إتحاف الأريب بجواز استنابة الخطيب
للإمام حسن بن عمار الشرنبلالي الحنفي
توفي سنة 1069هـ
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
جارٍ تحميل الكتاب…
إتحاف الأريب بجواز استنابة الخطيب
للإمام حسن بن عمار الشرنبلالي الحنفي
توفي سنة 1069هـ
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي أظهَرَ أسرار مباني الهِدَايةِ بالهدايةِ اللَّدُنْيَةِ، وأَوْضَحَ سُبُلَ الرَّشادِ بالعناية الأبدية، ومَنَّ بذلك على كثير ممَّن خَصَّه بِسُلوكِ مَنهَجِ التَّحقيقِ مِنَ الأَئِمَّةِ الحنيفية الحنفية.
والصَّلاة والسَّلامُ على كَيْرِ أسرارِ المَعارِفِ الرَّبَّانِيَّةِ، مَجْمَعِ بحري الحقيقة والشَّريعةِ المُحَمَّدَيَّةِ، سيّدنا ومَوْلانا محمَّدٍ المُختارِ من أشرف البريَّة، وعلى آله وأصحابه وخلفائه السادة الأمجاد، ما أُقيمت الجماعةُ والجُمَعُ والأعياد، بإمام جامع لمحاسنِ الدِّينِ، ونائب يقومُ مَقامَه فيها بغاية السداد، وناجي مُتعبدٌ مولاه الكريم الجواد، وتذلَّلَ بالخُضوع بين يديه، وأجرى دموع مقلتيه أسفاً على ما فرَّطَ في جنب الله ليَرُدَّه إليه، ويُقرِّبَه بعد إبعاد.
وبعد:
فيقول العبد العاجِرُ الذُّليل، المُقَصِّرُ في خدمة مولاه الجليل، الرَّاجي عَفْوَه والتجاوز عنه بالفَضْلِ الجزيل، أبو الإخلاص حَسَنُ الشُّرُ بلاليُّ الوَفَائيُّ الحنَفِيُّ، أجرى الله عليه بمنّه عوائد بره ولطفه الخفي، وغفَرَ له ولوالديه وذُرِّيَّتِه ولمشايخه وإخوانه ومُحبّيه والمُسلمينَ بفَضْلِه الوفي، وختم له ولهم بالحُسنَى، ومتعهم بمشاهدة ذاتِه العليَّةِ في المَقامِ الأسنى، ودخول الملائكة عليهم من كل باب بدار القرار، قائلين: {سَلَمُ عَلَيْكُم بِمَا صَبَبْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ} [الرعد: 24]: قد التمس مني بعضُ إخواني حفِظَهُم الله وبلَّغَهُم مَا يُؤَمِّلُونَه بجاه الخليل والحبيب، تحقيق الكلام على جواز استخلافِ الخطيب، وشَرْحَ تلك المسألة المُتضَمِّنة له في «الهدايةِ» وغيرها على سبيل التّقريب.
ولم يكتفِ بما أشرنا إليه من رَدَّ قولِ المانعِ منه في حاشيتي على الدرر، وهو ما ادعاه العلامةُ مُؤلّفها من إفادةِ المَنعِ منه بما وقع في خاطره الكريم من «الهداية»، ولعله ببادي النَّظَرِ وطلَبِ كَشْفِ الشُّبهةِ المُوقعةِ في ذلك، وأصلها مع الاستناد فيه للدراية والروايةِ المُتَّصلة بأهلها.
ولم يقبل العُدْرَ منّي ويكتفِ بما سطَّرَه فيها السَّابقونَ منَ الأَئِمَّةِ الأعلام، والعُظَماءِ ذَوي التَّحقيق الفخام؛ إذ لم يكشِف عن شُبهته الغطاء بما يشفي السقام، ولم يُبيِّنْ أصلَ مَأْخَذها، ولا تمامَ المُرادِ.
ومنهم العلامةُ شيخُ الإسلام شمس الملَّةِ والدِّينِ، أَحمدُ بنُ سُليمان بن كمال باشا سقى الله عهدَهُم، وأمطَرَ عليهم شآبيبَ الرَّحمةِ، ومَنَّ عليهم بوَفي النَّعمةِ وزادَ، لكنَّه وافقه على منع خطابة المأمورِ بحَضْرةِ آمرِه، معَ ما في كلامه أيضاً ممَّا يَنْبُو عظيمُ مَقامِه، ويُشيرُ بالتنبيه عليه فُؤادُ، ناظره، ولم يستند كل إلى دليل سوى الهاجس بخاطره، فأدَّى ما ادعياه إلى بطلان صلاةِ العامَّةِ، ومَولانا السُّلطانِ نَصَرَهُ اللهُ ونائبه بحَضْرَةِ نائب ذاكر، والنَّصوصُ مُصرِّحةٌ بجوازِ خَطابةِ النَّائبِ والصَّلاةِ والأصيل حاضر من غير حاظر.
فشَرَعْتُ مُستَمِدًّا من فيض الكريم، طامِعاً في الثَّوابِ العظيمِ، وسَطَرْتُ ما فتَحَ به البَرُّ الرَّحِيمُ، وسميتُه:
«إتحاف الأريب بجواز استنابة الخطيب»
قال العلامة صاحِبُ «الدُّرَرِ»: «لا يُستَخلَفُ للخطبة أصلاً ... إلى آخره» وهذا لا أصل له؛ لأنَّه فهمه منَ الهدايةِ» فقال: هذا معنَى ما قال في «الهداية»: ولا يستخلف قاض إلَّا إذا فُوِّضَ إليه، بخِلافِ المأمور بإقامة الجمعة حيثُ يَستخلِفُ؛ لأنه على شرفِ الفَواتِ لتوقتِه، فكانَ الأمرُ به إِذْناً بالاستخلافِ، انتَهَى وأنتَ ترَى أَنَّها لا تُفيدُ ما ادعاه، بل خلاف ذلك؛ إذ لا يخفى أنَّ إقامةَ الجمعةِ عبارةٌ عن أمرَينِ: الخُطبةِ والصَّلاةِ.
وقد ثبت الإذن صريحاً منَ السُّلطانِ بالإقامة، فيملِكُ المَأذونُ له بإقامتها الاستخلاف فيهما جميعاً دلالةً؛ لكونها على شرفِ الفَواتِ، وأُطلِق له جَوازُ الاستخلافِ، فشمِلَ حالَ الصَّحَّةِ والمَرضِ، والحَضْرَةِ والغَيبة، فيجري على إطلاقه، حتَّى يُوجَدَ نصُّ المُجتهد، أو أحد من أهل الترجيح على خلافه، أو تقييده. ثمَّ إِنَّ الاستخلافَ إِمَّا أن يكونَ للخطبة والصَّلاةِ جميعاً، أو لأحدهما، فإنْ كانَ للخطبة، يصح ولو كانَ الخليفةُ صبيا كما سيأتي.
وإِنْ كانَ للصَّلاةِ: فإِمَّا أن يكونَ قبل الشروع فيها، أو بعد انعِقادِ تحريمتها، فإِنْ كان بعد الشروع في الصَّلاةِ، فكُلُّ مَن صلَحَ إماماً، صلَحَ للاستخلافِ. وإنْ كانَ الاستخلافُ بعد الخُطبة وقبل الشروع في الصَّلاةِ، فيُشترط مع صلاحية الخليفة إماماً أن يكون قد شهِدَ الخُطبة أو بعضها؛ لأَنَّ شُهُودَها شَرط في حقِّ مَن يُنشِئُ تحريمتها، وهو الإمام فيها دون المأموم، وهذا الخليفةُ إِنْ شَهِدَ الخُطبة صارَ كأَنه خَطَبَ بنفسه، فوُجِدَ شرط إنشائه التَّحريمة.
وإن لم يشهدها صار كالخطيب إذا افتتح صلاةَ الجمعةِ بلا خُطبة، ففاتَ شَرطُ إنشائه التحريمةَ بخِلافِ من اقتدى بالإمام، وإن لم يشهدِ الخُطبة فإنَّه يصح أن يستخلفه الإمامُ لسَبْقِ حدث أو حصر؛ لانعِقادِ تحريمة الخليفة؛ لأنَّ شُهودَ الخُطبة ليس شرطاً لكُلِّ مُصَل.
ألا ترى إلى صحتِها منَ المُقتدين الذين لم يشْهَدُوا الخُطبة، بل ولا ركعةً منها؟ حتى لو أدركها في التّشهد ولو بعد سُجود السهو، صحت جمعتُه، فيُتِمُّها ركعتين عند أبي حنيفة.
ومن شرط انعِقادِ تحريمةِ الإمامِ حُضورُ واحدٍ ممَّن تنعقد بهم الجمعة حال الخطبة، وإن لم يسمعها لصَمَمِ أو نَوْمِ أَو بُعْدِ مسافةٍ في المسجد. ولو ذهَبَ الذين حضَرُوا الخُطبة فجاءَ رِجالٌ لم يشْهَدُوا الخُطبة يُصلّي الجمعة في ظاهر الرواية. وفي نوادر المُعلَّى عن أبي يوسف: لا يُصلّى بهم الجمعةَ إِلَّا أَن يُعيد الخطبة، فإذا استخلف أحدهم بعد انعقادِ التَّحريمةِ، صح، كما في التَّرْخانية»، و «الدراية»، و «التجنيس والمزيد».
وهذا كما قالَ المُحقِّقُ الكَمالُ بنُ الهُمام: وليس للقاضي أن يستخلف على القَضاءِ في صِحَةٍ ولا مَرَضِ إِلَّا أَن يُفوَّضَ ذلك إليه، فيملِكُه، كما أَنَّه إذا صُرِّحَ فيه بالمنع يمتنع منه.
وهذا لأنَّه قُلَّدَ القضاء دونَ التَّقليد به، فصار كالوكيل ليس له أن يُوَكَّلَ، بخلافِ المأمور بإقامة الجمعة، حيثُ جازَ له أن يستَخلِفَ، انتَهَى.
يعني: في صحتِه ومَرَضِه؛ لأنَّه يفعل ما ليسَ للقاضي فعله؛ لتعليله بقوله: لأنَّه - أي: أداء الجمعة - لتوَقِّتِه بزمان؛ بحيثُ لو عرَضَ في وقتِه ما يمنعه من إقامة الجمعة بنفسه أو نائبه، كان أي: المَنعُ - لا إلى خلففٍ، ومعلوم أنَّ الإِنسانَ عَرَضُ مِنَ الأغراض، فكانَ المُولّي له آذِناً في استخلافِه دلالةً، انتَهَى فإطلاق صاحب الهداية» جواز الاستخلافِ جارٍ على عمومه للخطبة والصَّلاةِ، وكذا أطلقه في «فُصولِ العِمادي» بقوله: بخلاف المأمور بإقامة الجمعةِ؛ فإنَّ له أن يستخلف غيره، وإن لم يأذن له الإمام، انتهى. وكذا في «كافي النسفي».
وقال العلامة ابنُ الشَّحْنَةِ: الفَرقُ بينَ القاضي والمأمور بإقامة الجمعةِ ذكره قاضي خان في شرح الجامعِ الصَّغير»، فقال: لأنَّ المأمور بإقامة الجمعةِ مأذون بالاستخلافِ؛ لأنَّ الجمُعةَ مُؤقَتَةٌ َفتَفُوتُ بمُضِيّ الوقتِ، فكانَ إِذْناً له بالاستخلافِ دلالةً، بخِلافِ القَضاءِ؛ لأنَّه يحتمِلُ التَّأْخِيرَ إِلَى إِذْنِ الإِمَامِ؛ لأَنَّه غَيْرُ مُوْقَت.
وفي الجمعةِ التّفويضُ معَ العِلمِ بما يعتريه منَ العَوارِضِ المانعة من إقامتها من مَرَضِ وحَدَثٍ معَ ضيقِ الوَقْتِ وعدم احتمالِ انتظارِ الإذنِ فيه إذن بالاستخلافِ دلالةً، انتهى. ومثله في مبسوطِ السَّرَخْسِيّ.
وقال في «البَزَّازِيَّةِ» و «الخُلاصة»: الإذنُ بالجمعة إذن بالخُطبة، وكذا العكس، حتى لو قالَ: جَمِّع ولا تخطب، لا يعملُ النَّهيُّ.
وقال في «الخُلاصة» من كتابِ القَضاءِ السُّلطانُ لو أَمَّرَ غُلامَه على بلدةٍ وصلَّى هو، أو أمَرَ غيرَه بالإمامة، جازَ، انتهى.
أي: جازَ أداء الجمعة، كما هو ظاهر؛ إذ إقامة غيرِ الجمعة والعيد لا يفتقرُ إلى إذن.
وقال قاضيخان في «فَتاواه»: قال أبو حنيفة رحمه الله: والي المِصْرِ إِذا اعتَلَّ وأمَرَ رَجُلاً بأن يُصلّي الجمعة بالنَّاسِ، وصلى بهم، أجْزَأَتُه وأَجْزَأَتْهُم، انتَهَى فهذا نص المُجتَهِدِ كسائرِ ما نقلناهُ مُصرِّح بجواز الاستخلافِ من غيرِ إِذْنِ السلطان صريحاً.
وأيضاً قد قال صاحِبُ «الهدايةِ» في كتابه المُسمَّى بـ «التجنيس والمزيد»: الإمام إذا خَطَبَ ثُمَّ أحدَثَ، فأمرَ مَن لم يشهدِ الخُطبة أن يجمع بهم، فأمَرَ ذلك الرَّجُلُ مَن شهِدَ الخُطبة فجمَّعَ بهم، جاز؛ لأنَّ الذي لم يشهدِ الخُطبة من أهلِ الصَّلاةِ، فَصَعَّ التفويض إليه، لكن عجز لفَقْدِ شرطِ الصَّلاةِ؛ أي: فَقْدِ إنشاء تحريمتها؛ أي: الجمعة، وهو سَماعُ الخُطبةِ، فَمَلَكَ التفويض إلى الغَيرِ، انتهى.
ونقل الكمال خلافاً في تقديمه غيره، قيل: يجوز، وقيل: لا يجوز؛ لأنَّه ليس من أهل إقامة الجمعة بنفسه؛ لأنه لم يشهَدِ الخُطبة، فلا يجوز منه الاستخلاف. ولو قدَّمَ الأَوَّلُ جُنُباً شهِدَ الخُطبة، فقَدَّمَ الجنُّبُ طَاهِراً شَهِدَها، جازَ؛ لأنَّ الجنب الشاهد من أهل الإقامة بواسطة الاغتسال، فصح منه الاستخلافُ، بخلاف ما لو قدَّمَ الأَوَّلُ صِيًّا إلى آخره، انتهى. ثم قال في التَّجنيس»: ولو كانَ الثَّاني؛ أي: الذي استَخْلَفَه الأول بعدَ سَبْقِ الحدثِ ذِمياً ولم يعلم الأوَّلُ ذلك، فأمَرَ الذَّمِّيُّ مُسلِماً أن يجمع بهم، لم يجُز؛ لأنَّ تفويض الأَوَّلِ لم يصح؛ لأنَّ الذَّمِّيَّ ليسَ من أهلِ الصَّلاةِ.
وكذلك لو أمر الإمامُ الأوَّلُ مريضاً يُومئ إيماء، أو أخرَسَ، أو أُمِّياً، أو صَبِيًّا، فأمرُوا غيرهم لم يجُز؛ لأنَّ هؤلاء لا يصلحون إماماً للقوم، فلم يصح التفويض إليهم.
فإن كانَ التَّفويضُ مِنَ الأَوَّلِ إلى هؤلاءِ قبل الجمعة بأيَّامٍ، فَأَسْلَمَ الذِّمِّيُّ، ويرى المريض، وتكلَّمَ الأخرَسُ، وتعلَّمَ الأُمِّيُّ، فَصَلُّوا بهم، أو أَمَرُوا غيرَهم جازَ؛ لأنَّ التفويض ليس بلازم؛ أي: لا يلزم قبوله، وما ليس بلازم يكون للبقاء حُكمُ الابتداء، فصار كأنه فوَّضَ إليهم للحالِ، وهؤلاء في الحال أهل للصَّلاةِ، انتهى. ومثله في الترخانية» عن «المُحيط» و «الوَلْوَ الجيَّةِ».
وفي «الخُلاصة»: فالعبرة للأهليَّةِ وقتَ إقامتها لا وقت الإذن به، وإن وقع في بعض العباراتِ ما يقتضي خِلافَه انتَهَى.
فهذا صاحب الهدايةِ» قد صرَّحَ في كتابه هذا بما يُفيدُه في كتابه الآخَرِ؛ أعني: «الهداية» كما يُفيدُه غيره، فاندَفَعَ به ما قاله صاحبُ الدُّرَرِ»، ولأنَّ صاحب البيت أَدرَى، فاتَّضَحَ الأَمرُ وظهرَ.
ثمَّ أقولُ: لكنَّ صاحبَ الدُّرَرِ» شُبْهتُه في نفيه جواز الاستخلافِ للخطبة أصلاً، وقوله: «هذا معنى ما قال في «الهداية»، وتلك الشُّبهة هي قول العلامة الإتقاني في «غاية البيانِ»، والشّيخِ أكمَلِ الدِّينِ في «العناية»: بخِلافِ المأمور بإقامة الجمعة، حيثُ يجوز له أن يستخلِفَ؛ لأنَّ أداء الجمعة على شَرَفِ الفَواتِ؛ لتَوقُّتِهِ بِوَقتٍ يفوتُ الأداء بانقضائه، فكان الأمرُ به من الخليفةِ إِذْناً بالاستخلافِ دلالةً، لكنْ إِنَّما يجوز إذا كان ذلك الغَيرُ سمِعَ الخُطبَةَ، انتَهَى.
فكانَتْ أداةُ الحَصْرِ نافيةً بظاهِرِها جواز الاستخلافِ للخُطبة أصلاً. انتهى. وفيه. غَفلةٌ عمَّا يُرشِدُ إليه علَّةُ التّخصيص، وهو قولهما: لأنَّها من شرائطِ افتتاح الجمعة، انتهى.
فليس فيه نَفْي لجواز الاستخلافِ للخُطبة، وإِنَّما هو بيانُ لَشَرْطِ مَن يَصِحُ استخلافه لإنشاء التحريمةِ كما بَيَّنَّاهُ، وكذلك حصلَتْ هذه الشُّبهة في كلامِ المُحقِّقِ ابنِ الهُمام بقوله بعدما قدَّمناه عنه من قوله: ومَعلومٌ أَنَّ الإِنسَانَ غَرَضُ للأعراض، فكانَ المُولّي آذِناً في استخلافِه دلالةً، بشرط أنْ يكونَ المُستَخلِفُ سمِعَ الخُطبَةَ، أمَّا إذا لم يسمعها، فلا، انتهى.
ولمَّا كانَ ظاهِرُ هذه الشُّبهة المنعَ منَ الاستخلافِ للخطبة، كانَتْ مدفوعةٌ بقَولِه: عقبها لأنَّها - أي الخُطبة - بمعنى سَماعِها أو حُضورها وإن لم يسمع، أو إنشائها من شرائط افتتاح الجمعة؛ أي: في حقٌّ الإمامِ فيها ابتداء؛ لقوله: بخلاف ما لو سبقه الحدث، فاستَخْلَفَ مَن لم يشْهَدِ الخُطبة، حيثُ يجوز؛ لأنَّ المأمورَ هُناك بانٍ، وليس بمُفتتح، والخطبة شرط الافتتاح، وقد وُجِدَ في حقٌّ الأصل.
وكذا لو أفسَدَها هذا الخليفة واستفتح، يجوز، وإِنْ لم يَشْهَدِ الخطبة؛ لأنَّ شُروعَه فيها صحيح، وهذا الشُّروعُ التحق به بمَن شَهِدَ الخُطبة حُكماً، انتَهَى.
فلا صحة أصلاً لقَولِ صاحبِ «الدُّرَرِ»: «لا يستَخلِفُ الإمام للخطبة أصلاً». وكذا لا صحة لقوله: ولا يستَخلِفُ للصَّلاةِ ابتِداء، بل يجوز بعدما أحدَثَ الإمام» انتهى.
لأَنَّ ظَاهِرَه المَنعُ منَ الاستخلافِ قبلَ الشُّروعِ في الصَّلاةِ مُطلَقاً؛ أي: سواءٌ أحدَثَ أو لم يُحدِث، وتخصيصه بحصولِ الحدَثِ في ضِمْنِ الصَّلاةِ، أو تخصيصه بأن يكونَ بعدَ سَبْقِ الحَدَثِ، سواء كانَ في الصَّلاةِ أو قبل الشروع فيها.
ولا وَجْهَ لذلك؛ لجوازه قبلَ الشُّروع من غيرِ سَبْقِ حَدَثٍ؛ لأَنَّه؛ أي: صاحِبَ «الدُّرَرِ» قال بعد هذا ما نصه: لا ينبغي أن يُصلِّيَ غيرُ الخطيب؛ لأنَّ الجمعةَ معَ الخُطبة كشيءٍ واحدٍ، فلا ينبغي أن يُقيمها اثنانِ، وإِنْ فَعَلَ جَازَ، انتَهَى.
وهذا يكون باستخلافِ الخطيب، انتهى.
ثم قال أيضاً: خَطَبَ صبي بإذنِ السُّلطان، وصلى بالغ جازَ، كذا في «الخُلاصة»، ومثله في «التَّتَرْخانِيَّةِ» عن «المُحيط»، ذكرَ الطَّحاوِيُّ: لا ينبغي أن يكونَ الإمام في صلاة الجمعة غير الخطيب، انتَهَى.
فهذا نصّ منه على جَوازِ الاستخلافِ للصَّلاةِ قبل الشروع فيها من غيرِ حَدَثٍ كما قدَّمناه منَ النُّصوص بمِثلِه، فقد ناقض نفسَه، غيرَ أَنَّه يُشترَطُ لِصِحَّةِ استخلافه شُهودُ الخُطبة كما قد علمته بفروعه.
قوله: «وهذا معنى ما قال في «الهداية» ... إلى آخرِه عَلِمْتَ أنَّ معناه غيرُ هذا. قوله: «فكانَ الأمر به منَ الخليفةِ إِذْناً بالاستخلافِ دلالةً»؛ فيه مُدافعةٌ ونقض لِما ادعاه من أنَّه لا يجوز الاستخلافُ للصَّلاةِ بَدْءاً.
قوله: «لكِنْ إنَّما يجوز ذلك إذا كانَ ذلك الغَيْرُ سَمِعَ الخُطبة ... إلى آخره»، هذا هو الشُّبهة التي تقتضي نَفْيَ جَوازِ الاستخلافِ للخُطبة أصلاً.
ونبَّهنا بفَضْلِ الله سبحانه وتعالى على دَفْعِها، وذلك لتعليله بقوله: «لأنها شرائط افتتاح الجمعةِ» انتَهَى.
وقد علمتَ أنَّ هذا الشَّرط لا يمنعُ صِحَّةَ الاستخلافِ للخطبة والصَّلاةِ جميعاً، ولا صِحَّةَ استخلافِ مَن لم يشْهَدِ الخُطبَةَ إِذا كانَ استخلافه بعدَ الشُّروعِ فيها. قوله: وَوَجهُه أَنَّ الخُطبةَ والإمامة بعدها من أفعالِ السُّلطانِ، فلم يجُزْ لِغَيرِه إِلا بإذنه فإذا لم يُوجَدْ، لم يجُز».
أقولُ: إِنْ أراد بالإذنِ الصَّريح للمأمور بإقامة الجمعة ليستخلف، فهو صريح يرُدُّه كلمةٌ.
جميعِ أَئِمَّتِنا أَنَّه لا يُشترَطُ.
وإِنْ أرادَ الإذنَ دلالةً، فهو لا يحتمِلُ النَّفَيَ المُطلَقَ، فلا ينتفي إِلَّا إِذا لم يصلح المُستَخلِفُ إماماً، كما لو كانَ صبيًّا.
وإنْ أراد به الإذن بالإقامة لا بالاستخلافِ فالمَقامُ يأباه.
ويُعلَمُ بهذا الجواب عن قوله في آخر المسألةِ: «إِلَّا إِذا أَذِنَ؛ أي: لا يجوز استخلافه إلَّا إذا كانَ مأذوناً منَ السُّلطانِ للاستخلاف، فحينئذ يجوزُ» انتهى. إذ لم يقُل أحدٌ من أئِمَّتِنا باشتِراطِ إذنِ السُّلطانِ صَريحاً لصحة إقامة الخليفة عن النائب المأمور بها كما بيناه، سواء تعلق كلامه هذا بقوله: «لا يستَخلِفُ للخطبة أصلاً»، أو به وبقوله: «ولا للصَّلاةِ أبداً»، أو «بالصَّلاةِ» فقط.
قوله: «وتحقيقه ... إلى آخره، لا تحقيق ولا نَفْيَ لِما نحنُ فيه من جَوازِ الاستخلافِ لإقامة الجمعة بهذا، وأصلُ مَأخَذه إنْ لم يَكُنْ من أصله - والله أعلَمُ - من قولِ الإتقاني في «غايةِ البَيانِ»: وليسَ للقاضي أن يستَخلِفَ على القَضاءِ، إِلَّا أَن يفوض إليه ذلك.
وهذا لفظ القُدُوري في «مُختَصَرِه».
قالَ الشَّيخُ أبو المَعِينِ في «شرح الجامع الكبير»: القاضي لا يجوز استخلافه إِلَّا إذا فوَّضَ السُّلطان إليه ذلك ... إلى آخره.
قوله: بخلاف ما نحنُ فيه؛ أي: من أمرِ القَضاءِ؛ فإِنَّه يُخالِفُ أَمَرَ المُستعيرِ. قوله: «فإنَّه» الضَّمير فيه يرجع للقاضي، فهو يتصَرَّفُ بحكم الإذنِ، فيملِكُ بِقَدْرِ ما أذِنَ له؛ أي: إِذْناً صريحاً، فإنْ صَرَّحَ له بالاستخلافِ، جازَ، وإِلَّا؛ فلا.
قوله: «وعبَّر مشايخنا عن هذا، وقالُوا: مَن قامَ مَقامَ غيرِه ... » إلى آخره. قال العلامة الحلبي في «شرح المنية الكبير»: ما نصه: وأما القاعدة المذكورةُ فنقول بموجبها، ولا نُسلّمُ أنَّ المأذونَ في الجمعة قامَ مَقامَ غيره لغَيرِه، بل لنَفْسِه، بخلاف القاضي.
وذلك لأنَّ القاضي إنّما قامَ مَقامَ السُّلطانِ لأجلِ الرَّعيَّةِ خاصَّةً، وكذا لا يجوزُ حكمه لنفسه، بل ولا لِمَن هو بمنزلة نفسه ممَّن لا تُقبل شهادته له. وأمَّا المأمور بالجمعة فإنَّه ما قامَ مَقامَ السُّلطانِ لأجلِ النَّاسِ فقط، بل لأجل نفسه أيضاً، فإنَّ الصَّلاةَ المأمور بإقامتها ليسَتْ مخصوصةً بغَيرِه، بل هي له أيضاً، فقد قام فيها مقامَ غيره لنفسه ولغَيرِه إِلَّا أَنَّ الغَير تابع له، ونفسه أصل في ذلك القيام، فكانَ من القِسمِ الثَّاني، وهو مَن قامَ مَقامَ غَيرِه لنفسه جاز له الاستخلافُ، كما في المستعير، وعلى هذا عمَلُ الأُمَّةِ من غير نكير، انتهى.
قوله: «والفِقهُ ما بَيَّنَّا كلامُ الشَّيخِ أبي المَعينِ»؛ أي: الفقه المُبَيَّن افتِراقُ حُكمِ المُستَعير والقاضي هو الذي بيناه.
قوله: «وهذا مما يجبُ حِفظه؛ فإنَّ النَّاسَ عنه غافِلُونَ»، قد نبهنا اللهُ سُبحانَه بفَضْلِه، وأطَلَعَنا على ما أظهَرْناهُ بسِرِّه المكنون، فلَهُ الحمد والمنة، ونسأله غُفران ذُنوبنا، وسَترَ عُيوبنا عن الخلائقِ يومَ يُحْشَرُونَ. آمين.
وحيثُ فَرَغْنا منَ الكلامِ معَ الإمام الحبر صاحبِ «الدُّرَرِ»، فلْنَذْكُرْ كَلامَ العلَّامةِ أحمدَ بنِ سُلَيمان ابن كمال باشا رحِمَهُم الله، ثم نذكر ما يتعلق به، ونصه برسالة له: قال في «الهداية»: وليسَ للقاضي أن يستَخلِفَ على القَضاءِ، إِلَّا أَن يُفوَّضَ إِليه ذلك، بخِلافِ المأمور بإقامة الجمعة حيثُ يستخلِفُ.
أقولُ: يعني: يجوز له أن يُقيمَ مُقامَه لإقامة الجمعة، وهذا ظاهرُ في جَوازِ الاستخلافِ للخُطبة بلا تفويض منَ السُّلطان؛ لأنَّ إقامةَ الجُمَعِ لا تكون بدونها، فجَوازُ الاستخلافِ لإقامة الجمعة مُتضمِّنُ لجواز الخُطبة؛ أي: الاستخلافِ للخُطبة. وعبارة صاحبِ الخُلاصة» حيثُ قال: له أن يستخلف وإنْ لم يكُنْ في منشور الإمامة الاستخلافُ صريحةٌ فيما ذكَرْناهُ؛ لأنَّ ما يُكتَبُ في منشورها إِنَّما هو الإذنُ بإقامتها، لا الإذن بأن يستخلِفَ خَطيباً آخرَ مقامه.
ثمَّ التَّعليل المذكورُ في «الهدايةِ» بقوله: «لأنَّه على شرَفِ الفَواتِ لتَوَكَّتِه فَكانَ الأمر به إذناً بالاستخلافِ، كما يدلُّ على كَونِ الأمر المذكور إذْنا بالاستخلاف في الصَّلاةِ، كذلك يدلُّ على كَونِهِ إِذْنا بالاستخلافِ فِي الخُطبة.
وهذا مع وضوحه قد خَفِيَ على مولانا خسرو، قالَ: إنَّ الاستخلاف للخطبة لا يجوز أصلاً، ولا للصَّلاةِ ابتداء، بل يجوز بعدما أحدث الإمام، وهذا معنى ما قال في «الهداية»، بخلاف المأمور بإقامة الجمعة، حيث قال ... إلخ، فركب غلطاً، وارتكَبَ شَطَطاً.
أمَّا أَنَّه رَكِبَ الغَلَطَ؛ فَلِلتَّصريح بعدَمِ جواز الاستخلافِ للخطبة أصلاً. وأَمَّا أَنَّه ارتَكَبَ الشَّطَطَ؛ فَلِحَمْلِه كلام «الهداية» على ما لا يَتَحَمَّلُه. ثمَّ قَالَ: «وَجهُهُ أنَّ الخُطبة والإمامة بعدها من أفعال السلطانِ؛ كالقضاء، فلم يجز لغيره إلَّا بإذنه، فإذا لم يُوجَدْ لم يجُزه.
ولا يخفى ما فيه منَ الخَلَلِ؛ لأنَّه إنْ أرادَ بالإذن في قوله: «فلم يجُز لغَيرِه إلا بإذنه الإذنَ الصَّريح، فلا يكون صحيحاً؛ لِما عرَفتَ من كفاية الإذنِ دلالةً، وما ذكره من گونها من أفعالِ السُّلطان لا يقتضي ذلك، فلا يتم التفريعُ المذكور.
وإن أراد به الإذنَ دلالة كما هو مُقتَضَى التَّفريعِ المَذكورِ؛ فَإِنَّ مَا قَدَّمَهُ إِنَّما يقتضي ذلك، فلا يتم التقريب؛ لِما عَرَفْتَ من تحقيق الإذنِ دلالة للاستخلافِ في الخُطبة. ثم قال: «وتحقيقه ما قال .... إلى آخره، وطول ذيل المَقامِ، ولم يأتِ بما يُعينُ ما ادعاه، أو يُعينُ على ما ادعاه، وبعد هذا تكَلَّمَ كلمةَ تَصَلُّفٍ فقال: وهذا ممَّا يجب حفظه، والنَّاسُ عنه غافِلُونَ. وإِنْ شِئْتَ تحقيق المَقامِ بتلخيص الكلام على وَجهِ يتضمَّنُ بتخليصه من الأوهام فلترجع إلى ما أمليناهُ منَ الفرائدِ والفوائد»، حيثُ قُلنا: ومن شرائطها: الإذن لإقامتها، أو ما يقومُ مَقامَهُ، والإذنُ المُعتبَرُ ما يكونُ منَ السُّلطان، أو ما ينو منابه، والقاضي منَ النُّوَّابِ في هذا الباب، ثمَّ الإذنُ قد يكون عبارةً، وقد يكون دلالة، انتهى المنقولُ عن «الفَوائدِ».
قوله: «الإذن» هذا الشَّرطُ إذا لم يكُنِ الإمامُ السُّلطانَ، فالشَّرطُ في الحقيقة أحد الأمور: إقامةُ السُّلطان بنفسه، أو الإذن منه، أو ما يقومُ مَقامَه.
قلت: وهو اجتماعُ النَّاس على رجُلٍ يُصلِّي بهم عندَ فُقدانِ السُّلطانِ، أو تعَذُّرِ الوصول إليه.
قال الإمامُ السَّرَخْسِيُّ في المبسوط»: لم يذكرْ أَنَّه لو ماتَ مَن يُصلِّي الجمعة بالنَّاسِ، فاجتَمَعُوا على رجُلٍ يُصلِّي بهم الجمعة، هل يُجزِتُهم ذلك؟ والصَّحيح أنَّه يُجزِتُهم، فقد ذكَرَ ابنُ رُستُمَ عن محمَّدٍ، أَنَّه لو مات عامل فريضةٍ فاجتَمَعَ النَّاسُ على رجُل فصلّى بهم الجمُعةَ، أجزَأَهُم؛ لأنَّ عثمانَ رَضِيَ اللهُ عنه لمَّا حُصِرَ اجتمعَ النَّاسُ على عليٌّ رَضِيَ الله عنه، فصلى بهم الجمعة. ولأنَّ الخليفةَ إِنَّما يأمُرُ بذلك نظراً منه لهم، فإذا نظَرُوا لأنفُسِهم واتَّفَقُوا عليه، كان ذلك بمَنزِلَةِ أَمرِ الخليفةِ إِيَّاه.
قوله: «أو ما ينوب منابه»؛ كصاحبِ الشَّرَطِ، قال الإمامُ المُطَرِّزي في «المُغرِب: صاحِبُ الشُّرَطِ في بابِ الجمعةِ يُراد به أمير البلدة؛ كأميرِ بُخارى.
وقيل: هذا على عادَتِهم؛ لأنَّ أمورَ الدُّنيا والدِّينِ كانت حينئذ إلى صاحب الشُّرَطِ، فَأَمَّا الآن، فلا.
قوله: «والقاضي منَ التَّوَّابِ في هذا البابِ؛ يعني: يصح إقامة الجمعة، والاستخلاف فيها بإذن القاضي؛ لأنه من جُملةِ النُّوَّابِ الذين اعتُبِرَ بإِذْنِهِم في بابِ الجمعة من الأمور العامَّةِ، وقد فُوِّضَ إلى القاضي ما هو منه؛ أي: من الأمور العامة، فنزل منزلة الإمام في الإقامة والاستخلاف.
قوله: «وقد يكون دلالةً»؛ كالإذنِ الثَّابِتِ للإمام بأن يستخلف غيره في إقامة الجمعة عندَ حُدوثِ حادِثِ يمنعه عنها في ضمن تعينه للإقامة.
قالوا: إنَّ الجمعةَ مُؤفَّتَةٌ بوقتِ تفُوتُ بتأخيره عند العُذرِ إذا لم يستخلف، فالأمر بإقامتها مع علم الوالي أنه قد يعرِضُ ما يمنعه من الإقامة يكونُ إذناً بالاستخلافِ دلالة، انتهى ما نقلناه من «الفوائد». وإذا عَرَفْتَ أنَّ استخلاف الإمامِ إِنَّما يجوز إذا كَانَ مَعَذُوراً بِعُدْرٍ يَشغَلُه عن إقامةِ الجمعة في وقتها، وأمَّا إذا لم يكُنْ مَعذُوراً، أو كانَ مَعَذُوراً لَكِنْ يُمكِنُ إزاله عُذرِه وإقامة الجمعة قبل خُروج الوقتِ، فلا يجوز الاستخلاف بناءً على أنَّ الأصل عدَمُ الاستخلاف، وجوازه بالإذنِ عبارةً ودلالةً، وهو مفقود في الصُّورتَينِ المذكورتين، فقد وقفت على فَسادِ ما فعل الأئِمَّةُ الآنَ في زماننا، حيثُ يحضرون في الجامع بلا عُذر، ويستَحْلِفُونَ الغَيْرَ في إقامة الجمعة. هاهنا دقيقةٌ أُخرى، وهي أنَّ إقامةَ الجمعةِ عبارة عن أمرين: الخطبة والصَّلاة، والموقوفُ على الإذن هو الأوَّلُ دونَ الثاني؛ إذ لا حاجة فيه إلى الإذن، ويدلُّ عليه المسألة القائلة: لو أنَّ الإمام إذا سبقه الحدث بعدَ فَراغِهِ مِنَ الخُطبةِ فَأَمَرَ رجُلاً بإقامة الجمعة، والمَأمورُ ممَّن شَهِدَ الخُطبَةَ، جَازَ.
ووجه الدلالة ظاهر؛ لأنَّ الإذن لم يُوجَدُ في الصُّورة المذكورة، لا صريحاً وذلك واضح، ولا دلالةً؛ لعَدَمِ خَوفِ الفَواتِ، فَإِنَّ الإمام قادِرٌ على إزالة الحدث وإقامةِ الصَّلاةِ قبل خُروج الوقت.
ومن هاهنا أَنَّضَحَ أَنَّ المُرادَ منَ الاستخلافِ لإقامة الجمعة الاستخلاف للخطبة لا الاستخلاف للصَّلاةِ كما توهمه الفاضِل مولانا خسرو.
تم تنميقُ الرِّسالة بعون الله، انتهى عبارة العلامة المرحوم ابن كمال باشا رحمه الله.
ثم أقولُ: إِنَّ قَولَ العلامة ابن كمال باشا رحمه الله: وإِذا عَرَفْتَ أَنَّ استخلاف الإمام إنما يجوزُ إذا كانَ مَعَذُوراً بعُذرٍ يشغله عن إقامة الجمعةِ في وَقتِها فلقائل أن يقول: لا وَجْهَ لهذا الحَصْرِ؛ لأنَّه مُستند فيه لما ذكره عن «الفوائد»، وهي لا تقتضيه، فهو ممنوع الدلالة على ما ادعاه؛ لأنَّ قولَ «الفوائدِ»: «وقد يكون الإذن دلالةً» عام، ووجه العمومِ حُصول المقصودِ حال الاستخلافِ، وهو اختصاص السلطان بقيامها، وأداء الفرض على وجه يمنعُ من إثارة الفتنة بطَلَبِ التَّقَدُّم من كلِّ مَن يُرِيدُه، فالمدارُ على الإذن، وهو حاصل منَ السُّلطانِ على كل حال، إما صريحاً وإما دلالة. وقولُ المشايخ في توجيه الإذنِ دلالة: «لأنه قد يعرِضُ للمأذون بإقامتها ما يمنعه إظهار للدلالة وحكمةٌ، وهي لا تُراعى في جميع الأفراد، وقد علمت النصوص المجوزة للاستخلافِ من غير قيد بعُذر، والنَّص لا يُعارَضُ إلا بمثله، وهو منعدم هنا، فاندفع ما بناه على عبارة «الفوائد من قوله: وإذا عَرَفْتَ أَنَّ استخلاف الإمامِ إِنَّما يجوز إذا كانَ مَعذُوراً ... إلى آخره.
قوله: «بناء على أنَّ الأصل عدَمُ الاستخلافِ ممنوع كُلياً لا يشمل الأمر بإقامة الجمعة، فهو خاص بالقضاء.
قوله: «فقد وقفت على فسادِ ما فُعِلَ الآنَ في زَمانِنا حيثُ يحضرونَ في الجامع بلا عُذر ويستَخلِفُونَ الغَيرَ في إقامة الجمعة انتهى. تبعَ فيه قول صاحِبِ الدُّرَرِ». فإن قيل: هل يجوزُ خَطابةُ النَّائبِ بحضورِ الأصل عندَ عَدَمِ الإذنِ كما جازَ حُكمُ النَّائبِ، وتصَرُّفُ الوَكيل، عندَ حُضورِ القاضي والمُوَكَّلِ عِندَ عَدَمِ الإذنِ؟ قلنا: لا؛ لأنَّ مَدارَهُما حُضورُ الرَّأي، فإذا وُجِدَ جَازَ، بخلافِ الجمعةِ؛ إذ لا مَدخَلَ للرأي في إقامتها، انتهى.
وأقولُ: لا فَساد ولا منع من خُطبةِ النَّائبِ بحضرة المأمور بإقامتها؛ لأنَّه وإن لم يكُنْ للرأي في إقامَتِها مَدخل، فالمدار على إذنِ السُّلطان في إقامتها تسكيناً للفتنة، والمأمور مأذون له دلالةً في الاستخلافِ لإقامتها، ومعَ العُذرِ سلَّمتُماهُ له، ومنَعتُماهُ بدونه.
وقد قال في التَّتَرخانيَّةِ» نقلاً عن المُحيط»: إمامٌ خَطَبَ فَتَوَلَّى غيرُه، وشهِدَ الخُطبة ولم يعزِلِ الأَوَّلَ، ولكنْ أمَرَ رَجُلاً أن يُصلِّيَ الجمعةَ بِالنَّاسِ فصلَّى جازَ؛ لأَنَّه لمَّا شهِدَ الخُطبةَ فكأَنَّما خطَبَ بنفسِه، انتَهَى.
فهذا نص على الصحة بحضور الأصيل مع نائبه.
ثم قال في «التَّتَرخانيَّةِ»: ولو أنَّ القادِمَ الذي تَوَلَّى شَهِدَ خُطبَةَ الأَوَّلِ وَسَكَتَ عنه حتّى صلَّى بالنَّاسِ وهو يعلَمُ بقدومه، فصلاته جائزة؛ لأنَّه على ولايته ما لم يظهَرِ العَزْلُ، انتهى.
وهو نص في صِحَّةِ صلاةِ الأصيل بحضرةِ نائبه؛ لأنَّه بالنَّظَرِ إلى الأصيل نائب لعلمه بعَزلِه، فلم يمنع من صِحَّةِ صلاته، وهذا كمسألة المُقتدي بشافعي مسَّ امرأةً بغير علمه، وعلمه المُقتَدي، انتهى.
وكذا نقله عن «الظَّهيريَّةِ»، وقال في البَزَّازيَّةِ»: قدِمَ الأميرُ الجديد والأوَّل في الجمعة، يُتِمُّ، كما لو حُجرَ عليه، أو عُزل، لا يعمل الحجرُ والعَزل فيها.
ثمَّ قالَ: فَرَغَ الأَوَّلُ منَ الخُطبةِ فَقَدِمَ الثَّاني بعدها وصلَّى، لا يجوز؛ لعَدَمِ حضوره الخُطبة؛ أي: لأنَّ شُهودَها شرط لمَن يُنشِئُ التَّحريمةَ كما قد علمته. ثمَّ قَالَ: ولو قدَّمَ الثَّاني الأَوَّلَ وصلى خلفه، صَحَّ، انتَهَى.
وقد علمت بما قدمناه أنَّه لو خَطَبَ واحدٌ، وصلَّى آخَرُ، جازَ، وهو بعمومه شامل لصلاةِ الخطيبِ خَلْفَ الذي صلّى إماماً فيها، وهو إذن دلالةً أو صريحاً بعُذرٍ وبغيره. وعلمتَ أيضاً لو أمَرَ السُّلطانُ غُلامه على بلدة، وصلَّى هو أو أمرَ غيرَه بالإمامة جاز، انتهى.
وهو بعمومه شامِلٌ لكُلِّ الأحوالِ، إلى غير ذلك منَ النُّقولِ التي ذكرناها. ووَجْهُ صِحَّةِ صلاةِ الأصيلِ خَلْفَ نائبِه بوجودِ الإذن منه صريحاً، وهو لا ينزل عن الإذنِ دلالةً كما في صلاةِ القادمِ خَلْفَ الأَوَّلِ؛ لَتَنزيله قائماً مَقامَ المُتولّي الخطبة، فكأَنَّه خطَبَ بنفسه. وهذا مثل ما لو حَضَرَ السُّلْطانُ أو القاضي جنازةً، واقتدى بمَن ليسَ له حقُّ التّقدُّمِ عليه، يصح؛ للإذنِ منه دلالةً، وإِنَّما شُرِطَ لَصِحَّةِ الجُمُعَةِ السُّلطانُ أَو مَن أَمَرَه؛ لأنَّه لقَطْعِ المُنازَعَةِ في التَّقدُّمِ والتَّقديمِ، ولقطعِ المُنازَعَةِ في أدائها أَوَّلَ الوقتِ أو آخره، وتسكيناً للفتنة؛ فإنَّ ثَوَرانَها يُوجِبُ تعطيلها، وهو مُتوقع إذا لم يكُنِ التَّقدُّم فيها عن أمر سُلطان يُعتَقَدُ طاعته، وتُخشَى عُقوبتُه؛ لأنَّه لولا ذلك لاختار كل فريق إماماً، وقد لا يتفقون، فلذا تُوقَفُ صِحَّتُها على وجودِ السُّلطانِ، فيُصلِّي إماماً فيها بنفسه أو إذنه بإقامتها.
وإذا أذِنَ لأحدٍ قامَ مَقامَه، فمَلَكَ إقامتها بنفسه، وملك الاستخلاف دلالةً حَضَراً وسَفَراً، صحةً وسَقَماً، وله الصَّلاةُ خَلفَ نائبه كحالِه مَعَ السُّلطان؛ لأنَّ الحقِّ له، إنْ شاءَ فعَلَه بنفسه، وإِنْ شَاءَ فَوَّضَه لغَيرِه.
تنبيه: قد يُقالُ: إِنَّه يلزَمُ على ما قاله العلّامتانِ ملا خسرو، وابنُ كَمال باشا رحِمَهُم اللهُ أنْ لا تصح للسلطانِ نصَرَه الله، ولا نُوَّابِه صلاةٌ جمعةٍ ولا عيد في زَمانِهما، ولا قبله ولا بعده؛ لأنَّ السُّلطان نصَرَه الله ونائبه يحضُرُ ويُصلِّي خلف مأموره أو نائبه معَ قُدرَتِه؛ إذ السُّلطانُ قادِرٌ على الخُطبة بنفسه؛ لأنَّ الشَّرط فيها تحميدة أو تهليلةٌ على قول الإمامِ الأعظَمِ أبي حنيفة.
وكذلك هو قادر على أن يُصلِّيَ إماماً في العيد، ولا وَجْهَ لذلك، وهذا أمر قد خَفِيَ عليهما، وأعتَقِدُ أنَّه لو خَطَرَ ذلك ببالهما لقدَرا على التحقيق فيه لوجودِ النَّصَّ على الجواز بما قد علِمْتَه ممَّا قدَّمناه.
فإِنْ قُلتَ: يُناقِضُ ما في التَّترخانيَّةِ» من أنَّه لمَّا شَهِدَ الخُطبة فكأَنَّما خَطَبَ بنفسه قولُ «قاضيخان» والخُلاصة»: ولو خَطَبَ بغير إذن الإمام وهو: حاضر، لم يجز.
أقولُ: لا مُناقضَةَ لافتِراقِ المسألتين؛ لأنَّ هذه من غير إذن أصلاً، وفي المسألة السَّابقةِ حَصَلَ الإذنُ مُتقَدِّماً على الخُطبةِ، َفتَوليةُ الأَوَّلِ باقية حالَ الخُطبة كما يُفيدُه تعليلها.
أو نقول: إنَّ قولَه في هذه: «لم يجُزْ»؛ أي: لم تجُز لازمةً، فالإمامُ مُخيَّرٌ بينَ إبطالها بالأمر بالخُطبة ثانياً، وبين إمضائها قولاً أو فعلاً بالصَّلاةِ خَلْفَ الخطيب أو غيره، بتقديمه إماماً، فيكونُ إِذْناً دلالةً، لجواز الخُطبةِ، فَتَساوَيا، فلا مُناقضَةً، وتقَدَّمَ أَنَّه إِنْ خَطَبَ واحدٌ وصلَّى غيره، جازَ.
قوله - أي: العلامة ابن كمال باشا - بقي هاهنا دقيقةٌ أُخرَى، وهي أنَّ إقامةَ الجمعةِ عبارةٌ عن أمرين: الخُطبةِ والصَّلاةِ، والموقوفُ على الإذنِ هو الأَوَّلُ دُونَ الثاني؛ إذ لا حاجة فيه إلى الإذن، انتهى. غيرُ مُسلَّم؛ لِما قدَّمناه عن «الخُلاصة» والبزازيَّة؛ من أنَّ الإذن بالجمعةِ إذن بالخطبة، وكذا العكس، حتى لو قال: جمع ولا تخطب، لا يعملُ النَّهْي، انتهى. وقال قاضيخان: إمام افتتح الجمعة، ثمَّ حضَرَ والِ آخَرَ، فإنَّه يمضي في صلاته؛ لأن افتتاحه قد صَحَ فكانَ بمنزلة رجُلٍ أَمَرَهُ الإمام بأن يُصلي الجمعة بالنَّاسِ، ثُمَّ حَجَرَ عليه، إِنْ حَجَرَ عليه قبل الدخول عمل، وإِلَّا؛ فلا، انتهى.
يُعتبر توقُفُ الثاني على الإذنِ، حَتَّى لو أحدَثَ الإمامُ بعد الخُطبة قبل الشروع في الصَّلاةِ، فتقَدَّمَ مَن شَهِدَ الخُطبة بنفسه، لا يجوز ذلك في الجمعةِ، وإنْ جازَ في غيرها منَ الصَّلَواتِ.
كما لو قدَّمَ الإمامُ للصَّلاةِ صبيا، أو معتوهاً، أو امرأة، أو كافراً شهدَ الخُطبةَ، فَقَدَّمَ غيره ممن شهدها، لم يجز؛ لأنهم لم يصح استخلافهم، فلم يصِرُ أحدُهُم خليفةً، فلا يملك الاستخلاف، فالمُتَقَدِّمُ باستخلاف أحدهم مُتقدم بنفسه.
ولا يجوز ذلك في الجمعةِ، وإنْ جازَ في غيرها منَ الصَّلواتِ؛ لاشتراط إذنِ السلطان للمتقدم صريحاً، أو دلالة فيها دون غيرها، ولا دلالةَ إِلَّا إِذا كَانَ المُستَخلِفُ منَ الابتداءِ مُتَحقِّقاً بِوَصْفِ الخليفة شَرْعاً، وليس أحدهم كذلك.
حتى لو كانَ المُتقَدِّمُ بنفسه صاحِبَ الشَّرَطِ، أو القاضِيَ، جاز؛ لأنَّ هذا من أُمورِ العامة، وقد قلَّدَهُما الإمام ما هو من أُمور العامة، فنزلا منزِلَته، فلو قدَّمَ أحدهما رجُلاً شهِدَ الخُطبَةَ، جاز؛ لأنَّه ثبَتَ لكُل منهما ولايةُ التَّقدُّم، فله ولايةُ التَّقديم.
وإذا قدَّم الخطيب بعد الخُطبة من شهِدَها وهو جُنُبٌ، فَقَدَّمَ طَاهِراً شهِدَها، جاز؛ لأنه من أهل الإقامة بواسطة الاغتسال، كما قدمناه، فكانَ الإذنُ مِنَ السُّلطانِ حاصِلاً دلالة لأهلية الجنبِ لا الصبي ونحوه؛ كما قاله المُحقِّقُ الكَمالُ بنُ الهُمامِ، فانتَقَى به قول ابن كمال باشا بنَفْي اشتراط الإذنِ في الصَّلاةِ، ولا دليل عليه في استدلاله لذلك بقوله: ويدلُّ عليه المسألة القائلة: لو أنَّ الإمام سبقه الحدث بعدَ فَراغِه عن الخطبة، فأمَرَ رجُلاً بإقامة الجمعة والمأمورُ ممَّن شَهِدَ الخُطبة جاز، انتهى.
لما علمته من كلامِ المُحقِّقِ ابنِ الهمام وغيره، ومما يرد عليه نقضاً صلاة العيد، وصلاة العَصْرِ مَعَ الظَّهِرِ في عَرَفاتٍ، لا يُشتَرَطُ لهما الخطبة، ويُشترط فيهما الإمامُ الأعظم، أو مأموره بإقامتهما، فتتَوَقَّفُ على الإذن؛ كالخُطبة فيهما وفي الجمعة. قوله: ووجه الدلالة ظاهر؛ لأنَّ الإذن لم يُوجَدْ في الصُّورة المذكورة لا صريحاً، وذلك واضح»؛ أي: لأنَّ موضوع المسألة في جواز استخلافِ المأمور بإقامة الجمعة معَ عَدَمِ التّصريح منَ السُّلطانِ به.
قوله: «ولا دلالة»؛ هو محل النزاع، وعلمتَ أَنَّ نَفْي الإذنِ دلالة منفي. قوله: «العَدَمِ خَوفِ الفَواتِ، فإنَّ الإمام قادر على إزالة الحدث، وإقامة الصَّلاةِ قبل خروج الوقت انتهى ممنوع، وأنَّه لا يثبتُ المُدَّعَى؛ لأنَّ الحَدَثَ يُوجَدُ مُمتدا؛ كسلس، بول، واستطلاقِ بَطْنٍ، ورُعافٍ مُستَرسِل، وإن لم يكن مُستَر سِلاً يكون في آخرِ الوَقْتِ بما لو انتظر الإمام يخرُجُ الوَقتُ، فيبطل إقامة الجمعة، فالإذن دلالة حاصل.
قوله: ومن ههنا اتَّضَحَ أنَّ المُرادَ منَ الاستخلاف لإقامة الجمعة؛ يعني: المُستفاد من قول «الهدايةِ»، بخِلافِ المَأمور بإقامة الجمعة؛ فإِنَّه يستَخلِفُ وإِنْ لم ينص على الإذن له.
قوله: «الاستخلافُ ِللخُطبة لا الاستخلافُ للصَّلاةِ» يُدافِعُ قولَه فيما تقدَّمَ: إنَّ الإذن في الاستخلاف في الصَّلاةِ، يدلُّ على كونه إذناً بالاستخلاف في الخُطبة، فينتفي هذا المُراد.
قوله: «كما توَهَّمَه الفاضِلُ مَولانا خسرو»، حصَلَتِ المُشاركةُ في أصلِ الوَهْمِ، وإن اختَلَفَتِ الجهه، فلِلَّهِ الحَمدُ بمَنّه على مَن نبَّه.
* تنبيه: قال في البحر» عن «التَّحفةِ» في تعدادِ الجمعة للعلامة ابن جُرباش أحد شيوخ مشايخي: إِنَّ إِذنَ السُّلطانِ أو نائبه إنَّما هو شرط لإقامتها عند بناء المسجد، ثم بعد ذلك لا يُشترط الإذنُ لكُلِّ خطيب، فإذا قرّر خطيب بمسجد فله إقامتها بنفسه وبنائبه، والإذنُ مُستَصحَبٌ لكلِّ مَن خَطَبَ.
ولا يكون ذلك إذناً لمجهول يقعُ فاسداً على ما توَهَّمَه البعضُ؛ لأنَّه لا بُدَّ أن يسأل السلطان في ذلك شخص مُعيَّن بالضَّرورة لنفسه أو لغيره، فإذا بَرَزَ الإذن يكون على وَجْهِ التَّعيين لا محالة؛ لأنَّ الإذنَ إِنْ كَانَ للسَّائِلِ فَظَاهِرُ، وَإِنْ كَانَ لغيره فكذلك؛ لأنَّ إذنه يقعُ إذناً للمسؤول له، وهو معلوم عند السائل مُعيَّناً له، بل للإمام أيضاً؛ لأنَّ السَّائل يجري ذكره عندَه بما يُصَرِّحُ السُّؤال له، وهو كافٍ في صِحَّةِ الإذنِ انتَهَى.
قلتُ: وأيضاً وإنْ لم يكُنِ المُعيَّن يكونُ الإذنُ للسَّائل في إقامةِ مَن يُرِيدُه خطيباً على جِهَةِ العُموم انتَهَى.
فالإذن حاصِل لدفع الفتنة الذي هو السبب الداعي لاشتراط الإمامِ الأعظَمِ في صِحَّةِ إقامة الجمعة، وهو حاصل بما ذكَرْنا، فلا التفات لمُتَعَنِّتٍ، والله سبحانَه أَعلَمُ.
فتَلَخَّصَ ممَّا ذكَرْناهُ أَنَّه يُشترط لصِحَّةِ الخُطبة والجمعة إذنُ السُّلطان بإقامتها، فإذا أذِنَ جازَ للمأذونِ الاستخلافُ ِللخُطبة والصَّلاةِ جميعاً، بعُذرٍ وبَغَيرِ عُذرٍ، سواء كانَ بحَضْرَتِه أو غَيْبَتِه، كما جازَ للسلطانِ ذلك بحَضْرَتِه، وصلاته خَلْفَ خليفَتِه. وإذا خَطَبَ المأذون له، جاز له الاستخلافٌ للصَّلاةِ بِعُذرِ وبَغَيرِه بِشَرطِ شُهُودِ المُستَخلَفِ الخُطبة أو بعضها.
ولو كانَ جُنُباً فقَدَّمَ طَاهِراً شهِدَها، جازَ أيضاً، بخِلافِ ما لو كان صبيا أو نحوه، فقَدَّمَ بالِغاً شهِدَها لا يصح، كما إذا تقَدَّمَ مَن شهِدَ الخُطبة بنفسه، إِلَّا أَنْ يكونَ له ولايةٌ عامَّةٌ؛ كالقاضي، فيصِحُ تَقَدُّمُه بنفسه، وتقديمه غيره.
وأمَّا إِذا شَرَعَ الخطيبُ في الصَّلاةِ، ثمَّ سبَقَه الحدَثُ، فله أن يستخلِفَ مَن اقتَدَى به، شهِدَ الخُطبة أو لم يشهدها، إذا صَلَحَ للإمامة ليكونَ إماماً.
وبعاشِرِ المُحرَّمِ كانَ التَّأليف تماماً، افتتاح عام سنة ست وأربعينَ وألفٍ، حسنَ بالله ختاماً، وهذه من مُسَوَّدةِ المُؤلّفِ نفَعَنا الله به وبعلومه وبركاتِه.