الجزء 1 · صفحة 7
بسم الله الرحمن الرحيم
يا من تنزهت ذاته، وتجلت صفاته وعمت، نواله يا من كان العجز عن دراك إدراكه، وصار البحث عن سر ذاته إشراك.
نحمدك على من ألهمنا من دقائق الحكم، وعلمنا من العلم ما لم نعلم، ونشكرك على منك الآلاء بلا منك الإبلاء؛ امتثالاً لأمرك بالقصور والفتور والإغباء.
أنت الذي تولي من العلم والحكم من تشاء ما تشاء.
وأسألك أن تعلي عيني بعين الجود والعطاء، وتجلّي عن عيني عين البخل والغطاء، وتجعلني تصنفياً بآثار العلماء الذي هم ورثة الأنبياء، ومستمسكاً بالشرع الأقوم الذي تمسك به الصلحاء، ومستهدياً بالنهج الأحكم الذي سلك به الأتقياء، ومخلصاً عن شرك الشرك الخفي باللطف والعطاء.
ونصلي ونسلم على حبيبك الأعظم، ونبيك الأكرم محمد ممهد الهمم من خزائن الجود والكرم، مظهراً الاسم الأعظم، ممهد قواعد المكارم على الوجه الأكمل الأشم، حتى عمّ نفعها الصحيح والسقيم والمسافر والمقيم، صاحب الشريعة الكبرى، واقف السراء والضراء، وعلى آله وأصحابه الذين هم برر الأولياء والأتقياء، وبعد:
فيقول الفقير إلى الله الغني محمد بن ولي بن رسول القير شهري نزيل إزمير، صانها الله وأهلها عن التدمير: إن كتاب الأشباه والنظائر قد تناهجت به العلماء الأخلاء، وتفاخرت به الفضلاء الأجلاء، حتى صار عمدة المدرسين في المدارس ومحزن المصدرين في المجالس، فلم يزالوا مشتغلين به حين صنف في كل زمان، ويتدارسونه في كل مكان؛ لكونه حاوياً للدقائق، جامعاً للحقائق، ومشتملاً على قواعد عجيبة، وفوائد غريبة ومؤسساً على أصول متينة، وفصول رصيفة، ومرتباً على ترتيب أنيق، وتركيب حقيق، فكذلك قد تصدّى لشرحه جمع كثير ممن صار أهلاً له ومن لم يصر، ومع ذلك لم يعط أحد منهم حقاً شرحه وغاب عن أكثرهم أجل فوائده، بل لا يحرم أعلمهم ساحة دقائقه، فأردت أن أكتب له شرحاً يزيل مغلقاته، ويكشف معضلاته، ويحل عباراته، ويحتوي مسائل مهمة من الفتاوى في أثناء تدريسه مع الإخوان من الطلاب، لكنه قد جرى على صفحات كثير من بلاد الإسلام، بلاد آل عثمان ما يطول عرضه من البليات الصورية والخفية الرافعة للأمن والأمان الناشئة من الفرق الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً، فيهجس في صدري شيء منهم، وإن اعتزلت كأنه قلت لهم هدعاً.
ومع ذلك شرعت فيما قصدت، مستعينا بالله ومتوكلاً على الله قائلاً: رب نجني منهم ومن معي من المؤمنين، فاستجاب مسألتي، وجعلنا محفوظين من القوم الظالمين، فإن يسر الله تعالى إتمامه نجعله تحفة الأحباب، وتذكرة للطلاب، وسترة لحضرة الأرباب اللهم اجعلني من جملة المشتغلين بكتابك العظيم، وزمرة المتابعين لسفن نبيك الكريم، وفرقة المعصومين من مخالفة الشرع القويم.
@
الجزء 1 · صفحة 8
الفن الأول: في القواعد الكلية
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: الفن الأول: في القواعد الكلية:
هي جمع قاعدة.
وهي قضية كلية تستنبط منها أحكام جزئيات موضوعها، كبرى يجعلها صغرى سهلة الحصول، كما اصطلح عليه أرباب الأصول والمعقول.
@
الجزء 1 · صفحة 9
القاعدة الأولى: لا ثواب إلا بالنية.
صرّح به المشايخ في مواضع في الفقه.
أولها: في الوضوء، سواء قلنا: إنها شرط الصحة، كما في الصلاة والزكاة والصوم والحج، أو لا، كما في الوضوء والغسل.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: سواء قلنا:
تفصيل لقوله: لا ثواب إلا بالنية.
قوله: كما في الوضوء:
أي من حيث كونه وسيلة للصلاة، لا من حيث إنه عبادة.
وإلا فهي شرط فيه أيضاً من هذه الحيثية اتفاق.
لكن كلامنا ليس فيه من هذه الحيثية، بل في كونه وسيلة للصلاة.
ومنه ظهر الجواب عن استدلال الشافعي على اشتراط النية في صحة الوضوء، كما في الصلاة، بأنه عبادة، وكل عبادة لا تصح بدون النية.
قلنا: سلمنا ذلك، لكن كلامنا ليس في كونه عبادة، بل في أنه إذا لم ينو فيه، هل يصح أن يقع شرطاً معتبرًا للصلاة أو لا يصح.
فقلنا: إنه يصح؛ لأن الشروط ليست مقصودة لذاتها، بل لحصول المشروط، فبأي وجه حصل، حصل المقصود.
ولا دليل لهم على أن الشرط هو الوضوء من حيث إنه عبادة، فلا حاجة لصحته إلى النية.
ثم لا يخفى عليك أن هذا في الوضوء بالماء المطلق، وإلا فالنية شرط في صحة الوضوء، وسؤر الحمار.
وبنبيذ التمر عندنا، على الأصح، كما شرط في التيمم.
وقيل: لا يشترط فيه أيضاً.
@
الجزء 1 · صفحة 10
وعلى هذا قرروا حديث: إنما الأعمال بالنيات أنه من باب المقتضى، إذ لا يصح بدون تقدير؛ لكثرة وجود الأعمال بدونها، فقد روا مضافاً أي حكم الأعمال.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: وعلى هذا:
أي ما قلنا: إن النية ليست بشرط في صحة جميع الأعمال، بل في بعضها.
قوله: إنه من باب المقتضى:
على صيغة المفعول، وهو اللازم المقدم، كما قرروا في نحو: أعتق عبدك عني، أي بعه مني وأعتق عني.
واللازم المؤخر يقال له: الموجب.
ثم هذا مخالفٌ لما صرّح به فخر الإسلام البزدوي، وعامة الشروح من الكشف والتقرير وغيرهما من أن الحديث المذكور من قبيل المحذوف لا المقتضى مثل: گ گ.
فإنه قال في بحث المقتضى من البزدوي: وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: إنما الأعمال بالنيات من قبيل المحذوف لا من قبيل المقتضى.
وقال في الكشف و التقرير و السراج الهندي: إن هذا الحديث من قبيل ما يكون المقدر محذوفاً لا مقتضى.
فإن قيل: إنه لو كان من قبيل المحذوف، لما امتنع العموم فيه؛ لأن المحذوف ثابت لغة، وما كان كذلك لا يمتنع العموم فيه بالاتفاق، لكنه ممتنع فيه.
أجيب عنه: بأن امتناع العموم فيه ليس من قبل أنه من قبيل المقتضى، بل من جهة أن المحذوف ههنا لفظ مشترك.
والمشترك لا يقبل العموم عندنا.
اللهم إلا أن يحمل كلامه على عدم الفرق بين المحذوف والمقتضى، كما هو مذهب القدماء من الأصوليين.
لكن التحقيق هو الفرق بينهما على ما هو ذهب إليه المحققون من أصحابنا، وعامة المتأخرين، وسيأتي الكلام في جهة الفرق بينهما إن شاء الله تعالى.
قوله: لكثرة وجود الأعمال بدونها:
وذلك ينافي الحصر المستفاد من كلمة إنما الداخلة على المعرف بلام الاستغراق، فيحتاج إلى التقدير بالضرورة؛ لتصحيح كلام الشارع، فقدروا مضافاً.
قوله: بدونها: أي بدون النية كالطلاق، والبيع، ونحوهما.
قوله: فقدروا مضافاً:
هذا التفريع يناسب كون الحديث من باب المحذوف، لا من باب المقتضى لأن المقتضى من قبيل المعنى، لا من قبيل المضاف المحذوف المقدر في نظم العبارة؛ لأنه من صفات الألفاظ دون المعاني.
وهذا من وجه الفرق بينهما.
و من وجوه الفرق أيضاً أن المحذوف ثابت لغة، والمقتضى ثابت شرعاً ومنها: أن المقتضى إذا صُرّح به في الذكر، لا يغير المقتضى عن إعرابه، وعما كان عليه قبله من الحكم، بل يقرّره؛ لأنه ثبت شرطاً لصحته، والشرط لا يغيّر المشروط، بخلاف المحذوف، فإنه يغيّر المذكور عند التصريح به، ويقطع الحكم المضاف إلى المذكور، ويتوجه إلى المقدّر، كما في قوله تعالى: گ.
ومنها: أن للمحذوف عموماً، دون المقتضى.
إلى غير ذلك من وجوه على ما بيّن في الأصول.
@
الجزء 1 · صفحة 11
وهو نوعان: أخروي، وهو الثواب واستحقاق الثواب.
ودنيوي، وهو الصحة والفساد.
وقد أريد الأخروي بالإجماع؛ للإجماع على أنه لا ثواب ولا عقاب إلا بالنية، فانتفى الآخر أن يكون مراداً. إما لأنه مشترك ولا عموم له، وإما لاندفاع الضرورة به من صحة الكلام به فلا حاجة إلى الآخر.
والثاني أوجه؛ لأن الأول لا يسلمه الخصم؛ لأنه قائل بعموم المشترك، فحينئذ لا يدل على اشتراطها في الوسائل للصحة، ولا على المقاصد أيضاً.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: وقد أريد الأخروي بالإجماع: فيه للخصم أن يقول: إنكم إن أردتم أن الأخروي مراد من لفظ الحكم المقدر في الحديث بالإجماع؛ بناء على أنه لا ثواب بدون النية اتفاقاً.
بمعنى إرادة المعنى الموضوع له من اللفظ الموضوع.
قلنا: سلمنا أنه لا ثواب بدون النية، لكن هذا لا يقتضي كون الثواب مراداً في الحديث بهذا المعنى؛ لأن موافقة الحكم للدليل لا يقتضي إرادته منه، وثبوته بذلك المعنى، حتى
يلزم عموم المشترك اللفظي، بمعنى إرادة معنيية في حالة واحدة عند إرادة الآخر أيضاً؛ لجواز إرادته منه بطريق الاشتراك المعنوي.
إذ لم يثبت بعد كون لفظ الحكم مشتركاً لفظياً بين المعنيين.
مثلاً: قولنا العين جسم ليس من عموم المشترك اللفظي في شيء، وإن كان الحكم بالجسمية ثابتاً لمعانيه جميعاً.
وإن أردتم به معنى آخر فليبين حتى نتكلم عليه.
قوله: إما لأنه:
أي الحكم المقدر مشترك، أي بالاشتراك اللفظي.
وإلا، فللمشترك المعنوي عموم بالاتفاق.
للخصم أن يقول: فلم لا يجوز أن يكون الحكم مشتركاً معنوياً، ويراد منه الثوابُ
بطريق الاشتراك المعنوي.
لكنه لا بد لذلك من دليل.
قوله أو لاندفاع الضرورة:
أي بالأخروي، فلا يراد الدنيوي أيضاً؛ إذ لا ضرورة فيه، ولا عموم للمقتضى.
قوله من صحة الكلام:
أي صحته شرعاً، أعني صون كلام الشارع عن الكذب.
قوله: لأنه قائل بعموم المشترك:
فيه أن الخصم قائل بعموم المقتضى أيضاً على المشهور من مذهبه، على ما بيّن في
الأصول.
فللخصم أن يقول: لا نسلم اندفاع الضرورة بالأخروي، بل لا بد من إرادة الدنيوي
أيضاً عن الصحة والفساد.
قوله: فحينئذ:
أي حين كون المراد بالحكم المقدر في الحديث الأخروي فقط، لا يدل الحديث على اشتراطها في صحة الوسائل، ولا في صحة المقاصد أصلاً.
قوله: ولا على المقاصد:
هكذا في النسخ، والصواب والمقاصد.
@
الجزء 1 · صفحة 12
وفي بعض الكتب أن الوضوء الذي ليس بمنوي، ليس بمأمور به، ولكنه مفتاح للصلاة.
وإنما اشترطت النية في العبادات بالإجماع، أو بآية: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ}.
والأول أوجه؛ لأن العبادة فيها بمعنى التوحيد، بقرينة عطف الصلاة والزكاة، فلا تشترط في الوضوء والغسل ومسح الخفين، وإزالة النجاسة الحقيقية عن الثوب والبدن وللمكان والأواني للصحة.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: وفي بعض الكتب: فيه تضعيف لهذا القول.
إذ لقائل أن يقول: لا نسلم أن الوضوء الذي ليس بمنوي ليس بمأمور به، إذ ليس في آية الوضوء ما يدل على اشتراط النية في الوضوء ومأموراً به، لكن هذا لا يضير المصنف؛ لأن مقصوده تأييد ما ذكره، وقد حصل ذلك.
قوله: وإنما اشترطت:
جواب سؤال مقدر، كأنه قيل:
إذا لم يدل الحديث المذكور على اشتراطها في المقاصد، فبأي دليل ثبت اشتراطها فأجاب: بأنه ثبت بالإجماع، أو بالآية المذكورة، وهي قوله تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ}.
وجه الاستدلال بها: أن الإخلاص لا يكون بدون النية، وقد جعله حالاً للعابدين، والأحوال شروط، فتكون كل عبادة مشروطة بالنية.
قوله: فلا تشترط في الوضوء والغسل:
وما يتلوها؛ لعدم الإجماع والآية فيها.
قوله: للصحة:
إشارة إلى أنها شرط فيها من حيث كونها عبادة.
@
الجزء 1 · صفحة 13
وأما اشتراطها في التيمم، فلدلالة الآية عليها؛ لأنه القصد.
وأما غسل الميت، فقالوا: لا تشترط لصحة الصلاة عليه، وتحصيل طهارته،
وإنما هي شرط لإسقاط الفرض عن ذمة المكلفين.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: لأنه القصد:
لغة.
يعني أن المعاني اللغوية معتبرة في المعاني الشرعية، فتكون النية معتبرة في التيمم.
لأن لفظ التيمم يدل في اللغة على النية، يقال: تيممته قصدته، والقصد هو النية.
وقد أمرنا بالتيمم في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}، فلا يتحقق بدون النية، فتكون شرطاً فيه.
فإن قيل: إن ما يدل عليه لفظ التيمم هو القصد اللغوي، والقصد المعتبر في التيمم إنما هو قصد خاص، أعني قصد إباحة الصلاة، أو رفع الحدث، ولا دلالة في المقام على الخاص بإحدى الدلالات الثلاث.
ولأن اللغوي هو مدلول اللفظ والنية المعتبرة ههنا هو فعل القلب، ولا دلالة لأحدهما على الآخر أصلاً قلنا: قوله تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} مبني على قوله تعالي {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}.
والمراد به فاغسلوا للصلاة، فدل بقرينة هذا التقدير على قصد خاص براد ههنا ومدلول اللفظ إما عين فعل القلب، أو دال عليه، كما أن مدلول فاغسلوا عين فعل الجوارح، أو دال عليه.
بناء على ما قالوا: الخط دال على اللفظ واللفظ على ما في الواقع عند بعض، وعلى الصورة الذهنية على الدلالة على ما في الواقع عند بعض.
ثم لا يخفى ما في قوله هذا من الاستخدام.
لأنه يراد بلفظ التيمم ما صدق عليه وهو التيمم الشرعي، وبضميره لفظه.
قوله: لإسقاط الفرض عن ذمة:
والذي ظهر من قاضي خان أنها لا تشترط في غسل الميت أصلاً، لا لصحة الصلاة عليه، ولا لإسقاط الفرض عنهم، حيث قال ميت غسله أهله بغير نية أجزأهم ذلك. انتهى.
وهكذا ذكره المصنف في الشرح أيضاً.
ثم قال: اختاره الإسبيجابي، معللاً بأنها ليست بشرط لغسل الحي، فكذا لغسل الميت.
لكنه رجح ههنا اشتراطها؛ لإسقاط الفرض استحساناً للاحتياط، كما في فتح القدير.
فإن قيل: يجوز أن يكون معنى قول قاضي خان: أجزأهم ذلك في حق طهارة الميت، حتى جازت الصلاة عليه؛ لأن فى حق إسقاط الفرض عن ذمتهم، فيجوز بقاء الفرض في ذمتهم، مع صحة طهارة الميت؛ إذا لا منافاة بين طهارة الميت بدون النية، وبين بقاء الفرض في ذمتهم من حيث عدم النية، فلا دلالة في عبارة قاضي خان على عدم اشتراطها أصلا.
قلنا: لو كان الأمر كذلك، لكان حق العبارة أن يقول: أجزأه ذلك، بإفراد الضمير؛ ليرجع إلى الميت لا إليهم.
@
الجزء 1 · صفحة 14
ويتفرع عليه أن الغريق يغسل ثلاثاً في قول أبي يوسف.
وفي رواية عن محمد أنه إذا نوى عند الإخراج من الماء يغسل مرتين، وإن لم ينو فثلاثاً، وعنه: يغسل مرة واحدة، كما في فتح القدير.
وأما في العبادات كلها، فهي شرط صحتها إلا الإسلام، فإنه يصح بدونها، بدليل قولهم: إن إسلام المكره صحيح، ولا يكون مسلماً بمجرد نية الإسلام، بخلاف الكفر، كما سنبينه في بحث التروك.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ويتفرع عليه:
أي على اشتراطها؛ لإسقاط الفرض من ذمة المكلفين.
قوله: أن الغريق:
أي في البحر، وكذا الميت الذي جرى عليه المطر أو الماء الجاري، يغسل ثلاثاً عنده.
لأنه لم يجعل جريان الماء نائباً عن الغسل؛ لأن الجريان ليس بغسل؛ لأنه صفة غاسل بخلاف الجريان، وقد أمرنا بالغسل.
ثم الفرض هو المرة الواحدة، والاثنان لتكميله.
قوله: وأما في العبادات:
هذا شروعٌ في بيان ماله الاشتراط، بعد بيان دليل الاشتراط بقوله السابق: وإنما اشترطت في العبادات بالإجماع.
قوله: إن إسلام المكره صحيح:
هكذا أطلقه في إكراه قاضي خان و الخلاصة و البزازية.
حيث قالوا: لو أكره على الإسلام فأسلم صح.
ولكن لو ارتد، يحبس ولا يقتل استحسانا.
ويؤيد هذا الإطلاق ما ذكره في الاختيار أن إسلام الذمي مكرهاً صحيح كإسلام الحربي مكرها.
لكنه قال في فصل الإكراه على الكفر من كتاب أحكام المرتد من التاتارخانية:
أن إسلام المكره إسلام عندنا إن كان حربياً، وإن كان ذمياً لا يكون إسلاماً، انتهى.
وهكذا ذكره بعينه مقيداً بالحربي في سير قاضي خان، ونقله المصنف مقيّداً في طلاق البحر.
فعلم منه أن في صحة إسلام الذمي مكرهاً روايتين، والمختار عنه، وبه أفتى مشايخ الإسلام هذا.
ثم الظاهر من قولهم المذكور: ولكن لو ارتد يحبس، ولا يقتل استحساناً أن المراد بالكافر المكره على الإسلام هو الذمي، لا الحربي؛ لأن الحربي يقتل بالارتداد، كما يقتل قبل قبول الإسلام، فيكون الحربي مسكوتاً عنه.
فإن قيل: إن إكراه الذمي على الإسلام باطل؛ لأنا أمرنا بتركهم على ما يدينون، فكيف يصح إسلامه مكرهاً.
قلنا: بطلان الإكراه، لا يستلزم بطلان إسلامه فظهر من هنا أن المراد بما ذكر في سير التاتارخانية عن الحسن أن إسلام المكره ليس بإسلام هو الذمي؛ بناءً على الرواية الغير المختارة، لا الحربي؛ لأن إسلام الحربي مكرهاً صحيح في الروايات كلها.
واعلم أنه ذكر في سير قاضي خان فروعاً لطيفة حيث قال: إسلام الصبي العاقل والصبية صحيح عندنا.
وكذا إسلام المكره إسلام عندنا إن كان حربياً، إن أكره على الكفر بالقتل أو بإتلاف عضو، أو بضرب مؤلم، وقلبه مطمئن بالإيمان، لا يكون كفراً استحساناً.
وأما كفر السكران إن كان يعرف الخير من الشر، والأرض من السماء، فكفره يكون كفراً في الأحكام، وإن كان لا يعرف ذلك لا يكون كفراً عند علمائنا.
وكفر المراهق كفر في قول أبي حنيفة ومحمد، يحرّم امرأته، ولا تؤكل ذبيحته، ولا
يصلّى عليه إذا مات، إلا أنه لا يقتل بالردّة.
وأما ردّة المعتوه والمجنون، لم تذكر في الكتب.
قال مشايخنا هو في حكم الردة بمنزلة الصبي.
وأما الجاهل إذا تكلّم بكفر، ولم يدر أنه كفر، اختلفوا فيه:
قال بعضهم لا يكون كفراً، ويعذر بالجهل.
وقال بعضهم: يصير كافراً، ولا يعذر بالجهل.
وأما الهازل والمستهزئ إذا تكلم بكفر مازحاً يكون كفراً بالاتفاق.
وأما الخاطئ إذا جرى على لسانه كلمة الكفر خطأ لم يكن كافراً عند الكل.
قوله: ولا يصير مسلماً بمجرد نية الإسلام:
القصد
لأن الإيمان ليس مجرد القصد، بل هو تصديق على وجه الإذعان والقبول والإسلام متحد معه ذاتاً، فلا يكون مسلماً بمجرد القصد.
قال في الخلاصة: إذا عزم على الكفر ولو بعد مائة سنة يكفر في الحال، بخلاف الإسلام، حيث لا يصير الكافر مسلماً بالعزم على الإسلام؛ لأن الكفر ترك التصديق بالقلب، وأنه يحصل بمجرد العزم.
أما الإسلام فتصديق بالقلب، وإقرار باللسان، فلا يحصل بمجرد العزم.
@
الجزء 1 · صفحة 15
وأما الكفر فتشترط له النية، لقولهم: إن كفر المكره غير صحيح عندنا.
وأما قولهم: إذا تكلم كلمة الكفر هازلاً يكفر، إنما هو باعتبار أن عينه كفر، كما علم في الأصول من بحث الهزل.
فلا تصح صلاة مطلقاً، ولو صلاة جنازة، إلا بها، فرضاً، أو واجباً أو سنة، أو نفلاً، وإذا نوى قطعها لا يخرج عنها إلا بمنافٍ، ولو نوى الانتقال عنها إلى غيرها، فإن كانت الثانية غير الأولى وشرع بالتكبير، صار منتقلاً وإلا فلا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: إن كفر المكره غير صحيح:
أي إن كان الإكراه ملجئاً كالقتل والقطع والضرب الشديد، كما ذكرناه
وإلا فكفر بإجراء كلمة الكفر على لسانه؛ لأنه معذور في الأول، فرّخص في إجرائها، ومع ذلك لو صبر ولم يفعل، كان مأجوراً عليه؛ لعزيمته، بخلاف الثاني، فإنه ليس بمعذور فيه أصلاً
قوله كما علم في الأصول:
قال في التوضيح: الهزل بالردة كفر؛ لأنه استخفاف، فيكون مرتداً بعين الهزل، لا بما هزل به أي ليس كفره بسبب ما هزل به وهو اعتقاد معنى كلمة الكفر التي تكلّم بها هازلاً، فإنه غير معتقد معناها، بل كفره بعين الهزل، فإنه استخفاف بالدين، وهو كفر
وإنما كان الهزك استخفافاً بالدين؛ لأن الهازل جاد في نفس الهزل، مختار بسببه، وهو التكلّم بكلمة الكفر راض به
وإن لم يكن معتقداً لمدلول الكلمة، بخلاف الإكراه، فإن المكره ليس بجاد فيه، ولا مختار بسببه، فلم يكن نفس الإكراه استخفافاً، بالدين، فلم يكن مرتداً به
قوله: فلا تصح:
تفريع على قوله: وأما في العبارات كلها، فهي شرط صحتها
قوله: فرضاً أو واجباً
بيان لقوله مطلقاً، فلو جاء به عقيبه متصلاً لكان أولى، على أن تقديم قوله: ولو صلاة جنازة يوهم أنها متنوعة بالأنواع المذكورة، كالصلاة المطلقة.
قوله: وإذا نوى قطعها لا يخرج عنها إلا بمناف:
لأن الشيء لا ينتهي ولا ينقطع إلا بما ينافيه، والنية ليست بمنافية لها، حتى لو صلّى ركعة ونوى قطعها ولم يقطع، ودام عليها وأتم، صحت صلاته.
ثم إن فعل المنافي في خلال الصلاة بطلت صلاته وإن فعل بعد التشهد قبل السلام تمت صلاته بالاتفاق.
قوله: وشرع بالتكبير صار منتقلاً:
وذلك بأن صلى ركعة من الظهر مثلاً، ثم افتتح العصر بتكبيرة، فقد صح شروعه في الثاني؛ لأنه نوى تحصيل ما ليس بحاصل، وشرع فيه بتكبيرة، فإذا صح شروعه في الثاني بطل الأول بالضرورة.
لكن هذا ليس على إطلاقه، بل فيما إذا لم يكن صاحب ترتيب، بأن سقط عنه الترتيب بكثرة الفوائت، أو ضيق الوقت
وأما إذا كان صاحب ترتيب، فلا يصح ما انتقل إليه من العصر ونحوه، بل ينقلب نفلاً، فيكون منتقلاً إلى النفل عند أبي حنيفة وأبي يوسف؛ لأنه لا يلزم من بطلان الوصف بطلان الأصل عندهما
ويبطل أصلاً عند محمد، فلم يكن عنده منتقلاً إلى ما شرع فيه.
وإذا نوى عصراً سابقاً على ما صلّى من الظهر، فقد انتقض وصف الفرضية، قبل تكبيرة العصر السابق؛ رعاية للترتيب، فيصير منتقلاً من النفل إلى الفرض.
قوله: وإلا فلا:
أي وإن لم تكن الثانية غير الأولى، أو كانت غيرها، لكن لم يشرع فيها بالتكبير، كما إذا صلى ركعة من الظهر مثلاً، فكبر له أيضاً، ينوي الاستئناف للظهر بعينها، لا يفسد ما أداه، بل يحتسبه بتلك الركعة، حتى لو لم يقعد فيما بقي على رأس الثالثة، بزعم أن ما أداه أو لا بطل، تفسد صلاته لتركه القعدة الأخيرة.
فإذا لم يبطل ما أداه أولاً، لغت نية الثانية؛ لأنها تحصيل الحاصل.
وكذا إذا نوى غير الظهر بعد ما صلي ركعة من الظهر، ولكن لم يشرع فيه بتكيرة، لا يفسد ما أداه؛ لعدم الشروع في الثاني
هذا تفسير كلامه
لكنه قال في الخلاصة: إذا صلى ركعة من الظهر ثم كبر ينوي الظهر أيضاً، فهي هي، ويجتزئ بتلك الركعة، هذا إذا نوى بقلبه فقط
أما إذا نوى بلسانه، وقال: نويت أن أصلّى الظهر انتقض الظهر، ولا يجتزئ بتلك الركعة. انتهى
وهكذا في البحر أيضاً، حيث قال هذا إذا لم يتلفظ بلسانه، فإن قال: نويت أن أصلي الظهر، فسدت الأولى، وصار مستأنفاً للمنوي ثانياً مطلقاً؛ لأن الكلام مفسد. انتهى.
فعلم منه أن الثانية إذا لم تكن غير الأولى، يكفي في الانتقال النية بلسانه، بلا حاجة إلى تلفظ التكبيرة، بل يصير مستأنفاً بمجرد تلفظ النية، تلفظ بالتكبير أو لم يتلفظ، فلا بد من حمل كلام المصنف على ما نوى بقلبه، ولم يتلفظ بلسانه، كذا في البحر و الخلاصة.
@
الجزء 1 · صفحة 16
ولا يصح الاقتداء بالإمام إلا بنية، وتصح الإمامة بدون نيتها خلافاً للكرخي وأبي حفص الكبير، كما في البناية، إلا إذا صلى خلفه نساء، فإن اقتدائهن به بلا نية الإمام للإمامة غير صحيح.
واستثنى بعضهم الجمعة والعيدين، وهو الصحيح، كما في الخلاصة.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ولا يصح الاقتداء بإمام إلا بنية:
أي بنية الاقتداء؛ لأنه يلزمه الفساد من جهة إمامه، فلا بد من التزامه
واختلفوا في كيفية مدة النية، وفي وقتها
أما كيفيتها، فقال الإمام السرخسي في المحيط: لو قال: نويت صلاة الإمام لا يجزئه؛ لأنه تعيين لصلاة الإمام، وليس باقتداء به، ولا بد من تعيين الاقتداء به
وذكر الطحاوي أنه إذا نوى صلاة الإمام أجزأه
ورجح المصنف في الشرح ما ذكره السرخسي وعزى ما ذكره الطحاوي إلى البعض
وقال في الخلاصة: المقتدي إن نوى صلاة الإمام لا يجزئه
ومنهم من قال إذا انتظر تكبير الإمام، ثم كبر بعدما كبر الإمام، يصح شروعه في صلاة الإمام.
قال الإمام خواهرزاده: إذا أراد المقتدي أن يسهل الأمر عليه، يقول: شرعت في صلاة الإمام.
وقال ظهير الدين: ينبغي أن يزيد على هذا ويقول: واقتديت به، انتهى كلام الخلاصة.
وهل يلزم تعيين الإمام كما يلزم تعيين الاقتداء به عند السرخسي وظهير الدين.
فتح القدير نقلاً عن الظهيرية: ينبغي أن لا يعين الإمام عند كثرة الجماعة كيلا يظهر غير المعين، بل ينبغي أن ينوي القائم في المحراب كائناً من كان. انتهى قلت: هذا نوع تعيين للإمام، وإن لم يعين شخصه.
وقيل: لا بد من تعيين الإمام أيضاً.
وفي الزيلعي: الصحيح أن نية الاقتداء بالإمام يكفي عن تعيين الإمام
وأما وقتها، قال بعضهم: الأفضلُ أن ينوي الاقتداء عند افتتاح الإمام.
وقال بعضهم: أن ينوي بعد ما كبر الإمام ليصير مقتدياً لمصل
وقال بعضهم: والأول قول أبي حنيفة، والثاني قول الإمامين.
وأما لو نوى الاقتداء حين وقف الإمام موقف الإمامة فهل يجوز ذلك
قال عامتهم إنه يجوز، وإن لم يحضر النية عند الشروع، وبه كان يفتي الإمام إسماعيل الزاهد.
وقال أهل بخارى: إنه لا يجوز
قوله: وتصح الإمامة بدون نيتها:
أي بنية الإمامة؛ لأن الإمام منفرد في حق نفسه حتى لو شرع منفرداً، واقتدى به غيره، صح اقتداؤه به.
قوله: إلا إذا صلى خلفه نساء:
استثناء من قوله وتصح الإمامة بدون نيتها.
أي تصح الإمامة بدون نيتها في جميع الأحوال، خلا صلاة النساء خلفه
قوله: بلا نية الإمام: أي نية الإمام إما متهن
قوله: غير صحيح:
لأن الإمام قد يلحقه ضررٌ من جهتين؛ لاحتمال المحاذاة، فلا بد أن يلتزم صلاتهن،
حين شرع؛ لئلا يلزم الضرر بلا إلزام
فصار هذا كالمقتدي مع الإمام، فإنه لا بد للمقتدي الاقتداء؛ ليكون الضرر اللازم له
من جهة الإمام ضرراً مرضياً ملتزماً.
كذا في حواشى الهداية أقول: فيه بحث بالنقض، والمعارضة.
أما النقض، فلأن ضرر محاذاة النساء للإمام إنما يلزم إذا نوى الإمام إمامتهن، على ما صرّح في بحث المحاذاة، وإذا لم ينو إمامتهن لم يلزمه الفساد
فلزوم الضرر للإمام من قبل النساء موقوف على نية الإمام إمامتهن
فإثبات اشترط النية، بلزوم الضرر له من قبلهن دور، فلا يصح استدلالهم وأما المعارضة، فلأن القارئ إذا اقتدى بالأمى فسدت صلاة الأمى من جهة القارئ، ولا يشترط له نية إمامة القارئ؛ ليكون الضرر اللازم له من جهة المقتدي ضرراً ملتزماً ولأن المرأة إذا حاذت الرجل خلف الإمام، وقد نوى إمامة النساء، فصلاة الرجل فاسدة.
وإنما فسدت بسبب اقتداء المرأة بالإمام، مع أنه لا يلزم عليه نية صلاة تلك المرأة التي جاء الفساد من قبلها فلا يصح قولهم: إن الإمام لا بد له أن ينوي صلاة من جاء الفساد من قبله ويمكن الجواب عن المعارضة
أما عن الأولى، فلأن لا نسلم أن الأمي لا يشترط له النية لإمامة القارئ، على قول الكرخي.
لأنه اشترط ذلك.
ولو سلم ذلك، لكن كلامنا في فسادٍ يحصل بسبب الاقتداء
والقارئ لو صلى وحده، والأمي وحده، وأمكن للأمي الاقتداء به فسدت صلاته أيضاً
فعلمنا أن الفساد ليس بسبب اقتداء القارئ به، بل لتمكنه من القراءة بقراءة إمامه، حتى لو كان الفساد بسببه لاشترط فيه إمامته
وأما عن الثاني، فلأن الكلام في فساد صلاة الإمام لا صلاة المقتدي
وأما الجواب عن النقض، فلأن الموقوف على نية الإمام إما متهن لزوم الضرر للإمام من من قبلهن، والموقوف على لزوم الضرر من قبلهن هو اشتراط النية لا نفسها، فلا دور.
قوله: واستثنى بعضهم الجمعة والعيدين:
وقالوا: يصح اقتداء النساء بالرجل في صلاة الجمعة والعيدين، وإن لم ينو الرجل إمامتهن، وصححوا ذلك، واختاره في الخلاصة حيث قال قبيل الفصل الرابع عشر: وصح اقتداء المرأة بالرجل في صلاة الجمع، وإن لم ينو الإمام إمامتهن، وكذا في العيدين، وهو الأصح، وفيه اختلاف المشايخ والمعنى فيه أن فتنة المرأة تقل عند كثرة الجمع. انتهى
ومراده بقلة الفتنة قلة احتمال فساد صلاة الإمام بالمحاذاة ويدل عليه ما ذكره الزيلعي أن المرأة لا تقدر على القيام بجنب الإمام؛ لكثرة الازدحام في صلاة الجمعة والعيدين، فلا يفضي إلى فساد صلاته ثم قوله: واستثنى بعضهم متعلق بكل من قوله ولا يصح الاقتداء بإمام إلا بنية. ومن قوله: فإن اقتداء هن به بلا نية الإمامة غير صحيح لا بالثاني فقط كما ظن ويدل على ما ذكرناه ما ذكره في الشرح نقلاً عن الذخيرة و قاضي خان:
أنه لو نوى الجمعة ولم ينو الاقتداء بالإمام، فإنه يجوز؛ لأن الجمعة لا تكون إلا مع الإمام، فلا حاجة إلى نية الاقتداء، وهذا يجري في صلاة العيدين بعينه أيضاً؛ لأنهما لا تكونان إلا مع الإمام.
@
الجزء 1 · صفحة 17
ولو حلف ألا يؤم أحداً، فاقتدى به إنسان صح الاقتداء.
وهل يحنث، قال في الخانية: يحنث قضاء لا ديانة، إلا إن أشهد قبل الشروع، فلا يحنث قضاء.
وكذا لو أمّ الناس هذا الحالف في صلاة الجمعة صحت، وحنث قضاء، ولا يحنث أصلاً إذا أمَّهُم فى صلاة الجنازه وسجدة التلاوة.
ولو حلف أن لا يوم فلاناً، فأم الناس ناوياً أن لا يؤمه، ويوم غيره، فاقتدي به
فلان حنث، وإن لم يعلم به انتهى.
ولكن لا ثواب له على الإمامة.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ولو حلف ألا يؤم أحداً فاقتدى به إنسان صح الاقتداء:
لما تقدم أن الإمامة تصح بدون نيتها ولو قال: لو حلف ألّا يؤم أحداً فصلّى ونوى أن لا يؤم أحداً، فاقتدى به إنسان صح، لكان أولى، كما قال في الشرح
فإن قيل: لا يلزم من صحة الإمامة بدون نيتها صحة الاقتداء به بدون نيتها، أو لا
ملازمة بينهما قلنا: هذا ليس بيان المقتضي؛ لأن المقتضي لصحة الاقتداء هو نية الاقتداء به من المقتدي، وقد يوجد ذلك، بل هو بيان عدم المانع
يعني أن عدم نية الإمام إمامته ليس بمانع لصحة الاقتداء به؛ لأن ما لا يكون
وجوده علة للشيء، لا يكون عدمه علة لعدمه، حتى يكون مانعاً لوجود ذلك الشيء فإذا لم يكن مانعاً صح الاقتداء، لوجود المقتضي وارتفاع المانع، وبعد ههنا بحث، وهو أنه لا يلزم من عدم كون نية الإمامة مانعاً لصحة الاقتداء أن لا تكون نية عدم نية الإمامة مانعاً له أيضاً
قوله يحنث قضاء لا ديانة إلا إذا أشهد:
بأنه يصلي لنفسه ولم ينو لأحد قيده بالإشهاد، وقد أطلقه في الشرح، حيث قال: لو حلف أن لا يؤم أحداً فصلى ونوى أن لا يؤم أحداً، فصلى خلفه جماعة لم يحنث؛ لأن شرط الحنث أن يقصد الإمامة، ولم يوجد، بخلاف ما لو حلف أن لا يؤم فلان الرجل بعينه، فصلّى ونوى أن يؤم الناس، فصلّى ذلك الرجل مع الناس خلفه، فإنه يحنث وإن لم يعلم به؛ لأنه لما نوى الناس دخل فيه هذا الرجل. انتهى
وحمل إطلاقه في الشرح على تقييده يأباه تفصيله، فيما شرح بقوله: لأن شرط الحنث
وقال في الخلاصة و البزازية في هذه المسألة حنث قضاء لا ديانة إذا ركع وسجد، فلا بد من تقييده ههنا أيضاً
قوله: صحت:
أي أم هذا الحالفُ الناس في الجمعة، ونوى أن يصلي الجمعة لنفسه دون الناس، صحت الجمعة له وللناس استحساناً؛ لأن شرطها وهو الجماعة قد وجد، ونية عدم إمامة الناس لا تمنع الصحة لما تقدّم، أن ما لا يكون وجوده علة لوجود الشيء، لا يكون عدمه علة لعدمه
قوله: ولا يحنث أصلاً:
أي لا قضاء ولا ديانة؛ لأن صلاة الجنازة ليست بصلاة حقيقة، وكذا سجدة التلاوة
قوله حنث وإن لم يعلم: وقد تقدم وجهه
قوله: ولكن لا ثواب
إذ لا ثواب إلا بالنية
وهذا استدراك من قوله وتصح الإمامة بدونها إلى هنا
@
الجزء 1 · صفحة 18
وسجود التلاوة كالصلاة، وكذا سجدة الشكر، على قول من يراها مشروعة والمعتمد أن الخلاف فى سنيتها، لا في الجواز، وكذا سجود السهو، ولا تضره نية عدمه وقت السلام.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: وسجود التلاوة كالصلاة أي في اشتراط النية لها هكذا في فتح القدير و البحر حيث قالا: وشرائط سجدة التلاوة شرائط الصلاة إلا التحريمة؛ لأنها لتوحيد الأفعال المختلفة، ولم يوجد ذلك في السجدة
فقد جعلا النية من شرائطها لا من المستثنى، لكن هذا فيما تلي خارج الصلاة، فإنه لو تلا في الصلاة وسجد للصلاة على الفور، يحصل معها سجدة التلاوة أيضاً بلا اشتراط النية لها على ما صرحوا في بابها
هذا وفي الخلاصة عدّ شرائط سجدة التلاوة، ولم يذكر النية حيث قال: ويشترط لأدائها ما يشترط للصلاة من طهارة الثوب والمكان والبدن وستر العورة واستقبال القبلة ولا يجوز التيمم مع القدرة على الماء، ويبطلها ما يبطل الصلاة من الكلام والضحك ولا تبطلها محاذاة المرأة، وإن نوى أن يؤمها، هذا في النوادر، وفي الأصل وإن ضحك لا تبطل طهارته. انتهى مختصراً وهكذا في قاضي خان أيضاً، لكن تقديم ذكرهما النية لا يدل على عدم اشتراطها، بل للاكتفاء
قوله على قول من يراها مشروعة والمعتمد أن الخلاف في سنيتها: قال في أواخر باب سجود السهو من فتح القدير وكون سجدة الشكر قربة، كما هو قول محمد أوجه؛ لأنه مقتضى الأدلة السمعية المتكثرة
ثم شرع في ذكر الأدلة، وقال: روى أبو داود و ابن ماجة و الحاكم وصححه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا جاء أمرٌ يسر به خرّ ساجداً لله تعالى إلى آخر ما ذكره من الأدلة
وقال في القنية بعلامة صدر الدين حسام وعن أبي حنيفة لا أرى سجدة
الشكر شيئاً مسنوناً
وعنه: أنه كرهها
وقال محمد ولكنا لا نكرهها ونستحبها
وقال الشافعي: أحب سجود الشكر إذا أنعم الله تعالى عليه، أو دفع عنه نقمة متوقعة أما إذا سجد سجدة بلا سبب، فليس بقربه ويباح
وأما السجدة التي تقع عقيب الصلاة فيكره؛ لأن الجهال إذا رأوها اعتقدوها سنة أو واجبة، وكل مباح يؤدي إلى هذا فهو مكروه، كتعيين السورة وتعيين القرآن لوقت ونحوه، انتهى.
قوله: وكذا سجود السهو:
أي مثل الصلاة في اشتراط النية لها؛ لأنها عبادة.
قوله: ولا يضر نية عدمه وقت السلام:
وذلك بأن سلم بنية أن لا يسجد للسهو، وعليه السهو، فإنه لا تضره هذه النية بل يلزمه أن يسجد ما لم يأت بالمنافي؛ لأن هذا السلام غير قاطع لحرمة الصلاة بالاتفاق
أما عند محمد فلأن سلام من عليه السهو، لا يخرجه عن الصلاة أصلاً عنده؛ عنده؛ لأنها وجبت جبراً للنقصان، فلا بد أن يكون في إحرام الصلاة وأما عندهما فلأنه يخرجه موقوفاً؛ لأنه محلل في نفسه، وإنما لا يعمل عمله؛ لحاجته إلى أداء السجدة في حرمة الصلاة فلا يظهر عدم عمله دون السجدة، بل هو قبل السجدة، يتوقف على ظهور عاقبته. إن سجد تبين أنه لم يخرجه، وإن لم يسجد تبين أنه أخرجه من وقت وجوده فإذا لم يكن قاطعاً بالاتفاق وحده، لم يكن قاطعاً مع النية أيضاً؛ لأنه تغيير للمشروع بالنية، وذا لا يجوز فإن قيل: إن نية الإشراك بالله تغيير للمشروع، وهو الإيمان، ولم تكن لغواً حتى صار كافراً بمجرد النية قلنا: كلامنا في أن الشرع جعل سلام الساهي غير قاطع، وهو يريد أن يجعله قاطعاً بالنية، وليس له ذلك؛ لأنه تغيير للمشروع
وليس من قصد من ينو الشرك أن يجعل الإيمان غير مشروع بقصده، بل قصده أن لا يأتي به، فليس مما نحن فيه واعلم أن ههنا فروعاً لطيفة ذكروها في الفتاوى والشروح، مبناها على أن سلام من عليه السهو لا يخرجه عن حرمة الصلاة إذا لم يكن عليه سجدة صلبية أو تلاوة، وإلّا يخرجه فلو سلّم وعليه سجدة صلبية، وهو ذاكر لها تفسد صلاته بسلامه والفرق أن سجود السهو يؤتى به في حرمة الصلاة، وهي باقية عند سلامة كما عرفت
والصلبية يؤتى بها في حقيقة الصلاة، وقد بطلت حقيقتها بالسلام العمد
ولو سلّم وعليه سجدة التلاوة وسجدة السهو، فإن لم يكن ذاكراً لهما، أو ذاكراً للسهو فقط، فإن سلامه لا يكون قاطعاً، فيسجد للتلاوة أولاً، ثم يتشهد ويسلم، ثم يسجد للسهو، ويتشهد ويسلم
وإن كان ذاكراً لهما، أو للتلاوة خاصة، فسلامه يكون قاطعاً، وسقطت عنه التلاوة، والسهو؛ لامتناع البناء بسبب الانقطاع
ولو سلم وعليه سجدة صلبية وسهوية، فإن كان ذاكراً لهما، أو ذاكراً للسهوية فقط، لم يكن سلامه قاطعاً، ويقضي الأوليين مرتباً، ثم يتشهد ويسلم، ثم يسجد للسهو.
وإن كان ذاكراً لهما أو للصلبية والتلاوية، فسدت صلاته، ويكون سلامه قاطعاً، كذا في فتح القدير و الشرح.
@
الجزء 1 · صفحة 19
وأما النية في الخطبة للجمعة، فشرط لصحتها، حتى لو عطس بعد صعود المنبر، فقال: الحمد الله، للعطاس غير قاصد لها لم تصح، كما في فتح القدير وغيره.
وخطبة العيدين كذلك؛ لقولهم: يشترط لها ما يشترط لخطبة الجمعة سوى تقديم الخطبة.
وأما الأذان فلا تشترط لصحته النية، وإنما هي شرط للثواب عليه.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: فقال:
أي العاطس
قوله غير قاصد لها:
أي للخطبة
قوله: لم تصح: أي خطبته.
قال في الشرح: لو عطس على المنبر، فقال: الحمد لله على عطاسه، لا ينوب عن الخطبة عند أبي حنيفة، كما في التسمية على الذبيحة
وعن أبي حنيفة في رواية أخرى أنه يجزئه، والأول أصح
وقال في ذبائح الزيلعي: ولو عطس عند الذبح، فقال: الحمد لله، لا يحل في الأصح؛ لأنه يريد الحمد على النعمة، دون التسمية بخلاف الخطبة، حيث يجزئه ذلك عن الخطبة؛ لأن المذكور فيها ذكر الله تعالى مطلقاً؛ لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ}. انتهى
@
الجزء 1 · صفحة 20
وأما استقبال القبلة فشرط الجرجاني لصحته النية، والصحيح خلافه كما
في المبسوط، وحمل بعضهم الأول على ما إذا كان يصلي في الصحراء، والثاني على ما إذا كان يصلي إلى محراب، كذا في البناية.
وأما ستر العورة فلا تشترط لصحته النية، ولم أر فيه خلافاً.
ولا تشترط للثواب صحة العبادة، بل يثاب على نيته، وإن كانت فاسدة بغير تعمده، كما لو صلى محدثاً على ظن طهارته، وسيأتي تحقيقه.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله فشرط الجرجاني: بناء على أن الفرض إصابة العين للقريب من الكعبة، والبعيد عنها، ولا يمكن إصابة العين للبعيد إلا من حيث النية، فانتقل ذلك إليها، كذا في الشرح
قوله: والصحيح خلافه واختاره العامة؛ لأن إصابة العين ليست بشرط عندهم فلا تشترط النية لها، وإنما كان هذا هو الصحيح؛ لأن استقبالها شرط، فلا تشترط فيه النية كما في الوضوء قوله: كذا في البناية: قيل في وجهه: إن المحاريب وضعت بالتحري، وإلا وفيها غالباً فلا يحتاج إلى النية، بخلاف الصحاري.
قوله: بغير تعمده حال من فاسد، والمراد بغير علم بفسادها، فلو صلّى بماء نجس، ولم يعلم حتى صلّى، ومضى على ذلك ولم يكن مقصراً، لم يجزئ في الحكم، ووجب عليه الإعادة؛ لفقد شرطه، واستحق الثواب لصحة عزيمته ولو صلّى متعمداً بفسادها، فهل يكفر، ففي الخلاصة من فصل استقبال القبلة: رجل صلّى إلى غير القبلة متعمداً فوافق ذلك الكعبة، قال أبو حنيفة: هو كافر بالله تعالى
وكذا الصلاة بغير طهارة، وكذا الصلاة في الثوب النجس هكذا ذكره نقلاً عن الفتاوى.
ثم قال: والمختار: أنه يكفر في الصلاة بغير طهارة، وإلا يكفر في الصلاة في الثوب النجس وإلى غير القبلة؛ لأن الصلاة في الثوب النجس وإلى غير القبلة جائزة حال العذر.
أما الصلاة بغير وضوء، فلا يؤتى بها بحال، فيكفر قال الصدر الشهيد: وبه نأخذ.
واختاره السغدي.
@
الجزء 1 · صفحة 21
وأما الزكاة فلا يصح أداؤها إلا بالنية.
وعلى هذا فما ذكره القاضي الإسبيجاني أن من امتنع عن أدائها أخذها الإمام كرهاً، ووضعها في أهلها وتجزئه؛ لأن للإمام ولاية أخذها، فقام أخذه مقام دفع المالك باختياره ضعيف والمعتمد في المذهب عدم الإجزاء كرهاً.
قال في المحيط: ومن امتنع عن أداء الزكاة، فالساعي لا يأخذ منه الزكاة كرها، ولو أخذ لا يقع عن الزكاة؛ لكونها بلا اختيار ولكن يخبره بالحبس ليؤدي بنفسه، انتهى.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: وأما الزكاة فلا يصح أداؤها إلا بالنية: المقارنة بالأداء إما حقيقة، وهو ظاهر، وإما حكماً، كما إذا وقع بلا نية، ثم حضرته النية عن الزكاة، والمال قائم في يد الفقير، فإنه يجزئه عن الزكاة، بخلاف ما إذا نوى عنها بعد هلاكه، فإنه لا يجزئه. وكما إذا وكل رجلاً بدفع زكاة ماله، ونوى المالك عند الدفع إلى الوكيل، فدفع الوكيل بلا نية، فإنه يجزئه؛ لأن المعتبر نية الأمر؛ لأنه هو المؤدي حقيقة، سواء كان الوكيل مسلماً أو ذمياً وكما لو دفع إلى رجل دراهم ليتصدق بها تطوعاً، أو قال له تصدق بها عن كفارة أيماني، فلم يتصدق بها بعد، حتى نوى الموكل أن يوكل من زكاة ماله، ولم يقل شيئاً، ثم تصدق الوكيل بها جاز عن زكاته؛ لوجود النية من الأمر، كذا في الخلاصة.
قوله: وتجزئه أي عن زكاته. قوله: فقام أخذه مقام دفع المالك باختياره لأنه أخذ عمن كان أهلاً للدفع، وهو العاقل البالغ القادر على النصاب، ووقع في محله وهو المصرف، والأخذ له حق الأخذ.
وقد تقرر أن الإكراه لا يمنع الاختيار والأهلية، فكان أخذه بمنزلة دفع المختار بنفسه. قوله: ضعيف
وجه الضعف أن النية في الزكاة شرط ولم توجد منه. أقول: فيه نظر؛ لأنا لا نسلم عدم وجود النية منه، وإنما لم يوجد أن لو كان الإكراه منافياً للاختيار، وقد تقرر في الأصول أنه لا ينافيه، فيجوز أن يختار المكره حين أداه.
ولو سلم، فأخذ من له حق الأخذ قائم مقام اختيار المالك حكماً فتوجد النية حكماً.
والحاصل أن المعتمد في المذهب والمختار للفتوى على ما صرح به في البحر التفصيل بأن يقول: إن كان الأخذ في الأموال الظاهرة يسقط الفرض عن أربابها، بأخذ السلطان ونائبه؛ لأن ولاية الأخذ له في الأموال الظاهرة، فبعد ذلك إن لم يضع السلطان موضعها لا يبطل أخذه عنه وإن كان في الأموال الباطنة، فإنه لا يسقط الفرض؛ لأنه ليس للسطان ولاية أخذ زكاة الأموال الباطنة فلم يصح أخذه، كذا في التجنيس و الواقعات، وقال في الخلاصة:
السلطان الجائر إذا أخذ صدقة الأموال الظاهرة، الصحيح أنه يسقط عن أربابها، ولا يؤمر بالأداء ثانياً، وإن أخذ الجنايات أو مالاً بطريق المصادرة، فنوى صاحب المال عند الدفع الزكاة، اختلفوا فيه، والصحيح أنه يسقط عنه الزكاة إذا عرفت هذا التفصيل، فنحن نحمل كلام الإسبيجاني على الأموال الظاهرة، كما دل عليه قوله؛ لأن للإمام ولاية أخذها وما نقله عن المحيط على الأموال الباطنة، فينتظم الكلام على التفصيل المذكور، فلا ضعف في كلام الإسبيجاني بل هو اختيار لما هو الصحيح المختار للفتوى هذا في الأخذ من المالك كرها، وأما لو دفعة المالك بنفسه بطريق القرض، أو الهبة، فهل يجزئه عن الزكاة، قالوا إنه يجزئه
قوله: فالساعي لا يأخذ عنه الزكاة كرها:
في الأموال الظاهرة على الصحيح
وهل يجوز للفقير أخذها بغير إذنه، ففي الخلاصة:
من وجبت عليه الزكاة، ولا يؤدي، لا يحل للفقير أن يأخذ من ماله بغير علمه، وإن أخذ له أن يسترده إن كان قائماً، ويضمنه إن كان مستهلكاً أو هالكاً؛ لأن الحق ليس لهذا الفقير بعينه. انتهى
@
الجزء 1 · صفحة 22
وخرج عن اشتراطها له ما إذا تصدق بجميع النصاب بلا نية، فإن الفرض
يسقط عنه ...
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: بلا نية:
بأن لم تحضره النية أصلاً، أو نوى النفل، فإن نية النفل لا تمنع سقوط الفرض، بخلاف النية بها واجباً آخر عليه من نذر أو كفالة، فإنها تمنع سقوط فرض الزكاة بخلاف الصوم في رمضان، فإنه لا بد فيه من نية القربة والفرق أن دفع المال للفقير بنفسه قربة كيف ما كان، بخلاف الإمساك فإنه ينقسم إلى عادة وعبادة، فاحتاج إلى تمييز بالقصد فإذا وقع أداء الكل فيما نحن فيه قربة لم يحتج إلى تعيين الفرض؛ لعدم المزاحمة فإن قيل: لا نسلم عدم المزاحمة فيها، فإن النفل في باب الصدقة مشروع أيضاً، فلا بد من التعيين أيضاً، كما قال زفر، كما في الصلاة والصوم
قلنا: إن الواجب ههنا وهو ربع العشر - جزء من الكل فكان متعيناً فيه، فلا حاجة
إلى التعيين كمن عليه حجة الإسلام، وأطلق نية الحج فإنه يصير حاجاً عن الفرض بلا تعيين النية
للفرض، بخلاف الصوم والصلاة وههنا بحث ذكرناه في شرح الملتقى.
@
الجزء 1 · صفحة 23
واختلفوا في سقوط زكاة البعض إذا تصدق به
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: واختلفوا في سقوط زكاة البعض إذا تصدق به:
أي بالبعض بلا نية الزكاة
فقال أبو يوسف: لا تسقط حصة ذلك البعض
وقال محمد تسقط
وأبو حنيفة مع محمد له أن يعتبر البعض مع الكل، فكما سقط أيضاً في البعض ولأبي يوسف: أن البعض المؤدى غير متعين لمحلية بعض الواجب الذي يخصه؛ لكون الباقي محلاً للواجب أيضاً، فوجدت مزاحمة سائر الأجزاء للمؤدى، فلا يقع من المؤدى كما لا يقع من الباقي بخلاف ما إذا تصدق بالكل بلا، نية، فإن المزاحمة انعدمت هناك، فيسقط عنه الواجب يقيناً
وبخلاف هلاك البعض؛ لعدم صنعة فيه
ومن هنا قالوا: لوكان له دين على فقير فأبرأه عنه، تسقط زكاته عنه، نوى أو لم ينو؛ لأنه كالهلاك
الأداء
ولو أبرأه عن البعض، تسقط زكاة ذلك البعض؛ لما قلنا: لا زكاة الباقي، ولو نوى به
عن الباقي؛ لأن الساقط ليس بمال، والباقي في ذمته يجوز أن يصير مالاً، وكان خيراً منه فلا يجوز الساقط عنه
ولذا لا يجوز أداء الدين عن العين بخلاف العكس
@
الجزء 1 · صفحة 24
قالوا وتشترط نية التجارة في العروض
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: وتشترط نية التجارة في العروض:
جمع عَرْض، والمراد به ههنا غير الدراهم والدنانير
وفي المصباح: الدراهم والدنانير، وما سواهما، عرض، والجمع عروض، مثل: فلس وفلوس.
والأصل ههنا أن العينين خلقا للتجارة والنماء؛ لإمكان الانتفاع بأعيانهما في الحوائج، فلا حاجة إلى النية
لأن النية للتعيين، وهما متعينان للتجارة بأصل الخلقة، فالنية لغو بخلاف العروض، فإنها لم تتعين للتجارة خلقة، فلا بد لها من التعيين بالنية
@
الجزء 1 · صفحة 25
ولا بد أن تكون مقارنة للتجارة ...
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ولا بد أن تكون مقارنة للتجارة:
لأن كل ما كان من أعمال الجوارح لا يتحقق بمجرد النية، ما لم تقترن بها؛ لأنها من قبيل الإنشاء
والنية لا تؤثر في الإنشاءات
والتجارة من أعمال الجوارح، فلا تؤثر فيها النية بلا مقارنة لها
بخلاف التروك، فإن النية تؤثر فيها بلا شرط الاقتران كمن اشترى عبداً للتجارة، فنوى استخدامه، فإنه يبطل كونه للتجارة؛ لمجرد الاستخدام بدون اقترانها؛ لاستخدامه بالفعل، فإن الاستخدام ترك التجارة وكالمسافر يصير مقيماً؛ لمجرد نية الإقامة، فإنها ترك السفر
وكذا المفطر يصير صائماً بمجرد النية في وقته، والمسلم يصير كافراً بمجرد نية الكفر
بخلاف أضداد هذه الأمور، فإن المشترى للخدمة لا يكون للتجارة بمجرد النية، ولا الكافر مسلماً، ولا الصائم مفطراً، ولا المقيم مسافراً بمجرد النية بدون الاقتران
@
الجزء 1 · صفحة 26
فلو اشترى شيئاً للقنية ناوياً أنه إن وجد ربحاً باعه لا زكاة عليه
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: فلو اشترى شيئاً للقنية:
القُنية -بالضم والكسر: المال الذي يحفظه الرجل لنفسه لا للتجارة يقال: قنيت الغنم قنية إذا حفظتها لنفسك لا للتجارة. كذا في المصباح والأصل ههنا أن التردد وعدم الجزم في أصل النية مما ينافيها على ما في فصل مستقل
فلم توجد نية التجارة ههنا، فلم يكن لها، فلا زكاة فيها قلت: فعلى هذا في تفريعه على قوله ولا أن تكون مقارنة للتجارة نظر بل المناسب هو تفريعه على قوله وشرط نية التجارة في العروض وإن بعد لفظاً. والمناسب في التفريع على قوله: ولا بد أن تكون مقارنة للتجارة أن يقول: فلو اشترى للقنية، ثم نوى للتجارة لا يصير للتجارة بمجرد النية ما لم يتجر، بأن باع، أو عرض على البيع على ما صَرَّحوا به في باب الزكاة؛ لعدم مقارنة النية للتجارة، فلا زكاة عليه
وصورة مقارنة النية للتجارة: اشترى ما يصلح لنية التجارة، ناوياً للتجارة، فإنه يكون للتجارة لوجود مقارنة النية للتجارة، وهو الشراء لها، فعليه الزكاة، بخلاف الصورة المتقدمة.
@
الجزء 1 · صفحة 27
ولو نوى التجارة فيما خرج من أرضه العشرية، أو الخراجية، أو المستأجرة، أو المستعارة، لا زكاة عليه.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ولو نوى التجارة فيما خرج من أرضه:
وهذا لما تقدم من أنه لا عبرة للنية المجردة عن المقارنة للتجارة حتى لو قارنها، بأن باع ما خرج من تلك الأراضي، أو عرض علي البيع بنية التجارة، يكون الثمن للتجارة، فتجب فيه الزكاة بعد اجتماع سائر الشرائط ولو اشترى للتجارة أرضاً عشرية، أو خراجية، فهل تجب فيها الزكاة؟ ففي فتح القدير: أنها لا تجب
لأنه لو وجب فيها زكاة، لزم اجتماع الحقين في محل واحد بسبب واحد، وهو الأرض، فلم تصح فيها نية التجارة ولذا قيدنا في المسألة السابقة بما يصلح لنية التجارة؛ احترازاً عن هذا ثم إذا لم تصح فيها نية التجارة، ولم تجب الزكاة، بقيت الأرض على وظيفتها التي كانت عليها من العشر والخراج. وعن محمد في أرض العشر اشتراها للتجارة، تجب الزكاة مع العشر.
قال في السراج الوهاج: إن اشترى عيناً من الأعيان إن كان الثمن دراهم أو دنانير، لم تكن للتجارة، إلا أن ينويها عند الشراء فإن لم يكن له نية، فهو للقنية وإن كان عرضاً، فإن كان للتجارة، فالمشترى به للتجارة، إلا أن ينوي القنية عند الشراء فحنيئذ يكون لها، وإن كان لغيرها، إلا أن ينوي له وإن اشترى بالنقرة، أو التبر، لا يكون لها إلا بالنية. انتهى
@
الجزء 1 · صفحة 28
ولو قارنت ما ليس بدل مال بمال كالهبة والصدقة والخلع والمهر والوصية لا تصح على الصحيح
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: لو قارنت: أي لو قارنت نية التجارة ما ملكه بعقد ليس فيه بدل مال بمال أصلاً، كالهبة، والصدقة
أو بعد فيه مال لغير، مال كالخلع، والمهر، والوصية، وكذا الصلح عن دم العمد، وبدل العتق
لا تصح تلك النية حتى لا يكون ذلك المال للتجارة بتلك النية على الصحيح، وهو قول محمد
وأبو حنيفة مع محمد في رواية
وتصح عند أبي يوسف
له أن النية مقارنة بالعمل، وهو القبول.
ولمحمد: أن النية في هذه الصورة لم تقارن بالعمل؛ لأن العقود ليست بتجارة، ومقارنتها بالقبول غير معتبر وإنما المعتبر مقارنتها بالتجارة، والقبول ليس بتجارة
بخلاف ما لو قارنت نية التجارة ما ملكه، بالإرث، فإنها لا تصح بالاتفاق؛ لعدم صنعه
فيها أصلاً
والحاصل أن نية التجارة فيما يشتريه تصح بالإجماع على التفصيل المذكور، وفيما يرثه لا تصح بالإجماع، وفيما يملكه بالعقود المذكورة من الهبة ونحوها على الخلاف
@
الجزء 1 · صفحة 29
وفي السائمة لا بد من قصد إسامتها للدر والنسل أكثر الحول فإن قصد به التجارة، ففيها زكاة التجارة إن قارنت الشراء، وإن قصد به الحمل والركوب أو الأكل، فلا زكاة أصلاً
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: وفي السائمة:
قال في فتح القدير: السائمة هي تلك التي ترعى ولا تعلف في الأهل، وفي الأهل، وفي الفقه: هي مع قيد كون ذلك؛ لقصد الدر والنسل حولاً أو أكثر فلو أسيمت للحمل والركوب لم تكن السائمة المستلزمة شرعاً لحكم وجوب الزكاة، بل لا زكاة فيها ولو أسامها للتجارة كان فيها زكاة التجارة، لا زكاة السائمة قوله: أكثر الحول: حتى لو علفها نصف الحول لا تكون سائمة، حتى لا يجب فيها الزكاة وقالت الشافعية في بعض الوجوه يشترط الرعي في جميع الحول كالنصاب، ولا عبرة بالأكثر
قلنا: للأكثر حكم الكل في مواضع، فنعتبره ههنا أيضاً احتياطاً
قوله: إن قارنت:
أي نية التجارة، يعني لو اشتراها للتجارة، وأسامها للتجارة، ففيها زكاة، ويعتبر
الحولُ من وقت الشراء
بخلاف ما لو اشتراها للتجارة، ثم جعلها سائمةً، ففيها زكاة السائمة ويعتبر الحول من
وقت جعلها سائمة
ولا تعتبر نية الإسامة، ما لم تتصل بفعل الإسامة، كذا في الشرح.
@
الجزء 1 · صفحة 30
وأما النية في الصوم فشرط صحته لكل يوم، ولو علقها بالمشيئة صحت؛ لأنها إنما تبطل الأقوال، والنية ليست منها
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله فشرط صحته لكل يوم:
هكذا ذكره في قاضي خان، حيث قال: ثم عندنا لا بد من النية لكل يوم، وعند مالك يكفيه نية واحدة لجميع الشهر. انتهى
هذا بيان كيفيتها
وأما حقيقتها فهي معرفته بقلبه أن يصوم، كذا في الخلاصة
فعلم أن النية باللسان ليست بشرط، وقالوا: إنها سنة
قوله: ولو علقها بالمشيئة صحت:
قال في البزازية: لو قال نويت أن أصوم غداً إن شاء الله تجوز النية استحساناً؛ لأنه مثل في هذا يذكر لطلب التوفيق من الله تعالى
والقياس أن لا يصير صائماً؛ لبطلانها بالثنيا، كالتصرفات القولية
فعلى هذا من جعل الإيمان مجرد التصديق لا يبطل بإلحاق الاستثناء ولا يكفر من استثنى
وعند العامة: الإقرار- أيضاً - ركن أو شرط، لكنه لا يكفر بالاستثناء؛ لأن التأويل الفاسد يمنع التكفير، كالصحيح. انتهى
يعني أن التأويل بطلب التوفيق من الله تعالى يمنع التكفير عنه، وإن كان فاسداً، ما دام
قلبه مطمئناً بالإيمان، وهذا في حال الاختيار
وأما في حال الاضطرار كما في الإكراه الملجئ، فالإقرار ركن أو شرط يجوز إسقاطه في تلك الحالة
@
الجزء 1 · صفحة 31
والفرض والسنة والنفل في أصلها سواء
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: والفرض والسنة والنفل:
قال في فتح القدير: أقسام الصوم: فرض، وواجب، ومسنون، ومندوب، ومكروه تنزيها، وتحريماً
فالأول: رمضان وقضاؤه، والكفارات للظهار، والقتل واليمين، وجزاء الصيد، وفدية الأذى في الإحرام؛ لثبوت هذه بالقاطع سنداً، ومتناً، والإجماع عليها، والواجب المنذور والمسنون عاشوراء مع التاسع
والمندوب: صوم وكل صوم ثبت بالسنة طلبه، والوعد عليه، كصوم داود صلى الله عليه وسلم، ونحوه
والنفل ما سوى ذلك، مما لم تثبت كراهته
والمكروه تنزيهاً عاشوراء مفرداً عن التاسع، ونحو صوم يوم المهرجان
ثلاثة أيام من كل شهر، ويندب فيها كونها الأيام البيض
وتحريماً: أيام التشريق والعيدين. انتهى. جعل المنذور بعضهم من الفرض، ورجحه في الشر ولا يخفى عليك أن الأقسام كلها سواء في أصل النية، إلا أن المصنف اكتفى بذكر الثلاثة لأن المكروه بكلا نوعيه غير معتبر، وما بقي منها يمكن إرجاعها بالتأويل إلى الثلاثة المذكورة، فلذا اكتفى بها.
@
الجزء 1 · صفحة 32
وأما النية في الحج فهي شرط صحته أيضاً، فرضاً كان أو نفلاً، والعمرة كذلك، ولا تكون إلا سنة
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله ولا تكون إلا سنة:
أي العمرة لا تكون إلا سنة عندنا
وقال الشافعي: إنها فرض؛ لقوله تعالى: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}.
ولنا ما رواه الترمذي أنه سئل عن العمرة أواجبة هي؟ قال: لا، وأن تعتمروا هو أفضل
ولا حجة له في الآية؛ لأن القرآن في النظم لا يقتضي القرآن في الحكم.
ولو سلّم، فقرانها إنما هو في الإتمام، وذلك إنما يكون بعد الشروع.
@
الجزء 1 · صفحة 33
والمنذور كالفرض، ولو نذر حجة الإسلام لا يلزمه إلا حجة الإسلام، كما لو
نذر الأضحية والقضاء في الكل كالأداء من جهة أصل النية.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: والمنذور كالفرض:
أي المنذور في العبادات كالمفروض منها في اشتراط النية لصحتها قوله ولو نذر حجة الإسلام لا تلزمه إلا حجة الإسلام:
وذلك لما ذكروا أن النذر لا يصح إلا بشروط، منها:
- أن لا يكون المنذور عليه واجباً في الحال، أو في ثاني الحال، والمنذور ههنا حجة الإسلام
وهو يحتمل أن يكون واجباً عليه في ثاني الحال، وإن لم يكن واجباً عليه في الحال،
فلا يصح نذره، فعليه حجة واحدة، يقع عنها
بخلاف ما إذا كان المنذور غير حجة الإسلام، أو مطلق الحج، بأن قال: الله عليّ أن
أحج، ولم يقيّد بحجة الإسلام، وعليه حجة الإسلام. فإنه يلزم عليه: حجتان المنذورة، وحجة الإسلام
إلا إذا أراد ذلك المطلق حجة الإسلام، فإنه حينئذ يلزم عليه حجة واحدة أيضاً -أعني حجة الإسلام - كما في الزيلعي من الأضحية قوله كما لو نذر الأضحية
قال في أضحية الزيلعي ولا يجب من الأضحية على الغني أكثر من الواجب عليه بسبب يساره، إلا إذا التزم التضحية بالنذر، ونوى غير الواجب في ذمته، وهي الشاة التي وجبت بسبب اليسار فحينئذ يجب عليه أن يتصدق بالمنذور مع الواجب الذي في ذمته
وحمله على المقيد خلاف المتبادر، ومن لم يتفطن عما هذه الدقيقة، فقد وقع في الغلط
قوله: والقضاء في الكل:
أي في كل ما ذكر من العبادات من الصلاة والصوم والحج، والزكاة.
@
الجزء 1 · صفحة 34
وأما الاعتكاف فهي شرط صحته، واجباً كان أو سنة أو نفلاً. وأمّا الكفارات فالنية شرط صحتها عتقاً أو صياماً أو إطعاماً
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله وأمّا الاعتكاف:
هذا التقسيم منافٍ لإطلاق ما ذكر القُدُوري، حيث قال: إن الاعتكاف مستحب
ولإطلاق ما ذكره الهداية أيضاً، حيث قال: والصحيح أنه سنة مؤكدة.
والحق ما ذكره في فتح القدير، حيث قال فيه والحق خلاف كل من إطلاق القدوري والهداية، بل الحق أن يقال: الاعتكاف ينقسم إلى: واجب وهو المنذور تنجيزاً أو تعليقاً وإلى سـ سنة مؤكدة - وهو اعتكاف العشر الأواخر من رمضان، وإلى مستحب، وهو ما سواهما. انتهى. وهكذا جزم في الزيلعي وكمال الدراية أ فمراده - بالسنة هي المؤكدة، وهي ما كان في العشر الأواخر من رمضان على كيفية مخصوصة واظب عليها النبي صلى الله عليه وسلم، ولا يخرج من عهدته إلا بإتيانه على وجه صدر عن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الله عليه وسلمكماً، وكيفاً، وزماناً
وقد ثبت في محله أن اعتكاف النبي صلى الله عليه وسلم وقع في تمام العشر الأواخر من رمضان على وجه لا يخرج عنه إلا لضرورة حاجة الإنسان فما يفعله بعض الناس في زماننا من أنهم يعتكفون في العشر الأواخر، ويخرجون بلا ضرورة؛ لمجرد الإفطار والأكل في بيوتهم، ويمكثون فيها بلا ضرورة، زعماً منهم أنها نافلة، فليس في شيء من السنة المؤكدة، بل من قبيل المستحب وتفصيل هذا في شرحنا على الملتقى، ورسالتنا المفردة
@
الجزء 1 · صفحة 35
وأما الضحايا فلا بد فيها من النية، لكن عند الشراء لا عند الذبح
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: وأمّا الضحايا
جمع ضحية، مثل عطيّة وعطايا، كذا في المصباح
قوله فلا بد فيها من النية:
لأنها عبادة مقصودة.
قوله: لكن عند الشراء لا عند الذبح:
فيه بحث؛ لأنه إن أراد به بيان وقت النية اللازمة في الأضحية فهو ممنوع؛ لأن وقتها ليس وقت الشراء فقط كيف لو اشترى شاة للتجارة، ثم في يوم الأضحية نوى لها وذبحها يجزئه فالصواب أن يقول: عند الشراء، أو عند الذبح.
أو يقول: لكن يكفي وجودها عند الشراء، وإن لم يوجد عند الذبح ولذا قال في البزازية: ذبح المشتراة للأضحية بلا نية الأضحية، جازت اكتفاء
بالنية عند الشراء
وأراد به لزوم النية عند الشراء؛ لتعيين الأضحية. فهذا مع كونه خلاف المتبادر من كلامه، يأباه قوله الآتي: وهل تتعين الأضحية
لأنه حينئذ يلزم الاستدراك
@
الجزء 1 · صفحة 36
وتفرع عليه أنه لو اشتراها بنية الأضحية فذبحها غيره بلا إذن، فإن أخذها مذبوحة ولم يضمنه أجزأته، وإن ضمنه لا يجزئه، كما في أضحية الذخيرة، وهذا إذا ذبحها عن نفسه، أما إذا ذبحها عن مالكها فلا ضمان عليه
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: أجزأته:
أي المالك؛ لوجود النية منه للأضحية وقت الشراء
وذبح الفضولي لا يضره؛ لأنه مأذون له للذبح دلالة؛ لأن صاحب الأضحية لا يتولى ذبحها بنفسه عادة، بل يفوّض إلى غيره، فصار مأذوناً له كالقصاب، إذا شد رجل شاته للذبح، فذبحها إنسان غيره بغير أمره، لا يضمن؛ لأنه مأذون له دلالة قوله: وإن ضمنه لا يجزئه
بل يجزيء الذابح إن نواها عن نفسه؛ لأنه ذبح وقع في ملكها بالضمان بطريق الاستناد
كما لو غصب أضحيته غيره، وذبحها عن نفسه، وضمن القيمة لصاحبها أجزأه ما صنع؛ لأنه ملكها بسابق الغصب.
وكذا لو سرق سارق أضحية غيره، وذبحها عن نفسه، وضمن الضامن أجزأه عنه؛ لأنه ملكها بالضمان حين قبض بطريق الاستناد خلاف ما لو ذبح المودع شاة الوديعة، والمستعيرُ شاة العارية، والمستبضع شاة البضاعة، والمرتهن شاة الرهن، ..
والوكيل بشراء الشاة المشتراه للموكل أو الوكيل - بحفظ ماله- شاة موكله
أو أحد الزوجين شاة الآخر عن نفسه، فإنه لا يجزئ في كل هذه الصور عن الذابح؛ لأن الأضحية في الصور الست تدخل في ضمانه بالذبح؛ فلم يتقدم ملكه على وقت المباشرة بالاستثناء فلا يجزئ عنه، كذا في الخلاصة.
@
الجزء 1 · صفحة 37
وهل تتعين الأضحية بالنية؟ قالوا: إن كان فقيراً، وقد اشتراها بنيتها تعينت، فليس له بيعها، وإن كان غنياً لم تتعيّن، والصحيح أنها تتعين مطلقاً، فيتصدق بها الغني بعد أيامها حية، ولكن له أن يقيم غيرها مقامها، كما في البدائع من الأضحية، قالوا: والهدايا كالضحايا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله وهل تتعين الأضحية بالنية:
أي بالشراء بنية الأضحية كما هو الظاهر من كلامه الآتي، وإلا فلا تتعين بمجرد النية بلا شراء وذبح
ولذا قال في قاضي خان: لو كانت الشاة عنده فأضمر بقلبه أن تكون أضحية لا تصير أضحية في قولهم جميعاً
ثم قال: إذا اشترى شاة بغير نية الأضحية، ثم نوى الأضحية بعد الشراء لم يذكر هذا في ظاهر الرواية
وروى الحسن عن أبي حنيفة أنها لا تصير أضحية
وفصله في الخلاصة فقال: إنه لو نذر في الأضحية بأن قال: الله عليّ أن أضحي بهذه الشاة يجب بالإجماع
وأجمعوا أيضاً أنها لا تصير واجبة بمجرد النية بأن نوى بأن يضحي بهذه الشاة التي عنده، ولم يذكر بلسانه شيئاً، وبالشراء بنية الأضحية، إن كان المشتري غنياً لا يجب عليه باتفاق الروايات
حتى لو باعها واشترى أخرى بثمنها، والثانية شر من الأولى، جاز، ولا يجب عليه شيء، وإن كان المشتري فقيراً
قال في شرح الشافي: من اشترى شاة؛ ليضحي بها، تعينت لها بالنية عند الطحاوي
قال: ومذهب الجمهور أنها تصير لها، إلا أن يقول عليّ أن أضحي بها؛ لأن نفس النية غير موجبة. هكذا ذكره شمس الأئمة الحلوانى.
وذكر الإمام خُوَاهَر زَادَه في ظاهر الرواية عن أصحابنا تصير واجبة وهكذا ذكره الطحاوي.
وفي الزيادات رجل اشترى شاة فأوجبها أضحية، وجبت عليه موسراً كان أو معسراً.
واختلف المشايخ في قوله: فأوجبها أضحية:
قال بعضهم: أوجبها بلسانه بعد الشراء، فيقول: الله على أن أضحى بهذه الشاة
وقال بعضهم أراد به أنه اشتراها بنية الأضحية. انتهى كلام الخلاصة.
وهكذا في البزازية - أيضاً - حيث قال فيها: وبالشراء لها لو كان المشتري غنياً، لا يجب باتفاق الروايات فله بيعها، وإن كان فقيراً، وذكر في الشافي أنها تتعين بالنية والجمهور: لا، إلا أن يقول بلسانه عليّ أن أضحي بها.
وذكر بكر في ظاهر الرواية عنا: يجب بالشراء بها.
وفي الزيادات: اشترى وأوجبها أضحية تجب هي موسراً أو معسراً.
قيل معناه: أوجبها بلسانه. وقيل: أراد به اشتراها بنية. انتهى.
فعلم منه أن قوله - والصحيح أنها تتعين مطلقاً على خلاف اتفاق الروايات، فلا صحة له إلا على تأويل بعضهم لفظ الزيادة بالشراء بنية الأضحية، وذا خلاف الصحيح.
قوله: بعد أيامها حية
لأنها تعينت لها بالشراء لها، فلا يجوز أن يتصدق بقيمتها بناء على هذا القول بخلاف القول الآخر، أعني أنها لا تتعين، فإنه عندهم يجوز أن يتصدق بعينها وقيمتها.
قوله ولكن له أن يقيم غيرها مقامها:
بخلاف الفقير، إذ ليس له أن يقيم غيرها مقامها بعد ضياع الأولى أو تعينها.
وفيه بحث يظهر بما في الشروح والفتاوى
قال في الزيلعي: ولو اشتراها سليمة ثم تعيبت بعيب مانع من التضحية، كان عليه أن يقيم غيرها مقامها إن كان غنياً، وإن كان فقيراً يجزئه؛ لأن الوجوب على الغني بالشرع ابتداء لا بالشراء، فلم يتعين بالشراء
والفقير ليس عليه واجب شرعاً، فتعنيت عليه بشرائه بنية الأضحية، فلا يجب عليه ضمان نقصانها؛ لأنها غير مضمونة عليه، حتى لو أوجب الفقير أضحية على نفسه بغير عينها، فاشترى أضحية صحيحة، ثم تعيبت عنده، فضحى بها، لا يسقط عنه الواجب؛ لأنه وجب عليه أضحية كاملة بإيجابه من غير تعيين كالموسر
وعلى هذا الأصل إذا ماتت المشتراة للتضحية، فعلى الموسر مكانها أخرى، ولا شيء على الفقير، وكذا لو ضلت أو سرقت، وهكذا في الفتاوى أيضاً.
فإنه قال في الخلاصة: والفقير لو سرقت شانه، ولم يشتر أخرى ليس عليه أخرى، والغني يجب عليه أخرى؛ لأن الوجوب على الفقير بالشراء، والشراء يتناول هذا المعيّن، فوجب التضحية به فسقط الواجب بهلاك هذا المعيّن، والواجب على الغني بإيجاب الشرع، والشرع لم يوجب تضحية هذا المعيّن فلا يسقط الواجب بهلاك هذا المعين
قيده بقوله: ولم يشتر أخرى؛ لأنه إذا اشترى الفقير أضحية فسرقت، فاشترى مكانها أخرى، ثم وجد الأولى، فعليه أن يضحي بها إن أوجب الأخرى إيجاباً مقيداً بعد شراء الأولى
وأما إن أوجبها بدلاً عن الأولى فله أن يذبح أيتها شاء
وفي الغني لا يجب إلا واحدة؛ لأن الوجوب على الفقير بالشراء، والشراء بنية الأضحية قد تعدد، فيتعدد الوجوب.
وعلى الغني الوجوب بإيجاب الشرع، والشرع لم يوجب إلّا أضحية واحدة، كذا في الخلاصة و البزازية
فعلم منه أن صحة إقامة الثانية مقام الأولى للغني، وعدم صحتها للفقير، مبني على أن الأولى لا تتعين بالشراء، بنية الأضحية من الغني، وتتعين من الفقير
فتفريع المصنف صحة إقامتها مقام الأولى من الغني على تعيينها من الغني على الصحيح محل نظر. على أن دعوى تصحيح التعيين من الغني ممنوع كما عرفت
واعلم أن مقام الثانية مقام الأولى من الغني مطلقاً سواء كانت الثانية خيراً من الأولى أو شراً منها.
لكن إذا كانت شراً يضمن فضل ما بينهما
ولذا قال في الخلاصة: اشترى أضحية ثم باعها جاز في ظاهر الرواية، ولو اشترى مثلها وضحى بها إن كانت الثانية مثل الأولى أو خيراً منها، جاز، ولا يلزم شيء آخر، وإن كانت دون الأولى تصدق بفضل القيمتين
قال الإمام السَرْخسي: ومن أصحابنا من قال هذا إذا كان المشتري فقيراً، فإن كان غنياً ليس عليه أن يتصدق بفضل القيمة، قال: والأصح عندي أن الغني والفقير سواء
وهكذا ذكره في قاضي خان أيضاً، وعلل لزوم التصدق بالفضل، بأنه لما أوجب الأولى على نفسه بالشراء بنية الأضحية، وتعيّن لها، فقد جعل لنفسه شيئاً منها فيتصدق بالفضل
@
الجزء 1 · صفحة 38
وأما العتق فعندنا ليس بعبادة وضعاً، بدليل صحته من الكافر، ولا عبادة له، فإن نوى وجه الله كان عبادة مثاباً عليها، وإن أعتق بلا نية صح، ولا ثواب له إن كان صريحاً.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: بدليل صحته من الكافر:
ومن المكره، والهازل، أيضاً
قوله: وإن أعتق بلا نية صح، ولا ثواب له إن كان صريحاً:
قال في فتح القدير: الألفاظ التي تستعمل لإنشاء الإعتاق صريح وكناية
فالصريح المولى، والحرية والعتق، بأي صيغة كان فعلاً، أو وصفاً، أو مصدراً
فالفعل نحو: أعتقتك، وحررتك، وأعتقك الله، يعتق بلا نية على الأصح
وقيل: بالنية
والوصف نحو أنت حر، محرر عتيق، معتق، ولو في النداء كيا حر، ويا عتيق، فإنه هكذا حر
والمولى، كقوله هذا، مولاي أو يا مولاي، يعتق، وإن لم ينو
وحكم الصريح:
يقع به، نواه، أو لم ينوه، لا إن نوى غيره، إلّا في القضاء، أما فيما بينه وبين الله فلا يقع إذا نوى غيره
فلو قال نويت بالمولى الناصر، لا يصدق فى القضاء، وفيما بينه وبين الله فهو على ما نوى.
وينبغي أن يكون هذا إذا لم يكن هازلاً، فإنه يقع بينه وبين الله، وإن نوى غيره، وهو الكذب. انتهى
@
الجزء 1 · صفحة 39
وأما الكناية: فلا بد لها من النية، فإن أعتق للصنم، أو للشيطان صح وأثم، وإن أعتق لأجل مخلوق صح، وكان مباحاً لا ثواب ولا إثم.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: وإن أعتق للصنم:
قال في فتح القدير: وصفة العتق الاختياري أنه مندوب إليه غالباً، ولا يلزم في تحققه شرعاً وقوعه عبادة، فإنه يوجد بلا اختيار ومن الكافر، بل قد يكون معصية كالعتق للشيطان والصنم، وكذا إذا غلب على ظنه أنه لو أعتقه يذهب إلى دار الحرب، أو يرتد، أو يخاف منه السرق وقطع الطريق، وينفذ عتقه مع تحريمه، خلافاً للظاهرية
وقد يكون واجباً كالكفارة، وقد يكون مباحاً كالعتق لزيد، والقربة ما يكون خالصاً الله تعالى.
فحصل أن العتق يوصف بالوجوب والندب والإباحة والتحريم. انتهى
والمصنف ذكر ما يكون قربة، وندباً، ومباحاً، وحراماً، ولم يذكر الواجب منه، وهو عبادة لا بد فيه من النية
فقوله: العتق عندنا ليس عبادة: على إطلاقه ليس كما ينبغي، تأمل
@
الجزء 1 · صفحة 40
وينبغي أن يخصص الإعتاق للصنم، بما إذا كان المعتق كافراً، أما المسلم إذا أعتق له قاصداً تعظيمه كفر.
كما ينبغي أن يكون الإعتاق لمخلوق مكروهاً، والتدبير والكتابة كالعتق.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: وينبغي أن يخصص الإعتاق للصنم:
فيه أن المصرّح في الكتب أنه ليس بخاص للكافر، بل يعم المسلم أيضاً
وما ذكره من قوله إذا أعتق له قاصداً تعظيمه كفر مسلّم، لكن إعتاقه للصنم لا يستلزم تعظيمه له حتى يكون كافراً
على أن المقصود بيان صحة العتق منه، وهو لا يستلزم إسلام المعتق.
قوله: كالعتق:
أي في الأحكام المذكورة.
@
الجزء 1 · صفحة 41
وأما الجهاد فمن أعظم العبادات، فلا بد له من خلوص النية.
وأما الوصية فكالعتق إن قصد التقرب فله الثواب، وإلا فهي صحيحة فقط.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله فمن أعظم العبادات: لأن المقصود الأصلي منها إعلاء كلمة الله تعالى، وإعزاز دينه بقهر عدوه وصفتها: أنها فرض كفاية بدون النفير العام
وبه فرض عين، فلا بد من النية.
قوله: فكالعتق:
أي في الأحكام، حتى إنها ليست بعبادة، بدليل صحتها من الكافر
@
الجزء 1 · صفحة 42
وأما الوقف فليس عبادة وضعاً بدليل صحته من الكافر، فإن نوى القربة فله الثواب، وإلا فلا.
وأما النكاح فقالوا: إنه أقرب إلى العبادات، حتى إن الاشتغال به أفضل من التخلى لمحض العبادة.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: أفضل من التخلي:
استدل عليه بوجوه:
الأول: إمّا فرض، أو واجب، أو سنة، وكلُّ منها مقدم على النوافل بالإجماع لكن هذا الوجه مختص بهذه الأقسام الثلاثة، ولا يتمشى في أقسامه الثلاثة الباقية:،حرام، ومكروه، ومباح
الثاني: أنه صلى الله عليه وسلم أو عد على تركه، بخلاف النوافل؛ إذ لا وعيد على تركها
الثالث: أنه فعله صلى الله عليه وسلم، وواظب عليه
ولو كان التخلي للنوافل أفضل لفعله فعله صلى الله عليه وسلم
وإذا كان أفضل في حقه فعله صلى الله عليه وسلم كان أفضل أيضاً في حق أمته، إذ الأصل في الشرائع العموم، والخصوص لا بد له من دليل
الرابع: أنه سبب موصل إلى ما هو مفضل على النوافل؛ لأنه سبب لصيانة النفس عن الفاحشة، ولصيانة نفسها عن الهلاك بالنفقة والسكنى واللباس، ولحصول الولد.
@
الجزء 1 · صفحة 43
وهو عند الاعتدال سنة مؤكدة على الصحيح، فيحتاج إلى النية لتحصيل الثواب، وهو أن يقصد إعناف نفسه، وتحصينها وحصول ولد.
وفسرنا الاعتدال في الشرح الكبير شرح الكنز.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: سنة مؤكدة على الصحيح:
لأنه صلى الله عليه وسلم واظب عليه، وقد قال: من كان على ديني ودين دواود وسليمان وإبراهيم & فليتزوج، فإن لم يجد إليه سبيلاً، فليجاهد في سبيل الله
قوله: على الصحيح
احترازاً عن القول باستحبابه
قال في فتح القدير: وقيل إنه سنة مؤكدة، وهو الأصح، وهو محمل قول من أطلق عليه الاستحباب وكثيراً ما يتساهل في إطلاق المستحب على السنة. انتهى
قيد كونه سنة بوقت الاعتدال؛ احترازاً عن وقت التوقان، فإنه عند التوقان فرض أو واجب
قال في الشرح: وصفته: فرض وواجب، وسنة وحرام، ومكروه، ومباح.
أما الأول: فبأن يخاف الوقوع في الزنا لو لم يتزوج، بحيث لا يمكنه الاحتراز عنه إلا به؛ لأن ما لا يتوصل إلى ترك الحرام إلّا به يكون فرضاً
وأما الثاني: فبأن يخاف لا بالحيثية المذكورة، إذ ليس الخوفُ مطلقاً مستلزماً بلوغه إلى عدم التمكن
وبه يحصل التوفيق بين قول من عَبّر عنه بالفرض، وبين قول من عَبّر عنه بالوجوب
وكلٌّ من هذين القسمين مشروط بشرطين:
الأول: ملك المهر والنفقة، فليس من كان عاجزاً عنهما آثماً بتركه.
الثاني: عدم خوف الجور
فإن تعارض خوف الوقوع في الزنا لو لم يتزوج، وخوف الجور لو تزوج، قدّم الثاني، فلا افتراض، بل هو مكروه.
لأن الجور معصية متعلقة بالعباد والمنع من الزنا من حقوق الله، وحق العبد مقدم على حق الله عند التعارض
وأما الثالث: فعند الاعتدال
وأما الرابع: فبأن يخاف الجور بحيث لا يمكنه الاحتراز عنه
وأما الخامس: فبأن يخافه لا بالحيثية المذكورة، وهي كراهة تحريمية وأما السادس فبأن يخاف العجز عن الإيفاء بمواجبه. انتهى
ومنهم من قال: إنه فرض عين عند الاعتدال إن قدر على الوطء والإنفاق والصحيح أنه سنة مؤكدة عنده كما ذكره
قوله: وفسرنا الاعتدال في الشرح: قال فيه: والمراد بالاعتدال حالة القدرة على الوطء أو المهر أو النفقة مع عدم الخوف من الزنا والجور، وترك الفرائض والسنن
فلو لم يقدر على واحدٍ من الثلاثة، أو خاف واحداً من الثلاثة، فليس معتدلاً، فلم يكن سنة في حقه. انتهى
@
الجزء 1 · صفحة 44
ولم يكن فيه شرط صحة
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ولم يكن فيه شرط صحة:
أي لم تكن النية في النكاح شرط صحة، سواء كان بالصريح، كلفظ النكاح والتزويج
أو بكنايته كلفظ البيع والشراء والهبة والصدقة ونحوها مما يدل على تمليك العين
وهل يشترط القرينة الدالة على إرادة النكاح في الكنايات، لم يذكره المصنف،
واختلفت عباراتهم:
ففي الزيلعي و الخانية: أن كل لفظ موضوع لتمليك العين ينعقد به النكاح، إن ذكر المهر وإلا فبالنية
وهذا يدل على اشتراط القرينة عند عدم النية
وقال في البحر نقلاً عن المبسوط: لا يشترط فيه النية، ذكر المهر أو لم يذكر
هكذا ذكره في فتح القدير أيضاً، نقلاً عن الإمام السرخسي؛ معللاً بأنه مجاز ينصرف إلى النكاح بلا نية أصلاً
كما لو حلف لا يأكل من هذه النخلة ينصرف إلى المجاز من غير نية، وهذا يدل على عدم اشتراط ذكر المهر عند عدم النية
وقال في فتح القدير أيضاً: لو طلب الزنا من امرأة، فقالت: وهبت نفسي نفسك، وقبل الرجل، لا ينعقد النكاح.
وكذا لو قال أبو البنت وهبت بنتي منك وقَبِل الرجل، لا ينعقد النكاح وهكذا ذكره في الخلاصة والبزازية أيضاً
وعلّله في فتح القدير بأن انعقاد النكاح بالهبة مجاز، فكما لا بد في المجاز من قرينة على المعنى المجازي الذي أريد منه، كذا لا بد فيه من انتفاء قرينة دالة على إرادة غير ذلك المعنى المجازي، ولم ينتفِ في هاتين الصورتين بل وجدت قرينة دالة على إرادة غير معنى النكاح، فلم ينعقد النكاح
ثم قال في فتح القدير: بخلاف ما لو قال الأب: بعتك بنتي بحضرة الشهود حيث ينعقد به النكاح، فإن عدم قبول المحل للمعنى الحقيقي، وهو بيع الحرة، يوجب الحمل على المعنى المجازي، وهو النكاح، فعدم قبول المحل للمعنى الحقيقي هو القرينة على المجاز، فيكتفي بها الشهود من غير زيادة قرينةٍ مِنْ ذكر مهر وإعلام الشهود وطلب الخطبة، حتى لو كان المعقود عليه أمة احتيج إلى قرينة زائدة من ذكر مهر معجلاً أو مؤجلاً، أو إعلام الشهود
وكما لو قال وهبت أمتي منك، وقبله الرجل، فإن كان الحال يدل على النكاح من إعلام الشهود وتسمية المهر، ينصرف إلى النكاح.
وإن لم يكن الحال يدل على النكاح، فإن نوى وصدّقه الموهوب له فكذلك، وإلا ينصرف إلى ملك الرقبة، كذا في البدائع
فعلم منه أن في الحرة ينعقد النكاح بالهبة والقبول بلا حاجة إلى تسمية مهر أو إعلام شهود أو طلب خطبة؛ لعدم قابلية المحل للمعنى الحقيقي، فينصرف إلى النكاح بالضرورة، إلّا أن توجد قرينة على إرادة غير معنى النكاح، كما في الصورتين المذكورتين
خلاف الأمة فإنه تحتاج فيها إلى زيادة قرينة؛ لكون المحل قابلاً للمعنى الحقيقي
علم منه أيضاً أن مراد من اشترط ذكر المهر عند عدم النية اشتراط وجود قرينة مطلقاً، من قبيل ذكر الخاص وإرادة العام
ومراد من لم يشترطه عدم اشتراط ذكر المهر، بخصوصه، لا عدم اشتراط قرينة أصلاً.
كيف وأن عدم قابلية المحل في الحرة قرينة لا يمكن إنكارها
ثم بقي الكلام فيما ذكره قاضي خان: إذا قالت المرأة بمحضر من الشهود وهبت نفسي منك على وجه النكاح، فَقَبِل الرجل كان نكاحاً
قلت مراده بقوله: على وجه النكاح أن لا يكون فيه قرينة صارفة عن النكاح، كما في الصورتين المذكورتين، لا أن يكون فيه ذكر المهر أو إعلام الشهود أو طلب الخطبة، إذ لا حاجة في الحرة إلى شيء من هذه القرائن
بل مجرد عدم قابلية المحل للمعنى الحقيقي قرينة على النكاح عند عدم قرينة صارفة عنه
فتقول الحرة ابتداء: وهبت نفسي منك، أو بعت نفسي منك على وجه النكاح، فلو قبل الرجل ينعقد النكاح بلا حاجة إلى زيادة قرينة
هذا، وقال قاضي خان: لو قالت المرأة: وهبت نفسي منك، فقال الرجل: أخذت، لا ينعقد النكاح. انتهى
لأن أخذت ليس قبولاً للعقد في باب النكاح
@
الجزء 1 · صفحة 45
وقالوا: يصح النكاح مع الهزل، لكن قالوا: لو عقد بلفظ لا يُعرف معناه ففيه خلاف، والفتوى على صحته، علم الشهود أو لا، كما في البزازية.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وله: يصح النكاح مع الهزل:
لقوله: ثلاث جدهن جد وهزلهن جد النكاح والطلاق والرجعة. وكذا ينعقد من المكره، كذا في فتح القدير
قوله لا يعرف معناه:
أي لا يعرفه العاقدان، وتفسيره بعدم معرفة الشاهدين كما ظن، يرده
قوله: علم الشهود أو لا
قوله: كما في البزازية:
قال: لقنت المرأة بالعربية زوجت نفسي من فلان، ولا تعرف ذلك، وقال فلان: قبلت، والشهود يعلمون أو لا يعلمون صح النكاح، وعليه الفتوى وفي الخلاصة: وقيل: لا يصح كما في البيع
وفي فتح القدير: ومثل هذا في جانب الرجل أيضاً إذا لقنه ولم يعلم معناه، والأصل فيه أن العلم بمضمون اللفظ إنّما يشترط لأجل القصد والإرادة وكل عقد يستوي فيه الهزل والجد لا يشترط فيه العلم بمضمونه كالطلاق والعتاق
والتدبير، والنكاح، بخلاف البيع ونحوه، مما لا ينعقد بالهزل ثم الخلاف في اشتراط علم الشهود كلام العاقدين مثل الخلاف في اشتراط علم
العاقدين، وإن أشعر كلامه أن علم الشهود ليس بشرط بلا خلاف فيه ففي الخلاصة: إذا تزوج امرأة بالعربية والزوج والمرأة يحسنان العربية،
والشهود لا يعرفون العربية، اختلف المشايخ فيه، والأصح أنه ينعقد وفي المحيط: إذا تزوج امرأة بشهادة هنديين لم يفهما، ولم يمكنهما أن يعبرا، لم
يجز.
وفي النوازل: إن أمكنهما أن يعبرا جاز
وفي الجوهرة قال في الفتاوى: المعتبر السماع دون الفهم، وقال
:
الفهم
الظهيري
أيضاً، وهو الصحيح، فقد اختلفوا في التصحيح
@
الجزء 1 · صفحة 46
وعلى هذا سائر القرب، لا بد فيها من النية، بمعنى توقف حصول الثواب على قصد التقرب بها إلى الله تعالى من نشر العلم تعليماً وإفتاء وتصنيفاً.
وأما القضاء فقالوا: إنه من أشرف العبادات، فالثواب عليه متوقف عليها، أي على النية، وكذا إقامة الحدود والتعازير، وكل ما يتعاطاه الحكام والولاة، وكذا تحمل الشهادات وأداؤها.
وأما المباحات فإنها تختلف صفتها باعتبار ما قصدت لأجله، فإذا قصد بها التقوي على الطاعات، أو التوصل إليها كانت عبادة، كالأكل والنوم واكتساب المالِ والوطء.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: من نشر العلم بيان للقرب
قوله: إنه من العبادات:
قالوا: إن القضاء بالحق من أقوى الفرائض، وأفضل العبادات، بعد الإيمان بالله تعالى
قوله: كالأكل:
حتى جاز فوق الشبع، بقصد الصوم، أو للضيف، وكذا الذبح للضيف سنة الخليل صلى الله عليه وسلم إن ذكر الله عليه، كذا في صيد البزازية
@
الجزء 1 · صفحة 47
وأما المعاملات فأنواع: فالبيع لا يتوقف عليها، وكذا الإقالة والإجارة لكن قالوا: إن عقد بمضارع لم يصدر بـ سوف أو السين توقف على النية.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: لم يقترن بسوف أو السين:
لأن المقترن بهما لا ينعقد به البيع، وإن نوى الإيجاب؛ لأنه محتمل للحال، فنية الحال لغو؛ لعدم مصادفتها محلها؛ لأنها لتعيين المحتملات ولا احتمال فيه، ولم يرد به الشرع، فلا ينعقد به البيع، بل هو وعد إن كان من البائع، نحو: سأبيع أو سوف أبيع، ومساومة عند المشتري، نحو: سوف أشتري
قوله توقف على النية: قال في البحر: وإنما احتاج إلى النية مع كونه حقيقة للحال عندنا على الأصح؛ لغلبة استعماله في الاستقبال حقيقة أو مجازا أقول: إن أراد بالمضارع الإخباري سلمنا أنه حقيقة في الحال، لكن المراد بالمضارع في باب البيع هو المضارع الإنشائي لا الإخباري. وإن أراد به المضارع الإنشائي فلا نسلم أنه حقيقة في الحال، وما هو المشهور من أن صيغة المضارع الإنشائي على النية؛ لتعين محتملاته، لا لعارض غلبة الاستعمال
@
الجزء 1 · صفحة 48
فإن نوى به الإيجاب للحال، كان بيعاً، وإلا لا، بخلاف صيغة الماضي فإن البيع لا يتوقف على النية.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: فإن نوى به:
أي بالمضارع الإنشائي الغير المقارن بالسين، وسوف سواء كان بائعاً، أو مشترياً؛ لأن الإيجاب عندهم عبارة عمّا صدر من أحد العاقدين أولاً، سواء كان بائعاً كبعتُ أو أبيع، أو مشترياً كاشتريت منك
قوله: فإن البيع لا يتوقف على النية:
فإن صيغة الماضي صريح في البيع شرعاً، فلا يحتاج إلى النية
@
الجزء 1 · صفحة 49
وأما المضارع المتمحض للاستقبال، فهو كالأمر لا يصح البيع به، ولا بالنية، وقد أوضحناه في شرح الكنز.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: كالأمر: تشبيه لا تمثيل.
قوله: وقد أوضحناه في الشرح: قال فيه: إن البيع ينعقد بالماضي بلا نية وبالمضارع بالنية على الأصح ثم قال: وإنما يحتاج إليها مع كونه حقيقة في الحال عندنا على الأصح؛ لغلبة استعماله في الاستقبال حقيقة أو مجازاً، وهو المراد بقول بعضهم: إنه ينعقد في المستقبل بالنية ثم قال نقلاً عن التتمة: إنما يحتاج المضارع إلى النية، إذا لم يكن أهل البلد يستعملون المضارع للحال، بل للوعد والاستقبال، فإن كان كذلك كأهل خوارزم لا يحتاج إليها. انتهى
مطلقاً
مراده من عدم احتياجه إلى النية أن عرف البلد قائم مقامها، لا عدم الاحتياج إليها ولا يخفى عليك أن هذا إنما يستقيم إن كان أهل البلد يستعملون المضارع الإنشائي للحال، وإلا فلا بد للمضارع الإنشائي من النية للحال في انعقاد البيع به ولا يكفي استعمالهم المضارع الإخباري للحال، إذ بين المضارع الإخباري والإنشائي فرق
@
الجزء 1 · صفحة 50
وقالوا: لا يصح مع الهزل لعدم الرضا بحكمه معه.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله لعدم الرضا بحكمه: وهو ثبوت الملك؛ لأن الهزل ينافي الرضا بالحكم واختياره، وإن لم يناف الرضا بمباشرة السبب واختياره إيّاه
لأن الهازل يتكلم بما هزل به عن اختياره ورضاه
مثل خيار الشرط، فإن الخيار بعدم الرضا والاختيار في حق الحكم، لا في حق
مباشرة السبب واختياره لكن شرط تحقق الهزل في العقد أن يكون صريحاً مشروطاً باللسان مثل أن يقول: بع هازلاً، ولا يكتفي بدلالة الحال، وليس ذكره في نفس العقد متصلاً به شرطاً، بخلاف خيار الشرط، فإن ذكره في العقد شرط وهذا لأن الهزل لو شرط ذكره في العقد، لفات المقصود منه، وهو اعتقاد الناس التصرف جداً، وليس كذلك، بخلاف خيار الشرط، فإنه شرع لدفع الغبن، ولا يحصل ذلك إلّا بأن يكون متصلاً بالعقد
وأما إذا اتفقا على الجد فيه، لكنهما تواضعا على البيع بالغبن على أن أحدهما هزل،
فإن اتفقا بعده على الإعراض عن المواضعة، فالبيع صحيح لازم، والثمن ألفان وإن اتفقا على أنه لم يحضرها شيء عند العقد، أو اختلفا في البناء والإعراض، فقال أحدهما: بنينا على تلك المواضعة وقال الآخر: بل أعرضنا عنها، فالعقد صحيح، وكذا التسمية، والهزل باطل في الصورتين عند أبي حنيفة، فيكون البيع منعقداً بالغبن، وهذا أصح الروايتين عنه
وفي رواية أخرى عنه: ينعقد البيع بينهما بألف، والألف الذي هزلا به باطل، وهو قولهما، فإنهما جعلا العمل بالمواضعة واجباً، بناءً على أن الأصل عندهما المواضعة، بخلاف أبي حنيفة، فإن الأصل عنده الجد وإن اتفقا على البناء على المواضعة، فإن الثمن ألفان عنده في أصح الروايتين أيضاً وعندهما ينعقد بألف ووجه الطرفين مذكور في البزدوي
@
الجزء 1 · صفحة 51
وأما الهبة فلا تتوقف على النية، قالوا: لو وهب مازحاً صحت، كما في البزازية.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: لو وهب مازحاً صحت كما في البزازية: حيث قال فيها: قال الآخر هب لي هذا الشيء على وجه المزاح، فقال: وهبت، فقبله وسلّم جاز. انتهى. وهكذا في الخلاصة و قاضي خان بعينه أقول: إن هذا الكلام إنما يدل على جواز الهبة مزاحاً وهزلاً أن لو كان قوله: على وجه المزاح متعلقاً بقوله: هب لكنه ممنوع؛ لجواز تعلقه بقوله: قال، بل هو الظاهر.
كيف لا، ولو تعلّق بقوله: هب وجوز الهبة مزاحاً لزم القول بجواز الهبة بلا شرط الرضا. وقد صَرّح في الخلاصة و البزازية، وغيرهما: اشتراط الرضا في الهبة، وسيصرح به المصنف أيضاً. وقد تقرر في الأصول: أن الهزل والمزاح يعدم الرضا بالحكم كما تقدم آنفاً، فلا يصح تعلقه به بل يتعلّق بقوله: قال، فيدل على طلب الهبة مازحاً من الموهوب له، ولا يلزم منه وقوع الهبة مزاحاً من الواهب، ولا من المشتري، ومن هنا ظهر فساد ما في القهستاني من جواز الهبة هزلاً.
ولعلّ منشأ ما ذكرناه من البزازية والخلاصة، وقد عرفت أنه لا دلالة في ذلك عليه.
والحاصل أن الهبة لا تجوز هزلاً، مثل البيع؛ لعدم الرضا المشروط في الهبة.
@
الجزء 1 · صفحة 52
ولكن لو لقن الهبة ولم يعرفها لم تصح، لا لأجل أن النية شرطها، وإنما هو لفقد شرطها وهو الرضا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: لكن لو لقن الهبة:
هي: ذلك، لا
من التلقين، صورته على ما في الخلاصة والبزازية: رجل قال لامرأته وهبت مهري منك، وهي لا تحسن العربية، فقالت تصح؛ لأن الرضا شرط في جواز الهبة ولهذا لو أكره على الهبة فوهب لا تصح؛ لعدم الرضا، ولا رضا في التلقين.
@
الجزء 1 · صفحة 53
ولذا لو أكره عليها لم تصح، بخلاف الطلاق والعتاق، فإنهما يقعان بالتلقين ممن لا يعرفهما؛ لأن الرضا ليس بشرطهما.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: وإنما هو لفقد شرطها وهو الرضا:
هذا مخالف لما ذكره آنفاً من جواز الهبة مزاحاً؛ إذ المزاح ينافي الرضا
قوله: لم تصح: لعدم الرضا أيضاً
قوله: فإنهما تقعان بالتلقين ممن لم يعرفهما:
صورته رجل قال لرجل قل طلقتُ امرأتي وهو لا يعرف العربية - فقال: طلقت امرأتي، وقع الطلاق وقال رجلٌ لرجل: قل: أعتقت عبدي وهو لا يعرف العربية- فقال: أعتقت عبدي، وقع العتق؛ لأن الرضا ليس شرطاً فيهما
وقال الفقيه أبو الليث: عندي لا يقع الطلاق والعتاق إذا كان معروفاً بالجهل، كذا في هبة البزازية
@
الجزء 1 · صفحة 54
ولذا لو أكره عليهما يقعان.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: لو أكره عليه يقعان:
وفيهما خلاف للشافعي
فإنه قال: لا يقع طلاق المكره، ولا إعتاقه
ووجهه مع جوابه، مذكور في شرحنا على الملتقى
@
الجزء 1 · صفحة 55
وأما الطلاق فصريح وكناية.
فالأول لا يحتاج في وقوعه إليها.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: لا يحتاج في وقوعه: أي الطلاق؛ لأن الصريح يقوم لفظه مقام معناه؛ لكثرة استعماله فيه، وظهور المراد منه ظهوراً بيناً.
وما هو كذلك لا يحتاج إلى النية في القضاء؛ لتعلق الحكم فيه بعين اللفظ قال في فتح القدير: ومعنى قولنا الصريح على النية أنه إذا لم ينو شيئاً أصلاً يقع الطلاق، لا أنه يقع وإن نوى شيئاً آخر؛ لما ذكر، وإذا كان الطلاق عن وثاق صدق ديانة لا قضاء، وكذا عن العمل في رواية، وإنما لم يديّن فى القضاء؛ لأنه خلاف الظاهر، فلم تؤثر فيه النية، وليس للمرأة أن تصدّقه أيضاً فيه حتى لا يحمل لها أن يمكنه ويدين فيما بينه وبين الله؛ لأنه محتمل كلامه
قوله: إليها: أي في النية، يعني في القضاء كما ذكرنا
@
الجزء 1 · صفحة 56
فلو طلق غافلاً أو ساهياً أو مخطئاً وقع حتى قالوا إن الطلاق يقع بالألفاظ
المصحفة قضاءً، ولكن لا بد أن يقصدها باللفظ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: فلو طلّق غافلاً أو ناسياً أو مخطئاً:
هكذا في النسخ التي عندنا، وفي بعض النسخ ساهياً بدل ناسياً والنسخة الأولى هو الموافق لحديث رفع عن أمتي الخطأ والنسيان هذا، والمراد بالغفلة: غيبة الشيء عن بال الإنسان، وعدم تذكره له، وقد يستعمل فيمن تركه إهمالاً وإعراضاً، كذا في المصباح
وقال فيه أيضاً: والنسيان مشترك بين معينين:
أحدهما: ترك الشيء على ذهول وغفلة، وذلك خلاف الذكر له
والثاني: الترك على تعمّد.
فعلم منه أن كلاً من الغفلة والنسيان يصح أن يستعمل موقع الآخر
فالمراد بالطلاق غافلاً أن يطلق امرأته غافلاً عن معناه، وعدم تذكره له وبالطلاق ناسياً أن يطلق معرضاً عن معناه، بأن يقول: أنت طالق، غير مريد معناه وبالطلاق مخطئاً أن يسبق الطلاق على لسانه، وهو يريد أن يتكلم سبحان الله مثلاً.
وفسر بعضهم الطلاق ساهياً بهذا التفسير، فلا فرق بين المخطئ والساهي وهل يقع الطلاق بما قصد به الكذب؟ فقال في الخلاصة نقلاً عن الأصل ه: إذا قال: طلقتك أمس، وهو يقصد
الكذب، كان طالقاً في القضاء
قوله: بالألفاظ المصحفة قضاء:
وهي خمسة على ما ذكره في الشرح تلاق، وتلاغ، وطلاغ، وتلاك، فيقع بها الطلاق قضاءً، وإن لم ينو الطلاق، لأنها صريح في الطلاق، فلا تتوقف على النية أو نوى أن لا يقع به هل يصدق في نيته هذه؟
قالوا: لا يصدق إلا إن أشهد على ذلك قبل التكلّم به، بأن قال: امرأتي تطلب مني الطلاق، وأنا لا أطلق، فأقول هذا اللفظ فاشهدوا، فتلفظ وشهدوا بذلك عند الحكم، فإنه لا يقضي بالطلاق بينهما
قوله: أن يقصدها
أي يقصد تلك المرأة، أي زوجته، حتى لو قصد به خلاف غير زوجته لا يقع به الطلاق
بيانه على ما ذكره في الشرح أن قولهم الصريح لا يحتاج إلى النية، إنما هو في القضاء، أما في الديانة فمحتاج إليها، لكن وقوعه في القضاء بلا نية، إنما هو مشروط بأن يقصدها بالخطاب، بدليل ما قالوا لو كرر مسائل الطلاق بحضرة زوجته، ويقول: أنت طالق، ولا ينوي به الطلاق لا تطلق، وفي متعلم يكتب ناقلاً من كتاب رجل، قال: ثم يقف ويكتب امرأتي طالق، وكلما كتب قرن الكتابة بالتلفظ بقصد الحكاية لا يقع عليه انتهى
وهكذا في فتح القدير وقال في طلاق الخلاصة: قال أهل سمرقند في رجل حكى يمين رجل، فلما ذكر الطلاق خطر بباله ذكرُ، امرأته أنه إن نوى عند ذكر الطلاق عدم الحكاية، واستئناف الطلاق، وكان الكلام موصولاً بحيث يصلح للإيقاع على امرأته، طلقت امرأته، وإن لم ينو لا تطلق، وهو محمول على الحكاية
وفي القنية: امرأة كتبت أنت طالق، ثم قالت لزوجها اقرأه عليّ، فقرأ لا تطلق ما لم يقصد خطابها بها
@
الجزء 1 · صفحة 57
قالوا لو كرر مسائل الطلاق بحضرتها، ويقول في كل مرة: أنت طالق، لم يقع الطلاق بحضرتها، وكذا لو كتبت امرأتي طالق أو أنت طالق، وقالت له: اقرأ علي فقرأ عليها، لم يقع لعدم قصدها باللفظ.
ولا ينافيه قولهم: إن الصريح لا يحتاج إلى النية، وقالوا: لو قال: أنت طالق، ناوياً الطلاق من وثاق لم يقع ديانة ووقع قضاء، وفي عبارة بعض الكتب: أن طلاق المخطئ واقع قضاءً لا ديانة.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: حتى قالوا: تفريع على قوله لا بد أن يقصدها باللفظ لا استدلال عليه كما ظنّه بعضهم، كيف وأن الاستدلال بالجزئي على الكلي لا يصح
قوله: ولا ينافيه قولهم
إشارة إلى ما ذكره في فتح القدير. ثم قولنا: لا بد من القصد بها بالخطاب بلفظ الطلاق، لا يعارضه قولهم الصريح لا يحتاج إلى النية؛ لأن معنى قولهم هذا أن اللفظ بعد القصد به الخطاب لا يحتاج إلى النية.
والحاصل أنه إذا قصد السبب عالماً بأنه سبب رتب الشرع حكمه عليه، أراده أو لم يرده. انتهى
قوله: لم يقع ديانة:
لأنه نوى ما يحتمل كلامه ووقع قضاء:
لأنه خلاف الظاهر، فلم تؤثر فيه النية، كما ذكرناه من قبل
ولو نوى بذلك اللفظ الطلاق عن العمل لم يصدق أصلاً لا في القضاء ولا في الديانة
في ظاهر الرواية لأن الطلاق لدفع القيد النكاحي، وهذا القيد غير مقيد بالعمل وفي رواية الحسن عن أبي حنيفة أنه يصدق ديانة لا قضاء
قوله: فظهر بهذا:
أي بما ذكر في بعض الكتب
@
الجزء 1 · صفحة 58
ولا يرد عليه قولهم: إنه لو طلقها هازلاً يقع قضاء وديانة؛ لأن الشارع صلى الله عليه وسلم جعل هزله به جداً.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ولا يرد عليه:
أي على قوله: ويحتاج إليها ديانة
قوله: جعل هزله به: أي بالطلاق قوله: جداً:
لقوله صلى الله عليه وسلم ثلاث جدهن جد وهزلهن جد الطلاق والنكاح والعتاق، وهذا للتغليظ
على الهازل
@
الجزء 1 · صفحة 59
وقالوا: لا تصح نية الثلاث في أنت طالق ...
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله لا تصح نية الثلاث:
خلافاً لزفر والشافعي. لهما: أنه محتمل للفظه، فإن ذكر الطالق للطلاق لغة، كذكر العالم للعلم، ولهذا يصح قرآن العدد به، ويكون نصباً على التفسير، فصار كما إذا قال لها: طلق نفسك، ونوى الثلاث، فإنه نية صحيحة لا تطلق
ولنا أن ذكر طالق إنما يدل لغة على طلاق هو صفة المرأة، لا على طلاق هو صفة الرجل وهو تطليقه، وإنما يثبت التطليق بطريق الاقتضاء ضرورة أن المرأة لا تتصف بالطلاق شرعاً، ما لم يثبت التطليق من قبل الزوج، وما ثبت اقتضاء لا عموم له، وقد اندفعت الضرورة بواحدة، فلا حاجة إلى أزيد منها، فلا تصح نية الثلاث فيه، فكذا فيما تبتني عليه، أعني صفة المرأة، إذ ليس لها تعدد في نفسها، وإنما جاء التعدد من قبل الرجل.
فإذا انتفى التعدد من قبله انتفى من قبلها أيضاً. ولا نسلم أن العدد المذكور بعده تفسيره، له، بل تغيير له إلى ما لا يحتمله اللفظ؛ لأنه نعت لمصدر محذوف تقديره طلاقاً ثلاثاً. ولهذا قالوا: لو قال لامرأته طلقتك ثلاثاً يقع الطلاق بلفظ العدد لا بلفظ طلقتك، حتى لو ماتت قبل ذكر العدد لم يقع شيء؛ لقوات المحل. فعلم أن هذا الاقتران في التفسير لا في التغيير، ولو مات الزوج قبل ذكر العدد يقع الطلاق بقوله: طلقتك؛ لعدم اتصال المغير له. بخلاف طلقي نفسك، فإنه مختصر من افعلي فعل الطلاق من غير أن يتوقف على مصدر مغاير لما ثبت في ضمن الفعل؛ لأنه لطلب الطلاق في المستقبل، فلا يتوقف إلا على تصوّر وجوده فيكون الطلاق الثابت به نفس مصدر الفعل، فيكون ثابتاً لغة لا اقتضاء، فيصح فيه نية الثلاث؛ لجواز عمومه.
فإن قيل: إن ما ذكرت من الوجه ظاهر في أنت طالق، بخلاف هذين اللفظين، فإنهما صريحان في الدلالة على ثبوت التطليق من قبل الزوج لغة لا اقتضاء، فيصح العموم فيه، فينبغي نية الطلاق فيهما.
قلنا: دلالتهما بحسب اللغة، إنما هي على مصدر ماض لا على مصدر إنشائي، أي حادث في الحال بهذا اللفظ، فكان ينبغي أن يكونا لغويين؛ لعدم تحقق الطلاق في الماضي، إلا أن الشرع أثبت لتصحيح هذا الكلام مصدراً أي طلاقاً من قبل المتكلم، وجعله إنشاء للتطليق، فصارت دلالتهما على هذا المصدر اقتضاء لا لغة، فلا يجري فيه العموم، كما في أنت طالق، فلا يصح فيهما نية الثلاث أيضاً.
@
الجزء 1 · صفحة 60
ولا نية البائن، ولا تصح فيه الثنتين في المصدر: أنت الطلاق، إلّا أن تكون المرأة أمة، وتصح نية الثلاث.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ولا تصح نية الثنتين:
لأن الثنتين عددٌ محض فى حق الحرة.
والمصدر لا يحتمل العدد بخلاف الثلاث؛ لأنه واحدٌ حكمي في الحرة كالثنتين في الأمة، فتصح نية الثلاث في الحرة، كالثنتين في الأمة؛ لاحتمال اللفظ فيهما
@
الجزء 1 · صفحة 61
وأما كناياته، فلا يقع بها إلا بالنية ديانة.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: إلا بالنية: أي بالنية الحقيقية، وليس المراد بالنية ههنا أعم من الحقيقية والحكمية كما يظهر لك فيما نتلو عليك أقول: هذا الاستثناء مشكل؛ لأن ألفاظ الكنايات ثلاثة أقسام:
منها ما يصلح جواباً لسؤال الطلاق، لا ردّاً ولا سباً، كاعتدي، واستبرئي رحمك، وأنت واحدة، أمرك بيدك، اختاري. ومنها ما يصلح جواباً عن سؤال الطلاق، وردّ السؤال كاخرجي، واذهبي، وقومي، وتقنعي، وتخمري، واستتري، واغربي، وتزوجي واتبعي الأزواج، والحقي بأهلك، وحبلك على غاربك، ولا سبيل لي عليك، ولا نكاح بيني وبينك، ولا ملك لي عليك ومنها ما يصلح جواباً وسبباً، كخلية بريّة بتة، بتلة، بائن، فارقتك، حرام. والأحوال أيضاً ثلاث: حال الرضا، أعني بحاله الخالية عن مذاكرة الطلاق والغضب، وحال مذاكرة الطلاق، بأن تسأل هي أو الأجبني طلاقها، وحال الغضب. ففي حال الرضا لا يقع الطلاق في شيء من تلك الألفاظ إلا بالنية الحقيقية، ديانة وقضاء؛ للاحتمال حتى يكون القول قول الزوج في إنكاره النية، ولا يحكم القاضي بالطلاق مع إنكار الزوج البينة.
وفي حال مذاكرة الطلاق بما يصلح للجواب والردّ من تلك الألفاظ لم يقع إلا بالنية لا بدونها؛ لأنه لما احتمل الجواب والردّ، ثبت الأدنى بدون النية، وهو الرد؛ لأنه بقاء ما كان على ما كان
وإذا وجدت النية تعين الجواب؛ لأنها لتعيين المحتملات
ويقع الطلاق بما يصلح للجواب فقط، وبما يصلح للجواب والبت بلا نية. أما فيما يصلح للجواب فقط، فلأن الحال لما كان حال مذاكرة الطلاق، يحمل على الجواب عن سؤالها بدلالة الحال، فصار طلاقاً.
وأما فيما يصلح للجواب والبت، فلأن الحال لا تصلح للبت، فحمل على الجواب، فيقع الطلاق بلا نية حقيقية لوجودها حكماً.
وفي حال الغضب يقع بما يصلح للجواب فقط بلا نية، ويقع بالقسمين الباقيين مع
النية، كذا في الدرر وغيره
إذا عرفت هذا، فإن أراد بقوله: فلا يقع قضاء وديانة إلّا بالنية وأما ثانياً، فلأنه لا يستقيم عموم قوله: سواء كان معها مذاكرة الطلاق أولا؛ لأنه ترديد قبيح
وإن أراد به حال، الغضب ففيه أيضاً نظر من وجهين أما أولاً: فلأن تقييده بالديانة يستقيم بالنظر إلى ما يصلح للجواب فقط، لا بالنظر إلى القسمين الأخيرين؛ لأنه لا يقع في القسمين الأخيرين إلا بالنية ديانة وقضاءً وأما ثانياً؛ فلأنه لا وجه أيضاً لقوله سواء كان مذاكرة الطلاق أو لا؛ لأن الفرض
حال الغضب لا غير، والأحوال متقابلة. تأمل
@
الجزء 1 · صفحة 62
سواء كان معها مذاكرة الطلاق أو لا.
والمذاكرة إنما تقوم مقام النية في القضاء، إلا في لفظ الحرام، فإنه كناية، ولا يحتاج إليها، فينصرف إلى الطلاق إذا كان الزوج من قوم يريدون بالحرام الطلاق.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: كان معها
الظاهر أن الضمير راجع إلى النية لا إلى الكنايات كما ظن.
قوله مذاكرة الطلاق
قد عرفت معنى مذاكرة الطلاق
قوله والمذاكرة إنما تقوم مقام النية في القضاء:
فلا يصدقه القاضي في إنكاره النية، ويحكم بالطلاق فيما يصلح جواباً لا رداً وفيما
يصلح جواباً
بخلاف ما يصلح جواباً ورداً فإنه يصدقه فيه كما ذكرناه
قوله: إلا في لفظ الحرام: فإنه استثناء من الاستثناء المذكور، أعني: إلا بالنية
قوله: فإنه كناية ولا يحتاج إليها هذا منه اختيار القول المتأخرين، وعليه الفتوى
والمتقدمون على أنه لا يقع به الطلاق بلا نية؛ لما قال في البزازية: قوله: أنت علي حرام في غير حال مذاكرة الطلاق إن نوى طلاقاً فبائن وإن نوى ثلاثاً فثلاث وثنتين لا يصح إلّا في الأمة، وإن ظهاراً فظهار، وإن نوى اليمين أو لم ينو شيئاً فيمين
وإن نوى الكذب فكذلك في ظاهر الرواية. وكذا حرمتك عليّ، أو لم يقل علي
أو أنا عليك حرام، أو محرّم، أو حرمت نفسي عليك ويشترط قوله عليك في تحريم نفسه لا نفسها، حتى لو قال: حرمت نفسي، ولم
يقل: عليك، ونوى الطلاق لا يقع
وكذا في البينونة، بخلاف نفسها، هذا عند المتقدمين وقال الإسكافُ وأبو بكر بن سعيد طلاق بلا نية. انتهى
هكذا ذكره في الخلاصة بعينه
إِلّا أنه فَسّر اليمين في قوله: إن نوى اليمين أو لم ينو شيئاً فيمين بالإيلاء
فَسره في آخر باب الإيلاء
وهكذا
وهذا بناءً على ما تقدم من البزازية من أن قوله: عليك شرط في تحريم نفسه لا
نفسها، وكذا مني في البائن
ولكنه قال في خزانة الأكمل نقلاً عن العيون، لو قال: أنت حرام، أو بائن،
بائن، ولم يقل: مني، فهو باطل
وهذا مخالف لما تقدم من عدم اشتراطه عليك و مني في تحريم نفسها وبينونتها
وأجاب عنه في القنية، بأن هذا سهو من الأكمل في نقله عن العيون؛ لأن في
العيون ذكر ذلك من جانب المرأة، فقال: ولو جعل أمر امرأته بيدها، فقالت للزوج
أنت علي، حرام، أو أنت مني بائن، أو أنا عليك حرام، أو بائن، وقع. ولو قالت: أنت بائن، أو حرام، ولم يقل مني، فهو باطل. انتهى
•
قوله: إذا كان الزوج من قوم يريدون بالحرام الطلاق قيده بذلك؛ لما في الخلاصة نقلاً عن الفتاوى: قال لها أنت حرام، والحرام عنده طلاق وقع، وإن لم ينو. انتهى أقول: فعلى هذا ينبغي أن يقع به رجعياً لا بائناً؛ لأنه حينئذ يكون صريحاً في الطلاق، لا كناية؛ بناءً على ما صَرّح به في طلاق فتح القدير أن كل لفظ يظهر فيه عُره فاش في الطلاق، فإنه يكون صريحاً في الطلاق عند أهل العرف. انتهى وبه أفتى مشايخ الإسلام، اللهم إلّا أن يدعي أنه عرف في الطلاق البائن، لا في الرجعي، كما ذكره في الشرح. اعلم أنهم اختلفوا في إطلاق الكناية على لفظ الحرام، وكذا على لفظ البائن هل هو مجاز أو حقيقة قال بعضهم: إنه مجاز؛ لأن معناهما ظاهر ظاهر غير مشترك، لكنهما شابهتا الكناية من جهة الإبهام فيما يعملان فيه؛ لأن لفظ الحرام معلوم المعنى، إلّا أن محله وهو الحل متنوع أنواعاً كحل الرقبة، وحل منفعة البضع، وحل سائر المنافع وكذا محل البينونة متنوع، كوصلة النكاح، ووصلة القوم، فاستتر المراد باعتبار إبهام
المحل
الذي يظهر أثر الحرمة والبينونة فيه، فاستعيرت لها لفظ الكناية، فاحتاجت إلى النية وقال بعضهم: إنه حقيقة؛ لأن معناهما اللغوي، وإن كان ظاهراً غير مستتر، لكن المعنى المراد منهما مستتر؛ لأن الكناية عندهم ما استتر فيه المعنى المراد، لا المعنى
اللغوي
@
الجزء 1 · صفحة 63
وأما تفويض الطلاق والخلع والإيلاء والظهار، فما كان منه صريحاً لا تشترط له النية، وما كان كناية اشترطت له.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: فما كان منه:
أي من كل من تفويض الطلاق، والخلع، والإيلاء، والظهار صريح تفويض الطلاق، فكقوله: طلقي نفسك
أما
فإنها لو قالت في جوابه طلقت نفسي، أو أبنت نفسي، طلقت واحدة رجعية، نوى الزوج أو لم ينو؛ لكونه صريحاً
بخلاف ما لو قالت: طلقت نفسي ثلاثاً، فإنه لا يقع بدون نية الزوج عند عامة
أصحابنا.
وإن نواه وطلقت هي نفسها يقعن الثلاث
لأنه مختصر من افعلي فعل الطلاق، الدال على الواحد الحقيقي أو الحكمي، والثلاث واحد حكمي في حق الحرة
وأما صريح الخلع، فكقوله: خالعتك أو طلقتك على كذا من المال، أو بعت نفسك بكذا،
أو طلاقك بكذا من المال وأما صريح الإيلاء، فكقوله: والله لا أقربك
وأما صريح الظهار، فكقوله: أنت علي كظهر ففي كل منها لا يشترط النية؛ لكونه صريحاً
قوله وما كان كناية اشترطت له:
أمي
وأما كناية تفويض الطلاق، فكقوله لها اختاري، وأمرك بيدك، فلا يصح تفويضه بها الطلاق إلّا بالنية
فلو قال لها: اختاري، أو أمرك بيدك، ونوى الطلاق، فاختارت هي نفسها في مجلسها الذي عملت له التفويض فيه بانت واحدة، ولا بد من ذكر النفس في أحد الطرفين: طرف الزوج، وطرف الزوجة، وإلا فلا يقع به الطلاق على ما بيّن في باب التفويض، فيطلب ثمة
والذي ينبغي أن ينبه ههنا، ما غفل عنه أكثر الكتب، بل سها، وهو أنهم ذكروا في
كتبهم متنا وشرحاً، أن لفظة: اختاري و أمرك بيدك من كنايات الطلاق ثم ذكروا في باب تفويض الطلاق أيضاً أنهما من كنايات تفويض الطلاق فإن كانا من كنايات الطلاق يلزم وقوع الطلاق بقول الزوج: اختاري وأمرك
بيدك ناوياً الطلاق بلا حاجة إلى اختيار المرأة نفسها.
نفسها
وإن كانا من كنايات تفويض الطلاق يلزم أن لا يقع بهما الطلاق بدون اختيار المرأة
فبينهما منافاة ظاهرة؛ لأن تنافي اللوازم يتسلزم تنافي الملزومات، وهذا مما غفل
عنه أكثرهم.
والتحقيق أنهما من كنايات تفويض الطلاق، فلا بد من اختيار المرأة نفسها، ولا يقع الطلاق بمجرد نية الزوج وما ذكروه في باب كنايات الطلاق فمما لا وجه له وليس هذا أول قارورة كسرت في الإسلام. وإنما جعل كنايات الطلاق على ضربين:
ضرب لا يقع الطلاق به بدون اختيار المرأة نفسها، كما في هذين اللفظين.
وضرب يقع به الطلاق بنية الزوج بدون اختيار المرأة، كما في باب الكنايات كما هو مفهوم من سوق كلام صاحب الدرر فاصطلاح جديد لا يصار إليه بدون الضرورة.
على أنه يلزم منه كون المسألة الواحدة لبابين من جهة واحدة، وذا فاسد وأما كناية الخلع، فقد قيل: إنها خالعتك و بارأتك، حيث لا يصح الخلع بهما إلا بالنية؛ لأنهما من الكنايات حتى يصدق في إنكار النية فيهما قضاءً وديانةً، إلا أن يكون في حال مذاكرة الطلاق، أو يذكر بدلاً فلا يصدق؛ لأن كلاً منهما يقوم مقام النية. أقول فيه بحث أما أولاً: فلأنّه إن أراد أنه من كنايات الطلاق، فلا نسلم أنه كذلك؛ لأن ما يكون من كنايات الطلاق لفظة خلعتك لا خالعتك حكماً ولغة كما سنبينه. ولو سلّم ذلك، لكن الكلام ليس فيه، بل في كنايات الخلع، و خالعتك ليس من كنايات الخلع، بل من صريح الخلع الذي شرط القبول من المرأة، حتى إذا لم يوجد منها القبول لم يقع به شيء من الخلع والطلاق، ويدل عليه ما ذكره في الخلاصة. ولو قال لها: خالعتك، فقالت: قبلت يقع الطلاق وتقع البراءة إن كان عليه مهر وإن لم يكن عليه مهر يجب رد ما ساق إليها من المهر؛ لأن المال مذكور عرفاً، هكذا ذكره في البزازية أيضاً
فعلم منه أن الواقع بخالعتك هو الخلع، وإن لم ينويه الزوج، لكن بشرط القبول
لا الطلاق.
وأما ثانياً: فلأن ما ذكره بقوله: حتى يصدّق في إنكاره نية الطلاق قضاء وديانة إنما يتمشى في لفظة خلعتك لا خالعتك؛ لأن خالعتك يتوقف على قبول المرأة، وبعد قبولها، لا يصدق هو في إنكاره النية. ويدل عليه ما في البزازية: قال لها خلعتك، فقالت: قبلت، لا يسقط شيء من المهر، ويقع الطلاق البائن بقوله إذا نوى ولا دخل لقبولها، حتى إذا نوى الزوج الطلاق ولم تقبل المرأة يقع البائن وإن قال: لم أرد به الطلاق لا يقع، ويصدق ديانة وقضاء، بخلاف قوله: خالعتك، فقالت: قبلت حيث يقع الطلاق والبراءة إن كان عليه مهر
وإن لم يكن عليه مهر يجب ردّ ما ساق إليها من المهر؛ لأن المال مذكور فيه
عرفاً. انتهى.
وقال في الخلاصة: وفي قوله لها خلعتك الواقع بائن، وإنما يقع إذا نوى، قبلت المرأة أو لم تقبل. ولو قال: لم أعن به الطلاق صدق ديانة وقضاء.
ولو قال: خلعتك على كذا، وهو مال معلوم، لا يقع ما لم تقبل، فإذا قبلت، لو قال: لم أعن به الطلاق، لا يصدق قضاءً ويصدق ديانة. انتهى. فعلم من ههنا أن بين خلعتك و خالعتك فرقاً من وجوه:
أن خلعتك لا يتوقف على قبول المرأة، ويتوقف عليه خالعتك.
ومنها: أنه يبرأ في خالعتك، ولا يبرأ في خلعتك. -ومنها: أنه يصدق قضاءً وديانةً في خلعتك في إنكار نية الطلاق، قبلت المرأة أو لم تقبل، ما لم يذكر معه المال.
وإذا ذكر معه المال، وقبلت هي فإنه لا يصدق قضاء، ويصدق ديانة. بخلاف خالعتك، فإنه لا يصدق فيه؛ لأن المال مذكور فيه عرفاً. ومنها: أن الواقع بخلعتك بدون ذكر المال الطلاق البائن، لا الخلع. والواقع بخلعتك الخلع لا الطلاق؛ لأن المال مذكور فيه عرفاً. ومنها: أن خلعتك من كنايات الطلاق، بخلاف خالعتك. وأما كناية الإيلاء فكثيرة، منها: لا أمسك، لا آتيك، لا أغشاك، لا المسك، إلى غير ذلك وأما كناية الظهار، فمثل: أنت علي مثل أمي و كأمي، ونحوهما.
@
الجزء 1 · صفحة 64
وأما الرجعة فكالنكاح؛ لأنها استدامته، لكن ما كان منها صريحاً لا يحتاج
إليها، وكنايتها تحتاج إليها.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله لأنها استدامته:
أي جعله دائماً في ملكه، حتى ليس فيها مهر؛ لأن المهر في مقابلة حدوث ملك النكاح لا في بقائه فلو قال: راجعتك بألف درهم، إن قبلت المرأة صح ذلك، وإلا لا؛ لأنه زيادة في المهر، ولا زيادة في الرجعة
قوله: لكن ما كان منها صريحاً لا يحتاج إلى النية:
فالصريح منها نحو أرجعتك أو راجعت امرأتي في الغائبة عن المجلس، أو رددتك أو أمسكتك أو ارتجعتك
والكناية فيهما نحو أنت عندي كما أنت، أو أنت امرأتي كما ذكره في
الشرح
وبقي ههنا أن الرجعة بالفعل: هل تحتاج إلى النية؟ لم أر فيه شيئاً، لكن مقتضى النظر عدم الاحتياج إليها
@
الجزء 1 · صفحة 65
وأما اليمين بالله، فلا يتوقف عليها، فينعقد إذا حلف عامداً، أو ساهياً، أو مخطئاً، أو مكرهاً، وكذا إذا فعل المحلوف عليه كذلك.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أما اليمين بالله، فلا يتوقف عليها
أي على النية
وهل يتوقف على العرف أيضاً؟
في الظاهر من مذهب أصحابنا - على الصحيح- تعارفوه أولا.
فإن قيل: قال في الولواجية إنه لو قال: والرحمن لا أفعل كذا، إن أراد به السورة لا يكون يميناً؛ لأنه يصير كأنه قال والقرآن وإن أراد به الله تعالى يكون يميناً. انتهى
فهذا يقتضي توقفه على النية
أجيب عنه في البحر، بأن هذا التفصيل ليس مذهب أصحابنا، بل قول بشر المريسي.
والمذهب: أنه يمين من غير نية، لا حقيقة ولا حكماً، وهو العرف القائم مقام النية؛ لعدم اعتبار العرف فيه؛ لأنه يعتقد تعظيم الله تعالى فصلح ذكره حاملاً أو مانعاً وفي فتح القدير ما يخالفه، حيث قال فيه: باسم الله لأفعلنّ، المختار أنه ليس يميناً؛ لعدم التعارف وعلى هذا وبسم الله لأفعلنّ بالواو. انتهى وأجاب عنه في البحر أيضاً، بأن الظاهر أن بسم الله يمين، كما جزم به في
البدائع.
معللاً بأن الاسم والمسمّى واحد عند أهل السنة والجماعة
فكان الحلف بالاسم حلفاً بالذات، فكأنه قال: بالله والعرف لا اعتبار به في الأسماء. انتهى.
ويؤيده ما ذكره في المنتقى عن ابن رستم عن محمد أن بسم الله يمين مطلقاً.
وفي الخلاصة: ولو قال وبسم الله يكون يميناً، هذا كلّه الله يكون يمينا، هذا كله في الحلف بأسماء الله تعالى
........
وأما الحلف بصفاته تعالى، فلا بد فيه من العرف على ما صرّح به في البحر حيث قال فيه نقلاً عن المحيط: وأما الحلف بصفات الله تعالى، فقد اختلفت فيه عبارات مشايخنا:
ينظر:
قال عامة مشايخنا من حلف بصفة من صفات الله تعالى صفة ذات، أو صفة فعل،
إن تعارف الناسُ الحلف بها يكون يميناً، وإلا فلا (0). انتهى
ومثله في الزيلعي
والحاصل أن الحلف بأسماء الله تعالى مطلقاً نحو الله والرحمن والرحيم و الحق، صحيح منعقد، سواء تعارف الناسُ به أو لا، بلا نية؛ لأنه يعتقد تعظيم الله تعالى، فيصلح حاملاً أو مانعاً ولأن اليمين بالله تعالى ثبتت نصاً؛ لقوله
من حلف فليحلف بالله تعالى أو ليصمت. والحلف بأسماء الله تعالى كلها حلف بالله تعالى، وما ثبت نصاً
، أو بدلالة
النص، لا يراعي فيه العرف والنية، وهذا هو الظاهر من المذهب وقال بعض مشايخنا كل اسم لا يسمّى به غير الله تعالى كـ الله و الرحمن والرحيم، فهو يمين لا حاجة فيه إلى النية. وما يسمى به غير الله تعالى كـ الحكيم و العليم و الحليم و القادر، فإن أراد به الله تعالى يكون يميناً، وإلا فلا
والصحيح هو ظاهر الرواية على ما في الخلاصة والبزازية لأن الحلف بغير الله تعالى، حرام والظاهر من حاله أنه لا يباشر بالحرام، فيحمل على اليمين بالله تعالى ما لم ينو خلاف ذلك
فإن نوى خلافه لا يكون يميناً؛ لأنه نوى محتمل كلامه، فيكون صحيحاً
قوله: فينعقد:
فيترتب عليه حكمه من وجوب الكفارة إذا حنث
قوله: عامداً أو ساهياً أو مخطئاً:
وفي الهداية والكنز وغيرهما، ناسياً بدل ساهياً. وفي المصباح فرّقوا بين الساهي والناسي، بأن الناسي إذا ذكرته، والساهي بخلافه
والسهو: الغفلة سها عنه يسهو سهواً غفل. انتهى.
ثم قال في باب النون النسيان مشترك بين معنيين:
أحدهما: ترك الشيء على ذهول وغفلة، وذلك خلاف الذكر له
والثاني: الترك على تعمد وقصد، فلا فرق بينهما على المعنى الأول هذا، وههنا اعتراض مذكور في شروح الهداية والكنز، وهو أن النسيان لا يتصور في الحلف، وإن كان يتصور في الحنث، وإنما المتصور في الحلف هوالخطأ
وأجاب عنه بعضهم بأن المراد بالنسيان ههنا هو الخطأ، وذلك بأن يريد أن يقول: اسقني الماء، فيقول: والله لا أشرب الماء، خطأ وبعضهم قال بأن المراد به حقيقة النسيان، وذلك بأن يلفظ باليمين ذاهلاً عنه، ثم تذكر أنه تلفظ باليمين، فإذا حنث لزمته الكفارة
أقول: الظاهر في الجواب هو الثاني، إذ لا حاجة إلى الحمل على معنى الخطأ، مع إمكان حمله على حقيقته، وإنما احتيج إليه أن لو كان معناه هو الثاني فقط، لكن قد عرفت أنه مشترك بين المعنيين، وما لا يتصور هنا هو المعنى الثاني لا الأول
قوله: أو مكرهاً:
فلو حلف مكرهاً ينعقد يمينه
اختلف في أنه هل ينعقد على نية الحالف أو على نية المستحلف، على ما سنبينه إن شاء الله.
قوله: وكذا إذا فعل المحلوف عليه:
أي تجب عليه الكفارة، إذا فعل الحالف المحلوف عليه
كذلك: أي عمداً، أو سهواً، أو خطأ، أو مكرهاً، يعني لو حلف عامداً يحنث، ساهياً أو
مخطئاً أو مكرهاً تجب عليه الكفارة
كما لو حلف ساهياً، أو مخطئاً، أو مكرهاً، وحنث عامداً تجب الكفارة فإن قيل: الحكمة في إيجاب الكفارة رفع الذنب، ولا ذنب في الناسي، والمخطئ، والمكره، والساهي أجيب عنه بأن الحكم يدار على دليله، ودليله وجوب الكفارة هو الحنث، وهو دليل الذنب، وقد وجد الحنث من هؤلاء، ولا يلزم حقيقة الذنب كوجوب الاستبراء دائر مع دليله
@
الجزء 1 · صفحة 66
وأما نية تخصيص العام في اليمين، فمقبولة ديانة اتفاقاً وقضاء عند الخصاف، والفتوى على قوله إذا كان الحالف مظلوماً.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: وأما نية تخصيص اليمين:
أطلقه فشمل ما إذا كان ذلك بالفارسية، وفيه اختلاف والمعتمد جوازه مطلقاً قال في تعليق قاضي خان رجل قال لامرأته: إن أعطيت من حنطتي أحداً فأنت طالق، وقال: نويت بذلك أمها صدق ديانة؛ لأنه نوى تخصيص العام، وذلك جائز فيما بينه وبين الله تعالى وعلى قول الخصاف صحت نيته في مثل هذا مطلقاً قالوا: إذا قال بالعربية
فإن قال بالفارسية لا تصح نيته؛ لأن تخصيص العام من كلام العرب والصحيح أنه لا فرق بين الفارسية والعربية، وتصح نيته فيما بينه وبين الله تعالى، هذا إذا لم يكن مظلوماً
فإن حلفه ظالمٌ كان له أن يأخذ بقول الخصاف، وينوي الخصوص، هكذا ذكره ثم قال في كتاب الأيمان إذا نوى التخصيص لا يصدق قضاء في ظاهر الرواية، وعلى قول الخصاف نية التخصيص صحيحة.
ثم ذكر وقال فيه: رجل حلف أن لا يتزوج امرأة على وجه الأرض، ونوى امرأة
بعينها، يدين فيما بينه وبين الله لا في القضاء وإن نوى كوفية أو بصرية لا يدين به أصلاً وكذلك لو نوى امرأة عوراء، أو امرأة عمياء، ولو نوى عربية أو حبشية، دين فيما بينه وبين الله تعالى؛ لأنه نوى جنساً دون جنس. انتهى
فعلم منه أنه قد لا يصدق ديانة أيضاً وقال في تعليق البحر نقلاً عن الولوالجية: لو قال كل امرأة أتزوجها فهي
طالق، فكل امرأة تزوجها تطلق واحدة، فإن تزوجها ثانياً لا تطلق؛ لاقتضائها عموم.
الأسماء لا الأفعال عموم ولو نوى بعض النساء صحت نيته ديانة لا قضاء؛ لأن تخصيص العام خلاف الظاهر
وقال الخصاف: تصح نيته في القضاء أيضاً
وهذا مخلص لمن يحلفه ظالم فأخذ بقوله، والفتوى على ظاهر المذهب وإن أخذ بقول الخصاف إذا كان الحالف، مظلوماً، فلا بأس. انتهى
وفي الخلاصة: يفتى بقول الخصاف إذا كان الحالفُ مظلوماً
@
الجزء 1 · صفحة 67
وكذلك اختلفوا هل الاعتبار لنية الحالف، أو لنية المستحلف، والفتوى على اعتبار نية الحالف إن كان مظلوماً، لا إن كان ظالماً، كما في الولواجية والخلاصة.
وأما الإقرار والوكالة: فيصحان بدونها، وكذا الإيداع والإعارة، وكذا القذف والسرقة.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: اختلفوا هل الاعتبار لنية الحالف أو لنية المستحلف: لو حلف مظلوماً أي مكرهاً، فلا يخلو إما أن ينوي، أو لم ينو.
فإن لم ينو شيئاً ينعقد يمينه على نية المستحلف اتفاقاً
وإن نوى ما نوى المستحلف، فكذلك بالاتفاق
وإن نوى غير ما نوى المستحلف فهو محل الخلاف، وفيه تفصيل:
قال في قاضي خان رجل حلف ونوى غير ما يريد المستحلف، إن كانت اليمين بالطلاق والعتاق ونحو ذلك، يعتبر نية الحالف إذا لم ينو الحالف خلاف الظاهر، ظالماً كان الحالف أو مظلوماً. وإن كانت اليمين بالله تعالى فإن كان الحالف ظالماً يريد بيمينه إبطال حق الغير تعتبر نية المستحلف، وهو قول أبي حنيفة ومحمد. انتهى. وفي أول أيمان البزازية: واليمين على نية الحالف لو مظلوماً، وعلى نية المستحلف لو الحالف ظالماً وهذا في الماضي، كما لو أكره على بيع عين فحلف بالله أنه دفعه إلى فلان يريد بايعه؛ ليقع عند المكره أنه ملك غيره فلا يجبره.
وفي المستقبل على نية الحالف
وفي الفتاوى لو كان اليمين بالطلاق أو بالعتاق أو ما شابهه فعلى نية الحالف ظالماً أو مظلوماً فالنية له، وإن كان ظالماً يريد بيمينه إبطال حق الغير، فللمستحلف، انتهى ما في البزازية
وهكذا في الخلاصة. هذا في تحليف الظلمة
وأما في عقد اليمين على الغير في المستقبل، ففيه تفصيل ذكره في أيمان قاضي خان، قال فيه: ولو قال: والله لتفعلن كذا أو كذا غداً، فقال الآخر: نعم، على خمسة أوجه:
أحدها: أن ينوي المبتدي الحلف على نفسه، والمجيب بقوله: نعم، يريد الحلف على نفسه
وفي هذا الوجه كل واحد منهما يكون حالفاً إذا لم يفعل المخاطب ذلك، حنثاً جميعاً. أما المبتدي فظاهر، وأما الآخر؛ فلأن قوله: نعم يتضمن إعادة ما في السؤال قبله، فيصير كأنه قال والله لأفعلن كذا، فإن لم يفعل حنثاً جميعاً. والثاني: أن يريد المبتدي استحلاف المجيب بقوله: نعم، يريد اليمين على نفسه، وفي هذا الوجه يكون الحالف هو المجيب لا غير، حتى لو فات الشرط يحنث المجيب لا غير
والثالث: أن يريد المبتدي استحلاف المجيب، والمجيب قوله: نعم، يريد الوعد في ذلك دون اليمين وفي هذا الوجه لا يكون أحدهما حالفاً
والرابع: أن لا يكون لأحدهما نية اليمين، وفي هذا الوجه يكون المبتدي هو الحالف إن لم يفعل المخاطب ذلك، حنث المبتدي لا غير والخامس: أن يريد المبتدي استحلاف المجيب، والمجيب بقوله: نعم، يريد الحلف، وفي هذا الوجه يكون المجيب حالفاً لا غير. انتهى
وفي البزازية ما يخالف الوجه الرابع، حيث قال: الله لتفعلن كذا، أو الواو، فقال مع الآخر: نعم، إن أراد المبتدي الحلف والمجيب أيضاً فهما حالفان، وإن قصد المبتدي الاستحلاف، والمجيب الحلف، فإن الحالف هو المجيب وإن لم ينو كل منهما شيئاً، فالمجيب هو الحالف في قوله: الله، والمبتدي في قوله: والله بالواو. انتهى
@
الجزء 1 · صفحة 68
وأما القصاص: فمتوقف على قصد القاتل القتل، لكن قالوا: لما كان القصد أمراً باطنياً أقيمت الآلة مقامه، فإن قتله بما يفرق الأجزاء عادة كان عمداً، ووجب القصاص فيه، وإلا فإن قتله بما لا يفرق الأجزاء عادة، لكنه يقتل غالباً، فهو شبه عمد، لا قصاص فيه عند الإمام الأعظم، وأما الخطأ بأن يقصد مباحاً، فيصيب آدمياً، كما علم في باب الجنايات.
وأما قراءة القرآن قالوا: إن القرآن يخرج عن كونه قرآناً بالقصد، فجوزوا للجنب والحائض قراءة ما فيه من الأذكار بقصد الذكر، والأدعية بقصد الدعاء.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: فجوزوا للجنب والحائض:
هذا هو المختار عن أبي حنيفة
وقال الهندواني: لا أفتى به.
قوله: والأدعية بقصد الدعاء:
هذا من قبيل العطف على معمولي عاملين مختلفين، والمجرور مقدم؛ لأن العاطف عطف الأدعية على الأذكار، و بقصد الدعاء على مقصد الذكر
@
الجزء 1 · صفحة 69
لكن أشكل عليهم قولهم: لو قرأ بقصد الذكر لا تبطل صلاته.
وأجبنا عنه في شرح الكنز بأنه في محله، فلا يتغير بعزيمته.
وقالوا: إن المأموم إذا قرأ الفاتحة في صلاة الجنازة بنية الذكر لا تحرم عليه، مع أنه تحرم عليه قراءتها في الصلاة.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: لكن أشكل عليه:
وجه الإشكال أنه لو خرج عن كونه قرآناً بالقصد لما جاز به الصلاة بقصد الذكر مع أنها جائزة قوله: بأنه في محله فلا يتغير بعزيمته قال في منية الفتاوى: قراءة الفاتحة على قصد الدعاء ينبغي أن لا ينوب عن القراءة في الصلاة وقيل: ينوب عنها؛ لأن القراءة وجدت في محلها فلا يتغير بقصده، ولو تركها في الأوليين، وقرأها في الأخريين على قصد الثناء لا يجزئه؛ لعدم وقوعها في محلها ولقائل أن يقول مرادهم بقولهم: القرآن يخرج عن كونه قرآناً بالقصد، خروج عن حكمه، لا خروج عن حقيقته، والمشروع في الصلاة حقيقة القرآن، وقد وجدت حقيقته في الصلاة، ولو قصد به الثناء فلا إشكال حينئذ، ولا حاجة إلى ما أجاب في الشرح
والجواب عنه: أن من حكم جواز الصلاة بقراءته، فإذا بطل حكمه بالقصد، بطل جواز الصلاة بقراءته أيضاً محتاج إلى الجواب المذكور
قوله: وقالوا: إن المأموم عطف على قالوا، ومقصوده منه إيراد الإشكال على قولهم هذا أيضاً بقوله الآتي مع أنه تحرم عليه قراءتها في الصلاة وحاصله أنهم قالوا: إن قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة بقصد الذكر جائز لا يحرم عليه؛ لأن صلاة الجنازة ليست محلاً للقراءة، فالقصد يخرجه عن كونه قرآناً، فتجوز قراءته فيها، مع أنه لا يجوز عليه قرءاته ولو بقصد الذكر في الصلاة المطلقة، أي ذات الركوع والسجود، مع عدم كونها محلاً لقراءته أيضاً؛ لأن المأموم ممنوع القراءة مطلقاً، ومن لم يتفطن على هذه الرقيقة يخلط في حل العبارة، فتأمل
وإنما خص المأموم في صلاة الجنازة، مع أن الإمام كذلك فيها أيضاً؛ لأن مقصوده
إيراد الإشكال، وذلك في المأموم لا في الإمام، فلذا خصه قوله: مع أنه يحرم عليه قراءتها في الصلاة:
مع
أن المأموم يحرم عليه قراءة الفاتحة بقصد الذكر في صلاة ذات ركوع
وسجود؛ لأنه مأمور بالسكوت خلف الإمام
قال: ولم يقل: يبطل، إذ لا تبطل صلاته بقراءته؛ لعدم منافاته إياها، لكنه حرام عليه لتركه الأمر بالسكوت
@
الجزء 1 · صفحة 70
وأما الضمان فهل يترتب في شيء بمجرد النية من غير فعل؟
فقالوا في المحرم: إذا لبس ثوباً ثم نزعه، ومن قصده أن يعود إليه لا يتعدد الجزاء، وإن قصد أن لا يعود إليه تعدد الجزاء بلبسه.
وقالوا في المودع: إذا لبس ثوب الوديعة، ثم نزعه، ومن نيته أن يعود إلى لبسه لم يبرأ من الضمان.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله ومن قصده أن يعود
أي إلى لبسه ويلبسه ثانياً، لا يتعدد الجزاء، لعدم تعدد اللبس؛ لأنه لما كان من قصده أن يعود إليه فصار كأنه لم ينزعه، فلم يتعدد اللبس بلبسه ثانياً، ولم يتعدد الجزاء أيضاً. قوله تعدد الجزاء بلبسه:
أي ثانياً؛ لأنه لما كان من قصده أن لا يعود إليه انقطع اللبس الأول بالكلية، ثم إذا لبسه ثانياً تعدد لبسه بتجدده، فيتعدد الجزاء أيضاً.
لكن إن كان كفر للبسه الأول قبل لبسه الثاني تعدد الجزاء بالاتفاق
وإن لم يكفر، اختلفوا فيه
فقال أبو حنيفة وأبو يوسف: يتعدد الجزاء أيضاً
وقال محمد: لا يتعدد، كما فَصّل في جناية الإحرام.
قوله لم يبرأ من الضمان
ودخل
لأن لبسه سبب للضمان، ونزعه بقصد العود، وليس عوداً إلى الوفاق. قال في ضمانات العمادي سئل ظهير الدين المرغيناني: لبس ثوب الوديعة،
الشرعة ليخوض في الماء، فنزع الثوب ووضعه على ألواح المشرعة، فلما انغمس تلف الثوب، قال: لا يضمن؛ لأنه لما نزعه فقد عاد إلى الوفاق فلا يضمن
وفيه نظر بدليل مسألة المحرم إذا لبس المخيط ثم نزعه، ثم لبسه ثانياً، إن نزعه على قصد اللبس ليتحقق الجزاء؛ لأنه إذا كان على هذا القصد فكأنه دام على ذلك اللبس.
وإن نزعه لا على هذا القصد يتعدد الجزاء
فعلى هذا ينبغي أن لا يبرأ؛ لأنه نزعه على قصد اللبس
وذكر في كتاب الحج من فتاواه المودع إذا لبس قميص الوديعة، بغير إذن المودع، فنزعه بالليل للنوم، فسرق القميص بالليل، فإن كان قصده أن يلبس القميص من الغد، لا يعد هذا ترك الخلاف والعود إلى الوفاق
وإن كان من قصده أن لا يلبس فى الغد، هذا ترك الخلاف، حتى لا يضمن. والحاصل أن اللبس شيء، ما لم يتركه، ويعزم على الترك
@
الجزء 1 · صفحة 71
وأما التروك: كترك المنهي عنه، فذكروه في الأصول في بحث ما تترك به الحقيقة عند الكلام على حديث إنما الأعمال بالنيات، وذكروه في نية الوضوء، وحاصله أن ترك المنهي عنه لا يحتاج إلى نية للخروج من عهدة المنهي.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: وأما التروك:
أي بيان احتياج الترك إلى النية
قوله: عند الكلام على حديث إنما الأعمال بالنيات:
قالوا: المراد بالعمل في الحديث ما يتوقف على الشيء سواء كان من أعمال الجوارح كالصلاة، وأعمال اللسان كالأقوال والقرآن، وأعمال القلب كالأذكار القلبية لكن بعض أعمال القلب لا يتوقف على النية، فإنها من أعمال القلب، ولا يتوقف على النية، وإلا لزم التسلسل
وكالمعرفة فإن النية قصد المنوي، والمرء إنما يقصد ما يعرف، فلو توقفت المعرفة على النية يلزم أن يكون عارفاً قبل المعرفة.
وكالإيمان فإنه من أعمال القلب، ولا يتوقف على النية كما تقدم. فالحديث لا يتناول هذه الثلاثة وأما التروك فهي وإن كانت من أفعال القلب؛ لأنه كف النفس، لكنه لا يطلق عليها لفظ العمل، فلا يتناول الحديث أيضاً، فلا يحتاج إلى النية، كذا ذكروه واعترض عليه بأن التروك إذا أريد بها تحصيل الثواب بامتثال أمر الشرع، فلا بد
فيها من قصد الترك
....
وأجيب بأن المقصود ههنا هل يلزم النية في التروك يقع العصيان بتركها أم لا يلزم؟
والذي أورده المعترض أنه يحصل الثواب بدونها أو لا يحصل، وهذا ليس المراد وقال ابن حجر في شرح البخاري: التحقيق أن التروك المجردة لا ثواب فيها، وإنما يحصل الثواب بالكف الذي هو فعل النفس
فمن لم تخطر المعصية بباله أصلاً، ليس كمن خطرت فكف نفسه عنها خوفاً من الله، فيرجع الحال إلى أن الذي يحتاج إلى النية هو العمل بجميع وجوهه لا الترك. قوله: وحاصله
أي حاصل ما ذكروه في الموضعين
قوله: لا يحتاج إلى نية للخروج عن عهدة النهي:
لأن المنهي عنه ترك المنهي عنه من حيث هو ترك ليس بمكلف في النهي حتى لا يحتاج إلى النية، وهذا لأن التكليف إنما يكون بالفعل لا بالترك؛ لأن من شرط التكليف تناول قدرة العبد، والقدرة لا تتناول الترك من حيث هو، وإنما تتناول الفعل، فلم يكن الترك مكلفاً به في النهي، فلا
يحتاج إلى النية في الخروج عن عهدته
@
الجزء 1 · صفحة 72
وأما لحصول الثواب، فإن كان كفا، وهو أن تدعوه النفس إليه قادراً على فعله، م فيكف نفسه عنه خوفاً من ربه، فهو مثاب وإلا فلا ثواب على تركه، فلا يثاب على ترك الزنا، وهو يصلي، ولا يثاب العنين على ترك الزنا، ولا الأعمى على ترك النظر إلى المحرم.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: فإن كان كفَّا
أي إن كان الترك كفاً على ما هو الظاهر من كلامه، وفيه نظر، إذ لا اتحاد بين الترك والكف، حتى يصح حمل الكف على الترك ولو سلم ذلك، لكن لا نسلم أن الكف يطلق عليه لفظ العمل، على ما صَرِّح به ابن حجر في شرح البخاري. غايته جواز إطلاق فعل القلب عليه، ولا يلزم من جواز إطلاق الفعل عليه إطلاق لفظ العمل، حتى يتناوله حديث إنما الأعمال بالنيات، فيثبت به توقفه على النية ولو سلم ذلك، فالثواب والنية في الحقيقة في الفعل الخارجي لا في الترك، وهو الحق،
ولا يلزم من إطلاق لفظ عليه كونه فعلاً خارجياً
قوله: فهو مثاب:
هذا جواب الشرط المذكور
قوله: وإلا:
أي وإن لم يكن الترك كفا، بل ترك مجرداً
قوله: علي ترکه:
أي ترك المنهى عنه
قوله: وهو يصلي: لعدم قدرته على فعله في هذا الوقت حتى يكف نفسه خوفاً من الله تعالى؛ لأن الصلاة مانع عنه شرعاً، كما أن العنه مانع عنه طبيعياً، فتكون القدرة ههنا أعم من عدم المانع
والقدرة الحقيقية
@
الجزء 1 · صفحة 73
وعلى هذا قالوا في الزكاة: لو نوى فيما كان للتجارة أن يكون للخدمة كان للخدمة، وإن لم يعمل، بخلاف عكسه، وهو ما إذا نوى فيما كان للخدمة أن يكون للتجارة، حتى يعمل؛ لأن التجارة عمل، فلا تتم بمجرد النية، والخدمة ترك التجارة، فتتم بها.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: وعلى هذا:
أي على أن الترك يتم بمجرد النية بدون العمل، كما هو الظاهر من كلامه الآتي، بخلاف كلامه السابق، إذا لا دلالة فيه على هذا المعنى الذي أشير إليه بهذا الآن حاصل ما سبق أن ترك المنهي عنه لا يحتاج إلى النية للخروج عن العهدة، وأما حصول الثواب: فإن كان كفاً يحتاج إليها، وإلا فلا
وأما كفاية مجرد النية في التروك، فلا تعرّض له فيه أصلاً، فاسم الإشارة ليس في محله
قوله: لأن التجارة عمل: أي عمل الجوارح.
@
الجزء 1 · صفحة 74
قالوا: ونظيره المقيم والصائم والكافر، والمعلوفة والسائمة، حيث لا يكون مسافراً ولا مفطراً، ولا مسلماً، ولا سائمة بمجرد النية، ويكون مقيماً وصائماً وكافراً بمجرد النية؛ لأنها ترك العمل، كما ذكره الزيلعي:
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ولا سائمة ولو قال: ولا معلوفة ولا سائمة، كما وقع في كلام الزيلعي لكان أجمع وأوفق
لقوله والمعلوفة والسائمة
قوله كما ذكره الزيلعي:
قال المصنف في كتاب الشهادة من الشرح نقلاً عن النهاية: لا تجوز شهادة مدمن الخمر بشرط الإدمان ولم يرد به الإدمان في الشرب، وإنما أراد به الإدمان
في النية، يعني يشرب، ومن نيته أن يشرب بعد ذلك إذا وجده. انتهى فعلى هذا يشكل ما ذكره ههنا نقلاً عن الزيلعي من أن الفعل لا يتم بمجرد النية؛
لأن الإدمان فعل لا ترك، وقد جعله مدمناً بمجرد النية، حتى لم تقبل شهادته
والجواب: أن هذا ليس بمشهور، والذي يقتضيه صريح عباراتهم أن المراد بالإدمان في الشرب، ما قال في الملتقى: لا تقبل شهادة مدمن الشرب على اللهو، فإن الظاهر منه الإدمان على الشرب
وكذا الظاهر من كلام قاضي خان، فإنه قال ولا تقبل شهادة مدمن الخمر، وإنما
شرط الإدمان؛ ليظهر ذلك عند الناس، فإن من كتم شرب الخمر في بيته، لا تبطل عدالته، وإن كانت كبيرة، وإنما تبطل إذا أظهر ذلك، أو خرج سكراناً يتسخر منه الصبيان. انتهى
@
الجزء 1 · صفحة 75
القاعدة الثانية: الأمور بمقاصدها.
ومن هنا ومما قدمناه يعني في المباحات، مما سنذكره عن المشايخ، صح لنا وضع قاعدة للفقه هي الثانية: الأمور بمقاصدها، كما علمته في التروك.
وذكر قاضي خان في فتاواه: أن بيع العصير ممن يتخذه خمراً إن قصد به التجارة فلا يحرم، وإن قصد به لأجل التخمير حرم، وكذا غرس الكرم على هذا، انتهى، وعلى هذا عصير العنب يقصد الخلية أو الخمرية.
والهجر فوق ثلاث دائر مع القصد، فإن قصد هجر المسلم حرم، وإلا فلا.
والإحداد للمرأة على ميت غير زوجها فوق ثلاث دائر مع القصد، فإن قصدت ترك الزينة والتطيب لأجل الميت حرم عليها، وإلا فلا.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: كما علمته في التروك: فإنه ذكر أنه إن قصد بالترك كف النفس خوفاً من الله تعالى يثاب عليه، وإلا فلا. قوله وذكر قاضي خان
ذكره في كتاب الأشربة، فإنه قال فيه لا بأس ببيع العصير ممن يتخذه خمراً في قول أبي حنيفة وقال صاحباه يكره
وقيل: على قول أبي حنيفة إنما لا يكره إذا باعه من ذمي بثمن لا يشتريه المسلم بذلك الثمن أما إذا وجد مسلماً يشتريه بذلك الثمن يكره إذا باعه ممن يتخذه خمراً، وهو كما لو باع الكرم وهو يعلم أن المشتري يتخذ العنب خمراً لا بأس به إذا كان قصده من البيع تحصيل الثمن، وإن كان قصده تحصيل الخمر يكره وغراسة الكرم على هذا إذا كان يغرس بنية تحصيل الخمر يكره، وإن كان لتحصيل العنب لا يكره، والأفضل أن لا يبيع العصير ممن يتخذه خمراً. انتهى
قوله: وعلى هذا عصير العنب:
.....
الظاهر أنه مصدر عصر لا عصير على وزن فعيل على ما وقع في النسخ؛ لأن حكم العصير قد علم مما سبق إلا أن يؤول بحذف المضاف، أي اتخاذ. عصير العنب قوله: والإحداد: في المغرب حداد المرأة ترك زينتها وخضابها بعد وفاة زوجها. وفي المصباح: حدت المرأة على زوجها تحد حداداً فهي حاد بلا هاء وأحدت إحدادا فهي محد ومحدة إذا تركت الزينة. أطلق المرأة فشمل المتوفى عنها زوجها والمبتوت طلاقها وهي المختلعة، والمطلقة ثلاثاً أو واحدة، بائنة ابتداء
وفي فتح القدير: لا نعلم خلافاً في عدم وجوب الإحداد، على الزوج بسبب غير
الزوج من الأقارب
وهل يباح، قال محمد لا يحل الإحداد لمن مات أبوها أو ابنها أو أمها أو أخوها، وإنما هو في الزوج خاصة
قيل: أراد بذلك فيما زاد على الثلاث؛ لما في الحديث من إباحته للمسلمات على غير أزواجهن ثلاثة أيام
و التقييد بالمبتوتة يفيد نفي وجوبه على الرجعية، وينبعي أنها لو أرادت أن تحد على قرابة ثلاثة أيام، ولها زوج لة أن يمنعها؛ لأن الزينة حقه، حتى كان له أن يضربها على تركها إذا امتنعت
وهو يريدها
وهذا الإحداد مباح لها لا واجب عليها، وبه يفوت حقه. انتهى
@
الجزء 1 · صفحة 76
وكذا قولهم: إن المصلي إذا قرأ آية من القرآن جواباً للكلام بطلت صلاته، وكذا إذا أخير المصلي بما يسره فقال الحمد لله قاصداً له بطلت أو بما يسوء، فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله، أو بموت إنسان، فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون قاصداً له بطلت صلاته.
وكذا قولهم بكفره: إذا قرأ القرآن في معرض كلام الناس، كما إذا اجتمعوا فقرأ: قف، وكذا إذا قرأ پ عند رؤية كأس وله نظائر كثيرة في ألفاظ التكفير كلها ترجع إلى قصد الاستخفاف به.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: إن المصلّي إذا قرأ آية من القرآن جواباً للكلام: كما لو قيل: ما مالك؟ فقال: الخيل والبغال والحمير
أو كان أمامه كتاب وخلفه رجل اسمه يحيي، فقال: آپپپپ إن أراد الجواب وإفادة المعنى له فسدت صلاته، وإن أراد القراءة قوله: إذا أخبر المصلي بما يسره:
كما إذا قيل له: قدم صديقك فقال مجيباً له الحمد الله، بطلت صلاته ولعل مراد المصنف بقصد الشكر، قصد الشكر لمجيء صديقه لا الشكر على نعم الله تعالى والثناء عليه؛ لأنه بقصد الثناء على الله تعالى لم تبطل صلاته
قوله: قاصداً له:
أى الجواب بطلت صلاته؛ خلافاً لأبي يوسف.
له: أنه ثناء بصيغته، فلا يتغير بعزيمته؛ قياساً على ما أراد به الإعلام أنه في الصلاة
ولهما: أن الكلام مبني على قصد المتكلم، فإن من قال: يا بني اركب معنا وأراد به خطابه، يكون كلاماً مفسداً؛ لا قراءة القرآن
وكان القياس أن تفسد صلاته فيما إذا أراد به الإعلام أيضاً، لكنا تركناه بقوله: من
نابه شيء في صلاته فليسبح قوله: في معرض كلام الناس
في المصباح: المعرض على وزن مسجد موضع عرض الشيء وهو ذكره وإظهاره، ويقال: قلته في معرض كذا أي في موضع ظهوره فذكر الله ورسوله إنما يكون في معرض التعظيم والتبجيل، أي في موضع ظهور ذلك والقصد إليه
قوله عند رؤية كأس:
وهو قدح فيها شراب، فيوافق پ پ
قوله: ولها نظائر كثيرة:
منها إذا جاء بمجلس قوم فقام بعض أهل المجلس، وذهب، فقال الجائي: جاء الحق وذهب الباطل إن الباطل كان زهوقاً. بقصد الاستخفاف
@
الجزء 1 · صفحة 77
قال قاضي خان: الفقاعي إذا قال عند فتح الفقاع للمشتري: صل على محمد، قالوا: يكون آثماً.
وكذا الحارس إذا قال في الحراسة: لا إله إلا الله، يعني لأجل الإعلام بأنه مستيقظ.
بخلاف العالم إذا قال في المجلس: صلوا على النبي صلى الله عليه وسلم، فإنه يثاب على ذلك، وكذا الغازي، إذا قال: كبروا يثاب؛ لأن الحارس والفقاعي يأخذان بذلك أجراً.
رجل جاء إلى البزاز ليشتري منه ثوباً، فلما فتح المتاع، قال: سبحان الله، أو قال: اللهم صل على محمد إن أراد بذلك إعلام المشتري جودة ثيابه ومتاعه كره، انتهى.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: الفقاعي:
الزيد في القاموس: فقاع، كرمان، هو الذي يشرب، سمي به لما يرتفع في رأسه من في
وقيل: إنه شراب يتخذ من الشعير، سمي فقاعاً لما يعلوه من الزبد
والفقاعي بائعه
قوله: قالوا: يكون آثماً
علله في البزازية بأن مقصوده ترويج سلعته وتحسينها، يعني أنه أتاه في معرض كلام الناس، وكذا الحال في حوقلة الحارس
والحاصل أنه إذا أتى ما يجب تعظيمه في معرض كلام الناس
قوله لأن الحارس والفقاعي يأخذان بذلك أجراً: فيه أن كون الفقاعي والحارس أثماً بذلك، ليس لأجل أخذهما عوضاً، بل لأجل إتيانهما التصلية والحوقلة في معرض كلام الناس في غير محل التعظيم
نعم أخذ الأجر في مقابلة الذكر يمنع استحقاقه الثواب كما صرّح به في قاضي خان في مسألة أخذ المؤذن الأجر على الأذان
@
الجزء 1 · صفحة 78
ومنها أيضاً: إذا قال المسلم للذمي: أطال الله بقاءك، قالوا: إن نوى بقلبه أن يطيل الله بقاءه لعله أن يسلم، أو يؤدي الجزية عن ذل وصغار، لا بأس به؛ لأن هذا دعاء له إلى الإسلام أو لمنفعة المسلمين، انتهى.
ثم قال: رجل أمسك المصحف في بيته ولا يقرأ، إن نوى به الخير والبركة لا يأثم، ويرجى له الثواب.
ثم قال: رجل يذكر الله في مجلس الفسق، قالوا: إن نوى أن الفسقة يشتغلون بالفسق وأنا أشتغل بالذكر، فهو أفضل وأحسن.
وإن سبح في السوق ناوياً أن الناس يشتغلون بأمور الدنيا، وأنا أسبح الله تعالى في هذا الموضع فهو أفضل وأحسن من أن يسبح وحده في غير السوق، وإن سبح على وجه الاعتبار يؤجر على ذلك، وإن سبح على أن الفاسق يعمل بالفسق كان آثماً.
ثم قال: إن سجد للسلطان، فإن كان قصده التحية والتعظيم دون الصلاة لا يكفر، أصله أمر الملائكة بالسجود لآدم، وسجود إخوة يوسف عليه السلام.
ولو أكره على السجود للملك بالقتل، فإن أمروه به على وجه العبادة، فالصبر أفضل، كمن أكره على الكفر، وإن كان للتحية، فالأفضل السجود، انتهى.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: لعله أن يسلم أو يؤدي الجزية
قيل: إن أداء الجزية حيث كان ذمياً أمر محقق لا مرجو
وفيه نظر، ههنا أحد الأمرين الإسلام وأداء الجزية، لا أداء الجزية فقط، فلا يرد ذلك
أصلاً.
قوله دون الصلاة
وفي قاضي خان دون العبادة وهو أولى.
يعني أن سجدة العبادة مختصة الله تعالى، فلا تجوز لغيره تعالى، حتى لو فعلها كفر، بخلاف سجدة التحية والتعظيم، فإنها غير مختصة الله تعالى، فلو فعلها لا يكفر، لكنه يكون أثما
قال بعضهم من قبل الأرض بين يدي سلطان أو أمير أو سجد له، فإن كان على وجه التحية لا يكفر، ولكن يصير آثماً مرتكباً تكبيرة. وتكلموا في أن سجدة الملائكة كانت لمن.
قال بعضهم كانت الله تعالى، ولكن التوجه إلى آدم صلى الله عليه وسلمتشريف له وتكريم له، كالقبلة لنا في الصلاة، فإن صلاتنا الله تعالى، والتوجه إلى الكعبة تشريف لها. وقال بعضهم: لا بل كانت السجدة لأدم على وجه التحية والإكرام ثم نسخت؛ لقوله صلى الله عليه وسلم لو أمرت أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها. وإنما أثم إذا سجد على وجه التحية؛ لأنه ارتكب ما هو محرم ومنهي عنه، هكذا ذكر.
ثم إن سجد بنية العبادة للسلطان أو لم تحضره النية كفر، هذا هو الكلام في السجدة وأما الانحناء للسلطان أو لغيره، فهو مكروه؛ لأنه تشبه بفعل المجوس
وأما تقبيل اليد، فإن قبل يد نفسه لغيره يكره؛ لأنه من عبادة الفساق وإن قبل يد غيره، إن قبل يد عالم أو سلطان عادل؛ لعلمه وعدله لا بأس به وإن قبل يد غير عالم أو غير عادل، إن أراد به تعظيم المسلم أو إكرامه فلا بأس، وإن أراد به عبادته ولينال به غرضاً من أغراض الدين يكره
قوله: أصله أمر الملائكة بالسجود لآدم وسجود إخوة يوسف
فإن قيل: فعلم هذا الأصل، كيف يكون آثماً بسجدة التحية للسلطان مع أن أصلها مشروع. قلنا: قد نسخ ذلك بعده، ولم يبق مشروعاً كما ذكرناه لكن مشروعية الأصل وإن كان منسوخاً، صار شبهة في التكفير، فلا نكفره.
..
قوله: لو أكره على السجود للملك:
استدل بهذه المسألة على عدم كفر من سجد للسلطان للتحية
@
الجزء 1 · صفحة 79
وقالوا: الأكل فوق الشبع حرام بقصد الشهوة، وإن قصد به التقوي على الصوم، أو مؤاكلة الضيف فمستحب.
وقالوا: الكافر إذا تترس بمسلم، فإن رماه مسلم، فإن قصد قتل المسلم حرم، وإن قصد قتل الكافر لا، ولولا خوف الإطالة لأوردنا فروعاً كثيرة شاهدة لما استنبطناه من القاعدة، وهي الأمور بمقاصدها.
وقالوا: في باب اللقطة: إن أخذها بنية ردها حل له، رفعها، وإن أخذها بنية نفسه، كان غاصباً أثماً.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: فمستحب:
كأنه جعل فيما سبق الأكل بقصد التقوي على الطاعات مطلقاً عبادة.
وقيده ههنا بما فوق الشبع، وجعله مستحباً. قالوا: الأكل أنواع فرض، ومندوب، ومباح، وحرام، فالفرض الأكل مقدار ما يندفع به الهلاك، والمندوب ما زاد عليه؛ ليتمكن به من الصلاة قائماً، ويسهل عليه الصوم، والمباح ما زاد عليه إلى الشبع؛ لزيادة تقوي البدن والحرام ما زاد على الشبع، إلا لقصد التقوي على الطاعات فإنه مندوب
قوله: إذا تترس بمسلم:
أي جعله كالترس وتستر به والمسألة أصولية فلتطلب ثمة.
قوله: بما استنبطناه
استفعال بمعنى الخبر أي أعلمناه، واستنبطناه، وفي المصباح أنبأته الخبر أعلمته. وفي القاموس: استنبأه النبأ بحث عنه
...
قوله: من القاعدة: بيان
قوله: إذا أخذها بنية ردّها حل
قال في قاضي خان رفع اللقطة لصاحبها أفضل من تركها عند عامة العلماء وقال بعضهم بحل رفعها، وتركها أفضل، وقالت المتقشفة: لا يحل رفعها والصحيح قول علمائنا، خصوصاً في زماننا، سواء كانت اللقطة دراهم أو دنانير، أو عروضاً أو شاة أو حماراً أو بغلاً أو فرساً أو إبلاً.
وقال الشافعي في البغل والحمار والفرس والإبل الترك أفضل، وهذا إذا كان في الصحراء. وإذا كانت في القرية فترك الدابة أفضل
وإذا رفع اللقطة يعرفها، فيقول: التقطت لقطة، أو وجدت ضالة، أو عندي شيء،
فمن سمعتموه يطلب دلوه عليّ.
على اختلاف الروايات في مدة التعريف.
وعن محمد أنه يعرفها حولاً، ولم يفصل بين القليل والكثير. وعن أبي حنيفة أن هذا
في مائتي درهم فما فوقها
وإن كان أقل من مائتي درهم عشرة دراهم فما فوقها يعرفها شهراً، أشهر، أو أقل من عشرة إلى ثلاث جهات
وفي رواية: ثلاثة أيام، وإن كانت اللقطة مما يتسارع إليها الفساد يعرفها بقدر ما يحتمل، كذا في الخلاصة. وتفصيله في قاضي خان أطلق ~ أخذها فشمل ما يفترض أخذها وما لا يفترض، فإن التقاط اللقطة على
وجهين
إن خاف ضياعها يفترض الرفع، وإن لم يخف يباح رفعها وفي الوجهين إن أخذها بنية ردّها إلى صاحبها وإلا فلا
@
الجزء 1 · صفحة 80
وفي التاتارخانية: في الحظر والإباحة إذا توسد الكتاب، فإن قصد الحفظ لا يكره، وإلّا يكره.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: وإذا توسد الكتاب فإن قصد:
قال في كراهية البزازية: توسد خريطة فيها أخباره، أو كتب الفقه، إن لقصد الحفظ لا يكره، وإلّا يكره ويكره أن يجعل في قرطاس كتب فيه اسم الله تعالى شيء، كانت الكتابة في ظاهره أو باطنه، بخلاف الكيس؛ لأن الكيس يعظم، والقرطاس يستهان ثم ذكر في كتاب الاستحسان: وضع المقلمة على الكتاب، والمصحف عند الكتابة للضرورة قيل: لا يجوز، وقال القاضي: يجوز
فأما لو قصد الإهانة لا يجوز، ولو تهاوناً يكره
@
الجزء 1 · صفحة 81
وإن غرس في المسجد، فإن قصد الظل لا يكره، وإن قصد منفعة أخرى يكره.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: وإن غرس في المسجد، فإن قصد الظل لا يكره، وإن قصد منفعة أخرى يكره:
أطلق المنفعة، فيرد عليه أنه لو غرس؛ لدفع نزا المسجد يجوز بلا كراهة، على ما في الخلاصة.
اللهم إلا أن يراد بالمنفعة منفعة الغارس لا منفعة المسجد.
فإن قيل: إنه لو غرس في المسجد، فله أن يأكل من ثمره، وإن لم يكن له الأخذُ من
ورقه.
قلنا: لا يلزم من جواز أكله من ثمره أن يكون قصده من غرسه أكله من ثمره، بل يجوز أن يقصد الحسبة، ويباح له أكل ثمره كسائر آحاد الناس
@
الجزء 1 · صفحة 82
وكتابة اسم الله تعالى على الدراهم، إن كان يقصد العلامة لا يكره، وللتهاون يكره.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله وللتهاون يكره:
قيل: إنه بالتهاون باسم الله يكفر؛ لما في القنية: لو كرر ذكر الله تعالى، فقال آخر: أهو ابن عمك، كفر؛ للاستهانة به
فمن تهاون بالله كفر، وكذا استخفافه بالقرآن والمسجد، ونحوه مما يعظم أقول: كلام المصنف بني على الفرق بين الإهانة و التهاون، كما صَرّح به استحسان البزازية، كما ذكرناه آنفاً، حيث قال: لو قصد إهانة لا يجوز، ولو قصد تهاوناً يكره لكن الفرق بينهما مشكل بما في القاموس، حيث قال: إهانة كاستهان به، وتهاون، فإنه لم يفرّق بين الثلاثة وفي الصحاح: استهان به وتهاون استخفه، وأهانه أستخف به
اللهم إلا أن يدعي الفرق في عرف الفقهاء.
@
الجزء 1 · صفحة 83
والجلوس على جوالق فيه مصحف، إن قصد الحفظ لا يكره، وإلّا يكره.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: والجلوس على جوالق:
وكذا النوم عليه، وكذا الحالُ في الكيس الذي فيه دراهم فيها اسم الله تعالى اعلم أن من فروع هذه القاعدة، ما ذكره في قاضي خان: استؤجر لضرب الطبل،
إن كان للهو لا يجوز؛ لأنه معصية، وإن كان للغزو أو القافلة يجوز؛ لأنه طاعة وما أخذ المغني والمطرب إن أخذ بغير شرط يباح له ذلك، وإن أخذ على شرط يجب
ردّه على صاحبه إن قدر، وإن لم يقدر على صاحبه يتصدق به
@
الجزء 1 · صفحة 84
ثم اعلم أن هاتين القاعدتين يشملهما الكلام على النية، وفيها مباحث عشرة: الأول في بيان حقيقتها. الثاني: في بيان ما شرعت لأجله. الثالث: في بيان تعيين المنوي وعدم تعيينه. الرابع: في بيان التعرض لصفة المنوي من الفرضية النفلية، والأداء والقضاء. الخامس: في بيان الإخلاص فيها. السادس: في بيان الجمع بين عبادتين بنية واحدة. السابع: في بيان وقتها. الثامن: في بيان عدم اشتراط استمرارها، وحكمها في كل ركن من الأركان. التاسع في بيان محلها. العاشر: في بيان شروطها.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ثم اعلم: لما فرغ من بيان ما يتفرع على القاعدتين المذكورتين من المسائل شرع في بيان المباحث المتعلقة بالنية ولما كانت المباحث مشتملةً على هاتين القاعدتين اشتمال الكل على الجزء، قدّمهما على تلك المباحث تقدم الجزء على الكل، تأمل
:قوله: وفيها مباحث: أي في النية
@
الجزء 1 · صفحة 85
الأول بيان: حقيقتها فهي في اللغة: كما في القاموس: نوى الشيء نية، وتشدد وتخفف قصده، انتهى.
وفي الشرع كما في التلويح قصد الطاعة والتقرب إلى الله تعالى في إيجاد الفعل. انتهى.
ولا يرد عليه: النية في التروك؛ لأنه كما قدمنا لا يتقرب بها إلا إذا صار الترك وهو فعل، وهو المكلف به في النهي لا الترك كفاً، بمعنى العدم؛ لأنه ليس داخلاً تحت القدرة للعبد، كما في التحرير.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ويخفف:
وفي المصباح: النية: مثقلةً، والتخفيف عن اللحياني وحده. وقيل: التخفيف غير قياسي؛ لأن نية أصلها نويت، أدغمت الواو في الياء، ولا يجوز نية قياساً على وزن عِدة
قوله: قصده:
أطلق القصد، ولم يقيّد بالفعل كما في معناه الشرعي، فشمل قصد التروك، وما كان موافقاً لغرض وما لم يوافق.
@
الجزء 1 · صفحة 86
وعرفها القاضي البيضاوي بأنها شرعاً: الإرادة المتوجهة نحو الفعل ابتغاء لوجه الله تعالى، وامتثالاً لحكمه، ولغة انبعاث القلب نحو ما يراه موافقاً لغرض من جلب نفع أو دفع ضر، حالاً أو مآلاً. انتهى.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ولا يرد عليه النية في التروك: حاصله النقض الإجمالي على التعريف المذكور بعدم صدقه على بعض أفراده وحاصل الجواب: منع عدم صدقه، مستنداً بأن المراد بالترك المنوي هو الكف، لا الترك بمعنى العدم المحض؛ لأنه ليس داخلاً تحت قدرة العبد وفيه بحث؛ لأنه إن أراد بالعدم العدم الأصلي فمسلّم أنه غير داخل تحت قدرة العبد، لكن الكلام ليس فيه وإن أراد به العدم الحادث فلا نسلّم أنه غير داخل تحت قدرة العبد، كيف وأنه يستحق العقاب بترك الصلاة، ولو لم يكن ذلك الترك مقدوراً له، لما استحق العقاب به، اللهم إلا أن يقال: المراد بترك الصلاة المنهي عنه كف النفس عن فعل الصلاة
@