جامع المُضمرات والمُشكلات في شرح مختصر الإمام القدوري
للإمام يوسف بن عمر بن يوسف الكادوري
توفي سنة (832هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
جارٍ تحميل الكتاب…
جامع المُضمرات والمُشكلات في شرح مختصر الإمام القدوري
للإمام يوسف بن عمر بن يوسف الكادوري
توفي سنة (832هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
بسم الله الرحمن الرحيم
رَب ِّ يسرْ ولا تعسر
الحمدُ للهِ الذي جعلَ علمَ الهُدى أهدى عَلمِ الإسلامِ، والعملُ به مَعلمُ التقى، وأبْقى دليلٍ إلى معرفةِ الإسلامِ، وختْم النبوةِ: بنبيٍ مُنبئ بِنبأ الحلالِ والحرامِ، صلى الله عليه وعلى آله.
الاهتداءُ: في الاقتداءِ والإئتمامْ.
وبعد: فإنّ مُختصرَ القدوري كان أجملُ الخرامِ، وأعضدُ النظامِ، وأجملُ في فسرِ جُملِ ألفاظهِ ومعانيهِ سفراءِ سفيرِالعلا ّمِ في الينابيعِ، والمنافعِ، والأنفعِ، والهدايةِ، والمُغرِبِ، إعرابا ً للكلامِ.
والطحاوي، وتحفةٌ الفقهاء، وسائرِ كتبِ الأحكامِ، وغيرها للإحكامِ؛ صيّر اللهُ منافعَ ينابيعِ تفاريعهم أنفعُ من غمامةِ الغمامِ حتى أسفرَ مَباسيمُ
المُضْمراتِ مُفتّرُ اللثامِ فأصبحَ صورَ المُعضلاتِ مِصباحاً في الظلام؛ فًحوى منها عينُ ما رأى روايتًهم، وإنْ وقعَ مكررا ً، وما يُختارُ للفتوى وغيرِها من إرواءِ الروايةِ الأوّام، ووُشيَ المنقولُ: في الينابيعِ بياءٍ، والمنافعُ بميمٍ، والأنفعُ بألفٍ، والهدايةُ بهاءٍ، والمُغرِبُ بباءٍ؛ لسبقِ الإفهامِ.، وسُمّيَ غيرُها من الكتبِ بأسمائِها الأعلامٌ للإعلامِ غنيةٌ ً عن قنيةِ الكتبِ المذكورةِ
للإفتاءِ؛ ولهذا المرامُ وسمّاه جامعُ المُضمَراتِ والمُشكَلاتِ أضعفُ عبادِ اللهِ، الستارُ للإجرامِ، والغفّارُ للآثامِ للإمامِ يوسفَ بن عمر بن يوسفَ الصوفيّ الكمارودي المعروفُ بنبيرةِ شيخ عمرَ بنِ عمرانَ جمعهُ اللهُ معَ المسلمينَ في دارِ السلامِ، وأسكنَ أسلافَهُ أرفعَ غُرفِ الجَنانِ والخِيامِ إنّهُ المُجيبُ لِمَنْ يَجتنبُ عن الآثامِ والداعي لِمنْ يدعهُ داعيةُ ُ السلامِ.
ثم اعلمْ: إن هذا الكتابُ؛ لمّا كانَ جامعا ً لحلّ أعمِّ المُشكَلاتِ، وحاويا ً لجوابِ أغلبِ الفتاوى في الواقعاتِ، فلا بُد ّ منْ تقديمِ بَيان العلاماتِ المُعلّمَةِ على الإفتاءِ، وفصلٌ في فضلِ الفقهِ، وذكرُ الفقهاءِ، وفي بيان السنّةِ والجماعةِ، وفيمنْ يحلّ ُ لهُ الفتوى ومنْ لا يَحلّ ُ في آدابِ المُفتي والمُستَفتي، وهلْ يحلّ للمجتهدِ تقليدُ غيرهِ في الشرعياتِ؟؛ ليكونَ أدعى إلى التثبيتِ على الخوفِ والرجاءِ، وأهدى إلى التشبثِ بأهدابِ الملةِ البيضاءِ، وباللهِ العونُ والعصمةُ والتوفيق فنقولُ: أما العلاماتِ المعلمّةِ على الإفتاءِ، فقولهُ: وعليهِ الفتوى، وبهِ يُفتى، وبهِ يُعتمدُ، وبه نأخذُ، وعليه الاعتمادُ، وعليه عملُ الائمةِ، وعليه العملُ اليومَ، وهو الصحيحُ، وهو الأصحُ، وهو الظاهرُ، وهو الناظرُ، وهو المختارُ، وفي زمانِنا، وفتوى مشايخِنا، وهو الأشبهُ، وهو الأوجهُ، وغيرِها من الألفاظِ المذكورةِ في متنِ هذا الكتاب في محالّها.
في حاشيةِ البزدوي قوله: هو الصحيحُ، فإن لفظَ الأصحُ: يقتضي أن يكونَ غيرُها صحيحا ً.
ولفظُ الصحيحِ: يقتضي أن يكونَ غيرُها غيرُ صحيح، في مفاتيحِ المسائلِ ومصابيح الدلائلِ لحجّةِ الدين البلخي رحمة الله عليه.
فصل: في فضل الفقه وذكر الفقهاء:-
قال الله تعالى {فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} وقال النبيُ صلى الله عليه وسلم ((إذا أراد اللهُ بعبدٍ خيرا ً فقههُ في الدين)) وفي خبر آخر ((لفقيهٌ واحدٌ اشدُ على الشيطانِ من الفِ عابد)).
وفي خبرٍ آخر: ((قليلُ الفقهِ خيرٌ من كثيرِ العملِ)).
وفي خبرٍ آخر: ((مذاكرةُ العلمِ ساعةً ً خيرٌمن إحياءِ ليلة)) وفي خبر آخر: ((مذاكرةُ العلمِ ساعةً ً خيرٌ من عبادةِ عشرينَ ألفَ يوم ٍ)).
وفي خبر آخر: ((مجالسةُ العلمِ ساعةً واحدةً خيرٌ من عبادةِ سبعمائةِ عام))، ثم إن ّ العلمَ: هو معرفة ُ الشيءِ بغيرِ تكلفٍ، وحدّ ُ الفقهِ: معرفةُ الشيءِ بضربٍ من التكلفِ، ولهذا يُقال للرب تعالى عالماً، ولا يُقالُ فقيهاً؛ لأنهُ متعالٍ عن التكلف.
ورُويَ عن كعبِ الأحبارِ رض الله عنه أنه قال: إنا نجدُ في التوراةِ التي أنزلها اللهُ تعالى على موسى - عليه السلام -: أن الله تعالى قال: سيكونُ في أمةِ محمد صلى الله تعالى وسلم نورٌ يُكنّى أبا حنيفة - رضي الله عنهم -
وحُكي أن محمدَ بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب لقيَ أبا حنيفة - رضي الله عنهم - فقال يا أبا حنيفة َ إنك تضعُ مسائلَ بالقياسِ، وتتركُ أحاديثَ جدي - صلى الله عليه وسلم - فقال أبو حنيفة: يا ابن رسولِ الله إني سائلك ثلاثُ مسائلَ فأجبني؟ إحداها: الصلاةُ أفضلُ وأعظمُ شأنا ً، أمِ الصوم؟ فقال الصلاةُ، قال: لو كانَ قولُنا بالقياسِ؛ لقلنا أن المرأةَ إذا طَهُرَت من الحيضِ تقضي الصلاةَ ولا تقضي الصوم ولكنّا نقولُ تقضي الصيامَ ولا تقضي الصلاةَ اتباعا ً للخبر.
والثاني: المنيُّ أنجسُ وأقذرُ أم البول؟ قال البولُ، فقال أبو حنيفة: لو كان قولنا مخالفا ً للنصوصِ؛ لكان الغسلُ بالبولِ أقيسُ، ولكنا قلنا بوجوب الغسل بالمنيِّ دونَ البولِ عملا ً بالآية والخبر.
والثالث: المرأةُ أضعفُ وأعجز ُأمِ الرجل؟ فقال محمد بن علي المرأةُ أضعف
فقال ابو حنيفة: لو كان قولنا بالقياسِ دون الكتابِ والأخبارِ لكانَ التضعيفُ في الميراثِ للمرأةِ الضعيفةِ اليَق، ولكنا نقولُ كما قال الله تعالى، وأحاديث النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم على أقاويلِ الصحابةِ - رضي الله عنهم -، ثم على إجماعِ الأمةِ، فإن لم نجدْ شيئا ً من هذه الأشياءِ، نقولُ بالاجتهادِ والقياسِ، فأكرمَهُ محمدُ بن علي وألطفَهُ واعتذرَ منهُ وتركَ قولَ المخالفينَ والمعاندينَ فيه.
قال القاضي الإمامُ النجيبُ أبو بكرٍ اليعقوبيّجدُّ المصنفِ، من قبلِ الأمّ - رضي الله عنه -:
حُكِى عن الحَكمِ بن عبد الله أنه قال: زرعَ َ، عبد اللهِ بن مسعودٍ - رضي الله عنه - الحرثَ وسقاهُ علقمة، وحصدهُ ابراهيمُ النخعيّ وداسه حماد أبو سليمان، وطحنه أبو حنيفةَ
وعجنهُ أبو يوسفَ، وخبزهُ محمد بن الحسنِ، ووضعه المشايخُ، ونطعمهُ نحن.
قيل: قرأ الفقيهُ ابو الليث، على الفقيهِ ابي جعفرَ الهندواني ّ، قال: قرأتُ على الفقيهِ علي بن أحمدَ الفارسيّ، قال، قرأت ُ على نصير بن يحيى، قال قرأت ُ على ابي سليمانَ الجَوزَجاني قال قرأتُ على محمدِ بن الحسن، قال قرأتُ على أبي يوسف، قال قرأتُ على أبي حنيفةَ - رضي الله عنهم - وجزاهُم خيرا ً.
وروى نصيرٌ، عن بشرِ بن الوليدِ، عن ابي يوسفَ، أنه قال عندَ موتهِ: اللهمَّ إنك تعلمُ أني لم أزنِ قط ُ، و لم أشربْ خمرا ً قط ُّ.
ولم أ ُجرْ في قضيةٍ قط ُّ، وإنما قضيتُ بكتابكَ، وسنة َنبيكَ، ومهما أشكلَ علي شيء ٌ، جعلتُ بيني وبينَك عبدِكَ أبا حنيفة َ - رضي الله عنهم -، فإني لم أعلمْ في خلقِكَ أحدا ًأعلمَ منهُ. وحُكيَ أيضا ً، عن أبي يوسف، أنه قال: ما أنا من أبي حنيفة َ، إلا كورقةٍ صغيرةٍ، على شجرةٍ كثيرة ٌأغصانها.
وحُكيَ عن أبي بكرٍ عن خلفِ بن أيوب، أنه قال: إن الله تعالى، جعل العلمَ بعد نبيهِ - صلى الله عليه وسلم - في أصحابهِ، ثم بعدَهُم في التابعينَ، ثم بعدهم في أبي حنيفة َوأصحابَه - رضي الله عنهم -، فمن شاء فليرضَ، ومن شاءَ فليسخَط. ورُوى أن محمدَ بن الحسن دخلَ المسجدَ الحرامَ فرأى سفيانَ الثوريّ، فجلسَ اليهِ واستقبلَ الكعبة َ، وقال: بلغني أنّ النظرَ إلى الكعبةِ عبادة، والنظرُ إلى وجهِ الوالدينِ عبادة، والنظرُ إلى المصحفِ عبادة، قال سفيان: نعم، والنظر اليك /أ وإلى مثلك عبادة.
ورَوى ابنُ سلامٍ عن نصير، قال: كان شابانِ مختلفانِ إلى الحسنِ بن زياد فقال: أحدُهما لصاحبهِ: ألا ترى إلى حرصِ هذا الرجلِ، يعني الحسنُ - رضي الله عنه -، دخلتُ عليه البارحة َوهو يتعشى وَخادمَه على رأسهِ يدرسُ كتابا ًوهوَ يسمعُ، ومثلُ هذا يُحكى عن أبي يوسفَ ومحمد، جزاهم الله عن الإسلامِ والأحكامِ خيرا ً.
فصل في بيان السنة والجماعة:
رُويَ عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنهم - أنه قال: المؤمنُ إذا أحبَّ السُنة َوالجماعة َ، استجاب اللهُ دعاهُ، وقضى حوائجَهُ، وغفرَ لهُ الذنوبَ، وكتب اللهُ لهُ براءة من النار، وبراءة ًمن النفاق. وفي خبر عبد الله بن عمرَ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: ((من كانَ على السنةِ والجماعةِ كتب اللهُ له بكلِّ خطوةٍ يخطوها عشرُ حسناتٍ، ودفعَ لهُ عشرُ درجاتٍ، فقيل: يا رسول الله: متى يعلمُ الرجلُ أنه من أهل السنةِ والجماعةِ؟ فقال: إذا وجد في نفسهِ عشرةُ اشياءَ فهو على السنةِ والجماعةِ، يصلي صلواتُ الخمْس بالجماعة، ولا يذكر أحدا ًمن الصحابةِ بسوءٍ، ولا يذكروا واحدا ًمنهم بمنقصةٍ، ولا يَخرُجَ على السلطانِ بالسيفِ، ولا يشكُّ في ايمانهِ، ويؤمن بالقدرِ خيرهِ وشرهِ من الله تعالى، ولا يجادلُ
في دين اللهِ - عز وجل -، ولا يكفّرَ أحدا ًمن اهلِ التوحيدِ بذنب ٍ، ولا يدع الصلاة َعلى من ماتَ من أهلِ القبلةِ، ويرى المسحَ على الخفينِ جائز ٌفي السفرِ والحضرِ ويُصلي خلفَ كلِ إمامٍ بَرِّ وفاجرٍ)).
وكان أبو حنيفة َ - رضي الله عنهم - يقولُ: مَنْ فضّلَ أبا بكرٍ وعمرَ، وأحبّ عثمانَ وعليا ً - رضي الله عنهم -، ومسح على الخفينِ، وآمن بالقدرِ خيرهِ وشرهِ من اللهِ عز َّوجل، ولا يكفر أحدا ًبذنبٍ، ولا يتكلمُ في الله عز وجل بشيء.
ورُوي عن ابي يوسف - رضي الله عنه - قال: العلمُ بالكلامِ جهلٌ، والجهلُ بالكلامِ علمٌ، وحُكيَ أن أبا يوسفَ دخل على هارونَ الرشيد وعندهُ رجلانِ يناظرانِ في الكلامِ، فقال الرشيدُ: أحكم بينهما يا أبا يوسف، فقال: يا أمير المؤمينين أنا لا أشتغلُ بمالا يعنيني، فاستحسنَ الخليفة ُذلك، وأمرَ له بعشرةِ آلافِ درهمٍ بتركِ ما لا يعنيهِ
قال المصنف: كنتُ نائما ًفجرى على لساني، الفقيهُ كلُّ الفقيهِ من تركً ما لا يعنيه.
وذكرَ الفقيهُ الزاهدُ أبوالليث - رضي الله عنه - في كتاب البستان: إن من أرادَ أن ينجوَ من الاختلافِ والجدالِ في الدينِ، فليقل: آمنتُ بجميعِ ما قال اللهُ تعالى، كما أراد الله تعالى، وآمنت بجميع ما قال رسول اللهِ، كما أراد رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم -.
قال المصنفُ: أُشهدُ اللهَ تعالى، وأُشهدُ ملا ئكتَه ُورسلهُ وجميع خلقهِ، أني آمنتُ باللهِ وحدهُ لا شريكَ لهُ، وآمنتُ بملائكتهِ، وجميع كتبهِ ورسلهِ واليوم الآخرِ، والقدر خيرهِ وشرهِ من اللهِ تعالى، وآمنتُ بحلِّ ما أحلَّ الله تعالى، وحرمتُ ما حرّمَ الله تعالى، وأحببتُ جميعَ الملائكةِ والأنبياءِ والصحابةِ والتابعينَ والصالحينَ وكفى بالله شهيدا ًوكيلا ً.
فصل فيمن يحل له الفتوى ومن لا يحل
سُئلَ ابو نصر بن سلام - رضي الله عنه - عن مقدارِ ما يعلمِ الرجلَ حتى يحلّ له الفتوى؟ قال: أما أبو يوسف، فقد شدّد الأمرَ فيهِ وقال: لا يسعُ لأحدٍ أنْ يُفتيَ بالرأي، إلا منْ عرفَ أحكامَ الكتابِ والسنةَ ِ، وعرف الناسخَ والمنسوخَ، وعرفَ أقاويلَ الصحابة ِ، وعرفَ المتشابه َ، ووجوهَ الكلامِ، و/أ رُوي عن محمدٍ - رضي الله عنه -، أنه قال: إذا كان صوابُ الرجلِ أكثرُ من خطأهِ جائز ٌله أن يُفتيَ.
وسُئل أبو بكر الاسكاف: عن عالمٍ في بلدهِ، ليس هناك أعلمَ منهُ، هل يسعهُ أن لا يفتي؟ قال؛ إن كان من أهل الاجتهادِ لا يسعه أن لا يفتي، وهو أن يعرفَ وجوهَ المسائلَ، ويناظرَ أقرانَه.
وسُئل أيضا؛ عن رجلٍ تفقه َفي الدين، ثم اشتغل بالعبادة، ولم يشتغل بالتعليم؟ قال؛ إن كان الناسُ استغنوا عنه بغيره أجزأه.
كما روى داود الطائي - رضي الله عنه -، أنه تعلم على ابي حنيفة - رضي الله عنهم -، ثم اشتغل بالعبادة، وكان أقرانه في الناس يعلمون.
وفي " بيوع الملتقط " قال أبو حنيفة رحمة الله تعالى عليه: ينبغي للذي ابتلى في أمر دينه أن يسأل أفقه زمانه في بلده، ولا يتعدى عن قوله إلى غيره، وإن كان فقيهان فاتفقا، أخذ بقولهما، وكذا إن كانوا ثلاثة فاتفق اثنان، وإن اختلفوا، تٌحري الصواب.
وسئل أيضا ً عن رجل يفتي وهو ماش؟ قال: كان بعضهم: يفتي في حالة المشي، وبعضهم: لا يفتي، والمستحب عندي أن المشي إن كان ظاهرا ً فلا بأس به، وإن كان يحتاج فيه إلى الاجتهاد فلا يفتي في حالة المشي.
وحكى أن رجلا ً جرى على لسانه لفظ أشكل عليه أنه هل يقع الطلاق أم لا؟ فجاء إلى نصير بن يحيى فسأله عن ذلك، فقال: اذهب إلى محمد بن سلمة واسأله، فلما أتاه وسأله، قال اذهب إلى نصير بن يحيى فلما جاء، قال: اذهب إلى محمد بن سلمة، فملّ الرجل وقال، امرأتي طالق ثلاثا ً هل يبقى لأحد فيه إشكال؟ قال الشيخ أبو بكر الإسكاف - رضي الله عنه - كان الشيخ أبو نصر بن سلام إذا ألح عليه مستفت وقال جئت من مكان بعيد، يقول: ما نحن ناديناك من حيث جئتنا، ولا نحن عمينا عليك المذاهب.
قال الفقيه ابو الليث - رضي الله عنه -: ينبغي أن يرفق المفتي في أول الأمر، ويقول: حتى أفرغ من هذا الأمر، فإن ألح عليه جاز له أن يجيب بمثل هذا الكلام.
قال المصنفُ: سمعت أستاذي شيخ الإسلام يوسف بن إسحاق الخطيبي - رضي الله عنه - يقول: كان أبو جعفر الطحاوي يتوقف في كتبه جواب الفتوى فجاء مستفت وألحّ وقال: هذا لا يحتمل التوقف فقرأ مسألته مساء، فإذا امرأة ماتت وفي بطنها ولدٌ حي ّ ماذا يصنع؟ فندم على ذلك التوقف فكتب يُشًقُ جنبُها الأيسر بدرهم ٍ محددٍ، ويستخرج الولدُ، فكان بعد ذلك لا يتوقف في الجواب، وقال: يكون من المسائل مثل هذه المسألة، وهذا هو الأولى.
وذكر في كتاب فقه الأكبر: أن رجلا ً لو ابتلع درة ً لرجل ٍ، ثمّ مات لا يُشًقُ بطنه، ولا يُستخرَج، ولكن يُؤخذ الضمان من تركته.
في " التهذيب ": وإن لم يترك شيئا ً لا يجب شيء.
في " فتاوي الحجة ": ولو ماتت امرأة ٌ وفي بطنِها ولدٌ، يُجرَح جنبُها ويُخرجُ ولدُها، وكذا في " الدرة " يمكن إقامة الضمان مقامها، فلا يشرع الشق؛ لأنَّ فيه إهانة لِوِلدِ آدم. وفي الفصل الثاني تخليص النفس وأنه واجب
فصلٌ في آداب المفتي والمستفتي:
إعلم: أن اتفاق الائمة هدى ً، واختلافهم رحمة ً وتوسعة ً على النّاس، وإذا كان أبو حنيفة - رضي الله عنهم - في جانب ٍ، وأبو يوسف ومحمدٌ رحمهما الله في جانب ٍ، فالمفتي بالخيارات؛ إن شاء أخذ بقوله، وإن شاء أخذ بقولِهما.
وإن كان أحدهما مع أبي حنيفة - رضي الله عنه -: يأخذ /أ بقولهما البتّة، إلا إذا اصطلح المشايخ الأخذ بقول ذلك الواحد، فيتْبعَ اصطلاحَهم.
كما اختار الفقيه أبو الليث رحمه الله قول زفررحمه الله في قعود المريض في الصلاة: أنه يقعد كما يقعد المصلي في التشهد، لأنه أيسر على المريض
وإن كان قول أصحابنا، أنه يقعد المريض في حال القيام متربعا ً، أو محتبيا ً؛ ليكون فرقا ً بين القعدة وبين القعود الذي له حكم القيام، ولكن هذا يشق ّ على المريض؛ لأنه لم يتعوّد هذا القعود.
وكذلك اختاروا تضمينَ الساعي إذا سعى إلى السلطان بغير ذنب ٍ، وهذا قول زفر رحمه الله، سدا ً لباب السعاية، وإن كان على قول أصحابنا رحمهم الله لا يجبُ الضمان؛ لأنّه لم يتلف على مال ٍ، ويجوز للمشايخ أن يأخذوا بقول واحدٍ من أصحابنا عملا ً لمصلحةِ أهلِ الزمان.
ولا يجوز للمفتي أن يفتي ببعض الأقاويل المهجورة لجرِّ منفعة ٍ؛ لأن ضرر ذلك في الدنيا والآخرة أتمّ وأعمّ، بل نختار أقاويلَ المشايخ واختيارهِم، ونقتدي بِسيَرِ السلف، ويكتفي بإحراز الفضيلةِ والشرفِ، ولا يجرَّ به مالا ً، ولا يرجوا عليه في الدنيا منالا ً، فإن ذلك يُذهبَ المهابة َ والوجاهة َ، ويعْقِبُ النّدامة والملامة، ويخلُّ بالاعتقاد على أقواله وأفعاله، ويزل ّ الاعتقاد عن آثاره وأحواله، ويكون ما أخذ مأخوذا ً عليه في الدنيا، وآخذه مؤاخدا ً في العقبى.
وحكى عن القاضي الإمام النجيب أبي بكر البغوي اليعقوبي رحمه الله: أنه كتب جواب المسألة وكان المستفتي خياطا ً فصنع لثوبه زُرة ً وعُروة ً)، فلمّا اتمَّ ذلك، أمره القاضي بنقضهما
وإبانتهما عن ثوبهِ، تحرزا ً عن شبهة الرشوةِ والحرمة، وهكذا كان المشايخ من أهل العلم والسنة، وفيهم أسوة ٌ حسنة.
ومن شرائط الفتوى: أن يكون المفتي حافظا ً للترتيب والعدل بين المستفتين لا يميل إلى الأغنياء، وأعوان السلطان والأمراء.
ومن آدابه: أن يأخذ الكتاب بالحرمة، ويقرأ المسئلة بالبصيرة، مرة ً بعد مرة ٍ حتى يتّضح له السؤال، ثمّ يجيب، وإذا لم يتضحْ، فإنه يسأل عن المستفتي حتّى يقف على كيفية السؤال، ثمّ يجيب فيصيب بتوفيق الله تعالى.
ومن شرائطه: أن لا يرمي بالكاغد كما اعتاده بعض الناس؛ لأن فيه اسم الله تعالى، وتعظيم اسم الله عز وجل. واجبْ.
قال الفقيه جعفر بن محمد النسفي: سمعت الفقيه أبا بكر الخبّاز الرازي يقول: كنت إذا كتبت الجواب رميت برقعة الفتوى فبلغ ذلك الفقيه أبا الأسد أحمد بن إبراهيم الكرابيسي ببخارى، فعاب عليّ، وقال: لا يجوز ذلك؛ لأنّ فيها اسم الله تعالى، فأُخبُرتُ بذلك، فتركت الرميَ، وحفظتُ حُرمة َ ذلك.
قال المصنّف: أدركنا شيخ الإسلام عمدة الدين أبا بكر ٍ محمّد الحاجّ الحلمي وكان لا يأخذ رقعة الفتوى عن أيدي النّسوان والصبيان، وكان له تلميذ ٌ يأخذ منهم، ويجمع الفتوى، ثمّ يدفعها إليه، فيكتبها، فهذا لأجل تعظيم العلم والتوقير، ولو أخذ المفتي من كل صغير وكبير فهو أحسن؛ لأجل التواضعِ والتيسير.
وحُكى عن ابراهيم النخعيّ: أنّه كان يفتي وهو ابن ستة عشر سنة ً في عهد التابعين، فهذا يدلّ على أنّه جاز للشبان أن يفتوا؛ إذا كان الشاب حافظا ً للروايات، واقفا ً على الدرايات، محافظا ً على الطاعات، مجانبا ً للشهوات والشبهات.
وقيل: العالم كبيرٌ وإن كان صغيرا ً، والعاطل صغيرٌ وإن كان كبيرا ً.
وقيل في قول الله تعالى: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ} وهم العلماء والفقهاء؛ لأنَّ الملوك والأمراء أمِروا أن يعملوا بحكمهم، ويتّبعوا صوابَ أمرهم، في الفتاوى السراجية والله اعلم.
فصل ٌ في آداب المفتي والفوائد:
عن أبي القاسم الصفار البلخي أنه لو سُئل عالمٌ، ويُقال له: أيجوز هذا فحرَّك برأسه: أي نعم، يجوز أن يستعملَ ما أشار به.
ثم الفتوى على الإطلاق على قول أبي حنيفة - رضي الله عنه -، ثم بقول أبي يوسف رحمه الله، ثم بقول محمد بن الحسن رحمه الله، ثم بقول زفر بن الهذيل، والحسن بن زياد رحمه الله.
وقيل: إذا كان ابو حنيفة - رضي الله عنهم - في جانب ٍ وصاحباه في جانب ٍ، فالمفتي بالخيار، والأوّل أصحّ إذا لم يكن المفتي مجتهدا ً؛ لأنّه كان أعلم العلماء في زمانه، حتى قال الشافعي - رضي الله عنه -؛ النّاس كلهم عيال ٌ على أبي حنيفة - رضي الله عنهم - في الفقه، ولهذا قيل سُلم لأبي حنيفة - رضي الله عنهم - سبعة أثمان العلم.
قيل لعاصم بن يوسف - رضي الله عنه -: إنك تكثر الخلاف لأبي حنيفة - رضي الله عنهم -، فقال؛ لأن أبا حنيفة أوتي من الفهم ما لم نؤتَ، فأدرك بفهمه ما لم ندركْ فلا يسعُنا أن يفتى بقوله ما لا نفهم.
وقيل: أدنى الشرط للاجتهاد حفظ " المبسوط ".
ولو سُئلنا عن شفعوي ٍ قال لأجنبية ٍ: إنْ نكحتك فأنت طالق ٌ ثلاثا ً ثمّ تزوجها، أيحل له المُقام معها عند الشافعي - رضي الله عنه - أم لا؟ أجبنا عند أبي حنيفة - رضي الله عنهم -.
عن القاضي الإمام السغدي أنه سُئل عن فقيهين أفتيا بجوابين مختلفين أي الجوابين يتبع؟ قال: يتبع قول أفهمَهما بعد أن يكونَ أورعهما.
و في الجملة: يجب أن يكون المفتي حكيما ًرزينا ً، ليّن القول منبسط الوجه، وينبغي أن يقدِّم لمن جاء أوّلا، ولا يقدِّم الشريف على الوضيع.
عن ابن عباس - رضي الله عنهم -: رأس العقل أن يعفو الرجل عمّن ظلمه، وأن يتواضع لمَن دونه، وأن يتدبّر، ثم يتكلمّ وإذا أجاب المفتي: ينبغي أن يكتب عَقيبَ جوابه، والله أعلم، أو نحو ذلك.
وقيل: في المسائل الدينية التي أجمع عليها أهل السنة والجماعة أن يكتب: والله الموفق أو يكتب وبالله التوفيق أو يكتب بالله العصمة.
ويجوز ذلك كره بعضهم الإفتاء لقوله عليه السلام: ((أجرأكم على النار أجراكم على الفتوى)).
وعنه سلمان الفارسي: أنَّ ناسا ً كانوا يستفتونه، فقال: هذا خيرٌ لكم، وشرُ لي.
وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: أدركت مائة ً وعشرين من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فما منهم من أحدٍ يسأل عن حديثٍ أو فتوى إلا ودّ أنّ أخاه كفاه ذلك.
والصحيح أنه لا يكره ذلك لمَن كان أهلا ً؛ لقوله تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ}؛ فكان هذا امرا ً بالإجابة عن السؤال.
وقال عليه السلام ((المفتي يدخلُ بين اللهِ وبينَ عباده)).
وعن عيسى صلوات الله وسلامه عليه: لا تتكلموا بالحكْمة عند الجُهال فتظلموها، ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم.
وتأويل ما رووا إذا لم يكن أهلا ً، وبه نقول؛ لقوله - عليه السلام - ((من أفتى النّاس بغير علمٍ لعنته ملائكة ُ السموات والأرض)).
لاينبغي لأحد ٍ أن يفتيَ إلا أن يعرف أقاويل العلماء، ويعلم من أين قالوا، ويعرف معاملات النّاس، فإن عرف أقاويل العلماء، ويعلم من أين قالوا، ولم يعرف مذهبهم.، فإن سئل عن مسألة يعلم أن علماء الدين ينتحل مذهبهم قد اتفقوا عليه، فلا بأس بأن يقول: هذا جائز ٌ وهذا لا يجوز، ويكون قوله على سبيل الحكاية، وإن كانت مسئلة ً قد اختلفوا فيها، فلا بأس بأن يقول: هذا جائز ٌ في قول فلان ٍ، وفي قول فلان ٍ لا يجوز، وليس له أن يختار فيجيب بقول بعضهم ما لم يعرف حجته.
قيل: معنى قوله عليه السلام: ((المجتهد إذا أخطأ فله أجرٌ واحد))، إذا كان اجتهاده في محل الإجتهاد، وأما إذا كان بخلافهِ فلا.
في الخبر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنّه قال: ((إن لكل شيء عمادٌ وعماد هذا الدين الفقه)).
وروي أنه قال: ((أفضل المجالس عند الله مجلس النظر فإنّ فيه تلخيص حجج الله)).
وروي أنه - عليه السلام - قال: ((طلب العلم فريضة ٌ على كلِّ مسلمٍ، ويومٌ في طلب العلم أفضل عند الله من عشرة ألاف سنة)).
ورُويَ أنّه - عليه السلام - قال: ((من تعلم رياءً وسمعة ً لم يكن في النّار أحدٌ أشدُ عذابا ً منه وليس نوع من أنواع العذاب فيها إلا سيعذب به)).
وفي الحديث: ((مَن انتقل ليتعلم غُفر له قبل أن يخطوا)).
وقال - عليه السلام -: ((من درس مسألة ً في العلم، مثلا ً رجلٌ مات وترك ابنا ً له، فالمال كلّه له، أعطاه الله أجر أربعين ألف سنة)).
وفي الحديث: ((يُوزن يوم القيامة مداد العلماء مع دم الشهداء فيترجح مداد العلماء على دم الشهداء))
في " اللامشي": فصلٌ هل يجوز للمجتهد تقليد غيره في الشرعيات:
يحتاج في هذا الفصل إلى تقليد غيره في الشرعيات وكيفيته، وإلى تفسير الإجتهاد، وما به يصير المرء مجتهدا ً، وإلى بيان أنّ المجتهد يصيب على كل حال، أم يجوز عليه الخطأ؟. فالتقليد: جعْل ما يُدعى إليه قلادة في عنقه من غير دليلٍ، وهو أنْ يتبع الجاهل العالم، ويعتقد معتقده، على سبيل الجزم، من غير ترددٍ وارتيابٍ بلا دليل، وإنّما جاز التقليد للعوام، ومَن كان بمثل حالهِم من الفقهاء الذين لم يبلغوا حدّ الاجتهاد، فأمّا المجتهد، فالواجب عليه أن يعمل برأي نفسه، ولا يجوز له تقليد غيره، إلا برواية عن محمد رحمه الله، فإنه قال: يجوز له تقليد من هو أعلم منه.
تعريف الاجتهاد
والاجتهاد في اللغة: بذل المجهود في إدراك المقصود ونيله
وفي عُرف الفقهاء: بذل الوسع والطاقة في طلب العلم الشرعي بطريقه.
وشرط صيرورة المرء مجتهدا ً: أن يعلم من الكتاب والسنّة ما يتعلق به من الأحكام الشرعية دون ما يتعلق به المواعظ والقصص، وأن يكون عالما ً بمعاني خطابات الشرع، وذلك بمعرفة أقسام الكَلِم، وموارده ومصادره؛ لأن الحكم يختلف باختلافها.
وينبغي أن يكون عالما ً بوجوه العمل، بالكتاب، والسنّة، والإجماع، والقياس، على حسب ما ذكرنا بعضه.
فأما معرفة الفروع المستخرجة من الأصول بآراء المجتهدين فليس بشرط ٍ، فإذا بلغ هذه الدرجة فإنّه يفتي برأي نفسه، فإن لم يبلغ هذه الدرجة، واستفتى عن مسألة ٍ إن عرِفَ جوابَها من قولِ السلف يجيب، وإلا فلا.
جئنا إلى تصويب المجتهد:
أجمعت الأمّة على أنّ المجتهد قد يخطئ، وقد يصيب في العقليات، إلاّ على قول أبي الحسن العنبري المعتزليعلى ما نذكر.
واختلفوا في الشرعيات: فالمذهب عند عامّة المعتزلة وأكثر الأشعريّة أنه يصيب على كل حال ٍ، واتفق أهل السنّة والجماعة على أنّه قد يخطئ وقد يصيب.
واختلفوا في نفس الاجتهاد: قال الشيخ الإمام أبو منصور الماتريدي رحمه الله: إذا أخطأ في إصابة الحق يكون مخطأ ً في اجتهاده أيضا ً
وقال عامة مشايخ سمرقند كأبي الحسن الرستغفني وغيره: إنّه مصيب ٌ في الاجتهاد على كل حال ٍ أصاب الحق ّ أو لم يصب.
وروي عن ابي حنيفة - رضي الله عنهم - قال: كل ٌ مجتهد ٍ مصيب ٌ، والحق ّ عند الله تعالى واحد ٌ معناه، وما ذكرنا أنّه مصيب ٌ في الطلب وإن أخطأ المطلوب.
ثمّ الكلام بيننا وبين المعتزلة بناءً على أنّ الحقّ حقوق ٌ عند الله أم واحد ٌ معيّن.
اتفقنا على أن الحق في العقليات واحدٌ، وأنّ المجتهد فيها يخطئ ويصيب.
إلا ما رُويَ عن أبي الحسن العنبري من المعتزلة، أنّ الحقّ فيها حقوق ٌ، وأنَّ كلّ مجتهدٍ فيها يصيب، وهذا القول باطل ٌ، ردّه عليه جميع إخوانه من أهل الاعتزال،، فضلا عن غيرهم؛ لما فيه من تصويب الدهريّة، والثنوية، واليهود، والنّصارى
والمشبهة، والمجسمة، وجعْل كل فريق ٍ منهم على الحق ِّ وأنّه مُحال.
وأما الشرعيات: ما يثبته بدليل ٍ مقطوع ٍ به فالحق فيه واحد ٌ، حتّى يكفّر راده ويضلل جاحده. وما يسوغ فيه الاجتهاد إذا اختلفوا فيه، قالت المعتزلة: الحقُ فيها حقوق ٌ.
وقال أهل السنّة والجماعة: الحق فيها واحدٌ مُعين؛ لأنّ الجمع بين النقيضين المتنافيين وهو الحل ّ والحرمة، والصحة والفساد في حق شخص واحد في محل واحد في زمان واحد من باب التناقض.
ونسبة التناقض الى الشرع محال ٌ؛ ولهذا المعنى اتفقنا: أنّ الحقّ في العقليات واحدٌ؛ لأنّ القول في وجود الصانع وعدمه وحدوث العالم وقدمه تناقض بيّن.
وكذا القول: بأنه تعالى جسم ٌ وغير جسم ٍ وأنّه جائز الرؤية ومحالُ الرؤيةِ تناقض ٌ ظاهرٌ.
فإن قيل: لا نسلمّ بأنّ ما هو حدّ التناقض يتحقق في الشرعيات، لأنّ التناقض في الجمع بين الحلِّ والحرمة في محل ٍ واحد ٍ في زمان ٍ واحد ٍ في حقّ شخص ٍ واحدٍ، بجهةٍ واحدة ٍ.
أمّا لا تناقض في الجمع بين الحلِّ والحرمة في محل ٍواحدٍ، في زمانٍ واحدٍ في حقّ شخصين أو في حق شخص ٍ واحد ٍ في زمانين، ألا ترى أنّ المرأة في زمان ٍ واحدٍ، تكون حلالا ً في حق شخص ٍ حراما ً في حق شخص ٍ آخر.
ثمّ لمّا جاز هذا؛ لم لا يجوز أن يكون المحل الواحد حلالا ً، في حقّ شخصِ أحدِ المجتهدين حراما ً في حق الآخر.
قلنا: ما ذكرتم جاز في موارد النصوص، أما في المجتهدات، لا يجوز بيانه، وهو أن
الشرع متى حكم على كون المحلّ حراما ً في حق شخص ٍ حلالا ً في حق غيره، كان ذلك
بيانا ً على أنّ المصلحة في حق أحدهما الحلّ، وفي الآخر الحرمة.
ولا تناقض عند تبدل المصلحة، أمّا في المجتهدات لا تنصيص من جهة الشرع، والمصلحة متحدة ٌ في حقهما، ظاهرٌ برأينا واجتهادنا، والداعي الى الحلِّ والحرمة فيها سواء، فالقول بالحلّ في حقّ احدهما، وبالحرمة في حقّ الاخر، مع اتّحاد المصلحة، واستواءِ الداعي، يكون تناقضا ً، والله أعلم بالصواب والله المرجع والمآب.
كتاب الطهارات
م ((قدم في سائر كتب الفقه العبادات على المعاملات والزواجر؛ لكونها أهمّ من غيرها ثمّ الصلاة قدمت على غيرها؛ لأنّها تالية الإيمان بالنصِ والخبر.
قال الله تعالى: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ}.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((بُني الإسلام على خمس ٍ شهادة أن لا اله إلا الله وإقامة الصلاة.)) ثم قدّم الطهارة هنا على الصلاة؛ لأنّها شرطها والشرط مقدم على المشروط طبعا ً، وكل ترتيب وجب طبعا ً، وجب وضعا ً وخصّها بالبداية دون سائر الشروط؛ لأنّها أهمّ من غيرها؛ لأنّها لا تسقط بعذر ٍ من الأعذار، بخلاف سائر الشروط.
الكتابة: جمع الحروف، ومنها الكتاب.
وقال: كتاب الطهارات: ولم يقل: كتاب الطهارة، كما قال: كتاب الصلاة، والزكاة، والصوم؛ لتعدد الطهارة واختلافها من الطهارة الصغرى والكبرى، والحدث والخبث، والثوب والبدن، والطهارة بالماء، والتراب.
أمّا سائر المشروعات لم يختلف حسب أنواع الطهارة، فإنّ الصلاة مشتملة ٌ على الركعات، وأنّها مشتملة ٌ على الأركانِ المخصوصة من القيام، والقراءة، والركوع، والسجود، والقعدة، وأما صلاة الجنازة: فليست بصلاة ٍ حقيقة ٍ، حتّى لو حلف لا يصلي، فصلى صلاة الجنازة لا يحنث، وأما مواضع الضرورة، فمستثناة ٌ عن قواعد الشرع.
الطهارة: في اللغة النظافة.
وفي الشرع: عبارة ٌعن غسل أعضاء ٍ مخصوصة ٍ بصفةٍ مخصوصةٍ، فإن كان من أهل اللغة يعرفونها فالاسم لغوي ٌ، وإن كانوا لا يعرفونها فالاسم شرعي ٌ فيه معنى اللغة.
فإن قيل: المصدر لا يُثنّى ولا يُجمع، قيل جمعُها باعتبار الحاصل بالمصدر وذلك شائع ٌ، كالعلم والبيع، قال الله تعالى: {.يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ.}
إعلم: إن المصنف ابتدأ بآية من كتاب الله تبركا ً به، وان كان من حق الدليل أن يكون مؤخرا ً عن المدلول في الإيرادولأن الأحكام إنما تؤخذ من الأصول، فكانت فرعا ً لها))
واعلم: انه يبدأ في الكتب بصور المسائل، ثم بالأحكام، ثم الدلائل، والمشهور أن المطالبة لمّا تدخل في القسمين الأولين، وإنّما محلها في القسم الثالث، وكان الشيخ الإمام شمس الدين الكردري - رضي الله عنه - يقول: إنّ منع صور المسألة، قد ثبت بالوضع والاصطلاح، وأن منع الحكم، قد ثبت بالنقل المتواتر أنّ أبا حنيفة - رضي الله عنهم - قال هكذا، ثم سأل بعد ذلك عن الدليل.
وفي قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا)؛ يا: حرف النداء، وأيّ: منادى معرفة، وها: مقحمة للتنبيه، وقوله (الذين آمنوا) صفة، وتفسير لأيّ، لأنّها مبهمة، ثمّ كلمة أي، وإن كانت نكره يُراد بها جزء ما يضاف إليها، لكنّها وصفت بصفة ٍ عامة ٍفتعمّ كسائر النكرات في موضع الإثبات على ما عُرف.
وبالفارسية يا اي واي كدام يعني هركدام هاهوش دارا (الذين آمنوا) انانك ايمان آورده انداذا، اسم للوقت، وهو ظرف فيه معنى الشرط اذا دخل الفاء في جوابه.
قوله: (قمتم) معناه، أردتم القيام هذا؛ لأنّ الإرادة سبب الفعل، فأقيم المسبّب مقام السبَب لمناسبة ٍ بينهما.
وقيل قمتم: أي قصدتم؛ لأنّ من توجه إلى الشيء وقام إليه كان قاصدا ً له لا محالة، كذا في الكشاف، وبظاهر الآية استدلّ أصحاب الظواهر فقالوا: سبب وجوب الطهارة؛ القيام إلى الصلاة، فكلّ من قام إليها فعليهِ أنْ يتوضأ.
قلنا: الحدث فيه مُضمر عند جمهور الفقهاء، أي إذا قمتم إلى الصلاة وأنتم محدثون؛ لأنّ الحدث مذكور في الطهارة الكبرى، قال الله تعالى: (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا)، وكذلك في البدل وهو التيمم قال: (أو جاء أحد منكم من الغائط)، فدلّ، أنّ الأصل أيضا ً متعلق ٌ بالحدث. وقيل معناه: أو قمتم من المضجع، أي من منامِكم إلى الصلاة، وعلى هذا لا حاجة إلى إضمار الحدث، فإنّ النوم حدث وروي أن النبي - عليه السلام - كانَ يتوضأ لكلّ صلاة ٍ، فلمّا كان يوم الفتح، صلى الخمس بوضوء ٍ واحد ٍ، فقال عمر - رضي الله عنهم -؛ يا رسول الله، رأيتك اليوم تفعل شيئا ً لم تكن تفعله قط من قبل، فقال - صلى الله عليه وسلم - عمدا ً فعلت كيلا تحُرجوا
الغسُل
الغسل: هو إلاسالة، وقيل؛ تسييل الماء على العين وإزالة الدرن عنها.
فالغسلُ: عبارة ٌ عن إزالته بالماء، والمسح: هو الإصابة كما في قوله مسحت يدي بالجدار
الوجه:- من قصاصِ الشّعر إلى أسفلِ الذقنِ وإلى شحمتي الأذن لأنّه اسم لما يواجه الإنسان والمواجهة تقع على هذا القدر
واليد في اللغة: من أطراف الأصابع إلى المنكب، وفي الوضوء إلى المرفق، وفي السرقة إلى الرسغ والكعبُ: وهو العظم الناتئ المتصل بعظم الساق وروى هشام عن محمد - رضي الله عنه -، إنّه المِفصَل الذي في وسط القدم عند معقد الشراك؛ لأنّ الكعبَ: اسم ٌ للمِفصل ومنه كعوبُ الرُمح، وهو متيقن به، لكنّ هذا سهو من هشام، وإنّما أراد محمد في المُحرِم، إذا لم يجد نعلين أنه يقطع خفيه أسفل من الكعبين، وفسّر الكعب بهذا، ثم اعلم أنّ قوله: يا: مخاطبة، وآمنوا مغايبة، وقمتم: مخاطبة.
وهذه الصنعة تسمى بالإلتفات في علم المعاني والبيان وقد يكون من الغيبة إلى الخطاب، ومن الخطاب إلى الغيبة، كقوله تعالى: {حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ.}، وقوله (وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ)، وممّا اُختُص هذا الموضع، ما ذكره الشيخ
الإمام الهُمام الأجلّ الأستاذ - رضي الله عنه -: إنّه لو قال بطريق الخطاب، تختص بالذين كانوا حاضرين مؤمنين في عصر النبي - صلى الله عليه وسلم -، فذكر بلفظ المغايبة؛ ليدخل تحته كل من آمن إلى قيام الساعة ثمّ وجه المناسبة بين المذكورات في هذه.
ذِكرُ الطهارةِ الصُغرى إلى قوله (وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ)، ثمّ بيّن الطهارة الكبرى بقوله (وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا) وهذا بيانُ الطهارتين لغير المعذورين، ثمّ بيّن حكم المعذورين فقال: (وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى) فهذا عذرٌ إضطراريٌ (أَوْعَلَى سَفَرٍ) فهذا عذرٌ اختياريٌ أو (أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ)، هذا بيانٌ للحدث الصغرى أو (لامستم النّساء) هذا بيانٌ للحدث الكبرى
قال الأستاذ - رضي الله عنه -: ذكر في باب الوضوء، (إذا قمتم)، وفي باب الجنابة، (وإن كنتم)، ذكر الأول بكلمة إذا؛ لأنّها تدخل على أمر كائن ومنتظر لا محالة، وكلمة إن: تدخل على المعدوم على خطر الوجود، والقيام إلى الصلاة من الأمور اللازمة بالنظر إلى الإسلام، وأما الجنابة فمن الأمور العارضة، يقال: آتيك إذا احمر البُرّ، ولو قال إن احمر يكون فاسدا ً، أمّا الجنابة فليس بلازمة ٍ عند إرادة الصلاة، ربما تكون، وربما لا تكون.
وقال: في قولهِ تعالى (وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ) بلفظ الجمع، (وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) بلفظ التثنية؛ لأنّ مقابلة الجمع بالجمع تقتضي انقسام الآحاد على الآحاد، ولكلّ يدٍ مِرفَق فصحت المقابلة بينهما، كما في قوله تعالى: (جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ)، ورَكِب القوم دوابّهم، ولو قيل إلى الكِعاب؛ لاقتضى غُسل كلّ رجل ٍ إلى كعب ٍ واحدٍ على ما رواه هشام فقيل إلى الكعبين؛ ليعلم أنّ غسل كل رجل ٍ إلى الكعبين واجبٌ، لأنّه لمّا لم يمكن انقسام الكعبين على الأرجل كما في المِرفق، تعيّن أنّ الحدينِ في كل رجل ٍ كعبان.
فإنْ قيل: ما ذكرتم من المقابلة موجودة ٌ في قوله، (وأيديكم وأرجلكم) فكان ينبغي أن يغسِلَ يدٍ واحدةٍ ورجلٍ واحدةٍ؛ الجواب عن هذا من وجهين:
أحدهما: ما قاله الأستاذ - رضي الله عنه -، يحتمل أن يكون الجمع مقابلا ً بالفرد كما قاله زفر رحمه الله، فيحتمل أن يكون مقابلا ً للجمع كما هو مذهبنا، فاحتطنا وقلنا: بوجوب غسل كلّ يدٍ ورجل ٍ.
والثاني: ما قاله جمال الدين النسفي - رضي الله عنه -، الأصل ما ذكر، ولكن لا يمنع هذا الأصل خلافه عند قيام الدليل، كما قال الله تعالى {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ}، يلزم كلّ واحد ٍ محافظة جميع الصلوات، وهنا قام الدليل، وهو فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - بتعليم جبريل عليه السلام، وانعقد الإجماع على ذلك، فكلّ تعليل ٍ وقع معارضا ً في مثل هذا يكون باطلا ً، ولا يقال يحتمل أنّ غسل اليد الثانية
والرجل الثانية بطريق السنّة، لأنّا نقول لا جائز أن يكون كذلك؛ لأنّ النبي صلى الله عليه وسلم بيّن في الحديث الذي بيّن في المفروضات دون السنن فيكون فرضا ً لا سنة.
وقوله ُ في آخر الآية: ((وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ)).
قيل: ما يريد بتكليف الوضوء والغسل إياكم، تضييق الأمر عليكم من حرج ٍ، وإلحاق المشقة بكم، ولكن جعل لكم التيمم، ورخّص لكم أن تؤدوا ما فرض الله عليكم به، ولكن يريد لِيطهركم، وقيل، من الحدث والجنابة.
وقيل: من الذنوب والآثام.
وقيل: ليطهركم بالتوحيد والإيمان بالرسل جميعا ً.
وقوله تعالى: ((وليتمّ نعمته عليكم)) قيل: يريد إتمام النعمة بإباحة التيمم.
في " الكاشف شرح القدوري ": وإنّما سمّاها، فرضا ً؛ لأنّ النّص قطعيّ لا شبهة فيه، وما قيل في تخصيص الصبيان والمجانين باطل ٌ، لأنّ النّص أوجب الوضوء بشرط القيام إلى الصلاة، ولا قيام لهم؛ لعدم وجوب الصلاة عليهم، فلا يتناولهم النّص أصلا ً، حتى لو أرادوا أن يتنفلوا من غير وضوء ٍ لا يجوز؛ لأنّهم دخلوا حينئذ ٍ تحت النّص، فلو كانوا مخصوصين لجاز ذلك عنهم، إذ حُكمُ المخصوصِ على ضد حُكمِ المخصوصِ منه.
م قوله (ففرض الطهارة)
((الفاء للتفسير، والفرض مصدر بمعنى المفروض، كما يقال: هذا الدرهم ضرب الأميري أي مَضروبَه، والطهارة فيها الفروض، والسُنن، وغيرِهما.
فأضاف لذلك الفرض في اللغة: عبارة ٌ عن التقدير والقطع، قال الله تعالى {سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا} أي قدرناها، وقطعنا الأحكامَ فيها.
وفي الشريعة: عبارة ٌ عن حكم ٍ مقدرٍ لا يحتمل زيادة ً ولا نقصانا ً بدليلٍ قطعيّ لا شبهة فيه.
ثم قيّد الأعضاء بكونها ثلاثة، فإن قيل لم سمّاها ثلاثة، وهي أكثر، فإنّ اليد تشتمل على أعضاءٍ كثيرة ٍ، قال: إنّ الأشياء، وإن كانت كثيرة ٌ، لكن إذا دخلت تحت خطاب ٍ واحدٍ جعل الكل كشيءٍ واحدٍ، كما قال الله تعالى ((يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ))، ومعلومٌ أنّ الرسول بلغّ البعض قبل ورود الآية، وقد خاطبه بقوله فما بلغت
رسالته، وما طريقه، إلا أنّ الكلّ دخل تحت خطابٍ واحدٍ فصار كشيءٍ واحدٍ، فعند عدم تبليغ الكلّ كأنّه لم يفعل ذلك أصلا ً.
وعلى هذا الأصل قال محمد ٌ - رضي الله عنه - في الزيادات: أنّ الجمع بين غسل القدم والمسح على الخفين لا يجوز؛ لأنّ الرجلينِ في حكم وجوب الغسل كعضوٍ واحدٍ؛ لأنّ الله تعالى جمعهما في الأمر بالغسل.
وكذلك يجوز نقل البلة من عضوٍ إلى عضوٍ في الجنابة؛ لأنّ مجموع البدن في الحكم كشيءٍ واحدٍ؛ لدخوله تحت خطابٍ واحدٍ، وهو قوله تعالى: ((وإن كنتم جنبا ً فاطهروا)).
قيل: ينبغي أن يجوز نقل البلة من اليد إلى اليد والرجل إلى الرجل في الوضوء.
قال الأستاذ - رضي الله عنه -: اليدانِ والرجلانِ شيئان حقيقة ً، وشيءٍ واحدٍ حكما ً، فعملنا بالشبه الأوّل، فيما ذكرت، وبالشبه الثاني، فيما ذكرنا، ولم نعمل على العكس بدلالةِ العادة، فإنّ العادة جارية ً في نقل البلة في الغسل دونَ الوضوء.
فإن قيل: ما الحكمة في وجوب غسل هذه الأعضاء؟
قيل: الحكمة من وجوب غسل هذه الأعضاء من وجوه:
أحدها: أنّ الله تعالى لمّا أمرهم بالقيام إلى الصلاة، التي هي مقام المناجاةِ، ومحل القرب، أمرهُم بتطهيرهذه الأعضاء الظاهرة؛ ليذكرَهم تطهيرَ باطنهُم من الحقد والحسد والكبر وسوء الظنّ بالمُسلم.
والثاني: أمر بغسل هذه الأعضاء تكفيرا ً لما ارتكب هذه الحواس من الإجرام، كما وردت الأخبار في كون الوضوء مكفرٌ للمآثم.
والثالث: أمر بغسل هذه الأعضاء؛ لأنّ العبد إذا توجّه لخدمة ملكٍ يجب أن يجدّد نظافة ً، وأيسرُها تنقية ُ الأطراف التي تتكشّفُ كثيرا ً، ومتى أبصرت نقية ً من الدرن، قبِلَها القلبُ، واستحسنها العقلُ، والله تعالى شرع لنا دينا ً ذكر أنّه فطرة الله التي فطر النّاس عليها، فشرع ما استحسنوه في عقولهم)).
ب الرِّجلِ؛ بالكسر من أصل الفخذ إلى القدم، وقرئ ((وأرجلكم)) بالجر والنصب، وظاهر الآية، متروكٌ بالإجماع والسنة المتواترة.
الفطر: إيجاد الشيء ابتداءا ً وابتداعا ً يُقال: فطر الله الخلق فطرا ً إذا ابتدَعهُم، والفطرة الخِلقة، وهي من الفطر كالخِلقةِ من الخلقِ في أنّها اسم للحالة، ثمّ إنّها جُعلِت اسما ً للخِلقةِ القابلةِ لدينِ الحقّ، الحديث ُ على الخصوصِ، وعليه الحديث المشهور ((كلّ ُ مولود ٍ يولد على الفِطرة)) ثمّ صار اسما ً لملة الإسلام نفسها؛ لأنّها حالة من أحوال صاحبها، وعليه قوله: قصّ الأظافر من الفطرة.
في " التحفة ": غسل مرةٍ واحدةٍ فرضٌ عند عامّة العلماء.
وقال بعض الشيعة الفرض: هو المسح لا غير، للقراءة، الرجلينِ بالكسرِ والنصب أيضا؛ لكونه عطفا ً على محل برؤوسكم.
وعن الحسن البصري - رضي الله عنهم - أنه قال: يُخيّر بين الغسلِ والمسحِ.
وقال بعضهم: إنّه يجمع بينهما.
والصحيح قول: عامة العلماء؛ لأنّ القراءة بالنصب تنصيصٌ على الأمر بالغسل؛ لأنّه عطفٌ على الأيدي، والعطف على المحل لا يجوز في موضعٍ يؤدي إلى الإلتباس، وإنّما ذلك في موضعٍ لا يؤدي إلى الاشتباه.
والقراءة بالجر عطفٌ على الأيدي أيضا ً؛ وإنّما صار مجرورا ً بالمجاورة كما يقول: جحرُ ضب ٍ خرب ٍ.
أو يقول: لمّا كان يحتمل ما ذكرنا ويحتمل ما ذكره الخصم صار كالمُجمل فيتوقف على البيان. وقد روي: أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - توضأ وغسل رجليه وقال: ((هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به))؛ فيكون بيانا ً لما في الآية هو الصحيح.
قوله: (المفروض في مسح الرأس مقدار الناصية):
أي المفروض الذي ثبت بالكتاب عندنا هذا المقدار، فإن قيل: لو كان هذا المقدار فرضا ً؛ لحُكِم بكفر من أنكر هذا المقدار، ولا يكفّر، بل المنكر لأصله يكفّر، قلنا: لا يلزم من كونه فرضا ً أن يكفّر جاحده، فإنّه فرضٌ مختلفٌ فيه.
قوله: (مسح على ناصيته):
فإن قيل: البيّنة إذ خالفت الدعوى لا تقبل، وهنا قد خالفت؛ لأنّ المدعى هو المقدار لا الموضع المعيّن، فنقول هذا دليلٌ عليه؛ لأنّ الكتاب مُجمل في حقّ المقدار، فحُمل الخبر على بيان مُجمل الكتابِ، وإنّما قلنا أنّه مُجملٌ في حقّ المقدار؛ لأنّه لا يُعلَم كم مقداره، سدسٌ، أم ربعٌ، أم غيرُهما، فإن قيل: يكون المراد البعض، قلنا: ليس الأمر كذلك إذا هو يحصل بغسل الوجه، فما الفائدة حينئذٍ لقوله: (وامسحوا)، أو نقول إن دعواه مطلقة ً، وهو المفروض في مسح الرأس مقدار الناصية، وقد أقام الدليل على معيّن، فكيف يثبُت دعواه؟ فالجواب عنه: الدليل على الشيء، أمّا أن يكون باعتبار انتفاءِ ما يناقضه، أو بإثبات الدليل عليه ابتداءً، والعلم بهذا الحصر ظاهر.
مثال: الثاني من الشكل الأول من الضرب الثالث: بعض الموجوداتِ مؤلفٌ، وكلّ مؤلفٍ محدَثٍ، فبعض الموجوداتِ محدثٍ، فهذا دليل ابتداؤه على المطلوب، وهو بعض الموجودات يحدث.
مثال الأول من الشكل الثاني، لو كانت الشمسُ طالعة ً، فالنّهارُ موجودٌ، لكنّ النّهار ليس بموجودٍ؛ فلا تكون الشمسُ طالعة ً، وما نحن فيه مثال الأول؛ لأنّه لما ثبت أنّ النّبي - صلى الله عليه وسلم - مسحَ ناصيتَه.
إنتفى قولُ مالكٍ - رضي الله عنه - ضرورة ً، وهذا ظاهرٌ، وكذلك قول الشافعيّ - رضي الله عنه -؛ لأنّ مقدارُ الناصية ليس بسنّة، إذ السنّة هي الاستيعاب، وليس بمستحبٍ، إذ المستحب هو الاستيعاب أيضا ً، فتعيّن الفرضية ضرورة ً، فثبت المدعي سالما ً عن المعارض، ونتمسّك بفعل النّبي - صلى الله عليه وسلم -، على انتفاء قول الخصم، لا على إثبات المدعى ابتداءً، فإذا انتفى قولُ الخصمِ، يثبت قولنا؛ لأنّ الثابت، إمّا قول الخصمِ، أو قولنا، أو نقولُ لمّا ثبت المعيّن بالدليل، فقد ثبت المطلق؛ لأنّه في ضمن المعيّن، لكنّه أثبت المعيّن بالدليل قصداً، فثبت المقصود ضمنا ً، إذا المطلق لازمٌ للمعيّن، ووجود الملزوم يستلزم ثبوت اللازم.
فإن قيل: الكتاب يوجبُ مسحُ مطلقُ البعضِ، وقيدتموه بمقدارِ النّاصية بالخبرِ، فقد وقعتم فيما أبيتم عنه، وهو الزيادة على المطلق من الكتاب بخبر الواحد.
فنقول: الكتاب ليس بمطلقٍ في باب المسح، فإنّ حكم المطلق أن يكون الآتي بأي فردٍ، كان آتيا ً بالمأمور به، والآتي بأي بعضٍ كان هنا ليس بآتٍ بالمأمور، فإنّه لو مسح على النّصف، أو الثلث، لا يكون الكلّ فرضا ً، وبه فارق المطلق.
في " الخلاصة ": ((فإن زال شعرُ مُقدّم الرأسِ، الأصحّ أنّه لا يجب إيصال الماء إليه، ولو مسح الرأس بأطراف أصابعهِ، يجوز كالماء المتقاطرِ هو الصحيح.
ولو مسح رأسه بما أخذ من لحيته لا يجوز، وإن كان في كفّه بللٌ فمسح به أجزأه سواءً أخذ الماء من الإناء وغسل ذراعيه وبقي البلل في كفّه هو الصحيح.))
قوله: (أتى سُباطة قومٍ أي خربة قوم):
في " الظهيرية ": ((ولا بأس بالبول قائما ً))، كذا ذكره الطحاوي في شرح الآثار وأخباره، وقد صحّ إنّ النّبي - صلى الله عليه وسلم - (أتى سُباطة قومٍ فبال قائما ً)، قيل: كان ذلك، لحرج ٍ في مأبضه والمأبض باطن الركبة.
في " السراجية " ويُكرهُ أن يبولَ قائما ً، إلا من عذرٍ به، السباطةُ: الكناسة ُ والمُراد بها في الحديث، مُلقي الكناسات على تسمية المحل باسم الحال عن الخطابي - رضي الله عنه -.
(وسنن الطهارة)
في " اللامشي ": السنة في اللغة: عبارة ٌ عن مطلق الطريق خيرا ً كان أو شرا ً قال - عليه السلام - ((من سنَّ سنّة حسنة)) الحديث، أي وضع طريقة ً حسنة ً، ومن سنّ سنّة ً سيئة ً، أي وضع سنة ً سيئة ً، ويُقال لفلان ٍ سنة ً مرضية ً، أي سيرة ً حسنة ً، ولفلان ٍ سنّة ً مذمومة ً، أي سيرة ً مذمومة.
وفي الشرع: لا يستعمل إلا في الخير، وهي الطريقة المسلوكة في الدين، وسنّة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أي طريقته المرضية، وسيرته المحمودة وحده، ما واظب عليه، صلى الله عليه وسلم، من غير إيجاب.
م قوله: (سُننُ الطهارة) ((قال الإمام: المعروف من سنَّ سنّة ً حسنة - رضي الله عنه -.
حدّ السنّة ما يفعله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على سبيل المواظبة، ويؤجُر بإتيانها، ويلامُ على تركِها، وهي تتناول: القولي، والفعلي، والطهارة: محل لهذه السنن فيكون إضافة ٌ إلى محله)).
قوله: (غسلُ اليدين قبل إدخالِهما الإناء)
قال الأستاذ - رضي الله عنه -: غسلُ اليدين فريضة ً، أما تقديم غسلِهما إلى الرسغين فسنّة؛ لكنّه ينوب عن الفرض حتى لا يجب غسله ثانيا ً، وهذا كالفاتحة، فإنّه تنوب عن الواجب بخبر الواحد، وعن
الفرض بالنّص، وذكرُ الإناءِ، بناءً على عادتهم؛ لأنّه كان لهم أنوارٌ على أبواب المساجد يتوضؤون منها، وفي ديارنا الأجانات في الحمّام بمنزلة ذلك.
وكيفية ُ الغسل ِ: إن كانَ الإناءُ صغيرا ً يأخذهُ بشمالهِ، ويصبَّ الماءُ على يمينهِ ثلاثا ً، ثم َّ يأخذ ُ بيمينه، ويصبّ على اليسرى كذلك، وإن كان كبيرا ً كالجبِّ، إن كان معه كوز ٌ صغيرٌ يفعلُ كما ذكرنا، وإن لم يكن أدخلَ أصابعَ يدهِ اليُسرى مضمومة ً في الإناءِ ويصبّ على كفّه الأيمن ويدلكُ الأصابعَ بعضُها ببعض ٍ حتّى يطهرَ، ثمّ يُدخلُ اليمنى في الإناءِ ويغسلُ اليسرى.
في " الذخيرة ": وإذا أرادَ أن يتوضأ َ، يبدأ ُ فيغسل يديهِ ثلاثا ً فيستنجي ويغسلْ وجههُ، ثمّ يغسل ذراعيهِ، واختلفَ المشايخ ُ في غسلِ الذراعينِ قال بعضهم: يغسلُ الذراعينِ لا غير؛ لأنّه حصلَ غسلُ اليدينِ مرة ً فلا يلزمه ُ الإعادة.
((قال شمس الأئمّة السرخسي: الأصحّ عندي أنّه يعيد غسل اليدين ظاهرَهما وباطنَهما؛ لأنّ
الأوّل كان سنّة الافتتاح فلا ينوب عن فرض الوضوء وأنّه مُشكِلٌ، لأنّه المقصود التطهيرُ فإذا حصل التطهير بأي طريق ٍ فقد حصل المقصود، فلا معنى للإعادة)).
في " مفاتيح المسائل ومصابيح الدلائل لحجّة الدين البلخيّ - رضي الله عنه - ": المسافر يجد ماءً قليلا ً ويداه نجستان، وليس معه شيءٌ يَغترِفُ به الماء، فإنّه يأمر غيره، أنْ يغترف بيديه، فيصبَّ على يديه فيغسلهُما، وأنْ لم يجد غيره، يرسلُ في الماء منديلا ً، أو ثوبا ً، وأخذ طرفه في يده، ثمّ يخرج من البئر، فيغسل يده بقطراته، ثمّ يغسل اليد الأخيرة، أو يأخذ ثوبا ً بأسنانه، فيغسل يديه بالماء الذي يتقاطر ثلاث مرات ٍ، فإن لم يجد ذلك، يرفع الماء بفمه، ويغسل يديه، أو يرفع الماء بفمه فيغسل إحدى يديه ثم يرفع الماء باليد الطاهرة فيصب على اليد النّجسة، ويدلك أصابعه ويغسلها، وإن كان لا يمكنه ذلك، فإنّه يتيمّم ويصلي ولا إعادة عليه.
في " الخلاصة " ((ولو أخذ الجنب أو الحائض أو المحدث، الماء بفيه، لا يريد به المضمضة، لا يصير الماء مستعملا ً، عند محمد ٍ - رضي الله عنه -: وكذا لو غسل أعضاؤه بذلك الماء لكن لا يبقى طهورا ً عند أبي يوسف - رضي الله عنه - وهو الصحيح، ولو نوى المضمضة، ثم نفخ في الثوب لا ينجّسه))، وسبب وجوب الوضوء الحدث، وبه أخذ الإمام السرخسي - رضي الله عنه -.
وقال بعضهم: إقامة ُ الصلاة.
م قوله: (إذا استيقظ المتوضئ من نومه) ((يحتمل أن يكون هذا الشرط وقع اتفاقا ً، فإنّ غسل اليدين أولا سنّة مطلقا ً، يدلّ عليه، أنّه لم يقيّد بهذا الشرط.
في قوله في المبسوط: وعلل الإمام خواهرزاده - رضي الله عنه - فقال: وإنّما سنّة البداية بهما، لأنّه لو كان على يده نجاسة ً حقيقية ً؛ يجب غسلها أولا ً؛ كيلا يتنجس وجهه قبل غسل يديه)).
في " الفتاوى الكبرى ": ولو أدخل الرجل إصبعا ً أو أكثر منه دون الكفّ، يريد غسله لم يتنجس الماء، ولو ادخل الكفّ يريد غسله نجُس الماء، لأنّه في الوجه الأوّل ضرورة ً، وفي الوجه الثاني لا، فهذا على قول من يجعل الماء المستعمل نجس ٌ، أمّا على قول ما اخترناه فلا.
في " التهذيب ": لو أدخل يده في الإناء لا يصير الماء مستعملا ً، بخلاف الرجل، لأنّ في اليد ضرورة ً، حتى لو كانت في الرجل ضرورة ً، بأن نزل بئرا ً لطلب الدلو أيضا ً، لا يصير الماء ماء ً مستعملا ً.
في " الخلاصة ": ((وإن أدخل كفّه في الإناء يريد غسله تنجّس، وهذا قول أبي يوسف - رضي الله عنه -، وهو إحدى الروايتين عن أبي حنيفة - رضي الله عنهم -، أما على قول محمد ٍ - رضي الله عنه -، وهو قول أبي حنيفة َ - رضي الله عنهم - في الصحيح أنّه طاهر ٌ وعليه الفتوى))، ويغسل يديه قبل الاستنجاء وبعده هو المختار
في " الشامل البيهقي ": توضأ بماء جبّ، بوضع كوزه على الأرض جاز؛ لأنّ الأرض
أصلها على الطهارة
ب النور: إناء ٌ صغيرٌ يُشربُ فيه ويُتوضأ به.
الإجانة: المَرْكَن وهو شَبَهُ لِقَنٍ يُغسل فيه الثياب والجمع أجاجين والإجانة عاميّة.
قوله في " السرّاجية ": يكره أن يستخلص الإناء لنفسه، قوله: فمن البداية بتنظيفها، أي عند القياس حالها كي لا يؤدي إلى التنجّس عينه، فإنّه لمّا كان كذلك، يكون تركه مكروها ً، إذ الكراهة باحتمال النجاسة وبسقوط حكمها بضرورة ٍ، يمكن الاحتراز عنها في الجملة، وإذا كان ترك التنظيف مكروها ً، يكون الإتيان به سنّة ً، إذ السنّة: إعدام المكروه، لِما عُرِف في أصل الفقه، أنّ سنّة الهدى ما يستوجب تركُها إساءة ً من الشاهد.
قوله: (وتسمية الله تعالى في ابتداء الوضوء)؛
في " الطحاوي ": التسمية أن يقول بسم الله العظيم ويحمده.
في " شرح المقدمة " وموضعها بعد الاستنجاء.
في " الظهيرية ": ((روي عن أبي يوسف - رضي الله عنه -، وعن الشافعيّ - رضي الله عنه -، عند غسل الوجه كذا في شرح المقدمّة، والتسمية سنّة، وقيل إنّها فرض ٌ عند البعض
وفي ظاهر الرواية، إنّها أدب ٌ، فإنّها ذكرت بلفظ الاستحباب، والصحيح هو الأوّل)).
هـ والأصحّ أنّها مستحبة وإنْ سمّاها في الكتاب سنّة، ويسمّي قبل الاستنجاء وبعده، هو الصحيح.
قوله: (لا وضوء لمن لا يسم ِّ).
فان قيل: لا نقول بالوجوب كالفاتحة، قلت؛ لأنّ التسمية من مكملات الطهارة، التي هي شرط الصلاة، وشرط الشيء تبعٌ لذلك الشيء، ومكمّل الصلاة، كالفاتحة وغيرها واجب ٌ، فمكمّل الشرط، وهو دونها يكون أدنى حالا ً منه، إظهارا ً للتفاوت.
من الشاهان.
م قوله: (والسواك)
((أي استعمال السواك وهو المسواك على حذف المضاف لأمن الالتباس)).
في " التحفة " أي حالة المضمضة تكميلا ً للانقاء.
في " المحيط ": ((وينبغي أن يكون السواك من أشجار مُرة ٍ، لأنّه يطيِّبُ نكهة الفم ويشدُدُ الأسنان، ويقويّ المعدة، وليكن رطبا ً في غُلظِ الخنْصِرِ، وطولِ الشّبر.
ولا تقوم الأصابع مقام الخشبة، وإن لم توجد الخشبة، فحينئذ ٍ تقوم الأصابع
مقام الخشبة)).
في " فتوى الحجة " قال عبد الله بن المبارك - رضي الله عنه -: لو أن أهل قرية ٍ اجتمعوا على ترك سنّة السواك نقاتلهم ما نقاتلُ المرتدين لكيلا يجترئ النّاس على ترك أحكام الإسلام صيانة ً للإسلام عن الانثلام والانهدام وقوة للدين ونصرة ً للمسلمين.
في " التحفة " وكيفية المضمضة والاستنشاق: أن يُمضمِضَ أولا ً ثلاثا ً ثم يستنشق ثلاثا ً يأخذ لكلّ واحدٍ منهما ماءً جديدا ً في كلّ مرّة.
وقال الشافعيّ - رضي الله عنه -: السنّة أن تجمع بين المضمضة والاستنشاق بماء ٍ واحد ٍ ثلاث مرات ٍ فيأخذ الماء بكفّه فيمضمض ببعضه ويستنشق بعضه، ثم هكذا في المرة الثانية والثالثة.
وصورة مسح الأذنين: أن يمسح ظاهرهُما وباطنهُما بماء ٍ الرأس، لا بماء ٍ جديد ٍ، وقال الشافعيّ - رضي الله عنه -: يمسحهُما بماءٍ جديدٍ لا بماءِ الرأس.
ي قوله: (فتخليل اللحية).
فالمذكور إنّما هو قول أبي يوسف - رضي الله عنه - وقال أبو حنيفة ومحمّد - رضي الله عنه -: تخليلُ اللّحية ليس بسنّة وإنّما هو مستحب.
م ((وكيفيته أن يُدخِلَ أصابعه فيها ويخلل من جانب الأسفل إلى فوق، وهو المنقول عن شمس الأئمة الكردري - رضي الله عنه -)).
في " النّصاب ": إذا كان شارب المتوضئ طويلا ً، ولا يصل الماء تحته عند الوضوء، جاز، وعليه الفتوى، بخلاف الغسل.
وروي، أنّ خالد بن الوليد - رضي الله عنهم - كان يطوّل شاربَه؛ ليكون أهيب.
وعن أبي حنيفة - رضي الله عنهم -؛ مقدارُ الشارب، مقدارُ الحاجب، والحلق فيه مكروه ٌ، وهو الأصح.
قوله: (لأن السنة إكمال الفرض في محله)
فان قلت: يُشكِل بالمضمضة والاستنشاق، بأنّها سنّتان، وداخل الفم والأنف ليس بمحلّ الفرض في الوضوء، قلت: الفم والأنف من الوجه من وجه، وأما الأُذنان؛ فلما جُعِلَتا من الرأس، كان المسحُ في محلّ الفرض من الشاهان
قوله: (والأصابع)
في " التحفة " بعد إيصال الماء إلى ما بين الأصابع
والتخليل للمبالغة سنّة فأمّا إيصال الماء إلى ما بين الأصابع فرض ٌ، في بداية الهداية
في " التهذيب ": وفي آداب الوضوء: ثم اغسل رجلك اليمنى مع الكعبين وتخلل بخنْصِر يدِكَ اليسرى أصابعَ رِجلك اليُمنى مع الكعبين وتخلل بخُنصر يدك اليسرى أصابع رجلك اليمنى مبتديا ً من خنصرها حتى تختم بخنصر اليسرى وتدخل الأصابع من الأسفل وينبغي أن يكون تخليل الأصابع واجبا ً نظرا ً إلى الأمر، إلا أنّه لا مدخل للوجوب في الوضوء؛ لأنّه شرط الصلاة، فيكون تبعا ً لها، فلو قلنا بالوجوب هنا كما في الصلاة يساوي للتبع الأصل.
قوله: (فقد تعدى وظلم)
لفظ ٌ تعدّى يرجع إلى الزيادة؛ لأنّه مجاوزةُ عن الحد ِّ، قال الله تعالى: ((وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ))، ولفظ ظلم، يرجع الى النقصان
قال الله تعالى: ((وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً))، أي ينقصه.
قوله: (الأ ُذنان من الرأس)
فإن قلت فعلى هذا ينبغي أن يكون المسحُ عليهما كجزء ٍ عن مسح الرأس قلت: افتراضُ مسح الرأس بالكتاب، ولا شُبهة في كونه فرضا ً، وكون الأذنين من الرأس، إنّما يثبت بخبر الواحد، وفي الثبوت به شبهة ً، والثابت باليقين لا يسقط بالشكّ، وهذا كما جاء الخبر، ((الحطيم من البيت))، ومن صلى إلى الحطيم لم يُجزه؛ لأنّ التوجّه إلى البيت افترِض بنصّ الكتاب ولا شبهة فيه، وكونُ الحطيمِ من البيت بخبر الواحد ثبت وفيه شبهة ٌ، فلا يسقط الواجب يقينا ً بالشكّ.
من " الشاهان " قوله: (تكرار الغسل إلى الثلاث في لو توضأ مرة سابقة أجزأه)
ولا كراهية فيه، ولكنّ المرتين أفضل، والثالث أفضل من المرتين، وكيفيته أن يبدأ من رؤوس الأصابع في غسل اليدين والرجلين.
في " الظهيرية ": ((المرّة السابقة في الغسل فرض ٌ، والثانية فضل ٌ، والثالثة تمام السنّة.
وتفسيرُ السَبوغِ، قال هشام: عن أبي يوسف - رضي الله عنه -، هو أن يجعل الماء على أعضائه كالدّهن. وقال خلف بن أيوب - رضي الله عنه -: هو أن يسيل الماء على أعضائه تسيّلا ً يتقطرّ)).
قال الفقيه أبو جعفر - رضي الله عنه -: هذا في الصيف لأنّ الأعضاء فيه مرخيّة، أما في الشتاء فيبلَّ به الأعضاء أولا ً، ثمّ يسيل الماء على أعضائه؛ لأنّها متشنّجة ً في الشتاء فلا يصل الماء إليها إلا بما وصفتُ لك، وإن اكتفى بالمرّة الواحدة.
قيل: بأنّه يأثم؛ لأنّه ترك السنّة المأثورة.
وقيل: بأنّه لا يأثم؛ لأنّه أتى بما أمره ربه.
وفي " فتاوى الحجة ": وينبغي أن يغسل الأعضاء كل مرة غسلا يصل الماء إلى جميع ما يجب عليه غسله في الوضوء
فلو غسل في المرّة الأولى وبقي موضعٍ يابسٍ، ثمّ في المرّة الثانية يصيبُ الماء بعضه، ثمّ في المرة الثالثة يصيب مواضعَ الوضوء، فهذا لا يكون غسل الأعضاء ثلاث مراتٍ
ولا يتوضأ في المواضع النجسة لأنّ لماء الوضوء حرمة.
" اللامشي " قوله: (ويستحب للمتوضي ان ينوي الطهارة)
المستحب ما يكون مدعوا إليه على طريق الاستحباب دون الإيجاب.
قال فخر الإسلام رحمه الله: يعني من النيّة، إرادةُ الصلاة أو عبادة ٌ لا تستَغنى عن الطهارة.
وموضعُ الخلاف: أنَّ المتوضئ إذا نسي مسح رأسه فأصابه المطر، أو أجرى الماء على أعضاء وضوءه، أو علم النّاس وضوءه فالحاصلُ، أنّ النيّة شرط ٌ للوضوء، الذي هو قربة ٌ وعبادة ٌ
بالاتّفاق، وإنّما الخلاف في أنّ الوضوء الذي هو غير منويٌ به هل يكون مفتاحا ً للصلاة أم لا؟ في اللامشي: المندوب إليه هو المدعوّ إليه على طريق الإستحباب دون الحتْم، والاستحباب مأخوذ ٌ من الندّب، وهو الدعاء وحده ما يكون إتيانه أولى من تركه، وقيل ما يكون في إتيانه ثواب ٌ وليس في تركه عقاب.
قوله: (ويستوعب رأسه بالمسح)
وكيفيته، أن يضع من كل واحدة ٍ من اليدين ثلاثة أصابعَ على مقدّم الرأس، ولا يضع الإبهام والسبّابة، ويجافي بين كفّيه ويمدّهما إلى القفاء ثمّ يضع كفّيه على مؤخر رأسه ويمدّها إلى المقدّم، ثم يمسح ظاهر أذنيه بإبهاميه وباطنهما بِمِسْبَحَتيه، فإن قيل ينبغي أن يكون سنّة، لأنّ الاستيعاب للإكمال، قلنا: التكميل تارة ً يقع بالاستحباب ومرة ً يقع بالسنّة، ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (أوّلُ ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة فإن صَلحت، فقد أفلح وأنجحَ، وإن فسدت فقد خاب وخسِر، وإن نقصت تُكمّل بالنوافل)، فثبت أنّ التكميل بكلا النوعين.
ب صلح الشيء، من باب طلب
وقد جاء في باب قرب صلاحا ً وصَلوحا ً، رجل ٌ شعره أرسله بالمِرجَلْ، وهو المشط، وترجّل، فعل ذلك بشعْرِ نفسه.
في " التّحفة " قوله: وبالميامن: البداية بالميامن سنّة الوضوء، وغيره من الأعمال، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: (إن الله يحب الميامن في كل شيء حتى التنفل والترجل).
وكذلك الموالاة: وهو أنْ لا يشتغلَ بين أفعال الوضوء بعملٍ ليس منه.
وقال مالكٌ - رضي الله عنهم -: إنّه فرض.
في " الطحاوي ": لأنّ جفاف الأعضاء كلها بعد الطهارة لا يبطله، فجفافُ البعضِ وجبَ أن لا يبطله، كالتجفيف بالمنديل.
ثمّ كمال السنّة في الوضوء: أن يبدأ بالنيّة، والتّسمية، ويبدأ بيديه فيغسله ثلاثا ً، ويقول بسم الله العظيم وبحمده، ثمّ يفيض الماء بيده اليُمنى على اليُسرى، ويغسل فرجَه، ثمّ يقول: اللهمّ اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين، واجعلني من عبادك الصالحينَ، ثمّ يضرب بيده على الحائط، أو على الأرض، ثمّ يغسلها ثلاثا ً، ثم يمضمض فاه ثلاثا ً
ويقول: اللهم أعنّي على تلاوة القرآن، وذكرك، وشكرك، وحسنَ عبادتك، ثم يستنشق ثلاثٍ ويقول: اللهم ريّحني، أو يقال، أرحني رائحة الجنّة.
والسنّة فيهما المبالغة، إلا أن يكون صائما ً، ثمّ يغسل وجهه ثلاثا ً، ويقول: اللهمّ بيّض وجهي يوم تبيضّ وجوهٌ، وتسودّ وجوهٌ، ثمّ يغسل ذراعيه مع المرفقين، فعند غسل اليمنى يدعو، أو يقول: الله أعطني كتابي بيميني، وحاسبني حسابا ً يسيرا ً، ويدعو عند غسل اليد اليسرى، ويقول: اللهم لا تعطني كتابي بشمالي، ولا من وراء ظهري، ثم يمسح برأسه، ويقول: اللهمّ
غشّني برحمتك، ونجّني من عذابك، وأنزل عليّ من بركاتك، وأظلني تحت عرشك يوم الإظلالُ عرشُكَ.
ثمّ يمسح أذنيه مرّة ً واحدة ً، ويقول: اللهم اجعلني من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، ثم يمسح عنقه، ويقول: اللهمّ اعتق رقبتي من النّار واحفظني من السلاسل والأغلال، ثمّ يغسل رجليه ثلاثا ً ويدعو: اللهم ثبّت قدمي على الصراط المستقيم يوم تزول عنه الأقدام، أو
يقال، يوم تزول فيه، وهذا هو السنّة، وأما الكفاية التي لا بدّ منه؛ أن يغسل الأعضاء الأربعة مرّة ً مرّة ً، ويسيل الماء على الأعضاء، فإذا فعل ذلك أجزأه، ولكنّه يكون مسيئا ً؛ لترك الأفضل والسنّة، والأفضل له أن يأتيَ بجميع ما ذكرنا ولا يقتصر على الفرائض، بل يجتهد لإكمال السنّة.
في " فتاوى الحجة ": ويُكره صبّ الماء في الوضوء زيادة ً على العدد المسنون، والقدر المعهود في الخبر: ((شرار أمتي الذين يُسرفون في صبِّ الماء)) و التكلم في حالة الوضوء مكروه، وفي حالة الاغتسال أشدّ كراهة.
في " المحيط ": ((من آداب الوضوء أن لا نسرف الماء: ولا نقتر، هكذا ذكر شيخ الإسلام رحمه الله، وذكر شمس الأئمة الحلواني - رضي الله عنه - هذا سنّة.
ومن الأدب أن يقول عند غسل كلّ عضو: ((أشهد أنّ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، واشهد أنّ محمدا ً عبده ورسوله))، به ورد الأثر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
ومن الأدب: أن لا يتكلم فيه بكلام الناس، ومن الأداب أن يقوم في أمر الوضوء بنفسه؛ لحديث عمر - رضي الله عنهم - فإنه قال: إنا لا نستعين على طهورنا بأحد، ومع هذا لو استعان بغيره جائز بعد أن لا يكون الغاسل غيره، بل يغسل بنفسه، وقد صح أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استعان بالمغيرة - رضي الله عنهم -، وكان المغيرة - رضي الله عنهم - يفيض الماء، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يغسل.
ومن الأدب أن لا يترك عورته مكشوفة، يعني بعد الاستنجاء، وقد قيل ((أن الشيطان يلعب بمقاعد بني آدم إذا وجدها مكشوفة))
ومن الأدب: أن يتأهب للصلاة قبل الوقت؛ لما روي عن عبد الله بن المبارك رض انه قال:
من لم يتأهب للصلاة قبل الوقت لم يوقر لها.
ومن الأدب: أن يقول بعد الفراغ من الوضوء: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، استغفرك وأتوب اليك، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
ومن الأدب: أن لا يمسح سائر أعضائه بالخرقة التي يمسح بها موضع الاستنجاء.
ومن الأدب: ان يستقبل القبلة عند الوضوء أو في خلال الوضوء بعد الفراغ من الاستنجاء.
ومن الأدب ان يقول بعد الفراغ من الوضوء أو في خلال الوضوء: ((اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين)).
ومن الأدب: أن يشرب فضلَ وضوءه أو بعضه مستقبل القبلة أن شاء قائما ً، وإن شاء قاعدا ً، هكذا ذكره شمس الأئمة الحلواني، وذكر شيخ الإسلام المعروف بخواهر زاده - رضي الله عنه -: أنه يشرب ذلك قائما ً وقال: لا يشرب الماء قائما ً إلا في موضعين؛ أحدهما هذا، والثاني عند زمزم.
ومن الأدب: أن يصليّ ركعتين بعد الفراغ من الوضوء؛ لما رُوي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لبلال: ((مالك سبقتني إلى الجنّة، قال وكيف ذلك يا رسول الله، فقال - عليه السلام -: كنت امشى البارحة إلى الجنّة فسمعت أمامي خَشخشَتك بجزم الشين أوبفتح الشين، فنظرت فإذا هي أنت، فقال بلال: - رضي الله عنهم - ما توضأت قط إلا رأيت على نفسي أن اسجد لله ركعتين، وفي رواية ما توضأت إلا وصليت ركعتين فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: هي ذلك الخَشخَشة) بالجزم؛ صوت للنعلين، وبالفتح الحركة.
ومن الأدب: ان يملأ آنيته بعد الفراغ من الوضوء لصلاة ٍ أخرى)).
في " تفسير الزاهدي " قوله تعالى: {وَإِذْ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ} ‘ عن ابن عباس ٍ - رضي الله عنهم - أنّه قال: الكلمات عشر خصال ٍ؛ خمس ٌ في الرأس، وخمس ٌ في البدن، أما التي في الرأس، ففرقُ الرأسِ، والمضمضة، والاستنشاق، والسواك، وقص الشارب.
والتي في البدن؛ تقليم الأظفار، ونتّف الإبط، وحلق العانة، والإستنجاء بالماء، والختان وهي كانت له فرضا ً، ولنا سنّة، وقد أتمّها إبراهيم - عليه السلام - فمدحه الله تعالى فقال: {وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي
وَفَّى} وروي: أنّ ابراهيمَ - عليه السلام - كان اختتن، وهو ابن ثمانين سنة ً بالقدّوم، وهو: اسم قرية ٍ بالشّام، ولم يرد القدوم من الحديد، ومن قال ذلك فهو جاهل ٌ به.
وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنّه قال: عشرٌ في الفطرة، وذكر هذه الخِصال، وذكر مكان فرق الرأس، إعفاء اللحى، مكانَ حلق العانة، الإستحداد وهو مكان حلق العانة.
في " فتاوي الحجة ": وجاء في الخبر: أنّه يُكره تقليم الأظفار، وقصّ الشّارب، في يوم الجمعة قبل الصلاة، إعفاءٌ لما فيه من معنى الحجّ، ويُكره قبل الفراغ من الحجّ، قضاء التفث، وحلق الشعر، وقصّ الشارب، وتقليم الأظافر، وجاء في الخبر: ((من قلّم أظافره يوم الجمعة أعازه الله من السؤال إلى الجمعة القابلة وثلاثة أيام))، ورأيت في بعض الروايات، أنّه يقلّم، ويقصّ بعد صلاة الجمعة، علما ً بالأخبار فكأنّه حجّ واعتمر ثمّ حلق وقصّ وقصر.
وفي " التهذيب ": قوله تعالى: {وَإِذْ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ}، أي بعشّر خصال ٍ: الفرقُ، وقصّ الشّارب، والمضمضة، والاستنشاق، والسواك، وتقليم الأظفار، ونتف
الإبط، وحلق العانة، والختان، والاستنجاء، فهذه الخصال سنّة لكم، خير الرجل: بين الفرق والحلق، ويكره القزع: وهو أن يحلق البعض ويترك البعض مقدار ثلاثة أصابع،
وقصّ الشّارب: أن يوازي الشفة العليا، وذكر الطحاوي: أنّ حلق الشّارب سنّة، ونسب ذلك إلى العلماء الثلاثة.
وفي الإبط؛ يجوز الحلق، والنّتف أولى.
والعانة، لو عالج بالنّورة، يجوز وقت الختان، من سبع ٍ، إلى عشرِ سنين، وعن النّبي - صلى الله عليه وسلم - أنّه قال: ((الختان للرجال سنة وللنساء مكرمة)) وقيل الختان للرجال واجب ٌ
وقيل: فريضة.
وقيل لا تقبل شهادة الأقلف.
وقيل لا يجوز الصلاة خلفه.
في " الكبرى ": قال رجل ٌ؛ إن يبلغ ولدي الختان، فلم اختنْه، فامرأتي طالق، قال الفقيه أبو الليث - رضي الله عنه -: ينبغي أن يحنث إذا أخّر عن عشر سنين؛ لأن ابتداء الوقت المستحب للختان إن بلغ سبع سنين إلى عشر سنين؛ لأنّه إذا بلغ سبع سنين يؤمَر بالصّلاة، فيؤمر بالختان، حتى يكون ابلغ في التطهير لصلاته، ونهاية الوقت عشر سنين، والمختار أنه لا يحنث ما لم يؤخر عن اثني عشرة سنة ً لأنّ هذا أدنى وقت يُحكَم فيه ببلوغ الصبيّ إذا احتلم.
في " الظهيرية ": رجلٌ قال؛ إن بلغ ولدي الختان فلم أختنه فامرأتي طالق.
قال الفقيه ابو الليث (- رضي الله عنه -:إن أخّر الختان عن عشر سنين ينبغي أن يحنث.
وغيره من المشايخ قال: لا يحنث ما لم يؤخر الختان عن اثنتي عشرة سنة، وعليه الفتوى؛ لأنّ هذه أدنى مدة يتصور فيها البلوغ، فإنّ الصبيّ إذا بلغ هذا المبلغ وقال: احتلمت يُصدّق وقبل ذلك لا يصدّق)).
في " اللامشي ": شريعة من قبلنا، هل يلزمنا، أم لا؟ وصورته؛ ما ثبت بكتابنا، أم بقول رسولنا من غير إنكارٍ، لا ما ثبت بقول أهل الكتب من الكفرة، لأنّهم متهمون في ذلك، ولا ما ثبت بكتابهم لأنّه ثبت تحريف بعضهم لكتبهم، ولا ما ثبت بقول من اسلم منهم، لأنه تلَقنَ ذلك من كتابهم، أو سمع من جماعتهم، ومتى عرف موضع المسئلة.
فنقول: اختلفوا فيه، قال بعضهم يلزمنا ذلك، لقوله تعالى {فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ}.
ولما روي: أنّ النّبي - صلى الله عليه وسلم - رجم يهودييّن بحكم التوراة، وقال: (انا أحق بإحياء سنّة أماتوها).
وقال: في صوم عاشوراء (أنا أحقّ بإحياء سنّة أخي موسى - عليه السلام -).
وكل ذلك شريعة من قبلنا.
وقال بعضهم لا يلزمنا: لأنّ لكلِّ نبيّ شريعة ً على حدة؛ لقوله تعالى: ((لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً)).
وقال بعضهم: لا يلزمنا إلا شريعة إبراهيم - عليه السلام -؛ لقوله تعالى: ((فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً)). قال الله تعالى: {أَنْ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً}.
ولما روي: أنّ النّبي - صلى الله عليه وسلم - كان على أحكام شريعة ٍقبل مبعثه في أمورِ المناسك وغيره حتى كان الختان، ويأكل الذبيحة دون الميتة، وكان يفعل جميع ما ثبت له بقول الثقات من شريعته.
وقال مشايخنا: رئيسهم الشيخ الإمام منصور الماتردي - رضي الله عنه -: ما ثبت بقاءه من شريعة من قبلنا بكتابنا أو بقول رسولنا - صلى الله عليه وسلم -؛ صار شريعة لرسولنا فيلزمه ويلزمنا على أنّه شريعته لا شريعة من قبلنا؛ لأنّ الرسالة سفارة العبد بين الله وبين ذوي الألباب من عباده؛ ليبيّن لهم ما قصرت عقولهم من مصالح دارهم؛ فلو لزمنا شريعة مَن قبلنا كان رسولنا رسول من كان قبله من الرسل سفيرا ً بينه وبين أمته لا رسول الله تعالى وهذا فاسد.
قوله: (إنّه لا يقع قربة) وهذا بموجب العلة، حيث التزم ما التزمه الشافعيّ رحمه الله، يعني أنّ الوضوء بدون النّية لا تقع قربة ً، وهذا مسلّم ولكنّه يقع طهارة ً لاستعمال الطهورِ، والوضوء جُعِل شرطا ً للصّلاة
بوصف كونه طهارة ً لا بوصف كونهِ قربة ً، وهذا لأنّ الشارع سمّى الماء طهورا ً وهو ما يحصل به الطهارة، فاستعماله في محلٍ قابلٍ يحصل الطهارة قصدَ أولم يقصد.
كما إنّ الماء من في حلقه فاستعماله يحصل الذي قصَد أو لم يقصد، وكلّ نارٍ يحرق قصدا ً أو لم يقصد.
قوله ب: (لوقوعه طهارة).
فان قيل: في الوضوء مسح ٌ والمسح غير مطهرٍ بنفسه وضعا ً، قلنا: إنّ الماء مطهرٌ بنفسه لا بفعلنا إلا أنّه إذا أقلّ حتّى لم يكن شيئا ً لأضعفِ عن التطهير نجاسة َ الخفيفة؛ لأنّ تطيرها في إزالة عينها، وفيما نحن فيه نجاسة ٍ ضعيفة ٍ؛ لأنّه حكم دون العين، فاستغني عن الإزالة الطهر فصار البدل كالسائل الذي يقدر على الإزالة في إفادة الطهر.
كذا في " الأسرار" من السغناقي قوله: محمولٌ عليه بماءٍ واحدٍ، فإن قيلَ: اليد صار مستعملا ً بالمرّة الأولى؛ فكيف يُسن إيراده ثانيا ً، وثالثا ً؛ ولهذا قلنا: لو مسح بإصبع ٍ واحدة ٍ قدر ثلاث أصابع وأمره لم يجزه حتّى يعيد إلى الماء عندنا، خلافا ً لزفرٍ؛ لأنّ المسح يتأدّى بالإصابة فإذا وضع الإصبع تأدّى الغرض فيأخذ الماءُ حكمَ الإستعمال، قلنا: بلى يأخذ الماء حكم الإستعمال؛ لإقامة فرض ٍ آخر لا في إقامة السنّة لأنّها تبعٌ للفرض فلا يفصل عن الأصل. ألا ترى أنّه يُسنّ الاستيعاب بماء ٍ واحد.
قوله: (الفاء للتعقيب)
أي مع الوصل، لأنّه لو لم يدرج الوصل لا يثبت ما ادعاه بهذا، لأنّ غسل جميع الأعضاء يحصل عقيب القيام إلى الصّلاة إذا حصل بعد القيام لم يكن مرتبا ً.
وإما إذا كان الفاء للتعقيب مع الوصل: إقتضى لزوم وصل الوجه بالقيام إلى الصّلاة فلو قدّم غير الوجه عليه يبطل الوصل فلا يجوز تقديم غيره عليه، ثمّ غيره معطوف عليه بحرف الواو،
وذلك يوجب الترتيب، كما في قوله تعالى: {ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا}، لمّا وجب ترتيب غسل الوجه على القيام بمقتضى الفاء على ما ذكرنا بدون الفصل بشيءٍ آخر، ثبت الترتيب في سائر الأعضاء أيضا؛ لعدم القائل بالفصل، فإنّ كلّ من قال: لم يقل ذلك لم يقل هذا.
من " السغناقي " قوله: المذكور فيها حرف الواو، وقد أورد على الشيخ رحمه الله قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}، فاعتبار العمل الصالح إنّما يكون إذا كان مرتبا ً على الإيمان؛ فعُلم بهذا أنّ الواو للترتيب.
قال رضي الله عنه: وإثابة الجنّة ترتّب اعتبار العمل الصالح على الإيمان لم يعلم باعتبار الواو في هذه الآية بل بآية أخرى وهي قوله تعالى: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِنْ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ}، جعل الإيمان شرطا ً للعمل الصالح، والشرط مقدمٌ على المشروط أبدا ً، ولذلك ترتّب العمل الصالح على الإيمان باعتبار الواو.
من " السغناقي ": فيقتضي إعقاب غسل جملة الأعضاء، ويصير تقدير الآية والله أعلم كأنّه قال: إذا قمتم إلى الصّلاة فاغسلوا، هذه الآية عملا ً بموجب الحرفين الفاء والواو، وهذا كمن قال لآخر: إذا خرجت من الدار فاشتري خبزا ً، ولحما ً، وفاكهة ً؛ لفهم مطلق تحصيل هذه الجملة دون الترتيب حتى يخرج عن عهدة الآمر بأي ما بدأ من الشاهان.
وأمّا دلالة الإجماع: فإنّه لو انغمس في الماء بنيّة الوضوء أجزأه اتفاقا ً، وان لم يوجد الترتيب
وأمّا المعقول: فإنّهم وضعوا كلّ حرف دالا ً على معنى ً مخصوص ٍ، ثمّ إنّهم وضعوا الفاء، الترتيب مع الوصل، وثمّ للتّرتيب مع التراخي ومع القران فلو قلنا بأنّ الواو يوجب الترتيب والقرآن، كان تكرارا ً.
ولو قلنا: بأنّه يوجب الجمع من غير تعرض بأحدهما في أصل الوضع؛ كان كل واحدٍ منهما موضوع لمعنىً خاصٍ وهو الأصل، والترادف، والاشتراك خلاف الأصل
من " السغانقي " ى قوله: (والمعاني الناقضة للوضوء: كل ما يخرج من السبيلين)
احترازاً عن بعض الخارجان من غير السبيلين، كالدّمع، والمخاط، والعرق، واللّبن، واللحم الساقط عن الجروح، والدّم السائل عن الجراحة من غير أن يسيلَ إلى موضع ٍ يلحقه حكم التطهير، أعني به موضعا ً يجب عليه غسله في الجنابة وعلى هذا؛ الماء الصافي إذا أخرج من المعاني ناقضة أي العلل.
كما في قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((لا يحلّ دم إمرءٍ مسلمٍ إلا بإحدى معاني ثلاث)) بعض العلماء ذهبوا في هذا: إلى أن الرواية بإحدى معاني ثلاث؛ لأن المعاني جمع المعنى وهو مذكرٌ لكنّ الصحيح أنّ الرواية بإحدى معانٍ ثلاثٍ وتصحيحه أن يقال: بأنّ المراد من المعاني هنا العلل، وإنما قال المعاني اقتداء بالسلف؛ لأنهم كانوا يحترزون عن لفظ العلة؛ لأنها لفظ الفلاسفة.
النقض متى أضيف إلى الأجسام؛ يُراد به إبطال تأليفِها وتركيبها، ومتى أضيف إلى غير الأجسام؛ يراد خلوها عن المقاصد.
كلّ مُشتق ٍ من الإكليل: وهو تاج الرأس، كما أنّ الإكليل يحيط بجوانب الرأس، والكلّ محيط ٌ بجوانب المفردات.
م يخرج: أراد به خروج ما يخرج، لأنّ ما خرج عينٌ، ليس بمعنىً؛ فلا يكون علة
للانتقاض لأنّ العلة: عبارة ٌ عن معنى يحلّ بالمحلّ لا عن اختيار.
ب الوضوء: بالضمّ المصدر، وبالفتح الماء الذي يتوضأ به في الزاد.
وعند الشافعي - رضي الله عنه -: الخارج من غير السبيلين لا ينقض الوضوء.
والصحيح قولنا؛ لقوله - عليه السلام - (إنّما علينا الوضوء ممّا يخرجُ ليس ممّا يدخل)، وخروج الطاهر ليس مناقضٍ للوضوء بالإجماع؛ فتعيّن خروج النّجس، غير أنّ الخروج من السبيلين يُعرف بالظهور على رأس المخرج؛ لأنّه ليس بموضع للخارج، فكان الظهور عليه بالانتقال من الباطن إلى الظاهر.
فأمّا البدن فهو محلّ الدماء والرطوبات، إلاّ أنّهما لم تظهر؛ لقيام الجِلدة، فإذا انشقت الجِلدة ظهر في محله، فما لم يسيل على رأس الجرح؛ لا يصير خارجا ً.
في " فتاوى الحجة ": المجبوب إذا ظهر بوله على موضع قطعه؛ إن كان يمسك ما شاء ويرسل ما شاء نقض بالظهور؛ لأنه إحدى السبيلين، وان لم يكن في تصرفه لا ينقض ما لم يسل؛ لأنه في معنى الجراحات.
ولو كان بخصيتيه جراحة ً فاستحال البول إلى ذلك الموضع؛ فإن ظهر فهو الدّم ويشترط فيه السيلان.
والخنثى: إذا حكم بكونه رجلا ً؛ فالآلة الأخرى بمنزلة الجرح إذا ظهر عليها شيء ٌ لا ينقض ما لم يسيل منه، وإذا حكم بكونه أنثى؛ فآلة الرجال بمنزلة الجرح لا ينقض بالظهور
وإن كان للذكر رأسان: أحدهما يخرج منه البول دون الآخر، فالذي لا يخرج منه البول المعتاد بمنزلة الجرح إن ظهر عليه شيءٌ من البول لا ينقض الوضوء حتى يسيل كالدم من الجرح، والذي خرج منه البول المعتاد إذا ظهر شيءٌ عليه ينقض الوضوء ذكر هذه المسائل الشيخ الإمام ابو علي الدقاق - رضي الله عنه -.
م قوله: (والدّم والقيح).
((الأحكام ثبتت بالنصّ وبمعنى النصّ، فذكَر أوّلا ً: ما ثبت بالنص، ثم ذكر الدم والقيح َ وهو ثابت ٌ بمعنى النصّ)).
قوله: (فإذا خرجا من البدن فتجاوزا)
شرط الخروج؛ لأنّ نفس النّجاسة غير ناقض ٍ ما لم يوصف بالخروج إذ لو كان نفسها ناقضا ً؛ لما حصلت الطهارة لشخصٍ ما وشرط التّجاوز، وإن كان الخروج إنّما يتحقق بالتّجاوز احترازا ً عمّا يبدوا لأنّ ذلك يسمّى خارجا ً عادة ً.
قوله: (حكم التطهير)
من إضافة الجنس إلى النوع: كقوله تعالى (حَب ّ الحصيد) كما يقال علم الطبّ، أي حكمه
هو التطهير، والمراد به أن يجب تطهيره في الجملة في الحدث أو في الجنابة، حتى لو سال الدم من الرأس إلى ما لان من الأنف إنتقض الوضوء بخلاف البول إذا نزل إلى قصبة الذكر؛ لأن هناك النجاسة لم يَسلم موضعٌ يلحقه التطهير.
وفي الأنف وصلت النجاسة إلى موضع يلحقه حكم التطهير، فإن الاستنشاق في الجنابة فرضٌ، وفي الوضوء سنّة، هكذا ذكره في المبسوط.
قوله: (إذا أخرجا)
فيه إشارة ٌ إلى أنّه لو كان مخرجا ً، لا يكون ناقضا ً.
في نصاب الفقه: ولو خرج من سرّته ماءٌ أصفر وسال ينقض الوضوء، وإن لم يسل لا ينقض، وكذلك إذا سيّله غيره لا ينقض أيضا ً، هو المختار، لأنّه ليس بسائلٍ سيّله غيره.
في " الاوزجندي ": الماء والصديد والقيح بمنزلة الدم.
وقال الحسن بن زياد رحمه الله: الماء بمنزلة العرق، والدمع خروجه لا يوجب انتقاض الطهارة والصحيح هو الأول.
في " النصاب ": رجلٌ انغمَسَ في الماء فدخل الماء أذنَه، أو استيقظ فدخل الماء أنفه، ومكث ساعة ثم سال من أذنه أو من أنفه لا ينقض وضوءه، إلا إذا صار قيحا ً فحينئذ ينتقض.
وإذا أصاب من ذلك الماء ثوبا ً أكثر من قدر الدرهم لا ينجس، إلا إذا تغير لون الثوب من ذلك الماء؛ لأن ما وصل إلى الرأس لم يتنجس؛ لأنه ليس بمحلّ النّجاسة، بخلاف الجوف
لأنّ الجوف محلّ النّجاسة.
وقال بعضهم: ينقض الوضوء والأصح هو الأول.
وكذلك: إن استعط بالدهن فمكث ثمّ خرج من أنفه لا وضوء عليه؛ لما قلنا، وفي المباشرة الفاحشة ذكر بعض أصحابنا، إن لم يخرج منه شيءٌ لا يجب الوضوء هو الصحيح.
في " الذخيرة ": ((وإذا خرج من أذنه قيح ٌ أو صديد ٌ ينظر: إن خرج بدونه الوجع لا ينقض وضوءه، وإن خرج مع الوجع ينقض؛ لأنه إذا خرج مع الوجع، فالظاهر أنه خرج من الجرح))
ي قوله: (والقيء ملاء الفم)
بملاء الفم في القيء، يريد به إذا قاء مِرّة ً أو طعاما ً أو صفراء أو سوداء، أمّا إذا قاء بلغما ً، إن نزل من الرأس لا ينقض الوضوء، وإن صعد من الجوف فكذلك عندهما خلافا ً لأبي يوسف - رضي الله عنه -.
وإن قاء دما ً: إن نزل من الرأس وهو سائل ٌ نقض الوضوء، وإن صعد من الجوف إن كان علقا ًلا ينقض الوضوء ما لم يملأ الفم، وإن كان مائعا ً وقد خرج بقوة نفسه لا بقوة البزاق نقض الوضوء عندهما، وقال محمد - رضي الله عنه -: لا ينقض ما لم يملئ الفم وقال أبو يوسف - رضي الله عنه - في تقدير ملاء الفم.
قال بعضهم: إذا كان لا يقدر على إمساكه إلا بكلفة ٍ ومشقة ٍ وهو الصحيح.
في " الجامع الصغير الحسامي ": وإن قاء قليلا ً حتى لو جمع يبلغ ملاء فيه.
قال أبو يوسف رحمه الله: إن اتحد المجلس جمع وإلا فلا.
وقال محمد رحمه الله: إن اتّحد السبب جمع وإلا فلا وهذا اصح؛ لأن الحكم يضاف إلى السبب لا إلى المكان.
هـ ولو قاء متفرقا ً: بحيث لو جمع يملأ الفم، فعند ابي يوسف رحمه الله يعتبر اتحاد المجلس؛ لأنّ للمجلس أثرٌ في جمع المتفرقات، وعند محمد - رضي الله عنه -: إتحاد السبب وهو الغثيان، ثمّ ما لا يكون حدثا ً لا يكون نجسا ً يروى ذلك عن أبي يوسف - رضي الله عنه - وهو الصحيح؛ لأنه ليس بنجس ٍ حكما ًحيث لم ينتقض به الطهارة.
في " النصاب ": ولو وقع في الماء لا ينجسه وهو الصحيح، وهو قول ابي حنيفة، وابي يوسف. حكم النوم مضطجعا ً
ي قوله: (والنوم مضطجعا ً)
يريد به خارج الصلاة، أما في الصلاة فقد اختلفوا فيه، وكذلك المريض، إذا نام في الصلاة مضطجعا ً ذكره في عمدة المفتي: إنّه ينقض وبه نأخذ؛ فإن نام في الصلاة مضطجعا ً لا ينقض وضوءه سواء ً نام قائما ً أو قاعدا ً أو راكعا ً أو ساجدا ً متجافيا ً بطنه عن فخذيه، إلا أنّه روي عن أبي يوسف - رضي الله عنه -: إن تعمّد النوم في السجود نقض الوضوء، وإن نام خارج الصلاة قائما ً أو قاعدا ً مثبتا ً مقعده على الأرض موكلا ً نفسه لا ينقض الوضوء، ولو استند ظهره إلى سارية ٍ فنام أو كان مريضا ً فأمسكه إنسان ٌ وهو بحال ٍ لو زالت السارية أو يخلى الرجل عن الإمساك يسقط وإليتاه مسوّيتان لا ينقض الوضوء رواه خلف عن أبي يوسف - رضي الله عنه -.
وروى " الطحاوي " عن أصحابنا - رضي الله عنه -: إنّه إذا نام مستندا ً ينقض وضوءه، وإن نام قاعدا ً أو قائما ً فسقط لا ينقض وضوءه حتى استقر على الأرض نائما ً، فإن استيقظ حال ما سقط فلا وضوء عليه
وعن أبي حنيفة رضي الله عنه أنّه قال: ينتقض وضوءه.
وقال بعض مشايخنا - رضي الله عنه -: إذا زال مقعد النائم من الأرض ينتقض وضوءه الاتكاء عام ٌ والاستناد خاص ٌ وهو اتكاء الظهر لا غيره.
في " الخلاصة ": ((إذا نام قاعدا ً وسقط على الأرض عن أبي حنيفة رضي الله عنه روايتان: إن انتبه قبل أن يصيب جنبه إلى الأرض أو بعد ما أصاب الأرض بلا فصل ٍ لم ينتقض وضوءه.
وعن أبي يوسف: إنّه ينتقض. وعن محمد رحمه الله: إنّه إن انتبه قبل أن يزايل مقعده عن الأرض لم ينتقض وضوءه، وإذا زايل مقعده عن الأرض بعد ما انتبه ينتقض وضوءه والفتوى على رواية أبي حنيفة رضي الله عنه.
قال شمس الأئمّة الحلواني - رضي الله عنه -: ظاهر المذهب عن أبي حنيفة - رضي الله عنه - كما هو روي عن محمد - رضي الله عنه -، وقيل: هو المعتمد، وسواءٌ سقط أو لم يسقط)).
قال خلف: - رضي الله عنه - سألت أبا يوسف عن من استند على سارية ٍ ونام أو مريض ٌ أخذه إنسان ٌ بصدره فنام فلولا السارية أو الإنسان؛ لما استمسك إن كان إليتاه على الأرض مستوثقتين، قال: فلا وضوء عليه.
قال الفقيه أبو الليث رحمه الله: وبه نأخذ.
في الزاد: ((ومن نام قاعدا ً مستقرا ً على الأرض فسقط؛ إن انتبه قبل السقوط أو في حالة السقوط
أو كلّما سقط انتبه من ساعته لا يكون ناقضا ً، وإن استقر نائما ً بعد الوقوع وإن قلّ ينقض الوضوء؛ لأنّه وجد النوم مضطجعا ً وهو الصحيح)).
في " نصاب الفقه ": سئل أبو نصرٍ - رضي الله عنه - عمن نام قاعدا ً نوما ً ثقيلا ً، قال: لا وضوء عليه، ولكن بشرط أن يكون مقعده على الارض وهو الصحيح.
مريض ٌ صلّى مضطجعا ً فنام في صلاته نقض وضوءه وهو الصحيح؛ لوجود النّوم مضطجعا ً.
ب الإغماء: ضعف القوي لغلبة الداء، يقال أغمي عليه فهو مغمى ً عليه.
والجنون: زوال العقل أو فساده.
في " الكاشف شرح القدوري ": والجنون بالرّفع، ولا يجوز الخفض فيه؛ لأنّه اسم لزوال العقل، الا ترى أنّ الانبياء عليهم السلام عصموا منه بخلاف الإغماء فإنه يزيل العقل فلا يجوز عطف الجنون على الإغماء؛ لانه يكون تقديره، والغلبة على العقل بالجنون وهذا لا يتصور
في " الذخيرة ": ((والسكر يوجب انتقاض الطهارة، وحد ُّ السكر في هذا الباب ما هو حدّه في باب ٍ الحدّ وهو أن لا يعرف الرجل من المرأة عند بعض المشايخ وهو اختيار الصدر الشهيد.
والصحيح: ما نقل عن شمس الأئمة الحلواني - رضي الله عنه -؛ إنه إذا دخل في بعض مشيته تحرك
فهذا سكر ٌ ينتقض به الوضوء)).
وكذلك الجواب في الحنث إذا حلف أنه ليس بسكران ٍ وكان على الصفة التي قلنا في يمينه، وإن لم يكن بحال لا يعرف الرجل من المرأة.
ي قوله: (والقهقهة في كل صلاة ٍ ذات ركوع ٍ وسجود)
إحتراز ٌ عن صلاة الجنازة وسجدة التلاوة.
والقهقهة: أن يسمع بضحكة ٍ صوت ٌ سواء ً بدت أسنانه أو لم تبد ذكره في صلاة الحسن عن أبي حنيفة - رضي الله عنهم - سواء ً قهقهة ً عامدا ً أو ساهيا متوضيا ً كان أو متيمما ً تبطل طهارة الغسل والتيمم.
وذكر في الهاروني: لو ضحك في صلاة فريضة ٍ، يومي فيها بعذر ٍقهقهة ً فعليه الوضوء. وأجمعوا: إنّ الضحك يقطع الصلاة ولا ينقض الوضوء.
والضحك: أن يسمع نفسه دون غيره، والتبسم لا ينقض الوضوء ولا الصلاة وهو أن لا يسمع نفسه ولا غيره.
وإن قعد قدر التشهد، ثم قهقهة فعليه الوضوء لصلاة ٍ أخرى عند علمائنا - رضي الله عنه - خلافا لزفر - رضي الله عنه -.
في " المحيط ": ((القهقهة من الصبيّ في حالة الصّلاة لا ينقض الوضوء؛ لأنّ فعل الصبيّ لا يوصف بالجناية فيُعلم فيه بالقياس.
والقهقهة عامدا ً كان أو ناسيا ً ينقض الوضوء ويبطل التّيمم، كما يبطل الوضوء فلا يبطل طهارة الإغتسال.
وقد قيل: يبطل طهارة الأعضاء الأربعة يريد بهذا؛ أن المغتسل إذا قهقهه في الصّلاة بطلت الصلاة وجاز له أن يصلي بعده من غير وضوء ٍ جديد ٍ على القول الأوّل، وعلى القول الآخر لا يجوز له أن يصليَ بعده من غير وضوء ٍ جديد)).
في " الخلاصة ": ((ولو ضحك القوم بعدما أحدث الإمام متعمّدا ً لا وضوء عليهم، وكذلك بعدما تكلم الإمام، وكذا بعد سلام الإمام هو الصحيح)).
في " السغنافي ": فان قلت يُتوهم القهقهة عن الصحابة رضي الله عنهم بالضحك في الصلاة قلتُ: المنقول قهقهة َ من خلفه، وقد كان خلْف الصحابةِ المنافقون والأعراب الجهال فيحمل على أنّ القهقهة صدرت من هؤلاء، ألا ترى أنّ أعرابيا ً دخل المسجد فدعا فقال: اللهم ارحمني ومحمدا ً ولا ترحم ولا معنا أحدا ً، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بأن تصبّ ذَنوبا ًمن ماءٍ، ولقد حجّرت واسعا ً، ثم مال إلى ناحية ٍ من المسجد فبال فيه فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يصبّ ذنوبا ًمن ماء.
(والدابّة إذا خرجت من الدبر ناقض ما ذكر).
في " المحيط ": ((إنّه إذا دخل العود في دبره وطرفه بيده، ثمّ أُخرِجت يعتبر فيه البلة فإن لم يكن البلة فلا وضوء عليه)).
" السغناقي " قوله: (والمراد بالدابة)
إنّما فسّرهذا بالماء إنّه لو طار الذباب ودخل في الدبر ثمّ خرج لا ينقض الوضوء، وهذا الوجه إنّما فسرت الدابّة بها؛ لأنّها: اسم لِما يدب ّ على وجه الأرض فيُظَنّ أنّ الذباب التي يطير حول الجراحة ويقع فيها ثم يخرج فالحاصل أنّ القليل من السبيلين ناقض، ومن غير السبيلين ليس بناقض.
قوله: (بخلاف ريح الخارج)
واختلف أن ّعينها نجس، أم نجس بسبب مرورها على النجاسة وثمرته تطهر فيما لو خرج منه الريح وعليه سراويل ٌ مبتلة هل ينجس من قال أنّ عينها نجس؟.
بقول: ينجس السراويل ومن قال: بأنّ عينها طاهرة ٌ إلاّ أنّها تنجست بمجاورة النّجاسة إيّاها يقول: ألا ينجّس السراويل؛ لما لو مرّت الريح بنجاسة ٍ، ثم مرّت تلك الريح على ثوب ٍ مبتل ٍ فإنّها لا ينجس.
قوله: (لاحتمال خروجها من الدبر).
فإن قلت: على تقليد الاحتمال ينبغي أن يجب عليه الوضوء إحتياطا ً.
قلت: كونها متوضية ً كان ثابتا ً بيقين واليقين لا يزول إلا بيقين ٍ مثله فلا يجب الوضوء؛ لكون الأصل ثابتا ً بيقين ٍ كالمتوضئ إذا شكّ أنّه أحدث أم لا؟ لا يجب الوضوء.
وفائدة الإحتمال تظهر في مسألة ٍ أخرى وهي: إنّ المقاضاة إذا طلقها زوجها ثلاثا ً وتزوجت بزوج ٍ آخر ودخل بها الزوج الثاني لا تحلّ للأوّل، وإنّما إن لم تحل؛ لاحتمال أنّ الوطئ كان في دبرها لا في قبلها.
فروض الغسل
من " السغناقي" م قوله: (وفرض الغسل)
أي مفروضة ٌ، ذكر المصدر وأراد به المفعول، كما يقال هذا الدرهم ضِرب ُ الأمير أي مضروبه في الغسل إسم من الاغتسال وهي تمام الجسد.
وقدّم الوضوء على الغسل: إما اقتداءً بكتاب الله تعالى فإنّه فيه على هذه الترتيب، قوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ)) الآية، أو باعتبار شدّة الاحتياج إلى علم الوضوء باعتبار كثرة دوره حتى إنّ الله ذكر الوضوء بكلمة - إذا - فإنّها تذكَرُ في الأمور المتردّدة أو لأنّ مَحمَل الوضوء وظيفة الحدث الأصغر والغسل وظيفة الحدث الأكبر، والأصغر مقدم على الأكبر، ثم ترتيب الغسل عليه، باعتبار أنهما طاهرتان تعلقتا بالبدن.
من " السغناقي" في " التحفة ": الغسل إسالة الماء على جميع ما يمكن غسله من بدنه مرة ً واحدة ً، حتى لو ترك شيئا ً يسيرا ًلم يصبه الماء لم يخرج من الجنابة وكذا في الوضوء.
في " الشاهان ": إنّما أمِرَ الجنب بغسل كلّ البدن؛ لأنّ الجنابة تأخذ ظواهر البدن وبواطنه إذ الوطئ الذي يوجبها يكون باستعمال جميع ما فيه من القوّة، ألا ترى أنه يضعف المرء بالإكثار منه ويقوى بالامتناع عنه؛ فلذلك وجب غسل جميع البدن الظاهر والباطن بقدر الإمكان وقد خرج ما يتعذر إيصال الماء إليه؛ لأن الله تعالى لم يكلفنا بما ليس في وسعنا وكما لم يكلفنا بما فيه حرج.
قال الله تعالى: ((وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ))، وإيصال الماء إلى داخل العينين لا يتحقق إلا بحرج وضرورة؛ ولهذا إنّ من تكلف في ذلك من الصحابة رضي الله عنهم كف بصره وقالوا: لا يغسل العين إذا دخلها كحل ٌ نجس ٌ وإيصال داخل الفم والأنف يتحقق بدون الحرج فيجب.
قوله: (ويزيل النجاسة)
أي يزيل نجاسته بدون الألف واللام؛ لأنّه إن كان مع الألف واللام فلا يخلوا: إمّا إن كان للجنّس أو للعهد، لا سبيل إلى الأول؛ لأنّه لو كان للجنس، فأما أن يكون الأوّل مرادا ً أو الكل لا.
جائز أن يكون الكلّ مرادا ً بدليل قوله: إن كانت على بدنه. ولاجائز أن يكون الأقلّ مرادا ًإذا كان الذرة ليست بمرادة ولا يمكن صرفه إلى المعهود؛ لأنّه لا معهود هنا.
لكنّي أقول: بل هو مع الألف واللام ويكون للعهد وهو المني؛ لأنّ المنيّ معهودٌ وهو إن لم يكن مذكورٌ سابقا ً ولكنّه معلومٌ بقرينة العقل؛ لأنّ الكلام في الغسل الجنابة وهو بخروج المني.
فقوله: ويزيلها النجاسة أي النجاسة المعهودة، وهي المنيّ إن كانت على بدنه أي النّجاسة المعهودة وهي النطفة.
في " الجامع الصغير " فقال: في التفاريق عن أبي عصمة رحمه الله: ((لو اصابت النّجاسة مثل رؤوس الإبر)) ثمّ أصاب ذلك الموضع ما لم ينجس.
إنّ الرواية بالألف واللام، فثبت بالنسخ فوجهه: إن تحمل الألف واللام، على تحسين النّظم من غير اعتبار تعريف الجنس وتعريف العهد فكان مبني على معنى الشكرنحو قوله تعالى: (كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً).
قوله: {وَآيَةٌ لَهُمْ الأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا) حيث وصفها بالجملة الفعلية؛ لبقائهما على معنى الشكروكان من قبل قول القائل: ولقد أمرّ على اللئيم يَسبني.
في " الذخيرة ": ((إذا بقي العجين في ظفر المرأة ثم اغتسلت من الجنابة.
قال أبو بكر - رضي الله عنه -: لا يجزيها.
وقد قيل في القرويّ: إذ أنّ في ظفره شيء ٌ أنّه يجوز وضوءه وغسله، وفي المدنيّ لا يجوز)).
وسئل أبو القاسم رحمه الله: عن وافرِ الظفر الذي يبقى في أظافره الدّرَن أو الذي يعمل عمل الطين أو المرأة التي صبغت إصبعها بالحنّاء أو المرام أو الصباغ قال: كلّ ذلك سواء، ويجزيهم وضوئهم إذ لا يستطاع الامتناع عنه إلا بحرج، وهكذا روي عن محمّد بن سلمة، وأبي نصر الدبوسيّ - رضي الله عنه - وعليه الفتوى.
في " النصاب ": والصحيح أنّ القرويّ والمدنيّ سواء.
في " الخلاصة ": ((وعليه الفتوى.
وإذا كان في أسنانه طعامٌ، ولا يصل الماء في الغسل من الجنابة جاز؛ لأنّ الماء شيء ٌ لطيف ٌ يصل تحته غالبا ً وبه يفتى)).
م قوله: (وضوؤه للصلاة)
((يعني. لا للطعام؛ لأن الوضوء للطعام يكون غسل اليدين إلى الرسغين؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -:
((الوضوء قبل الطعام ينفي الفقر وبعد الطعام ينفي اللمم))، وفي هذه إشارة ً إلى أنّه يمسح رأسه خلافا ً لما يقوله البعض)).
ي قوله: (يتنحى عن ذلك المكان فيغسل رجليه)
يريد به: إن اغتسل في مكان ٍ استقر الماء المستعمل تحت قدميه، أمّا إذا اغتسل على حجرٍ صلبٍ أو على خشبة ٍ وهو بحال ٍ لا يستقرّعليها الماء المستعمل؛ غسل رجليه بعد ما مسح على رأسه وليس عليه غسلهما ثانيا.
ب أفاض الماء: صبّه بكثرة.
م ((يتنحّى: يتباعد))
غسل المرأة
ي قوله: (وليس على المرأة أن تنقض ضفائرها في الغسل إذا بلغ الماء أصول الشعر)
إختلف المشايخ في هذه المسألة، قال بعضهم: إذا بلغ الماء أصول الشعر ولم يدخل في داخل الضفائر لم يخرجها من الجنابة.
وقال بعضهم: يخرجها وهذا اختيار صاحب الكتاب وهو الصحيح.
والرجل كالمرأة، وقيل: يجب على الرجل إيصال الماء إلى أثناء شعره كيف ما كان، هكذا ذكره، وليس عليها بل ذوائبهاهو الصحيح، بخلاف اللحية؛ لأنّه لمّا خرج في إيصال الماء إلى أثنائها.
في " الجامع الصغير الحسامي ": أمّا المُسترسَلُ من شعرها فغسله في الجنابة موضوع وهو المختار؛ لأنّ فيه حرجا ًبخلاف شعر الرجل
لأنّه لا حرج فيه.
ب الضفر: فتْلُ الشعر وإدخال بعضه في بعض معرضا ً الضفير، هي الذوائب تسميته بالمصدر.
في " المحيط ": ((فأمّا الرجل، إذا كان على رأسه شعر وقد فعله كما يفعله العلويون والأتراك هل يجب عليه إيصال الماء إلى أثناء الشعر؟.
فظاهر حديث جابر - رضي الله عنهم -، يدلّ على أنّه لا يجب، وذكر صدر الشهيد - رضي الله عنه -: أنّه يجب، والاحتياط في إيصال الماء إليه)).
في " الطحاوي": ثم قدر الماء على السنّة في باب الوضوء مدٌ من الماء والصاع في الجنابة؛ لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يتوضأ بالمُدّ، ويغتسل بالصاع.
في قول أبي يوسف، وهو قول الشافعي رحمه الله خمسة أرطال وثلث رطل تكلموا فيه.
قال بعضهم: معنى قوله؛ يتوضأ بالمدّ من الصاع ثم يغتسل بثلاثة ِ أمدادٍ فيكون جملته أربعة ُ أمداد.
وقال بعضهم: يتوضأ بالمُدّ من غير الصّاع، ثمّ يغتسل بالصّاع، فيكون جملته خمسة أمدادٍ، وهذا كله ليس بتقدير ٍ لازمٍ؛ لأنّه لو توضأ أو اغتسل بأكثر من ذلك ولم يسرف فلا بأس به وإنّما الكراهة في الإسراف.
وكذلك إذا توضأ أو اغتسل بدون ذلك وأسبغ وضوءه جاز، ثم كيف يغتسل بالصاع؟ روي عن الحسن بن زياد - رضي الله عنه -، عن ابي حنيفة - رضي الله عنهم - أنّه قال: يستنجي برطل من ماءٍ ويغسل وجهه وذراعيه برطلٍ، ويصبّ على رأسه وجسده خمسة أرطالٍ ويغسل قدميه برطلٍ وذلك كله ثمانية أرطال.
وقال بعضهم: يتوضأ بالمُدّ سوى الإستنجاء ويغتسل بالصاع سوى الاستنجاء، ثم الصاع في قول أبي حنيفة ومحمد - رضي الله عنهم - ثمانية أرطال.
وفي قول أبي يوسف الآخر - رضي الله عنه -، وهو قول الشافعيّ - رضي الله عنه -: خمسة أرطال ٍ وثلث رطلٍ.
وقال بعضهم: لا اختلاف بينهم في الحقيقة؛ لأنّ جواب أبي حنيفة - رضي الله عنه - خرج فيما إذا كان الرطل عشرين أستارٍ، وجواب أبي يوسف - رضي الله عنه - خرج فيما إذا كان الرطل ثلاثين أستارا ً، فثمانية أرطالٍ كلّ رطلٍ عشرون أستارا ً، إذا قابلته بخمسة ارطالٍ وثلث رطلٍ ثلاثون أستارا ً تجدهما على السواء فهذا غير سديد ٍ، الخلاف ثابت بينهم في الحقيقة.
في " التحفة ": أمّا مقدار الماء الذي يغتسل به ويتوضأ به ذكر في ظاهر الرواية.
وقال: أدنى ما يكفي من الماء في الغسل صاعٌ، وفي الوضوء مُدّ، ولم يُفسِر.
وروى الحسن، عن أبي حنيفة - رضي الله عنهم - أنّه قال: في الاغتسال، كفاه صاع ٌ.
وفي الوضوءِ: إنْ كان الرجل متخففا ً لم يستنج كفاه رطلٌ لغسلِ الوجه، واليدين، ومسح الرأس، وإن كان يستنجي، كفاه رطلين للإستنجاء، ورطلٌ للباقي.
وإن لم يكن مُتخففا ً، كفاه ثلاثة أرطال ٍ، رطلٌ للإستنجاء، ورطلٌ للقدمين، ورطلٌ للباقي. وقال بعض مشايخنا في الإغتسال: صاعٌ واحدٌ، إذا ترك الوضوء، أما الوضوء والغسل يحتاج إلى عشرة أرطال ٍ، رطلان للوضوء، وثمانية أرطال ٍ للغسل.
وعامة مشايخنا قالوا: إنّ الصاع كافيٌ في الوضوء والغسلِ جميعا ً وهو الأصح، ولكنّ مشايخنا قالوا: ما ذكر محمد - رضي الله عنه -، بيان مقدار أدنى الكفاية، وأنّه ليس بتقدير ٍ لازم ٍ حتى لا تجوز الزيادة عليه ولا النقصان عنه، بل إن كفى رجلا ً أقلّ من ذلك يُنقص عنه، وإن لم يكفه يزيد عليه مقدار الإسراف فيه.
ي فإن قلت: والمرأة مأمورة ٌ بالإطهارِ بالكتاب، فكيف ترك بعض البدن بخبر الواحد؟
قلت: الشعر ليس من البدن من كل وجه ٍ بل هو متصل ٌ به نظرا ً إلى جملة الأصول، ومنفصل ٌ نظرا ً إلى الرؤوس فعملنا بالإتصال في حق من لم يلحقه الحرج وهو الرجل، وبالإنفصال في حق من يلحقه وهو المرأة ولا يخالف الخبر النص؛ لأنّه يتناول ما هو البدن من كلّ وجه.
قوله ي: (والمعاني الموجبة للغسل: إنزال المنيّ على وجه الدفق والشهوة).
إختلف أصحابنا - رضي الله عنه - في هذه المسئلة: قال أبو حنيفة ومحمد - رضي الله عنهم -: الشرط هو الإنفصال عن مكانه بشهوة ٍ.
وقال أبو يوسف - رضي الله عنه -: الشرط هو إنزال المنيّ على وجه الدفق والشهوة، فإن وجد أحدهما وعُدِمَ الأخر فلا غُسلَ عليه.
فثمرة الإختلاف إنّما تظهر في المسألتين: أحدهما، إذا احتلم فاستيقظ فقبض على رأس إحليله حتى سكنت الشهوة، ثم سال المنيّ، فعندهما يجب عليه الغسل، وعند أبي يوسف - رضي الله عنه - لا يجب.
والثانية: إذا جامع امرأته فأنزل، ثم اغتسل من ساعته قبل أن يبول، ثم خرج بقية المنيّ.
قال أبو حنيفة ومحمد - رضي الله عنه -: باعادة الغسل.
وقال أبو يوسف - رضي الله عنه - لا يلزمه ذلك، وإن خرج المذي قبل البول فالكلام فيه كالكلام في المنيّ،
وإن خرج المنيّ بعد البول فلا غُسل عليه في قولهم جميعا.
فإن استيقظ من منامه فرأى مذيا ً على فراشه أو على فخده وقد تذكر الاحتلام أو لم يتذكر، فعليه الغسل عندهما، وقال أبو يوسف - رضي الله عنه -: لا غسل عليه في قولهم جميعا حتى يتيقن بالإحتلام.
وأجمعوا: على أنّه لو كان منيا ً يجب عليه الغسل وإن لم يتذكر الاحتلام.
وإن كان وديا فلا غسل عليه، فان غُشي عليه أو كان سكرانا ً ثمّ أفاق فوجد على فراشه أو فخده مذيا لم يلزمه الغسل، ولا يشبه النائم إذا استيقظ فوجد على فراشه مذيا ً يجب عليه الغسل.
وإن وطئ امرأة ً في دبرها أو عمِل عمَل قوم لوط ٍ فتوارت الحشفة وجب الغسل على الفاعل والمفعول به ذكرا ً كان أو أنثى أنزل أولم ينزل، ذكره في الزيادات، وقال في نوادر المعلى وهو الصحيح فلا يثبت حرمة المصاهرة بالوطئ في الدبر.
فإن بال رجل فخرج منه مني ّ، لو كان ذكره منتشرا ً يجب عليه الغسل وإلا فلا، خلافا للشافعي - رضي الله عنه -
قوله: (على وجه الدفق والشهوة)
ذكَر الشهوة مع أنّ الدفق مستلزم ٌ للشهوة إذ الدفق بلا شهوة ٍ مُحال ٌ فيكون ذكر الدفْق ذكر الشهوة لا أنّه ذكر الشهوة بعد ذكر الدفق لأنّهما متلازمان معا ً فيُذكرانِ معا ً، ولأنّه بذكرِ الدفقِ ذكر ٌيعرف الشهوة َ عقلا ً لا نطقا ً فضمّ القرنية النطقيّة إلى العقلية.
قوله: (إذا قضى شهوته)
في " الشاهان ": إذا قضى شهوته من المرأة، إلا أنّ النبي صلى الله عليه وسلم لمّا اوجب عن الاحتلام سقط اعتبار المرأة في قدر ما يكون في الاحتلام من قضاء الشهوة.
ويدلّ عليه: ما رُوي عن أم ّ سُليم، أنّها سألت النبيّ صلى الله عليه وسلم عن المرأة ترى في منامها مثل ما يرى الرجل، فقال: أتجد لذلك لذة ً
فقالت: نعم قال: فلتغتسل "؛ ولأنه إذا خرج من شهوة لا يعلما أنّه منيّ أو رطوبة، وقد قيل: إنّ المنيّ دم ٌ في الأصل، لكنّه تبيض بتصعيد الشهوة، حتى إذا أكثر وفترَةِ الشهوة خرج أحمر؛ فعلى هذا لا يُتصور خروجه أبيض من غير شهوة ٍفيدلّ على أنّه ليس بمنيّ، والحديث
محمول على الخروج عن شهوة بدلالة الآية أو بدلالة ما روي انه عليه السلام قال: أتجد لذلك لذة ً، فقالت نعم فقال فلتغتسل.
علقّ الإغتسال باللذة والشهوة، ولو وجب بدونها؛ كان إعراضا عن جواب ما سئل ولأنّه لا يمكن إجراعلى العموم، لعدم الوجوب من المذيّ أو الوديّ فيُراد به أخصّ الخصوصِ وقد أريد به المنيّ إجماعا ً، فلا يُراد به غيره.
في " النصاب ": إمرأة ٌ إحتلمت ولم يخرج منها الماء، إن وَجدتْ شهوة الإنزال كان عليها الغسل، وإن لم تجد لا غسل عليها؛ لأنّ ماءها لا يكون دافقا ً كالرجل وإنّما ينزِل من صدرِها إلى رحمِها.
وقال بعض العلماء لا يجب الغسل ما لم يظهر المنيّ وهو الأصح.
في " الذخيرة ": ((إذا احتلمت المرأة لا يجب عليها الغسل حتى ترى مثل ما يرى الرجل. وروي عن محمّد - رضي الله عنه - في غير رواية الأصول: إذا تذكرت الإحتلام والإنزال ورأت البلل أولم تر بللا ً كان عليها الغسل)).
قال شمس الأئمةِ الحلواني - رضي الله عنه -: لا يُؤخذ بهذه الرواية، فإنّ النّساء يقلن: إنّ منيّ المرأة يخرج من الداخل كمني الرجل وهو جواب ظاهر الرواية.
ب: دفق الماء دفقا ً، صبّه صبّا ً.
في " نصاب الفقه ": إمرأة ٌ قالت: معيَ جن ّ، ويأتيني في اليوم مرارا ً، وأجد في نفسي ما أجد إذا جامعني زوجي، قال: لا غسل عليها لأنّ هذا وهم ٌ وليس حقيقة.
في " المحيط ": ((ولو أنّ غلاما ً صلىّ العشاء ونام فاحتلم في منامه ولم يستيقظ حتّى طلع الفجر، هل يجب عليه قضاءُ العشاء؟. اختلفوا فيها:
قال بعضهم: ليس عليه ذلك.
وقال بعضهم: عليه ذلك وهو المختار، وإن استيقظ قبل طلوع الفجرعليه قضاء العشاء إجماعا ً فهذه واقعة ُ محمّد ٍ رحمه الله، سُئل أبي حنيفة رضي الله عنه بما قلنا، فأعاد العشاء)).
قوله: (والتقاء الختانين): يريد به أن يلتقي الختانان وتغيب الحشفة، وقد قال محمد رحمه الله: إذا جامع امرأته ولم يٌنزِل وهي بِكرٌ لا يلزمه الغسل؛ لأنّ الحَشَفة َ لم تَغِبْ، فإن التقى
الختانان وتوارت الحشفة ترتب عليه أحكام الجماع، من إيجاب الغُسلِ عليهما، وتحليلها للزوج الأوّل
في " نوادر هشام ": وعن محمد رحمه الله: إذا وطئ جارية ً لا يوطأ مثلها فلا غسل عليه.
في " الكبرى ": ألإيلاجُ في دبر الآدمي يوجب الغسل على الفاعل والمفعول أنَزَل أو لم يُنزِل، لأنّه إيلاجٌ في الفرْج.
في " النصاب ": وفي " نوادر معلى " عن أبي يوسف: إذا توارت الحشفة في قبُل ٍ أو دُبُر ٍ من الآدمي، وجبَ الغُسل أنزَلَ أو لم يُنزِل.
قال الشيخ أبو العباس: وهو الصحيح الختانان الرجلُ والمرأة بناءا ً على عادتهم أنّهم يختنونَ النّساء.
قال النبيّ عليه السلام: " ختانُ الرجلِ سنّة وختانُ المرأةِ مَكرُمَة ً "
أي في حقّ الزوج، أي يكونَ على طريقِ التغليب كالعُمرَينِ والقٌمَرين.
ب الفَرْج: قبُلُ الرجل والمرأة ِ، باتفاق أهل اللغة.
قوله: (القبل والدبر كلاهما فرج)
يعني في الحكم، خَتنتُ الصبيّ خَتنا ً، واختتن هو ختن أو اختتن نفسه
والختان اسم، والختان أيضا ًموضع القطعِ من الذكرِ والأنثى، والتقائَهما كناية ً عن الإيلاج. الحَشفَة: ما فوق الختانِ من رأس الذكر.
((فالحاصل أنّ الجَنابة إنما تثبتُ بشيئين لا غير: أحدهما إنفصال المنيّ عن شهوة ٍ، والثاني الإيلاجُ في الآدميّ))، نقل على ما في " المحيط "
قوله: (اتحاد السببية)
حتى إنّ الفقهاءَ حجّوا قضاء الشهوة من الدُبُر على قضاء الشهوة من القبُل، ومنه قوله تعالى: خبرٌ عن قوم لوط ٍ عليه السلام {قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ})).
وقد ذكر الشيخ الإمام أبو بكر محمد بن يوسف المرعاسوني في نوادر الصلاة عن محمد رحمه الله: إذا حاذى الأمراد رجل، تفسد صلاة غيرُ الأمراد؛ لأنّه يخطر بباله الشهوة بهذه المحاذاة فكان الصبي فيه كالمرأة، واليه أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا تجالسوا أبناء الأغنياء فلهم شهوة ٌ كشهوة النّساء)
وفي ظاهر الرواية: لا تفسد لا باعتبار عدم الشهوة، بل باعتبار إنّ الفساد بمحاذاة المرأة للرجل حكم ٌ ثبَت بالسنّة، بخلاف القياس، فلا يتعدى إلى غير المرأة، حتى إنّ عجوزا ًبحيث يتنفّرُ منها الرجال، لو حاذت رجلا ً فسدت صلاته مع عدم الشهوة.
وذلك لو حاذت امرأة ٌ إبنها أو أباها فسدت صلاة الرجل، وجعلوا إنّ المسلم لا تشتهي بأمّه، كذا ذكر الإمام المحبوبي في مسائل متفرقة من صلاة جامع الصغير من السغناقي.
قوله: (والحيض)
أراد به رؤية الدم؛ لأنّ الدم إذا حصل نقض الطهارة الكبرى، ولم يجب الغسل مع سيلان الدم؛ لأنه ينافيه.
قوله: (والحيض والنفاس)
أي خروج ٌ من الحيض والنفاس، وإنما أطلِقَ اسم الحيض والنّفاس على الخروج منهما حيضا ً ونفاسا ً؛ لملازمة الخروج من الحيض والنفاس، أي لتحقق الخروج منهما بعد تحققهما.
قوله: {حَتَّى يَطْهُرْنَ}، وتمسكوا بقوله تعالى: {حَتَّى يَطْهُرْنَ} في وجوب الغسل، ووجها أنّ حق الزوج ثابت ٌ في حال انقطاع الحيض، وهو ممنوع ٌ عن التصرف في ملكه للإغتسال، فلو لم يجب لما منع؛ لأنّ بالمباحات والتطوعات لا يمنع.
ألا ترى إن ّ له حقّ نقضِ صومِ التطوع لا الفرض؛ ولأنّه منع عن القربان إلى غاية فيحتدم عليها التمكين ضرورة وهو التمكين إذا طلبت منها؛ لأنّ حقه ثابت حال انقطاع الحيض، وهي لا يتوصل إليه إلا بالغسل، وما لا يتوصل إلى الواجب إلا به، يجب كوجوبه، ومتى ثبت فيها ضرورة، إذ وجوب الاغتسال هنا باعتبار الدم المخصوصة وقد وجد.
ثمّ ولمّا أحتيج إلى الإغتسال للقربان؛ فلأن يحتاج إليه للصلاة لشدة احتياجهما إلى الطهارة، ألا ترى أنّه يحلّ وطيَ الجُنب والمُحدث ولا يحّل صلاتهما.
قوله: (الغسل للجمعة والعيدين)
قدّم ذكر غسل الجمعة؛ لأنّه بالتقديم أولى وأهمّ؛ لأنّه فرض عند البعض؛ ولأنّه أكثر وقوعا ً بالنسبة إلى العيد.، ثم العيد بالنسبة إلى الإحرام، ثم الإحرام مقدم على الوقوف بعرفة، وقوعا ً بالنسبة فقدّمه ذكراه.
ويسمّي محمد ٌ رحمه الله الغسل في يوم الجمعة حسنا ً في الأصل.
وقال مالك ٌ رحمه الله: هو واجب ٌ: لقوله عليه السلام: ((من أتى الجمعة فليغتسل))، ولنا قوله عليه السلام: ((من توضأ يوم الجمعة فبها ونعْمت ومن اغتسل فهو أفضل))، وبهذا يُحمل ما رواه على الإستحباب أو على النسخ.
ثم هذا الغسل للصلاة عند أبي يوسف وهو الصحيح؛ لزيادة فضلها على الوقت، واختصاص الطهارة بها وفيه خلاف الحسن رحمه الله.
في " الطحاوي ": وإنّما يظهر الاختلاف بينهما في مسألة: وهو أنّه إذا اغتسل يوم الجمعة ثم أحدث ثم توضأ وضوءه للصلاة، قال أبو يوسف رحمه الله: لا يكون مدركا ً لفضيلة الإغتسال؛ لأنّه لليوم.
وروي عن أبي يوسف في رواية أخرى: إنّ غُسل يوم الجمعة لهما جميعا.
في " التهذيب ": حتى لو اغتسل قبل طلوع الفجر وصلى به الجمعة فقد أتى بالسنة عند أبي يوسف، وعند الحسن لا.
قوله: (أو على النسخ)
لأنّه وجد دلالة التقدّم، وهو ما روي عن عائشة َ - رضي الله عنه - قالت: كانت الصحابة - رضي الله عنه - في بدء الإسلام عمّال أنفسهِم، ويلبسون الجلود، والحرحر الحجاز، والمسجد قريب السمك، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالإغتسال؛ دفعا للرائحة الكريهة، فإذا ظهرت السروة والغنا بينهم، قال عليه السلام (من توضأ يوم الجمعة) الحديث، والمراد نسخ الوجوب، لا الشرعية بقوله: ((نسخت الزكاة كلّ صدقة ٍ، ونسخ صوم رمضان كلّ صوم)).
من " الشاهان " في " السفاقي ": والإغتسال في الحاصل أحد عشر نوعا ً، خمسة ٌ منها فريضة الإغتسال من التقاء الختانان، ومن إنزال الماء، ومن الإحتلام، ومن الحيض، والنفاس وأربعة ٍ منها سنّة: الإغتسال يوم الجمعة، ويوم عرفة، وعند الإحرام، والعيدين.
وواحد ٌ واجب ٌ: وهو غسل الميّت، وآخر مستحب ٌ: وهو الكافر إذا أسلم يُستحبّ أن يغتسل به أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من جاء ويريد الإسلام، وهذا إذا لم يكن جنبا ً، فإن كان أجنبَ ولم يغتسل حتى أسلم، فقد قال بعض مشايخنا: لا يلزمه الإغتسال؛ لأنّ الكفّار لا يخاطبون بالشرائع، والأصح أنّه يلزمه؛ لأنّ بقاء صفة الجنابة بعد إسلامه، كبقاء صفة الحدث في وجوب الوضوء.
في " الكبرى ": الغسل يوم الجمعة للصلاة، حتى لو اغتسلت المرأة والمسافر أو غيرهما إذا لم يصلّوا بذلك الغسل لا يدركون الفضيلة؛ لأنّ الطهارة شرط ٌ للصّلاة.
ي قوله: (وليس في المذيّ والوديّ غسل وفيهما الوضوء)
والوديّ: ماءٌ أبيض ٌ، والمذيّ: هو ماءٌ رقيقٌ أصفرَ يخرج عند ملاعبة الرجل أهله، وعند الفكر.
والوديّ: ماءٌ أبيضٌ، يخرج بخروج البول عقيبَ البول تبعا ً له، فإن قيل: لم أوجبتم انتقاض الوضوء بخروج الوديّ، والانتقاض حاصلٌ بخروج البول، قيل: المسألة ممنوعة ٌ، فإن بعض مشايخنا ذكر: إنّه يخرج قبل البول وبعده، ولئن سَلِمَ، ففرض الكلام، في رجل له سلسُ البول؛ لأنّه لا يعذرعن غيره من الأحداث.
في" الملتقط " يُباحُ تأخير الإغتسال من الجنابة، وتأخير الطهارة من الحدث إلى وقت الفرض.
في " السفاقي ": وإنّما ذكِر لكونها متشابهين للمنيّ، فلا يوجبان الغسل، فمسّت الحاجة إلى الذكر، فان قلت: قد عرفتَ وجوب الوضوء بما خرج من السبيل. قلت: ذلك بيان ٌ ضمنيّ، وهذا قصدي أو تأكيدٌ، كما في قوله: (قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ)، وقوله: (يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لا يُبْدُونَ لَكَ)، وقوله: (يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ).
ي قوله: (والطهارة من الأحداث جائزة بماء السماء) إلى آخره
ما ذكره احتراز ٌعن سائر المائعات، كالخلّ، وماء الورد، وما أشبه ذلك، فإنّها لا تفيد في إزالة النّجاسة الحُكميّة بالإجماع، أما إزالة النّجاسة الحقيقيّة بهذه المائعات جائزة، عند أبي حنيفة - رضي الله عنه -، وأبي يوسف، وقال محمد وزفر رحمه الله: لا يجوز كما في النجاسة الحكمية.
م ((إعلم أن الخبث يطلق على الحقيقيّ، والحدث يطلق على الحكميّ، والنجس يشمَلَهما)).
أي: الطهارة من الأحداث التي سبق ذكرها من الحيض، والنفاس، والجنابة، وغير ذلك في فتاوى الحجّة: ولا بأس في الوضوء في نهر المسجد أو حوض فيه، ولا يجوز الاستنجاء فيه، ولو توضأ في طشت، ثم صبّ الماء خارج المسجد لا بأس به كما روي عن عثمان وعلي ّ رضي الله عنهما، ولو توضأ في صحن المسجد لا يجوز عندهما، وقال محمد رحمه الله: لا بأس به.
في " السفاقي ": لقوله تعالى: {وَأَنزَلْنَا مِنْ السَّمَاءِ}، وجه التمسك بقوله تعالى: وأنزلنا من السماء طهورا، في حق ماء السماء، والأودية ظاهرٌ، وأما في حق ماء العيون والآبار؛ فلأن أصلَ المياه كلّها من السماء؛ لقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأَرْضِ}، أو يصرِفَ وجهه تمسّك الآية إلى ماء السماء، ويصرف، وجه تمسك قوله عليه السلام: (الماء طهورٌ إلى آخره).
قوله: (بما اعتصر مقصورا ً غير ممدود)
وفيه إشارة ٌ إلى أنّه قطرٌ من الكرْم، أو من غيره، من غير أنْ يكونَ معتصِرا ً فإنّه يجوز الوضوء به.
وقوله: (ولا يجوز بما اعتصر إلى قوله: ولا بما غلب عليه غيره)
هذا كلّه لف ّ، أمّا النّشرُ، فقوله: كالأشربة، والخلّ، وماء الورد، والزردج، هذا يرجع إلى قوله ولا يجوز بما اعتصر.
قوله: (وماء الباقلا، والمرق، يرجع إلى قوله، ولا بما غلب عليه غيره).
قوله: والوظيفة في هذه الأعضاء، هذا جوابٌ وإشكال مقدارٍ على قوله: والحكم عند فقد الماء المطلق منقولٌ إلى التّيمم، بأن يقال: سلّمنا بأنّ الماء الذي اعتصر من الشجر والثمر ليس بماء المطلق، ولكنّ هو في معنى الماء المطلق، من حيث إزالة النّجاسة الحُكميّة، فيُلحقُ هو به كما ألحق أبو حنيفة، وأبي يوسف رحمه الله بالماء المطلق في إزالة النّجاسة الحقيقيّة ويجب أن يكون في الحكميّة كذلك، فأجاب عنه من السفاقي.
قوله: (ولا يجوز بما غلب عليه غيره)
إختلف أبو يوسف ومحمدٌ رحمهما الله في الغَلبَة: فمحمدٌ راعى الغلبة بلونِ الماء، وأبو يوسف راعى الغلبة بالأجزاء وهو الصحيح؛ وإن يقع الحمّص جاز الوضوء به، وإن تغيّر طعمه أو لونه فإنّ طبخه هو على وجهين: إن كان بحالٍ إذا برد يثخن لا يجوز الوضوء به، وإن كان يثخّن ورقة الماء باقية ًجاز الوضوء به.
في النصاب: إذا صار الماء مُقيّدا ً، إذا صار الماء مقيدا ً بأن خالطه شيء ٌ وذلك الشيء غالب لا يجوز التوضئ به، عند أبي يوسف؛ لأنّ العبرة للغلبة بالأجزاء وعليه الفتوى، وعند محمد رحمه الله: العبرة للون.
في " الجامع الصغير الاوزجندي" وفي " الزاد ": وواحدٌ مستحب ٌ، وهو غسل الكافر إذا أسلم وهذا إذا لم يكن جُنبا ً، فإن كان أجنَبَ ولم يغتسل حتى أسلم.
قال بعض المشايخ: لا يلزم الغسل والأصح أنّه يلزمه بقاء صفة ِ الجنابة في حقه بعد إسلامه
كبقاء الحدث في وجوب الوضوء.
في " فتاوي الحجة ": ولو احتلم الصبيّ أوّلَ مرّة ٍ أو أجنب الكافر ثم أسلم؛ يستحب لهما الغسل ولا يفترض؛ لأنّ في حقّ الصبيّ جرى بالتكليف بعد الاحتلام، وفي حقّ الذي أسلم جرى الحكم عليه بعد الإسلام.
في " النصاب ": الصبيّ إذا بلغ بالإحتلام أو الكافر إذا أسلم وهو جنبٌ، هل يجب عليهما الغسل؟ إختلف المشايخ: قال بعضهم، لا يجب بالقياس، وبالاستحسان يجب، وهو الأصح، وكذلك المرأة إذا طهرت من الحيض ثم أسلمت.
في " المحيط ": ((ولو أنّ غلاما ً صلّى العشاء ونام فاحتلم في منامه ولم يستيقظ حتى طلع الفجر، هل يجب عليه قضاء العشاء؟ اختلفوا فيه: قال بعضهم ليس عليه ذلك، وقال بعضهم: عليه ذلك هو المختار، إن استيقظ قبل طلوع الفجر عليه قضاء العشاء إجماعا ً، فهذه موافقة محمّد - رضي الله عنه -، سئل عنه أبا حنيفة - رضي الله عنهم - فأجابه بما قلناه فأعاد العشاء)).
لا يجوز التوضؤ بنبيذ الزبيب هو الأصح، وفيه خلاف بعض الناس، وكذلك لا يجوز بماء العنب هو الصحيح، وفيه خلاف ابن أبي ليلى إذا لم يكن مُشتدّا ً، أما التوضؤ بنبيذ التمر: إختلف العلماء فيه والصحيح ما قال أبو حنيفة - رضي الله عنهم - آخِراً وهو قول أبي يوسف، والشافعي - رضي الله عنه -: إنّه لا يجوز؛ لأن الله تعالى أوجب التيمّم عند عدم الماء المطلق ونبيذ التمر ليس بماء مطلق.
في " الجامع الصغير الحسامي ": والغسلُ بنبيذ التّمر، إختلف المشائخ فيه والأصح أنّه لا يجوز قال رحمه الله: ما لم يصح التوضؤ به على أصحّ الأقاويل وهو أدنى حالا ً مع ورود التنصيص وفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - فما ظنك فيما لم يوجد التنصيص؟ وهو أقوى حالا.
قوله: (فغير أحد أوصافه كماء المدّ).
فإن قلت: إذا غيّر أحد أوصافه ينبغي ألاّ يجوز التوضؤ؛ لقوله عليه السلام: ((إلا ما غيّر طعمه أو لونه أو ريحه))، قلت: يجوز؛ لأن المعنى، إلا ما غيّره شيء ٌ نجسٌ فيصير معناه لا ينجّسه شيءٌ ما لا ما أيّ شيءٍ مغيّرٍ نجسٍ وهذا؛ لأنّه ورد في الماء الجاري، ولا يجوز استعماله حيث يُرى فيه النّجاسة أو يوجد طعمها أو رائحتها؛ لأنّه يدلّ على قيام النّجاسة من الشاهان.
ب الباقليّ: بالقصر والتشديد أو بالمدّ والتخفيف: هوهذا الحبّ المعروف، والواحد باقلاة أو باقلاءة.
ماء الزردج: هو ما يخرج من العَصْفَرٍ المَنْقوُع فيطرح ولا يصبغ به الورد، هذا النور الذي يُشمّ قالوا سُمّي بذلك؛ لحمرته.
الشراب: كلّ ما يُشرب من المائعات، والجمع أشربه.
هـ قال - رضي الله عنهم -: أجريَ في المختصر ماءُ الزردجِ بجري المرق، والمروي عن أبي يوسف رحمه الله تعالى: إنّه بمنزلة ماء الزعفران وهو الصحيح كذا اختاره الناطفي، والإمام السرخسي رحمه الله.
قوله: (بما خالطه شيءٌ طاهر)
يريد به: إذا خالطه ما يريد به التطهير كالصابون والأشنان، إلا إذا صارغليظا ً بحيث لا يمكن تسييله على العضو؛ لزوال اسم الماء عنه ومعناه أيضا، وهذا في غيّر حالة الضرورة، أما عنّد الضرورة يجوز التوضئ به؛ وإن تغيّر لونه أو طعمه بامتزاج غيره بأن وقعت أوراق الشجر في الحياض، حتى أخضرّ لونه أو تكدّر ذلك الماء بالتّراب؛ لأنّ الماء غالب ٌ على التّراب، إلا إذا صار غليظا ً؛ هذا إذا كان الخلط على وجهٍ لا يزول عنه اسم الماء ومعناه، فأما إذا صار مغلوبا ً به فهو يُلحَقُ بالماء المُقيّد غير إنّه يعتبر الغلبة أولا من حيث اللون، ثم من حيث الطعم، ثم من حيث الأجزاء.
فنقول: ينظر؛ إن كان شيئا ً يخالف لونه لون الماء كاللبن والعصير والخلّ والزعفران ونحوها فإن العبرة فيه اللون، وإن كان الغلبة للون الماء يجوز التوضئ به، وإن كان مغلوبا ً لا يجوز، وإن كان يوافق لونه لون الماء نحو ماء البطيخ، وماء الأشجار، والثمار فالعبرة فيه للطعمة، وإن كان شيئا ً له طعمٌ يظهر في الماء فإن كان الغالب طعْم ذلك الشيء لا يجوز التوضئ به، وذلك نقيع الزبيب وسائر الأنبذة، وإن كان شيئا ً لا يظهر طعمه في الماء فإنّ العبرة فيه؛ لكثرة الأجزاء إن كان أجزاء الماء أكثر، يجوز التوضئ به وإلا فلا.
قوله: (فغيّر أحد أوصافه وهو اللون والطعم والرائحة)
فإن غيّر أحد أوصافه يبقى طاهرا ً، وان غيّرالإثنين فعلى إشارة هذا الكتاب لا يجوز الوضوء به؛ لكن الرواية الصحيحة خلاف هذا، نقله أستاذنا عن العلامة في السفاقي إشارة إلى أنّه إذا غيّر الإثنين والثلاثة من الأوصاف لا يجوز التوضئ به، وان كان المُغيّر شيئا ً طاهرلكنّ المنقول من الأساتذة أنّه يجوز، حتى إن أوراق الأشجار وقت الخريف يقع في الحياض فغير ماءها من حيث اللون، والطعم، والرائحة، ثم إنهم يتوضؤون منها من غير نكير.
ب المدّ واحد المدود: وهو السيل ومنه ماء المدّ، وإنّما خصّ بالذكر؛ لأنّه يجيء بغثاءٍ ونحوه.
م قوله (وكل ماءٍ وقعت فيه نجاسة)
((ذكر الماء المطلق، والمراد منه الدائم الذي لم يكن عشرا ً في عشر ٍ، كما في الأواني والآبار)).
وقوله: (قليلا ً كان أو كثيرا)
قال الأستاذ رحمه الله: يحتمل أن يكون القليل والكثير صفة الواقع فيكون الخلاف بيننا وبين مالكٍ - رضي الله عنه -؛ لأنّه يقول إن كانت النجاسة قليلة ً، فإن لم يظهر لونه أو طعمه فلا يتنجّس الماء، وإن كانت كثيرة ً يتنجّس، ويحتمل أن يكون صفة الماء، وحينئذٍ يكون الخلاف بيننا وبين الشافعي - رضي الله عنه -.
وقوله: كثيرا ً على زعم الشافعي - رضي الله عنه - وهو القلتان.
قوله: (أمر بحفظ الماء)
إنّما قال ذلك مع أنه لم يأمر؛ لأنّ النّهي عن الشيء أمرٌ بضدّه عند عامّة المشايخ، كذا ذكره في مختصر " اللامشي ".
ب: ماءٌ دائمٌ ساكنٌ لا يجري، قدر الشافعي - رضي الله عنه - القلّتين بخمس قُرَبٍ وأصحابه بخمسمائة رطلٍ وزنا ً، كلّ قربة ٍ مائة رطل.
في " فتاوى الحجة رحمه الله ": الحوض والبئر والجُبّ تنجّس ماؤه فامتلأ من الماء الطاهر خرج شيءٌ منه طَهُر، وهو اختيار الفقيه أبي جعفر - رضي الله عنه - كالماء الجاري، وكذلك قصعة الحمّام، إذا كان الماء مشكلا ً، وامتلأت القصعة من ماء الأنبوب خرج منه شيءٌ طَهُر.
قال المصنّف رحمه الله: هذا إذا خرج من الإناء شيءٌ من الماء وصار جاريا ً ولم يكن فيه أثرٌ من آثار النّجاسة كالطعم، واللون، والريح، أمّا إذا كان فلا يطهُر، وإنْ خرج منه شيءٌ كثيرٌ، حتى لم يبق فيه أثر النّجاسة.
روى أبو يوسف رحمه الله عن أبي حنيفة - رضي الله عنه -: في رجلٍ توضأ في أري الحمّام والماء.
يجري من الأنبوب فيقع في حوض الحمام أنّه جائزٌ ٌ ولا يفسد الماء إذا وقع، والماء يخرج من الأنبوب فيقع في حوض الحمّام أنّه جائز ٌ ولا يفسد الماء إذا وقع فيه شيئ.
قال الشيخ أبو القاسم الصّفار رحمه الله: إنْ كان الماء يدخل من الأنبوب والناس يغترفون بأيديهم وقصاعهم غَرفا ً مقدارا ً كمتواتر لا ينجس الماء، وإن كان بعض القصاع والأيدي نجِسا ً.
قال المصنّف رحمه الله: سمعت شيخ الإسلام على المطلق - رضي الله عنه - يقول: ماء الحمّام على خمسِ مراتِب، الذي في الحوض وهو راكدٌ، والرجل لا يعلم بوقوع النّجاسة جاز الوضوء به.
والثاني: يدخل الماء من الأنبوب فيه ويتوضأ الرجل بماء الحوض.
والثالث: يدخل الماء في الميزاب والنّاس يغترفون من الحوض.
والرابع: يرفع ماء الحوض بقصعة ٍ ويجعله تحت الأنبوب حتى يخرج منه شيءٌ فيتوضأ به.
والخامس: يأخذ الكلّ من ماء الأنبوب فيتوضأ، فالخامس خيرٌ من الرابع، والرابع خيرٌ من الثالث، والثالث خيرٌ من الثاني، والثاني خيرٌ من المرتبة الأولى، والوضوء بالكلّ جائزٌ، والاحتياط من أخذ به فهو جائز.
في " الخلاصة ": ((وإن تنجّس حوض الحمّام فدخل الماء من الأنبوب وخرج من الجانب الآخر فهو كالحوض الصغير وفيه أقاويلٌ والمختار: إنّه يطهر)).
في " النصاب ": والفتوى في الماء الجاري، إنّه لا يتنجّس ما لم يتغيّر لونه أو طعمه من النّجاسة.
في " الذخيرة ": ((سُئل الإمام الزاهد أبو الحسن الرستغفني رحمه الله: عمّن قدر على الماء الجاري وماء الحوض فالتوضئ بأيهما أفضل؟ قال ماء الحوض؛ لأنّ مذهب الإعتزال قد ظهر في هذا الزمان وهم لا يرون التوضئ في الحياض جائز ٌ فنحن نتوضأ بماء الحوض رغما ً لا نفهم)).
في " النصاب ": والفتوى اليوم على أن يتوضأ من الكوُز؛ ليُعرف مقدار الماء والحاشية: ولا يجوز أن يُحمل النهي على حرمة البول في الماء؛ لأنّ البول بالإجماع في الماء غيرُ محرّم كذا في الجامع الصغير لأبي ليث، ولا يجوز أن يُحمل على نفرة الطباع؛ لأنّه عليه السلام بُعث لبيان الأحكام لا لبيان الحقائق.
في " السغناقي ": فان قيل؛ جاز أن يكون النهي للأدب أو للتنزيه، قلنا: مُطلق النّهي يقتضي الحرمة مع عرائه عن التأكيد فكيف إذا كان مؤكدا ً بالنون الثقيلة؟ ولأنّه لو كان كذلك لما قيده بالدائم فان الجاري يشاركه في ذلك المعنى؛ لأنّ البول في الدائم كما هو ليس بأدب ٍ، كذلك البول في الماء الجاري ليس بأدب ٍ أيضا ً فلا يبقى حينئذ لقيد الدائم فائدة.
قوله: (في بئر بضاعة): فان قلت: العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب قلت: خصّ هذا الحديثين؛ ولأنّ العبرة إنّما يكون لعموم اللفظ، إن كان الألف واللام للجنس، أمّا إذا كان للعهد لا من " الشاهان ".
ي قوله: (ولم يُرَ لها أثر)
يريد به: نجاسة يذهب عينها بجريان الماء، فإن كان مِمّا لا يذهب عينه بجريان الماء بأن وقعت فيه ميتة.
فاستقرت في مكانه فإنه ينظر: إن كان الماء كلّه يجري عليها أو نصفه لم يجز الوضوء أسفل منه، وإن كان لم ير لها أثر وإن كان يجري أكثره في مكان طاهرٍ جاز الوضوء أسفل منها.
والعَذِرات على السطح: بمنزلة الميتة في الماء، فإن كان يجري على العذرات أكثره أو نصفه. والعذرات على رأس الميزاب: فهو نجس، وإن كانت متفرقة، وأكثر الماء يجري في مكان ٍ طاهرٍ؛ فإنه لا ينجس بمنزلة الماء الجاري إلا أن يظهر فيه طعمه أو لونه أو ريحه.
وروي عن محمّد بن سلمة عن أبي يوسف بن العاصم رحمه الله إنّه قال: إذا كان الماء يجري في جوف الجيفة؛ إن كان أكثره لا يلاقي الجيفة فهو طاهرٌ، وإن كان يلاقي الجيفة أكثر فهو نجسٌ. قال أبو نصر رحمه الله: وهذا القول أشبه بقول أصحابنا
وقال أبو يوسف رحمه الله: في ساقية صغيرة فيها كلب ٌ ميّت قد سدّ عرضها وجرى الماء فوقهُ وتحتهُ أنّه لا بأس بالوضوء أسفل منه، إذا لم يتغيّر طعمه، أو لونه، أو ريحه، وعليه الفتوى.
هـ الجاري: ما لا يتكرر إستعماله، وقيل: ما يذهب بتبنه.
في " الزاد ": ((الجاري ما عدّه النّاس جاريا ً هو الصحيح)).
في " الكبرى ": ماء المطر إذا جرى في ميزاب ٍ من السطح؛ فإن كان على السطح عَذِرَة ٌ، فالماء طاهرٌ؛ لأنّ الذي لا يجري على العذِرَة أكثر، فإن كانت العذرة عند الميزاب، فإذا كان كل الماء أو أكثره أو نصفه يلاقي العذرة فهو نجسٌ، وإن كان الذي لا يلاقيها أكثر من الذي يلاقيها فهو طاهرٌ، وكذا ماء المطر إذا استنقع في موضع ٍ بعدما مرّ بعذرات ٍ؛ كان الجواب كذلك هو الصحيح.
ماءُ الثلج إذا جرى على الطريق، وفي الطريق مرقين ونجاسة تثبت النجاسة فيه واختلطت حتى لا يُرى لونها، ولا أثرها تَوضأ منه؛ لأنّه في معنى الماء الجاري.
الحوض الصغير: إذ ا كان ماؤه نجسا ً فدخل الماء من جانب ٍ وخرج من جانب ٍ آخر، يَطهُر، وإن لم يخرج مثل ما فيه؛ لأنّ الماء الجاري لمّا اتصل به صار في الحكم جاريا ً والجاري طاهرٌ إلا أن يستبين فيه النجاسة.
البول في الماء الجاري مكروهٌ؛ لأنّ أبا حنيفة - رضي الله عنهم - سمّى الذي بال في الماء الجاري جاهلا ً، فهذا يدل على أنّ هذا من فعل الجهّال والعالم لا يفعل.
في " الذخيرة ": وفي متفرقات ((شمس الأئمّة الحلواني رحمه الله؛ عين الماء إذا كان خمسا ً في خمس ٍ وكان الماء يخرج منه، قال: إن تحرك من جوانبه يجوز التوضئ ويستعين بالحركة، وكان القاضي الإمام ركن الإسلام علي السغدي رحمه الله يقول: بالجواز في هذه الصورة مطلقا ً من غير تفصيل.
وفي الحوض الصغير: الذي يدخل الماء فيه من جانبٍ ويخرج من جانبٍ يجوز التوضئ فيه وعليه الفتوى؛ لأنّ هذا ماء جاري فيجوز التوضئ به)).
في " الخلاصة ": ((وإن كان الماء له طولٌ وعمق ٌ وليس له عرض ٌ، كأنهار بلخ ٍ؛ إن كان بحال ٍلو جمع يصير عشرا ً في عشرٍ يجوز التوضئ منه، وعند من لا يجوّز: يحفر حفيرة ً ثمّ يجعل نهرة ً فيجعل الماء من النهرةِ إلى الحفيرةِ فيتوضأ من أكثره، ولو وقعت فيها النجاسة يتنجّس والمختار أنّه لا يتنجّس)).
وفي " الكبرى ": ولو كان الماء له طولٌ وعمق ٌ وليس له عرضٌ؛ فإن كان الطول ما لا يخلص بعضه إلى بعضٍ مقدار ما يُدانا به الباب.
وتفسيره: إنّه لو جمع وقدّر يصير عشرا ً في عشرٍ فلا بأس بالوضوء منه تيسيرا ً على المسلمين.
أ قوله: (والغدير العظيم)
الغدير؛ مشتق ٌ من الغدر وهو الترك، والغدير فعيلٌ بمعنى المفعول، أي المتروك من ماء المدّ، ثمّ أعلم بأنّ قوله والغدير العظيم الذي لا يتحرك أحد طرفيه هذا ليس بتفسيرالعظيم بل هو بيان حكم الغدير العظيم، أي الغدير الذي لا يتحرك أحد طرفيه بتحريك الطرف الآخر إذا وقعت نجاسة في أحد جانبيه ماذا حكمه؟ كان محمد رحمه الله سئل عن هذا فقال: جاز الوضوء من الجانب الآخر.
في " الزاد ": ((هذا الذي ذكرنا اختيار العراقيين من مشايخنا، أن حكم المرئيّة، وغير المرئيّة سواءٌ في أنّه لا يتوضأ من جانب الذي وقعت فيه النّجاسة، ومشايخنا رحمهم الله فصّلوا بين الأمرين كما قالوا في الماء الجاري، وهو الأصح)).
م قال رحمه الله: ((المراد بتحرك الطرف، إذا حركته يتحرك الطرف الآخر في ساعته، ولا يعتبر موج الماء؛ لأنّ ذلك يكون وإن كثر الماء، والتحرك أمّا بالتوضئ والإغتسال على اختلاف الأقاويل)).
وفي قوله: (جاز الوضوء من الجانب الآخر)
إشارة ٌ إلى تنجّس الماء في موضع الوقوع كذا في الهداية.
م في " التهذيب ":عن أبي يوسف ومحمدٌ رحمهما الله في الغدير الكبير: إذا اغتسل فيه من جانبه، إن كان على بدنه نجاسة عينيّة لا يجوز التوضئ من ذلك الموضع وإلا فيجوز وعليه الفتوى؛ للضرورة.
هـ: وبعضهم قدّروا بالمساحة عشرا ً في عشرٍ بذراع الكِرباس توسعة ً للأمر على النّاس وعليه الفتوى، والمعتبر في العمق: أن يكون بحالٍ لا ينجُس بالإغتراف وهو الصحيح.
في " الذخيرة ": ((وفي نظم الزندويستي رحمه الله: إذا كان الحوض كبيرا ً وفيه نجاسات فدخل الماء وامتلأ.
قال أهل بلخ: وأبو سهل الكبير البخاري رحمه الله: هو نجس.
وقال الفقيه أبو جعفر البلخيّ، وإسماعيل بن الحسن الزاهد البخاري رحمهما الله: الكلّ طاهرٌ وبه أخذ كثيرٌ من فقهاء بخارى، وهكذا أفتى الفقيه أبو بكرٍ عبد الواحد رحمه الله مرارا ً وهكذا أفتى الفقيه أبو بكرٍ العياض رحمه الله)).
النفس:
ب النفس: هي الدّم في قول النخعي رضي الله عنه، كلّ شيءٍ له نفسٌ سائلةٌ، فإنّه لا يتنجٌس الماء إذا مات فيه وإنّما سُمّي بذلك؛ لأنّ النفس التي هي اسم الجملة، الحيوان: قوامها بالدم
في " فتاوى الحجة " رحمه الله: دم البراغيث و البعوض والقُمّل ليس بنجسٍ، ودم القراد والحلمة نجسٌ؛ لأنه دمٌ مسفوحٌ إن سَفح، وقال أبو القاسم الصّفار رحمه الله: الضفدع البريّ إذا مات في الماء والعصير لا يفسدهما وبه نأخذ، وقال الإمام نجم الدين رحمه الله في الطلبة: والضِفدع بكسر الضاد والدال هو الصحيح، والفقهاء يذكرونه بنصب الدال.
م قوله: (وموت ما ليس له نفسٌ سائلة وموت ما يعيش في الماء فيه)
((وفي بعض النّسخ لم يذكر كلمة فيه، والشيخ الإمام الهمام العالم شمس الأئمّة الكردري رحمه الله أثبتها؛ لتكون المسألة مجمعا ً عليها؛ لأنّه إذا مات في دنّ الخلّ، قيل: يفسده بناءً على إنّ علة عدم التنجّس موته في معدنه عند البعض، وعند البعض كونُه لا دم له، ومائيّ المعاش: هو الذي يكون توالده ومثواه في الماء)).
في " النصاب ": السمك أو السرطان أو الضفدع، إذا مات في العصير أو الخلّ أو اللبن لا يفسد؛ لأنّ هؤلاء ليس دم ٌ سائل ٌ وهو الصحيح، وما ظهر منها ماءٌ تكون بلون الدّم كماء اللحم.
م قوله: (إختلاط الدم المسفوح)
ولهذا قلنا: إن المصليّ إذا إستصحبه فأرة أو عصفورة ٌ حية ٌ لم تفسد صلاته، ولو كانت نجِسة ً لفسدت، ولو ماتت حتف أنفها فاستصحبها فسدت.
والسمكة: لو استصحبها في صلاته لا تفسد ميّتة ً كانت أو حية ً لا دم لها من السغناقي
حكم الماء المستعمل
م قوله: (والماء المستعمل لا يجوز استعماله في طهارة الأحداث).
((ذكر في " المبسوط ": أجمع أصحابنا إنّ الماء المستعمل في الوضوء والإغتسال لا يجوز استعماله ثانيا ً، لكن اختلفوا في طهارته ونجاسته، فعُلِم بهذا الاتفاق علمائنا الثلاثة.
قال جمال الدين رحمه الله: فعند أبي حنيفة - رضي الله عنهم - نجس ٌ نجاسة ً غليظة ً، وعند أبي يوسف رحمه الله خفيفة ً، وعند محمد رحمه الله طاهر ٌ غير مطهر ٍ والفتوى على قوله)).
كذا في " الزاد " قوله: (أو استعمل في البدن على وجه القربة)
بأن كان يتوضأ، فتوضأ مرة ثانية؛ لتكون نور ٌ على نور ٍ، وهذا عند أبي يوسف رحمه الله؛ لأنّ الفساد عنده يثبت بالأمرين، وعند محمد رحمه الله بإقامة القربةِ فحسب.
وهذا الخلاف يظهر: فيما إذا سال الماء على الأعضاء على وجه التبرّد يجوز التوضئ به؛ لو جمع عند محمد رحمه الله خلافا لأبي يوسف رحمه الله.
المستعمل عند ابي حنيفة، وأبي يوسف - رضي الله عنه -: ما أزيل به الحدث، وقصد به التقرب، أما إذا لم يزل به الحدث، ولا يقصد به التقرّب لا يكون مستعملا ً بلا خلاف ٍ؛ حتى إنّ المُحدِثَ أو الجنب أو الحائض إذا اغتسل لا لوجه الله تعالى ولا للصّلاة يصير الماء مستعملا ً عندهما، وعند محمد رحمه الله لا يصير الماء مستعملا ً، وغير المُحدَث أو غير الجنب أوالحائض إذا توضأ لا لوجه الله تعالى؛ لا يصير الماء مستعملا ً بلا خلاف، هكذا ذكره في الجامع الصغير لأبي اليسر البزدوي رحمه الله.
في " الجامع الصغير الحسامي ": صبي ٌ توضأ هل يصير الماء مستعملا ً: اختلف المتأخرون فيه والمختار أنه يصير الماء مستعملا ً إذا كان الصبيّ عاقلا ً وإلا ّ فلا.
في " فتاوى الحجة ": فإن أصاب الماء المستعمل في المرّة الأولى ثوبا ً طاهرا ً يجب غسله ثلاث مرات ٍ، وإن أصاب الماء الثاني يغسل مرتين، وإن أصاب الماء الثالث يغسل مرة ً واحدة ً، وكذلك الإجابة الاولى يُغسل ثلاث مرات ٍ، والثانية مرتين، والثالثة مرة ً واحدة ً.
وهذا كما قالوا في مسألة البئر إذا حكم بنجاستها بوقوع الفأرة فصب دلوٌ منها في البئر الطاهرة؛ فإن كان الدلو الأوّل ينزح من البئر الثانية عشرون دلوا ً، وإن كان الدلو الأخير ينزح
دلوٌ واحد ٌ فيعتبر حال البئر الثانية بالبئر الأولى فبأيّ عدد ٍ تطهرُ البئر الأولى بعد صبّ ذلك الدلو في البئر الثانية تطهر به البئر الثانية.
في " شرح الطحاوي" و " الخلاصة ": ((والجنب إذا إغتسل في بئر ٍ، ثم في بئر ٍ، ثم في بئر ٍ، إلى العشرة أو أكثر، قال أبو يوسف رحمه الله تعالى: تنجّست المياه كلها، سواء أكانت على بدنه نجاسة ً عينية ً أو لم تكن والرجل على حاله جنبا ً.
وقال محمدٌ رحمه الله: يخرج المرء من البئر الثالثة طاهرٌ أو المياه الثالثة.
يُنظر: إن كان على بدنه عينُ نجاسة ٍ، صار الماء نجسا ً، وان لم يكن على بدنه عينُ نجاسة ٍ صار الماء مستعملا ً، والماء المستعمل طاهرٌ عنده)).
" الجامع الصغير الأوزجندي ": الجنب انغمس في البئر لطلب الدلو: فعند أبي يوسف رحمه الله الرجل بحاله؛ لعدم الصبّ، والماء بحاله؛ لعدم الأمرين.
وعند محمّد رحمه الله: الرجل طاهرٌ لعدم اشتراط الصبّ عنده، والماء طاهر لعدم القربة.
وفي قول أبي حنيفة - رضي الله عنهم -: كلهما نجسان، أما الماء؛ فلإسقاط الفرض عن البعض بأوّل الملاقاة، وأما الرجل؛ فلبقاء الحدث في بقية الأعضاء، هكذا قيل.
وقيل: نجاسة الماء وهو الأصح حتى لو تمضمض واستنشق حلّ له قراءة القرآن.
في " الجامع الصغير الحسامي ": الصحيح: إنّه نجس ٌ نجاسة الجنابة؛ لأنّ الماء صار مستعملا ً بملاقاته، والماء المستعمل لا يزيل النجاسة.
في " الطحاوي " قال: وما توضئ به من المياه أو اغتسل منها لا للتبرد فقد صار الماء مستعملا ً لا يجوز التوضئ به ولا الاغتسال منه.
والماء المستعمل: هو الذي زايل البدن واستقر في مكان ٍ، فأما ما دام على البدن فلا يلحقه حكم الإستعمال، حتى إنه لو بقيت على العضو لمعة ٌ لم يصبْها الماء فصُرّفَ ذلك البلل الذي على ذلك العضو جاز.
ولو صرف البلل التي في اليمنى إلى اللمعة التي في اليسرى أو من اليسرى إلى اليمنى لا يجوز.
ولو كان هذا في الجنابة جاز؛ لأن الأعضاء في الجنابة كلها كعضوٍ واحد، حتى أنه لو بقيت في القدم لمعة ٌ فبلّها من الماء الذي على الرأس يجوز، وإنّما يلحق الماء حكم الإستعمال ما
كان من غسالة بني آدم، وأما ما كان من غسالة الجمادات، كغسالة القدر والقصاع وغسالة الثمار وما أشبهها، فلا يلحقها حُكم الإستعمال، وإنما يصير مستعملا ً بغسالة بني آدم؛ إذا كان للتقرب إلى الله تعالى، فأما إذا لم يكن للتقرب إلى الله تعالى، فلا يلحقها حكم الإستعمال، حتى إنّه لو غسل يده عن الوسخ أو غسلت المرأة يديها من العجين، فإنه لا يصير مستعملا ً.
ولو غسل يده للطعام؛ فإنّه يصير مستعملا ً؛ لأنّه وجد فيها التقرّب، دليله الخبر ((الوضوء قبل الطعام ينفي الفقر وبعد الطعام ينفي اللمم)).
وقال بعضهم للطعام يصير مستعملا ً، ومن الطعام لا يصير مستعملا ً، ولو توضأ من الحدث أو اغتسل من الجنابة أو للتقرب إلى الله صار الماء مستعملا ً؛ فإن اغتسل للتبرّد أو توضأ للتبرّد؛ فإنّ الماء لا يصير مستعملا ً عند محمد رحمه، وقالا: يصير الماء مستعملا ً إلاّ أنّهم أخذوا هذا الحرف عليه.
وقال الطحاويّ: يصير الماء مستعملا ً، ثم المستعمل لا يستعمل ثانيا ً بالإتفاق، ولكن اختلفوا في طهارته ونجاسته، وأما عينه هل هو نجس ٌ أم لا؟ لم يذكروا في ظاهر الرواية، وذكر في غير رواية الأصول، عن أبي حنيفة - رضي الله عنهم - ثلاث روايات.
في رواية ٍ: نجس ٌ نجاسة ً خفيفة ً، كبول ما يؤكل لحمه؛ حتى إنّه لو أصاب الثوب أكثر من قدر الدرهم، لا يمنع أداء الصلاة ما لم يكن كثيرا ً فاحشا ً، وبه قال أبو يوسف رحمه الله.
وفي رواية ٍ: هو نجس ٌ نجاسة ً غليظة ً، كالبول والخمر والدم؛ حتى إنّه لو أصاب الثوب أكثر من قدر الدرهم منع أداء الصلاة.
وفي رواية ٍ: طاهر ٌ غير طهور ٍ كالماء المقيّد، وبه أخذ محمد ٌ رحمه الله، وحاصل الخلاف؛ وهو إن الماء المستعمل نجس ٌ عند أبي حنيفة، وأبي يوسف - رضي الله عنهم -، وبه قال مشايخ بلخ: وعند محمد ٍ رحمه الله: طاهرٌ غير طهورٍ، وبه قال مشايخ العراق، وهو أحد قول الشافعي - رضي الله عنه - سواءٌ كان المتوضئ محدثا ً أو طاهرا ً فهو طاهرٌ غير طهورٍ.
عند علمائنا الثلاثة، وعند زفر - رضي الله عنه -؛ إن كان المتوضئ محدثا ً، فهو طاهر غير طهور، كما قال محمد - رضي الله عنه -: فإن كان المتوضئ طاهرا ً فالماء طاهرٌ وطهورٌ وهو أحد قوليّ الشافعيّ - رضي الله عنه - ولم يذكر الإختلاف في كتاب الصلاة وإنّما ذكره في موضع ٍ آخر.
الجنب: إذا اغتسل في بئر ٍ، ثمّ في بئر ٍ، ثمّ في بئر ٍ إلى العشرة أو أكثر، قال أبو يوسف رحمه الله: تنجّست المياه كلها سواءٌ كانت في بدنه نجاسة ً عينية ً أو لم يكن والرجل على حاله جنبا ً. وقال محمد رحمه الله: يخرج المرء من البئر الثالثة طاهرا ً، والمياه الثلاثة.
ينظر؛ إن كان على بدنه عينُ نجاسة ٍ؛ صار الماء نجسا ً، وإن لم يكن على بدنه عينُ نجاسة ٍ؛ صار الماء مستعملا ً.
والماء المستعمل طاهرٌ عنده من وجه قول أبي يوسف رحمه الله؛ لأنّه لو صار طاهرا ً بالإغتسال في البئر الثالثة؛ لصار طاهرا ً بالإغتسال في البئر الأولى؛ لأن التسييل ليس بشرط ٍ فيها، فلم يصر طاهرا ً بالإغتسال في الأولى، كذلك في الثانية.
والثالثة: وجه قول محمد ٍ رحمه الله؛ إنّ النّجاسة العينية أغلظ من الحكميّة، ولو كان عليه العينيّة يطهرُ بثلاث مياه ٍ فكذا الحكميّة، وأما الرابعة وما ورائها: إن وجدت منه النيّة صار مستعملا ً، وإن لم يوجد النيّة لا يصير مستعملا ً.
والمياه كلها طاهرة، وكذلك هذا الخلاف في النّجاسة الحقيقيّة على البدن؛ هكذا ذكره في الزيادات، وكذلك هذا الخلاف في الوضوء، وأجمعوا في الثوب إذا غسل في أجانة ثم في إجانة ثم في إجانة إلى العشرة أو أكثر، فإنّه ينظر: إن لم يكن على ثوبه عينُ نجاسة ٍ فالماء طاهرٌ لا يصير مستعملا ً.
ولو كانت عليه نجاسة ً: كان القياس أن تصير الماء نجسة ً، ولا يطهر الثوب ما لم يصب ّ عليه الماء أو يغسله في ماء جاري وهو قول بشر، وزفر.
وفي الإستحسان: يخرج الثوب من الإجانة الثالثة طاهرا ً، أما المياه الثلاثة نجسة ٌ، والباقي طاهرٌ بالإجماع.
محمّد ٌ رحمه الله: قاس البدن على الثوب، وأبو يوسف رحمه الله فرّق بينهما، فقال: إنّ في الثوب ضرورة ً؛ لأنّ غسله يجري على أيدي النّساء والخدم في البيوت ولا يمكنهن الخروج في الغالب بخلاف البدن، وكلّ من أراد أن يغسل ثوبه لا يجد ماءً جاريا ً ولا أحدا ً يصبّ الماء عليه، ثم الأصل عند أبي يوسف في صيرورة الماء مستعملا ً أن يقال: بأنّ الماء إنّما يصير مستعملا ً بأحد أمرين؛ إما باستعماله تقربا ً إلى الله تعالى أو بإسقاط الفرض عن ذمته.
وعند محمّد ٍ رحمه الله: إنّما يصير مستعملا ًباستعماله تقربا ً إلى الله تعالى، ولا يصير مستعملا ً بسقوط الفرض عن ذمته، وإنّما يظهر فائدة الاختلاف في الجنب إذا انغمس في البئر؛ لطلب الدلو، وإن كان على بدنه عينُ نجاسة ٍ، فإن الماء يتنجّس بالإجماع.
وإن لم يكن على بدنه عين نجاسة ٍ. قال أبو يوسف رحمه الله: الماء بحاله، والرجل بحاله، أما الماء بحاله؛ لأنّه لم يسقط الفرض عن ذمّته ولم يوجد التقرب بها إلى الله تعالى فلا يصير الماء مستعملا ً والرجل بحاله؛ لأنّ المذهب عنده أن الجُنُب لا يطهر في البئر.
وقال محمد ٌ رحمه الله: الرجل طاهرٌ والماء طاهرٌ، إنّ الرجل طاهرٌ؛ لأنّ المذهب عنده أن الجُنب يطهر في البئر إلا أنّه إذا نوى الإغتسال يطهر بالثلاث، وهاهنا في المرّة الواحدة؛ لأن هناك لمّا نوى الإغتسال صار الماء مستعملا ً في كلّ مرّة ٍ، إلا إن الثلاث يستأصل النّجاسة، وهاهنا لا يصير الماء مستعملا ً؛ لأنّه لم ينو الإغتسال فيطهرُ بمرة ٍ واحدة.
وروي عن أبي يوسف رحمه الله في " الأمالي " أنه قال: كلاهما نجسان، إلا أنّي أستحسن في الجنب إذا أدخل يده في الإناء أو إصبعه أنّه لا يفسد الماءَ ما لم ينو الغسل، قال؛ وهكذا لو أدخل رجله، إلاّ أنّ الرجل أفحش.
ولو أنّ طاهرا ً إذا انغمس في البئر لطلب الدلو يصير الماءُ مستعملا ً بالإتفاق؛ لأنّه لم يقصد التقرّب، ولم يسقط الفرض عن ذمّته، ولو إنّ الطاهر إذا وقع في البئر ونوى الغسل صار الماء مستعملا ً بالإتفاق؛ لأنّه قصد بذلك التقرّب، إلا في قول زفر رحمه الله فإنّه لا ينجس؛ لأنّ الأصل عنده إنّ المتوضئ إذا كان طاهرا ً أو المغتسل فالماء طاهر ٌ وطهورٌ وهو قول الشافعي - رضي الله عنه -.
ولو أدخل نفسه أو خفَه في إناء ٍ أو في جُبّ وأراد المسح، قال أبو يوسف رحمه الله: يجوز المسح ولا يصير الماء مستعملا ً؛ لأنً المسح هو الإصابة دون الإسالة، والتقرب إلى الله تعالى وسقوط الفرض عن ذمته إنّما يحصل بالإسالة دون الإصابة.
وقال محمدٌ رحمه الله: لا يجوز عن المسح، ويصير الماء مستعملا ً، ويخرج رأسه وخفه من الماء المستعمل نجسا ً؛ لأنّه قصد به التقرب إلى الله تعالى، ولو لم يقصد به المسح فإنه يجوز عن المسح، ولا يصير الماء مستعملا على اختلاف المذهبين، أما على قول محمّد رحمه الله؛ فلأنّ القصد إلى التقرب لم يوجد، وعلى قول أبي يوسف رحمه الله، وإن سقط الفرض عن ذمته لكنْ إنّما يسقط الفرض بالإصابة والماء المستعمل هو المُسال لا المُصاب.
هـ ومتى يصير مستعملا ً؟ الصحيح أنه كما زايل العضو صار مستعملا ً؛ لأنّ سقوط حكم الاستعمال قبل الإنفصال للضرورة ولا ضرروة بعده.
في " النصاب ": والأصل في ذلك إنّ الماء ما دام على أعضاء الغاسل طاهرٌ فيحق الإصابة حتى لو أزال عنها بمنديل أو خرقة فالمنديل طاهرٌ هو المختار، وفي حق التطهير لا يكون، حتى لو أخذ واستعمل في عضو آخر لا يجوز، ولو أستعمل في هذا العضو يجوز، وفي الجنابة يجوز أن يذهب من عضو إلى عضو؛ لأنّ جميع الأعضاء في حق الجنابة كعضو ٍ واحد.
م قوله: (وكلّ إهاب ٍ دُبِغَ فقد طهُر)
((ليس هذا موضعه ولكن؛ لِبيان أنّه يجوز الوضوء منه)).
قوله: (إلا جلد الخنزير)
قال الإمام بدر الدين رحمه الله: قدّم الخنزير على الآدمي في موضع الإستثناء، وإن كان الأحقّ تقديم الآدمي لنبأ أنّ هذا الموضع موضع الإهانة.
كما في قوله: {لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ} الآية إلا أنّه أخّر المساجد؛ لما أنه ذكر بلفظ التهديم.
في " النّصاب ": وعن محمد ٍ رحمه الله في جلد الكلب والذئب إذا دُبِغ لا بأس به، ويجوز أن يصلي فيه وأن يلبسه، وكذلك جلد القرد وعليه الفتوى.
أ الدباغة نوعان: حقيقة؛ وهي أن يدبغ بشيءٍ به قيمة ٌ، كالعصف، وحكميّة: وهي أن يدبغ بشيء ٍ لا قيمة له كالتتريب.
في " الطحاوي ": ولو أصابه الماء بعد الدباغة الحقيقيّة، فإنّه لا يعود نجسا ً، وبعد الحكميّة عن أبي حنيفة - رضي الله عنهم - روايتان: في رواية يعود نجسا ً، وفي رواية لا يعود نجسا ً، والأظهر إنّه لا يعود نجسا ً، وإذا دُبغ حكما ً أو حقيقة ً يُحكَم بطهارته جازت الصلاةُ عليه، وجاز شرب الماء فيه.
في " النّصاب ": روي عن ابي يوسف رحمه الله في جلد الميتة إذا يبُس في الشّمس أو بالتراب؛ صار دباغا ً حكميا ً، ولو وقع في الماء لا يفسد في أصح الروايتين.
ب: الإهاب الجلد غير المدبوغ، والجمع أهُب ٌ بضمتين وبفتحتين اسم له، دبغ الجلد يُدبغ ثلاث ٌ بالحركات الثلاثِ دبغا ً ودباغا ً، والدباغ أيضا ً ما يُدبغ به العصف ورق الزرع، والعفص بتقديم الفاء معروف ٌ كالبندقةِ يدبغ به طهرالشيء، وطهرٌ خلاف نجسمص دره الطهارة.
في " الكبرى ": إذا صلى ومعه شعرُ رجل ٍ أكثر من مقدار الدرهم، يجوز صلاته والفتوى على هذه الرواية.
ذبح كلبه، ثم باع لحمه جاز، وكذا إذا ذبح حمارا ً وباع لحمه على ما اخترنا من الجواب؛ لأنّ هذا اللحم طاهرٌ، ولو ذبح الخنزير وباع لحمه لا يجوز؛ لأنّ لحم الكلب المذبوح، والحمار المذبوح، منتفع بهما؛ لأنّه يجوز أن يُطعم سنّوره؛ لأنّه طاهرٌ، ولا كذلك لحم الخنزير؛ لأنّه ليس له أن يطعِم كلبه؛ لأنّه نجس.
وفرق ٌ في الكلب والحمار بيّن ٌ إذا كانا مذبوحين، وبيّن إن كانا ميّتين، والفرق في الكلب إنّ لحم الميتة ليس بمنتفع؛ لأنه ليس له أن يطعم سنّوره، وإذا ذاك نوع الانتفاع، وقد قال - عليه السلام - ((لا تنتفعوا من الميتة بشيء))، ولكن الهرّة تحمل إلى الجيفة.
ولو أشترى لحم السباع لا يجوز؛ لأنّه غير منتفع ٍ به، ولواشترى السباع يصحّ؛ لأن السباع منتفعة ً، أطلق هاهنا والمسألة على وجهين؛ وإن كان السبع ميتا ً لا يجوز بيع لحمه وهو تأويل المذكور هاهنا، وإن كان السبع مذبوحا ً فكذلك على قول بعض المشايخ وهو إختيار قول الفقيه أبي جعفر، والفقيه أبي الليث رحمهما الله؛ لأنّ على قولهم هذا اللحم نجس ٌ وعلى ما اخترنا للفتوى يجوز؛ لأن هذا اللحم طاهر ٌ، وذكر في كتاب الصيد والذبائح، فقال: كل شيئ ذبح يجوز بيع جلده إلا الخنزير؛ لأنّ الذبح في تطهير الجلد كالدباغ.
وجلد ما عدا الخنزير يطهر بالدباغ فيطهر بالذكاة، وكذلك لحمه طاهرٌ، حتى لو ألقي في الماء لا يتنجس الماء ولو صلىّ مع ذلك اللحم يجوز وعليه الاعتماد.
في " التهذيب ": وقالوا الكلب إذا ابتلّ فانتضح منه على ثوب ٍ أكثر من قدر الدرهم لم يجز الصلاة، قيل هذا إذا ابتلّ أصل شعره، فإن ابتل ظاهرُ شعره يجوز عليه الفتوى؛ لعموم البلوى.
و" نصاب الفقه ": الكلب إذا دخل في الماء القليل يفسده، ولو خرج من الماء وانتفض فأصاب ثوب إنسان؛ إن وصل الماء إلى جلده ينجس الثوب؛ لأن جلده نجس، وعن أبي حنيفة - رضي الله عنهم - خلاف ذلك، وإن وصل إلى شعره لا ينجِسه؛ لأنّ شعره طاهرٌ وعليه الفتوى.
في " فتاوى الحجة ": سئل أبو يوسف رحمه الله عمّن صلى ومعه نافجة ُ مسك، قال: يجوز صلاته، قيل له: إنه دم، قال: وإن كان دما لكنّه قد تغيّر وصار طاهرا ً، ولو جعل في الطعام لا بأس به.
في " الذخيرة ": ((وإذا صلى ومعه نافجة، ذكر الفضليّ رحمه الله في فتاواه: إنّ النّافجة إذا كانت بحال ٍ متى أصابها الماء لا تفسد جازت الصلاة؛ لأنّها بمنزلة جلد ميتة ٍ قد دبغ)).
وفي " الفتاوى ": وأما نافجة ُ المسك يبسُها دباغها، فهذا إشارة ٌ إلى جواز الصلاة على كلّ حال ٍ، وقيل: جلد الميتة إذا يبُس بالتراب أو الشمس، ثم أصابه الماء هل يعود نجِسا ً؟، فعن أبي حنيفة - رضي الله عنهم - روايتان، واختلاف الروايات في عَود النّجاسة عند إصابة الماء؛ دليل ٌ على الطهارة قبل إصابة الماء، بهذا تبين أنّ الصحيح في النّافجة جواز الصلاة معها من غير تفصيل.
في " الظهيرية " ((نافجة المسك: إن كانت بحال ٍ؛ لو أصابها الماء لم تفسد وإلا فلا، هذا إذا كانت من الميتة، وإن كانت من الذكية فهي طاهرة على كل حال)).
في " فتاوى الأوزجندي ": فإن كانت نافجة ُ دابة ٍ مذبوحة ٍ جازت صلاته معها؛ لأنّها طاهرة ٌ، وإن لم تكن مذبوحة ً فصلاته فاسدة، والمسك حلال ٌ على كلّ حالٍ، يُؤكل في الطعام، ويجعل في الأدوية، ولا يقال بأنّ المسك دم؛ لأنّها وإن كانت دما ً فقد تغيّرت فيصير طاهرا ً، كرماد العذرة.
في " الظهيرية ": ((رماد السرقين، طاهر ٌعند أبي يوسف رحمه الله، خلافا ً لمحمد ٍ والفتوى على قول أبي يوسف رحمه الله))
م قوله: (وشعر الميتة)
((أراد به ما سوى الخنزير؛ لأنّ شعره نجس)).
في " التهذيب ": وإنّما رخّص الجزازين الأنتفاع بشعره للضرورة، ولو وقع عظمُ الميتةِ في البئر؛ إن كان عليه لحم ٌ أو دمٌ أو دسمٌ، ينجس، وإلا فلا بخلاف عظم الخنزير فإنّه ينجس على كلّ حال.
وفي عظم الفيل روايتان في نصاب الفقه: عظم الفيل بعد ما جفّ، لا يفسد الماء بخلاف عظم الخنزير فإنه يُفسِدُ الماء وإن جفّ وهو الأصح.
في " المحيط ": ((وأما عظم الفيل روي عن محمّد رحمه الله: إنّه نجسٌ؛ لأنّ الفيل لا يذكّى كالخنزير فيكون عظمه كعظم الخنزير، وروي عن أبي يوسف رحمه الله: إنّه طاهر ٌ، وهو الأصح.
ذكره الشيخ الإمام الأجلّ شمس الأئمة السرخسي رحمه الله: لحديث ثوبان - رضي الله عنهم - ((أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - اشترى لفاطمةَ َ - رضي الله عنهم - سوارا ً من عاج ٍ، فظهر استعمالُ الناس ِ العاجَ من غير نكيرِ منكِر والعاج: عظم الفيل، فدل إنّه طاهر)).
م قوله: (نزِحَت)
((والمراد ماءها، أطلق اسم المحل على الحال، كقولهم: جرى النّهر وسال الميزاب، وقوله: نزحت؛ لبيان حكم المسألة))
قوله: (فيها)
قيد ٌ بالوقوع في البئر؛ لأنّها لو وقعت في جُب ٍ أهريق الماء كله، كذا في المبسوط العشرون بطريق الإيجاب، والثلاثون بطريق الاستحباب، وهذا بعد إخراج الفأرة، حتى لو نزح عشرون دلوا ً وهي فيها لم تطهر؛ لأن علة النجاسة ِ قائمة ٌ، كذا في المبسوط.
أ قوله: (بحسب صغر الدلو وكبرها)
أي إن كان كبيرا ً فعشرون، وإن كان صغيرا ً، فثلاثون
ب العصفور: هذا الطوير المعروف الصعوِ، صغار العصافير، الواحدة صعوة ٌ، وهو أحمرُ الرأس.
السودانيّة: طويرة ٌ طويلة ُ الذنب على قدر قبضة الكفّ، وقد سُمّي العصفور الأسود، سام ٌ أبرص ٌ من كبار الوَزَغِ، وجمْعُه سوام ٌ أبرص.
حسِبَ المالَ: عدّه، من باب طلب، حسِبا ً وحُسبانا ً، ومنه أحسب إليه حسب الطاقة، وعلى حسبِها، أي قدرِها، الدّجُج: جمع الدجاج، والواحدة دجاجة.
أ قوله: (في الآبار)
وعدد الدلاء تفسير ٌ لقوله: بحسب كبر الدلو وصغرها.
قوله: (بالدلو الوسط المستعمل في الآبار)
وهو قدر الصاع، ذكره في حصْر المسائل، فالحاصل إذا المعتبر هو دلو البئرِ الذي وقعت النّجاسة فيها، فإن لم ينزع بذلك الدلو، ونزحَ بدلو ٍ آخر، فالمعتبر هو الدلو الوسط المستعمل في الآبار.
في " الكبرى ": خشبة ٌ أصابها بول ٌ فاحترقت فوقع رمادُها في بئر ٍ يفسد الماء، وهكذا رمادُ عذرة ٍ احترقت، وكذا الحمارُ إذا مات في مملحة ٍ لم يُؤكل الملح كلّه، قول ابي يوسف رحمه الله خلافا ً لمحمد ٍ رحمه الله؛ لأنّ الرّماد أجزاءُ ذلك النّجس، فتبقى النّجاسة من وجه ٍ فالتحقت بالنّجس من كلّ وجه ٍ إحتياطا ً.
في " الخلاصة " و" النّصاب ": ((خشبة ٌ أصابتها نجاسة ٌ فاحترقت أو سرقينٌ احترقت فصار رمادا ً فوقع رمادُه في الماء القليل يفسد الماء.
وكذلك الحمار: إذا مات في المملحة وصار مِلحا ً لم يؤكل الملح.
وهذا كلّه قول أبي يوسف رحمه الله؛ لأنّ الرّماد أجزاء ذلك النّجس، فتبقى النّجاسة من وجه ٍ فالتحقت بالنّجاسة إحتياطا ً.
وعند محمد ٍ رحمه الله يصير طاهرا ً حتى لو وقع في الماء القليل لا يفسد، كالخمر إذا صار خلا ً وعليه الفتوى)).
قوله: (وإن كانت البئر معينا ً)
والقياس: أن يقال معينةً؛ لأنّ البئر مؤنثة ً، وإنّما ذكرها حملا ً على اللفظ.
ب وقولهم: وإن كانت البئر معينا ً لا ينزح: أي ذات عين ٍ جارية ٍ، من قولهم عين ٌ معيونة ٍ، حكاه الأزهري ّ، وكان القياس إنّه يقال: معينة ً؛ لأن البئر مؤنثة ً، وإنّما ذكرها حملا ً على اللفظ أو توهّم أنّه فعيل ٌ بمعنى مفعول ٌ أو على تقدير ذات معين ٍ، وهو الماء يجري على وجه الأرض.
م قوله: (لا ينزح)
((أي لا يمكن نزحها))
قوله: (أخرجوا):
جواب المسألة وطريق معرفته: أن يرسل قصبة ً في الماء فيجعل المبلة علامة ً، ثم ينزح عشرُ دلاءٍ، ثم ينظر كم انتقص، فإن انتقص العشرعُلم أنّ البئر مائة دلو.
في " التهذيب ": وما روي عن أبي يوسف رحمه الله في إرسال القصبة وامتحان انتقاص الماء ينزح الدلاء، ثم يقاس عليه الباقي لا يفتى به.
في " نصاب الفقه ": إذا غلب الماء ولم ينزح، يفتى بقول محمد رحمه الله، بثلاثمائة دلو، وإن كانت البئر معينا ً أي ذات عين ٍ، والمعين مِفعل من عانَ يُعينُ، ثم أعلم: إنّ الفقه في مسائل البئر وهو أنه متى استخرج الماء من الأعلى ينبع من الاسفل فيتقاطر فيصل البعض إلى البعض فصار في حكم الماء الجاري؛ ولأنّ الماء متى استخرج لا يستيقن ببقاء النّجاسة فيه والماء كان طاهرا ً فلا يثبت النّجاسة بالشكّ والإحتمال.
والقياس يقتضي: إنّه إذا نزح ماءٌ غير مقدّرٍ، وإن كان قلّ لا يبقى نجسا ً في الفصول كلها لِما بينّا: إنّه إذا استخرج الماء يتقاطر فيصير في حكم الماء الجاري يستيقن ببقاء النّجاسة فيه، ولكن عرفنا تقديره بالشرع، والشرع ورد في الفأرة وهي تجاور بعض الماء، وفي الدجاجة وهي تجاور أكثر في ذلك، وفي الآدمي وهو يجاور جميع الماء، وأنما وقع التفاوت في قدر المنزوح؛ لوقوع التفاوت في الواقع.
قوله: (حتى تحققوا)
أي علموا، تحقق ايّ علم.
حكم السؤر
م ((السؤر: بقيّة الماء الذي يبقيها الشارب في الإناء، ثم استعير لبقية الطعام وغيره.
والإسار أنواع ٌ أربعة ٌ: طاهرٌ، ومكروهٌ، ومشكوكٌ، ونجسٌ، والأصل أن ينظر إلى اللعاب: ما يكون لعابه طاهرٌ يكون سؤره طاهرٌ، و ما يكون نجسا ً يكون نجسا ً على هذا
فاعتبر إذا ثبت هذا))، فنقول: سؤر الآدميّ على الاطلاق طاهرٌ، الجنب والحائض، والكفار والمسلم فيه سواء؛ لقوله - عليه السلام - ((من شرب سؤر أخيه كتب له عشرُ حسنات))، وأمّا سؤر من شرب الخمر فاستثني؛ لأنّ الكراهية لعارض ٍ إنّما لا يؤكل لحمه لعزّه وشرفه.
في " فتاوي الحجة " رحمه الله: قال أبوالقاسم الصفّار رحمه الله: من شرب الخمر، فأتت عليه ساعات ٌ، ثم شرب الماء، وقد لحسَ شفتيه بلسانه ولعابه، كان الماء طاهرا ً.
قال المصنّف / أ: أكرمه الله برضاه، إذا كان شارب الشارب طويلا ً لا ينجس الماء، وإن شرب بعد ساعات ٍ؛ لأن الشعر الطويل لمّا تنجّس، لا يطهر باللسان.
روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((يؤمرالناس يوم القيامة بالسجود فمن كان في الدنيا شاربه طويلا صارت شعره كأوتاد الحديد لا يستطيع ان يسجد))، وفي بعض الروايات ((إن من كان
شاربه طويلا ً لا يصعد له عمل صالح إلى السماء))، وروي ((عن رجل ٍ دخل في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وشاربه طويل ٌ فزجره عن ذلك فذهب الرجل وقصّ نصف شاربه، ثم دخل المسجد فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - وجدت نصف الإسلام)) أو كلاما ً هذا معناه، وروي في بعض الروايات ((أن من قص شاربه يعطي بكل شعرة حسنة)).
في " الكبرى ": ماء فم النائم، إذا أصاب الثوب فهو طاهر ٌ، سواء ً كان من ماء الفم أو منبعثا ً من الجوف؛ لأن الغالب أنّ الماء الذي يخرج من الفم حال النوم يتولد من البلغم، فيكون طاهرا ً كيف ما كان عند أبي حنيفة ومحمد - رضي الله عنه - وعليه الفتوى.
قوله: (وسباع البهائم)
في " الطحاوي ": كالأسد والذئب والفهد والثعلب وغيرها، وروي عن محمّد - رضي الله عنه -: في سؤر الفيل إنّه نجس ٌ؛ لأنّه ذو ناب ٍ، وعرق كلّ شيء ٍ مثل سؤره، فإن كان سؤره طاهر ٌ فعرقه طاهر ٌ، وإن كان سؤره نجسا ً، فعرقه نجس.
ي قوله: (وسؤر الهرة والدجاجة المخلا ّة)
يريد به: إنّه إذا لم يَعلم بأنّ الهرّة أكلت الفأرة وشربت منه على فورها، فأمّا إن علم ذلك فقد تنجّس فلا يجوز استعماله، أمّا في الدجاجة: إن علم في منقارها نجاسة ً يتنجّس، وإن لم يعلم وهي مخلا ّة ٌ، فإن الماء مكروه ٌ، وإن كانت محبوسة ً في مكان ٍ، ولاتأكل النّجاسات فإنّ سؤرها طاهر ٌ من غير كراهة.
في " الخلاصة ": ((سؤر حشرات البيت، كالحيّة والفأرة والسنّورة، مكروه ٌ كراهية التنزيه وهو الأصح)).
وسباع الطير في التّحفة كالحدأة، والبازيّ، والصقر والشاهين ونحوها
في " الطحاوي ": إلاّ إذا كان محبوسا ً، فسؤرها غير مكروه ٍ؛ لأنّه أمن َ من أكل الميتة.
في " الجامع الصغير الاوجندي ":سؤر الحمار الفحل، والأتان طاهر ٌ، ومن المشايخ من فرّق بين الفحل والأتان، وجعل سؤر الفحل نجسا ً؛ لأنّه يشمّ البول والأصح أنه لما فرّق بينهما.
في " النّصاب ": ومن توضأ بسؤر الحمار، ثم ّ وجد ماء ً مطلقا ً، فعليه غسل ما أصاب من ثيابه وبدنه عند أبي يوسف رحمه الله، وعند محمد رحمه الله: لا يجب عليه غسله؛ لأنّ عنده سؤره طاهر ٌوعليه الفتوى، وكذا لبنه طاهر ٌ وعرقه لا يمنع جواز الصلاة، وإن نجس فكذا سؤره
وهو الأصح وروي نصّ محمّد رحمه الله: على طهارة سؤر الفرس طاهرٌ عندهم؛ لأنّ لحمه مأكولٌ عندهما، وكذا عنده في الصحيح؛ لأن الكراهة؛ لإظهار شرفه، والله أعلم انتهى.
(باب التيمم)
م الباب: النوع، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ((من خرج من البيت وطلب بابا من العلم)) أي نوعا ً منه، وإضافة الباب إلى التيمّم إضافة الجنس إلى النوع فإنّ الباب جنس يتناول التيمم، والمسح وغيرهما.
وهذا كإضافة الشهر على نوعه كشهر رمضان، وشهر كذا وكذا، فالشهر جنس ٌ، ورمضان وغيره نوع ٌ، فإضافة الشهر إلى رمضان، إضافة الجنس إلى نوعه.
وكذا يوم العيد، ويوم الجمعة إضافة ُ الجنس إلى نوعه، وقيل: هذا إضافة الشيء إلى نفسه، أي شهر ٌ هو رمضان، ويوم ٌ هو جمعة.
أمّا إضافة الباب إلى التيمم والمسح وغيرهما: إضافة الجنس إلى النوع بطريق حذف المضاف، وإقامة المضاف إليه مكانه، أي باب ذكر التيمم أو باب مسائل المسح أو باب أحكام المسح، فإضافة الباب إلى الأحكام إضافة الجنس إلى النوع؛ لأنّ الباب جنسٌ يقع على الأحكام، وعلى المسائل، وعلى الذكر، وعلى الفعل، ثم إضافة الأحكام أو الذكرأو المسائل إلى المسح وغيرهما مما يختلف حكما ً وحقيقة.
م: ((أعلم إنّ المصنّف ابتدأ بالوضوء؛ لأنه الأهم، ثمّ ثنّى بالغسل، ثم ثلّث بالتيمم؛ تأسيا ً بكتاب الله تعالى.
أو نقول: إبتدأ بالوضوء؛ لأنّه الأهمّ والأغلب، ثم بالغسل لأنّه أندر، ثم بالآلة التي يحصلها، وهي الماء المطلق، ثم بالعوارض التي يعترض عليه من أن يخالطه طاهرٌ أو نجس ٌ، ثم بالخَلَفِ وهو التيمم.
ثمّ أعلم: بأنّ التيمّم لم يكن مشروعا ً لغير هذه الأمّة، وإنّما شرّع رخصة ً لنا)).
التيمّم في اللغة: القصد.
وفي الشريعة: عبارة ٌ عن القصد إلى الصعيد.
التطهير: إسم ٌ شرعي ّ فيه معنى اللغة.
أ قوله: وهو مسافر ٌ، الواو واو الحال.
م قوله: (أو خارج المصر)
((إشارة ٌ إلى أنّه لا يجوز لعادم الماء في المصر التيمم، وقد نصّ على عدم الجواز في المبسوط.
وفيه أيضا ًنفى لقول من قال: لا يجوز التيمّم لمن خرج من المصر ما لم يقصد مدة السفر)).
أ قوله: نحو ميل ٍ أي قدر ميل ٍ، قوله: أو أكثر عطف على الميل نصبه وصرحه حتى صار مقصورا ً ذكر ًا وتأكيدا ً، كما في قوله تعالى {نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ}.
وقيل: إنما قال أو أكثر؛ لأنّه من المقدرات.
والمقدرات أنوا ع ٌ أربعة ٌ: منها ما يمنع الزيادة والنقصان، مثل أعداد الركعات، وأعضاء الطهارة وغسلها ثلاث مرات ٍ، لا يجوز الزيادة عليه، ولا النقصان، وكذلك لا يجوز الزيادة على المرافق والكعاب، ولا النقصان.
ومنها؛ ما لا يمنع الزيادة ولا النقصان، كقوله تعالى {وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ}، ومنها ما يمنع الزيادة والنقصان كأكثر الحيض فإنه يمنع الزيادة أو تكون حيضا ً ولكن يمنع النقصان من أن يكون حيضا.
ومنها ما يمنع النقصان دون الزيادة، كأقل ّ الحيض فإنه يمنع الناقص منه أن يكون حيضا ً، ولا يمنع الزائد عليه أن يكون حيضا، وكذلك مدّة السفر وهو ثلاثة أيام ٍ لا يمنع الزائد على الثلاث أن يكون سفرا ً، ويمنع الناقص منه، وكذلك مقدار الزكاة يمنع الناقص ولا يمنع الزائد فقال: أو أكثر؛ ليعلم أنّه من قبيل ما يمنع الناقص دون الزائد.
وقيل قوله: (أو أكثر)
احترازا ً عن قول الحسن بن زياد - رضي الله عنه - فإنّ عنده إذا كان خلفه أو يمينه أو شماله ميل ٌ يكفي، إلا أنّه يشترط بحذائه ميلان ٌ فعلى هذه الرواية يحسن.
قوله: (أو أكثر)
وقيل سئل محمد ٌ رحمه الله عن رجل بينه وبين المصر نحو الميل أو أكثر، سأله السائل هكذا، فأجاب وقال: يتيمّم، لا أنّ محمدا ً رحمه الله وصفه هكذا.
وقيل: وصفه هكذا لينضمّ القرنيّة النطقيّة إلى العقليّة، وإنما قال: نحو ميل ٍ أو أكثر ولم يقل بينه وبين المصر ميل ٌ أو أكثر؛ لأنّ بينه وبين المصر ليس بميل ٍ على التحقيق بل هو مقدار ميل ٍ؛ لأنّ الميل عبارة ٌ عن أربعة آلاف خطوة ٍ.
هـ الميل: هو المقدار لأنّه يلحقه الحرج بدخول المصر والماء معدوم ٌ حقيقة.
ي: الميل ثلاث فراسخ، وذلك أربعة آلاف خطوة ٍ، وكلّ خطوة ٍذراع ٍ ونصف بذراع العامّة وذلك أربعة ٌ وعشرون إصبعا ً، بعدد حروف لا إله إلا الله محمُد رسول الله.
م قوله: (إشتدّ مرضه)
((لا فرق بين أن يشتدّ مرضه بالتحرك أو بإستعمال الماء، وعند الشافعي رحمه الله: المعتبر خوف التلف، وظاهر النّص، وهو قوله تعالى: {وَإِنْ كُنتُمْ مَرْضَى}، ينفي قوله)).
في " الذخيرة ": ((التيمّم ضربتان معروفتان والأصح: إنّه يضرب باطن كفّه وظاهره على الأرض)).
م وكيفيّة التيمّم: ((أن يضرب بيديه على الصعيد ضربة ً واحدة ً متفرجا ً أصابعه، ثم يقبل ويدبر، ثم ّ يرفعها وينفضها حتى يتناثر التراب، فيمسح بهما الوجه، ثم يضرب ضربة ً أخرى فينفضهما ويمسح بباطن ِ أربعَ أصابعَ يده اليسرى ظاهر يده اليمنى من رؤوس الأصابع إلى المرفق، ثم يقلب بطن كفّه اليُسرى ويمسح بباطن كفّه اليُسرى باطنَ ذراعه اليمنى إلى الرسغ ويمرّ باطنَ إبهام يده اليسرى على ظاهر إبهامه اليُمنى، ثم يغسل بيده اليسرى كذلك.
وكذا في الزاد: ولابدّ من الإستيعاب على ظاهر الرواية، وروي الحسن عن أبي حنيفة - رضي الله عنهم - أن الإستيعاب ليس بشرط ٍ، بل متى مسح عامتها يكفي)).
في " الجامع الصغير الأوزجندي " رحمه الله وحصل يمسح الكفّ الصحيح أنّه لا يمسح، وضرب الكفّ على الأرض يكفي.
في " الكبرى ": إذا مسح في التيمّم الأكثر من وجهه، والأكثر من ذراعيه وكفّيه لا يجوزهو المختار؛ لان التيمّم خَلَف من الوضوء، وفي الوضوء الإستيعاب شرط ٌ: فكذا في التيمّم، حتى لو لم يمسح تحت الحاجبين فوق العينين أو لم يحرك خاتمه وخاتمه ضيق لا يجزيه.
وروى الحسن عن أبي حنيفة - رضي الله عنهم -: أنّه لو تيمّم للأكثر جاز، وقاضي خان - رضي الله عنه - به يفتي، وفتوى ظهير الدين الحسن المرغيناني على ما في المتن: أنّه لو لم ينزع خاتمه في التيمّم لا
يجزيه، وهكذا ذكر السرخسي رحمه الله تعالى في أوّل الصّلاة ولم يذكر ضيق الخاتم إذا تيمّم الرجل تخلل أصابعه فإنّ تركه لا يجزيه؛ لأنّ الإستيعاب شرط ٌ هو المختار.
في " الخلاصة ": ((ولا يجمع بين الغسل والتيمّم؛ فإن كان نصف البدن صحيحا ً والنصف جريحا ً، إختلف المشايخ فيه: والأصح أنه يتيمّم ولا يستعمل الماء)).
في " نصاب الفقه ": من عجز عن غسل أكثر الأعضاء في الوضوء والجنابة، يتيمّم ويصلي؛ لأنّ للأكثر حكم الكلّ، وإن عجز عن غسل ِ عضوٍ واحدٍ غسل سائر الأعضاء ومسح ذلك العضو وبه نأخذ.
في " الطحاوي ": وإذا أجنب الرجل وعلى جسده جراحة ٌ أو على أكثر جسده جراحة أو به جدري؛ فإنّه يتيمّم ولا يغسل ذلك الموضع الذي لا جراحة فيه ولا غير ذلك؛ لأنه يكون جمعا ً بين الغسل والتيمم ولم يشرع ذلك.
وإن كان أكثر بدنه صحيحا ً فإنه يغسلها ويربط الجبائر على المجروحة ويمسح عليها ويكون المسح عليها كالغسل لما تحتها، وكذلك هذا الذي ذكرنا في الوضوء؛ إن كان على أكثر أعضاء الوضوء جراحة ً فإنه يتيمّم ولا يغسل الباقي، وإن كان الأكثر صحيحا ً فإنه يغسل الصحيح ويربط الجبائ على المجروح ويمسح عليه كما في الغُسل.
وإن كان أعضاء الوضوء نصفها مجروحة ونصفها صحيحة لم يذكر في ظاهر الرواية.
وذكر في العيون عن محمد رحمه الله تعالى أنه قال: إذا كان على اليدين خاصة ٌ غسل الباقي فثبُت أنّه إذا كان نصفه جراحة ً تيمّم.
وأعضاء الوضوء أربعة ٌ: غسل الوجه واليدين، ومسح الرأس وغسل الرجلين.
في " التهذيب ": إذا كان ببعض أعضائه جراحة ً، والغالب الصحيح يغسل الصحيح ويمسح على الجبيرة، ولو كان على عكسه يتيمم؛ لأنّ للمعظم حكم الكلّ.
وعند الشافعي رحمه الله في الموضعين يغسل ما يقدر عليه، ويتيمّم للباقي مقطوع اليدين إذا لم يجد من يوضؤه تيمم.
في " نصاب الفقه": رجل ٌ ضرب يديه على الأرض للتيمّم، ثم أحدث قبل الإستعمال.
اختلف المشايخ فيه: والأصح إنّه لا يستعمل ذلك التراب، كذا إختاره شمس الأئمّة الحلواني رحمه الله، كما لو اعترض الحدث في خلال الوضوء، والقاضي الإمام الأجلّ رحمه الله
في نسخته: إختار إنه يستعمل ذلك، وعند السيد الإمام أبي شجاع رحمه الله: أنه لا يجوز التيمّم به، وهذا استحسان ٌ وبه نأخذ وهو الأحوط.
م قوله: (ما كان من جنس الأرض)
((كلّ ما يحترق بالنّار فيصير رمادا ً كالشجر أو ينطبع ويلين كالحديد فليس من جنس الأرض، وما عدا ذلك فهو من جنس الأرض)).
كذا في " الزاد " في المحيط: ((ويجوز التيمّم بالآجر مدقوقا ً أو غير مدقوق، في قول أبي حنيفة رحمه الله؛ لأنّ ألآجر طين ٌ مستحجرٌ، والتيمّم بالحجر الأصلي جائز ٌ، عند أبي حنيفة رحمه الله، فكذا في الطين المستحجر، هكذا ذكر القدوريّ رحمه الله.
وقال الشيخ الإمام الزاهد أبو نصر ٍ الصّفار رحمه الله: إنّ في التيمم بالآجر عن أبي حنيفة روايتين: والأصح أنّه يجوز في رواية، وعن محمّد رحمه الله لابد وان يكون مدقوقا ً أو يكون عليه غبارٌ؛ لأنّ على أحد الروايتين عن محمد رحمه الله استعمال جزء ٍ من الصعيد شرط، وعند أبي حنيفة رحمه الله، ذلك ليس بشرط)).
قوله: (من جنس الأرض)
في " الزاد ": ((ثم ّ الفاصل بين جنس الأرض وغيرها؛ إنّ كلّ ما يحترق بالنّار ويصير رمادا ًأو ما ينطبع ويلين كالحديد والذهب ونحوهما فليس من جنس الأرض وما عداهما فهو من جنس الأرض، ثمّ اختلف أبو حنيفة ومحمد رحمهما الله فيما بينهما.
فعلى قول أبي حنيفة رحمه الله: يجوز التيمّم بكلّ ما كان من جنس الأرض، إلتزق بيده شيء أو لم يلتزق
وعند محمد رحمه الله لا يجوز إلا أن يلتزق بيده شيء ٌ من أجزاء الأرض، حتى لو تيمّم بأرض ندية جاز.
عند أبي حنيفة - رضي الله عنهم - إلتزق بيده شيء ٌ أولم يلتزق.
وعند محمد - رضي الله عنه -: إن التزق بيده شيء ٌ جاز وإلا فلا.
وعلى قول أبي يوسف رحمه الله: لا يجوز كيف ما كان؛ لأنّ أكثر التراب مخلوط بما لا يجوز به التيمّم وهو الماء)).
في " الشامل البيهقي ": إذا لم يجد الماء إلا الطين لطخه بثوبه، فإذا جفّت، تيمّم به؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((لا صلاة إلا بطهور))، ولا طهارة إلا على هذا الوجه.
قيل عند أبي حنيفة - رضي الله عنهم -: إذا كان لا يتلطخ اليد، يتيمّم به؛ لأن الواجب عنده وضع اليد على الأرض لا استعمال جزء منها؛ ولهذا ينفضهما وله كلّ من الأرض، أحمرها، وأصفرها، وأبيضها، وأغبرها، وحجرها المسحوق وغير المسحوق الأملس وغيره، ويجوز التيمم به عندهما.
وروي أنّ رجلا ً سلم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم يجب، حتّى ضرب يديه على حائط، وتيمم، ثم ردّ السلام، وحيطان المدينة كلها حجريّة.
في " الخلاصة ": ((ولو تيمّم بالملح، إن كان مائيا لا يجوز.
إختلفوا في الجبلي؛ إن كان عليه غبار يجوز عندهما، وإن لم يكن عليه غبار يجوز أيضا. عند أبي حنيفة رضي الله عنه.
وعندهما: لا يجوز، والأصح أنه لا يجوز سواء ٌ كان مائيا ً أو جبليا ً)).
في " الجامع الصغير الاوزجندي ": ومن النّاس من قال يجوز بالملح الجبلي والأصح إنّه لا يجوز.
في " النصاب ": وإذا احترقت الأرض أو التراب بالنار أو دقّ الحجر أو طبخ الحجر، حتى صار جصا ً فتيمم من هذه الأشياء وعليه الفتوى.
سُئل أبو القاسم رحمه الله عن التيمم بالرماد، قال: يجوز.
وقال أبو نصررحمه الله: لا يجوز وبه نأخذ.
في " الجامع الصغير الأوزجندي ": - رضي الله عنه - وهو الصحيح من الجواب؛ لأنّه ليس من جنس الأرض.
ب الحجر: منع، والحَجَر بفتحتين من هذا الباب؛ لأنّه ممتنع ٌ لصلابته الجصّ بالكسر، والفتح تقريب كج، ومنه جصص البناء، طلاه ُ به تنور أطلي بالنورة، وضمّ واو النورة خطأ.
هـ قوله: (والنيّة فرض في التيمم)
وقال زفر رحمه الله: ليس بفرض؛ لأنه خلف عن الوضوء فلا يخالفه في وصفه.