الجزء 1 · صفحة 1
أحسن الأقوال للتخلص عن محظور الفعال
للإمام حسن بن عمار الشرنبلالي الحنفي
توفي سنة 1069هـ
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
بسم الله الرحمن الرحيم
وبالله الإعانةُ
الحَمدُ لله الذي شَرَعَ الدِّينَ حَنيفاً، وأزالَ بهِ إصْرَا، وأَجْزَلَ لَمَنْ عَمِلَ بِهِ ثَواباً وأخرا، وجَعلَ التَّخْلِيصَ مِنْ مُوجبِ حَلْفٍ لا يَرْضاهُ بِأَيْسَرِ قولٍ دونَ فعل وعَنَاهُ كَما جَعل معَ العُسْرِ يُسْرًا، والصَّلاةُ والسَّلامُ على صَفْوَتِه مِنْ خِيارِ خَلْقِهِ المُحافِظِ على مُراقَبَتِهِ سِرَّاً و جَهْرَا، وعلى آله وأصحابه الذينَ أَمدَّهُم بالعِنايةِ، وَأولاهُمْ عِزَّاً ونَصْرَا. وبعد: فيقولُ حَسَنُ الشُّرُنْبُلالِي، أَفاضَ اللهُ عليهِ إِنْعَامَهُ على التوالي، ورَزَقَهُ في الآخرةِ اللُّحوق بذوي المَعالي: هذه تحفةٌ لكُمَّلِ الرِّجالِ، سَمَّيْتُها:
«أحسنَ الأقوال للتَّخَلُّص عن محظورِ الفِعالِ»
جواباً لحادِثَةٍ أَمَرَني بهِ مَولانا ولي الأمر، وسَطَّرْتُهُ لإظْهَارِ أَحْكامِ الشَّرِيعَةِ بهذا العصر، وهذه صورةُ السُّؤالِ الذي مُلَخَّصُهُ:
أَنَّهُ قَدْ حَلَفَ عَسْكَرٌ بِمِصْرَ على جَمَاعَةٍ منهم أَخْرِجُوهُم من مِصْرَ: أَنَّهُم لا يَرْجِعونَ فَيُمَكِّنُوهم مِنَ الدُّخولِ لمِصْرَ، ثُمَّ وَرَدَ أمر بدخولهم لِمِصْرَ من مولانا السُّلْطَانِ مُحَمَّدِ بنِ السُّلْطانِ إبراهيمَ، نَصَرَهُ اللهُ وأدامَ عِزَّهُ وحَفِظَ دَولَتَهُ، وبَلَّغَهُ آمالَهُ، وأوجد ذُرِّيَّتَهُ له؛ لِدَوامِ نُصْرَةِ الدِّين، وقوَّةِ عزّ أهلِ الشَّرِيعَةِ المُطَهَّرَةِ عن الضَّلال، وطريقةِ المُخالفِينَ إلى يومِ الدِّين، يومَ يقومُ النَّاسُ لربِّ العالمين.
فهلْ مِنْ مَخْلَص؟ وما الحكم في هذهِ الحادِثِةِ؟ أفتونا مأجورين.
الجزء 1 · صفحة 2
فأجبْتُ بما نَصُهُ: الحمد الله مانح الصَّواب، يكونُ بِرُّ الحالفين حاصلاً بقولهم للمذكورينَ: لا نُمَكِّنكُم من الدُّخولِ لمِصْرَ، فلا حِنْتَ عليهم بالدخول بعدَهُ، كما نص عليهِ قاضيخان وغيره، انتهى الجواب.
وهذه عباراتُ أَئِمَّتِنا التي أشرنا إليها؛ لِتَطْمَئِنَّ قلوبُ ذوي الألباب:
قال قاضيخان رحمه الله في «فتاواه»: رَجُلٌ حَلَفَ أن لا يدعَ فُلاناً يَدْخُلُ هذهِ الدَّارَ، فإِن كانتِ الدَّارُ لِلْحَالِفِ فَمَنَعَهُ بالقول، ولمْ يَمْنَعْهُ بالفِعْلِ حتى دَخَلَ؛ حَيْتَ في يَمينِهِ، ويَكونُ شَرْطُ بِرِّهِ المَنْعَ بالقولِ والفِعْلِ بِقَدِرِ ما يُطِيقُ، وإن لم تكنِ الدَّارُ للحالفِ، فَمَنَعه بالقولِ دونَ الفعل حتى دَخلَ؛ لا يكون حانثاً.
رجلٌ حَلَفَ بِطلاقِ امرأَتِهِ أن لا يدعَ فُلاناً يَمُرُّ على هذهِ القَنْطَرَةِ، فَمَنَعَهُ بالقول؛ يكون باراً لأَنَّهُ لا يَمْلكُ المَنْعَ بالفِعْلِ، انتهى
وقالَ الكَمالُ بنُ الهُمَامِ في فتحِ القَديرِ شَرْحِ الهِدايَةِ»: حَلَفَ: لا أَتْرُكُ فلاناً يفعل كذا؛ كلا يَمُرُّ؛ أَي كَقوله: لا يَمُرُّ من هنا، أو لا يَدْخُلُ، يَبَرُّ بقوله: لا تفعل لا تخرج لا تَمُر، أطاعَهُ أو عَصاه، انتهى
وفي «العُمْدَةِ»: لو قال: لا أدعُ فُلاناً يَدخل هذهِ الدَّارَ، فإن لم تكُن الدَّارُ مُلكاً له، فالمَنْعُ بالقول، وفي المُلْكِ بِالقَولِ والفِعْلِ، كَذَا فِي البَحرِ الرَّائِقِ شَرْحُ الكَنْز» للعَلَّامة ابن نُجَيْم رَحِمَهُ الله.
وفي «الخلاصة»: حَلَفَ: لا يدعُ فُلاناً يَدْخِلُ هذهِ الدَّارَ، إن كانَ لا يملكُ الدَّارَ؛ فمَنْعُه بالقول، وإن كان يَمْلِكُهَا؛ فَمَنْعُهُ بالقول والفعلِ جَميعاً، الكل في «الفتاوى»، انتهى.
وفي «البَزَّازِيَّةِ: حَلَفَ: لا يَدَعُهُ يَدْخُلُ هذهِ الدَّارَ، إِنْ لا يَمْلِك؛ فعلى النَّهي، وإِنْ كان يملكُ؛ فعلى النهي والمَنْعِ.
الجزء 1 · صفحة 3
قال لابنه الكبير: إِنْ تَرَكْتُكَ تعمل مع فلانٍ فَكَذَا، هوَ على المَنْعِ بالقول، ولو صغيراً، فعلى القول والفعل
مِثْلُهُ في التَّجنيس والمزيد» لصاحب الهداية، وفيه: رجلٌ أَخَّرَ دَارَهُ من رَجُلٍ سَنةٌ، ثمَّ قالَ: والله لا أترككَ في داري، فإذا قالَ لَهُ:
اخرج من داري، فقد بَرَّ في يمينه؛ لأنَّهُ لم يَتْرُكْهُ حيثُ أَمَرَهُ بالخُرُوجِ. رجلٌ حلف: لا يدعُ فُلاناً يَدخُلُ هذهِ الدَّارَ، فإن كان لا يملك هذهِ الدَّارَ، فمنعَ بالقول؛ لا يَحْنَثُ، وإن كان يملِكُهُ، حَيْثَ؛ لأنَّهُ إذا لم يَمْلِكُهُ، فمنعه بالقول، وإذا ملكه منعه بالقولِ والفِعْلِ جميعاً، انتهى.
وفي الفتاوى الصُّغرى»، و «الفتاوى الكُبرى» أَجْرَ دارَهُ سنةً، ثُمَّ حَلَفَ وقَالَ لِلْمُسْتَأْجِر: لا أَتركُكَ في دارِي، فإذا قالَ لَهُ: اخْرُجْ مِن دَارِي؛ فقدْ بَرَّ في يمينِهِ، انتهى. أَقولُ: لأَنَّ عَقْدَ الإجارة منَعَهُ من إخراجه بالفعل؛ لأنَّ المالكَ للدَّارِ لا يملك المنفعة مُدَّة الإجارَةِ، فهو كأجنبي حينئذ، إليهِ يُرْشِدُ قولهُ عَقِبَهُ: ولو حَلَفَ: لا يدعُ فلاناً يدخل هذهِ الدَّارَ، إن كان لا يملك منْعَهُ عنِ الدُّخولِ، فهوَ
على النهي، ولو كان يقْدِرُ على المنع؛ يعني: بِمُلْكِهِ الدَّارَ، أَو مَنْفَعَتَها، فهو على النهي والمَنْعِ جَميعاً، انتهى.
ومثله في الفيض» للبرْهانِ الكَرْكِي.
الجزء 1 · صفحة 4
وفي القُنْيَةِ رَقَم لِلْوَبْري، فقالَ: حَلَفَ لَيُخْرِجَنَّ ساكن دارِهِ اليوم، والسَّاكِنُ ظالم غالب يَتَكَلَّفُ في إخراجه، فإن لم يُمْكِنه، فاليمين على التلفظ باللسان، انتهى. وأقول: في قوله: والسَّاكِنُ ظالم غالب» إشارة إلى أنَّه ليس مُسْتَاجِراً، فإذا لم يُمْكِنه إخراجه، فالبر بالتلفظ باللسان، وهذا يُقيّدُ إطلاق ما تقدَّمَ عن الخُلاصة» وغيرها، من أنَّ المالك إنَّما يلزَمُهُ الإخْراجُ بالفعل، ولا يَكْفيه القولُ، مَحَلُّهُ ما إذا قَدِرَ، أَمَّا إذا لم يقدِرُ لظُلْمِ السَّاكن، فيكفيه القولُ للبر.
ويُقيدُ كلام قاضيخان فيما ذكرناه عنه، ونصه: ويكون شرط بره؛ أي: المالكِ المنع بالقول والفعل بقدر ما يطيق، انتهى.
فتَلَخَّص لنا من هذهِ التُّقولِ الصَّريحةِ المُعتمدةِ المُحَرَّرَةِ الصَّحِيحَةِ، اتفاق أئمة مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفَةَ رحِمَهُمُ الله تعالى على بر الحالفين بمجرد قولهم: لا نُمَكْتُكُم من الدخولِ لمِصْرَ، وليس عليهم المنع بالفعل.
ولا دخل في الحكم بعدمِ الحِنْثِ للإكراه ولا للأمرِ السُّلطاني بذلكَ الدُّخولِ؛ لأنَّ الإكراه لا يَعْدِمُ الحِنْثَ، كما هو مقرَّرُ في المذهب، إِنَّما الحكمُ المَسْطُورُ في هذهِ القضيَّةِ نَظَرُهُ لملك المكان وعَدَمِهِ، فَيُنَاطُ الحُكْمُ بموجبه.
وتلخص أيضاً في مسألة المالكِ للدَّارِ إذا أَجَرَها وَحَلَفَ لَيُخْرِجَنَّ المستَاجِرَ،
يكون كأجنبي عنها يبر بالقول، وإذا لم يؤجّرُها فَبِرُّهُ بالفعلِ إِنْ قَدَرَ عليه، وإلا فبالقولِ كما تقدَّم.
وقَدْ نَظَمَهُ قاضي القضاة العلَّامَةُ ابنُ الشَّحْنَةِ فِي «شرح منظومةِ ابنِ وَهْبانَ» فقال: [من الطويل]
وَأَخْرِجُ مَنْ فِي دَارِيَ اليَوْمَ ثُمَّ لَمْ يُطِقُ ذَا لِظُلْم الشَّخص بِاللَّفْظِ بَرَزُوا والله سبحانه وتعالى أعلم، وقد نَظَمْتُ المَسألة الحادثة، وجَوابَها من بَحْرِهِ، فقلتُ: [من الطويل]
الجزء 1 · صفحة 5
وَلُو حَلَفَ الفُرْسَانُ أَنْ لا يُمَكَّنُوا طَرِيدَاً إلى مِصْرٍ فَعَادَ وَبَشَّرُوا فَبِرَّ بِقَولٍ دُونَ فِعْلٍ عَنَوْا بِهِ مَنَعَنَاكَمُ عَنْهَا فَلا حِنْتَ يَصْدُرُ لأنَّ الحالفين يَبَرُّونَ فَلا يَحْتَتُون بِمُجرَّدِ قَولِهِم لِأُولئِكَ: لَا تَدْخُلُوا مِصْرَنا، أو لا نُمَكِّنكم تَمْكُثون، ولا يَحْصُلُ إلا طاعة أمر مولانا السُّلطانِ نَصَرَهُ اللهُ ترْعَيماً للشَّيطانِ، وإخماداً للفتنة التي هي نائمةٌ لعنَ اللهُ من أيقظها في كلِّ زمانٍ، والله الموفِّقُ بمنهِ وكَرَمِهِ، ولهُ الحَمدُ على جَزِيلِ نِعَمِه.
نَجَزَتْ في انتهاء مُحَرَّمِ سَنَةَ اثْنتين وسِتِّينَ وألفٍ، خُتِمَتْ بِخير، وقد مُنعوا من دخولِهِمُ المِصْرَ في هذهِ السَّنَةِ، ثمّ في مَبْدَأَ سَنَةِ ثلاث وستينَ صحتِ البشارة، وعادوا صُحبةَ مُحَمَّدُ باشا، ودَخَلُوا مَنازِلَهم بمصرَ كَما أَمَرَ بهِ مَولانا السُّلْطَانُ نَصَرَهُ اللهُ، وقد أفتيتُ بأنَّ الحالفين قد بَرُّوا بما كان في مُبْتَدَاً سَنةِ اثْنَتَينِ وسِتِّينَ مِنَ المَنْعِ، فلا احتياج لشيء بعدَهُ لا من قول للمنع ولا فعل لانحلال اليمين بما سَبَقَ. والحمد الله ربِّ العالمين وصلى الله على سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وعلى آله وصحبه وسَلَّمَ تسليماً كثيراً دائماً أبداً إلى يوم الدين. آمين. وغفر الله لكاتبها والمسلمين، آمين يا ب العالمين. آمين.
جاءَ بعد هذه الرسالة في النسخة ح ما نصه: وقد لخص هذه الرسالةَ السَّيد أبو السُّعودِ تلخيصاً مُخِلًا، وأفتى بناءً على ما فهِمَهُ فِي مَنْ حَلَفَ على أُخْتِهِ أن لا تَتَكَلَّمَ، بِأَنَّها لو تكلَّمَتْ بعدما نهاها عن الكَلامِ، لا يَحْنَثُ؛ لأَنَّهُ لا يَملِكُ مَنْعَها.
وقاس على ذلك أيضاً أنه لو كانت اليمين على الإثباتِ مِثْلَ: لَتَفْعَلِنَّ
الجزء 1 · صفحة 6
يكفي أَمْرُهُ بالفعل. قُلتُ: وهذا خطأ فاحِضٌ لِلفَرقِ البين بين قولنا: لا أَدَعُهُ يفعل، وبين: لا يفعل.
يُوضح ذلك ما في الولوالجيَّةِ: رَجُلٌ قالَ: إن أدخلْتُ فلاناً بيتي، أو قال: إن دخل فلان بيتي، أو قال: إن تَرَكْتُ فُلاناً يدخل بيتي فامْرَأَتُهُ طالق، فاليَمينُ في الأَوَّلِ على أن يَدْخُلَ بأمرِهِ؛ لأنَّهُ مَتى دَخَلَ بأمرِهِ فقد أَدْخَلَهُ، وفي الثاني على الدخولِ، أَمَرَ الحالِفُ أو لمْ يَأْمُرُ، عَلِمَ أو لَمْ يَعْلَمْ؛ لأَنَّهُ وُجِدَ الدُّخول، وفي الثَّالث على الدخول بعلم الحالفِ؛ لأنَّ شَرْطَ الحِنْثِ التَّرْكُ للدخولِ، فمتى عَلِمَ وَلَمْ يَمْنَعْ فَقَدْ تَرَكَ، اهـ.
ونُقِلَ مِثْلُهُ في البَحرِ» عن المُحيط» وغيره، فانظر كيف جعلوا اليمين في الثاني على مُجَرَّدِ الدُّخولِ؛ لأنَّ المَحْلُوفَ عليه هو دخول فلانٍ، فَمَتى تَحقَّقَ دخوله تحقق شَرطُ الحِنْثِ، وإن منعه قولاً أو فعلاً؛ لأنَّ مَنْعَهُ لا يَنْفي دخوله بعد تحققه وأمَّا عدَمُ الحِنْثِ بالمَنْعِ قولاً وفعلاً، أو قولاً فقط، على التفصيلِ المَارُ، فهو خاص بالحَلْفِ، على أنَّه لا يَدَعُهُ أو لا يَتْرُكُهُ يَدْخُلُ، وكذا قوله: لا يُخَليه يدخلُ؛ لأنه متى لم يمنعه تحقَّقَ أَنَّهُ تَرَكَهُ أو خَلاهُ، فَيَحْنَتُ، هذا هو المُصرَّحُ بهِ في عَامَّةِ كُتب المذهب، وهو ظاهِرُ الوجه.
وفي الخانيَّةِ»: قالَ: لا أُفَارِقُكَ حتى تقضيني حَتَّي، فَفَرَّ منه؛ لا يَحْنَتُ، ولو قال: لا يُفارِقُني؛ يَحْنَثُ، فقدْ جَزَمَ بِحِنْثِهِ إِذَا فَرَّ مِنْهُ بَعدَ حَلْفِهِ: لا يُفارِقُني وعلى هذا، فالصواب في جواب الفتوى السَّابِقَةِ أَنَّ أُخْتَهُ إِذا تَكَلَّمَتْ يَحْنَتُ، سواءٌ مَنَعَها عن الكلام أو لا؛ لِتَحَقُّقِ شَرْطِ الحِنْثِ وَهُوَ الكلام، ومَنْعُه لها لا يَرْفَعُهُ بعدَ تَحَقُّقِهِ كما لا يخفى.
الجزء 1 · صفحة 7
نعم، لو كانَ الخَلْفُ على أنَّهُ لا يتركها، أو لا يُخَلِّيها تَتَكَلَّمُ، فَإِنَّهُ يَبَرُّ بِالمَنعِ قولاً فقط، ولا يحتاج إلى المَنْع بالفِعْلِ؛ لأَنَّهُ لا يَمْلِكُهُ؛ كما قال في «الخَانِيَّةِ»: رجلٌ حَلَفَ بطلاق امرأته أن لا يَدَعَ فلاناً يمرُّ على هذهِ القَنْطَرَةِ، فمنعه بالقول، يكونُ باراً؛ لأَنَّهُ لا يَملِكُ المَنع بالفعل، اهـ.
وبما قرَّرْناهُ ظَهرَ أنَّ قولَ صاحب الدُّرِّ»: لا يَدخلُ فلانٌ دارَهُ، فَيَمينُهُ على النَّهي، إن لم يَملِكْ مَنعَهُ، وإلَّا؛ فعلى النَّهي والمَنعِ جَميعاً، لا يَصحُ حَمِلُهُ على ظاهرِه لمخالفتِهِ لِلمَشهور في الكُتُبِ، فلا بد من تأويله بما قدمناه.
وقد يؤول بأنَّه أرادَ معنى: لا يدَعُهُ يَدْخُلُ، كما أفتى به في «الخَيريَّة»، حيثُ سُئل عمن حلَفَ على صهرِهِ أَنَّهُ لا يَرحل من هذهِ القَريَةِ، فرحَلَ عليه قَهْراً، فهلْ يَحْنَتُ؟
فأجابَ مُقتضى ما أفتى بهِ قارِئُ الهِدايةِ»، واستدلَّ بِهِ الشَّيخُ مُحَمَّد الغَنِّيُّ وأفتى بهِ: أَنَّهُ إن نوى لا يُمكِنْهُ فَرَحَل قَهْراً عليهِ لا يَحْنَتُ، اهـ.
الجزء 1 · صفحة 8
أو يُؤَوَّلُ بأنَّهُ سَقَطَ منَ العِبارَةِ لفظ: لا يدَعُهُ، وإلا فهو مردودٌ؛ لأنَّ العمل على ما هو المشهور الموافق للمعقول والمنقول، دونَ الشَّاذُ الخفي المعلولِ. وعُلِمَ أيضاً أَنَّهُ لو كانَ الحَلْفُ على الإثباتِ، مِثْل قوله: والله لتَفْعَلَنَّ كذَا، فَشَرْطُ البِرَّ هَوَ الفعل حقيقةً، ولا يُمكن قياسه على لا يدعُهُ يفعلُ بأنْ يُقالَ: هنا يكفي أمره بالفعل، فإنَّ ذلك لمْ يَقُلْ بهِ أحدٌ، وأما ما مَرَّ عن «القنيَةِ» في: لَيخْرُ جنَّ ساكن دارِهِ، فذاكَ في معنى: لا يَدَعُهُ يَسْكُنُ، أما هنا، فلا يكفي الأمرُ؛ لأنَّ حَلَفَهُ على الفِعل لا على الأمرِ بهِ، ومُجرَّدُ الأمرِ بهِ لا يُحقِّقُهُ، فإذا لم يَفعَلْ يَحْنَثُ الحالف سواءٌ أَمَرَهُ أو لا، وهذا ظاهر جَلِيٌّ أيضاً، ولكن جَلَّ مَن لا يَسْهو اهـ. رَدَّاً مُلَخَّصاً.