الجزء 1 · صفحة 7
حاشية القريمي على التلويح
للإمام أحمد بن عبد الله القريمي الحنفي
المتوفى 879هـ
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر: دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
ترقيم الكتاب: موافق للطبعة.
الجزء 1 · صفحة 8
بسم الله الرّحمن الرّحيم
خطبة الكتاب
قوله: "الحمد لله"، قد جرت عادة المؤلفين بتوشيح صدر الكتاب بالتّسمية والتحميد، اقتداءً بكتاب الله تعالى واتباعاً لسنّة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وأداءً لحقّ ما عليهم من شكر الآلاء والنّعماء التي صار الاقتدار على التّأليف أثراً من آثارها، وطلباً لمزيد الإنعام والإحسان، وحذراً عن وصمة البتارة والنّقصان، وإبرازاً لكمال العناية في الاستعانة، والثّناء على جناب الملك المستعان، ثمّ بالدّعاء للشّارع الحائز لجهتي التّجرّد والتّعلّق، حتّى فاز باستحصال الكمالات العلميّة والعمليّة، وفاضت به على النّفوس المنغمسة في العلائق الجسمانيّة، المكدّرة بالكدورات الطبيعيّة النّفسانيّة، تأسّياً لأمر الله تعالى، وسلوكاً في مسالك المنخرطين في سلك المقرّبين وقضاءً لحقّه بقدر الإمكان، وطلباً لشفاعته يوم الامتنان، ثمّ بالدّعاء لمن اقتفى أثره من المهاجرين والأنصار والأختان والأصهار، والذين اتبعوهم بإحسان، اتباعاً لكتابه تعالى، وإظهاراً لمحبتهم، ورعاية لحقوقهم، واستحساناً لطريقتهم المثلى، والتزموا هذه الطّريقة كأنها فرض لازب، بل فرض واجب، ثمّ بالتّنبيه على ما تصدّوا لتأليفه من الفنون ببراعة الاستهلال، ليكون أحسن طباقاً وأعذب لفظاً، وأمثل سبكاً وأصح معنىً، ووصف الفنّ الذي بصدده بأبلغ وصف، ترغيباً لشّارع فيه وتحريكاً لنشاطه وحثّاً للإقبال عليه، بجدّ كامل وسعي تامّ، وغير ذلك مما آثروا إيراده في عنوان الكتاب، ورأوا هذه الأمور المعتادة سنّة متّبعة، فالشّارح العلامة جزاه الله عنا أحسن الجزاء، جرى على عادتهم، فأتى بأساليب غريبة، وتراكيب عجيبة، وصنائع بديعة، ولطائف شريفة، حيث اقتبس في آخر الفِقَر آيات الكتاب الكريم، وضمّن ديباجة كتابه
الجزء 1 · صفحة 9
ذكر الأدلّة الأربعة التي هي من موضوع أصول الفقه على النّظم الطّبيعي، والتّنبيه على ما هو بصدده ببراعة الاستهلال بقوله: "أصول الشّريعة"، وعلى بعض الأعراض المبحوث عنها فيه، وعن أعراضها من.
النّصّ والظّاهر والمحكم والاقتضاء، والدّلالة والبيان، والتّواتر والاستصحاب والاستحسان، ..
وعلى مآخذ ما جمعه من المسائل، بذكر أسامي الكتب المتداولة للحنفيّة والشّافعيّة إيهاماً وتورية.
قوله: أحكم، من الإحكام الإتقان، يقال: بناء محكم أي متقن مأمون الانتقاض، والكتاب: مصدر كتبت كَتْباً وكتاباً وكتابة، أي جمعت، جعل اسماً للمكتوب المجموع، ثمّ غلب مع اللام في عُرف أهل التّفسير والأصول على القرآن، كما غلب في عُرف أهل اللغة على كتاب سيبويه، والمراد بأصول الشّريعة القضايا الكلّيّة، والشّريعة تعمّ الفقه وغيره من الأمور الثّابتة بالأدلّة السّمعيّة
الجزء 1 · صفحة 10
كمسألة الرّؤية والمعاد، وكون الإجماع والقياس حجة، وما أشبه ذلك، فلا يتجه ما قيل: إنّ الكتاب من الأصول فيلزم إحكام الشّيء بنفسه، فلا حاجة إلى ما يتمحّل من أنّ المراد من الأصول غير الكتاب، وأنّ الكتاب كلّه ليس بأصل للشّريعة، والغرّاء تأنيث الأغر من الغُرّة -بالضّمّ- وهو البياض في جبهة الفَرَس، ثمّ استعير لكلّ واضح /أ) معروف، والخطاب في اللغة: توجيه الكلام نحو الغير للإفهام، نقل إلى الكلام الذي يقع به التخاطب، والمراد به ههنا إمّا الكتاب وحده، أو الأدلّة الأربعة بقرينة فروع الحنيفيّة، والمراد بالفروع الأحكام المفصلة المبيّنة في علم الفقه، والحنيفية صفة لمحذوف، أي الملة الحنيفيّة من الحنف -بفتح العين- الميل، والحنيف المائل عن كل دين باطل إلى دين الحق، وقيل: المستقيم، ومنه قيل للأعرج أحنف تفاؤلاً، والسّمحة: السّهلة، وصفت بها لما فيها من رفع الإصر والأغلال ووضع المشاقّ من الأعمال، والبيضاء تأنيث الأبيض، وفي وصف الملّة بالبيضاء من الإيماء إلى الاستعارة المكنيّة والتخييلية، ولا يخفى ما في القرينتين من صنعة الطّباق ومراعاة النّظير، ومن حسن موقع الأحكام من الأصول، والرفع من الفروع، ولزوم ما لا يلزم.
الجزء 1 · صفحة 11
قوله: حتى أضحت، غاية للجمع بين الإحكام والرّفع المستفاد من الواو، ولا يجوز الحمل على تنازع العاملين لما فيه من الرّكاكة في المعنى، أضحت: صارت، اختير على صارت لما فيه من الوضوح، وكلمته كلمة الشّهادة أو دين الإسلام، والأساس: الاعتقاد والتّصديق، والبناء: الأعمال المتفرّعة عليها، وصفها بالبقاء لبقائها على ألسنة العباد أبد الآباد وبقاء أثرها، راسخة الأساس: ثابتة الأصل، من رسخ ثبت، شامخة البناء: أي مرتفعة، وفي هذه القرينة من الاستعارة المكنيّة والتّخييل والتّرشيح، والتشبيه بشجرة موصوفة تمثيل، وفيها من التّلميح إلى قوله تعالى: {ضرب الله مثلا كلمة طبية كشرجة طبية اصلها ثابت وفرعها في السماء} الآية، وصنعة الطّباق ومراعاة النّظير، وحسن موقع الرّسوخ من الأساس والشّموخ من البناء، واللّفّ والنّشر المرتّب، والقلب بين الرّفع والفرع ولزوم ما لا يلزم.
الجزء 1 · صفحة 12
قوله: أوقد من مشكاة، لم يعطف على ما قبله، إمّا لكمال الانقطاع لما بين المسندين وقيد من قيودهما من عدم الملاءمة بخلاف قوله: ورفع بخطابه؛ فإنّ فيه تناسباً مع ما عطف عليه، يصحّ العطف بسببه لا خفاء فيه، وبخلاف قوله: وأوضح، وإمّا لكمال الاتّصال؛ لأنّ هذه الجملة مع ما عطف عليه بيان وتفصيل لما تقدّم في الجملة، المشكاة: الكوّة الغير النّافذة، والمراد بها النّبيّ - عليه السلام -، والسّنّة في اللغة: الطّريقة والعادة، وفي الاصطلاح: في العبادات: النّافلة، وفي الأدلة: ما صدر عن النّبي - عليه السلام - غير القرآن من قول أو فعل أو تقرير، والمراد ههنا هو الثاني، والاقتباس: الأخذ والاستفادة، يقال: اقتبست منه ناراً واقتبست منه علماً أي استفدته، والمراد استنباط الأحكام من الأدلّة بالاجتهاد، والأنوار: جمع نور، وهو الكيفيّة الحاصلة على وجه الأرض من مقابلة القمر ويسمّى ضوءً ثانياً، والكيفيّة الحاصلة في الجسم من مقابلة المضيء لذاته، كضوء وجه الأرض بعد طلوع الشّمس إن قويت يسمى ضياءً وإن ضعفت يسمى شعاعاً، وإنما اختار الأنوار للطيفة بهيّة ونكتة سرّية، وهي أنّ السنّة لمّا ظهرت من معدن الرّسالة على وجه الحادثة الخاصّة انعكس شعاعها على وجوه الحوادث الأخر، فاقتبس المجتهدون أنوارها من ذلك الشّعاع فناسب أن يطلق لفظ الأنوار على الأحكام في الفرع، والوهّاج: الوقّاد من وهجت النّار تهج وهجاً ووهجاناً بسكون العين فيهما، والإجماع في اللغة: العزم والاتّفاق، يقال: أجمع فلان على كذا عزم، وأجمع القوم على كذا اتفقوا، وفي الاصطلاح: اتفاق المجتهدين من أمّة محمّد - صلى الله عليه وسلم - في عصر على حكم شرعيّ، والآراء: مقلوب الأرأء بفتح الهمزة وسكون الرّاء المهملة بعدها همزة مفتوحة فقدم الهمزة على الرّاء بنقل حركتها إلى الرّاء، وقلبت ألفاً لاجتماع الهمزتين مع سكون الثّانية فصار آراء جمع رأي وهو الاجتهاد، والاقتفاء:
الجزء 1 · صفحة 13
الاتّباع، يُقال: اقتفى أثره أي اتّبعه، والآثار: جمع أثر بفتحتين وهو معروف، والقياس في اللغة: التّقدير والمساواة، يُقال: قست النّعل بالنّعل أي قدّرتها بها، وفلان لا يقاس بفلان أي لا يساويه، وقد تعدّى بعلى لتضمين معنى الابتناء، وفي الشّرع: مساواة فرعٍ الأصلَ في علّة حكم، والمنهاج: الطّريق الواضح كالنّهج -بالسكون- والمنهج، ثمّ إنّه شبّه النّبي - عليه السلام - بالمشكاة في أنّ كلا منهما محلّ ظهور الأنوار، وذكر المشبّه به دون المشبّه فيكون استعارة مصرّحة، وذكر ما يلائم المشبّه به أعني أوقد وسراجاً وهاجاً فيكون ترشيحاً، أو شبّه السنّة بالشّمع الموقد في المشكاة، وذكر المشبّه دون المشبّه به فيكون استعارة بالكناية، وإضافة المشكاة إليها تخييلاً، وذكر السّراج ترشيحاً، والضّمير في أنوارها على الأوّل للسّنّة أو للمشكاة وعلى الثّاني للسّنّة فقط، وكذا في آثارها، والمعنى: أظهر من معدن السنّة وهو الرّسول - عليه السلام -، ما يوضح سبل الهداية والرّشاد للأنام، ليقتبسوا منها الأحكام الشّرعيّة المنوطة، كيلا تزلّ في غياهب الشّكوك والجهالات أقدامهم، وبيّن لهم طريقاً واضحاً لسلوك مسالك الدّين لإجماع آراء المجتهدين على اتباع آثار تلك السّنة أو المشكاة، وقوله: "حتّى صادفْتَ" -بتاء الخطاب-، بمعنى وجدت غاية للإيقاد والإيضاح على الوجه الذي تقدّم، والعلم: هو الصورة الحاصلة من الشّيء في العقل، والهدى: الدّلالة على ما يوصل إلى البغية، وتلاطم الأمواج -وهو ضرب بعضها على بعض- كناية عن الكثرة، وأمواجاً: نصب على التّمييز، والأفواج: جمع فوج بمعنى الجماعة، وبحار العلم والهدى من قبيل لجين الماء، ووجه الشّبه كونهما سبباً للحياة، ولا يخفى ما في القرائن من حسن مراعاة النّظير، والسّجع المتوازي واللّف والنّشر المرتّب والتّجنيس البعض والاقتباس ولزوم ما لا يلزم.
الجزء 1 · صفحة 14
قوله: والصّلاة إلى آخره، عطف على "الحمد لله" وهي الدّعاء، والسّاطع: المرتفع من سطع الصّبح ارتفع، والحجّة: هي ما تثبت به الدّعوى، سمّي بها من حيث الغلبة على الخصم من حجّ غلب، ويسمّى بيّنة من حيث إفادته البيان، ودليلاً من حيث أنّه يلزم من العلم به العلم بها، وعلّة من حيث أنّه مؤثّر في القلب تأثر المرض في القالب، والإضافة في الموضعين من باب جرد قطيفة، والمعوان: كثير المعونة اسم فاعل للمبالغة، والظّهير: المظاهر بمعنى المعاون، كأن الحجّة تعينه وهو يعينها، وفعيل بمعنى مفاعل غير عزيز، صرّح به الزّمخشري في الكشّاف، وبه سقط ما توهّم أنّ الظّهير هو المعين، وكان الأولى تقديمه لتحصيل المبالغة من الثّاني إلا أنّه أخّر ليناسب نصيراً)، والمحجّة: جادّة الطّريق، والسّلطان: الحجّة والبرهان، والنّصير: النّاصر، واللام في لساطع ولواضح متعلّق بما بعده، ومحمّد عطف بيان، وهدى: منصوب على أنّه مفعول له، أو حال من الضّمير في المبعوث، وكذا مبشّراً وما عطف عليه، وبإذنه حال من الضّمير في داعياً، وفي الإيهام والتّفسير من التّشويق وتكميل لذّة العلم وزيادة التمكين ما لا يخفى، وفي هذه القرائن من الوجوه المحسّنة السّجع المتوازي والتجنيس والطّباق ومن حسن موقع السّطوع والمعوان والظّهير من الحجّة وموقع الوضوح من المحجّة والاقتباس وشبهة الاشتقاق.
الجزء 1 · صفحة 15
قوله: ثمّ على من التزم بمقتضى إشارته إلى آخره، عَطَفَ بثمّ تنبيهاً على تراخي رتبهم عن رتبة الرّسول - عليه السلام -، والضّمير في إشارته ونصوصه وساحته لمحمّد - عليه السلام -، والاعتصام: التّمسّك، وضمير فيها لطريق العرفان، والتّواتر: التّتابع، والنّصوص: جمع نصّ، وهو كلّ لفظ فهم منه المعنى، والبيان: للإظهار، وساحة الدّار: فضاؤها، والكرامة: اسم من الكريم والإكرام، والاستصحاب لغة: جعل الشيء صاحباً لشّيء، يُقال: استصحبته الكتاب أي جعلته صاحباً له، /أ) وكلّ شيء لاءم شيئاً فقد استصحبه، والاستحسان: عدّ الشّيء حسناً، .. والمعنى اغتنموا كرامة المصاحبة والاستحسان، والمهاجرون: أهل مكّة الذين هاجروا منها إلى المدينة اتباعاً للنّبيّ - عليه السلام -، والأنصار: أهل المدينة، وأنت خبير بما في ساحته من الاستعارة بالكناية والتّخييل وما في القرائن من مراعاة النّظير والاشتقاق والتلميح.
الجزء 1 · صفحة 16
قوله: وبعد، ظرف زمان قطع عن الإضافة منوّنة، وبني على الضّمّ تشبيهاً بالغايات، أُتِي بالفاء بعده لكونه مظنّة لاماً أو لإضمارها تنبيهاً على سببيّة ما قبلها لما بعدها، والمعنى مهما يكن من شيء بعد الحمد والصلاة يثبت هذا الحكم، وهو كون علم الأصول أجلّ ما تنسّم وأعزّ ما يتّخذ، أي يلزم من ثبوت شيء في الدّنيا بعد الحمد والصلاة ثبوت هذا الحكم لزوماً في قصد المتكلّم، والواو: للاستئناف لتحسين اللفظ، وإضافة علم الأصول من إضافة العامّ إلى الخاص، والمدارك: جمع مدرك موضع الإدراك، وما: موصولة في الموضعين، والعائد محذوف، والتّنسيم: التّنفّس، وفاعل تنسّم قَبول القبول، والإحكام بالكسر الإتقان، وبالفتح جمع حكم وهو الأثر الثّابت بالخطاب، والشّرع: بمعنى المشروع هو الشّريعة، والقَبول الأوّل: ريح الصّبا، والثّاني: المصدر، والأعلام: جمع العلم بمعنى الرّاية، والحقّ: هو الثّابت المطابق للواقع، والعُقول: الأوّل: -بضمّ العين- جمع عقل بمعنى الملجأ، والثّاني: جمع عقل بمعنى القوّة العاقلة، ويجوز أن يكون الأوّل بالفتح: بمعنى كامل العقل، كأنّه نفسه يعقل، ثمّ إنّ الشّارح رحمه الله شبّه القبول أي كونه مقبولاً بمهبّ الصّبا الذي هو محلّ وصول الرّوح والمراحات إلى مشامّ الأرواح في الاستطابة والاستلذاذ، وذكر المشبّه دون المشّبه به فيكون استعارة مكنيّة، وإثبات القبول تخييلاً والتّنسّم ترشيحاً، وشبّه الحقّ بذي سلطنة له رايات فيكون استعارة مكنية، وإثبات الأعلام تخييلاً والمعنى أنّه أجلّ ما تنسّم به ريح القَبول وأعزّ ما يتّخذ فيه لإعلاء أعلام الحقّ عقول العقول، وفي القرينتين مراعاة النّظير، والتجنيس التّام والنّاقص، وشبهة الاشتقاق وحسن موقع الأجليّة من قبول القبول، والأعزّيّة من أعلام الحق ولزوم ما لا يلزم.
الجزء 1 · صفحة 17
قوله: وإن كتاب التّنقيح، -بالكسر- عطف على جملة فإنّ علم الأصول إلى آخره، النّحرير: -بالكسر- العالم المتقن، من نحر العلم أتقنه، والعَلم ههنا بمعنى العلامة أو الرّاية أو الجبل، وعالَم بفتح اللام، والتّعديل: التّسوية، والتّنقيح: التّهذيب، يُقال: نقحت الجذع إذا قطعت ما يفرّق من أغصانه، والخزانة: واحدة الخزائن وهي المخزن، والانتخاب: الاختيار، وأنت تعلم بما في حمل البحر والكنز من التّشبيه البليغ وما في أغصان الفروع من الاستعارة المكنيّة والتّخييل وكذا في أغصان الأصول، وما في القرينتين من حسن الإيهام إيماء إلى تلك الكتب بذكر أساميها، وصنعة الطّباق ومراعاة النّظير والسّجع المتوازي.
الجزء 1 · صفحة 18
قوله: نعم، لتصديق الخبر السّابق، وتقرير ما بعد أداة الاستفهام نفياً كان أو إثباتاً، تقول في الخبر إثباتاً في جواب من قال: قام زيد؟ نعم، أي نعم قام زيد، ونفياً في جواب من قال: ما قام زيد؟ نعم، أي نعم ما قام زيد، وفي الاستفهام في جواب: أكان لي عليك كذا؟ نعم، أي نعم كان لك عليّ كذا، وأليس لي عليك كذا؟ نعم، أي نعم ليس لك عليّ كذا، ومن ثمّ قال ابن عبّاس: لو قالوا في جواب {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ}: نعم، لكان كفراً، وجوّز بعضهم إيقاع نعم موقع بلى، إذا جاء بعد همزة داخلة على النّفي لفائدة التّقرير أي الحمل على الإقرار، فيجوز وقوعها في جواب {أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ}، وإليه ذهب أئمّة الأصول حتّى جوّزا إقامة كلّ منهما مقام الآخر، وسيجيء زيادة التّقرير في كلام الشّارح، وإذا تمهّد هذا فنقول: لمّا وصف الشّارح المصنّف وكتابه بما عسى يتوهم أنّه ممّا يرمى به جزافاً قرّره وحقّقه بقوله: نعم، أي الأمر كذلك، وقوله: "قد سلك" إلى آخره، استئناف في معرض التّعليل، والأسرار: جمع السّرّ وهو ما أضمره الإنسان فلم يظهره، وقيل: ما لا يرفع به صوته، وقيل: ما حدّث به غيره خافضاً به صوته، وقيل: ما تفكّر فيه، والتّحقيق: التّثبيت، واستولى على الأمد الأقصى: أي بلغ الغاية فيه، والأمد: -بالفتحتين- الغاية، والمدى بمعناه، والمنار: -بفتح الميم- عَلَم الطّريق، ورفعه كناية عن كمال الاشتهار بحيث لا يخفى على الأبصار، والتّدقيق: الإبلاغ في الدّقّة، واللطيف: من لطف الشّيء -بالضّمّ- لطافة، أي صغر فهو لطيف، وصف النّكات بها لأنّها لصغرها لا يصل إليها إلا الحذّاق، والنّكات: جمع نكتة، وهي اللطيفة المنقّحة من نكت في الأرض بالقضيب إذا أثّر فيها، والفتق: الشّقّ من فتقت الشّيء فتقاً شققته، والرّتق: ضدّ الفتق، يقال: رتقت الفتق أرتقه فارتتق، أي التأم، نصب على أنّه مصدر لفعل محذوف، والحظ: النّصيب، وإضافة شريف ولطيف من باب جرد قطيفة، ويحتمل
الجزء 1 · صفحة 19
الإضافة بمعنى اللام، ولا يخفى ما في منار التّدقيق وأيدي الأفكار من الاستعارة بالكناية والتّخييل، وفي القرينتين من صيغة الطّباق والتجنيس النّاقص ومراعاة النّظير.
قوله: ولهذا إلى آخره، الظّاهر أنّه عطف على جملة أي قد سلك، ويحتمل أن يكون عطفاً على خبر إنّ، أي ولكونه كتاباً متّصفاً بالصّفات المذكورة، وقد سلك صاحبه منهاجاً بديعاً إلى آخر ما ذكره، طار أي الكتاب في الأقطار كالأمطار، والأقطار: جمع قطر وهو الطّرف والجانب، والأمثال: جمع مثل وهو الكلام الفاشي، والتّشبيه بالأمطار في الكثرة في البلاد، والتّشبيه بالأمثال في الاشتهار مع استلزام أحدهما للآخر، وقوله: ولا اشتهار الشّمس في نصف النّهار نصب على أنّه مصدر لفعل محذوف أي لا يشتهر اشتهار الشّمس، أو نصب بنزع الخافض أي لا كاشتهار الشّمس في نصف النّهار بل فوقه، والجملة في محل النصب على الحاليّة من حظّاً أي نال في الآفاق نصيباً كاملاً، حال كونه فائقاً على اشتهار الشّمس، والمبالغة في الوصف والادّعاء غير عزيز في كلام الأدباء، وقول من قال: إنّه ولاء -بفتح الواو والمد- من الوليّ وهو القرب أي قريباً من اشتهار الشّمس ليس ببعيد، إلا أنّه يفوّت ما في الأول من المبالغة، وفي القرينتين جناس مطرّف والسّجع المتوازي والتجنيس الخطّي.
الجزء 1 · صفحة 20
قوله: ولقد صادفت، باللام الموطئة للقسم، الظّاهر أنّه عطف على خبر إنّ، وربّما يحتمل العطف على جملة "نال في الآفاق"، أي ولهذا لقد صادفت، مجتازيَ: اسم زمان من الاجتياز وهو السّلوك والوصول، والأفئدة: جمع الفؤاد وهو القلب، تهوي إليه: أي تميل إلى كتاب التّنقيح، هائمة: عاشقة حائرة، من هام يهيم هيماً وهيَماناً ذهب من العشق، جاثية: أي جالسة على ركبتيه من جثا على ركبتيه يجثو ويجثي جثوّاً وجثيّاً على فعول فيهما، كناية عن كمال الشّوق والتّوجّه، والرّغبات: جمع رغبة من رغبت في الشّيء أردته، مستوقفة المطايا: أي طالبة لوقوفها، من استوقفته طلبت منه الوقوف، من إضافة الصّفة إلى المفعول، جمع مطيّة على وزن فعالى وأصله فعائل، إلا أنّه فعل به ما فعل بالخطايا، ولدى: لغة في لدن، والحواشي: جمع حاشية بمعنى الجانب، والمراد بها الفوائد المكتوبة على الحواشي للمصنّف وغيره، والأطراف: كأنّه عطف تفسير، واللآلئ: جمع اللؤلؤة وهي الدرّة، والأصداف: جمع الصّدف وهو غشاء الدرّة، وقوله: مجتازي، ظرف لصادفت، وبما وراء النّهر متعلّق بمجتازي، وأفئدة مفعول صادفت، ولكثير في محلّ النّصب على أنّه حال من أفئدة، والضّمائر المجرورة لكتاب التّنقيح ومعتصمين حال من كثير، وكذا قانعين: من قنع -بالكسر- قناعة: رضي، أي راضين عن اللطائف الدّقيقة والأسرار الرّقيقة، التي هي خلاصة المقاصد وأمّهات المطالب، بالبحث عن ظواهر المعاني التي هي عند أهل التّحقيق ساقطة عن درجة الاعتبار، وبالأصداف متعلّق بقانعين، وكذا عن اللآلئ على تضمينه معنى البعد والقصوّر والإعراض، ولا يخفى ما في عقول جاثية ورغبات مستوقفة المطايا من الاستعارة المكنية والتّخييليّة، وبحار أسراره من قبيل لجين الماء، وما في اللآلئ والأصداف من الاستعارة المصرّحة حيث استعير اللآلئ للمعاني الدّقيقة والأصداف للمعاني الظّاهرة، وما في القرائن من مراعاة النّظير والسّجع المتوازي وجناس
الجزء 1 · صفحة 21
البعض.
قوله: لا تَحُلُّ إلى آخره، استئنافٌ جواباً لسؤال اقتضاه قوله ولقد صادفت مجتازي إلى آخره، ولذا ترك العطف كأنّه قيل: ما بالهم يعتصمون في كشف أستاره بالحواشي والأطراف، ويقنعون في بحار أسراره عن اللآلئ بالأصداف، فأجاب بأنّ كشف أستاره وإخراج لآلئه لا يتيسّر لهم؛ لأنّ عقد معضلاته يورث أنظارهم الكلال، وأبواب مغلقاته يوصلهم دون بيانها إلى الإعياء والإملال، يقال: حللت العقدة أحلّها حلاً أي فتحها، من باب نصر، والأنامل: جمع أَنملة -بالفتح- وهي رؤوس الأصابع، والأنظار: جمع نظر وهو ترتيب أمور معلومة للتّأدّي إلى مجهول أو ملاحظتها، والعُقَد: -بضمّ العين المُهملة وفتح القاف- جمع عقدة معروفة، ومعضَلاته: -بفتح الضّاد- من عضل الرّجل أمته منعها من التّزويج، أراد بها اللطائف الممنوعة عن الأذهان، وإن جُعِل من أعضلني فلان أي أعياني أمره، أو مِن أعضلَ الأمرُ اشتدّ واستغلق، وأمرٌ معضلٌ لا يُهتدى لوجهه، يكون اسم فاعل؛ فيفوت كمال الملاءمة لمغلقاته، والبنان: جمع البنانة بفتح الباء الموحّدة وهي أطراف الأصابع، وجمع القلّة بنانات، ومغلقاته: من أغلقت الباب فهو مغلق والاسم الغَلَق بفتحتين، والفاء في فلطائفه: فصيحة وهو مبتدأ خبره مستورة، وظرفا الزّمان والمكان أعني بعد وتحت متعلّقان بمستورة، والخرائد: جمع خريدة وهي المخبئة من النّساء، والخيام: جمع الخيم وهو الخيمة وجمعها خيمات وهي بيت تبنيه العرب من عيدان الشّجر، مقصورة: محبوسة، وترى خبر بعد خبر ويحتمل الاستئناف، وفي الصّحاح: "يُقال: قعدوا حوله وحواله وحواليه وحوليه، ولا تقُل حوالِيه بكسر اللام، وقعد حياله وبحياله بالكسر أي بإزائه"، والهمم: جمع الهمّة وهي اسم من الاهتمام بمعنى الاغتمام من همّ إذا اندفع في القصد، يقال: فلان بعيد الهمّة، وقيل: هي الباعث الطّلبي المنبعث من النّفس لمطلوب كمالي ومقصود غائي، تقول: استشرفت الشّيء إذا رفعت بصرك تنظر إليه
الجزء 1 · صفحة 22
وبسطت كفك فوق حاجبك كالمستظل من الشّمس، وإضافتها إلى الأعناق إضافة إلى الفاعل المجازي، وإنّما أسند الإستشراف إلى العنق لأنّ شدّة النّظر وكماله تحصل بمدّ العنق، ودون: في الأصل أدنى مكان من الشّيء ثمّ استعير للتّفاوت في الأحوال والرّتب، ثمّ اتّسع فيه فاستعمل في كل تجاوز حدّ وتخطّي حكم إلى حكم، وهو في محلّ النّصب على الظّرفيّة لترى كحواليها، قدّم على المفعول به لكمال العناية ورعاية السّجع، والأحداق: جمع حدقة العين وهي سوادها الأعظم، وأنت تعرف ما في أنامل الأنظار وبنان البيان وأبواب مغلقاته وخرائده وهمماً مستشرفة الأعناق من الاستعارة المكنيّة والتخييليّة والتّرشيح، وما في أعيناً ساهرة الأحداق من الاستعارة المصرّحة والتّرشيح، حيث استعير الأبصار للبصائر، وفي إسناد السّهر إلى الأحداق من المبالغة في أن ليس لهم شائبة من الفتور قطّ، والتّنبيه على شدّة شغفهم وكمال حرصهم في الاطلاع على تلك اللطائف، والإشعار بأنّ ما يوصل به إلى المدركات بالأعين إنّما هو الحدقة، وأنّ أوّل ما يظهر من أثر الفتور إنّما هو في العين وذهاب الحدقة إلى جانب، وما في القرائن من مراعاة النّظير وصنعة الطّباق والتجنيس الخطّي.
قوله: فأُمِرْتُ، الفاء فصيحة، والإلهام: إيقاع الشّيء من الخير في القلب بطريق الفيض، والوهم: الحكم بخلاف الطّرف الرّاجح، واللُّجج: بالضّمّ جمع لُجّة وهي معظم الماء، وفرائد: جمع فريد وهو الدّرّ الكبير، سمي فريداً لتفوّقه على سائر الدّرر في القيمة والنّفاسة، ولأنّه منفرد في وعائه لا يسعه غيره، والشّعاب: جمع شِعب بالكسر الطّريق في الجبل، والمسالك: جمع مسلك
وهي مَحالُ السّلوك، والإضافة بمعنى اللام أو بمعنى في، وليس من قبيل شجر الأراك على ما توهّم، والمراد بالتذليل: التّيسير، والشّوارد: جمع شاردة وهي النّافرة من شرد البعير نفر، والصّعاب: نقيض الذّلول أي غير المنقاد.
الجزء 1 · صفحة 23
قوله: لا كوهمٍ من الأوهام، لا بمعنى ليس، والجملة حال من لسان الإلهام والمضاف محذوف، أي ليس كلسان وهم من الأوهام، وفي إدخال الكاف من المبالغة أي ليس شبيهاً بالوهم فضلاً عن الوهم، وأنت خبيرٌ بما في لجج فوائده من الاستعارة بالكناية والتّخييل والتّرشيح، وكذا في الغوص على غرر فرائده من الاستعارتين دون التّرشيح، وفي كنوزه وشعابه وشوارد صعابه من الاستعارة المصرّحة والتّرشيح في الآخرين، وما في هذه القرائن من مراعاة النّظير والسّجع المتوازي وجناس البعض وصنعة الطّباق ولزوم ما لا يلزم، وقوله: أن أخوض متعلّق بأمرت على حذف الجارّ.
الجزء 1 · صفحة 24
قوله: فطفقت، عطف على أمرت يُقال: طفق يفعل كذا أي جعل يفعل، واقتحم الفرس على الفهر: دخله بمشقة، والتّركيب دائر على مشقة، يُقال: قحم في الأمر شرع فيه بلا رويّة، بحيث لو أعمل الرّويّة لم يشرع فيه لشدّته، والقحم: بالضّمّ المهلكة والقحمة المشقّة الشّديدة، والدّياجر: جمع ديجور وهي الليلة المظلمة والقياس دياجير بوزن مصابيح، إلا أنّه حذف الياء لتناسب الهواجر، والمكابد: جمع مكبد وهو محلّ إتعاب الكبد، والمراد بها المشاقّ التي تؤثّر في الكبد، والظّمأ: -بالقصر- العطش، والهواجر: جمع الهاجرة وهي ما بين زوال الشّمس إلى العصر، يشتدّ فيها الحرّ ويغلب العطش بسبب الحرارة، والاقتناص: الاصطياد، ونازفاً: من نزفتُ البئر نزفاً نزحتها، يتعدّى ولا يتعدّى، والمتعدّي مراد ههنا، ويجيء نزفت أيضاً على ما لم يسمّ فاعله، والغُلالة: بالضّمّ بقيّة اللبن والحلبة بين الحلبتين وبقيّة جري الفرس وبقيّة كلّ شيء، والجدّ: الاجتهاد، والإماطة: الإزالة والتّبعيد، والقناع: ما تستر به المرأة وجهها، ولا يخفى ما في كلّ صعب وذلول من الاستعارة المكنيّة والتّخييل، وفي اقتناص شوارد الأصول من الاستعارة المصرّحة والتّجريد والتّرشيح، وفي غلالة الجدّ من الاستعارة المكنيّة والتّخييل، وفي وجوه خرائده من الاستعارة المكنيّة والتّخييل والتّرشيح والإيهام، وفي هذه الفقر من مراعاة النّظير والسّجع المتوازي وجناس البعض ولزوم ما لا يلزم،
الجزء 1 · صفحة 25
قوله: في ظلم الدّياجر، متعلّق بالسّهر أو بأقتحم، وفي ظمأ الهواجر متعلّق بالفكر أو بأحتمل، وراكبا: حال من ضمير الفاعل، ولقد أحسن الشّارح رحمه الله في وصف الكتاب بأنّ فيه لطائف مكنونة تحت الأستار، لا يصل إلى مشامّ طالبيها إلا شائبة من روائحه الطّيّبة، وخرائد مقصورة في الخيام لم تقع بعد في أيدي الرّاغبين ولم يفض ختامها، وإنّ له من كمال القبول بحيث صارت الهمم مصروفة إليه، والبصائر مشغوفة بالوصول والعثور عليه، ما لا ارتياب فيه، وإنه من المتانة والرّصانة بحيث لا يحوم حول حماية كثير من فضلاء الدّهر وعلماء العصر ويجولون في حلبة فوائده بالاستباق والاشتياق ما لا اشتباه فيه، ولله درّه ما أدقّ نظره في تحقيق لبابه وتنقيح فرائده في عبابه، وما ألطف تبيانه بترصيع عباراته المنظومة بأنواع حلي الإشارات إلى حثّ الطّالبين لتحصيل الكمالات العلميّة وتنشيطهم وترغيبهم لتشمير ساق الجدّ والاجتهاد، في مقاساة هموم الاقتحام موارد السّهر في ظلم الدّياجر، وتجرّع مكابد الفكر في ظمأ الهواجر، والإعراض عن اللذّات النّفسانيّة والشّهوات الجسمانيّة، والإقبال على تحصيل تلك الكمالات كلّ الإقبال على ما نطق به القائل:
بقدر الكدّ تكتسب المعالي ومن طلب العُلا سهر الليالي
الجزء 1 · صفحة 26
قوله: ثمّ جمعت، عطفَ بثمّ إشارة إلى تراخي زمان الجمع من زمان الأمر، والشّروع إنّما سماه بالتّلويح لما فيه من الإشارة إلى ما لا يدرك إلا بالوسائط من لطائف الكتاب وفوائده التي لا تُنال إلا بانتقال الذّهن من المعاني الظّاهرة إلى المعاني الخفيّة، المفتقرة إلى اللوازم المتعدّدة، إذ التّلويح في اللغة: الإشارة من بعيد، ولذا سميت الكناية التي ينتقل فيها من الملزوم إلى اللازم بوسائط كثيرة تلويحاً، والتّقرير: التّثبيت، والقواعد: جمع قاعدة، وهي أمر كلّيّ ينطبق على جزئياته ليتعرّف أحكامها منه، وسيجيء تحقيقه في موضعه إن شاء الله تعالى، والفنّ: النّوع واحد الفنون، والتّحرير: التّهذيب، والمعاقد: جمع معقد وهو ما يعقد فيه الشّيء، وأراد بالقواعد المسائل الكليّة وبالمعاقد مبادئها، يهتزّ: يتحرّك سرورا، والأعطاف: جمع عِطف بالكسر وهو الجانب، والأذهان: جمع ذهن وهو القوّة المعدّة لاكتساب الآراء، وينشط: من النّشاط -بالفتح- وهي الخفّة والسّرور، ويطرب: من الطّرب.
الجزء 1 · صفحة 27
وهو خفّة تصيب الإنسان لشدّة حزن أو سرور، غلب استعماله في السّرور، والثّكلان: بوزن السّكران من يفقد الولد من الثُكل بالضّمّ وهو فقدان المرأة ولدها، والتّعويل: من عوّلت بمعنى استعنت، وفي الصّحاح: "يقال: عوّل علي بما شئت أي استعن بي، كأنّه يقول احمل عليّ ما أحببت"، والتّعريج: الإقامة، يُقال: عرّج فلان على المنزل إذا حبس مطيّته عليه وأقام، والمتون: جمع متن وهو في الأصل ما صلب من الأرض، يُقال: متن الشّيء متانة فهو متين أي صلب، ثمّ نقل إلى متن الكتاب، وكأنّه أراد بمتون الرّواية صور المسائل، وبعيون الدّراية أدلّتها، والعيون: جمع عين يجوز أن يكون المراد ههنا حاسّة الرّؤية ويكون بمعنى خيار الشّيء وبمعنى نفسه وله معانٍ أخر مذكورة في كتب اللغة، والدّراية: العلم من دريته ودريت به درياً ودرية بكسر الدّال وضمّها ودراية علمت به، وأنت تعرف ما في أصداف الآذان من الاستعارة المكنيّة والتخيليّة، وكذا في أعطاف الأذهان مع التّرشيح، وفي هذه الفقر الجناس النّاقص ومراعاة النّظير وصنعة الطّباق ولزوم ما لا يلزم، وقوله: إلى كشف: متعلّق بالتّلويح ومشتملاً: حال من الشّرح، ومع تنقيح: حال من تقرير، وما: عطفٌ عليه، ولما آثر: متعلّق بتنقيح، ولما اقتصر: بتوضيح، وفي ضمن تقريرات: متعلّق بمشتملاً، ويحتمل أن يتعلّق بما تضمّنه التّنقيح والتّوضيح، أي مع المجمع بينهما في ضمن تقريرات إلى آخره، ولورودها متعلّق بتنقيح، ولإدراكها بتهتز ولاستماعها بينشط، وتقديم الجار والمجرور والظّرف في هذه المواضع للتّخصيص مع رعاية السّجع، ومعوّلاً: حال من فاعل جمعت، ومعرّجاً: عطف عليه.
الجزء 1 · صفحة 28
قوله: وسيحمد الغائص إلى آخره، عطف على جملة ثمّ جمعت، الغائص: من الغوص، والفائض: من فاض الماء فيضوضة وفيضاً، أي كثر حتّى سال من جانب الوادي، والأنوار: جمع نور بضمّ النون وهو الظّاهر بنفسه المظهر لغيره، وعلى ما أودعت هذا الكتاب متعلّق بسيحمد، والمفعول الأوّل محذوف، أي على ما أودعته من اللطائف والنّكات هذا الكتاب، ويجوز أن تكون ما مصدريّة بحذف المفعول الأوّل أيضاً، والماهر: الحاذق، ولا يستأهل: أي لا يصير أهلاً، وفي الصّحاح: "ويُقال: فلان أهل لكذا، ولا تقل: مستأهل، والعامّة تقوله"، ففي كلام الشّارح العلامة تسامحٌ جرياً على عادة المصنّفين، والبارع: الفائق من برع بالضّمّ والفتح براعة، أي فاق أقرانه في العلم وغيره، والبضاعة: رأس المال، والصّناعة: ملكة يقتدر بها على استعمال موضوعاتٍ ما، نحو غرض من الأغراض على وجه البصيرة، والتّوجيه: جعل الشّيء وجهاً، والتّعديل: التّقويم، يُقال: عدّلته فاعتدل أي قوّمته فاستقام، والقوانين: جمع قانون لغة سريانيّة بمعنى الجيّد ثمّ عرّب وجعل اسماً للقاعدة، والسّبحان: علم التّسبيح بمعنى التّنزيه نصب على المصدر، والوليّ: ضدّ العدو، والمليّ: الغني يجوز فيه الإدغام لما تقرّر في غير هذا الفن أنّ كلّ ياء ساكنة قبلها كسرة أو واو قبلها ضمّة وهما زائدتان للمدّ لا للإلحاق تقلب فيه الهمزة بعد الياء ياء، وبعد الواو واواً وتدغم، ويُقال في خطيئة: خطيّة، وفي مقروء: مقروّ، والإدغام ههنا أحسن ملاءمة للولي، وحسبي: أي محسبي وكافي، يقال: حسبك درهم أي كفاك وهو اسم من حسبني الشّيء كفاني.
الجزء 1 · صفحة 29
قوله: مع بضاعة، حال من الفاعل أعني الماهر والبارع على سبيل التّنازع، وقوله: "والله عز سبحانه" إلى آخره، اعتراض على قول من يرى الاعتراض في آخر الكلام، أو حال من فاعل أودعت، أي أودعته هذا الكتاب حال كونه وليّ الإعانة لي، وعزّ سبحانه أيضاً اعتراض وقع بين المبتدأ والخبر، وقوله: وهو حسبي ونعم الوكيل: عطف على جملة والله وليّ الإعانة، ولا يخفى ما في بحار التّحقيق وأنوار التّدقيق من الاستعارة المكنيّة والتّخيليّة، وفي بضاعة الصّناعة من الاستعارة المصرّحة، وفي هذه القرائن من مراعاة النّظير وجناس البعض والقلب الخطّي.
الجزء 1 · صفحة 30
قوله: حال من المستكنّ في متعلّق الباء، ظاهر العبارة يوهم أنّ باسم الله، أعني الجار والمجرور، متعلّق بأبتدئ تعلّق ظرف لغوٍ، أو مفعول به بواسطة على اختلاف الرّأيين، إلا أنّ قوله: كما وقعت التّسمية كذلك يدفع هذا الإيهام، ويدفعه أيضاً صريح كلامه فيما بعد، من قوله: ليس الباء صلة لأبتدئ إلى آخره، بل هو متعلّق بمعموله المقدّر وهو ملتبساً أو متبرّكاً)، لكنّه لمّا ترك نسياً منسيّاً وأقيم الجار والمجرور مقامه، جعل أبتدئ متعلّقاً للباء ظاهراً على ما نقل عنه رحمه الله في حاشيته من قوله: "إذ المتعلّق الحقيقيّ للباء أعني ملتبساً أو متبرّكاً ترك نسياً منسياً، وللدّلالة على هذا المعنى صرّح بأنّ مفعول أبتدئ هو الكتاب، وحينئذٍ لا معنى لجعل الجار والمجرور ظرفاً لغواً"، هذا كلامه، ونظيره ما ذكر في الكشّاف، حيث جعل الباء تارة متعلّقاً بأقرأ أو أتلو، وأخرى بالتّبرّك على معنى متبرّكاً باسم الله أقرأ، وقد يقال: إنّ جعله أي حامداً حالاً من المستكنّ في متعلّق الباء لا يخلو عن نوع تكلّف؛ فإنّ التّسمية -على ما صرّح به الشّارح في تصحيح كلام المتن- ليست من الكتاب، وإلا لم يكن لقوله: "افتتح" بالضّمير قبل الذّكر وجه، والقول بالاندراج في الشّرح دون المتن تكلّف أيضاً، إذ هو خلاف الظّاهر بلا ضرورة تدعو إليه، فالوجه أنّه حال من المستكنّ في فعل البداية أو الشّروع المقدّر بعد التّسمية، أي أبدأ أو أشرع حامداً لله تعالى، ويمكن أن يقال: لابدّ ههنا من تقدير عامل، فتقديره على وجه يتضمن اعتباراً لطيفاً أولى وأوجه، ومثل هذا كافٍ في صرف الكلام عن الظاهر مع قلّة الحذف واحتمال المقام.
الجزء 1 · صفحة 31
قوله: آثر طريقة الحال إلى آخره، قوله: "تسوية"، علّة الإيثار، وقوله: "فقد ورد"، بيان سبب إيثاره بعلّة التّسوية ورعاية التّناسب، إذ كلّ من الحديثين ينبئ عن لزوم كونهما مبدأً بهما حذراً عن وصمة البتارة، فيلزم المساواة والتّناسب بينهما في هذا الأمر، وفي بعض النّسخ بالواو فيكون حالاً من المستكنّ في آثر، أي آثر طريقة الحال لأجل التّسوية والرّعاية حال ثبوت المساواة والتّناسب في الابتداء بهما في الحديث، والنّسخة الأولى أوجه، وقوله: "فحاول"، بيان لكيفيّة الإيثار وتفريع لما تضمّنه الخبر أنّ من لزوم المساواة، وفي قوله: "قيداً للابتداء حالاً عنه" تسامح، وفيه إشعار بأنّ الحال إنّما يبيّن هيئة ذي الحال في مباشرة الفعل، وقوله: "لأنّ النّصين"، علّة لمحاولة جعل الحمد قيداً للابتداء كالتّسمية مع تقديم التّسمية، وقوله: وقد أمكن الجمع، من تتمّة التّعليل للتّعارض الظّاهري المندفع بوقوع الابتداء به حقيقة، وبالآخر بالإضافة إلى ما سواه على ما هو المتعارف، ولا حاجة إلى اعتباره فيما ذهب إليه المصنّف، لا يقال: التّسوية ههنا أيضاً غير مرعيّة إذ الابتداء حقيقة إيماء وقع بالتّسمية دون الحمد، فلا وجه للعدول عن المتعارف مع فوات التّأسّي بكتاب الله تعالى، لأنّا نقول: لمّا وقع التّسميّة قيداً للابتداء كالحمد صارا تابعين له، فكأنّه قال: أبتدئ الكتاب ملتبساً بهاتين الصّفتين، والابتداء بأحدهما حقيقة إنّما يفوّت الابتداء بالآخر إذا كانا في كلامين، وأمّا في كلام واحد سيّما على طريقة الحال فلا، مع أنّ في تقديم التّسمية عملاً بالكتاب على ما قرّره الشّارح رحمه الله، والتّأسّي المعنوي المعتبر عند أهل التّحقيق حاصل، وأقول وبالله العصمة: ههنا وجه آخر وجيه، وهو أن يجعل باسم الله حالاً من المستكنّ في حامداً، والمعنى أبتدئ الكتاب حامداً متبرّكاً باسم الله، فعلى هذا الوجه يندفع الإشكال المذكور، إذ تأخّر الحمد الصّوري
الجزء 1 · صفحة 32
يكون مجبوراً بتقدّمه الرّتبي، وقوله: "وترك العاطف"، لئلا يشعر بالتّبعيّة، بناء على أنّ العطف في عرف النّحاة تابع، فلو عطف لكان مشعراً بالتّبعيّة، فيتوهّم أنّ تابعيّته من حيث الحكم فيخلّ بالتّسوية.
قوله: وأمّا تفصيل الحمد بقوله: أوّلاً وثانياً فيحتمل وجوهاً، قيل: إن أراد باحتمال هذه الوجوه صحّة إرادتها من اللفظ فلا استقامة له، إذ صحّة الإرادة تتبع دلالة اللفظ، ولا دلالة للّفظ على شيء من هذه الوجوه، وإن أراد به إمكان حمل اللفظ على هذه الوجوه فليس ذلك من الشّرح في شيء، إذ الشّرح عبارة عن بيان مراد صاحب المتن من كلامه، لا بيان محامل يمكن حمل اللفظ عليها، بل المراد به الكثرة والتّكرار، أي حامداً له في الأوقات الكثيرة المتطاولة، وليس المراد بالثّاني الفرد اللاحق من الاثنين فقط، بل كلّ ما هو ثانٍ بالنّسبة إلى ما قبله، وهذا كما يقال: فعلت ذلك مرّة بعد أخرى، أي فعلته مراراً كثيرة، والحمد هكذا بصفة العموم للأوقات هو اللائق بالحضرة الإلهيّة، فإنّه تعالى يستحق الحمد بصفات كماله ونعوت جلاله الدّائمة له أزلاً وأبداً، وبنعمه الفائضة على عباده، المستمرة بحيث لا تزول عنهم طرفة عين، وأقول وبالله العصمة: قد تقرّر في غير هذا الفنّ أنّ من خواص التّراكيب البليغة ومزاياها، تقليل اللفظ وتكثير المعنى وصوغ الكلام في قالب الإيجاز والإطلاق ليذهب السّامع كلّ مذهب ممكن، وإليه أشار النّبي - عليه السلام - في مقام التّحديث: أوتيت جوامع الكلم)، وكذا المصنّف رحمه الله بقوله في المتن: "سالكاً مسلك الضّبط والإيجاز متشبّثاً بأهداب السّحر متمسّكاً بعروة الإعجاز"، وإذا ثبت هذا يمكن أن يقال: لا خفاء أنّ قوله أوّلاً وثانياً لا يدلّ بصريحه على معنى معيّن بحيث لا يحتمل غيره، ولا قرينة صارفة عن حمله على هذه الوجوه، وليس في كلام الشّارح ما يدلّ على أنّ هذه الوجوه هي المرادة به جزماً، ولا على أنّ احتماله إيّاها على
الجزء 1 · صفحة 33
السّويّة، ولا على أن لا يكون له محمل آخر أولى منه، بل أراد أنّ قوله: "هذا مجمل"، يمكن أن يكون مراده إحدى هذه المعاني اللطيفة المشتمل عليها السّور والآيات الكريمة أو كلّها، وأنت تعلم أن حمله على كلّ ما يمكن أن يراد به من المعاني اللطيفة اللائقة بجنابه تعالى بحسب المقام أبلغ وأشمل، لما فيه من الفخامة والجزالة، فصار كأنّه قال: كلّ ما يمكن حمل قولي عليه من المعاني المحتملة واللطائف المشتملة على المحامد على كمالاته الذّاتيّة وآلائه الواصلة إلى الأنام فهو مرادي، وبهذه العناية يندفع الإشكال المذكور، ولا خفاء أنّ ما اختاره القائل بعينه هو الوجه الثّالث من الوجوه، بل هو أعمّ من ذلك، ويجوز أن يراد به أوّلاً: على التّوفيق لتأليف المتن، وثانياً: لتأليف الشّرح، وأن يراد بأوّلاً في زمان افتتاح التّأليف وبثانياً في زمان اختتامه، وممّا ينبغي أن تتنبّه له أنّ المصنّف رحمه الله لمّا آثر طريقة الحال على ما هو المتعارف تسوية بينهما ورعاية للتّناسب، وفي المتعارف من الدّلالة على الدّوام أو الاستمرار ما ليس في هذه الطّريقة عقّب بقوله: أوّلاً وثانياً إفادة لما أفاده المتعارف، وبهذا الاعتبار ظهر أنّ الحمل على الوجه الثّالث هو الغالب المتبادر إلى الفهم واللائق بالمقام.
الجزء 1 · صفحة 34
قوله: حيث أشير في الفاتحة إلى آخره، تفصيله على ما نقل عن الشّارح رحمه الله أنّ القرآن مشتمل على خمس سور مصدّرة بالتّحميد، والفاتحة لمّا كانت أمّ الكتاب أشير فيها إلى نعمتي الإيجاد والإبقاء في دار الفناء والبقاء، أمّا إلى الإيجاد الأوّل فبقوله: {رب العالمين}، فإنّ الإخراج من العدم إلى الوجود أعظم تربية، وأمّا إلى الإبقاء الأوّل فبقوله تعالى: {الرحمن الرحيم}، أي المنعم بجلائل النّعم ودقائقها التي بها البقاء، وأمّا إلى الإيجاد الثّاني فبقوله: {مالك يوم الدين} وهو ظاهر، وأمّا إلى الإبقاء الثّاني فبقوله تعالى: {إياك نعبد} إلى آخره، فإنّ منافع ذلك تعود إلى الآخرة، والوصول إلى الجنّة وسعة الرّحمة، ثمّ أشير في كلّ من السّور الأربع الباقية إلى واحدة من النّعم الأربع، أمّا في سورة الأنعام فإلى الإيجاد الأوّل وهو ظاهر، وأمّا في سورة الكهف فإلى الإبقاء الأوّل؛ فإنّ نظام العالم وبقاء النّوع يكون بالنّبي - عليه السلام - والكتاب، وأمّا في سورة السّبأ فإلى الإيجاد الثّاني لانسياق الكلام إلى إثبات الحشر والرّدّ على منكري السّاعة، حيث قال سبحانه وتعالى: {وقال الذين كفروا لا تأنينا الساعة قل بلى وربي لتاتينكم}، وأمّا في سورة الفاطر فإلى الإبقاء الثّاني بقوله: {جاعل الملائكة رسلا}، على ما قيل أنّه إشارة إلى تلقّي الملائكة لأهل الجنّة بالتّسليم واستقبالهم بالتّبجيل والتّكريم، وقد يقال: تخصيص الإشارة في قوله تعالى: {أنزل على عبده الكتاب} إلى الإبقاء الأوّل غير ظاهر، إذ من البيّن أنّ فائدة الإنزال بالنّظر إلى الإبقاء الثّاني أوفر، والغرض المنوط به هو إنذار الكافرين بشدّة البأس، وتبشير المؤمنين بالاختصاص بالأجر الكثير في حال مكثهم فيه أبداً، وهذا في الآخرة بلا خفاء، وأنت خبير بأنّ المقصود من الإنزال المعلّل بالإنذار والتّبشير، امتثال الأوامر والانزجار عن النّواهي اللّذان ينتظم بهما أمر المعاش
الجزء 1 · صفحة 35
وبقاء النّوع أوّلاً، ويفضي بذلك إلى انتظام أمر المعاد والإبقاء في دار الخلد ثانياً، يدلّ عليه قوله تعالى: {ولم يجعل له عوجا قيما} الآية، ..
فذلك صرف الشّارح الإنزال إلى الإبقاء الأوّل فليتأمّل.
قوله: قلت معناه قصد تعظيمه ونيّة التّقرّب إليه إلى آخره، أمّا قصد تعظيمه ونيّة التقرّب إليه، فلما في تخصيصه بالثّناء عليه وحصره فيه بصرف الثّناء إلى جنابه تعالى من الإشعار بهما، وأمّا ثبوت هذا القصد في كلّ ما يصلح لذلك، من الأقوال والأفعال وصرف الأموال، فمبنيّ على شمول لفظ الثّناء إيّاها حقيقة، وهو الظّاهر من كلام الشّارح رحمه الله على ما أشار إليه في شرحه المطوّل بقوله: "وصدق الشّكر فقط على الثّناء بالجنان في مقابلة الإحسان"، ويؤيّده ما قيل أنّه عبارة عن إتيان العبد بما يشعر بالتّعظيم، أو مجازاً على ما قيل من أنّه مختصّ باللّسان، إلا أنّه كثيراً ما يطلق على ما ليس باللسان، وبما ذكرنا يندفع ما قيل أنّ ما ذكره إنّما يتمّ لو ورد إطلاق الثّناء على ما ليس باللسان لغة أو عرفاً ولم يثبت، ثمّ لا خفاء أنّ معنى قوله: ولعنان الثّناء إليه ثانياً، صرف الثّناء كلّه الصّادر من العبد إلى جنابه تعالى على وجه الحصر، على ما أشار إليه الشّارح رحمه الله تعالى بقوله: "ينبغي أن يعرض عن جانب الخلق" إلى آخره، وهو السّابق إلى الفهم، وإن كان يحتمل احتمالاً مرجوحاً أن يكون معناه صرف الثّناء إليه بجعله فعلاً له ومخلوقه، وحينئذٍ يندفع ما قاله صاحب التّرجيح، من أنّ السّؤال ليس بسديد لأنّ مراده بقوله: "ولعنان الثنّاء"، أنّ كلّ ثناء بل كلّ فعل صادر من العبد فهو مخلوق الله سبحانه وتعالى، هذا ولو حمل كلامه على أنّه إنّما أورد قوله: "ولعنان الثّناء إليه ثانياً"، للدّلالة على اختصاص الحمد به تعالى، لما في طريقة الحال من عدم الدلالة عليه، لكان أظهر وأشدّ، كما لا يخفى على من له تأمّل صادق.
الجزء 1 · صفحة 36
قوله: والابتداء أمر عرفيّ يعتبر ممتدّاً إلى آخره، في هذا التّوجيه إيماء إلى الجمع بين الحديثين من وجه آخر، لكن يرد على هذا التّقدير أن لا رجحان لإيثار طريقة الحال على ما هو المتعارف حينئذ، ويمكن أن يُقال: لعلّ هذا التوجيه إيماء إلى الجمع بين الحديثين من وجه آخر بناء على التّسليم، يعني لو سلّم أنّ ابتداء الكتاب حال التّبرّك باسم الله وقع سابقاً على حال الحمد فلا يضرّ؛ لأنّ الابتداء أمر عرفيّ يعتبر ممتدّاً من حين الابتداء في التّصنيف إلى الشّروع في البحث ويقارنه الأحوال المذكورة، ووجه الإيثار إذا كانت الأمور المتعدّدة المذكورة المعبّر عنها بالجمل واقعة في الابتداء، فبالحريّ أن تكون الأمور الواقعة جزءاً لكلام واحد واقعة في الابتداء مع وقوعها فيه على تقدير أن يكون الابتداء أمراً حقيقياً غير عرفيّ بخلاف المتعارف، فحينئذ يكون إيثار الطّريقة المذكورة على المتعارف موجّهاً، فتأمّل وكن الحاكم الفيصل، لتعثر على اندفاع ما ذكره صاحب التّرجيح.
الجزء 1 · صفحة 37
قوله: لمّا كان أجلّ النّعم الواصلة إلى آخره، أنسب بحسب المقام ممّا قاله بعض المحشّين للشّرح من أنّه لمّا كان الرّسول - عليه السلام - وسيلة إلى استحصال الكمالات من جناب الحقّ تعالى واكتساب الفوز بالسّعادات عاجلاً وآجلاً، جعل الصّلاة على الرّسول تلو الحمد لله تعالى وإن كان هو أعمّ وأشمل، ولو قال الشّارح رحمه الله بعد قوله: "في دار السّلام" ومن معظم هذا الدّين أصول الفقه لكان أوفق لما فيه من الإيماء إلى الداعي القريب للحمد والصّلاة، وفي قوله على ما في النّسخة المقرّرة إشارة إلى أنّ في النّسخة الأخرى ذكر اسم محمّد - عليه السلام - هكذا: وعلى أفضل رسله محمّداً وآله مصلّياً، والنّكتة في التّصريح باسمه التّبرّك أو الاستلذاذ أو الابتهاج والافتخار أو كلّها، وقوله: "تنويه بشأنه"، أي رفع له، يُقال: نوّهت باسمه أي رفعت ذكره، كذا في الصّحاح، وقوله: "أستعير على اصطلاح هذا الفنّ"، وفي اصطلاح البيان مجاز مرسل من تسمية المحلّ باسم الحال.
قوله: ثمّ لا يخفى حسن ما في قرائن الحمد والصّلاة إلى آخره، القرائن جمع قرينة وهي بالاشتراك تطلق على ثلاثة معان:
الأوّل: قرينة دالّة على تحصيل الدّلالة على المراد وتعيينها كما في المجاز والكناية أو على الحذف.
الثّاني: قرينة هي في النّثر بمنزلة المصراع من النّظم وهو المراد ههنا.
الثّالث: قرينة هي اقتران الصّغرى بالكبرى بحسب الإيجاب والسّلب والجزئيّة والكلّيّة ويسمّى ضرباً أيضاً.
الجزء 1 · صفحة 38
والتّجنيس وهو التّشابه في اللّفظ في قرينتي الحمد هو قوله: "ثانياً"، وفي قرينتي الصّلاة هو قوله: "مصلّياً"، وفيهما أيضاً من الطّباق ومراعاة النّظير، وقوله: "وما في القرينة الثّانية من الاستعارة بالكناية"، حيث جعل الثّناء بمنزلة المركوب مبالغة، واستعير له لفظ المركوب، وذكر المشبّه دون المشبّه به فيكون استعارة بالكناية وإثباتُ العنان تخييل، وذِكْرُ ثانياً ترشيح، وفي كونه ترشيحاً نوع تأمّل، وفيها أيضاً شبهة الاشتقاق بين الثّناء وثانياً وما في الرّابعة من التّمثيل، حيث شبّهت الهيئة المنتزعة من الصّلوات المتكثّرة المتتابعة بالهيئة الحاصلة من مجموع الأفراس للسّباق ومجيء بعضها إثر بعض، واستعيرت الألفاظ الموضوعة للثّانية للأولى، وقد يقال: يمكن أن يجعل الثّانية تمثيلاً كالرّابعة والرّابعة مكنيّة كالثّانية فتحصل الأقسام الأربعة، وقوله: "وأنّ تقديم المعمولات في القرائن" إلى آخره، أراد به ما سوى تقديم إليه، إذ هو للتّخصيص على ما مرّ في تقرير كلام الشّارح من إشارته إلى الحصر بقوله: "ينبغي أن يعرض عن جانب الخلق" إلى آخره.
قوله: مع أنّه أفعل التّفضيل، هذا على تقدير أن يكون أصله أَوْءَل على أفعل مهموز الأوسط ثمّ قلبت الهمزة واواً فأدغم، وأمّا على تقدير أن يكون وَوْءَل على فوعل ثمّ قلبت الواو الأولى همزة كما ذهب إليه قوم فلا.
قوله: وتعديته بالباء تسامح، قيل: يجوز أن يكون صلته مقدّرة أي وفّقني الله بتأليف تنقيح الأصول لتأليف هذا الشّرح فلا تسامح ولا حاجة إلى التضمين، ولا يخفى ما فيه من نوع بُعد بحسب المعنى ويأباه "أردت أن أشرح"، والتّضمين لغة: جعل الشّيء في ضمن شيء آخر، وعرفاً: أن يضمّن الفعل معنى فعل آخر فيعدّى بصلته أي يجعل فيه معنى فعل آخر، ويقدّر على طريقين أحدهما: أن يجعل الفعل المضمّن أصلاً والمضمّن فيه قيداً له وهو الأكثر والثّاني عكسه.
الجزء 1 · صفحة 39
قوله: جعل الكتاب قبل التّمام لاحتجابه عن نظر الأنام بمنزلة الشّيء المختوم، قيل: إنّه استعارة تمثيليّة حيث جعل كتمان الكتاب عن النّاظرين قبل التّمام وعرضه عليهم بعده بمنزلة شيء مختوم لا يطّلع على باطنه ثمّ حصل الاطّلاع عليه بفضّ الختام عنه، والظّاهر من عبارة الشّرح أنّ ههنا استعارتين، أحدهما: استعارة لفظ الشّيء المختوم للكتاب في احتجابه عن النّظر وهو استعارة بالكناية، وإضافة الختام إليه تخييل، والثّانية استعارة فضّ الختام لعرض الكتاب على الطّالبين، كاستعارة نقض الحبل لإبطال العهد، وظاهر أنّها ليست بمرادة، بل المراد استعارة الختام لما يكتم به الكتاب، وهذه استعارة مصرّحة على ما اعتبره الزّمخشري في قوله تعالى: {ينقضون عهد الله} حيث قال: "ساغ استعمال النّقض في إبطال العهد من حيث تسميتهم العهد بالحبل على سبيل الاستعارة"، فنبّه الشّارح رحمه الله بقوله: "ثمّ جعل على أنّ هذه الاستعارة مبنيّة على جعل الكتاب قبل التّمام بمنزلة الشّيء المختوم".
قوله: والصّواب لم يسبقني إلى مثله، الصّواب بناء على ما ذكره من أنّ المصنّف كثيراً ما يتسامح في صلات الأفعال ميلاً منه إلى جانب المعنى حمله على التّسامح أو التّضمين، ولذا حمل بعض المحشّين على تضمين معنى الغلبة وبعضهم على معنى الاقتدار، أي لم يغلبني عليه أحد أو لم يسبقني مقتدراً عليه، وإقحام المِثل إمّا للتّفخيم أو الكناية كما في: مثلك لا يبخل، وليت شعري ما الدّاعي إلى عدم حمله على التّضمين؟ هذا وفي بعض النّسخ لم يسبقني إلى مثله أحد،
وقوله: سبقت العالمين إلى المعالي، مصراعٌ تمامه على ما قيل: بصائب فكرة وعلوّ همّة، وبعده: ولاح لي بحكمتي نور الهدى في ليال للضّلال مدلهمّة، يريد الجاهلون ليطفئوه ويأبى الله إلا أن يتمّه، وهذه الأبيات لعمر الخيام.
الجزء 1 · صفحة 40
قوله: والعائد محذوف إلى آخره، قدّم هذا الوجه على الثّاني لما فيه من قلّة المؤنة مع شيوع حذف العائد إلى الموصوف فيكون البلوغ حينئذ متعدّياً بنفسه، بخلاف الثّاني فإنّه يحتاج فيه إلى مزيد تكلّف من اعتبار وضع المُظْهَر موضع المُضْمَر، وكون البلوغ لازماً، وتضمين معنى الوصول مع خفاء القرينة بالنّسبة إلى الأوّل، وفي قوله: "تلك" بلفظ البعيد من تفخيم غاية التّدقيق ما لا يخفى.
قوله: وضع اسم الإشارة موضع المضمر، قيل: النّسخة المقروءة على المصنّف، سمّيته، فيكون على وفق الظاهر حينئذ.
قوله: افتتاح غريب، حيث لم يعهد من مشاهير فضلاء الدّهر الافتتاح بمثل هذا الأسلوب، واقتباس لطيف، حيث اقتبس الآية الكريمة بلا تصرّف قطّ، وبيّن الكلم الطّيب بالمحامد الّتي أشير في الحديث النّبويّ إلى أنّها المرادة بالكلم الطّيب وجعلها ثابتة الأركان راسخة الأساس والبنيان، مسقيّة بزلال اليقين والإيمان، مزهرة فروعها وهي الأعمال الصّالحة بأزاهير القبول والاستحسان، مثمرة بأنواع ثمار درجات الارتقاء إلى معالي الكمالات الحسان، مقرونة بحسن ظنّ القبول من جناب الرّؤوف الرّحمن، وفي وصف المحامد تلميح إلى الآية الكريمة الأخرى وهو قوله تعالى: {ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء}، وإلى معنى آخر الآية المذكورة وهي قوله تعالى: {والعمل الصالح يرفعه}، ثمّ ذكر الشّارح رحمه الله للإتيان بالضّمير قبل الذّكر وجوهاً ثلاثة:
الأوّل: محصوله ما ذكره المصنّف بقوله: "ليدلّ على حضوره في الذّهن"، قدّمه لانسياقه إلى الذّهن بسهولة ولذا عبّر عنه بالدّلالة.
والثّاني: كما يكون نكتة للإتيان به قبل الذّكر يكون نكتة للتّقديم بنوع تغيير يدلّ عليه قوله: "إذ له العظمة والجلال" إلى آخره، ولمّا كان هذا الوجه سابقاً إلى الفهم بالنّسبة إلى الثالث عبر عنه بالإشارة،
الجزء 1 · صفحة 41
وعن الثالث: بالإيماء، ويمكن جعل هذا الوجه أيضاً نكتة للتّقديم المشعر بكمالي العناية وكونه نصب عين المتكلّم، لا سيّما الشّارع في أصول الشّريعة كما أشار إليه بقوله: "يقتصر على طلب رضاه" إلى آخره.
قوله: لأنّا نقول، لا يخفى على ذي مُسكة، أنّ الجواب على اختيار الشّق الثّاني من التّرديد، وما سبق إلى بعض الأوهام من أنّه جواب على اختيار الشّق الأوّل منه، أو الوجهان الأوّلان على اختيار الثّاني والثّالث على اختيار الأوّل، يردّه قوله: "يكفي في العمل بالسّنة" في مقابلة "ترك العمل بالسّنة".
قوله: أو تكتب على قصد التّبرّك من غير أن تجعل جزءاً من الكتاب، يدلّ على كون الإضمار قبل الذّكر بهذا التّقدير ما نقل عنه من قوله: إنّا قاطعون بأنّ من لم يجعل التّسمية جزءاً من السّورة لم يجعل {إنا انزلناه في ليلة القدر} التفاتاً، ولم يجعل {الم الله} من قبيل وضع الظّاهر موضع المضمر.
قوله: الصّعود الحركة إلى العالي مكاناً، يريد أنّه شبّه توجّه الكلم الطّيب إلى جنابه العالي قدراً وعزّة، بالحركة إلى العالي مكاناً وجهة، فتكون استعارة تحقيقيّة تبعيّة، ونظيره قول الشّاعر:
ويصعد حتّى يظنّ الجهول بأنّ له حاجة في السماء
والجامع الميل إلى العلوّ.
الجزء 1 · صفحة 42
قوله: والكلم من الكلمة بمنزلة التّمر من التّمرة إلى آخره، إزالة لما عسى يتوهّم من كلام المصنّف أنّه اختلف في أنّه جمع صناعي أم لا؟ وتوفيق بين القول بأنّه جمع وبينهبعدمه يعني أنّ من يقول أنّه جمع أراد به ما هو على حدّ تمر، وركّب ممّا يطلق عليه لفظ الجمع بالمعنى الجنسيّ الفارق بينه وبين واحدة التّاء كتمر وتمرة ونخل ونخلة، أطلق عليه لفظ الجمع نظراً إلى المعنى وإلى أنّ له لفظاً يطلق على الواحد مثل كلمة وتمرة، ومن يقول أنّه ليس بجمع أراد أنّه لا يكون على حدّ رجال وأفراس من الجمع المصطلح بدليل رجوع ضمير المفرد إليه كقوله تعالى: {يحرفون الكلم عن مواضعه}، ووقوع المفرد صفة له وانتفاء كون فَعِلْ من أبنية الجمع وإلى هذا التّوفيق أشار بقوله: "فلا ينبغي أن يشكّ" إلى آخره.
قوله: ففي قوله: "والكلم إن كان جمعاً" حزازة، نقل عن الشّارح رحمه الله في بيان كونه حزازة، أنّه يشعر بالتّردد ولا تردّد، إذ لو أريد الجمعيّة بمعنى الجنسيّة فهي بائنة، صرّح به صاحب الصّحاح والمصباح، والجمعيّة اللفظيّة منتفية بشهادة الكلم الطيب، لتصريحهم بامتناع وصف الجمع بالمفرد، وأنّه الفارق بينه وبين اسم الجمع، وهذا محصّل ما ذكر في الشّرح، ولذا فرّع حزازة بالفاء على ما قرّره، واعتذر عنه بأنّ كونه غير مستعمل إلا في الكثير، وكونه كثيراً ما يسمّى جمعاً يصلح محلاً للتردّد، وأنت خبير بأنّه إنّما يصلح عذراً أن لو كان له نظير في أبنية الجمع أو شاهد في الجملة، وقوله: "والصّواب وإن كان بالواو"، إيماء إلى التّفرقة بين إن الشّرطيّة، والّتي هي لمجرّد الوصل والرّبط؛ فإنّه ليس فيها تردّد أصلاً، وبه ظهر ضعف توجيه القاضي.
الجزء 1 · صفحة 43
قوله: وهو مقابلة الجميل من نعمة أو غيرها، المشهور في تعريف الحمد أنّه هو الثّناء باللّسان إلى آخره، والشّارح رحمه الله حمل عليه مقابلة الجميل وعرّفه بها بناء على أنّ مقابلة الجميل بالثّناء والتّعظيم نوع من الثّناء أيضاً، فقيّد المقابلة بالجميل ليخرج مقابلة القبيح بالثّناء وهو الاستهزاء، و"من نعمة أو غيرها" بيان للجميل، والمراد بالنّعمة هي المزيّة المتعدّية من المواهب والعطايا كما هو المشهور، وبغيرها المزيّة المتعدّية من الكمالات التي اتّصف المحمود بها، وبالثّناء متعلّق بالمقابلة وبقيد التّعظيم خرج مثل: فلان عالم نحرير قرأ عليّ، فإنّه لا يسمّى حمداً، وبتقييد التّعظيم باللسان أشار إلى خصوص المفرد كما أشار بقوله: "أو غيرها" إلى عموم المتعلّق، وبه خرج من أنواع الشّكر ما لا يكون باللسان من مقابلة الجميل بالعمل أو الاعتقاد، وبقوله: "أو غيرها" ما له اختصاص بمقابلة النعّم من الشّكر اللساني، ثمّ التّعريف المذكور لاشتماله على الأمور الثّلاثة المعتبرة في ماهيّة الحمد: المحمود والمحمود به الجميل، وكون الثّناء باللسان على قصد التّعظيم، الّتي أشير إلى الأول منها بقوله: "الجميل"، وإلى الثاني بقوله: "بالثناء"، وإلى الثالث بقوله: "والتّعظيم"، أولى ممّا أورده في شرح تلخيص المفتاح، إلاّ أنّه لم يورد قيداً يحترز به عن المدح.
الجزء 1 · صفحة 44
قوله: والشّكر مقابلة النّعمة بالإظهار إلى آخره، فقوله: "مقابلة النّعمة"، إشعار بخصوص المتعلّق، وتعميم التّعظيم إشعار بعموم المورد، وفوائد القيود واضحة سوى قوله: "بالإظهار" فإنّه إن أراد به إظهار النّعمة بالإعلام لغير المنعَم بوصولها إليه من المنعِم يلزم أن لا تكون المقابلة بتعظيم المنعم من جهة الاعتقاد أو القول أو العمل بلا إظهار لغيره شكراً، وإن أراد به إظهارها للمنعِم أو مطلقاً فكذلك، واللازم منتفٍ، وإن أراد إظهارها في نفس المنعَم عليه بحيث يظهر فيه أثرها قولاً أو عملاً أو اعتقاداً فهو مستفاد من قيد تعظيم المنعم، والقول بأنّه تفسير له لا يجدي نفعاً، وبالجملة لا طائل تحت قوله: "بالإظهار"، ويمكن أن يقال: المعتبر في العرف أنّه لابدّ في تحقّق معنى الشّكر من الإظهار لغير المنعَم عليه في الجملة، بدليل تقييدهم الفعل في تعريفه بالإنباء، ومن ثمّ احتاجوا في التّقصّي عن الإشكال الوارد على كون الاعتقاد منبئاً إلى العذر.
قوله: والشّرع والشّريعة ما شرع الله لعباده، أراد بالعباد: المكلّفين حيث يقال: تعبّده واستعبده إذا كلّفه أمره ونهيه، والدّين: الطّاعة، قال زهير:
لئن حللت بواد في بني أسد في دين عمرو وحالت بيننا فدك ويحتمل أن يراد ما هو المصطلح وهو: وضع إلهي سابق لذوي العقول باختيارهم المحمود إلى الخير بالذّات، وبنسبة الشّرع إليه تعالى لا يتّجه أن يقال: الدّين مقول بالاشتراك على الحقّ والباطل، كقوله تعالى: {ام لهم شركاوا شرعوا لهم من الدين}، وقوله تعالى: {لكم دينكم ولي دين}، فلا يجوز في التّعريف إيراده.
الجزء 1 · صفحة 45
قوله: جعلها، أي الشريعة، "على طريق الاستعارة المكنيّة"، حيث شبّهت الشّريعة بروضات وجنان في الصّفاء والانتفاع بها بأنواع المنافع، فذكر المشبّه وهو الشّريعة دون المشبّه به، فتكون استعارة بالكناية، وإثبات ما يخصّ به من لوازمه تخييلا، وكذا شبّه قبول العبادة بمهبّ ريح الصّبا في كونه محلاً لنيل الاستراحة، فذكر المشبّه دون المشبّه به فتكون استعارة مكنيّة أيضاً، وإثبات ريح الصّبا تخييلا، وإنّما لم يقل جعلها بمنزلة نهر مع أنّه أشدّ ملاءمة للمشارع من الرّوضة لأنّ المحامد أصولها وفروعها إنّما هي نفس الشّريعة، فلا يستقيم جعل أصولها مسقّية من نهر الشّريعة، بل المناسب جعل أصول أشجار المحامد مسقيّة من زلال يسقى به الشّرع، وبهذا التّقرير سقط ما قيل: الأولى أن يجعل الشّرع بمنزلة النّهر الجاري، ولله درّ الشّارح العلامة رحمه الله ما أدقّ نظره.
قوله: لم يسمع له ثان، هذا هو المحكيّ عن أبي عمرو بن العلاء حيث قال: القبول بالفتح مصدر لم أسمع غيره، وقال الجوهريّ في الصّحاح: "والوضوء بالفتح الماء الّذي يتوضّأ به، وهو أيضاً المصدر مثل الولوع والقبول، ونقل عن اليزيديّ أنّ الوضوء بالضّم المصدر، وعن غيره القَبول والوَلوع مفتوحان، وهما مصدران شاذّان، وما سواهما من المصادر فمبنيّ على الضّم".
قوله: ثمّ في وصف المحامد بما ذكر تلميح إلى آخره، التّلميح: هو أن يشار إلى قصّة أو شعر أو مثل، وأشير ههنا إلى مثل، وقوله: "فالمحمدة شجرة"، إشارة إلى أنّ فيه استعارة مكنيّة، حيث شبّه المحامد بأشجار طيّبة، واستعير الأشجار لها، ورمز إليها بإثبات شيء من لوازمها، فتكون استعارة بالكناية، وإثبات الأصول للمشبّه تخييليّة، والفروع ترشيح.
الجزء 1 · صفحة 46
قوله: بل ما يشعر بتعظيمه إلى آخره، لا يقال على هذا التّفسير: لم يبق فرق بين حمد الله وشكره، المعرّف بصرف جميع ما أنعم الله عليه من السّمع والبصر وسائر الجوارح إلى ما خلق له، وهذا معنى ما ذكره في تعريف الحمد، وقد تقرّر في موضعه أنّ الحمد العرفيّ أعمّ مطلقاً، وأنّ فعل القلب أو اللسان وحده قد يكون حمداً، فالأولى أن يقال: أو التّرجمة أو الإتيان بأو بدل الواو لأنّا نقول: ليس في كلامه ما يدلّ على أنّ الحمد عبارة عن مجموع ما يشعر بتعظيمه، غاية ما في الباب أنّه بيّن ما يشعر بما صدق عليه من الأفراد، وفي قوله: "إلا أنّ حمد الله تعالى بإضافة الحمد إليه تعالى"، إشارة إلى أنّ الحمد العرفيّ ليس مخصوصاً بالله تعالى، بل متناول له ولغيره، بخلاف الشّكر العرفيّ.
الجزء 1 · صفحة 47
قوله: وجميع ذلك إلى آخره، إشارة إلى كلّ من الشّريعة وأصولها وفروعها ومباني أصولها وتمهيد مبانيها ومعاني فروعها ودقّة معانيها، ثمّ الشارح رحمه الله علّل كون الجميع نعماً تستوجب الحمد بكون الشّريعة موصلة إلى نظام العالم وثواب العقبى، وبكون دقّة معاني الفقه مؤدّية إلى رفعة درجات العلماء، ولا يذهب عليك أنّه طبّق الدّليل على ما ادّعاه غاية التّطبيق بيانه أنّ الشريعة تشتمل على الفقه المستنبط من المعاني الجزئيّة المندرجة تحت الأدلّة الأربعة المبتناة على المباني الممهّدة، وأنت خبير بأنّ بالمباني الّتي هي علم الكلام تثبت الأدلّة الكلّيّة الّتي هي الكتاب والسّنّة والإجماع والقياس، ومن هذه الأربعة تستنبط المعاني الجزئيّة الّتي تثبت بها كلّ مسألة، مسألة هي الفقه الذي به نظام الدّنيا وثواب العقبى، فثبت أنّ لكلّ من المباني وتمهيدها والأصول والمعاني ودقّتها مدخلا في النّظام والثّواب، إلا أنّه نبّه على أنّ لدقّة المعاني جهة أخرى في كونها نعمة مستوجبة للحمد، وهي اتصالها إلى رفعة درجات العلماء، هذا ولكن بقي ههنا شيء، وهو أنّه لم يتعرّض لبيان معنى الحواشي ورقّتها؛ لأنّ المصنّف فسّر الرّقّة باللّطف والحواشي بالأطراف والجوانب، وكان ينبغي أن يعيّن المراد بها ههنا، وقيل: يمكن أن يراد بها ظواهر الأحكام، وبرقّتها: سهولتها بالنّسبة إلى تكاليف الأمم الماضية، على ما نبّه عليه الشّارع بقوله: بعثت بالملّة الحنيفيّة) السّمحة: السهلة البيضاء؛ فإنّ التّكاليف تظهر من الأحكام ظهور الحواشي والأطراف من الأجسام فسمّاها حواشي، أو لأنّ الأحكام تنتهي إلى تكاليف متعدّدة انتهاء الأجسام بأطرافها وجوانبها، ويحتمل أن يراد بها الأصول المستندة إلى الشّارع والمكلّف، ولا يخفى لطفهما ولطف هذا الوجه وتكلّف الوجه الأوّل، هكذا ينبغي أن يحقّق المقام.
الجزء 1 · صفحة 48
قوله: وفي هذا الكلام إشارة إلى آخره، اعترض عليه بأنّ كون معرفة شيء موقوفة على معرفة شيء آخر لا يقتضي فوقيّة الموقوف عليه في الشّرف، ألا ترى أنّ معرفة الكتاب والسّنّة موقوفة على معرفة العربيّة، مع أنّها ليست بأشرف منهما، بل هي آلة، والآلة ليست بأشرف من ذي الآلة، ويمكن أن يقال: إنّ توقّف معرفة الأحكام الجزئيّة من أدلّتها التّفصيليّة على معرفة أحوال الأدلّة الكلّيّة توقّف قريب، بحيث يتوصّل بها إلى الأحكام، على ما سيصرّح به المصنّف في تعريف أصول الفقه، والمقصود الأصلي من الأدلّة إنّما هو معرفة الأحكام الشّرعيّة، والأدلّة الكليّة أيضاً مقصودة بذواتها، ولذا سمّيت أصولاً يبتنى عليها الأحكام، بخلاف العربيّة فإنّها ليست أصولاً لها، ولم يكن الغرض من تدوينها الإيصال إليهما فقط، وبخلاف الوسيلة والآلة فإنها ليست مقصودة بذاتها، وبهذا الاعتبار يستقيم الاستدلال بالتّوقّف على فوقيّة الموقوف عليه وإلى هذه الدّقيقة أشار الشّارح رحمه الله بقوله: "من حيث توصل إلى الأحكام الشّرعيّة".
الجزء 1 · صفحة 49
قوله: علم الكلام الباحث عن أحوال الصّانع إلى آخره، ظاهره يدلّ على أنّ موضوع علم الكلام ذاته تعالى والنّبوّة والإمامة والمعاد وما يتّصل بذلك، ولم يقل به أحد، بل المراد أنّ موضوعه ذاته تعالى على ما هو اختيار القاضي الأُرمَويّ. من المتأخرين، يبحث فيه عن أعراضه الذّاتية التي هي صفاته الثبوتية والسلبية وأفعاله في الدنيا كإحداث العالم، وفي الآخرة كالحشر وأحكامه فيهما كبعث الرسول ونصب الإمام في الدنيا والثواب والعقاب في الآخرة، ومن هذا التقرير يعلم أنّ النّبوة والإمامة والمعاد وغير ذلك من الأعراض المبحوث عنها، ويبحث أيضاً عن أعراض كلّ منها، وسيجيء في كلام الشّارح أنّ موضوع العلم ما يبحث فيه عن أعراضه الذاتية، أو عن أعراض أنواعه، أو عن أعراض أعراضه، أو عن أنواع أعراض أعراضه، وأراد بما يتّصل بذلك سائر السّمعيّات من الصراط والميزان وصحف الأعمال وغير ذلك ممّا يتعلّق بأمر الآخرة، والولاية وكرامة الأولياء وخلق الأعمال ممّا يتعلّق بأمر الدّنيا، وقيّد بكونها على قانون الإسلام أي الطّريقة المعهودة المسمّاة بالدّين والملّة، والقواعد المعلومة قطعاً من الكتاب والسّنة والإجماع، وقيل أصوله من الكتاب والسّنة والإجماع والمعقول الموافق لها احترازاً عن علم الفلسفة، هذا إلا أنّه اختار في شرح المقاصد أنّ موضوعه المعلوم من حيث تتعلّق به العقائد الدّينيّة، وهو اختيار المحقّقين وإليه ذهب صاحب المواقف، وذهب صاحب الصحائف إلى أن موضوعه ذاته تعالى وذات الممكنات، وقيل: الموجود من حيث هو موجود،.
وهو اختيار حجّة الإسلام ومن تبعه، وردّه صاحب المواقف من وجهين، وردّ أيضاً قول من يجعل موضوعه ذاته تعالى من وجهين، والكلّ مذكور مستوفى في المواقف وشرح المقاصد فليطلب هناك.
الجزء 1 · صفحة 50
قوله: بمنزلة البدل إلى آخره، الجملة النّازلة منزلة البدل هي: إذا كان الكلام السّابق غير وافٍ لتمام المراد، أو كون الوافي والمقام مقام اعتناء بشأنه، إمّا لكونه مطلوباً في نفسه أو ما شاكل ذلك ممّا له جهة استدعاء الاعتناء بشأنه، فيعيده المتكلّم بنظم أوفى منه على نيّة استئناف القصد إلى المراد، ليظهر بمجموع القصدين إليه مزيد الاعتناء بشأنه، ولمّا كان مضمون الجملة الأولى الّذي هو جعل العلم الذّي هو بصدده ممهّدة المباني، رقيقة حواشي فروعه دقيقة معانيها، إشارة إلى عظم أمره ودلالة على جلالة قدره كغير الوافي لكونه مجملاً، عيّنه بجملة "فيها تفصيله" اعتناء بشأنه لكونه مطلوباً في نفسه، وترك العطف بينهما لكون الثّانية من الأولى منزلة بدل البعض من الكلّ.
الجزء 1 · صفحة 51
قوله: شبّه الأحكام الشّرعية بقصر إلى آخره، اعتبر الشّارح رحمه الله وجه الشّبه كون كلّ من المشبّه والمشبّه به مأمناً من الغوائل، واعترض بعض من تصدّى لتحشية الشّرح بأنّ الظّاهر أنّ وجه الشّبه هو الابتناء على الأركان الأربعة، وجعل وجه الشّبه كون كلّ منهما ملجأ ومأمناً يلتجئ إليه من غوائل العدوّ، ممّا لا يخفى على الفطن بعده، ويمكن أن يقال في دفعه: إنّ ضرورة وجه الشّبه هو الابتناء ممّا يأباه كلام المصنّف وينفيه سداد المعنى، إذ يصير معنى الكلام على هذا التّقدير: هكذا بنى على أركان أربعة الأحكام الشّرعيّة الشّبيهة بقصر في ابتنائها على أدلّة أربعة، ولا يخفى عدم استقامته على من له أدنى تنبّه، وأمّا على ما ذكره الشّارح فالمعنى: بنى الأحكام الشّرعيّة الشّبيهة بقصر في كونها مأمناً وملجأ على أركان أربعة، وهذا ممّا لا اشتباه في سداده واستقامته، لكن بقي ههنا بحث، وهو أنّه يمكن أن يقدّر التّشبيه بوجه آخر، وهو أن يشبّه المعاني الجزئيّة التي هي أدلة تفصيلية، بقصرٍ في اشتمالها على الأحكام وإحاطتها اشتمال القصر على ما فيه وإحاطته به، ويذكر المشبّه به ويراد به المشبّه، فتكون استعارة مصرّحة، ولمّا كانت الأدلّة الجزئيّة على كثرتها راجعة إلى الأصول الأربعة، صارت الأصول لها بمنزلة أركان القصر، وإنّما عدل الشّارح رحمه الله عن هذا الاعتبار مع وضوحه نظراً إلى أنّ الأدلّة الجزئيّة هي الأصول الأربعة لا فرق بينهما إلا بالإجمال والتفصيل، ولله درّه ما أدقّ نظره وما أثبت فكره.
الجزء 1 · صفحة 52
قوله: على التّرتيب الّذي بنى الشّارع الأحكام عليها من تقديم الكتاب، أي بقوله: وكشف القناع عن جمال مجملات كتابه، ثمّ السنّة أي بقوله: بسنّة نبيّه المصطفى، ثمّ الإجماع أي بقوله عقيبه: بإجماع المجتهدين، وإنّما قال: ثم العمل بالقياس بزيادة قيد العمل ليستقيم العطف على التّقديم، إذ بدونه لا يصحّ العطف عليه ولا على الإجماع، ولو قال بدل قوله: "من تقديم"، من ذكر الكتاب ثمّ السّنة ثمّ الإجماع ثمّ القياس، لم يحتج إلى هذا التّكلّف، وقيل: إنّما خصّ القياس بذكر العمل هنا دون أخواته تنبيهاً على أنّ العمل كما أنّه مقصود في القياس مراد هنالك أيضاً، لكن ترك ذكره فيها إيهاماً بأنّها في حدّ ذاتها مطلوبة، بحيث لا ينبغي أن يكون العمل فيها ملحوظاً لأحد ومشروطاً بالغير، في كونها مقصودة بالنّظر إلى أنفسها بخلاف القياس؛ فإنّ الحكم ثمّة لا يظهر فيه إلا بعمل القياس، وكأنّ العمل فيه مأخوذاً بهذا الاعتبار، فكيف يكون مقطوع النّظر مع كونه مأخوذاً في ماهيّته؟
الجزء 1 · صفحة 53
قوله: ثمّ ذكر بعض أقسام الكتاب، يعني النّص والمحكم والمتشابه والمجمل، والشّارح رحمه الله أشار بقوله: "كذلك قصر الأحكام يشتمل على محكم هو غاية في الظّهور"، إلى مناسبة أخرى بين الأدلّة وبين القصر وإلى المعاني المصطلحة لتلك الأقسام وإلى أحكامها بالمحكمات أي إتقانها بحيث أمنت من النّسخ والتّبديل، كما أحكم القصر بتشييد بنيانه بحيث أمن من الفسخ بسهولة، ثمّ أشار إلى أنّ في كلام المصنّف تمثيلاً لطيفاً، حيث جعل الشّارع في بيان الأحكام على وجوه مختلفة بمنزلة ربّ القصر، فكما أنّ له في قصره موضعاً ظاهراً أذن في دخوله للعوامّ والخواصّ بحيث لا مانع من الوقوف على الأمور الكائنة فيه، وآخر أذن للخواصّ في دخوله ومعرفة الأمور فيه دون العوامّ، وآخر يمنع من دخوله ومعرفة الأمور فيه الخواصّ والعوامّ، ولا يمكن الاطّلاع على تلك الأمور إلا بإعلامه، إلا أنّها ممّا يجوز إعلامها، وآخر ممّا يمنع من الدّخول والمعرفة ولا يجوز الإعلام بما فيه، كذلك للشّارع أحكام منها ما يستفاد من عبارات ودلالتها بمجرّد الالتفات إليها ويشترك فيها المجتهد وغيره، ومنها ما يختصّ بالمجتهد بحيث يتمكّن من إدراكه ببذل الجهد واستفراغ الطّوق، ومنها ما لا يدرك إلاّ ببيان الشّارع ويجوز بيانه كالمجمل، ومنها ما لا حظّ لأحد في دركه بل استأثره في علمه الأزليّ، هذا إلا أنّه لمّا كانت الأحكام مشبّهة بالقصر، نسب الاشتمال على المحكمات والمتشابهات وغيرهما إليها تجوّزاً رعايةً لكمال المناسبة بينها وبين المشبّه به وإن كانت الأدلّة مشتملة عليها حقيقة، وبهذا يندفع اعتراض صاحب التّرجيح، نعم كان الأنسب ترك لفظ قصر في قصر الأحكام مع ذكر "كما يشتمل القصر".
الجزء 1 · صفحة 54
قوله: جعل خيام الاستتار مضروبة على المتشابه، إشارة إلى أنّ المتشابهات جعلت كالمخدّرات الحسان الوجوه المحجوبة في سرادقات خيام الاستتار بحيث لا يصل إليها شائبة من اللّحاظ على طريقة الاستعارة بالكناية والتّخييل، وقوله: "بحيث لا يرجى بدوّه وظهوره"، أي بدوّ معناه وظهور المراد منه إشارة إلى ما به المشابهة، ثمّ إنّه رحمه الله عدل إلى الإفراد لنكتة، وهي إمّا التّنبيه على أنّ مراد المصنّف بقوله: وجعل المتشابهات أنّ كلا من خيام الاستتار مضروبة على كلّ من أفراد المتشابه، مبالغة في نفي الوقوف على المراد منه، على ما عليه أئمة الأصول من بطلان الجمعيّة بدخول لام الاستغراق، لا أنّ كلّ فرد من المتشابه تحت فرد من أفراد الخيام، على ما يقتضيه مقابلة الجمع بالجمع من انقسام الآحاد على الآحاد، فتكون اللام في المتشابه حينئذ للاستغراق، وأمّا القصد إلى الجنس، أي جعل خيام الاستتار كلّها مضروبة على جنس المتشابه، قصراً للمسافة بتعيين المراد، إذ استتار جنس المتشابه تحت الخيام يستلزم استتار كلّ فرد منه على الطّريقة البرهانيّة فتكون اللام للجنس، وإنّما آثر المصنّف الجمع محافظة على المشاكلة للمحكمات.
الجزء 1 · صفحة 55
قوله: على ما هو المذهب، إشارة إلى ما هو المختار، وهو مذهب عامّة الصّحابة والتّابعين وعامّة متقدّمي أهل السنّة من أصحابنا وأصحاب الشّافعي رحمه الله، وهو اختيار القاضي أبي زيد وفخر الإسلام وشمس الأئمّة وجماعة من المتأخّرين، قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: "انتهى علم الرّاسخين في العلم بتأويله إلى أن قالوا: {ءامنا به كل من عند ربنا} "، ولذا حصر الشّارح رحمه الله بأنّه هو المذهب ولم يلتفت إلى الخلاف، وذهب أكثر المتأخّرين إلى أنّ الرّاسخ يعلم تأويله، وقوله: "وفائدة إنزاله ابتلاء الرّاسخين"، أي الّذين حقّقوا العلم وعملوا به على ما ورد به السّنة من أنّ الرّاسخ من برّت يمينه وصدق لسانه واستقام قلبه وعفّ بطنه وفرجه، وابتلاء الرّاسخين كما قال فخر الإسلام: "أعظم بلوى وأعمّ نفعاً وجدوى"، أمّا أنّه أعظم بلوى فلأنّ الإطاعة مع العجز عن إدارك ما وجب عليه أدخل في كونه عبادة ممّا عرف حكمته، ولأنّ الابتلاء بالوقف ينشأ من العبوديّة، والابتلاء بالإمعان ينشأ من العبادة، والعبوديّة لكونها عبارة عن الرّضى بما يفعل الرّبّ أفضل من العبادة الّتي هي الفعل بما يرضى به الرّبّ، وأمّا أنّه أعمّ نفعاً أي في الدّنيا فلسلامة صاحبه عن الوقوع في الزّيغ بسبب اتّباع المتشابه، وأمّا أنّه أعمّ جدوى أي في الآخرة فلكونه أكثر ثواباً بسبب كونه أكثر ابتلاء موجباً لشدّة الصبر كذا في شرح البزدويّ.
الجزء 1 · صفحة 56
قوله: وفي هذا الكلام نوع حزازة إلى آخره، قيل: المراد بأبكار الأفكار ليس هو المعاني الظّاهرة بالنّصوص والأحكام المستفادة منها وضعاً، بل المعاني المستنبطة منها وهي نتائج أفكارهم، والنّصوص منصّة لها باعتبار ظهورها منها بإعمال القرائح ظهور العروس على المنصّة، وربّما يؤيّده كلام المصنّف رحمه الله في بيان المسالك، وهو قوله: ومسالكهم هي مواضع سلوكهم بأقدام الفكر من موارد النّصوص إلى الأحكام الثّابتة في الفروع، فمبدأ سلوكهم هو لفظ النّص فيعبرون منه إلى معانيه اللّغويّة الظّاهرة ثمّ منها إلى معانيها الشّرعيّة الباطنة، فيجدون فيها علامات وأمارات وضعها الشّارع ليهتدوا إلى مقاصدهم، فتكون النّصوص محالّ ظهور المقاصد الّتي هي نتائج أفكارهم، فحينئذ لا حزازة في كلام المصنّف، بل هي إنّما جاءت من حمل كلامه على محمل بعيد لم يسبق إليه الفهم، هذا كلّه على تقدير أن يكون المراد بأبكار الأفكار نتائج أفكارهم، ويجوز أن يراد بها الأفكار القويّة الّتي لم يعرض لها شائبة من الفتور، فيكون المراد بالعرائس هي الأحكام الشّرعيّة المستفادة من النّصوص الّتي جعلها الشّارع منصّة الأحكام التّي رفعت لجلوة المتفكّرين فيها، لاستنباط الأحكام في الفروع، ويؤيّده ما ذكره المصنّف تأييداً ظاهراً مكشوفاً، وبهذا يستقيم الكلام بلا حزازة، ويتخلّص من مؤنة التّكلّف في التّوجيه بغير حاجة، وعلى هذا يكون في عرائس أبكار أفكار المتفكّرين استعارة مصرّحة، حيث استعيرت الأبكار للأفكار القويّة، وذكر عرائس ومنصّة ترشيح لها، وأمّا على ما ذكره الشّارح فيكون من قبيل لجين الماء فليتأمّل في هذا المقام فإنّه من مزالّ الأقدام.
الجزء 1 · صفحة 57
قوله: شَبَهٌ بِهَا عباراتُهُ، أي بعضها إذ ليس جميعها صعبة، ولا خفاء في أنّ هذه الإضافة من إضافة المشبّه به إلى المشبّه كما في لجين الماء، وكذا في كنوز معانيه، إلا أنّ التّشبيه الأوّل إنّما يحسن الحسن الكامل بعد أن جرى العادة بتشبيه المعاني بالجواهر النّفيسة، وأشار إليه بقوله: "المعاني التي هي بمنزلة الجواهر النّفيسة".
قوله: والكلام لا يخلو عن تعريض، أي إشارة من عرض الكلام أي جانبه، إلى أنّ في أصول فخر الإسلام زوائد بقوله: "تنقيحه"، وشتائت أي مسائل غير مراعى فيها التّرتيب بقوله: "تنظيمه"، ومغالق أي مواضع إغلاق، بقوله: "تبيين مراده وتفهيمه"، وأنّه غير مبني على قواعد المعقول بقوله: "وعلى قواعد المعقول تأسيسه"، وأنّ في تقسيماته أقساماً متداخلة بقوله: "وتقسيمه"، وقوله: "ممّا لم يلتفت إليه المشايخ"، لأنّهم تحاشوا عن مراعاة اصطلاح أهل المعقول في الحدود بل ذكروا تعريفات في تصانيفهم يوقف بها على المراد ومعنى اللفظ كما هو اللائق بالفقه، وكذا في الأقسام حيث لم يريدوا بها حقيقة الأقسام، بل أرادوا بها التّقسيمات تركاً منهم للتّكلّف، واحترازاً عمّا لا يعنيهم لحصول مرامهم دونها كذا قيل.
الجزء 1 · صفحة 58
قوله: بل هو عبارة عن كون الكلام بحيث لا يمكن معارضته والإتيان بمثله، لا يخفى أنّ هذا تفسير لمفهوم الإعجاز العرفي، ومفهومه اللغوي أعمّ، وهو جعله عاجزاً سواءً كان عاجزاً عن معارضته والإتيان بمثله، أو عاجزاً عن فهم معناه أو غيره، وبهذا يندفع ما قيل: إنّ ظاهر كلام المصنّف مشعر بأنّه تفسير لمفهوم الإعجاز، وما ذكره الشّارح من أنّ مفهوم الإعجاز أعمّ من أن يكون بالبلاغة أو بغيرها، فإنّما ذلك في معناه اللغوي، ثمّ اختلفوا في جهة إعجازه فقيل: ببلاغته، أي بكونه في الطّبقة العليا من الفصاحة، والدّرجة القصوى من البلاغة، على ما يعرفه فصحاء العرب بسليقتهم، وعلماء الفرق بمهارتهم في فنّ البيان، وعليه أهل العربيّة، وهو مذهب الجمهور والجاحظ، وإليه أشار بقوله: "على ما هو الرّأي الصّحيح"، وقيل: بإخباره عن المغيّبات وذلك يعرف بتتبّع القرآن، وقيل: بأسلوبه الغريب المخالف لنظم العرب ونثرهم، في مطالعه ومقاطعه وفواصله، على وجه لم يعهد في كلامهم وكانوا عاجزين عنه، وعليه بعض المعتزلة، وقيل: بجمع الأمرين، أي: اشتماله على الأسلوب الغريب، وكونه في الدّرجة العليا من البلاغة، وعليه القاضي الباقلاني وإمام الحرمين، وقيل: بسلامته عن الاختلاف والتّناقض مع ما فيه من الطُّول، وقيل: باشتماله على دقائق العلوم وحقائق الحكم والمصالح، وقيل: بصرف الله العقول، وهو إمّا بسلب قدرتهم على المعارضة، وهو مذهب الأستاذ أبي إسحق منّا، ومذهب النّظّام وجمع من المعتزلة، وإمّا بسلب علومهم التي يحتاج إليها في المعارضة، بمعنى أنّها كانت حاصلة لهم لكنّه تعالى سلبها عنهم فلم يبق بهم قدرة، وهو مذهب المرتضى، وإمّا بسلب قدرتهم مع بقاء علومهم.
الجزء 1 · صفحة 59
قوله: وههنا بحثان إلى آخره، أقول وبالله التّوفيق: لابدّ ههنا من تحرير المبحث، وهو أنّ منشأ البحث الأوّل هو قول المصنّف: "لأنّ الإعجاز في الكلام: أن يؤدّى المعنى بطريق هو أبلغ من جميع ما عداه من الطّرق"، ومنشأ البحث الثّاني هو قوله في الفرق بين السّحر والإعجاز: "ولا يكون هذا إلا واحداً"، وحاصل الجواب أنّ المراد بقوله: "بطريق هو طريق الإعجاز"، لكن باعتبار أنّه فرد من أفراده يصدق عليه أنّه طريق الإعجاز بقرينة قوله: "لأنّ الله تعالى قادر على الإتيان بمثل القرآن"، مع اختيار الشّقّ الثّاني من التّرديد، والأولى في الجواب أن يقال: إنّ المراد منه نوع طريق الإعجاز، وهو بعينه معنى حدّ الإعجاز على الرّأي الصحيح، فيكون المعنى أنّ يؤدّى بطريق معجز، وحينئذ يكون حاصل الجواب أنّا نختار كون طريق تأدية المعنى أبلغ من جميع ما عداه من الطّرق المحقّقة والمقدّرة، ويمنع عدم الاشتراط ولا يقدح قدرته تعالى على الإتيان بمثل القرآن؛ لأنّ ما أتاه الله به يكون حينئذ ممّا يصدق عليه هذا المفهوم، وهذا ما اختاره الشّارح في الجواب الثّاني حيث قال: "إنّ الإعجاز سواء كان في الطّرف الأعلى أو فيما يقرب منه متّحد" إلى آخره، وهو المراد بقول المصنّف: "ولا يكون هذا إلا واحداً"، وعلى هذا التّقرير يكون مبنى الجوابين واحداً، وفي هذا المقام وقع لبعض المتصدّين للذّب عن كلام المصنّف ما ورد عليه مقال يقضى منه العجب.
تعريف أصول الفقه
الجزء 1 · صفحة 60
قوله: الكتاب مرتّب على مقدّمة إلى آخره، اعترض عليه بأنّه إن أراد بمقاصد الفن المقاصد بالقصد الأوّل فلا نسلّم أنّ بحث الأدلّة والأحكام مقصود بالقصد الأوّل، بل المقصود بالقصد الأوّل كيفيّة إثبات الأدلّة للأحكام، وبحث الأدلّة والأحكام من مبادئ هذا المقصود، وإن أراد المقاصد مطلقاً شاملاً للقصد الأوّل والثّاني، فلا نسلّم أنّ المقدّمة ليست من المقاصد، وأقول: منشأ هذا الاعتراض قلّة التّأمّل في القواعد وعدم التّدبّر في القوانين، والتّحقيق في ذلك أنّ العادة قد جرت فيما بينهم بتصدير الكتب بمباحث خارجة عن المقاصد قد يسمونها مبادئ، وقسّموا هذه المبادئ أيضاًَ إلى ما هو خارج عن العلم ويسمّونه مقدّمات، كمعرفة الحدّ والغاية وبيان الموضوع، وإلى ما هو داخل فيه ويسمّونه مبادئ كتصوّر الموضوع والأعراض الذّاتيّة والتّصديقات التي يتألّف منها، وبالجملة اصطلحوا على تسمية المباحث الخارجة عنه بالمقدّمات، والدّاخلة فيه بالمبادئ، حتّى تبادر الفهم في عرفهم عند إطلاق اسم المبادئ إلى المعنى الثّاني، وجعلوها من مقاصد العلم لشدّة ارتباطها بها، وأرادوا بمقاصد العلم مسائله وما هو داخل فيها، ولذا جعل أئمّة الأصول مباحث الأدلّة والاجتهاد والتّرجيح منها، وبه يشعر كلام الشّارح رحمه الله في شرح مختصر الأصول حيث قال في تقرير قوله "وينحصر المقصود": "أي الغرض الأصلي من الفنّ، وإلا فمقاصد الفنّ مسائله"، ولا خفاء في شدّة ارتباط الأقسام بها أيضاً، ولله درّه ما أدقّ نظره كم زلّت أقدام الأفكار دون الوصول إلى ما قصده من الأسرار، وما أليق بالمثل السّائر: ودونه خرط القتاد).
الجزء 1 · صفحة 61
قوله: وستعرف بيان الانحصار، أي انحصار القسم الأوّل في الأربعة بحسب الاستقراء، وستعرف أيضاً انحصار الحكم في أقسامه، على ما صرّح به المصنّف بأنّه وجه ضبط لا حصر عقلي، وأمّا بيان انحصار القسم الثّاني في ثلاثة أبواب، فلا تعرّض له لا في كلام المصنّف ولا في كلام الشّارح.
قوله: فهي كثرة مضبوطة بتعريفه الذي به يتميّز عند الطّالب، قيّد التّميّز بكونه عند الطّالب؛ لأنّ التّعريف تحصيل معرفته تفصيلاً بعد حصوله إجمالاً، وهو إنّما يكون للطّالب، ولأنّ المقصود من التّعريف إمّا التّمييز أو الاطلاع على الذّاتيات، وهما وصفان للطّالب، وإنّما لم يقل للسّامع ليشمل المتكلّم وغيره، ولا خفاء أنّه كما يتميّز عند الطّالب بتعريفه، يتميّز عنده بالعلم بموضوعه والعلم بغايته أيضاً، وكذا يمتاز في نفسه بغايته.
قوله: فحين تشوّفت نفس السّامع إلى التّعريف ليتميّز العلم عنده، قال المصنّف: -أي أورد جملة- هذا الذي أذكره أصول الفقه، على طريق الاستئناف إغناء عن السّؤال بما هي، ويكون قوله: "الأصل" إلى آخره، جواباً للسّؤال الذي اقتضته الأولى، على ما هو المقرّر في فنّه، وقوله: "أصول الفقه ما هي؟ " لا حاجة إلى ارتكاب التّأويل في وقوع الإنشاء خبراً على رأيه، أنّثَ الضّمير أوّلاً نظراً إلى المعنى الإضافي، وذكّرَ ثانياً نظراً إلى المعنى اللقبيّ.
الجزء 1 · صفحة 62
قوله: وإلا احتيج إلى إيراد تفسيره إلى آخره، لا يخفى على من له ذوق سليم، أنّه إن قدّم التّعريف اللقبي لأصول الفقه فلا يخلو إمّا أن يورد في تعريفه لفظ الفقه، فيكون تعريفاً بما هو غير جلي، أو تفسيره وهو استنباط الأحكام الشّرعيّة الفرعيّة من أدلّتها التّفصيليّة كما فعله ابن الحاجب، حيث قال: "العلم بالقواعد التي يتوصل بها إلى استنباط الأحكام الشّرعيّة من أدلّتها التّفصيليّة"، فيحتاج إلى تعريف الفقه في الإضافي؛ لأنّه لا يعلم من إيراد تفسير الفقه في التّعريف اللقبي أنّه مفهوم اسم الفقه، وأنّه موضوع بإزائه، فلابدّ من البيان ثانياً في الإضافي، أنّ اسم الفقه وضع بإزائه، وبهذا يظهر فساد ما قيل: أنّ الفقه بعد أن فسّر مرّة في الإضافي أو اللقبي لا يحتاج إلى تفسيره مرّة أخرى، ويقرب ممّا ذكرنا ما قيل: أنّ التّعريف اللقبي يشتمل على تعريف الفقه من حيث الماهيّة، لا من حيث أنّه مدلول لفظ الفقه، فإذا قدّم التّعريف اللقبي يحتاج إلى إعادة تعريف الفقه في الإضافي مرّة أخرى، من حيث إنّه مدلول لفظ الفقه، وقوله: "كما في أصول ابن الحاجب"، حيث قال بعد التّعريف اللقبي بما تقدّم: "والفقه: العلم بالأحكام الشّرعيّة الفرعيّة من أدلّتها التّفصيليّة بالاستدلال".
الجزء 1 · صفحة 63
قوله: للعلم بأنّ معنى إضافة المشتق وما في معناه إلى آخره، تعليل لعدم التّعرّض ببيان معلوميّة معنى الإضافة من إضافة المشتق وما في معناه، وهو اختصاص المضاف بالمضاف إليه باعتبار مفهوم المضاف، يعني لم يتعرّضوا لتعريف الإضافة لكونها معلومة من إضافة المشتق وما في معناه، وقيّد الإضافة بكونها إضافة المشتقّ وما في معناه؛ لأنّ مطلق الإضافة لا يدلّ على الاختصاص باعتبار مفهوم المضاف، فإنّ إضافة اسم العين الدّال على نفس الذّات إلى الشّيء، كدار زيد وثوب عمرو مثلاً، لا يدلّ على الاختصاص المذكور، إذ لا يقال: إنّ دار زيد ما يختص به، باعتبار كونه داراً له، ولذا خصّ شارح مختصر الأصول الإضافة باسم المعنى، وهو ما يدلّ على معنى زائد على الذّات، ولمّا كان في جعل جميع الصّفات أسماء المعاني من خلاف المشهور، عدل الشّارح عنه إلى تقييد الإضافة بالمشتقّ، وزاد قيد "ما في معناه" ليدخل مثل الأصل فإنّه ليس بمشتق لكنّه بمعناه، وهو الدّليل أو المبتنى عليه والمستند إليه، وإليه أشار بقوله: "من حيث أنّه مبنى له ومستند".
الجزء 1 · صفحة 64
قوله: مثل الرّاجح إلى آخره، الفرق بين هذه المعاني أنّ الرّاجح هي الأمارة المقترنة بما يقوى به على معارضتها، ولا يقال: على الدليل القطعيّ والقاعدة الكلّيّة، على ما فسّره الشّارح رحمه الله: "حكم كلّيّ ينطبق على جزئيّاته ليتعرّف أحكامها منه"، وسيجيء تحقيقه، والدّليل في عرف الأصوليّين: "ما يمكن التّوصّل بصحيح النّظر فيه إلى مطلوب خبريّ"، فيتناول الأمارة فيكون أعمّ من الرّاجح، وربّما يقال: إلى العلم بمطلوب خبريّ، فتخرج الأمارة فيكون مبايناً لها، وعلى كلا المعنيين يكون مبايناً للقاعدة، وبينها وبين الرّاجح عموم من وجه، وفي عرف الميزانيين قولان فصاعداً يكون عنه قول آخر فيتناول الأمارة، وقيل: بدل قوله: يكون، يستلزم لذاته قولاً آخر فتخرج الأمارة، فالدّليل في عرفهم على إثبات الصّانع هو قولنا: العالم حادث وكلّ حادث فله صانع، وفي عرف الأصوليّين هو العالم، ونقل الأصل أيضاً إلى معنى آخر لم يتعرّض له الشّارح ههنا وهو المستصحب، يقال لعارض الأصل.
الجزء 1 · صفحة 65
قوله: وأشار المصنّف إلى أنّ النّقل خلاف الأصل، أي نقله إلى المعاني المذكورة، ثمّ إلى العلم بالقواعد الّتي يتوصّل بها إلى الفقه، قال شارح مختصر الأصول: "ولو حمل الأصول على معناه اللغويّ حتى يكون معناه ما يستند إليه الفقه لشمل الأقسام فلم يحتج إلى النّقل"، وقال الشّارح في حاشيته: "لا ضرورة إلى جعل أصول الفقه بمعنى أدلّته ثمّ النّقل إلى العلم بالقواعد المذكورة، بل يجوز أن يجعل أصول الفقه بمعنى ما ينبني الفقه عليه ويستند إليه، ويكون متناولاً لمباحث الأدلّة والاجتهاد والتّرجيح لاشتراكها في ابتناء الفقه عليها، ويكون إطلاقها على العلم المخصوص إمّا على حذف المضاف أي: علم الأصول، أو على صيرورتها بالغلبة علماً" هذا كلامه، وهو يدلّ بصريحه على أنّ نقل الأصل إلى الدّليل وغيره ثمّ إلى العلم المخصوص خلاف الأصل، وأمّا إطلاق أصول الفقه على العلم المخصوص فإن كان باعتبار حذف المضاف فلا حاجة إلى النّقل، وإن كان بصيرورتها علماً بالغلبة فلا نزاع في النّقل، ثمّ إنّ إشارة المصنّف رحمه الله إلى كون النّقل خلاف الأصل إنّما يستفاد من بيان شمول الابتناء للحسّيّ والعقليّ بعد تفسير الأصل، فلو لم يكن مراده هذا لما كان لهذا الكلام فائدة يعتدّ بها.
قوله: وبهذا، أي بما قرّرنا من أنّ النّقل خلاف الأصل ولا ضرورة للعدول عنه، وأنّه تعيّن كون العقليّ -وهو الدّليل- مراداً بالإضافة إلى الفقه يندفع ما يقال؛ لأنّ الدّليل حينئذ يكون فرداً من أفراد المعنى اللّغويّ، فلا حاجة إلى تكلّف النّقل بعد تعيّن المراد بالإضافة.
الجزء 1 · صفحة 66
قوله: أراد بالابتناء الحسّيّ كون الشّيئين محسوسين، الظّاهر أنّه جعل الابتناء من الأمور الإضافيّة، أي من الأعراض النّسبيّة الّتي تتوقّف تصوّراتها على تصوّر أمور أخر، لا من الإضافة الّتي هي أخصّ؛ لأنّها عبارة عن هيئة ونسبة بين الشّيئين يكون بإزائها هيئة أخرى، لا تعقل إحداهما إلا بتعقّل الأخرى، مع توقّف كلّ منهما إلى طرفيه وتسمّى نسبة متكرّرة، إذ لا خفاء أنّ ابتناء السّقف على الجدار وغيره ليس كذلك، اللهمّ إلا بملاحظة الفرعيّة والأصالة، هذا ولكن لقائل أن يقول: الأقرب أنّ الابتناء ليس من الإضافيّات بل من الكيفيّات، كالتّرتيب مثلاً، فإنّه مع كونه لا يتصوّر بدون متعلّقه ليس من الإضافيّة، وكذا الابتناء إذ لابدّ في الأمور الإضافيّة من أن تتوقّف على أمور هي علّة لها سابقة عليها، بخلاف الكيفيّات الّتي لا تقتضي لذاتها النّسبة، ولا يتوقّف تعقّلها على تعقّل الغير، يؤيّده ما ذكر في شرح المواقف من أنّ "الأعراض النّسبيّة تتوقّف تصوّراتها على تصوّر أمور أخر، بخلاف الكيفيّات فإنّها يستلزم تصوّرها تصوّر غيرها، كالإدراك والعلم والقدرة ونظائرها؛ فإنّها لا تتصوّر بدون متعلّقاتها، أعني المدرك والمعلوم مثلاً، لكن ليس تصوّراتها متوقفة على تصوّرات المتعلّقات معلولة لها، كما في النّسب، بل تصوّراتها موجبة لتصوّرات متعلقاتها، فإنّا نعقل العلم أوّلاً ثم ندرك متعلّقه، وكذا الحال في الكيفيّات المخصوصة بالكمّيّات، كالاستقامة والانحناء والتثليث والتربيع"، وكذا ما ذكره الشّارح في شرح المقاصد من أنّ هذا -يعني العلم والقدرة- ليس تصوّرهما متوقّفاً على تصوّر المتعلّق، بل مستلزم لتصوّره، ثمّ إنّ الابتناء قد يكون عقليّاً كابتناء الحكم على دليله، وقد يكون حسّياً كابتناء السّقف على الجدار، كالترتيب والاتصال الّذين يكونان تارة عقليين وأخرى حسّيين، وعلى تقدير كونه عقليّا لا تعقّل بدون المبتنى والمبتنى عليه، بل تصوّره
الجزء 1 · صفحة 67
موجب لتصوّرهما فإنّا نتعقّل الابتناء أوّلاً، ثمّ نتعقّل متعلقه، كالعلم والاتصال والتّعرّف على الوجه الذي تقدّم، وعلى تقدير كونه حسياً لا يوجد بدون المتعلق أيضاً، وبهذا التقرير يندفع الإشكال بلا احتياج إلى تكلف التأويل، ويظهر أن قول الشارح رحمه الله في الجواب أن ابتناء السقف على الجدار بمعنى كونه مبنيّاً عليه قريب، ثمّ إنّهم صرحوا بأن الأمور المدركة بالبصر مطلقاً هي الضّوء واللّون والانحراف والحجم والبعد والوضع والشكل والتفرق والاتصال والعدد والحركة والسكون وغيرها، وذكروا أنّ الترتيب داخل تحت الوضع، ومن أراد الاطلاع على جليّة الحال فليطلب من موضعه، وههنا لبعض المحشّين كلام لا يخفى ما فيه على ذي مُسكة.
الجزء 1 · صفحة 68
قوله: والحقّ أنّ ترتّب الحكم على دليله لا يصلح تفسيراً للابتناء العقليّ إلى آخره، أجيب عنه: بأنّه تفسير له ببعض جزئيّاته على سبيل التّمثيل، وتفسير الشّيء ببعض جزئيّاته على هذا الوجه لا يقتضي خروج باقي الجزئيّات عنه بل يوجب دخوله فيه، لأنّه بالحقيقة تفسير بالمعنى المشترك لا بخصوصه الجزئيّ المذكور، وأنت خبير بما فيه من التّكلّف، وأجيب أيضاً: بأنّ ابتناء المجاز على الحقيقة إلى آخر ما ذكره، ليس بخارج عن ابتناء الحكم على دليله لأنّ الدّليل هو الّذي يلزم من العلم به العلم بشيء آخر، والعلم بالقواعد الكلّيّة يستلزم العلم بالأحكام الجزئيّة، وكذا العلم بوجود العلل من حيث أنّها علل المعلولات يستدعي العلم بوجودها، والمتجوّز مدع للزوم المعنى المجازي للحقيقي، والعلم بمعنى المصدر يستلزم العلم بمعنى الفعل فهو دليله، وهذا الجواب مع ما فيه من التّعسّف الظّاهر إنّما يتمّ لو كان الدّليل بالتّفسير المذكور على اصطلاح الأصوليّين، كيف والدّليل بهذا التّفسير يقابل الأمارة وليس كذلك على اصطلاحهم بل يشملها، وسيجيء في كلام المصنّف أنّ الدّليل يطلق على معنيين أحدهما: ما هو من الأدلّة الأربعة، والثّاني: ما هو في عرف الميزانيّين، وأشار إليه بقوله: "ونعني بالقضايا الكلّيّة المذكورة ما يكون إحدى مقدّمتي الدّليل على مسائل الفقه"، وحينئذ لا يتمّ القول بأنّ ترتّب الحكم على دليله شامل لجميع ما ذكر، ولا يستقيم إطلاق الحكم على المعلول مطلقاً ولا على الأفعال، اللهمّ إلاّ أن يقال: أراد المصنّف بالدّليل ههنا غير ما هو المصطلح في عرفهم وفي عرف الميزانيّين، وبالحكم المدلول ونحوه ممّا يشمل الجميع، وفيه من التّعسّف ما لا يخفى، وغاية ما يمكن أن يقال: أراد المصنّف بيان الابتناء العقليّ بمثال يناسب هذا الفنّ لا على أنّه تفسير له، وتبيين أنّه وضع لفظ الابتناء بإزائه، ويكفي لبيان الشّمول هذا المقدار.
الجزء 1 · صفحة 69
التّعريف الحقيقي والإسمي
قوله: الماهيّة إمّا أن يكون لها تحقّق وثبوت إلى آخره، قد تقرّر في غير هذا الفنّ أنّ الماهيّة لفظ مشتقّ ممّا هو، ثمّ جعلت اسماً لما به الشّيء هو هو، وأنّ مفهومها من المعقولات الثّانية الّتي تعرض لما صدقت هي عليها من المعقولات الأولى وليست متأصّلة في الوجود، حيث لم يوجد في الخارج ما يطابقها، وكذا لفظ الذّات، والماهيّة: إمّا حقيقيّة: أي ثابتة في نفس الأمر أي في حدّ ذاته من غير نظر إلى اعتبار العقل، وإمّا اعتباريّة: أي كائنة بحسب اعتبار العقل، وكلّ منهما إمّا بسيطة أو مركّبة، والبسيطة إمّا ما لا جزء له أصلاً أي في نفس الأمر كالواجب وهو الحقيقي، أو له جزء ولكن لا يتركّب من الأشياء المختلفة الطّبائع وهو الاعتباري، والمركّبة أيضاً إمّا حقيقيّة بأن تحصل من اجتماع عدّة أشياء حقيقة واحدة بالذّات مختصّة باللوازم والآثار، ولابدّ من احتياج بعض أجزائها إلى بعض لامتناع تركّب الماهيّة الحقيقيّة من أشياء، بحيث يستغني بعضها عن بعض، وإليه أشار بقوله: "ولابدّ فيها من احتياج" إلى آخره، وقيل: اللازم إنّما هو احتياج الماهيّة إلى الأجزاء لا احتياج الأجزاء بعضها إلى بعض، أو اعتباريّة بأن يكون هناك عدّة أمور يعتبرها العقل أمراً واحداً وإن لم يكن واحداً في الحقيقة، ولا يلزم فيها احتياج بعض الأجزاء إلى البعض، وإلى الماهيّة الحقيقيّة بقسميها بقوله: "إذا كانت مركّبة"، وإلى الاعتباريّة بقوله: "والتّمثيل بالمركّبة" إلى آخره، وتمام البحث مستوفى في فنّه فليطلب ثمّة.
الجزء 1 · صفحة 70
قوله: وتعريف مفهوم الاسم وما تعقّله الواضع، أي سواء كان له ماهيّة حقيقيّة أو لا، ولعدم الفرق بيّن تعريف الماهيّة الحقيقيّة من حيث المفهوم والماهيّة الاعتباريّة قرنهما في سلك البيان، ولم يفرّق أيضاً بين اللّفظيّ المفيد لتعيين صورة حاصلة من بين الصور بأنّها المرادة بهذا اللّفظ فمآله إلى التّصديق، وبين الاسميّ المفيد لتحصيل صور المفهومات، مع جريان الأوّل في البديهيّات أيضاً دون الثّاني، نظراً إلى كونهما جواباً "لما" الّتي لطلب مفهوم الاسم، والصّواب أن يفرّق بين التّعريفين؛ لأنّ الأوّل خارج عن المعرّف الحقيقيّ حتّى صرّحوا بأنّه ليس تعريفاً حقيقيّاً، بل التّعريف الحقيقيّ قسمان:
أحدهما: ما يقصد به تصوّر مفهومات غير معلومة الوجود في الخارج ويسمّى تعريفاً بحسب الاسم إمّا حدّاً وإمّا رسماً.
والثّاني: ما يقصد به تصوّر حقائق موجودة ويسمّى تعريفاً بحسب الحقيقة إمّا حدّاً أو رسماً.
ولم يعتبر الحيثيّة في تعريف المفهوم حيث لم يقل: وتعريف مفهوم الاسم من حيث أنّه مفهوم الاسم، حتّى يحصل قسم آخر للماهيّة الاعتباريّة كما في الماهيّة الحقيقيّة وهو تعريف المفهوم، لا من حيث أنّه مفهوم الاسم، إذ لا طائل تحته؛ لأنّ تعريفه على كلا الاعتبارين إنّما يفيد التّبيين لفقدان الحقيقة وراء المفهوم، بخلاف الماهيّة الحقيقيّة، ولذا اعتبر الحيثيّة في تعريفها حيث أفردها بالذّكر فيما بعد.
قوله: أنّ الماهيّة الحقيقيّة قد تؤخذ من حيث إنّها حقيقة مسمّى الاسم، عطف قوله: "وماهيّته الثّانية"، إيماء إلى عدم الفرق بين الحيثيّتين، يعني حيثيّة أنّها حقيقة مسمّى الاسم، وحيثيّة أنّها ماهيّته الثّابتة في نفس الأمر، في كون تعريف الماهيّة الحقيقيّة حقيقيّاً كما في حيثيّة كونها ماهيّة حقيقيّة على ما مرّ من تصريحه.
الجزء 1 · صفحة 71
قوله: وهي متأخّرة عن هل) البسيطة الطّالبة لوجود الشّيء إلى آخره، المطلوب: إمّا تصوّر أو تصديق، والتّصوّر إمّا تصوّر بحسب الاسم وإمّا بحسب الحقيقة، وكذا التّصديق إمّا تصديق بوجود الشّيء في نفسه أو بوجود الشّيء له، والطّالب لأوّل قسمي التّصوّر "ما" الشّارحة وتجري في الموجودات والمعدومات، والطّالب للثّاني "ما" الحقيقة، والطاّلب لأوّل قسمي التّصديق "هل" البسيطة وللثّاني "هل" المركّبة، ولا شكّ أنّ مطلب "ما" الشّارحة متقدّم على مطلب "هل" البسيطة، فإنّ الشّيء ما لم يتصوّر مفهومه لم يمكن طلب التّصديق بوجوده، وإنّ مطلب البسيطة متقدّم على مطلب الحقيقة، إذ لم يمكن أن يتصوّر الشّيء من حيث أنّه موجود ما لم يعلم وجوده، ولا ترتيب ضروريّاً بين مطلبي المركّبة والحقيقة، لكن الأولى تقديم "ما" الحقيقة.
قوله: ولهذا صرّحوا بأنّه قد يتّحد التّعريف الاسميّ والحقيقيّ، يعني على تقدير أن يكون متعقّل الواضع نفس المفهوم، وإلا فقد يكون الاسميّ رسماً والحقيقيّ حدّاً وبالعكس، قال الشّيخ في الشّفاء: "إنّ ما يوضع في أوّل التّعاليم من حدود الأشياء الّتي برهن على وجودها، إنّما هي حدود بحسب شرح الاسم، ثمّ لمّا أثبت وجودها وبرهن عليه صار تلك الحدود بعينها حدوداً بالذّات والحقيقة"، وقوله: "تعريف المثلّث في مبادئ الهندسة"، هي علم يبحث فيه عن أحوال المقادير من حيث التّقدير، والأضلاع: هي الخطوط المحيطة بالشّكل القائم الزوايا، وكلّ ضلع منها بالنّسبة إلى الآخرين يسمى قاعدة، وهما بالنّسبة إليها ساقين، وقوله: "وبعد الدّلالة على وجوده"، أي بالبرهان الهندسيّ.
قوله: أمّا الطّرد فهو صدق المحدود على ما صدق عليه الحدّ، مبنى الاطّراد والانعكاس وجود المساواة بين الحدّ والمحدود والمساواة مرجعها إلى موجبتين كلّيّتين متعاكستين بالعكس المستوي.
الجزء 1 · صفحة 72
أحدهما: قولنا: متى صدق الحدّ صدق المحدود وهو الطّرد، ومحصّله استلزام صدق الحدّ صدق المحدود، وإليه أشار بقوله: "مطّرداً كلّيّا"ً إلى آخره، ويلازمه المنع، فإنّ هذه الموجبة الكلّيّة تنعكس بعكس النّقيض إلى قولنا: متى لم يصدق المحدود لم يصدق الحدّ، فلا يتناول الحدّ ما ليس من أفراد المحدود، وهو معنى المنع، وهو لازم للطّرد لاستلزام الموجبة عكس نقيضها، والطّرد لازم له أيضاً لانعكاس هذا العكس إلى أصله، وإليه أشار بقوله: "وبالاطّراد يصير الحدّ مانعاً".
والثّانية: قولنا: متى صدق المحدود صدق الحدّ وهو عكس الموجبة الأولى بعكس المستوي، ومحصّله استلزام صدق المحدود صدق الحدّ، ويلازمه الجمع، وهو شمول المحدود لأفراد الحدّ بعين الدّليل المذكور، وإليه أشار بقوله: "وأمّا العكس فأخذه بعضهم من عكس الطّرد"، وهذا - أي عكس الطّرد - بحسب متفاهم عرف أهل المعقول، ومن نظر إلى أنّ الطّرد هو التّلازم في الثبوت كما أشار إليه بقوله: "كلّما وجد الحدّ وجد المحدود، والعكس هو التّلازم في الانتفاء"، أخذ العكس بأن يجعل نقيض المقدّم مقدّماً ونقيض التّالي تالياً، كما أشار إليه بقوله: "كلّما انتفى الحدّ انتفى المحدود"، وقوله: "والحاصل واحد" إلى آخره، أمّا جامعيّة العكس الأوّل: فقد عرفتها، وأمّا جامعيّة الثّاني: فلأنّ انتفاء المحدود لمّا كان لازماً لانتفاء الحدّ، لزم أن يكون الحدّ متناولا لكلّ فرد من أفراد المحدود، وإلاّ لوجد المحدود عند انتفاء الحدّ، هذا خلف.
الجزء 1 · صفحة 73
قوله: لأنّ ما يحتاج إليه الشّيء إلى آخره، وجه ضبط لا حصر عقليّ، على ما صرّح به في شرح المقاصد، إذ لا دليل على انحصار الخارج سوى الاستقراء، وإنّما اعتبر في التّقسيم وجوب الشّيء دون وجوده الّذي اعتبره الجمهور، كيلا يشكل بالمادّة إذا لحقها الصّورة، فيكون وجود الشّيء معها بالفعل، فيدخل في قسم الصورة، فيحتاج إلى الاعتذار بأنّ المراد بالوجود بالفعل الوجود بالفعل البتّة، وبالقوّة الوجود بالقوّة في الجملة، بخلاف الوجوب؛ فإنّه بالنّظر إلى المادّة لا يكون إلاّ بالقوّة، وبالنّظر إلى الصّورة لا يكون إلا بالفعل، وليس المراد بالمادّة والصّورة ما يختصّ بالجواهر، بل ما يعمّها وغيرها من أجزاء الأعراض، ثمّ إنّ المادّة تسمّى مادّة باعتبار توارد الصّور المختلفة عليها، وقابلاً وهيولى باعتبار استعدادها للتصّور، وعنصراً باعتبار المبدائيّة التّركيب، واسطقسا باعتبار انتهاء التّحليل إليها، والمراد بالصوّرة الصوّرة المعيّنة المشخّصة، لئلا يشكل بصورة السيف الحاصلة في الخشب؛ فإنّ السّيف ليس بحاصل بالفعل معها، ثمّ إنّ المادّة والصّورة تسمّيان علّة الماهيّة، والفاعل والغاية تسمّيان علّة الوجود، والمراد بالفاعل هو المستقلّ بالفاعليّة والتّأثير، ولا يوجد كذلك إلاّ باستجماع الشّرائط وارتفاع الموانع، فوجود الشرط وعدم المانع من تتمّة الفاعل، وقيل: من تتمّة المادّة، وقيل: الأدوات من تتمّة الفاعل وما عداها من تتمّة المادّة، فلا حاجة إلى إفراد الشّرط بالّذكر، إلا أنّه تعرّض لذكره اقتداء بذكر المصنّف، ولذا اقتصر في شرح المقاصد على الأربعة.
الجزء 1 · صفحة 74
قوله: وههنا بحث من وجوه، أجيب عن الأوّل: بأنّ مراد المصنّف بالتّعريف، التّعريف التّامّ المفيد للتّمييز عن جميع ما عدا المعرّف؛ لأنّه هو المعتدّ به في مقام التّعليم، وحينئذ لا يرد منع اشتراط الطّرد في مطلق التّعريف؛ لأنّ كلامه ليس في مطلق التّعريف، على أنّ المتأخّرين ذهبوا إلى اشتراط المساواة في الصّدق لصحّة التعّريف، والمتقدّمون وإن جوّزوا التّعريفات النّاقصة، لكّنهم شرطوا المساواة في وجود التّعريف، وبالجملة يكفي لإيراد المصنّف على تعريف الإمام هذا القدر وكونه سبباً للعدول عنه، وقوله: "لا سيّما الاسميّ"، فإنّ كتب اللغة مشحونة بتفسير الألفاظ بما هو أعمّ من مفهوماتها، مبنيّ على عدم التّفرقة بين التّعريف اللّفظيّ والاسميّ، وقد عرفت ما فيه، وأيضاً تفسير الألفاظ بما هو أعمّ، ينبغي أن لا يوجد في كتب اللغة أصلاً؛ لأنّ وظيفتها تفسير الألفاظ بما يفيد معانيها الّتي وضعت بإزائها، وحقّه أن يكون بألفاظ مفردة مرادفة لها، وإن لم يوجد فبمركّب يقصد به تعيين المعنى، ولو سلّم فما ذكر في كتب اللغة إنّما هو التّعريف اللّفظيّ لا الاسميّ، وقد عرفت الفرق بينهما. وعن الثّاني: بأنّ ابتناء الفعل على الفاعل ليس حسّيّاً ابتناء الشّجرة على أصولها وهذا ظاهر، ولا عقليّاً إذ ابتناء صنعة النّجر على النّجار أمر مستبعد جدّاً، وبأنّ منع عدم اطلاق لفظ الأصل على الفاعل مكابرة، وكفا بالاستقراء شاهداً على ذلك، وأنت خبير بأنّ كلا الجوابين عن الثّاني لا يخلو عن تعسّف، والاستبعاد المجرّد لا يجدي نفعاً، ولابدّ من بيان الابتناء العقليّ على وجه لا يرد عليه الإشكال بمثل الفاعل.
وعن الثّالث: بأنّ المراد بكلامه في باب المجاز بيان المناسبة في إطلاق الأصل على الجزء والحال، ويكفي فيها اعتبار معنى مناسب ولو بوجه غير مطّرد، بخلاف التّعريف؛ فإنّه لابدّ فيه من الاطّراد على ما قرّره المصنّف رحمه الله.
الجزء 1 · صفحة 75
وأمّا الجواب عن البحث الرّابع فيما قد عرفت، من أنّ هذا ليس تفسيراً للابتناء العقليّ، هذا إلا أنّ تعريف الفكر بالتّرتيب المذكور إنّما هو على رأي المتأخّرين، والمحقّقون على أنّ الفكر هو مجموع الحركتين وهو المعتبر في المنطق، أو الحركة الأولى وحدها وهو المقابل للحدس، أو الحركة مطلقاً في المعقولات وهو المقابل للتّخيّل.
قوله: أنّ كلامه في باب المجاز إلى آخره، يعني قوله: "وإذا عرفت أنّ مبنى المجاز" إلى قوله: "وكالجزء مع الكلّ"، فإنّ الجزء تبع للكلّ، والكلّ محتاج إلى الجزء، فيكون الجزء أصلاً، وكالمحلّ فإنّه أصل بالنّسبة إلى الحال، لاحتياج الحال إلى المحل، وقد عرفت جوابه.
تعريف الفقه
قوله: والقيد الأخير ممّا لا دلالة عليه، أجيب: بأنّ الاصطلاح على أنّ المعرفة مختصّة بالإدراك النّاشئ عن الدّليل ولذا لم يطلق المعرفة على اعتقاد المقلّد أصلاً، ويؤيّده ما قاله الرّاغب من أنّها اسم لما يحصل من العلم بعد تذكّر المعهود والاستدلال بالآثار، ولذا لم يقل أنّه تعالى عارف، على أنّ حسن الظّنّ بالمصنّف أنّه وجد هذا الاستعمال بالتّتبّع أولى، إلا أنّ استعمال المعرفة في إدراك الجزئيّات أشهر وأكثر.
قوله: لأنّ ما يأتي به المكلّف إلى آخره، لابدّ ههنا من التّنبّه لأمور:
منها: أنّ المراد بالتّساوي التّساوي في نظر الشّارع بأن يحكم بذلك صريحاً أو كناية، وكذا بأولويّة الفعل أو التّرك أولويّته عند الشّارع بالنّصّ عليه أو على دليله.
ومنها: أنّ إطلاق الأولويّة على ما هو لازم يمتنع نقيضه كالواجب والحرام، نوع تسامح على ما سيجيء في كلام الشّارح في القسم الثّاني أعني مباحث الحكم.
الجزء 1 · صفحة 76
ومنها: أنّ المشهور في الهداية وغيرها أنّ كلّ مكروه حرام عند محمّد رحمه الله، إلاّ أنّه لم يطلق لفظ الحرام لعدم نصّ قاطع، وعن أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله أنّه إلى الحرام أقرب، وذكر المصنّف رحمه الله في شرحه للوقاية أنّ المراد بالمكروه المكروه كراهة تحريم، وأمّا المكروه كراهة تنزيه فإلى الحلّ أقرب، وفي شرح الهداية أنّ المرويّ عنهما رواية شاذّة، لما نقل عن محمّد في المبسوط: "أنّ أبا يوسف قال لأبي حنيفة: إذا قلت في شيء أكرهه فما رأيك فيه؟ قال: التّحريم"، وعلى هذا لا تفاوت عند الكلّ في المكروه كراهة التّحريم والتّنزيه.
ومنها: أنّ المباح لغة: المعلن والمأذون، مأخوذ من الإباحة، وهو الإظهار والإعلان والإذن، يقال: باح سرّه وأباحه أظهره، وأبحته كذا أذنت له وأطلقت فيه، واصطلاحاً: ما ورد فيه خطاب الشّرع بالتّخيير بين الفعل والتّرك من غير ترجيح طلب، وقيل: ما استوى طرفاه شرعاً، وهو المناسب لكلام الشّارح رحمه الله، والمندوب لغة: بمعنى المدعو لهم، من النّدب بمعنى الدّعاء له، وعرفاً: ما يكون فعله مطلوباً شرعاً من غير ذمّ على تركه مطلقاً، والواجب لغة: بمعنى الثّابت والسّاقط، وشرعاً: ما يثاب على فعله ويعاقب على تركه، وقيل: هو المطلوب الّذي ينتهض تركه في جميع وقته سبباً للعقاب، والحرام: ضدّ الحلال، وهو ما يعاقب على فعله، والمكروه: نقيض المحبوب لغة والمندوب اصطلاحاً، وهو ما ترجّح جانب التّرك ولا يعاقب على فعله.
الجزء 1 · صفحة 77
قوله: ثمّ المراد بالواجب ما يشمل الفرض، توجيه لكلام المصنّف في جعل الأقسام اثني عشر على رأي الحنفيّة، فإنّهم ذهبوا إلى تخصيص اسم الفرض بما ثبت بدليل قطعيّ، واسم الواجب بما ثبت بدليل ظنّيّ، وقد يطلق عندهم أيضاً على ما يعمّ الفرض علماً وعملاً كصلاة الفجر، أو عملاً فقط كالوتر عند أبي حنيفة، ومنه الواجب الّذي دون الفرض بالمعنى الأوّل وفوق السّنّة، وأمّا عند الشّافعيّة فهما مترادفان، وكذا قوله: "والمراد بالمندوب" إلى آخره، ثمّ إنّ المذكور في بعض شروح مختصر الأصول أنّ المرغّب فيه والمستحبّ والنّفل والتّطوّع والسّنّة من أسماء المندوب، وفي كشف البزدويّ أنّ السّنّة المشهورة جعلت قسيماً للمندوب حيث قال: "وذلك إمّا أن يكون ظاهراً واظب عليها النّبيّ - عليه السلام -، وهو السّنّة المشهورة أو لا يكون وهو النّفل والتّطوّع والمندوب" انتهى.
قوله: والأمور المذكورة إلى آخره، دفع لما عسى يتوهّم أنّ المتّصف بالوجوب والحرمة وغيرهما إنّما هو فعل المكلّف، فلا يصحّ جعلها صفة لعدم الفعل، فأجاب بأنّها قد تقع صفة لعدم الفعل ولو مجازاً، فيقال: عدم مباشرة الواجب حرام، بمعنى: أنّ من لا يباشر الواجب يعاقب، وعدم مباشرة الحرام واجب، بمعنى: أنّ من يباشره يعاقب، وقوله: "من صفات فعل المكلّف"، إشعار بأنّ الوجوب والحرمة وغيرهما ههنا إنّما هو أثر الخطاب لا نفس الخطاب.
الجزء 1 · صفحة 78
قوله: الثّاني: أنّ المراد بالجواز في الوجه الرّابع عدم منع الفعل والتّرك إلى آخره، لا نزاع في أنّ المراد بالوجوب كون الشّيء مطلوب الفعل ممنوع التّرك أو بالعكس، فانتفاؤه إمّا بانتفاء الطّلب والمنع أو بانتفاء أحدهما، وعلى الثّاني إمّا أن ينتفي طلب الفعل أو التّرك مع المنع عن التّرك أو عن الفعل، أو ينتفي المنع مع طلب الفعل أو التّرك، فتكون الأقسام خمسة، ولا سبيل إلى أن ينتفي طلب الفعل مع المنع عن التّرك وبالعكس لاستلزام المنع عن الشّيء طلب نقيضه، فتعيّن القسم الأوّل وهو انتفاء الطّلب والمنع، والرّابع والخامس من القسم الثّاني وهو انتفاء المنع مع طلب الفعل أو التّرك، وبهذا التّقرير ثبت أنّ المراد بالجواز المقابل للوجوب عدم منع الفعل والتّرك، ولا نزاع أيضاً أنّ المراد بالحرمة هو المنع عن الفعل أو التّرك المتناول للحرام والمكروه كراهة التّحريم، فيكون الجواز المقابل لها بمعنى عدم المنع المتناول لسائر الأقسام، ولا خفاء أنّ حمله على هذا المعنى أولى من حمله على عدم منع الفعل، لما فيه من رعاية التّقابل وعدم تداخل الأقسام، وتبادر الفهم إليه في عرف الشّرع عند الإطلاق، لا سيّما عند ذكره في مقابلة الوجوب.
الجزء 1 · صفحة 79
قوله: بل المراد معرفة أحكامها من الوجوب وغيره إلى آخره، يريد أنّ قوله: "معرفة ما لها وما عليها" بحسب الظّاهر يحتمل تصوّرهما والتّصديق بثبوتهما، إلاّ أنّ ظهور كون الفقه عبارة عن معرفة الأحكام الدّينيّة على ما أشار إليه الشّارح رحمه الله بقوله: "شهرة أنّ الفقه من العلوم الدّينيّة" يرفع الاحتمال المذكور، وتعيّن أنّ المراد معرفة أحكامها، أي التّصديق بها بأنّ هذا واجب وذاك حرام، وقوله: "فأحكام الوجدانيّات" أي الأمور الّتي تدرك بالوجدان وهو القوّة الباطنة، إيماءً إلى أنّ الأحكام المعتبرة في الدّين هي السّنّة المذكورة كالوجوب ونحوه من الوجدانيّات أو الاعتقاديّات أو العمليّات، ولم يتعرّض لذكر الاعتقاديّات اكتفاءً بذكر الوجدانيّات، أو قصداً إلى تعميم الوجدانيّات وشمولها إيّاها، وقوله: "ثمّ لا يخفى أنّ اعتراضه على التّعريف الثّاني" إلى آخره، قيل: المذكور ثمّة ليس باعتراض بل تعيين للمعنى المراد بالسّبر والتّقسيم، ولو سلّم فجوابه جوابه هذا، إلا أنّ قوله: "فلابدّ أن يكون الفقه" علماً بجملة متناهية مضبوطة فلهذا قال: "بل هو العلم لكلّ الأحكام" إلى ساقته، يأبى الجواب المنعي كلّ الإباء، وأجيب أيضاً: بأنّ عدم الاستحسان إنّما يستقيم إذا أطلق لفظ محتمل لمعان ويراد واحد منها بلا قرينة معيّنة، أمّا إذا أطلق وأريد به معنى واحد مشترك حاصل في ضمن كلّ واحد من تلك المحتملات فهو مستحسن لا قدح فيه كما نحن بصدده، وأنت خبير بأنّ قوله: "ثمّ ما لها وما عليها يتناول الاعتقاديّات" إلى آخره، يدلّ على تعيّن المراد بالمحتمل، وهو كون المراد بما لها: ما يجوز لها، وبما عليها: ما يحرم عليها، فلا حاجة إلى اعتبار معنى في ضمن كلّ منها في الجواب فليتأمّل.
الجزء 1 · صفحة 80
قوله: وخرج العلم بالأحكام الشّرعيّة النّظريّة إلى آخره، هذا على قود كلام المصنّف، وسيجيء أنّ كون الإيمان واجباً يخرج بالشّرعيّة، وكون الإجماع حجّة بالاقتضاء أو التّخيير المأخوذ في تعريف الحكم المصطلح، فلا تنافي بين الكلامين.
قوله: وإلا لكان ذكر الشّرعيّة والعمليّة إلى آخره، أمّا الشّرعيّة فلأنّها إمّا بمعنى ما ورد به خطاب الشّرع أو ما يتوقّف عليه، وعلى التّقديرين يلزم التّكرار، إذ التّعريف إنّما هو للأشاعرة، وعندهم: ما ورد به خطاب الشّرع في قوّة ما يتوقّف عليه، إذ لا مجال للعقل في درك الأحكام، فلو كان الحكم المأخوذ في تعريف الفقه خطاب الله تعالى، لكان ذكر الشّرعيّ تكراراً، إذ الحكم حينئذ شرعيّ، وأمّا العمليّة؛ فلأنّ المراد بأفعال المكلّفين المأخوذة في تعريف الحكم المصطلح فعل الجوارح فيخرج بها ما يخرج بالعمليّة، وسيجيء في كلام الشّارح ما يخرج العمليّة عن التّكرار، وسنذكر ما يحقّق المرام هناك إن شاء الله تعالى، وبما ذكر يندفع ما تكلّف بعض المحشّين من التّفرقة بين الشّرعيّة الواقعة صفة في تعريف الفقه وبين الشّرعيّة المعتبرة في الحكم المعرّف بالخطاب، هذا وأمّا على مذهب غير الأشاعرة فيمكن إخراج الشّرعيّة أيضاً عن التّكرار على ما سيجيء في بيان تعريف الشّرعيّة.
الجزء 1 · صفحة 81
قوله: ولقائل أن يمنع توقّف الشّرع إلى آخره، أجيب عنه: بأنّ المراد بالخطاب بما لا يتوقّف، وجوب الإيمان والتّصديق بالنّبوّة، والمراد بما لا يتوقّف نفس الإيمان والتّصديق، وهما لا يتوقّفان على ثبوت الشّرع الموقوف عليهما، لا على وجوبهما، إذ لو توقفا عليه لزم الدّور بلا خفاء، وردّ بأنّه لو كان المراد بما لا يتوقّف نفس الإيمان مثلاً، لكان المراد بما يتوقّف أيضاً نفس الصّلاة مثلاً، ولا شكّ أنّ نفس الصّلاة مثلا لا تتوقّف على الشّرع بل حكمها، وأنت خبير بأنّ الصّلاة مثلا عبارة عن الهيئة المخصوصة شرعاً فكما أنّ حكمها متوقّف على الشّرع كذلك كونها عبارة عن تلك الهيئة متوقّف على الشّرع وبهذا سقط الرّدّ، إلا أنّ الجواب إنّما تمّ على تقدير أن يكون الوجوب عين الخطاب، وهو الإيجاب على ما ذهب إليه بعض المحقّقين وهو خلاف مصطلح الفقهاء، وقوله: "غير مفيد"، أي لما قصده المصنّف من لزوم الدور.
قوله: فالتّقييد بالعمليّة لإخراج النّظريّة، عدل عن كلام المصنّف من أنّ قوله: العمليّة احتراز عن العلم بالأحكام الشّرعيّة النّظريّة كالعلم بأنّ الإجماع حجّة؛ لأنّ التّقييد بالعمليّة إنّما يخرج النّظريّة أوّلاً، وإخراجه العلم المتعلّق بها إنّما هو بواسطته.
قوله: وفيه كلام سيجيء، أراد به قوله فيما بعد: "لقائل أن يقول: إذا حمل الحكم في تعريف الفقه على المصطلح" إلى قوله: "ومثل كون الإجماع حجّة غير داخل في الحكم المصطلح لخروجه بقيد الاقتضاء أو التّخيير".
الجزء 1 · صفحة 82
قوله: وقيّد الأدلّة بالتّفصيليّة، أراد بها - على ما أشار إليه فيما سيجيء – كلّ دليل دليل لمسألة مسألة يخصّها، حيث قال: "والتّحقيق في هذا المقام أنّ الإنسان لم يخلق عبثاً ولم يترك سدى، بل تعلّق بكل من أعماله حكم من قِبَل الشّارع منوط بدليل يخصّه ليستنبط منه عند الحاجة، ويقاس على ذلك الحكم ما يناسبه"، فسمّي العلم بها الحاصل من تلك الأدلّة فقهاً، ويدل عليه قول العلامة المحقّق: "وعلل تفصيليّة، أي كل مسألة مسألة بدليل دليل" إلى آخره.
قوله: لو سلّم، مشعرٌ بالمنع، أي: لا نسلّم أنّ حصول العلم عن الدّليل مشعر بالاستدلال حتّى يخرج علم جبرئيل، والرّسول؛ لأنّ حصول العلم عن الدّليل على ما سبق آنفاً يكون بطريقين ضروري واستدلالي، ولمّا كان في المنع نوع من الضّعف على ما ذكره بعض أهل التّحقيق، "من أنّ علم جبرئيل وغيره ليس علماً من الأدلّة، إذ الحاصل ضرورة يكون معها لا عنها، لما أنّ معنى الدّليل: ما يمكن التّوصّل بصحيح النّظر فيه إلى العلم بمطلوب خبري، ولا يفهم من حصول العلم عنه إلا التّوصّل إليه"، كذا في حاشية شرح القاضي، عدل إلى الجواب بطريق التّسليم، وبهذا الجواب صرّح القاضي عضد الملّة والدّين رحمه الله، وقوله: "للتّصريح"، أي: للدّلالة مطابقة على ما دلّ عليه الكلام التزاماً، وقوله: "أو لدفع الوهم"، أي: لدفع وهم من يغفل عن اللزوم ويظنّ أن مثل علم الرّسول - عليه السلام - من الأدلّة، وقوله: "أو للبيان"، أي: لبيان أنّ الفقه بطريق الاستدلال البتّة، كذا فسّره الشّارح في حاشيته لشرح القاضي، وبهذا يسقط ما ذكره المحشّي من أنّ هذه الوجوه تكلّف لا يخفى إلى آخر كلامه، وما ذكره صاحب التّرجيح أيضاً فليتأمّل.
تعريف الحكم
الجزء 1 · صفحة 83
قوله: والمصنّف ذهب إلى قوله: كلّ ذلك لعدم تصفّحه كتبهم، قيل: عرّف صاحب المنهاج الفقه بعد تعريف أصول الفقه بمعرفة دلائل الفقه إجمالاً بقوله: "العلم بالأحكام الشّرعيّة" إلى آخره، ثمّ قال: "ولابدّ للأصوليّ من تصوّر الأحكام ليتمكّن من إثباتها ونفيها"، وجعل هذا الكلام ذريعة إلى بداية البحث بتعريف الحكم معرّفه: "بخطاب الله المتعلق بأفعال المكلّفين بالاقتضاء أو التّخيير"، فسياق كلامه هذا دليل واضح على أنّ الحكم المأخوذ في تعريف الفقه هو الحكم المعرّف بالخطاب المذكور، فقول المصنّف: "ولمّا عرّف الفقه" إلى آخره، جاز على سبق كلامه، وأنت خبير بأنّ هذا القول لا يدفع ما ذكره الشّارح، فتأمّل وكن الحاكم الفيصل.
قوله: فسّر الخطاب بالكلام الموجّه إلى آخره، أي الكلام اللّفظيّ، إذ التّوجيه للإفهام، أو القصد منه إلى الإفهام إنّما يتأتّى بالملفوظ كما لا يخفى.
قوله: وقد يجاب، هذا الجواب للقاضي المحقّق عضد الملّة والدّين رحمه الله حيث قال: "ويمكن الذّبّ عنه بأنّ الألفاظ المستعملة في الحدود تعتبر فيها الحيثيّة وإن لم يصرّح بها، فيصير المعنى المتعلّق بأفعال المكلّفين من حيث هم مكلّفون"، وقوله: "والمعنى خطاب الله المتعلّق بفعل المكلّف من حيث هو فعل المكلّف"، يعني أنّ المراد بتعلّق خطابه تعالى بفعل المكلّف تعلّقه به من هذه الحيثيّة، أي من حيث أنّه فعل من ثبت له أهليّة توجّه الخطاب، إذ لا يتوجّه الخطاب بدونها على ما تقرّر في باب الأهليّة، وبما ذكرنا سقط اعتراض صاحب التّرجيح وظهر فساد ترديده.
الجزء 1 · صفحة 84
قوله: اعترض المعتزلة إلى آخره، هذه الأوجه الثّلاثة مع أجوبتها حاصل كلام المحصول بعد التّنقيح، لكن اختار الإمام في الجواب عن الثّالث منع خروج خطاب الوضع عن الحدّ بعد تسليم كونه حكماً، أورد الاعتراض الأوّل هكذا: "أنّ حكم الله تعالى خطابه، وخطابه كلامه، وكلامه عندكم قديم، فيلزم أن يكون حكم الله تعالى بالحلّ والحرمة قديماً، وهذا باطل"، ويمكن حمل كلام الشّارح رحمه الله على هذا الوجه بنوع تكلّف، وقوله: "الأوّل: أنّ الخطاب عندكم"، حاصله إبطال تعريف الحكم بالخطاب بناء على تنافي اللّوازم الموجب لتنافي الملزومات، وحاصل الجواب منع تنافي اللّوازم بمنع اتّصاف الحكم بالحصول بعد العدم.
قوله: والمصنّف رحمه الله أهمل في تفسير الخطاب الوضعي ذكر المانعيّة، أجيب عنه: بأنّه اكتفى في الشّرح بذكر السّببيّة والشّرطيّة بعد التّنبيه عليه في المتن بقوله: "ونحوهما"، والقول بأنّ المصنّف فسّر الخطاب الوضعيّ بأنّ هذا سبب لهذا أو شرط لهذا، والمانعيّة في الحقيقة شرطيّة ضدّه؛ فإنّ مانعيّة النّجاسة شرطيّة الطّهارة، فلم يهمل شيئاً ليس بشيء، إذ لو كان كذلك لكان قوله في المتن: "ونحوهما" مستدركاً، اللهمّ إلاّ أن يقال: ذكره في المتن بناء على ما ذكره القوم من جعل المانعيّة قسيماً للسّببيّة والشّرطيّة، وتركه في الشّرح بناء على اندراجه في الشّرطيّة، والكلّ تكلّف نشأ من عدم التّصفّح لكلام القوم، ثمّ إنّ خطاب الوضع: عبارة عن الخطاب المتعلّق بأفعال المكلّفين بالحكم على الشّيء باقتضائه ثبوت أحد الأحكام الخمسة ونفيه ونحوهما، ويسمّى الخطاب الإنشائيّ، وهو على ثلاثة أصناف:
منها: الحكم على الوصف بالسّببيّة، وهو جعل وصف ظاهر منضبط مناطاً لوجود حكم، وهو بحسب الاستقراء إمّا وقتيّ كزوال الشّمس لوجوب الصّلاة، أو معنويّ كالإسكار للتّحريم.
الجزء 1 · صفحة 85
ومنها: الحكم على الوصف بكونه مانعاً، وينقسم أيضاً إلى: مانع للحكم: وهو ما استلزم حكمة تقتضي نقيض الحكم، كالأبوّة في القصاص، وإلى مانع للسّببيّة: وهو ما استلزم حكمة تخلّ بحكمة السّببيّة، كالدّين في الزّكاة.
ومنها: الحكم على الوصف بكونه شرطاً للحكم، وهو ينقسم أيضاً إلى: ما يكون شرطاً للحكم: وهو ما استلزم حكمة تقتضي عدمه نقيض حكم السّبب مع بقائه، كالطّهارة في باب الصّلاة، وإلى ما يكون شرطاً للسّبب: وهو ما يكون عدمه مخلاّ لحكمة السّبب، كالقدرة على التّسليم في باب البيع، وتمام التّحقيق مستوفى في شروح مختصر الأصول.
الجزء 1 · صفحة 86
قوله: وأنت خبير بأنّه لا توجيه لهذا الكلام، أجيب عنه: بأنّ المصنّف نقل أنّ بعضهم لم يزد فيه قيد الوضع، بناءً على أنّ الأحكام الوضعيّة داخلة في التّعريف؛ لأنّ الاقتضاء أعمّ من الصّريح، ثمّ ردّ على هذه الطّائفة بأنّ الحكم الوضعيّ كسببيّة الزّنا لوجوب الجلد مثلاً مفهوم، والحكم التّكليفيّ كوجوب الجلد مفهوم آخر، وإن لزم أحدهما الآخر في بعض الصّور، فإنّ في إيجاب الجلد على الزّاني حكمين مختلفين في الحقيقة، والخطاب الّذي تعلّق بالجلد يصدق عليه أنّه خطاب متعلّق بفعل المكلّف بالاقتضاء بخلاف الخطاب الّذي تعلّق بالزّنا؛ فإنّه لا اقتضاء فيه أصلاً نظراً إلى ما تعلّق به، نعم قد قارنه خطاب فيه اقتضاء، وبذلك لا يندرج في الحدّ كما لا يخفى، فلابدّ لهم من زيادة قيد؛ لأنّهم اعترفوا بكونه حكماً وزعموا اندراجه في الحدّ بدونه، وقد أبطل المصنّف زعمهم قصداً، وحينئذ يكون كلاماً موجّهاً لا يتوجّه عليه شيء ممّا ذكره الشّارح، ولقائل أن يقول: هذا الجواب لا يجدي نفعاً؛ لأنّ مغايرة مفهومي الحكم التّكليفيّ والوضعيّ لا ينافي اندراج أحدهما في الآخر، ولا خفاء في أنّه بعد أن يجعل الخطاب التّكليفيّ أعمّ بالمعنى الّذي ذكره الشّارح، لا مجال لجعل الوضعيّ بحيث لا اقتضاء فيه أصلاً نظراً إلى ما تعلّق به، ولعمري إنّ الحقّ ما ذكر الشّارح رحمه الله.