شرح مجلة الأحكام العدلية
تأليف
العلامة الكبير والفقيه المحقق الشهير المرحوم مفتي حمص الاسبق
محمد خالد الأتاسي الحمصي الحنفي
توفي سنة (1326هـ)
جارٍ تحميل الكتاب…
شرح مجلة الأحكام العدلية
تأليف
العلامة الكبير والفقيه المحقق الشهير المرحوم مفتي حمص الاسبق
محمد خالد الأتاسي الحمصي الحنفي
توفي سنة (1326هـ)
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي جعل افعال الفقهاء المخلصين رهينة الأجر. مطابقة لقواعد الشرع بما تقتضيه الحكمة من نهي وامر الذين اكرهوا انفسهم على حفظ امانة ربهم في الشهادة والغيب. وأسلموا عاجلهم لا جلهم قرضاً بعقد قلب سليم من كل عيب. فاستنقذوها من تبعات الدعوى يوم الخصام بالعمل والعلم الفاصل بين الحلال والحرام. حافظين مهامه اوقاتهم لمزارعة اليبر كيلا تغتصبها ابدي اللهو. في البداية والنهاية. غير راقدين في حللى الزهو اذ رقوا في معراج الدراية بالعناية والهداية. فكان القول المقبول عند الله قولهم والعمل الموزون بالقسطاس المستقيم عملهم. بل هو ارحج البينات على السعادة قياساً واستحسانا. واوثق الكفالات نجاة عند الله ورضوانا، والحلوة والسلام على مجلة الكمالات القدسية، محيطا بها كل برهان: وملتقى ابحر الفيوضات الفتحية، ازلاً وابداً باستصحاب كل زمان. المبعوث بتبيين خلاصة الملة البيضاء دليلا الى الصراط المستقيم. ويبدائع الشريعة المقدسة السمحاء، زخيرة الكشف من لدن حكيم عليم. فهي أساس النظر لمصالح الدين والدنيا. وسراج البصيرة والبصر، الـ تفتح قلوباً غلفا واعينا عميا بل جامعة الفصولين معاشاً ومعادا ونور العين تبصرة وارشادا، وعلى آله واصحابة. والمتأدبين بآدابه
وبعد فان مجلة الفقه لما كانت جزيلة المعنى، وجيزة المبنى، فوائدها فرائد تستوقف الفراقد. وتزرى بالقلائد، في نحور الخرائد، انتخبت مسائلها الاجتهادية مما هو الارفق، ولحال الزمان انسب واوفق. فطارت باجنحة السهولة والانسجام. والجة بغير استئذان آذان الانام. بضوابط وقواعد محكمة، فيما شجر بين الخصوم محكمة، وهي وان تداولتها اقلام الشراح لما تجل" في مقاتل محباتها القداح. ولما تلامسها كف شرح مستوفى يوشمها بكل بحث من غرائب الرغائب مستصفى. فبقيت عذراء في خدرها. يثيمة في ظلمات بحرها. يتداولهما الكثير من الورى، وكأنهم ينزلون منها على غير قرى. الى ان تطرزت بشرح ينشرح له الصدر. ويمتزج في القلوب امتزاج الماء بالظهر. سالكة في ميدان الاذهان، مسلك الرقاد من الاجفان. بتحرير يستنزل وعول المعاني من صعابها. ولا غرو فان البيوت تؤتى من ابوابها. من كل بحث يروض أفهاما حيارى في درك الحقائق قلوبها. ويروق في المعضلات إفهاما. وما دواء الادواء الاطيبها.
ذلك ما جاد به واجاده واصاب شاكلة المراد، من قله في رياض الطروس اوطف الاهداب. الا ان قطره سكب المعاني في الالباب. وبيانه هو السحر الحلال. الا انه نافث في مضايق الاشكال. ومن هو في عصره الذهب الابريز. بل العلم المرفوع الذي نصبه التمييز. علامة المحققين. فهامة ا هذه العبارة المدقين، سيدي واستاذي و كهني وملاذي، المرحوم والدي مفتي خمص الاسبق، ومن هو في حلبة المفتين الاغر الاسبق، السيد محمد خالد العطامي ثم المعروف بالاتامي، لا زالت الرحمة تصافح ضريحه وتواسي. وكان رحمه الله تعالى ابتدأ في شرحها من كتاب البيوع تاركاً قواعدها الكلية الى ان وصل الى المادة ???? فاخترمته المنية. وما بين ذلك من المادة (???) الى المادة (???) عشر مواد مقدار كراسين طرأ عليها الضياع من شرحه. فشرحت القواعد الكلية وذيلتها باتمام ما حال دونه اجله الى آخر الكتاب. ورفون ما كان مفقوداً من شرحه على المواد العشر التي استولى عليها الضياع. فتم محمد الله تعالى الكتاب. هذا ولولا مراجعة المغرور ين بي بلا إعذار، ما اقتحم ضب عجزى الحج هذا التيار. فكيف اجول في معارك ذوي الكر والحمل، ولم يعرف بناني كيف القبض على النصل. فكأني فيما اتيت اضم الى جوهره خرفاء او أزين بضع من بضاعتي المزجاة روضة أنفا، فاقول متوكلا على الله دوما توفيقي الا بالله، ولا حول ولا قوة الا بالله:
المقدمة
محتوية على مقالتين
المقالة الاولى
في تعريف علم الفقه وتقسيمه (¬1)
¬
(¬1) تنبيه: معلوم ان القواعد الكلية هي بمثابة ضوابط عمومية تنطوي على شروع كثيرة، منها ما هو داخل في المعاملات التي عقدت لها المجلة مختلف كتبها وابوابها، ومنها ما هو غريب عن ابحاث المجلة، اما لتعلقه بالعبادات المحضه، واما لخروجه عن غرض المجلة الشامل لعموم الطوائف واختصاصه بالطائفة الاسلامية وحدها كأحكام النكاح والطلاق وما يلحق بهما، واما لفوات محله من اصله كالأحكام المتعلقة بالرقيق مثلاً. وبما ان القواعد الكلية غير قاصرة من حيث شمولها واحاطتها على ابحاث المجلة بل تتناول غير ذلك من الابحاث التي عقد لها في المطولات الفقهية بيتة وثلاثون كتاباً اولها كتاب الطهارة وآخرها كتاب الفرائض، ومن حيث انها على يتعلق به احكام ولها قواعد اصولية ونظريات اجتهادية، وعلل واحكام تترتب على تلك العلل، كان من الواجب عدم اهمال مختلف فروعها من العلم النظري. وهذا ما حملنا على الاتيان ببعض امثلة وفروع قد لا تكون لها قيمة عملية كبرى وقد تكون نادرة الوقوع او غير داخلة في ابحاث المجلة، ولكنها وان تباعدت عنها في الجنسية، فانها تنقارب بوجودها تحت اصل واحد او ضابط واحد .. ونحسب ان في اثبات هذه الفروع حرصاً على بيان فوائد هذه القواعد و مشتملاتها وتنشيطاً للاذهان بعينها على النفوذ الى فلسفة الفقه ودقائق الاحكام وتفهم اصولها ومناشئها
هذا في القواعد الكلية. اما في غيرها من المواد المتعلقة بكتب المجلة فان الشرح سيكون قاصراً على ما تعانيه هذه المواد وتعالجه هذه الكتب
المادة 1 علم بالمسائل الشرعية العملية
اعلم انه لا بد لكل طالب فن ذي مسائل كثيرة ان يتصورها بضابط يحيط بها وهو المسمى بجهة الوحدة ليحصل له بها قبل الشروع شعور اجمالي بتلك المسائل اذ لولا ذلك. فاما ان لا يتصورها اصلاً فلا يتأتى الطلب لعدم امكان طلب المجهول من كل وجه. واما ان يتصورها لا بذلك الضابط بل بوجه اعم فلا يتصور طلبها بخصوصها. وان يعرف موضوعه اذ تمايز العلوم بتمايز الموضوعات. وان يعرف غايته واستمداده.
ثم لما كان تصور العلم يستفاد من تعريفه تعرض لتعريفه قبل الخوض به.
وقوله علم الفقه لفظ مركب من مضاف ومضاف اليه من إضافة الأعم الى الاخص. ثم نقل عن معناه الاضافي اعنى العلم المنسوب ا الى الفقه وجعل علماً على هذا الفن المخصوص من غير نظر الى اجزاء الاضافة. الفقه باعتبار المعنى الاضافي مركب دون المعنى اللقبي فانه مفرد لعدم دلالة جزئه على جزء معناه، فهو كاثر الفنون يجوز الاطلاق عليها بالاضافة وبغيرها يقال فقه وعلم الفقه. ومنطق وعلم المنظق. فلنتعرض اولاً لتعريف العلم من حيث هو بقطع النظر عن اضافه.
ذكر حجة الاسلام الامام الغزالي في المستصفى ما خلاصته: «أن الاتيان بجد يكون عبارة عن قول شارح يبين ماهية العلم وكنهه وحقيقته صعب اذ كثير من المدركات تحديدها كتعريف رائحة المسك وطعم العسل مثلا فكيف تحديد الادراكات اذ لو قلنا هو الادراك والمعرفة، فهو تعريف لفظي، لانه تعريف الشيء بما يرادفه. او قلنا هو معرفة المعلوم على ما هو به فهو عين الاول بتكرير وتطويل بما لا يخرجه عن كونه لفظياً. وان قيل في حده انه الوصف الذي يتأتى للمتصف به اتقان الفعل وإحكامه فهو
تعريف
رسمي لان هذا لازم من لوازم للعلم مع انه اخص ما قبله، لخروج العلم بالله تعالى وصفاته اذ لا يتأتى به اتقان فعل وإحكامه. والذي ارتاه انه يمكن الوقوف على ماهيته بتقسيم ومثال. فبالتقسيم تتميز عن غيره فاذا قوبل بالظن والشك يتميز عنها، اذ العلم عبارة عن الجزم ولاجزم فيهما. واذا قوبل بالاعتقاد الجازم فهنا يلتبس العلم بالاعتقاد لوجود الجزم في كل منهما.
ويفرق بينهما ان الاعتقاد يحصل للمقلد عن دون علم اذ يجوز ان يعتقد الشيء جزماً على خلاف ما هو به ل عن بصيرة. ويجوز ان يعتقد الشيء على ما هو به يجرد التلقين والتلقي مع الجزم الذي لا يخطر بباله غير ..
وعن هذا تبين ان الاعتقاد عقدة على القلب ترسخ في قلب المقلد من دون خطور نقيضه بالبال. وهذا من جنس الجهل وان طابق الواقع. ولهذا ترى اعتقاد المقلد قابلاً للتزلزل بالقاء تشكيك أو شبهة، بخلاف العالم فان القاء الشبه والتشكيك لا تؤثر على علمه.
واما المثال فهو ان ادراك المعقولات يفهم بالمقايسة بالبصر الظاهر كيف يطبع مثال صور المحسوسات على ما هي عليها في القوة الباصرة. فالعقل كالمرآة تنطبع فيه صور المعقولات على ما هي عليها، فالمثال بسين
حقيقته ا. ملخصاً.
واعترضه الآمدي في إحكام الأحكام. بان هذا غير سديد، لان القسمة ان كانت مميزة له عما سواه فلا معنى للتحديد بالرسم الا هذا قال في تعريفه: (العلم عبارة عن صفة يحصل بها لنفس المتصف بها التميز بين حقائق المعاني الكلية حصولاً لا يتطرق اليه احتمال نقيضة.»
وامما تعريفه باعتبار اضافته الى الفقه، علماً عليه، فهو كما قال علم بالمسائل * كالجنس يشمل سائر العلوم. ولما كانت مسائل الفقه بعضها قطعياً وبعضها ظبياً اراد صاحب المرآة بالعلم هنا التصديق بمعنى الاعتقاد الراجح الشامل للظن والتقليد. لكن مسائله الظنية، حيث كان العمل بها واجباً تعبداً، فما المانع من ان يكون المراد من العلم المتعلق بها هو الادراك القطعي، وان كانت ظنية في نفسها. تأمل والمسائل جمع مسئلة، هي القضايا التي موضوعاتها موضوع العلم، اما مطقا، نحو: فعل المكلف فرض او واجب او مندوب او مباح او محظور. أو مقيداً بعرض ذاتي نحو: الفعل المفروض يوجب الثواب وبنجي من
العقاب او على نوع الموضوع اما مطلقاً نحو: الصلوة عماد الدين، او مقيداً نحو: الصلوة الفرضية يجب اداءوها. او على عرض ذاتي له اما مطلقاً نحو: الفاسد صحيح باصله، او مقيداً: نحو الفاسد المعنى في نفسه باطل وعلى هذا. (الشرعية) اي الموقوفة على خطاب الشارع. خرجت الاحكام العقلية كالحكم بحرارة النار. والاصطلاحية كالحكم برفع الفاعل (مرآة الاصول) ة إعملية اي المتعلقة بكيفية العمل وهي الصفة القائمة بالعمل من الاوصاف الخمسة من الوجوب والحرمة وغيرهما (مرآة وازميري باختصار) والمسائل الفقهية اما ان تتعلق بامر الآخرة وذلك ان الحق تعالى تعلقت ارادته بايجاد هذا النوع الاتساني، واودع فيه العقل ليهتدى به الى معرفة ذاته وصفاته وسائر الاعتقادات الصحيحة للتوصل بذلك الى السعادة الابدية. ولتكميل عقولهم فرض عليهم العبادات البدنية لحق الربوبية والعبودية، والمالية لحق شكر النعمة عناية منه وكرما. واما ان تتعلق بامر الدنيا وفي تنقسم الى مناكمات * هي مع النية عبادة من وجه لما فيها من تكثير نسل المسلمين والإعفاف ونحوه. ومعاملة من وجه لكونها من العقود التي تتعلق بها ايضاً مصالح دنيوية. ومعاملات كالمقود والفسبوخ من البيع والاجارة والمزارعة والشركة واقالاتها ونحو ذلك من سائر العقود المحتاج اليها لضرورة المعاش. وعقوبات تدرأ المفاسد وتقوم بصلاح الخلق في تحصيل مقاصدهم على منهج الشرع لان مقصود الشرع من الخلق ان يحفظ عليهم دينهم وانفسهم وعقولهم وانسابهم وانسالهم واموالهم. وهذه امهات المصالح قد اتفقت عليها سائر الشرائع قبل شريعتنا وهي نواميس الاصلاح وبالمحافظة عليها يقوم نظام العالم. وعن هذا اوجب الشرع عقوبة المبتدع الذي يدعو الناس الى ضلال بدعته حفظاً لدينهم. والقصاص حفظاً لنفوسهم. وحد الشرب الشوالهم التي هي ملاك التكليف. وحد الزنا حفظاً لإنسابهم وانسالهم. وحد السرقةوايجاب زجر الناصبين حفظاً لاموالهم.
ولهذه المشروعات لواحق دونها في المرتبة هي من المتممات والمزينات لا حاجة البحث عنها فارجع اليها في كتب الاصول فسمانه من اله ما ابهر حكمته. واعلم ان الله تعالى خلق الانسان وركب فيه ثلاث قوى: شهوبة وغضبية تؤديان الى الفساد وسفك الدماء. وعقلية تدعوه الى المعرفة والطاعة مقاومة للقونين الأوليين. فبالعقوبات تعتدل القوتان فلا يؤديان الى مضادة العقل بالافساد وافتاء البشر بعضهم بعضاً في سبيل المنازعات. راجع تفسير قوله تعالى (واذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الارض خليفة - الآية) تعلم ان عمران الارض لا يقوم الا بالبشر لما ركز في في قواهم الحسية والباطنية من الادراكات لاستنباط الصنائع واختراع الآلات ولهذا قال: فان الباري اراد بقاء نظام هذا العالم الى وقت قدره اي
آخر ايام الدنيا قبيل يوم القيمة وهو انما يكون ببقاء النوع الانساني اشارة الى شرعية العقوبات وذلك يتوقف على ازدواج الذكور مع الاناث * اشارة الى شرعية النكاح ثم ان بقاء النوع الانساني انما يكون بعدم انقطاع الاشخاص وانقطاعها انما يكون بسبب قوتي الشهوة والغضب في الانسان المؤديين الى الفساد الذي شرعت العقوبات لدفعه. والانسان بحسب اعتدال مزاجه يحتاج في البقاء الى الامور الصناعية في الغذاء واللباس والمسكن لانه مدني الطبع لا يقدر ان يعيش منفرداً كسائر الحيوانات وذلك ايضا يتوقف على التعاون والتشارك بين الافراد اذ لا يمكنه تدارك اسباب معيشته منفرداً بان يتدارك غذاء. المتوقف على وسائط كثيرة كاستخراج معادن لحديد للحرث واضطناع آلات الزراعة وحصاد الزرع ودياسته وطحنه وخبزه وطبخ طعامه. وهكذا في ادوات اللباس والمسكن فلا يستطيع ان يعيش مستقلاً بنفسة والحاصل ان الانسان من حيث انه مدني الطبع لا يمكن ان يعيش على وجه الانفراد كسائر الحيوانات بل يحتاج الى التعاون والتشارك يبسط بساط المدنية والحال ان كل شخص يطلب ما يلائمه ويغضب على من ينازعه ولو طلبوها بالمدل لارتفعت الخصومات. ولكن طالبوها بالشهوات فتولدت منها المنازعات فلاجل بقاء العدل والنظام ينهم محفوظ اين من الخلل يحتاج الي قوانين مؤيدة شرعية في امر الازدواج وهي قسم المناكمات من علم الفقه وهي ايضا قسم من المعاملات من وجه. فالمشروعات ثلاثة: عبادات ومعاملات وعقوبات. والعبادات خمسة: الصلوة والزكوة والصوم والحج والجهاد. والمعاملات اربعة: المعاوضات المالية والمناكمات والمخاصمات والامانات .. والعقوبات خمسة: القصاص وحد الزنا وحد السرقة وحد الشرب وحد القذف ويلحق بذلك التعزير وقد وقعت المباشرة بتأليف هذه المجلة من المسائل الكثيرة الوقوع في المعاملات غب استخراجها وجمعها في الكتب المعتبرة وتقسيمها الى كتب وتقسيم الكتب الى ابواب والابواب الى فصول. فالمسائل الفرعية التي تصير معمولاً بها في المحاكم هي المسائل التي ستذكر في الابواب والفصول. الا ان المحققين من الفقهاء قد ارجعوا المسائل الفقهية الى قواعد كلية كل منها ضابط وجامع لمسائل كثيرة وتلك القواعد مسلمة معتبرة من الكتب الفقهية لان مدلول قضاياها بصدق بلا تردد تتخذ ادلة لاثبات المسائل وفهمها في بادىء الامر لكن ربما يعارض بعض فروع تلك القواعد اثر او ضروره او قيد او علة مؤثرة تخرجها عن الاطراد فتكون مستشاة من تلك القاعدة معدولاً بها عن سنن القياس اما بالاثر كالسلم والاجارة في بيع المعدوم، واما بالاجماع كالاستصناع، واما بالضرورة كطهارة الحياض والآبار، واما بالقياس الخفي المعبر عنه بالاستحسان (وهو ما قوي اثره) يقدم على القياس الجلى كسور سباع الطير اذ المعتبر هو الاثر لا الظهور - مرجع ذلك
كتب الاصول. مثلاً: الولد يتبع الام في الرق والحرية. هذه قاعدة. قال في البدائع: فلو وجد رجل لقيطاً وادعى انه ابني من زوجتي فصدقته فهو ابنهما حرة كانت او امة غير انها ان كانت حرة كان الابن حراً بالاجماع. وان كانت امة كان ملكاً لمولى الامة عند ابي يوسف رحمه الله تعالى. وعند محمد يكون حراً.» وجه قول محمد ان نسبه وان ثبت من الامة لكن في جمله تبعاً لما في الرق مضرة بالصي، وفي جمله حراً منفعة له، فيتبعها فيما ينفعه لا فيما يضره. فانظر كيف خرجت هذه المسئلة عن القاعدة على قول محمد.
يوجب الاستئناس بالمسائل ويكون وسيلة لتقرير المسائل في الاذهان اي يتنور بها المقلد ولا يتخذها مداراً للفتوى والحكم. فلعل بعضاً من حوادث الفتوى خرجت عن اطرادها لقيد زائد او لأحد الاسباب المتقدم ذكرها. وهذا يحتاج الى نظر دقيق وتبحر عميق يجرى تلك القواعد في مشتملاتها الحقيقية ويستثنى منها ما خرج عنها بقيد أو سبب من الاسباب المارة.
فلذا جمع تسعون قاعدة فقهية وحررت مقالة ثانية في المقدمة على ما سيأتي ثم ان بعض هذه القواعد وان كان بحيث اذا انفرد يوجد من مشتملاتها بعض المستنيات للاسباب المارة ولون لكن لا تختل بذلك كايتها وعمومها من حيث المجموع لما ان بعضها يخصص او يقيد بعضاً آخر مثلاً: المادة السادسة (القديم يترك على قدمه (خص من عمونها (الضرر لا يكون قديماً) وهذا التخصيص لا ينفي عمومها فيما بقى. واذا قلنا كل احد يتصرف في ملكه كيف شاء فهذه قاعدة يستثنى منها ما اذا تعلق به حق الغير. «انظر مادة ????» ويستثنى منها ايضا مثل المرهون والمأجور.
واما موضوعه فافعال المكلفين من حيث يبحث فيه عما يعرض لها من حل وحرمة ووجوب وندب وهى العوارض الذاتية كما تقدم. واما فعل غير المكلف فايس من موضوعه كفعل الصبى والمجنون. والمخاطب بضمان ما اتلفاه وبنفقة زوجاتهما هو الولى كما يخاطب صاحب البهيمة بضمان ما اتلفته حيث فرط في حفظها (رد المحتار).
تنبيه تمام مالون المراد بفعل المكلفين المعنى الحاصل بالمصدر وهو الوصف الموجود للفاعل كالهيئة التي تسمى صلوة من القيام والقراءة والركوع والسجود. وكالهيئة التي تسمى صوماً وهي الامساك عن المفطرات بياض النهار وقد يطلق على نفس ايقاع الفاعل هذا المعنى ويقال فيه الفعل بالمعنى المصدري. والتكليف انما يتعلق بالمعنى الاول لا الثاني. لان الفعل بالمعني الثاني اعتباري لا وجود له في الخارج. اذ لو كان موجوداً لكان له موقع فيكون له ايقاع فيتسلسل (نهر ملخصاً). و استمداده من الكتاب والسنة
والاجماع والقياس. وغايته الفوز بسعادة الدارين اذ به يعرف الحرام من الحلال.
المقالة الثانية
في بيان القواعد الفقهية
المادة 2 الامور بمقاصدها يعني ان الحكم الذي يترتب
على امر يكون على مقتضى ما هو المقصود من ذلك الامر.
اي ان الحكم الذي يترتب على فعل المكلف ينظر فيه الى مقصده فلى حسبه يترتب الحكم تملكة وعدمه، ثواباً وعدمه، عقاباً وعدمه، مواخذة وعدمها ضماناً وعدمه.
فهذه قاعدة جامعة مستنبطة من الحديث المشهور اخرجه الائممة السنة وهو قوله صلى الله عليه وسلم، انما الاعمال بالنيات. ومن تدبر مسائل النية في متفرقات الابواب وجدها في العبادات بكمالها اعني الطهارة والصلوة والزكوة والصوم والحج.
وبناء على اعتبار النية لا تصح العبادة من المجنون لانه ليس من اهل النية، ولا عقوده كالبيع والهبة والنكاح. وفي الطلاق حتى لو قال لامرأته طلتي نفسك ونوى به الثلاث صحت نيته، حتى لو قالت طلقت نفسي ثلاثا كان ثلاثاء لان المصدر يصير مذكوراً في الامر لان معناه حصلى طلاق). والمصدر يقع على الواحد ويحتمل الكل فاذا نوى الثلاث فقد نوى ما يحتمله لفظه وان لم يكن له نية ينصرف الى الواحد لكونه متميناً. (بدائع وغيره) وفي الظهار فلو قال انت علي كامي، او مثل امي، يرجع الى نيته: فان نوى الظهار فمظاهر، او الكرامة كان كرامة، او الطلاق كان طلاقاً، او اليمين كان ايلاء، لان اللفظ يحتمل كل ذلك. وفي الايمان بشرط ان يكون الخالف مظلوماً ونوى غير ما حلف عليه (بدائع). وفي المباحات اذا قصد بها التقوى على الطاعة والتوصل اليها بناب. وفي عدم القطع اذا قصد السارق اخذ الدين من مديونه.
وفي فسخ من اسلم على اكثر من اربع كمن عنده ثماني زوجات فاسلم فقال لاربع منهن فسخت نكاحكن ان قصد به الطلاق كان اختياراً لنكاحمن. فكأنه قال اخترت نكاحكن فطلقتكن. وان لم يقصد به الطلاق كان اختياراً لفراقين ونكاح الباقيات. وفي اللقطة يضمنها بنية اخذها لنفسه، وبنية ردها لصاحبها لا. لكن النية امر باطن لا يطلع عليه فعليه الاشهاد للتخلص من الضمان عند ابي حنيفة. وقالا مجرد نية الرد لا توجب عليه الضمان.
والمودع اذا اخرج الوديعة بنية لبسها فهلكت قبل اللبس يضمن. وان لم تكن بتلك النية لا يضمن. ثم اذا عاد الى الوفاق بان نزعها عنه ليرجعها إلى الحفظ فهلكت انما لا يبرأ من الضمان لانه بعد دخولها في ضمانه فنية ارجاعها الى الحفظ أمر باطن. ومن فروعها من وضع اناء. تحت المطر ليملأه ما فهو ملكه كما في مادة (1250). ومنها ركوب الداية بنية ردها لصاحبها ام لغير ذلك. ومنها نصب شبكة للعيد كما في مادة (1303) ومثله مادة (1304) وبحسب النية يأثم في وطاء زوجته على ظن انها اجنبية. وفي شرب الماء على ظن انه خمر. وفي قتل قاتل مورثه يظن انه معصوم الدم. فينسق لقصده الزنا والقتل ولا يجد. واما لو خاطب امرأته بانت طالق، او قنه بانت حر، يقع الطلاقوالعنق وان ظنها اجنبيين لمصادفه محلا غير متوقف على نية العتق.
وفي كنايات الطلاق اذا لم تكن فيه مذاكرة لا يقع الا بالنية خلا لفظ الحرام. وعند المذاكرة يقع الطلاق قضاء لقيام المذاكرة مقام النبية كما في معتبرات المذهب وفي اشياء السيوطي: (وقد قيل في قوله صلى الله عليه وسلم «نية المؤمن خير من عمله» ان المؤمن يخلد في الجنة وان اطاع الله مدة حياته فقط الان نيته انه لو بقي أبد الآباد لاستمر على الايمان، فجوزي على ذلك بالخلود في الجنة. كما ان الكافر يخلد في النار وان لم يعص الله تعالى الا مدة حياته فقط، لان نيته الكفر ما عاش) واعلم ان النية كما تكون في الافعال تكون في التروك. والفرق بينهما انها اذا كانت في الافال ينظر: في قسم العبادات يشترط لها النية ولا تصح بدونها الا اذا كانت العبادة غير مقصودة لذاتها كالوضوء والطهارة من الاخباث وستر العورة للصلوة فلا يشترط فيها النية لصحة الصلوة، بل للثواب فقط. وفي المعاملات فالبيع بلفظ الماضي والاجارة والاقرار والوكالة والابداع والقذف والسرقة لا تتوقف على النية (اشباء ملخصاً) واما التروك فلا تشترط النية في ترك المنهي عنه، بل يخرج عن العهدة لمجرد الترك وان لم ينو، ولا ثواب له على الترك، لانه عدم الفعل، والنية انما تتعلق بالأفعال لا بالاعدام. فان كف نفسه عن الزنا مثلا خوفا من الله تعالى، وهو قادر على الفعل فله الثواب لان الكف في هذه الصورة فعل تتعلق به النية وتأييد ان الكف عن المنهي عنه فعل مذكور في شرح التلويح على التوضيح للعلامة التفتازاني في «فصل اختلفوا في الأمر والنهي». وفي الجزء الثالث من البدائع ص 190 عند بيان احكام العدة فارجع اليهما ان شئت.
و اعلمان حديث «انما الاعمال» من باب المقتضى فلا بد فيه من تقدير ضرورة صدق الكلام النبوي المنزه عن الخلف. لكثرة وجود الاعمال بدونها. ولا يكون المقدر عاما لان ما للضرورة يقدر بقدرها. اي حكم الاعمال وهو الحكم الخاص بالاخروي اعنى عدم الثواب، لا الدنيوي اي عدم الصحة، لوجود
دليل ينفي ذلك وهو وجود الحكم الاخروي دون الدنيوي. والعكس: فقد يرتفع الاثم ويبقى الضمان. فلولا الاجماع على ان الاخروي مراد، توقف عن العمل به لا جماله فيها. وحيث ثبت الاجماع على ارادته انتفى الكل بلا مقتضى اه (تحرير) والحاصل ان المقتضى لا عموم له عندنا خلافا المشافعي ودليل كل مبسوط في محله.
المادة ? - العبرة في العقود للمقاصد والمعاني لا للالفاظ
والمباني ولذا يجري حكم الرهن في بيع الوفا.
العقود جمع عقد وتعريفه كما في مادة (???» التزام المتعاقدين وتعهدهما امراء والالف واللام للاستغراق، يعنى ان سائر العقود، العبرة والعمل المعانيها المقصودة منها، وتبدل الالفاظ لا يصرفها عن المقاصد التي وضعت لها بالوضع الشرعي. فلو قال اعرتك هذه الدار كل شهر بكذا، او اعطيتك اياها بكذا، او قالت لمن يريد نكاحها وهبتك نفسي بكذا، او قال المديون لدائنه: يعتك هذا الثوب بالالف التي لك علي، على اني ان اديتك الالف استرده، وهكذابه فقبل الاخر، فالاول اجارة، والثاني بيع، والثالث تزويج، والرابع رهن. وهذه الالفاظ لا تخرج العقود عن معانيها ومقاصدها الموضوعة لها، بل يترتب عليها احكام الاجارة والبيع والنكاح والرهن.
ولها فروع كثيرة: فلو اشترى شيئاً بدراهم، ودفع الى البائع ثوباً وقال له امسك هذا الثوب حتى اعطيك الثمن، فالثوب رهن لانه اتى بمعنى العقد والعبرة في باب العقود للمعاني (بدائع). ومنها ما في كفالة البحر: الوصاية حال حياته وكالة، والوكالة بعد موته وصاية، لان المنظور اليه المعاني. ومنها ان الهبة اذا كانت بشرط العوض وكان احد العوضين عقاراً وتقابضا، وجبت الشفعة في العقار للشفيع لان الهبة باعتبار شرط العوض بيع انتهاء (بدائع). ومنها ان الدار التي هي بدل صلح يجب فيها الشفعة مطلقاً سواء كان عن اقرار او انکار او سکوت، لان عقد الصلح على دفعها للمدعي وان كان بلفظ المصالحة الا ان هذا العقد لما كان تعويضا عن المدعى به كان في معنى البيع والعبرة في العقود للمعاني. وكذا اذا كانت الدار مصالحاً عنها عن اقرار لهذا المعنى.
قال شارح المجلة المرحوم سليم باز اللبناني نقلا عن الاشباه: ويخرج عن هذه القاعدة مسائل. منها اذا قال احد لآخر بقصد ان يهبه ماله بعتك مالي هذا بدون ثمن فيبعل لفظ البيع ولا يحمل على الهبة ولوكان قصد المتكلم الهبة. ومنها لو قال لاخره بقصد ان بعيره منزله، آجرتك منزلي هذا بدون كراء فلا
يحمل قوله على الاعارة وان كانت المقصودة بكلامة اه.
يقول العاجز او دقتمنا النظر ترى الفرعين غير داخلين في القاعدة حتى يستثنيا منها نعم هو استثناء منقطع وذلك لان البيع لفظ شرعي وضع للمعاوضة، ولا يكون الا ثمن، ولا يصح التجوز به عن الهبة. لان الشرط المجوز للتجوز ان يكون المعنى المشترك بين التجوز والمتجوز عنه على وجه يكون في المتجوز عنه اقوى منه في المتجوز. ومن المعلوم ان معنى البيغ اقوى منه في الهبة. وهكذا في الاجارة بالنسبة للعارية فتكون هذه الصيغة لغوا واللغو باطل لا يبنى عليه حكم.
وعن هذا منعت الحنفية استعمال لفظ الطلاق في الاعتاق. وجوزت حيث لا قوة في المعنى المتجوز استعمال لفظ الحوالة في الكفالة وبالعكس. وشرط براءة الاصيل قرينة في جمل الكفالة مجازاً عن الحوالة. وعدمها قرينة في جعل الحوالة مجازا عن الكفالة. والجامع هو ولاية المطالبة في كل منهما (تحرير)
ومن باب استعمال لفظ الحوالة في الوكالة ما اذا افترق المضارب ورب المال وليس في المال ربح يقال للمضارب احل رب المال على المدينين اب وكله بالقبض اه (تحرير ملخصاً).
والحاصل ان الفرعين المتقدمين حيث لم يضح استعمالهما في حقيقة البيع والاجارة الشرعيين ولا التجوز بهما عن الهبة والاعارة وقما لغواً فتأمل منصفاً والحق بهذه القاعدة ما في رد المحتار عن الفلم حيث قال: فرع يثبت الوقف بالضرورة، وصورته ان يوصي بغلة هذه الدار للمساكين ابداً، او لفلان وبعده للمساكين ابدا، فان الدار تصير وقفاً بالضرورة. والوجه انها كقوله اذا مت فقد وقفت داري على كذا اه. اي فهو من المعلق بالموت، ينفذ من الثلث.
ومنها ما في البحر: لو قال اشتروا من غلة داري هذه كل شهر بعشرة دراهم خبزاً وفرقوه على المساكين صارت الدار وقفا. قال في رد المحتار: ومقتضاه ان الدار كلها تصير وقفاً من ثلث ماله، اي وان اتى بمن التبعيضية، ويصرف منها الخبز الى ما عينه الواقف والباقي الى الفقراء هذا كله بالنظر للمقاصد والمعاني لا للالفاظ والمباني.
المادة 4 - اليقين لا يزول بالشك
اليقين عند الفقهاء هو جزم القلب بوقوع الشيء او عدم وقوعه. ويليه الظن الغالب وهو تجويز احدهما اقوى من الآخر فهو بمنزلة اليقين حكماً.
والشك هو التردد في وقوع الشيء وعدم وقوعه على السواء. وبعبارة اخرى تجويز امرين لا مزية
لاحدهما على الآخر) حموي واشباه) يعني ان الامر المتيقن ثبوته لا يرتفع الا بدليل قاطع ولا يحكم بزواله بمجرد الشك. كذلك المتيقن عدم ثبوته لا يحكم بثبوته بمجرد الشك لان الشك اضعف من اليقين فلا يعارضه ثبوتاً وعدماً. نعم اليقين قد يزول بيقين مثله. والقواعد الاتية من الخامسة الى الثانية عشر كلها مستخرج من هذه القاعدة.
ومن فروعها ما نصوا عليه من عدم جواز البيع مجازفة في الاموال الربوية كالمكيلات والموزونات لان المماثلة ببيعها شرط محقق. والماثلة في المجازفة مشكوك فيها فلا تثبت الصحة، بناء على الاصل المقرر وهو ان الحكم المعلق على شرط او المشروط بشرط اذا وقع الشك في وجود شرطه لا يثبت، لان ما ليس ثابتاً بيقين يثبت بالشك. كما ان الثابت بيقين لا يزول بالشك. فالمتيقن بالطهارة مثلاً اذا شك بالحدث فهو متظهر.
ومنها ما في الاشباه وغيرها ان الاستصحاب حجة يصلح للدفع لا للاستحقاق. ففي صورة كونه يصلح للدفع يدخل تحت قاعدة اليقين لا يزول بالشك. فالمفقود وهو الذي غاب عن بلده ولا يعرف خبره انه حي او ميت تجري عليه احكام الاحياء فيما كان له فلا يورث ماله ولا تبين امرأته لان حياته حين تغيبه متيقنة وموته قبل المدة المضروبة شرعا مشكوك فيدخل تحت قاعدة اليقين لا يزول بالشك.
واما فيما لم يكن له فتجري عليه احكام الاموات فلا يرث احداً الا ببرهان على حياته كأنه ميت حقيقة لان الثابت باستصحاب الحال يصلح لابقاء ما كان على ما كان ولا يصلح لاثبات ما لم يكن. ولهذا قالوا الاستصحاب حجة يصلح للدفع لا للاستحقاق.
ولكونه لا يصلح للاستحقاق ذكر في الاشباه ان الشخص اذا يبيع من الدار وطلب الشريك الشفعة فانكر المشتري مللك الطالب فيما في يده فالقول له ولا شفعة له الا بينة.
ومنها ما في المادة (1536) وما يليها ان الابراء على قسمين ابراء استقاط و ابراء استيفاء. وان ابراء الاسقاط ان يبرأ احد الآخر باسقاط تمام حقه الذي هو على الآخر او يحط او ببراً مقداراً منه عن ذمته. وابراء الاستيفاء هو عبارة عن اعتراف احد بقبض واستيفاء حقه الذي هو في ذمة الآخر. وابراء الاسقاط قسمان خاص وعام. فالخاص هو ابزاء احد اخر عن دعوى متعلقة بخصوص مادة. والعام ابراء احد الاخر من كافة الدعاوي فعلى هذا لو ابرا الدائن مديونه عن الالف التي في ذمته، ثم ادعى فبرهن
المديون على الاداء او الابراء، ثم برهن الدائن ان له عليه الفا، لم تقبل حتى يبرهن انها حادثة بعد الابراء، لاحتمال انها الالف التي برهن المديون على ادائها او ابرائه منها.
كذلك لو ثبت بالبينة ان زيداً ابراً عمراً ابراء عاماً، ثم ادعى زيد حقا بدون تاريخ لا تسمع دعواه. لان الابراء ودعواه تحتمل انها بالحق الذي سقط بالابراء او انها بحق حدث بعده فلا تسمع الا ان يبرهن ان ذلك الحق حدث بعد الابراء العام لان اليقين لا يزول بالشك.
المادة 5 - الاصل بقاء ما كان على ما كان
يعني ان الذي ثبت على حال في الزمان الماضي ثبوتا او نفياً، يبقى على يعني حاله ولا يتغير ما لم يوجد دليل بغيره.
وهو وهذا الاستصحاب. مأخوذ من الاستصحاب اللغوي وهو الملازمة وعدم المفارقة. والاستصحاب اقسام منها استصحاب النص الى ان يرد وعدم نسخ. ومنها استصحاب العموم الى ان يرد تخصيص. فهذان يبحث عنها علماء الاصول. واما بحث الفقهاء فمن استصحاب حكم دل الشرع على ثبوته ودوامه كالملك عند جريان العقد الممالك. وكشغل ذمة المتلف عند وقوع الاتلاف منه. وذمة المديون عند مشاهدة استدانته.
والاستصحاب ليس بحجة دافعة الا اذا دل الدليل على ثبوته ودوامه بشرط عدم المغير من اقالة او ضمان او ابراء ذمة المديون بايفاء او ابراء وهل هو عبارة عن تحكيم الحال الذي اشارت اليه مادة (1683) اي بابقاء ما كان على ما كان ماضياً او حالاً. فاقول: الاستصحاب يكون على هذا نوعين: الاول ان الشيء اذا كان على حال في الزمان الماضي فهو على حاله في المستقبل ما لم يوجد ما يغيره - الثاني ان الشيء الذي على حالته الحاضرة أنه كان عليها في الزمان الماضي ما لم يوجد دليل بغيرها ويسمى الاستصحاب المعكوس.
فقول المجلة الاصل بقاء ما كان على ما كان اشارة الى الاستصحاب بمعنى النوع الاول. ومن تحكيم الحال في المادة (1683) يفهم التعرض للنوع الثاني. وكلاهما من نوعي الاستصحاب. لما في فتح القدير عند: فصل بالقضاء بالموار بث: ان الاستصحاب يكون من الماضي للمحال، ومن الحال الى الماضي ومن فروع النوع الاول مسئلة المفقود الذي انقطع خبره ولم يعلم موته ولا حياته وذلك لانه حين تغيبه كانت حياته محققة. فما لم يوجد دليل على موته حقيقة او يحكم بموته بعد اكمال نسمين سنة من عمره او
لموت اقرانه ليس لورثته اقتام ماله ولا تؤخذ وديعته من مودعه، ولا تتزوج امراته باخر، الى غير ذلك مما هو مسطور في بابه.
ومن فروع النوع الثاني ما في مادتي ?776 و ???? من الاختلاف في جريان ماء الطاحون، وفي طريق الماء الذي يجري الى دار احد بانه حادث او قديم.
ثم لما كان الاستصحاب حجة للدفع لا للاستحقاق فالمفقود لا يكون استصحاب حياتة حجة ملزمة للارث من بغيره. حتى لو مات رجل عن نشتين وابن مفقود، والمفقود بنتان وابن، والفركة في يد البنتين، والكل مترون بفقد الابن واختصموا للقاضي، لا ينبغي له ان ينزع المال من بد البنتين بل يقضى لهما بالنصف ميرانا با ويوقف النصف في ابديها على حكم ملك الميت. فان ظهر المفقود حيا دفع اليه. وان ظهر مينا حقيقة أو حكماً يعطى البنتان سدس كل المال من ذلك النصف. والثلث الباقي لاولاد الابن للذكر مثل حظ الأنثيين (تنوير و در مختار ورد المحتار.) وقد ذكر في المداية في فصل القضاء بالمواريث مسئلتين كل واحدة منها تحتوي على نوعي الاستصحاب. الاولى مات نصراني فجاءت امرأته مسلمة وقالت اسلمت بعد موته فأستجق في ميراثه - وقالت الورثة اسلمت قبل موته. فالقول قول الورثة عند المتنا الثلاثة. وجهه ان سبب الحرمان قائم في الحال فيثبت فيما مضى تحكيماً التحال كما في جريان ماء الطاحون.
وقال زفر القول قولها لان اسلامها حادث والحادث يضاف الى اقرب اوقاته كما سيأتي في المادة (??) وقولهم هو الأرجح. وجهه ان هذه المسئلة اجتمع فيها لاستصحاب بنوعيه. استهداب الماضي الحال والعكس. اما الاول فلان نصرانيتها كانت ثابتة فيما مضى ثم جاءت مسلمة وادعت اسلاماً حادثا في النظر الى ما كانت فيما مضى - والاصل فيه ان يبقى الى ما بعد موته كما يقول زفر هو من النوع الاول كمياة المفقود. وبالنظر الى اسلامها في الحال - والاصل فيه ان يكون موجوداً فيما مضى كما نقول انمتنا الثلاثة - هو من النوع الثاني كجريان ماء الطاحون. فلو اعتبرنا الاول حتى كان القول قولها كان استصحاب الحال مثبت: هو باطل، فاعتبرنا الثاني ليكون دافعا فكان القول قول الورثة.
المسئلة الثانية: مات مسلم وله أمرأة نصرانية فجاءت مسلمة بعد موته، وقالت اسلمت قبل موته، وقالت الورثة اسلمت بعد موته، فالقول قول الورثة ايضاً، ولا يحكم الحال لان نصرانيتها كانت ثابتة فهو استصحاب من الماضي الي الحال. والنظر الى اسلامها يقتضي ان يكون ثابتا قبل موته فهو
استصحاب من الحال الى الماضي. فاعتبار النوع الاول يكون دفعا. واعتبار النوع الثاني يكون استحماقاً وهو باطل. واعتبرنا النوع الاول.
قال في العناية: وفيه نظر، لان زفر لم يجعل استحقاقها للميراث باستصحاب الحال بل بأن الاصل في الحادث الاضافة الى اقرب الاوقات. ويجوز ان يجاب بان ذلك ايضا ظاهر. والظاهر استصحاباً كان او غيره لا يعتبر للاستحقاق على انه يستلزم العمل بالاستصحاب - اي يكون مجيئها مسلمة الخ. دالا على الاستصحاب استاراماً لا صراحة.
وحيث كان استصحاب الحال يصلح للدفع لا للاستحقاق، قال في الفتح: فان قبل اعتبار الحال في ماء الطاحون شاهداً للماضي عمل باثبات الاستحقاق بالاستصحاب - فان" به يستحق مالكها اجر الماضي اذا كان جاريا. اجيب: بان هناك اتفقا على وجود سبب الوجوب وهو العقد، ولكن اختلفا في التأكيد اي تاكيد الوجوب. والظاهر بصلح حجة للتأكيد.
وفي مسئلة الميراث نفس السبب مختلف فيه، وهو الزوجية مع اتفاق الزوجين في الدين عند الموت. واستشكل بما ذكر محمد في الاصل: اذا مات وترك ابنين فقال احدهما مات ابي مسلما وقد كنت مسلما حال حياته، وقال الاخر صدقت وانا ايضا اسلمت حال حياته، وكذبه الابن المتفق على اسلامه وقال بل اسلمت بعد موته فالقول للابن المتفق على اسلامه، ولم يجعل الحال حكماً على السلامه فيما مضى مع قيام السبب في الحال وهو البنوة. أجيب: بانه انما يصار لما ذكر من الطريق اذا اختلفا في تمام الماضي في ثبوت ما هو ثابت للحال. واما اذا اختلفا في مقدار منه، فلا يصار الي تحكيم الحال وان كان السبب قائما: حتى ان في مسئلة الطاحون اذا اتفقا على الانقطاع في بعض مدة الاجارة، بان قال المستاجر كان الماء منقطعا شهرين، وقال الآجر شهراً، فالقول للمستأجر مع يمينه، منقطعا كان الماء او جاربا في الحال. لانها اختلفا في جريان مقدر وهو غير ثابت للحال. وفي مسئلة الابنين ومسئلة الكتاب الاختلاف واقع في مقدار مدة الاسلام لا في نفس الاسلام انه كان او او لم يكن. والثابت في الحال نفس الاسلام لا سلام لا اسلام مقدر. فهذا هو المأخذ في المسئلة.
ويوافق قاعدة الاستصحاب ما ذكره الاصوليون ان شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد نص بخلافه.
المادة 6 - القديم يترك على قدمه
يعني القديم المشروع ما لم يوجد دليل على خلافه، يترك على حاله لحسن الظن بالمسلمين بانه ما
وضع الا بوجه شرعي (خيرية في الحيطان). لان الاصل كما في المادة قبلها بقاء ما كان على ما كان - وحده عند الفقهاء كما في مادة (166) ما لا يعرف اوله اي لم يوجد احد ادرك زمان احداثه. فعلى ما ياتي في مادة (1224 (هذه القاعدة تجوي في حق المرور والمجرى والميل وحق الشرب او احداث زيادة كوة من احد الشركاء في النهر الخاص، وحين الاختلاف في وقف قديم جهلت شروطه، ووجد تعامل قديم على شيء، فالخصومات في هذه كلها تفصل على مقتضى هذه القاعدة انظر المواد 1224 و 1229 و 01236 وهذه القاعدة فرع القاعدة قبلها بينهما، عموم وخصوص مطلق، لان بقاء ما كان على ما كان شامل للقديم والحادث الذي يعلم له اول وهذه في القديم الذي لا يوجد من يعرف اوله. ثم لا يخفى ان هذه المادة ليست على اطلاقها بل مقيدة بالمادة بعدها. اذ لو كان القديم ضاراً يرفع ولا ينظر لقدمه. ولهذا قال:
المادة 7 - الضرر لا يكون قديماً -
هذه الصورة مستثناة من القاعده قبلها، يعنى كل شيء اذا كان غير مشروع، وفيه ضرر يزال. ولا فرق بين القديم والحادث اذ العلة الضرر.
ففي تنقيح الحامدية عن الزخيرة من كتاب الحيطان (الاصل ان ما كان على طريق العامة ولم يعرف حاله يجعل حديثاً وكان للامام رفعه اهـ) ولا يلتبس عليك انه اذا كان لاحد مسيل قديم او نحوه على دار جاره والضرر بين، ليس للجار منعه اذ بينهما فرق لان هذه المادة في الضرر العام. وكونه غير مشروع ظاهر كوجوده في طريق العامة حتى لو كان أذن السلطان يأثم (در المختار). واما مع الخصوص كالجار فلا يرفع اذا كان قديماً، اذ لعله كان بحق شرعي. وللفرق بينهما ايضاً كان لكل احد حق الانتفاع بالعموميات بشرط عدم الضرر. وليس له ذلك في ملك غيره وان لم يضر الا بالأذن.
واما ما في الفتاوي الحامدية: سئل في ذي يريد فتح كوة في حانوته مشرفة على دار جاره الذي وعلى عوراته، وفي ذلك ضرر بين على الجار، ويزعم انها قديمة فهل يمنع من ذلك ولا فرق بين القديم و الحادث حيث كان الضرر بينا؟ الجواب سم يمنع من ذلك ولا فرق بين القديم والحادث حيث كان الضرر بينا (كتبه الفقير احمد المفتي بدمشق الشام ام ففيه نظر اذا ثبت ان ذلك كان قديماً في ملك خاص لمخالفته لما هو المعتمد من النقول الذي مشت عليه المجلة في المادة قبلها ووجه عدم اعتبار القدم للضرر العمومي انه من اصله غير مشروع. انظر المادتين 26و27 وهذه القاعدة مأخوذة من الحديث الشريف
الذي يرو يه سيدنا ابو سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه وهو قوله صلى الله عليه وسلم (لا ضرر ولا ضرار) وهو من جوامع الكلم وفي الفرق بين الضرر والضرار اقوال: قيل الضرر الحاق مفسدة بالغير مطلقاً. والضرار الحاق مفسدة بالغير على وجه المقابلة ا ي كل منهما يقصد اضرار صاحبه من غير جهة الاعتداء بالمثل والانتصار بالحق. وقيل الضرر ان يدخل على غيره ضرراً بما ينتفع هو به. والضرار ان بدخل على غيره
ضرراً بمالا منفعة له به، كمن منع ما لا يضره ويتضرر به الممنوع. وقيل الضرار المضارة أي لا يضار احد باحد. وقد ذكر المفسرون ذلك في قوله تعالى: (لا تضار" والدة بولدها ولا مولود أه بولد) اي لا تضار والدة زوجها بسبب ولدها وهو ان تصنف بالولد، و تطلب منه ما ليس بعدل من الرزق والكسوة وان تشغل قلبه بالتفريط في شأن الولد، وان تقول بعد ما الفها الصبي اطلب له ظاراً وما أشبه ذلك. ولا يضار مولود له امرأته بسبب ولده بان يمنعها شيئا مما وجب عليه من رزقها وكسوتها ولا يأخذه منها وهي تريد ارضاعه ولا يكرهها على الارضاع.
ومن المضارة ان بطلق زوجته ثم يراجعها ثم يطلقها قبل الوطء ليطيل عليها عدتها. ومن ثم قال الامام مالك: «اذا كان قصده بذلك تطويل المدة فلا تستأنفها رداً لقصده.»
والنفي بلا الاستغراقيه يفيد تحريم اثر انواع الضرر في الشرع لانه نوع من الظلم، من الظلم، الا ما خص بدليل كالحدود والعقوبات (ابن حجر ملخصا.) يدخل تحت هذه القاعدة من حيث عدم مشروعية الضرر كثير من الاحكام الفقهيه كمشروعيه رد المبيع بالعيب، أو بقوات الوصف المرغوب كما اذا اشترى عبداً على انه كاتب فاذا هو خباز، وكالشفعة للشفيع لدفع ضرر الجار، وسيأتي مزيد ايضاح لفروع هذه الفقرة في المادة (19)
المادة 8 - الأصل براءة الذمة فاذا اتلف رجل مال آخر واختلفا في مقداره يكون القول للمتلف والبينة على صاحب
المال لاثبات الزيادة.
المراد بالذمة هنا اهلية الانسان لتحمل عهدة ما يجري بينه وبين غيره من العقود الشرعية. يعني الاصل ان الانسان برىء الذمة من وجوب شي عليه او لزومه، وكونه مشغول الذمة بحق خلاف الاصل فاذا اتلف رجل مال اخر وعند ارادة المالك تضمينه اختلفا في مقداره او قيمته القول للمتلف بيمينه اذا
انكر ما يدعيه صاحب المال من الزيادة والبينة على المالك راجع المواد ???? و ???? و ???? و ????). ويتنى على هذه القاعدة انه لو اقر لآخر بشيء او حق قبيل تفسيره بما له قيمة والقول للمقر مع يمينه.
واعلم ان هذا الاصل انما يعتبر ويكون القول قول من يتمسك به اذا لم يعارضه ظاهر سواء كان الظاهر هو الاصل بحسب ما يتبادر، او بحسب المعنى، فعلى هذا اذا ادعى على بكر بالغة ان وليها زوجها منه قبل استئذانها فلما بلغها سكنت؛ وقالت بل رددت، فالقول لها عند الائمة الثلاثة خلافا لزفر، وان كان المدعي متمسكا بالاصل وهو عدم الكلام، لان قولها يشهد له الظاهر بحسب المعنى. ولا يخفى ترجح هذا الاعتبار.
بيانه انه يدعى تملك بضعها بدعواه سكوتها من غير ظاهر معه. معه، وهي تنكر. والظاهر الاستمرار على الحالة المتيقنة من عدم ورود ملك عليها وهو الأصل. فكانت هي متمسكة باصل فيه معنى الظاهر فكان القول قولها. كالمودع يدعي رد الوديعة والمودع ينكر فان القول لمدعي الرد فانه - وان كان مدعياً صورة - منكر حقيقة، التمسكه بالأصل الظاهر، وهو فراغ ذمته، لكونه ظاهراً لا لكونه اصلاً.
كذلك الشفيع اذا قال علمت بالبيع امي وطلبت الشفعة، وقال المشتري بل سكت، القول قول المشتري، لان الشفيع، بتقييد علمه بالامسن، بدعى امراً عارضاً وهو الطلب، والمشتري يتمسك بالاضل وهو السكوت، فالقول قوله. اما لو قال طلبت الشفعة حين علمت، فالقول له لعدم تقييد العلم بوقت حتى يكون الطلب عارضاً. ففي هذه الصورة لم يعتبر السكوت اصلاً في حقه اه (فتح القدير الملخصا عند قول الهداية: واذا قال الزوج بلغك) وتمامه هناك
وهذا الباب مزلقة عظيمة للحكام والمفتين فينبغي التنبه في حادثات الفتوى والحكم.
هذه القاعدة مأخوذة من الحديث الشريف وهو قوله صلى الله عليه وسلم (البينة على المدعي واليمين على من انكر (لان كل من يتمسك بخلاف الاصل ويريد اثبات امر عارض فهو مدع، وكل متمسك بالأصل، منكر للأمر العارض، مدعى عليه، وعليه اليمين، لانه ناف ولا سبيل الى اقامة البينة على النفي. اذلا. اذ لا يعرف ذلك الا بمراقبة الشهود للمدعي عليه في سائر اللحظات من اول وجود الدين في ذمته الى وقت الدعوى، حتى تكون شهادتهم عن علم ويقين ببراءة ذمته وعدم انشغالها بالدين. فكيف يكلف اقامة البرهان على ما يستحيل عادة اقامة البرهان عليه - الا ان يكون النفي شرطاً أو
محصوراً كما هو مسطور في كتاب الشهادات انظر مادة (??)
المادة 9 - الاصل في الصفلت العارضة العدم مثلاً اذا اختلف شرينكا المضاربة في حصول الربح وعدمه فالقول للمضارب بيمينه والبينة على رب المال لاثبات الريح.
يعني عند الاختلاف في ثبوت الصفة العارضة وعدمه، القول قول من بتمسك بعدمها مع يمينه.
الصفة العارضة هي، بمقتضى الأصل، انسلاب الموصوف عنها. وعكسها الصفة الاصلية وهي بمقتضى الأصل، وجودها في الموصوف. مثال الصفة الاصلية كون المبيع صحيحاً سليماً من العيب، وكون رأس مال المضاربة على حاله خالياً من الريح، وكون المديون معسراً لا موسراً اذا كان الدين بسبب اتلافه مال الغير لا عن عقد او استقراض. ويقابلها العارضة كالعيب في المبيع، والربح في مال المضاربة، واليسار في المديون مثلاً اذا اختلف شريكا المضاربة في حصول الربح وعلمه * فقال رب المال ربحت الفا، وقال المضارب ما حصل ربح فالقول للمضارب بيمينه لتمسكه بالأصل وهو عدم الصفة العارضة والبيئة على رب المال لاثبات الريح لأنه يدعي خلاف الأصل فيحتاج للاثبات (انظر مادة 77)
فلو تنازع المشتري والبائع، فقال المشتري يوجد في المبيع الديب الفلاني - قاصداً رده على بائعه - وانكر البائع وجود العيب، فالقول قوله ييمنه، والبينة على المشتري كما في سائر المعتبرات.
كذلك المديون من جهة اتلاف اذا ادعى الدائن ياره لأجل حبه، وهو ينكر ذلك وبدعي الاعار، فالقول قوله يمينه، وعلى الدائن البينة لان اليسار صفة عارضة، والأصل في الانسان الفقر، فيحتاج في اثباتها الى برهان (بدائع ورد المحتار) وكذا لو اشترى شيئاً بشرط وصف مرغوب فيه فاختلفا بوجود الوصف وعدمه، فعلى التفصيل: ان كان من الصفات العارضة كالخبز والكتابة، فقال المشتري ليرده ليس كاتباً، وقال البائع كاتب، فالقول قول المشترى بيمينه بالأصل، وعلى البائع الاثبات.
ولو اشتراه بشرط انه سليم من العيب، فجاء ليرده، واختلفا في وجود الميب وعدمه، فالقول قول البائع لتمسكه بالصفة الأصلية - وهي السلامة - وعلى المشترى الإثبات.
مسئلة: الصفة العارضة تفارق الصفة الأصلية باحكام اخر. فقد صرح في البدائع في فصل ما يرجع الى المسروق، انه لا تقطع يد السارق في سرقة مال الحربي المستأمن في دار الاسلام. قال، «لان الأمان المؤدي لعصمة ماله صفة عارضة على شرف الزوال لا اصلية. بخلاف الذي فانه من اهل دار الاسلام، استفاد المصمة بأمان مؤبد، فصدمته صفة اصلية.» ومما يتفرع على هذه القاعدة ما لو باع الوكيل
نسيئة فقال موكله امرتك بنقد، وقال اطلقت: صدق الآخر لتمسكه بالصفة الأصلية في الوكالة) درر) يعني قولهم: «الاصل في الوكالة الخصوص، وفي المضاربة العموم» كذلك لو اختلفا في قيمة المغصوب الهالك، فالقول قول الغاصب بيمينه، وعلى المغضوب منه الاثبات: لتمسكه - اي الغاصب بالصفة الاصلية وهي براءة الذمة من الزيادة.
ولو اشترى دهنا في آنية ثم قبضها، ورأس الآنية كانت مشدودة، فتحها فوجد فيها فارةٌ ميتة، وانكر البائع ان يكون ذلك عنده، كان القول قوله لما قلنا (خانية).
ولو اختلف المتبايعان في الصحة والبطلان، فالقول لمدعى البطلان، لان انعقاد البيع حادث، والاصل عدمه، والباطل كالعدم لا حكم له. وفي الصحة والفساد، فلمدعي الصحة. لانهما لما اتفقا على العقد، كان الظاهر من اقدامها عليه صحته اه.
المادة 10 ما ثبت بزمان يحكم ببقاءه ما لم يقم الدليل على خلافه، فاذا ثبت بزمان ملك شيء لأحد يحكم بقاء الملك له ما لم يوجد ما يزيله.
اي ان وجود الشيء فيما مضى وان كان لا يستدعي بقاء.، لان البقاء استمرار الوجود، الا انه اذا وجد في زمان فما لم يثبت ما يغيره يعتبر باقياً باستصحاب الحال، لان الاصل بقاء ما كان على ما كان.
فان وجد في الزمان الماضي، يعتبر باقيا الى زمان الحال. كذلك الثابت في الحال، يحكم انه كان على حاله في الزمان الماضي، ما لم يثبت خلاف ذلك، الاستصحاب المعكوس كما تقدم.
فمن كان مالكاً لعين ملكية ثابتة متحققة فيما مضى، لا يخرج عن ملكه فيما بعد، الأباثبات ما يزيله، بنحوهبة او بيع او اقرار. فبمقتضى هذه القاعدة، لو ادعى احد دينا في ذمة ميت، وشهد به الشهود، يكفي، ولا حاجة لان يبينوا. ان هذا الدين باق في ذمته الى حين وفاته.) انظر المادتين 1694 و 1695) فان قلت هذه المادة من قبيل المادة الخامسة ومتحدة بها، ومعلوم ان استصحاب الحال يصلح حجة للدفع لا للاستحقاق اي الالزام على الغير، وقد ذكر في البدائع من كتاب الشهادات: «ادعى داراً في يد رجل انها ملكه ورثها من ابيه، وشهد الشهود انها كانت ملكاً لابيه، فالشهادة مقبولة ويحكم له.» فقد شهدوا له بالملكية فيما مضى ووجد استصحاب الحال مازها قلنا الحكم هناك ليس بناء علي الاستصحاب بل لثبوت الملكية ماضياً ولم يوجد من المدعي عليه برهان على زواله عنه.
يعلم هذا من فرع آخر ذكره في كتاب الدعوى في «تعارض الدعويين» قال: «عين في يد رجل،
ادعاها خارج انها ملكه مطلقاً من تاريخ كذا، بدون بيان سبب، وادعى ذو اليد كذلك. انها ملكه منذ كذا، وافاما ينة، وتاريخ احدهما اسبق، ترجح ينته سوال كان خارجا او ذا يد. اه» فهل يتوهم في هذا الفرع ان الخارج لو كان تاريخه اسبق، وحكم له، ان حجته صارت الزاما على الغير بالاستصحاب؟ - كلا بل بينة صاحب التاريخ الاسبق اظهرت الملك له في وقت لا ينازعه فيه الخصم. فعليه ان يثبت سبيا مزيلا.
فهذه شهادة بالملك المنقضى مقبولة باجماع المتنا. بخلاف الشهادة باليد المنقضية، لما في الدر المختار عن البزازية، من باب الاختلاف في الشهادة: الشهادة بالملك المنقضي مقبولة لا باليد المنقضية لتنوع اليد لا الملك» فاذا كان دار في يد رجل فادعى آخر انها له واقام بينة انها كانت في يده، لا تقبل عند الطرفين خلافاً لابي يوسف لانها شهادة قامت على مجهول اذ اليد تتنوع الى بدملك او وديعة او اجارة او غصب فلا يحكم بالشك هذا اذا كان ذو اليد حيا. فلو ميتاً بان شهدا بانها في يد ابيه الميت تقبل بالاتفاق، كما في التكملة. عن مسكين.
اعلم ان استصحاب الحال انواع، نوع منه يصلح للدفع لا للألزام، وذلك كبراءة القمة مثلا، فانها خلقت بريئة من الاصل، دل العقل على براءتها لا السمع. ونحن نستعحب ذلك الى ان يرد سمع، كوجوب انشغالها باتلاف مال او عقد مثلاً، اذ لا مثبت فتبقى على العدم الاصلي. وليس الدليل على براءتها عدم العلم بالدليل، بل العلم بعدم الدليل، لان عدم العلم بالدليل لا يصلح حجة. ويوجد نوع آخر من الاستصحاب دل الشرع على ثبوته ودوامه، كالملك عند جريان العقد الممالك، وكشغل الذمة عند جريان اتلاف او التزام عقد. وبعبارة اخرى هو استصحاب الوصف المثبت للحكم حتى يثبت خلافه وهو حجة صالحة للإلزام والاستحقاق، ومن هذا القبيل ما نقلناه لك عن البدائع ويوجد نوع آخر وهو استصحاب الاجماع في محل الخلاف. وهذا مختلف في صحته وفساده. مثالة المتيمم اذا رأى الماء خلال الصلوة هل يمضي على صلاته وتقع صحيحة"، كما قال به البعض، متمسكا بان الاجماع كان انعقد على صحة صلاته ودوامها، فلا يؤثر عليها طروه وجود الماء ما لم يوجد دليل على كون رؤية الماء قاطعاً للصلوة؟ - قال في المستصفى: وهذا فاسد لأن هذا الاستدلال هل هو من لفظ الشارع او من الاجماع. فان كان من لفظ الشارع فلعله يدل على دوامها عند عدم الماء و لا عند وجوده. وان كان باجماع الأمة فالاجماع منعقد على دوام الصلاة عند العدم. اما حال الوجود فهو مختلف فيه. ولا اجماع مع الخلاف» انه وتمامه هناك. وعلى ما سمعت فلا تكون هذه القاعدة مكررة بالمعنى باعتبارها عين القاعدة الخامسة. اذ يمكن
ان يراد بالخامسة النوع الاول وهي صالحة لا للدفع. والمراد بهذا هو النوع الثاني من الاستصحاب وهي صالحة للدفع والإلزام .. يشير إلى هذا قول المجلة: يحكم ببقاء. الخ .. فان الشرع لم يتعرض له باثبات ولا نني للعلم بعدم الدليل على الناقل له عن حالته (مستصفى واعلام الموقعين).
تنبيه كما ان استصحاب الحال يكون محكماً عند التنازع في الملك. كذلك عند التنازع في اليد. وهو المفهوم من المادة (ما ثبت يزمان يحكم ببقاءه الخ ... ) فالتفريع بقولها: «فاذا ثبت ملك شيء لا جد يحكم بقاء الملك له الخ .. » قاصر - فلو قالت: «فاذا ثبت ملك لا حد او وضع يده يحكم بقاءه او تركه في يده، ما لم يقم الدليل على خلافه.» لكان اشمل، وان كان المثال لا يقتضي الحصر، لما في البدائع من كتاب الدعوى في «فصل واما تعارض الدعويين»: ادعى خارجان شيئًا في يد ثالث، فانكر الذي في يده، فان لم يقم لهما بنية، وحلف لكل واحد منها، يترك المدعى به قضاء ترك لا قضاء استحقاق. حتى لو قامت لهما بينة بعد ذلك تقبل ويقضى لها اه» - فانظر كيف روعى وضع اليد بتحكيم الحال. وترك في يده قضاء ترك ومثله ما ذكره الامام السرخسى في مبسوطه من كتاب الدعوى: دار في يد رجل آقام آخر البينة انه اشتراها من ذي اليد بالف درهم. ونقده الثمن، واقام ذو اليد البينة انه اشتراها من المدعى ونقده، عند ابي حنيفة وابي يوسف، تنهاتر البينتان سوالا شهدوا بالقبض او لم يشهدوا وتترك في يد ذي اليد اه»
المادة 11 الأصل اضافة الحادث الى اقرب اوقاته، يعني اذا وقع اختلاف في زمن حدوث امر ينسب الى اقرب الاوقات الى الحال ما لم يثبت نسبه الى زمن بعيد
ذكر في القاعدة التاسعة ان الاصل في الصفات العارضة العدم والحادث الذي هو موضوع البحث هنا من الصفات العارضة ايضا. الا ان تقدم في الاختلاف في ذات الصفة وجوداً وعدماً. وهنا وجود الحادث متفق عليه والاختلاف في زمان حدوثه. فكما ان القول هناك قول من ينفيه، كذلك القول هنا قول من يضيفه الى اقرب وقت من الحكم الذي يترتب عليه باعتبار كونه اقرب.
استوضح هذا فمن اقر بدين لأحد ورثته ثم توفى. فادعى باقي الورثة ان الاقرار كان في مرض الموت فهو غير صحيح. والمقر له انه في حال الصحة. فالقول للورثة مع اليمين. والبينة على المقر له. فالاقرار
صفة عارضة لو اختلفوا فيها لكان القول قول من بنفيها مع اليمين. لكن اتفقوا على وقوعه، واختلفوا في وصفه، وهو كونه في اي زمان وقع، فالقول ايضاً قولهم لهذا المعنى، وهو ان الاصل في
الصفات وهذا سر ان الحادث يضاف الى اقرب اوقاته العارضة الحدوث- والهبة كالاقرار فيما ذكر. راجع مادة (1766) ومن فروع القاعدة ما لو ابرأ المشتري البائع قبل قبض المبيع من كل عند العقد، ثم بعد القبض اراد رده بعيب، فقال البائع يكون. علب كان موجوداً عند العقد فدخل تحت البراءة، وقال المشتري بل هو حادث عندك بعد العقد قبل ان اقبضه، فالقول قول المشتري، لان البراءة المقيدة مجال العقد لا تتناول الا الموجود حالة العقد، والمشتري يدعى العيب لأقرب الوقتين)، والبائع يدعيه لأ بعدهما، فكان الظاهر شاهداً للمشتري (بدائع) - وهذا لأن: عدم العيب اصل والموجود عارض، فكان احالة الموجود الى اقرب الوقتين اقرب الى الأصل. والمشتري يدعي ذلك فكان القول قوله.
ومنها لو كان في يد رجل دابة، فقال رجل فقأت عينها وهي في البائع، وقال المشتري فقأتها وهي في ماكي، فالقول للمشتري (اشباه) ومنها على قول الأمامين في البئر القليلة اذا ظهر فيها نجاسة او فأرة مينة، ولم يعلم متى وقعت، يحكم بنجاسة البئر حين علم، وهو القياس، حتى لو كان غسل ثوبه او توضاً منها وصلى، لا يلزمه كما يقول الامام الاول غسل ثوبه واعادة صلوة يوم وليلة عند عدم الانتفاخ او النفسخ، وثلاثة ايام. ولياليها اذا كانت منتفخة او متنفسية. وقوله استحسان للاحتياط في العبادات وهو القياس الخني (رد المحتار عن البدائع وخلافة) - وجه الاضافة الى زمان العلم، علي قولهما، مع احتمال ان النجاسة موجودة من قبل، ان الأصل العدم وهو محقق. ووجود النجاسة عارضة من قبل محتمل، فلا يعارض اليقين: فهو من قبيل شك طراً على بقين فلا يؤثر. كمن شك في رضاع اجنبية فانه يحل له نكاحها وان كان الافضل التنزه، لان الاصل الحل، وهو كونها اجنبية من بنات آدم، والحرمة بعارض الرضاع المشكوك شك يؤثر - بخلاف اختلاط رضيعته القطعية بأجنبيات ولم تتميز، فانه هناك تعارض يقينان، يقين التحليل والتحريم، فيرجح حانب الحرمة احتياطاً.
ومنها ماتت بعد ان وهبت مهرها لزوجها، فقال الزوج وهبت حال صحتها، وقالت الورثه حال مرضها، ففي الخانية القول للورثة، لان الهبة حادثة فتضاف لاقرب الاوقات من الموت وهو حال المرض.
المادة 12 - الأصل في الكلام الحقيقة.
الحقيقة لغةً من حق الشيء اذا ثبت. اي ثبتت في مكانها الأصلي وهو ما وضعت له ولم تتجاوزه. فعيل بمعنى فاعل والتاء للنقل من الوصفية الى الاسمية.
وفي الاصطلاح: اللفظ المستعمل فيما وضع له، اي تعين له بحيث يدل عليه بغير قرينة، سواء كان
التميين من جهة واضع اللغة او غيره - فيشمل التعريف الحقيقة الشرعية كالصلوة للعبادة المخصوصة، واللغوية كالأسد للحيوان المفترس، والعرفية كالدابة لمايركب، والاصطلاحية كالكلمة للفظ المفرد عند النحاة.
ولا بد من اعتبار قيد الحيثية في التعريف، اي المستعمل فيما وضع له من حيث انه وضع له، حتى لا ينتقض التعريف بالمحاز جمعاً ومنعا. فان الصلوة عند الشرعيين اذا استعملت في الدعاء، لا تكون من حيث انها موضوعة للدعاء، فتكون بهذا الاعتبار مجازاً في الدعاء. وقس على هذا البواقي (مرآة ملخصاً).
وقد اخذ في شرح التلخيص لدفع الانتقاض فيد " في اصطلاح التخاطب» اي المستعمل فيما وضع له في اصطلاح التخاطب، فيستثنى بهذا القيد عن اعتبار الحيثية.
ويقابلها المجاز، وهو في الاصل مصدر ميمي بمعنى الفاعل، من جاز مكانه اذا تعداه. نقل الى الكلمة الجائزه اي المتعدية مكانها الاصلي، او المجوز بها على معنى أنهم جازوا بها وعدوها مكانها الاصلى (شرح التلخيص) الكلمة المستعملة في غير ما وضعت له لعلاقة مع قرينة مانعة عن وهو ولا بد هنا ايضا من احد القيدين: الحيثية، او ارادة الموضوع له. قيد اصطلاح التخاطب، لئلا ينتقض التعريف بالحقيقة كما تقدم لك من الامثلة في اقسام الحقيقة.
ثم المجاز ان كانت علاقته المشابهة فهو المسمى بالاستعارة. وان غيرها كالسببية والمسبية والحالية والمحلية وغير ذلك من مصححات الاستعمال، كما هو مبسوط في محله، فهو المجاز المرسل,.
ومن فروع القائدة ان الحقيقة لما كانت هي الأصل وضعا، والمجاز خلف عنها، لا يصرف اللفظ عن معناه الحقيقي الى المجازي الا عند عدم الإمكان، بان كان المعنى الحقيقي متعذراً، فيحمل على المعنى المجازي ضرورة عدم اعمال كلام العاقل. كما لو حلف لا يأكل من هذه النخلة شيئاً، واكل من ثمرها او حمارها او طلعها او بسرها او الدبس الدي يخرج من رطبها، فانه يحنث (بدائع من الايمان (لتعذر المعنى الحقيقي وهو الاكل من عينها فيحمل على المجازي. راجع المادتين 60 و 61 فلو وقف على ولده لا يدخل ولد ولده ان كان له ولد لصلبه. فان لم يكن له ولد الصليه، استحقه ولد الابن لان اسم الولد حقيقة في ولد الصلب. ومثله لو اوسي لولد زيد.
ومنها لو حلف لا يبع او لا يشتري او لا يؤجر او لا يستأجر او لا يصالح عن مال او لا يقاسم،
وهكذا في كل عقد يصبح فيه اضافة الوكيل الى نفسه، او لا يضرب ولده، لم يحنت الا بالمباشرة، ولا يحنث بالتوكيل، لانها الحقيقة وهو مجاز. الا ان يكون مثله لا يباشر ذلك الفعل فيجنت بهما. وان كان يباشره مرة ويوكل فيه اخرى يعتبر الأغلب (اشباه) وقد يتعذر حكم كل من الحقيقة والمجاز فيكون الكلام لغواً، كقوله لزوجته الثابت نسبها من غيره هذه بنتي لا تحرم عليه، سواء كانت اكبر او اصغر. لكن أن دام على هذا الكلام اي بأن قال ما قلته حق (فتح) فرق بينها لا لهذا الكلام، بل منعا لظلمه لها بترك قربانها كما في العنين. - وانما تعذرت الحقيقة هنا لاستحالتها اذا كانت اكبر منه سنا. واما في الممكنة، فيما اذا كانت اصغر سنا، فلأنه يصح رجوعه عن هذا الكلام. والرجوع وان لم يتحقق في الحال، متحقق في المال، لان الشرع يكذبه لما فيه من ابطال حق الغير. فالشرع يقوم مقامه في رجوعه (شرح التحرير).
ولكون المجاز خلفا عن الحقيقة، امتنع المجاز اذا امكنت، لان الخلف لا يزاحم الأصل.
ولا يجوز الجمع بينهما عندنا بان يستعمل اللفظ الواحد، ويراد في اطلاق واحد، معناه الحقيقي والمجازي معا، كما صرح به الاصوليون.
واعلم أنه في كل محل يمكن استعمال الحقيقة عادة، وكان المتعارف الغالب هو المعنى المجازي، فعند الامام الاعظم بصرف اللفظ الى المعنى الحقيقي، كما لو حلف لا يأكل من هذه الخطة او لا يشرب من هذا الفراة، فان حقيقة الاول ان يأكل من عين الحنطة، وهو مستعمل، لانها تقلى وتؤكل قضاً. لكن المجاز وهو الخبز هو الغالب استعمالاً في العرف والعادة، فيصرف لفظ الحنطة الى عينها، فيحنث في الأكل منها لا من خبرها وحقيقه الثاني ان يشرب من الفراة كرعاً، وهو ايضاً مستعمل كما هي عادة اهل البوادي، فيحنث بالشرب كرعاً فقط. ومجازه ان يشرب غرفاً بيده، او بإناء يتخذ فيه الماء منه، فلا يحنث بالشرب في هذه الصورة.
وعندهما يصرف اللفظ الى المتعارف الغالب، فيحنث مطلقاً سواء كان من عينها او خبزها، او شرب كرعا او بإناء، بطريق عموم المجاز.
وهذا الخلاف مبنى على الاختلاف في طريق خلفية المجاز عن الحقيقة. فضدهما الخلفية في حق الحكم: ففي كل موضع يصح انعقاد الكلام للحكم الاصلي كمسئلة الأكل من الحنطة والشرب من الفراة، يصح انعقاده مجازاً خلفا عن الحقيقه. وفي كل موضع لم ينعقد للحكم الأصلي، فلا ينعقد الحكم الحلقي، اي لا يصلح مجازاً فيقع لغواً.
يتبنى على الخلاف لو قال لعبده الاكبر منه سنا هذا ابني، لا يعتق عندهما لان هذا الكلام لما لم ينعقد للحكم الاصلي لاستحالته، لم ينعقد للحكم الخلفي المجاز، فلا يحمل مجازاً عن الحربة التي هي حكم البنوة، فيقع لغواً. وهو وعنده يعتق وان كان الحكم بالبنوة غير صحيح، لان خلفية المجاز عن الحقيقة باعتبار التكلم. فقوله هذا ابني صحيح من جهة العربية، وان كان غير صحيح من جهة الحكم. وهذا كاف في استعماله مجازاً لان الحقيقة والمجاز من اوصاف اللفظ، واللفظ صحيح عربية، فكان اعتبار الخلفية والاصالة في التكلم أولى، لانه يصير خلفاً فيما هو وصف له. فاذا تعذر المعنى الحقيقي وجب مجازيته، فقوله «هذا ابني» مرادا به الحرية، خلف عن «هذا ابني» مراداً به البنوة، وقواه الكمال) ا ه ملخصاً من شرح التحرير والنفي على المنار)
تنبيه
قد لا يراد باللفظ الحقيقة في كثير من الالفاظ الشرعية، بان يكون الكلام غير صالح للمعنى الحقيقي. كقوله صلى الله عليه وسلم: «انما الاعمال بالنيات» از معناه الحقيقي ان لا يوجد عمل الجوارح مع انه يوجد، فلا بد من حمله على الجاز، أي «حكم الاعمال وقد لا يستعمل في حقيقته بدلالة معنى يرجع الى المتكلم، كما في يمين الفور، بان ارادت امراته الخروج فقال لها: «ان خرجت فانت طالق» فمكنت ساعة ثم سكن غضبه، ثم خرجت، لا تطلق. قان حقيقة هذا الكلام ان تطلق في كل ما خرجت. ولكن معنى الغضب الذي حدث في المتكلم وقت خروجها، بدل على ان المراد هي الخرجة المعينة، فيحمل الكلام عليها مجازاً بهذه القرينة. (وتمامه في شرح المنار)
المادة 13 - لا عبرة للدلالة في مقابلة التصريح
يعني ان التصريح اقوى من الدلالة. فاذا تعارضا، فلا عبرة لها في مقابلة التصريح. وعند عدم التعارض، يعمل بالدلالة، لانها في حكم الصريح. وقد يكون هذا في المواضع التي جعلوا السكوت فيها كالنطق، وهو اظهار المراد بالسكوت، وهو قسم من اقسام بيان الضرورة المذكور في الاصول، كقوله تعالى «فان لم يكن له ولد وورثه ابواه فلامه الثاث» تخصيص الأم بالثلث، بيان لكون الاب يستحق الباقي ضرورة، مع انه مسكوت عنه. فلو فرض تصريح بخلاف ذلك يكون اولى من الدلالة. وهكذا كل صريح مع الدلالة.
مثالها ما في المادة (???) اذا دخل شخص دار آخر باذنه، فوجد إنا معداً للشرب، فهو اذن
بالشرب دلالة. فاذا اخذ ذلك الاناء ليشرب به فوقع من يده وهو يشرب، فلاضمان عليه. واما اذا انهاه صاحب الدار عن الشرب، ثم اخذه ليشرب به فوقع من يده فانكسر، ضمن قيمته. ففي التصريح بالنهي هو صورة عدم مأذون شرعاً بالدلالة، والجواز الشرعي ينافي الضمان. بخلاف التصريح بالنهي فانه يعدم الدلالة، فلا حكم لها في مقابلته والمودع له السفر بالوديعة كما في سائر المعتبرات. فلو نهاه المودع صريحاً ليس له السفر بها، لان الصريح اقوى من الدلالة (بدائع). والمستعير يملك الاعارة في الجملة عند ائمتنا، فاذ انهاة صريحاً عن الاعارة لا يملكها.
واذا كان لرجل جارية مأذونة بالتجارة فاستولدها، في الاستحسان هو حجر لها دلالة - قال في البدائع: «لان التجارة لا بد لها من الخروج الى الاسواق وامهات الاولاد ممنوعات عن الخروج في العادات. فكان الاستيلاد حجراً دلالة. فاذا صرح بالاذن تبقى مأذونة لان الصريح اقوى من الدلالة»
ولو تصدق على انسان فسكت المتصدق عليه، يثبت له الملك، ولا حاجة الى قوله قبلت. فلو صرح بالرد لا يملك. لان الصريح اقوى من الدلالة. ولو ايرأ مديونه فسكت يبرأ، ولورده ارتد، لان السكوت قبول للابراء دلالة، والرد عدمه صريحاً، فهو اقوى (فصولين من الفصل الرابع والثلاثين) واللبائع حبس المبيع لقبض ثمنه، فلو قبضه المشتري، وراه البائع، وسكت، كان اذنا بالقبض. ولو نهاه فلا، لأن الصريح اقوى من الدلالة، كما في رد المحتار عن البحر. وفي البدائع لا يكون اذنا دلالة ولو قبض الأب مهر ابنته البائعة من الزوج فسكتت، كان سكوتها اذنا بالقبض، ويبرا الزوج. ولو صرحت بالنهي لا يجوز القبض عليها ولا يبرا الزوج. ولو باع عقاراً وامرأته او ولده او بعض اقار به حاضر فكت، ثم ان الساكت الحاضر وقت البيع ادعاء على المشتري، لا تسمع دعواه. والحاصل ان جميع ما كان السكوت فيه كالنطق فهو من هذا القبيل.
فائدة
اعلم ان اللفظ المطلق في عبارات المكلفين، منه ما يوجد مقيداً بقيد نصاً، ومنه ما يكون مقيداً بالعرف والعادة. فحين الاطلاق اذا انصرف الى قيده المتعارف، فهو تقييد من المتكلم دلالة بحسب العرف. فاذا صرح بعدم ارادة القيد، فلا اعتبار للدلالة المتعارفة بمقابلة التصريح.
ثم ان ما تقدم من الفروع انما يكون الصريح اقوى من الدلالة اذا وقع الصريح قبل العمل بموجب الدلالة، والا فلا عبرة للصريح. حتى لو وهب عينا مثلا، فقبل الهبة ولم يسلمها، حتى قام
الموهوب له وقبضها بنفسه في المجلس بدون صريح اذن من الواهب، فمضى وهو ساكت، فهنا قد صار العمل بموجب الدلالة، فلا تسمع دعوى الواهب بأن الهبة لا تتم الا بالقبض وكان قبضها بدون اذني فاطلبها منه لعدم تمام العقد ولو باع فضولي مال آخر فنفاذه موقوف على اجازة المالك بالشرائط المذكورة في المادة (???) فلو بلغه فطلب الثمن فهو اجازه دلالة. فلو قال بعد ذلك لست راضياً بالبيع، فالبيع ماض ولا يلتفت لصريح رده (تنوير الابصار)
مسئلة
قد تكون الدلالة اقوى من الصريح اذا كانت دلالة الشرع - كما لو طلق زوجته رجعياً وهو يقول لم اراجعها، ثم ولدت لستة اشهر او اقل، ثبت نسبه منه، وبطل صريح اقراره بعدم الوطء، لان دلالة الشرع اقوى من صريح العبد. وما ذكره شارح المجلة الفاضل سليم باز اللبناني مثالاً للتصريح والدلالة بما في المادتين (1758) و (1760) فالحكم هناك لذي اليد بناء على استصحاب الحال حيث ثبت ملكه فيما مضى، فهو باق الى الآن ما لم يوجد ما يزيله. كما تقدم في شرح المادة العاشرة. نعم ان استصحاب الحال، مع انه ليس من المنطوق، يعمل به ما تقم بينة على خلافه. كما يعمل بالسكوت الذي هو بمنزلة النطق ما لم يقاومه صريح بخلافه. لكن بينهما فرق في بعض الاحكام، وفي الماصدق، كما لا يخفى على المسنجر
المادة 14 - لا مساغ للاجتهاد في مورد النص
الاجتهاد لغة عبارة عن بذل المجهود واستفراغ الوسع في فعل من الافعال. ولا يستعمل ولا يستعمل الا بما فيه كلفة وجهد. فيقال اجتهد في حمل حجر الرحى ولا يقال اجتهد في حمل خردلة - ثم صار هذا اللفظ مخصوصاً ببذل المجتهد وسعه في طلب العلم باحكام الشريعة.
والاجتهاد التام ان يبذل الوسع في الطلب، بحيث يحس من نفسه العجز عن مزيد طلب
ثم ان الاحكام الشرعية منها ما هو منصوص عليه في الكتاب او السنة توتراً أو شهرة أو آحاداً، ومنها ما ليس منصوصاً عليه بل مأخوذاً من ادلة الشرع بالقياس. فكل اجتهاد ادى الى معارضة المنصوص عليه باطل. واعلم انه قد يرد في محل مخصوص حكم شرعي لم يذكر فيه الا الحكم وذلك المحل، ولم يبين فيه علة الحكم ولا الاستقصاء المواضع ذلك الحكم. فهذا من اعظم محل الاجتهاد • كتحريم ماء العنب مثلاً اذا غلا واشتد وقذف بالزيد وهو المسمى بالخمر. نص الشرع على تحريمه ولم يذكر الملة في التحريم،
ولا محلا آخر للحرمة خلافه. فالمجتهد بذل وسمه واقتداره في تنقيح الملة واستنباطها. وبعد تتبع الدلالة والآثار، وجد ان العلة في الإسكار فقاس عليه كل مسكر.
والقياس ثابت بالكتاب اعني الأمر بالاعتبار وهو رد الشيء الى نظيره بعد آية (هو الذي اخرج الذين كفروا من اهل الكتاب - الآية) وفي حديث معاذ المعروف، وباجماع الصحابة رضوان الله عليهم.
وشرط المجتهد ان يكون مسلماً عدلا) والعدالة شرط لقبول فواه لا لاجتهاده في نفسه) حاوياً على الكتاب بمعانيه لغة وشرعاً، واقسامه الراجعة. الى صيقة النظم ومعناه، وبوجوه البيان بذلك النظم، وبوجوه استعمال النظم الكريم في معناه، وبمعرفة وجوه الوقوف على المراد، والحاصل ان يعرف خاصه وعامه وظاهره ونصه ومفسره ومحكمه وخفيه ومشكله ومجمله ومتشابهه وحقيقته ومجازه وصريحه وكتابته والاستدلال بعبارته وباشارته وبدلالته واقتضائه وان يكون حاويا لعلم السنة بطرقها من التواتر والشهرة والآحاد، ومتونها من كونها رويت بلفظ الرسول صلى الله عليه وسلم أو نقلت بالمعنى، ووجوه
معانيها لغة وشرعاً، مع سائر الاقسام والاحوال المذكورة في الكتاب. وان يكون حاوياً معرفة احكام الاقوال والافعال، ليعلم ما يوجبه كل واحد منها ومعرفة مواقع الاجماع حتى لا تصدر منه فتوى مخالفة للاجماع - وهذه الثلاث أعنى الكتاب والسنة والاجماع، هي المدارك الثلاث الثمرة للاحكام. ورابعها العقل، وهو ان يعرف مستند النص والمستند الاصلي للاحكام .. فان العقل قد دل على نفي الحرج في الاقوال والافعال، وعلى نفي الاحكام منها في صور لانهاية لما، إلا ما استثنته الادلة السمعية. والمستثنيات محصورة وان كانت كثيرة، فينبغى ان يرجع في كل واقعة الى النفي الاصلي والبراءة الاصلية. ويعلم ان ذلك لا يعتبر الا بنص او قياس على منصوص وما هو في معنى النص من الاجماع وافعال الرسول صلى الله عليه وسلم. وان يكون عارفاً بنصب الادلة وشروطها التي تصير بها البراهين والادلة منتجة وان يعرف الناسخ والمنسوخ من الكتاب والسنة.
وان يعرف اللغة والنحو ليتسنى له فهم خطاب العرب وعادتهم في الاستعمال الى غير ذلك مما بسطه فخر الاسلام البزدوي والأمام الغزالي في كتابيهما الكشف والمستصفى. وتمامه هناك.
المادة 15_ ما ثبت على خلاف القياس فغيره عليه لا يقاس
القياس لغة التقدير: يقال قست النمل بالنعل اي قدرته به، وجعلته مساوياً له. وهو مصدر قايس من المفاعلة، لا مصدر قاس من الثلاثي لان المساواة تكون من الطرفين.
وفي اصطلاح الشرع ذكروا له حدوداً: منها «مساواة الفرع الاصل في علة حكمه، واسلمها من الاعتراض، ما في شرح المنار والمرآة: «إبانة مثل حكم احد المذكورين بمثل علته في الآخر» والكلام على هذا في موضعه ومعنى المادة، ان الحكم الشرعي اذا كان ثابتا بنص القرآن، او بالسنة او بالاجماع، اذا كان معدولاً به عن سنن القياس، لا يجوز ان يقاس عليه غيره بأن يثبت مثل ذلك الحكم للغير، لعلة جامعة بينهما. لان حاجتنا الى اثبات الحكم بالقياس، فمتى ثبت حكم النص على وجه يرده القياس الشرعي، لم يجز اثباته في الفزع بالقياس، كالنص النافي لحكم لم يجز اثباته به. وفي شرح التحرير: لأن حكم الاصل متى كان ثبوته على خلاف القياس، كان القياس رداً لذلك الحكم ودفعاً له، فلم يمكن اثباته به اذ لا يمكن اثبات الشيء با يقتضى عدم ثبوته. او كان الحكم ثابتاً في محله على الخصوص، اي مختصاً به بنص آخر، وهو إما ان لا يدركه العقل بأن لا يهندي العقل الي حكمته وعلته، او يكون حكم الاصل مستثنى عن سنن القياس اي عن طريقه المسلوكة وقاعدته المستمرة، كأكل الناسى، فانه مستثنى عن سنن القياس وهو تحقق الفطر من كل ما دخل في الجوف، واذا كان مستثنى من سننه، لا يصح القياس عليه - فلا بصح قياس الاكل خطا على الاكل ناسياً.» فهذه المواضع لا يجوز ان يقاس عليها ويتعداها الحكم الى غيرها .. مثال الاول عقد الاجارة منصوص عليه في القرآن (على ان تأجرني ثماني حجج - الآية) وهو خارج عن القياس، لان القياس يقتضى عدم صحة الأجارة، لكونها بيع المنافع وهي معدومة غير محرزة، وغير المحرز لا ماليئة له، وما ليس بمال لا يقوم: وما لا يقوم لا يجوز بيعه. لكنها شرعت تسهيلاً للعباد. فحيث كان بيع المنافع في الاجارة على خلاف القياس لا يقاس وعن هذا قال ابو حنيفه: «لا يجوز الحاق الغصب بالاجارة في تقويم منافع المغصوب اذا اتلفها الغاضب أو عطلها، لكون تقويم المنافع في الاجارة ورد على خلاف القياس، فلا يقاس عليها غيرها».
كذلك السلم هو بيع آجل بعاجل بشرائط مخصوصة، وهو بيع الانسان ما ليس عنده، مخالف للقاعدة الشرعية في ان جواز البيع يقتضي محلا مملوكا للبائع موجوداً مقدور التسليم حال العقد، لما في السنن الاربع عنه صلى الله عليه وسلم: «ولا تبع ما ليس عندك» - لكن ورد في مقابلة ذلك ما في رواية السنة: «من اسلم في شيء فليلم في كيل معلوم ووزن معلوم الى اجل معلوم» فبيع المعدوم ورد في السلم بنص الحديث، وسيفي الاستصناع بالاجماع، وكلاهما على خلاف القياس. فهذا الحكم لا يتعداهما الى غيرهما بالقياس ومثال الثاني اعني ثبوت الحكم في محله على الخصوص، قبول شهادة خزيمة وحده. فأنه مخصوص بقوله عليه السلام: «من شهد له خزيمة فهو حسبه» جعل صلى الله عليه وسلم شهادته شهادة
رجلين كرامة وخصوصية، مع ان النص اوجب اشتراط العدد في حق العامة – وقصته ما ورد ان النبي صلى الله عليه وسلم إشترى ناقة من اعرابي واوفاء الثمن، فانكر الاعرابي استيفاء. وقال هلم شهيداً، فقال من يشهد لي ولم يحضرني احد، فقال خزية انا اشهد يا رسول الله انك اوفيت الاعرابي ثمن الناقة. فقال عليه السلام كيف تشهد لي ولم تحضرني؟ فقال يا رسول الله إنا نصدقك فيها تأتينا به من خير الماء،، افلا نصدقك فيا تخبر به من ثمن الناقة؟ فقال عليه السلام: «من شهد له خزيمة فهو حسبه»
فهذا الحكم لا يجوز تعليله اصلا، حتى لا يثبت بشهادة غير خزيمة ممن هو مثله أو فوقه في الفضيلة، لانا متى عدينا الحكم الى غيره، أبطلنا خصوصيته الثابتة بنص الحديث كرامة. وانما اختص بهذه الكرامة، لاختصاصه من الحاضرين بفهم جواز الشهادة للرسول عليه السلام بناء على ان قوله عليه السلام في افادة العلم بمنزلة العيان.
ومثال ما لا يعقل معناه: القاعدة المستقلة المستفتحة كاعداد الركعات في الصلاة من المكتوبات والواجبات والمندوبات، واعداد الاشواط في الطواف، ومقادير الزكوة من ربع العشر في النقدين وغيره في غيرها من الاموال. فهذا القسم ايضا لا يقاس عليه لعدم ادراك عليه التي بعدي بها مثل الحكم الى غيره، ويسمى هذا القسم خارجاً عن القياس تجوزاً.
وهنا مسئلة تحتمل الوجهين: ان تكون خاصية فتكون نظير مسئلة خزيمة المارة، وان تكون مستثناة من النص، معدولاً بها عن سنن القياس وذلك ما عن ابي هريرة رضي الله تعالى عنه: وهو انه جاء اعرابي الى النبي صلى الله عليه وسلم فقال هلكت يا رسول الله قال وما اهلكك؟ قال وقعت على اهلي في رمضان. فقال هل تجد ما تعتق رقبة؟ قال لا. قال فهل تستطيع ان تصوم شهرين متتابعين؟ قال لا. قال فهل تجد ما تطعم ستين مسكينا؟ قال لا. ثم جلس، فاتى النبي صلى الله عليه وسلم بعرق فيه تمر فقال تصدق بهذا. فقال أعلى القرمنا؟ فما بين لايتها اهل بيت اجوح اليه منا! فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه، وفي رواية ثناياه، قال اذهب فأطعمه اهلك. وفي رواية لابي داود: «كله انت واهل بيتك وصم يوما واستغفر يوماً واستغفر الله تعالى» فهذه الرواية، كما في شرح التحرير، تقتضى ان الكفارة كانت باقية في ذمته بناء على انها لا تسقط بالمسرة المقارنة لوجوبها، كما هو قول جمهور العلماء. ويكون ما اخذه تمليكا له من النبي صلى الله عليه وسلم ليخرجه عن كفارته. والعدول عن القياس انما هو بترخيصه في إطعامها نفسه وعائلته دون غيرهم، وقد سقطت عنه بذلك. ويحتمل ان تكون الكفاره سقطت عنه بتناولها. ويؤيده ما اخرجه الدارقطني عن علي رضي الله تعالى عنه ان النبي صلى الله عليه
وسلم قال للرجل: (انطلق فكله انت وعيالك فقد كفر الله عنك (فعلى هذا يكون سقوط الكفارة خاصية الأعرابي. واليه مال الامام الغزالي في المستصفى. هذا خلاصة ما في شرح التحرير وبقية البحث هناك. يقول الفقير: وما هذه الخاصية للاعرابي إلاكرامة للنبي صلى الله عليه وسلم حيث استعطف في جوابه المذكور قلبه الشريف فبادره الوحي باسقاط الكفارة عنه - ويؤيده ان هذا العرق كان خمسة عشر صاعاً، والكفارة تقتضي اكثر من ذلك، ولا صح عن الاعرابي انه مع ذلك كان قادراً على الصيام وكفارة الاطعام مرتبة عليه كما لا يخفى. فعلى ما رواه الدارقطني وما جنح اليه الغزالي من سقوط الكفارة، يحمل قول الامام الزيلعي: (خص الاعرابي باحكام ثلاثة: بجواز الإطعام مع القدره على الصيام، وصرفه الى نفسه، والاكتفاء بخمسة عشر صاعاً، على ان سقوط الكفارة عنه تضمنت هذه الأحكام).
المادة 16 - الاجتهاد لا ينقض بمثله
تقدم في القاعدة (14) معنى الاجتهاد شرعاً وبيان شروطه. وليس المراد من الاجتهاد هنا عينه هناك، بل الأعم الشامل لانواع ثلاثة:
الأول اجتهاد المجتهد في المسائل الظنية التي لم يرد فيها دليل قاطع. وهذا هو معنى الاجتهاد الاول الاصطلاحي المذكور في المادة (14) الثاني الحادثة التي وقع الحكم فيها من القاضي
الثالث مسائل التحري
وقد استخرج الفقير ذلك من تتبع كلام الاشباه على قوله: «القاعدة الاولى الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد» حيث مزج الانواع الثلاثة وفرع عليها. فلنتكلم على كل نوع بما يناسبه.
الاول ان المجتهد اذا حكم في المسائل الظنية التي لم يرد فيها نص قاطع، ولم يغاير في حكمه كتاباً ولا سنة ولا اجماعاً، نفذ حكمه ولا يجوز نقضه، لا من قبله اذا تغير اجتهاده، ولا من مجتهد آخر يرى خلافه نعم له حين تبدل اجتهاده ان يحكم في غير تلك الحادثة بحسب اجتهاده الثاني. وذلك لانه لو جاز النقض لجاز ايضا نقض النقض فيتسلسل وتضطرب الاحكام فلا يوثق بها. وهذا معنى ما في التنوير: «واذا اليه حكم قاض آخر نفذه، الا ما خالف كتابا او سنة مشهورة او إجماعا.»
وقد استفيد من شرح التحرير والمستصفي ان هذا الاجتهاد قد ينقض بمثله مجرد الرأي بدون حكم حيث قال: «وللشافعية فرع: لو تزوج امرأة بلا ولى على جوازه في اجتهاده، فتغير اجتهاده بان راه غير جائز، فالمختار التحريم مطلقا، حكم الحاكم بالتحريم ام لا، والعلة انه مستديم لما يعتقده حراما.
وقيل يحرم بقيد ان لا يحكم به بالجواز. فان حكم به بالجواز. فان حكم به لا يحرم والا فلو حرم بعد حكم حاكم بجوازه، نقض حكم الجواز بالاجتهاد المؤدي الى التحريم، والحكم لا ينقض بالاجتهاد».
وقال في المستصفى: «المجتهد اذا اداه اجتهاده الى ان الخلع فخ لاطلاق، فنكم امرأة خالعها ثلاثا، ثم تغير اجتهاده، لزمه تسريحها ولم يجز له امساكها على خلاف اجتهاده. ولو حكم بصحة النكاح حاكم بعد ان
خالع الزوج ثلاثاً، ثم تغير اجتهاده، لم يفرق بين الزوجين، ولم ينقض اجتهاده السابق بصحة النكاح المصلحة الحكم اه» اه» - والمذهبان واحد في عدم جواز نقض الاجتهاد بالاجتهاد.
النوع الثاني: اذا حكم القاضي المقلد في المسائل الاجتهادية، وكان حكمه غير خارج عما تقيد به من قبل السلطان كما هو مسطور في مادة (????) فهذا ايضاً لا يجوز نقضه، وهو معنى قول الفقهاء كما في التنقيح الدعوى متى فصلت مرة بالوجه الشرعي لا تنقض ولا تعاد» اي للملة السابقة وهي ان النقض يستلزم تقض النقض فيتسلل وتضطرب الاحكام. وامثلتها لا تحصر لشمولها جميع احكام القضاة الصحيحة ومن هذا النوع ما لو حكم القاضي برد شهادة الفاسق ثم تاب فاعادها لم تقبل ولا يرد مثل الصبي والعبد اذا شهدا بعد البلوغ والحرية في حادثة ردت شهادتها فيها حال الصفر والرق. لأنها في هاتين الحالين ليست بشهادة شرعا، فلهذا قبلت بعد البلوغ والحرية.
النوع الثالث: الاجتهاد بمعنى التحري. ومن فروعه كما في الاشباه لو تغير اجتهاده في القبلة عمل بالثاني. اي ولا يبطل الاول لان الاجتهاد لا ينقض بمثله حتى لو صلى اربع ركعات الى اربع جهات بالاجتهاد
فلا قضاء.
ومنها التحري في ثوبين احدهما نجس، فتحرى باحدهما وصلى، ثم وقع تجربه على طهارة الآخر، لم يعتبر الثاني لان الاجتهاد لا ينقض بمثله ومثله التحري باناء ين احدهما نجس، بناء على جواز التحري في الاناء ين. ونقل في الاشباه عن شرح المجمع لو كانا انا دين يريقهما ويتيمم اتفاقا.»
ثم ان ما ذكره الشارح الفاضل سليم باز اللبناني نقلا عن الاشباه من انه خرج عن القاعدة نقض القسمة للغبن الفاحش، وقد حكم بصحتها، فاقول: نقض القسمة هنا لامر ظهر، وهو عدم صحة الحكم
بصحتها لفقد شرطها وهو التعادل. والقاعدة انما هي في عدم جواز نقض الحكم الصحيح المتوفى شرائطه، بحكم مثله. وهذا من قبيل نقض الفاسد بالصحيح. فلا طائل في عدها من المستثنيات كذلك مسئلة الامام اذا راى شيئًا ثم مات او عزل الخ ... لان الإمام نصب للنظر في مصالح المسلمين. والتغيير على حسب المصلحة، وعمل الاول كان مصلحة لا حكا.
المادة - 17 المشقة تجلب التيسير، يعني ان الصعوبة
نصير سبياً للتسهيل ويلزم التوسيع في وقت المضايقة · يتفرع على هذا الأصل كثير من الاحكام الفقهية كالقرض والحوالة والحجر وغير ذلك. وما جوزه الفقهاء من الرخص والتخفيفات في الاحكام الشرعية مستنبط من هذه القاعدة.
اعلم ان اصل الشرع مبناه على اليسر والتسهيل، قال الله تعالى (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) (وما جعل عليكم في الدين من حرج) وقال صلي الله عليه وسلم (احب الدين الى الله الحنيفة السمحة) وعن هذا ترى كثيراً من الاحكام الشرعية إنما شرعت للتسهيل على العباد. ولولا ذلك لعظمت المشقة واشتد الحرج. وكلها متفرت عن هذه القاعدة.
ثم ان جميع التسهيلات والتخفيفات الواردة في الشرع لا تحلو عن ثم ان جميع لما يوجد من الاعذار نوعين: نوع شرع من اصله للتيسير، ونوع شرع العوارض، وهو المسمى بالرخصة.
وهنا حيث عطف التخفيفات على الرخص عطف تفسير، اشعر ان المراد هي الرخصة الشرعية من النوع الثاني. وللايضاح نذكر امثلة
كاشفة للنوعين:
الاول شرعية، مثل القرض والحوالة والحجر والوصية والسلم والإقالة والشركة والصلح والعارية والوديعة والرهن والضمان والإبراء والإجارة والمزارعة والمساقاة والمضاربة والوكالة وخلافها.
اما القرض والإعارة والإجارة، تسهيلاً على الناس شرعت لاباحة الانتفاع بملك الغير. واما الوكالة والابداع والشركة والمغاربة والمساقاة والمزارعة فلاستعانة الانسان بغيره معجزه. واما الحوالة فليتمكن الدائن من استيفاء دينه من غير المديون بطريق الحوالة. واما الرهن والكفالة بالمال وبالنفس فلتأمين حق الدائن وتوثيقه. واما الابراء فلحط كل الدين او بعضه عن ذمة المديون وهكذا يقال شرع خيار الشرط في البيع للمشتري او البائع دفعا وشرع السلم والبيع بالوفاء لاضطرار المفلس الى النقد.
وعلى هذا المنوال اكثر الاحكام.
النوع الثاني التسهيل والرخص التابعة للعوارض. والعوارض تكون سماوية كالصفر والجنون والعته والنسيان والنوم والإغماء والرق والمرض والموت. فالصفر يسقط به ما يحتمل السقوط عن البالغ، كالصلوة والصوم يحتملان السقوط عن البالغ بالجنون وغيره، ولا يسقط عنه فريضة الايمان، بمعنى انه اذا اداء كان فرضاً. فلو كانت الفريضة ساقطة، كان نقلاً لا فرضاً، كما في الصلاة والصوم. الا ترى انه اذا آمن في صغره لزمته الاحكام التي تثبت تبعاً للايمان الفرض ووضع عنه إلزام الاداء والتكليف بالايمان؟. وجملة الامر ان توضع عنه العهدة، ويصح منه وله ما لا عهدة فيه، فلا يحرم من الميراث بالقتل عندنا، بخلاف الكفر والرق يحرم بهما.
واما الجنون فيسقط به كل العبادات واما العته بعد البلوغ فهو كالصبا العقل في الاحكام. حتى لا يمنع
صحة القول والفعل. فلو اتلف مال الغير ضمن، ولو توكل من إنسان صح. ويتوقف بيعه وإجارته على إجازة الولي، لكنه يمنع العهدة.
والنسيان يكون عفواً في حقوقه تعالى، وهو عذر في سقوط الاثم لا في حقوق العباد.
والنوم لما كان عجزاً عن استعمال القدرة، وجب تأخير الخطاب، ولم الوجوب، وهو مناف للاختيار اصلا. حتى بطلت عبارات النائم في يمنع الطلاق والعتاق، ولم يتعلق بقهقهته في الصلاة حكم.
ومثله الاغماء، وهو مرض يضعف القوى ويزيل الحجا وهو كالنوم. وقد يحتمل الامتداد فيسقط به الاداء. كما في الصلاة، اذا زاد على يوم وليلة والرق، وهو عجز حكمي لا حقيقي، اسقط عنه مثل الحج والجمعة والمرض شرعت العبادات عليه بالقدرة الممكنة: فيصلي قاعدا ان لم يقدر على القيام، ومستلقياً ان لم يقدر على القعود.
والحيض والنفاس وهما وان كانا لا يعلمان الاهلية، لكن الطهارة شرط للصلاة، وفي فوت الشرط فوت الأداء. فلو وجب القضاء لكان ذلك حرجاً في الصلاة، ولا حرج في قضاء الصوم.
والموت، وهو وان كان منافياً للأهلية في احكام الدنيا، لكن يبقى للميت ما تقضى به الحاجة:
فيقدم تجهيزه ثم ديونه ثم وصاياه من ثلث ماله. واما العوارض المكتسبة فمنها الجهل بالشريعة في دار الحرب من مسلم لم يهاجر الينا وإنه يكون عذراً.
ويلحق به جهل الشفيع بالبيع، يكون عذراً وله حق الشفعة. وجهل الأمة اذا عتقت في ان لها خيار العنق والسفه، فيحجر على السفيه في ماله نظراً له. والسفر من اسباب التجفيف ايضا (راجع كتاب المسافر) والخطأ فهو عذر صالح لسقوط حقه تعالى والإكراه فإن له رخصاً معلومة في بابها. راجع المادتين 1006و 1007 في حق المكره والمواد 458 و 628 و 1457 و 1539 و 1573 و 1616 و 1541 و 1663 و 957 و 974 و 1904 تجد الرخص والتخفيف في حق الصبيان والمجانين والمعتوهين والوكلاء واعلم انه قد خرج عن هذه القاعدة ما نص عليه، وان كان فيه مشقة وعمت فيه البلوى، كبول الانسان المنصوص على نجاسته، فالمشقة هنا لم تجلب التيسير.
المادة ?? - الأمر اذا ضاق اتسع، يعني اذا ظهرت مشقة في امر يرخص فيه ويوسع.
هذه القاعدة مستخرجة من القاعدة قبلها، وبينهما تقارب في المال. فمن فروعها ان المديون اذا كان معسراً، ولا كفيل له بالمال، بترك الى وقت الميسرة. واذا لم يقتدر على ايفاء الدين جملة، يساعد على تأديته مقسطاً ومنها شهادة النساء والصبيان في الحمامات والمواضع التي لا يحضرها الرجال، دفعا لحرج ضياع الحقوق ومنها قبول شهادة القابلة على الولادة، ضرورة حفظ الولد ونسبه. ومنها إباحة أكل الميتة او مال الغير على ان يضمنه عند الاضطرار حفظا للحياة ومنها ان المتوفى عنها زوجها يباح لها الخروج من بينها ايام عدتها اذا اضطرت للاكتساب.
ومنها مسائل جواز التحري في كل شيء يباح عند الضرورة. ومنها جواز الإجارة على الطاعات كتعليم القرآن والأذان، على ما هو المفتى به عند المتأخرين، حفظاً للشعائر من الضياع. ومنها الاعذار الموجبة لفسخ الإجارة دفعا للضرر. وبلحق بذلك المسائل التي يغتفر فيها بالبقاء، ما لا يغتفر في الابتداء. لان البقاء على الامضاء ارفق من النقض. كبيع فن ضم الى مدبر او مكاتب بيع بالحصة مما يوزع على القن وما ضم اليه، وفيها نوع جهالة بمقدار الثمن، تندفع نوعا بالتقدير. الا ان المضموم الى القن دخل في العقد اولاً ثم خرج، فيتوسع بقاء. بخلاف من ضم الى حر، فهو بيع بالحصة ابتداء لعدم دخولك الحر أصلا
وكالموهوب اذا طرأ عليه الشيوع بعد القبض، اغتفر فيه بقاء لا ابتداء للتوسيع. ونظيره المأجور والمرتهن. (در المختار).
كذلك الحكم على غائب اوله، لا يجوز. وقد توسع في جوازه في كل محل يكون ما يدعي على الغائب، سبباً لا محالة لما يدعي على الحاضر، تسهيلا لرعاية الحقوق، كما هو مبسوط في الدر المختار وحاشيته رد المحتار من كتاب القضاء والأم لا تجبر على ارضاع ولدها قضاء. لكن اذا كان لا يلتقم الا ثديها، تجبر لدفع الضيق في إعاشة الصبي.
ومن مسائل التوسيع ما في الدر المختار وغيره: «لو مات المكاري في طريق مكة، ولا حاكم في الطريق، فتبقى الى مكة، فيرفع الامر الى القاضي ليفعل الأصلح: من ايجارها للمستأجر لو امينا، او بيعها ويدفع له اجرة الإياب، إن برهن على دفعها. فقد توسع في بقاء العقد للضرورة، كما توسم في فسخه للأعذار - اكثر مسائل الاجماع والاستحسان مبني على هذه القاعدة واعلم ان هذه القاعدة كالتي قبلها، تجري فيما ليس فيه نص صريح. والا فلا تقابل المنصوص عليه.
المادة 19 - لا ضرر ولا ضرار.
هذه هي لفظ الحديث النبوي الذي اسلفنا الكلام عليه في شرح المادة. السابعة، وان مأخذها منه، وتقدم طرف من الكلام على الفرق بين الضرر والضرار.
وفي الاشباه: (ويبتنى عليه كثير من ابواب الفقه، كالرد بالعيب وجميع انواع الخيارات والحجر بسائر انواعه والشفعة والقصاص والحدود والكفارات وضمان المتلفات والجبر على قسمة المشترك اذا اتحد الجنس، ونصب الأئمة والقضاة ودفع الصائل وقتال المشركين والبغاة، الى غير ذلك مما في حكمة شرعيته دفع الضرر، اذ لا ضرر ولا ضرار» وفيها ايضا عن البزازية من كتاب الكراهية، «باع اغصان فرصاد، والمشتري اذا ارتقى ليقطعوا يطلع على عورات الجيران، يؤمر بان يخبرهم وقت الارتقاء ليستتروا مرة او مرتين. فان فعل، والأ رفع الى الحاكم المنمه عن الارتقاء»
ومن فروعها ان احد الشريكين في الملك المشترك اذا احتاج الى العمارة وإلى الآخر، لا يجبر بل ينظر: اذا كان قابلاً للقسمة، يقسم ويفعل كل منها بنصيبه ما يريد. لأن في اجباره على تعمير ملكه شبهة المضارة المنعي عنها،. في رفع الأمر الى الحاكم حتى يحبس العين بعد التعمير بالأذن الى ان يستوفى من شريكه قدر ما أصاب حصته، تندفع الشبهة.
وهذا فيما لا يقبل القسمة. والاً يقسم ويفعل كل منهما بنصيبه ما اراد. لكن اذا كان الملك المشترك بين يتيمين محتاجاً إلى التعمير، فابي احد الوصيين وكان في إبانه ضرر على اليتيم، يجبر من قبل الحاكم كما
في مادة (1319) كذلك إذا تعلق في المشترك حق الغير، كالشركاء في حق الشرب، اذا كان النهر عاما وابي بعض الشركاء عن كريه، يجبر من قبل الحاكم كما يأتي في المادة (1324)
المادة 20 - الضرر يزال.
وانما كان الضرر بزال شرعاً لما استفيد من القاعدة قبلها. اذ يتفرع من قاعدة عدم جواز الضرر والضرار، ان الضرر يزال. وعلى هذا يبتنى كثير من ابواب الفقه: فإن خيار العيب والروية انما شرع لدفع الضرر، وخيار الشرط والنقد لدفع الضهور عمن شرط له، وشرعت الشفعة لدفع ضرر جار السوء، والجبر على القسمة بشرطه، والمهايأة لدفع ضرر الشركة وكذا ضمان المتلفات المذكورة من كتاب الإجارات في المواد 548,546,545 و 557,556,551 5940 6029 0 603 و 604 و606 و 611 ومثله مسائل الحيطان والمعاملات الجواربه المذكورة في المواد ???? و ???? و ???? و 1206 و 1212 و 1214 كلها متفرع من هذه القاعدة.
ويبتني عليها دفع الصائل، وقتال المشركين والبغاة، ونصب الأثمنة والقضاه (اشباه) قال: (وهذه القاعدة والتي قبلها متحدتان تصدق كل منهما على ما تصدق عليه الاخرى فيكتفى بذكر إحداهما»
واعلم ان هذه القاعدة مقيدة بالقاعدة الخامسة والعشرين الآتية، وهو ان الضرر يزال، لكن لا على الاطلاق، بل بشرط ان لا تكون إزالته بضرر مثله.
ومن فروع ذلك عدم وجوب العمارة على الشريك. وإنما يقال لمريدها أنفق واحبس العين الى استيفاء قيمة البناء أو ما أنفقته. فالاول ان كان بغير إذن القاضي، والثاني ان كان باذنه، وهو العتمد.
ولا يجبر السيد على تزويج عبده او امته وان تضررا. لان ذلك ضرر عليه والضرر لا يزال بمثله. ولا بأكل المضطر طعام مضطر آخر، ولا شيئًا من بدنه لهذه العلة ثم ان قاعدة الضرر لا يزال بمثله الآتية ليست ايضاً على الاطلاق، بل مقيده بالقاعدة 26 «بتحمل الضرر الخاص لدفع ضرر عام» فحينئذ تجوز إزالة الضرر بالضرر، وذلك ان يدفع الضرر العام بتحمل الضرر الخاص كجواز الرمي الى كفار تترسوا بصبيان المسلمين، ووجوب نقض حائط مملوك مال الى طريق العامة، على مالكه، دفعاً للضرر العام، وجواز الحجر على العاقل البالغ الحر عند ابي حنيفة رحمه الله تعالى في ثلاث: المفتي الماجين والطبيب الجاهل والمكاري المفلس (اشباه - وتمامه هناك) وبالتأمل يعلم ان القواعد ?? و ?? و 25 و 26 و 27
و 28 و 29 و 30 و ?? تتفرع من هذه القاعدة.
المادة ?? - الضرورات تبيح المحظورات
هذه قاعدة اصولية مأخوذة من النص وهو قوله تعالى: «إلا ما اضطرتم اليه، والاضطرار الحاجة الشديدة، والمحظور المنهي عن فعله، ان يعني الممنوع شرعا، نياح عند الضرورة. إعلم أولاً ان افعال المكلف من جهة التصرفات الحسية يتعلق بها حكمان: حكم يتعلق به اولاً وبالذات مقاصد دنيوية، ككون الفعل صحيحا، ام فاسداً، ام باطلا، ومنعقداً أم لا، ونافذاً ام لا، ولازماً ام لا، كما هو معلوم تفصيلاً من الأصول والفقه.
وحكم يتعلق به اولاً وبالذات مقاصد اخروية: وهي إما عزيمة وهو ما أعذار العباد. وإما رخصة، وقد تقدم بيانها في شرع ابتداء غير مبني على شرح المادة 17 فارجع اليها ثم هذه الرخصة ثلاثة انواع: نوع هو مباح كأكل الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وشرب الخمر عند المجاعة او الغصة او العطش او عند الإكراه التام بقتل او قطع عضو. فهذه الاشياء تباح عند الاضطرار لقوله تعالى (الا ما اضطررتم اليه (اي دعتكم شدة المجاعة الى أكلها. والاستثناء من التحريم إباحة (بدائع). وكما يتحقق الاضطرار بالمجاعة يتحقق بالإكراه، فيباح التناول، ولا يباح الامتناع. حتى لو امتنع حتى مات او قتل يؤخذ، لانه بالامتناع صار ملقياً نفسه بالتهلكة وقد نهي عن ذلك. وان كان الإكراه ناقصا كجنس او ضرب لا يخاف منه التلف، لا يحل له ان يفعل.
و نوع لا تسقط حرمته بحال، ولكن يرخص فيه: كاتلاف مال المسلم، والقذف في عرضه، وإجراء كلمة الكفر على لسانه اطمئنان القا بالايمان اذا كان الاكراه تاماً فهو في نفسه محرم مع ثبوت الرخصه ب فائر الرخصة في تغيير حكم الفعل وهو المؤخذة، لا في تغيير وصفه وهو الحرمة. والامتناع عنه أفضل حتى لو امتنع فقتل كان مأجوراً، ونوع لا يباح ولا يرخص اصلا لا بالاكراه التام ولا بخلافه: كقتل المسلم، او قطع عضو منه بغير حق، والزنا وضرب الوالدين. اذا عرفت هذا فهذه القاعدة لا تتناول النوع الاخير، لانه لا يباح بحال من الاحوال. بل تتناول النوع الاول مع ثبوت إباحته، والثاني مع بقائه على الحرمة. والترخيص إنما هو في رفع الاثم، كنظر الطبيب الى ما لا يجوز انكشافه شرعاً من مريض او جريح، فانه ترخيص في رفع الاثم لا الحرمة. وكالاضطرار لا كل مال الغير عند المخمصة، فانه لا يسقط حرمة مال الغير كما سيأتي في المادة ??، بل يسقط عنه الاثم، ويجب عليه ضمانه او
الاستحلال من صاحبه ومن قبيل الضرورات ما في المادة (1685).
المادة 22 _ الضرورات نقدر بقدرها
يعني كل فعل او ترك جوز للضرورة، فالتجويز على قدرها، ولا بتجاوز عنها. فمن أصابته مخمصة فاضطر لا كل الميتة او مال الغير على ان يضمن مثله او قيمته، بتناول مقدار ما يسد الرمق لدفع الهلاك والضرورة هنا من النوع الاول من انواعها التي ذكرناها في شرح المادة قبلها، فهي ترفع المؤخذة لا الضمان
كذلك الطبيب ينظر من العورة بقدر الحاجة.
واذا احدث رجل في بنائه شباكاً بطل على مقر نساء جاره، لا يؤمر بهدم الحائط وسد شباكه كليا، بل بقدر ما يرفع الضرر عن جاره بصورة تمنع النظر، كما يأتي في المادة (????) راجع المادتين 1317 و 1685
كذلك ما يأتي في المادة ??? لو ظهر للحاكم مماطلة المديون في اداء دينه حال كونه مقتدراً، وطلب الغرماء بيع ماله وتأدية دينه، تجر الحاكم ماله. واذا امتنع عن بيمه وابناء الدين، يبدأ الحاكم بما هو أهون في حق المديون بتقديم التقود اولاً، فان لم تف فالعروض، فان لم تف فالعقار، لان الضرورة تقدر بقدرها. ومن فروعها ايضاً أن المضارب من جهة كونه امينا، فرأس المال في يده امانة في حكم الوديعة. فبمقتضى المادة (1414) والمادة (1419) المضارب في المضاربة المطلقة إذا ذهب بعمل المضاربة الى محل غير البلدة التي وجد فيها يأخذ مصروفه بالقدر المعروف من مال المضاربة ولا بتجاوزه. ومنها ما في الخانية من «فصل في الخان»: «المرضمة اذا ظهر بها الحيل وانقطع لبنها، وليس لأبي الصغير ما يستأجر به ظراً، ويخاف هلاك الولد، قالوا ياح ان تعالج في استغزال الدم ما دام الحمل نطفة او علقة او مضغة لم يخلق له عضو، وقد روا تلك المدة بمائة وعشرين يوماً. وانما ابلحوا لها افساد الحمل باستغزال الدم لانه ليس بآدمي، فيباح لصيانة الآدمي ولا يجوز بعد مضي مائة وعشرين يوماً، لأنه يكون قتل نفس محترمة الصيانة نفس. أخرى»
وفيها ايضا، من فصل من لا تقبل شهادته لفسقه: «لو ادعى رجل على آخر حقا وشهدت به الشهود، فقال المدعي عليه انا اقيم بينة على ان الشهود فقة او زناة، او على اقرار الشهود ان المدعى استأجرهم على هذه الشهاده، او على اقرارهم انهم قالوا لا شهادة عندنا للمدعى على هذا المدعي عليه
ولا على غيره، لم تقبل شهادة شهود المدعى عليه، ولا يثبت الجرح عند علمائنا.» وعللوا ذلك بأن هذا طعن مجرد لا يترتب عليه حكم فيه اظهار الفاحشة من غير ضرورة، فيفسق صاحبها فلا تقبل فان قيل يترتب عليها حكم وهو رد الخصومة عن المدعى عليه، اجابوا بانه يمكن الشهود اخبار القاضي بذلك سراً، من دون هتك الستر. والشاهد هنا أن ضرورة دفع الخصومة عن المدعي عليه تتأتى بهذا المقدار، ولا يجوز التجاوز عنها لدرجة الإشاعة، حيث كانت جرحاً مجرداً، بخلاف ما لو ادعى المشهود عليه جرحاً يدخل تحت الحكم وهو الجرح المركب، بان اقام البينة ان شهود المدعى زنوا، ووصفوا الزنا، او شربوا الخمر ولم يتقادم، او سرقوا مني شيئاً، قبلت شهادتهم وبطلت بينة المدعى. لأن شهود الجرح وان اظهروا الفاحشة فانما اظهروها لايجاب الحد واقامة الحسبة، فجازت شهادتهم. اه يبعض تلخيص وتمامه هناك ومن فروعها ان الكفار حال الحرب اذا تترسوا بأطفال المسلمين، فلا بأس بالرمي عليهم لضرورة اقامة فرض الجهاد. لكنهم يقصدون الكفار دون الاطفال - وهل تجب الدية والكفارة؟ عندنا لا
وقال الحسن ابن زياد تجب الدية والكفارة.
وجه قوله ان دم المسلم معصوم فكان ينبغي ان يمنع من الرمي الا انه لم يمنع لضرورة فرض الجهاد. فعلى قوله يتقدر بقدر الضرورة في رفع الموه خذة لا في نفي الضمان (بدائع). ومنها ما في مبسوط السرخسى من كتاب المأذون، في «باب العبد بين رجلين بأذن له احدهما»: لو كان العبد بين رجلين، فكاتب احدهما نصيبه، فللآخران يطل الكتابة لدفع الضرر عن نفسه. فان لم يبطل الكتابة حتى راه يشتري و ببيع فلم ينهه، لم يكن ذلك اجازة للكتابة موله ان يطلها، وكان هذا السكوت اذنا منه له في التجارة لأن الاذن في التجارة يثبت مجرد الرضا بتصرف العبد، والسكوت عن النهي دليل عليه. واما في الكتابة، فيحتاج الى التوكيل، والتوكيل لا يثبت بالسكوت، لانه محتمل للمرضى وعدمه. لكنه في جانب الاذن بالتجارة يترجح جانب الرضا لضرورة الحاجة الى دفع الضرر والغرور عن الناس، وهذه الضرورة ترتفع اذا جعل السكوت اذنا، وإن لم يجعل اجازة للكتابة، والثابت بالضرورة يتقدر بقدرها فلا يتجاوز الى إلى اجازة الكتابة اه.
ومنها ما ورد على فكر الفقير ثم رأيته في الأشباه: ان الغزاة في دار الحرب ياح لهم الانتفاع بالمأكول والمشروب والعلف والحطب من الغنائم قبل الاحراز بدار الاسلام، فقيراً كان المنتفع أو غذا، لكن بما فيه دفع الضرورة لا غير. حتى لو وطأ احد الغزاة جارية من المغنم في دار الحرب، وان كان يسقط عنه الحد من جهة ان له فيها حقاً اورث شبهة، لكن لا يثبت النسب لو ادعى الولد. والمسئلة مبسوطة في البدائع.
هذا، ومن اجل ان الضرورة تقدر بقدرها، قال علماء الاصول من الحنفيه ان المقتضى) بالفتح) وهو الثابت بدلالة الاقتضاء، لا عموم له. لأنه ثبت شرعاً لضرورة تصحيح الكلام المنطوق، فيتقدر بقدرها. فلو قال: ان اكلت فعبدي حر، ونوى طعاماً دون طعام، لا يصدق عندنا لا ديانة ولا قضاء. ولو اكل اي طعام كان حنث - اما عدم تصديقه في نية طعام مخصوص، فلأن الطعام هنا مقتضي (بالفتح) اقتضاه «اكلت» لأن الأكل يقتضى مأكولاً ما، وليس عاماً حتى يصح فيه نية التخصيص واما انه يحنث بأي طعام اكل، فليس ذلك لعموم المقتضي (بالفتح) بل لوجود ماهية الأكل ولو صرح بالمفعول به وقال: اكلت طعاماً، يحنث بكل طعام وبصدق في نية التخصيص، لأنه حينئذ ملفوظ لا مقتضى. وتمامه في كتب الاصول.
تنبيه
اعلم ان الضرورات كما تكون في الافعال، تكون في التروك، وتقدمت في الافعال، ومثالها في التروك: «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» ومصداق ذلك ما رواه مسلم بسنده عن ابي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال صلى الله عليه وسلم (من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فان لم يستطع فبلسانه، فان لم يستطع فبقلبه، وذلك اضعف الإيمان) فمن رأى المنكر، وقد فقد في إزالته الاستطاعة بالفعل مع الامكان باللسان، لا يجوز السكوت، لان الضرورة تقدر بقدرها. فان لم يستطع ايضا باللسان (فبالقلب. والله الموفق.
المادة 23 ما جاز لعذر بطل بزواله
اي لأن جوازه لما كان بسبب المذر، فهو خلف عن الاصل المتعذر. فاذا زال العذر وامكن العمل بالاصل، فلو جاز العمل بالخلف ايضا، للزم الجمع بين الخلف والأصل فلا يجوز. كما لا يجوز الجمع بين الحقيقة والمجاز لهذه الملة. في منى البطلان شامل لسقوط اعتباره من حيث انه يصير في حكم العدم كالنجم اذا وجد الماء، ينتقض وضوء بالحدث السابق. حتى لو وجده وهو في اثناء الصلوة بطلت، ويفترض عليه الوضوء.
ولوجوب الانسلاخ عنه كابس الحرير لمن في جسده حكة ثم زالت ولهذه القاعدة فروع في العبادات والمعاملات:- - منها المصلي اذا كان على ثوبه نجاسة اكثر من قدر الدرهم، ولم يجد ماء ليضله، فلو صلى فيه صلوات عديدة ثم بعد الفراغ منها وجد الماء، لا يعيدها للحرج. لكن اذا وجده في اثناء آخر
صلوة يصليها، تبطل. ومنها الموصى في الصلاة اذا قدر على القيام، والأمي" اذا تعلم القرآءة، والعاري اذا وجد ثوباً يستر عورته، لأن الطهارة والستر والقيام والقراءة فرض على القادر عليها، والسقوط عن هؤلاء للعجز، وقد زال ومنها الشيخ الفاني اذا فدى عن صومه، والمريض العاجز عنه، فهما على هذا الحكم (بدائع وغيره) ومنها المعتدة عن وفاة زوجها، يجب عليها المكث في بيتها المعتدة فيه الى اكمال عدتها. لكن حيث لا نفقة لها، اذا اضطرت للخروج لضرورة الكسب، فمتى حصل لها مال فاستغنت عن الخروج، فقد زال المذر فليس لها الخروج (بدائع ودر المختار) ومنها الوكيل اذا عزله الموكل ولم يبلغه العزل، ثم عمل بالوكالة، جاز على موكله. فاذا زال جهله وعلم بالعزل، فلا يجوز له التصرف ومنها ما في البدائع وغيره: من كان له عبد فجنى على احد، فلمولاه الخيار: اما ان يدفع العبد للمجنى عليه، او يفديه بالأرش. فلو ضرب المولى عينه فابيضت، وهو عالم بالجناية حتى جعل مختاراً للغداء 10 ثم ذهب البياض، فان ذهب قبل ان يخاصم فيه، بطل الاختيار ويؤمر بالدفع أو الفداء لأنه انما جعل مختاراً لاجل النقصان وهو تعييب العبد، وقد زال، فجعل كأن لم يكن. وان خوصم في حال البياض، فضمنه القاضي قيمته، ثم زال البياض، تأكد الضمان بالقضاء، فلا يبطل الاختيار.
ومنها لو حدث بالمأجور عيب يخل بالمنفعة حتى صار المستأجر خيار الفسخ لعذر العيب، فقبل الفسخ لو ازاله المؤجر، بطل خيار المستأجر.
وتخرج على هذه القاعدة كثير من احكام العوراض على اهلية الانسان سواء كانت سماوية او مكتسبة، كمذر السفر المؤدي الى مثل اباحة الفطر، وقصر الصلاة، وترك الجمعة، فاذا زال العذر، يرتفع ذلك وكأعذار الصفر والجنون والعته والسفه والمماطلة الموجبة للحجر على الصغير والمجنون والسفيه والمديون المماطل، يرتفع الحجر بزوالها
المادة 24 - اذا زال المانع عاد الممنوع
يعني كل حكم اذا كان جوازه او عدم ثبوته لمانع، فاذا زال المانع، عاد الممنوع وهو عدم الثبوت والجواز مثلاً: الصبي المميز اذا تحمل شهادة، والاعمى اذا تحملها بصيراً ثم عمي، والعبد اذا تحملها حال الرق، فالصفر والعمى والرق مانع من قبولها. فاذا بلغ الصي، وعاد الاعمى بصيراً، وعتق العبد، جازت شهادتهم لزوال المانع. والمشتري اذا تبين له في مشريه عيب قديم كان عند البائع، فله الخيار بين قبوله بالثمن المسمى، او الرد على بائعه. لكن اذا حدث عند المشترى عيب يمنع الرد، فلا خيار له بمقتضى المادة
(345) بل يرجع على البائع بنقصان الثمن بمقتضى المادة (347) اذا زال العيب الحادث، يعود الممنوع، وهو حق الرد ولها فروع كثيرة: منها ان الواهب بمقتضى المادة (862) و (864) يسوغ له الرجوع في هبته قبل القبض مطلقا، او بعده برضى الموهوب له او حكم الحاكم لكن اذا حدث في الموهوب زيادة متصلة امتنع الرجوع. فاذا زالت الزيادة، كما لو كان الموهوب ارضا فأحدث فيها الموهوب له بناء او غرس شجراً، فزال البناء والشجر حتى صارت ارضاً، يعود الممنوع - وهو حق الرجوع لزوال المانع - وهو الزيادة. ومنها كما جاء في المادة (1615) لو سبق من المدعي كلام مناقض لدعواه لا تسمع دعواه بمقتضى المادة (1647) لوجود المانع، فاذا زال التناقض بتصديق الخصم او تكذيب الحاكم كما في المادتين (1653) و (1654) يعود المنوع، وهو سماع الدعوى - اما بتصديق الخصم فظاهر. واما بتكذيب الحاكم، فكما لو ادعى مستحق عيناً في يد شخص، فانكر المدعى عليه وقال هو لفلان اشتريته منه، فأثبته المدعي، يصح رجوعه على بائعه بعد الحكم وان كان اقر له بالملكية، لارتفاعه بتكذيب الحاكم ومنها ان الأمة المعتدة من زوج، لها الخروج من بيت عدتها لخدمة مولاها. فلو اعتقها بازمها فيما بقي من عدتها ما يلزم الحرة من المكث في بيت عدنها، لأن المانع قد زال، فعاد الممنوع كذلك الكتابية المطلقة من مسلم لها ان تخرج، لان السكنى حق الله تعالى من وجه، فتكون عبادة من هذا الوجه، وهي غير مخاطبة بذلك. لكن اذا اسلمت وهي في العدة، لزمها فيما بقي من العدة ما يلزم المسلمة، لأن المانع من اللزوم هو اختلاف الدين، وقد زال بالاسلام، فعاد الممنوع، وهو اللزوم.
ومنها ما لو ادعى ولد مكاتبة ابنه، لم يثبت نسيه منه. لان النسب لا يثبت بدون الملك، والمكاتبة لا تحتمل التملك، فلا تصح دعوته (¬1). لكن اذا عجزت، تنفذ دعوته لانها بالعجز عادت قناً، فتصح. فقد
¬
(¬1) اعلم ان ما يعترف به الانسان من بنوة اللقيط الصغير أو المولود من امته مثلاً بأنه ولده يقال له دعوة لا دعوى لأن بينهما فرقاً. وذلك ان الدعوى بألف التأنيث هي في اصطلاح الشرع طلب حق له قبل آخر امام القاضي. والدعوة بالتاء المربوطة هي عبارة عن اعتراف الانسان بأن الصغير الذي ليس له اب معروف كاللقيط والمولود من امة لا زوج لها بأنه ابنه. فهذا فيه نفع للصغير فيقال صحت دعوته. وان كان ثابت النسب من الغير يقال بطلت دعوته، لأنه لا دعوى هنا اصلاً بالمعنى الشرعي بل اعتراف بلصوق الولد به وعن هذا يقال لسائل حاجة من الله تعالى دعاء دعوة وفي الآية (ثم اذا دعاكم دعوة من الارض - الآية) وفي الحديث «انقوا دعوة المظلوم» معنى الآية ان الله تعالى يطلب العباد اليه من قبورهم للحساب. ومعنى الحديث ان المظلوم يطلب من الله تعالى ان يكون عوناً له على ظالمه. فالمعنى اللغوي كما ذكرناه. والمعنى الاصطلاحي للدعوى هو طلب حق له قبل آخر امام القاضي.
عاد عجزت، نتفذ دعوته لانها بالعجز عادت قناً، فتصح. فقد عاد الممنوع - وهو الصحة – بزوال المانع – وهو الكتابة. يصح. فلما زال
ومنها ان الام او غيرها من اهل الحضانة، اذا سقط حقها من حضانة الولد لمانع. كأن تزوجت من اجنبي مثلا ثم طلقها الزوج او مات عنها، عاد حقها لزوال المانع ومنها مريض مسلم اقر لابنه النصراني بدين، ثم اسلم الابن، لم يجز اقراره عند المتنا الثلاثة - وجهه ان اختلاف الدين كان مانعا من بطلان الاقرار، لكونه غير وارث، فلما اسلم صار وارنا، واقرار المريض للوارث لا اختلاف الدين، عاد الممنوع، وهو البطلان. ومنها لو اوصى لعبد وارثه، لا تصح الوصية، سواء كان على العبد دين او لا. فاذا عتق قبل موته صحت، لان الرقبة كانت مانعة منا لصحة، وقد زالت فعاد الممنوع، وهو الصحة. ومنها لو آجر مشاعاً يحتمل القسمة لا يجوز، لكن اذا قسم وسلم جاز، لزوال المانع، فيعود الممنوع.
المادة 25 - الضرر لا يزال بمثله
هذه القاعدة مقيدة للقاعدة العشرين يعني ان الضرر مهما كان واجب الازالة فاز الته اما بلا ضرر اصلاً، أو بضرر اخف منه، كما سيأتي في المادة (27) واما ازالته بضرر مثله او اشد فلا يجوز - وهذا غير جائز عقلاً ايضا لان السعي في إزالته بمثله عبث.
ومن فروع هذه القاعدة ما لو اكره على قتل المسلم بالقتل مثلا، لا يجوز لأن هذا ازالة الضرر بضرر مثله. بخلاف اكل ماله، فانه ازالة الضرر بما هو اخف. ومنها ما في تنوير الابصار وشرحه الدر المختار والبدائع: عبد قدم مصرا، وقال انا عبد فلان مأذون في التجارة، فصدقوه وبايعوه حتى صار مديونا، ياع كسبه لا رقبته، لان الرقبة لمولاه، فلو بيعت لتضرر بغير حق، فيكون ازالة الضرر عن الغرماء بمثله، وهو ضرر المولى - الا اذا كان اذن المولى شائعاً، وثبت باقراره او ببينة يقيمها الغرماء، فتباع رقبته حينئذ. لأن المولى هو الذي التزم ذلك بالاذن من قبله.
ومنها ما في المادة (345): اذا حدث في المبيع عيب عند المشتري، ثم ظهر فيه عيب قديم كان
عندالبائع، فليس للمشترى ان يرده على بائعه بالعيب القديم لان الضرر لا يزال بمثله. بل له الرجوع بنقصان العيب فقط، فيدفع بقدر الامكان، وهذا اخف الضررين. ومنها ما في تنوير الابصار وشرحه: البناء على ساحة مغصوبة. وقيمته البناء اكثر. يملكها الباني. ومنها ابتعلت دجاجة لؤلؤة، او ادخل البقر رأسه في قدر، او اودع فصيلا فكبر في بيت المودع ولم يمكن اخراجه الا بهدم الجدار، يضمن صاحب الأكثر قيمة الاقل) در المختار (قال: «والاصل ان الضرر الأشد يزال بالأخف» راجع المادة (906) ومنها ما في الماده (???? اذا طلب شخص تعمير الملك المشترك القابل للقسمة، وكان شريكه ممتنعاً، وعمره بدون اذن يكون متبوعاً، يعني لا يسوغ له الرجوع على شريكه بحصته. وان كان ذلك الشخص قد راجع المحاكم امتناع شريكه، فبمقتضى المادة (25) لا يجبر على التعمير، لكن يجبر على القسمة، وذلك الشخص - بعد القسمة القسمة - يفعل بحصته ما يشاء. فعدم الجبر مبني على هذه القاعدة. وبمقتضى المادة (????) اذا لم يكن قابلاً للقسمة كالطاحون والحمام واحتاج الى العمارة، وطلب احد الشريكين تعميره، وامتنع يصرف عليه قدراً معروفاً باذن الحاكم، ويعمره ويكون مقدار ما اصاب حصة شريكه من المصاريف التعميرية دينا له عليه، وله ان يستوفي دينه هذا من اجرته بايجار ذلك الملك المشترك - وان عمر من غير اذن الحاكم، فلا ينظر الى مقدار ما صرفه، ولكن له ان يستوفى المقدار الذي اصاب حصة شريكه من قيمة البناء وقت التعمير على الوجه المشروح والحاصل ان الضرر ما از يل بمثله بل بقدر الامكان ازيل باخف منه ولا تمام الفائدة ننقل هنا ما ذكره صاحب البحر من كتاب القضاء في مسائل متفرقة: فيما لو كان علو لرجل، وسفله لآخر، كيف يكون تصرف كل منهما في ملكه؟ – قال «واتفقوا على منع هدم صاحب السفل الجدار الحامل للعلوكما قدمناه، فان هدمه أجبر على بنائه، لأنه تعدى على صاحب العلو بهدم ما هو قرار العلو. كالراهن اذا اتلف المرهون والمولى اذا قتل عبده المديون فرق بين حق التعلي وحق التسييل، حيث لو هدم في الاول يجبر على البناء، ولو هدم في الثاني لا يجبر» وفي الذخيرة: «السفل اذا كان لرجل وعلوه لآخر، فسقف السفل وجذوعه وهراديه و بوار به وطينه لصاحب السفل، غير ان صاحب العلو مسكنه في ذلك اه»
وذكر الطرسوسي ان المرادي ما يوضع فوق السقف اما من قصب او من عريش. وذكر ابن وهبان انه المكعب وفي جامع الفصولين: «لكل من صاحب السفل والعلو حق في ملك الآخر، لذى العلو حق قراره، ولذى السفل حق دفع المطر والشمس عن السفل فالملك مطلق والحق مانع، وقد اجتمعا فجمعنا بينها» وتمامه هناك
ثم قال بعد اسطر: (لو هدم ذو السفل سفله، وذو العلو علوه، اخذ ذو السفل ببناء سفله، اذ فوت عليه حقا ألحق بالملك فيضمن، كما لو فوت عليه ملكاً اه». وظاهره انه لا جبر على ذى العلو، وظاهر ما في فتح القدير خلافه، والظاهر الثاني. ويحمل الاول على ما اذا بنى صاحب الفل سفله، صاحبه، وطلب من ذي العلو بناء علوه، فانه يجبر. ولو انهدم السفل بغير صنع لا يجبر على البناء لعدم التعدي. ولصاحب العلوان يبني ان شاء و يبني علوه، ثم يرجع ويمنعه عن السكنى حتى يدفع اليه، لكونه مضطراً، كمستعير ثم الرهن اذا قضى الدين بغير اذن الراهن، لا يكون متبرعا. ولو انهدم العاء والسفل، فكذلك. ثم الرجوع هل بقيمة البناء أو بما أنفق؟ - قيل: ان كان صاحب العلو مضطراً يرجع على صاحب السفل بقيمة السفل مبنياً، لا بما أنفق. وقيل: ان بني بأمر
القاضي يرجع بما انفق، وإلا رجع بقيمة البناء، وبه يفتى (كذلك في قسمة الولو الجيه)
واذن الشريك كأذن القاضي، فيرجع بما انفق، كما حرره العلامة ابن الشحنه في شرح المنظومة. واذا قلنا يرجع بقيمة البناء عند عدم الإذن؛ فهل المعتبر قيمته يوم البناء، او وقت الرجوع؟ - قولان: والصحيح وقت البناء، وهو مبني على ان المبنى ببنى على ملك الشريك، او على ملك الباني، ثم ينتقل منه.
وفي جامع الفصولين: «جدار بينهما، ولكل منهما حمولة، فوهي الحائط، فاراد احدهما رفعه ليصلحه، وابى الآخر، ينبغي ان يقول مريد الاصلاح للآخر: ارفع حمولتك باسطوانات وعمد، و يعلمه انه ير بد رفعه في وقت كذا، واشهد على ذلك. فلو فصله، والا فله رفع الجدار. فلو سقط حمولته لم يضمن اه»
المادة 26 - يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام
هذه المادة مقيدة لما قبلها، اي لا يزال الضرر بالضرر الا اذا كان احدهما عاما والآخر خاصاً، فيتحمل حينئذ الضرر الخاص لدفع الضرر العام وهذه قاعدة مهمة من قواعد الشرع، مبنية على المقاصد الشرعية في مصالح الجياد استخرجها المجتهدون من الاجماع ومعقول النصوص. فقد ذكر حجة الاسلام الامام الغزالي في المستصفى ما ملخصه ان الشرع انما جاء ليحفظ على الناس دينهم وانفسهم وعقولهم وانسابهم واموالهم. فكل ما يكون بعكس هذا فهو مضرة يجب ازالتها ما امكن، والأفتأييداً لمقاصد الشرع يدفع في هذا السبيل الضرر الأعم بالضرر الأخص. ولهذه الحكمة يحكم على من سرق مقدار عشرة دراهم فضة بالقطع، دون من اختلس او نهب اضعاف ذلك لان المختلس - وهو من بأخذ المال مسارقة والناهب
- وهو من يأخذه جهراً - يمكن الاحتراز منهما، والسارق لا يمكن الاحتراز منه، فانه ينقب الدور ويكسر القفل وبهتك الحرز، ولا يمكن صاحب المتاع الاحتراز لحفظ ماله باكثر من ذلك فكان ضرر السارق عموميا. فلولم يشرع قطعه، لسرق الناس بعضهم بعضاً. فجعل حده القطع لينزجر غيره. فيتحمل الضرر الأخص لدفع الضرر الأعم.
ومن هذا القبيل قتل الساحر المضر والكافر المضل، لان هذا يفتن الناس، وهذا يدعوهم الى الكفر ويهدم دينهم، فيتحمل الضرر الأخص لدفع الأعم (مستصفى) كذلك الفعل المنكر يجب انكاره وازالته. لكن اذا كان يترتب على ازالته وقوع منكر اعظم، او يعم ضرره، يترك الانكار. فهذه القاعدة تجري في كل مسئلة تدور بين ضرر ين خاص وعام، وكثير من الاوامر والنواهي الشرعية والحدود والعقوبات مشروع لهذا المعنى. ومن فروعها ايضا جوار الرمي الى كفار تترسوا بصبيان المسلمين لدفع ضرر زحفهم على العموم.
ومنها وجوب نقض حائط بملوك مائل الى طريق العامة، على مالكه، دفعاً للضرر العام.
ومنها التسعير بسعر معتدل بمعرفة اهل الخبرة، عند تعدي ارباب الطعام في بيعه بغين فاحش، دفعاً للضرر العام. ومنها جواز الحجر على العاقل البالغ الحر عند الامام الاعظم في ثلاثة: المفتي الماجن والطبيب الجاهل والمكاري المفلس، دفعاً للضرر العام في الدين والنفوس والاموال ومنها بيع طعام عند الحاجة جبراً اذا امتنع.
ومنها هدم البيوت المجاورة للحريق منعاً لسرايته كما في المادة (???) ومنها الشركاء في الشرب من نهر مست الحاجة الى تعزيله، وابى احد الشركاء، فينظر: ان كان النهر عاماً، يجبر الآبي على الكرى مع بقية الشركاء. وان خاصاً، لا يجبر. فالطالبون يكرون ذلك باذن الحاكم، و يمنعون الآبي بالانتفاع بالنهر، حتى يؤدى مقدار ما اصاب حصته من المصرف، راجع المادتين 1323 و 1324
ومنها بيع مال المديون المحبوس عندهما القضاء دينه، دفعاً للضرر عن الغرماء. ومنها منع اتخاذ حانوت للطبخ بين البزازين.
المادة 27 - الضرر الاشد يزال بالاخف
هذه القاعدة قيد للمادة (??) يعني ان الضرر انما يزال اذا لم يتأت من ازالته ضرر مثله او اشد. والا فاذا دار الامر بين ضررين، فيتحمل الأخف لإزالة الأشد. فهذه القاعده والتي قبلها اخوان: فان
الضرر اذا كان عاماً، اشد منه خاصا. وهي من قبيل القاعدة الآتية: اذا تعارض مفسدتان روعي اعظمها ضرراً بارتكاب اخفها. والاصل في ذلك ان من ابتلى ببليتين وهما متساويتان، يأخذ بايعهما شاء. وان اختلفا، اختار اهونهما. لان مباشرة الحرام لا تجوز الا للضرورة، ولا ضرورة في حق الزيادة.
فلو كان رجل له جرح، لو مسجد سال جرحه، يومى ويصلي قاعداً: لأن ترك المجود اهون من الصلاة مع الحدث (شرح مجامع) ومن فروعها ما في الاشباه: (شيخ لا يقدر على القراءة قائماً ويقدر عليها قاعداً، يصلي قاعداً، لانه يجوز حالة الاختيار في النفل، ولا يجوز ترك القراءة بجال. ولو ان امرأة لو صلت قائمة ينكشف من عورتها ما يمنع جواز الصلاة، ولو صلت قاعدة لا ينكشف منها شيء فانها تصلى قاعدة، لأن ترك القيام اهون وتمامه هناك. ومن فروعها المسئلتان المذكورتان في المادتين 1140 و 906 قال في الاشباه: «ومن ذلك الاجبار على قضاء الدين والنفقات الواجبات وحبس الاب لو امتنع عن الاتفاق على ولده، بخلاف الدين.» كذلك لو ابتلعت دجاجة لؤلؤة آخر وكانت قيمة اللؤلؤة اكثر،
يضمن صاحب اللؤلؤة قيمة الدجاجة لصاحبها، ويتملكها. ولو امتنع الرد بالعيب لمانع، كما لو حدث في المبيع عيب عند المشترى) او احدث فيه زيادة متصلة كشوب صبغه، يرجع المشتري بنقصان العيب، إذ لو اعتبر المانع وألزم به المشتري بدون رجوع بنقصان العيب، فهو ضرر عليه، ولو أجبر البائع على الرد وقبوله بالعيب الحادث، او تضمينه قيمة الزيادة المتصلة، فهو ايضا ضرر عليه، فيختار اخف الضررين في حق الجانبين، وهو الرجوع بالنقصان. راجع المواد 345 و 349 و 350 وفي البدائع: «لو غصب ارضاً فبنى عليها او غرس فيها، لا ينقطع حق المالك، ويقال للغاصب اقلم البناء والفرس وردها فارغة. فان كانت الارض له قيمة البناء والغرس مقلوعاً، ويكون تنقص بقلع ذلك، فللمالك ان يضمر له البناء والفرس، لان الغاصب يتضرر بالمنع من التصرف في ملك نفسه بالقلع، والمالك ايضاً بتضرر بنقصان ملكه، فلزم رعاية الجانبين بهذه الصورة، وفي ذلك اخف الضرر ين.
المادة 28 اذا تعارض مفسدتان روعي اعظمها ضرراً بارتكاب اخفها.
هذه القاعدة وما قبلها و بعدها متحدثات والمسمى واحد، وإن اختلف التعبير .. وما يتفرع على أختيها يتفرع عليها. ومن ذلك ما في المواد 902 و906 و 919 انظر اليها.
ومن فروعها جواز شق بطن الميت لاخراج الولد اذا كانت ترجى حياته (اشباه) كذلك لا يجوز للانسان ان ياقى بنفسه الى التهلكة. لكن اذا وقع بين امرين احدهما اهون من الآخر، كما لو هدد بالقتل
على ان يرمي بنفسه من مكان مرتفع عن الارض مقدار اربعة اذرع مثلاً، يجب عليه رمي نفسه لاحتمال النجاة - فيختار اهون الشرين ولو هدد إما بالقتل، وإما بأن يرمي بنفسه من مكان عال كالمنارة فعلى قول الامام الاعظم له الخيار، لكون المفسدتين متساويتين.
المادة 29 - يختار اهون الشرين
مثالها ما في المادة (???) لو خرج ملك احد من يده بلا قصد، كما لو سقط جبل بما عليه من الروضة على الروضة التي تحته، يتبع الأقل في القيمة الأكثر بعني يضمن صاحب الارض التي قيمتها اكثر لصاحب الأقل، ويتملك تلك الارض - مثلا لو كان قبل الانهدام قيمة الروضة الفوقانية خمسمائة والتحتانية الفا، يضمن صاحب الثانية لصاحب الأولى قيمتها ويتملكها وفي الحقيقة هذه المواد الثلاث اعني ?? و ?? و ?? متحدات كما تقدم، و جميع فروعها متساويات.
المادة 30 - درء المفاسد اولى من جلب المنافع
اي رفعها وازالتها. فاذا تعارضت مفسدة ومصلحة، فدفع المفسدة مقدم في الغالب با لان اعتناء الشرع بالمنهيات اشد من اعتنائه بالمأمورات، لما يترتب عليها من الضرر المنافي لحكمة الشارع في النعي. ولذا قال صلى الله عليه وسلم: اذا امرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم واذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه. «وفي الكشف حديث: «ترك ذرة مما نعى الله عنه خير من عبادة الثقلين» اه (مجامع.) من فروعها ما في المادة (????): كل يتصرف في ملكه كيف يشاء لكن اذا تعلق حق الغير به، يمنع المالك من تصرفه على وجه الاستقلال. مثلا: صفل ملك واحد، وفوقانيه لآخر، فلصاحب الفوقاني حق القرار، ولصاحب التحتاني حق السقف في الفوقاني، يعني بتستره من الشمس وبتحظفه من المطر. فليس لأحدهما ان يفعل شيئًا مضراً الا باذن الآخر ولا ان يهدم بناء نفسه اه لأن الملك وان كان من شأنه ان يتصرف فيه مالكه كيف شاء، لكن اذا كان للغير حق يتعلق به، يمنع من التصرف بوجه بضر به. واعلم ان هذا الحكم يجري فيما لولم يكن الضرر متكوناً بعد تصرف مشروع والا فلا يمنع، بل على المتضرر ان يزيل الضرر عن نفسه، كما في المادتين ???? و ????ومثله لو احدث شخص داراً في جوار حداد دكانه قبل الدار، وكان صاحب الدار يتضرر من طرق الحديد، فلا يمنع ومن فروعها ما في الاشباه: اذا وجب عليها الغسل، ولم تجد سترة من الرجال، تو خره. ومنها المبالغة في المضمضة والاستنشاق مسنونة، وتكره للصائم. وتخليل الشعر سنة في الطهارة، وبكره للمحرم. وانما قلنا دفع المفسدة مقدم في الغالب، لانه قد تراعى المصلحة
لغلبتها على المفسدة. فمن ذلك الصلاة مع اختلال شرط من شروطها من الظهارة والستر والاستقبال، فان كل ذلك مفسدة لما فيه من الاخلال بتعظيم المعبود في انه لا يناجي الأ على اكمل الاحوال، ومع هذا فلو تعذر عليه شيء من ذلك، لا تسقط عنه الصلاة، بل يؤديها مع هذه المفاسد، لتزجج مصلحة الصلوة. كذلك الكذب مفسدة محرمة، ومتى نضمن جلب مصلحة تربو عليه، جاز الكذب للاصلاح بين الناس، وعلى الزوجة لاصلاحها. لكن هذا النوع، كما في الاشباه، راجع في الحقيقة الى ارتكاب اخف المفسدتين، وداخل في القاعدة 38
المادة 31 ـ الضرر يدفع بقدر الامكان
يعني ان الضرر يدفع شرعاً. فان امكن دفعه بدون ضرر اصلا، والا فيتوسل لدفعه بالقدر الممكن.
فعلى هذا لو امتنع الاب من الاتفاق على ولده، يجبس لدفع ضرر الهلاك عن الولد، مع انه لا يحبس لاجل دينه .. وقالوا: من شهر على المسلمين سيفا فعليهم ان يقتلوه اذا مست الضرورة، لقوله صلى عليه وسلم: «من شهر على المسلمين سيفاً فقد احل دمه» ولأنه باغ، فلضرورة دفع الضرر، سقطت عصمته (مجمع الحقائق) ومن فروعها ان المضطر ان يأكل مال الغير، لكن عليه الضمان، لأن دفع الضرر بقدر الامكان
ومنها لو ظهر في المبيع عيب قديم، وقد طرأ عليه عيب آخر عند المشتري، امتنع رده، لكن لدفع الضرر بقدر الامكان يرجع بنقصان العيب كما في المادة (345). ومنها ما يأتي في المادتين ???? و ???? راجعها. ومنها ما في البدائع وغيره من كتاب الاستحسان: ان المحتكر للطعام عند شدة الحاجة، يؤمر بالبيع ازالة للظلم، لكن انما يؤمر ببيع ما فضل عن قوته وقوت اهله، فان لم يفعل واصر على الاحتكار، ورفع الى الإمام مرة اخرى وهو مصر عليه، فان الإمام يعظه و يهدده، فان لم يفعل، ورفع اليه مرة ثالثة، يحبه ويعزره، زجراً له عن سوء صنعه، ولا يجبر على البيع. وقال محمد يجبر عليه. وفيه: «اذا خاف الإمام الهلاك على اهل المصر، اخذ الطعام من المحتكرين وفرقه عليهم. فإذا وجدوا، ردوا عليهم مثله لانهم اضطروا اليه، ومن اضطر الى مال الغير في مخمصة، كان له ان يتناوله بالضمان. ومنها ما نصوا عليه: لو ملك اثنان عبداً ذا رحم محرم من احدهما، بسبب لا صنع لهما فيه، بأن ورثاه وهو قريب احدهما حتى عتق عليه، لا يضمن نصيب شريكه، مومراً كان او معسراً، لعدم صنع منه يوجب الضمان. لكن
يسعى العبد في نصف قيمته لشريكه، ازالة لضرر الشريك بقدر الامكان. ومنها ما في البدائع: «امة اعتقها سيدها على ان تتزوجه فقبلت، ثم | ابت، فانها تسعى في قيمتها، ولا تجبر على التزوج، دفعا لضرر المولى بقدر الامكان ومنها ما في كتاب الإجارات: ان الاجير الذي لعمله أثر في العين، كالصبغ مثلاً، اذا حبسها لقبض الأجرة فهلكت، يلزمه الضمان، لكن له الأجر، لان الضرر يدفع بقدر الامكان ومنها ما في البدائع وغيره ان العين الموصى بها لشخص، اذا كانت تخرج من ملكة بعينها الثلث، كجارية مثلاً، اذا قبل الموصى له بعد موت الموصي، فهي استقلالاً، لكن اذا حدث منها زيادة منفصلة كالولد، وكان قبوله لها قبل اقتسام الولد مع الورثة، فان كانت الجارية مع الزيادة يخرجان من الثلث أعطيا للموصى له، وان كان لا يخرجان من الثلث، فعند الإمام الاعظم يعطى الموصى له الجارية اولاً من الثلث، فان فضل من الثلث شيء، يعطى من الزيادة بقدر ما فضل، اي معه في الجارية، دفعاً لضرر الشركة بقدر الامكان لا يكون للورثة اشتراك معه وعندهما بعطى الثلث منهما جميعاً. اكثر ما في الباب ان فيه تغيير حكم العقد في الأصل بسبب الزيادة، لكن هذا جائز كما في الزيادة المتصلة. ولأبي حنيفة: ان القول بانقسام الثلث على الأصل والزيادة اضرار بالموصى له من غير ضرورة، وهذا لا يجوز - بيانه ان حكم الوصية في الأصل، قبل حدوث الزياده، كان سلامة كل الجارية الموصى له، وبعد الانقسام لا تعلم الجارية له، بل تصير مشتركة، والشركة في الأعيان عيب، خصوصاً في الجواري، فيتضرر به الموصى له، ولا ضرورة الى الحاق هذا الضرر، لإمكان تنفيذ الوصية في الأصل بدون الزيادة. بخلاف الزيادة المتصلة فان هناك ضرورة لتعذر تنفيذ الوصية في الأصل بدون الزيادة لعدم امكان التمييز، فمست الضرورة الى التنفيذ فيهما من الثلث. ومنها ما في المادة ??? ان الغاصب يلزم عليه رد المغصوب الى صاحبه سيفي مكان الغصب. لكن كما في المادة ??? اذا ملك المغصوب في يده او استهلكه، بلزم عليه ضمان مثله ان مثليا، وقيمته يوم الغصب ان قيميا. لانه حيث لم يمكن رد عينه، ففي الضمان بهذا الوجه دفع للضرر بقدر الامكان.
فائدة
هذه القاعدة مهمة من مواضيع الشرع، ترجع الى الدرجة المحمودة، وهي التوسط بين درجني الافراط والتفريط. يتشرب منها كثير من الاحكام الاصولية والاعتقادية. فمن الاصولية ما ذهب اليه ائمتنا الثلاثة من ان النهي عن المشروعات يقتضى القيح لغيره، والصحة والمشروعية بأصله، الا بدليل يدل على ان النهي للقيج لمينه. وعند الشافعي يقتضى القبح لعينه، الا بدليل بدل على ان النعي للقبح لغيره. فاذا لم يقم دليل على ان القبح لمينه أو لغيره، يبطل عنده،، و بصح بأصله لا: بوصفه عند الحنفية.
واذا قام دليل يدل على ان القبيح لغيره فذلك الغير ان كان وصفاً له، يطل عنده، ويفسد عندنا، اي يصح بأصله لا يوصفه، إذ الصحة تتبع الأركان والشرائط، فيحسن لمينه ويقبح لغيره، ترجيحا للأصل على العارض: الباطل والفاسد سواء (توضيح وتلويح) - يتفرع على هذا لو نذر صوم يوم النحر او ايام التشريق مثلا، صح نذره عند المتنا الثلاثة، لكنه يفطر و يقضي وعند زفر والشافعي لا يصح نذره، لكونه نذراً بما هو معصية، والنذر بالمعاصي. وعنده لا يصح، كما هو مبسوط في الفروع. وجه قول المتنا ان الصوم مشروع بأصله، حسن شرعاً وعقلا، لكونه سبب التقوى وقهر النفس الأمارة بالسوء، والنهي لا يرد على ما عرف حسنه شرعا وعقلاً لما فيه من التناقض، فيحمل النهى على غير مجاور له، صيانة الحجج الشرع عن التناقض، وعملاً بالدلائل بقدر الامكان، وذلك كما قالوا بلزوم الافطار والقضاء، وهي الدرجة الوسطى بين ابطال النذر اصلا مع انه نذر بعبادة، وبين ايفائه بذلك اليوم وهو معصية، وكثير من مسائل الاصول
على هذا المنهاج .. واما الاعتقادية فما ذكره اهل السنة من ان افعال العباد كلها مخلوقة الله تعالى، ليس لإختيار العبد فيها تأثير، فالخالق هو الله تعالى، والعبد مثاب او معاقب باعتبار انه محل للاختيار الذي هو خلق الله تعالى ايضاً، وهو المسمى كبا. فالقول بالجبر يلزم منه تعطيل الشرائع، والقول بأن العبد يخلق افعال نفسه يلزم منه ان يكون الله عز وجل شريك في افعاله - تعالى عن ذلك. فالدرجة المتوسطة بين الافراط والتفريط هو ما قاله اهل السنة عملاً بالجمع بين التشريع والمؤاخذة****
المادة 32 - الحاجة تنزل منزلة الضرورة عامة أو خاصة. ومن هذا القبيل تجويز بيع الوفاء، حيث انه لما كثرت الديون على اهل بخازي، مست الحاجة الى ذلك فصار مرعياً.
اشارت المادة بقولها: الحاجة تنزل منزلة الضرورة الخ ... الى أن الضرورة وان كانت اشد، الا ان الحاجة عامة كانت او خاصة تنزل ايضاً منزلتها في تجويز الممنوع شرعا. ولنفرق بين الحاجة والضرورة بمثال: فالولي مثلا المسلط على تربية الصغير، فأرضاعه وشراء الملبوس والمطعوم لأجله ضروري، يجب على الولي ذلك ولو ادى الى بيع عقاره، بخلاف مثل تزويجه الصغيرة فانه ليس من الضروريات، ولهذا لا يزوجها غير الاب او الجد عند عدمه الا من الكفو وبمهر المثل، لحاجة اصلاح المعيشة باشتباك العشائر والتظاهر بالأصهار (مستصفى) وايضاً ما جاز للضرورة يقدر بقدرها كما مر في القاعدة (??) وليس كذلك فيما جاز للحاجة، فافهم الفرق - كذلك ما جاز للضرورة، منه ما يتغير بسببها الحكم من الحرمة الى الإباحة، كأكل الميتة. ومنه ما لا تسقط حرمته بحال، ولكن يرخص عند الضرورة، كاجراء كلمة الكفر
بالأكراه الملجيء مع اطمئنان القلب، بخلاف الحاجة. (راجع القاعدة ??) و اعلم ان اكثر ما ورد على خلاف القياس من الاحكام الشرعية مبنيه على الحاجة، كالبيع بالوفاء، القياس يقتضى عدم جوازه، لوجود شرط فيه نفع، لأحد العاقدين لكن جوازه للحاجة بسبب كثرة الديون على أهل بخاري، وهكذا بمصر، وقد سموه بيم الأمانة، والشافعية يسمونه الرهن المعاد) اشباه (وكذا دخول الحمام، الماكان زمان المكث فيه ومقدار ما يصب من الماء غير معلوم، فالقياس يقتضى عدم الجواز، وقد جوز لحاجة الناس كذلك بيع المعدوم باطل كما في مادة (205) لكن جوز في الإجارة والسلم بالنص، وفي الاستصناع بالاجماع، لحاجة الناس - ولعدم الحاجة لا تجوز إجارة بيت بمنافع بيت آخر، لاتحاد جنس المنفعة، بخلاف ما اذا اختلف.
حد الاجماع، كما في مجمع الحقايق: اتفاق مجتهدي امة محمد صلى الله عليه وسلم في: عصر على حكم شرعي. وحد الاستصناع، كما في المادة 124: عقد مقاولة مع أهل الصنعة على أن يعمل شيئاً.
وحيث ظهر لك الفرق بين الحاجة والضرورة، فالاستئجار في زماننا لتعليم القرآن والفقه، وللإمامة والأذان يعلل بالضرورة لا بالحاجة كما توهم الشارح الفاضل سليم باز وعزاه الى الدر المختار، مع انه ليس فيه ولا في متنه تنوير الابصار سوى التعرض لذكر جواز الاستئجار استحسانا، لظهور التواني في الامور الدينية، بناء على ما افتى به المتأخرون – قال في حاشية رد المحتار: «وقد اتفقت كلمتهم قاطبة على التعليل بالضرورة، وفي خشية ضياع القرآن وتلك الاحكام الدينية، اذ مبنى الضرورة على فعل ما لا بد منه للتخلص من عهدة تلزم العبد، ولا يسعه الترك. والحاجة مبنية على التوسيع والتسهيل فيما يسع العبد تركه، كالإجارة والسلم والاستصناع.
المادة 33 الاضطرار لا يبطل حق الغير، يتفرع على هذه القاعدة انه لو اضطر انسان من الجوع فاكل طعام آخر يضمن قيمته.
الاضطرار وان كان في بعض المواضع يقتضي تغيير الحكم من الحرمة الى الإباحة كأكل الميتة، وفي بعضها الترخيص في فعله مع بقائه على الحرمة ككلمة الكفر، كما تقدم في القاعدة ??. الا انه على كل حال لا يبطل حق الغير، والا لكان من قبيل ازالة الضرر بالضرر، وهذا غير جائز ومناف للقاعدة 25 بناء عليه، فكما في المادة، لو اكل طعام الغير اضطراراً، فبعد زوالـ الاضطرار، عليه قيمته في القيميات، ومثله في المثليات ثم الاضطرار قد يكون سماو ياً كالمجاعة، وقد يكون بالإكراه الملجي، كالقتل او القطع،
او غير الملجي، كالضرب والحبس. ففي المجيء الضمان على الأمر لا الفاعل وفي غير الملجئ على الفاعل ومن فروعها: لو صال عليه جمل فقتله، يضمن قيمته لصاحبه، لأنه الاضطرار لا يبطل حق الغير. وقد ذكر الشارح الفاضل سليم باز اللبناني، نقلا عن الملتقى، انه اذا كان هو او غيره اشهد عليه ولم ينته فلا ضمان عليه انه لم يذكر هذا في الملتقى - وعبارة الملتقى في اواخر باب ما يوجب القصاص وما لا يوجبه هكذا) ولو قتل جملا صال عليه ضمن قيمته) - وقد راجعت كثيراً مما تحت يدي من متون وشروح وفتاوي فلم اعثر علي هذا القيد. نعم قالوا لو كان لأحد جمل او خلافه من كل حيوان اعتاد الأذية كالكدم واللبط والنطح، فاتلف انسانا او مالا لا يلزم الضمان على صاحبه، الا بعد التقدم اليه.
المادة 34 - ما حرم اخذه حرم اعطاوة
وكما حرم الأخذ والإعطاء فعلاً، حرم الامر بالأخذ. اذ الحرام لا يجوز فعله، ولا الأمر بفعله.
فالرشوة، وهي ما يعطى لترويج المرام، كما يحرم اخذها واعطاؤها، يحرم الأمر بهما ومثله أخذ النائحة والمغنية الأجرة على النواج والغناء، واعطاؤهما وكذا مهر البغي، كما في شرح المجامع.
ولهذه القاعدة مستثنيات حال الضرورة، كمن وقع تحت بد قطاع الطريق وخاف على نفسه الهلاك منهم، ولا يمكن خلاصه الا برشوة، يدفعها لهم. فالإعطاء غير ممنوع في حق المعطي، حرام في حق الآخذ. كذلك لو غصب احد مال مي، ولا بينة لوصيه عليه، ويعلم الوصي ان الغاصب يحلف كاذبا لو استحلف، فللوصي دفع شيء له من مال الصغير لاسترداد المغصوب كلاً أو بعضاً، فالحرمة على الآخذ لا المعطى للضرورة.
المادة 35 - ما حرم فعله حرم طلبه
تقدم بيانه في المادة قبلها. فكل شيء لا يجوز فعله، لا يجوز طلب ايجاده من الخير، سواء كان بالقول او بالفعل، بأن يكون واسطة أو آلة لإيجاده. فكما يحرم على الانسان مثلا الظلم واخذ الرشوة وشهادة الزور واليمين الكاذبة يحرم ايضاً طلبه من غيره، بأن يأمره بذلك، أو يشوقه على فعله، او يكون آلة او واسطة له و يستثنى من ذلك مسئلة: وهي ان المدعى اذا كان صادقاً في دعواه فأنكرها الخصم، ولا بينة للمدعى، فله ان يحلفه وان كان يعلم ان يمينه كاذبة فاليمين الكاذبة تحرم وقد ساغ للمدعى طلبها من خصمه (اشباه) والعلة في جواز طلبها رجاء نكول المدعي عليه.
المادة 36 العادة محكمة يعني ان العادة عامة كمانت او خاصة تجعل حكماً لإثبات حكم شرعي.
نقل العلامة ابن عابدين في رسالته «نشر العرف في بناء بعض الاحكام على العرف» عن الاشباه ما نصه: «وذكر الهندي في شرح المغني: العادة عبارة عما يستقر في النفوس من الأمور المتكررة المعقولة عند الطباع السليمة. وهي انواع ثلاثة: العرفية العامة كوضع القدم، والعرفية الخاصة كاصطلاح كل طائفة مخصوصة، كالرفع للنجاة، والفرق والجمع والنقض للنظار، والعرفية الشرعية كالصلاة والزكاة والحج، تركت معانيها اللغوية بمعانيها الشرعية. ونقل عن شرح الأشباه للبيري عن المستصفى: «العادة والعرف ما استقر في النفوس من جهة العقول، وتلقته الطباع السليمة بالقبول 1 ه - وفي شرح التحرير: «العادة هي الأمر المتكرر من غير علاقة عقلية» ثم قال اي ابن عابدين قلت بيانه ان العادة مأخوذة من المعاودة، فهي بتكررها ومعاود تنها مرة بعد اخرى، صارت معروفة مستقرة في النفوس والعقول، متلقاة بالقول من غير علاقة ولا قرينة، حتى صارت حقيقة عرفية. فالمادة والعرف بمعنى واحد من حيث الماصدق وان اختلفا من حيث المفهوم واعلم انه يرجع في مسائل كثيرة الى العرف والعادة، حتى جعلوا ذلك اصلاً فقالوا في الأصول في باب ما تترك به الحقيقة: تترك الحقيقة بدلالة الاستعمال والعادة - وهو نوعان: خاص وعام، وكل منهما لا يخلو: اما ان يوافق الدليل الشرعي والمنصوص عليه في كتب ظاهر الرواية، اولا. فأن وافقهما فلا كلام، وان خالف الدليل الشرعي والمنصوص عليه في المذهب، فنذكر ذلك في بابين: الباب الاول اذا خالف العرف الدليل الشرعي. فان خالفه من كل وجه بأن لزم منه ترك النص، فلا شك في رده، كتعارف الناس كثيراً من المحرمات من الربا وشرب الخمر وليس الحرير والذهب وغير ذلك مما ورد تحريمه نصاً وان لم يخالفه من كل وجه، بأن ورد الدليل عاما، والعرف خالفه في بعض افراده، او كان الدليل قياساً، فان العرف يعتبر ان كان عاما، وهو المتعارف في جميع البلاد او اكثرها، فان العرف العام بصلح مخصصاً، كما مر عن التحرير، ويترك به القياس كما صرحوا به في مسئلة الاستصناع ودخول الحمام والشرب من السقا وكثير من مسائل مذكورة في ابواب الفقه.
وان كان العرف خاصا فانه لا يعتبر، وهو المذهب كما ذكره في الأشباه، حيث قال: «فالحاصل ان المذهب عدم اعتبار العرف الخاص، ولكن افتى كثير من المشايخ باعتباره» ا ه -:اقول: وفي اجارات مبسوط السرخسي: «اسلم الرجل حنطة الى الطحان ليطعنها بدرهم و بربع دقيق منها، فهذا فاسد» وهو تفسير الحديث في النهي عن قفيز الطحان.
ثم الحكم متى ثبت في حادثة بالنص، وعرف المعني به، تدى الحكم بذلك المعنى الى الفرع.
ومن فرع هذا لو دفع سمسما الى رجل على ان يعصره له برطل من دهنه، فهو فاسد ايضا، اي للعملة المذكورة وهو الاستئجار على بعض يخرج ما من عمله.
ثم قال: ولو دفع غزلا الى حائك لينسجه بذراع من ذلك الثوب او بجزء شائع مسمى، فذلك لا يجوز في ظاهر المذهب ايضا لأنه في معنى قفيز الطحان» قال رضي الله عنه: «وكان شيخنا يفتي بجواز هذا، و يقول فيه عرف ظاهر عندنا ولو لم نجوزه، انما لا نجوزه قياساً على المنصوص، لكن القياس يترك بالعرف كما في الاستصناع اي فحيث كان دليل المنع هنا القياس على قفيز الطحان، جاز العمل بخلاف القياس للعرف اذ المنع كان بدلالة النص، والعرف يصلح لتخصيص النص لا تركه، بخلاف مسئلة قفيز الطحان فانه لا يجوز، ولو تعارفوا عليه، لاستلزامه ترك المنصوص.
ونقل ابن عابدين في تلك الرسالة عن الذخيرة ان العرف العام بترك به القياس ويخص به الأثر، دون العرف الخاص، فإنه لا يقضى على القياس، كتعامل اهل بلدة واحدة. لأن تعامل اهل بلدة ان اقتضى ان يجوز التخصيص، فترك التعامل من اهل بلدة اخرى يمنع التخصيص، فلا يثبت التخصيص بالشك بخلاف التعامل في الاستصناع مثلا، فانه يوجد في البلاد كلها - ثم لا يخفي ان ما هو من الاموال الربوية، كالبر والشعير والتمر والملح، نص الشارع على انها كيلية. فلو تعارف الناس على استعمالها وزنا، لا يجوز، وهو قول الامام ابي حنيفة ومحمد، واحدى الروايتين عن ابي يوسف. فعلى رواية الجواز عنه ان يكون العرف قاضياً على النصي، فكيف يقول به؟
فاعلم ان مراده على هذه الرواية التفصيل، وهو انه عند تعارض النص والعرف ينظر: فإن كان النص مبتنياً على العرف، فالاعتبار للعرف، والا فلنص - ومعنى ابتناء النص على العرف ان الشارع انما اعتبر تلك الاشياء مكيلة لكونها كانت كذلك في وقته، ولو كانت العادة باعتبارها موزونة لنص. عليها كذلك، فحينئذ ليس في اتباع العادة الحادثة مخالفة النص، بل اتباعه هذا وقد ذكر في تنوير الابصار وشرحه الدر المختار من باب الربا: وما نص الشارع على كونه كيليا كبر وشعير وتمر وملح، او وزنيا كذهب وفضة، فهو كذلك لا يتغير ابداً، فلم يصح بيع حنطة بخطة وزنا، كما لو باع ذهباً بذهب او فضة بفضة كيلا، ولو مع التساوي، لأن النص أقوى من العرف، فلا يترك الأقوى بالأدنى. وما لم ينص عليه، حمل على العرف، اي عادات الناس لأن المادة دلالة على الجواز فيما وقعت عليه، لحديث ما رآه المسلمون حسنا فهو حسن وعن الثاني اعتبار العرف مطلقاً، ورحجه الكمال، وخرج عليه سعدي افندي استقراض الدراهم. عدداً وبيع الدقيق وزنا في زماننا، يعني بمثله ا ه. وفي الكافي: «الفتوى على عادة الناس» (بحر،
راقره المصنف) قال ابن عابدين: «وظاهر كلام المحقق ابن المهام ترجيح هذه الرواية» فعلى قول الطرفين لو تعارف الناس على استعمال الاشياء المذكورة لا يجوز، لأن العرف لا يصادم النص، ويجوز على احدي الروايتين عن الثاني، من حيث ان النص كان مبنياً على العرف. وفيما يروى عن ابي يوسف، ورحمه المحقق ابن الهمام و بعض المحققين من المشايخ، تسهيل ورفع حرج عظيم عن الناس فيما اعتادوه من استعمال ما نص عليه الشارع انه مكيل موزونا وبالعكس.
الباب الثاني في عرف خالف مسائل فقهية لم تثبت بصريح النص بل بالاجتهاد والرأي. وكثير منها ما يبينه المجتهد على ما كان في عرف زمانه، بحيث لو كان في الزمان الذي حدث فيه العرف، لقال بخلاف ما قاله اولاً - قال ابن عابدين: «ولهذا قالوا في شروط الاجتهاد انه لا بد فيه من معرفة عادات الناس، فكثير من الأحكام يختلف باختلاف لزمان، التغير عرف اهله، او لحدوث ضرورة أو لفساد اهل الزمان، بحيث لو بقي الحكم على ما كان عليه اولاً لزم منه المشقة والضرر بالناس، وخالف قواعد الشريعة المبتنية على التخفيف والتيسير ودفع الضرر والفساد» – ولهذا ترى مشايخ المذهب خالفوا ما نص عليه المجتهد في مواضع كثيرة بناء على ماكان في زمنه، لعلمهم بانه لو كان في زمنهم لقال بما قالوا به اخذا من قواعد مذهبه فمن ذلك إفتاؤهم بجواز الاستئجار على تعليم القرأن ونحوه لانقطاع عطاء المعلمين التي كانت في الصدر الاول. ولو اشتغل المعلمون بالتعليم بلا اجرة بارم ضياعهم وضياع عيالهم - ولو اشتغلوا بالاكتساب من حرفة او صناعة يلزم ضياع القرآن والدين، فأفتوا بأخذ الأجرة على التعليم، وكذا على الإمامة والأذان، مع ان ذلك مخالف لما اتفق عليه أبو حنيفة وابو يوسف ومحمد، من عدم جواز الاستئجار واخذ الأجرة عليه كبقية الطاعات من الصوم والصلاة والحج وقراءة القرآن ونحو ذلك.
ومن ذلك قول الامامين بعدم الاكتفاء بظاهر العدالة في الشهادة، مع مخالفته لما نص عليه ابو حنيفة، وهو الاكتفاء، بناء على ما كان في زمنه من غابة العدالة. ومن ذلك تحةً فى الاكراه من غير السلطان، مع مخالفته لقول الإمام، بناء على ما كان في زمنه ان غير السلطان لا يمكنه الاكراه ومن ذلك تضمين الساعي مع مخالفته لقاعدة المذهب، من ان الضمان على المباشر دون المتسبب، ولكن أفتوا بضمانه زجراً، بسبب كثرة السعاة المفسدين ومن ذلك مسائل كثيرة كتضمين الأجير المشترك، وقولهم ان الوسمي ليس له ان يضارب في مال اليتيم والوقف، وبعدم اجارته اكثر من سنة في الدور ومن ثلاث سنين في الاراضي، مع مخالفته لأصل المذهب من عدم الضمان وعدم التقدير بمدة ومنع النساء عما كن عليه في زمن النبي
صلى الله عليه وسلم من حضور المساجد لصلاة الجماعة.
وافتائهم بمنع الزوج من السفر يزوجته وان اوفاها المهر المعجل، لفساد الزمان. و بعدم قبول قوله انه استثنى بعد الحلف بطلاقها، الا بينة، لفساد الزمان، مع ان ظاهر الرواية خلافه. وبعدم تصديقها، بعد الدخول بها بأنها لم تقبض المشروط تعجيله من المهر، انها منكرة للتقبض، وقاعدة المذعب ان القول للمنكر، لكنها في العادة لا تسلم نفسها قبل قبض وكذا قولهم في قوله «كل حل على حرام» يقع به الطلاق للعرف. قال مشايخ بلخ: وقول محمد «لا يقع الا بالنية» اجاب به على عرف ديارهم، اما في عرف بلادنا فيريدون به تحريم المنكوحة اه. وافتاوهم ببيع الوفاء وبالاستصناع. وكذا الشرب من السقا بلا بيان قدر الماء. ودخول الحمام بلا بيان قدر المكث وقدر الماء. ونحو ذلك من المسائل التي اختلف حكمها لاختلاف عادات اهل الزمان واحوالهم التي لا بد للمجتهد من معرفتها، وهي كثيرة جداً لا يمكن استقصاؤها.
ويقرب من هذا مسائل كثيرة ايضاً حكموا فيها قرائن الأحوال العرفية. يقول الفقير: قال في البدائع: «لأن الشرع ورد بالترجيح بالعلامة في الجملة: قال تبارك وتعالي في قصة يوسف عليه السلام (وشهد شاهد من اهلها - الآية). وكذلك قال اصحابنا في لؤلؤي ودباغ في حانوت واحد هو في ايديها، فيه لؤلؤ واهاب، فتنازعا فيها، يقضى باللؤلؤ المؤلؤي، و بالاهاب للدباغ» وتمامه هناك. وكمسئلة الاختلاف في الميزاب وماء الطاحون وكذا الحكم بالحائط لمن له اتصال تربيع. وعدم سماع الدعوى ممن سكت بعد اطلاعه على بيم جاره او قريبه مثلا. وعدم سماعها ايضاً ممن سكت بعد رؤية ذي اليد يتصرف في الدار تصرف الملاك من هدم وبناء وعلى هذا العمل بالقرينة التماطمة كما في الماده 1741. ثم ويجسب تغير الزمان والأحوال، لوطرأ عرف جديد، هل للمفتي في هذا الزمان ان يفتي على وفقه ويخالف المنصوص في كتب المذهب؟ فاعلم ان المتأخرين الذين خالفوا المنصوص في كتب المذهب، لم يخالفوا صاحب المذهب الا لتغير الزمان والعرف، ولو كان في زمانهم لقال بما قالوه، مما يستخرج به الحق من ظالم او يدفع دعوى متعنت، لكن لا بد للمفتي والحاكم من نظر سديد و تجر مديد في الأحكام الشرعية اصولاً وفروعاً، مع الوقوف على احوال الزمان واهله وعاداتهم، ومعرفة ان هذا العرف خاص او عام، وانه مخالف للنص اولا. والا فالعرف، ولو عاماً، لا يصادم ما نص عليه الشارع كما تقدم - الاثرى لو ان مغربياً تزوج بمشرقية وينها اكثر من ستة اشهر ثبت النسب، لحديث (الولد للفراش (مع ان تصور الاجتماع بينهما بعيد جداً - والعملة في ذلك، كما في الأصول، ان ثبوت النسب وان كان هو حكم الدخول حقيقة، لكن - ن سببه الظاهر هو النكاح، لكون الدخول امراً باطنا فيقام عقد النكاح مقامه في اثبات
النسب. ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: (الولد للفراش والماهر الحجر.) ومثله في عدم اعتبار القرائن على الاطراد ما لو شهد الشاهدان بخلاف ما قامت عليه القرينة، فالمعتبر هو الشهادة ما لم يكذبها الحس. كما لو شهدا بأن زيداً قتل عمراً، ثم جاء عمرو حيا، أو الدار الفلانية اجرة مثلها كذا، وكل من رآها يقول ان اجرتها كذا.
وقد يتفق قيام القرينة على امر مع احتمال غيره احتمالا قريباً، كما لوراي حجراً منقوراً على باب دار عليه وقفية الدار لا يثبت كونها وقفا مجرد ذلك، كما صرحوا به، لاحتمال ان من بناها كتب ذلك واراد ان يقفها، ثم عدل عن وقفها او ات قراء، او بعد وقفها استحقها مستحق أثبت انها ملكه، او غير ذلك من الاحتمالات الظاهرة التي لا يثبت معها نزع الدار من المتصرف بها تصرف الملاك من غير منازع مدة مديدة، فانهم صرحوا بأن التصرف القديم من اقوى علامات الملك - وقال في رسالنه: (وعن هذا قال بعض المحققين: لا بد للحاكم من فقه في احكام الحوادث الكلية، وفقه في نفس الواقع واحوال الناس، يميز به بين الصادق والكاذب والمحق والمبطل ثم يطابق بين هذا وهذا فيعطي الواقع حكمه من الواجب، ولا يجعل الواجب مخالفاً للواقع» وكذا المفتي الذي يفتي بالعرف لا بدله من معرفة الزمان واحوال اهله، ومعرفة ان هذا العرف خاص او عام، وانه مخالف للنص اولا، ولا بد له من التخرج على استاذ ماهر، ولا يكفيه مجرد حفظ المسائل والدلائل. فان المجتهد لا بد له من معرفة عادات الناس كما قدمناه وكذا المفتي – ولذا قال في المنية لو ان الرجل حفظ جميع كتب اصحابنا، لا بد ان يتلمذ للفتوى، حتى يهتدى اليها، لأن كثيراً من المسائل يجاب بها على عادات اهل الزمان فيما لا يخالف الشريعة» وقريب منه ما نقل في الأشباه عن البزارية، من ان المفتي يفتي بما يقم المصلحة. عنده من اعلم ان كلا من العرف العام والخاص انما يعتبر اذا كان شائعاً بين اهله بعرف والا فلا يعتبر لكن الشيوح بالأكثر كاف، اذا لا عبرة للأقل - جميعهم، وقد بنوا على العرف مسائل: منها بيع الثمار على الأشجار عند وجود بعضها دون بعض، فقد اجازه بعض علمائنا. وكان شمس الائمة الحلواني يفتي بجوازه في الثمار والباذنجان والبطيخ وغير ذلك - قال شمس الائمة السرخسي: «والصحيح عندي اله لا يجوز هذا البيع لأن المصير الى هذا الطريق انما يكون عند تحقق الضرورة) ولا ضرورة ههنا، لأنه يمكنه ان يبيع اصول هذه الاشياء مع ما فيها من الثمرة، موما يتولد بعد ذلك يحدث على ملك المشتري - او ان المشتري يشتري الثمار الموجودة ببعض الثمن، ويؤخر العقد في الباقي الى وقت وجوده. او يشتري الموجود بجميع الثمن، و يحل له البائع الانتفاع بما يحدث، فيحصل مقصودهما بهذا الطريق، ولا ضرورة الى تجويز العقد في المعدوم» وقد سئلت عن
حادثة تناسب هذا البحث: وهو ان بعض عشاير البدو في بلادنا وهم المنزة واضرابهم تعارفوا على بيع الخيول الأصيلة من بعضهم او من اهل المدن على شرط ان اول مهرة وثاني سهرة تلدهما الفرس المبيعة عند المشتري يكونان للبائع، فولدت اول مهرة عند المشتري فأبي اعطاءها للبائع، فهل هذا البيع صحيح الجريان العرف به، و يلزم المشتري ذلك، ام فاسد؟ - فلم أنت بصحة هذا البيع النضمنه شرطاً لا يقتضيه العقد، وفيه نفع لأحد المتعاقدين، والافتاء بصحه ولزوم رعاية هذا الشرط مخالف لنص المذهب.
على انه وان كان العرف الخاص معتبراً يعمل به على قول بعضهم، وهو صريح المادة الناطقة بأن العادة عامة كانت او خاصة الخ. الا انه فضلاً عن ذلك فان من تتبع المسائل يجد ان ذلك فيما دعت اليه الضرورة، بأن كان في عدم رعاية العرف حرج. اذ يمكن ان تقوم الفرس حين العقد خالية عن شرط المثاني بقيمة ومع هذا الشرط بقيمة، و ينظر الفرق بينهما: فاذا كانت تساوي خمسين الف غرش بدون هذا الشرط، وثلاثين مع هذا الشرط، فبدلاً عن بيعها بالمثاني يبيعها بخمسين، ثلاثون منها معجلة وعشرون مؤجلة الي وقت معين، ثم لوقت آخر بمثله على ان البائع يبرأه عنها اذا اعطاء مهرتين من بطنها، فينعقد البيع على الخمسين و يبطل هذا الابراء المشروط، لما في تنوير الأبصار وشرحه الدر المختار قبيل باب الصرف: الابراء يبطل بالشرط الفاسد ولا يصح تعليقه بالشرط فيبقى العشرون الفا دينا في ذمة المشتري. ثم بعد ذلك لا يخلو: ان ولدت مهرتين، يأخذها البائع بطريق الشراء بالعشرين الف الباقية في ذمة المشتري - والاً بأن ماتت الفرس او ظهرت عقيماً، يبقى الدين في ذمته يدفعه للبائع. وبهذا الطريق بتخلص كل منهما من الاقدام على هذا العقد الفاسد المخالف لنصوص المذهب. واعلم ان جميع المسائل الواردة في مواد 1?? و251 و233 و 244 و 251 و 353 و 491 و 555 و 829 و 1415 و 495 و 622 مخرجة على اعتبار العرف يعلم ذلك من مراجعتها
المادة 27 - استعمال الناس حجة يجب العمل بها
هذه القاعدة مؤداها ومؤدى التي قبلها واحد. يعني ان عادة الناس، اذا لم نكن مخالفة للشرع، حجة ودليل يجب العمل بها، لأن العادة محكمة. فعلى هذا كما في المادة ??? اذا قال شخص لأحد من اهل الصنائع اصنع لي الشيء الفلاني بكذا قرشاً، وقبل الصانع ذلك، انعقد البيع استصناعاً - مثلا لو أرى المشتري رجله الخفاف وقال له اصنع لي زوجي خف من السختيان له زورقا او الفلاني بكذا قرشاً
وقبل الصانع، او تقاول مع نجار على ان يصنع صفية وبين له طولها وعرضها واوصافها اللازمة، وقبل انتجار، انعقد الاستصناع.
وعن هذا قال في الأشباه: «اذا تعارض العرف مع الشرع، قدم عرف الاستعمال، خصوصاً في الأيمان. فاذا حلف لا يجلس على الفراش أو على البساط او لا يستفيء بالسراج، لم يحنث بجلوسه على الأرض، ولا بالاستضاءة بالشمس وان سماها الله تعالى فراشاً وبساطاً، وسمي الشمس سراجاً. وان حلف لا بأكل لما، لم يحنث باكل لحم السمك، وان سماه الله تعالى لحما. ولو حلف لا يجلس تحت سقف. فجلس تحت السماء، لم يحنث، وأن سماها الله تعالى سقفاً». وفي أيمان البدائع: «لو حلف لا يدخل بيتاً، فدخل مسجداً او بيعة او كنيسة او بيت نار، او دخل الكعبة او حماماً او دهليزاً، او ظلة باب دار، لا يحنث، لأن هذه لا تسمى بيتاً على الاطلاق عرفاً او عادة، وان سمى الله وجل الكعبة بيتا في كتابه العزيز في قوله تعالى (ان اول بيت وضع للناس للذي بيكة) وسمي المساجد بيوتاً حيث قال الله تعالى (في بيوت اذن الله ان ترفع ويذكر فيها اسمه (لأن مبني الأيمان على العرف والعادة، لا على نفس اطلاق الاسم».
تنبيه
ليس في هذه المسائل قضاء العرف على الشرع، بل لأن الناس بحسب تعارفهم واستعمالاتهم لا ير يدين بالسراج الشمس، ولا بالفراش الارض، ولا بالسقف السماء. الا ترى انه لو اوصى لأقاربه، وفيهم للوارث وغير الوارث، لا يدخل الموارث وان اراده الموصي، لأن الشرع في الوصية للاقارب خصض الموارث من بينهم في عدم الدخول، فالعرف لا يعارضه. كذلك لا يدخل الولد والوالدان، لعدم استعمال لفظ الأقارب فيهما عرفاً (در مختار)
المادة ?? - الممتنع عادة كالممتنع حقيقة
اعلم اولا ان الشيء المتنع عند المتكلمين، اما ممتنع حقيقة، وهو الذي لا يمكن وجوده عقلاً. وهو اما ان يكون ممتنعاً عقلاً لذاته كشريك الباري، واجتماع النقيضين، والجمع بين الضدين – او لغيره وهو ما يمتنع لعلم الله تعالى بعدم وقوعه، لعدم تعلق الارادة كأيمان ابي جهل مثلاً، فانه ممكن في نفسه، ممتنع لغيره، وهو تعلق علم الله وارادته بعدم الوقوع. فالاول، وهو الممتنع لذاته، لا نزاع بين اهل السنة والمعتزلة في عدم وقوع التكليف به، كما انه لا نزاع بين الطرفين في وقوع التكليف بالثاني وهو الممتنع لغيره. واما ممتنع عادة، كالصعود الى السماء مثلاً، فالجمهور على ان التكليف به غير واقع، خلافا
للأشعري القائل بوقوعه مع الاتفاق على جوازه لكن ذكر في المقاصد ان النزاع انما هو في الجواز لا في الوقوع. اذ الوقوع منفي وهو الظاهر من المواقف حيث قال: نحن نجوزه وان لم يقع بالاستقراء و يمنعه المعتزلة. واما عند الفقهاء التي لا تنظر الا في احكام افعال المكلفين، فالممنوع عادة كالممنوع حقيقة - وعن هذا جاء في المادة 79 أن المرأ مؤاخذ باقراره، مع انه يمكن ان يكون كاذباً فلا يؤاخذه. الا انه لما كان اقرار الانسان على نفسه كذباً بما هو ضرر عليه ممتنعاً في العادة، نزل الممتنع عادة، منزل الممتنع حقيقة فكان مؤاخذاً. وهذا قول الإمام ابي حنيفة ومحمد، وهو القياس. لكن مشت المجلة على قول ابي يوسف كما بأتى في المادة 1589، اذا ادعى كونه كاذباً في اقراره الذي وقع، يجلف المقر له على عدم كون المقركار با " وهو الاستحسان – وجهه ان العادة جرت بين الناس انهم اذا ارادوا الاستدانة يكتبون الصك قبل الأخذ، ثم يأخذون المال، فلا يكون الاقرار دليلاً على اعتبار هذه الحالة، فيحلف المقرله، لأنه لا يضره اليمين اذا كان صادقاً (درز) ومن فروعها ما في الماده 1629 اذا ادعى احد في حق من هو أكبر منه سنا، او في حق من نسبه معروف بأنه ابنه، لا تكون دعواه صحيحة، لاستحالة ذلك عقلا.
ومثال المستحيل العادي ما في الدر المختار: (ادعى معروف بالفقر اموالاً عظيمة على آخر انه اقرضها منه دفعة واحدة، او غصبها منه، حال كونه لم يرث ولم يصب مالاً، لا نسمع، لأنها مستحيلة عادة.»
تنبيه *
اعلم أن هذه القاعدة بل واكثر القواعد الفقهية اكثرية، بمعنى انها حكم اكثري. ينطبق على اكثر جزئياته، لا كلية، فهي كالقضية الجزئية، بمنزلة قولنا بعض الممتنع عادة كالممتنع حقيقة – والا فقد لا يكون المتنع عادة كالممتنع حقيقة بل يفترقان حكما في بعض المواضع، كما في اليمين. فقد صرح في البدائع وغيره فيما يرجع الى المحلوف عليه: يشترط في انعقاد اليمين على امر
في المستقبل ان يكون المحلوف عليه متصور الوجود حقيقة عند الحلف و يشترط لبقائها بعد الحلف بقاء المحلوف عليه متصور الوجود حقيقة. فلا تنعقد على ما هو مستحيل الوجود حقيقة، ولا تبقى اذا صار بحال يستحيل وجوده عند الإمام ابي حنيفة ومحمد وزفر. وعند ابي يوسف هذا ليس بشرط لانعقاد اليمين ولا لبقائها، وانما الشرط ان تكون على امر في المستقبل. واما كونه متصور الوجود عادةً، فهل هو شرط انعقاد اليمين؟ قال المتنا الثلاثة: ليس بشرط، فينعقد على ما يستحيل وجوده عادة، بعد ان
كان لا يستحيل وجوده حقيقة. وقال زفر: عدم استحالة وجوده عادة، شرط لا ينعقد اليمين بدونه - وبيان هذه الجملة اذا قال والله لأشر بن الماء الذي في هذا الكوز معتقداً ان فيه ماء. فاذا لا ماء فيه، لم تنعقد اليمين في قول ابي حنيفة ومحمد وزفر، لعدم شرط الانعقاد، وهو تصور شرب الماء الذي حلف عليه. وعند ابي يوسف تنعقد لوجود الشرط، وهو الإضافة الى امر في المستقبل وان كان يعلم انه لا ماء فيه، ينعقد ويحنث عند ائمتنا الثلاثة وعند زفر لا تنعقد، وهو رواية عن ابي حنيفة علم او لم يعلم وعلى هذا الخلاف اذا وقت، وقال: والله لأشر بن الماء الذي في هذه الكوز اليوم، ولا ماء في الكوز. وكذا لو قال: والله لأقتان فلانا، معتقداً حياته، وفلان ميت وهو لا يعلم بموته، لا تتعقد عندهم، خلافا لأبي يوسف واذا كان عالما بموته تنعقد عندهم خلافاً لزفر. ولو قال والله لأمتن السماء، او لا صعدن السماء، تنعقد عند اتمتنا الثلاثة، وعند زفر لا تنعقد. والفرق بين العلم، اي اعتقاده ان في الكوز ماء، او ان الشخص حي فيحنث، و بين العلم بعدم ذلك، اي اعتقاده ان لا ماء في الكوز، او ان الشخص ميت فلا يحنث، ان اليمين حينئذ يقع على الماء الذي اعتقد وجوده وقت اليمين، وعلى ازالة حياة قائمه وقت اليمين، والله تعالى وان كان قادراً على خلق الماء في الكوز، ولكن هذا المخلوق لا يكون ذلك الماء الذي وقعت يمينه عليه وسيفي مسئلة القتل زالت تلك الحياة على وجه لا يتصور عودها. بخلاف ما اذا كان عالماً بعدم وجود الماء في الكوز، او يموت الشخص فأنما انعقد اليمين على ماء اخر يخلقه الله تعالى، وعلى حياة اخرى يحدثها الله تعالى، الا ان ذلك على نقض العادة، فكان العجز عن تحقيق البر ثابتا عادة لا حقيقة، فيحنث بخلاف قوله لأمن السماء ونحوه، لأن هناك البر متصور الوجود في نفسه حقيقة بأن بقدره الله تعالى على ذلك، كما اقدر الملائكة وغيرهم من الانبياء عليهم الصلاة والسلام، الا انه عاجز عن ذلك عادة، فلتصور وجوده حقيقة انعقدت، ولا عجز عن تحالفه عادة حنث، ووجبت الكفارة,
والحاصل انه في هذا الموضع لم يكن المتنع حقيقة مساوياً في الحكم للممتنع عادة، الا على قول زفر. كذلك اذا تزوج مشرقي بمغربية بينهما مسافة سته اشهر فاكثر، فجاءت بولد لستة اشهر، ثبت نسبه منه عندنا، لأن الوصول اليها أثر العقد وان كان مستحيلاً عادة، لكنه غير مستحيل حقيقة (بأن كان على وجه الكرامة) فهنا لم يكن المتنع عادة كالممتنع حقيقة، نعم هذه القاعدة تجري على مذهب
الشافعي القائل بعدم ثبوت النسب - (تتمة).
يدخل تحت هذه القاعدة كل شيء مستبعد في العادة، حتى انهم افتوا بعدم تصديق الزوجة بعد الدخول بها بأنها لم تقبض المشروط تعجيله من المهرمعانها منكرة للقبض، وقاعدة المذهب ان القول
للمنكر، لكنها في العادة لا تسلم نفسها قبل قبضه ..
وافتوا بعدم سماع الدعوى ممن سكت ايضا بعد اطلاعه على بيع جاره او قريبه داراً مثلا. و بعدم سماعها ممن سكت ايضا بعد رؤيته ذا اليد يتصرف في الدار تصرف الملاك. ومن تتبع جزئياتها بجد اكثرها في الدعاوي والشهادات، وفي القول لمن.
المادة 29 - لا ينكر تغير الاحكام بتبدل الازمان
اعلم ان بعضاً من الاحكام الشرعية قد يكون مبنياً على عرف الناس وعاداتهم. فاذا اختلفت العادة عن زمان قبله، تتغير كيفية العمل بمقتضى الحكم، واما اصله فلا يتغير مثلاً اثبت الشرع خيار الرؤية لمن اشترى شيئاً ولم يره. فالفقهاء المتقدمون كان في عصرهم اعتياد الناس على بناء الدور على نسق واحد لا تفاوت بين بيونها. فقالوا ان روءية بيت واحد من الدار، يغنى عن رواية الجميع في اسقاط الخيار. واخيراً لما اختلف طرز الانشات، وكان الدار يختلف بعض بيوتها عن بعض بحسب عادتهم، افتى المتأخرون بأنه لا بد من رؤية جميعها - فهذا ليس اختلاف حجة وبرهان، بل اختلاف عصر زمان كذلك افتوا بعدم تصديق الزوجة بعد الدخول بها بأنها لم تقبض المشروط تعجيله من المهر، مع انها منكرة للقبض، وقاعدة المذهب ان القول للمنكر، لكنها في العادة لا تسلم نفسها قبل قبضه. وقد يكون التغير مبنياً على تغير احوال الناس المعبر عنه بتبدل الزمان، لا على تغير العرف والعادة، كالاختلاف بين الإمام الأعظم وصاحبيه في عدم لزوم تزكية الشهود عنده، ما لم يطعن الخصم، اكتفاء بظاهر العدالة، بناء على ما كان سيفي زمنه من الصلاح، ولزومها عندهما بناء على تغير احوال الناس، وقد مشت المجلة على قولهما كما في المادة 1716. كذلك المادة 596 القائلة بان منافع المغصوب غير مضمونة، لأنها اعراض. آناً فاناً فلا تقوم، وبدل الضمان يكون من الأعيان وهو يقتضى المائلة ولا مماثلة بين الأعيان والأعراض ولا يرد تقومها في الاجارات، لأنها بسبب العقد تنزل منزلة الأعيان المتقومة - لكن المتأخرين أفتوا استحساناً بضمان المنافع في مال الوقف واليتيم، وما في حكمه كالصغير والمعتوه والمجنون، [1] شاهدوا الطماع الناس في مال الوقف واليتم، زجرا لهم.
واما وجه الضمان في الممد للاستغلال فالغاصب سواء عطله او استعمله لا بتأويل ملك او عقد، يحمل فعله هذا على الاستئجار. غير ان جهالة الأجرة توجب فساد العقد، فيلزمه اجر المثل ونظيره افتاوهم بتضمين الساعي بالفساد، لتبدل احوال الناس، مع ان القاعدة ان الضمان على المباشر دون ان
المتسبب، زجراً لهم. و كفلق باب المسجد في غير وقت الصلوة في زماننا، مع انه مكان معد للعبادة ينبغي ان لا يغلق - جوزوا ذلك صيانة عن السرقة ومنع النساء عما كن عليه في زمن النبي صلى الله عليه وسلم من حضور المساجد الصلوة الجماعة، درءا للفساد.
كذلك قولهم ان الوصي ليس له المضاربة بمال اليتيم في زماننا. فهذه الاحكام وامثالها تثبت استحسانا. والاستحسان، كما في التلويح، احد الأدلة الاربعة. يقع في مقابلة القياس الجلي و يعمل به اذا كان اقوى من القياس - وثبوته اما بالأثر كالسلم والإجارة وبقاء الصوم في الاكل ناسياً، واما بالاجماع كالاستصناع، واما بالضرورة كطهارة الحياض والآبار، فكان ثبوت هذه الفروع بالطريقة الرابعة، وهي الضرورة بحب تبدل أحوال الناس.
ي تنتج من هذه القاعدة ان تبدل الحكم سواء كان لتبدل العرف والعادة او لتبدل احوال الناس، على نوعين: نوع لم يتبدل حقيقة بل هو هو، لكون المقصود في الحالين واحداً، اعني حصول العلم يحال المبيع وبعدالة الشهود، اذ كان اولاً يكتفي برؤية بيت من الدار، وبظاهر عدالة الشهود، ثم قالوا بعدم الاكتفاء على هذه الكيفية بناء على تغير الزمان ونوع فيه تبدل حقيقي، كما في الفروع الأخيرة التي ادرجناها في القاعدة لأن الاستحسان القاضي فيها على القياس الجلي ثبت بالضرورة مخالفا لحكم القياس، كما لا يخفى على من دقق نظره واما الحكم الذي لا يكون مبنيا على العرف والعادة، ولا على تغير احوال الناس، فلا يتغير اصلاً. كلظلم مثلاً، فانه ممنوع في كل وقت وفي كل حال، لا يتغير ابداً.
المادة 40 = الحقيقة تترك بدلالة العادة
تقدم الكلام على الحقيقة والمجاز في المادة 12 و بقي شيء وهي الكناية فنقول هي لا تخلو عن احدهما، لما في جمع الجوامع: «الكناية لفظ استعمل في معناه، مراداً منه لازم المعنى) فهي على هذا التعريف حقيقة. فأن لم يرد المعنى باللفظ، وانما عبر بالملزوم عن اللازم، فهو مجاز اهـ. وقال محشيه العلامة البناني: البيانيين في الكتابة طريقان: الأول انه اللفظ المستعمل في معناه الحقيقي، لينتقل منه الى لازمه، كقولنا طويل النجاد، مستعملاً في طول حمائل السيف، لكن لا لذاته، بل للانتقال الى اللازم، وهو طولي القامة. وعلى هذا فهي حقيقة لأن اللفظ لم يستعمل الا في معناه الحقيقي، وان كان المقصود منه لازمه. والثاني انه اللفظ المستعمل في لازم معناه مع جواز ارادة معناه الحقيقي. كأطلاق طويل النجاد، مراداً منه طول القامة فقط، او طول القامة حمائل السيف. وعلى هذا فهي ليست حقيقة ولا مجازاً. اما الأول، فلأن اللفظ لم
يستعمل فيما وضع له. واما الثاني، فلأن المجاز لا يصح معه ارادة المعنى الحقيقي. لكن على تعريف صاحب المتن، فهي لا تخرج عن كونها حقيقة او مجازاً - فما اتى به الاصوليون من تقسيم طريق البيان الى حقيقة ومجاز صحيح. ثم أن الأصل في الكلام الحقيقة، والمجاز خلف عنه .. ولهذا، عند عدم القرينة، ينصرف اللفظ الى معناه الحقيقي. الا انه في بعض المواضع قد يتعذر ارادة المعنى الحقيقي كما سيأتي في المادة 61. لو حلف لا يأكل من هذه الشجرة وكانت مما لا يؤكل عينها، ينصرف الى ثمرها ان كان لها ثمر، والا فليمنها، صونا الالغاء لكلام العاقل عن الألغاء, وقد لا يتعذر المعنى الحقيقي، لكنه مهجور عرفا وعادة. فالحكم في ذلك انه كالمتعذر، وهذا صريح المادة. كما لو حلف لا يضع قدمه في دار فلان، ينصرف الى الدخول باي وجه كان راكباً او ماشياً، حافيا او منتعلا، لأنه لأنه هو المتعارف، لا المعنى الحقيقي وهو مباشرة القدم، دخل او لم يدخل، لأنه مهجورعرفا، والعرف قاض على الوضع.
ومن ثم صرحوا في كتاب البيوع ان صيغ الماضي في العقود، كبعت واشتريت، يتم الركن بها، وان كانت للماضي وضعاً، لكنها جعلت ايجابا للحال في عرف اهل اللغة والشرع وقد سمعت فيما نقلناه في المادة ?? ان لفظ الواقف والموصي والناذر وكل عاقد يحمل على عادته في خطابه.
ومن ذلك ما في المادة (1584 (ان الإقرار لا يصح تعليقه بالشرط، لكن اذا كان معلقاً بشرط صالح الحلول الأجل في عرف الناس نجوان اتى شهر كذا فأني مديون لك بكذا، يحمل على الاقرار بالدين المؤجل، و يلزم تأدية المبلغ عند حلول ذلك الوقت.
المادة 41 - انما تعتبر العادة اذا اطردت او غلبت
هذه القاعدة والتي بعدها متحدتان مالا، يرجع معناهما الي ان العادة محكمة، وهي القاعدة 36 فارجع اليها وتقدم في شرحها هناك ان صاحب الفتح رجج اعتبار العرف الخاص، وان كلاً من العرف الخاص والعام، انما يعتبر اذا كان شايعا بين اهله يعرف ذلك، جميعهم، والا فلا يعتبر. وان الشيوع في الأكثر كاف، اذ لا عبرة للأقل. وفي مجمع الحقائق: العادة المطردة تنزل منزلة الشرط، حتى لو باع التاجر في السوق شيئاً بثمن، ولم يصرحا بمحلول ولا تأجيل، وكان المتعارف فيما بينهم ان البائع يأخذ من الثمن كل جمعة قدراً معلوماً، انصرف البيع اليه بلا بيان، لأن المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً وفي الأشباه عن شرح الوهبانية: ومما يتفرع على هذا لو جهز الاب ابنته جهازاً ودفعه لها، ثم ادعى انه عارية، ولا بينة، ففيه اختلاف: والفتوى انه ان كان العرف مستمراً ان الأب يدفع ذلك الجهاز ملكاً لا عارية، لم يقبل قوله.
وان كان العرف مشتركاً، فالقول للأب. وقال قاضيخان: «وعندي ان الاب ان كان من كرام الناس واشرافهم، لم يقبل قوله. وان كان من اوساط الناس، كان القول قوله» - وعلى كل قول فالمنظور اليه العرف، فالقول المفتى به نظر الى عرف بلدها، وقاضيخان نظر الى جانب الأب في العرف. واعلم ان العرف الخاص وان كان معتبراً في بناء الحكم عليه، الا انه يثبت ه الحكم الخاص لما في الأشباه عن البزاز يه ان الحكم العام لا يثبت بالعرف الخاص قال محشيه الحموي: (يفهم منه ان الحكم الخاص، كالوقف على درس الحديث ولم يعلم مراد الواقف، هل من يدرس علم الحديث، وهو معرفة المصطلح، ام يقرأ متن الحديث؟ - قيل يتبع اصطلاح كل بلد.
ثم وان العرف اعني العادة انما تعتبر اذا كانت سابقة". ولا يكفي سبقها فقط، بل يشترط بقاؤها الى زمان الحادثة، حتى تقترن بها، فيبنى عليها الحكم واما لو كانت سابقة " ثم الغيت، او طرأت بعد الحادثة، فلا يبنى عليها الحكم ام (اشباه ملخصاً) وفيه مع حاشيته الحموي ما ملخصه: ان العرف انما يعتبر في المعاملات لا في التعليق والاقرار والدعوى. وذلك لأن العادة الغالبة انما تقيد لفظ المطلق اذا تعلق بانشاء امر في الحال، دون ما يقع اخباراً عن متقدم. فالدعوى والاقرار لا يكونان الا اخباراً عن وجوب سابق تقدم، وربما كان الوجوب سابقاً على العرف الغالب، او غلب في بقعة اخرى.
يقول الفقير: هذا التعليل يصلح فيها نو افر او ادعى مطلقاً. اما لو بنين سبب الوجوب في زمان العرف موصولاً بالاقرار او الدعوى، فالظاهر اعتبار العرف حينئذ كما لو قال لزيد على عشرون ليرة ثمن بضائع تجارية اشتريتها منه منذ عشرة ايام في بلدتنا هذه، وكان العرف ان الثمن يدفع في تلك البلدة بان اينم، وكانت الليرة العثمانية هي المتعارفة رواجاً اذا أطلقت، وكان العرف جاريا على ذلك قبل تاريخ الاقرار - وقول صاحب الأشباه ربما كان الوجوب سابقاً على العرف الغالب يشير الى هذا، اي الى ان الإقرار مطلق عن القيد .. ونقل الحموي عن بعضهم ان المطلق في التعليق لا يتقيد بالعرف القلة وقوعه اي لأن العادة كما تقدم في شرح المادة 36 عبارة عما يستقر في النفوس من الأمور المتكررة، وما يكون وقوعه غير مألوف، كيف يدخل تحت العرف؟ ثم فرع صاحب الأشباه على عدم تقيد المطلق بالعرف ما نقله عن المبسوط ذا اراد الرجل ان يغيب، في، فخلفته امرأته، فقال كل جارية أشتريها فهي حرة، وهو يعني كل سفينة جارية، عمل بنيته، ولا يقع عليه العتق. قال الله تعالى: (وله الجواري المنشآت في البير كالأعلام) والمراد السفن، فاذا نوى ذلك عملت نيته، لأنها ظالمة في هذا الاستعراف، ونية المظلوم فيها حلك عليه معتبرة اقول: استفيد من هذا ان الجارية لما كانت في عرف الناس نصرف الى السرية المملوكة
لا السفينة، ينبغي وقوع الطلاق عملاً بالعرف، الا انه لما كان تعليقاً فالعرف لا يقيده، وهو لفظ مشترك بحسب اللغة، فصح اعتبار نيته لكونه مظلوماً، فهو استدلال بالمفهوم - فان قلت قوله لأنها ظالمة في هذا الاستخلاف، يفهم من هذا التعليل انه لو لم يكن مظلوما في استخلافه، ما صحت نيته، لما ان المذهب اعتبار اليمين على نية المحلف، فيلزم من هذا المفهوم اعتبار العرف في التعليق، وهذا خلف لكونه اثباتا للمطلوب بابطال نقيضه - قلنا ان المسوغ لجواز هذه النية هو عدم اعتبار العرف، والا لكان لفظ الجارية منصرفاً إلى الأمة المماركة، ولم يجز صرفه الى السفينة.
في تحرير الكمال وشرحه ما خلاصته ان العرف قولى وفعلي اما القولي فكأ طلاق الدابة على الفرس، فهو مخصص للعام اتفاقاً. واما الفعلي فكأ طلاق اللهم على الفان بين قوم اعتادوا اكله، والطعام على البركذلك كحرمت الطعام، ينصرف اليه. وكالدراهم، ينصرف الى النقد الغالب. فالعرف العملي مخصيص كالقولي عند الحنفية، خلافا للشافعيه، لاتحاد الموجب وهو تبادر المعنى الخصوصي من اطلاق اللفظ فيهما، ولا عبرة للفرق بينهما، بانه في العملي التخصيص مجرد الاطلاق. وفي القولي بسبب عموم اللفظ اه.
المادة 42 - الحبرة للغالب الشائع لا للنادر
بالتأمل بظهر ان هذه المادة ينبغي ان لا تكون من جنس ما قبلها من المواد اعني 36 و 37 و 38 و 40 و 41 لأن تلك في حق العادة المحدثة التي تعامل الناس عليها وائتلفوها، فصلحت ان تكون مؤيدة لقاعدة «العادة محكمة» يعلم ذلك من مراجعة شرح الجميع وهذه ان حملت على نسق ما قبلها، فظاهرها وان كان لا يأبى ذلك، الا انه تكرار بما لا يفيد ومن العجب اني رأيت بعض الشارحين حملها على نسق ما قبلها، ثم في شرحه الي مستشهداً بمسائل لادخل فيها للعادة المعبر عنها بالعرف الذي أحدثه الناس وتعاملوا عليه كقوله: ولهذا قدر الفقهاء من البلوغ بالسنة الخامس عشرة لانها السن الذي يبلغ فيه الأولاد غالباً. فمن خرج منهم عن هذه القاعدة كان نادراً لا يعتديه. ومثله ما عزاء للفقهاء من تقدير مدة الحضانة. فيقال له: هل تقدير الفقهاء لذلك. على عرف او عادة كلاً، بل كلامهم هذا نقل عن ائمة الاجتهاد، مأخوذ من دليل قلي، يشهد لذلك ما في البدائع من كتاب الحجر عند فصل «واما بيان ما يرفع الحجر» استدل ابو يوسف ومحمد بما روى عن سيدنا عمر رضي الله عنه، أنه عرض على رسول الله الله صلى الله عليه و سلم غلام وهو ابن اربع عشرة سنة، فرده وعرض وهو ابن خمس عشرة سنه، فاجازه. فقد جعل خمس عشرة سنة حداً للبلوغ. واما الحضانة فالأصل في ذلك ان عمر رضي الله عنه تعالى عنه
طلق ام ابنه عاصم رضي ا ن الله، عنه فلقيها ومعها الصبي، فنازعها، وارتفعا الى ابى بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، فقضى ابو بكر بعاصم بن عمر رضي الله عنهما لأمه، ما لم يشب او التزوج. فهنا اختلف في حد ثبوته. ففى ظاهر الرواية، حتى ياكل و يشرب و پليس وحده. وذكر الخصاف سنين او ثمان سنين - والظاهر ان التقدير بهذا السن اعتباراً للغالب. فلو بلغ هذا السن وهو لا يستطيع الأكل والشرب واللبس وحده، هل يفتى بالأخذ من امه، ويقال العبرة للغالب الشائع لا للنادر، ام يترك في حضانتها الى ان يأكل ويشرب ويلبس وحده؟ فعلى الأول يكون داخلا تحت هذه القاعدة، وعلى الثاني لا. والذي اوقع بعض الشارحين في هذا التوهم، نظر هم بان النادر الشاذ لا يعتد به. ونحن نوضح لك ان الأولى حمل هذه المادة على معنى غير ما قبلها، بذكر مسائل ترشدك الى ان كثيراً من مسائل الشرع، أنيط المقصود من شرعيته بملل مناسبة للحكم. لكن تلك العلل قد تخفى ولا تدخل تحت الانضباط، فأقيم مقامها ما يلازمها عادة لكونه مظنة تلك العلة: كقصر الصلوة في السفر، هو رخصة مشروعة والملة في ذلك المشقة، لكنها لم تنضبط لاختلافها بحسب الاشخاص والأحوال والأزمان، اقيم المسفر مقامها، بحيث متى وجد السفر، وجد القصر، لأن السفر يلازم المشقة غالباً، وتخلفها في البعض كسفر الملوك والأمراء المترفهين لا عبرة له، لأن الحكم - كما في مجمع الحقائق – يراعى في الجنس لا في الأفراد فيجوز قصر الصلوة في حقهم لأن العبرة للغالب الشائع لا. النادر (ا ه ملخصاً من جمع الجوامع).
كذلك نصوا على ان الممتد طهرها، وهي المرأة التي كانت تحيض، ثم ارتفع حيفها ولم تدخل في سن الأياس، فلا تمتد بالأشهر، ولا عبرة لانقطاع حيضها وذلك لأن العلة في وجوب العدة هو التوصل لظهور براءة الرحم، وظهوره في ذوات الحيض بحيض ثلاث، فهي وان انقطع حيضها سنين، لكن لما كانت مظنة الحيض لم يجعلها الشرع في حكم الآية والصغيرة حتى تعتد بالأشهر، لأن انقطاع الحيض ممن تحيض نادر، والعبرة للشائع لا للمنادر – وقال مالك رضي
الله تعالى عنه: «تمكث تسعة اشهر، فان لم تحض تعتد بثلاثة اشهر». كذلك صرحوا بان من بلغ فيها غير رشيد، لا يسلم اليه ماله حتى يتحقق رشده، لكن اذا بلغ خمسا وعشرين سنة، يسلم اليه مطلقاً، سفيها كان ام رشيداً، في قول الإمام الأعظم، وعندهما لا يدفع ما لم يتحقق منه الرشد.
فهذه المسائل يصدق عليها قاعدة ان الاعتبار المشائع الغالب لا المنادر. لكن الشائع هنا ليس من جهة انه عرف تعامل عليه الناس وائتلفوه، بل قواعد كلية، اتخذها الفقهاء مظانًا في انها علة للحكم، ولم يعتبروا تخلفها في بعض الأحيان، لكونه نادراً. واذا عرفت الفرق بين النوعين، تعليم خطأ بعض الشراح،
حيث استعمل الأمثلة المناسبة لأحد النوعين في الآخر والحاصل ان هذه القاعدة لا مانع من صرفها لمعنى العرف الشائع، فتكون على نسق ما قبلها. او المعنى الذي ذكرته لك مؤيداً بصريح النقول. لكن الأنسب الثاني، لأنه على المعنى الأول يكون تكراراً لما قبلها يلفظ مرادف بدون افادة جديدة - ولأنه ذكر هذه القاعدة بلفظ مطلق، حيث قالة العبرة للغالب الشائع» ولم يقل «للعرف» الغالب الشائع، فتأمل منصفا.
المادة 42 - المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً
اي المعروف المعتاد بين الناس، وان لم يذكر صريحا، فهو بمنزلة الصريح، لدلالة العرف عليه. تقد ذكر في البدائع، من كتاب الاجارة، ان توابع العقود التي لا ذكر لها في العقود، تحمل على عادة كل بلد. حتى قالوا فيمن استأجر رجلاً يضرب له لبنا ان الزنبيل والملبن على صاحب اللبن، وهذا على عادتهم وقالوا فيمن استؤجر على حفر قبر، ان حتي التراب عليه، ان كان اهل البلاد يتعاملون به، وتشريح اللبن على اللبان، واخراج الخبز من التنور على الخباز، لأن ذلك من تمام العمل وقالوا في الخياط، ان الملوك عليه لان عادتهم جرت بذلك. وقالوا في الدقيق الذي يصلح به الحائك الثوب انه على صاحب الثوب، فان كان اهل بلد تعاملوا على خلاف ذلك، فهو على ما يتعاملون.
وقالوا في الطباخ اذا استؤجر في عرس، ان اخراج المرق عليه. ولو طبخ قدراً خاصة، ففرغ منها، فله الأجر، وليس عليه من اخراج المرق في وهو مبنى على العادة، يختلف باختلاف العادة.
وقالوا فيمن تكاري دابة يحمل عليها حنطة الى منزله، فلما انتهى اليه، اراد صاحب الحنطة ان يحمل المكاري ذلك فيدخله في منزله، وابى المكاري، قالوا: قال ابو حنيفة: عليه ما يفعله الناس و يتعاملون عليه. وان اراد ان يصعد الى السطح والغرفة، فليس عليه ذلك، الا ان يكون اشترطه ولو كان حمالا على ظهره فعليه ادخال ذلك وليس عليه ان يصعد به الى علو البيت، الا ان يشترط. واذا تكارى دابة، فالأكاف على صاحب الدابة، فأما الحبال والجوالق، فعلى ما تعارفه اهل الصنعة. وكذلك اللجام. واما السرج، فعلى رب الدابة الا ان تكون سنة البلد بخلاف ذلك، فيكون على سنتهم.
والحاصل ان المعروف عرفا، كالمشروط ذكراً، عند عدم التصريح بخلافه. والا فالعبرة لما صرح به لا للعرف اه. ومن ذلك ما يأتي في المواد 576 و 230 و 1339. ومن هذا القبيل ما في المادة 472: من استعمل مال غيره من دون عقد ولا تأويل ملك، فان كان معداً للاستغلال، يلزمه اجرة المثل، وذلك لأن المعد لما كان معروفاً عادة انه لا يستعمل الا بالأجرة، كان كالمشروط، الا انه يقدر اجر المثل لعدم التصريح
ببيان الأجره. انظر المادتين 461 و 462 وعلى هذا مسئلة جهاز الاب ابنته المتقدمة في شرح المادة 41.
المادة 44 - المعروف بين التجار كالمشروط بينهم
هذه المادة داخلة تحت المادة السابقة. وذكرها من قبيل ذكر الأخص بعد الأعم اهتماماً بشأن المعاملات التجارية فيا يقع بين التجار من المعاملات التجارية، او بين غيرهم من العقود والمعاملات التي هي من نوع التجارة، ينصرف عند الاطلاق الى العرف والعادة - فلو تبايم تاجران شيئاً ولم يصرحا في صاب العقد ان الثمن نقد أو نسيئة، فعقد البيع وان كان مقتضاه نقد الثمن حالاً، الا انه اذا تعارفوا على ان ذلك الشيء يؤدى ثمنه بعد اسبوع او شهر، لا يلزم المشتري اداء الثمن حالاً، وينصرف الى عرفهم وعادتهم في الأجل، لأن المعروف بينهم كالمشروط. انظر المادة 251 ولا يتوهم من هذه المادة قصر العمل بالعرف في الأمور التجارية على ما يجري بين التجار فقط، بل المراد ان كل عمل هو من نوع التجارة اذا سكت فيه عن قيد، فالمرجع في ذلك، العرف الجاري بين التجار فلو كان رجلان صنعتهما الزراعة، ضارب احدهما الآخر، ودفع له نقداً ليبيع ويشتري، او عقدا شركة عنان او غيرها، فيما ان هذا الصنيع من نوع التجارة، فللمضارب او الشريك عند عدم التقييد بشيء، التصرف في المال من ادانة أو سفر به.
او ابضاع او ابداع او استئجار على - ما هو المتعارف بين التحار، لأن الشركة من اعمال التجارة، فتنعقد على عادة التجار، وهذه الأمور من عاداتهم.
كذلك البيع، لما كان من اعمال التجارة، فللوكيل المطلق بالبيع كما جاء في المادة 1498 ان يبيع مال موكله نقداً ونسيئة لمدة معروفة بين التجار في حق ذلك المال، وليس له ان يبيعه لمدة طويلة مخالفة للعرف والعادة - لكن اذا كان الموكل صرح له بالبيع بالنقد، او دلت عليه قرينة، كما لو قال له هذا المال نقداً، او بع مالي هذا واد دبني، فليس للموكيل ان يبع كذلك الشركة لما كانت من اعمال التجارة، ويشترط فيها ان يكون راس المال من النقود، ولا يصح ان يكون عروضاً، فغير المسكوك من الذهب والفضة، ان جرى العرف باستعماله كالتقود، يصح ان يكون رأس مال في الشركة، والا فيكون في حكم العروض، فلا يصح. (انظر المادة 1340)
المادة ه: - التعيين عرفاً كالتعيين بالنص
يطلق النص لغة على معنى الاظهار، يقال نص الشيء اظهره. ومنه منصة العروس، لأنها تظهر عليها. والنص ايضاً هو التعيين على شيء ما مجاز عن النص بمعنى الظهور. ومنه أخذ نص القرآن
والحديت، وهو اللفظ الدال على معنى لا يحتمل غيره ام ملخصاً من القاموس وشرحه تاج العروس. هذا وقد غلب في اصطلاح الشرع على النص الشرعي، وهو القرآن والحديث. فمن حيث اللغة بطريق من المجاز، يطلق على كل لفظ دال على معنى لا يحتمل غيره، فيشمل بهذا الاعتبار ما كان قرآنا او حديثاً، وغيرهما من كلام الناس يعني اي حكم يترتب على التعبين بصريح النص، يترتب على التعيين بالعرف والعادة.
فالاموال الربوية التي لا نص شرعياً في كونها كيليا او وزنياً كالحمص والعدس، يعتبر فيها العرف في كونها كيليا او وزنيا عند الإمام ابي حنيفة ومحمد رحمها الله تعالى، خلافاً لأبي يوسف، كما تقدم في شرح المادة (36) فتعين كيلية مثل العدس والحمص او وزنئته بالعرف، في حكم الذي تعين نصا بالحديث الشريف فمن هذا المثال يصرف معنى النص إلى النص الشرعي اعني الحديث، واما المثال الذي يصرف فيه معنى النص الى ما يخصصه المتكلم بصريح اللفظ، فكما يأتي في المادة 816، اذا كانت الإعارة مطلقة، اي لم يقيدها المعير بزمان او مكان او بنوع من انواع الانتفاع، كان للمستعير استعمال العاربة في اي مكان وزمان شاء، على الوجه الذي يريده. لكن يقيد ذلك بالعرف والعادة. مثلاً اذا اعار رجل دابةً على الوجه المذكور، اعارة مطلقةً، فالمستعير له ان يركبها الى حيث شاء في الوقت الذي يريده. وانما ليس له ان يذهب بها الى المحل الذي مسافة الذهاب اليه ساعتان، في ساعة واحده. فان العقد وان خرج مخرج الإطلاق، لكن كما في البدائم، المطلق يتقيد بالعرف والعادة دلالة ولهذا مائل لا تحصى تجري في كثير من الأبواب الفقهية في المعاملات. انظر المواد 527 و 528 و 1498.
المادة 46 - اذا تعارض المقتضى والمانع يقدم المانع، فلا يبيع الراهن الرهن لآخر ما دام في يد المرتهن.
يعني كل شيء اذا تعارض عليه مانع ومقتض، يقدم المانع، و يعمل بموجبه، لا بالمقتضي، لأن المانع في بعض الصور قد يكون املة اقتضت ترجيحه على المقتضي كما سيظهر لك - وقد يكون تقديم المانع لوجود امر محظور يمنع من العمل بالمقتضي والحاظر مقدم لما فيه من درأ المفسدة. وهذه القاعدة قد تجري في العبادات. ويخرج عليها منع النساء عن المساجد العادة الجماعة في زماننا، فان المانع، وهو فساد الزمان، يقتضى المنع. واداء الصلوة في المسجد مع الجماعة، يقتضى الفعل، فيقدم المانع.
والزوجة اذا كانت حائضاً، فالأذى المنصوص عليه يقتضي المنع، والزوجية القائمة تقتضى
الإتيان، فيقدم المانع. وكذا لو كان احدهما او كلاهما في حالة الإحرام.
واما تعارض المانع والمقتضي في المعاملات، فقد يكون لتعلق حق الغير، بأن يكون احدهما مالكاً للشيء، وللآخر حق تعلق به، كما جاء في المادة 756: ليس لكل من الراهن والمرتهن بيع الرهن بدون رضى صاحبه. فلو باع المديون العين المرهونة عند الدائن فالبيع صحيح موقوف لا ينفذ ما لم يؤده دينه، او تلحقه اجازة المرتهن فيكون الثمن رهناً في مقام المبيع وعلى هذا ما في المادة 590 لو باع المؤجر المأجور بدون اذن المستأجر، ينفذ البيع بين البائع والمشتري، ولا ينفذ في حق المستأجر، حتى انه بعد انقضاء مدة الإجارة يلزم البيع في حق المستأجر ايضا الا ان يطلب المشتري تسلم المبيع من البائع قبل انقضاء مدة الإجارة ويفسخ القاضي البيع لعدم امكان تسليمه: وان اجاز المستأجر البيع يكون ناقداً في حق كل منهم، ولكن لا يؤخذ المأجور من يده، ما لم يصل اليه مقدار ما لم يستوفه من بدل الإجارة التي كان اعطاها نقداً. ولو سلم المستأجر قبل استيفائه ذلك، سقط حق حبسه. ففي هذين المثالين المرهون والمأجور ملك البائع رقبة، والملكية تقتضي النفاذ، والمرتهن والمستأجر تعلق لهما حق الحبس والانتفاع، وذلك يقتضى المنع، وقد تعارضا فيقدم المانع. ومن هذا ما في المادة ???? من ان كلاً يتصرف في ملكه كيف شاء لكن اذا تعلق حق الغير، يمنع المالك من تصرفه على وجه الاستقلال. كفل الرجل وفوقانية لآخر، فلصاحب الفوقاني حق القرار في التحتاني، ولصاحب التحتاني حق السقف في الفوقاني بتستره من الشمس وتحفظه من المطر، وليس لأحدهما ان يفعل شيئاً مضراً الا باذن الآخر، ولا ان يهدم بناء نفسه تكل منهما وان كان اعتبار كونه مالكاً يقتضى التصرف كيف يشاء، الا ان فعلق حق كل بما في ملك الآخر مانع فيقدم.
ومن ذلك ما في المادة ???5 اذا عدل بعض المزكين الشهود، وجرحهم بعضهم، يرجح طرف الجرح، فلا يحكم الحاكم بشهادتهم. فالتعديل يقتضي القبول، والجرح يمنع، فيقدم المانع - والعلة هنا ليست تعلق حتى الغير، بل لأن الجرح ثبوتي، اي بالاطلاع على وصمة في الشهود تمنع قبول الشهادة لم يطلع عليها المزكي، والمثبت مقدم على النفي.
وقد يقدم المقتضي لكونه اقوى من المانع. ومن هذا القبيل ما في البدائع من «فصل فيما يكره من البياعات»: «امرأة سبيت وفي حجرها بنت صغيرة وقعتا في سهم رجل واحد، والمرأة تزعم انها بنتها، يكره التفريق بينهما، وان لم يثبت النسب مجرد دعواها في سائر الاحكام، فيقبل قولها فيما يلك فيه طريق الاحتياط. ولو كبرت الصغيرة في يد انسان، وقد كان وطأ الكبيرة، ولم يعلم من المرأة المسبية ارضاع الصغيرة، لا ينبغي له ان يقرب البنت، وان لم يثبت نسبها منها لدعوتها، لاحتمال انها بنتها من النسب
والرضاع، فلا يقربها احتياطاً، ولكن لا يمنع من قر بانها في الحكم لأن قول المرأة الواحدة في حقوق العباد غير مقبول.»
وقد وردت على الخاطر مسئلة من فرع ذكره في البدائع، في باب ما يملك المكاتب من التصرفات وما لا يملكه: يخرج على هذه القاعدة على قول الإمام ابي حنيفة في ان الكتابة تتجزأ. عنده كالعتق. وهي ما اذا كاتب رجل نصف عبده، انه جازت الكتابة في النصف وصار نصفه مكاتباً عنده، لأن الكتابة تجزأ عنده فصحت في ذلك النصف لا غير، وصار في النصف الآخر مأذونا بالتجارة، لأن الكتابة تقتضي وجوب اداء بدل الكتابة، ولا يمكنه الأداء الا بالاذن، والاذن لا ينجزاً، فصار الاذن في قدر الكتابة اذنا في الكل، فصار مأذونا في الكل، ونصفه مكاتب، فان ادى عتق نفسه، وصار النصف الآخر مستسعى، فإن شاء اعتق، وإن شاء استسعى، غير مشقوق عليه، بمنزلة رجل اعتق نصف عبده، فان اكتسب العبد مالاً قبل الأداء، فنصفه له ونصفه للمولي في قول الإمام ابي حنيفة، لأن نصفه مكاتب، ونصفه رقيق. وفي قولهما النصف كله للمكاتب، لأن كله صار مكاتبا، وما اكتسب بعد الأداء فكله للمكاتب بالاجماع، وليس المولى فيه شيء.
اما على قولهما فلا يشكل لأنه حر عليه دين. واما على اصل ابي حنيفة فلان المستسعى كالمكاتب، وكسب المكاتب له. واذا كاتب نصف عبده ثم اراد ان يحول بينه وبين الكسب، لم يكن له ذلك، لأن لما كاتب نصفه فقد اذن له بالاكتساب، لا انه لا يتوصل الى اداء بدل الكتابة الا بالكسب، فلا يملك الحجر عليه الا بعد فسخ الكتابة، ولا يفسخ الا برضاه. بخلاف العبد المأذون كله فانه يملك حجره ومنعه من الاكتساب. لأنه انما صار مأذونا بالقول، فيصير محجوراً عليه بحجره، والأذن منا لا يثبت بالقول، بل بمقتضى الكتابة، فلا يصير محجوراً عليه الا بفسخ الكتابة، فاز اراد ان يخرج من المصر فله منعه بالقياس. ولكن استحسن ان لا يتعرض له في شيء حتى يؤدي او يعجز. كذا ذكره في الأصل. وجه القياس ان نصفه رقيق لم تزل يده عنه، فله ان يمنعه من الخروج من المصر لأجل النصف، فيقول له: ان كان نصفك مكاتباً، فالنصف الآخر غير مكاتب، فلي المنع، فكان له ان يمسكه ويستخدمه كالعبد المشترك. وجه الاستحدان انه بعقد الكتابة صار مأذونا بالاكتاب، وذلك بالخروج الى الأمصار، فلا يجوز له مسمه، وان يحول بينه وبين الاكتساب بالاستخدام. ولا يمكنه ان يخرج بالنصف دون النصف، ويستخدم بالنصف دون النصف. فأما ان يجعل النصف الذي هو مكاتب تبعاً للنصف الذي ليس بمكاتب، او يجعل النصف الذي هو غير مكاتب تبعاً للنصف الذي هو مكاتب. وهذا الثاني اولى، لأن الحرية والرق اذا اجتمعا،
غلبت الحرية الرق. وفي الكتابة شعبة من العتق لأنها لعقد العتق في المستقبل، وهي سبب من اسبابه اه فهنا، باعتبار كون نصف العبد لم يكاتب، صار للعبد جهتان: جهة الحرية بالنصف الذي كوتب عليه، وهي تقتضي المنع من الحجر عليه عن السفر، وجهة الرق بالنصف الذي لم يكاتب عليه وهي تقتضي الحجر عليه من السفر - فيجعل النصف الذي لم يكاتب عليه، تبعاً للنصف الذي هو مكاتب عليه، تغليباً للحرية على الرق، لكون الكتابة شعبة من العنق. فقدم المانع الحجر على المقتضى له؛ مع استواء حق كل من المولى والعبد فيما تعلق به. فهذا الفرع مخالف في شكله للفروع المتقدمة.
كذلك صرحوا بانه اذا اراد احد دخول ارض مملوكة لاحتشاش الكلا فان كان يجده في مكان آخر، يمنعه صاحبها من الدخول. كالماء في الآبار. لأن الضرورة الى الماء او الكلأ المباح، يقتضي الدخول. لكن وجوده في مكان آخر لا يحوجه الى الدخول في ارض الغير بدون اذنه يقتضي المنع، فيقدم المانع. والأب لا يحبس بدين ابنه، لأن الحق اللازم اداؤه شرعاً وان اقتضاه، الكن حق الأبوة في لزوم البر واجتناب العقوق مانع، فيقدم المانع
المادة 47- التابع تابع فاذا بيع حيوان في بطنه جنين يدخل الجنين في البيع تبعاً
اي ما كان تابعاً لغيره في الوجود لا ينفرد بالحكم، بل يدخل في الحكم مع متبوعه. فاذا بيعت الدابة وفي بطنها حمل، يدخل في البيع تبعاً لأمه، ولا يجوز افراده بالبيع وفي الحموي «الشرب والطريق، اعني حق المرور فيه لا رقبته، يدخلان في بيع الارض تبعاً ولا يفردان بالبيع على الاظهر» ولا كفارة في قتل الحمل، ولا لعان بنفيه. والهبة كالبيع (اشباه) وهذا معنى قولهم: التابع تابع، اي غير منفك عن متبوعه في الحكم ومن هذا القبيل ما في كتاب البيوع، فيما بدخل في البيع، وما لا يدخل. وما في المادة 230 ان كل شيء جرى في عرف البلدة على انه من مشتملات المبيع يدخل في البيع من غير ذكر، مثلاً في الدار يدخل المطبخ والكلار، بيع وفي بيع حديقة زيتون تدخل اشجار الزيتون وكذا ما في المادة ???: ماكان في حكم جزء من اجزاء المبيع، اي ما لا يقبل الانفكاك عن المبيع نظراً الى غرض المشتري، يدخل في البيع بدون ذكره، كالقفل بدخل مفتاحه، والبقرة الحلوب لأجل اللبن بدخل فلوها الرضيع وكذا توابع المبيع المتصلة المستقرة كالاقفال المسمرة والدفوف المسمرة المعدة لوضع الفرش كما في المادة 232 والأصل في هذا، كما في البدائم: ان كل ما ركب في الارض يدخل، وما لم يركب فيها او ركب لا للبقاء بل لوقت معلوم، لا يدخل. و يدخل في هذه القاعدة ما تقدم في شرح المادة 43: ان توابع العقود التي لا ذكر لما في العقود، يحمل على عادة كل بلد. قال في الاشباء: «وخرجت عنها مسائل، منها: يصح اعتاق الحمل دون
امه، بشرط ان تلده لأقل من سنة اشهر - ومنها: بصم افراده بالوصية» - قال الحموي هنا وفي الفتح: اما الوصية بالحمل او له، فلا تثبت الا بعد الانفصال، فثبتت للمولد لا للحمل. واما العتق فانه يقبل التعليق بالشرط، فتقه معاق معنى لا صورة، ومنه يعلم ما في كلام المصنف. اه كلامه اقول وجه اعتراضه على صاحب الاشباه في جمله ذلك خارجا عن القاعدة ظاهر بيانه ان مبني القاعدة ان التابع للشيء من حيث هو تابع لا ينفك عن المتبوع بل يدخل في حكم المتبوع بدون تصريح بذكره. وهنا صار كل من اعتاق الحمل والوصية به او له عقداً مستقلاً تعلق بنفس الحمل المذكور صريحاً، فلم يكن تابعاً، فلا يقال هنا تابع ومشبوع - واما كون العتق للحمل والوصية به او له بصح دون البيع والهبة، فهذا بحث آخر، لا يقتضي ان يكونا خارجين عن القاعدة لانهما ليسا من أفرادها في هذه الصورة. لأن الاعتاق والوصية يغايران العقود في كثير من الاحكام، ومن جملتها جوازهما في الحمل، وعدم جواز البيع والهبة فيه. اما البيع، فلنهيه صلى الله عليه وسلم عن شراء ما في بطون الأنعام حتى تضع (زيلمي) وهو المعبر عنه ببيع الملاقيح. واما الهبة، فلأنها لا تتم الا بالقبض، بخلاف الاعتاق فانه اسقاط محض، يصح تعليقه بالشرط، وعتق الحمل معلق معنى لا صورة - كذلك الوصية، يعتبر وجود الموسى له من وقت موت الموصى في ظاهر الرواية، لا من وقت وجود الوصية. فعلى ظاهر الروايه تصح الوصية للمعدوم حين الوصية اذا كان موجوداً حين موت الموصى، حتى لو اوصى لرجل بيستانه حين يموت، وليس له يوم اوصي بستان، ثم اشترى بستانا ومات، صحت لأن الوصية بالمال ايجاب الملك عند الموت (بدائع) وقد خطر هذا النظر للفقير قبل رؤية ما في الحموي. فمن هذا يعلم ان الأمر قد اشتبه على صاحب الأشباه حيث جعل ما ذكر خارجاً عن القاعدة وليس منها - نعم ينبغي ان يذكر فرعاً في اعتاق البدائع خرج عن القاعدة، وهو: اشترى امة وهي حبلى من ابيه والأمة لغير الأب، جاز الشراء وعتق ما في بطنها، ولا تعتق الأمة ولا يجوز بيعها الا بعد الوضع. وقيد بكونها لغير الاب، لأنها لو كانت له صارت ام ولده - فهنا قد انفك التابع بالحكم عن المتبوع.
(لاحقة)
في اصول مسلم الثبوت وشرحه فواتح الرحموت ما ملخصه: قالت الحنفية والحنابلة ان خطاب الله تعالى للرسول صلى الله عليه وسلم يعم الأمة – حجتهم ان الرسول له منصب الاقتداء به في كل شيء، الا بدليل صارف بدل على الاختصاص به. وكل من هو كذلك يفهم من امره شمول اتباعه. واحتجوا ايضاً بقوله تعالى: (يا ايها النبي اذا طلقتم النساء - الآية) الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والمراد هو
واتباعه، اذ التابع لا ينفك في الحكم عن المتبوع.
المادة 48 - التابع لا يفرد بالحكم فالجنين الذي في بطن الحيوان لا يباع منفرداً عن امه
التابع هنا ما لا يوجد مستقلاً بنفسه بل وجوده تبع لوجود متبوعه، كالجنين في بطن الحيوان، وكالصفة القائمة بالموصوف، وكحق الشرب تبعاً للارض، وكحق المرور تبعاً للطريق على الاظهر - فمن حيث تعلق الاحكام، ينزل التابع منزلة المعدوم في عدم جواز افراده بالحكم. فلا يصح بيع الجنين في بطنه امه منفرداً، ولا بيع حق الشرب بدون الارض، ولا حق المرور في الطريق على الاظهر. كذلك الصفات مثل الخبز والكتابة في العبد لما كانت تابعة للمبيع اغير مستقلة بنفسها، لا يقابلها شيء من الثمن، حتى لو اشترى عبداً بشرط انه خباز اوكاتب، فظهر
بخلافه، اخذه بكل الثمن او تركة (تنوير) واعلم ان التابع على ما يقتبس من الأحكام الفقهية قد يكون غير مستقل بنفسه حقيقة كالامثلة المتقدمة. وقد يكون له استقلال بنفسه، لكنه عرفاً بمنزلة الجزء الحقيقي من الشيء في انه يدخل في بيعه تبعا، كأ كاف الحمار وثياب العبد والشجر في الارض، في انها تدخل في البيع من غير ذكر، فلا يقابلها شيء من الثمن لو هلكت او سرقت قبل تسليم المبيع، مع انها يصح افرادها بالحكم. قال في الاشباه: «وخرجت عن هذه القاعدة مسائل، منها يصح الحمل دون امه بشرط ان تلده لأقل من ستة اشهر، ومنها يصح افراده بالوصية بالشرط المذكور، أي قبل ولادته لأقل مدة الحمل، ومنها يصح الايصاء له ولو بحمل دابة «اه كلامه.
يقول الفقير: تقدم في شرح المادة قبلها ما خلاصته انتقاد الحموي عليه بما نقلع عن الفتح ان الوصية بالحمل اوله لا تثبت الا بعد انفصال الولد. و بعد الانفصال لا يكون تابعاً بل مستقلاً بنفسه، لما ان الوصية تمليك بعد الموت، ولهذا تصح بالمعدوم واللمعدوم. واما الاعتاق فانه تعليق بالشرط، فاعتاق الحمل معلق معنى لا صورة، كأنه قال: ان اتيت بولد فهو حر. فالحكم في العتق والوصية لم يتعلق بالتابع، بل بالحمل بعد انفصاله عن امه. ثم قال: ومنها الارث بشرط ولادته حيا اه - فلينظر في قوله بشرط ولادته حيا، فان حكم الارث لم يثبت له بصفة كونه جنينا، بل بعد الولادة، وهو في تلك الحالة منفصل غير تابع.
وقال ايضاً: ومنها ثبوت نسب الحمل اي فيما لو قذف زوجته قائلا زنيت وهذا الحمل من الزنا، تلاعنا ولا ينقطع نسب الحمل قبل الولادة، كما في الهداية. اي فقد تعلق بالحمل حكم وهو النسب، مع
وجود النافي وهو اللعان. وفي هذا نظر: لأن نفي نسب الحمل لا يترتب على اللمان الا بعد الولادة فأذا لم بنف بعد حتى يثبت له - وايضاً السبب لنفي النسب هو الله ان، لكن هذا الحكم له مانع، وهو عدم الولادة. فاذا ولدته، انتفي نسبه. وقد قال في البدائع: السبب يعمل من وقت وجوده لا من وقت زوال المانع، فكيف يقال ثبت نسبه؟ ثم قال: وخرج عنها ما او قال المديون تركت الأجل او ابطلته، او جعلت المال حالاً، فانه يبطل الأجل كما في الخانيه وغيرها ام مع انه صفة للدين، والصفة تابعة لموصوفها فلا تفرد بالحكم - هذا ظاهر في خروجه عن القاعدة. والعلة في ذلك ان التأجيل حقه فله ان يبطله، اذ يغتفر في الاسقاط والابراء ما لا يغتفر في غيره. فان قلت: ابطال الأجل لا يكون بالقول بل بالأداء، فان لم يؤد فاين ابطال الأجل؟ وان ادى، فقد سقط الدين والأجل معاً، فلم يكن للتابع افراد بالحكم. قلنا نعم انفراد الصفة بالحكم عن الموصوف لا يتصور الا بالمطل بعد الأبطال، ومعنى بطلان الأجل حينئذ انه لا حق له بالمطل، وللدائن ان يلزمه بالاداء حالا. وقد يجاب عن بعض ما اخرجه في الأشباه، ان يقال ان معنى الخروج في قوله: «وخرج عن هذه القاعدة الذي يراد بالاستثناء للمنقطع. فانه قد يراد به. كما في التلويح ان لا يكون داخلاً في صدر الكلام اصلاً، وقد يراد به الدخول في صدر الكلام، وبالاستثناء لم يخرج عن عين الحكم، بل خالف ما قبله في ان له حكما آخر كقوله تعالى (وان تجمعوا بين الاختين الا ما قد سلف) اي الجمع بين الأختين الذي سلف داخل في الحرمة، لكنه غير مخرج من صدر الكلام وهو الحرمة، لانه حرام ايضا. لكنه أثبت فيه حكما اخر وهو انه مغفور، ويحمل الخروج هنا على المعنى الاول، كما توضح لك
المادة 49 من ملك شيئًا ملك ما هو من ضروراته فاذا اشترى رجل داراً ملك الطريق الموصل الها.
اعلم ان الأصل الذي يدخل في شراء الدار من غير ذكر، بدخل تحت قاعدتين:
الاولى: كل ما كان في الدار من بناء وغيره يتناوله اسم المبيع عرفا كا الحجارة المخلوقة والمثبتة في الارض والدار، لا المدفونة. الثانية: ما كان متصلاً اتصال قرار وهو ما وضع لا لأن يفصله البشر، فيدخل الشجر لاتصاله بها اتصال قرار، الا اليابس لأنه على شرف القلع، ولا يدخل الزرع لأنه متصل لأن يفصل – وفي حكم المتصل المنقول المنفصل التابع للمتصل، كالمفتاح تبعاً للقفل، بحيث لا ينتفع به الا به، فيصير في حكم الجزء، كولد البقرة الرضيع وما لم يكن من القسمين، فإن من حقوقه ومرافقه، يدخل بذكرها كالطريق والشرب للارض، والا فلا يدخل وان ذكر الحقوق والمرافق، الا بالتصريح بها او بقوله بكل ما