الجزء 1 · صفحة 1
إقامة الحجة على أن الإكثار من التعبد ليس ببدعة
للإمام عبد الحي اللكنوي الحنفي
توفي سنة (1304هـ)
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، حمداً طيباً مباركاً كحمد الشاكرين وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة تحشرنا مع الصالحين، وتدخلنا في دار السلام مع المجاهدين، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله المبعوث على كافة المكلفين، رحمة للعالمين، خاتم أنبياء الأرضين، وأصلي وأسلم عليه صلاة تامة زاكية دائمة إلى يوم الدين، وعلى آله وصحبه عظماء مجالس العابدين ورؤساء مآنس الزاهدين. وعلى من تبعهم من الأئمة المجتهدين، والفقهاء والمحدثين، والصلحاء والمتعبدين، رضي الله عنهم وعنا أجمعين.
وبعد: فيقول العبد الراجي عفو ربه القوي، أبو الحسنات محمد عبد الحي اللكنوي الأنصاري الحنفي، تجاوز الله عن ذنبه الجلي والخفي، ابن البحر الزخار، الغيث المدرار، محقق المعقول والمنقول، مدقق الفروع والأصول، مولانا الحافظ الحاج محمد عبد الحليم، أدخله الله في دار النعيم:
إني منذ نيطت عني التمائم، ورفعت على رأسي العمائم، كنتُ متوغلاً في مطالعة كتب أسماء الرجال، ومشتغلاً بمعاينة زبر مناقب أرباب الكمال، أرجو منه أن يحصل لي التخلق بأخلاقهم، والنشبه بصفاتهم، طالباً به مسلكا سويا وصلاحاً، حسبما قال القائل:
أحب الصالحين ولستُ منهم .... لعل الله يرزقني صلاحا؟
فاطلعت على مجاهدات السلف، الذين صَرَفوا كل لحظة من لحظاتهم في الاجتهاد بالعبادة، ورياضات الخلف، الذين ارتاضوا بكثرة العبادة طلباً للحسنى والزيادة. وكنت أظن أن هذا هو
الصراط المستقيم، به يَصلُ من يَصلُ إلى درجات النعيم.
فلما ترقى بي الحال، وتفضل على ربي ذو الجلال، بتحصيل كتب الحديث، وكشف أسرار الأخبار النبوية بالكشف الحثيث، اطلعت على أخبار تمنع عن التشدد في التعبد، وآثار تنهى عن
التمدد في التزهد.
الجزء 1 · صفحة 2
فاختلج في خاطري الفاتر، كيف التطابق بين هذه الأحاديث و بين مجاهدات هؤلاء الأكابر؟ إلى أن وسعت النظر في الأخبار، وأمعنتُ الفكر في الآثار، ونجست ما حققه الشراح المحققون، وتنبعتُ ما نقحه الفقهاء والمحدثون، فظهر لي أن الأخبار في ذلك مختلفة، بعضها يهدي إلى الاجتهاد، وبعضها يرشد إلى الاقتصاد، وكلها واردة في محلها، واقعة في موقعها، فأخبار الاجتهاد: محمولة على من قدر على ذلك، وأخبار الاقتصاد: محمولة على من عجز عن ذلك، وعلى هذا وجدت كلمات العلماء الأعلام والأئمة الكرام.
فبينا أنا على ذلك إذ سمعت قائلاً يقول: الاجتهاد في التعبد، كاحياء الليل كله، وقراءة القرآن في ركعة، وأداء ألف ركعة، ونحو ذلك مما نُقل عن الأمة: بدعة، وكل بدعة ضلالة.
فوقعت بسماع قوله في الخيرة، وقلت له: أثرى هؤلاء المجاهدين، ومنهم الصحابة والتابعون وجماعات المحدثين: من أهل البدعة؟! فعاد قائلاً: الأخبار في المنع عن ذلك موجودة، وفي كتب الصحاح مروية.
فقلتُ: هذا كلام من لم يتسع نظره، واقتصر على ظواهر الألفاظ فكره، أما قرَعَ سمعك أن البدعة ما لم يكن في القرون الثلاثة، ولا يُوجد له أصل من الأصول الأربعة؟ وهذا قد وجد في تلك الأزمنة المتبركة، ودلت على جوازه بل على استحبابه - لمن يقدر عليه - النصوص الشرعية.
فعاد قائلاً: قد صرح بكونه بدعة بعض علماء الزمان، وقوله مقبول عند أهل الإتقان. فقلت: إن كان كذلك فقد وقع له الاشتباه بأحاديث المنع، ولم يمر نظره على سائر أصول الشرع، فهو في ذلك معذور بل مأجور، وقد صرح الأكابر القدماء من المحدثين والفقهاء بجواز ذلك، فكيف لا يُعتبر قولهم فيما هنالك؟! فكب القائل رأسه متفكرا، وأكب على نفسه متحيراً.
الجزء 1 · صفحة 3
ثم قرعَ صِمَاخي أنَّ هذا القول قد شاع في العامي والخاصى، يُنادون بأعلى نداء، أن كثرة الرياضات المنقولة عن أصحاب المجاهدات: بدعة مستقبحة، ويطعنون بذلك على السلف والخلف الفائزين بالدرجات المطلقة فشددت عليهم النكير، وحققت ما هو الحق الوسط في مجالس التذكر.
وكنت أقصد أن أكتب في هذا المبحث رسالةً وافية، لم يسبقني أحد بمديلها، وعُجالة شافية لم يتقد مني أحد بمثيلها إلا أن اشتغالي بتأليف شرح شرح الوقاية، المسمى بـ «السعاية في کشف ما في شرح الوقاية» - الذي هو شرح مبسوط، وإنه كنز معن عما سواه، كاف مشتمل على تفصيل مذاهب العلماء في كل مسألة، مع ذكر أدلتها، مع مالها وما عليها من الأسئلة والأجوبة ـ كان يعوقني عن الإقدام على اهتمام هذا المرام إلى أن سألني جمع من الأصحاب التوجه إلى هذا المقصد الأعلى، وأصر مني طائفة من الأحباب التعرض لهذا المطلب الأقصى، فاختلست من أوقات تأليف «السعاية» لحظات عديدة، وشرعت في ترصيف هذه الرسالة الجديدة، ملتزماً فيها تأسيس المقصود بالبرهان وترصيص مقدماته بالنقول عن العلماء ذوي التبحر والشان، مدرجا في الأثناء اللطائف الشريفة، والشرائف اللطيفة، مسمياً الرسالة باسم ينبى عنوانه عن المعنون، أعني:
إقامة بحجة على ان الاكثار في التعبد ليس بدعة
ملقباً بلقب يُخبر من بدء التدوين عن المدون، أعني: «نُصرة العابدين، بدفع طعن الخامدين»، راجياً ممن يستفيد منها أن ينظر فيها بعين الإنصاف، ويذر ذكر الكيد والاعتساف، وأن لا يستعجل بردّه إن خالف رأيه، ما لم يزنه بالقسطاس المستقيم، لئلا يكون ممن قال فيه الشاعر الحكيم:
كضرائر الحسناء قلن لوجهها .... حسداً وبَغْياً: إِنه لَدَميم
حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه .... فالقوم أعداء له وخصوم
والله تعالى أسأل سؤال المتضرع أن ينفع بهذا المصنف كلاً
الجزء 1 · صفحة 4
من الخواص والعوام، وأن يجعله خالصاً لوجهه الكريم ذي الجلال والإكرام، وأن يُجنّب من الخطأ والزَّكل أقدامي، ومن السهو والخلل أقلامي.
وهذه الرسالة مرتبة على أصلين ومقصدين وخاتمة:
الأصل الأول في ذكر أن ما فعله الصحابة أو التابعون أو تبعهم وما فعل في زمانهم من غير نكير منهم: ليس ببدعة.
والأصل الثاني في ذكر طائفة من المجاهدين وجماعة من العابدين.
والمقصد الأول في إثبات أن الاجتهاد في العبادة حسب الطاقة ليس ببدعة.
والاقصر الثاني في ذكر التطابق بين أحاديث المنع وبين رياضات أئمة الشرع.
والخاتمة في حكم ختم القرآن في التراويح في ليلة واحدة حسبما تعارفوه وحسبوه موجباً للحسنى في الآخرة.
الأصل الأوّل
في أن ما فعله الصحابة أو التابعون أو تبعهم وما فعل في زمانهم من غير نكير منهم: ليس ببدعة حذرنا الشارع
منها قال المحقق سعد الدين التفتازاني في إلهيات «شرح المقاصد»: المحققون من الماتريدية والأشعرية لا يَنسُب أحدهما الآخر إلى البدعة والضلالة، خلافاً للمبطلين المتعصبين، حتى ربما جعلوا الاختلاف في الفروع أيضاً بدعة وضلالة، كالقول بحل متروك التسمية عمداً، وعدم نقض الوضوء بالخارج من غير السبيلين، وكجواز النكاح بدون الولي، والصلاة بدون الفاتحة، ولا يتعرفون أن البدعة المذمومة هو المحدث في الدين، من غير أن يكون في عهد الصحابة والتابعين، ولا دَلَّ عليه الدليل الشرعي. ومن الجهلة من يجعل كل أمر لم يكن في زمن الصحابة بدعة مذمومة وإن لم يقم دليل على قبحه، تمسكاً بقوله عليه السلام: إياكم ومحدثات الأمور». ولا يعلمون أن المراد بذلك هو أن يُجعَلَ في الدين ما ليس منه. انتهى.
وفي «مجالس الأبرار»: البدعة لها معنيان، أحدهما لغوي عام، وهو: المُحدث مطلقاً، سواء كان من العادات أو العبادات والثاني شرعي خاص، وهو: الزيادة في الدين أو النقصان منه بعد الصحابة، بغير إذن الشارع لا قولاً ولا فعلاً ولا صريحاً ولا إشارة.
الجزء 1 · صفحة 5
وعمومها في الحديث بحسب معناها الشرعي. انتهى ملخصاً
وفيه أيضاً: لا يغرنك اتفاقهم على ما أُحدث بعد الصحابة، بل ينبغي أن تكون حريصاً على التفتيش عن أحوالهم وأعمالهم، فان أعلم الناس وأقربهم إلى الله أشبههم بهم وأعرفهم بطريقهم، إذ منهم أخذ الدين، وهم أصول في نقل الشريعة عن صاحب الشرع. انتهى.
وفي «شرعة الإسلام: المراد من السنة التي يجب التمسك بها ما كان عليه القرن المشهود لهم بالخير والصلاح والرشاد، وهم الخلفاء الراشدون و من عاصر سيد الخلائق، ثم الذين بعدهم من التابعين، ثم من بعدهم. فما أحدث بعد ذلك من أمر على خلاف مناهجهم فهو من البدعة، وكل بدعة ضلالة، وقد كانت الصحابة يُنكرون أشد الإنكار على من أحدث أو ابتدع رسماً لم يتعهدوه في عهد النبوة، قل ذلك أو كثر، صغر ذلك أو كبر. انتهى.
وقال يعقوب بن سيد على الرومي في «مفاتيح الجنان شرح شرعة الإسلام»: المراد أنَّ كل بدعة في الدين كانت على خلاف مناهجهم وطريقتهم فهو ضلالة، وإلا فقد حققوا أن من البدعة ما هي حسنة مقبولة، كالاشتغال بالعلوم الشرعية وتدوينها ومنها ما هي سيئة مردودة، وهي ما أحدث بعدهم على خلاف مناهجهم بحيث لو اطلعوا عليه لأنكروه. انتهى.
وفي «الطريقة المحمدية» لمحمد أفندي البر كلي الرومي:
ان قبل: كيف التطبيق بين قوله عليه الصلاة والسلام: «كل بدعة ضلالة وبين قول الفقهاء: إنَّ البدعة قد تكون مباحة كاستعمال المنخل والمواظبة على أكل لب الحنطة والشبع منه، وقد تكون مستحبة كبناء المدارس والمنارة وتصنيف الكتب، بل قد تكون واجبة كنظم الدلائل لردّ سُبَهِ المَلاحدة ونحوهم؟
فلنا: للبدعة معنى لغوي عام وهو: المحدث مطلقاً عادة أو عبادة، لأنها اسم من الابتداع بمعنى الإحداث، كالرفعة من الارتفاع، والخلفة من الاختلاف، وهذه هي المقسم في عبارة الفقهاء، يعنون بها ما أحدث بعد الصدر الأول مطلقاً.
الجزء 1 · صفحة 6
ومعنى شرعي خاص هو: الزيادة في الدين أو النقصان منه الحادثان بعد الصحابة بغير إذن الشارع لا قولاً ولا فعلاً ولا صريحاً ولا إشارة، فلا يتناول العادات أصلاً، بل يقتصر على بعض الاعتقادات وبعض صور العبادات، فهذه هي مراده صلى الله عليه وعلى آله وسلم بدليل حديث: «فعليكم بسنتي وسُنَّةِ الخلفاء الراشدين»، وقوله عليه السلام: «أنتم أعْلَمُ بأمر دنياكم»، وقوله: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد». انتهى.
وفي حواشي الطريقة المحمدية» الخواجه زاده: قوله: بعد الصحابة ... أما الحادث في زمن الخلفاء الراشدين فليس ببدعة، لأنَّ سُنتهم كسنة الرسول، بدليل الأمر بالتمسك بسنتهم. انتهى.
وفي «الحديقة الندية شرح الطريقة المحمدية» لعبد الغني النابلسي عند قول المصنف بعد الصدر الأول: هم السَّلَف المتقدمون في زمان الرسول عليه السلام والصحابة، لقوله عليه السلام: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي» فما حدث في زمانهم فليس ببدعة، والبدعة ماحدث بعد زمانهم وزمان التابعين وتابعيهم. انتهى.
فهذه أقوال العلماء كلها ناصة على أنَّ ما حدث في زمان الصحابة بل والتابعين بل وتبعهم ـ من غير نكير ـ ليس بداخل في بدعة، والارتكاب به ليس بضلالة.
والتفصيل في هذا المقام: أن ما كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، سواء كان فعله بنفسه، أو فعله أصحابه وقررهم على ذلك: ليس ببدعة اتفاقاً، وما لم يكن في عهده بل حدث بعده فهو بدعة بالمعنى العام بمعنى المُحدَث مطلقاً بعد العهد النبوي. وهو لا يخلو: إما أن يكون من قبيل العادات، أو من قبيل العبادات.
فان كان الأول فهو ليس ببدعة ضلالة أصلاً، ما لم يدل دليل شرعي على قبحه.
وإن كان الثاني فهو لا يخلو:
اما أن يكون حدث في زمن الصحابة، بأن فعله الصحابة كلهم أو بعضهم أو فعل في زمانهم مع اطلاعهم عليه.
واما أن يكون حدث في زمان التابعين.
واما أن يكون حدث في زمن تابعي التابعين.
الجزء 1 · صفحة 7
واما أن يكون حادثاً بعد ذلك إلى يومنا هذا.
أما الحادث في زمان الصحابة فلا يخلو: اما أن يوجد منهم النكير على ذلك، أو لم يوجد مع اطلاعهم على ذلك.
فالأول: بدعة ضلالة، داخل في «كل بدعة ضلالة».
مثال: الخطبة قبل الصلاة في العيدين، فعله مروان بن الحكم، وأنكره عليه أبو سعيد الخدري، كما أخرجه البخاري وغيره عن أبي سعيد الخدري قال: كان رسول الله يخرج يوم الفطر ويوم الأضحى، فأول شيء يبدأ به الصلاة ثم ينصرف فيقوم مقابل الناس، والناس جلوس" على صفوفهم، فيعظهم ويوصيهم ويأمرهم، فلم يزل الناس على ذلك حتى خرجت مع مروان - وهو أمير المدينة - في عيد أضحى أو فطر، فلما أتينا المصلى إذا منبر بناه كثير بن الصَّلت، فإذا مروانُ يُريد أن يرتقيه قبل أن يصلي، فجبَذتُ بثوبه، فجيد ني فارتفع خطب قبل الصلاة، فقلت له: غير تُم والله! فقال: يا أبا سعيد قد ذهب ما تعلم، فقلت: ما أعلمُ والله خير مما لا أعلم، فقال: إن الناس لم يكونوا يجلسون لنا بعد الصلاة، فجعلتها قبل الصلاة.
وكذلك: رفع اليدين للدعاء في خطبة الجمعة، فعَلَهُ بِشر ابن مروان، وأنكره عليه عُمارة، كما أخرجه مسلم وأبو داود وغيرهما عن حصين بن عبد الرحمن قال: رأى عمارة بن رويبة بِشر بن مروان وهو يدعو في يوم جمعة، فقال: قبح الله هاتين اليدين! لقد رأيتُ رسول الله وهو على المنبر ما يزيد على هذه، يعني السبابة التي تلي الإبهام.
والثاني، وهو أن لا يوجد منهم النكير بل الرضى والتوافق وليس ببدعة شرعية. وإن أطلق أنه بدعة بالمعنى العام قيد ذلك بأنه بدعة حسنة.
الجزء 1 · صفحة 8
فمن ذلك: الأذان الأول يوم الجمعة، كما أخرجه البخاري وابن ماجه والترمذي وغيرهم عن السائب بن يزيد قال: كان النداء يوم الجمعة أوله إذا جلس الإمام على المنبر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر، فلما كان عثمان وكثر الناس زاد النداء الثالث على الزوراء. قال النووي: إنما جعل ثالثا لأن الإقامة أيضاً تسمى أذاناً.
ومن ذلك: تعدد صلاة العيد في مصر واحد، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية في «منهاج السنة»: أحدث علي بن أبي طالب في خلافته العيد الثاني بالجامع، فان السنة المعروفة على عهد رسول الله وأبي بكر وعمر وعثمان أنه لا يصلى في المصر إلا جمعة واحدة، ولا يُصلى يوم النحر والفطر إلا عيد واحد، فلما كان عهده قيل له: إنَّ بالبلد ضعفاء لا يستطيعون الخروج إلى المصلى فاستخلف عليهم رجلاً يصلي بالناس بالمسجد. انتهى
ومن ذلك: الإقامة للجماعة الثانية والأذان لها بعد ما صلوا في المسجد بجماعة، فانهم إذا صلوا في المسجد بأذان وإقامة، ثم جاء ناس وأرادوا أن يصلوا بالجماعة، هل يجوز لهم الأذان والإقامة؟ اختلفوا فيه على ثلاثة أقوال، أحدها: أنهم يؤذنون ويقيمون، وثانيها: أنهم لا يؤذنون لكن يقيمون، وثالثها: أنهم لا يؤذنون ولا يقيمون، كما هو مبسوط في شروح «الكنز» وحواشي «الدر المختار».
وظَنَّ بعض أنَّ الأذان والإقامة للجماعة الثانية بدعة، وهو ظن فاسد، لما ذكره البخاري في باب فضل الجماعة، تعليقاً: جاء أنس إلى مسجد قد صلي فيه، فأذن وأقام وصلى جماعة. وذكر القسطلاني في شرحه أن هذا الأثر وصله أبو يعلى وقال:»» وقت صلاة الصبح، وفي رواية البيهقي أنه مسجد بني رفاعة، وقال البيهقي في رواية: جاء أنس في عشرين من فتيانه.
فهذا الأثر يدلك على أن تكرار الأذان والإقامة للجماعة الثانية: ليس ببدعة، وتفصيل هذا المبحث مفوض إلى شرحي الشرح الوقاية المسمى بـ «السعاية في كشف ما في شرح الوقاية» فليراجع.
الجزء 1 · صفحة 9
ومن ذلك: تذكير الناس المسمى بالوعظ في عُرفنا، كما قال تقي الدين أحمد بن علي المقريزي المصري المؤرخ في كتاب المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار»: ذكر عمر بن شبة: قيل للحسن: متى أحدث القصص؟ قال: في خلافة عثمان، قيل: من أول من قص؟ قال: تميم الداري. وذكر عن ابن شهاب قال: أول من قص في. مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم تميم الداري، استأذن عُمر أن يُذكر الناس فأبى عليه، حتى كان آخر ولايته فأذن له أن يُذكر في يوم الجمعة قبل أن يخرج عمر، فاستأذن تميم عثمان فأذن له أن يُذكر يومين في الجمعة، فكان تميم يفعل ذلك. انتهى.
ومن ذلك: الاجتماع في ليالي رمضان لعشرين ركعة من التراويح، حدث ذلك في زمان عمر، وقال هو في حقه: نعمت البدعة هي، سماها بدعة باعتبار المعنى العام، ووصفها بالحسن إشعاراً بأنه ليس كل محدث عام ضلالة، ولم يرد المعنى الشرعي حتى يرد أنَّ كل بدعة ضلالة فكيف توصف بالحسن؟ .. كما حققته في رسالتي «تحفة الأخيار في إحياء سنة سيد الأبرار ".
ومن ذلك: التكبير لقنوت الوتر ورفع اليدين عـ عنده فانه ذكر بعض الحنفية أنها واجبان، وهو المشهور بين الأنام، لكن صرح المحققون منهم عدم وجوبه: ففي «البحر الرائق: جزم الشارح بوجوب سجود السهو بترك تكبير القنوت، وينبغي ترجيح عدم الوجوب، لأنه الأصل، ولا دليل عليه، بخلاف تكبيرات العيدين فان دليل الوجوب المواظبة مع قوله تعالى: واذكروا الله في أيام معدودات. انتهى.
وفي «فتاوى قاضيخان: رفع اليدين عند تكبير القنوت ليس بواجب، کرفع اليدين عند تكبير الافتتاح، فلا يجب السهو بتركه. انتهى.
وبالغ بعض العلماء فظنوا كونها من البدعات، لعدم ثبوت ذلك من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهو ظن فاسد، فانه وإن لم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لكن ثبت عن بعض الصحابة، فلا يكون بدعة بل سنة أو مستحباً.
الجزء 1 · صفحة 10
وقد سئلت عن هذا في سنة ثمان وثمانين بعد الألف والمائتين بما تعريبه هذا: ما قول العلماء في أن زيداً يقول: إن رفع اليدين في الركعة الثالثة من الوتر بعد القراءة قبل القنوت والتكبير هناك كما هو المروج - بدعة سيئة، لعدم ثبوت ذلك في هذا الموضع في الحديث. فهل قوله صحيح أم لا؟ وهل التكبير والرفع سُنتان أم مستحبان؟ بينوا تُؤجروا.
فأجبت بما تعريبه هذا التكبير والرفع عند القنوت لم يثبت شيء منه من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
وذكر صاحب الهداية في دليل رفع اليدين قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لا تُرفع الأيدي إلا في سَبْع مواطن: تكبيرة الإفتتاح، وتكبيرة القنوت، وتكبير العيدين، والأربع في الحج». لكن قال العيني في «البناية شرح الهداية» بعد ماذكر تخريجه من طرق: فانظر في رواياتهم هل تجد فيها ذكر رفع اليدين عند القنوت، وإنما يوجد هذا عند أصحابنا في كتبهم، منهم المصنف. انتهى كلامه في باب صفة الصلاة. وقال أيضاً في باب الوتر: قد ذكرنا في باب صفة الصلاة أنه ليس في الحديث ذكر
القنوت فيما رواه البخاري والبزار والطبراني. انتهى
وقال الفاضل معين في كتاب «دراسات اللبيب في الأسوة الحسنة بالحبيب: ومنها أي المسائل التي لم يُوجد لها أصل: قولهم بوجوب التكبير قبل قنوت الوتر، فاني لم أجد له حديثاً مرفوعاً، فضلاً عن أن أجد ما يدل على استمرار فعليه عن النبي صلى الله عليه وسلم و مواظبته عليه بل ووعيده على تاركيه، حتى يصح منهم القول بوجوبه. ومع هذا أعمل به وأواظب عليه من غير ترك، لحسن الظن بالحنفية، ولكن لا أعتقد وجوبه. ومنها أيضاً: قول أبي حنيفة بوجوب رفع اليدين عند تكبير القنوت، ولم يثبت في ذلك عندي إلى الآن أثر صحيح عن تابعي جليل فضلاً عن صحابي. انتهى.
الجزء 1 · صفحة 11
وفيه أيضاً قد ثبت برواية الحافظ أبي بكر بن أبي شيبة في «مصنفه» عن عبد الله بن مسعود أنه كان يرفع اليدين في قنوت الوتر. وثبت بروايته عنه أيضاً أنه كان لا يزيد عند الفراغ من القراءة في الركعة الأخيرة من الوتر على التكبير شيئاً، وهو ما أخرجه بسنده عن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه أنَّ عبد الله بن مسعود كان إذا فرغ من القراءة - يعني في الركعة الأخيرة من الوتر - كبر ثم قنت، فاذا فرغ من القنوت كبر ثم ركع. وخالفته الحنفية في الموضعين، فيدعوا رفع اليدين في القنوت، وزادوا على التكبير رفع اليدين. انتهى
وفي كتاب «الآثار» للامام محمد: أخبرنا أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم النخعي أن القنوت في الوتر واجب في شهر رمضان وغيره قبل الركوع، وإذا أردت أن تقنت فكبر انتهى
وفي «غاية البيان شرح الهداية» للاتقاني: روى الطحاوي في «شرحه للآثار» مسنداً إلى النخعي أنه قال: تُرفع الأيدي في سبعة مواطن: في افتتاح الصلاة، وفي التكبير للقنوت في الوتر، وفي العيدين، وعند استلام الحجر الأسود، وعلى الصفا والمروة، وبجمع وعرفات، وعند المقامين: عند، وعند المقامين: عند الجمرتين. ذكره في باب رفع اليدين عند رؤية البيت. انتهى
وفي البناية شرح الهداية»: عن المزني أنه قال: زاد أبو حنيفة تكبيرةً في القنوت، لم تثبت في السنة، ولا دل عليها قياس، وقال أبو نصر الأقطع في «شرح مختصر القدوري»: هذا خطأ منه، فان ذلك روي عن علي وابن عمر والبراء بن عازب، والقياس يدل عليه أيضاً، وقال ابن قدامة في «المغني»: روي عن عمر أنه كان إذا فرغ من القراءة في الوتر كبير. انتهى.
وقال إبراهيم الحلبي في «غُنْيَة المتملّي شرح مُنْيَة المصلي: رَفْعُ تكبير القنوت مروي عن عمر وعلي وابن مسعود وابن عباس وابن عمر والبراء بن عازب، وكذا رفع تكبيرات العيدين مروي عن عمر، ذكره الأثرم والبيهقي في سننه الكبير». انتهى.
الجزء 1 · صفحة 12
والحاصل: أن رفع اليدين والتكبير عند القنوت - وإن لم ينبت من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم - لكن لما ثبت ذلك عن بعض الصحابة وبعض التابعين حسبما صرح به العيني وابن قدامة والحلي والإتقاني وغيرهم، كيف يكون بدعة سيئة؟ ثبوت وجوب التكبير والرفع على ما صرح به بعض الحنفية: مشكل، لعدم دليل يدل على الوجوب، غاية ما في الباب أنه لو فعل ذلك بنية اقتداء الصحابة والتابعين يُتاب. وإن لم يفعل لا يعاقب ولا يعاتب، والله أعلم بالصواب وعنده حسن الثواب.
واعلم أن بعض الصحابة رضي الله عنهم قد حكموا على بعض الأفعال الحادثة في زمانهم بكونه بدعة.
فان كان مع إطلاقهم ذلك شيء من أمارات الإنكار قولاً أو فعلاً: دل ذلك على كونه قبيحاً عندهم.
وان لم يكن معه ذلك بل كان معه ما يدل على تحسينهم ذلك: دل على أنهم أرادوا بالبدعة المعنى العام: «المحدث»، لا البدعة التي ضلالة.
مثال الأول: ما أخرجه أبو داود عن مجاهد قال: كنت ابن عُمر فثوب رجل في الظهر أو العصر، فقال ابن عمر: اخرج بنا فان هذه بدعة. وفي «البناية شرح الهداية» للبدر العيني: في «المبسوط» روي أن عليا رأى مؤذناً يُثوب للعشاء فقال: أخرجوا هذا المبتدع من المسجد. انتهى.
فان قلت: كيف استحسن الفقهاء التثويب في الصلوات كلتها مع ورود هذين الأثرين؟
قلت: اختلفوا في ذلك على أقوال ثلاثة:
الأول: أنه يُكره في جميع الصلوات إلا صلاة الفجر، فانه وقت نوم وغفلة، فيُستحسن المؤذن أن يُتوب، ويُستنبط أصله مما رواه أبو داود عن أبي بكرة قال: خرجت مع «رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح فكان لا يمر برجل إلا ناداه بالصلاة أو حر كه برجله». قال على القاري في «مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح: يؤخذ منه مشروعية التثويب في الجملة على ما ظهر لي. انتهى
الجزء 1 · صفحة 13
والثاني: قول أبي يوسف أنه يجوز للأمراء وكل من كان مشغولاً بأمور المسلمين، وأصله: ما رُوي بطرق متعددة أنَّ بلالاً كان يجيء باب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بين الأذانين،
ويُؤذنه بالصلاة.
والثالث: قول المتأخرين أنه يُستحسن لكل الناس في كل الصلوات إلا المغرب، ووجهوه بأنه قد ظهر التواني في أمور الصلوات في هذه الأعصار، فالإعلام بعد الإعلام أولى بهم، والصَّدْرُ الأول لم يكن فيه هذا التواني فلم يُحتج فيه إليه، وهذا هو العذر عن مخالفة الأثرين المذكورين بعد تسليم اطلاعهم عليها، والكلام بعد موضع نظر، وقد حققت المقام مع ماله وما عليه في رسالتي التحقيق العجيب في التنويب» فلتطالع.
وكذلك: ما أخرجه الترمذي وحسنه والنسائي وابن ماجه والبيهقي وغيرهم من حديث أبي نعامة الحنفي، واسمه: قيس بن عباية، عن ابن عبد الله بن مغفل قال: سمعني أبي وأنا في الصلاة أقولُ: بسم الله الرحمن الرحيم. فقال لي: أي بُني! محدث، إياك والحدث، قال: ولم أر أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أبغض إليه الحدث في الإسلام يعني: منه، قال: وقد صليت مع رسول الله ومع أبي بكر وعمر وعثمان فلم أسمع أحداً منهم يقولها فلا تقلها أنت، إذا صليت فقل: «الحمد لله رب العالمين».
دل هذا الحديث على أن الجهر بالبسملة في الصلاة مُحدَث، استقبحه عبد الله بن مغفل، والمسألة خلافية بين الأئمة، والأحاديث فيها متعارضة، والقول الحق هو ثبوت الجهر من النبي صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وعلى آله وسلم أحياناً، وكون السر" أقوى من الجهر، كما حققته في رسالتي «إحكام القنطرة في أحكام البسملة».
الجزء 1 · صفحة 14
ومثال الثاني: ما ورد عن عُمر في صلاة التراويح من توصيفها بالبدعة الحسنة، وأخرج سعيد بن منصور في «سننه» عن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه: إِنَّ الله كتب عليكم صيام رمضان، ولم يكتب عليكم قيامه، وإنما القيام شيء ابتدعتموه، فدوموا عليه ولا تتركوه، فان ناساً من بني إسرائيل ابتدعوا بدعة ابتغاء رضاء الله فعاتبهم الله بتركها، ثم تلا: ورَهْبَانِيَّةٌ ابْتَدَعوها * ... الآية. دل أمره بالدوام مع وصفه بالابتداع على كونه أمراً حسناً.
وكذلك: ما أخرجه ابن أبي شيبة باسناد صحيح عن الحكم ابن الأعرج قال: سألت ابن عمر عن صلاة الضحى فقال: بدعة ونعمت البدعة هي. وروى عبد الرزاق باسناد صحيح عن سالم عن أبيه قال: لقد قتل عثمان وما أحد يُسبّحها، وما أحدث الناس شيئاً أحب إليَّ منها.
قال القسطلاني في «المواهب اللدنية»: أراد أنه صلى الله عليه وسلم لم يداوم عليها، أو أن إظهارها في المساجد ونحوها بدعة، وبالجملة فليس في أحاديث ابن عمر ما يدفع مشروعية صلاة الضحى لأنَّ نفيه محمول على رؤيته لا على عدم الوقوف في نفس الأمر، أو الذي نفاه: صفة مخصوصة. انتهى.
والدليل: على أن ما أحدثه الصحابة ليس بضلالة: ورود من الأحاديث الدالة على الاقتداء بسيرة الصحابة:
الجزء 1 · صفحة 15
كحديث: «أصحابي كالنجوم، بأيهم اقتديتم اهتديتم». أخرجه الدارقطني في «المؤتلف» وفي كتاب «غرائب مالك»، والقضاعي في «مُسنَدِ الشهاب»، وعبد بن حميد، والبيهقي في «المدخل»، وابن عدي في «الكامل»، والدارمي وابن عبد البر وابن عساكر والحاكم وغيرهم بألفاظ مختلفة المبنى متقاربة المعنى بطرق متعددة كلها ضعيفة، كما بسطه الحافظ ابن حجر في الكافي الشاف في تخريج أحاديث الكشاف» لكن بسبب كثرة الطرق وصل إلى درجة الحسن، ولذلك حسنه الصَّغاني كما ذكره السيد الجرجاني في حاشية «المشكاة» حيث قال تحت حديث «فَضلُ العالم على العابد ... الحديث»: قد شبهوا بالنجوم في قوله عليه السلام: «أصحابي كالنجوم ... الحديث» حسنه الإمام الصغاني. انتهى.
وقال قاسم الحنفي في «شرح مختصر المنار»: وتقليد الصحابي ـ وهو اتباعه في قوله وفعله من غير تأمثل في الدليل. واجب يترك به القياس لقوله صلى الله عليه وسلم: «مثل أصحابي في أُمتي مثل النجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم». رواه الدارقطني وابن عبد البر من حديث ابن عمر، وقد روي معناه من حديث أنس، وفي أسانيدها مقال، لكن يشد بعضها بعضاً. انتهى
وكحديث: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين ..... أخرجه أبو داود والترمذي وغيرهما.
وكحديث: «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر».
أخرجه الترمذي وأحمد وغيرهما وكأثر ابن مسعود: إن الله نظر في قلوب العباد فاختار محمداً، فبعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد فاختار له أصحاباً، فجعلهم أنصار دينه ووزراء نبيه، فما رآه المسلمون حَسَنَاً فهو عند الله حَسَن، وما رآه المسلمون قبيحاً فهو عند الله قبيح. أخرجه البزار والطبراني وأحمد في «مسنده» وغيرهم.
وقد ذكرتُ هذه الأحاديث مع ما لها وما عليها مع أحاديث أُخَرَ موافقة لها في «تحفة الأخيار» فلا نُعيدها.
الجزء 1 · صفحة 16
فان قلت: إذا حدث من الصحابة أمر لم يكن في عهد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فهل يكون الأخذ بما حدث أحسن أم الأخذ بما كان في العهد النبوي؟
قلت: ما فعله الصحابي لا يخلو:
إما أن يظهر نص" من النصوص النبوية أو القرآنية موافقاً له يدل على استحسان ذلك أو يظهر نص مخالفاً.
أو لا يظهر هذا ولا ذاك.
فان كان الأول: فلا ريب في كون الأخذ به أولى، لأنه وإن لم يكن في العهد النبوي، لكنه ظهر اندراجه في أصول الشرع.
وإن كان الثاني: يُجمع بينهما حتى الوسع، بحيث لا يُخرج ما فعله الصحابي عن حيز الشرع، فان لم يمكن ذلك لا يكون الأخذ بقول الصحابي أو فعله أولى، لورود النص المخالف له، ويُعذر الصحابي بعدم علمه بذلك النص، وإلا لم يقل بما خالفه.
وإن كان الثالث، بأن وجدنا قولاً أو فعلاً من صحابي ولم نجد في الكتاب والسنة ما يخالفه ولا ما يوافقه: فحينئذ يكون تقليده في ذلك أولى، لما مر من الأحاديث المتعددة، فلا تتوقف في العمل به إلى أن يظهر لنا دليل يوافقه. فافهم هذا فانه أصل شريف يتفرع منه كثير من الفروع.
فان قلت: إذا اتفق أصحاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على أمر مُحدَث فأولوية الأخذ به ظاهر، وأما إذا اختلفوا فيه فماذا يفعل؟
قلتُ: يَتخيَّرُ فيه الآخِذُ بأيهم اقتَدَى اهْتَدَى، كما نص عليه الأصوليون في كتبهم.
وأما الحادث في زمان التابعين وتسميهم فالتفصيل فيه: هو التفصيل المذكور سابقاً، فان كان المحدث في أزمنتهم قد وقع النكير منهم عليه كان بدعة. وإلا فليس ببدعة.
الجزء 1 · صفحة 17
وأما الحادث بعد الأزمنة الثلاثة: فيُعرض على أدلة الشرع، فان وجد نظيره في العهود الثلاثة أو دخل في قاعدة من قواعد الشرع: لم يكن بدعة، لأنها عبارة عما لا يوجد في القرون الثلاثة وليس له أصل من أصول الشرع، وإن أطلقت عليه: البدعة قيَّدتهُ بـ الحسنة. وإن لم يُوجد له أصل من أصول الشرع صار بدعة ضلالة وإن ارتكبه من يُعد من أرباب الفضيلة أو من يشتهر بالمشيخة، فان أفعال العلماء والعباد ليست بحجة ما تكن مطابقة للشرع.
ولعلك تتفطن من هاهنا أنَّ اختلاف العلماء في أن حديث «كل بدعة ضلالة» عام مخصوص البعض أو عام غير مخصوص: اختلاف لفظي، فان من أخذ البدعة بمعنى عام ـ وهو: ما لم يوجد في العهد النبوي فحسب ـ قسمه إلى أقسام: بدعة واجبة، وبدعة مستحبة، وبدعة مباحة، وبدعة مكروهة، وبدعة محرمة، فلزمه تخصيص عموم الحديث وإخراج الأقسام الثلاثة الأول منها. ومن أخذه بالمعنى الشرعي - وهو: ما لم يعهد في القرون الثلاثة، وليس له أصل من أصول الشرع - أجرى الحديث على العموم، و من ثم قال البر كلي في «الطريقة المحمدية: لو تتبعت كل ما قيل فيه: بدعةٌ حَسَنة من جنس العبادات وجدته مأذونا فيه من الشارع إشارة أو دلالة. انتهى
وما أشنع صنيع علماء زماننا حيث افترقوا فرقتين:
ففرق حصَرَ السُنة على ما وجد في العهود الثلاثة، وجعل ما حدث بعدها بدعة ضلالة، ولم ينظر إلى دخوله في أصول الشرع، بل منهم من حصرها على ما وجد في الزمان النبوي، وجوز كون محدث الصحابة بدعة ضلالة.
وفرق اعتمد على ما نُقل عن آبائهم وأجدادهم وما ارتكبه مشايخهم، وأدخل كثيراً من البدع الحسنة اعتماداً عليهم وإن لم يكن له أصل من أصول الشرع.
الجزء 1 · صفحة 18
ولما ردت الفرقة الأولى بحديث «كل بدعة ضلالة» فرت الثانية إلى تخصيص الحديث. وإلى الله المشتكى من هذه المنازعات والمخاصمات، يظنون أنها تفيد! كلا والله هي تضر، ولولا خوف إطالة الكلام لنصصت على خطأ الفريقين فيما جعلوه من البدع الحسنة وهي ليست بحسنة، وما جعلوه من البدع السيئة وهي ليست بسيئة، متجنباً عن الإفراط والتفريط، سالكا مسلك بين بين.
الأصل الثاني
في ذكر جماعة من الذين اجتهدوا في العبادة، وصرفوا تمام أعمارهم في الجهاد في الطاعة، على سبيل الاختصار، إذ الإحاطة بأحوال جميع المجاهدين مما يقصر عنه البشر، إنما هو شأن خالق القوى والقدر
ذكر الصحابة المجاهدين في العبادة رضي الله تعالى فهم أجمعين:
1 - مهم: صاحب الحياء والعرفان، سيدنا عثمان بن عفان، رضي الله عنه ربه الرحمن. قال الحافظ أبو نُعيم الأصبهاني في حلية الأولياء: حدثنا أحمد بن جعفر بن حمدان، حدثنا عبدالله ابن أحمد بن حنبل، حدثني أبي، حدثنا حماد بن خالد، حدثنا الزبير بن عبد الله، عن جدة له يقال لها: رهيمة، قالت: كان عثمان يصوم الدهر، ويقوم الليل إلا هجمة من أوله.
حدثنا إبراهيم بن عبد الله، حدثنا محمد بن إسحاق، حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا أبو علقمة عبد الله بن محمد، عن عثمان بن عبد الرحمن التيمي قال: قال لي أبي: لأغلب الليلة على المقام، قال: فلما صليت العتمة تخلصت إلى المقام حتى قمت فيه، فبينا أنا قائم إذا رجل وضع يده بين كتفي، فاذا هو عثمان بن عفان، فبدأ بأم القرآن، فقرأ حتى ختم القرآن فركع وسجد، ثم أخد نعليه فلا أدري أصلى قبل ذلك شيئاً أم لا.
حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا أبو يزيد القراطيسي، حدثنا أسَدُ بن موسى، حدثنا سلام بن مسكين، عن محمد بن سيرين قال: قالت امرأة عثمان حين أطافوا به يُريدون قتله: إن تقتلوه أو تتركوه فانه كان يُحي الليل كله في ركعةٍ يجمع فيها القرآن.
2 - وفهم: الناطق بالحق والصواب، سيدنا عمر بن الخطاب.
الجزء 1 · صفحة 19
قال ابن كثير في تاريخه المسمى بـ «البداية والنهاية» في ترجمته: كان يُصلي بالناس العشاء ثم يدخل بيته فلا يزال يُصلي إلى الفجر، وما مات حتى سرد الصوم. انتهى.
3 - ومهم: عبد الله بن عمر قال أبو نعيم في «حلية الأولياء»: حدثنا سلمان، حدثنا أبو يزيد القراطيسي، حدثنا أسد ابن موسى، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا ابن جابر، حدثني سليمان بن موسى، عن نافع، أن ابن عمر كان يُحي الليل صلاة ثم يقول: يا نافع يا أَسْحَرنا؟ فيقول: لا، فيعاود الصلاة، ثم يقول: يا نافع أسحرنا؟ فيقول: نعم، فيقعد ويستغفر الله ويدعو إلى الصبح.
حدثنا محمد بن أحمد بن الحسن، حدثنا بشر بن موسى، حدثنا خلاد بن يحي، حدثنا عبد العزيز بن أبي رواد، حدثنا ابن محمد، حدثنا أبو يعلى، حدثنا محمد بن الحسين الجرجاني، حدثنا زيد، حدثنا عبد العزيز، عن نافع، أن ابن عمر كان إذا فاتته صلاة العشاء في جماعة أحي بقية ليلته.
4 - ومنهم: تميم بن أوس بن خارجة الداري صاحب خبر الدجال والجساسة، حدثه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عنه، كما في «سنن أبي داود» وغيره. قال أبو سعد السَّمعاني في كتاب «الأنساب»: كان تميم يختم القرآن في ركعة، وربما ردد الآية الواحدة الليل كله حتى الصباح، وكان من عُبَّادِ الصحابة وزهاده، ممن جانب أسباب العز، ولزم التخلي بالعبادة إلى أن مات. انتهى. وقال ابن حجر المكي الهيتمي في «فتح المبين بشرح الأربعين»: كان تميم يختم القرآن في ركعة. انتهى.
5 - ومهم: شداد بن أوس، قال أبو نعيم: حدثنا: إبراهيم بن عبد الله، حدثنا محمد بن إسحاق، حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا الفرج بن فضالة، عن أسد بن وداعة، عن شداد الأنصاري
كان إذا دخل الفراش يتقلب على الفراش لا يأتيه النوم، فيقول اللهم إن النار أذهبت عني النوم، فيقوم فيصلي حتى يصبح.
6 - ومنهم: علي بن أبي طالب، فانه كان يختم في اليوم ثمان ختمات، كما ذكره بعض شراح البخاري.
ذكر التابعين المجاهدين:
الجزء 1 · صفحة 20
7 - عُمير بن هانىء، أخرج الترمذي في «أبواب الدعاء» عن مسلمة بن عَمْرو قال: كان عمير بن هانى، يُصلي كل يوم ألف ركعة، ويُسبّح مائة ألف تسبيحة.
? - أُويْس القرني الذي أمر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه بالاستغفار منه، قال أبو نُعيم: حدثنا أبو بكر محمد بن أحمد، حدثنا الحسن ابن محمد، حدثنا عبيد الله بن عبد الكريم، حدثنا سعيد بن أسد بن موسى، حدثنا ضمرة بن ربيعة، عن أصبغ بن زيد قال: كان أويس القرني إذا أمسى يقول: هذه ليلة الركوع، فيركع حتى يصبح، وكان إذا أمسى يقول: هذه ليلة السجود فيسجد حتى يصبح
? - عامر بن عبد الله بن قيس، قال أبو نعيم: حدثنا محمد ابن أحمد بن محمد العبدي، حدثنا أبي، حدثنا أبو بكر بن عبيد، حدثنا محمد بن يحيى الأزدي، حدثنا جعفر بن أبي جعفر الرازي، عن أبي جعفر السائح، أخبرنا ابن وهب وغيره - يزيدُ بعضُهم على بعض - أن عامر بن عبد الله كان من أفضل العابدين، وفرض على نفسه في كل يوم ألف ركعة.
10 - مسروق بن عبد الرحمن، أبو عائشة الهمداني الكوفي، قال أبو نُعيم: حدثنا محمد بن علي، حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا الجعد، حدثنا شعبة، عن أبي إسحاق، قال: حج مسروق فما بات إلا ساجداً. وقال شيخ الإسلام أبو عبد الله الذهبي في «العبر بأخبار من غبر»: كان مسروق يصلي حتى تورم قدماه، وحج فما نام إلا ساجداً. انتهى. و مثله في «مرآة الجنان» لليافعي
وفي «تاريخ ابن كثير): قال أحمد: حج مسروق فلم ينم إلا ساجداً على وجهه حتى رجع، وكان يصلي حتى تورم قدماه، وقالت امرأة مسروق: ما كان يوجد إلا وساقاه قد انتفختا من طول الصلاة.
الجزء 1 · صفحة 21
11 - الأسود بن يزيد النخعي الكوفي، قال الذهبي واليافعي ورد أنه كان يصلي في اليوم والليلة سبعمائة ركمة. انتهى. وفي «حلية الأولياء»: حدثنا أبو بكر بن مالك، حدثنا عبدالله بن أحمد بن حنبل، حدثنا عبد الله بن مندل، حدثنا فضيل بن عياض، عن منصور، مَنْدَل عن إبراهيم قال: كان الأسود يختم القرآن في رمضان في كل: ليلتين، وكان ينام بين المغرب والعشاء، وكان يختم في غير رمضان في كل ست ليال.
12 - سعيد بن المسيب أبو محمد المخزومي، قال أبو نعيم حدثنا أبو محمد، حدثنا أحمد بن روح، حدثنا أحمد بن حامد، حدثنا عبد المنعم بن إدريس، عن أبيه قال: صلى سعيد بن المسيب الغداة بوضوء العتمة خمسين سنة
13 - عروة بن الزبير بن العوام، أبو عبد الله الأسدي المدني، قال الذهبي: كان يقرأ كل يوم ربع الختمة في المصحف، ويقوم الليل به، فما تركه إلا ليلة قطعت رجله
14 - صلة بن أشيم، قال أبو نعيم: حدثنا أبو محمد بن حيان، حدثت عن عبد الله، أخبرني نجدة بن المبارك، حدثني مالك بن مغول، قال: كان بالبصرة ثلاثة متعبدون: صلة بن أشيم، وكلثوم بن الأسود، ورجل آخر، فكان صلة إذا جاء الليل خرج إلى أجمة " متعبد الله تعالى، ففطن له رجل فقام في الأجمة فنظر إلى عبادته، فأتى سبع، فأتاه صلة وقال: قُمْ فَابْتَعَ الرِّزْق، فذهب، ثم قام لعبادته، فلما كان وقت السحر قال: اللهم إِنَّ صِلَةَ ليس بأهل أن يسألك الجنة ولكن ستراً من النار.
الجزء 1 · صفحة 22
15 - ثابت بن أسلم البناني، قال السَّمْعاني: هو من تابعي البصرة، يروي عن ابن عمر وابن الزبير، صحب أنساً أربعين سنة، وكان أعبد أهل البصرة، مات سنة سبع وعشرين ومائة. انتهى. وفي حلية الأولياء»: حدثنا عثمان بن محمد العثماني، حدثنا إسماعيل بن علي الكرايدي، حدثني محمد بن سنان، حدثنا سنان عن أبيه، قال: أنا والله أدخلت ثابتاً تحده ومعى حميد الطويل أو رجل غيره شك محمد - فلما سوينا عليه التراب سقطت لبنة فاذا هو قائم يصلي في قبره، فقلت للذي معي: ألا ترى؟ قال: اسكت، فلما سوينا عليه التراب أتينا ابنته فقلنا لها: ما كان عمل أبيك؟ فقالت: وما رأيتُم؟ فأخبرناها، فقالت: كان يقوم الليل خمسين سنة، فاذا كان السحر قال: اللهم إن كنت أعطيت أحداً من خلقك الصلاة في قبره فأعطنيها. فما كان اللهُ لِيَرُدُّ ذلك الدعاء. حدثنا أبو بكر ابن مالك، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، حدثنا أبي، حدثنا روح، حدثنا شعبة قال: كان ثابت يقرأ القرآن في يوم وليلة، ويصوم الدهر.
16 - علي بن الحسين بن على أبي طالب، الإمام زين العابدين الهاشمي، قال الذهبي في «العبر»: كان يُصلي في اليوم والليلة ألف ركعة إلى أن مات، قاله مالك، قال: وكان يُسمى زين العابدين لعبادته. انتهى.
17 - قتادة بن دعامة، أبو الخطاب، قال أبو نعيم، حدثنا محمد بن أحمد، حدثنا محمد بن أيوب، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا سلام بن أبي مطيع أن قتادة كان يختم القرآن في كل سبع ليال مرة، فاذا جاء رمضان ختم في كل ثلاث ليال مرة، فاذا جاء العشر ختم في كل ليلة مرة.
الجزء 1 · صفحة 23
18 - سعيد بن جبير، قال اليافعي في مرآة الجنان: رُوي أنه قرأ القرآن في ركعة في البيت الحرام. وقال وقاه أبي إياس: قال لي سعيد بن جبير في رمضان: أمسك على المصحف، فما قام من مجلسه حتى ختم القرآن. انتهى. وفي «أعلام الأخيار في طبقات فقهاء مذهب النعمان المختار» لمحمود بن سليمان الكفوي: قال إسماعيل بن عبد الملك: كان سعيد بن جبير يؤمنا في رمضان، فيقرأ ليلة بقراءة ابن مسعود، وليلة بقراءة زيد بن ثابت. وعن هلال بن يسار قال: دخل سعيد بن جبير الكعبة، فقرأ القرآن في ركمة. وقيل إنه كان يختم في كل ليلتين، هكذا ذكره الذهبي في «طبقات القراء». انتهى.
19 - محمد بن واسع، أبو عبد الله، قال أبو نعيم: حدنا عبد الله بن محمد، حدثنا أحمد بن نصر، حدثنا أحمد بن كثير، حدثنا شبابة، أخبرني أبو الطيب موسى بن يسار، قال: صحبت محمد بن واسع من مكة إلى البصرة، فكان يُصلّي الليل أجمع، يصلي في المحمل جالساً يومى برأسه إيماء، وربما عرس بالليل فينزل فيصلي، فاذا أصبح أيقظ أصحابه رجلاً رجلاً، يجيء عليه فيقول: الصلاة الصلاة
20 - مالك بن دينار، قال أبو نعيم: حدثنا أبو حامد، حدثنا محمد بن إسحاق، حدثنا هارون بن عبد الله، حدثنا سيار، حدثنا جعفر، قال: سمعت المغيرة بن حبيب أبا صالح ختن مالك بن دينار، قال: صلَّيتُ العشاء مع مالك، وجاء فأكل ثم قام إلى الصلاة، فاستفتح ثم أخذ بلحيته فجعل يقول: إذا جمعت الأولين والآخرين فحرم شيبة مالك على النار. فوالله مازال كذلك حتى غلبتني عيني، ثم انتبهت فاذا هو على تلك الحال، فما زال كذلك حتى طلع الفجر.
21 - سليمان بن طرخان، أبو المعتمر، قال أبو نعيم: حدثنا محمد بن إبراهيم بن عاصم، حدثنا محمد بن تمام الحمصي، حدثنا المسيب بن واضح أراه عن ابن المبارك أو غيره قال: أقام سليمان التيمي أربعين سنة إمام جامع البصرة، يُصلّي العشاء والصبح بوضوء واحد.
الجزء 1 · صفحة 24
22 - منصور بن زاذان، قال أبو نعيم: حدثنا أبو محمد بن حيان، حدثنا أحمد بن الحسين، حدثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي، حدثني محمد بن عيينة، حدثني مخلد بن الحسين، عن هشام بن حسان، قال: كنتُ أصلي أنا ومنصور جميعاً، وكان إذا جاء رمضان ختم القرآن فيما بين المغرب والعشاء ختمتين، ثم يقرأ إلى الطواسين قبل أن تقام الصلاة، وكانوا إذ ذاك يُؤخرون العشاء في رمضان إلى أن يذهب ربع الليل
حدثنا مخلد بن جعفر، حدثنا جعفر الفريابي، حدثنا عباس، حدثنا يحي بن أبي بكير، حدثنا شعبة، عن هشام بن حسان، قال: صليت إلى جنب منصور فيما بين المغرب والعشاء، ختم القرآن و بلغ إلى النحل.
حدثنا أبي، حدثنا إبراهيم بن محمد بن الحسن، حدثنا الحسن بن علي بن عياش، حدثنا يوسف بن يونس، حدثنا مخلد بن حسين قال: كان منصور يختم القرآن في كل يوم وليلة.
حدثنا أبو حامد، حدثنا محمد بن إسحاق، حدثنا محمد بن عمر، قال: حدثنا سعيد بن عامر، عن العلاء قال: أتيت مسجد واصل، فأذن المؤذن للظهر، فجاء منصور فافتتح الصلاة، فرأيته سجد إحدى عشرة سجدة قبل أن تقام الصلاة.
23 - علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب المدني، قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في «تهذيب التهذيب»: كان يُدعى: السجاد لكثرة صلاته. وقال ضَمْرة: حدثني على بن أبي حملة قال: كان على بن عبد الله يسجد كل يوم ألف سجدة. وقال ميمون، ابن زياد العدوي: كان يُصلي في كل يوم ألف ركعة. انتهى.
الجزء 1 · صفحة 25
وفي «العبر بأخبار من غبر»: قال الأوزاعي وغيره: كان يسجد كل يوم ألف سجدة. انتهى. وفي حلية الأولياء: حدثنا أحمد بن جعفر بن مسلم، حدثنا أحمد بن علي، حدثنا مؤمل، حدثنا ضمرة، عن علي بن أبي حَمَلَة والأوزاعي قالا: كان علي بن عبد الله يسجد كل يوم ألف سجدة. حدثنا محمد بن أحمد بن محمد حدثنا الحسن بن محمد، حدثنا أبو زرعة، حدثنا صفوان بن صالح، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا أحمد بن محمد بن كريب، قال: كان علي يُصلّي في كل يوم ألف سجدة - يُريد خمسمائةِ ركعة - انتهى.
24 - أبو حنيفة نُعمان بن ثابت الكوفي، الإمام الأعظم، ذكر جمع من المعتبرين اجتهاده في العبادة.
فقال شمس الأمة الكردري في «رسالته»: "نقل عنه أنه صلى الفجر بوضوء العشاء بنيف وثلاثين سنة، وقيل أربعين سنة، وكان يختم القرآن في كل يوم وليلة مرة، وفي رمضان كل يوم مرتين، مرة في النهار ومرة في الليل. وقال ابن المبارك: كان أبو حنيفة يجمع القرآن في ركعتين، وقال أيضاً: أربعة من الأئمة ختموا القرآن في ركعتين: عثمان بن عفان، وتميم الداري، وسعيد بن جبير، وأبو حنيفة. انتهى ملخصاً.
وفي «تهذيب الأسماء واللغات للنووي: عن إبراهيم بن عكرمة قال: مارأيت أورع ولا أفقه من أبي حنيفة. وعن سفيان بن عيينة قال: ما قدم مكة في وقتنا رجل أكثر صلاةً من أبي حنيفة. وعن يحيى بن أيوب الزاهد قال: كان أبو حنيفة لا ينام الليل. وعن أبي عاصم النبيل قال: كان أبو حنيفة يُسمّى: الوتد لكثرة صلاته.
وعن أسد بن عَمْرو قال: صلى أبو حنيفة الفجر بوضوء العشاء أربعين سنة، وكان عامة الليل يقرأ القرآن في ركعة، وكان يُسمَع بكاؤه حتى يرحمه جيرانه، وحفظ عليه أنه ختم القرآن في الموضع الذي توفي فيه سبعة آلاف مرة.
الجزء 1 · صفحة 26
وعن الحسن بن عُمَارة أنه غسل أبا حنيفة حين توفي وقال: غفر الله لك، لم تُفطر منذ ثلاثين سنة، ولم تتوسد يمينك في الليل منذ أربعين سنة. وعن ابن المبارك أن أبا حنيفة صلى خمساً وأربعين سنة الصلوات الخمس بوضوه واحد، وكان يجمع القرآن في ركعتين.
وعن أبي يوسف قال: بينا أنا أمشي مع أبي حنيفة، إذ سمع رجلاً يقول لرجل: هذا أبو حنيفة، لا ينام الليل، فقال أبو حنيفة: لا يتحدث عني بما لا أفعله، فكان يُحي الليل صلاة ودعاء وتضرعاً.
وعن مسعر بن كدام قال: دخلت المسجد ليلة فرأيت رجلاً يصلي فاستحليت قراءته، فقرأ سُبْعاً فقلتُ: يركع، ثم قرأ الثلث ثم النصف، فلم يزل يقرأ حتى ختمه كله في ركعة، فنظرت فاذا هو أبو حنيفة. وعن زائدة قال: صليت مع أبي حنيفة في مسجده العشاء وخرج الناس ولم يعلم أن في المسجد أحداً، فأردت أن أسأله مسألة، فقام فافتتح الصلاة فقر أ حتى بلغ هذه الآية: {فمن الله علينا ووقانا عذابَ السَّموم. فلم يزل يُردّدُها حتى أذن المؤذن للصبح وأنا أنتظره.
وعن القاسم بن معن أن أبا حنيفة قام ليلة بهذه الآية: بل السَّاعَةُ موعِدُهم والسَّاعَة أدهى وأمر. فلم يزل يُردِّدُها ويبكي ويتضرع. وعن مكي بن إبراهيم قال: جالست الكوفيين فما رأيت أورع من أبي حنيفة. انتهى.
وفي «مرآة الجنان» لليافعي عن أبي يوسف: بينما أنا أمشي مع أبي حنيفة إذ سمعت رجلاً يقول لآخر: هذا أبو حنيفة، يُحي الليل كله، فقال: والله لا يتحدث عني بما لم أفعل، فكان يُحي الليل. اتهى.
الجزء 1 · صفحة 27
وفي «الميزان الكبرى» لعبد الوهاب الشعراني: روى الإمام أبو جعفر الشيز اماري بسنده إلى إبراهيم بن عكرمة المخزومي أنه كان يقول: مارأيت في عصري كليه عالما أورع ولا أزهد ولا أعبد ولا أعلم من الإمام أبي حنيفة. وروى أبو نعيم وغيره أنه صلى الصبح بوضوء العشاء أكثر من خمسين سنة، ولم يكن يضع جنبه إلى الأرض في الليل أبداً، وإنما كان ينام لحظة بعد صلاة الظهر وهو جالس ويقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «استعينوا على قيام الليل بالقيلولة» .. انتهى ملخصاً.
وفي «الأثمار الجنية في طبقات الحنفية» لعلي القاري المكي: عن زُفَر قال: بات الإمام أبو حنيفة عندي ليلة فقام كل ليله بآية واحدة وهي قوله تعالى: بل الساعة موعدهم والساعة أدهى وأمر. وروي عنه أنه قام الليل كله بآية فن الله علينا ووقانا عذاب السَّموم
وروي عنه أنه سمع رجلاً يقرأ سُورَةَ إِذَا زُلْزِلَتْ في صلاة العشاء وهو خلفه، مجلس بعد خروج الناس إلى أن طلع الفجر وهو آخذ بلحيته قائماً يقول: يامن يجزي مثقال ذرة خيراً خيراً، ويامن يجزي مثقال ذرة شراً شراً: أجر عبدك نعمان من النار. وعن حفص بن عبد الرحمن أنه كان يُحي الليل كله بقراءة القرآن ثلاثين سنة في ركعة. انتهى ملخصاً.
وفي «معدن اليواقيت الملتمعة في مناقب الأعة الأربعة: قال الشيخ العطار في «التذكرة» إِنَّ أبا حنيفة كان يُصلّي في كل ليلة ثلاثمائة ركعة، ومر يوماً على جمع من الصبيان قال بعضهم لبعض: هذا يُصلّي في كل ليلة ألف ركعة، ولا ينام بالليل، فقال أبو حنيفة: نويت أن أصلي في كل ليلة ألف ركعة وأن لا أنام بالليل.
الجزء 1 · صفحة 28
وقال مسعر بن كدام، وكان مشتهر بالزهد والاجتهاد: أتيت أبا حنيفة في مجلسه، فرأيته يُصلي الغداة، ثم يجلس للناس للعلم إلى أن يُصلي الظهر، ثم يجلس إلى العصر، فاذا صلى جلس إلى المغرب، فاذا صلى المغرب جلس إلى أن يصلي العشاء. فقلتُ في نفسي: هذا الرجلُ في هذا الشغل متى يتفرغ للعبادة؟ لأتعاهدته هذه الليلة، فتعاهدته فلما خرج الناس انتصب للصلاة إلى ن طلع الفجر، ودخل منزله ولبس ثيابه وخرج إلى المسجد لصلاة الفجر. انتهى ملخصاً.
وقد ذكر مثل ما نقلنا - مع زيادات دالة على شدَّةِ وَرَعَه وجهده في التعبيد - صاحب الهداية» في «مختارات النوازل»، «والذهبي في «العبر بأخبار من غبر»، والكفوي في «أعلام الأخيار في طبقات فقهاء مذهب النعمان المختار»، والسيوطي تبييض الصحيفة بمناقب الإمام أبي حنيفة»، وابن خلكان في وفيات الأعيان وغيرهم من المتقدمين والمتأخرين، بحيث بلغ ذلك حد التواتر المعنوي، ولم يبق فيه ريب لمن تأمل في الكتب المذكورة وغيرها. ولولا خوف الإطالة لسردت من الكتب المذكورة وغيرها من رسائل مناقبه ودفاتر التواريخ المعتبرة أضعافاً مضاعفة، فاني قادر على ذلك بحول الله وقوته، ولكن خير الكلام ماقل ودل.
تنبيه: اختلف العلماء في كون الإمام أبي حنيفة تابعياً، بعد ما اتفقوا أنه أدرك زمان الصحابة، فمنهم من نفاه، وجمع من الثقات أنتوه. فقال شيخ الإسلام أبو عبد الله الذهبي في «الكاشف» عنه: الثمان بن ثابت بن زوطى، رأى أنس رضي الله عنه، وسمع عطاء والأعرج وعكرمة، وعنه أبو يوسف ومحمد، أفردت سيرته في جزء. انتهى.
وفي «مرآة الجنان» لليافعي في حوادث سنة خمسين ومائة: فيها توفي فقيه العراق الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي، مولده سنة ثمانين، رأى أنساً رضي الله عنه، وروى عن عطاء بن أبي
رباح وطبقته. انتهى.
الجزء 1 · صفحة 29
وفيه أيضاً يُعيد هذا: كان قد أدرك أربعة من الصحابة هم: أنس بن مالك بالبصرة، وعبد الله بن أبي أوفى بالكوفة، وسهل ابن سعد الساعدي بالمدينة، وأبو الطفيل عامر بن واثلة بمكة.
قال بعض أصحاب التواريخ: منهم ولا أَخَذَ عنهم لم يلق أحداً وأصحابه يقولون: لقي جماعة من الصحابة وروى عنهم، وذكر الخطيب في «تاريخ بغداد» أنه رأى أنس بن مالك كما تقدم. انتهى.
وفي «طبقات الحنفية» لعلي القاري المكي: قد ثبتت رؤيته لبعض الصحابة، واختلف في روايته عنهم، والمعتمد ثبوتها كما بينته في «سَنَدُ الأنام شرحُ مُستَدِ الإمام» حالَ إسناده إلى بعض الصحابة الكرام، فهو من التابعين الأعلام، كما صرح به العلماء الأعيان، داخل تحت قوله تعالى: {والذين اتبعوهم باحسان وفي عموم قوله عليه الصلاة والسلام: «خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم». رواه الشيخان
ثم اعلم أن جمهور علماء أصول الحديث على أنَّ الرجل بمجرد اللتي والرؤية للصحابي يصير تابعياً، ولا يُشترط أن يصحبه مُدَّةً، ولا أن ينقل عنه رواية، بخلاف الصحابي فان بعض الفقهاء شر طوا في كونه صحابياً طول الصحبة، أو المرافقة في الغزوة، أو الموافقة في الرواية. انتهى ملخصاً.
وفي «تبييض الصحيفة بمناقب الإمام أبي حنيفة»: قد ألف الإمام أبو معشر عبد الكريم بن عبد الصمد الطبري المقري الشافعي جزءاً فيما رواه أبو جنيفة عن الصحابة، لكن قال حمزة السهمي: سمعت الدارقطني يقول: لم يلق أبو حنيفة أحداً من الصحابة، إلا أنه رأى أنساً بعينه ولم يسمع منه، وقال الخطيب: لا يصح لأبي حنيفة سماع من أنس. انتهى ملخصاً.
وفي (تبييض الصحيفة» أيضاً: قد وقفت على فتيا رفعت إلى الشيخ ولي الدين العراقي: هل روى أبو حنيفة عن أحد من الصحابة؟ وهل يُعد في التابعين؟ فأجاب بما نصه: الإمام أبو حنيفة لم يصح له رواية عن أحد من الصحابة، وقد رأى أنس بن مالك، فمن يكتفي في التابعين بمجرد رؤية الصحابي يجعله تابعياً. انتهى.
الجزء 1 · صفحة 30
وفيه أيضا: رفع هذا السؤال إلى الحافظ ابن حجر فأجاب بما نصه: أدرك أبو حنيفة جماعة من الصحابة، لأنه ولد بالكوفة سنة ثمانين من الهجرة، وبها يومئذ عبد الله بن أبي أوفى فانه مات بعد ذلك، وبالبصرة أنس، وقد أورد ابن سعد بسند لا بأس به أن أبا حنيفة رأى أنساً، وكان غير هذين من الصحابة بعدة من البلاد أحياء.
وقد جمع بعضُهم جزء فيما ورد من رواية أبي حنيفة عن الصحابة، ولكن لا يخلو إسناده من ضعف، والمعتمد على إدراكه ما تقدم، وعلى رؤيته لبعض الصحابة ما أورده ابن سعد في «الطبقات»، فهو بهذا الاعتبار من طبقة التابعين، ولم يثبت ذلك لأحد من أمة الأعصار المعاصرين له، كالأوزاعي بالشام، والحمادين بالبصرة، والثوري بالكوفة، ومسلم بن خالد الزنجي بمكة، والليث بن سعد بمصر. انتهى.
وفي «شرح شرح نخبة الفكر» لعلي القاري عند قول ابن حجر في تعريف التابعي هو من لقي الصحابي: هذا هو المختار، قال العراقي: وعليه عمل الأكثرين، وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى الصحابي والتابعي بقوله: «طُوبَى لمن رآني، ولمن رأى من رآني» فاكتفى فيها بمجرد الرؤية.
قلت: وبه يندرج الإمام الأعظم في سلك التابعين، فانه قد رأى أنساً وغيره من الصحابة على ماذكره الشيخ الجزري في «أسماء رجال القراء» والتوربشتي في «تحفة المسترشدين» وصاحب «كشف الكشاف» في سورة المؤمنين وصاحب «مرآة الجنان» وغيرهم من العلماء المتبحرين، فمن نفى أنه تابعي فاما من التتبع القاصر، أو التعصب الفاتر. انتهى. وقد نقله عنه محمد أكرم بن عبد الرحمن في «إمعان النظر في توضيح نخبة الفكر» وأقره.
الجزء 1 · صفحة 31
وفي «العلل المتناهية في الأحاديث الواهية» لابن الجوزي في باب الكفالة برزق المتفقه: قال الدارقطني: أبو حنيفة لم يسمع من أحد من الصحابة، وإنما رأى أنس بن مالك بعينه. انتهى. فهذه العلماء الثقات: الدارقطني وابن سعد والخطيب والذهبي وابن حجر والولي العراقي والسيوطي وعلي القاري وأكرم السّنْدِ؟ وأبو معشر وحمزة السهمي واليافعي والجزري، والتوربشتي وابن الجوزي والسراج صاحب «كشف الكشاف» قد نصوا على كون الإمام أبي حنيفة تابعيتا، وإنما أنكر من أنكر منهم روايته عن الصحابة. وقد صرح به جمع آخرون من المحدثين والمؤرخين المعتبرين أيضاً، تركت عباراتهم خوفاً من الإطالة الموجبة للملالة، وما نقلته إنما نقلته بعد مطالعة الكتب المذكورة لا بمجرد اعتماد نقل غيري، ومن راجع الكتب المذكورة يجد صدق نقلي. وأما كلمات فقهائنا في هذا الباب فأكثر من أن تُحصَى.
ومَن أنكر كونَه تابعيتاً من المؤرخين لا يصل في الاعتماد وقوة الحفظ وسعة النظر إلى مرتبة هؤلاء المثبتين، فلا عبرة بقوله معارِضاً لقولهم. وهذا الذهبي شيخ الإسلام، المعتمد في نقله عند الأنام، لو صَرَّحَ وحده بكونه تابعيتاً لكفى قوله راداً لقول النافين.
فكيف وقد وافقه إمام الحفاظ ابن حجر، ورأس الثقات الولي العراقي، وخاتمة الحفاظ السيوطي، وعَمُودُ المؤرخين اليافعي وغيرهم؟ وسبقه إلى ذلك الخطيب وما أدراك ما الخطيب! والدارقطني وما أدراك ما الدار قطنى! إمامان جليلان، مستندان معتمدان، وغيرهما.
فاذن لم يبق للمنكير إلا أن يُكذب هؤلاء الثقات، فان وقع منه ذلك فلا كلام معه، أو يُقدّم أقوال مَنْ دُونَهم على أقوالهم، فان فعل ذلك لزم ترجيح المرجوح. والمرجو من العلماء المنصفين بعد مطالعة هذه النصوص أن لا يبقى لهم إنكار.
ذكر من بعد التابعين من الزهار المتعبدين والأئمة المجتهدين
الجزء 1 · صفحة 32
25 - سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، قال أبو نعيم: حدثنا أحمد بن محمد، حدثنا محمد بن إسحاق، حدثنا عبيد الله بن سعد، حدثنا إبراهيم بن سعد، عن أبيه، قال: كان أبي سعد بن إبراهيم إذا كانت ليلة إحدى وعشرين وخمس وعشرين وسبع وعشرين لم يُفطر حتى يختم القرآن. وفي «العبر» و «المرآة: قال شعبة: كان سعد يصوم الدهر، ويختم كل يوم.
26 - إبراهيم بن أدهم، قال أبو نعيم: حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر، حدثنا إسحاق بن أحمد، حدثنا الحجاج بن حمزة، حدثنا أبو زيد، عن أبي إسحاق الفزاري قال: كان إبراهيم في شهر رمضان يحصد الزرع بالنهار، ويُصلي بالليل، فكت ثلاثين يوما لا ينام بالليل ولا بالنهار.
27 - شعبة بن الحجاج، قال أبو نعيم: حدثنا أحمد بن جعفر، حدثنا أحمد بن علي، حدثنا علي بن الحسين البلخي، قال: قال عُمر بن هارون: كان شعبة يصوم الدهر كله، وكان الثوري يصوم في كل شهر ثلاثة أيام. وفي «العبر»: فيها ـ أي سنة ستين ومائة - توفي أمير المؤمنين في الحديث شعبة بن الحجاج الأزدي، شيخ البصرة، قال الهروي: رأيتُ شُعبة يُصلي حتى ترم قدماه.
28 - فتح بن سعيد الموصلي، قال أبو نعيم: حدثنا أبو زرعة محمد بن إبراهيم، حدثنا محمد بن قارن، حدثنا أبو حاتم، حدثنا محمد بن روح، حدثني إبراهيم بن عبد الله، قال: صُدِعَ فَتح الموصلي ففرح، فقال: اتليتني ببلاء الأنبياء، فشكر هذا أن أصلى الليلة أربعمائة ركمة.
الجزء 1 · صفحة 33
29 - محمد بن إدريس الإمام الشافعي، قال أبو نُعيم: حدثنا محمد بن علي، حدثنا الحسن بن علي، قال: سمعت الربيع بن سليمان يقول: كان محمد بن إدريس الشافعي يختم في شهر رمضان ستين ختمة، مامنها شيء إلا في صلاة، حدثنا أبي، حدثنا إبراهيم بن محمد ابن الحسن، قال: قال الربيع بن سليمان سمعت: الشافعي يقول: كنتُ أختم القرآن في رمضان ستين مرة. وفي «تهذيب الأسماء واللغات» للنووي: قال الربيع: نمت في منزل الشافعي ليالي، فلم يكن ينام إلا يسيراً من الليل. وقال الحميدي: كان الشافعي يختم القرآن كل يوم ختمة.
30 - أحمد بن حنبل، قال أبو نعيم: حدثنا سليمان بن أحمد، حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل، قال: كان أبي يصلي في كل يوم وليلة ثلاثمائة ركعة، فلما مرض من تلك الأسواط أضعفته.
فكان يُصلي في كل يوم وليلة مائة وخمسين ركعة، وكان قُرْبَ الثمانين
31 - أحمد بن محمد بن سهل بن عطاء أبو العباس، قال أبو نُعيم: سمعت أبا الحسين محمد بن علي صاحب الجنيد بن محمد يقول: صحبت أبا العباس بن عطاء عدة سنين متأدبا بآدابه، وكان له في كل يوم ختمة، وفي كل شهر رمضان في كل يوم وليلة ثلاث ختمات.
32 - منصور أبو عتاب السلمي الكوفي الحافظ، قال الذهبي في «العبر» في حوادث سنة مائة وإحدى وثلاثين: قال زائدة: صام أربعين سنة، وكان يبكي الليل كله.
33 - واصل بن عبد الرحمن البصري، قال في «العبر» في وقائع سنة مائة واثنتين وخمسين: قال أبو داود الطيالسي: كان يختم القرآن في كل ليلة.
34 - محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي و عقب أبو الحارث المدني الفقيه الراوي عن نافع وعكرمة وغيرهما، قال الذهبي واليافعي في حوادث سنة مائة وتسع وخمسين: قال الواقدي: كان يُصلّي الليل أجمع، ويجتهد في العبادة.
الجزء 1 · صفحة 34
35 - وكيع بن الجراح الكوفي، أحد تلامذة الإمام أبي حنيفة وأساتذة الإمام أحمد، قال الكفوي في «أعلام الأخيار» قال يحيى بن أكثم: صحبته في الحضَر والسَّفَر وكان يصوم ويختم القرآن كل ليلة. وعن محمد بن جرير قال: مكث وكيع بعبادان أربعين ليلة، وختم أربعين مرة، وتصدق بأربعين ألف درهم. انتهى.
هذه جملة من الصحابة والتابعين وتبعيهم من الفقهاء والمحدثين والأئمة المجتهدين، قد جاهدوا في العبادة حق الجهاد، واجتهدوا في التعبد غاية الاجتهاد، ففازوا بأعلى النصيب أي نصيب، وصاروا بحيث تنزل بذكرهم الرحمة، وتندفع بسماع أخبارهم الرَّحْمَة، جعلنا الله ممن اقتدى بهم واهتدى، وحشرنا معهم إلى الدرجات العلي
وقد طالعت «العبر» و «سير أعلام النبلاء» للذهبي و «مرآة الجنان» و «الإرشاد والتطريز بذكر فضل الذكر وتلاوة القرآن العزيز» كلاهما لليافعي، و «تهذيب الأسماء واللغات للنووي، و حلية الأولياء» لأبي نُعيم الأصبهاني، وكتاب «الأنساب للسمعاني، وغير ذلك من كتب التواريخ وأسماء الرجال، بعضها أكثرها وبعضها بالتمام والكمال، فوجدت ذكر المجاهدين بكثرة كثيرة، لا يمكن حصرها، ولا يتمكن الإنسان من عدها، اكتفينا على ذكر ماذكرنا بناء على أنَّ الفاضل المنصف يكفيه ذلك، والجاهل المتعسف لا ينفعه شيء وإن طولنا هنالك
فإن قال قائل: هذه المناقب التي ذكروها في تراجمهم إنما ذكروها بغير سند مسلسل، فكيف يُعتمد عليه؟ إذ العبرة في مثل هذا الباب إما للمشاهدة أو الإخبار المسلسل.
قلنا له: أولاً: إنا قد نقلنا من الحلية» أسانيد متصلة مسلسلة، فذلك يكفينا
الجزء 1 · صفحة 35
وثانياً: إنَّ الذاكرين لهذه المناقب ليسوا ممن لا يعتمد عليه، أو ممن لا يكون حجة في النقل، بل هم أمة الإسلام وعمد الأنام، الذين يُرجع إلى أقوالهم في المهمات، وتُجعَلُ أخبارهم من القطعيات، كأبي نُعيم وابن كثير والسمعاني وابن حَجَر المكي وابن حَجَر العسقلاني والسيوطي وعلى القاري وشمس الأئمة الكردري والنووي وعبد الوهاب الشعراني وشيخ الإسلام الذهبي ومن يحذو حذوهم.
أفترى هؤلاء قد أدرجوا في تصانيفهم ما يرى أنه كذب؟ أو اعتمدوا على نقل ما ينقله أرباب الكذب؟ كلا والله، هم أئمة محتاطون، لا يُناقشون فيما يكتبون، فان شككت في ذلك فارجع إلى الطبقات، ينكشف لك أحوال صدق هؤلاء الثقات.
وإن اعتبر مثل هذا الشك ارتفع الأمان عن كتب التواريخ وأسماء الرجال، فانهم غالباً يكتبون ما يكتبون في تراجم العلماء بغير سند مسلسل، بل بالاختصار والإرسال فان شك، في ذلك شاك علم قطعاً أنه مُتعصب خارج عن حد الخطاب لا يليق معه إلا الزجر والعتاب.
فإن قلت. بعض المجاهدات مما لا يُعقل وقوعها، كتمان ختمات في يوم وليلة، وكأداء ألف ركمة في ليلة ونحو ذلك؟!.
قلت: وقوع مثل هذا وإن استبعد من العوام، لكن لا يُستبعد ذلك من أهل الله تعالى، فانهم أَعْطُوا مِن رَبِّهِم قُوَّةً ملَكيَّة وصَلُوا بها إلى هذه الصفات، لا يُنكره إلا من يُنكر صدور الكرامات وخوارق العادات
المقصد الأول
في إثبات أن مثل هذه الاجتهادات ليست ببدعة وضلالة لوجوه:
الأول: أنه قد وجد الاجتهاد في العبادة حسب الطاقة من الصحابة والتابعين وتبع التابعين من غير إنكار أحد منهم، وكل ما كان كذلك: فهو ليس ببدعة. أما الصغرى: فقد تحققت في الأصل الثاني، وأما الكبرى: فقد تحققت في الأصل الأول.
الجزء 1 · صفحة 36
الثاني: أنه قد وُجد بعض ذلك من بعض الخلفاء، كعمر وعثمان، كما مر في الأصل الثاني، وكل ما وجد منهم من غير نكير: سُنَةٌ، فان السنة ليست مختصةً بما فعله الني، بل تعمه وتَعُمُّ ما فَعَلَه الخلفاء - كلهم أو بعضُهم - وما شرعوا في الدين ورَضُوا به وإِن لم يُباشروا به، صرح به ابن الهمام في «تحرير الأصول والعيني في «البناية شرح الهداية وصاحب «الكشف»: عبد العزيز البخاري وغيرهم من الفقهاء و الأصوليين، كما حققته في «تحفة الأخيار». وإذا ثبت أنه سُنَّة: ثبت أنه ليس ببدعة، فان بينها منافاة.
الثالث: أنه قد وجد ذلك من الأئمة المجتهدين وأجلة الفقهاء والمحدثين، فان كان ذلك بدعة وضلالة: لزم كونهم مبتدعين ضالين، واللازم باطل باجماع من يُعتد به من المسلمين.
الرابع: أنَّ أجلة المؤرخين الذين هم المعتمد عليهم بين المسلمين وقد اشتهر ورعهم في الدين وتحرزهم عن الابتداع في الدين، قد أوردوا في تصانيفهم في تراجم العلماء ذكر اجتهادهم في العبادة، وأدرجوا ذلك مدرج المدح والجلالة، وهذا أدل دليل على أنه ليس ببدعة عندهم، فان المدح بما هو بدعة ليس من شأن العلماء.
الجزء 1 · صفحة 37
وهذا شيخ الاسلام أبو عبد الله الذهبي، له تفريط في حق كملة الصوفية وأجلة الأشعرية حيث يطعن عليهم في تصانيفه بأدنى ما صدر عنهم مما يُرى بادىء النظر أنه خلاف الشرع، ولذا قال تاج الدين السبكي في «طبقات الشافعية»: هذا شيخنا الذهبي، له علم وديانة، وعنده على أهل السنة تحامل مفرط! فلا يجوز أن يعتمد عليه. وهو شيخنا ومعلمنا، غير أن الحق أحق بالاتباع، وقد وصل من التعصب المفرط إلى حد يستحي منه! وأنا أخشى عليه يوم القيامة من غالب علماء المسلمين وأئمتهم الذين حملوا الشريعة النبوية، فان غالبهم أشاعرة، وهو إذا وقع بأشعري لا يبقي ولا يذر! والذي أعتقده أنهم خصماؤه يوم القيامة، والله المسؤول أن يُخفّف عنه وأن يُشفَعَهُم فيه انتهى وقال عبد الوهاب الشمراني في كتابه «اليواقيت والجواهر في ذكر عقائد الأكابر: مسئل الحافظ أبو عبد الله الذهبي عن قول الشيخ محي الدين ـ في كتابه (الفصوص»: «إنه ماصنعه إلا باذن من الحضرة النبوية، فقال: ه ما أظن أن مثل هذا الشيخ يكذب»، مع أن الحافظ الذهبي كان من أشد المنكرين على الشيخ وعلى طائفة الصوفية، هو وابن تيمية. انتهى. وقال السيوطي في «قمع المعارض في نصرة ابن الفارض: وإن غرك دندنة الذهبي فقد دندن على الإمام فخر الدين بن الخطيب ذي الخطوب، وعلى أكبر من الإمام وهو أبو طالب المكي صاحب قوت القلوب»، وعلى أكبر من أبي طالب وهو الشيخ أبو الحسن الأشعري الذي ذكره يجول في الآفاق ويجوب، وكتبه مشحونة بذلك: الميزان، والتاريخ، وسير النبلاء، فقابل أنت كلامه في هؤلاء؟ كلا واللهِ لا يُقبَلُ كلامه فيهم، بل توصلهم حقهم وتوقيهم. إنهى.
الجزء 1 · صفحة 38
وهذا كله: بسبب شدة ورع الذهبي وغاية احتياطه في الدين، فهو معذور في ذلك بل مأجور على ماتقرر في الشرع المتين فمع ذلك كله لم يقدح الذهبي أحداً باجتهاده في التعبد، بل ذكره في تراجم كثيرة في معرض الثناء والتمدح، فدل ذلك على أنه ليس ببدعة عنده، ولا عند من سبقه ومن لحقه ممن ذكر.
الخامس: أنه قد ثبت ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم، وكل ما ثبت منه ليس ببدعة؛ أما الكبرى فظاهرة، وأما الصغرى فلما أخرجه البخاري عن عائشة «كان النبي صلى الله عليه وسلم ليقوم ليصلي حتى ترم قدماه، فيقال له؟ فيقول: أفلا أكون عبداً شكوراً؟ ..
وأخرح الترمذي - وقال: حسن صحيح ـ عن المغيرة قال صلى رسول الله حتى انتفخت قدماه، فقيل له: أتتكلف هذا: وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: أفلا أكون عبداً شكوراً؟».
وأخرج ابن ماجه والنسائي عن المغيرة قال: «صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تورمت قدماه، فقيل: يا رسول الله قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، قال: أفلا أكون عبداً شكوراً؟».
وأخرج النسائي عن أبي هريرة «كان رسول الله صلي حتى تزلع قدماه. قال القسطلاني في المواهب اللدنية: قال ابن بطال: في هذا الحديث أخذ الإنسان على نفسه بالشدة في العبادة وإن أخر ذلك ببدنه، لأنه إذا فعل ذلك مع علمه بما سبق له فكيف بمن لم يعلم بذلك؟ فضلاً عمن لم يأمن أنه استحق النار. ومحله - كما قال الحافظ ابن حجر ـ مالم يُفض إلى الملال، لأنَّ التي كان أكمل الأحوال، فكان لا يمل من عبادة ربه وإن أضر ذلك ببدنه، بل صح أنه عليه السلام قال: «وجُعِلَتْ قُرَّةٌ عيني في الصلاة» كما أخرجه النسائي من حديث أنس، فأما غيره فاذا خشي الملل ينبغي أن لا يكد نفسه. انتهى.
الجزء 1 · صفحة 39
فان قلت: لم يثبت أنه له قام ليلة كلها، أو قرأ القرآن في ركعة، أو زاد على إحدى عشرة ركعة؛ كما أخرجه أبو داود عن سعد بن هشام عن عائشة قالت: «لم يقم رسول الله ليلة ينها حتى الصباح، ولم يقرأ القرآن في ليلةٍ قط. ولم يَصُم شهراً يتمه غير رمضان، وكان إذا صلى صلاة داوم عليها». الحديث
ولفظ الداري في سننه»: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا أَخذ خُلُقاً أحب أن يُداوم عليه، وما قام نبي الله حتى أصبح، ولا قرأ القرآن كله في ليلة، ولا صام شهرا كاملاً غير رمضان».الحديث.
ولفظ مسلم «قالت لسعد: يابني، كان نبي الله إذا صلى صلاة أحب أن يُداوم عليها، وكان إذا غلبه نوم أو وجع عن قيام الليل صلى من النهار ثنتي عشرة ركمة، ولا أعلم نبي الله قرأ القرآن كله في ليلة، ولا صلى ليلة إلى الصبح. ولا صام شهراً كاملاً غير رمضان».
وفي رواية له: «قالت: مارأيته قام ليلة حتى الصباح، وما صام شهراً متتابعاً إلا رمضان».
وفي رواية ابن ماجه «لا أعلم نبي الله قرأ القرآن كل محتى الصباح». وأخرج البخاري وغيره عنها «ما كان يزيدُ رسول الله لا في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة. الحديث.
فدل هذا كله على أن الزيادة على إحدى عشرة ركعة وقيام الليل كاملاً وختم القرآن في يوم وليلة بدعة؟
قلتُ: أولاً: إنه قد ثبت إحياء الليل من النبي صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم، وهو سهر الليل كله للعبادة؛ كما أخرجه مسلم وأبو داود وغيرهما عن عائشة «كان التي إذا دخل العشر الأواخر من رمضان أحي الليل، وأيقظ أهله، وشد المئزر» قال النووي: أي استغرقه بالسهر بالصلاة وغيرها. انتهى وقال ابن الأثير الجزري في «نهاية غريب الحديث»: إحياء الليل: السهر فيه بالعبادة وترك النوم. انتهى.
الجزء 1 · صفحة 40
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي الدنيا في «كتاب التفكر» وابن حبان في صحيحه» وابن مردوية والأصبهاني في كتاب الترغيب والترهيب» وابن عساكر، عن عطاء قال: قلت لعائشة: أخبريني بأعجب مارأيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قالت: وأي شأنه لم يكن عجباً؟ .. إنه أتاني ليلة فدخل معي لحافي ثم قال: ذريني أتعبد لربي، فقام فتوضأ ثم قام يُصلي، فبكى حتى سالت دموعه على صدره، ثم ركع فبكى ثم سجد فيكى، ثم رفع رأسه فبكى، فلم يزل كذلك حتى جاء بلال يُؤذنه بالصلاة، فقلت: يارسول الله، وما يُبكيك وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: أفلا أكون عبداً شكوراً، ولم لا أفعل وقد أَنزَلَ اللهُ علي هذه الليلة إِنَّ في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب ... الآيات.
فدل ذلك على أن نني عائشة قيام الليل كليه محمول على غالب أوقاته صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وكذلك خبر عدم الزيادة على إحدى عشرة ركمة - محمول على ما هو الأغلب، وإلا فقد ثبت بروايات متعددة الزيادة على ذلك إلى خمس عشرة ركعة. كذا ذكره النووي في «شرح صحيح مسلم»
وورد في بعض الروايات أنه صلى عشرين ركمة في رمضان في غير جماعة، وسنده ضعيف كما ذكرته مع مالفوما عليه في «تحفة الأخيار.
وثانيا: - بعد تسليم أنه صلى الله عليه وسلم لم يقم ليلة كلها ولا قرأ القرآن في ليلة ولا زاد على إحدى عشرة ركعة - نقول: قد تبت منه مثله وما يشبهه في التشدد، وهو قيامه حتى تورمت قدماه، وذلك كاف في ارتفاع اسم البدعة عن هذه الاجتهادات، فان البدعة: ما لا يكون هو ولا مثله في العهد النبوي، وليس بشرط أن يثبت كل جزئي من جزئيات العبادة منه صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
الجزء 1 · صفحة 41
وثالثاً: أنه وإن لم يرتكب هذه الاجتهادات النبي صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه و على آله وسلم شفقة على أمته، فقد ارتكبه من أمرنا رسول الله بالاهتداء بسنتهم والسلوك على مسلكهم، فكيف يكون بدعة كما مر ذكر ذلك".: أنه قد أجاز النبي صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وعلى آله وسلم العبادة على
السادس أنه قد أجاز النبي صلى الله عليه وسلمالعبادة على حسب الطاقة، كما أخرجه أبو داود عن عائشة قالت: إن رسول الله قال: ا كلفوا من العمل ما تطيقون، فان الله لا يمل حتى تَمَلُّوا، وإِن أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل، وكان إذا عمل عملاً أثبته وأخرج البخاري عنها مرفوعاً: «عليكم ما تطيقون من الأعمال، فانّ الله لا يمل حتى تَمَدُّوا».
وأخرج أبو نعيم في «الحلية» في ترجمة عبدالرحمن بن مهدي، عنها مرفوعاً: «ليتكلف أحدكم من العمل ما يطيق، فان الله لا يمل حتى تملوا، وقار بُوا وسَد دواء. والأخبار في هذا شهيرة وسيأتي بعضُها في المقصد الثاني إن شاء الله تعالى.
وإذا ثبت جواز العمل حسب الطاقة إلى أن لا يحصل الإعياء والملل فنقول: طاقة الناس مختلفة، فكم من رجل يُطيق شيئاً ولا يطيقه آخر؟ وكم من رجل يمل من شيء ولا يمل منه آخر؟ وكم من رجل أعطي السرعة في القراءة ولم ينلها الآخر.
أما سمعت أن السيد أبا بكر بن أحمد بن أبي بكر المتوفى سنة ثلاث وخمسين وألف قرأ الإحياء» في عشرة أيام، وربما استوعب المجلد الضخم في يوم وليلة بالمطالعة؟ وقراً مجد الدين الشيرازي صاحب «القاموس» و «سفر السعادة»: «صحيح مسلم» في ثلاثة أيام وقرأ القسطلاني البخاري» في خمسة مجالس وبعض مجلس، والحافظ أبو بكر الخطيب قرأ «صحيح البخاري» في ثلاثة مجالس
الجزء 1 · صفحة 42
وقرأ الحافظ ابن حجر «سنن ابن ماجه» في أربعة مجالس، وكذلك «صحيح مسلم» و «كتاب النسائي الكبير» في عشرة مجالس. كل مجلس نحو أربع ساعات، و «معجم الطبراني الصغير» في مجلس واحد بين الظهر والعصر، كذا حكى محمد بن فضل الله المحي في خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر»
وحكى عبد الوهاب الشعراني في «اليواقيت والجواهر» عن نفسه أنه طالع «الفتوحات» ـ وهي عشر مجلدات ضخمة - كل يوم مرتين. وحكى اليافعي عن بعض العباد أنه قرأ القرآن كله في مقدار خطبة الخطيب يوم الجمعة، وهذه وأمثالها مما لا يخفى على من طالع كتب أحوال الرجال مما لا يطيقه غالب الناس
والأصل في كل ذلك أنَّ الله تعالى قد خلق النفس الإنسانية ذواقة سواقة لها تشبه بالنفوس الملكية التي لا تفتر عن العبادة ساعة، فمن حصل لنفسه التذاذ بشي - أي شيء كان - لم يحصل له بكثرته ملال أصلاً، ومن لم يلتذ بشيء حصل له بكثرته ملال
وهذه علماء الأمة المحمدية أصحاب التصانيف الشهيرة، كالذهبي وابن حجر والسيوطي وأمثالهم، لم يُضيعوا آنا من آنات عمرهم، ولم يتفرغوا إلا للمطالعة أو التصنيف، ولم يحصل لهم ملال من ذلك، وقد حكى اليافعي أنه سهر في بعض الليالي في مطالعة الكتب إلى الصبح ولم يحصل له ملل.
وهذا العبد الضعيف جامع الأوراق قد حصل له التذاذ بالمطالعة والتصنيف، فأطالع المجلدات الضخمة في ساعات عديدة. وأقعد في بعض الليالي أصنف من المغرب إلى نصف الليل من دون وقفة
سوى صلاة العشاء - ولا يحصل لي الملال ولله الحمد على ذلك
وبالجملة فالنفوس مختلفة في الطاقة، فمن أطاق كثرة العبادة والقراءة وقيام الليل ونحو ذلك من دون حصول ملل يجوز له ذلك، بالأحاديث السابقة، ومن حصل له ملل أو عَرَض له خلل لزم لَهُ ترك ذلك. فالحكم بأن الزيادة على ما فعله رسول الله مطلقاً غير جائزة: خطأ فاحش.
الجزء 1 · صفحة 43
فان قلت: قد كان رسول الله أفضل الناس، ونفسه أكمل النفوس، وكان يستطيع ما لا يستطيعه غيره، كما قالت عائشة: «وأيكم يستطيع ما كان رسول الله يستطيع؟». أخرجه أبو داود، ومع ذلك لم يجتهد في العبادة كاجتهاد هؤلاء، فدل ذلك على أنه ليس عرضي عنده
قلت: هب كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يستطيع مالا يستطيعه الناس، لكنه كان يترك كثرة العبادات شفقة على أمته ورحمة على أتباعه، لئلا يتحرجوا باتباعهم في ذلك يدل على هذا قول عائشة: «إِنْ كان رسول الله لَيدَعُ العمل وهو يُحبُّ أن يعمل به خشية أن يعمل به الناس فيفرض عليهم» أخرجه البخاري و أبو داود وغيرهما.
وقد ترك صلاة التراويح مع الجماعة بعدما صلاها ليالي، خشية أن تفرض عليهم، كما أخرجه البخاري وغيره. وأخرج أبو داود وغيره عن عائشة قالت: «بال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فقام عُمر خلفه بكوز من ماء، فقال: ما هذا يا عمر؟ فقال: هذا ماء تتوضأ به، قال: ما أمرت كلما بات أن أتوضأ ولو فعلت لكانت سنة». وأمثاله كثيرة.
المقصد الثاني
دفع الشبهات الواردة على المجامدات وذكر عبارات العلماء في جواز التشدد، بالشروط العديدة
اعلم أنه قد ورد بعض الأخبار في المنع عن التشدد في العبادة، فطن منها القانون أنه منهى عنه مطلقاً، ولم يتأملوا ماهو مورد النهي وما ليس بمورد النهي فنذكرها بطرقها مع ما لها وما عليها.
فمن ذلك: حديث الحولاء الأسدية؛ وهو: ما أخرجه مسلم عن عائشة أن الحولاء بنت نُويْت بن حبيب بن أسد بن عبد العُزَّى مرت بها وعندها رسول الله فقلت: هذه الحولاء بنت تويت وزعموا أنها لا تنام الليل. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تنام الليل؟! خذوا من العمل ما تطيقون، فواللهِ لا يَسامُ اللهُ حتى تسأموا».
الجزء 1 · صفحة 44
وفي رواية له عنها: دخل على رسول الله. وعندي امرأة، فقال: «مَنْ هذه؟ فقلت: امرأة لانام تصلي، قال: عليكم من العمل ما تُطيقون، فوالله لا يمل الله حتى تملوا، وكان أحبُّ الدين إليه ماداوم عليه صاحبه». وفي حديث أبي أسامة أنها امرأة من بني أسد
وأخرج البخاري عنها قالت: كانت عندي امرأة من بني أَسَد فدخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «من هذه؟ قلت: فلانة، لا تنام بالليل، فذكر من صلاتها، فقال عليه الصلاة والسلام: مهْ، عليكم ما تطيقون من الأعمال، فإنَّ الله لا يمل حتى تملوا».
وأخرج النسائي عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها وعندها امرأة، فقال: «من هذه؟ قالت: فلانة، لاتنام، فذكرت من صلاتها، فقال: مه، عليكم بما تُطيقون، فوالله لا يَمَلُّ الله حتى تَمَلُوا، ولكن أحب الدين إليه ما داوم عليه صاحبه».
ومن ذلك: حديث زينب، وهو: ما أخرجه مسلم عن أنس قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد وحبل ممدود بين ساريتين، فقال: «ما هذا؟ فقالوا: زينب تُصلي، فاذا كسلت أو فترت أمسكت به، فقال: حلوه، ليصل أحد كم نشاطه، فاذا كسل أو فتر قعد.
و لفظ النسائي: دخل رسول الله المسجد فرأى حبلاً ممدوداً بين ساريتين فقال: «ما هذا الحبل؟ فقالوا: لزينب تصلي، فاذا فترت تعلقت به، فقال النبي صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم: حلوه ليصل أحدكم نشاطه، فاذا فتر فليقعد».
وأخرج أبو داود عنه: دخل رسول الله المسجد وحبل محدود بين ساريتين فقال: «ما هذا الجبل؟ فقالوا: زينب تصلي فاذا كسلت أو فترت أمسكت به، فقال: حلوه، ليصل أحد كم نشاطه، فاذا كسل أو فتر فليقعد».
وفي رواية له من طريق هارون بن عباد فقيل: يارسول الله هذهِ لِحَمْنة بنت جحش تصلي، فاذا أعيت تعلقت به، فقال: لتصل ما أطاقت، فاذا أعيت فلتجلس». والظاهر أن هذا و هم من الراوني، والصحيح هو: «زينب» لتطابق سائر الروايات على ذلك
الجزء 1 · صفحة 45
قائدة: في هذا دليل على بطلان صلاة المعكوس، فانه إذا منع إمساك الحبل وقت الكسل عن قيام الليل، فصلاة المعكوس الطريق الأولى: لأنها مخالفة لقواعد الشرع ومنافية لها. كذا قال مولانا حسن علي المحدث الهاشمي اللكنوي في هوامش نسخة (سنن أبي داود) التي كتبها بيده وحشاها وصححها حين قرأها
من ذلك: حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، وهو ما أخرجه البخاري، في كتاب الصوم وأحاديث الأنبياء وقيام الليل، (?) قال: قال لي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «ألم أخبر أنك تقوم الليل وتصوم النهار؟ قلت: إني أفعل ذلك، قال: فانك إذا فعلت ذلك هجمت عينك (?) ونفيت نفسك)، وإِن لنفسك عنه حق ولأهلك حق، فصم وأفطر:، وقم وتم». هذا لفظه في قيام الليل.
وأخرج مسلم، في كتاب الصوم، عنه قال: أخبر رسول الله أنه قلت: لأقومن الليل، ولأصومن النهار ما عشت، فقال رسول الله: «أنت الذي تقول ذلك؟ فقلت له: قد قلته يا رسول الله، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: فانك لا تستطيع ذلك، فهم وأفطر، ونم وقم، وصم من الشهر ثلاثة أيام، فان الحسنة بعشر أمثالها، وذلك مم مثل صيام الدهر، قلت: فاني أطيق أفضل من ذلك، قال: يوما وأفطر يومين، قلت: فاني أطيق أفضل من ذلك يارسول الله، قال: صم يوماً وأفطر يوم يوماً، وذلك صيام داود وهو وهو أعدل الصيام، قلت: فاني أطيق أفضل من ذلك، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: لا أفضل من ذلك». قال عبد الله ابن عمرو: لأن أكون قبلت الثلاثة الأيام التي قال رسول الله، أحب إلي من أهلي وم ومالي وولدي!
الجزء 1 · صفحة 46
وفي رواية له عنه قال: كنت أصوم الدهر، وأقرأ القرآن كل ليلة، فاما ذكرت للنبي وإما أرسل إلى فأتيته فقال لي: «ألم أخبر أنك تصوم الدهر، وتقرأ القرآن كل ليلة؟ فقلت: بلى يا نبي الله، ولم أرد بذلك إلا الخير، قال: فان بحسبك أن تصوم من كل شهر ثلاثة أيام، قلت: يا نبي الله إني أطيق أفضل من ذلك، قال: فان لزوجك عليك حقاً، ولزورك عليك حقاً، والجسدك عليك حقاً، فصم صوم داود نبي الله، فانه كان أعبد الناس. قال: قلت: يا نبي الله وما صوم داود؟ قال: كان. يصوم يوماً ويفطر يوماً. قال: واقرأ القرآن في كل شهر، قلت: يانبي الله إني أطيق أفضل من ذلك، قال: فاقرأه في كل عشرين، قلت: يا نبي الله إني أطيق أفضل من ذلك، قال: فاقرأه في كل عشر، قلت: يانبي الله إني أطيق أفضل من ذلك، قال: فاقرأه في كل سبع ولا تزد على ذلك، فان لزوجك عليك حقاً، ولزورك عليك حقاً، والجسدك عليك حقاً». قال. عبد الله: فشدَّدتُ فشُدِّدَ علي! قال: وقال لي النبي: (إنك لا تدري لملك يطول بك عُمر؟». فصرت إلى الذي قال لي النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلما كبرت وددت أني كنتُ قبلت صلى الله عليه وسلم
وفي رواية له) عنه: بلغ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أني أصوم أسرد، وأصلي الليل، فاما أرسل إلي وإما لقيته، فقال: «ألم أخبر أنك تصوم ولا تفطر، وتصلي الليل؟ فلا تفعل، فان لعينك حظاً، ولنفسك حظاً، ولأهلك حظاً، فصم وأفطر، وصَلِّ ونَم، وصم من كل عشرة أيام يوماً، ولك أجر تسعة، قال: إني أجدني أقوى من ذلك يانبي الله، قال: صم صيام داود، قال: وكيف كان داود يصوم ياني الله؟ قال: كان يصوم يوماً ويُفطر يوماً ولا يفر إذا لاقى، قال: من لي بهذه ياني الله؟
الجزء 1 · صفحة 47
وفي رواية له عنه قال: قال لي رسول الله: «يا عبد الله بن عمرو إنك لتصوم الدهر، وتقوم الليل، وإنك إذا فعلت ذلك هجمت له العين ونهكت، لا صام من صام الأبد، صوم ثلاثة أيام من الشهر كله. قلت: فاني أطيق أكثر من ذلك، قال: فصم صوم داود كان يصوم يوماً، ويُفطر يوماً، ولا يفر إذا لاقى
وفي رواية له عنه قال: قال لي رسول الله: «ألم أخبر أنك تقوم الليل وتصوم النهار؟ قلتُ: إني أفعل ذلك، قال: فانك إذا فعلت ذلك هجمت عيناك ونفهت نفسك، لعينك حق، ولنفسك حق ولأهلك حق، ثم ونَمْ، وصُم وأفطر»
وفي رواية له عنه: قال لي رسول الله: «يا عبد الله بن عمرو بلغني أنك تصوم النهار وتقوم الليل فلا تفعل فان لجسد ك عليك حظاً، ولعينك عليك حظاً، وإِنَّ لِزوجك عليك حظا، صُم وأفطر، صم من كل شهر ثلاثة أيام فذلك صوم الدهر، قلت يارسول الله إنَّ بي قُوَّةً، قال: فصم صوم داود، مم يوما وأفطر يوماً». فكان يقول: ياليتني أخذت بالرخصة؟!
وأخرج أبو نعيم في «حلية الأولياء عنه أن رسول الله ل و أخبر أني أقول: لأصومن النهار ولأقومن الليل ماعشت، فقال لي: «أنت الذي تقول: لأصومن النهار ولأقومَنَّ الليل ماعشت؟ فقلت له: قد قلتُ بأبي أنت وأمي، قال: فانك لا تستطيع ذلك».
وفي رواية له عنه: دخل رسول الله بيتي فقال: «يا عبد الله ألم أخبر أنك تكلف قيام الليل وصيام النهار؟ قلت: إني لأفعلُ. قال: إِنَّ مِن حَسْبِك أن تصوم من كل جمعةٍ ثلاثة أيام». فغلظتُ فغلط علي! فقلتُ إني لأجدُ قوةً على ذلك، فقال: «إن لعينك عليك حقاً، وإن لضيفك عليك حقاً، وإن لأهلك عليك حقاً».
الجزء 1 · صفحة 48
وفي رواية له عنه قال: دخل علي رسول الله فقال: «ألم أخبر أنك تكلفت قيام الليل وصيام النهار؟ قال: قلت إني أفعل ذلك يارسول الله، قال: إن من حسبك أن تصوم من كل شهر ثلاثة أيام، فاذا أنت صمت الدهر كله». فغلظت فغلط علي فقلتُ: إني أجدني أقوى من ذلك يارسول الله، فقال: «إِنَّ أعدل الصيام عند الله عز وجل صيام داود عليه السلام». قال: فأدر كني الكبر والضعف حتى وددت أني غرمت مالي وأهلي وأني قبلتُ رخصة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، من كل شهر ثلاثة أيام.
وفي رواية له عنه: قال: «ألم أخبر أنك تصوم النهار لا تفطر، وتُصلي الليل لانام، قال: فحسبك أن تصوم من كل جمعة يومين. قلتُ: يارسول الله إني أجدني أقوى من ذلك، قال: فهل لك في صيام داود عليه السلام فانه أعدل الصيام: تصوم يوماً وتفطر يوماً؟ فقلت: يارسول الله: إني أجد بي قوة هي أقوى من ذلك، قال: إنك لملك أن تبلغ بذلك سنا وتضعف».
وقد رواه أبو نعيم بطرق أخرى أيضاً، وأبو داود والنسائي وابن ماجه، بطرق مختلفة بألفاظ متقاربة، وإنما اقتصرت على ما أوردت طلباً للاختصار، وروما للاقتصار.
ومن ذلك: حديث أبي الدرداء، وهو ما أخرجه أبو نعيم في الخلية» عنه أن سلمان الفارسي دخل عليه فرأى امرأته رنة الهيئة: فقال: مالك؟ فقالت: إن أخاك لا يريد النساء، إنما يصوم النهار ويقوم الليل، فأقبل على أبي الدرداء فقال: إن لأهلك عليك حقاً، فصل ونم، وصُم وأفطر، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال: «لقد أوتي سلمان من العلم».
الجزء 1 · صفحة 49
وفي رواية له عن أبي جحيفة قال: جاء سلمان يزور أبا الدرداء، فرأى أم الدرداء متبذلة، فقال: ما شأنك؟ فقالت: إن أخاك ليست له حاجة في شيء من الدنيا، يقوم الليل، ويصوم النهار. فلما جاء أبو الدرداء رحب به سلمان، وقرب إليه طعام فقال له سلمانُ: اطعم، فقال: إني صائم، فقال سلمان: أقسمت عليك إِلا طَعَمْتَ، ما أنا اكل حتى تأكل، فأكل معه وبات عنده، فلما كان من الليل قام أبو الدرداء فحبسه سلمان ثم قال: يا أبا الدرداء إن لربك عليك حقاً، ولأهلك عليك حقاً، ولجسدك عليك حقاً، أعط كل ذي حق حقه، مم وأنطر، وقم وتم، وانتِ أهلك». وأخرج البخاري وأبو داود مثل ذلك.
و من ذلك: حديث الصحابة السائلين عن أعمال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهو ما أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما عن أنس: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج التي يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أخبروا كأنهم تفاثوها، فقالوا، وأين نحن من رسول الله وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟ فقال أحدهم: أما أنا فأصلّي الليل أبداً، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا. فجاء رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال: «أنتم الذين قلتم كـ كذا وكذا، أما والله إني لأخشاكم الله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني.
وزاد في رواية النسائي: وقال بعضُهم: لا آكل اللحم. وفي رواية للبخاري ومسلم وأحمد عنه: أن نفراً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم سألوا أزواج النبي صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن عمله في السر، فقال بعضُهم: لا أتزوج النساء، وقال بعضهم:: لا آكل اللحم، وقال بعضهم: لا أنام على فراش، وقال بعضهم: أصوم ولا أفطر. فقام النبي صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلم فحمد الله وأثنى عليه فقال:
الجزء 1 · صفحة 50
ما بال أقوام قالوا كذا وكذا؟ لكني أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني».
ومن ذلك: حديث عثمان بن مظعون وعلي بن أبي طالب وغيرهما، وهو ما أخرجه أبو داود في «مراسيله» وابن جرير عن أبي مالك في قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تُحرموا طَيِّبَاتِ ما أَحَلَّ اللهُ لكم. نزلَتْ في عثمان بن مظعون وأصحابه، كانوا حرموا على أنفسهم كثيراً من الشهوات والنساء، وهم بعضُهم أن يقطع ذكره.
وأخرج ابن جرير عن عكرمة قال: كان أناس من أصحاب رسول الله وهموا بالخصاء وترك اللحم والنساء، فنزلت: يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طَيِّبَاتِ ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إِنَّ الله لا يُحب المعتدين
وأخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن عكرمة عن عثمان بن مظعون في نفر من الصحابة قال بعضُهم لا آكل اللحم، وقال الآخر: لا أنام على فراش، وقال الآخر: لا أتزوج النساء، وقال الآخر: أصوم ولا أُفطِر، فأنزل الله هذه الآية.
وأخرج ابن جرير وعبد الرزاق وابن المنذر عن أبي قلابة قال: أراد ناس من أصحاب التى أن يرفضوا الدنيا، ويتركوا النساء، ويترهبوا، فقام رسول الله فغلظ فيهم المقالة، ثم قال: «إنما هلك من كان قبلكم بالتشديد، شدَّدوا على أنفسهم فشدَّدَ اللهُ عليهم، فأولئك بقاياهم في الديار والصوامع، اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وحجوا واعتمروا، واستقيموا يستقيم بكم، قال: ونزل فيهم: لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم.
وأخرج عبد الرزاق وابن جرير عن قتادة في قوله تعالى: لا تحرموا * قال: نزلت في أناس من أصحاب التي أرادوا أن يتخلوا من الدنيا ويتركوا النساء ويتزهدوا، منهم علي بن أبي طالب وعثمان بن مظعون.
الجزء 1 · صفحة 51
وأخرج ابن جرير عن السدي قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم جلس يوماً فذكر الناس، ثم قام ولم يزدهم على التخويف، فقال ناس من أصحاب النبي. كانوا عشرة فيهم علي وعثمان بن مظمون -: إن النصارى قد حرموا على أنفسهم، فنحن نحريم أكل اللحم والودك، وحرم بعضهم النوم، وحرم بعضهم النساء، فكان عثمان ممن حرم النساء، وكان لا يدنو من أهله، فأنت امرأته عائشة، فقالت لها: ما بالك متغيرة اللون لا تمتشطين ولا تطيبين؟ فقالت: وكيف أتطيب وأمنشط وما وقع علي زوجي ولا رفع عني ثوباً منذ كذا وكذا، فجعلن يضحكن من كلامها، فدخل رسول الله وهن يضحكن، فقال: «ما يُضحككن؟» فقلن: يا رسول الله هذه الحولاء، سألتها عن أمرها فقالت: ما رفع على زوجي ثوباً منذ كذا وكذا، فأرسل إليه فدعاه فقال: ما بالك يا عثمان؟ قال: إني تركته لكي أتخلى للعبادة وقص عليه أمره، وكان عثمان قد أراد أن يجب نَفْسه فقال رسول الله: أقسمت عليك إلا رجعت فواقعت أهلك، فقال: يارسول الله إني صائم، قال: فأفطر، فأفطر وأتى أهله، فرجعت الحولاء إلى عائشة وقد اكتحلت وامتشطت وتطيَّبت، فضحكت عائشة فقالت: ما بالك؟ فقالت: إنه أناها أمس. فقال رسول الله: مابال أقوام حرموا النساء والطعام والنوم، ألا إني أنام وأقوم، وأفطر وأصوم، وأنكح النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني». سنتي فليس مني .. فنزل قوله تعالى: ولا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم.
الجزء 1 · صفحة 52
وأخرج ابن جرير وابن المنذر وأبو الشيخ عن عكرمة أن عثمان بن مظعون وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود والمقداد ابن الأسود وسالماً مولى أبي حذيفة تبتلوا، فجلسوا في البيوت واعتزلوا النساء، وحرموا طيبات الطعام واللباس، وهموا بالاختصاء وأجمعوا لقيام الليل وصيام النهار، فنزل قوله تعالى: لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم. فبعث إليهم رسول الله فقال: «إن لأنفسكم حقاً، وإن لأعينكم حقاً، وإنَّ لأهلكم حقاً، فصلوا وناموا وأفطروا، فليس منا من ترك سنتنا.
فهذه الأخبار وأمثالها: تنادي بأعلى نداء على أنَّ التشدد في التعبد وإيثار الاجتهاد في الطاعة ممنوع عنه في الشرع، وليس ذلك من الملكة الحنيفية السهلة البيضاء.
فهؤلاء الذين اجتهدوا وجاهدوا في العبادة قد ارتكبوا ما نهى التي عنه فلا عبرة بفعلهم، فان القول ما قال الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
والجواب عنه:
أما عن حديث الحولاء، فهو أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يمنعها من كثرة الصلاة، بل أجاز العمل بحسب الطاقة وإلى أن يسأم العامل فيترك العمل.
وأما عن حديث زينب، فهو أنها كانت تصلي بحيث تمل وتفتر، فتمسك الحبل الممدود، فمنعها النبي صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن ذلك، وهذا غير المتنازع فيه.
وأما عن حديث عبد الله بن عمرو، فهو أنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم قد علم من حاله أنه لا يتمكن من الدوام على ما التزمه، فهداه إلى سبيل الرخصة وعلله بأن لنفسه عليه حقاً، ولأهله عليه حقاً، وبأنه إذا فعل ذلك ضعفت عينه، ونبك بدنه، فدل ذلك على أن الجهاد بحيث يُورث ملال الخاطر وكسله، أو يُخل بشيء من الحقوق الشرعية: ممنوع عنه ولا دلالة له على منعه مطلقاً.
الجزء 1 · صفحة 53
وأما عن حديث أبي الدرداء، فهو أنه قد التزم العبادة بحيث ترك الحقوق الواجبة فنهاه سلمان، فهو أيضاً يدل على أن التشدد بحيث يُفضي إلى الفتور في الحقوق منهي عنه، لا مطلقاً
وأما عن حديث رهط من الصحابة، فهو أنهم تقالوا عمل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وظنُّوا أنه إنما لا يجتهد لكونه مغفوراً له، وأوجبوا على أنفسهم ما لم يُوجبه الله، وأعرضوا عن الطريقة السهلة، فلذلك زجرهم النبي صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن ذلك، وهداهم إلى طريقته، وقال: من رغب عن سنتي». أي أعرض عنها غير معتقد حُسن ما أنا عليه، كما ظنّه ذلك النفر من الصحابة «فليس مني». أي ليس ممن يسلك مسلكي ويهتدي بهديي، ولا دلالة له على أنه إذا اجتهد رجل حسب طاقته غير موجب مالم يوجبه الله وغير مُفضل مسلكه على المسلك النبوي لا يجوز ذلك.
وأما عن حديث عثمان بن مظعون وغيره، فهو أنهم قد كانوا حرموا على أنفسهم مالم يُحرمه الله. وأوجبوا على أنفسهم ما لم يُوجبه الله، فنهوا عن ذلك، ولا دلالة له على نفي التشدد مطلقاً، بل على التزامه بحيث يُورث إلى إبداع أمر في الشرع ليس منه.
الجزء 1 · صفحة 54
ونعم التحقيق في هذا المقام: ما أورده البر كيلي في «الطريقة المحمدية» لدفع المعارضة بين هذه الأحايث وبين مجاهدات السلف حيث قال: «إِنَّ المنع عن التشديد في العبادة معلل بعلتين: لميَّة، وهي: الإفضاء إلى إهلاك النفس أو إضاعة الحق الواجب للغير أو ترك العبادة أو ترك مداومتها. وإنيَّة، وهي: أن نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم أرسل رحمة للعالمين، ومؤيد من عند الله فيقوى على ما لا يقوى عليه آحاد الأمة، وإنه أخشى الناس من الله وأتقاهم وأعلمهم بالله، فلا يتصور منه البخل وترك النصح، ولا التواني والتكاسل، ولا الجهل في أمر الدين، فلو كان في العبادة والقرب من الله طريق أفضل وأنفع غير ماهو عليه لفعل أو بينه وحث عليه، فيُجزم قطعاً أن ما هو عليه أفضل وأقرب إلى معرفة الله.
فيحمل ماروي عنهم على أنهم إنما فعلوا ذلك التشديد إما مداواة لأمراض القلوب، أو يكون العبادة عادة لهم وطبعاً كالغذاء للصحيح، فيتلذذون بها بلا إضاعة حق ولا ترك مداومة ولا اعتقاد أنه أفضل مما عليه أفضل البشر أو قاله.
وأما نبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقد بلغ الدرجة العليا من الكمال، وهي أن لا يمنع عن توجه القلب شيء، لا التكلم مع المخلق ولا الأكل ولا الشرب ولا النوم ولا ملامسة النساء، ويكون الخلطة والعزلة سواء، فاقتصاره على بعض العبادات الظاهرة لكونها أفضل له ولأمته. وتلذذه عليه السلام دائم لا يختص بالعبادة الظاهرة.
الجزء 1 · صفحة 55
وقد بلغ بعض المشايخ، إلى حيث كان له حظ من هذه الدرجة، حتى قال: «من رآني الآن صار زنديقاً، ومن رآني قبل صار صديقاً، حيث كان يقتصر في نهايته من العبادات الظاهرة على الفرائض والواجبات والسنن، ويأكل ويشرب وينام كالعوام، وفي بدايته يجتهد ويرتاض. فمن رأى اجتهاده يجتهد كاجتهاده حتى يصير صديقاً، ومن رأى في نهايته يُنكر الاجتهاد والطريقة أصلاً، فيخاف عليه الكفر. فلا يخلو مانقل عن السلف من التشديد عن الملتين المذكورتين، وهذا هو المحمل الصحيح الحق" الصريح، فلا تُفرِط ولا تفرط، وابتغ بين ذلك سبيلا». انتهى كلامه.
وفي «الحديقة الندية»: «جميع ما ورد عن سلف الماضين من التشديدات المذكورة والرياضات والمجاهدات لا تخالف شيئاً من الدين المحمدي" أصلاً، بل هي واردة أيضاً في الكتاب والسنة في حق من يقدِرُ عليها ويتفرغ لها، من غير أن تكون واجبةً عليه، لأنها نقل زائد على ما كلف به، مثاب عليها.
كما ورد الاقتصاد والتوسط في العمل أيضاً في الكتاب والسنة في حق من لا قدرة له ممن يُخاف عليه الملل، وفي الدين تسهيل و تصعيب: قال الله تعالى: اتَّقُوا الله حق تقاته. وقال: حَقَّ فاتَّقُوا الله ما استطعتُم. وورد عنه صوم الوصال، وكثرة الجوع حتى كان يربط الحجر على بطنه، وورد عنه أنه قام الليل حتى تورمت قدماه، وكذلك ورد كثرة الصيام والقيام عن أزواجه أمهات المؤمنين، كما تقدم فيا الحبل المربوط لزينب وأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بحله للشفقة عليها.
ولهذا كان عبد الله بن عمرو لما نهاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن كثرة العبادة لم يفهم انقلاب ذلك معصية بل قال) لما كبر: وَدِدْتُ أني قبلت رخصة رسول الله الله، فسمى ما أمره به رخصة، وما فعله هو عزيمة، ولم يسم ما أمره به الدين فقط.
الجزء 1 · صفحة 56
ومن تأمل ما سبق من الآيات والأحاديث كلها علم أنَّ ذلك كله رحمة من الله بالأمة ومن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وترخيص للمؤمنين لا يكون عليهم حرج في الا ج في الدين، فان قوله تعالى: لا تُحر مواطيبات ما أحل الله لكم). أي لا تعتقدوا حرمتها بانكار الرخصة لكم فيها، فلو لم يُحرموها وتركوا تناولها زهداً في الشيء الفاني: لا معصية في فعلهم.
وكذلك قوله تعالى: {قُلْ من حرم زينة الله التي أخرج العباده والطيبات من الرزق. وقوله عليها السلام في آخر الحديث: فمن رغب عن سنتي فليس مني»). أي من لم يعتقد جواز ما فعلته ورخصت فيه وفعل أشد منه، في مقابلة قولهم: «فأين نحن من رسول الله؟»، يُريدون بذلك إبطال الترخيص الشرعي، فقال لهم ما قال.
فالحاصل: أن السلف الماضين اختاروا العزائم في أنفسهم لأنهم أهل الهمم والعزائم، وكانوا معترفين بصحة الرخص الشرعية يفتون بها للعامة، ويحرضونهم على فعلها، كما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يفعل أحيانا: يأمر بالرخص ويفعل بالعزائم، كما أخبر في قضية صوم الوصال». انتهى كلامه ملخصاً.
وفي «إرشاد الساري شرح صحيح البخاري» تحت حديث قيام النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حتى تورمت قدماه: «فيه أخذ الإنسان على نفسه بالشدة في العبادة وإن أخر ذلك ببدنه، لكنينبغي تقييد ذلك بما لم يفض إلى الملال، لأن حالة النبي - صلى الله عليه وسلم - كانت أكمل الأحوال، فكان لا يمل من العبادة وإن أضر ذلك ببدنه، بل صح عنه عليه السلام أنه قال: «وجُعِلَتْ قُرَّةُ عيني في الصلاة». فأما غيره صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فاذا خشي الملل ينبغي له أن لا يكد نفسه حتى يمل، نعم الأخذ بالشدة أفضل، لأنه إذا كان هذا فعل المغفور له فكيف من جهيل حاله وأثقلت ظهره الأوزار ولا يأمن. عذاب النار؟» انتهى. ومثله في «المواهب اللدنية» كما مر نقله في المقصد الأول
الجزء 1 · صفحة 57
وفي كتاب «الأذكار» (4) للنووي: «قد كانت للسلف عادات مختلفة في القدر الذي يختمون فيه)، فكان جماعة منهم يختمون في كل شهرين ختمة، وآخرون في كل شهر ختمة، وآخرون في كل عشر ليال ختمة، وآخرون في ثمان ليال ختمة، وآخرون في سبع ليال؛ وهذا فعل الأكثرين من السلف، وآخرون في كل ست ليال، وآخرون في خمس، وآخرون في أربع، وكثيرون في كل ثلاث، وكان كثيرون يختمون في كل يوم وليلة ختمة.
وختم جماعة في كل يوم وليلة ختمتين، وآخرون في كل يوم. والليلة ثماني ختمات؛ وليلة ثلاث ختمات.، وختم بعضهم في اليوم. أربعاً في الليل وأربعاً في النهار، وممن ختم كذلك: السيد الجليل ابن الكاتب الصوفي، وهذا أكثر ما بلغنا في اليوم والليلة.
وروى السيد الجليل أحمد الدورقي باسناده عن منصور بن زاذان من عباد التابعين أنه كان يختم القرآن ما بين الظهر والعصر، ويختمه أيضاً ما بين المغرب والعشاء، ويختم في رمضان ما بين المغرب والعشاء ختمتين وشيئاً، وكانوا يؤخرون العشاء في رمضان إلى أن يمضي ربع الليل، وروى ابن أبي داود باسناده الصحيح أن مجاهداً كان يختم القرآن في رمضان فيما بين المغرب والعشاء.
وأما الذين ختموا القرآن في ركمة فلا يحصون لكثرتهم، منهم عثمان بن عفان وتميم الداري وسعيد بن جبير.
والمختار أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص، فمن كان يظهر له بدقيق الفكر لطائف ومعارف فليقتصر على قدر يحصل له معه كمال فهم ما يقرأ، وكذا من كان مشغولاً نشر العلم أو فصل الحكومات أو غير ذلك من مهمات الدين والمصالح العامة للمسلمين، فليقتصر على قدر لا يحصل بسببه إخلال بما هو مرصد له ولا فوات كماله، ومن لم يكن من هؤلاء المذكورين فليستكثر ما أمكنه من غير خروج إلى حد الملل والهَدْرَمة في القراءة». انتهى.
الجزء 1 · صفحة 58
وفي «المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج» للنووي: حديث عبد الله بن عمرو: «قد كانت للسلف عادات مختلفة فيما يقرؤون كل يوم، بحسب أحوالهم وأفهامهم ووظائفهم، فكان بعضهم يختم القرآن في كل شهر، وبعضُهم في عشرين يوماً، وبعضُهم في عشرة أيام، وبعضُهم أو أكثرهم في سبعة، وكثير منهم في ثلاثة، وكثير في كل يوم وليلة، وبعضُهم في كل ليلة، وبعضُهم في اليوم والليلة ثلاث ختمات، وبعضهم ثمان ختمات؛ وهو أكثر ما بلغنا.
والمختار أنه يستكثر منه ما يمكنه الدوام عليه، ولا يَعتادُ إِلا ما يغلب على ظنه الدوام عليه في حال نشاطه وغيره، هذا إذا لم تكن له وظائف عامة أو خاصة يتعطل بإكثار القرآن عنها، فان كانت له وظيفة عامة، كولاية وتعليم ونحو ذلك، فليوظف لنفسه قراءة يمكنه المحافظة عليها مع نشاطه وغيره من غير إخلال بشيء من كمال تلك الوظيفة، وعلى هذا يُحملُ ما جاء عن السلف». انتهى. ومثله في «الإتقان في علوم القرآن» للسيوطي.
وخلاصة المرام في هذا المقام - وهو الذي أختار تبعاً للعلماء الكرام -:
أن قيام الليل كله، وقراءة القرآن في يوم وليلة مرة ومرات، وأداء ألف ركمات أو أزيد من ذلك، ونحو ذلك من المجاهدات والرياضات ليس ببدعة، وليس بمنهي عنه في الشرع، بل هو أمر حسن مرغوب إليه، لكن بشروط:
أمرها: أن لا يحصل من ذلك ملالُ الخاطر، يفوت به التذاذ العبادة وحضور القلب، يُؤخذ ذلك من حديث: «ليصل أحدكم نشاطه». أي مُدَّة نشاط خاطره وسرور طبيعته.
وثانيها: أن لا يتحمل بذلك على نفسه مشقة لا يمكن له تحملها بل يكون ذلك مطاقاً له، يؤخذ ذلك من حديث: «عليكم من الأعمال ما تطيقون»
الجزء 1 · صفحة 59
وثالها: أن لا يفوت بذلك ماهو أهم من ذلك، مثلاً إن كان قيامه بالليل يفوت صلاة الصبح لا يجوز له قيام الليل كله، فان أداء الفرض أهم من أداء النوافل، ويدل عليه ما أخرجه مالك عن أبي بكر بن سليمان بن أبي حشمة قال: إنَّ عمر بن الخطاب فقد سليمان ابن أبي حشمة في صلاة الصبح، وإن عمر غدا إلى السوق، ومسكن سليمان بين المسجدِ والسوق، فمر على الشفاء أم سليمان فقال لها: لم أر سليمان في الصبح، فقالت: إنه بات يصلي فغلبته عيناه فقال عمر: لأن أشهد صلاة الصبح في جماعة أحبُّ إليَّ من أن أقوم ليلةٌ. وكذلك من يقوم الليل ويَسرُدُ الصوم إن كان ذلك بحيث يفوتُ منه حضور الجماعات وصلاة الجنائز ونشر العلم بالتدريس والتصنيف ونحو ذلك: لا ينبني له ذلك.
ورابعها: أن لا يفوت بذلك حق من الحقوق الشرعية، كحق الأهل والأولاد والضيف وغير ذلك، يُؤخذ ذلك من قصة عبد الله بن عمرو وأبي الدرداء
وخامسها: أن لا يكون فيه إبطال للرخص الشرعية بحيث مد الترخيص الشرعي باطلاً والعامل بالرخص عاطلاً، يؤخذ ذلك من حديث الصحابة الذين تقالوا عمل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
وسادسها: أن لا يكون فيه إيجاب ما ليس بواجب في الشرع وتحريم ما لم يُحرم في الشرع، يؤخذ من حديث عثمان بن مظعون.
الجزء 1 · صفحة 60
وسابعها: أن يُوقي أركان العبادات حظها، فلا يجوز أن يكثر من ركعات الصلاة ويؤديها كنقر الديك، أو يُكثر قراءة القرآن من غير تدبر وترتيل ونحو ذلك، وعليه يحمل قوله عليه الصلاة والسلام: «لا يفقه القرآن من قرأه في أقل من ثلاث» أخرجه أبو داود والترمذي وغيرهما من حديث عبد الله بن عمرو، وبه أخذ جماعة فكر هوا ختم القرآن في أقل منه، وحمله آخرون على أنه ليس نفياً للثواب بل للفهم، قال الترمذي في «جامعه»: «قال بعض أهل العلم لا يُقرأ القرآن في أقل من ثلاث للحديث الذي روي عن النبي صلى الله عليه وسلم، ورخص فيه بعض أهل العلم، وروي عن عثمان بن عفان أنه كان يقرأ القرآن في ركعة يُوتِرُ بها، وروي عن سعيد بن جبير أنه قرأ القرآن في ركعتين في الكعبة. والترتيل في القراءة أحبُّ إلى أهل العلم» انتهى.
وثامنها: أن يدوم على ما يختار من العبادة لا يتركه إلا لعذر، يؤخذ ذلك من قول النبي صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل». أخرجه مسلم من حديث عائشة، وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «ياعبدالله لا تكن مثل فلان كان يقوم من الليل فترك قيام الليل».
وتاسعها: أن لا يكون اجتهاده مورثا للملال إلى أحد من المسلمين، كأن يجتهد في قراءة السور الطوال أو تمام القرآن في صلاة الجماعة، فان ذلك مما يُورث ملال المقتدين، فان فيهم الضعيف والسقيم وصاحب الحاجة.
يؤخذ ذلك مما أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا صلى أحد كم للناس فليخفف، فان: أحدكم فيهم الضعيف والسقيم والكبير، وإذا صلى لنفسه فليطول ماشاء».
الجزء 1 · صفحة 61
وأخرجا أيضاً عن أبي مسعود الأنصاري: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال: يارسول الله إني لا أكاد أدرك الصلاة مما يُطولُ بنا فلان، فما رأيتُ رسول الله في موعظة أشد غضباً من يومئذ فقال: «أيها الناس إِنَّ منكم منفرين، من صلى بالناس فليخفف، فانَّ فيهم الكبير والضعيف وذا الحاجة».
وأخرجا أيضاً عن جابر قال: صلى معاذ لأصحابه العشاء فطول عليهم، فانصرف رجل، فأخبر معاذ عنه فقال: إنه منافق، فلما بلغ ذلك الرجل دخل على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فأخبره ماقال معاذ، فقال له الني: «أتريد أن تكون فتانا يامعاذ؟ إذا أمت بالناس فاقرأ بالشمس وضحاها، وسبح اسم ربك الأعلى، واقرأ باسم ربك، والليل إذا يَغْشَى» والأخبار في هذا الباب كثيرة.
عاشرها: أن لا يكون اجتهاده مُورِ تا إلى اعتقاد أنه أفضل عملاً مما كان عليه رسول الله وأكثر أصحابه من تقليل العمل.
فمن وجدت فيه هذه الشروط فالتشدد في العبادة أحق له؛ وأصحاب الرياضات السابقين كانوا جامعين لهذه الشروط فجاز لهم ذلك، ولم يُنكر عليهم أحد ذلك. ومن فات لَهُ شَرط منها فالاقتصاد في. العمل والتوسط أليق له. هذا هو الطريق الوسط الذي يرتضيه كل منصف، لا إفراط فيه ولا تفريط مما يذهب إليه كل متعسف. ولعل هذا التحقيق الأنيق مما لم يقرع سمعك به أحد من السابقين! خذه بقوة وكن من الشاكرين.
خاتمة
قد وقع السؤال كثيراً عما تداول الناس في زماننا، في ليلة السابع والعشرين أو غيرها من ليالي رمضان أنهم يُزينون المسجد بالفرش، ويكثرون تعليق القناديل وإسراج الشرج، ويُعينون حفاظاً سريعي القراءة جيدي الحفظ، لختم القرآن كله في ليلة واحدة في صلاة التراويح، فيؤم واحد بعد واحد، ويقرأ كل واحد حسبما أمكن له في ركمتين أو ركعات إلى أن يحصل الختم قريب الصبح الصادق أو وقت السحر حسب سرعةِ القارئين وبطهم، ويُسمونه: ختم شبينه، فهل يجوز ذلك أم لا؟
الجزء 1 · صفحة 62
فأجبت بأنَّ نَفْس ختم القرآن في ليلة أمر مرغوب إليه، لكن ضم أمور قبيحة معه: قبيح، وتفصيله: أن فيما تداولوه وحسبوه أمراً حسناً أموراً بعضُها حسنة وبعضها مستقبحة:
الأول: ختم القرآن في ليلة، وهو أمر حسن، قد فعله كثير من السلف، بل منهم من ختمه في ركعة واحدة
والثاني: سُرعة القراءة، فانهم يسرعون في القراءة إلى حيث لا تخرج الحروف من مخارجها فضلاً عن التدبر والترتيل، وهو أمر قبيح، كما أخرج ابن أبي داود عن مسلم بن مخراق قال: قلتُ لعائشة إن رجالا يقرأ أحدهم القرآن في ليلة مرتين أو ثلاثا، فقالت: قرؤوا ولم يقرؤوا، كنت أقوم مع رسول الله ليلة فيقرأ بالبقرة وآلِ عمران والنساء فلا يمر بآية فيها استبشار" إلا دعا ورغب، ولا بآية فيها تخويف إلا دعا واستعاذ. بل منهم من يسرع بحيث يترك آيات ولا يقدر - بسبب سرعته - سامعه ان يفتحه، بل منهم من لا يأخذ فتحه لئلا يخل بسرعته، وأي أمر أقبح من هذا!! وقد رأيت ماهو أقبح من ذلك وهو أنه إذا فرغ الحافظ من القراءة فالسامعون كلهم يبسطون ألسنتهم بالثناء في حقه ويقولون: ما أسرع قراءتك؟ وما أحسن صوتك؟ وأمثال ذلك، ولا ينبهونه على ما ارتكب من ترك الترتيل وحذف الآيات.
والثالث: تكاسل السامعين، فان الحافظ إذا قام للقراءة ينتظرون لركوع الركعة الأولى، فاذا أراد أن يركع يشتركون معه، فق أن يقال في حقهم: وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى.
والرابع: تنفير المقتدين، فان الحافظ إذا طول في القراءة ينقل ذلك على من اشترك به، فمنهم من يقعد، ومنهم من يراوح بين القدمين، ومنهم من ينقض الركمة ويسمع جالسا خارج الصلاة، وأي مفسدة أعظم من ذلك! ومن ثم نص الفقهاء على أنه ينبغي أن يقرأ في التراويح قدر ما لا ينقل عليهم.
الجزء 1 · صفحة 63
والخامس: إسراج القناديل الكثيرة فوق حاجته، وهو أمر لهو ولعب ينبغي التحرز عنه، كما نص عليه الفقهاء في مواضع. فهذه وأمثالها مفاسد قد أخرجت الأمر الحسَن إلى درجة القبح، وكم من شي حسن يصير مع ضم ضميمة قبيحاً. والله أعلم بالصواب، وعنده أم الكتاب.
هذا آخر الكلام في هذا المقام، وكان الاختام يوم الجمعة العشرين من الربيع الثاني من شهور سنة الحادية والتسمين بعد الألف والمائتين من هجرة سيد الثقلين، عليه وعلى آله صلاة رب المشرقين. و آخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين والصلاة على رسوله محمد وآله وصحبه أجمعين.