1)» (¬2).
والمعتمد في المذهب: استحباب مسح الرقبة، قال اللكنوي (¬3): «وهو مخالفٌ لما عليه جمهور الحنفية، حيث قالوا: إنَّ مسح الرقبة مستحب، ويميل إليه كلام الكاشغري (¬4) (¬5)».
¬
(¬1) في الطبراني، المعجم الكبير ج19، ص180، قال الزيلعي في نصب الراية ج1: ص17: «رواه أبو داود5 في سننه، لكنه ليس صريحا في المقصود ... وسكت عنه أبو داود، ثم المنذري بعده في المختصر»، وورد في ذلك آثار يعضد بعضُها بعضاً تفيد استحباب مسح الرقبة: منها: ما رواه طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده - رضي الله عنه -: (رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمسح رأسه مرة واحدة حتى بلغ القَذَال)، وفي رواية: (أول القفا) في مسند أحمد 3: 481، وسنن أبي داود 1: 32، ومنها: (مسح الرقبة أمان من الغُلّ ـ أي الطوق ـ يوم القيامة)، قال العراقي في تخريج أحاديث الإحياء 1: 159: سنده ضعيف. والضعيف يعمل به في فضائل الأعمال؛ ولذا قال أئمتنا: أنه مستحب، أو سنة.
(¬2) الشرنبلالي، المراقي ص34.
(¬3) اللكنوي، تحفة الطلبة في تحقيق مسح الرقبة ص36.
(¬4) وهو محمد بن محمد الكاشغري، سديد الدين، من مؤلفاته: «مُنْيَة المصلي وغنية المبتدي»، قال اللَّكنويَ: هذا من الكتب المعتبرة المتداولة، (ت705هـ). ينظر: حاجي خليفة، الكشف ج2، ص1886، واللكنوي، تحفة الكملة ص6.
(¬5) الكاشغري، منية المصلي ص6 - 7.
وظاهر أنَّ الشرنبلالي خالف لميله للحديث كما علَّل، وهو ضعيف، فالأحاديث الواردة في المسح ضعيفة لا تقوى لأن يثبت منها السنية؛ لذلك مال أئمتنا إلى الاستحباب لا إلى السُّنية؛ لعضدِ الآثار بعضُها بعضاً في إفادة الاستحباب لا غير، ومنها:
1.ما رواه طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده - رضي الله عنه -: «رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمسح رأسه مرة واحدة حتى بلغ القَذَال»، وفي رواية: «أول القفا» (¬1)
2.قال - صلى الله عليه وسلم -: «مسح الرقبة أمان من الغُلّ ـ أي الطوق ـ يوم القيامة» (¬2).
وفرق الأصوليون من الحنفية بين السنة والمستحب من أن السنة ما واظب النبي - صلى الله عليه وسلم - على فعله مع ترك ما بلا عذر، والمستحب ما لم
¬
(¬1) في أحمد، المسند ج 3، ص481، وأبي داود، السنن ج1، ص32، والطحاوي، شرح معاني الآثار ج1، ص30، والطبراني، المعجم الكبير ج19، ص18، والبيهقي، السنن الكبير ج1، ص60، والخطيب، تاريخ بغداد ج6، ص 169، وقد أثبت المجد ابن تيمية في المنتقى في الأحكام الشرعية ج1، ص202 بهذا الحديث مسح الرقبة. والقَذَال: هو جماع مؤخِّر الرأس، كما في ابن منظور، لسان العرب ج5، ص3561. وسند الحديث ضعيف، ففي أبي داود، السنن ح1، ص32: «قال مسدد: فحدثت به يحيى فأنكره، قال أبو داود: وسمعت أحمد، يقول: إن ابن عيينة زعموا أنه كان ينكره، ويقول إيش هذا طلحة، عن أبيه، عن جده».
(¬2) قال العراقي في تخريج أحاديث الإحياء ج1: ص159: سنده ضعيف. وقال القاري في الأسرار المرفوعة في الأخبار الموضوعة ص434: سنده ضعيف ..
يواظب عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - فاستوى فعله وتركه (¬1)، وتظهر ثمر الخلاف في أن السنة تركها يوجب إساءة وكراهية، والمستحبّ تركه لا يوجب إثماً وكراهة (¬2).
المسألة الثانية:
اختياره سنيّة البسملة في كل ركعة:
قال الشُّرنبلاليُّ: «وتسنُّ التّسميةُ أوّل كلِّ ركعة قبل الفاتحة؛ لأنَّه - صلى الله عليه وسلم - «كان يفتتح صلاته ببسم الله الرحمن الرحيم» (¬3)، والقول بوجوبها ضعيف وإن صحّ؛ لعدم ثبوت المواظبة عليها (¬4)» (¬5).
والمعتمد في المذهب: سنيتها في الركعة الأولى، واستحبابها في الباقي: قال اللكنويّ (¬6): «روى الحسن عن أبي حنيفة - رضي الله عنهم -: أنَّ المصلّي يأتي
¬
(¬1) ابن نجيم، فتح الغفار ص66.
(¬2) ينظر: صدر الشريعة، التنقيح2: 249.
(¬3) في الترمذي، السنن، ر228، وسندُه ضعيف، كما في إحكام القنطرة، لكنَّها ثابتة ٌفي أحاديث أخرى صحيحة منها: عن نعيم، قال: «صليت خلف أبي هريرة - رضي الله عنه - فقرأ بسم الله، ثم قرأ بأم القرآن، فلما سَلَّم، قال: والذي نفسي بيده إني لأشبهكم صلاة برسول الله - صلى الله عليه وسلم -» في الطحاوي، شرح معاني الآثار ج1، ص199، وابن خزيمة، الصحيح ج1، ص251، والحاكم، المستدرك ج1، ص357، وابن حبان، الصحيح ج5، ص100.
(¬4) رد اللكنوي في إحكام القنطرة ص167 - 168على المصنف هاهنا، فقال: وفيه ما فيه، فإنَّ المواظبة عليها معلومة من ضمّ بعض الأحاديث الواردة فيها إلى بعض.
(¬5) الشرنبلالي، المراقي ص97.
(¬6) اللكنوي، إحكام القنطرة ص 172.
بها في أوّل الصلاة ثُمَّ لا يعيد، وروى المعلي عن أبي يوسف عن أبي حنيفة - رضي الله عنهم -: أنَّه يأتي بها في كلّ ركعة وهو قول أبي يوسف - رضي الله عنه -، وروى ابن حازم نحوه عن محمد - رضي الله عنه - أيضاً، وهو الأحوط؛ لأنَّ العلماءَ اختلفوا في أنَّ التسميةَ من الفاتحة أم لا، وعليه إعادة الفاتحة في كلّ ركعة، فكان عليه إعادة التسمية أيضاً، كذا في «الذخيرة»».
وتسويته بين أوَّل ركعةٍ وغيرِها في حقِّ التَّسمية؛ لعموم الأحاديث الواردة في بداية الفاتحة، وتفريق أئمة المذهب أنَّ تكرَّر الفاتحة في الصلاة يجعل البسملة فيما بعد الركعة الأولى أقل رتبة فتنزل إلى الاستحباب، والله أعلم.
المسألة الثالثة:
اختياره لعدم صحة الشُّروع في الصَّلاة بغير العربية للقادر على العربية:
قال الشرنبلالي: «ويصحُّ الشروعُ أيضاً: بالفارسية وغيرِها من الألسن إن عجز عن العربية وإن قدرَ لا يصحّ شروعه بالفارسية ونحوها، ولا قراءته بها في الأصحّ من قولي الإمامِ الأعظم - رضي الله عنه - موافقة لهما؛ لأنَّ القرآنَ اسمٌ للنظم والمعنى جميعاً» (¬1).
¬
(¬1) الشرنبلالي، المراقي ص105.
والمعتمد في المذهب: صحة الشروع بالفارسية وغيرها وإن لم يكن عاجزاً عن العربية؛ لأنَّ التلفظ بالعربية سنة، قال الطحطاوي (¬1): «الصحيحُ أنَّه يصحّ الشروع عنده (¬2) بغير العربية ولو كان قادراً عليها مع الكراهة التحريمية للقادر؛ لأنَّ الشروعَ يتعلّق بالذكر الخالص، وهو يحصل بكلِّ لسان».
ولعلّ سبب مخالفة الشّرنبلالي للمذهب أنَّ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - كان شروعه بالعربية وكذلك صحابته الكرام - رضي الله عنهم -، ولكنَّ اللكنوي حقق في كتاب خاصّ في هذا الموضوع: أنَّ هذا الظاهر لا يدل على أكثر من السنية، فقال (¬3): «إن كانت الأحاديثُ دالَّة على اختصاصِهِ بالعربيِّ اختصاصاً بالغاً إلى حدِّ الاشتراط، فالآيةُ معرَّاةٌ عن هذا الاشتراط، ولا تصلحُ أخبار الآحادِ ناسخةً لحكمِ الكتاب، ولا مُقيِّدةً لإطلاقِ ما في الباب».
المسألة الرابعة:
اختياره لصحّة أداء سُنّة الفجر جالساً:
قال الشُّرُنْبُلاليّ: «يجوز النفلُ إنَّما عَبَّرَ به؛ ليشمل السننَ المؤكّدةَ وغيرَها فتصحّ إذا صلاها قاعداً مع القدرة على القيام، وقد حُكِي فيه إجماعُ العلماء، وعلى غير المعتمد يقال: إلا سنة الفجر؛ لما قيل: بوجوبها
¬
(¬1) الطحطاوي، حاشيته على المراقي ج1، ص381.
(¬2) أي عند الإمام أبي حنيفة.
(¬3) اللكنوي، آكام النفائس ص35 - 44.
وقوَّة تأكّدها، وإلا التراويح على غير الصحيح؛ لأنَّ الأصحَّ جوازها قاعداً من غير عذر، فلا يستثنى من جواز النفل جالساً بلا عذر شيءٌ على الصحيح؛ لأنَّه - صلى الله عليه وسلم - «كان يُصلِّي بعد الوتر قاعداً» (¬1)، و «كان - صلى الله عليه وسلم - يجلس في عامّة صلاته بالليل تخفيفاً» (¬2)، وفي رواية عن عائشة رضي الله عنها: «فلمّا أراد أن يركعَ قام فقرأ آيات، ثُمَّ ركع وسَجَدَ وعاد إلى القعود» (¬3)» (¬4).
والمعتمد في المذهب: عدم جواز صلاة سنة الفجر جالساً، قال الطحطاوي (¬5): «يفيد ـ كلام الشرنبلالي ـ أنَّ القول بتحتم القيام في سنة الفجر وفي التراويح غير مرجَّح وليس كذلك، أفاده السيد (¬6)»، ونَصَّ
¬
(¬1) فعن عائشة رضي الله عنها: «كان - صلى الله عليه وسلم - يُصلِّي ثلاث عشرة ركعة، يصلي ثمان ركعات، ثم يوتر، ثم يُصلِّي ركعتين وهو جالس، فإذا أراد أن يركع قام فركع» في مسلم، الصحيح ج1، ص509، وفي البيهقي، سنن الكبير ج3، ص32 بلفظ: «إنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ركع ركعتين بعد الوتر قرأ فيهما، وهو جالس، فلَمَّا أرادَ أن يركع قام فركع».
(¬2) فعن عائشة رضي الله عنها، قالت: «كان - صلى الله عليه وسلم - يصلي ليلاً طويلاً قائماً، وليلاً طويلاً قاعداً، وكان إذا قرأ قائماً ركع قائماً، وإذا قرأ قاعداً ركع قاعداً» في مسلم، الصحيح ج1، ص505.
(¬3) فعن عائشة رضي الله عنها، قالت: «ما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في شيءٍ من صلاة الليل جالساً حتى إذا كَبَّرَ قرأ جالساً حتى إذا بقي عليه من السورة ثلاثون أو أربعون آية قام فقرأهنّ ثم ركع» في البخاري، الصحيح ج1، ص385، ومسلم، الصحيح ج1، ص505،.
(¬4) الشرنبلالي، المراقي ص152.
(¬5) الطحطاوي، حاشيته على المراقي ج1، ص548.
(¬6) المقصود به السيد أبو السعود، محمد بن علي الحسيني المصري الحنفي (ت1172هـ)،كما سبق ذكره مع شراح نور الإيضاح.
على عدم جواز سنة الفجر جالساً إلا بعذر الرازي (¬1)، قال العيني (¬2): «لأنَّها في قوّة الواجب فلا يجوز قاعداً إلا من عذر»، وصححه الحصكفي (¬3) (¬4)، ومشى عليه ابن عابدين (¬5) (¬6)، وقال ابنُ الهُمام (¬7) (¬8): «وقالوا:
¬
(¬1) الرازي، تحفة الملوك ص88.
(¬2) العيني، منحة السلوك ج1، ص200.
(¬3) وهو محمد بن علي بن محمد الحِصْني الأصل الحَصْكَفِي الحَنَفِي، علاء الدين، قال المحبي: مفتي الحنفية بدمشق، وصاحب التصانيف الفائقة في الفقه وغيره، من مؤلَّفاته: الدر المختار شرح تنوير الأبصار، وخزائن الأسرار شرح تنوير الأبصار، والدر المنتفى شرح ملتقى الأبحر، (ت1088هـ). ينظر: المحبي، خلاصة الأثرج 4، ص 63 - 65، والزركلي، الأعلام ج7، ص188.
(¬4) الحصكفي، الدر المختار ج1، ص445.
(¬5) وهو محمد أمين بن عمر بن عبد العزيز الدِّمَشْقِيّ الحَنَفِي، المشهور بابن عابدين، قال الشطي: إنه علامة فقيه فهامة نبيه، عذب التقرير متفنن في التحرير، لم ينسج عصر على منواله، من مؤلفاته: رد المحتار، والعقود الدرية بتنقيح الفتاوي الحامدية، ونسمات الأسحار على شرح إفاضة الأنوار،، (1198 - 1252هـ). ينظر: الشطي، أعيان دمشق ص252 - 255، الزركلي، الأعلام ج6، ص267 - 268.
(¬6) ابن عابدين، رد المحتار ج1، ص445.
(¬7) وهو محمد بن عبد الواحد بن عبد الحميد السَّكَنْدَرِيّ السِّيوَاسِيّ الأصل القاهريّ الحنفي، الشهير بابن الهمام، كمال الدين، من مؤلفاته: فتح القدير على الهداية، تحرير الأصول، والمسايرة في العقائد، قال اللكنوي: كلها مشتملة على فوائد قلما توجد في غيرها، (790 - 861هـ). ينظر: السخاوي: الضوء اللامع ج6، ص127.، واللكنوي، الفوائد ص296 - 298.
(¬8) ابن الهمام، فتح القدير ج1، ص438.
العالم إذا صار مرجعاً للفتوى جاز له ترك سائر السنن لحاجة الناس إلا سنّة الفجر».
لكن الحال في صلاة التراويح أقلّ، حيث اختلفوا في أداء التراويح قاعداً بغير عذر: قال بعضهم: لا ينوب عن التراويح على قياس ما روى الحسن عن أبي حنيفة - رضي الله عنهم - في ركعتي الفجر أنَّه لو أدّاهما قاعداً من غير عذر لم يجزه عن السنة، وعليه الاعتماد فكذا هذا؛ لأنَّها مثله، والصحيح أنَّها تجوز، والفرق ظاهر، فإنَّ ركعتي الفجر آكد وأَشهر، وهذا الفرقُ يُوافق رواية أبي سليمان عن أبي حنيفة وأبي يوسف ومُحمّد - رضي الله عنهم -، ومع الفرق فإنَّه لا يُستحبُّ؛ لما فيه من مُخالفةِ السنة والسلف (¬1).
وقال التمرتاشي (¬2): «وتُكره قاعداً مع القدرة على القيام»: أي تنزيهاً؛ لما في «الحلبة» وغيرها: من أنَّهم اتفقوا على أنَّه لا يستحب ذلك بلا عذر؛ لأنَّه خلاف المتوارث عن السلف (¬3).
واستنادُ الشرنبلالي إلى ظواهر الأحاديث التي أجازت النَّفل جالساً جعله يختار هذا، لكن لا يساعده في مقصده عدم ذكره لحديث خاص في سنة الفجر، فلم يستقم له استدلاله، ومواظبة النبي - صلى الله عليه وسلم - على سنة الفجر، والترغيب الشديد فيها، يؤكد ارتفاع منزلتها عن غيرها، مما يؤكد عدم
¬
(¬1) السرخسي، المبسوط ج2، ص147.
(¬2) التمرتاشي، التنوير ج2، ص47.
(¬3) ابن عابدين، رد المحتار ج2، ص47.
جواز الجلوس فيها، حتى من جهة الحديث التي استدلّ بها، والكلام في التراويح قريبٌ من ذلك، إلا أنَّ الخلافَ فيها أوسع؛ لأنَّها أقلّ تأكيداً من الفجر.
المسألة الخامسة:
اختيارُه لكراهة إفراد يوم الجمعة بالصِّيام:
قال الشُّرُنْبُلاليُّ: «وكُرِه إفرادُ يوم الجمعة بالصوم؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تختصُّوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي، ولا تخصّوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام إلاّ أن يكون في صوم يصومه أحدكم» رواه مسلم (¬1)» (¬2).
والمعتمد في المذهب: استحبابُ إفراد يوم الجمعة بالصيام عند أبي حنيفة ومحمّد وإن لم يصم يوماً قبله أو بعده (¬3)؛ لحديث جواز صيام الدهر المشهور دون أن يحددَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوماً قبل الجمعة أو بعده، وللأحاديث الواردة في فضل الصيام؛ لحديث ابن مسعود - رضي الله عنه -: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصوم من غرّة كلِّ شهر ثلاثة أيّام، وقَلَّما كان يفطرُ يوم الجمعة» (¬4)، والحديث على ظاهره، ولا تدفع حجيته بالاحتمال الناشئ
¬
(¬1) عن أبي هريرة - رضي الله عنه - في مسلم، الصحيح ج2، ص801.
(¬2) الشرنبلالي، المراقي ص 237.
(¬3) ينظر: الكاساني، بدائع الصنائع ج2، ص 79، وابن نجيم، البحر الرائق ج2، ص278.
(¬4) في ابن حبان، الصحيح ج8، ص406، والترمذي، السنن ج3، ص118، وحسنه، والنسائي، سنن الكبرى ج2، ص122، والنسائي، المجتبى ج4، ص204، والشاشي، المسند ج2، ص112، وأحمد، المسند ج1، ص406، وأبي يعلى، المسند ج9، ص206.
عن غير دليل من كونه يحتمل عدم تعمد فطره إذا وقع في الأيام التي كان يصومها (¬1)، قال مالك (¬2): «لم أسمع أحداً من أهل العلم والفقه ومَن يقتدى به ينهى عن صيام يوم الجمعة، وصيامه حسن» (¬3).
فمخالفة الشرنبلالي بناها كما أخبر على ظاهر حديث، مع أنَّ في الباب أحاديث أخر تشهد للقول المعتمد، فكان الراجح ما عليه المذهب. والله أعلم
المسألة السادسة:
اختياره كراهة أذان المُحدث:
قال الشرنبلالي: «ويُكره إقامةُ المحدث وأذانه؛ لما رُوينا (¬4)، ولما فيه من الدُّعاء لما لا يجيب بنفسه، واتَبَعْتُ هذه الرواية؛ لموافقتها نصّ الحديث، وإن صُحِّحَ عدم كراهة أذان المحدث» (¬5).
¬
(¬1) ينظر: العيني، عمدة القاري شرح صحيح البخاري ج11، ص105.
(¬2) مالك، الموطأ ج1، ص311.
(¬3) ينظر: البنوري، معارف السنن ج5، ص423.
(¬4) الحديث الذي قصده: قال - صلى الله عليه وسلم -: (لا يُؤذِّنُ إلا متوضئ)، وذكر الشرنبلالي قبله بأسطره، وهذا الحديث: في سنن الترمذي 1: 390، وعن عبد الجبار بن وائل عن أبيه - رضي الله عنه - قال: (حقّ وسنة مسنونة أن لا يؤذن الرجل إلا وهو طاهر، ولا يؤذن إلا وهو قائم) في البيهقي، سنن الكبير 1ج، ص392، و عبد الرزاق، المصنف ج1، ص465، وفي ابن حجر، التلخيص ج1، ص 205: إسناه حسن إلا أن فيه انقطاعاً.
(¬5) الشرنبلالي، المراقي ص79.
والمعتمد في المذهب: طهارةُ المحدث في الأذان مستحبّةٌ، فلا يُكره أذانه محدثاً، كما هو ظاهر الرّواية والمذهب، ومشى عليه برهان الشريعة (¬1)، والرازي (¬2)، والتمرتاشي (¬3) (¬4) والحصكفي (¬5)، وقال ابنُ نُجيم (¬6) (¬7) وشيخي زاده (¬8) (¬9): لا يُكره في الصَّحيح. وأما الكراهة فهي رواية الحسن (¬10) كما في القُهُستاني عن «التحفة» إلا أنَّ النقص بالجنابة أفحش (¬11).
¬
(¬1) المحبوبي، الوقاية ج1، ص 113.
(¬2) الرازي، تحفة الملوك ص54.
(¬3) وهو محمَّدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ أحمد التُّمُرْتَاشِي الغزِّي، شمس الدِّين، قال المحبي: كان إماماً كبيراً حسن السمت قوي الحافظة كثير الاطلاع، ولم يبق من يساويه في الرتبة، وألف التآليف العجيبة المتقنة، من مؤلفاته: تنوير الأبصار، وشرحه سمَّاه منح الغفار، والوصول إلى قواعد الأصول، (ت1004هـ). ينظر: المحبي، خلاصة الأثر ج4، ص18 - 20). واللكنوي، طرب الأماثل ص562 - 563.
(¬4) التمرتاشي، التنوير ج1، ص251.
(¬5) الحصكفي، الدر المختار ج1، ص251
(¬6) وهو إبراهيم بن محمد ابن نُجَيْم المِصْريّ، زين العابدين، من مؤلفاته: البحر الرائق شرح كنز الدقائق، الرسائل الزينية، والأشباه والنظائر، قال اللكنوي عن مؤلفاته: كلُّها حسنةٌ جداً، (926 - 970هـ). ينظر: اللكنوي، التعليقات السنية، ص221 - 222، حاجي خليفة، الكشف ج1، ص385، 2: 1515.
(¬7) ابن نجيم، البحر ج1، ص277.
(¬8) وهو عبد الرَّحمنِ بنُ محمَّدِ بنِ سليمان الرومي الحَنفيّ، المعروف بشيخ زاده، من أهل كليبولي بتركيا، من مؤلفاته: مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر، ونظم الفرائد في مسائل الخلاف بين الماتريدية والأشعرية، (ت1078هـ)، ينظر: حاجي خليفة، الكشف ج1، ص8142، والزركلي، الأعلام، ج4، ص 109.
(¬9) شيخي زاده، مجمع الأنهر ج1، ص 77.
(¬10) أي عن أبي حنيفة، ورايات الحسن عن أبي حنيفة لا تمثل القول المعتمد في المذهب على العموم، والله أعلم.
(¬11) الطحطاوي، حاشية المراقي ج1، ص 279.
وبيَّن الشرنبلاليّ سبب مخالفته، وهي اتباعُه ظاهر حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال - صلى الله عليه وسلم -: «لا يؤذن إلا متوضئ» (¬1)، وفي رواية: «لا ينادي بالصلاة إلا متوضئ» (¬2)، مع أنّه يحتمل أنَّ معنى الحديث على كراهة التنزيه لا التحريم؛ لعدم ابتناء الأذان على الطهارة، وإنَّما الطهارة من كماله، وهذا يدل على الاستحباب، والله أعلم.
المسألة السابعة:
اختياره اشتراط طهارة موضع اليدين والركبتين في السجود:
قال الشُّرُنْبُلاليّ: «طهارة موضع اليدين والرُّكبتين على الصَّحيح؛ لافتراض السُّجود على سبعةِ أعظم، واختاره الفقيهُ أبو الليث - رضي الله عنه -، وأنكرَ ما قيل من عدمِ افتراضِ طهارةِ موضعِها؛ ولأنَّ روايةَ جواز
¬
(¬1) في الترمذي، السنن ج1، ص390، وعن عبد الجبار بن وائل عن أبيه قال - صلى الله عليه وسلم -: «حق وسنة مسنونة أن لا يؤذن الرجل إلا وهو طاهر، ولا يؤذن إلا وهو قائم» في البيهقي، السنن الكبير 1: 392، وعبد الرزاق، المصنف 1: 465، وفي ابن حجر، التلخيص 1: 205: إسناه حسن إلا أن فيه انقطاعاً.
(¬2) في الترمذي، السنن ج1، ص390، وقال: هذا أصح من الحديث الأول.
الصلاة مع نجاسة موضع الكفّين والرُّكبتين شاذّة» (¬1). وهذا ما اختاره في «الشرنبلالية» (¬2).
والمعتمد في المذهب: اشتراط طهارة موضع الجبهة، وسنية الباقي، قال الكاساني (¬3): «إن كانت النجاسةُ في موضعِ اليدين والركبتين تجوز عند أصحابنا الثلاثة؛ لأنَّ وضع اليدين والركبتين ليس بركن، ولهذا لو أمكنه السجود بدون الوضع يجزئه، فيجعل كأنَّه لم يضع أصلاً، ولو ترك الوضع جازت صلاته، فهاهنا أولى، وهكذا نقول فيما إذا كانت النجاسة على موضع القيام: إنَّ ذلك ملحق بالعدم، غير أنَّ القيامَ ركنٌ من أركان الصلاة، فلا يثبت الجواز بدونه».
وقال السَّرَخْسيُّ (¬4): إن كانت النَّجاسة في موضعِ الكفين أو الرُّكبتين جازت صلاتُه عندنا، وقال زفر - رضي الله عنه -: لا تجزئه، ومثله في «كشف الأسرار» (¬5)، وغيرها من المعتبرات النعمانية.
وأظن أن الشرنبلالي استند إلى كلام ابن الهُمام (¬6) والحلبي (¬7).
¬
(¬1) الشرنبلالي، المراقي ص82.
(¬2) الشرنبلالي، الشرنبلالية ج1، ص58.
(¬3) الكاساني، البدائع ج1، ص82.
(¬4) السرخسي، المبسوط ج1، ص204.
(¬5) البخاري، كشف الأسرار ج2، ص489.
(¬6) ابن الهمام، فتح القدير ج1، ص191.
(¬7) ينظر: حاشية الطحطاوي ج1، ص292.
والذي يظهر للباحث أن اعتماد الشُّرنبلاليّ لهؤلاء العلماء وعلى رأسهم أبي الليث السمرقنديّ، واستناده إلى حديث السجود على سبعة أعظم هو الذي أوصله إلى اشترط الطَّهارة لليدين والرُّكبتين، بخلاف فقهاء الحنفية أهل التَّرجيح بنوا المسألة على أصلِ الإمام من اعتبارِ أن الخاصِّ لا يلحقه البيان، واعتبر أن لفظ السُّجود خاصٌّ، قال ملا جيون (¬1): «قوله - جل جلاله -: {واركعوا واسجدوا} خاصٌّ وضع لمعنى معلوم؛ لأنّ ... السجود هو وضع الجبهة على الأرض، والخاصُّ لا يحتمل البيان حتى يقال: إن الحديثَ لَحِق بياناً للنصّ المطلق فلا يكون إلاّ نسخاً، وهو لا يجوز بخبرِ الواحد، فينبغي أن تُراعى منزلة كلٍّ من الكتابِ والسنة، فما ثَبَتَ في الكتاب يكون فرضاً؛ لأنه قطعيٌّ وما ثَبَتَ بالسنة يكون واجباً؛ لأنه ظنيّ».
وبالتّالي لا يحتاج للبيان من السُّنة أو غيرها، والسجو يتحقق في اللغة بوضع السجدة، وما زاد على وضع الجبهة يكون أقل مرتبة من السجود بأن يعتبر في الأعضاء الأخرى الوجوب والسنية، وطالما أنَّ السجود يتحقق بالجبهة فهو الذي يشترط له الطهارة لا غيره من الأعضاء؛ لأنَّ وضع غير الجبهة مسنون أو واجب.
¬
(¬1) ملا جيون، نور الأنور ج1، ص14.
المبحث الثّاني
في الاختيارات المعتمدة
على أصول البناء
سبق بيان المقصود بأصول البناء في التمهيد من كون الضوابط والقواعد التي بنيت عليها المسائل عند تفريعها عليها، وعدمُ مراعاة الإمام الشُّرُنْبُلاليّ أحياناً للأصل المعتمد للمسألة أو للباب وبناؤه على أصله آخر اختاره جعله يختار بعض الاختيارات المخالفة للمذهب، ومنها:
المسألة الأولى:
اختياره لنقض وضوء النائم إذا ارتفعت مقعدته وإن لم يسقط:
قال الشرنبلال: «وينقضُه ارتفاع مقعدة قاعد نائم على الأرض قبل انتباهِهِ وإن لم يسقط على الأرض في الظاهر من المذهب؛ لزوال المقعدة» (¬1).
والمعتمد في المذهب: انتقاض الوضوء إن سقط ولم ينتبه، وهذا ما صحَّحه عامّةُ علماء المذهب، وتركوا ظاهر الرواية؛ لعدم حصول الاسترخاء، قال الحصكفي (¬2): «ولو نام قاعداً بتمايل فسقط، إن انتبه حين سقط ـ أي عند إصابة الأرض بلا فصل ـ فلا نقض، وبه يفتى».
وقال ابنُ عابدين (¬3): «وكذا قبل السقوط أو في حال السقوط، أمّا لو استقرّ ثُمَّ انتبه نقض؛ لأنَّه وجد النوم مضطجعاً، وفي «الخلاصة»: وبه يفتى، وقيل: إن ارتفعت مقعدته قبل انتباهه نقض وإن لم يسقط، وفي «الخانية»: عن شمس الأئمة الحلواني: أنَّه ظاهر المذهب، وعليه مشى في
¬
(¬1) الشرنبلالي، المراقي ص40.
(¬2) الحصكفي، الدر المختار ج1، ص142.
(¬3) ابن عابدين، رد المحتار ج1، ص142.
«نور الإيضاح»، قال في «شرح المنية»: والأول أَوْلى؛ لأنَّه لا يتمّ الاسترخاء بعد مزايلة المقعدة حيث انتبه فوراً».
وعدم بناء الشرنبلالي للمسألة على أصل الباب، وهو الاسترخاء، فمتى وُجد انتقض الوضوء، والتفاتُه إلى أنَّ ظاهرَ الرِّواية النَّقض، مع أنَّ من أسباب العدول عن ظاهر الرّواية هو مراعاة المرجحين لمباني الأبواب، ومعلوم أنَّ المعتبرَ في حقَّنا هو قول هؤلاء المجتهدين في المذهب، قال ابن عابدين (¬1): «ولا يخفى أنَّ ... أهل الترجيح هم أعلم بالمذهب منّا، فعلينا اتباع ما رجَّحوه وما صحَّحوه كما لو أَفتونا في حياتهم».
المسألة الثّانية:
اختيارُه الغُسل في عرفة بعد الزَّوال:
قال الشُّرُنْبُلاليّ: «ويُسَنُّ الاغتسال للحاجّ لا لغيرهم، ويفعلُه الحاجُّ في عرفةَ لا خارجها، ويكون فعله بعد الزوال؛ لفضل زمان الوقوف» (¬2).
والمعتمد في المذهب: أنَّه يسنُّ فعله قبل الزوال، قال التُّمُرتاشي (¬3):
¬
(¬1) ابن عابدين، رد المحتار ج1، ص192.
(¬2) الشرنبلالي، المراقي ص48.
(¬3) التمرتاشي، تنوير الأبصار ج1، ص 506.
«ثُمَّ ذهب إلى الموقف بغسل سنة»، وعلَّق عليه ابن عابدين بقوله (¬1): «قال القُهُستانيّ: أي جمع بين الصلاتين وذهب إليه حال كونه مغتسلاً في وقت الجمع والذهاب»، ويؤيِّده في أنَّ الغسل قبل الزوال ما قال الكاساني (¬2): «غسل يوم عرفة؛ لأجل يوم عرفة أو لأجل الوقوف، فيجوز أن يكون على الاختلاف في غسل يوم الجمعة».
واعتبار الشرنبلالي لفضل زمان بعد الزوال في حقّ الاغتسال، ولم يعتبرها غيره علّة للبناء، وإنَّما المبنى على النظافة والطهارة لهذا المقام العظيم، وهذا يكون قبل الذَّهاب إليه، حتى لا يفوت جزء منه بغير طهارةٍ كاملةٍ، ولأنَّ محلَّ ما بعد الزَّوال الصّلاة والدعاء لا الاغتسال، والله أعلم.
المسألة الثّالثة:
اختياره عدم ركنيّة الضَّرب في التَّيمُّم:
قال الشُّرُنْبُلاليّ: «وركناه: مسحُ اليدين والوجه لم يقل ضربتان؛ لما علمته من الخلاف من كون الضرب من مسمَّى التيمُّم» (¬3).
¬
(¬1) ابن عابدين، رد المحتار ج1، ص506.
(¬2) الكاساني، البدائع ج1، ص151.
(¬3) الشرنبلالي، المراقي ص53.
والمعتمد في المذهب: ركنية الضرب للتَّيمُّم، وصرَّح به عامة علماء المذهب كالكاساني (¬1) (¬2) والنَّسفي (¬3) والزَّيلعي (¬4) (¬5) وغيرهم؛ لأنّ الضربَ خارجٌ عن مُسمّى التيمُّم؛ إذ أنَّه يتحقَّقُ بالمسح، ولكنَّ المرجّحين اعتبروا أنَّه فعلٌ لازمٌ لتحقيقِ التَّيمُّم ابتداءً، وبالتَّالي لا يعتبر التَّيمُّم ما لم يوجد فيه؛ لأنَّنا أُمرنا بالتيمُّم فهو داخل ضمناً في الأمر، والله أعلم.
¬
(¬1) وهو أبو بكر بن مسعود بن أحمد الكاساني، علاء الدين، ملك العلماء، تفقه على محمد بن أحمد السمرقندي، وقرأ عليه معظم كتبه، وزوجه شيه ابنته فاطمة، من مؤلفاته: بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، والكتاب الجليل، والسلطان المبين، (ت587هـ). ينظر: اللكنوي، الفوائد ص91، وابن قطلوبغا، تاج التراجم ص328.
(¬2) الكاساني، البدائع ج1، ص45.
(¬3) وهو عبد الله بن أحمد بن محمود النسفي، أبو البركات، حافظ الدين، من مؤلفاته: الكافي شرح الوافي، والكنز، وتفسير المدارك، قال اللكنوي: وكل تصانيفه نافعةٌ مُعتبرةٌ عند الفقهاءِ مطروحةٌ لأنظار العلماءِ، (ت710هـ). ينظر: اللكنوي، الفوائد، ص102، ابن قطلوبغا، تاج التراجم، ص174.
(¬4) وهو عثمانُ بنُ عليّ بن محجن الزَّيْلَعيّ البَارِعيّ، أبو عمرو، فخر الدِّين، قال الكفوي: كان مشهوراً بمعرفة الفقه والنحو والفرائض، من مؤلفاته: شرح الجامع الكبير، وبركة الكلام على أحاديث الأحكام، وتبيين الحقائق شرح كنز الدقائق، قال اللكنوي: وهو شرح مُعتمد مقبول، (ت743هـ). ينظر: ابن قطلوبغا، تاج التراجم ص204، واللكنوي، الفوائد ص194 - 195.
(¬5) النسفي، الكنز ج1، ص39، والزيلعي، التبيين ج1، ص39.
والخلاف مبناه على تحقيق المناط وهو هل يحصل التيمم من غير ضرب أم لا؟ بمعنى هل الضرب مقصود لذاته، أم إنه وسيلة لعلوق التراب ومن ثم نقله إلى الأعضاء؟
المسألة الرابعة:
اختيارُه وجوب تأخير الصلاة لمن وُعِد بالثَّوب أو السِّقاء:
قال الشُّرُنْبُلاليّ: «ويجب التَّأخير عند أبي حنيفة - رضي الله عنه - بالوعد بالثوب على العاري أو السِّقاء: كحبل أو دلو» (¬1).
والمعتمد في المذهب: استحباب تأخير الصلاة، وهذا الذي في عامة المعتبرات (¬2): كـ «الخانية»، و «الفتح»، و «منية المصلّي» وشرحيها، و «السراج»، و «البحر»، وعزاه في «الخلاصة» إلى الأصل أنَّ التأخير مندوب، وعلى ذلك إن لم ينتظر فصلّى كذلك أوّل الوقت جاز، قال الطحطاوي: «وهو الذي يقتضيه التأصيل الآتي» (¬3).
وقال ابن عابدين (¬4): «وجوب انتظار الدلو قولهما، وعنده: لا يجب بل يستحبّ أن ينتظر إلى آخر الوقت، فإن خاف فوت الوقت تيمّم
¬
(¬1) الشرنبلالي، المراقي ص54.
(¬2) ابن عابدين، رد المحتار ج1، ص252، والطحطاوي، حاشية المراقي ج1، ص180.
(¬3) الطحطاوي، حاشية المراقي ج1، ص180.
(¬4) ابن عابدين، رد المحتار ج1، ص252.
وصلّى، وعلى هذا لو كان مع رفيقه ثوب وهو عريان فقال: انتظر حتى أُصلي وأدفعه إليك، وأجمعوا أنَّه إذا قال: أَبَحتُ لك مالي لتحجّ به أنَّه لا يجب عليه الحجّ، وأجمعوا أنَّه في الماء ينتظر وإن خرج الوقت، ومنشأ الخلاف: أنَّ القدرة على ما سوى الماء هل تثبت بالإباحة؟ فعنده: لا، وعندهما: نعم، كذا في «الفيض» و «الفتح» و «التتارخانية» وغيرها، وجزم في «المنية» بقول الإمام - رضي الله عنه -، وظاهر كلامهم ترجيحه، وفي «الحلبة»: والفرق للإمام - رضي الله عنه - أنَّ الأصل في الماء الإباحة والحظر فيه عارض، فيتعلّق الوجوب بالقدرة الثابتة بالإباحة، ولا كذلك ما سواه، فلا يثبت إلا بالملك كما في الحجّ».
وتبع الشرنبلاليّ فيه صاحب «البرهان» مخالفاً لمن سبق؛ لعدم التفاته للتفريق ما بين الماء والثوب والدلو، بحيث يجب في الماء ولا يجب في غيره؛ لأنَّ الأصل في الماء الإباحة فيتعلّق به الوجوب، والأصل في غير الماء الحظر فلا يتعلق به الوجوب.
المسألة الخامسة:
اختياره عدم طهارة ذكاة المجوسي:
قال الشرنبلالي: «وتُطْهِرُ الذكاة الشرعيّة، خرج بها ذبحُ المجوسيِّ شيئاً» (¬1).
¬
(¬1) الشرنبلالي، المراقي ص69.
والمعتمد في المذهب: طهارة ذكاة المجوسي، وهذا ما صحَّح الزَّاهدي (¬1)، وأقرّه ابنُ نُجيم (¬2).
واشترط الشرنبلالي فيها ما يشترط في الذكاة التي تؤكل بأن يكون الذابح مسلماً، والبحث هنا متعلّقٌ بطهارة اللحم لا غير، فيتساهل في الشروط فيه طالما تحقَّق إخراج الدم بطريقة شرعية، والله أعلم.
المسألة السّادسة:
اختيارُه نجاسة العصب:
قال الشُّرُنْبُلاليّ: «والعصبُ نجسٌ في الصَّحيح من الرِّواية؛ لأنَّ فيه حياةٌ بدليل التَّألم بقطعه، وقيل: طاهرٌ؛ لأنَّه عظم غير صلب» (¬3).
والمعتمد في المذهب: طهارة العصب، وهذا ما اختاره أصحاب المتون: كبرهان الأئمة (¬4)، والتمرتاشي (¬5)، والقدوري وصاحب «الدرر» وغيرها، قال الحصكفي (¬6): «هو المشهور»، قال ابن عابدين (¬7): «بل ذكر
¬
(¬1) الزاهدي، القنية ق11/أ.
(¬2) ابن نجيم، البحر ج1، ص109.
(¬3) الشرنبلالي، المراقي ص70.
(¬4) المحبوبي، الوقاية ج1، ص51.
(¬5) التمرتاشي، التنوير ج1، ص 206.
(¬6) الحصكفي، الدر المختار ج1، ص206.
(¬7) ابن عابدين، رد المحتار ج1، ص206.
في «البدائع» وتبعه في «الفتح» أنَّه لا خلاف فيه، لكن تعقبه في «البحر» بأنَّه في «غاية البيان» ذكر في روايتين: إحداهما: أنَّه طاهر؛ لأنَّه عظم، والأخرى: أنَّه نجس؛ لأنَّ فيه حياة، والحس يقع فيه، وصحَّح في «السراج» الثانية».
والظاهر أنَّ الشرنبلالي اعتبر مبنى العلّة فيه وهي عدمُ الحياة، فاعتبر وجودها لتحقق الألم فيه بخلاف العظم، ولكن اعتبر أكثر العلماء عدم وجود الحياة وأنّه أقرب للعظم من اللحم.
المسألة السابعة:
اختيارُه الجمع بين التَّسميع والتَّحميد للإمام:
قال الشرنبلالي: «فيجمع بين التسميع والتحميد لو كان إماماً هذا قولُهما، وهو روايةٌ عن الإمامِ - رضي الله عنه - اختارَها في «الحاوي القدسيّ»، وكان الفضليُّ والطَّحاويُّ وجماعةٌ من المتأخرين يَميلون إلى الجمع، وهو قولُ أهل المدينة» (¬1).
والمعتمد في المذهب: عدم الجمع بين التسميع والتحميد للإمام، قال ابن عابدين (¬2): «لكنَّ المتون على قول الإمام - رضي الله عنه -»، وهو عدم الجمع.
¬
(¬1) الشرنبلالي، المراقي ص106.
(¬2) ابن عابدين، رد المحتار ج1، ص497.
ولعل مخالفة الشرنبلالي لكثرة ما اشتمل عليه من الذكر في حقّ الإمام، فلم يرغب في تفويته عليه، وهو قول لعلماء من مذهبنا، وقول لأهل المدينة، لكنَّ الحديث صريح (¬1) في القسمة، وهو الموافق لقول الإمام - رضي الله عنه -، فكان أولى.
المسألة الثامنة:
اختياره لغسل فم الجنب وأنفه في غسله بعد موته:
قال الشرنبلالي: «ويُمْسَحُ فمُه وأنفُه بخرقة، عليه عمل الناس، إلا أن يكون جنباً أو حائضاً أو نُفُساء فيُكلَّفُ غسلُ فمه وأنفه؛ تتميماً لطهارته» (¬2).
والمعتمد في المذهب: الاقتصار على مسح فم الميت مطلقاً بخرقة وإن كان جنباً أو حائضاً أو نفساء، قال ابنُ عابدين (¬3): «ونقل أبو السعود عن «شرح الكنز» للشلبي أنَّ ما ذكرَه الخلخالي ـ أي في «شرح
¬
(¬1) فعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا لك الحمد ... » في البخاري، الصحيح ج1، ص253، ومسلم، الصحيح ج1، ص303، فقسم - صلى الله عليه وسلم - بين ما يقول الإمام والمأموم، والقسمة تنافي الشركة، ويجمع بينهما المنفرد؛ لأنَّه إمام نفسه فيسمع، وليس معه أحد يأتم به، فيحمد. ينظر: القاري، فتح باب العناية ج1، ص255، والطحطاوي، حاشية المراقي ص262.
(¬2) الشرنبلالي، المراقي ص213.
(¬3) ابن عابدين، رد المحتار ج2، ص195.
القدوري» ـ من أنَّ الجنب يمضمض ويستنشق غريب مخالف لعامة الكتب.
وقال الرَّمليُّ أيضاً في «حاشية البحر» (¬1): إطلاق المتون والشروح والفتاوى يشمل مَن مات جنباً، ولم أرَ من صرَّح به، لكنَّ الإطلاق يدخله، والعلّة تقتضيه، اهـ، وما نقله أبو السعود عن الزيلعي من قوله: بلا مضمضة واستنشاق ولو جنباً صريح في ذلك لكنّي لم أره في الزيلعي».
وفي «شرح السيد»: أنَّ ما ذكره الخلخالي (¬2) مخالفاً لغيره مخرج على خلاف آخر في الشهيد إذا كان جنباً، فإنَّه يغسّل عند الإمام - رضي الله عنه -، وما ذكره غيره مُخرّج على قول الصاحبين، وهو الذي في عامة الكتب، فيه نظر؛ لأنَّ الكلامَ هنا في المضمضة والاستنشاق لا في الغسل، والفرق أنَّه لا حرج فيه بخلافهما، وقد عرفنا غسل الشهيد الجنب بالنص، وهو
¬
(¬1) ينظر: ابن عابدين، رد المحتار ج2، ص195.
(¬2) لم أقف على ترجمته فقط ذكر ابن نجيم في البحر الرائق ج2، ص185: أن له شرحاً على القدوري، وأظنه مختلف عن: حسين الحُسينيّ الخَلْخَالِي، أخذ عن حبيب الله الشهير بمِيْرْزَاجَان الشِّيرازي، من مؤلفاته: شرح الدائرة الهندية في معرفة سمت القبلة، وإثبات الواجب، وحاشية على حاشية العصام على البيضاوي، (ت1013هـ). ينظر: المحبي، خلاصة الأثر ج2 ص122، واللكنوي، طرب الأماثل ص469 - 470، حيث لم يذكروا من مؤلفاته شرح القدوري وظاهر أنه لم يكن مشتغل بالفقه
تغسيل الملائكة حنظلة بن الراهب حين استشهد وهو جنب (¬1)، ولم يذكر فيه المضمضة والاستنشاق، فانصرف إلى المعهود في غسل الميت، وهو الغسل بدونهما، فتأمل (¬2).
ومخالفة الشُّرُنْبُلاليّ لنقله عن شرح شيخه المقدسي (¬3) بدون تحريرٍ للمسألة، وانظر كيف حقَّق ابن عابدين المسألة، وأنَّه حصل خلط مسألة بأخرى.
المسألة التاسعة:
اختياره لعدم الصَّلاة على القاتل غيلة:
قال الشرنبلالي: «ولا يُصلَّى على قاتل بالخنق غِيلة ـ بالكسر ـ الاغتيال يقال: قتله غيلة، وهو أن يخدعَه فيذهب به إلى موضع فيقتله، والمراد أعمّ كما لو خنقه في منزل؛ لسعيه في الأرض بالفساد» (¬4).
والمعتمد في المذهب: الصلاة على القاتل غيلة؛ لأنّ المتون (¬5) اقصرت على عدم جواز الصلاة على قطاع الطريق والبغاة زجراً وسياسة وعبرة (¬6).
¬
(¬1) فعن الزبير - رضي الله عنه -، فقال - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ صاحبَكم حنظلة تغسله الملائكة، فسلوا صاحبته، فقالت: خرج وهو جنب لما سمع الهائعة، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذاك، قد غسلته الملائكة» في ابن حبان، الصحيح ج15، ص495، والحاكم، المستدرك ج3، ص225، وصحَّحه، والبيهقي، السنن الكبير ج4، ص15.
(¬2) الطحطاوي، حاشية المراقي ج2، ص203.
(¬3) الحصكفي، الدر المختار ج2، ص195.
(¬4) الشرنبلالي، المراقي ص223.
(¬5) الحلبي، الملتقى ص28، والرازي، تحفة الملوك ص129.
(¬6) الزيلعي، تبيين الحقائق ج1، ص249 - 250، واللكنوي، عمدة الرعاية ج1، ص265، والعيني، منحة السلوك ج2، ص113.
فمبنى عدم الصلاة هو بيان شنيع فعله واستنكاره وتنفير الناس من القيام به، بحيث لا نصلي عليه؛ لذلك منعوا من الصلاة على قاطع الطريق والباغي؛ لبشاعة فعلهما، ومن شابههما في الفعل يندرج تحتهما، وبالتالي لو تكرر منه هذا القتل كان أشبه كما قال ابن عابدين (¬1)، فلعلّ الإمام الشرنبلالي رأى تحقق هذا المعنى فيه.
* * *
¬
(¬1) ابن عابدين، رد المحتار ج2، ص 210.
المبحث الثّالثُ
في الاختيارات المعتمدة
على أصول الإفتاء
سبق بيان المقصود بأصول البناء في التمهيد، وهي الأصولُ التي يعتمدُ عليها المجتهدُ في المذهبِ في الترجيح والتفريع والتطبيق والإفتاء، فإنَّ رسمَ المفتي هو الأداة التي يتمكَّن بها من القيام بعمله، وبذل جهده في إنزال الفقه على الواقع، والخروج من دائرة الخلاف، وتلبية حاجات مجتمعه، فهي الوسيلة لذلك، ويدور على الضرورة، والتيسير، ورفع الحرج، والعرف، والمصلحة، وتغيّر الزمان، فهذه هي الأُصول الكبرى في رسم المفتي التي يرتكز عليها المفتي في فهمه وضبطِهِ وتطبيقِهِ للفقه، ومن هذه الاختيارات:
المسألة الأولى:
اختيارُه افتراض غسل ثقب غير منضم:
قال الشرنبلالي: «ويفترضُ غسلُ ثقبٍ غيرِ منضم؛ لعدم الحرج» (¬1).
والمعتمد في المذهب: عدم وجوب غسل الثقب إن كان فيه حرجٌ، قال الشلبي (¬2): «وما يعسر كثقب القرط ... لا يجب إيصال الماء إليه».
وهذا الاختيار من الشرنبلالي لأنَّه لم يرِ فيه حرجاً، بخلاف مَن قال: بعدم الغسل حيث رأى فيه حرجاً وتكلّفاً، وهو مضمومٌ فيأخذ حكم الدّاخل.
فكان الخلاف مبني على وجود الحرج وعدمه، فالشرنبلالي لم ير وجود الحرج فقال: بوجوب إيصال الماء، والشلبي قال: بوجود الحرج فقال: بعدم وجوب إيصال الماء.
المسألة الثانية:
اختياره بطلان صلاة المقتدي خلف الألثغ:
قال الشرنبلاليّ: «والفأفأة (¬3) بتكرار الفاء، والتمتمةِ (¬4) بتكرار التاء،
¬
(¬1) الشرنبلالي، المراقي ص45.
(¬2) في حاشية الشلبي ج1، ص 13.
(¬3) الفأفأة: حُبْسَةٌ فِي اللِّسَانِ. الفيومي، المصباح ج2 ص483.
(¬4) التمتمة: ردُّ الْكَلَامِ إِلى التَّاءِ وَالْمِيمِ. ابن منظور، اللسان، ج12 ص71.
فلا يتكلّم إلاّ به، واللَّثَغ (¬1) ـ بالثاء المثلثة والتحريك ـ وهو واللُّثْغة ـ بضمُّ اللام وسكون الثاء ـ تحرّك اللسان من السين إلى الثاء، ومن الرّاء إلى الغين ونحوه، لا يكون إماماً لغيره» (¬2).
والمعتمد في المذهب: صحّة الصّلاة خلف الألثغ، قال ابنُ عابدين (¬3): «هذا خلافاً لما في «الخلاصة» عن الفضلي - رضي الله عنه - من أنَّها جائزة؛ لأنَّ ما يقوله صار لغةً له، ومثله في «التتارخانية»، وفي «الظهيرية»: وإمامة الألثغ لغيره تجوز، وقيل: لا، ونحوه في «الخانية» عن الفضلي - رضي الله عنه -، وظاهرُه اعتمادُهم الصحّة، وكذا اعتمدها صاحبُ «الحَلْبة»، قال: لِما أطلقه غير واحد من المشايخ من أنَّه ينبغي له أن لا يؤم غيره، ولِما في «خزانة الأكمل»: وتُكره إمامة الفأفاء».
وسبب هذه المخالفة من الشرنبلالي هو عدم نظره للضرورة في هذا الباب التي راعاها أئمةُ التّرجيح في عدم إبطال صلاة المقتدي به.
¬
(¬1) اللَّثَغ: حُبْسَةٌ فِي اللِّسَانِ حَتَّى تَصِيرَ الرَّاءُ لَامًا أَوْ غَيْنًا أَوْ السِّينُ ثَاءً وَنَحْوُ ذَلِكَ. الفيومي، المصباح ج2: 549.
(¬2) الشرنبلالي، المراقي ص110.
(¬3) ابن عابدين، رَدّ المحتار ج1، ص582.
المسألة الثالثة:
اختياره سنية مسح الأذنين بغير ماء الرأس:
قال الشرنبلاليّ: «ويُسَنُّ مسحُ الأُذنين ولو بماءِ الرّأس؛ لأنَّه - صلى الله عليه وسلم - «غَرَفَ غرفةً فمَسَحَ بها رأسَه وأُذنيه» (¬1)، فإن أخذَ لهما ماءً جديداً مع بقاء البَلّة كان حسناً» (¬2).
والمعتمد في المذهب: سُنيّةُ مسح الأُذنين بماء الرّأس، قال ابنُ عابدين (¬3): «مقتضاه أنَّ مسح الأذنين بماء جديد أولى مراعاة للخلاف؛ ليكون آتياً بالسنة اتفاقاً، وهو مفاد تعبير الحصكفي بـ (لو) الوصلية تبعاً للشُّرنبلالي وصاحب «البرهان»، وهذا مبني على تلك الرواية، لكنَّ تقييد سائر المتون بقولهم بـ «مائه» يفيد خلاف ذلك، وكذا تقرير شرّاح «الهداية» وغيرها, واستدلالهم بفعله - صلى الله عليه وسلم - «أنَّه أخذ غرفة فمسح بها رأسه وأذنيه» (¬4).
¬
(¬1) فعن ابن عباس - رضي الله عنهم -: «أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - توضأ ... ثمّ غرف غرفةً، فمَسَحَ برأسه وأُذنيه داخلهما بالسَّبابتين عدا بإبهاميه إلى ظاهرِ اليُسرى فمسح ظاهرهما وباطنهما» في ابن حبان، الصحيح ج3، 367، وابن خزيمة، صحيح ج1، ص77، وعن عبد الله بن زيد - رضي الله عنه -، قال - صلى الله عليه وسلم -: «الأذنان من الرأس» في ابن ماجة، السنن ج1، ص152، وقال الكناني في المصباح ج1، ص 65: إسناده حسن، وقال القاري فتح باب العناية ج1، ص 55: إسناده صحيح.
(¬2) الشرنبلالي، المراقي ص33.
(¬3) ابن عابدين، رد المحتار ج1، ص 122.
(¬4) ابن حبان، الصحيح ج3، ص 367، وابن خزيمة، الصحيح ج1، ص77.
وبقوله - صلى الله عليه وسلم -: «الأذنانُ من الرأس» (¬1)، وكذا جوابهم عمّا رُوِي أنَّه - صلى الله عليه وسلم - «أخذ لأذنيه ماءً جديداً» بأنَّه يجب حمله على أنَّه لفناء البلّة قبل الاستيعاب؛ جمعاً بين الأحاديث، ولو كان أخذ الماء الجديد مقيماً للسنة لما احتيج إلى ذلك.
وفي «التتارخانية»: ومن السنة مسحهما بماء الرأس، ولا يأخذ لهما ماءاً جديداً، اهـ ... فقد ظهر لك أنَّ ما مشى عليه الحصكفي مخالف للرواية المشهورة التي مشى عليها أصحاب المتون والشروح الموضوعة لنقل المذهب، قال التمرتاشي في «شرح زاد الفقير» بعد ذكره عبارة «الخلاصة» السابقة ما نصه: قلت: قوله: ولو فعل فحسن، مشكل؛ لأنَّه يكون خلاف السنة، وخلاف السنة كيف يكون حسناً».
وعناية الشُّرُنْبُلاليّ بمراعاة خلاف الشافعية، وتطبيقاً لقاعدة: الخروج من الخلاف مستحبّ هي التي أوصلته إلى هذه المخالفة، لكنَّه غفل عن أنَّ هذا مقيدٌ بشروط، من بينها ألا يكون مخالفاً لمذهبه بأن يترك سنة مثلاً، كما في مسألتنا.
* * *
¬
(¬1) في ابن ماجة، السنن ج1، ص152، وقال الكناني في المصباح ج1، ص 65: إسناده حسن، وقال القاري في فتح باب العناية ج1، ص55: «إسناده صحيح، ومثله عن ابن عباس وابن عمر عنه - صلى الله عليه وسلم -».
الخاتمة:
أوجز هاهنا أهم النتائج التي توصلت إليها في هذا البحث:
1.يعدُّ كتاب «نور الإيضاح» من أشهر متون الحنفية وأكثرها شيوعاً في موضوعي الطهارة والصلاة؛ لكثرة عنايته بهما.
2.للإمام الشرنبلالي اختياراتٌ خالف فيها المعتمد من مذهب السّادة الحنفيّة في كتابه «نور الإيضاح»، فعلى الدّارسين له عدم التّسليم أنّ كلّ ما ورد فيه هو المعتمد.
3.رجح الإمام الشرنبلالي مسائل اعتماداً على ظواهر الحديث، وإن خالفت المعتمد من المذهب، وهذه طريقةُ مدرسة محدثي الفقهاء من متأخري الحنفية، في حين أنّ مدرسةَ الفقهاء لا ترجّح إلاّ بالأصل الفقهي الذي يجمع بين الأدلّة القرآنيّة والحديثيّة في الباب، فيكون هو الأقوى، والله أعلم.
4.رجح الإمام الشرنبلالي مسائل اعتماداً على عدم مراعاته لأصول بناء المسائل وهي أصل الباب أو أصل المسألة، الذي يدور عليه البناء الفقهي للفروع، وبالتّالي سيكون الاختيار والتّرجيح المخالف للأصل مخالفاً للمعتمد في المذهب.
5.رجح الإمام الشرنبلالي مسائل اعتماداً على عدم مراعاته لأصول التّطبيق، وهي أُصول الإفتاء أو قواعد رسم المفتي من ضرورة وتيسير ورفع حرج ومصلحة وعرف وتغير زمان، وهي أسس ومبادئ رئيسية في العمل بالأحكام، ومخالفتها مخالفة للمعتمد من المذهب، وإيقاع للناس في حرج شديد.
* * *
المراجع
1. ابن الساعاتي، أ، (1419هـ)، بديع النظام الجامع بين كتاب البزدوي والاحكام (نهاية الوصول إلى علم الأصول)، ط1، مكة المكرمة، جامعة أم القرى.
2. ابن الشلبي، أ، (1313هـ) حاشية الشلبي على تبيين الحقائق، ط1، مصر: المطبعة الأميرية.
3. ابن الهمام، م، (1351هـ) فتح القدير، بيروت: دار إحياء التراث العربي، وأيضاً: طبعة دار الفكر.
4. ابن حبان، م، (1414هـ) صحيح ابن حبَّان بترتيب ابن بلبان، ط2، بيروت: مؤسسة الرسالة.
5. ابن حجر، أ، (1384هـ)، تلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرَّافِعِي الكبير، المدينة المنورة.
6. ابن حنبل، أ، (د. هـ) مسند أحمد بن حنبل، مصر: مؤسسة قرطبة.
7. ابن خزيمة، م، (1390هـ) صحيح ابن خزيمة، بيروت: المكتب الإسلامي.
8. ابن عابدين، م، (د. هـ) ردّ المحتار على الدر المختار، بيروت: دار إحياء التراث العربي.
9. ابن قطلوبغا، ق، (1992م)، تاج التراجم، ط1، دمشق، دار القلم.
10. ابن ماجه، م، (د. هـ) سنن ابن ماجه، بيروت: دار الفكر.
11. ابن منظور، م، (د. هـ) لسان العرب، دار المعارف.
12. ابن نجيم، إ، (د. هـ) البحر الرائق شرح كَنْز الدقائق، بيروت: دار المعرفة.
13. أبو داود، س، (د. هـ) سنن أبي داود، بيروت: دار الفكر.
14. أبو زهرة، م، (د. هـ)، أصول الفقه، دار الفكر العربي.
15. أبو يعلى، أ، (1404ه) مسند أبي يعلى، ط1، دمشق: دار المأمون للترات.
16. الأصبحي، م، (د. هـ) موطأ مالك، مصر: دار إحياء التراث العربي.
17. البخاري، ع، (د. هـ) كشف الأسرار شرح أصول البزدوي، دار الكتاب الإسلامي.
18. البخاري، م، (1407هـ) صحيح البخاري، ط3، بيروت: دار ابن كثير واليمامة.
19. بدخشاني، م، (1420هـ)، أصول الفقه للمبتدئين، ط1، كراتشي، مكتبة الإيمان.
20. البغدادي، إ، (1402هـ) هدية العارفين، بيروت: دار الفكر.
21. البنوري، م، (1413هـ) معارف السنن شرح جامع الترمذي، كراتشي: إيج ايم سعيد كمبني.
22. البيطار، ع، (1413 هـ - 1993م) حلية البشر في تاريخ القرن الثالث عشر، ط2، بيروت: دار صادر.
23. البيهقي، أ، (1414هـ) سنن البيهقي الكبير، مكة المكرمة: مكتبة دار الباز.
24. الترمذي، م، (د. هـ) سنن الترمذي، بيروت: دار إحياء التراث العربي.
25. التمرتاشي، م، (1332هـ) تنوير الأبصار وجامع البحار، مطبعة الترقي بحارة الكفارة.
26. التميمي، ت، (1403هـ)، الطبقات السنية في تراجم الحنفية، الرياض، دار الرفاعي.
27. التهانوي، م، (1996م)، موسوعة كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم، ط1، بيروت، مكتبة لبنان ناشرون.
28. حاجي خليفة، إ، (1410هـ) إيضاح المكنون في الذيل على كشف الظنون، دار الفكر،1410هـ.
29. الحاكم، م، (1411هـ) المستدرك على الصحيحين، ط1، بيروت: دار الكتب العلمية.
30. الحسيني، م، (1408هـ - 1988م) سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر، ط3، دار ابن حزم.
31. الحصكفي، م، (د. هـ) الدر المختار شرح تنوير الأبصار، بيروت: دار إحياء التراث العربي.
32. الحلبي، إ، (1291هـ) ملتقى الأبحر، مطبعة علي بك.
33. خزانة التراث، فهرس مخطوطات، المكتبة الشاملة.
34. الخطيب، أ، (د، هـ) تاريخ بغداد، بيروت: دار الكتب العلمية.
35. الرزاي، م، (1997م) تحفة الملوك، ط1، بيروت: دار البشائر الإسلامية، وأيضاً: (2006م) ط1، عمان: دار الفاروق.
36. الزاهدي، م، (د. هـ) قنية المنية، من مخطوطات مكتبة وزارة الأوقاف، العراق، برقم (7434).
37. الزركلي، خ، (2002م) الأعلام. ط15، دار العلم للملايين.
38. الزيلعي، ع، (1313هـ) تبيين الحقائق شرح كَنْز الدقائق، ط1، مصر: المطبعة الأميرية.
39. السخاوي، م، (د. هـ) الضوء اللامع لأهل القرن التاسع، دار الكتب العلمية.
40. السرخسي، م، (1406هـ) المبسوط، بيروت: دار المعرفة.
41. الشاشي، ه، (1410هـ) مسند الشاشي، ط1، المدينة المنورة: مكتبة العلوم والحكم.
42. الشرنبلالي، ح، (1308هـ) غنية ذوي الأحكام في بغية درر الحكام، در سعادت.
43. الشرنبلالي، ح، (1990م) مراقي الفلاح شرح نور الإيضاح، ط1، دمشق: دار النعمان للعلوم.
44. الشطي، م، (1414هـ) أعيان دمشق في القرن الثالث عشر ونصف القرن الرابع عشر، ط1، بيروت، دار البشائر.
45. شيخ زاده، ع، (1316هـ) مجمع الأنهر شرح ملتقى الأبحر، دار الطباعة العامرة.
46. صدر الشريعة، ع، (2006م) شرح الوقاية، عمان: دار الوراق.
47. الصنعاني، ع، (1403هـ)، المصنف، ط2، بيروت، المكتب الإسلامي.
48. الطبراني، س، (1404هـ) المعجم الكبير، ط2، الموصل: مكتبة العلوم والحكم.
49. الطحاوي، أ، (1399ه) شرح معاني الآثار، ط1، بيروت: دار الكتب العلمية.
50. الطحطاوي، أ، (1418هـ) حاشية الطَّحْطَاوي على مراقي الفلاح، ط1، بيروت: دار الكتب العلمية.
51. العراقي، ع، (1408هـ) تخريج أحاديث الإحياء، ط1، الرياض: دار العاصمة للنشر.
52. العيني، م، (1421هـ) منحة السلوك في شرح تحفة الملوك، جامعة بغداد: رسالة ماجستير.
53. العيني، م، (د. هـ) عمدة القاري شرح صحيح البخاري، بيروت: دار إحياء التراث العربي.
54. الفهرس الشامل للتراث العربي الإسلامي المخطوط، (1424م) ط1، عمان: مؤسسة آل البيت للفكر الإسلامي. الشاملة.
55. فهرس مخطوطات مكتب آب دباربل، القدس، المكتبة الشاملة.
56. الفيومي، أ، (1909م)، المصباح المنير في غريب الشرح الكبير، ط2، المطبعة الأميرية.
57. القاري، ع، (1418ه) فتح العناية بشرح النقاية، ط1، دار الأرقم.
58. قاضي خان، ح، (1310هـ) الفتاوى الخانية، مصر: المطبعة الأميرية.
59. قاضي خان، ح، (2005م)، شرح الزيادات، دار إحياء التراث.
60. الكاساني، أ، (1402هـ) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، ط2، بيروت: دار الكتاب العربي.
61. الكاشغري، م، (1313هـ) منية المصلي وغنية المبتدي، بمبئ: مطبعة محمدي.
62. كحالة، ع، (1414هـ) معجم المؤلفين، ط1، بيروت: مؤسسة الرسالة.
63. الكناني، أ، (1403ه) مصباح الزجاجة، ط2، بيروت: دار العربية.
64. اللكنوي، ع، (1300هـ) آكام النفائس في أداء الأذكار بلسان فارس، لكنو: المطبع المصطفائي.
65. اللكنوي، ع، (1301هـ) تحفة الطلبة في مسح الرقبة، لكنو: المطبع المصطفائي.
66. اللكنوي، ع، (1301هـ)، تحفة الكملة بتحشية مسح الرقبة، لكنو، المطبع المصطفائي.
67. اللكنوي، ع، (1303هـ) طرب الأماثل بتراجم الأفاضل، لكنو، طبعة مطبع دبدبة أحمدي.
68. اللكنوي، ع، (1305ه) إحكام القنطرة في أحكام البسملة، لكنو: مطبع جشمة فيض.
69. اللكنوي، ع، (1324هـ)، الفوائد البهية في تراجم الحنفية، ط1، مصر، طبعة السعادة.
70. اللكنوي، ع، (2009م) عمدة الرعاية حاشية شرح الوقاية، ط1، بيروت: دار الكتب العلمية.
71. المحبي، م، خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر، دار صادر.
72. مسلم، م، (د. هـ) صحيح مسلم، بيروت: دار إحياء التراث العربي.
73. النسائي، أ، (1406هـ) المجتبى من السنن، ط2، حلب: مكتب المطبوعات الإسلامية.
74. النسائي، أ، (1411هـ) سنن النسائي الكبرى، ط1، بيروت: دار الكتب العلمية.