اتحاف ذوي الإتقان بحكم الرهان
للفقيه حسن الشرنبلالي الحنفي
(توفي سنة 1069 هـ)
جارٍ تحميل الكتاب…
اتحاف ذوي الإتقان بحكم الرهان
للفقيه حسن الشرنبلالي الحنفي
(توفي سنة 1069 هـ)
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله مَلِّهِمِ الصَّوَابَ وَمُيَسَّرَ الْأُمُورِ الصِّعَابِ وَالصَّلَاَةِ وَالسُّلَّامِ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدَ خَيْرٍ مِنْ أُوتِيِّ الْحُكْمَةِ وَفَصْلِ الْخِطَابِ, وَعَلَى أَلَهُ وَأَصْحَابَهُ السَّادَةَ الْأَنْجَابَ.
وبعد:
فَيَقُولُ الْعَبْدُ الملتجئ إِلَى الْمَلِكِ المتعالي حُسْنَ الْحُنْفِيِّ الشرنبلالي قَدْ وَرُدْ سُؤَالَ عَنْ بَعْضِ وِرْثَةٍ اِشْتَرِى عَقَارًا كَانَ رَهْنَا تَحْتَ يَدِ مُورِثِهِمْ وَوَقْفِهِ فَمَا حُكْمِ ذَلِكَ؟
وَأَجَاب حَنَفِيّ بِقَوْلِه: أَن شِرَائِه بَاطِلٌ , وَوَقَفَه بَاطِلٌ. ثُمَّ رَفَعَ إلَيّ مُخَالَفَتِه بِمَا هُوَ الصَّوَابُ , ثُمَّ طَلَبَ مِنِّي بَيَانُ , ذَلِكَ فسطرته لِإِفَادَتِه وَبَيَانُ وَجْهِ اسْتِفَادَتِه , فَإِنَّ الدَّيْنَ النَّصِيحَةُ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ , وَرَد الْخَطَأ لِلصَّوَاب طَرِيقَة الْعُلَمَاء الْأَنْجَاب بِوَاضِحِ الدَّلِيلِ وَصَحِيح الْبُرْهَان وَسَمَّيْته:
«إتْحَاف ذَوِي الْإِتْقَان بِحُكْم الرِّهَان»
وَمُلَخَّصُ الْجَوَابِ الَّذِي أَجَبْت بِهِ إنْ شِرَاءَ الْوَارِث وَوَقَفَه صَحِيحٌ نَافِذٌ بِقَدْرِ حِصَّتِهِ مِنْ الْمِيرَاثِ لِمُصَادَفَتِه لِصَحِيح مِلْكِه , وَيَبْقَى موقوفاً بِقَدْرِ حِصَّةِ بَاقِي الْوَرَثَةِ , وَلَيْس لِلْبَاقِين إبْطَالِ الْبَيْع؛ لِأَنَّ الْوَارِثَ لَا يَمْلِكُ إبْطَال بَيْعُ الرَّهْنِ لِأَجْنَبِيٍّ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتينِ؛ لَا يَنْفَسِخُ بَيْعُ الرَّهنِ , وَفِي الْمُخْتَصَرِ - يَعْنِي (الْكَنْز) - إشَارَةٌ إلَيْهِ ,حَيْثُ قَال: يُوقَف بَيْعُ الرَّهْنِ عَلَى إجَازَةِ مُرْتهنَة: أو قضاء دِينِه, جَعَل الْإِجَازَة إلَيْهِ دُونَ الْفَسْخ، وَجَعَلَه متوقفاً عَلَى قَضَاءِ الدَّيْنِ.
وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ فَسَخهُ لَا يَنْفذ, ووَجْههُ أَنَّ الِامْتِنَاعَ لَحِقَه كَيْلًا يَتَضَرَّر, وَالتَّوَقُّف لَا يَضُرُّه , لِأَنَّ حَقَّهُ فِي الْحَبْسِ لَا يَبْطُلُ بمُجرَّدِ الِانْعِقَاد مِنْ غَيْرِ نُفُوذ, فَبَقِي متوقفاً ,كَذا نَصَّ الزَّيْلَعِيُّ فِي كِتَابِ الرَّهْنِ.
وَأَمَّا نُفُوذُ وَقْف الْمُشْتَرِي بِقَدرِ حِصَّتهِ فَظَاهِرٌ لِمُصادَفَتهِ مِلْكَهُ لِقَوْل الزَّيْلَعِيُّ فِي بَابِ الِاسْتِحْقَاقِ عِنْدَ قَوْلِ (الْكَنْزِ): " وَصَحَّ عَتَق مشترٍ مِنْ غَاصِبٍ بِإِجَازَة بَيْعُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ لِأَنَّ الْمِلْكَ ثَبَتَ مرتباً عَلَيْه وَيَنْفُذ بِنَفَاذِه وَصَار كَإِعْتَاق الْمُشْتَرِي مِنْ الرَّاهِنِ فَإِنَّهُ متوقف", وَيَنْفُذ بِإِجَازَة الْمُرْتَهِنِ الْبَيْعَ ,لأَنَّ الْعِتْقَ مِنْ حُقوقِ الْملْكِ وَالشَّيْءُ إذَا تَوَقَّفَ بِجَمِيعِ حُقُوقهِ, وَإِذَا نَفَذَ نَفَذ بِحُقُوقِه انْتَهَى.
قُلتُ: فهذَا نَصٌّ عَلَى نفَاذ الْوَقف بِقَدْرِ حِصَّةِ الْوَارثِ وَمِثلهُ فِي "غَايةِ الْبَيانِ", " وَفَتْحِ القدير", وإذا عَلِمْت هَذَا فَمَنْ قَالَ مَنْ أَهْلِ زَمَانِنَا مُجِيبًا للحادثه أَنَّ بَيْعَ الْمرهُونِ أَوْ وَارِثٌ الْمُرْتَهِنُ بَيعٌ بَاطلٌ وَوَقَفَه بَاطِل فَقَدْ أَخْطَأَ مِنْ وُجُوهٍ:
وَهُوَ أَنْ الْبَاطِلَ غَيْرُ الْفَاسِدِ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ فِي الْمَذْهَبِ , وَهُمَا غَيْرُ الْمَوْقُوفِ, ... بِالْمَرَّةِ إِنَّمَا هُوَ لِغَيْرِ وَارِثٌ, وَأَمَّا الْوَارِثُ لِلْبَعْض فَلَا يَكُونُ شِرَاؤُهُ مَوْقُوفًا مُطْلَقًا وَلَا بَاطِلًا.
فَإِنْ قُلْت: قَدْ رَأَينا إطْلَاقَ الْباطِلِ فِي الْبَيعِ الْمَرْهُون؟
قُلْتُ: هُوَ مُؤَوَّلٌ فِي أَلْفَاظِ الْعُلَمَاء الْمُجْتَهِدِين وَلَا يَجُوزُ فِي جَوَابِ مِثْلِ هَذِهِ الْحَادِثَةِ لِمَنْ يَدَّعِي الْفَتْوَى وَالتَّأوِيل , هُوَ كَمَا قَالَ فِي "وَجِيز" الْحُصَيرِيّ: قَالَ مُحَمَّدٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: بَاعَ الرَّاهنُ , فَالْبَيعُ بَاطِلٌ؛ أَيْ مَوْقُوفُ, وَلِهَذَا قَالَ مُحَمَّدٌ إلَّا أَنْ يُجِيزَ الْمُرْتَهِن.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ نَافِذٌ حَتَّى لَوْ أَعْتَقَهُ الْمُشْتَرِي يَنْفُذْ؛ لِأَنَّهُ تَصَرَّفَ فِي خَالِصِ مِلْكِه، وَحَقّهُ؛ أَي الْمُرْتَهِنِ فِي الْحَبْسِ لَا يَبْطُلُ بِالِانْتِقَالِ؛ كَالْإِرث وَالْإِقْرَار, ولهذا لَوْ أَعْتَقَهُ الْوَارِثِ أَوْ الْمُقَرِّ بِهِ يَنْفُذ , انْتَهَتْ عِبَارَته رَحِمَهُ اللَّهُ.
وَقَالَ أَيْضًا في "غَايَةِ الْبَيَانِ": وَأَمَّا الْمُشْتَرِي مِنْ الْغَاصِبِ إذَا أَعْتَقَ ثُمَّ مَلَكَهُ الْغَاصِب بِالضَّمَان، فَأَجَاز الْغَاصِب الْعْتَق؛ قَال عَلَاء الدِّينِ الْعَالِمُ فِي "طَرِيقِهِ الْخِلَافِ": فِيهِ اخْتِلَاف الْمَشَايِخِ ,وَالأَصحُّ أَنَّ ينفُذَ وَإِلَيْه اشار فِي "وَقْفٍ" هِلَالٍ الرَّأي بْنِ يَحْيَى الْبَصْرِيِّ, وَهُوَ مِنْ أَصْحَابِ أَبُو يُوسُفَ , فَإِنَّهُ نَفَذ وَقْفُ الْمُشْتَرِي مِنْ الْغَاصِبِ إذَا مَلَكَهُ الْغَاصِب بِالضَّمَان , وَالْوَقْف تَحْرِير الْأَرْض؛ كَالْإِعْتَاق تَحْرِير الْعبدِ انْتَهَى نَصُّ "غَايَةِ الْبَيَان.
وَهَذَا نَصٌّ عَلَى أَنَّ وَقَفَ مُشتَرِي الرَّهْن صحيحٌ مَوقُوفٌ عَلَى إجَازَةِ البَيعِ أَوْ قَضَاءً الدَّيْنِ, وَلَيْسَ لِلْمُرْتَهِنِ فَسْخُ الْوَقْف كَالْبَيْعِ فِي الْأَصَحِّ لِأَنَّهُ مِنْ حُقُوقِه كَإِعْتَاقِه وهذا فِي الْبَيْعِ لِمَنْ لَيْسَ وَارِثًا لِلْمُرْتَهِن , أَمَّا إذَا كَانَ وَارِثًا لِلْمُرْتَهِن كَمَسْأَلَتِنَا نَافِذٍ عَلَيْهِ , وَوَقَفَه وَإِعْتَاقُه وَتَدْبِيرِه واستيلاده بِقَدْرِ حِصَّتِهِ , ويخير الشريك بَيْنَ الْإِعْتَاقِ والضمان مَعَ الْيَسَارِ أَوْ الْإِعْتَاقِ وَالسِّعَايَةِ مَعَ الْإِعْسَارِ, وَيَأْخُذُ الْعُقْرَ مِنْه بقدر حقه فِي الِاسْتِيلَاء وَعَلَى المستولد ضَمَان حِصَّتِهِ شَرِيكِهِ مَعَ كَوْنِهِ مُعْسِرا؛ إلَّا أَنَّهُ ضَمَانُ تَمَلُّكٍ فَلَا يَخْتَلِفُ بِالْإِعْسَار وَالْيَسَار وَإِلَّا سِعَايَةَ عَلَى أُمِّ الْوَلَدِ.
* تَنْبِيهٌ: افْتِرَق الْحُكْمِ بَيْنَ عِتْقِ الرَّاهِنِ وَعَتَق الْمُشْتَرِي مِنْهُ؛ وَقَالُوا فِي بَابِ الِاسْتِحْقَاقِ بِتَوَقُّفِه كَشِرَائِه وَكَذَا تَدْبِيرُهُ واستيلاده فَيَنْفُذ بِنَفَاذ شِرَائِه.
*تنبيه آخَرَ فِي وَقْفٍ الرَّاهِنِ الْمَرْهُونَ: قَالَ فِي "الْبَحْر": ان افتكه أَوْ مَاتَ عَنْ وَفَاءٍ عَادَ إلَى الْجِهَةِ؛ يَعْنِي: الْمَوْقُوفُ عَلَيْهَا, وَان مَاتَ عَنْ غَيْرِ وَفَاءٍ, عَادَ وَبَطَلَ الْوَقْفُ, في فَتْحِ "الْقَدِير" وَسَكَتَ عَنْ حُكْمِهِ حَالَ الْحَيَاةِ لَوْ مُعْسِرًا.
وَفِي الْإِسْعَافِ لَوْ وَقَفَ الْمَرْهُونِ بَعْدَ تَسْلِيمِهِ أُجْبِره الْقَاضِي دَفَعَ مَا عَلَيْهِ أَنْ كَانَ مُوسِرٌ وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا بَطَلَ الْوَقْفُ وَبَاعَهُ فِيمَا عَلَيْهِ انْتَهَى.
وَكَذَا فِي "الذخيره" "وَالْمُحِيط".
قُلْت: وهذا سَنَدٌ وَنَصّ لَا حَدَّ شِقَّي بَحْثٌ لِلطَّرَسُوسِيّ فِي أَنْفَعِ الْوَسَائِلِ وَهُو الذي قَالَ عقبه: وَإِلَى الْآنَ لَمْ يَتَرَجَّح عِنْدي شيّ إلَّا الْقَولُ بِالْبُطْلَانِ وَلَا بِعَدَمِهِ.
وَقَد رُدِّدَ فِي بَحْثِهِ الْإِبْطَال وَعَدَمِه بِإِعْسَار الرَّاهِن وَقَدْ عَلِمْت الْإِبْطَال بنص "الْإِسْعَاف" الذخيره" "وَالْمُحِيط.
وَأَقُول لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: أَنَّ الْبَيْعَ عِنْدَ الْإِعْسَارِ لَيْس الْأَعْلَى الرِّوَايَة أَىّ لمجوزه للمرتهن فَسْخُ بَيْعِ الرَّهْنِ.
وَأَمَّا عَلَى أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ مِنْ مَنَعَهُ مِنْ الْفَسْخِ فَيُقَال: لَيْس أَيْضًا فَسْخُ الْوَقْف , وَالْجَامِعُ بَيْنَ الْوَقْفِ وَالْبَيْع خُرُوجَ الْعَيْنِ عَنْ مِلْكِ الرَّاهِنِ , وَهَذَا هو الشق الثَّانِي مِنْ تَرَدَّدَ الطَّرَسُوسِيُّ فِي بَحْثِهِ , حَيْثُ قَالَ: إذَا أَعْسَرَ الرَّاهِن, فَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: يرَفْع الْأَمْرُ لِلْقَاضِي فَيُفْسَخ بِثُبُوت الْإِعْسَار, ولقاي لِأَنّ يُعْكَسُ هَذَا وَيَقُولُ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَبْطُلُ الْمُرْتَهِن الْوَقْفِ؛ لِأَنَّ الْمُرتَهِنَ لَاحقٍ لَهُ فِي الرَّقَبَةِ , فَتَوَقَّف نفاده فِي الْحَالِ رِعَايَةِ حَقّ المرتهن , وَلِهَذَا لَا يَمْلِكُ فَسْخُ بَيْعِ الرَّاهِنِ عَلَى الصَّحِيحِ وَحَقُّه لَا يَبْطُلُ بِالْوَقْف , فَيَبْقَى مَوْقُوفًا لَا حتمال عَوْد الْيَسَار , وَالْوَاقِف لَا يَلِي إبْطَالُه لِلزَّوْمَةِ فِي حَقِّهِ , وَلَا جَائِزٍ أَنْ يَلِيَهُ الْمُرْتَهِنُ عَلَى الصَّحِيحِ, وَلَا جَائِزٍ أَنْ يَلِيَهُ الْقَاضِي؛ لِأَنَّ مَذْهَب الْإِمَامِ عَدَمُ الْحَجْرِ عَلَى الْحُرِّ الْمُكَلَّفُ , وَلَا يَبِيعُ عَلَيْهِ عُرُوضِه ,عِنْدَهُمَا يَبِيعُ الْقَاضِي الْعُرُوض , وَفِي الْعَقَارِ رِوَايَتَان , وَلَا يُقَالُ بِهِ هُنَا؛ لِأَنَّهُ غير متمرد بَل حَرِيصٍ عَلَى قَضَاءِ الدَّيْنِ , وَإِنَّمَا مَنَعَهُ عُرُوض الْإِفْلَاس , انتهى.
قُلْت: وَيُؤَيِّد هذا الشِّقِّ الثَّانِي مِنْ الْبَحْثِ مَسْأَلَةٌ تَحْرِير الرَّاهِنِ وَتَدْبِيرهُ فَإِنَّهُ لَا يَبْطُلُ تَحْرِيرِه وَلَا تَدْبِيرِه وَسَعْيٌ الْعَبْدِ وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الْوَقْفَ تَحْرِير الْأَرْض كَالْإِعْتَاق تَحْرِير الْعَبْد, فَكَمَا تؤخذ السِّعَايَةُ فِي أَزْمِنَةٍ غَيْرِ مُقَدَّرَةِ بِوَقْت, كذلك يَبْقَى الْوَقْفِ عَلَى حُكْمِ التَّوَقُّفِ حَتَّى يؤخذ مِن عِلَّتِه وَفَاءِ الدَّيْنِ لِلْمُرْتَهِنِ رِعَايَةً لِحَقِّ الْفُقَرَاءِ بِبَقَاء الْوَقْف وَعَوْدِه لَهُمْ بَعْدَ ذلك, وَرِعًا يه لِحَقِّ الْمُرْتَهِنِ بِالْقَدْرِ الْمُمْكِنِ , وَالْعَقَار متحصن لَا يَطْرَأُ عَلَيْهِ الْهِلَاك سَرِيعًا بِخِلَافِ الْعَبْدِ , فأخذ غَلَّةِ الْوَقْفِ لِوَفَاءِ الدَّيْنِ فِيهِ نَظَرٌ عَلَى سِعَايَة الْعَبْدِ لطروء مَوْتِهِ أَوْ مَرَضِهِ اوباقه أَوْ ثُبُوتِ حُرِّيَّةِ سَابِقَةٌ عَلَى تَدْبِيرِه.
وَلَكِنْ قَالَ فِي الْمُحِيطِ: وَيَصِحّ الْكِتَابَة, وَلِلْمُرْتَهِن فَسَخَهَا؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ مِمَّا يَحْتَمِلُ الْفُسَح دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهُ ببطلا ن الرَّهْن بِعِتْقِهَا بِأَدَاء الْبَدَل.
وَأَقُولُ فِيهِ بَحْثٌ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ تحريجا عَلَى رِوَايَةِ جَوَازِ فَسْخِ بَيْعُه وَالْأَصَحُّ عَدَمُهُ وَعَلِمْت صِحَّة إعْتَاقُ الرَّاهِنِ ابْتِدَاء.
وَقَدْ قَالَ الْخَصَّافُ الْوَقْفُ لَا يَمْلِكُ بِمَنْزِلَةِ الْمُدَبَّرِ وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ فِي كِتَابِ الْوَقْفِ: الْبَيْعِ لَا يَنْعَقِدُ عَلَى الْوَقْفِ؛ لِأَنَّهُ صَارَا مُحَرَّرًا عَنْ الْمِلْكِ وَالتَّمَلُّك.
وَذَكَر هِلَال وَالْمُحَقِّقِ الْكَمَالِ ابْنُ الْهُمَامِ أَنَّ الْوَقْفَ حُكْمُهُ حُكْمُ الْمُدَبَّر.
وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ تَدْبِيرَ الرَّاهِن لَازِمٌ , فَكَذَا يَكُونُ وَقْفُهُ لَازِمًا , فَلِهَذَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ بِالْبَيْع وَقَف الرَّاهِن جَرْيًا عَلَى رِوَايَةِ فَسَّح بَيْعُه لِأَعْلَى الصَّحِيحِ مِنْ عَدَمِ فَسْخِه فَكّذا وَقْفِه لِمُصَادَفَتِه مِلْكًا صَحِيحًا ,فَلْيُتَأَمَّل وَيُحَرِّر.
* تَتْمِيمٌ لِبَيَان قِيمَة الْمُعْتَق: قَالَ فِي "الْمُحِيطِ " فِي بَيَانِ الْقِيمَةِ عَنْ الْجَامِعِ الرَّاهِنِ إذَا أَعْتَقَ الْمَرْهُونِ وَهُوَ مُعْسِرٌ, يَنْظُرُ إلَى ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: إلَى الْقِيمَةِ يَوْمَ الْعِتْقِ ,إلَى ما كان مَضْمُونًا بِالدَّيْنِ ,وَإِلَى ما كان مَحْبُوسًا بِه, فَيَسْعَى الْعَبْدُ فِي الْأَقَلِّ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ.
أَمَّا الْغِنَى؛ لِأَنَّه اِحْتَبَس بِالْعِتْق عِنْدَ الْعَبْدِ مِنْ الْحَقِّ مِنْ الْمُرْتَهِنِ هَذَا الْقَدْرِ, فَلَا يَلْزَمُهُ السِّعَايَة إلَّا فِي هَذَا الْقَدْرِ؛ كَالْعَبْدِ الْمُشْتَرَكِ, إذَا أَعْتَقَ أَحَدُهُمَا وَهُوَ مُعْسِرٌ.
وَأَمَّا المضمون بِالدَّيْنِ إذَا كَانَ أَقَلَّ , فُلَانٌ الْعَبْدُ مَضْمُونٌ بِقَدْرِ الدَّيْنِ بِالْعَقْد ,وَمَا يَحْدُثُ مِنْ الزِّيَادَةِ الْمُتَّصِلَةُ بَعْدَ الْقَبْضِ لَمْ تَصِرْ مَضْمُونَةٌ, وَإِنْ كَانَتْ تُحْبَس لِلدَّيْن, وَإِنْ كَانَ الْمَحْبُوس أَقَلَّ مِنْ الْمَضْمُونِ وَمِنْ قِيمَتِهِ يَسْعَى بِقَدْرِه, بِأَن رَهَنَ عَبْدًا بِأَلْفٍ فَأَدِّي الرَّهْن تِسْعِمِائَة مِنْ الدَّيْنِ ثُمَّ أَعْتَقَهُ وَهُوَ مُعْسِرٌ , يَسْعَى الْعَبْدُ فِي مِئة, لِأَنَّهُ مَضْمُونٌ بِمِائَةٍ مِنْ حَيْثُ الِاعْتِبَارُ حَالَة الْإِعْتَاق.
وَيَجُوزُ تَزْوِيجُ الْمَرْهُونَة, وَلَا يَقْرَبُهَا الزَّوْجُ إلَّا إذَا زَوَّجَهَا قَبْلَ الرَّهْنِ , وَتَمَام تَفْرِيعٌ ذَلِكَ فِي الْمُحِيطِ.
وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ الْمُوَفِّقُ بِكَرَمِه وَذَكَرْت هَذَا الْقَدْرِ لِيَعْلَم الإِخْلاصِ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى صُعُوبَة الْعِلْم وَاسْتِخْرَاج أَحْكَامِه الْغَامِضَة والمشكله, وَلَا يُقَدِّمُ بِمُجَرَّد رَأْيِهِ مِنْ غَيْرِ دِرَايَة وَرَسَوخ قَدَّمَ فِي حُكْمِ.
نَسْأَل سُبْحَانَه الْعَفْو وَالتَّوْفِيق, وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ , وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ فِي شَهْرِ الْعُقْدَة سُنَّةٌ 1057 كَان تَأْلِيفِهَا وَكَانَ الْفَرَاغُ مِنْ نَقْلِهَا يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ رَمَضَانَ عَامَ السَّادِسَ عَشَرَ بَعْدَ الثَّلَاثِمِائَةِ وَأَلَّف وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.