الجزء 1 · صفحة 7
كتائب أعلام الأخيار
من فقهاء مذهب النعمان المختار
للعلامة محمود بن سليمان الكفوي
توفي سنة (990هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
[ترقيم الكتاب موافق للطبعة]
الجزء 1 · صفحة 8
بسم الله الرحمن الرحيم
تيمناً باسمه سبحانه
الحمد لله الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق، وأنزل عليه الكتاب فبلغ ما أُنزِلَ إليه وحقق، وجعل علماء أمته كأنبياء بني إسرائيل في شرح كلِّ مُشكل وفتح كُلِّ مُغلق، وكل منهم بعون الله في أمور الشرع خير مدبر وجد موفق، فصار بأنهم بخصلتي العلم والعمل ملاذا يُجمَعُ فيه كل حزب مفرق.
(وفي المغني قال هذ البيت):
يطوف ذوو الحاجات حول بيوتهم كما طاف تجر باليمين المنفق سبحانَ مَنْ أعز العلم والمتحلّي به بقوة سلطانه، وأذل الجهل والمنتمي إليه بسطوة خذلانه، والصلاة على مدينة العلم محمد الذي بعثه الله رب العالمين لتعليم معالم الدين، وترسيم مراسم الشرع المبين، وتهديم قواعدالجلة الجاهلية، وتمهيد عقائد الملة الحنيفية، وعلى آله وصحبه وتابعيهم من العلماء الأجلة، الذين هم سواعد أهل الشرع وأعضاد خير الملة، (وسلم تسليما دائما أبدا إلى يوم الدين).
(أما بعد)؛ فإنَّ سنَّةَ الله الجليلة الجارية في بريته، ونعمته اللطيفة الوافية على خليقته، أنْ يُحْدِثَ في كل عصر من الأعصار طائفة من العلماء في المدائن والأمصار، يتجاولُون تجاول فرسان الطَّراد في مضمار النظار، ويتصاولون تصاول آساد الجلاد في معترك التنظار.
الله درهم لا زال كرهم وفرهم، فجعل توفيقه رفيقهم، وسهل إلى اقتباس العلم طريقهم، بحيث يُجمع في كل منهم حلية العلم والعمل، ويُشاهد فيهم حلاوة الفهم والأمل، فيفوض إليهم خدمة القضاء والفتوى، ويفاض عليهم نعمه في الدنيا والعقبى، إذ يتم بحكمهم وعلمهم أمر الدين ومهام الأمة، وينتظم برأيهم وقلمهم مصلحة الخاصة والعامة.
فإنَّ لله تعالى في قضائه السابق وقدره اللاحق وقائع عجيبةً تَرِدُ في أوقاتها، وقضايا غريبة تجري إلى غاياتها، ولولا وجود تلك الطائفة العلية المتحلية بالفضائل الجلية من يقوم بكشف قناع هذه الوقائع، ومن يلتزم بحل مشكلات هذه البدائع؟ وهذا هداية من الله تعالى، والحمد لله الذي هدانا لهذا.
ثم الحمد على ما أسبغ من نعمائه المتوافرة، وآلائه المتكاثرة، على هذا العبد الذليل الفقير، إلى رحمة الله الغني الجليل القدير، خادم ديوان الشرع المصطفوي، محمود بن سليمان الشهير بالكفوي، بصره الله تعالى بعيوب نفسه، وختم له بالخير آخر نفسه، وجعل يومه خيراً من أمسه، حيث وفقه في
الجزء 1 · صفحة 9
العقائد حقها وأتقنها، ويسره من المذاهب أصوبها وأوزنها، وأعطاه من العلوم أشرفها، وأولاه من الفنون ألطفها.
ومن لطائف تلك النعم الجليلة، وجلائل هاتيك الآلاء الجزيلة، ساقه إلى جميع أخبار فقهاء الأعصار، من ذوي الفتيا وقضاة الأمصار، من لدن نبينا إلى مشايخنا في تلك الأوان، حسبما قضوا وأفتوا وأفادوا واستفادوا في دورهم من أدوار الزمان.
ولقد كنا في أثناء بعض الليالي، من أوقاتنا في بعض الزمان الخالي، نسامُ بأهالي البلاد والأقاصي، التي كنا نكون بها القاضي، ونجود ما جنيناه في طيب أيامنا المواضي، من ثمرات أفانين العلوم على أهل النادي، فكلما انساق عنان الكلام في بيد بيان الفقهاء وشيوخ الإسلام إلى مرويات الأئمة الحنفية ومحكيات المشايخ الحنيفية، وجدنا أكثرهم غافلين عن أصحابنا القائلين بما كانوا به عاملين، لا يفرقون التلميذ عن الأستاذ، ولا يميزون ذوي التقليد عن أهل الاجتهاد، فحثوني على كتب كتائب أعلام الأخيار وطبقات ذوي الفتيا وقضاة الأعصار».
فجمعت مشايخ المتقدمين والمتأخرين وعلماءنا المقلدين والمجتهدين من فقهاء الأعصار وقضاة الأمصار) والأقطار، بأسانيدهم وعنعناتهم، على حسب
أعصارهم وطبقاتهم، مع إرداف المسائل الغريبة المنقولة عنهم في مشاهير كتب الفتاوى، وتذييل الحكايات العجيبة المسموعة في حقهم عن جماهير العلماء ومشايخ زماننا، إلى أبي حنيفة إمام أئمة مذهبنا، ثم إلى رسولنا - صلى الله عليه وسلم - صاحب شريعتنا.
ولقد دون المؤرخون كتباً في الطبقات، ولم أر أحدا اعتنى ببيان الأسانيد والعنعنات مع إرداف المسائل وتذييل الحكايات.
وكتابنا هذا مسمى بـ «كتائب أعلام الأخبار من فقهاء مذهب النعمان المختار»، ومرتب على العنوان، والبرهان والسلطان، والأركان، والكتائب على ترتيب المراتب.
اعلم أن نبينا بلغ ما أُنزل إليه إلينا، وعلم الدين، وأقام الحدود وقضى وحكم، وبين الشرع، وشرع بيان الحكم، وجاهد حق الجهاد في إقامة الدين، وأعض وألزم. ثم الخلفاء الراشدون ووجوه الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - بذلوا جهدهم في إقامة الدين، وإجراء الشرع المبين، وتعيين قوانين الموحدين، وتوهين كيد أعداء الله المبتدعين، فأقاموا الإسلام عن أوده، وأسندوا الأمر إلى مستنده، معتصمين بنصر الله صادعين بأمر الله، وكانوا بشرف صحبته - صلى الله عليه وسلم - سالمين عن الطعن، وببركة خدمته خالصين عن شوب الشَّيْن، فكانت آثارهم لمن بعدهم شرعة ومنهاجاً، ولرفع غَيْهَب الضلال سراجاً وهاجاً.
الجزء 1 · صفحة 10
وكذا أعلام التابعين الذين يزاحمونهم في الفتوى، إلى أن اختلفت الآراء، وظهرت أهل البدع والأهواء، وافقوهم بغير خلاف، ونقلوا أحكام الدين منهم إلى الأخلاف، مُحْيِين سنة الأسلاف، حاوين مآثر الأشراف.
ولما كانت حوادث الأيام خارجة عن التعداد، ومعرفة أحكامها لازمة إلى يوم التناد، وكانت ظواهر النصوص غير موفية ببيانها، بل لا بد لها من طريق واف بشأنها، اضطروا إلى الاجتهاد بالرأي فاجتهدوا، وأسسوا قواعد الأصول وشيدوا، فعزموا على تعيين المذهب ومهدوا مستفيضين بما روي عن رسول الله أنه لما بعث معاذاً رضي الله عنه قاضياً إلى اليمن قال له: «بم تقضي يا معاذ؟ قال: بكتاب الله تعالى. قال: «فإن لم تجد؟ قال: بسنة رسوله. قال: «فإن لم تجده؟ قال: أجتهد فيه برأيي، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «الحمد لله الذي وفق رسول رسوله لِمَا يُرْضِي به رسوله ((5)).
ثم إن علماء الدين والأئمة المجتهدين بذلوا جهدهم في تحقيق المسائل الشرعية، وتدقيق النظائر الفرعية، واستنبطوا أحكام الفروع من الأدلة الأربعة، فاتفاقهم حجة قاطعة، واختلافهم رحمة واسعة، قوام الدين بهم، وثبات الشرع بفقههم.
فمنهم أصحاب الطبقة العالية في الاجتهاد، وهم الذين صادف الدين منهم أقوى عماد، وضعوا المسائل على حسب قواعد قولهم) وأصولهم، وهذبوا مسائل الاجتهاد مع تنقيح طرق النظر على مذاهبهم، يستبدون في استنباط الأحكام من الكتاب والسنة والإجماع والقياس، من غير تقليد لا في الفروع ولا في الأصول لأحد من الناس، وحالهم متفاوتة في اشتهار مذاهبهم، واعتبار مشاربهم، فممن شاع مذهبهم في الأعصار، واشتهرت آثار علمهم في الأقطار والأمصار:
إمامنا الأعظم أبو حنيفة نعمان الكوفي، ومالك بن أنس، وسفيان الثوري، وابن أبي ليلى محمد بن عبد الرحمن، وعبد الرحمن الأوزاعي، ومحمد بن إدريس الشافعي، وأحمد بن حنبل، وداود بن علي الأصفهاني.
ولكن الله تعالى خص من بينهم الأئمة الأربعة؛ أبو حنيفة ومالك والشافعي وابن حنبل بهدايته، بحيث منع العلماء تقليد غيرهم، ولم يُدر مثلهم في غيرهم من المجتهدين إلى الآن؛ لانضباط مذاهبهم، أو لانقراض أصحاب غيرهم، وتعذر نقل مذهبهم.
والحاصل أن هؤلاء الأربعة انخرقت بهم العادة على معنى الكرامة؛ عناية من الله تعالى بهم، إذا قيست أحوالهم بأحوال أضرابهم، فاشتهار مذهبهم في ظهور الآفاق، و اعتبار أصولهم وفروعهم في بطون الأوراق، واجتماع القلوب على الأخذ بها على ممر الدهور دون ما سواها، بما يشهد بصلاح
الجزء 1 · صفحة 11
نيتهم، وحُسن طويتهم، وجليل سيرتهم، وجميل سريرتهم، لاسيما الإمام الأعظم، والقرم الهمام الأقدم، سراج الأمة، وتاج الملة، وقمة الأئمة، أبو حنيفة نعمان بن ثابت، ثبته الله في أخراه بالقول الثابت.
قد خصه الله تعالى بعنايته، وجمع من الفضائل في ذاته ما لم يجمع نبدا منها في غيره، مع كونه من التابعين دون غيره، وجعله مقتدى شريعته إلى آخر الدهر ونهايته، حتى شاع علمه، واشتهر مذهبه بكثرة المجتهدين في ذاهبي ما يذهبه، وأظهر علوم الشرع بين المسلمين، ونشر أحكام الفروع بين المؤمنين، فإِنَّه أَوَّلُ مَنْ فرع في الفقه وألف، ودون كتب الفروع وصنف، باتفاق أصحابه الملازمين إلى درسه، من مشاهير علماء المجتهدين واجتماع أضرابه المختلفين إلى مجلسه، من جماهير الفضلاء المتقدمين كأبي يوسف المقدم في الأخبار واللسان، ومحمد المقدم في الفقه والإعراب والبيان، وزُفَر بن هذيل الفقيه النبيه في القياس، وحسن بن زياد المسلم في السؤال والتفريع بين الناس، وعبد الله بن المبارك الصائب في رأيه أية سالك، ووكيع بن الجراح المفسر الزاهد النصاح، وحفص بن غياث بن طلق) الفطن الزكي في القضاء بين الخلق، ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة في جمع الحديث وضبط الفروع له فوائده، وأسد بن عمر و القاضي، ونوح بن مريم الجامع، وأبو مطيع البلخي، ويوسف بن خالد السمتي، وغيرهم جميعاً، وسنذكرهم إن شاء الله مشبعاً.
ثم أقر بفضله الخصوم، وسلموا له في كل العلوم، حتى قال الإمام مالك حين سئل عنه - عن أبي حنيفة: رأيته رجلاً لو كلمك في هذه السارية ليرى أن يجعلها ذهباً لقام بحجته.
وقال مالك: إن أبا حنيفة لأهل الفقه خير مؤنس.
وقال الشافعي: الناس كلهم عيال على أبي حنيفة في الفقه.
وأنشد الشافعي في حقه:
لقد زان البلاد ومن عليها ... إمام المسلمين أبو حنيفة
فما بالمشرقين له نظير ... ولا بالمَغْرِبَيْنِ ولا بِكُوْفَةٌ
إمام كان للإسلام بحراً ... أميناً للنبي وللخليفة
وكان الإمام أحمد بن حنبل كثيراً ما يذكر فضله، ويترحم عليه ويبكي في زمن محنته.
وكل واحد من هؤلاء الأئمة وإن كان إماما متفقا عليه، لكنهم لم يصلوا إلى معشار ما وصل إليه أبو حنيفة، وفي ذلك المعنى:
وما على اللهِ بمُسْتَنْكَرِ ... أن يجمع العالم في واحد
(وأيضاً قال:)
الجزء 1 · صفحة 12
وإنِّي لا أحصي ثناء خصاله ... ولو أن أعضائي جميعاً تكلم
فأصحابنا الحنفية - عاملهم الله بألطافه الخفية - هم السابقون في الفقه والاجتهاد، ولهم الرتبة العليا في الرأي والحديث والإرشاد، وهم الربانيون في علم الكتاب والسنة، وملازمة القدوة، ومجانبة الهوى والبدعة، ولزوم طريق السنة
والجماعة، الذي كان عليه الصحابة والتابعون، ومضى عليه السلف الصالحون.
فالطريق المتناهي في أصول الشريعة وفروعها على الكمال هو طريق أصحابنا، بحمد الله المهيمن المتعال، انتهى إليهم الدين بكمال، وقام الشرع بقولهم إلى آخر الدهر بخصال، وحالهم على خمس طبقات:
الأولى: طبقة المتقدمين من أصحابنا، كتلاميذ أبي حنيفة، نحو أبي يوسف ومحمد وزفر وغيرهم، فإنهم يجتهدون في المذهب، ويستخرجون الأحكام عن الأدلة الأربعة، على مقتضى القواعد التي قررها أستاذهم أبو حنيفة، فإنَّهم وأن خالفوه في بعض أحكام الفروع، لكنهم يقلدون في قواعد الأصول، بخلاف مالك والشافعي وابن حنبل، فإنَّهم يخالفونه في أحكام الفروع غير مقلدين له في الأصول، وهذه الطبقة هي الطبقة الثانية من الاجتهاد، وهي طبقة المجتهدين في الشرع كالأئمة الأربعة، وحالهم تأسيس قواعد الأصول وتمهيد الدلائل، وتنقيح طرق النظر، ووضع المسائل من غير تقليد لغيرهم من الأماثل.
والثانية: طبقة أكابر المتأخرين من أصحاب الحنفية، كأبي بكر أحمد الخصاف والشيخ الإمام أبي جعفر أحمد الطحاوي، والشيخ الإمام أبي الحسن عبيد الله الكرخي، وشمس الأئمة عبد العزيز الحلواني، وشمس الأئمة أبي بكر محمد السرخسي، وفخر الإسلام علي بن محمد البردوي، والإمام الكبير فخر الدين حسن، المعروف بقاضي خان، والصدر الأجل برهان الدين محمود، صاحب «الذخيرة البرهانية» و «المحيط البرهاني، والشيخ الإمام طاهر بن أحمد صاحب «النصاب» و «الخلاصة»، وأمثالهم، فإنهم يقدرون الاجتهاد في المسائل التي لا رواية فيها عن صاحب المذهب، ولا يقدرون على المخالفة له في الأصول ولا في الفروع، ولكنهم يستنبطونها على حسب أصول قررها ومقتضى قواعد بسطها صاحب المذهب أبو حنيفة رحمه الله.
الثالثة: طبقة أصحاب التخريج من المقلدين كالرَّازِي وأضرابه، فإنَّهم لا يقدرون على الاجتهاد أصلاً، لكنهم لإحاطتهم بالأصول وضبطهم للمآخذ يقدرون على تفصيل قول مجمل ذي وجهين، وحُكْمِ مُبْهَم مُحْتَمِل لأمرين، منقول عن أبي حنيفة، وعن واحد من أصحابه، الذاهبين بنظرهم ورأيهم
الجزء 1 · صفحة 13
في الأصول والمقايسة على أمثاله ونظائره من الفروع ما وقع في بعض المواضع من «الهداية»، كذا في تخريج الرَّازِي مِنْ هذا القبيل.
الرابعة: طبقة أصحاب الترجيح من المقلدين، كأبي حسين الفقيه أحمد القدوري، وشيخ الإسلام برهان الدين علي الفَرْغاني صاحب الهداية»، وأمثالهما، وشأنهم تفضيل بعض الروايات على بعض بقول آخر، بقولهم هذا أولى»، و «هذا أصح دراية»، وهذا أوضح رواية»، وهذا أوفق للقياس»، وهذا أرفق للناس».
والخامسة طبقة المقلدين القادرين على التمييز بين الأقوى والقوي والضعيف، وظاهر المذهب وظاهر الروايات والروايات النادرة، كشمس الأئمة محمد الكردري، وجمال الدين الحصيري، وحافظ الدين النسفي، وغيرهم، مثل أصحاب المتون المعتبرة من المتأخرين كصاحب المختار»، وصاحب «الوقاية»، وصاحب «المجمع»، وشأنهم أن لا ينقل في كتبهم الأقوال المردودة والروايات الضعيفة، وهذه الطبقة أدنى طبقات المتفقهين.
وأما الذين هم دون ذلك فإنهم كانوا ناقصين عامين، يلزمهم تقليد علماء عصرهم وفقهاء دهرهم، ولا يحل لهم أن يُفتوا إلا بطريق الحكاية، فيحكي ما يضبطه من أفواه العلماء، ويحفظه من أقوال الفقهاء.
ثم إن أصحابنا كثرهم الله تعالى إلى يوم الا التناد، تفرقوا في القرى والبلاد، فمنهم أصحابنا المتقدمون في العراق كبغداد، وهو دار الخلافة ودار العلم والإرشاد، ومنهم مشايخ بلخ، ومشايخ خُراسان ومشايخ سَمَرْقَند، ومشايخ بخارى، ومنهم مشايخ وخلائق من بلاد أخرى كالري وشيراز وأصبهان وساوه وطوس وزنجان و همذان و استرآباد و بسطام و مرغينان وفرغانة ودامغان، وغير ذلك من المدن الداخلة في أقاليم ما وراء النهر وخراسان وأذربيجان و مازندران و خوارزم وغزنة وكرمان، إلى بلاد الهند وجميع ما وراء النهر، والله أعلم، وغير ذلك من مدائن عراق العرب وبلاد عراق العجم.
ونشروا علم أبي حنيفة إملاء وتذكيراً وتصنيفاً، واستفاد الناس منهم على اختلاف طبقاتهم، فبلغ كثرة الفقهاء إلى حد لا يُحصى، وأماليهم وتصانيفهم غير قابلة للعد والإحصاء، وكانوا يتفقهون ويجتهدون، ويستفيدون ويفيدون، ويجيبون الوقائع ويؤلفون البدائع، ويفتون في النوازل ويجمعون المسائل، فبقي نظام العلم وانتظام أهاليه على أحسن النظام، ورقى رواجه على كرور الليالي ومرور الأيام، إلى حين قدر الله المهيمن المنان على ما قضاه من خروج جنكز خان، فوضع السيف وقتل العباد، وخرب العامر وأهلك البلاد، ومشى عليهم مشي الموسى على الشعر، وسعى عليهم سعي الدَّبَى على
الجزء 1 · صفحة 14
الزرع الأخضر، وقَدِمَ خُوَارِزْم وأعارها، وقتل سلطانها محمد بن خُوارزم شاه وأبادها، وهدم أركانها، وخرب بنيانها، والشيخ أبو الجناب نجم الدين الكبرى، رُزق بالشهادة في هذه الوقعة العظمى، بيد هذه الفئة الكافرة الفاجرة الطاغية، في سنة ست عشرة وستمئة، يشير إليه العارف الرباني والعالم الصمداني المولى جلال الدين الرومي في ذكر انتسابه به (حيث قال هذه الأبيات منشداً):
ما از آن محتشمانيم که ساغر گيرند نه ... از آن مفلسکان که بزلاغر گيرند به يکي دست مي خالص ايمان نوشند ... بيکي دست دگر برچم کافر گيرند
فكان ما كان في القرى والأمصار من قضاء الله العزيز القهار، فإنَّ الله تصريفاً في عباده، لا بد أن ينفد فيهم سهم مراده، ولا مفر من القضاء ولا محيد عما قدره الله وقضى:
تبدلت الأطوار وانحل عقدها ... وزال عن أطوار الزمان نظام
وزال عن الأيام نور ورونق ... وطبق أكناف البلاد ظلام
وكان سرير العلم صرحاً ممرداً ... يُناغي القباب السبع وهي عظام
متيناً رفيعاً لا يطار غُرابه ... عزيزاً منيعاً لا يكاد يُرام
مهيباً ومحمي الزمام وأهله ... أعزّة أهل العالمين فخام
محط رحال للأجلة قبلة ... لكل إمام يقديه أنام
فجرت عليه الراسيات ذيولها ... فخرت عروش فيه ثمَّ دِعَامُ
وسيق إلى دار المهانة أهلها ... مساق أسير لا يزال يُضام
ثم تلاه بنوه، وزودوه والدوا فعله وأيدوه، حتى قصد هلاكو الكافر ابن جنكز الفاجر، ببغداد بجيش عَرَمْرَم في زمان الخليفة المستعصم، آخر الخلفاء العباسية في سنة ست وخمسين وستمئة، ونزل على بغداد وقتل الخليفة، وهجم عسكر التاتار الفجرة دار الخلافة، وقتلوا من كان ببغداد من الفقهاء وسائر المسلمين، وبقي بلاد الإسلام بلا خليفة ثلاث سنين، وكان ذلك بفتنة وزيره ابن العلقمي نور الدين الخبيث الرافضي، فانقرضت الدولة العباسية من العراق، وسقى الدهر أهلها كأس الفراق، بالسيف والدم المهراق، وانعكس حال العلم في هذه الأيام، وارتحل بقية السيوف من أهاليه إلى أرض مصر وبلاد الشام.
تعطل الدَّرسُ أياماً بها وخَلَتْ ... مجامع النحو من جاء ومُنْطَلِق فما يُرى قل من فيها أخو أدب ... ولم يخط ولو سطراً على ورق
وكان فقهاء الحنفية في تلك الديار قليلاً، وللواردين ما يشفي لقاؤهم عليلاً، فساروا بأهاليهم إلى دمشق وحلب المحروسة مقتبسين بـ (يَقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ} [المائدة: ((21)]، وكانت هذه
الجزء 1 · صفحة 15
الديار في هذا العصر على أحسن النظام، ببركة معدلة سلاطين الغرب في هذه الأيام، وكانت تقدم الفقهاء إليها من البلدان وترحل الطلبة إليها للتفقه من كل مكان، إلى أن حدث فيها تعدي سلاطين الجراكسة، وصار أطوار النظام متنكسة، وأحوال الزمان) منعكسة، فارتحل العلم وأهاليهم إلى بلاد الروم، واجتمع فيها ذووا الفضائل وأرباب العلوم، ببركة سلطنة الخواقين العثمانية، ويسرة معدلة القوانين الخاقانية، وحسن همتهم العلماء، ولطف تربيتهم الفضلاء، وكمال رعايتهم الفقهاء، فبلغوا إلى حد لا يكاد يحصر، ولا يضبط بديوان ولا دفتر، سيما دار السلطنة العلية، قسطنطينية المحمية.
في كل يوم جياد الفضل جائلها ... وكل حين أسود العلم تعترك قد بلغ فقهاؤها في العلم الغاية، وفي العمل والاجتهاد النهاية، كل منهم في الأصول مغنٍ، وفي الفقه مختار، وفي مجمع العلوم مشكاة، وفي إفاضة الأنوار) منار، ولهم في كنز التحقيق كفاية وهداية، وفي الخزانة عناية، ومنتهى الغير لهم بداية، ولأكثرهم مشاركة في العلوم كلها، شرعيها ونقليهاوعقليها، وأياد طويلة في الشعر والأدب، والإنشاء والمحاضرات والخطب، في كل واد يهيمون، من بدائع العلوم وصنائع الفنون، والآن بحمد الله المنان على زيادة من ذلك، بيمن دولة مالك الممالك، سلطان العرب والعجم والروم كاسر الأكاسرة، وقهرمان القروم، إمام الزمان بأمر الله، قوي السلطان في المشرقين، وخليفة الرحمن بنصر الله، جلي البرهان في الخافقين، خادم الأوامر الربانية، وناظم القوانين السلطانية، عمدة الخلفاء المعتزين بالعزة السبحانية وزبدة الأئمة الاثني عشر العثمانية، السلطان بن السلطان، السلطان مراد خان بن السلطان سليم خان بن السلطان الغازي سليمان خان بن السلطان أبي الفتوح سليم خان بن السلطان السعيد بايزيد خان بن السلطان أبي الفتح محمد خان بن السلطان أبي النصر مراد خان بن السلطان محمد خان بن السلطان بايزيد خان بن السلطان الغازي مراد خان بن السلطان أورخان بن الغازي عثمان، لا زالت سلسلة نظم دولته منتظمة إلى آخر الزمان ونهاية الدوران، وأرواح أسلافه العظام متنزهة في روضة الرضوان.
فأضحى بحمدِ اللهِ وَارثَ مَنْ مَضَى ... مِنَ النَّمط الأعلى ووارثَ مَنْ بَقِي ... عطوفاً رؤوفاً بالرعايا يَسُوسُهم ... بصورة سلطان وسيرة منقي يفتش أحوال الأنام بنفسه ... يراعي رجال الفضلِ يَزْجُرُ بالشَّقِي
اجتباه الله تعالى للمُلْكِ وعينه، وجلَّل منكبه برداء السلطنة وزينه، وملأ بهيبته ... قلوب الأداني والأقاصي، وذلل لحكمه رقاب الأذياب والنواصي، وأنام بعدله في
كنف الأمن العزيز أنامه، وخص على إصلاح مهماتهم قعوده وقيامه، وكيف لا، وقد (قرنه الله الحميد) بإرشاد المولى المعلم السعد السعيد، لا زال في منصب عال وعيش رغيد.
الجزء 1 · صفحة 16
معاليه تأبى أن تُعد و أنْ تُحْصَى ... وإن جدَّ في إحصائها المرء واسْتَقْصَى لقد خصه الرحمن بالفضل والعُلى ... مِنَ النَّاسِ فِي الدُّنيا فحمْداً لِمَنْ خَصَّا
قال الله تعالى: {وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ} [الأعراف: (181)]؛ أي: بعض مَنْ خلقنا، أو بعض ممَّنْ خلقنا طائفة يهدون الناس ملتبسين بالحق، أو يهدونهم بكلمة الحقِّ، ويدلُّونهم على الاستقامة، وبالحق يعدلون، يحكمون في الحكومات الجارية فيما بينهم، ولا يجورون فيها.
عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّ مِنْ أمتي قوماً على الحق حتى ينزل عيسى ((5))، وروي: «لا تزال من أمتي طائفة على الحق إلى أن يأتي أمر الله، وروي: «لا تزال من أمتي قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم ولا مَنْ خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم ظاهرون.
وفيه من الدلالة على صحة الإجماع ما لا يخفى، والاقتصار على نعتهم بهداية الناس للإيذان بأن اهتداءهم في أنفسهم أمر محقق، غني عن التصريح به، كذا قاله شيخ الإسلام العمادي في إرشاده».
قال البيضاوي: ذكر هذه الآية بعد ما بين أنه خلق للنار طائفة ضالين ملحدين عن الحق للدلالة على أنه خلق أيضاً للجنة أمة هادين بالحق عادلين في الأمر. واعلم أن الهداية بكلمة الحق والدلالة على الاستقامة والعدالة بالحق في الحكومات الجارية بين الخلق وعدم الجور فيها لا يتيسر إلا بتكلف الفقاهة في الدين وتجشي مشاق تحصيلها، وهو من فروض الكفاية، بدلالة قوله تعالى: وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة: (122)].
عن الكلبي رحمه الله تعالى: لما أنزل الله عيوب المنافقين وبين نفاقهم في غزوة تبوك قال المؤمنون: والله لا نتخلف عن غزوة يغزوها رسول الله ولا سرية أبداً. فلما قدم الرسول - صلى الله عليه وسلم - المدينة وأمر بالسرايا نَفَرَ المسلمون جميعاً وتركوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحده بالمدينة، فنزلت الآية؛ يعني: ما صح وما استقام للمؤمنين أن ينفروا جميعاً لنحو غزو أو طلب علم، فإنَّ ذلك مخل بأمر المعاش.
فهلا نفرَ مِنْ كُلِّ طائفة كثيرة لأهل بلدة أو قبيلة عظيمة جماعة قليلة (ليتكلفوا الفقاهة) في الدين ويتجشموا مشاق تحصيلها، وليجعلوا غاية تحصيلهم ومرمى غرضهم من ذلك إنذار قومهم وإرشادهم إذا رجعوا إليهم.
وتخصيصه بالذِّكْرِ لأنه أهم، وفيه دليل على أنَّ التَّفقه في الدين من فروض الكفاية، وأن يكون غرض المتفقه الاستقامة والإقامة، لا الترفع على العباد، والتبسط في البلاد، والتروس والتصدر.
الجزء 1 · صفحة 17
(وفي «التيسير»: التَّفقه: التَّفعل من الفقه، وهو طلبه وتحصيله)، والفقه: فهم موجبات المعاني المضمنة فيها من غير تصريح بالدلالة عليها.
وذكر فخر الإسلام علي البزدوي في «أصوله»: الفقه على ثلاثة أقسام: علم المشروع بنفسه، والثاني إتقان المعرفة به، وهو معرفة النصوص بمعانيها وضبط الأصول بفروعها، والقسم الثالث وهو العمل به حتى لا يصير نفس العلم مقصوداً، فإذا تمت هذه الأوجه كان فقيهاً.
وقد دل على هذا المعنى أنَّ الله تعالى سمى علم الشريعة حكمة، فقال: يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِي خَيْرًا كَثِيرًا} [البقرة: (269)]. فقد فسر ابن عباس رضي الله عنه الحكمة في القرآن بعلم الحلال والحرام. وقال سبحانه وتعالى: ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} [النحل: (125)]؛ أي: بالفقه والشريعة.
والحكمة في اللغة: عبارة عن العلم والعمل. وكذلك موضع اشتقاق هذا الاسم وهو الفقه - دليل عليه، وهو العلم بصفة الإتقان مع اتصال العمل به، فمن حوى هذه الجملة كان فقيهاً مطلقاً، وإلا فهو فقيه من وَجْه دون وجه.
وقد نَدَبَ الله تعالى إليه بقوله: {فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة: (122)] وصفهم بالإنذار وهو الدعوة إلى العلم والعمل. وقال النَّبيُّ: خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا، وقال: «إذا أراد الله بعبد خيراً يفقهه في الدين»، إلى هنا كلام البردوي.
والدين، والملة، والشريعة، والمنهاج، والإسلام، والحنيفية)، والسنة، والجماعة؛ فإنَّها عبارات وَرَدَت في التنزيل الجليل، ولكل واحد منها معنى يخصها، وحقيقة توافقها لغة واصطلاحاً.
قال المولى التفتازاني في حاشية الكشاف) في آخر سورة الأنعام، في تفسير قوله تعالى: دِينَا قِيمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا} [الأنعام: (161)]: الدين هو الطريقة المخصوصة الثابتة من النبي، من حيث الانقياد له ديناً، ومن حيث يملي ويبين للناس ملة، ومن حيث بينها الله تعالى أو من حيث يَرِدُها الواردون المتعطشون إلى زلال نيل الكمال شرعاً وشريعة.
والدين يضاف إلى الله وإلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وإلى آحاد الأمة، والملة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وإلى آحاد الأمة وكذا الشريعة. وقال السيد الشريف في حاشية العضد»: اعلم أن الدين وضع إلهي سائق لأولي الألباب باختيارهم المحمود إلى الخير بالذات، ويتناول الفروع والأصول، وقد يُخَصُّ بالفروع، والإسلام هو هذا الدين المنسوب إلى محمد - صلى الله عليه وسلم -، المشتمل على العقائد الصحيحة والأعمال الصالحة، فالإضافة في (دين الإسلام) بيانية. إلى هنا كلام الشريف.
الجزء 1 · صفحة 18
اعلم أنَّ الإنسان إذا اعتقد عقداً أو قال قولاً؛ فإما أن يكون مستفيداً من غيره بأن يتفكر في حقه وباطله، وصواب القول فيه وخطئه، ويكون فيه على بصيرة ويقين، أو مستبدا برأيه، فالمستفيد من غيره مسلم مطيع، والدين هو الطاعة، والتسليم هو التدين، والمستبد برأيه محدث مبتدع، وربما يكون المستبد مستنبطاً مما استفاده، على شرط أن يعلم موضع الاستنباط وكيفيته، فحينئذ لا يكون مستبدا حقيقةً؛ لأنه حصل العلم بقوة تلك الفائدة.
فالمتدين هو المسلم المطيع المقر بما جاء من عند الله إلى رسوله، وبما جاء من عند الرسول إليه. والإسلام هو التوحيد والتدريج بالشرع الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم.
قال الله تعالى: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ} [آل عمران: (19)]؛ أي: الدين الحق والمرضي هو الإسلام. وقال تعالى: {وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [سورة المائدة: (3)]، اخترته لكم من بين الأديان).
فالدين أعم من الإسلام، والإسلام: الاستسلام، وهو الإخلاص أيضاً، وهو في الحقيقة جعل كل الأشياء الله تعالى لا شريك له فيها. ولما كان نوع الإسلام محتاجاً إلى اجتماع مع آخر من بني جنسه في إقامة معاشه والاستعداد لمعاده، وذلك الاجتماع يجب أن يكون على شكل يحصل به التمانع والتعاون حتى يحفظ بالتمانع ما هو له، ويحصل بالتعاون ما ليس له، فصورة الاجتماع على هذه الهيئة هي الملة، والطريق الخاص الذي يوصل إلى هذه الهيئة هو المنهاج، والشرع، والسنة، والإتقان على تلك السُّنَّة هو الجماعة، قال سبحانه: {لِكُلِّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا} [المائدة: (48)].
ولن يتصوَّرَ وَضْعُ الملة وشرع الشرعة إلا بواضع شارع، يكون مخصوصاً من عند الله تعالى بآيات تدل على صدقه، وربما تكون الآية متضمنة في نفس الدعوى، وربما تكون متأخرة، وربما تكون ملازمة.
والشريعة ابتدأت من نوح عليه السلام، قال الله تعالى: {شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا} [الشورى: ??]، والحدود والأحكام ابتدأت من آدم، وشيث، وإدريس عليهم السلام، وخُتِمَتِ الشَّرائع والملل والمناهج والسنن بأكملها وأتمها حُسْناً وجمالاً بشريعة نبينا محمد، قال الله تعالى: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: (3)]؛ أي: أكملت بالنصر والإظهار على الأديان كلها، أو بالتنصيص على قواعد العقائد، والتوفيق على أصول الشرائع وقوانين الاجتهاد، وأتممتها بفتح مكة ودخولها آمنين ظاهرين، وهدم منار الجاهلية ومناسكها، والنهي عن حج المشرك وطواف الزيارة، أو بإكمال الدين والشرائع، أو بالهداية والتوفيق، واخترته لكم من بين الأديان، وهو الدين عند الله تعالى لا غير.
الجزء 1 · صفحة 19
وقد قيل: خُص آدم عليه السلام بالأسماء، وخُصَّ نوح عليه السلام بمعاني تلك الأسماء، وخُص إبراهيم عليه السلام بالجمع بينهما، ثم خُص موسى عليه السلام بالتنزيل، وخُصَّ عيسى عليه السلام بالتأويل، وخُصَّ نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - بالجمع بينهما، على ملة أبيه إبراهيم عليه السلام، وهي الملة الكبرى والحنيفية السمحاء، فإن دعوة الأنبياء عليهم السلام بعد إبراهيم الخليل لم تكن في العموم كالدعوة الخليلية، ولم يثبت لهم من القوة والشوكة والملك والسيف مثل الملة الحنيفية؛ إذ) كانت ملوك العجم كلها على ملة إبراهيم، وجميع من كان في زمان كل واحد منهم من الرعايا في البلاد على أديان ملوكهم، وكأن ملوكهم مرجع مؤبد، إنَّ أعلم العلماء، وأقدم الحكماء لا يصدرون [إِلَّا] عن أمره، ولا يرجعون إلا إلى رأيه، وكان دعوة بني إسرائيل أكثرها في بلاد الشام وما وراءها من المغرب، وقلما سرى إلى بلاد العجم.
وكانت الفرق في زمن الخليل راجعة إلى صنفين؛ أحدهما الصابئية، والثاني الحنفاء، فالصابئية كانت تقول: إنما نحتاج في معرفة الله تعالى ومعرفة طاعته وأوامره وأحكامه إلى متوسط، لكن ذلك المتوسط يجب أن يكون روحانيا لا جسمانيا، وذلك ينبغي أن يكون أزكى الروحانيات وأطهرها وأقربها من رب الأرباب، والجسماني بشر مثلنا يأكل ما نأكل، ويشرب ما نشرب، يماثلنا في المادة والصورة، قالوا: {وَلَين أَطَعْتُم بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَّخَاسِرُونَ} [المؤمنون: (34)]. والحنفاء تقول: إنما نحتاج في معرفة الله تعالى وطاعته إلى متوسط من جنس البشر، تكون درجته في الطاعة والعصمة فوق الروحانيات، يماثلنا من حيث البشرية، ويما يزنا من حيث الروحانية، فيُلقى إليه الوحي بطرف الروحانية، ويُلْقَى الوحي إلى نوع الإنسان بطرف البشرية، قال الله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَى أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهُ وَاحِدٌ} [الكهف: ???، فصلت: (6)]، وقال تعالى: {قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا} [الإسراء: (93)].
ثمَّ لَمَّا لم يتطرق للصابئية الاقتصار على الروحانيات التحتية، والتقرب إليه بأعيانها، والتلقي منها بذواتها؛ استغاثَتْ وفزعتْ جماعة إلى هياكلها، واتخذوا وسائط إليها، وهي السَّيَّارات السبع وبعض الثوابت، فصابئة الروم مفزعها السيارات، وصابئة الهند مفزعها الثوابت، وربما نزلوا عن الهياكل إلى الأشخاص التي لا تَسْمَعُ ولا تبصر ولا تغني عن الإنسان شيئاً، والفرقة الأولى: هم عبدة الكواكب، والثانية: هم عبدة الأصنام.
وكان الخليل عليه السلام مكلفاً بكسر المذهبين على الفرقتين، وتكليف الحنيفية السهلة السمحة، فاحتج على عبدة الأصنام قولاً وفعلاً، وكسراً من حيث القول، وكسراً من حيث الفعل، فقال لأبيه كما قال الله تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَازَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا وَالِهَةٌ} [الأنعام: (74)]، {
الجزء 1 · صفحة 20
إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَتَأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا} [مريم: (42)]، وقال: { ... مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَكِفُونَ} [الأنبياء: (52)]، {وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَمَكُم بَعْدَ أَن تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ فَجَعَلَهُمْ جُزَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَّهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ ... } إلى أن: {قَالُوا ءَ أَنتَ فَعَلْتَ هَذَا بِنَا لِهَتِنَا يَإِبْرَاهِيمُ قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَتَتَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ فَرَجَعُوا إِلَى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظَّالِمُونَ ثُمَّ تَكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنطِقُونَ قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ أَن لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [سورة الأنبياء: (62) - (67)]. وذلك إلزام من حيث القول والفعل، وإقحام من حيث التكثر على عبدة الأصنام.
واحتج الخليل عليه السلام أيضاً على عبدة الكواكب، كما قال الله تعالى: {وَكَذَلِكَ نُرِى إِبْرَاهِيمَ مَلَكُونَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ الَّيْلُ رَمَا كَوْكَبَا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ فَلَمَّا رَهَا الْقَمَرَ بَازِغَا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ فَلَمَّا رَهَا الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَتَقَوْمِ إِنِّي بَرِى مِمَّا تُشْرِكُونَ إِنِّي وَجَهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَحَاجَهُ قَوْمُهُ، قَالَ أَتُحَجُونِي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَيْنِ} ... [الأنعام: (75) - (80)]، وقال تعالى: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَهَا إبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ، نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَن نَّشَاءُ} [الأنعام: ??]؛ يعني: كما آتيناه الحجة كذلك نريه الحجة، فساق الإلزام على أصحاب الهياكل مساق الموافقة في المبدأ والمخالفة في النهاية؛ ليكون الإلزام أبلغ، والإقحام أقوى، وإلا فإبراهيم عليه السلام في قوله: {هَذَا رَبِّي} لم يكن شاكا، كما لم يكن في قوله: {بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا} كاذباً، وَسَوْقُ الكلام على جهة الإلزام غير، وسوقه على جهة الالتزام غير، فإنَّ من دأب المجادل المستدل على فساد قول خصمه أن يحكي قوله كما هو غير متعصب لمذهبه، ثم يكر عليه بالإبطال، ولعل ذلك أدعى إلى الحق، وأنجى من الشغب.
قال شيخ الإسلام العمادي في «الإرشاد»: ولعل سلوك هذه الطريقة في بيان استحالة ربوبية الكواكب دون بيان استحالة الهية الأصنام لما أنَّ هذا أخفى بطلاناً واستحالة من الأول، فلو صدع بالحقِّ مِنْ أوَّلِ الأمر كما فعله في حق عبادة الأصنام لتمادوا في المكابرة والعناد، ولجوا في طغيانهم يعمهون. انتهى.
فلما أظهر الحجة وبين المحجة قرر الحنيفية التي هي الملة الكبرى والشريعة العظمى، وأبطل مذهب الصابئة الذي هو زيغ في القلوب واتباع الهوى، يُقال: صبا الرجل: إذا زاغ، فيحكم بميل هؤلاء عن سَنَنِ الحقِّ، وزيعهم عن نهج الأنبياء = قيل لهم: الصابئية.
الجزء 1 · صفحة 21
وقد يقال: صبا الرجل: إذا عشق وهَوِيَ، وبين أن الفطرة هي الحنيفية، وأن الطهارة فيها، وأن الشهادة بالتوحيد مقصورة عليها، وأنَّ النَّجاة والخلاص متعلقة بها، وأن الشرائع والأحكام مشارع ومناهج عليها، وأن الأنبياء والرسل عليهم السلام مبعوثون بتقريرها وتقديرها، وأنَّ الفاتحة والخاتمة منوطة بتحصيلها وتخليصها وتحريرها، ذلك الدين القيم، والصراط المستقيم، والمنهج الواضح، والمسلك اللائح، قال الله تعالى لرسوله المصطفى ونبيه المجتبى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [سورة الروم: (30) - (32)].
الفطرة الخلقة؛ أي: عليكم فطرة الله، أو الزموا فطرة الله، فالخطاب للكل كما يُفْصِحُ عنه قوله تعالى: مُنِيبِينَ إِلَيْهِ، والإفراد في فَأَقِمْ لما أَنَّ الرَّسُولَ - صلى الله عليه وسلم - إمام الأمة، فأمره مستتبع لأمرهم، وقوله تعالى: {الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا} صفةٌ لفطرة الله، مؤكدة لوجوب الامتثال بالأمر، فإِنَّ خَلْقَ الله تعالى الناس على فطرته، التي هي عبارة عن قبولهم للحق، وتمكنهم من إدراكه)، أو على ملة الإسلام = من موجبات لزومها والتمسك بها قطعاً، فإنَّهم لو خُلُّوا وما خُلِقوا عليه أدى بهم إليها، وما اختاروا عليها ديناً آخر، ومَنْ غَوى منهم فبإغواء شياطين الإنس والجن.
ومنه قوله حكاية عن رب العزة: كل عبادي خلقت حنفاء، فاجتالتهم الشياطين، وأمروهم أن يُشركوا بي غيري)، وقوله: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، حتَّى يكون أبواه هما اللذين يهودانه أو ينصرانه».
ولا تكونوا مِنَ الذين تركوا دينهم الذي أمروا به، وكانوا فِرَقاً، فتابَعَ كل منها إمامها الذي أضلها، كلُّ حزب بما لديهم فرحون، مِنَ الدِّين المعوج المؤسس على الرأي الزائغ والزعم الباطل، مسرورون ظنا منهم أنه حق وأنَّى له ذلك.
وذكر في الفتاوى الصوفية» في الفصل السادس من الباب الأول، نقلاً عن «التمهيد» في باب السنة والجماعة، والرد على أهل البدعة: أن الجماعة من جمع على السواد الأعظم؛ لما روي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: «خط رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطا مستقيماً، فقال: هذا دين الله، ثم خط عن يمينه (وعن شماله) خطوطاً، فقال: هذه سُبل، وعلى رأس كل سبيل منها شيطان يدعو إليه، ثم تلا قوله تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ} [سورة المائدة: (153)].
الجزء 1 · صفحة 22
ثم أهل السواد الأعظم كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورضي الله عنهم ومن تابعهم من التابعين وتبع التابعين، مثل أبي سعيد الحسن البصري، وسفيان الثوري، والأوزاعي، وعلقمة الأسود، وإبراهيم النَّخَعي، والشعبي، ومالك، وحماد، وابن أبي ليلى، وأبي حنيفة، وأمثالهم.
ومن المتأخرين من تلامذتهم مثل أبي يوسف القاضي، ومحمد بن الحسن الشيباني، وزفر، والحسن بن زياد، وداود الطائي، ومحمد بن إدريس الشافعي، وأبي عبد الله المزني رحمهم الله. ومن فقهاء خراسان مثل أبي مطيع البلخي، وأبي سليمان الجوزجاني، وأبي حفص الكبير البخاري، وشقيق بن إبراهيم، وإبراهيم بن أدهم، كانوا تلامذة أبي جعفر الصادق، وأبي حنيفة رحمهم الله، ثم تابعهم فقهاء الدين. وقال نقلاً عن الشَّرعة): ويلازم السواد الأعظم في الخير، ولا يفارقه شبراً منهم، ويرى الحق معهم أينما كانوا، والسواد الأعظم هم الطائفة القائمة بأمر الله تعالى وسنة رسوله، ومنهم الخلفاء الراشدون والأئمة المهديون بعدهم، ولا يخلو كل قطر منهم أبداً، وفي الحديث: «لا يزال من أمتي طائفة على الحق ظاهرين حتى يأتي أمر الله»، إلى هنا، انتهى.
اعلم أن الله تعالى شرع الشرائع بمقتضى حكمته وبالغ رأفته مختلفة لمصالح العباد، ولو علم أن الصلاح في الأمر الواحد والعبادة الواحدة لما خالف بين التكاليف في الأحكام الشرعية، ولما نسخ بعض الشرائع ببعض الشرائع، ونسخ مِنْ شرعنا ما شرعه أولاً، وزاد علينا في التكليف زيادات، وأسقط عنا واجبات حَسْبَما اقتضته مشيئته، لا معارض لأمره، ولا معقب لحكمه، يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد على مقتضى حكمته، فإنَّ له السلطان القاهر، والاستيلاء الباهر.
بعث الأنبياء، وشرع الأحكام، وأنزل الآيات، وبين الحلال والحرام؛ لمصالح عباده، و تكميل نفوسهم، فضلاً من الله ورحمة، فأول حاكم حكم، وقاضي الزم، واستخلف وعلم، إنَّما هو الله تعالى، الذي ألزم الميثاق في التكليف، وبين العدل وشرعه، ونهى عن العدوان ومَنَعَه، كما قال تعالى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ} [البقرة: (??]، وقال تعالى: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَصِلِينَ} [الأنعام: (57)]، {وَهُوَ خَيْرُ الْحَكِمِينَ} [الأعراف: ??]، {وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ} [غافر: (20)].
قوله: يَقْضِي بِالْحَقِّ) بالصَّاد: مِنْ قصَّ الأمر، قرأه ابن كثير، وعاصم، ونافع، والباقون: (يقضي الحق)، من قولهم: قضى الزرع: إذا صنعها فيما يقضي من تأخير أو تعجيل. وأصل القضاء: الفضل بتمام الأمر، وأصل الحكم المنع، كأن يمنع الباطل عن معارضة الحق، أو الخصم عن التعدي على صاحبه.
الجزء 1 · صفحة 23
وفي تفسير الكواشي»: وفي قوله تعالى: {وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ} دليلٌ على أَنَّ الأنبياء عليهم السلام أفضل من الملائكة؛ لأنَّ الملائكة لَمَّا قال الله تعالى: {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة: (30)]، قالوا: ليخلق الله ما يشاء، فلن يخلق خلقاً أكرم عليه منا، وإن فعل فنحن أعلم منه؛ لأنا قبله، ورأينا ما لم يره، وافتخروا بالعلم فبين تعالى عجزهم بأن خلق جميع المسميات، وعلم أسماءها بكل اللغات حتى القصعة والقصيعة، وآدم خليفة الله في أرضه، وكذلك كل نبي استخلفهم في عمارة الأرض، وسياسة الناس، وتكميل نفوسهم، وتنفيذ أمره فيهم، لا لحاجة به تعالى إلى من ينوبه، بل لقصور المستخلف عليه عن قبولِ فَيْضه وتلقي أمره بغير واسطة.
***
? - آدم عليه السلام
? - شيث عليه السلام
فأوَّلُ الأنبياء آدم عليه السلام، أنزل الله عليه تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير، وحروف المعجم في إحدى وعشرين ورقة، وهو أوَّل كتاب كان أُنزِل في الدُّنيا، قاله ابن قتيبة في «المعارف».
ثم شيث بن آدم عليهما السلام، وكان أجمل أولاد آدم، وأفضلهم، وأشبههم به، وأحبهم إليه، وكان لآدم أربعون ولداً في عشرين بطناً، وكان شيث ولي عهده ووصيه، وهو الذي وَلَدَ البشر كلهم، وإليه انتهت أنساب الناس، وهو الذي بنى الكعبة بالطين والحجارة، كانت هناك خيمة لآدم، وضعها الله تعالى له من الجنة.
وأنزل الله عز وجل على شيث بن آدم خمسين صحيفة، وبين فيه الحدود والأحكام. وعاش آدم تسعمئة وثلاثين سنة، وعاش شيث تسعمئة واثنتي عشرة سنة.
***
(3) - إدريس عليه السلام
ثم إدريس عليه السلام، وهو إدريس بن يارد بن مهياييل بن قينان بن أنوش بن شِيْتَ بن آدم، واسمه أخْنُوخُ، إنَّما سُمِّيَ إدريس لكثرة درسه من كتب الله تعالى وسنن الإسلام، أنزل الله تعالى عليه ثلاثين صحيفة.
وهو أَوَّلُ مَنْ خط بالقلم، وأول مَنْ خاط الثياب ولبسها، وكانوا من قبل يلبسون الجلود، يقال له في ألسن الحكماء الإلهية هرمس الهرامسة، وهو باليونانية أرميس، ومعناه: عطارد. ولد بمصر في مدينة منف منها، وكان في بداية أمره تلميذاً لغوثاديمون المصري، وكان غوثاديمون أحد الأنبياء اليونانيين، والهرميس وهو أوراني الثاني عندهم، وإدريس عليه السلام وهو أوراني الثالث، وأوراني
الجزء 1 · صفحة 24
الأول عندهم شيث بن آدم عليهما السلام، وهو أوَّل مَنْ أخذ اليونانيون والحكماء عنه الشريعة والحكمة.
وخرج هرميس - يعني إدريس عليه السلام - عن مصر، ودار الأرض كلها، وعاد إلى مصر، ورفعه الله تعالى، قال الله تعالى: {وَرَفَعْنَهُ مَكَانًا عَلِيًّا} [مريم: (57)]، عن ابن عباس رضي الله عنهما: إلى السماء السادسة، وعن أنس بن مالك رضي الله عنه: إلى السماء الرابعة، وعن الحسن إلى الجنة، لا شيء أعلى من الجنة.
دعا الخلائق إلى دين الله تعالى، والقول بالتوحيد وعبادة الخالق، وتخليص النفوس من العذاب، وحرض على الزهد في الدُّنيا، والعمل بالعدل، وطلب الخلاص في الآخرة، وأمرهم بصلاة على صفات بينها لهم، وصيام في أيام معروفات عندهم، والإقدام على الجهاد لأعداء الدين، وأمرهم بتحريم أكل الخنزير والميتة.
وتعلموا منه سائر أمور دينهم، ووعدهم أنه يأتي بعده عدة أنبياء، وعرفهم أنَّ من صفات النبي المبعوث أن يكون بريئاً من المذمومات والآفات، كاملاً في الفضائل الممدوحات كلها، وأن يكون مستجاب الدعوة في كل ما طلبه، من إنزال الغيث، ورفع الآفات، وغير ذلك من المطالب، وأن يكون مذهبه ودعوته المذهب الذي يصلح به العالم، ويكثر عمارته، وكلَّم أمته بلغاتهم المختلفة، وعلمهم وأدبهم، وبنى لهم مئة مدينة وثماني مدن عظام أصغرها الرها.
وكان أول من استخرج علم النجوم، ووضع أساس البروج والكواكب السيارة ورتبها في بيوتها، وأثبت لها الشرف والوبال، والأوج والحضيض، والمناظر بالتثليث والتسديس والتربيع والمقابلة والمقارنة، والرجعة، والاستقامة، وبين تعديل الكواكب وتقويمها، وأطاعه أهل الأرض كلها، وخدمه الملوك، وولى أربعة ملوك [في] الأرض، وكل واحد منهم دعا الخلق إلى دين الله.
ومِنْ حِكَمِهِ: كان على فص خاتمه الذي يلبسه في كل يوم: «الصبر مع الإيمان بالله يُوْرِثُ الظَّفر»، وعلى فَصِّ الخاتم الذي يلبسه في الأعياد: «تمام الفرح بالأعياد الأعمال الصَّالحة»، وعلى فص خاتمه الذي يلبسه إذا صلَّى على ميت: «الأجل حصاد العمل، والموت رقيب غير غافل، وعلى المنطقة التي يلبسها دائماً: النظر في العاقبة يُورِثُ سلامة النفس والبَدَن مِنَ الأعراض المؤذية»، انتهت شريعته وهي الملة الحنيفية إلى مشارق الأرض ومغاربها، وشمالها وجنوبها، وطبقة الأرض بأسرها.
ونقل الشَّهرستاني في الملل والنحل عن حكم إدريس عليه السلام: «من أفضل البر ثلاثة: الصبر في الغضب، والجود في العسر، والعفو عند القدرة»، وقال: «الفصل بين العاقل والجاهل أنَّ العاقل منطقه له، والجاهل منطقه عليه، وقال: «لا ينبغي للعاقل أن يستخف بثلاثة مقام السلطان،
الجزء 1 · صفحة 25
والعلماء، والإخوان؛ فإنَّ من استخف بالسلطان أفسد عليه رعيته، ومن استخف بالعلماء أفسد عليه دينه، ومن استخف بالإخوان أفسد عليه مروءته».
فإدريس عليه السلام النبيُّ المثلث بالنبوة، والحكمة، والملك. وبعدما رفع إلى السماء اختلف الخلائق بعده، وأحدثوا الأحاديث إلى زمن نوح النبي - صلى الله عليه وسلم -.
(4) - نوح النبي
وهو أبو جد نوح بن مالك بن متوشلخ بن أَخْنُوخ. وهو إدريس عليه السلام.
نبأه الله تعالى بعد إدريس، فبعثه إلى قومه، وهو ابن خمسين سنة، فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً، وثلاثة قرون من قوم عايشهم وعمر فيهم، يدعوهم فلا يجيبونه، ولا يتبعه منهم إلا قليل، فأرسل الله عليهم الطوفان، ودخل نوح الفلك وأولاده الثلاثة: سام، وحام، ويافث، وأربعون رجلا ونساؤهم، فأنجاهم الله من الغرق.
فحام وأولاده انطلقوا ونزلوا على ساحل البحر، فهم السودان وأجناسهم؛ النوبة، والزنج، والفزان والزغاوة، والحبشة، والقبط، وبَرْبَر، وكلهم من أولاد حام، فمن أولاد يافث الصقالبة، وبرجان، والأَشْبَان، ومن أولاد يافث أيضاً: الترك، والخزر، ويأجوج ومأجوج.
وأما سام بن نوح فسكن وسط الأرض الحرم وما حوله واليمن، فمن أولاده ارم بن سام، وأَرْفَخْشَذ بن سام، فمن أولاد أَرْفَخْشَدُ: قَحْطَانِ بن عَابِر بن شالخ ابن أَرْفَخْشَدْ وابنه يَعْرُب بن قحطان، نزل أرض اليمن فهو أبو اليمن كلهم، وهو أول من تكلم بالعربية، وأول من حياه بتحية الملك: أنعم صباحاً. ومن ولد أرفخشذ: يَقْطُنُ أخو قحطان هو أبو جُرْهُم بن يَقْطُن، وكانت جُرْهُم ممن سكن اليمن وتكلم بالعربية، ثم تركوا مكانهم، فنزلوا شعاب مكة، فأسكنها الله تعالى إسماعيل عليه السلام، فنكح في جُرْهُم.
ومن ولد إرم بن سام عاد، أرسل الله إليهم أخاهم هوداً، ومن ولد إرم بن سام: ثمود، أرسل الله إليهم أخاهم صالحاً.
ومن ولد إرم بن سام: طَسْمٌ وجَدِيس ابنا لا وَذ بن إرم، نزل اليمامة، وأخوهم عمليق، نزل بعضهم الحرم، وبعضهم الشام، ومنهم العماليق، ومنهم تفرقوا في البلاد، منهم فراعنة مصر والجبابرة، ومنهم ملوك فارس، وأهل خُراسان، وأخوهم أُمِيم بن لاوذ بن ارم، نزل بأرض فارس، فأجناس الفُرْس كلهم من وَلَدَه، وَنَمْرُود الكافر من ولد إرم، وهو الذي بنى الصَّرخ ببابل، وملك خمسمئة سنة.
الجزء 1 · صفحة 26
وفي زمانه فرق الله الألسنة، فحصل في ولد سام تسعة عشر لساناً، وفي ولد حام سبعة عشر لساناً، وفي ولد يافث ستة وثلاثون لساناً، فأرسل الله تعالى إبراهيم الخليل عليه السلام.
ه - إبراهيم الخليل عليه السلام
وهو ابن آزر بن تارح بن ناحور بن أسرع بن أرْغُو بن فالغ بن عابر بن شالخ بن أَرْفَخْشَذ بن سام بن نوح بن مصرح.
وهو أول من أضاف الضيف، وأوَّلُ من تَرَدَ الشَّرِيدَ، فأطعمه للمساكين، وأوَّلُ من قص شاربه، واستحد، واختتن، وقلم أظفاره، واستاك، وفرق شعره، واستنجى بالماء، وتمضمض بالماء، وهو أول من شاب وهو ابن مئة وخمسين سنة، وذلك أن سَارَةَ لَمَّا ولدت إسحاق النبي عليه السلام قال الكنعانيون: أما تعجبون هذا الشيخ والعجوز، وجدا غلاماً لقيطاً فتبنياه، فصور الله إسحاق على صورة إبراهيم، فلم يفرق بينهما، فوسَم الله عز وجل إبراهيم بالشَّيب.
وكان بين نوح وإبراهيم عليهما السلام ألفا سنة ومئتا سنة وأربعون سنة، اتخذه الله خليلاً، وأنزل عليه عشرين صحيفة، واحتج على عبدة الأصنام والكواكب قولاً وفعلاً، وقد مر تفصيله في (البرهان).
وحاج إبراهيم في ربه نمرود بن كنعان، وهو أوَّلُ من تجبر وتمرد) وغَصَب، وأول من لبس التاج، وكان له معرفة في أمر النجوم، ووضع فيها، ونظر فيها وعمل به.
قال الله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَهُ اللَّهُ الْمُلْكَ} [البقرة: (258)]؛ إن كان المراد في رب إبراهيم فالإضافة لتعظيم المضاف إليه، وللإشارة إلى غلبة إبراهيم وظفره عليه؛ إذْ مِنْ حق المربي أن ينصر مرباه على أعدائه، وإن كان في ربِّ نَمْرُود يكون لإظهار حماقته أولاً، إذ لا عاقل يحاج في ربه وخالقه، فهو خارج عن دائرة العقلاء لكمال حماقته.
وفيه تعجيب من محاجة نَمْرُود وحماقته وكُفران نعمته؛ يعني: حاجه لأجل إيتاء الملك له، تنكراً له، على طريقة العكس، يعني: أنَّ إيتاء الملك له نعمة له من ربه توجب الشكر بالنسبة إليه سبحانه، وقد جعل موضع الشكر المحاجة مع إبراهيم التي هي منافية للشكر، وهذا في غاية الحماقة.
ونظيرهما وقع في سورة الواقعة: {وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ} [الواقعة: (82)]، أي: لأنكم تكذبون، ويحتمل أن يكون معناه: لأَنْ آتَاهُ الله الْمُلْكَ، بمعنى: أنَّ إيتاء الملك له يصير سبباً للمحاجة؛ لأنَّ المُلك أبطر المَلِكَ في الأغلب وأورثه الكبر والعتو.
الجزء 1 · صفحة 27
إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِ، وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِ، وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ} [البقرة: (258)]، أعرض إبراهيم عليه السلام عن الاعتراض على المعارضة الفاسدة إلى الاحتجاج بما لا يقدر فيه، على نحو هذا التنويه؛ دفعاً للمشاغبة.
وهو في الحقيقة عدول عن مثال خفي إلى مثال جَلي، من مقدوراته التي يعجز عن الإتيان بها غيره، لا عن حجة إلى أخرى؛ إذ المقصود أنَّ الله تعالى قادر على كل شيء، يفعل ما يشاء (والحجة ذلك، والمذكور أولاً وثانياً من إبراهيم مثال جزئي يدخل في الكلي المذكور)، والأول خفي، والثاني جلي، فهو نقل من مثال خفي، إلى مثال جلي.
وليس هذا دليلاً على جواز الانتقال من حجة إلى حجة للمجادل، وهو مذهب المعتزلة كما ذهب إليه صاحب الكشاف»، على أنه يجوز أن تكون تلك الطريقة مجوزة في طريقة إبراهيم ودينه، بل يجوز أن تكون من مخصوصات إبراهيم عليه السلام، فلا تكون الآية المذكورة دليلاً على ما ذهب إليه المعتزلة، وذلك لأنَّ إتباع دين إبراهيم إنما هو في أصول الدين لا في الفروع، ولا في المخصوصات له، كما أن المخصوصات لنبينا - صلى الله عليه وسلم - لا تتبع فيها.
وحاصل الحجة الأخيرة: أنَّ الله تعالى يأتي بالشَّمس من المشرق، فإن كنتَ صادقاً في دعواك فأت بها من المغرب، مع أنها متحركة من المغرب بالحركة الطبيعية، ومن المشرق بالحركة القسرية الحاصلة من حركة الفلك الأعظم)، فصار اللعين نمرود المردود في تلك المرتبة مبهوتاً، لا يقدر على التكلم بكلام فيه تمويه ومشاغبة كما في المرتبة الأولى.
قيل: لَمَّا كسر إبراهيم الأصنام سجنه النمرود) أياماً ثم أخرجه ليحرقه، فقال له: من ربك الذي تدعو إليه، وحاجه فيه، فصار مبهوتاً، ثم لما أنجاه الله تعالى من النار خرج من أرض بابل إلى الأرض المقدسة، وسارة معه وابن أخيه لوط، وكان آمن به في رهط معه من قومه، فاتبعوه، حتى وردوا حران، فأقاموا بها زماناً، وخرجوا إلى الأردن.
قالوا: جميع ولد إبراهيم ثلاثة عشر رجلاً، شرف الله تعالى منهم بالنبوة إسماعيل، وإسحاق.
وأمر الله تعالى إبراهيم بالمسير إلى مكة بإسماعيل وأمه، وأخبره أنه قد بوأه البيت الحرام، وأنه يقضي على يديه عمارته، ويُنيطُ لإسماعيل السقاية، فسار به وبأمه وتركهما هناك، وجاءت رفقة من جُرْهُم، فنزلوا شعاب مكة، وأعطوا إسماعيل سبعة أعتز، فكانت أصل ماله.
***
6 - إسماعيل النبي عليه السلام
الجزء 1 · صفحة 28
فنشأ) إسماعيل النَّبِيُّ عليه السلام مع أولادهم، وتعلم الرمي، ونطق بلسانهم، وهم تكلموا بالعربية، وإسماعيل أول من تكلم بالعربية، فزوجوه امرأة منهم، فولد لإسماعيل اثنا عشر ولداً، وكان أعظمهم قيدار، وثابت.
والنساب يختلفون في نسب معد بن عدنان، فبعضهم يقول: هو من ولد قيدار، وبعضهم يقول: هو من ولد ثابت، وكان ثابت بكر إسماعيل، وولي العهد بعده، شرف الله تعالى إسماعيل بالنبوة والرسالة، وبعثه إلى قوم في جانب اليمن، وكانوا هم الفراعنة فدعاهم إلى الإيمان، وكان بينهم خمسين عاماً فلم يؤمنوا: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا [مريم: (54) - (55)].
قالوا: الرسول لا يلزم أن يكون صاحب شريعة؛ فإن أولاد إبراهيم كانوا على شريعته، واستدلوا بهذه الآية، وكان إسماعيل يبدأ بأهله في الأمر بالصلاح؛ ليجعله قدوة لمن ورائهم، ولأنهم أولى من سائر النَّاسِ، وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ} [الشعراء: (214)]، وقيل: أهله أمتُه؛ فإنَّ الأنبياء آباء الأمم.
ثم لما كثر ولد إسماعيل ضاقت عليهم مكة، فانتشروا في البلاد، فكانوا لا يدخلون بلداً إلا أظهرهم الله على أهله.
وعاش إسماعيل مئة وسبعاً وثلاثين سنة، سكن بمكة، ودفن في الحجر، وفيه دُفِنَتْ أمه هاجر. وأما إبراهيم الخليل فإنَّه عاش مئة وخمسين أو سبعين سنة.
***
7_ إسحاق النَّبيُّ عليه السلام
وأما إسحاق النَّبِيُّ عليه السلام فقال الله تعالى: {وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَقَ نَبِيَّا مِنَ الصَّالِحِينَ} [الصافات: ???]، واختلفوا في أنَّ الذبيح إسماعيل أو إسحاق، والأصح والله أعلم - أنه إسماعيل، وأقوى، دليلنا هذه الآية، حيث عطف البشارة بإسحاق على البشارة بالغلام الذبيح، وقال الله تعالى: {وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشِّرْنَهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَاءِ إِسْحَقَ يَعْقُوبَ} [هود: ??]، فكانت البشارة بإسحاق مقرونة بولادة يعقوب منه، فلا يناسبها الأمر بالذبح.
فولد لإسحاق عيص ويعقوب النَّبيُّ عليه السَّلام توأمان، وعاش إسحاق مئة وثمانين سنة، ولما مات قبره ابناه في المزرعة التي اشتراها إبراهيم عليه السلام عند قبر إبراهيم.
الجزء 1 · صفحة 29
وكانت لإسحاق بنت تزوجها عيص، فولَدَتْ له ستة أولاد: الروم، وخمسة آخرين، فكل من بأرض الروم فهو من نسل هؤلاء الرهط، وعمر عيص مئة وسبعاً وأربعين سنة، وكذلك عمر يعقوب، ودفنا في المزرعة المذكورة عند قبر إبراهيم عليه السلام.
8_ يعقوب النبي عليه السلام
شرف الله تعالى يعقوب بعد إسحاق بالنبوة، وهو إسرائيل الذي ولد الأسباط كلهم، وهم اثنا عشر: رُوبِيل، يَهُودا، شَمْعُونَ، لَاوِي، زِبَالُونَ، يَشْحَر، دان، نفتالي، جاد، آشر، بنيامين، يُوسُف، وكان أبوه إسحاق أمره أن لا ينكح امرأة من الكنعانيين، وأن ينكح امرأةً من بنات خاله لايان بن ناهر بن آزر، وكان مسكنه الفدان، فتوجه إليه يعقوب.
قال ابن قتيبة في «المعارف»: «فأدركه الليل في بعض الطريق، فبات متوسداً حجراً، فرأى فيما يرى النائم: أن سُلّماً منصوباً إلى باب من أبواب السماء عند رأسه، وأن الملائكة تنزل منه وتعرج فيه، فأوحى الله إليه أني أنا الله لا إله إلا أنا، إلهك وإله آبائك، وقد ورثتك هذه الأرض المقدسة وذريتك من بعدك، وباركت فيك وفيهم، وجعلت فيك الكتاب والحكم (?) والنبوة، ثم أنا معك أحفظك حتى أردك إلى هذا المكان، فاجعله بيتاً تعبدني فيه أنت وذريتك، وهو بيت المقدس.
ثم بناه داود وابنه سليمان عليهما السلام، ثم أخربه بُخْتُ نَصَرَ، ثم مرَّ به شعيب، فرآه خراباً والقرية، فقال كما قال تعالى: أَنَّى يُحْيِ هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ} [البقرة: (259)]. ثم ابتناه ملك من ملوك فارس يقال له: كوشك.
فسار يعقوب إلى خاله فخطب إليه ابنته راحيل، وكانت له ابنتان: لآيا، وهي الكبرى، وراحيل، وهي الصغرى. فقال له: هل لك مال أزوجك عليه، قال له يعقوب: لا، إلا أنّي أخدمك أجيراً حتى تستوفي صداق ابنتك. قال: صداقها أن تخدمني سبع حجج، قال له يعقوب فتزوجني راحيل وهي شرطي، ولها أخدمك.
قال له خاله: ذلك بيني وبينك.
فرعى له يعقوب سبع سنين فلما وفى بشرطه دفع إليه ابنته الكبرى لايا، فأدخله عليها ليلاً، فلما أصبح وجد غير ما شرطه، فجاءه وهو في نادي قومه، فقال: غريتني وخدعتني واستحللت عملي سبع سنين، وأدخلت علي غير امرأتي. فقال له خاله: أردت أن تُدخل على خالك العار والسُّبَّة وهو خالك ووالدك، ومتى رأيت الناس يزوجون الصغرى قبل الكبرى، فهلم فاخد مني سبع سنين أخرى وأزوجك أختها، وكان الناس يجمعون بين الأختين إلى أن بعث الله موسى عليه السلام.
الجزء 1 · صفحة 30
فرعى له سبع سنين، فدفع إليه راحيل، فولدت لايا، أربعة من الأسباط: روبيل، ويهودا، وشمعون، ولاوي. وولدت له راحيل يوسف الصديق عليه السلام، وأخاه بنيامين، فكان لايان دفع إلى ابنتيه حين جهزهما إلى يعقوب أمتين، فوهبتا الأمتين ليعقوب، فولَدَتْ كلُّ واحدة منهما ثلاثة رهط من الأسباط». هكذا قال ابن قتيبة.
***
9_ - يوسف عليه السلام
قال صاحب «الكشاف: ستة من الأسباط ودينة كانوا من ليا بنت خالة يعقوب، والأسباط من صلب يعقوب اثنا عشر كلهم أنبياء، إلا أن الله تعالى آثر يوسف على إخوته، وآتاه الملك، وعلمه تأويل الأحاديث.
قال الله تعالى: {قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَاثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا [يوسف: (91)]؛ وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ} [يوسف: (56)]؛ رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ} [يوسف: (101)]؛ [إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَتَأَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبَا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ} [يوسف: (4)]؛ وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَتَهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ [سورة يوسف: (6)]].
وفي «الكشاف»: قيل: علم يعقوب أنَّ يُوسُفَ يكون نبيا وإخوته أنبياء؛ استدلالاً بضوء الكواكب، فلذلك قال: وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ.
وقصة يوسف عليه السلام أحسن قصص قصها الله تعالى في تنزيله الجليل، مشهورة قلَّ مَنْ لا يعرفها من الناس.
روي أنه اشتراه العزيز وهو ابن سبع عشرة سنة، وأقام في منزله ثلاث عشرة سنة، واستَوْزَره (الرَّيَّان بن) الوليد وهو ابن ثلاثين سنة، وآتاه الله العلم والحكمة وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة وتوفي وهو و ابن مئة وعشرين سنة.
وروي أنه رأى هذه الرؤيا وهو ابن ثنتي عشرة سنة، وكان بين رؤيا يوسف ومسير إخوته إليه أربعون سنة، وقيل: ثمانون سنة.
وروي أن يعقوب أقام معه أربعاً وعشرين سنة، ثم مات، وأوصى أن يُدفن بالشام إلى جنب أبيه إسحاق، فمضى بنفسه ودفنه، ثم عاد إلى مصر، وعاش بعد أبيه ثلاثاً وعشرين سنة، فتوفاه الله
الجزء 1 · صفحة 31
تعالى طيباً طاهراً، فتخاصم أهل مصر في دفنه، حتى هموا بالقتال، فرأوا أن يصنعوا له تابوتاً من مَرْمَر، فجعلوه فيه، ودفنوه في النيل ليمر عليه، ثم يصل إلى مصر ليكونوا شرعاً واحداً في التبرك به.
وولد ليوسف من راعيل، وهي زليخا أفراييم اييم، وميثا)، ولأفراييم نون، ولنون يوشع فتى موسى، ولقد توارثَتِ الفراعنة من العمالقة بعده مصر، ولم يزل بنو إسرائيل تحت أيديهم على بقايا دين يوسف وآبائه إلى أن بعث الله موسى عليه السلام.
قيل: إن يعقوب وولده دخلوا مصر وهم اثنان وسبعون ما بين رجل وامرأة، وخرجوا منها مع موسى عليه السلام ومقاتليهم ستمئة ألف وخمسمئة وبضعة وسبعون رجلاً سوى الذرية والهرمي، وكانت الذرية ألف ألف ومئتي ألف. قيل: لم يكن من أولاد عيص بن إسحاق نبي إلا أيوب النبي الصابر عليه السلام.
***
10_ أيوب النَّبيُّ الصابر عليه السلام
الصابر عليها بن عيص، وكانت أيُّوبُ النَّبِيُّا السلام ابن آموس بن أراج بـ تحته رحمة بنت أفراييم. بن يوسف، وهي التي ضربها أيوب بالضغث، وكان أبوه ممن آمن لإبراهيم يوم أحرق. قيل: كان أيوب في زمن يعقوب بن إسحاق، وكانت تحته بنت يعقوب، يقال لها: ألتا، وكانت أم أيوب بنتَ لُوط، لوط النَّبي عليه السلام.
ولم تكن مَدْيَن قبيلة شعيب، ولكنَّها أُمَّةٌ بُعث إليها، ولما أصاب قوم شعيب ما أصابهم لحق شعيب والذين آمنوا معه بمكة، فلم يزالوا بها حتى ماتوا، وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا} [هود: (94)]، كَذَّبَ أَصْحَابُ لَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَ يبُ أَلَا تَتَّقُونَ إِنِّي لَكُمْ رَسُولُ أَمِينٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ} [الشعراء: (176) - (179)].
***
12_موسى عليه السلام (5)
13_هارون عليه السلام
قيل: لم يكن بين آل يعقوب وأيوب نبي حتى كان موسى وهارون عليهما السلام، وكان هارون أسن من موسى (بثلاث سنين).
وعن وَهْبِ بن مُنَبِّه: هو مُوسَى بْنُ عِمْرانَ بن ثابت بن لاوِي بن يَعْقُوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام.
الجزء 1 · صفحة 32
وبعد ما تزوج بنتَ شُعَيبٍ توجه إلى مصر، فأدركه الليل في الطريق، فقال لأهله: امكثوا! فذهب لطلب النار، فشرفه الله بالنبوة والرسالة، قال الله تعالى: وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى إِذْ رَهَا نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلَّى عَالِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى فَلَمَّا أَنْتَهَا نُودِيَ يَمُوسَى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَأَخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} [طه: (9) - (14)]. فأنزل الله عليه التَّوراة وكلمه واصطفاه: {قَالَ يَمُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَلَاتِي وَبِكَلامِي} [الأعراف: (144)]، فأرسلهما إلى فرعون أَذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى [سورة طه: (43)]، وبعد اللتيا والتي أهلك الله فرعون وجنوده بالغرق، ونجي قوم موسى بني إسرائيل منهم.
وقُبِضَ هارون، مات في التيه، ومات موسى بعده بسنة.
14 - يوشع النبي عليه السلام
ودخل يُوشَعُ النَّبِيُّ عليه السلام أريحا بعد موته [موسى] بثلاثة أشهر، ومات النقباء في التيه بغتة إلا كالب ويُوشَع، هكذا روى صاحب «الكشاف». لما احتضر موسى أخبر بني إسرائيل بأن يُوشَع بعده نبي، وأنّ الله أمرهم بقتل الجبابرة، فسار بهم يوشع وقتل الجبابرة، وصار الشام كله لبني إسرائيل.
15_كالب عليه السلام (2)
ثم بعد يوشع كالب، كان كالب خليفةً على بني إسرائيل، وعاش مئة وستا وعشرين سنة.
***
16_إشماويل عليه السلام
ثم بعده إشْمَاوِيل، قال ابن قتيبة: إشْمَاوِيل بن هلفا، اسم أمه حنة، وهي من بني إسرائيل، ولم يكن بينه وبين يُوشَع بن نون بن أفراييم بن يوسف بن يعقوب نبي، وهو الذي ذكره الله عز وجل في القرآن حين قال: {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا} [البقرة: (247)].
عدَّ وَهْب بن منبه أن طالوت من سبط بنيامين بن يعقوب، وكان مسكيناً راعي حمير، وخرج من حميره يطلب حمارين له، فنزل إشماويل، فأعلمهم أنه ملكهم، وأنه من سبط بنيامين، فقالوا له: قد علمت أنه لم يكن في هذا السبط ملك، ولا فيه نبوة، فقال لهم إشماويل: أفأنتم أعلم بذلك أم الله، ألم تعلموا أن الله حين بعثه إليكم قد عرف نسبه، ثم استخلف الله تعالى بعد إشماويل داود النبي عليه السلام.
***
الجزء 1 · صفحة 33
17_داود النبي عليه السلام
18_سليمان النبي عليه السلام
داود النبي عليه السلام ابن إيشا، وكان سابع سبعة إخوة، أصغرهم هو، وكان يرعى على أبيه، وكان تزوج بنت طالوت على أن قتل داود جالوت فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُدُ جَالُوتَ وَعَاتَهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ} [البقرة: (251)]، {يَدَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَأَحْكُمُ بَيْنَ النَّاسِ بالحقِّ} [ص: (26)].
وابتدأ داود عليه السلام ببناء بيت المقدس، ومات قبل تمامه، وبعده ورث الله الملك ابنه سليمان النبي عليه السلام، وكان عمر داود مئة سنة، وكان أربعين سنة خليفةً، وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ وَقَالَ يَتَأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ} [النمل: (16)].
ولم يزل الملك بعد سليمان في ولده وأولادهم إلى الأعرج من ولد ولده، وكان عَرِجَ مِنْ عِرْق النسا، فطمعت الملوك في بيت المقدس لزمانته وضعفه، وأنه لم يكن نبيا، فسار إليه ملك الجزيرة، يُقال له: لنقز، وكان يعبد الزُّهَرَة، وكان بُخْتُ نَصَّرَ كاتبه يومئذ، فنذر على نفسه لئن ظفر ببيت المقدس ليذبحن ولده للزهرة، فأرسل الله تعالى إليه ريحاً فأهلك جيشه، فأفلت هو وكاتبه حتى وردا الحضر مينية، وهي دار ملكه فقتله ابنه، فغضب له بُخْتُ نَصَّرَ فاغتره حتى قتله وملك بعده، وكان ذلك أوَّلُ ملك بُخْتَ نَصَّرَ.
وعن وَهْبِ قال: ملك الأرض مؤمنان وكافران؛ فأما المؤمنان فسليمان بن داود وذو القرنين عليهما السلام، وأما الكافران فنَمْرُود، وبُخْتَ نَصَّر، وسيمْلكها من هذه الأمة خامس، ثم غلب بُخْتَ نَصَّر على الكل، فقتل ملك بني إسرائيل، وأذلهم، وفعل ما فعل بهم، فكان ما كان في بني إسرائيل.
ثم بعث الله شعيباً النَّبيَّ عليه السلام وهو الذي بشر بعيسى عليه السلام والنَّبيَّ، ثم قتلهم بنو إسرائيل، ثم أحدثوا بعد ذلك أحداثاً، ونبذوا كتاب الله، فسلط الله عليهم عدوهم، ونزع منهم الملك والنبوة، فليسوا في أمم من الأمم إلا وعليهم ذِلَّة وصغار إلى يوم القيامة، وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُ و بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِنَايَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَكَانُوا يعْتَدُونَ} [البقرة: (61)].
***
(19) - المسيح عيسى النبي عليه السلام
(20) - إلياس النبي عليه السلام
?? - يونس بن متى عليه السلام
الجزء 1 · صفحة 34
?? - زكريا النبي عليه السلام
(23) - يحيى النبي عليه السلام
ثم أرسل الله تعالى المسيح عيسى النبي عليه السلام، وأنزل عليه الإنجيل، وذلك بعد إرسال إلياس النبي عليه السلام إلى أهل بَعْلَبَكَ، وبعثة أليسع النبي عليه السلام، كان تلميذ إلياس، فدعا له، فنبأه الله عز وجل، وبعثة يونس بن متى عليه السلام إلى أهل نينوى، وزكريا النبي عليه السلام، وهو أبو يحيى النبي عليه السلام، وَقَفَّيْنَا عَلَى آثَرِهِم بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَيةِ وَآتَيْنَهُ الْإِنجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورُ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَةِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ) وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَبِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} المائدة: (46) - (47)].
***
(24) - محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
ثم بعث الله تعالى بعد ستمئة وعشرين سنة نبينا ورسولنا، أفضل الكائنات، وأشرف المخلوقات محمداً رسول الله عليه أفضل الصلوات، وأكمل التحيات، من الله عز وجل خالق المخلوقات، عليه أنزل الكتاب والبينات هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ، وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا) تُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ} [الفتح: ?? - ??]؛ {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلِّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِن لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا اتَنَكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} [سورة المائدة: (48)].
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: أول المرسلين آدم، وآخرهم محمد صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
وكانت الأنبياء مئة ألف وأربعة وعشرين ألف نبي، الرسل منهم ثلاثمئة وخمسة عشر نبياً، خمسة عبرانيون، وهم آدم وشيث وإدريس ونوح وإبراهيم، وخمسة من العرب: هود وصالح وشُعَيب وإسماعيل ومحمد - صلى الله عليه وسلم -، وأول أنبياء بني إسرائيل مُوسَى، وآخرهم عيسى.
والكتب التي أُنزلت على الأنبياء مئة وأربعة، منها على شيث خمسون صحيفة، وعلى إدريس ثلاثون صحيفة، وعلى إبراهيم عشرون صحيفة، وعلى موسى التوراة، وعلى داود الزبور، وعلى عيسى الإنجيل، وعلى محمد - صلى الله عليه وسلم - الفرقان.
وفي تاريخ الكامل» الذي ألفه ابن الأثير: عاش آدم ألف سنة. وأما في التوراة أنه ألف سنة إلا سبعين سنة، لعل التَّوراة لم يعدوا من سنه ما وهبه لداود عليه السلام.
الجزء 1 · صفحة 35
وكان بين موت آدم والطُّوفان ألفا سنة ومئتا سنة وأربعون سنة، وبين الطوفان وبين موت نوح ثلاثمئة وخمسون سنة، وبين نوح وإبراهيم ألفا سنة ومئتا سنة وأربعون سنة، وبين إبراهيم وموسى سبعمئة عام، وبين موسى وداود خمسمئة عام، وبين داود وعيسى ألف ومئتا عام، وبين عيسى ومحمد صلوات الله عليه وسائر الأنبياء والمرسلين ستمئة وعشرون سنة.
وكان بين نوح وآدم عشرة آباء، وبين إبراهيم ونوح عشرة آباء، قال (عكرمة: كان) بين آدم ونوح عشرة قرون، كلُّهم على الإسلام. وقرأت في الإنجيل أن عدد القبائل من إبراهيم إلى داود أربعة عشر قرناً، ومن داود إلى جالية بابل أربعة عشر قرناً، وبين جالية بابل إلى المسيح أربعة عشر قرناً، نقله ابن قتيبة في «المعارف». قال الله تعالى: كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً} [البقرة: ???]؛ متفقين على الحق فيما بين آدم وإدريس. وعن عطاء والحسن: كان الناس بعد وفاة آدم إلى مبعث نوح أُمة واحدة على ملة واحدة، كانوا كفاراً مثال البهائم في فترة إدريس، فبعث الله نوحاً وإبراهيم وغيرهما، فاختلفوا: فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّنَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم} [البقرة: (213)].
عن كعب الذي علمته من عدد الأنبياء مئة وأربعة وعشرون ألفاً، والمرسل منهم ثلاثمئة وثلاثة عشر، والمذكور في القرآن ثمانية وعشرون (باسم العلم): إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا} [آل عمران: ??]، {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ [مريم: (56)]، وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا} [الأعراف: (65)؛ هود، (50) / (11)]، {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا} [الأعراف: ??؛ هود: (61)]، وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَن نَّشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمُ عليم ((83)) ووهبنا له: إسحاق ويعقوب كلا هدينا ونو خاهدينا من قبل ومن ذريته دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَرُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ) وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ} [الأنعام: (83) - (86)]، كَذَّبَ أَصْحَابُ لَتَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ إِنِّي لَكُمْ رَسُولُ أَمِينٌ [الشعراء: (176) - (178)]، {وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَذَا الْكِفْلِ وَكُلٌّ مِّنَ الْأَخْيَارِ} [ص: (48)]، وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرُ ابْنُ اللَّهِ} [التوبة: (30)].
ذكر أبو الليث في بستانه»: اختلفوا في ذي القَرْنَين ولقمان، قال عِكْرِمة: كانا نبيين، وأكثر أهل العلم قالوا: إنَّ لُقمان كان حكيماً ولم يكن نبيًّا، وذا القَرْنَين ملكاً صالحاً ولم يكن نبيا.
وقد فضل الله تعالى نبينا محمداً بأن أعطاه مثل ما أعطى كل واحد من النبيين) والمرسلين صلوات الله عليهم، وأكمل الشرائع به، وختم به، وجعله خاتم النبيين. قال الله تعالى: {إِنَّا أَوْحَيْنَا
الجزء 1 · صفحة 36
إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّنَ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَرُونَ وَسُلَيْمَانَ وَعَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلًا لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا) رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ} [النساء: (163) - (165)]؛ فيقولوا: لولا أرسلت إلينا رسولاً فينبهنا ويعلمنا ما لم نعلم.
وفيه دلالة على أن بعثة الأنبياء على الناس ضرورة لقصور الكل عن إدراك جزئيات المصالح، والأكثر عن إدراك كلياتها.
(وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا} [النساء: (165)] غالباً على أمره لا يُغلب فيما يريده، حَكِيمًا) [النساء: (165)] فيما دبر من أمر النبوة. وخص كل نبي بنوع من الوحي والإعجاز، لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ، وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا [النساء: (166)].
لما وقع الجواب لأهل الكتاب عن سؤالهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن ينزل عليهم كتاباً من السماء، والاحتجاج عليهم بأنه ليس بدعاً من الرسل، وإنما شأنه في حقيقة الإرسال وأصل الوحي كشأن سائر مشاهير الأنبياء الذين لا ريب لأحد في نبوتهم.
وتعدد الرسل والكتب واختلافها في كيفية النزول، وتغايرها في بعض الشرائع والأحكام إنما هو لتفاوت طبقات الأمم في الأحوال التي عليها يدور ذلك التكليف، ولاقتضاء أحوالهم المتخالفة، واستعداداتهم المتغايرة من الشرائع والأحكام، حَسْبَما تقتضيه الحكمة التكوينية وتستدعيه الحكمة التشريعية، فسؤال تنزيل الكتاب جملة اقتراح فاسد، كأنهم تعنتوا بما سبق من السؤال، وقالوا: ما نشهد لك بهذا فنزل: لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ} [النساء: (166)] من القرآن المعجز الدال على نبوتك، أنزله متلبساً بعلمه الخاص به، وهو العلم بتأليفه على نظم يعجز عنه كل بليغ، أو بحال من يستعد للنبوة ويستأهل نزول الكتاب عليه، أو بعلمه الذي يحتاج إليه الناس في معاشهم ومعادهم، ويشهد الملائكة بنبوتك أيضاً.
إذا تقرر هذا وتمهد ظهر أنَّ الأنبياء والرسل عليهم السلام كلهم كانوا يقرون الحنيفية، وأنَّ الفِطرة هي الحنيفية، وأنَّ الطهارة فيها، وأنَّ الشَّهادة بالتوحيد مقصورة عليها، وأنَّ النَّجاة والخلاص متعلقة بها، وأن الشرائع والأحكام مشارع ومناهج إليها، وأن الأنبياء والرسل عليهم السلام مبعوثة بتقريرها وتقديرها، وأنَّ الفاتحة والخاتمة، والمبدأ والكمال، منوطة بتحليها وتحريرها، ذلك الدين القيم، والصراط المستقيم، والمنهج الواضح، والمسلك اللائح، وبالخصوص صاحب شريعتنا كان في
الجزء 1 · صفحة 37
تقريرها قد بلغ النهاية القصوى، وأصاب المرمى، قال الله تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} [سورة الروم: (30)].
قال الشيخ الإمام يحيى بن علي الزَّنْدَوْيَسْتِيُّ في الباب الثاني والتسعين من روضته»: إن الأمة اجتمعت على أنَّ الأنبياء عليهم السلام أفضل الخليقة، ونبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - أفضلهم، واتفقوا أن أفضل الخلق بعد الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين: جبرائيل، وأسرافيل وميكائيل، وعزرائيل، وحملة العرش، والكروبيون، والروحانيون، ورضوان، ومالك، صلوات الله عليهم أجمعين، وأن الصحابة والتابعين، والشهداء والصالحين أفضل من سائر الملائكة.
قال أبو حنيفة رحمه الله: سائر الناس من المسلمين أفضل من سائر الملائكة، قال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: سائر الملائكة أفضل، له قوله تعالى: وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ سَلَامُ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ} [الرعد: (23) - (24)]، أخبر الله تعالى أن الملائكة زوار أهل الجنَّة من المسلمين والمسلمات، والمزور أفضل من الزوار، فلذلك قال أبو حنيفة: إنهم أفضل من سائر الملائكة. وقال أبو منصور البغدادي في كتاب التواريخ»: قد اختلفوا في التفضيل بين الملائكة وبين الأنبياء والمؤمنين؛ قال جمهور أصحابنا بتفضيل كل واحد من الأنبياء على الملائكة، وأجازوا بأن يكون في المؤمنين مَنْ هو أفضلُ مِنَ الملائكة، ولم يشيروا إلى واحد منهم بهذا الحكم فيه بعينه، ولم يقل أحد من أهل الحديث بتفضيل الملائكة على الأنبياء إِلَّا الحُسَيْن بن الفَضْل البَجَلِي.
واختلف المعتزلة في ذلك؛ فمذهب جمهورهم أن الملائكة أفضل من الأنبياء على التفصيل، وهؤلاء يلزمهم تفضيل زبانية النار على الأنبياء وأتباعهم، وزعم آخرون منهم أن الملائكة الذين ليس لهم معصية أفضل من الأنبياء، فأما من عصى منهم بأدنى معصية، كهاروت وماروت فإنَّ الأنبياء أفضل منهم، وهذا قول الأصم منهم. وزعمت الإمامية أن الأئمة أفضل من الملائكة. وزعمت الغلاة منهم أن فيهم من هو أفضل من الملائكة، ويعنون أنفسهم.
وقد روى أصحابنا عن ابن عباس وأعلام الصحابة تفضيل قوم من المؤمنين على الملائكة، ولا اعتبار بخلاف المعتزلة، [قال جار الله العلامة الزَّمَخْشَرِي في «الكشاف» في قوله تعالى: {وَقَالَ مَا نَهَنكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ} [الأعراف: (20)]: فيه دليل على أن الملائكة بالمنظر الأعلى، وأن البشرية تلمح مرتبتها، كلا، ولا. أي: لمحا كلا لمح ح، أو نظراً كلا نظر.
قال صاحب الكشاف»: إذا أرادوا تقليل مدة فعل، أو ظهور شيء خفي، قالوا: كان فعله كلا، وربَّما كرروا فقالوا: كَلا ولا.
الجزء 1 · صفحة 38
ولعمري أن الاستدلال بقول الملعون غير ناهض، كيف ومن له أدنى مسكة، يستقل بدراية فساد مُدَّعاه، فلو سُلّم أنَّ البشر جاز أن يصير ملكاً، إلا أنَّ تسبب الأكل لذلك ـ وهم معصومون عنه - غير معقول، وكذلك التسبب في نفسه، فإن آدم عليه السلام كان من أعرف الناس بالله تعالى وبصفاته، وأنه فاعل مختار.
كيف وقد رتب الله إليه بالإقسام على النصح، لا على تصديق آدم عليه السلام.
ومن العجب أنَّ البيضاوي مع كونه من أشراف أهل السنة والجماعة فسر قوله تعالى: رَبِّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَئِكَة صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ} [النبأ: ?? - ??] على قاعدة أهل الاعتزال، وقال فيها: فإنَّ هؤلاء الذين أفضل الخلائق وأقربهم من الله إذا لم يقدروا أن يتكلموا بما يكون صواباً، كالشفاعة لمن ارتضى إلا بإذنه فكيف يملكه غيرهم؟
والمعنى: أَنَّ لَا يَتَكَلَّمُونَ: تفصيل بالأول؛ أي: لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا، فلا يتكلمون بالشفاعة إلا من أذن له الرحمن منهم بالشفاعة. كذا فسره النَّسَفِي في «التيسير». والتوجيه بأن المراد بالأفضلية أكثرية المناسبة مع الله في قلة الوسائط، بدلالة عطف أقربهم، كما هو بحسب العادة، فإن الأقربين من الملوك من خدمهم يكون تبسطهم أكثر من البعداء عنهم، وإن كانت وظائف البعداء أكثر، وعوائدهم أوفر = توجيه بعيد.
ونبينا مخصوص بالشفاعة العظمى في الموقف يوم الجزاء الأوفى، وأصل الشفاعة ثابت بالنص والإجماع، وليست حقيقةً لطلب المنافع، بل لإسقاط المضار، وتفصيل رد تمسكات المعتزلة موضعه في المطولات، وعليك بـ «المواقف» فإنها كفاية لك. وفي جواهر الفتاوى» تصنيف الصدر السعيد أبي المفاخر، محمد بن عبد الرشيد الكرماني في الباب السادس من كتاب أصول الفقه: قالوا: الحق عند الله واحد، فإذا كان الحق واحداً يكون الباقي باطلاً، أم لا؟ قال فخر الدين محمد بن محمود في باب أصول الدين: كلُّ ما يكون على خلاف مذهب أهل السنة والجماعة فهو كُفر وضلال، أما في باب الشرائع فأئمة المسلمين في طلب الاجتهاد كانوا مصيبين، أما الحق يكون عند الله واحداً، لكن العباد مأمورون بالنظر في الدليل مع أن الحق عند الله واحد.
قيل له: إذا كان عند الله واحداً، وأبو حنيفة يقول في مسألة بالحل، والشافعي بالحرمة، كيف يكون؟ قال: الحق واحد، والاجتهاد فيه مسوغ، فإنَّ الاجتهاد طلب الحق في الدلائل المحتملة بالنظر والاستدلال، وفي باب أصول الدين: الدلائل قطعية فلا شبهة فيه، فالحق فيه عند الله وعندنا واحد، وماذا بعد الحق إلا الضلال؟!
الجزء 1 · صفحة 39
أما قولنا: كل مجتهد مصيب في باب الشرائع، كما قال أبو حنيفة بالحل والشافعي بالحرمة، أو على العكس، فالاجتهاد طلب الحق، وهما كانا في طلب الحق.
وفي «جواهر الفتاوى» قبيل هذا: رجل أخذ مذهب أبي حنيفة، واعتقد أن ما قاله الحق والحق عند الله واحد، فكيف يعتقد فيما قاله الآخرون أنه لغو وباطل أو خطأ؟ وهل يجوز أن يقاتله كما يقاتل الملاحدة والكفرة؟
قال: اعلم أن الثابت بالرأي والاجتهاد ليس كالثابت بالكتاب والسنة فيوجب العلم والعمل، وما يثبت بالاجتهاد يثبت بدليل لا يخلو عن شبهة، ولهذا يوجب العمل دون العلم، وما كان ثابتاً بهذا الطريق لا تجوز المقاتلة فيه؛ إذ كل فريق في اجتهاده متمسك بأنَّ الشَّرع غير خارج عن أمره ولا راد له، وقد اجتمعت الأمة أنه إنما يُقتل من أنكر التنزيل، ولا تجوز المقاتلة مع من يقول بتأويل التنزيل، وإذا لم تجز المقاتلة لم يكفر صاحب المقالة الأخرى، لكن يعتقد أنَّ ما قاله صاحب مذهبه هو الحق في الاجتهاد، وإنما قاله الخصم بقوله عن اجتهاد وخطأ لم يكفر بذلك؛ لأنه طالب للحق باجتهاده، إلا أنه أخطأ في اجتهاده، ولهذا إذا أخطأ مجتهد في مسألة ثم أدى اجتهاده إلى خلاف ما رآه أولاً كان عليه أن يرجع إلى هذا القول الثاني.
قال محمد الشَّهْرَسْتاني: الأصول معرفة الباري بوحدانيته وصفاته، ومعرفة الرسل بآياتهم وبيناتهم، وبالجملة كلُّ مسألة يتعين الحق فيها بين المتحاجين فهي من الأصول، ومن المعلوم أنَّ الدين إذا كان منقسماً إلى معرفة وطاعة، فالمعرفة أصل، والطاعة فرع، فمن تكلم في المعرفة والتوحيد كان أصوليا، ومن تكلم في الطاعة والشريعة كان فروعيا. فالأصول هو موضوع علم الكلام، والفروع موضوع علم الفقه.
وقال بعض العقلاء: كلُّ ما هو معقول ويوصل إليه بالنظر والاستدلال فهو من الأصول، وكلُّ ما هو مظنون ويتوصل إليه بالقياس والاجتهاد فهو من الفروع.
وفي الملل والنحل لمحمَّد الشَّهْرَسْتاني: الخارجون عن الملة الإسلامية والشريعة الحنيفية ممن يقول بشريعة وأحكام وحدود وأعلام قد انقسموا إلى من له كتاب محقق مثل: التَّوراة والإنجيل، وعن هذا يخاطبهم في التنزيل: يا أهل الكتاب، وإلى من له شبه كتاب، مثل: المجوس والمانوية، فإن الصحف التي أُنزلت على إبراهيم عليه السلام قد رُفِعَت إلى السماء لأحداث أحدثها المجوس، ولهذا يجوز عقد العهد، وأخذ الجزية منهم نحو اليهود والنصارى؛ إذ هم من أهل الكتاب، ولكن لا تجوز مناكحتهم، ولا أكل ذبائحهم؛ فإن الكتاب قد رفع عنهم.
الجزء 1 · صفحة 40
ثم قال فيه: الفريقان المتقابلان قبل المبعث هم أهل الكتاب، وإلا يقول: والأمي من لا يعرف الكتاب، فكانت اليهود والنصارى بالمدينة، والأميون بمكة، وأهل الكتاب كانوا ينصرون دين الأسباط، ويذهبون مذهب بني إسرائيل، والأميون كانوا ينصرون دين القبائل، ويذهبون مذهب بني إسماعيل.
ولما انشعب النُّور الوارد من آدم عليه السلام إلى إبراهيم عليه السلام، ثم أيضاً ذريته على شعبين؛ شعب في بني إسرائيل، وشعب في بني إسماعيل، وكان النُّور المنحدر منه إلى بني إسرائيل ظاهراً، والنور المنحدر إلى بني إسماعيل مخفيا، كان يستدل على النور الظاهر بظهور الأشخاص وإظهار النبوة في شخص، ويستدل على النور المخفي بإبانة المناسك والعلامات، وستر الحال في الأشخاص.
وقبلة الفرقة الأولى بيت المقدس، وقبلة الفرقة الثانية بيت الله الحرام، وشريعة الأولى ظواهر الأحكام، وشريعة الثانية رعاية المشاعر، وخصماء الفريق الأول الكافرون، مثل فرعون وهامان، وخصماء الفريق الثاني المشركون من عبدة الأوثان. وهاتان الأمتان - أعني اليهود والنصارى - من كبار أمم أهل الكتاب، والأمة اليهودية أكبر؛ لأنَّ الشَّريعة كانت لموسى عليه السلام، وجميع بني إسرائيل كانوا متعبدين في ذلك مكلفين بالتزام أحكام التوراة.
والإنجيل النازل على المسيح عليه السلام لم يبين أحكاماً، ولا استنبط حلالاً ولا حراماً، ولكنها رموز وأمثال ومواعظ ومزاجر، وما سواها من الشرائع والأحكام فمحالة على التوراة كما سنبين. فكانت اليهود لهذه القضية لم ينقادوا لعيسى عليه السلام، وادعوا أنه كان مأموراً بمتابعة موسى وموافقة التوراة، فغيروا وعدوا عليه تلك التغييرات، منها تغيير السبت إلى الأحد، ومنها تغيير أكل الخنزير فكان حراماً في التوراة، ومنها الختان والغسل وغير ذلك.
والمسلمون قد بينوا أن الأمتين قد بدلوا وحرَّفوا، وإلا فعيسى عليه السلام كان مقرراً لما جاء به موسى عليه السلام، وكلاهما مبشران بمقدم نبينا نبي الرحمة، وقد أمرهم أئمتهم وأنبياؤهم وكتابهم بذلك، وإنما بنى أسلافهم الحصون والقلاع بقرب المدينة لنصرة رسول آخر الزمان، وأمروهم بمهاجرة أوطانهم من الشام إلى تلك البقاع، حتى إذا ظهر وأعلن بفاران - يعني: جبال مكة ـ وهاجر إلى دار هجرته يثرب نصروه وعاونوه، وذلك قوله تعالى: {وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ، فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بهة} [البقرة: (89) - (90)].
الجزء 1 · صفحة 41
وإنما الخلاف بين اليهود والنصارى ما كان يرتفع إلا بحكمة إذ: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَرَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَرَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ} [البقرة: (113)]. وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ) [المائدة: (68)].
وما كان يمكن إقامتها إلا بإقامة القرآن وتحكيم نبي الرحمة ورسول آخر الزمان، فلما أبوا ذلك وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُ و بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِنَايَاتِ اللَّهِ} [البقرة: (61)].
قال الله تعالى: {وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا} [الأعراف: (145)] مما يحتاجون إليه من أمر الدين، إشارة إلى تمام القسم العملي وَتَفْصِيلًا إشارة إلى تمام القسم العلمي.
واليهود تدعي أن الشريعة لا تكون إلا واحدة، وهي ابتدأت بموسى عليه السلام وتمت، ولم يكن قبله شريعة إلا حدود عقلية، وأحكام مصلحية، ولم يجوزوا النسخ أصلاً، قالوا: ولا يكون بعده شريعة أخرى.
و من العجب أنَّ في التوراة أن الأسباط من بني إسرائيل كانوا يراجعون إلى القبائل من بني إسماعيل، ويعلمون أن في ذلك الشعب علماً لدنيا لم تشتمل التوراة عليه، وورد في التواريخ أن أولاد إسماعيل عليه السلام كان يسمونهم: آل الله، وأهل الله، وأولاد إسرائيل: آل يعقوب، آل موسى آل هارون، وذلك كثير عظيم.
(وقد ورد في) التَّوراة أن الله تعالى جاء من طُورِ سَيْناء، وظهر بساعير، وعلن بفاران. وساعير: جبال بيت المقدس الذي كان مظهر عيسى، وفاران: جبال مكة التي كانت مظهر المصطفى صلى الله عليه وسلم.
ولما كانت الأسرار الإلهية، والأنوار الربانية في الوحي، والتنزيل، والمناجاة والتأويل على ثلاث مراتب مبدأ، ووسط، وكمال، والمجيء أشبه بالمبدأ، والظهور بالوسط، والإعلان بالكمال، عبر التوراة عن طلوع صبح الشريعة والتنزيل بالمجيئ على طور سيناء، وعن طلوع الشمس بالظهور على ساعير، و [عن] البلوغ إلى درجة الكمال بالاستواء والإعلان على فاران. وفي هذه الكلمة إثبات نبوة المسيح عليه السلام وصاحب شريعتنا المصطفى صلى الله عليه وسلم.
وقد قال المسيح في الإنجيل: ما جئت لأبطل التَّوراة، بل جنتُ لأكملها. قال صاحب التوراة: إن النفس بالنفس، والعين بالعين، والأنف بالأنف، والأذن بالأذن، والسن بالسن، والجروح قصاص. ويقول: إذا لطمك أخوك على خدك الأيمن فضع له خدك الأيسر. والشريعة الأخيرة وردت
الجزء 1 · صفحة 42
بالأمرين: أما القصاص ففي قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ} [سورة البقرة: ???]، وأما العفو ففي قوله تعالى: {وَأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [البقرة: (237)].
ففي التوراة أحكام السياسة العامة الظاهرة، وفي الإنجيل أحكام السياسة الباطنة، وفي القرآن أحكام السياستين جميعاً؛ {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} [البقرة: (179)] إشارة إلى تحقيق السياسة الظاهرة، {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} [الأعراف: (199)] إشارة إلى تحقيق السياسة الباطنة.
والنسخ في الحقيقة ليس بإبطال، بل هو تكميل، وأحكام الكتب السالفة وشرائعها باقية بالكلية، وحقة ثابتة إلى ورود كتاب آخر ناسخ له، وإنَّ ما لم ينسخ منها إلى الآن من الشرائع والأحكام ثابتة من حيث إنها من أحكام هذا الكتاب المصون عن النسخ إلى يوم القيامة، وهذه مسألة شرائع من قبلنا ثابتة ما لم تنسخ. واعلم أن القرآن هو المنزل على صاحب شريعتنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، المكتوب في المصاحف، المنقول عنه نقلاً متواتراً بلا شبهة، وهو النظم والمعنى جميعاً في قول عامة العلماء، وهو الصحيح من قول أبي حنيفة عندنا، إلا أنه لم يجعل النظم ركناً لازماً في حق جواز الصلاة خاصة على ما يُعرف في موضعه، أي في المبسوط. هذا ما ذكره فخر الإسلام البزدوي في «أصوله».
وفي شرحه كشف الأسرار»: قوله (خاصة): تأكيد الصلاة، حتى لا يجوز الكتابة بالفارسية، ولا يجوز الإصرار على القراءة بالفارسية، حتى لو فعل ذلك يُلام ويُعزر.
قال المولى علي بن محمد (الشاهرودي) الشهير بالمولى مُصَنَّفَك في حاشيته «ديباجة الكشاف»: إنَّ القرآن عند أبي حنيفة رحمه الله هو النظم والمعنى جميعاً، إلا أنَّ النظم ركن يحتمل السقوط دون المعاني، كالإقرار باللسان، والتصديق بالجنان، بل الصحيح من مذهبه على ما تقرر في موضعه أنَّ الكلام فيما جرى على لسانه من غير تعمد، أما من تعمد فهو مجنون، أو زنديق والمجنون يداوى، والزنديق يُقتل، وكيف لا، ولو كان كذلك لزم أن يكون كل كلام في بيان معاني القرآن كالأشعار والأبيات والتركيات والهنديات وغيرها قرآناً، وهذا الأمر لا يقبله شرع ولا عقل، صرح بذلك الإمام أبو بكر محمد بن الفضل، وهو من أكابر الحنفية).
وفي الفتاوى الظَّهِيرِيَّة في فصل قراءة القرآن في الصلاة: قال القاضي الإمام البردعي: إنما جوز أبو حنيفة رحمه الله القراءة بالفارسية لا بغيرها من الألسنة لقرب الفارسية من العربية، على ما جاء في الحديث: «لسان أهل الجنة العربية والفارسية».
الجزء 1 · صفحة 43
ولقد سبق زمام الكلام في بيداء هذا المقام بعد تحرير البرهان وتهذيب العنوان، إلى تهذيب باب السلطان، وما تجري إن شاء الله به عنان القلم، في موقف هذا الجناب المعظم إلا إلى ما يطلق له الشرع، ويجيزه علماء الفرع، والله تعالى موفق للصواب، ومعين على اكتساب الجزيل من الثواب.
***
لا خفاء على من مارس شيئاً من العلم أو خُصَّ بأدنى لمحة من الفهم أنَّ تعظيم الله تعالى قدر نبينا، وخصوصه إياه بفضائل ومحاسن ومناقب مما لا تضبطه الأفهام، وتفويهه من عظيم قدره مما تكل عنه الألسنة والأقلام، منها ما صرح به تعالى في كتابه، ونبه على جليل نصابه، وأثنى به عليه من أخلاقه وآدابه، وألطف به في خطابه في محل عتابه، وخاطب لجميع الأنبياء عليهم السلام بأسمائهم، وبه بغير أسمائه، وأقسم به بعيشه وحياته وبقائه، وصلى عليه وأمر العباد على التزامه، ورمز عليه بالإيماء والكنايات الدالة على تعظيمه وإكرامه.
قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: (107)]، {يَتَأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَهِدًا وَ مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا} [الأحزاب: (45)] لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ} [آل عمران: (164)]، مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} [النساء: (80)]، اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِرو} [النور: (35)]، وعن كعب وابن جبير، المراد بالنور الثاني هنا: محمد.
قَدْ جَاءَ كُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ} [المائدة: (15)]، [يَأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ} [المائدة: (67)]، يَتَأَيُّهَا النَّبِيُّ جَهِدِ الْكُفَّارَ} [التوبة: (73)]، يَتَأَيُّهَا الْمُدَّيْرُ قُرْفَأَنذِرْ} [المدثر: (1) - (2)] عَفَا اللَّهُ عَنكَ لِمَ أَذِنتَ لَهُمْ} [التوبة: (43)]، لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَاهِمْ يَعْمَهُونَ} [الحجر: (72)]، {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَيْكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب: (56)]، لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ وَأَنتَ حِلُّ بِهَذَا الْبَلَدِ} [سورة البلد: (1) - (2)]. فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى) [النجم: (10)]. قال القاضي عياض في «الشفا» قوله تعالى: وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى} [النجم: (1)]، اختلف المفسرون في وَالنَّجْمِ) بأقاويل معروفة، منها: النجم على ظاهره، ومنها: القرآن، وعن جعفر: أنه محمد - صلى الله عليه وسلم - وقال: هو قلب محمد.
وقد قيل في قوله تعالى: وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ وَمَا أَدْرَكَ مَا الطَّارِقُ النَّجْمُ الثَّاقِبُ الطارق: (1) - (3)]: إن النجم هنا محمد - صلى الله عليه وسلم -، حكاه السلمي.
تضمنت هذه الآيات] (إلى قوله) تعالى: {لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى [النجم: (18)] [من فضل الرسول وشرفه ما يقف دونه العد والإحصاء، وأقسم جل اسمه على هداية المصطفى وتنزيهه
الجزء 1 · صفحة 44
عن الهوى، وصدقه فيما تلا، وأنه وحي يوحى، أوصله إليه عن الله جبريل، وهو الشديد القوى، ثم أخبر تعالى عن فضيلته بقصة الإسراء، وانتهائه إلى سدرة المنتهى، وتصديق بصره فيما رأى، وأنه رأى من آيات ربه الكبرى.
وقد نبه على مثل هذا في أول سورة الإسراء، ولما كان ما كاشفه من ذلك الجبروت، وشاهده من عجائب الملكوت، لا تحيط به العبارات، ولا يستقل بحمل سماع أدناه العقول رمز تعالى بالإيماء، والكناية الدالة على التعظيم فقال: {فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى) [النجم: (10)]، وهذا النوع من الكلام يسميه أهل النقد والبلاغة بالوحي والإشارة، وهو عندهم أبلغ أبواب الإيجاز.
وقال تعالى: {لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى} [النجم: (18)]] انحسرتِ الأفهام عن تفصيل ما أوحى، وتاهت الأحلام في تعيين تلك الآيات الكبرى، ومنها أبرزه الله تعالى للعيان من خلقه، على أتم وجوه الكمال والجلال، وتخصيصه بالمحاسن الجميلة، والأخلاق الحميدة، والمذاهب السديدة، والفضائل العديدة)، وتأييده بالمعجزات الباهرة، والبراهين الواضحة)، والكرامات البيئة التي شاهدها من عاصره، ورآها من أدركه، وعلمها علم يقين من جاء بعده، حتى انتهى علم حقيقة ذلك إلينا، وفاضت أنواره (?) علينا، - صلى الله عليه وسلم - تسليماً كثيراً.
وبالجملة إن نبينا محمداً أفضل الخلق، بعثه الله تعالى رحمة للعالمين، وأمته خير الأمم، وأصحابه أفضل الناس بعد الأنبياء وفي ذلك:
لم يخلق الرحمن مثل محمد أبداً وعلمي أنه لم يخلق بلغ ما أنزل إليه، وجاهد في الله حق جهاده، وقام بأمر الدين، وأقام الحدود، وشرع بيان الحكم، وعلم الشرع، وعين وأحكم)، وقضى وحكم، (ونص وألزم). ثمَّ إِنَّ الرَّسول - صلى الله عليه وسلم - أمر الأمراء والولاة، واستعمل العمال، ووجه القضاة، فمن جملة من أمره على السرايا واستعمله عم الرسول - صلى الله عليه وسلم - حمزة بن عبد المطلب، وهو أول ولاة الرسول، أمره بعد نزول قوله تعالى: يَتَأَيُّهَا النَّبِيُّ جَهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ} [التوبة: (73)]، وقوله تعالى: {فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} [التوبة: (5)] على سرية، وأرسله على قافلة الشام.
ثمَّ عُبيدة بن الحارث أمره الرسول - صلى الله عليه وسلم - على سرية بعد حمزة رضي الله عنهما على هذه القافلة، حين سمع أن أبا جهل كان رئيس هذه القافلة، ثم سعد ابن أبي وقاص، ثم عبد الله بن جحش أرسله إلى بطن النخل)، ثم غيرهم من المهاجرين والأنصار.
ومن جملة ما كان استعمله واستخلفه سعد بن عبادة رضي الله عنه، استخلفه في غزوة أبواء على المدينة، ومحمد بن مسلمة استخلفه النبي - صلى الله عليه وسلم - في غزوة الكدر على المدينة)، وعتاب بن أسيد رضي الله
الجزء 1 · صفحة 45
عنه استعمله حين خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى حنين على مكة، ولم يزل عليها حتى قبض النَّبيُّ، ثم أبقاه أبو بكر ولم يزل إلى أن مات، ومات هو وأبو بكر رضي الله تعالى عنهما في وقت واحد.
ومن جملة ما ولاه النبي - صلى الله عليه وسلم - علي بن أبي طالب كرم الله تعالى وجهه ورضي عنه، وجه به قضاء اليمن في حياته، وقال فيه: «أقضاكم علي»،
ذكره أبو القاسم علي السمناني في باب من ولي القضاء من كتاب روضة القضاة. و وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبا موسى الأشعري رضي الله عنه إلى عدن وزبيد واستغفر له، ذكره الذهبي.
وذكر ابن خلكان في ترجمة يحيى بن أكثم: أنه لما ولي قضاء البصرة كانت سنه عشرين سنة، فاستصغره أهل البصرة، وقالوا: كم سنّ القاضي؟ فعلم أنهم استصغروه فقال: أنا أكبر من عتاب بن أسيد رضي الله عنه الذي وجهه النبي - صلى الله عليه وسلم - قاضياً إلى اليمن، ومن كعب بن سور الذي وجه به النبي - صلى الله عليه وسلم - قاضياً إلى البصرة])، ومن معاذ بن جبل الذي وجه به النبي - صلى الله عليه وسلم - قاضياً على مكة يوم الفتح.
وفي كتاب أدب القضاء» للخصاف، ذكر عن الزهري أنه قال: رزق رسول الله عتاب بن أسيد حين استعمله على مكة أربعين أوقية في السنة، قال إسحاق: لا أدري أكانت ذهباً أو فضة، فإن كان ذهباً فمال عظيم؛ لأن الأوقية أربعون مثقالا، (فأربعون مرة أربعون) يكون مالاً عظيماً، وإنما رزقه لأنه ولاه على مكة واستقضاه بها، فكان قاضياً ووالياً.
قال صدر الشهيد في شرحه»: في الحديث دليل على أنه ينبغي أن يرزق القاضي من بيت المال ما يكفيه وأهله ومن يمونه ومن يكون من أعوانه.
وتكلموا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أي مال رزقه، ولم تكن يومئذ الدواوين ولا بيت المال، فإنَّ الدواوين وبيت المال إنما ظهرت في زمن عمر رضي الله تعالى عنه؟ قيل: إنَّما رزقه من الفيء مما أفاء الله تعالى، وقيل: إنَّما رزقه من المال الذي أخذه من نصارى نجران، أو من الجزية التي أخذها من مجوس هجر، ويهود هوازن فإن القاضي يرزق له من الجزي والأَخْرِجَة.
واعلم أن القضاء رتبة شريفة ومنزلة رفيعة، (لا) رتبة أوفى منها)، ولا منزلة فوقها، ولقد كان يقال: من قام بأمرها (كان له) عند الله أجراً جزيلا])، (وعند العباد ذكراً جميلاً، إذا استجمعت شرائطها، وارتفعت موانعها، بعد ما حسنت سيرته، وصفت سريرته)؛ لأنها التي تولاها الله تعالى بنفسه، وبعث بها رسله، وشدد عليهم الأمر بها، وبالغ بهم في الموعظة)، فمن ذلك قوله تعالى: {يَدَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمُ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلُّكَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ} [ص: (26)].
الجزء 1 · صفحة 46
ثم تولاها نبينا، ثم كل إمام وخليفة (بعد النبي)) من الخلفاء الراشدين كان يقضي بين المسلمين)، ثم وجوه الصحابة، وأعلام التابعين، والسلف الصالحين، والأئمة المجتهدين، والفقهاء المتقدمين، والعلماء المتأخرين، والفضلاء العاملين المتورعين)، ثم وثم الأمثل فالأمثل، أبقاهم الله إلى يوم الدين.
(ذكر الصدر الشهيد في شرح الخَصَّاف): روي أن داود عليه السَّلام لَمَّا أمر بفصل القضاء نزلت السلسلة من السماء، فإذا تقدم إليه الخصمان فالمحق منهما (نزلت السلسلة له فنالها وللمبطل منهما تقلصت السلسلة فما نالها، وكان يفصل بها، فرُفِعَتِ السلسلة.
وكان سبب الرفع أنه احتال بعض الناس، وذاك أنَّ رجلا أودع رجلًا دنانير عند آخر، ثم جحد المودع له الدنانير، وكان شيخاً معه عصاً، فوضع الدنانير في داخل العصا)، فاختصما إلى داود عليه السلام، (فاحتال المودع ونقر عصاه، وجعل الدنانير في العصا، فلما اختصما)، وقام المدعي إلى السلسلة فنالها، ثم قام المدعى عليه، ودفع العصا للآخر، وطلب السلسلة فنالها)، (فقال للمدعي: خذ عصاي حتى أنال السلسلة، فأخذها، فكان محقاً في الإنكار بعد ذلك، فنالها). فتحير داود عليه السلام، فنزل جبريل عليه السلام (وأخبره بالقضية)، فرفعت السلسلة، فقطع داود عليه السلام عن القضاء، (يعني عجز) (7)، فأمره الله تعالى ببينة المدعي ويمين المدعى عليه، وأمره أن يحلفهم باسمه تعالى، انتهى.
وهذا حكم الله تعالى إلى يوم القيامة، لم ير حكم آخر ناسخ له، وصاحب شريعتنا أبقى هذا الحكم بقوله المشهور، البالغ إلى حد التواتر)): «البيئة للمدعي)، واليمين على من أنكر».
وروى ابن عباس وعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهم أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - طلب البيئة من المدعي فلم يجد، فقضى باليمين على المدعى عليه، في الحادثة المعروفة التي اختصم فيها الحضرمي والكندي.
ذكر الخصَّاف عن كُرْدُوس الثعلبي عن أشعث بن قيس، قال اختصم رجل من حضرموت، ورجل من كندة إلى النبي، فقال الحضرمي: يا رسول الله، أرضي في يد هذا أغصبها أبوه. فقال الكندي: أرضي في يدي ورثتها من أبي. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ألك بينة يا أخا حضر موت؟ قال: لا يا رسول الله، خذ لي يمينه ما يعلم أنها اغتصبها أبوه. فتهيأ الكندي ليحلف فقال النبي: من اقتطع مالاً بيمينه لقي الله تعالى أجذم»، فلما سمع الكندي كف عن اليمين وأعطاه الأرض.
في الحديث دليل على أنَّ القاضي إذا حلف إنساناً ينبغي أن يذكر الوعيد لكي يمتنع عن اليمين.
الجزء 1 · صفحة 47
وتكلموا في قوله: «أجذم»: قال بعضهم: مقطوع اليدين؛ لأن الأجذم مقطوع اليد. وقال بعضهم: مقطوع الحجة. قال الصدر الشهيد: وهذا أصح؛ يعني: لا حجة له عند الله تعالى في الإقدام على اليمين الكاذبة. وهذا كما روي عن النبي: من تعلم القرآن ثم نسيه لقي الله تعالى وهو أجذم». قيل: مقطوع اليد، والأصح: مقطوع الحجة؛ يعني: لا حجة له عند الله تعالى في تعلم القرآن، ثم ترك القراءة حتى نسيه. وذكر فيه عن طلحة بن عبد الله بن عوف، قال: أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - منادياً يُنادي حتى بلغ الثنية: «لا تجوز شهادة خصم، ولا ظنين، وأن اليمين على المدعى عليه، والثنية: اسم موضع بعيد من أبنية المدينة، فرفع المنادي صوته حتى بلغ هذا الموضع. والظنين: المتهم في القرابة، كما في الوالدين والمولودين.
واختلف العلماء في أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فيما لم يُوحَ إليه، هل كان يجتهد ويفصل به الحكم؟ منهم من قال: لا، بل ينتظر الحكم. ومنهم من قال: يرجع فيه إلى شريعة من قبله؛ لأن شريعة من قبله شريعة لنا ما لم يُعرف نسخه. ومنهم من قال: كان لا يعجل بالاجتهاد إلى أن ينقطع طمعه من الوحي، فإذا انقطع حينئذ يجتهد، وإذا اجتهد كان شريعة لنا، فإذا نزل عليه الوحي بخلافه يصير ناسخاً له، ونسخ السُّنَّة بالكتاب جائز عندنا، ولا ينقض ما أمضى بالاجتهاد، ويستأنف القضاء في المستقبل.
قال أبو القاسم علي السمناني في روضة القضاة» في باب المدعي: اعلم أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «البينة للمدعي، واليمين على المدعى عليه»، وهذا كلام يجب أن يُعرف من المدعي ليعمل ببينته، والمدعى عليه ليعمل على يمينه. والذي قال شيخنا قاضي القضاة أبو عبد الله الدامغاني في شرح كتاب الدعوى من مختصر الحاكم مما علقناه عنه، و درسناه عليه، فذكر الدعوى، وذكر بعدها المدعي، وهذا صحيح؛ لأن المدعي مَنْ له دعوى، فقال: الدعوى عبارة عن قول يُقصد به إثبات شيء عار عن برهان، ومتى كان معها حجة أو برهان لم تكن دعوى، ولهذا لا يقال للنبي - صلى الله عليه وسلم -: إنه مدع بعد قيام المعجز على ما قاله، ولا لمن استدل بدليل على قوله: إنه مدع، ويقال لمن ليس له حجة: مدع. هذا حده في اللغة.
واختلف أصحابنا فيه: هل يُغيَّر بالشرع أم لا؟ فكان أبو سعيد البردعي يقول: هو على ما كان لم يتغير. وقال غيره: قد تغير)، وينقل إلى شيء دون شيء. وقد كانت في شرع من تقدم كذلك.
روي عن قتادة في قوله تعالى: {وَآتَيْنَهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ} [ص: (20)]، قال: البينة على المدعي واليمين على من أنكر. وقال الحسن البصري: فصل الخطاب العلم بالقضاء. وقال شريح القاضي: فصل الخطاب: الشهود والأيمان].
واعلم أن اسم القاضي واسم الحاكم اسمان مشتركان في المدح، ويتساويان في الشرف والفضل، أضافهما الله تعالى إلى نفسه، فإن القضاء فعل أشتق منه لفاعله اسم، وكذلك الحكم، وقد أضاف الله
الجزء 1 · صفحة 48
تعالى القضاء إليه) بقوله تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} [الإسراء: (23)]، وقال تعالى): وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ} [غافر: (20)]، وكذلك أضاف الحكم إليه (فقال تعالى (: وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ} [الرعد: (41)]، وأمر نبيه بالحكم وحث عليه فقال تعالى) وَأَنِ احْكُمُ بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ} [المائدة: (49)].
وقد اختلف في أن اسم القاضي أشرف من الحاكم أم هما سواء؟ فمنهم من قال: سواء، ولهذا أضافهما الله تعالى إليه على سواء، قال صاحب روضة القضاة»: رأيت كثيراً من القضاة يكره أن يُخاطب بالحاكم، وينافس في القاضي. وكان شيخنا قاضي القضاة الدامغاني أبو عبد الله يبدل هذا الاسم أبداً - يعني الحاكم - ويفسخ على الخطاب بالقاضي، وأما أبناء هذا الزمان فيكرهون أن يخاطبوا بكل منهما، ويطمعون أن يخاطبوا بالسلطان، ولا يستحيون من الله قوي السلطان جلي البرهان. ولا بد للقاضي والحاكم - بعد ما يكون بالغاً، عاقلاً، صالحاً، ورعاً، حرا، مسلماً، عدلاً - من علم، وتمييز، ورأي؛ لأنَّ العلم للقاضي كالآلة لسائر الصناع]).
والعلم علمان؛ علم الأصول وعلم الفروع.
فعلم الأصول: هو علم التوحيد، وما يجوز على الله تعالى وما لا يجوز عليه، وعلم النبوات، ونسخ الشرائع، وإقامة الدلائل على ذلك، وإبطال أقوال مخالفي الملة الحنيفية، [وأقوال القائلين بنفي الصانع، وأهل الطبائع، والفرق بين المعجزة والشعبذة.
وطريق العلم المذكور، إنما هو سلامة الحواس، وكمال العقل والفكر في الموجودات، ومتى اختل طريق معرفتها لم يحصل لإنسان علم بذلك، ولهذا اتفقت الشرائع كلها في ذلك العلم، ولم يختلف فيما ليس بتكليف، بل سوى فيها بين الرسول والمرسل إليه، والحر والعبد، والذكر والأنثى، والعامة والعلماء].
والعلم الثاني هو علم الشرع والطاعة، وما تقرر فيه من الأحكام، واختلف في ذلك العلم التكليفي بين المسافر والمقيم والمريض والصحيح، والذكر والأنثى، والحائض والنفساء والطاهر، والحر والعبد، والكبير والصغير، والعاقل والمجنون، والمكره والطائع، والذاكر والناسي، (والقاصد والهازل).
وتختلف الأحكام فيه باختلاف أحوال الإنسان، ويجوز عنه النيابة في بعضها، وفي بعضها لا يجوز، وفي بعضها يلزم الحكم لغير الفاعل ولا يلزم الفاعل، وفي بعضها يشتركان، وفي بعضها لا يجب شيء أصلاً، وفي بعضها يستوفي المثل، وفي بعضها يستوفي القيمة) (7).
الجزء 1 · صفحة 49
فالقاضي ينبغي أن يكون عارفاً بالأحكام من الشرعيات، حتى إذا ارتفع إليه في قضية عمل في فصلها بما هو مشروع في ذلك، وتلك المعرفة لا تحصل إلا بتتبع النوادر ظاهر الروايات، وحفظ المتون المرتبة من مسائل الأصول والزيادات، وضبط الفتاوى والنوازل والواقعات بمراجعات كثيرة إلى مشايخنا من الثقات)، فإنَّ العلوم (بلا جدال) تُؤخذ من أفواه الرجال، لأنهم يحفظون أحسن ما يسمعون، ويقولون أحسن ما يحفظون.
إذا عرفت هذا تعرف أن القاضي إذا كان جاهلاً تكون البلية أشد، لا سيما إذا ارتفعا إليه في المعاملات والمواريث، والمسائل المشكلة، فينبغي لمن يملك الولاية بل حتم عليه على موجب: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} [النساء: (58)]، على ما قيل: هو أمر للولاة بآداء الحقوق المتعلقة بذممهم من المناصب وغيرها إلى مستحقيها، كما أن قوله تعالى: {وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ} [النساء: (58)] أمر لهم بإيصال الحقوق المتعلقة بذمم الغير إلى أصحابها، وحيث كان المأمور به هاهنا مختصا بوقت المرافعة قيد به، بخلاف المأمور به أولاً، فإنه لما لم يتعلق بوقت دون وقت، أطلق إطلاقاً]).
وحتم على من نصبه مالك (?) الولاية لإقامة هذه المصلحة الجليلة أن لا يختار لهذا الأمر الجليل إلا من هو أصلح الناس، وأعلمهم، وأورعهم، وأكملهم، كما اختار الله تعالى لرسالته صفوة كل عالم، ورئيس كل جيل)، وأفضل أهل كل زمان، كما قال الله تعالى: {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ) [الحج: (75)]، {وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيَارِ} [ص: (47)]، {وَلَقَدِ اخْتَرْنَهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} [الدخان: (32)] اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} [الأنعام: (124)]، وقد كانت الصحابة رضي الله عنهم لا يولون الأحكام جاهلاً ولا فاسقاً، [ولا ماجناً، ولا مَنْ يُطعن في دينه ودنياه.
ثم اختلفوا في جواز دخول القضاء؛ منهم من قال: يجوز الدخول فيه مختاراً؛ لأن الأنبياء والرسل عليهم السلام اشتغلوا به، وقد دخل فيه وجوه الصحابة والتابعين، ودخل فيه رجال صالحون من الأئمة المجتهدين، ومشايخنا المتقدمين. ومنهم من قال: لا يجوز الدخول فيه إلا مكرهاً؛ ألا ترى أن أبا حنيفة رحمه الله دعي إلى القضاء ثلاث مرات فأبى، حتى ضُرِبَ في كلِّ مرة ثلاثين سوطاً، فلما كان بالمرة الثالثة قال: حتى أستشير أصحابي، فاستشار أبا يوسف، فقال: لو تقلَّدت القضاء نفعت الناس، فنظر إليه نظر المغضب، وقال: أرأيت لو أُمرْتُ أن أعبر البحر سباحة أكنتُ أقدر عليه؟! كأني بك قاضياً، وكذا دُعِيَ محمد إلى القضاء حتى قيد وحُبِسَ، فاضطر إليه فتقلد.
والصحيح أن الدخول في القضاء مختاراً رخصة، والامتناع عزيمة؛ فلوجهين: أحدهما: أن القاضي مأمور بالقضاء بالحقِّ، وعسى يظن في الابتداء أنه يقضي بحق، ثم لا يقضي في الانتهاء.
الجزء 1 · صفحة 50
والثاني: أنه لا يمكنه القضاء إلا بمعاونة غيره، وعسى يعينه غيره، وعسى لا يعينه.
هذا ما ذكره الصدر الشهيد في شرح الخَصَّاف»، وذكر الخصاف عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: من سأل القضاء وكل إلى نفسه، ومن أجبر عليه نزل عليه ملك يسدده».
ثم ذكر في معنى الحديث عن أنس: لأن من سأل القضاء اعتمد فقهه وورعه وذكاه، فصار معجباً فلا يلهم الرشد، ويُحرم التوفيق. وأما مَنْ أُكْرِه على القضاء فقد اعتصم بحبل الله: وَمَن يَعْتَصِم بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِى إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [آل عمران: (101)].
وذكر الخصاف عن مسروق أنه قال: لأن أقضي يوماً واحداً بحق وعدل أحب إليَّ من سنة أغزوها في سبيل الله. وذكر الحسن أنه قال: لأجر حكم عدل يوماً واحداً أفضل من أجر رجل يصلي في بيته سبعين سنة ((3)).
قال الصدر الشهيد: إن المسروق والحسن ابتليا بالقضاء، ومن ابتلي بشيء يروي في ذلك الباب ما يرجع إلى محاسن ذلك الشيء، كان مسروق والحسن من كبار التابعين.
ذكر الصدر الشهيد عزواً إلى «النوادر» عن أبي حنيفة قال: من كان من أئمة التابعين وأفتى في زمن الصحابة، وزاحم في الفتوى، وسوعوا لهم الاجتهاد فأنا أقلده، مثل شريح، والحسن، ومسروق بن الأجدع، وعلقمة. وهذا لأنهم لما بلغوا درجة الفتوى في زمن الصحابة وسوغوا لهم الاجتهاد صار قولهم كقول الصحابة رضي الله تعالى عنهم.
وفي واقعات الصدر الشهيد في باب أدب القضاء بعلامة العين: ولا ينبغي للقاضي أن يطلب القضاء، فإن فعل فهو مسيء؛ لما روي أنه قال: «من جعل على القضاء، فكأنما ذُبح بغير سكين، وهذا لأنَّ السكين تعمل في الظاهر والباطن، والذبح بغير سكين ذبح بطريق الخنق، فإنه يؤثر في الباطن دون الظاهر، وكذلك القضاء لا يؤثر في الظاهر؛ لأنه جاه وحشمة، بل يؤثر في الباطن؛ فإنه سبب الهلاك.
وعن شمس الأئمة الحلواني أنه كان يقول: لا ينبغي لأحد أن يزدري هذا اللفظ كيلا يصيبه ما أصاب ذلك القاضي. فقد حُكِيَ أنَّ قاضياً روي له هذا الحديث فازدراه وقال: كيف يكون هذا؟ ثم دعي في مجلسه بمن يسوي شعره، فجعل الحلاق يحلق بعض الشعر تحت ذقنه، إذ عطس، فأصابه الموسى، فألقي رأسه بين يديه. وذكر الشيخ الإمام علاء الدين السمرقندي في تحفة الفقهاء»: لقضاء فريضة محكمة على من وجد في نفسه شرائط القضاء من الولاية على المقضي عليه، لتسليم المقضي به إلى المقضي له، وهو السلطان أو من يقوم مقامه؛ لأن هذا من باب الإنصاف للمظلوم من الظالم، وهذا
الجزء 1 · صفحة 51
مفروض على الخلفاء والسلاطين غير أنهم إذا عجزوا بأنفسهم؛ إما لعدم العلم، أو لاشتغالهم بأمور أخر، وجب عليهم أن يقلدوه من كان يصلح وهو أفقه الناس بحضرتهم، وأورعهم، وإن وجدوا اثنين أحدهما أفقه، والآخر أورع، فالأورع أولى؛ لأنه يمكنه أن يقضي بعلم غيره، فلا بد من الورع حتى لا يتجاوز عن حد الشرع، فلا يتصور الباطل بصورة الحق طمعاً في الرشوة. ويجب على من استجمع فيه شرائط القضاء إذا قلدوه، حتى إذا امتنع يأثم، إلا إذا كان بحضرتهم من العلماء من يصلح للقضاء، فلا بأس بأن لا يقبل، ويعذر فيدفع عن نفسه إلى غيره؛ لأنه ليس متعين لذلك، والذي تعين لا يحل له الامتناع إذا قُلد، ولكن لا ينبغي أن يطلب؛ لأنه ربما لا يقلدوه، فيذهب ماء وجهه، وحرمة علمه، إلى هنا من تحفة علاء الدين السمرقندي».
وفي فتاوى قاضي خان: فإن كان جاهلاً عدلاً أو عالماً غير عدل، لا ينبغي أن يقلده، ولا يُقلد لقوله: «القضاة ثلاثة: واحد في الجنة واثنان في النار، وأراد بالاثنين الجاهل وغير العادل.
والجاهل التقي أولى بالقضاء من العالم الفاسق، ولو تقلد القضاء بالرشوة لا يصير قاضياً، وتكون الرشوة حراماً على القاضي وعلى الآخذ، قال الصدر السعيد في «جواهر الفتاوى»، في كتاب القضاء في باب فتاوى الشيخ الإمام جمال الدين اليَرْدِي: اختلفت الروايات في القاضي إذا ارتشى، أو فسق ينعزل، أو يستحق العزل، اختار البخاريون أنه لا ينعزل، وبعضهم قالوا: ينعزل، قال شيخنا وإمامنا جمال الدين اليَرْدِي: أنا متحير في هذه المسألة، لا أقدر أن أقول: لا تنفذ أحكامهم؛ لما أرى من التخليط والارتشاء والجرأة فيهم، ولا أقدر أقول: لا تنفذ أحكامهم، لأن كل أهل زماننا كذلك، فلو أفتيت بالبطلان أدى ذلك إلى إبطال الأحكام، فحكم الله بيننا وبين قضاة زماننا، أفسدوا علينا ديننا، وشريعة نبينا، لا بقي منهم لا اسم ولا رسم. إلى هنا كلام الصدر السعيد ركن الدين أبي المفاخر محمد بن عبد الرشيد الكرماني.
يقول الفقير: رحم الله الشيخ الإمام قاضي القضاة جمال الدين أبا سعيد المطهر اليزدي، وفي عصره تمام انتظام العلم والدين، وكمال نظم أحوال الفقهاء ومشايخهم العاملين المتورعين، وتاريخ زمانه أثناء الثلاثين والستين وخمسمئة، فرغ من شرح الجامع الصغير» على ترتيب الزعفراني، المسمى بـ «التهذيب» سنة سبع وخمسين وخمسمئة، وذلك قبل فترة جنكيز، ولو أدرك المولى الإمام جمال الدين أبناء زماننا هذا لاقتصر المقال على قول من قال:
أما الخيام فإنها كخيامهم ... وأرى نساء الحي غير نسائها
سيما الذين كانوا يصرفون شرائف أوقاتهم إلى الملازمة في مسألة القضاء، مترددين أبواب الأكابر في الصبح والمساء، ومختلفين إلى الوسائط في الضحى والعشاء، ملحين للدخول، ملتجئين الوصول،
الجزء 1 · صفحة 52
فلا يساعدهم البواب، ولا يفتح لهم الأبواب، ثم يتخذون شفعاء من حواشيهم، وحملة غواشيهم، تبا لهم ومواشيهم، يهتكون عرضهم، ويذيبون ماء وجههم، ولم يصونوا حرمة علمهم، كأنهم ما ذاقوا لذة العلم والحكمة، ولم يلتدُّوا بحلاوة المعرفة والفضيلة، ولا سيما الذين كان جمع الحطام همتهم، فيُلقي الشيطان أمنيتهم، بملازمة بيوت اليهود والنصارى، واتخاذهم الوسائط والشفعاء، فنعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، ونقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله.
وعن عبد الله الطبراني أنه قال: لا إله إلا الله محمد رسول الله أربعة وعشرون حرفاً، والليل والنهار أربعة وعشرون ساعة، فإذا قال العبد من قلبه بالصدق: لا إله إلا الله محمد رسول الله، يقول الرحمن جل جلاله: أتيت هذه الأربعة والعشرين، وقد خلقت ساعات ليلك ونهارك أربعة وعشرين، وكل ذنب أذنبته في هذه الساعات؛ صغيرها وكبيرها، سرها، وعلانيتها، خطأها وعمدها، قولها وفعلها، غفرت لك بقولك مرة واحدة: لا إله إلا الله محمد رسول الله.
قال أبو منصور: إن الله جعل العذاب عذابين؛ عذاباً في الدنيا، وعذاباً في الآخرة، فعذاب الدنيا هو السيف بيد الرسول وأصحابه، وعذاب الآخرة وهي النار بيد مالك وأعوانه، فالسيف في غلاف يُرى، والنار في غلاف لا يرى، ثم إن الله تعالى أعطاك اللسان والقلب، فاللسان في غلاف يرى، والقلب في غلاف لا يُرى، فالله تعالى قال النبيه: من أخرج لسانه بذكري وهو في: ر في غلاف يُرى أُدخل السيف في غلاف يُرى، وهو الغمد، ومن اشتغل قلبه بذكري وهو في غلاف لا يُرى، أغلق عليه باب النار، وهو في غلاف يُرى، ومن اشتغل بذكري باللسان والقلب صان نفسه من سيف الدنيا ونار الآخرة.
وعن أحمد بن سهيل الزاهد قال: رأيت يحيى بن أكثم في المنام، فقلتُ له: ما فعل الله بك؟ قال: قدَّموني إلى ربي جل جلاله، فقال الله تعالى: يا شيخ السوء جئتني بتخليط كثير، فقلت: يا رب حدثني عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عُرْوَة، عن عائشة رضي الله عنها، عن النبي، عن جبريل، عنك جل جلالك أنك قلت: «إني لأستحي من عبدي وأمتي أن أعذبهما بالنار وقد شابا في الإسلام وهما يشهدان علي ويصدقان ما أمرت وأنا شيخ ضعيف، فقال الرب: صدق عبد الرزاق ومعمر، وصدق الزهري وعروة وعائشة، وصدق النبي، وصدق جبرائيل، أنا قلت ذلك، أحملوا به إلى دار اليمين، يعني الجنَّة، ذكرها الزَّنْدَوِيستي كلها في الباب السادس من روضته».
وذكر في أول هذا الباب: ولو أنَّ رجلاً تزوج امرأة مسلمة، فينبغي له إذا خلا بها أن يسألها عن الإسلام أولاً، فإن وصفت حل له المقام معها، لأنها مسلمة مثله، وإن لم تصف لم يجز له نكاحها كالمرتدة، ولو قال لها الزوج قولي معي: لا إله إلا الله محمد رسول الله، أمنت بالله وملائكته وكتبه
الجزء 1 · صفحة 53
ورسله، وأن الجنة والنار حق، وأنَّ الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، فيكون هذا أدخل في الأدب؛ لأنه لو يقول لها صفي لي الإسلام، فلعل أنها تستحي ويشق عليها، فالمرأة لا تحل إلا بهذه الكلمات.
نقل شيخ الإسلام محمد، الشهير بالمولى خُسْرو في درر الحكام» عن «الذخيرة»: أن تعليم صفة الإيمان للناس وبيان خصائص أهل السنة والجماعة من أهم الأمور، وللسلف رحمهم الله في ذلك تصانيف، والمختصر أن يقول: ما أمرني الله تعالى به قبلته، وما نهاني عنه انتهيت عنه، فإذا اعتقد ذلك بقلبه وأقر بلسانه كان إيمانه صحيحاً، وكان مؤمناً بالكل.
وفيه: إذا قال الرجل: لا أدري أصحيح إيماني أم لا؟ فهذا خطأ، إلا إذا أراد بإيمانه نفي الشك. كمن يقول بشيء نفيس: لا أدري أيرغَبُ فيه أحد أم لا؟ ومن شك في إيمانه، أو قال: أنا مؤمن إن شاء الله فهو كافر، إلا أن يؤوّلها، فقال: لا أدري أخرج من الدنيا مؤمناً، فحينئذ لا يكون كفراً.
ونقل فيه عن المحيط»: من أتى بلفظة الكفر مع علمه أنه كفر، إن كان عن اعتقاد لا شك أنه يكفر، وإن لم يعتقد أو لم يعلم أنها لفظة الكفر، ولكن أتى بها عن اختيار فقد كفر عند عامة العلماء، ولا يعذر بالجهل، وإن لم يكن قاصداً في ذلك؛ بأن أراد أن يتلفظ آخر فجرى على لسانه لفظة الكفر، نحو إن أراد أن يقول: (بحق أنكه تؤخدائى و ما بندگان تو، فجرى على لسانه عكسه لا يكفر.
وفي «الأجناس» عن محمد نص أن من أراد أن يقول: أكلتُ، فقال: كفرت؛ أنه لا يكفر. قالوا: هذا محمول على ما بينه وبين الله تعالى، فأما القاضي لا يصدقه.
وفي «سير الأجناس من عزم على أن يأمر غيره بالكفر، كان بعزمه كافراً، ومن تكلم بكلمة الكفر وضحك غيره، يكفر الضاحك، إلا أن يكون الضحك ضرورياً، بأن يكون الكلام مضحكاً. إلى هنا من «الدرر».
***
(الصحابة)
عن أبي زُرْعَة: قُبِضَ النبي - صلى الله عليه وسلم - عن مئة ألف وأربعة عشر ألفاً من الصحابة ممن روى عنه وسمع منه.
وعن السَّمْعاني قال: كان بالشام عشرة آلاف عين رأت النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وعن ابن الأثير نقلاً عن زيد بن ثابت، وعن الحاكم نقلاً عن معاذ بن جبل، قال: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى غزوة تبوك زيادة على ثلاثين ألفاً.
الجزء 1 · صفحة 54
وعن أبي زُرْعَة كانوا بتبوك سبعون ألفاً، كذا في الجواهر المضية» نقلاً عن «الإكليل» للحاكم. وقال فيه: ذكر ابن الأمين فيما استدركه علي بن عبد البر عن أبي زُرْعَة، وسئل عن عدة من روى عن النبي، قال: ومن يضبط هذا، شهد معه حجة الوداع تسعون ألفاً، وشهد معه بتبوك أربعون ألفاً، والله أعلم].
واختلف في حَدَّ الصَّحابة؛ فالمعروف عند المحدثين: أنه كل مسلم رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - قال ابن حجر في المختصر: الصحابي كل مسلم رأى النبي وقيل: من صحب النبي - صلى الله عليه وسلم - سنة أو سنتين، وغزا معه غزوة أو غزوتين، ويؤيد هذا قول أنس رضي الله عنه، وقد سئل عنه: هل بقي أحد من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غيرك؟ فقال: بقي ناس من الأعراب قد رأوه، وأما من صحبه فلا). محمول على إرادته من صحب الصحبة الوفية، وإلا لزم أن لا (7) يُعد جرير بن عبد الله من الصحابة، وكذا كل من شاركه في فقد هذا الشرط ممن لا خلاف أنه من الصحابة.
والصحابي لغة: من صحب ولو ساعة.
وعرفاً من كثرت صحبته، ولا حد لتلك الكثرة. وقيل: من طالت صحبته على سبيل الأخذ والاتباع إلى هنا كلام ابن حجر. وقال فيه: عدالة الصحابة مقطوع بها بإجماع من يعقد بإجماعه، من لابس منهم الفتن ومن لم يلابس، خلافاً للمعتزلة فيمن قاتل عليا رضي الله عنه].
وأفضل الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين على الإطلاق أبو بكر، ثم عُمر، ثم عثمان، ثم علي، بإجماع الصحابة وأهل السُّنَّة في الأولين، وجمهور أهل السنة في الآخرين، وقدم طائفة من أهل السُّنَّة عليا على عثمان، منهم الثوري أولاً)، ثم رجع إلى تقديم عثمان.
قال أبو منصور البغدادي: أصحابنا مجمعون على أن أفضلهم على الإطلاق الخلفاء الأربعة، ثم تمام العشرة، ثم أهل بدر، ثم أهل أحد، ثم أهل بيعة الرضوان، ومن له مزية من أهل العقبتين من الأنصار، والسابقون الأولون وهم من أهل القبلتين، في قول ابن المسيب وطائفة)، وفي قول الشعبي: أهل بيعة الرضوان)، وفي قول محمد بن كعب وعطاء أهل بدر).
وأول الصحابة إسلاماً من الرجال الأحرار أبو بكر، ومن الصبيان علي، ومن النساء خديجة، ومن الموالي زيد، ومن العبيد بلال.
قال أبو طالب المكي في قوت القلوب في ذكر فضل علم المعرفة على سائر العلوم من الفصل الثلاثين: قبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ألوف من صحابته، كلهم علماء بالله تعالى، فقهاء عن الله عز وجل، أهل رضوان من الله تعالى، ولم يُنصب أحد نفسه للفتيا، ولا حملت عنه الأحكام والقضايا إلا بضعة عشر رجلاً.
الجزء 1 · صفحة 55
وكان ابن عُمر إذا سئل عن الفتيا، قال: اذهب إلى الأمير الذي تقلد أمور الناس فضعها في عنقه. وروينا ذلك عن أنس بن مالك، ثم جماعة من الصحابة والتابعين بإحسان. وكان ابن مسعود رضي الله عنه يقول: إن الذي يفتي الناس في كل مسألة يستفتونه لمجنون. وكان ابن عمر رضي الله عنه يُسئل عن عشر مسائل فيجيب عن مسألة، ويسكت عن تسعة. وكان ابن عباس رضي الله عنه على ضد ذلك، كان يسئل عن عشرة فيجيب عن تسعة، ويسكت عن واحدة، وكان من الفقهاء من يقول: لا أدري أكثر من أن يقول: أدري، إلى هنا من قوت القلوب».
واعلم أن الصحابة رضي الله عنهم على ثلاث طبقات، منهم المكثرون فيما يروى عنهم من الفتيا، ومنهم المتوسطون في الفتيا، ومنهم المقلون فيها.
قال عبد القادر في فوائد الجواهر المضية والمكثرون من الصحابة رضي الله عنهم فيما يروى عنهم من الفتيا: أم سلمة أم المؤمنين، أنس بن مالك، أبو سعيد الخدري، أبو هريرة، عُثمان بن عفان، عبد الله بن عمرو بن العاص عبد الله بن الزبير، أبو موسى الأشعري، سعد بن أبي وقاص، سلمان الفارسي، جابر بن عبد الله، معاذ بن جبل، أبو بكر الصديق، فهؤلاء ثلاث عشرة يمكن أن يُجمع من فتيا كل واحد منهم جزء صغير جدا.
ويضاف إليهم طلحة بن الزبير، عبد الرحمن بن عوف، عمران بن الحصين، أبو بكرة، عبادة بن الصامت، معاوية بن أبي سفيان، فهؤلاء سبعة.
والباقون منهم رضي الله عنهم مقلون في الفتيا جدا، لا يُروى عن الواحد منهم إلا المسألة والمسألتان، والزيادة اليسيرة على ذلك فقط، يمكن أن يجمع من فتيا جميعهم جزء صغير فقط بعد البحث، وهم أبو الدرداء، وأبو عبيدة بن الجراح، وسعيد بن زيد، وأبي بن كعب، والحسن والحسين ابنا علي، وأسامة بن زيد، وأبو ذر، وعتاب بن أسيد، إلى عدة في الجواهر مئة وأربعة وعشرين صحابيا رضي الله تعالى عنهم، فكل من هؤلاء المقلين في الفتيا لا شك أنه أفتى أهله وجيرانه وقومه]. ووظيفة كتابنا هذا ذكر أعلام الأخيار من فقهاء الأعصار من الصحابة، والتابعين، والسلف الصالحين، والأئمة المجتهدين، والفقهاء المتقدمين والمتأخرين، أبقاهم الله وأمثالهم إلى يوم الدين، فبذكر المكثرين والمتوسطين من الصحابة في هذا الكتاب - رضوان الله تعالى عليهم أجمعين - يكمل الغرض والفائدة، وتحصل الجدوى والعائدة.
واعلم أن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما كانوا بشرف صحبته سالمين عن الطعن، وببركة خدمته خالصين عن شوب الشَّيْن، تقلدوا القضاء واختاروه، وكذا سادات التابعين تقلدوا القرب عهدهم إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، وتشرفهم بصحبة الأصحاب رضي الله عنهم، فأما أئمتنا ومشايخنا وأسلافنا لما شاهدوا
الجزء 1 · صفحة 56
الاضطراب في بني العباس، وعاينوا الاختلال في أحوال الناس، خافوا من أن لا يوفى حق القضاء، فاختلفوا في أمره وترددوا؛ فمنهم من دعي إليه فقبله، (وأو فى حقه)، ومنهم من ضُرِبَ عليه فلم يقبل حتى قضى نحبه، ولقي ربه؛ ومنهم من اختفى وهرب، ومنهم من حبس واضطر فرغب.
والآن بحمد الله المنان، سيق كميت الكلام، وعنان الأقلام، إلى كتب كتيبة أعلام الأخيار من خيار أصحاب النبي المختار عليهم رضوان الله الملك الغفار.
***
كتيبة أعلام الأخيار من أصحاب النبي المختار
[(25) - أبو بكر الصديق]
أبو بكر الصديق، عبد الله بن أبي قحافة عثمان رضي الله عنهم.
في فوائد الجواهر المضية»: لا يُعرف أربعة من الصحابة متوالدون)، أدركوا النبي إلا عبد الله بن أسماء بنت أبي بكر بن أبي قحافة، وهو عبد الله بن الزبير، وأسماء هي ذات النطاقين، تزوجها الزبير بمكة، فولدت له عبد الله، وكانت مع ولدها عبد الله بمكة حتى قتل، وبقيت مئة سنة حتى عَمِيَتْ، وماتت بمكة، ذكره ابن قتيبة.
وكان اسم أبي بكر في الجاهلية عبد الكعبة، فسماه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عبد الله، ولقبه عتيقا لجمال وجهه، ويقال: إنّه سُمِّي عتيقا لأنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال له: أنت عتيق من النار. وسُمِّي صديقا لتصديقه خبر الإسراء. أسلم أبوه أبو قحافة: يوم فتح مكة، وأتى المدينة، وبقي حتى أدرك خلافة أبي بكر، ومات أبو بكر قبله، وورثه أبو قحافة السدس فردَّه على ولد أبي بكر. وكانت وفاته سنة أربع عشرة في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنهم، وله يوم قبض سبع وتسعون سنة.
وولد أبو بكر بمكة، وتوفي بالمدينة لثمان بقين من جمادى الآخرة، سنة ثلاث عشرة من الهجرة، وله ثلاث وستون سنة، وكانت خلافته سنتين وثلاثة أشهر وثمانية أيام.
وهو أول خليفة قضى وألزم، وأول إمام قام بأمر الدين، وحكم بين المسلمين، بعد نبينا خاتم النبيين وأفضلهم، ولم يختلف عليه ولا فيه أحد من الصحابة رضوان الله عليهم. [وكان من أهل الاجتهاد، ولولا أنه كان كذا، كان أهلا بأن تولى الحكم والأمر والنظر على المسلمين، ولا يجوز أن يكون القائم في أمر الأمة بعد الرسول إلا من يعلم الجميع، لا سيما ولم يفرق بين المسلمين مالا، ولا استعان على الصحابة بعشيرة.
بويع له يوم وفاة النبي، وهو القائل للأنصار يا معاشر الأوس والخزرج أما علمتم أنا معاشر قريش أكرم العرب أنسابا، وأتقنها أحسابًا، وأنا نزلنا من العرب أحياها منزلة الوسط من القلادة،
الجزء 1 · صفحة 57
وأن العرب جيبت عنا كما جيبت الرحى عن القطب، وأنا عترة النبي ... والخبر طويل. فسلموا له بنظر وإذعان واعتراف له بالتقدم والعلم والسن]).
وكان رضي الله عنه كبير الشأن، زاهدًا صابرا خاشعا (صادقا رؤوفًا)، عديم النظير في الصحابة، وكان أفضل الناس بعد الأنبياء.
ولما قبض النبي ارتدت العرب ومَنعَتِ الزكاة، فلما استخلف الصديق جمع الصحابة رضي الله عنهم وشاورهم في القتال، فاختلفوا عليه، وقال عمر رضي الله عنه: كيف نقاتل الناس وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فمن قالها عصم مني ماله ودمه»؟ فقال الصديق: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عقالًا كانوا يؤدونها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأقاتلهم على منعها. قال عمر: فقلتُ: تألف النَّاس وترفق بهم، فقال لي: أجبار في الجاهلية، وخوار في الإسلام، يا عمر! إنه قد انقطع الوحي، وتم الدين، أينقص وأنا حي؟! ثم خرج لقتالهم.
روى الدميري في حياة الحيوان عن أبي الرجاء العطاردي: دخلت المدينة فرأيتُ النَّاس مجتمعين، ورأيت رجلًا يُقبل رأس رجل يقول: أنا فداك، والله لولا أنت لهلكنا، فقلت: من المقبل والمقبل، قالوا: عُمر يقبل رأس أبي بكر رضي الله عنهما من أجل قتال أهل الردة.
وهو الذي فرق عند سماع ما سمع من أقوال مسيلمة الكذاب بين ما هو من كلام الله، وبين [ما هو من] كلام مخلوق.
وجاءته جدة تطلب حقها من الميراث، فقال: لا أجد لك في كتاب الله حقا، وهذا قول لا يجوز أن) يقوله إلا مَنْ هو أعلم الناس بالقرآن ومعانيه، (حتى قطع أنه لا يجد لها شيئًا في الوقت والحال سرعة ذكراً، إلا أنه قد تحقق ذلك بالحفظ)، فلما شهد المغيرة (بن شعبة)، وعبد الرحمن بن عوف أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أعطى الجدة السدس، قضى بقولهما، ورجع إلى روايتهما (لما سمع الرواية عمن يجب قبول قوله في الأحكام). ذكره الشيخ الإمام علي السمناني في روضة القضاة).
وذكر الصدر الشهيد في شرح أدب القضاء» للخصاف في تفسير العدل ما نقل عن أبي بكر رضي الله عنه: أنه سئل عن العدل على المنبر، فأجاب على البديهة: العدل أن تأتي أخيكا ... ما مثله من نفسه يرضيكا
وعد هذا من فصاحة أبي بكر رضي الله عنه.
كان يقضي بالمدينة وينوب عنه وعلى مكة) عتاب بن أسيد، وعلى الحراسة (أبو عبيدة) عامر بن) ن الجراح، وعلى الطائف عثمان بن أبي العاص، وعلى صنعاء المهاجر بن أمية، وعلى حضرموت
الجزء 1 · صفحة 58
زياد بن أمية، وعلى زبيد ورمع أبو موسى الأشعري، وعلى خيبر معاذ بن جبل، وعلى البحرين العلاء، وعلى نجران جرير بن عبد الله.
ثم عمرو بن العاص أمره) وبعثه نحو فلسطين، ويزيد بن سفيان، وخالد بن سعيد، وعلقمة بن عبد الله، ومعاوية بن أبي سفيان، وأسامة بن زيد، وهذه جملة من أصحابه وإخوانه.
وفتح اليمامة، وقتل مسيلمة الكذاب، وبعث الجيوش إلى الشام والعراق.
وروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مئة واثنين وأربعين حديثا، منها في الصحيحين ثمانية عشر حديثا، انفرد البخاري بأحد عشر ومسلم بواحد، رواه ابن الملك في شرح المشارق في حديث: «لا نورث، وما تركنا صدقة.
قال سعد الملة التفتازاني في شرح المقاصد: لما مرض أبو بكر قال لعثمان رضي الله عنهما: اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما عهد أبو بكر بن أبي قحافة في آخر عهده بالدنيا وأول عهده بالآخرة، داخلا فيها، حين يؤمن الكافر، ويبر الفاجر، ويصدق الكاذب، إني أستخلف: عمر بن الخطاب، فإن عدل فذاك ظني به وإن بدل فجار لكل امرئ ما اكتسب، والخير أردتُ، ولا أعلم الغيب، وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ} [الشعراء: (227)].
فلما عرض الكتاب على الأصحاب قبلوا، وبايعوا على عمر رضي الله عنه، ولما بلغ الكتاب إلى علي رضي الله عنه قال: بايعنا بمن فيه وإن كان عمر.
فلما مات رضي الله عنه حمل على السرير الذي كان ينام عليه الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهو سرير عائشة رضي الله عنها، وهو من حشيش من ساج منسوج بالليف، بيع هذا السرير في ميراث عائشة رضي الله عنها، فاشتراه رجل من موالي معاوية رضي الله عنه بأربعة آلاف درهم، فجعله للناس، وهو بالمدينة، وصلى عليه عمر بن الخطاب، ونزل في حفرته عمر، وطلحة، وعثمان، وعبد الرحمن بن أبي بكر، ودفن مع النبي في بيت عائشة، ذكره ابن قتيبة في المعارف».
قال المولى العارف بالله تعالى الشيخ عبد الرحمن الجامي في أوائل «نفحاته»، روى الإمام المُسْتَغْفِري رحمه الله بإسناده عن جابر رضي الله عنه: قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه لأصحابه): إذا أنا مت فجيئوا بي على الباب، يعني باب البيت الذي فيه قبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فادفعوه، فإن فتح لكم فادفنوني. قال جابر بن عبد الله رضي الله عنه: فانطلقنا فدفعنا الباب، فقلنا: هذا أبو بكر رضي الله عنه، قد اشتهى أن يدفن عند النبي - صلى الله عليه وسلم - ففتح الباب، لا ندري من فتح لنا، وقال: ادخلوا ادفنوه كرامة، ولا نرى شخصا، ولا نرى شيئًا. أورد ذلك حجة على منكر كرامات الأولياء. والله أعلم.
***
الجزء 1 · صفحة 59
[(26) - عمر بن الخطاب]
أمير المؤمنين، خليفة خاتمة النبيين الفاروق الصادق (المؤيد في الانتصار)، مظهر شعار الإسلام في كافة المدائن والأمصار، أبو حَفْصِ عُمر بن الخطاب رضي الله عنه.
بويع له في اليوم الذي مات فيه أبو بكر رضي الله عنه، وهو ابن اثنين وخمسين سنة، ولم يختلف عليه اثنان، ولا شهر في وجهه سيف، وهو أول من خوطب بأمير المؤمنين، وأعز الله تعالى بإسلامه الدين.
وهو من المهاجرين الأولين، شهد بدرًا وجميع المشاهد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقام بأمر الدين أحسن قيام، ونظم قوانين الشرع أحسن نظام، وهو أول من دون الدواوين، وفتحت الدنيا علي يديه، ومضت دولة الفرس، ووضع الخراج، وطبق طبقات أهل الذمة، وأول من أرخ التاريخ بعام هجرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة، وذلك في عام ستة عشر، وفيها كان فتح بيت المقدس صلحا، وفيها نزل سعد ابن أبي وقاص رضي الله عنه الكوفة ومصرها.
فعاش بعد أبي بكر رضي الله عنه بمثل سيرته، وجهاده بالصبر على العيش الخشن، والخبز الشعير، والثوب الخام المرقوع، والقناعة باليسير، فتح الفتوحات الكبار، وغلب الأقاليم الشاسعة، ومع هذا كله بقي على حاله رضي الله عنه كما كان قبل الولاية في لباسه وزيه وأفعاله وتواضعه، يسير منفردًا في سفره وحضره، من غير حرس ولا حجاب.
ومناقب فضله كثيرة لا تحصى)، وحسبك أنه كان وزير أشرف الورى، عاش حميدًا، وتوفي سعيدًا شهيدًا، فما يبغضه إلا زنديق، أو جاهل مفرط الجهل وكان لا يطمع الشريف في حيفه، ولا ييأس الضعيف من عدله.
وهو أول من عس بالليل في عمله (أي: كان يمشي ليلا)؛ ليحفظ الناس والدين، ونزل رضي الله عنه بنفسه من مال الله تعالى منزلة رجل من المسلمين جعل فرضه كفرض رجل من المهاجرين، وهو أفضل الصحابة في عصره في العلم والقول والزهد والورع والرأي والاجتهاد.
روي أن الناس هابته هيبة عظيمة، حتى تركوا الجلوس بالأفنية، فلما بلغه هيبة الناس له جمعهم، ثم قام على المنبر حيث كان أبو بكر رضي الله عنه يضع قدميه، فحمد الله تعالى وأثنى عليه بما هو أهله، ثم صلى على النبي، ثم قال: بلغني أنَّ الناس قد هابوا شدَّتي، وخافوا غلظتي، وقالوا: قد كان عمر يشتد علينا ورسول الله بين أظهرنا، ثم اشتد علينا وأبو بكر رضي الله عنه واليا دونه، فكيف الآن وقد صارت الأمور إليه؟
الجزء 1 · صفحة 60
ولعمري من قال ذلك فقد صدق، كنت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فكنت عبده وخادمه حتى قبضه الله تعالى وهو عني راض والحمد لله، وأنا أسعد الناس بذلك، ثم ولي الناس أبو بكر، فكنت خادمه وعونه، أخلط شدَّتي بلينه، فأكون سيفا مسلولا حتى يغمدني أو يدعني، فما زلتُ معه كذلك حتى قبضه الله تعالى وهو عني راض، والحمد الله، وأنا أسعد الناس بذلك، ثم إنّي وليت أموركم.
اعلموا أن تلك الشدة قد تضاعفت، ولكنها إنَّما تكون على أهل الظلم والتعدي على المسلمين، وأما أهل السلامة والدين فأنا ألين إليهم من بعضهم لبعض، ولست أدع أحدا يظلم أحدا ويتعدى عليه حتى أضع خده بالأرض وأضع قدمي على الخد الآخر حتى يُذْعن بالحق.
ولكم علي أيها الناس إني لا أخبأ عنكم شيئًا من خراجكم، وإذا وقع عندي أن لا يخرج إلا بحقه، ولكم علي أن لا ألقيكم في المهالك، فإذا غبتم في البعوث فأنا أبو العيال حتى ترجعوا أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم. قال سعيد بن المسيب فوقى والله عمر رضي الله عنه وزاد في الشدة في مواضعها واللين في موضعه.
وكان أبا العيال حتى كان يمشي إلى اللواتي غاب عنهنَّ أزواجهن، ويقول: ألكن حاجة حتى أشتري لكن، فإني أكره أن تخدعن في البيع والشراء، فيرسلن معه بجواريهنَّ، ومن كان ليس عندها شيء اشترى لها من عنده رضي الله عنه، كذا ذكره الدميري في الأوز من حياة الحيوان».
وله رضي الله عنه في باب القضاء كتب ليس لأحد مثلها، فمن ذلك كتابه إلى أبي موسى الأشعري، ولا أجمع في ذلك الباب منها، ولا أدل على علمه وفضله) (? منها، ما نقله الشيخ الإمام أبو القاسم على السمناني في «روضة القضاة» عن الوليد بن معدان أنه قال: كتب عمر رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعري: أما بعد، فإن القضاء فريضة محكمة، وسنة متبعة، فافهم إذا أوتي إليك، فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له، أسو بين الناس في وجهك ومجلسك وعذلك، حتى لا يطمع شريف في حيفك، ولا ييأس ضعيف من عدلك.
البينة على المدعي، واليمين على من أنكر، والصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا حرم حلالا أو أحل حرامًا، ولا يمنعك من قضاء قضية فراجعت فيه نفسك وهديت فيه لرشدك أن تراجع فيه الحق، فإن الحق فيه قد تم، فلا يبطل الحق، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل، الفهم الفهم، فيما يختلج في صدرك بما ليس في قرآن ولا سنة.
ثم اعرف الأشباه والأمثال، فقس الأمور بالأمور عندك، واعتمد إلى أقربها إلى الله تعالى وأشبهها بالحق.
الجزء 1 · صفحة 61
واجعل لمن يطلب حقا غائباً أو شاهدًا أمدًا ينتهي إليه، فإن أحضر بينة أخذه بحقه، وإن عجز عنها استحللت عليه القضية، فإنه أبلغ للعذر وأجل للعمل. المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا محدودًا في قذف، أو (مجربا عليه شهادة زور)، أو ظنينا في ولاء أو قرابة، فإن الله تعالى تولى منكم السرائر ودرأ عنكم بالبينات والأيمان، وإياك والغضب، والقلق، والضجر، والتأذي بالناس، واسكن عند الخصومة، فإن القضاء في مواطن الحق، يوجب الله به الأجر ويحسن به الذكر. ومن خلصت نيته في الحق واتَّقى على نفسه زانه الله تعالى به، ومن تزين للناس بما يعلم الله أنه ليس في قلبه شانه الله تعالى، فما ظنك بثواب عند الله تعالى مع عاجل رزقه و خزائن رحمته، والسلام.
انظر إلى بلاغة كلامه مع وجازة ألفاظه وكثرة معانيه، كيف جمع فيه مواضع الحكم والاجتهاد، وهذا لا يصدر إلا ممن له زيادة فضل ومعرفة، وكمال علم ورأي وإيقان وإتقان.
قال الصدر الشهيد في شرح الخَصَّاف»: «القضاء فريضة محكمة»، (يعني الحكم بين الخصمين بحق، فريضة محكمة)، كان ثابتا في شريعة من قبلنا وبقي في شريعتنا، لم يرد عليه النسخ والتبديل.
و سنة متبعة: يعني سُنَّة غير مهجورة.
ثم قال: «فافهم إذا أوتي إليك أي): فرّغ خاطرك إذا تقدم إليك الخصمان ورفعا الحادثة إليك، لتسمع كلامهما، فتتوصل به إلى القضاء بحق.
فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له يعني: المدعي ربما يقر بما يبطل دعواه، أو المدعى عليه بما يلزمه فلا يحتاج إلى القضاء، فإذا لم تسمع ذلك لتنفذه لا ينفع التكلم بذلك الكلام وهو حق.
وفي «الخَصَّاف»: والصلح جائز بين الناس، وذكر محمد رحمه الله في كتاب القضاء»: والصلح جائز بين المسلمين، وما ذكره الخصاف أعم؛ لأنه يتناول المسلمين وغير المسلمين.
وحج عمر رضي الله عنه بالناس عشر سنين متوالية، وقضى بين المسلمين، وأقام الحدود، وولى القضاة وتولاهم)، وقضاة عمر كثيرون لاتساع البلاد، (وانتشار الدعوة)، منهم: عبد الله بن مسعود ولاه الكوفة، وسعد بن أبي وقاص ولاه الكوفة، ثم عزله، وشريح القاضي استقضاه على الكوفة.
وكتب عمر بن الخطاب إلى أهل الكوفة: أما بعد؛ فإني بعثت إليكم عمارًا أميرًا، وعبد الله قاضيا ووزيرًا، فاسمعوا لهما وأطيعوا، فقد أثر تكم بهما. يعني عماراً و ابن مسعود.
فقال لشريح حين استقضاه وهو من سادات التابعين في الموسم: كيف تقضي في أموال الناس؟ قال: بالبينات. قال عمر رضي الله عنه: أحرزت نفسك وأهلكت أموال الناس.
ولما ولى عمر رضي الله عنه أبا موسى الأشعري ببصرة، وعزل المغيرة كتب إليه مكتوبا بإعجاز بليغ، أما بعد: بلغني عنك أمر عظيم، ووليت أبا موسى عليك فأقبل إلي. فلما أرسل أبا موسى ببصرة
الجزء 1 · صفحة 62
سأل عن عمر أن يرسل معه من الفقهاء حتى يتقوى بهم، فأرسل معه أنس بن مالك، وعمران بن الحصين.
ووضع الخراج على الشام حين افتتحها عمرو بن العاص، وعلى أرض السواد حين فتح سواد العراق، بعث عُثمان بن حنيف حتى يمسح سواد العراق، وجعل حذيفة رضي الله عنه مشرفًا، فمسح ستا وثلاثين ألف ألف جريب، ووضع على أهلها من كل جريب يبلغه الماء قفيز هاشمي، وهو الصاع ودرهم، ومن جريب الرطبة خمسة دراهم، ومن جريب الكرم المتصل والنخل المتصل عشرة دراهم، وكان بمحضر من الصحابة رضي الله عنه من غير نكير فكان إجماعًا.
ولم يضع الخراج على أرض العرب؛ لأن وضع الخراج من شرطه أن يقر أهلها على الكفر بوضع الجزية عليهم، وقبولهم الجزية، كما في سواد العراق، ومشركو العرب لا يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف. كذا في «الهداية».
وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه استعمل رجلا على عمل، فبلغه أنه قال:
اسقني شربة الذ عليها ... واسق بالله مثلها ابن هشام
فاستحضره عمر رضي الله عنه وعلم الرجل بالحال، فضم إليه بيتا آخر، فلما قدم على عمر قال له: ألست القائل اسقني شربة ألذ عليها؟» فقال: نعم يا أمير المؤمنين:
عسلا باردًا بماء زلال ... إنَّني لا أحب شرب المدام
فقال عمر: الله الله، ارجع إلى عملك]). حكاه ابن حجة في ثمرات الأوراق».
وذكر فيه ((3)) أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما قدم من المدينة إلى الشام على حمار، ومعه عبد الرحمن بن عوف، فتلقاهما معاوية رضي الله عنهم في موكب نبيل، فأعرض عنه عمر رضي الله عنه، فجعل يمشي إلى جنبه راجلا، فقال له عبد الرحمن بن عوف ألقيت الرجل، فأقبل عليه عمر آنفًا فقال: يا معاوية! أنت صاحب الموكب مع ما بلغني من وقوف ذوي الحاجات ببابك، قال معاوية: نعم يا أمير المؤمنين، قال: ولم ذلك، قال: لأنا في بلاد لا تمنع من الجواسيس، ولا بد لهم مما يروعهم من هيبة السلطان، فإن أمرتني بذلك أقمتُ عليه، وإن نهيتني عنه انتهيت. قال: إن كان الذي قلت حقا فإنه رأي أريب، وإن كان باطلاً فإنها خدعة أديب، ولا آمرك ولا أنهاك.
وذكر الزَّنْدَوِيستي في روضته عن أبي عبيدة بن الجراح، أنه قال: دخلت على عمر رضي الله عنه في ولايته، فإذا عليه ثوبٌ خَلَق، فقلت: يا أمير المؤمنين!
ترد عليك الوفود من ملوك الدنيا فاتخذ لنفسك ثوبا حسنا تلبسه يوم دخولهم عليك، فقال: يا أبا عبيدة لو قال هذا غيرك لضربته، لكن منعني عن ذلك صحبتك مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ألم نك أذل
الجزء 1 · صفحة 63
عباد الله، فأعزنا الله بالإسلام، ووفقنا على قول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، فأي عز أكبر من هذا؟!).
قال ابن الملك في شرح المشارق في باب من» في حديث: «من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة الأحاديث التي رواها عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - خمسمئة وسبعة وثلاثون حديثا، منها في الصحيحين أحد وثمانون، انفرد البخاري منها بأربعة وثلاثين، ومسلم بأحد وعشرين، وهذا من المتفق عليه).
طعنه غلام المغيرة بن شعبة أبو) لؤلؤة، فمات بعد يوم وليلة في أربعة عشر يوماً مضت من ذي الحجة، سنة ثلاث وعشرين، ودفن في الحجرة) النبوية، حذاء منكبي أبي بكر رضي الله عنهما.
ذكر علي بن عبد الله الحسني السمهودي في خلاصة الوفا في أخبار دار المصطفى»: صفة القبور الشريفة بالحجرة النبوية؛ قد اختلف فيها على نحو سبع كيفيات، والذي عليه الأكثرون أن قبر النبي أمامها إلى القبلة مقدما، أي بجدار القبلة، ثم قبر أبي بكر رضي الله عنه حذاء منكبي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم قبر عمر رضي الله عنه حذاء منكبي أبي بكر رضي الله تعالى عنه.
وهذه صفته:
النبي - صلى الله عليه وسلم -
أبو بكر رضي الله تعالى عنه
عمر رضي الله تعالى عنه
ونقل المَرَاغِي أَنَّ رَزينا ويحيى جزما بهذه الصفة، وهو كذلك في كلام رزين، ورواه عن عبد الله بن محمد بن عقيل كذا.
وروى ابن زبالة عن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: دخلت على عائشة رضي الله عنها فقلتُ لها: يا أمه! اكشفي لي عن قبر النبي، فكشفت عن ثلاثة قبور، فرأيت قبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مقدما، وأبا بكر رأسه بين كتفي النبي، وعمر رأسه عند رجل النبي، قال ابن عساكر وهذه صفته:
النبي - صلى الله عليه وسلم - ... عمر رضي الله تعالى عنه
أبو بكر رضي الله تعالى عنه ... وعن عروة عن عائشة رضي الله عنها، وصفت لنا عائشة قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - وقبر أبي بكر وقبر عمر؛ رأس النبي - صلى الله عليه وسلم - مما يلي المغرب، وقبر أبي بكر عند رجلي النبي - صلى الله عليه وسلم - وقبر عمر خلف النبي، وبقي موضع قبر واحد وهذه صفته:
النبي - صلى الله عليه وسلم - ... أبو بكر رضي الله تعالى عنه
الجزء 1 · صفحة 64
عمر رضي الله تعالى عنه
***
[?? - عثمان بن عفان]
أمير المؤمنين، مجهز جيوش المسلمين، جامع القرآن، عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه].
لما طعن عمر رضي الله عنه نص على ستة نفر من المهاجرين: عثمان وعلي وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف، وجعل المشورة بينهم ثلاثة أيام، وأقام المسور بن مخرمة وثلاثين نفرًا من الأنصار، على ما رواه ابن خلكان.
وقال عمر رضي الله تعالى عنه: اتَّفقوا على واحد إلى ثلاثة أيام، وإن افترقوا فرقتين، فالفرقة التي فيها عبد الرحمن بن عوف. وأوصى أن يصلي بالناس صهيب ثلاثة أيام، فأخرج عبد الرحمن بن عوف نفسه من الشورى"، واختار عثمان رضي الله تعالى عنه فبايعه الناس، ووقع الرضى من جميع الناس به.
وهو يجتمع مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في عبد مناف، ويجتمع عمر رضي الله تعالى عنه مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في كعب، وأبو بكر رضي الله عنه يجتمع مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في مرة.
فإنَّ نسب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ما اتفقه النسابون إلى عدنان، والاختلاف (فيما فوق) عدنان محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مُرَّةَ بن كَعْبِ بن لُؤَيِّ بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خُزَيْمَة بن مُدْرِكَة بن إياس بن مُضَرَ بن نزار بن معد بن عدنان.
ونسب أبي بكر: (عبد الله) بن عثمان بن عامر بن عمر بن كعب بن سعيد بن قم بن مرة.
ونسب أبي حفص عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رياح) بن عبد الله بن قُرْطِ بن رزاح بن عَدِيٌّ بن كَعْب بن لُؤَيِّ بن غَالِبٍ.
ونسب عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف.
فقام عثمان بأمر الدين، وكانت أول غزوة) غُزِيَتْ في الري في خلافته، وأمير الجيش أبو موسى الأشعري، ثم الإسكندرية، ثم شابور، ثم إفريقية، ثم جزيرة قبرص من سواحل البحر بحر الروم، ثم إصطخر الآخرة، وفارس الأولى، ثم جور، ثم طبرستان، ودار أَبْجَرد وكرمان وسجستان وغيرها.
وهو أحد السابقين الأولين، وصلَّى إلى القبلتين، وهاجر الهجرتين، ويُدعى بذي النورين؛ لأنه تزوج بنتي النبي، وبقي الأمر له رضي الله عنه إحدى عشرة سنة، وأحد عشر شهرًا، وتسعة عشر يوما، ولى الولاة، ووجه القضاة، وله في القضاء حكايات.
الجزء 1 · صفحة 65
ذكر الخصاف عن عبد الرحمن بن سعيد، قال: رأيتُ عُثمان بن عفان جالسًا في المسجد، فإذا جاءه الخصمان، قال لهذا: ادع عليا، وقال لهذا: ادع طلحة والزبير، ونفرًا من أصحاب رسول الله، فإذا جاؤوا قال لهما: تكلما، فإذا تكلما يقبل فيقول: ما تقولون، فإن قالوا ما يوافق قوله قضى عليها، ولا ينظر هما بعد، فيقومان وقد سلما).
قال الصدر الشهيد: اشتمل الحديث على فوائد: منها:
أنه لم يكن بين علي وعثمان رضي الله عنهما إلا جميلا، بخلاف ما قاله أهل البدع.
ومنها: يجوز للقاضي أن يقضي في المسجد.
ومنها: يجوز للقاضي أن يستفتي ويقضي بالفتوى.
ومنها: أن المشورة مستحسنة، ثم إنما يشاور إذا لم يكن أصل القضاء بينا، أما إذا كان وجه القضاء بينا لا يحتاج إلى المشورة، وحديث عثمان محمول على أن حكم الحادثة لم يكن بينا.
فإن قالوا: ما يوافق قوله يقضى عليهما؛ لأنه صار إجماعا منهم. ثم قال: ولا ينظرهم بعد؛ لأن الحق قد ظهر، ولا يسعه التأخير.
في شرح المشارق» في باب من في حديث: من بنى الله مسجدا يبتغي به وجه الله بنى الله له مثله في الجنة)]: قيل: ما روى عثمان عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مئة وستة وأربعون حديثا، له في الصحيحين ستة عشر حديثا، انفرد البخاري بثمانية، ومسلم بخمسة.
وكان رضي الله عنه أحد من جمع القرآن على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهم أصحاب الطبقة العالية، الذين حفظوا القرآن في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - (وعرضوا عليه، وأشهرهم) سبعة: عثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وأبي بن كعب، وعبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت، وأبو موسى الأشعري، وأبو الدرداء.
قال الذهبي في طبقات القراء: فهؤلاء السبعة الذين بلغنا أنهم حفظوا القرآن في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم - وعرضوا عليه، وأخذ عنهم عرضا)، وعليهم دارت أسانيد قراءة الأئمة العشرة، وقد جمع القرآن غيرهم (من الصحابة) كمعاذ بن جبل، وأبي زيد، وسالم مولى أبي حذيفة، وعبد الله بن عمر، وعقبة بن عامر، ولكن لم تتصل بنا قراءتهم، فلهذا اقتصر على هؤلاء السبعة رضي الله عنهم.
روي عن زيد بن ثابت رضي الله عنه أنه قال: قبض النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يكن القرآن جمع في شيء. قالوا: إنما لم يجمع القرآن في المصحف لما كان يترقبه من ورود ناسخ لبعض أحكامه، أو تلاوته، فلما انقضى نزوله بوفاته، ألهم الله تعالى الخلفاء الراشدين ذلك، وفاء بعهده الصادق بضمان حفظه على هذه
الجزء 1 · صفحة 66
الأمة: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: (9)]، فكان ابتداء ذلك بمشورة عمر على يد الصديق رضي الله تعالى عنهما، ثم على يد عثمان رضي الله عنه.
وقد كان القرآن كله كُتب على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، لكن غير مجموع في موضع واحد، ولا مرتب السور، فترتيب السُّور كان باجتهاد من الصحابة بعد رسول الله، وأما ترتيب الآيات فلا شبهة في كونه توقيفيا؛ للإجماع، والنصوص المترادفة على ذلك.
قال السيوطي: أما الإجماع فنقله غير واحد منهم الزركشي في «البرهان»، وأبو حفص بن الزبير في مناسباته»، وعبارته: ترتيب الآيات في سورها واقع بتوقيفه وأمره من غير خلاف في هذا بين المسلمين، انتهى.
وأما النصوص؛ فمنها: حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه قال: كنا عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نُؤلِّف القرآن من الرقاع.
ومنها ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قلت لعثمان: ما حملكم على أن عمدتم إلى «الأنفال» وهي من المثاني، وإلى براءة» وهي من المئين فقرنتم بينهما، ولم تكتبوا بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم»، ووضعتموها في السبع الطوال؟ فقال عثمان رضي الله عنه: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينزل عليه السور ذوات، فكان إذا نزل عليه الشيء دعا بعض من كان يكتب، فيقول: ضعوا هذه الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا، وكانت الأنفال» من أوائل ما نزل بالمدينة، وكانت براءة» من آخر القرآن نزولا، وكانت قصتها شبيهة بقصتها، فظننت أنها منها، فقبض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يبين لنا أنها منها، فلأجل ذلك قرنت بينهما، ولم أكتب بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم»، ووضعتها في السبع الطوال.
ومنها: ما روي عن عثمان بن أبي العاص قال: كنت جالسا عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ شخص ببصره، ثم صوبه، ثم قال: أتاني جبريل فأمرني أن أضع هذه الآية هذا الموضع في هذه السورة: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَابِ ذِي الْقُرْنَ وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ} [النحل: (90)]، كذا وكذا من النصوص الواردة في هذا ذكرها السيوطي في الإتقان».
وقال في «الإتقان أيضًا نقلا عن الحاكم في «المستدرك»: جمع القرآن ثلاث مرات:
أحدها: بحضرة النبي.
ثم أخرج بسند على شرط الشيخين عن زيد بن ثابت رضي الله عنه، قال: كنا عند النبي - صلى الله عليه وسلم - نؤلف الرقاع من القرآن.
والثانية بحضرة أبي بكر رضي الله عنه.
الجزء 1 · صفحة 67
روى البخاري في صحيحه عن زيد بن ثابت قال: أرسل إلي أبو بكر مقتل أهل اليمامة، فإذا عمر بن الخطاب عندنا، فقال أبو بكر: إن عمر أتاني، فقال: إنَّ القتل قد استحر بقراء القرآن، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن فيذهب كثيرا من القرآن، وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن، قال: فقلتُ: لعمرك ((3)) كيف تفعل شيئًا لم يفعله رسول الله؟ قال عمر: هذا والله خير، فلم يزل يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك، ورأيت في ذلك الذي رأى عمر.
قال زيد قال أبو بكر: إنك شاب عاقل لا نتهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتتبع القرآن فاجمعه. قال زيد فوالله لو كلفوني لنقل جبل من الجبال ما كان أثقل علي مما أمرني به من جمع القرآن. قلتُ: كيف تفعلان شيئًا لم يفعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله الله. صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر، فتتبعت القرآن أجمعه من العشب، واللخاف وصدور الرجال، ووجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدها مع غيره، لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُ ... [التوبة: (128)] حتى خاتمة براءة، فكانت الصحف عند أبي بكر [حتى توفاه الله، ثم عند عمر حياته])، ثم عند حفصة بنت عمر.
وأخرج ابن أبي داود من طريق يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، قال: قدم عمر، فقال: من كان تلقى من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيئًا من القرآن فليأت به، وكانوا يكتبون في المصحف والألواح، والعسب، وكان لا يقبل من أحد شيئًا حتى يشهد شهيدان. وهذا يدل على أن زيدًا كان لا يكتفي بمجرد وجدانه مكتوبا حتى يشهد به من تلقاه سماعا، مع كون زيد كان يحفظ القرآن جميعًا في حياة النبي، فكان يفعل ذلك مبالغة في الاحتياط.
قال ابن حجر: كأن المراد بشاهدين: الحفظ والكتاب، وقال علم الدين السخاوي في جمال القراء»: المراد أنهما يشهدان على أن ذلك المكتوب كُتِبَ بين يدي رسول الله، أو المراد أنهما يشهدان على أن ذلك من الوجوه التي نزل بها القرآن.
قال أبو شامة: وكان غرضهم أن لا يكتب إلا من عين ما كتب بين يدي النبي - صلى الله عليه وسلم - لا من مجرد الحفظ، ولذلك قال في آخر سورة التوبة: لم أجدها مع غيره، أي: لم أجدها مكتوبة مع غيره؛ لأنه كان لا يكتفي بالحفظ دون الكتابة.
قال السيوطي: قلتُ: أو المراد أنهما يشهدان على أنَّ ذلك مما عُرض على النبي عام وفاته. وروي عن ابن سيرين قال: كان جبريل عليه السلام يعارض النبي - صلى الله عليه وسلم - كل سنة في شهر رمضان، فلما كان العام الذي قُبض فيه عارضه مرتين)، فيرون أن تكون قراءتنا هذه على العرضة الأخيرة.
الجزء 1 · صفحة 68
وقال البَغَوِيُّ في شرح السُّنَّة»: يقال: إنَّ زيد بن ثابت شهد العرضة الأخيرة التي بين فيها ما نسخ وما بقي، وكتبها الرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقرأها عليه، وكان يُقرئ الناس بها حتى مات، وكذلك اعتمده أبو بكر وعمر رضي الله عنهما في جمعه، وولاه عثمان رضي الله عنه كتب المصاحف.
والجمع الثالث: هو ترتيب السور في زمن عثمان رضي الله عنه.
روى البخاري عن أنس: أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان، وكان يغازي ((3)) أهل الشام في فتح إزمينية) وأذربيجان مع أهل العراق، فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة، فقال لعثمان: أدرك الأمة قبل أن يختلفوا اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل إلى حفصة: أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فنسخوها في المصاحف. وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنَّه إنما أُنزل بلسانهم، ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف، رد عثمان الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كلّ أُفُق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يُحرق.
قال زيد: فقدت آية من الأحزاب حين نسخنا المصحف كنت أسمعها من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ بها، فالتمسناها فوجدناها مع خزيمة الأنصاري: من الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ} [الأحزاب: ??]. فألحقناها في سورتها في المصحف.
قال ابن حجر: وكان ذلك في سنة خمس وعشرين، وغفل بعض من أدركناه، فزعم أنه كان في حدود سنة ثلاثين، ولم يذكر له مستندا، انتهى.
وذكر السيوطي عن ابن فارس في الإتقان»: أنه قال: جمع القرآن على خبرين؛ أحدهما: تأليف السور، كتقديم السبع الطوال، وتعقيبها بالمئين، فهذا هو الذي تولته الصحابة. وأما الجمع الآخر: فهو جمع الآيات في السورة فهو توقيفي، تولاه النبي كما أخبر به جبريل عن أمر ربه.
ومما استدل به لذلك اختلاف مصاحف السلف في ترتيب السور، فمنهم من رتبها على النزول وهو مصحف علي، كان أوله: اقرأ ثم المدثر ثم نون، ثم المزمل، ثم التكوير، وهكذا إلى آخر المكي، والمدني، وكان أول مصحف ابن مسعود: البقرة ثم النساء ثم آل عمران، على اختلاف شديد]).
وقال الكرماني في «البرهان»: ترتيب السور هكذا هو عند الله في اللوح المحفوظ على هذا الترتيب، وعليه كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعرض على جبريل (كل سنة) ما كان يجتمع عنده منه، وعرض عليه في السنة التي توفي فيها مرتين، وكان آخر الآيات نزولا: {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ} [البقرة: (???]، فأمره جبريل أن يضعها بين آيتي الربا والدين.
الجزء 1 · صفحة 69
قال الذهبي: قرأ على عثمان رضي الله عنه المغيرة بن أبي شهاب المخزومي. ويقال: قرأ عليه ابن عامر وليس بشيء، وإنما قرأ عليه المغيرة وعليه قراءة ابن عامر. وكان ابن عامر إمام أهل الشام في القراءة.
قتل رضي الله عنه والمصحف بين يديه، في يوم الجمعة لثمان خلت من ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، وهو شيخ كبير ابن اثنتين وثمانين سنة. فكان أول وهن وبلاء على هذه الأمة بعد نبينا، إنا لله وإنا إليه راجعون، فالأمر لله الواحد القهار، نسأل الله العظيم كفايته، ونرجو من الله تعالى أن يُبعد لساننا عن حكايته).
***
?? - علي بن أبي طالب]
أمير المؤمنين، ابن عم خاتم النبيين، مستأصل شأفة الكفار في عون الحروب، بضرباته بذي الفقار، أسد الله الغالب علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
أحد السابقين الأولين، لم يسبقه إلى الإسلام إلا خديجة، واختلف فيه وفي أبي بكر، أيهما أسبق إلى الإسلام، ولكن إسلام الصديق كان أنفع للإسلام وأكمل؛ لأنَّ عليا رضي الله عنه أسلم وله ثمان سنين، وقيل: تسع سنين.
وعن ابن عيينة، عن أبي جعفر الصادق، عن أبيه: أنَّ عليا قتل وهو ابن ثمان وخمسين سنة في سابع عشر من رمضان سنة أربعين. وهذا يطابق أنه أسلم وله ثمان سنين.
وقيل: بويع له في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين، وهو ابن ثلاث وخمسين سنة، وجرح صبيحة يوم الجمعة السابع عشر من شهر رمضان، وفارق الدنيا يوم الأحد، التاسع عشر من سنة أربعين، وكانت خلافته خمس سنين إلا ثلاثة أشهر. ضربه ابن ملجم المرادي - قاتله الله - قالوا: لما قتل عثمان رضي الله عنه، أتى الناس عليا رضي الله عنه فضربوا عليه الباب، ودخلوا، فقالوا: إنَّ هذا الرجل قد قتل، ولا بد للناس من إمام، ولا نعلم أحدًا أحق بها منك، فراودهم في ذلك فأبوا، فقال: (إن أبيتم إلا بيعتي فإنَّ بيعتي لا تكون سرا، فأتوا المسجد، فحضروا طلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص رضي الله عنهم والأعيان، فأول من بايعه طلحة، ثم بايعه الناس.
وأجمع على بيعته المهاجرون والأنصار رضي الله عنهم، وتخلف عن بيعته معاوية، ومن تبعه بالشام رضي الله عنهم، إلى ما كان في صفين، وتفصيل الوقائع مذكور في كتب التواريخ، (ولا تعلق لغرضنا به)).
الجزء 1 · صفحة 70
وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا ذكر أصحابي فأمسكوا)، وقال عليه الصلاة والسلام: «اتقوا الله في أصحابي الحديث، فحق اللسان أن يُصان عن بيان ما يتوهم منه البغي والعداوة، خصوصًا إلى وهم العوام، فإنهم لا يقدرون على دفعه وتداركه فوقعوا في الخسران.
وقد اختلف في قبره): فقيل: بالجامع بالكوفة، وقيل: بالبقيع، وقيل: بالنجف في المشهد الذي يُزار اليوم. وقيل: في قصر الإمارة، هدمه عبد الملك بن مروان حين قتل أخو عبد الله بن الزبير مصعب في سنة إحدى وسبعين بالكوفة، وجلس بقصر الإمارة بالكوفة، ووضع رأس مصعب بين يديه، فقال عبد الملك بن عمير: يا أمير المؤمنين جلست أنا وعبد الله بن زياد في هذا القصر بهذا المجلس ورأس الحسين رضي الله عنه بين يديه، ثم جلست أنا والمختار بن أبي عبيد فإذا رأس عبيد الله بن زياد بين يديه)، ثم جلست مع أمير المؤمنين، فإذا رأس مصعب بين يديه، وأنا أعيذ أمير المؤمنين بالله من شر هذا المجلس. فارتعد عبد الملك وقام من فوره فأمرهم بهدم القصر.
وعن أبي اليقظان: صلى عليه الحسن بن علي ابنه، ودفن بالكوفة، عند مسجد الجامع في قصر الإمارة.
وهو أول إمام عفي قبره، قيل: إنَّ عليا رضي الله عنه أوصى أن يُعفى قبره؛ لعلمه أن الأمر يصير إلى بني أمية، فلم يأمن أن يمثلوا بقبره.
وكان رضي الله عنه أفضل من بقي من الصحابة رضي الله عنهم، ومناقبه أكثر من أن تحصى، جمعها الذهبي في مجلد سماه فتح المطالب في أخبار علي بن أبي طالب».
وهو الذي ولاه النبي - صلى الله عليه وسلم - قضاء اليمن في حياته، وقال فيه: «أقضاكم علي، وولى القضاء في زمن عمر بن الخطاب، وكان يشاوره فيما يمضيه من الأحكام ويرجع إلى قوله، وإنما كثر علمه لطول زمانه بعد الخلفاء، وانتشرت قضاياه). وكان علي رضي الله عنه زكيا فطنا. سريع الجواب، بديهي الخطاب. سئل رضي الله عنه على منبر الكوفة عن مسألة اجتمع فيها الثمن، والثلثان، والسدسان، فأجاب عنها بديهة، فقال: السائل متعنتا أليس للزوجة الثمن، فقد صار ثمنها تسعًا، ومضى في خطبته، فتعجبوا من فطنته. وهذه المسألة إذا اجتمع امرأة وبنتان وأبوان، وتسمى هذه المسألة المنبرية.
وأدق منه ما روي عنه رضي الله عنه فيمن له خمسة أرغفة، وللآخر ثلاثة أرغفة، جلسا للأكل، فجاء إليهما رجل وأكل منها، ودفع إليهما ثمانية دراهم، وقال: اقتسما على قدر ما أكلت من أرغفتكما، فأعطى صاحب الخمسة ثلاثة لصاحب الثلاثة فلم يرض إلا بالمناصفة. فاختصما إلى أمير المؤمنين رضي الله تعالى عنه، فقال: خذ ما عرض لك. فقال: لا أرضى إلا بالحق، فقال: إذا لك درهم. فقال: عُرِضَتْ لي ثلاثة دراهم فلم أقبل، فكيف كان ذلك، قال: كان ذلك مصالحة، فأما في الحق فلك درهم،
الجزء 1 · صفحة 71
إنا نفرض أنكم أكلتم بالسوية؛ لأنا لا نعلم الأكثر أكلا، أليس كل رغيف ثلاثة أثلاث؟ فالكل أربعة وعشرون، كل منكم أكل ثمانية من أربعة وعشرين، فيكون ما أكل لصاحبك سبعة أثلاث، ولك ثلثا.
روي أن نصرانيا جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: إنكم تقرؤون في كتابكم: ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا} [الكهف: (25)]، ونحن نقرأ في كتبانا: ثلاثمئة سنين، فخالف كتابنا كتابكم، فقال علي رضي الله عنه: لا مُخالفة؛ لأنَّ ثلاثمئة سنين في كتابكم على حساب اليونانيين، وهو يكون على حساب العرب ثلاثمئة وتسعا. فتعجب النصراني من جوابه بداهة، وآمن فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله].
ولهذا قيل: إنَّ عليا كان مُعجزة من معجزات النبي؛ لأنه مع تبخره في العلوم وشجاعته في الحروب كان منقادًا ومقرا بنبوته، ولهذا عُدَّ من معجزاته، ذكره السيد الشريف في حاشيته شرح السراجية»، (وله عدة قضاة من الصحابة والتابعين).
***
[?? - الحسن بن علي بن أبي طالب]
البدر الزاهد، والبحر الزاخر، فلذة كبد البتول، قرة عين الرسول، شعبة شجرة النبوة، درة صدق الفتوة، أبو محمد الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه. لما قتل أبوه علي رضي الله عنه بايعه أهل العراق، فحكم وقضى، وقتل ابن ملجم، وقام بأمر الدين، وله مع معاوية رضي الله عنهما أخبار ومكاتبات، سلم الأمر إلى معاوية بعد أربعة أشهر، ثم اعتزل، وقيل: ستة أشهر وثلاثة أيام.
وانكفأ إلى المدينة، وكان يأخذ من معاوية كل سنة أربعين ألف درهم سوى الصلات، توفي سنة خمسين بالمدينة، وهو ابن ثمان وأربعين سنة، وصلى عليه سعيد بن العاص، كان أميرا بالمدينة أمره معاوية.
ذكر الزيلعي في شرح الكنز في باب الجنائز: السلطان أحق بصلاته، نص عليه أبو حنيفة بقوله: الخليفة أولى إن حضر، فإن لم يحضر فإمام المصر، وهو سلطانها؛ لأنه في معنى الخليفة، وبعده القاضي، وبعده صاحب الشرط، وبعده خليفة الوالي، وبعده خليفة القاضي، وبعد هؤلاء إمام الحي، فإن لم يحضر فالأقرب من ذوي قرابته. وذكر في الأصل أن إمام الحي أولى بها. وقال أبو يوسف: ولي الميت أولى بها؛ لأن هذا الحكم تعلق بالولاية، كالإنكاح.
وجه الأول ما روي أنَّ الحسين) بن علي لما مات الحسن رضي الله عنهم، قدم سعيد بن العاص، وقال: لولا السُّنَّة لما قدمتك، وكان سعيد والي المدينة يومئذ، هكذا ذكر في الكتاب، ولأنَّ في التقدم
الجزء 1 · صفحة 72
عليه استخفافًا به، وتعظيمه واجب شرعا، وما ذكره في الأصل محمول على ما إذا لم يحضر ا السلطان ولا من يقوم مقامه].
قال أبو طالب المكي في قوت القلوب في الفصل الرابع والثلاثين، في فضائل السنة وآداب الشريعة، حيث عد الخصال الثمان الواجبة، وأن يعتقد تفضيل أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وأهل بيته رضي الله عنهم ورضوا عنه كافة، ويسكت عما شجر بينهم، ويسلم لكل واحد منهم ما فعله؛ لأنهم أعلم منا بالكتاب والسنة، وأوفر عقولا، وأقرب إلى التوفيق والتسديد.
وأعلمهم) بالتأويل أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، وبعد ذلك ما أجمع المسلمون عليه في استخلافهم، ثم اتفق الأئمة من أهل الشورى الستة على تقديمه، فهؤلاء الأربعة خُلفاء النبوة، ثم أئمة الأئمة من العشرة، وعيون أهل الهجرة والنصرة، وخيار الأخيار من الأصحاب، كما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله اختار أصحابي على العالمين، واختار من أصحابي أربعة، فجعلهم خيار أصحابي، وفي كل أصحابي خير، واختار أمتي على الأمم، واختار من أمتي أربعة قرون، كل قرن سبعون سنة).
فقد مضى الأربعة الأفاضل في القرون الأول، فنحن لا نرد الخبر بالقياس، ولا نرفع السنة بالمعقول؛ إذ لا مدخل للقياس والرأي في التفضيل، كما لا مدخل لهما في الصفات وأصول العبادات وإنما يؤخذ التفضيل [من] توقيف وتسليم، ومن طريق الإجماع والاتباع، خشية الشذوذ والابتداع؛ لقوله: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين بعدي، عضوا عليها بالنواجذ، ومن شد ففي النار».
قال الله تعالى: {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ} [النساء: (115)]، وأما نحن فقوم متبعون نقفو الأثر ونتبع الخبر غير مبتدعين بالرأي والمعقول، فكل بدعة ضلالة.
وإنما جاء الترتيب والتفضيل والخلافة مخالفًا للقياس والمعقول؛ توكيدا للسنة، وتأييدا للرسالة، لئلا تلتبس النبوة بالملك، ولا ينحو النبي - صلى الله عليه وسلم - في الخلافة نحو الأكاسرة والقياصرة في المملكة، فكانت النبوة مخالفة للملك، جاءت الخلافة على غير سيرة الملوك في استخلاف أبنائهم وأهل بيعتهم.
وأيضًا فإنه قد سبق في علم الله تعالى أن يجعل هؤلاء الأربعة خلفاء بما قدر من أعمارهم، فدبّر خلافتهم على ما علم من آجالهم، ووفى لهم بما وعد من استخلافهم في الأرض، كما استخلف الذين من قبلهم، من خلائف الأنبياء السوالف، ومكن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وارتضاهم له، وبدلهم أمنًا بعد خوفهم، فلم يكن يتم إلا بترتيبهم على ما رضوا من الخلافة، فكان آخرهم استخلافًا هو آخرهم قبضا، ذلك تقدير العزيز العليم.
الجزء 1 · صفحة 73
وقد قال علي رضي الله عنه لما قيل له عند موته: ألا تستخلف وليا. قال: لا أستخلف عليكم بل أكلكم إلى الله عزَّ وجلَّ، فإن يرد بكم خيرا جمعكم على خيركم كما جمعكم بعد نبيكم على خيركم.
وقال إبراهيم النخعي: لما سلم الحسن رضي الله عنه الأمر إلى معاوية سميت سنة الجماعة، فقال له رجل من الشَّيعة: يا مُذلَّ المؤمنين، فقال: بل أنا معز المؤمنين. سمعت أبي يقول: لا تكرهوا إمارة معاوية؛ فإنه سيلي هذا الأمر بعدي، وإن فقدتموه رأيتم الرؤوس تندر عن كواهلها كالحنظل.
ولو كان للمعقول والقياس مدخل في التفضيل لكان أفضل الناس بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الحسن ابنه والعباس عمه؛ لأن في أحدهما النبوة، وفي الآخر الأبوة، وقد اجتمعوا على خلاف ذلك. إلى هنا من قوت القلوب»] ((3)).
ولما خلع الحسن رضي الله عنه نفسه من الخلافة، تم الأمر لمعاوية رضي الله عنه، واستقام له الملك، وصَفَتْ له الخلافة، ذكره الدميري في «حياة الحيوان».
وذلك لأن الحسن رأى المصلحة في جمع الكلمة، وترك القتال، وظهرت المعجزة في قوله - صلى الله عليه وسلم - إن ابني هذا سيد، وفي رواية ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين)، فسمي عام الجماعة لاجتماع الأمة بعد الفرقة على خليفة واحد.
قال الشعبي: شهدت خُطبة الحسن رضي الله عنه حين صالح معاوية، وخلع نفسه من الخلافة، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فإنَّ أكيس الكيس التقى، وأحمق الحمقاء الفجور، وإن هذا الأمر الذي اختلفت أنا ومعاوية فيه إن كان له فهو أحق مني به، وإن كان لي فقد تركته له؛ إرادة لإصلاح الأمة، وحقن دماء المسلمين، وما أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين.
ثم رجع إلى المدينة، وأقام بها، فعوتب على ذلك، فقال رضي الله عنه: اخترت ثلاثا على ثلاث الجماعة على الفرقة، وحقن الدماء على سفكها، والعار على النار.
في الحديث الصحيح عن أبي بكرة رضي الله عنه قال رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - على المنبر والحسن إلى جنبه)، وهو يقبل إلى الناس مرة وإليه أخرى، وهو يقول: «إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين» (?).
كانت خلافته ستة أشهر وخمسة أيام، وهي تكملة ما ذكره رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: الخلافة بعدي ثلاثون سنة، وبه قال عبد القادر في الجواهر المضية»، وقال البعض: قد تمت الثلاثون لعلي رضي الله عنه. قالوا: الصحيح الأول، والله أعلم.
***
(30) - معاوية بن أبي سفيان]
الجزء 1 · صفحة 74
أمير المؤمنين، معاوية بن أبي سفيان بن صخر بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف.
يجتمع هو والنبي - صلى الله عليه وسلم - في عبد مناف من جهة أبيه ومن جهة أمه؛ لأن أمه هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف.
كان رضي الله عنه من كبار الأصحاب الكرام، وكان كاتب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
ذكر الشيخ الإمام عمر النسفي في تفسيره التيسير» في البسملة كيف كتب بإسناد صحيح عن مكحول الشامي، قال: قال معاوية: كنت أكتب بين يدي رسول الله، فقال: «يا معاوية ألقِ الدَّواة، وحرف القلم، وانصب الباء، وفرق السين، ولا تعور الميم، وحسن الله، ومد الرحمن، وجود الرحيم.
وكان عاملا لعمر، استعمله على إمرة دمشق، فلم يزل متوليا على الشام عشرين سنة في خلافة عمر، وفي خلافة عثمان رضي الله عنهما، وفي خلافة علي رضي الله عنه صار متخلفا إلى يوم التحكيم، فبويع له يوم التحكيم، بايعوه أهل الشام، واختلف عليه أهل العراق إلى أن سلّم الحسن رضي الله عنه إليه الخلافة، وبايعه، فاجتمع الأمر له، وبعث نوابه إلى البلاد، وذلك في سنة إحدى وأربعين، فسمي عام الجماعة؛ لاجتماع الأمة بعد الفرقة على إمام واحد.
وكان رضي الله عنه يتولى القضاء والحكم بنفسه، وكان عظيما حليما، وكان (مليح الشكل، عظيم الهيبة)، وافر الحشمة، يلبس الثياب الفاخرة، ويركب الخيل المسومة، وكان كثير البذل والعطاء، محباً إلى الرعية، وهو أول من اتخذ المقاصير وأقام الحرس والحجاب، وأول من مشى بين يديه صاحب الشرط بالحربة.
وله ولاة على البلاد في الأحكام، منهم عمرو بن العاص بمصر، ومروان بالمدينة. ولي الخلافة عشرين سنة إلا شهرا، وتوفي بدمشق سنة ستين، وهو ابن اثنتين وثمانين سنة.
روي أنه لما ثقل بالضعف، وأيقن بالموت قال لأهله: احشوا عيني إثمد وأوسعوا رأسي دهنا، ففعلوا، وبرقوا وجهه بالدهن، ثم مهدوا له مجلسًا، وأسندوه، وأذنوا للناس، فدخلوا وسلموا عليه قيامًا قيامًا، فلما خرجوا من عنده أنشد قائلا:
وتجلدي للشامتين أريهم ... أنّي لوَشْكِ البين لا أتضَعْضَعُ فسمعه رجل من العلويين فأجابه:
وإذا المنية أنشبت مخلابها ... ألفيت كل تميمة لا تنفع ثم أوصى أن تدفن قلامة أظفار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معه، وتجعل في منافذ وجهه، وأن يكفن بثوب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
الجزء 1 · صفحة 75
وصلى عليه الضحاك الفهري؛ لغيبة ابنه يزيد ببيت المقدس، فلما سمع بادر إلى قبر أبيه، ثم دخل دمشق إلى الخضراء، وكانت دار السلطنة، فخطب الناس وبايعوه بالخلافة، وكتب إلى الأقاليم، فبايعوه، ولم يبايعه الحسين رضي الله عنه، ولا عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما، وأقاما مصرين على الامتناع عن البيعة إلى أن قتل الحسين بكربلاء، قتله شمر بن ذي الجوشن، لعنة الله على من ظلم وتعدى وكفر بنعمة الله تعالى.
واعلم أن للعلماء في جواز اللعن على يزيد وأحزابه أقاويل، فلا علينا أن نذكر بعضا مما يتعلق بهذا؛ قال الصدر الشهيد حسام الدين في «الواقعات» في باب كلمات تجري على اللسان بعلامة الباء، نقلا من فتاوى أبي بكر ابن الفضل»: وينبغي أن لا يلعن على يزيد بن معاوية ولا يُطعن فيه؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نهى عن لعن المسلمين، ومن كان من أهل القبلة لا يحل لأحد أن يلعنه إلا رسول الله؛ لأنه يعلم من أحوال الناس بإعلام الله تعالى ما لم يعلم بذلك غيره، ولأن أحدًا وإن كان فاضلاً فقاتله لا يكفر بقتله، ولأن يعود لسانه بالخير كان أفضل من أن (يعود باللعن)، انتهى.
وقال الشيخ الإمام بقية المجتهدين، طاهر بن أحمد بن عبد الرشيد البخاري في «الخلاصة» قبيل كتاب الهبة: اللعن على يزيد بن معاوية لا ينبغي أن يفعل، وكذا على حجاج. وقال رحمه الله عن الشيخ الزاهد قوام الدين الصفاري، أنه كان يحكي عن أبيه أنه يجوز ذلك ويقول: لا تلعنوا على معاوية، ولا بأس باللعن على يزيد. وذكر أفضل المتأخرين حافظ الدين ابن البزازي محمد الكردري في وجيز الفتاوى اللعن على يزيد يجوز، ولكن ينبغي أن لا يفعل، وكذا على الحجاج.
ويحكى عن الإمام قوام الدين الصفاري أنه قال: لا بأس باللعن على يزيد، ولا يجوز على معاوية؛ لأنه خال المؤمنين، وكاتب الوحي، وذو السابقة والفتوح الكثيرة، وعامل الفاروق وذي النورين، لكنه أخطأ في اجتهاده، فيتجاوز الله عنه ببركة صحبته لنبينا محمد، ونكف اللسان عنه تعظيما لمتبوعه وصاحبه]. وسئل الجوزي عن يزيد وأبيه فقال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، وعلمنا أن أباه دخل داره فصار آمنا، والابن لم يدخلها فلم يصر صاحب جد، والحق أن لعن يزيد بناءً على اشتهار كفره و تواتره وظاهر شره على ما عُرف تفاصيله، وإلا فاللعن على الشخص، وإن كان فاسقا لا يجوز، بخلاف اللعن على الجنس كقوله تعالى: {لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} [هود: (18)].
ورأيت في الفتاوى المتفرقة لشيخ الإسلام مفتي الثقلين المولى أحمد بن سليمان بن كمال باشا زيد حضرت حسين أولاد رسولدن أولد و غندن اوترو يزيد حسينه ايتدي ديو اعتقاد ايدوب يزيدي تكفير اتسه شرعا نه لازم اولور؟ الجواب نسنه لازم اولمز أما كفرنه حكم اتممك كركدر كتبه أحمد.
الجزء 1 · صفحة 76
واخرى يزيد کافر در دين کمسنه به شرعا نه لازم اولور، الحواب قضاء نسنه لازم اولمز ديانة استغفار اتمك كركدر زيرا صحابه رسولدن يزيدك اردنده جمعه نمازين قلنلري تضليلدر كتبه أحمد،
واخرى حسين أولاد رسولدن اولد غندن أوترو يزيد أولاد رسوله قصد ايتدكي ايجون كفرنه حكم أولنمز غيري حال واردر انكله كفرنه حكم أولنور،
وأخرى يزيدي تكفير ايدنلر نه وجهله تكفير ايدرلر، الجواب خمر حقنده بو بيت اكا نسبت أولنور:
فإن حرمت حقا على دين أحمد ... فخذها على دين المسيح ابن مريم أما اعتبار خاتمه يه در جائز که استغفار اتمش أولا كتبه أحمد.
وقال المولى سعد الدين التفتازاني - وهو من أصحاب الشافعية - في شرح العقائد النسفية»: لم يُنقل عن السلف المجتهدين والعلماء الصالحين جواز اللعن على معاوية وأضرابه؛ لأن غاية أمرهم البغي والخروج على الإمام، وهو لا يوجب اللعن، وإنما اختلفوا في يزيد بن معاوية، حتى ذكر في «الخلاصة» وغيرها أنه لا ينبغي اللعن عليه ولا على الحجاج؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نهى عن لعن المصلين ومن كان من أهل القبلة، وما نقل من لعن النبي - صلى الله عليه وسلم - لبعض من أهل القبلة، فلما أنه يعلم من أحوال الناس ما لا يعلم غيره.
وبعضهم أطلق اللعن عليه لما أنه أمر بقتل الحسين، واتفقوا على جواز اللعن على من قتله أو أمر به، أو أجازه، أو رضي به، والحق أن يزيد رضي بقتل الحسين، واستبشاره بذلك وإهانته أهل بيت النبي مما تواتر معناه، وإن كان تفاصيله آحاد، فنحن لا نتوقف في شأنه بل في إيمانه، لعنة الله عليه وعلى أنصاره. إلى هنا كلام التَّفْتَازَانِي.
قال في شرح المقاصد: وأما ما جرى من الظلم على أهل بيت النبي - صلى الله عليه وسلم -، فمن الظهور بحيث لا مجال للإخفاء فيه، ومن الشناعة بحيث لا اشتباه على الإدراء، إذ يكاد يشهد به الجماد والعجماء، ويبكي له من في الأرض ومن في السماء، وتهدم منه الجبال وتنشق الصخور، ويبقى سوء عمله على كرّ الشهور ومر الدهور، فلعنة الله على من باشر أو رضي أو سعى: {وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى) [سورة طه: (127)]].
ذكر الدميري في ذكر الإوز في حياة الحيوان: قال دخل شمر بن ذي الجوشن مع رفقائه على يزيد بن معاوية بدمشق ومعهم رأس الحسين رضي الله عنه، فرمي به بين يدي يزيد، ثم تكلم شمر بن ذي الجوشن، فقال: يا أمير المؤمنين! ورد علينا هذا - يعني الحسين - في ثمانية عشر رجلا من أهل بيته، وستين رجلا من شيعته، فسرنا إليهم، وسألناهم النزول على حكم أميرنا عبيد الله بن زياد أو
الجزء 1 · صفحة 77
القتال، فاختاروا القتال، فهاتيك أجسادهم مجرحة، وثيابهم مرملة، فلما سمع يزيد ذلك، دمعت عيناه، وقال: ويحكم قد كنت أرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين، لعن الله ابن مرجانة. أما والله لو كنت صاحبه لعفوت عنه، ثم قال: يرحم الله أبا عبد الله، ثم تمثل بقول القائل:
يفلقن هاما من رجال أعزة ... علينا وهم كانوا أعق وأظلما ثم أمر بالذرية فأدخلوا دار نسائه، وكان يزيد إذا حضر غداءه دعا علي بن الحسين، وأخاه عمر بن الحسين فأكلا معه، ثم وجه الذرية صحبة علي بن الحسين إلى المدينة، وكان بين وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبين اليوم الذي قتل فيه الحسين رضي الله عنه خمسون عاما.
وذكر الدميري في ذكر الفهد من حياة الحيوان»: سئل الكيا الهراسي علي بن محمد الطبري الفقيه الشافعي عن يزيد بن معاوية؛ هل هو من الصحابة أم لا؟ وهل يجوز لعنه أم لا؟ فأجاب: أنه لم يكن من الصحابة؛ لأنه ولد في أيام عثمان رضي الله عنه. أما قول السلف ففيه لكل واحد من أبي حنيفة ومالك وأحمد قولان: تصريح وتلويح، ولنا قول واحد التصريح دون التلويح، كيف لا يكون كذلك وهو المتصيد بالفهد واللاعب بالنرد ومدمن الخمر، من شعره في الخمر:
أقولُ لصَحْبِ ضمَّتِ الكأس شملَهُم ... وداعي صبابات الهوى يترنم
خذوا بنصيبي من نعيم ولدة ... فكل وإن طال المدى يتصرم ثم قلب الورقة وكتب: ولو مددت بياضًا لأطلقت العنان، وبسطت الكلام في مخازي هذا الرجل.
وقد أفتى الغزالي في هذه المسألة بخلاف ذلك، فإنَّه سُئل عن من يصرح بلعن يزيد بن معاوية؛ هل يحكم بفسقه أم يكون ذلك مرخصا فيه؟ وهل كان مريدا قتل الحسين رضي الله عنه أم كان قصده الدفع؟ وهل يسوغ الترحم عليه أم السكوت أفضل؟ فأجاب: لا يجوز لعن المسلم أصلا، ومن لعن مسلما فهو الملعون]، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: المسلم ليس بلعان، وكيف يجوز لعن المسلم.
وقد ورد النهي عن ذلك، وحرمة المسلم أعظم من حرمة الكعبة بنص من النبي. ويزيد صح إسلامه، وما صح قتله للحسين رضي الله عنه، ولا أمره ولا رضاه بذلك، ومهما لم يصح ذلك عنه لم يجز أن يُظَنَّ ذلك به؛ فإنَّ إساءة الظن أيضًا بالمسلم حرام، قال الله تعالى: اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمُ [الحجرات: ??]، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن الله حرم من المسلم دمه وماله وعرضه وأن يظن به ظن السوء».
ومن رام أن يعلم حقيقة من الذي أمر بقتله لم يقدر على ذلك، وإذا لم يُعرف وجب إحسان الظن بكل مسلم يمكن إحسان الظن به، مع هذا لو ثبت علم مسلم أنه قتل مسلما فمذهب أهل الحق أنه ليس بكافر).
الجزء 1 · صفحة 78
والقتل ليس بكفّر بل هو معصية، وإذا مات القاتل فربما مات بعد التوبة، والكافر لو تاب من كفره لم يجز لعنته، فكيف من تاب عن قتل، ولم يُعرف أن قاتل الحسين رضي الله عنه مات قبل التوبة، وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ) [الشورى: (25)]، فإذا لا يجوز لَعْنُ أحد ممن مات من المسلمين، ومن لعنه كان فاسقا عاصيا الله تعالى.
ولو جاز لعنه فسكت لم يكن عاصيا بالإجماع، بل لو لم يلعن إبليس طول عمره لا يُقال له في القيامة: لم لم تلعن إبليس؟)، ويقال للأعن: لِمَ لعنْتَ؟ ومن أين عرفت أنه ملعون؟ والملعون هو المبعد من رحمة الله تعالى، وذلك لا يُعرف إلا فيمن مات كافرًا، فإن ذلك علم بالشرع، أما الترحم عليه فجائز، بل يستحب، بل داخل في قولنا: اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، فإنه كان مؤمنًا. إلى هنا كلام الغزالي رحمه الله.
***
?? - عبد الله بن عباس]
ومن المكثرين في الفتيا فيما بين أصحاب المصطفى - صلى الله عليه وسلم - ابن عم الرسول عبد الله ابن عباس بن عبد المطلب رضي الله عنهما، الحبر البحر في الفقه والتفسير.
قال الذهبي: روي أنه لم يكن على وجه الأرض في زمانه أحد أعلم منه.
وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: بت عند خالتي ميمونة، فوضعتُ الرسول الله - صلى الله عليه وسلم - غُسْلًا فقال: مَنْ وضع هذا؟ قالوا: عبد الله. قال: «اللهم علمه التأويل وفقه في الدين.
وروي عن كريب أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - دعا له أن يزيده الله فهما وعلما).
وعن مجاهد أنه قال: كنا نفخر على الناس بقارئنا عبد الله بن السائب وبفقيهنا عبد الله بن عباس، وبمؤذننا) أبي مَحْذُورة.
قرأ القرآن على أبي.
وروى عن النبي، وعمر، وعثمان، وأبي ذر، ووالده عباس، وغيرهم.
في شرح المشارق» لابن الملك في باب من»، في حديث: «من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه: ما رواه ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ألف وستمئة وستون حديثا، له في الصحيحين مئتان وأربعة وثلاثون حديثا، وانفرد البخاري منها بمئة وعشرة، ومسلم بتسعة وأربعين.
قرأ عليه: مجاهد وسعيد بن جبير والأعرج وعكرمة بن خالد وغيرهم، (وحدث عنه: عكرمة، وعطاء، وطاوس، وخلق كثير).
الجزء 1 · صفحة 79
توفي بالطائف سنة ثمان وستين، وصلى عليه محمد بن الحنفية، وقال: اليوم مات رباني العلم. وقد كُفَّ بصره في أواخر عمره.
روي أن رجلا تزوج امرأة فولدت لستة أشهر، فهم عثمان رضي الله عنه أن يرجمها، فقال ابن عباس أما إنها لو خاصمتكم بكتاب الله لخاصمتكم؛ إذ قال الله تعالى: {وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا} [الأحقاف: (15)]، وقال تعالى: وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ} [لقمان: (14)]، فإذا ذهبت عامان للفصال لم يبق للحمل إلا ستة أشهر، فدَرَأَ عُثمان الحد عنها، وأثبت النسب من الزوج). ذكره الشريف في شرح الفرائض».
وذكر الزَّنْدَوِيستي في الباب الثاني من) روضته»: روي أن شابا قام إلى ابن عباس فقال له: أقبل وأنا صائم؟ فقال: لا، فقام إليه شيخ فقال: أقبل وأنا صائم؟ فقال: نعم. فعاد إليه الشاب وقال: أتجيز له ما حرَّمْتَ عليَّ ونحن على دين واحد؟! فقال: لأنه شيخ يملك إربه، وأنت شاب لا تملك إربك. يعني: عورتك.
***
[(32) - عبد الله بن مسعود]
ومن المكثرين في الفتيا والموصوفين بالفطنة والذكاء عبد الله بن مسعود.
كان رضي الله عنه من السابقين الأولين)، أسلم قديما بمكة، وهاجر الهجرتين، وصلى إلى القبلتين، وكان يخدم النبي - صلى الله عليه وسلم - ويلازمه، ويحمل نعل النبي إذا خلعها.
وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إنك لعليم مُعَلَّم.
(وقال أبو موسى: ما كنت أحسب ابن مسعود وأمه إلا من أهل البيت؛ لكثرة دخولهم وخروجهم). وكان النبي يطلع ابن مسعود على أسراره ونجواه، وكان يتولى فراش النبي - صلى الله عليه وسلم - ووسادته وسواكه ونعله وطهوره، وإنَّ الرسول - صلى الله عليه وسلم - بشره بالجنة.
وكان من أجود الناس ثوبًا، وأطيب الناس ريحًا. وعن زيد بن وهب جاء ابن مسعود إلى مجلس عمر، فجعل يُكلِّم عمر ويضاحكه، فكاد الجلوس يوازونه مِنْ قصرِه، فلما ولى قال عمر: كنيفٌ ملئ علماً.
وقال أبو موسى: مجلس أجالسه ابن مسعود أوثق في نفسي من عمل سنة.
وكان ابن مسعود أحد من جمع القرآن على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وأقرأ]. وكان يقول: حفظتُ مِنْ في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سبعين سورة).
الجزء 1 · صفحة 80
قرأ عليه طائفة، وتفقه خلق كثير، وكانوا لا يفضّلون عليه أحدا في العلم، ومن تلامذته: علقمة، ومسروق، والأسود، وزر بن حبيش، وأبو عبد الرحمن السلمي.
وولي قضاء الكوفة وبيت مالها لعمر رضي الله عنه، حين ولاه عمر كتب إلى الكوفة: أما بعد، فإني بعثت إليكم عمارًا أميرًا، وعبد الله قاضيا).
وكان يصوم الإثنين والخميس.
قيل: خرج ذات يوم فاتبعه الناس فقال: ألكم حاجة؟ قالوا: لا، ولكن أردنا أن نمشي معك، قال: فارجعوا، فإنَّه ذِلَّة للتابع وفتنة للمتبوع.
ذكر ابن الملك في شرح المشارق في باب من» في حديث: «من أحسن في الإسلام فلا يؤاخذ بما عمل في الجاهلية، ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر) (?): ما رواه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ثمانمئة وأربعون حديثا، له في الصحيحين مئة وعشرون، انفرد البخاري منها بأحد وعشرين، ومسلم بخمسة وثلاثين.
وفي أدب القضاء» للخصاف: كان ابن مسعود رضي الله عنه (عند رسول الله يرجع في الحوادث إلى رسول الله، ثم إلى أبي بكر وعمر، وما كان يرجع إلى عبد الله، ثم تعلم عبد الله حتى صار مذكورًا في العلم، فإنَّه لما قدم الكوفة اجتمع حوله أربعة آلاف نفر، فلما قدم علي بن أبي طالب رضي الله عنه الكوفة تلقاه ابن مسعود رضي الله عنه في جميع أصحابه، فقال علي: لقد ملات هذه البلدة علما وفقها.
وذكر الكردري في مناقب أبي حنيفة: روي أنَّ عليا رضي الله عنه قدم الكوفة بعد موت عبد الله بن مسعود فرأى أصحابه يفقهون الناس، ورأى في مسجدها أربعمئة محبرة يكتبون بها الفقه، فقال: هؤلاء سراج أهل القرية.
وذكر أصحاب الإمام الشافعي أن ابن عباس استفتى أصحاب ابن مسعود رضي الله عنهم كعلقمة ومشروق فيمن أصاب عينه وجع أيصلي مستلقيا؟].
واتفق أن عبد الله وفد من الكوفة، فمات بالمدينة في آخر سنة اثنتين وثلاثين، ذكره الذهبي في طبقات القراء».
وفي معارف ابن قتيبة: كان على قضاء الكوفة وبيت مالها لعمر رضي الله عنه، وصدرًا من خلافة عثمان رضي الله عنه، ثم صار إلى المدينة، فتوفي بها سنة اثنين وثلاثين، وهو ابن سبع وستين سنة، ودفن بالبقيع.
وعن الأعمش جاء نعي عبد الله إلى أبي الدرداء فقال: ما ترك بعده مثله أحدا.
الجزء 1 · صفحة 81
ومن مواعظه: إنَّ الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وخير الهدي هدي الأنبياء، وإن الصدق يهدي إلى البرّ، وإن البر يهدي إلى الجنة وأشرف الحديث ذكر الله].
?? - عبد الله بن عُمر]
وأحد السبعة المكثرين في الفتيا عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما.
في فوائد الجواهر المضية»: كثيرًا ما يقول أصحابنا الحنفية في كتبهم عبد الله عندنا ابن مسعود و ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم.
وفي كتاب الحج من الهداية»: وأشهر الحج شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة، كذا روي عن العبادلة الثلاثة وعبد الله بن الزبير. وفي عناية الهداية»: إنما فصل عبد الله بن الزبير عن العبادلة، وهم: عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس، لأنه ما كان يُفهم في عُرفهم من إطلاق العبادلة إلا هؤلاء الثلاثة.
وأما في عُرف المحدثين فالعبادلة: عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله ابن الزبير، وليس عبد الله بن مسعود منهم؛ لأنه كان تقدم موته.
(وفي فوائد الجواهر المضية وعند المحدثين ابن عمر وابن عباس، وابن الزبير، وابن عمرو بن العاص، وعلى هذا يكون عبادلة المحدثين أربعة).
أسلم عبد الله بن عمر مع إسلام أبيه بمكة وهو صغير، ويكنى أبا عبد الرحمن شهد المشاهد كلها بعد بدر وأحد، وبقي إلى زمان عبد الملك بن مروان.
مات بمكة، وهو آخر من مات فيها من الصحابة، وهو ابن أربع وثمانين سنة.
يزعمون أن الحجاج دس عليه رجلًا قسم زج رمحه، فزحمه في الطريق، فطعنه في (ظهر قدمه)، فدخل عليه الحجاج فقال: يا أبا عبد الرحمن! مَنْ أَصابَك؟ قال: أنت أصبتني، قال: ولم تقول هذا؟ قال: لأنك حملت السلاح في بلد لم يحمل فيها السلاح. حكاه ابن قتيبة في المعارف».
وعن أبي اليقظان: وكان من أهل العلم والورع كثير البذل والعطاء حتى أعتق ألف عبد لوجه الله تعالى، وكان نافع منهم طلبه عبد الله بن جعفر بن عمر فأعطاه اثني عشر ألف دينار فأبى أن يبيعه، فأعتقه لوجه الله تعالى.
ذكر ابن الملك في شرح المشارق في حديث: من ابتاع نخلا بعد أن تؤبر فثمرها للذي باعها إلا أن يشترطها المبتاع، ومن ابتاع عبدا فماله للذي باعه إلا أن يشترط المبتاع)]): ما رواه عبد الله بن عمر) عن النبي) ألفان وستمئة وثلاثون حديثا، له في الصحيحين مئتان وثمانون حديثا، انفرد مسلم بأحد وثلاثين، والبخاري بأحد وثمانين، وهذا الحديث مما انفرد به مسلم رحمه الله.
الجزء 1 · صفحة 82
قال ابن حجر في المختصر من علم الحديث: أكثر الصحابة حديثا أبو هريرة وابن عمر وعائشة وجابر بن عبد الله وأنس، وأبو هريرة أكثرهم، وأكثر الصحابة فتوى ابن عباس رضي الله تعالى عنهم.
***
(34) - زيد بن ثابت]
سابع السبعة المكثرين في الفتوى زيد بن ثابت رضي الله عنه.
هو من الأنصار، ويكنى أبا سعيد، قتل أبوه في وقعة بعاث، وقدم إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو ابن إحدى عشرة سنة.
وكان آخر من عرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - القرآن على مصحفه، وهو أقرب المصاحف من مصحفنا، وقد كتبه زيد لعمر بن الخطاب، وكان كاتب النبي - صلى الله عليه وسلم - وأمينه على الوحي.
كان أسن من أنس بسنة، وكان شابا زكيا، جمع القرآن على عهد رسول الله، وجمعه في صحف لأبي بكر رضي الله تعالى عنه، ثم تولى كتابة مصحف عثمان الذي بعث به عثمان نسخا إلى الأمصار، تقدم تفصيله في ذكر عثمان رضي الله عنه.
قرأ عليه أبو هريرة وابن عباس في قول.
روى عنه ابن خارجة، وابن عمر، وأنس، وعطاء بن يسار، وعروة، وطاوس وآخرون. وكان عمر يستخلفه على المدينة إذا حج.
(قال أنس: جمع القرآن على عهد رسول الله، زيد، وأبي، ومعاذ، وأبو زيد الأنصاري).
وقال الشعبي: غلب زيد الناس على القرآن والفرائض.
(وقال وكيع عن سفيان عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عن أنس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أفرض أمتي زيد بن ثابت، ذكره الذهبي في طبقات القراء)).
وذكر السيد الشريف في شرح الفرائض وقد روى خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه أنه قال: أمرني أبو بكر الصديق رضي الله عنه بتوريث أهل اليمامة، فورثت الأحياء من الأموات، ولم أورث الأموات بعضهم من بعض، وأمرني عمر بتوريث أهل طاعون عمواس، وكانت القبيلة تموت بأسرها، فورثت الأحياء من الأموات ولم أورث الأموات بعضهم من بعض.
وفي أدب القضاء» للخصاف عن الشعبي قال: كان حائط لعمر بن الخطاب وأبي بن كعب رضي الله عنهما، فكانا جميعًا يدعيانها، فتقاضيا إلى زيد بن ثابت رضي الله عنه، فأتياه فضربا الباب، فسمع زيد صوت عمر فاستقبل، فقال: ألا أرسلت لي يا أمير المؤمنين، فقال: في بيته يؤتى الحكم.
الجزء 1 · صفحة 83
قال الصدر الشهيد: في الحديث دليل على جواز التحكيم، وفيه دليل أيضًا على أن الإمام إذا وقعت له الخصومة أو عليه لا يحكم بنفسه، لكن يحكم غيره ليحكم بينه وبين خصمه، ألا ترى أن عمر رضي الله عنه حكمه، فإذا حكم الإمام إنسانًا يصير ذلك الحكم كالحاكم المولى.
وفيه دليل أيضًا على أن الحكم لا يدعوه الإمام إلى نفسه، لكن يأتي إلى بيته، وإنما كان ذلك تعظيما للحكم، كما أن المتعلم لا يدعو العالم إلى نفسه، بل يأتي إليه تعظيما للعلم.
وفيه دليل إلى أنَّ الخصومات كانت تقع بين كبار الصحابة رضي الله عنهم، ولا يظن بهم إلا الجميل، فيحمل على أن الأمر قد يشتبه عليهم، فيختصمون كي يظهر الحق، ولا يُظن بهم إلا هكذا]).
وفي شرح المشارق لابن الملك في باب أن»: ما رواه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - اثنان وتسعون حديثا، له في الصحيحين عشرة أحاديث انفرد البخاري منها بأربعة، ومسلم بواحد.
ذكر ابن حجر في المختصر عن ابن المديني: قال لم يكن من الصحابة من له أقوام يقومون بقوله إلا ثلاثة: ابن مسعود، وزيد بن ثابت، وابن عباس رضي الله عنهم.
***
(35) - أبي بن كعب]
أقرأ الأمة، وسيد المسلمين، أبي بن كعب بن قيس بن المنذر الأنصاري رضي الله عنه. كان كاتب الوحي لرسول الله، وكان يكتب في الجاهلية، وكان من السبعة الذين حفظوا القرآن على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وعرضوا عليه، وعليهم دارت الأسانيد كلها.
(وفي أصول البزدوي»: ترك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - آية في قراءته، فلما أخبر به قال: ألم يكن فيكم أبي؟ فقال أبي: بلى يا رسول الله، لكني ظننتُ أنها نُسخَتْ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لو نسخت لأخبرتكم).
أخذ عنه القراءة ابن عباس، وأبو هريرة، وعبد الله بن السائب، وجماعة كثيرة وعن ابن عباس قال عمر: أقضانا علي، وأقر أنا أبي.
(وعن قتادة عن أنس: أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال لأبي: إِنِّي أُمِرْتُ أنْ أقرأ عليك»، وفي لفظ: «أن أقرئك القرآن»، قال: «الله سماني لك»، قال «نعم»، فبكى أبي.
وقال عمر يوم مات أبي: اليوم مات سيد المسلمين.
توفي رضي الله عنه بالمدينة سنة عشرين أو تسع عشرة، ذكره الذهبي في طبقات القراء».
***
الجزء 1 · صفحة 84
(36) - أبو موسى الأشعري]
أبو موسى الأشعري، عبد الله بن قيس بن سليم الأشعري رضي الله عنه.
هاجر إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقدم عليه عند فتح خيبر، وحفظ القرآن والعلم، ولئن قصرت مدة صحبته فلقد كان من نجباء الصحابة رضي الله تعالى عنهم.
وكان من أطيب الناس صوتا، سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - قراءته، فقال: «لقد أوتي هذا مزمارا من مزامير آل داود.
وقد استغفر له النبي، واستعمله على زبيد وعدن، ثم ولي إمرة الكوفة والبصرة، وحكمه على نفسه في شأن الخلافة يوم التحكيم علي ومعاوية الجلالته وفضله.
قيل: مكر به يوم التحكيم عمرو بن العاص وخدعه، وإجمال هذه الحكاية أن عليا ومعاوية رضي الله عنهما حكما بعد وقعة صفين، فيه أبو موسى الأشعري، ومعاوية عين عمرو بن العاص، وتصالحا على أن هذين الحكمين على أي أمر اتفقا لم يتجاوز أحد عن هذا الأمر، وكان ذلك في رمضان سنة سبع وثلاثين.
فحضر و ابدومة الجندل، ثم بعد معارضات كثيرة من الجانبين وطول المشاورات اتفقا على أن يخلعا عن علي ومعاوية، ثم عينا لأمر الخلافة من يراه المسلمون حسنًا، فقام أبو موسى أولا وقال: هكذا خلعت عليا عن الخلافة، وأخرج إصبعه عن خاتمه، ثم قام عمرو وكان قد أخرج إصبعه، وقال: هكذا قرَّرْتُ أمر الخلافة على معاوية وأدخل إصبعه في خاتمه، ثم قرأ قوله تعالى: {وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا} [الإسراء: (33)]، وولي عثمان رضي الله عنه كان معاوية.
ذكر ابن الملك في شرح المشارق في حديث: من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، و من كره لقاء الله كره الله لقاءه)]: ما رواه أبو موسى الأشعري عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ثلاثمئة وستون حديثا، له في الصحيحين ثمانية وستون، انفرد البخاري بأربعة، ومسلم بخمسة عشر، (وهذا الحديث مما انفرد به مسلم عن أبي موسى وعائشة رضي الله عنهما.
وافتتح أبو موسى أصبهان في زمن عمر رضي الله عنه).
مات رضي الله عنه في ذي الحجة سنة أربع وأربعين على الصحيح.
[(37) - أبو الدرداء]
أبو الدرداء عويمر بن زيد رضي الله عنه.
الجزء 1 · صفحة 85
سابع السبعة الذين حفظوا القرآن على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهم عثمان وعلي وعبد الله بن مسعود وأبي بن كعب وزيد بن ثابت وأبو موسى الأشعري وأبو الدرداء. قرأ القرآن على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -).
وقد تأخر إسلامه عن بدر، وأبلى يوم أحد بلاء حسنًا، وآخى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بينه وبين سلمان، وكان عند مقدمه آخى بين المهاجرين والأنصار، وهذان أسلما بعد ذلك بمدة، فأخى بينهما.
يقال: حكيم هذه الأمة، وكان فقيها عالماً، كان من العلماء الحكماء الألباء.
يقال: إنَّ ابن عامر قرأ عليه، ولي قضاء دمشق، وقد عرض عليه القرآن كثيرون.
روى عنه: أنس وأبو أمامة، وزوجته أم الدرداء، وابنه بلال، وعلقمة، وجبير بن نفير، وسعيد بن المسيب، وغيرهم. (ذكره الذهبي في طبقات القراء)).
وروي أن عمر رضي الله عنه استعمل أبا الدرداء على حمص، ثم سمع أنه بني كنيفا، وصرف إليه من بيت مال المسلمين در همين ونصف درهم، وكان عادته أن يدفع في الصحراء، فعرض له مرض الزحير فأحوجته الضرورة إليه، فكتب إليه عمر رضي الله عنه: يا عويمر بلغني أنك بنيت كنيفا وأنفقت فيها در همين ونصفا من بيت مال المسلمين، أما كان يكفيك بقايا عمران الروم، حتى تشتغل بعمارة الدنيا، فإذا أتاك كتابي فاعلم أني سيرتك إلى دمشق، فكن بها إلى أن يأتيك الموت. ذكره السيد علي الهمذاني في ذخيرته».
وكان أبو الدرداء إذا صلى الغداة في جامع دمشق اجتمع الناس للقراءة عليه، فكان يجعلهم عشرة عشرة، وعلى كل عشرة عَرِيفًا، ويقف هو في المحراب يرمقهم ببصره، فإذا غلط أحدهم رجع إلى عَرِيفهم، فإذا غلط عَرِيفهم رجع إلى أبي الدرداء فسأله عن ذلك، وكان ابن عامر عَريفًا على عشرة، كذا قال سويد)، فلما مات أبو الدرداء خلفه ابن عامر، كذا ذكره الذهبي.
وذكر ابن الملك في شرح المشارق في حديث: «من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عصم من الدجال: ما رواه أبو الدرداء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مئة وسبعون حديثا، له في الصحيحين خمسة عشر، انفرد البخاري منها بثلاثة، ومسلم بتسعة (وهذا الحديث مما انفرد به مسلم)، مات بدمشق سنة اثنتين وثلاثين رضي الله عنه.
?? - سعد بن أبي وقاص)]
سعد بن أبي وقاص مالك بن أهيب بن عبد مناف بن زُهْرَة بن كلاب بن مرة.
الجزء 1 · صفحة 86
كان يجتمع هو والنبي - صلى الله عليه وسلم - في عبد مناف، وكان أحد العشرة المبشرة بالجنة، وأحد أصحاب الشورى، وكان أرمى الناس، ودعا له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: «اللهم أجب دعوته، وسدد رميته، وجمع له النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: «ارم فداك أبي وأمي، وقال: «هذا خالي فليأت كل رجل) بخاله).
وولاه عمر بن الخطاب الكوفة، ثم شكا أهل الكوفة سعدا، فعزله عمر رضي الله عنه، ثم ولاه عثمان بعده الكوفة، ثم عزله عثمان، واستعمل الوليد بن عقبة، فلما قدم عليه قال للوليد: يا أبا وهب أَكِسْتَ بعدنا، أم حَمُقْنا بعدك، فقال: ما كِسْنَا ولا حَمُقْتَ)، ولكن القوم استأثروا.
ذكر ابن الملك في شرح المشارق في باب من في حديث: «من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه فالجنَّة عليه حرام: قيل: إنه كان ثالثا في الإسلام، أسلم على يد أبي بكر، وكان أول من رمى بسهم في سبيل الله، وكان مشهورًا باستجابة الدعوة؛ لدعائه بقوله: «اللهم سدد سهمه، وأجب دعوته»، وهو آخر العشرة المبشرة بالجنة موتا.
ما رواه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مئتان وأحد وسبعون حديثا، له في الصحيحين ثمانية وثلاثون، انفرد البخاري بخمسة، ومسلم بثمانية، وهذا الحديث مما اتفقا عليه)).
مات رضي الله عنه بقصره بالعقيق على عشرة أميال من المدينة، فحمل إلى المدينة على رقاب الناس، وكانت وفاته سنة خمس وخمسين (وهو آخر العشرة موتا) وصلى عليه مروان بن الحكم، وهو يومئذ والي المدينة لمعاوية، وبلغ من السن بضعا وسبعين أو ثمانين، وكان يقول: أنا أسلمت وأنا ابن تسع عشرة سنة.
هكذا ذكر ابن قتيبة في المعارف) (?).
وكان رضي الله عنه من فقهاء الصحابة (المعدودين من متوسطيهم في الفتوى) ((10)).
?? - عبد الرحمن بن عوف]
عبد الرحمن بن عَوْفٍ بن الحارث بن زُهْرَة بن كلاب بن مرة.
ويكنى أبا محمد، كان أحد العشرة المبشرة بالجنة، وأحد الستة الشورى.
عن الواقدي: ولد عبد الرحمن بن عوف بعد عام الفيل بعشر سنين.
مات سنة اثنتين وثلاثين وهو يومئذ ابن خمس وسبعين سنة.
وعن أبي اليقظان: مات في خلافة عثمان، وقسم ميراثه على ستة عشر سهما، فبلغ نصيب كل امرأة له ثمانين ألف درهم. قيل: خلف ألف بعير وثلاثة آلاف شاة ومئة فرس، وترك ذهبا وفضة وأربع نسوة، فأخرجت. كل امرأة مما حظها من الثمن بثمانين ألف درهم، وأعتق في يوم ثلاثين عبدا، وأوصى أن يُصلي عليه عثمان بن عفان.