الجزء 2 · صفحة 7
شرح مختصر القدوري
للإمام أبي بكر محمد بن الحسين بن محمد بن الحسين البخاري القديدي
المشهور ببكر خواهر زاده الحنفي
توفي سنة (483) هـ
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
الجزء 2 · صفحة 8
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين والصلاة والسلام على رسوله محمد وآله وأصحابه أجمعين قال الشيخ الإمام الأجل الزاهد العالم أبو الحسن بن أحمد بن محمد بن جعفر البغدادي المعروف بالقدوري
ـــــــــــــــــــــــــــــ
بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين، كتاب فوائد القدوري بالله العون والعصمة والتوفيق
قوله: (الحمد لله رب العالمين)، الألف واللام في قوله: الحمد لله للاستغراق، يعني: جميع المحامد لله تعالى، وعند المعتزلة معظم الحمد لله، وهذه المسألة بناء على مسألة خلق الأفعال لما عرف، وإنما قال: الحمد لله، ولم يقل: المدح لله؛ لأن المدح الثناء بعد الإحسان وقبله والحمد الثناء بعد الإحسان لا غير، إنما قال: الحمد لله، ولم يقل: الحمد للعالم وللخالق؛ لأنه اسم ذات مستجمع جميع صفات الكمال، ويكون جميع الحمد بإزاء جميع ما يستحق به الحمد ولا كذلك للخالق والعالم، فإنه لا يدلُّ إلا على الخلق والعلم.
قوله: (العالم) اسم لكل موجود سوى الله تعالى، وهو في الأصل علم كالخاتم زيد الألف للإشباع، فإن قيل: إذا كان اسما لجميع المخلوقات، فلماذا ذكر العالمين بلفظ الجمع؟ قيل: العالم إذا كان معرّفاً بالألف واللام، فهو اسم للجمع فأما عالم فاسم لكل فرد والعالمين جمع عالم منكّر، فالحاصل أنه جمع المنكر، وأدخل الألف واللام على الجمع، فإن قيل: لماذا قدّم المتقين قوله: {وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (83)} على صلاة الرسول؟ قيل؛ لأن الرسول داخل في المتقين؛ لأنه رأس المتقين ثم خصّه بالذكر كما في قوله تعالى: {وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ}، قال رضي الله عنه: طريق المتقين مخوفة ومنازلهم معمورة، وطريق الفجرة معمورة ومنازلهم خربة، وإلى هذا أشار النبي عليه السلام بقوله: «حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات»، فلهذا قال المصنف رحمه الله: والعاقبة للمتقين.
قوله: (والصلاة على رسوله) الصلاة من الله تعالى الرحمة، ومن (1/أ) الملائكة الاستغفار، ومن العبيد الدعاء، ومحمد عطف بيان ومعناه البليغ في كونه محمودا؛ إذ التفعيل للمبالغة، كما قال حسان: (وذو العرش محمود وهذا محمد).
قوله: (وآله) الآل في الأصل الأهل، ولهذا قيل في تصغيره: أهيّل، إلا أنه خصّ بالأشراف، فلا يقال: آل الحائك، وقيل: آل فرعون؛ لتصوره بصورة الأشراف، ثم الصلاة على غير النبي عليه السلام جائزة، قال الله تعالى: {هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ}، وقال النبي عليه السلام: «اللهم صل على آل أبي أوفى»، وهذا محمول على سبيل التبع له. وأما إذا أفرد فلا ينبغي أنْ يقال لئلا يتهم بالرفض، وقال النبي عليه السلام: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يقفنّ مواقف التهم»، والله أعلم.
@
الجزء 2 · صفحة 9
كتاب الطهارة
ـــــــــــــــــــــــــــــ
كتاب الطهارات
لقبه بكتاب الطهارات دون باب الطهارة؛ لأن الكتاب ينبئ عن الجمع، يقال: كتبت البغلة إذا جمع بين شفريها بحلقة، والباب لا ينبئ عنه؛ فلهذا أطلق الكتاب عليه وأمثاله؛ لأن فيه اجتماع أنواع المسائل.
وإنما لم يقل: كتاب الطهارة، كما قال كتاب الصلاة، وكتاب الزكاة، وكتاب الصوم؛ لتعدد الطهارات واختلافها من الطهارة الصغرى والكبرى، والحدث والخبث، والثوب والبدن، والطهارة بالماء والتراب. أما الصلاة فليست بمختلفة لذاتها، وصلاة الجنازة ليست بصلاة، حتى لو حلف لا يصلي فصلى صلاة الجنازة لا يحنث، كما عرف في "الجامع" أن الصلاة عبارة عن القيام والقراءة والركوع والسجود.
اعلم أن المصنف - رحمه الله - ابتدأ بآية من كتاب الله تعالى تبركا به، وإنْ كان من حق الدليل أنْ يكون مؤخراً عن المدلول في الإيراد (1/ب).
@
الجزء 2 · صفحة 10
قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين}
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: {فَاغْسِلُوا}، فالتمسك بهذه الآية، وهو قوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ}، قال الشافعي -رحمه الله-: الفاء للترتيب، فيقتضي وجوب غسل الوجه مرتباً على القيام إلى الصلاة؛ لأنها دخلت على غسل الوجه، وإذا وجب الترتيب في غسل الوجه وجب في الباقي بالإجماع، قلنا الفاء دخل في الغسل، والغسل دخل في هذه الأعضاء، والأعضاء معطوفة بعضها على البعض بحرف الواو، وهي لمطلق الجمع، فصار كأنه قال: والله أعلم، فاغسلوا هذه الأعضاء، وهي لا توجب الترتيب، فعملنا بموجب الحرفين الفاء والواو، فقلنا: الفاء دخلت في الفعل لا في المحل، فأوجب الترتيب في الفعل دون المحل، فإن قيل: لما كانت الفاء داخلة في الغسل مقدما على المسح، فيجب الغسل مقدماً على المسح، ومن قال بهذا الطريق يقول بالترتيب، قلنا: لا نقول به؛ لأن فعل الغسل لما كان مقدماً وهو غسل الرجل، لا نقول بالترتيب.
قوله: (الآية) بالإعرابات الثلاثة، وتأويلها اقرأ الآية، أو الآية إلى آخرها مقروءة، أو إلى آخر الآية.
@
الجزء 2 · صفحة 11
ففرض الطهارة:
غسل الأعضاء الثلاثة ومسح الرأس والمرفقان والكعبان يدخلان في الغسل والمفروض في مسح الرأس مقدار الناصية لما روى المغيرة بن شعبة [أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى سباطة قوم فبال وتوضأ ومسح على ناصيته وخفيه]
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ففرض الطهارة) الفاء للتفسير، كما في قوله تعالى في آية التيمم: {فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ}.
قوله: (والمفروض)، أي: المقدر أراد به المفروض اللغوي لا الشرعي؛ لأن الفرض لا يثبت بخبر الواحد.
قوله: (توضأ ومسح على ناصيته) فحكمه معلوم وهو المسح، ومحل المسح هو الرأس معلوم، ولكن المقدار مجهول، فجعل فعل الرسول عليه السلام بيانا للمجمل وهو القدر، فإن قيل القدر غير مجهول، فإن الباء دخل في الرأس وإنه يقتضي التبعيض، أي بعض كان فكان معلوماً، قلنا مطلق البعض غير مراد بالإجماع، فإن الشافعي -رحمه الله- قدر بثلاث شعرات، ونحن بربع الرأس، فكان مجهولاً، فصار فعل النبي بيانا للمحل، فالمراد بالنص بعض (2/أ) المقدر لا أدنى ما يطلق عليه اسم البعض، وهو شعرة واحدة لدلالة ثلاثة، أحدها: وهو أنَّ المسح على ما يطلق عليه اسم التبعيض غير ممكن إلا بزيادة، وما لا يمكن إقامة الفرض إلا به، فإنه يصير فرضا؛ لأنه لا يتصوّر إقامته إلا به.
والثاني: أن الله تعالى أفرد المسح بالذكر، ولو كان المراد بالمسح إيصال الماء إلى أدنى ما يطلق عليه اسم البعض لم يكن للإفراد فائدة؛ لأن الماء يصل إلى أدنى ما يطلق عليه اسم البعض بغسل الوجه.
@
الجزء 2 · صفحة 12
وسنن الطهارة:
غسل اليدين قبل إدخالها إذا استيقظ المتوضئ من نومه, وتسمية الله تعالى في ابتداء الوضوء,
والسواك والمضمضة والاستنشاق ومسح الأذنين وتخليل اللحية والأصابع وتكرار الغسل إلى الثلاث
ويستحب للمتوضئ أن ينوي الطهارة ويستوعب رأسه بالمسح ويرتب الوضوء فيبدأ بما بدأ الله تعالى بذكره وبالميامن
ـــــــــــــــــــــــــــــ
والثالث: المفروض في سائر الأعضاء غسل مقدر، لا أدنى ما يطلق عليه اسم البعض، ولا الكل كما قال مالك -رحمه الله-، إلا أنَّ المقدار مجمل غير مذكور في الآية، فلا بُدَّ من أن يعرف بالسنة أو مقتضى النص.
قوله: (إذا استيقظ) هذا اتفاقى، ولكن نقل عن العلامة كلمة الشرط يجري على حقيقته، حتى لم يسنّ إذا لم يستيقظ.
قوله: (غسل اليدين) السنة هو التقديم، لكن الغسل يقع عن الفرض، ولهذا قال محمد -رحمه الله-: فيغسل ذراعيه.
قوله: (ويستوعب) الاستيعاب أن يضع أصابع يديه على مقدم رأسه وكفيه على فرديه ويمدهما إلى قفاه.
قوله: (أن ينوي الطهارة) والنية أن ينوي بقلبه، ويقول بلسانه: نويت رفع الحدث واستباحة الصلاة، وامتثال أمر الله تعالى.
@
الجزء 2 · صفحة 13
والمعاني الناقضة للوضوء:
كل ما خرج من السبيلين والدم والقيح والصديد إذا خرج من البدن فتجاوز إلى موضع يلحقه حكم التطهير والقيء إذا كان ملء الفم والنوم مضطجعا أو متكئا أو مستندا إلى شيء لو أزيل عنه لسقط والغلبة على العقل بالإغماء والجنون والقهقهة في كل صلاة ذات ركوع وسجود
وفرض الغسل: المضمضة والاستنشاق وغسل سائر البدن
وسنة الغسل:
أن يبدأ المغتسل يديه وفرجه ويزيل النجاسة إن كانت على بدنه ثم يتوضأ وضوءه للصلاة إلا رجليه ثم يفيض الماء على رأسه وسائر جسده ثلاثا ثم يتنحى عن ذلك المكان فيغتسل رجليه
وليس على المرأة أن تنقض ضفائرها في الغسل إذا بلغ الماء أصول الشعر
والمعاني الموجبة للغسل:
إنزال المني
على وجه الدفق والشهوة من الرجل والمرأة والتقاء الختانين من غير إنزال والحيض والنفاس
وسن رسول الله صلى الله عليه وسلم الغسل للجمعة والعيدين والإحرام
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (كل ما خرج)، أي: خروج ما خرج؛ لأنه قال: والمعاني، وأراد بها العلل، والعلة عبارة عن معنى يحل بالمحل فيغير حال المحل ويتغير به حال المحل.
قوله: (يلحقه حكم التطهير) هذا من إضافة الشيء إلى نفسه، أي: حكم هو التطهير، كما يقال: علم الفقه، وعلم الطب، أي: علم هو الفقه وهو الطب.
قوله: (ضفائرها) الضفرة: فتل الشعْر، وإدخال بعضه في بعض، والضفيرة: الذؤابة.
قوله: (انزال المني) إضافة الوجوب إلى الإنزال. (والحيض والنفاس) إضافة الحكم إلى الشرط، كما في صدقة الفطر، والمعنى الموجب للغسل في المواضع إرادة القيام إلى الصلاة.
@
الجزء 2 · صفحة 14
وليس في المذي والودي غسل وفيهما الوضوء
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ليس في المذي والودي غسل وفيهما الوضوء)، فإن قيل: ما الفائدة في قوله وفيهما الوضوء وقد علم الانتقاض بقوله كل ما خرج من السبيلين قلنا هذا احتراز عن قول مالك رحمه الله فإن عنده لا ينتقض الوضوء بهما، فإن قيل الودي ما يخرج عقيب البول وقد لزم الوضوء في البول فلا فائدة في إيجاب الوضوء في الودي قلنا يحتمل أن الودي يخرج بعد ما يتوضأ من البول ولأن الودي وإن خرج عقيب البول فإن الوضوء يقع عن البول والودي جميعا ولهذا لو حلف لا يتوضأ من الرعاف فبال ثم رعف أنفه ثم توضأ فإنه يحنث في يمينه أو نقول ثمرة كون الودي موجبا للوضوء إنما تظهر في حق من به سلس البول فإن البول في حقه غير ناقض والودي ناقض.
قوله: (وفيهما الوضوء) هذا البيان للتأكيد كما يقال: فلان عالم غير جاهل، وكما في قوله
@
الجزء 2 · صفحة 15
والطهارة من الأحداث جائزة بماء السماء والأودية والعيون والآبار وماء البحار ولا تجوز بما اعتصر من الشجر والثمر ولا بماء غلب عليه غيره وأخرجه عن طبع الماء
كالأشربة والخل وماء الورد وماء الباقلاء والمرق وماء الزردج
وتجوز الطهارة بماء خالطه شيء طاهر فغير أحد أوصافه كماء المد والماء الذي يختلط به الأشنان والصابون والزعفران
ـــــــــــــــــــــــــــــ
تعالى: {سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ}، وعلى هذا يخرج قول محمد في "الجامع" امرأة صلت وربع ساقها مكشوف أو ثلثها وصورته أن الرجل، إذا بال وتوضأ مسرعا، ثم ظهر الودي بعد تمام الوضوء أو بعضه، يجب عليه الوضوء وفي المذي إذا توضأ صورته محدث توضأ، ثم ظهر المذي، فإنه يتوضأ ثانيا، ولو تصوّر خروج الودي ابتداء يجب فيه الوضوء دون الغسل، وهذا من أدب أبي حنيفة رضي الله عنه.
قوله: (وماء الزردج)، وهو ما يخرج من العصفر المنقوع، فيطرح ولا يصبغ به.
قوله: (فغير أحد أوصافه)، وإن غير اثنين، فعلى إشارة هذا الكتاب لا يجوز التوضؤ به، لكن الرواية الصحيحة بخلافه.
قوله: (والطهارة من الأحداث جائزة) فيه إشارة إلى أن بعض الأحداث موجب للوضوء، وبعضها موجب للغسل؛ لأن كلمة من للتبعيض.
قوله: (كالأشربة والخل) نظير ما اعتصر من الشجر أو الثمر.
وقوله: (وماء الباقلاء) إلى آخره نظير قوله: بما غلب عليه غيره.
@
الجزء 2 · صفحة 16
وكل ماء دائم إذا وقعت فيه نجاسة لم يجز الضوء به قليلا أو كثيرا [لأن النبي عليه الصلاة والسلام أمر بحفظ الماء من النجاسة فقال لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ولا يغتسلن فيه من الجنابة] و [قال عليه الصلاة والسلام: إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يغمسن يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا فإنه لا يدري أين باتت يده]
وأما الماء الجاري
إذا وقعت فيه نجاسة جاز الوضوء منه إذا لم ير لها أثر لأنها لا تستقر مع جريان الماء والغدير العظيم الذي لا يتحرك أحد طرفيه بتحريك الطرف الآخر
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (قليلا كان أو كثيرا)، فإن كان لفظ القليل صفة للماء كان الخلاف مع الشافعي رحمه الله، وإن كان صفة للنجاسة كان الخلاف مع مالك رحمه الله، ويجوز أنْ يكون القليل صفة للنجاسة؛ لأن الفعيل إذا كان بمعنى مفعول يستوي فيه المذكر والمؤنث، قال الله تعالى: {رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (56)}.
قوله: (أمر بحفظ الماء) هذا بناء على أنَّ الأمر بالشيء نهي عن ضده، والنهي عن الشيء أمر بضده، وهو اختيار الشيخ أبي منصور رحمه الله.
@
الجزء 2 · صفحة 17
إذا وقعت نجاسة في أحد جانبيه جاز الوضوء من الجانب الآخر لأن الظاهر أن النجاسة لا تصل إليه
وموت ما ليس له نفس سائلة في الماء لا ينجسه كالبق والذباب والزنابير والعقارب وموت ما يعيش في الماء لا يفسد الماء كالسمك والضفدع والسرطان
والماء المستعمل لا يجوز استعماله في طهارة الأحداث
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (من الجانب الآخر) فيه إشارة إلى أنه يتنجس موضع وقوع النجاسة، وهو قول الشيخ أبي الحسن الكرخي رحمه الله.
قوله: (3/أ) (كالسمك) إلى آخره قدم السمك؛ لأنه مجمع عليه، وهذا إذا مات حتف أنفه. أما إذا قتل في الماء جرحا فعند أبي يوسف أنه يفسد الماء على ما روى المعلى عنه.
قوله: (والمستعمل كل ماء) إلى آخره هذا من حيث الشريعة، وفي اللغة عبارة عن جميع ماء استعمل في أي شيء كان، ونظيره أم الولد، وكان من حق الكلام أنْ يقدم تعريف الماء المستعمل على حكمه، إلا أنَّ كتابنا هذا لبيان الأحكام، فقدم الحكم على التعريف.
@
الجزء 2 · صفحة 18
والمستعمل: كل ماء أزيل به حدث أو استعمل في البدن على وجه القربة
وكل إهاب دبغ فقد طهر وجازت الصلاة فيه والوضوء منه إلا جلد الخنزير والآدمي
وشعر الميتة وعظمها وعصبها وحافرها وقرنها طاهر
وإذا وقعت في البئر نجاسة نزحت وكان نزح ما فيها من الماء طهارة لها
فإن ماتت فيها فأرة أو عصفورة أو صعوة أو سوادنية أو سام أبرص نزح منها ما بين عشرين دلوا إلى ثلاثين دلوا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (جازت الصلاة فيه) بأن جعله ثوبا، ولم يقل عليه، وإن كان الحكم فيهما واحداً؛ لأن البيان في الثوب يصير بيانا في المصلى؛ لأن الاشتمال في الأول أكثر؛ ولأن الأول منصوص عليه أيضا، قال الله تعالى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (4)}، والثاني ملحق به (والوضوء منه) بأن جعله مطهرة أو قربة.
قوله: (إلا جلد الخنزير والآدمي) قدم الخنزير؛ لأنه في بيان النجاسة، فكان تأخير الآدمي في مثل هذا الموضع إكراما له، ونظيره قوله تعالى: {لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ} الآية.
قوله: (نزحت)، أي: البئر بمعنى ماء البئر بطريق إطلاق اسم المحل على الحال، ولا يجوز إسناده إلى النجاسة؛ لأن بنزحها لا يطهر البئر، فلا يتم جواب المسألة، وقوله نزحت لبيان حكم المسألة.
قوله: (طهارة لها) إشارة إلى أنه لا يجب غسل الأحجار ونزح الطين.
قوله: (سودانية) السودانية: هيئتها طويرة سوداء طويلة الذنب يأكل الجراد والعنب.
قوله: (من عشرين دلوا) عشرون بطريق الإيجاب، وثلاثين بطريق الاستحباب.
@
الجزء 2 · صفحة 19
بحسب كبر الدلو وصغره
وإن ماتت فيها حمامة أو دجاجة أو سنور نزح منها ما بين أربعين دلوا إلى ستين
وإن مات فيها كلب أو شاة أو آدمي نزح جميع ما فيها من الماء
وإن انتفخ الحيوان فيها أو تفسخ نزح جميع ما فيها من الماء صغر الحيوان أو كبر
وعدد الدلاء يعتبر بالدلو الوسط المستعمل للآبار في البلدان فإن نزح منها بدلو عظيم قدر ما يسع عشرين دلوا من الدلو الوسط احتسب به
وإن كانت البئر معينا لا تنزح ما فيها من الماء أخرجوا مقدار ما كان فيها من الماء وقد روي عن محمد بن الحسن رحمه الله عليه أنه قال: ينزح منها مائتا دلو إلى ثلاثمائة دلو
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (بحسب كبر الدلو وصغرها) (3 عند البعض راجع إلى الواجب وإلى قدر المستحب، وعند البعض راجع إلى قدر المستحب دون الواجب، والثابت بطريق الاستحباب هو نصف الواجب.
قوله: (نزح جميع الماء) الذي كان وقت الوقوع لا وقت النزح، حتى لو كان وقت وقوع النجاسة مائة دلو، ثم صار مائة وخمسين تطهر البئر بنزح مائة دلو اعتباراً بحال انعقاد السبب.
قوله: (معينا)، أي: ذات عين جارية، والقياس أنْ يقال: معينةً؛ لأن البئر مؤنث، وإنما ذكرها حملا على اللفظ، أو توهم أنه فعيل بمعنى مفعول، أو على تقدير ذات معينٍ، وهو الماء الذي يجري على وجه الأرض من مَعَنَ الماء إذا سال مغرب.
قوله: (لا ينزح) إشارة إلى أن الضمير في قوله نزحت راجع إلى البئر.
@
الجزء 2 · صفحة 20
وإذا وجد في البئر أو غيرها ولا يدرون متى وقعت ولم تنتفخ ولم تتفسخ أعادوا صلاة يوم وليلة إذا كانوا توضئوا منها وغسلوا كل شيء أصابه ماءها
وإن كانت انتفخت أو تفسخت أعادوا صلاة ثلاثة أيام ولياليها في قول أبي حنيفة رحمه الله وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: ليس عليهم إعادة شيء حتى يتحققوا متى وقعت
وسؤر الآدمي وما يؤكل لحمه طاهر وسؤر الكلب والخنزير وسباع البهائم نجس وسؤر الهرة والدجاجة المخلاة وسباع الطير وما يسكن في البيوت مثل الحية والفأرة مكروه
وسؤر الحمار والبغل مشكوك فيهما فإن لم يجد غيرهما توضأ بهما وتيمم بأيهما بدأ جاز
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (حتى يتحققوا متى وقعت) التحقق درست شدن وبدرستي دانستن لازم ومتعد.
قوله: (سؤر الآدمي) هذا مطلق، فيتناول المسلم، والكافر، والطاهر، والجنب، والحائض.
قوله: (مشكوك)، أي: متوقف فيه؛ لأن حكم الشك التوقف؛ لتعارض الأحاديث والآثار والقياس، كما عرف قال أبو طاهر الدباس: ينبغي أنْ يقال: يحتاط فيه.
@
الجزء 2 · صفحة 21
باب التيمم
ومن لم يجد الماء وهو مسافر أو خارج المصر بينه وبين المصر
ـــــــــــــــــــــــــــــ
باب التيمم
ومناسبة هذا الباب مع الباب المتقدم في إيراده بعد ذلك اتباعا لكتاب الله تعالى، فإنه ذكر الوضوء، ثم رتب عليه التيمم، ولأن الوضوء أصل، والتيمم خلف، والتيمم القصد، أيّ قصدٍ كان، ثم صار هو عبارة عن قصد مخصوص، واستعمال الألفاظ بهذه (4/أ) النسبة على نوعين: تارة من الخصوص إلى العموم كالممالأة، فإنها للمعاونة في الاستقاء، ثم صار عبارة عن كل معاونة، وتارة من العموم إلى الخصوص كالحج، صار عبارة عن قصد مخصوص، وإنه كثير النظائر والتيمم من هذا القبيل.
قوله: (أو خارج المصر) إن نصبت الخارج يكون عطفا على محل، وهو مسافر؛ لأن محله النصب؛ لكونه حالاً، وإن رفعته يكون عطفا على مسافر.
قوله: (وهو مسافر) فإن قيل: لم قدم المسافر على المريض هنا، وفي كتاب الله تعالى على العكس، قلنا: إنما قدم في الآية؛ لأنه لبيان الرخصة، فقدم المريض تطييبا لقلبه؛ ولأن المرض عارض ثبت من الله تعالى من غير اختيار العبد والسفر عارض باختيار العبد، فقدم بيان الحكم فيما جاء من قبله، وأما في الرواية انعدم المعنيان أو لأن الماء في حق المسافر حقيقة، وفي المسافر الماء منعدم حقيقة وفي المريض منعدم حكما، فقدم الحقيقي على الحكمي، ثم في قوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ} فيه بيان الرخصة دون الشرط، وفي قوله تعالى: {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ} بيان الشرط دون الرخصة حتى يتعرف من الرخصة
@
الجزء 2 · صفحة 22
نحو الميل أو أكثر
أو كان يجد الماء إلا أنه مريض فخاف إن استعمل الماء اشتد مرضه أو خاف الجنب إن اغتسل بالماء أن يقتله البرد أو يمرضه فإنه يتيمم بالصعيد
ـــــــــــــــــــــــــــــ
المذكورة سابقا في القضيتين الأوليتين، الرخصة في الأخريين، ويتعرف من الشرط المذكور آخرا في القضيتين الأخريين الشرط في الأوليين، ونظيره قوله تعالى: {أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ 4)} ذكر الخبر في الجملة الأولى دون الأخرى، وذكر الطرف (4 في الأخرى دون الأولى، حتى يتعرف الخبر من الأولى في الثانية، ومن الطرف في الثانية الطرف في الأولى.
قوله: (نحو الميل أو أكثر) نفي لرواية الحسن عن أبي حنيفة رحمه الله، فإنه يروي إن لم يكن الماء قدامه، فالمسافة ميل وإن كان قدامه فميلان، وهو اختيار شمس الأئمة السرخسي رحمه الله، فالمصنف رحمه الله بقوله: (أو أكثر) أثبت التسوية بين الميل أو أكثر في إثبات الرخصة مطلقاً.
قوله: (اشتد مرضه) إما بواسطة الحركة، أو باستعمال الماء، وكذا إذا أبطأ مرضه يحلُّ له التيمم.
قوله: (تيمم بالصعيد) ذكر في الأحقاف أنَّ الله تعالى خلق الذرة ونظر إليها، فصارت ماء وعلا الزبد عليه، فخلق الله تعالى الأرض من زبد الماء، فيكون أصل الأرض من زبد الماء، فيكون أصل الأرض من الماء، فلهذا قام مقام الماء عند عدمه.
@
الجزء 2 · صفحة 23
والتيمم ضربتان:
يمسح بإحداهما وجهه وبالأخرى يديه إلى المرفقين والتيمم من الجنابة والحدث سواء
ويجوز التيمم عند أبي حنيفة ومحمد بكل ما كان من جنس الأرض كالتراب والرمل والحجر والجص والنورة والكحل والزرنيخ
وقال أبو يوسف رحمه الله: لا يجوز إلا بالتراب والرمل خاصة
والنية فرض في التيمم مستحبة في الوضوء
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (التيمم ضربتان) وقال ابن سيرين: ثلاث ضربات: ضربة للوجه، وضربة للذراعين، وضربة للوجه والذراعين ثانيا والوضع يجوز، ولكن الضربة أولى مبالغة في إيصال التراب إلى أثناء الأصابع.
قوله: (وبالأخرى يديه إلى المرفقين) وعند الزهري إلى الأباط، وفي رواية الحسن عن أبي حنيفة رحمه إلى الرسغ، فنفى المصنف رحمه القولين.
قوله: (سواء)، أي: في الكيفية والكمية.
قوله: (من جنس الأرض) وهو ما لو أحرٍقَ لا تصير رماداً، ولا ينطبع، ولا يلين كالحديد والذهب ونحوهما، ثم عند أبي حنيفة رحمه لا يشترط أنْ يلصق بيده، وعند محمد رحمه الله يشترط.
@
الجزء 2 · صفحة 24
وينقض التيمم كل شيء ينقض الوضوء وينقضه أيضا رؤية الماء إذا قدر على استعماله ولا يجوز التيمم إلا بصعيد طاهر
ويستحب لمن لا يجد الماء وهو يرجو أن يجده في آخر الوقت أن يؤخر الصلاة إلى آخر الوقت فإن وجد الماء توضأ به وصلى وإلا تيمم
ويصلي بتيممه ما شاء من الفرائض والنوافل
ويجوز التيمم للصحيح في المصر إذا حضرت جنازة والولي غيره فخاف إن اشتغل بالطهارة أن تفوته الصلاة فإنه يتيمم ويصلي وكذلك من حضر العيد فخاف إن اشتغل بالطهارة أن تفوته صلاة العيدين فإنه يتيمم ويصلي وإن خاف من شهد الجمعة إن اشتغل بالطهارة أن تفوته صلاة الجمعة لم يتيمم ولكنه يتوضأ فإن أدرك الجمعة صلاها وإلا صلى الظهر أربعا وكذلك إذا ضاق الوقت فخشي إن توضأ فات الوقت لم يتيمم ولكنه يتوضأ ويصلي فائتة
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وينقضه (5/أ) أيضا رؤية الماء) سواء كان في الصلاة، أو خارج الصلاة، وعند الشافعي رؤية الماء في الصلاة لا يضره.
قوله: (ويصلي بتيممه ما شاء من الفرائض والنوافل) وعند الشافعي يتيمم لكل فرض، وهذا بناء على أنَّ التيمم مطهر مطلقا عندنا، وعند الشافعي هو لإباحة الصلاة مع قيام الحدث حقيقة كطهارة المستحاضة.
قوله: (والوليّ غيره) وفي رواية أنه يجوز للولي أيضا ذكره في "الكافي".
قوله: (صلى الظهر أربعا) ذكر أربعا كيلا يظن أنه يكفيه ركعتان قضاء للجمعة.
@
الجزء 2 · صفحة 25
والمسافر إذا نسي الماء في رحله فتيمم وصلى ثم ذكر الماء في الوقت لم يعد الصلاة عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله
وقال أبو يوسف: يعيدها
وليس على المتيمم إذا لم يغلب على ظنه أن بقربه ماء أن يطلب الماء فإن غلب على ظنه أن هناك ماء لم يجز له أن يتيمم حتى يطلبه وإن كان مع رفيقه ماء طلبه منه قبل أن يتيمم فإن منعه منه تيمم وصلى
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (إذا نسي الماء في رحله)، وإنما قيد بالنسيان؛ لأنه لو ظن أنَّ في الكوز ماء، وتيمم لا يجوز ولو كان الماء في الكوز، والكوز معلق على الدابة إن كان المتيمم سائقا، والكوز معلق على عنق الدابة يجوز التيمم وإن كان خلفها لا ولو كان راكبا، فالحكم على العكس.
قوله: (طلبه منه قبل أن يتيمم) إنما يجب الطلب في موضع لا يعزّ الماء فيه، وإن كان في موضع يعزّ الماء لا يشترط الطلب، ولو تيمم وصلى في موضع يعزّ الماء، ثم أعطاه رفيقه يعيد الصلاة والله أعلم.
@
الجزء 2 · صفحة 26
باب المسح على الخفين
المسح على الخفين جائز بالسنة من كل حدث موجب للوضوء إذا لبس الخفين على طهارة كاملة ثم أحدث
ـــــــــــــــــــــــــــــ
باب المسح
ومناسبة هذا الباب بباب التيمم أن التيمم خلف عن الكل والمسح خلف عن البعض، فقدم التيمم؛ لأنه خلف عن الكل، ثم رتب المسح عليه؛ ولأن التيمم رخصة والمسح رخصة أيضا، فخرج عن رخصة وشرع في رخصة أخرى أو لأن التيمم ثابت بالكتاب والمسح بالسنة، أو لأن سبب التيمم من الله تعالى بلا اختيار من العبد وسبب المسح باختيار العبد، ولهذا إذا نزع الخف وغسل رجلا فهو مختار، فلأجل هذه المعاني قدّم باب التيمم على باب المسح.
قوله: (المسح على الخفين) الخف الشرعي ما يكون إلى الكعب.
قوله: (جائز بالسنة) ولم يقل واجب؛ لأن العبد مخير بين أنْ يمسح، وبين أنْ ينزع الخف ويغسل، وإنما قال: جائز بالسنّة، ولم يقل: بالحديث؛ لأن السنّة تشمل القولي والفعلي، والمسح عرف ثبوته بقول النبي عليه السلام وبفعله أيضاً، فلهذا قال: بالسنّة.
قوله: (من كل حدث موجب للوضوء) فيه إشارة إلى أنه لا يجوز من الجنابة والحيض.
قوله: (إذا لبس الخفين على طهارة كاملة ثم أحدث) فيه إشارة إلى أنه لو توضأ بنبيذ التمر، ولبس الخفين، ثم أحدث لا يجوز المسح على الخفين؛ لأن نبيذ التمر بدل عن الماء عند
@
الجزء 2 · صفحة 27
فإن كان مقيما مسح يوما وليلة وإن كان مسافرا مسح ثلاثة أيام ولياليها وابتداؤها عقيب الحدث
والمسح على الخفين على ظاهرهما خطوطا بالأصابع يبدأ من رؤوس أصابع الرجل إلى الساق
وفرض ذلك مقدار ثلاث أصابع من أصغر أصابع اليد
ولا يجوز المسح على خف فيه خرق كبير يبين منه مقدار ثلاث أصابع من أصابع الرجل وإن كان أقل من ذلك جاز
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أبي حنيفة رحمه الله، ولهذا لو وجد الماء في خلال الصلاة تفسد صلاته، فلو جاز المسح كان هذا بدل البدل، وهذا لا يجوز، وفيه إشارة أيضاً إلى أنه لا يجوز للمستحاضة، ومن بمعناها المسح بعد خروج الوقت؛ لأن حدثها مقارن.
قوله: (من قبل الأصابع إلى الساق) فيه إشارة إلى أنَّ في الغسل يبدأ من قبل الأصابع أيضاً؛ لأن المسح خلف عن الغسل، وإنما قال: إلى الساق، ولم يقل: إلى الكعبين رعاية للفظ المروي، فإنه روي أنه عليه السلام «مدّ المسح إلى الساق».
قوله: (مقدار ثلاثة أصابع) إشارة إلى أنه لو مسح بإصبع واحدة ثلاث مرات بماء جديد يجوز.
قوله: (فيه خرق كبير) ثم الخرق إن كان في موضع الأصابع، فالمعتبر عين الأصابع الأصغر، والأكبر فيه سواء، وإن كان في غير موضع الأصابع، فالمعتبر فيه أصغر الأصابع للاحتياط.
قوله: (يبين منه) فيه إشارة إلى أن الخف لو كان صلبا حتى لم يتبين منه، ولم يتفرج عند المشي يجوز المسح، فالكثير يستعمل في الماهيات المنفصلة والكبير يستعمل في الماهيات المتصلة، فاللائق هاهنا الكثير؛ ليتناول الخروق المتفرقة على خف واحد.
@
الجزء 2 · صفحة 28
ولا يجوز المسح على الخفين لمن وجب عليه الغسل
وينقض المسح ما ينقض الوضوء وينقضه أيضا نزع الخف ومضي المدة فإذا مضت المدة نزع خفيه وغسل رجليه وصلى وليس عليه إعادة بقيه الوضوء
ومن ابتدأ المسح وهو مقيم فسافر قبل تمام يوم وليلة مسح ثلاثة أيام ولياليها ومن ابتدأ المسح وهو مسافر ثم أقام فإن كان مسح يوما وليلة أو أكثر لزمه نزع خفيه وغسل رجليه وإن كان مسح أقل من يوم وليلة تمم مسح يوم وليلة
ومن لبس الجرموق فوق الخف مسح عليه
ولا يجوز المسح على الجوربين عند أبي حنيفة رحمه الله إلا أن يكونا منعلين أو مجلدين وقال أبو يوسف ومحمد رحمهما الله: يجوز المسح على الجوربين إذا كانا ثخينين لا يشفان الماء
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ولا يجوز المسح على الخفين لمن وجب عليه الغسل) صورته إذا لبس الخفين على طهارة كاملة، ثم أجنب، ولم يجد ماء فتيمم، ثم وجد ماء مقدار ما يكفي للوضوء، فإنه يتوضأ ولا يجوز له المسح، وقال بعضهم: المسح شرع في الأحداث لا في الجنابة؛ لأنه يمكن الجمع بين غسل الأعضاء والمسح، ولا يمكن الجمع بين غسل البدن والمسح، فلا يتحقَّق معنى الرخصة فيه، فلا يجوز.
قوله: (وليس عليه إعادة بقية الوضوء) هذا نفي لقول من يقول بالموالاة، فإن عندهم عليه إعادة بقية الوضوء لتحقيق الموالاة.
قوله: (ثم مسح يوم وليلة)؛ لأن المسح حكم متعلق بالوقت، فيكون المعتبر فيه آخر الوقت كالصلاة.
قوله: (فوق الخف) هذا إذا لبس الجرموق قبل الحدث.
قوله: (مجلدين) جورب مجلد، هو الذي وضع الجلد على أعلاه وأسفله من باطن القدم إلى الكعب، وجورب منعل وهو الذي على أسفله جلد كالنعل للقدم، والثخين أن يقوم على الساق من غير أن يشده شيء مبسوط.
قوله: (لا يشفان) شف الثوب، أي: دق حتى رأيت ما وراءه من باب ضرب.
@
الجزء 2 · صفحة 29
ولا يجوز المسح على العمامة والقلنسوة والبرقع والقفازين
ويجوز المسح على الجبائر وإن شدها على غير وضوء فإن سقطت عن غير برء لم يبطل المسح وإن سقطت عن برء بطل المسح
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (يجوز المسح على الجبائر) وعند البعض الاستيعاب في مسح الجبيرة شرط؛ لأن المسح عليها كالغسل لما تحتها، فإذا وجب الاستيعاب في المبدل، إذا كان صحيحاً، فيجب الاستيعاب في البدل أيضاً، والله أعلم.
@
الجزء 2 · صفحة 30
باب الحيض
ـــــــــــــــــــــــــــــ
باب الحيض
مناسبة إيراد هذا الباب عقيب الأبواب المتقدمة، أنه ذكر هناك حكم الحيض، والنفاس، والرعاف، ولم يذكر حكم امتدادها، فبيّن في هذا الباب حكم الامتداد والمناسبة الخاصة له مع باب المسح أن مسح الخف مسقط لركن من أركان الوضوء؛ إذ هو رخصة إسقاط، والحيض مسقط لجميع أركان الوضوء، فعلى هذا كان ينبغي أن يقدم باب الحيض على باب المسح؛ لأنه يسقط الكل، والمسح يسقط البعض، قلنا: كان في بيان الطهارة أصلاً وخلفاً، فلما بيّن الخلف في الكل، وهو التيمم، فبيّن خلف البعض، وهو المسح، فلهذا تأخر الحيض، وإنما لقب الباب: بباب الحيض دون النفاس، وإن كان الباب مشتملا عليهما؛ لأن كل حكم يترتب على النفاس من سقوط الصلاة وحرمة الصوم والوطئ وغيرها يترتب على الحيض، وللحيض أحكام أخرى على الخصوص، كانقضاء العدّة والاستبراء والبلوغ؛ ولأنه حالة معهودة في بنات آدم لا محالة دون النفاس، ثم المذكور في الباب أربعة أنواع، حيض، واستحاضة، وغيره ملحق بالاستحاضة، وطهر، ونفاس، فالحيض لأقله ولأكثره غاية، وفي مقابلته الاستحاضة، وما في معناه وأقله وأكثره غير معلوم، ثم الطهر لأقله غاية ولا غاية لأكثره، والنفاس على العكس، ثم إنه لم يبين ماهية الحيض، وشرع في أحكامه؛ لأن هذا الكتاب في بيان الأحكام. وألوان الحيض ستة: الحمرة، والسواد، والخضرة، والصفرة، والتربيّة،
@
الجزء 2 · صفحة 31
أقل الحيض ثلاثة أيام ولياليها
وما نقض عن ذلك فليس بحيض وهو استحاضة
وأكثر الحيض عشرة أيام ولياليها وما زاد على ذلك فهو استحاضة
وما تراه المرأة من الحمرة والصفرة والكدرة في أيام الحيض فهو حيض حتى ترى البياض الخالص
والحيض يسقط عن الحائض الصلاة
ـــــــــــــــــــــــــــــ
والكدرة، وهنا ذكر الثلاث، ولم يذكر الثلاثة الأخرى؛ لأن الثلاثة متداخلة في الثلاثة المذكورة؛ لأن الحمرة إذا اشتدّت صارت سوداء، والخضرة قريبة إلى الصفرة، والتربيّة تكون داخلة في الحمرة (7.
قوله: (والحيض يسقط عن الحائض الصلاة) هذا على قول القاضي أبي زيد رحمه الله مستقيم، فإن عنده نفس الوجوب ثابت على: الصبي، والمجنون، والحائض، بحكم نصّ الكتاب، وهو قوله تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)}، وأما على قول عامة المشايخ، فالوجوب عندهم غير ثابت لما عرف، فيكون قوله: يسقط مؤولا، ونظير هذا ما ذكر في كتاب الإجارات أن الأجرة لا تجب إلا بأحد معان ثلاثة، إما بشرط التعجيل، أو بالتعجيل من غير شرط، أو باستيفاء المعقود عليه، ومع هذا لو أبرأ الآجر المستأجر عن الأجرة قبل هذه المعاني يصح الإبراء نظرا إلى صورة السبب، وهو العقد، فكذا هنا صورة السبب موجودة، وهو الوقت، فيصح قوله: يسقط.
@
الجزء 2 · صفحة 32
ويحرم عليها الصوم وتقضي الصوم ولا تضي الصلاة ولا تدخل المسجد ولا تطوف بالبيت ولا يأتيها زوجها
ولا يجوز لحائض ولا جنب قراءة القرآن
ولا يجوز لمحدث مس المصحف إلا أن يأخذه بغلافه
وإذا انقطع دم الحيض لأقل من عشرة أيام لم يجز وطؤها حتى تغتسل أو يمضي عليها وقت صلاة كامل فإن انقطع دمها لعشرة أيام جاز وطؤها قبل الغسل
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ويحرّم عليها الصوم) ولا يسقط ليكون إشارة إلى أن الصوم يقضى، وكان ينبغي أن يجوز الصوم مع الحيض؛ لأن الطهارة ليست بشرط للصوم؛ لأن صوم الجنب صحيح، والجواب عن هذا، ما روي عن العلامة، أن كفّ النفس الشهوانية عن مقتضياتها، وهو الأكل والجماع غير موجود؛ لأنها إنما تمسك عن الجماع لأجل الحيض، لا لأجل الصوم.
قوله: (ولا تطوف بالبيت) ذكر هذا، وإن عرّف بقوله: ولا تدخل المسجد؛ لأن المطاف في المسجد، إما لأجل زيادة البيان، أو لتعلم أنها إذا حاضت بعد الدخول لا تطوف أيضاً.
قوله: (قراءة القرآن) الصحيح من مذهب أصحابنا رحمهم الله، أن الآية وما دونها سواء، إذا قصد قراءة القرآن.
قوله: (وإذا انقطع دم الحيض) هذا إذا كانت المرأة مبتدأة، أو كانت ذات عادة، فانقطع دمها على العادة، أو فوقها. أما إذا انقطع إلى ما (7 دون العادة يكره له وطؤها إلى تمام العادة.
قوله: (أو يمضي عليها وقت صلاة كاملة)، فإن قيل: لو كان كامل صفة للوقت ينبغي أن يكون مرفوعاً، وإن كان صفة للصلاة ينبغي أن يكون كاملة، قلنا: يحتمل صفة لكليهما، فإن كان صفة للوقت يصير معناه، أي: كامل في السببيّة، ألا ترى أنها لو طَهُرًتْ في آخر الوقت، ولم يبقَ من الوقت إلا مقدار ما يمكن لها الاغتسال والتحريمة، فإنه يحل وطؤها لصيرورة الصلاة دينا
@
الجزء 2 · صفحة 33
والطهر إذا تخلل بين الدمين في مدة الحيض فهو كالدم الجاري
وأقل الطهر خمسة عشر يوما ولا غاية لأكثره
ودم الاستحاضة هو ما تراه المرأة أقل من ثلاثة أيام أو أكثر من عشرة أيام فحكمه حكم الرعاف الدائم: لا يمنع الصوم ولا الصلاة ولا الوطء
وإذا زاد الدم على عشرة أيام وللمرأة عادة معروفة ردت إلى أيام عادتها وما زاد على ذلك فهو استحاضة وإن ابتدأت مع البلوغ مستحاضة فحيضها عشرة أيام من كل شهر والباقي استحاضة
والمستحاضة ومن به سلس البول والرعاف الدائم والجرح الذي لا يزقلأ يتوضئون لوقت كل صلاة فيصلون بذلك الوضوء في الوقت ما شاءوا من الفرائض والنوافل فإذا خرج الوقت بطل وضوؤهم وكان عليهم استئناف الوضوء لصلاة أخرى
والنفاس: هو الدم الخارج عقيب الولادة والدم الذي تراه الحامل وما تره المرأة في حال ولادتها
ـــــــــــــــــــــــــــــ
عليها، وإنما صار مجروراً لفظاً، باعتبار الجواز، وإن كان صفة للصلاة يقع احترازا عن صلاة العيد، وإنما لم يذكر بلفظ التأنيث على تأويل الصلاة بالفرض، أو لأن الصلاة في الأصل مصدر، وتأنيث المصدر غير حقيقي، فجاز في صفته التذكير كما في قوله تعالى: {إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (56)}.
قوله: (فهو كالدم الجاري) هذا قول أبي يوسف، وهو رواية عن أبي حنيفة رحمه الله.
قوله: (ولا غاية لأكثره)، معناه: ما دامت ترى الطهر تصوم وتصلي. أما في نصب العادة له غاية عند عامة العلماء رحمهم الله، وهو شهران، أو ستة أشهر إلا ساعة.
قوله: (وما تراه الحامل) فهو استحاضة؛ لأن النبي عليه السلام جعل الحيض علامة فراغ الرحم، حيث قال في سبايا أوطاس: «ألا لا توطئ الحبالى حتى يضعن حملهن ولا الحيالى حتى
@
الجزء 2 · صفحة 34
قبل خروج الولد استحاضة
وأقل النفاس لا حد له وأكثره أربعون يوما وما زاد على ذلك فهو استحاضة وإذا تجاوز الدم الأربعين وقد كانت هذه المرأة ولدت قبل ذلك ولها عادة في النفاس ردت إلى أيام عادتها وإن لم
ـــــــــــــــــــــــــــــ
يستبرءن بحيضة»، فلما كانت علامة للفراغ، فمن المحال أن يجتمعا.
قوله: (قبل خروج الولد)، أي: قبل خروج أكثر الولد. أما إذا خرج أكثر الولد، روى خلف بن أيوب عن أبي يوسف ومحمد رحمهما الله، وهو (8 مذهب أبي حنيفة رحمه الله أنه نفاس.
قوله: (وأكثره أربعون يوما)؛ لأن النبي عليه السلام بيّن الغاية الأعلى دون الأدنى، فقال: «تقعد النفساء أربعين يوما إلاّ أن ترى طهرا»، فلو كان للأدنى غاية؛ لبيّن أيضا؛ إذ الموضع موضع الحاجة إلى البيان.
قوله: (وإذا جاوز الدم على الأربعين)، إما حقيقة، أو تقديراً بأن كانت عادتها ثلاثين، فرأت في هذه المدة خمسة وثلاثين، ثم طهرت، ثم عاودها قبل تمام أقل الطهر، وهو خمسة عشر يوما، فإنها ترد إلى عادتها هنا أيضا؛ لأن الطهر الفاسد يجعل بمنزلة الدم الجاري.
@
الجزء 2 · صفحة 35
لها عادة فابتدأ نفاسها أربعون يوما ومن ولدت ولدين في بطن واحد
فنفاسها ما خرج من الدم عقيب الولد الأول عند أبي حنيفة وأبي يوسف وقال محمد وزفر: نفاسها ما خرج من الدم عقيب الولد الثاني
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (في بطن واحد) تفسير البطن الواحد: أن يكون بين الولدين أقل من ستة أشهر، والله أعلم.
@
الجزء 2 · صفحة 36
باب الأنجاس
تطهير النجاسة واجب من بدن المصلي وثوبه
والمكان الذي يصلي عليه
ويجوز تطهير النجاسة بالماء وبكل مائع طاهر يمكن إزالتها به كالخل وماء الورد
ـــــــــــــــــــــــــــــ
باب الأنجاس
قد يحذف المضاف، كما في قوله تعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ}، أي: وقت الحج، وقد يحذف المضاف، والمضاف إليه كما في قوله تعالى: {فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ}، أي: من أثر حافر فرس الرسول، وباب الأنجاس من القبيل الثاني، أي: باب بيان أحكام الأنجاس.
قوله: (بكل مائع)، ماع: يميع ميعا إذا سال.
قوله: (وبكل مائع طاهر يمكن إزالتها به كالخل) الحكم في المائعات ثبت بدلالة النص والقياس. أما دلالة النص؛ فلأن الماء صار مطهراً، بمعنى: القلع، والإزالة، ومعنى: الإزالة في الخل، وماء الورد أبلغ، فإن الخل ربما يقلع شيئا لا يقلعه الماء. وأما ماء الورد، فلأنه يقلع النجاسة ورائحتها، والماء يقلع النجاسة دون الرائحة. وأما القياس، فكذلك أيضا لاشتراك غير الماء مع الماء في الإزالة، وهذا القدر في موضع النص معقول، وإبقاء الماء طاهراً (8 حالة الاستعمال، وإن كان غير معقول؛ لأن ملاقاة النجس الطاهر يوجب تنجس الطاهر، لكن يتعدى هذا، وإن كان غير معقول في ضمن المعقول كالجودة في باب الربا.
@
الجزء 2 · صفحة 37
وإذا أصابت الخف نجاسة ولها جرم فجفت فدلكه بالأرض جاز
والمني نجس يجب غسل رطبه فإذا جف على الثوب أجزأ فيه الفرك
والنجاسة إذا أصابت المرآة أو السيف اكتفي بمسحهما
وإذا أصابت الأرض نجاسة فجفت بالشمس وذهب أثرها جازت الصلاة بمكانها ولا يجوز التيمم منها
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فدلكه بالأرض جاز)، وهذا استحسان، والاستحسان أنواع أربعة: استحسان بالنص منها ما نحن فيه؛ لقوله عليه السلام: «فإن كان بهما أذى فليمسحهما بالأرض فإن الأرض لهما طهوراً»، واستحسان بالإجماع؛ وهو الاستصناع، واستحسان بالضرورة، كما قلنا في تطهير الحياض، والآبار، واستحسان بمعنى: معقول.
قوله: (فجفت بالشمس) خرج مخرج العادة، فقد ذكر أبو القاسم البيهقي في وضع المسألة، فجفت وذهب أثرها.
قوله: (جازت الصلاة على مكانها) فيه إشارة إلى أنه لا يجوز التيمم منه، وروى ابن كاس: أنه يجوز التيمم أيضا قياسا على الصلاة، والفرق لنا أنَّ طهارة التراب في التيمم ثبت شرطا بالكتاب، فلا يتأدى بما ثبت بخبر الواحد. أما طهارة المكان في الصلاة ثبت بدلالة النص الذي خص منه بعضه، وهو ما دون الدرهم، أو غير حالة إرادة الصلاة، وخبر الواحد يصلح معارضا لهذا النص، فيجوز أن يتأدى موجب هذا النص بما ثبت بخبر الواحد.
@
الجزء 2 · صفحة 38
ومن أصابه من النجاسة المغلظة كالدم والبول والغائط والخمر مقدار الدرهم فما دونه جازت الصلاة معه فإن زاد لم تجز وإن أصابته نجاسة مخففة كبول ما يؤكل لحمه
جازت الصلاة معه ما لم يبلغ ربع الثوب
وتطهير النجاسة التي يجب غسلها على وجهين:
فما كان له منها مرئية زوال عينها إلا أن يبقى من أثرها ما يشق إزالته وما ليس له عني مرئية فطهارتها أن يغسل حتى يغلب على ظن الغاسل أنه قد طهر
والاستنجاء سنة يجزي فيها الحجر وما يقوم مقامه يمسحه حتى ينقه
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (من النجاسة المغلظة) تفسير المغلظة على قول أبي حنيفة رحمه الله، أن يثبت النجاسة بنص لا معارض له سواء اختلف فيه العلماء أم لا، وعندهما المغلظة ما يثبت نجاسته بالإجماع، والمخففة ما يثبت بالاختلاف.
قوله: (مقدار الدرهم وما دونه) حكم الدرهم، حكم ما دونه، وألحقه به، ولم يلحق الحمصة في فصل الصوم بما دونها، وإنما جعل هكذا؛ لأن حكم النجاسة في قدر الدرهم أخذ من المخرج، والمخرج معفو، فكان الدرهم معفواً ولا كذلك.
قوله: (ما لم يبلغ ربع الثوب)، قيل: الصحيح قدر ربع الثوب الذي يجوز الصلاة فيه، وهو الإزار.
قوله: (9 (إلا أن يشق إزالتها) تفسير المشقة عند بعضهم: أن يحتاج بعد الغسل بالماء إلى شيء آخر في زوال أثرها، كالأشنان، والصابون.
قوله: (على ظن الغاسل أنه قد طهر) كما في التحري في فصل القبلة.
قوله: (الاستنجاء سنة)، وهو طلب باقي النجود، وعند الشافعي رحمه الله واجب.
@
الجزء 2 · صفحة 39
وليس فيه عدد مسنون وغسله بالماء أفضل فإن تجاوزت النجاسة مخرجها لم يجز فيه إلا الماء ولا يستنجي بعظم ولا بروث ولا بطعام ولا بيمينه إلا بعذر
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وليس فيه عدد مسنون) خلافا للشافعي.
قوله: (وغسله بالماء أفضل)، أي: بعد تنقيته بالحجر، أوالمدر؛ لأن النص ورد في هذا الوجه، فإنه عليه السلام «سأل أهل قباء لم خصصتم بهذا المدح فقالوا كنا نتبع الحجارة الماء».
قوله: (لم يجز فيه إلا الماء) فعند أبي حنيفة، وأبي يوسف رحمهما الله يشترط أن يكون الزائد على المخرج زائد على قدر الدرهم، وعند محمد رحمه الله يشترط أنْ يكون الزائد مع المخرج زائدا على قدر الدرهم، والله أعلم.
@
الجزء 2 · صفحة 40
كتاب الصلاة
أول وقت الصبح إذا طلع الفجر الثاني وهو البياض المعترض في الأفق وآخر وقتها ما لم تطلع الشمس وأول وقت الظهر إذا زالت الشمس وآخر وقتها عند أبي حنيفة إذا صار ظل كل شيء مثليه سوى فيء الزوال
وقال أبو يوسف ومحمد: إذا صار ظل كل شيء مثله
ـــــــــــــــــــــــــــــ
كتاب الصلاة
الصلاة: هي الأصل في هذا الكتاب؛ لأنها من أقوى الأركان بعد الإيمان، قال الله تعالى: {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ}، وفي اسم الصلاة ما يدل على أنها ثانية الإيمان، فالمصلي في اللغة: هو الثاني للسابق، قال القائل: ولا بدّ لي من أن أكون مصليا، إذا كنت أرضى أنْ يكون لك السبق، فكان من حقها أنْ يبتدأ بها غير أن الطهارة شرطها، فلهذا (9 قدمت عليها.
قوله: (ما لم تطلع الشمس) هذا إطلاق اسم الكل على البعض؛ لأن قوله ما لم تطلع الشمس تناول من أول وقت الفجر إلى ما قبيل طلوع الشمس، والمراد ما قبيل طلوع الشمس.
قوله: (فيء الزوال)، وهو: الظل الذي يكون للأشياء وقت الزوال، ولا يمكن تقديره بشيء؛ لأنه يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة.
@
الجزء 2 · صفحة 41
وأول وقت العصر إذا خرج وقت الظهر على القولين وآخر وقتها ما لم تغرب الشمس
وأول وقت المغرب إذا غربت الشمس وآخر وقتها ما لم يغب الشفق وهو البياض الذي في الأفق بعد الحمرة عند أبي حنيفة وقال أبو يوسف ومحمد: هو الحمرة
وأول وقت العشاء إذا غاب الشفق وآخر وقتها ما لم يطلع الفجر وأول وقت الوتر بعد العشاء وآخر وقتها ما لم يطلع الفجر
ويستحب الإسفار بالفجر
والإبراد بالظهر في الصيف وتقديمها في الشتاء وتأخير العصر ما لم تتغير الشمس وتعجيل المغرب وتأخير العشاء إلى ما قبل ثلث الليل ويستحب في الوتر لمن يألف صلاة الليل أن يؤخر الوتر إلى آخر الليل فإن لم يثق بالانتباه أوتر قبل النوم
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (على القولين)، يعني: على اختلاف القولين، فعند أبي حنيفة رحمه الله، إذا صار ظل كل شيء مثليه يدخل وقت العصر، وعندهما يدخل إذا صار ظل كل شيء مثله. وروى على بن الجعد عن أبي يوسف عن أبي حنيفة: أن ما بين المثل إلى المثلثين وقت مهمل، فعلى هذا يكون الاختلاف في دخول وقت العصر، وفي خروج وقت الظهر اتفاق، وعلى ظاهر الرواية يكون الاختلاف فيهما.
قوله: (أول وقت الوتر بعد العشا) هذا وقع على قول أبي يوسف ومحمد رحمهما الله، فإن عندهما الوتر سنّة العشاء، وهو مشروع بعده، فيكون الوقت بعده، وعند أبي حنيفة رحمه الله: وقت الوتر وقت العشاء؛ لأنه فرض عملا عنده؛ لكنه مأمور بتقديم العشاء على الوتر.
@
الجزء 2 · صفحة 42
باب الأذان
الأذان سنة للصلوات الخمس والجمعة
دون ما سواها
ـــــــــــــــــــــــــــــ
باب الأذان
هذا خروج من العموم إلى الخصوص؛ لأن الأذان في اللغة لمطلق الإعلام، ثم المقصود من الأذان إعلام الوقت، فلهذا ألحقه ببيان الأوقات.
قوله: (دون ما سواها)، أي: من صلاة العيد وصلاة الكسوف وصلاة التراويح، وإنما سمي أذاناً ولم يسم شهادةً، وإن كانت الشهادة موجودة فيه؛ لأن المقصود من شرعيته الإعلام، فلهذا سمي به كالحج، لما كان معظمة الوقوف بعرفة سمي عرفة، قال عليه السلام: «الحج عرفة»، وفائدة التكبير والشهادتين في ذكر الأذان ليعلم الناس (10 أنه لا يخالفهم فيما يدعوهم إليه، ويعلموا أنه يصلح أمينا في هذا، فيقبلوا قوله، وإلى هذا أشار النبي عليه السلام: «الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن».
@
الجزء 2 · صفحة 43
وصفة الأذان: أن يقول: الله أكبر الله أكبر - إلى آخره ولا ترجيع فيه ويزيد في أذان الفجر بعد الفلاح: الصلاة خير من النوم مرتين
والإقامة مثل الأذان إلا أنه يزيد فيها بعد الفلاح: قد قامت الصلاة مرتين
ويترسل في الأذان ويحدر في الإقامة ويستقبل بهما القبلة فإذا بلغ إلى الصلاة والفلاح حول وجهه يمينا وشمالا
ويؤذن للفائتة ويقيم فإن فاتته صلوات أذن للأولى وأقام وكان مخيرا في الباقية: إن شاء أذن وأقام وإن شاء اقتصر على الإقامة
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ويترسل)، الترسل: أنْ يفصل بين كلمات الأذان من غير تغن، والحدر: الوصل والسرعة.
قوله: (ويؤذن للفائتة ويقيم)؛ لأن الأذان له اختصاص بالصلاة، كما أن له اختصاص بإعلام الوقت للناس، فلهذا المنفرد في بيته يؤذن ويقيم.
قوله: (ويستقبل بهما القبلة)؛ لأن الأذان يشتمل على المناجاة، والمناداة، ففي المناجاة يستقبل القبلة كما في الصلاة.
قوله: (حوّل وجهه يمينا وشمالا) ذكر في "الملتقط": أنه لا يحول وجهه يمينا وشمالا في الإقامة، إلا أنْ يكون القوم بعيدا منه ينتظرونه، فحينئذ يحول وجهه.
@
الجزء 2 · صفحة 44
وينبغي أن يؤذن ويقيم على طهر فإن أذن على غير وضوء جاز ويكره أن يقيم على غير وضوء أو يؤذن وهو جنب ولا يؤذن لصلاة قبل دخول وقتها
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ويكره أن يقيم على غير وضوء)؛ لوقوع الفصل بين الإقامة والصلاة.
قوله: (ويؤذن وهو جنب)؛ لأن الأذان ظاهراً. إما أن يكون في المسجد، أو في فناء المسجد، والجنب كما يكره له دخول المسجد يكره له الدخول في فنائه أيضاً، فلهذا يستحب للجنب أن يعيد الأذان، وهو ظاهر الرواية، وفي غير ظاهر الرواية الإعادة واجبة.
@
الجزء 2 · صفحة 45
باب شروط الصلاة التي تتقدمها
يجب على المصلي أن يقدم الطهارة من الأحداث والأنجاس على ما قدمناه ويستر عورته
ـــــــــــــــــــــــــــــ
باب شروط الصلاة التي تتقدمها
شروط الصلاة التي يتقدمها هذا القَيْد قصدي لا اتفاقي؛ لأنه ذكر في هذا الباب الشروط المتقدمة دون الشروط المتوسطة، كترتيب الأركان، والمتأخرة كالقعدة الأخيرة عند البعض، فإن عندهم القعدة شرط إتمام الأركان، والشروط جمع شرط، والأشراط جمع الشرَط (10 بفتح الراء، وهما العلامة والمستعمل في لسان الفقهاء الشروط دون الأشراط، ثم المذكور في الباب شروط أربعة: الطهارة، وستر العورة، والنية، واستقبال القبلة. ثم ذكر الثلاثة ما سوى النية حال وجودها وحال عدمها، وبيّن الحكم فيها أنها لا تسقط حالة الاختيار، وتسقط حالة الاضطرار فقال: (وإن لم يجد ما يزيل به النجاسة صلى معها)، وقال: (ومن لم يجد ثوبا صلى عريانا) وقال (إلا أن يكون خائفا فيصلي إلى أيّ جهة قدر)، ولم يبيّن في حق النية، فإنها لا تسقط أصلا؛ لكنها تسقط إلى خلف كمن توضأ، وفي عزمه أن يصلي الظهر مثلا، ثم أتى المسجد من قبل أن يشتغل بعمل أو شرع في الصلاة من غير نية، فإنه يجوز، ويكتفي بالنية التي كانت حالة التوضؤ.
قوله: (ويستر عورته)؛ لقوله تعالى: {خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ}، أي: ثوبكم عند كل صلاة وعلى هذا قلنا: الأفضل أن يلبس أحسن ثيابه عند أداء الصلاة، رعاية للفظ الزينة المذكورة في الآية، وفي قوله: الزينة، والمسجد استعارتان، أحديهما: إطلاق اسم الحال على المحل، وهو في قوله: {خُذُوا زِينَتَكُمْ}؛ لأن أخذ الزينة عينها لا يمكن، فيكون المراد محلها، والثانية إطلاق
@
الجزء 2 · صفحة 46
والعورة من الرجل: ما تحت السرة إلى الركبة والركبة من العورة
وبدن المرأة الحرة كله عورة إلا وجهها وكفيها وقدميها
ـــــــــــــــــــــــــــــ
اسم المحل على الحال، وهو في قوله: {مَسْجِدٍ}.
قوله: (والركبة عورة)، وفي بعض النسخ من العورة ترجيحا للحرمة؛ لأنها منتهى عظم الساق، والفخذ عورة.
قوله: (وبدن المرأة الحرة كله عورة)، وفي بعض النسخ كلها عورة، وهما تأكيدان للبدن، إلا أنه لما أضيف إلى المؤنث، جاز أنْ يعطى له حكم التأنيث.
قوله: (وكفيها) فيه إشارة إلى أن القدم عورة، حيث قصر الاستثناء على: (11 الوجه، والكف، وذكر في بعض الروايات أنها ليست بعورة أصلاً، وفي بعض الروايات أنها عورة في النظر دون الصلاة، وقوله: وكفيها، بعضهم قالوا: المراد باطن الكف؛ لأنها محتاجة تحتاج إلى كشفها عند الأخذ والإعطاء، ولا تحتاج إلى كشف ظاهر الكف، وقال القاضي الفتى في مختلفاته: إن وجه المرأة ويديها إلى الرسغ ليس بعورة، وقد روي عن أبي حنيفة
@
الجزء 2 · صفحة 47
وما كان عورة من الرجل فهو عورة من الأمة وبطنها وظهرها عورة وما سوى ذلك من بدنها فليس بعورة
ومن لم يجد ما يزل به النجاسة صلى معها ولم يعد الصلاة
ومن لم يجد ثوبا صلى عريانا قاعدا يومئ بالركوع والسجود فإن صلى قائما أجزاه والأول أفضل
ـــــــــــــــــــــــــــــ
رحمه الله؛ لأنه لو حلف لا ينظر إلى الحرام، فنظر إلى وجه المرأة، ويديها إلى الرسغ، لا يحنث، ثم ما لم يكن عورة من المرأة، إنما يحل النظر إليه إذا كان بغير شهوة. أما إذا كان بشهوة، فلا يحل النظر إلا للقاضي، والشاهد، والطبيب، والذي يريد أن يتزوجها للضرورة.
قوله: (ليس بعورة)؛ لأنها محتاجة إلى الخروج، البروز عند الخدمة.
قوله: (من لم يجد ما يزيل به النجاسة) وكلمة ما مقصورة غير ممدودة؛ ليتناول المائعات المطهرة سوى الماء أيضا، وهذا على قول أبي حنيفة، وأبي يوسف رحمهما الله، ولو قلت: ماء بالمد يصير إشارة إلى قول محمد رحمه الله.
قوله: (صلى معها) هذا إذا كان ربع الثوب، أو أكثر طاهرا. أما إذا كان الطاهر أقل من الربع، فعند أبي حنيفة، وأبي يوسف رحمهما الله هو مخير، إن شاء صلى معها، وإن شاء صلى عريانا، وعند محمد رحمه الله صلى معها لا محالة.
قوله: (والأول أفضل)؛ لأن أركان الصلاة مما يحتمل السقوط حالة الاختيار في الجملة، كما إذا كان راكبا متنفلا. فأما ستر العورة، فلا يحتمل السقوط بلا عذر، وفي القعود الستر أكثر، فكان أولى.
@
الجزء 2 · صفحة 48
وينوي الصلاة التي يدخل فيها بنية لا يفصل بينها وبين التحريمة بعمل ويستقبل القبلة إلا أن يكون خائفا فيصلي إلى أي جهة قدر فإن اشتبهت عليه القبلة وليس بحضرته من يسأله عنها اجتهد وصلى
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (يدخل فيها بنية)، ثم إن كانت الصلاة نفلا يتأدى بمطلق النية، وإن كانت فرضا (11 يتأدى بنية الظهر، أو العصر عندنا، وعند الشافعي لا بُدّ من نية الفرض، وهل يحتاج إلى نية الوقتية؟ عند البعض لا يحتاج؛ لأن الفرض في وقته متحد، والقضاء عارض.
قوله: (بينها وبين التحريمة بعمل)، أي: بعمل مناف للصلاة، حتى لو توضأ ناويا للصلاة، ثم أتى المسجد، ولم يشتغل بعمل آخر وكبر من غير نية، فإنه تجوز صلاته، ثم لا بُدّ من تقديم النية في الصلاة بخلاف الصوم؛ لأن فيه ضرورة؛ ولأن القيام في الصلاة عبادة حقيقة، فيحتاج إلى النية لا محالة. أما الصوم في أول النهار في كونه عباده قصور؛ لأن الإمساك في أول النهار معتاد، فاكتفى بالنية التقديرية، وعند البعض يجوز الصلاة أيضا متأخرة، إذا كانت قبل الثناء، وعند البعض قبل الركوع.
قوله: (إلا أن يكون خائفا) هذا بإطلاقه يتناول الخوف من العدو والسبع.
قوله: (وليس بحضرته من يسأله عنها) إشارة إلى أنه ليس عليه أن يطلب أحدا يسأله عن القبلة.
قوله: (اجتهد وصلى) إشارة إلى أنه لو صلى من غير تحرٍّ، ثم ظهر أنه أصاب القبلة لا تجوز صلاته؛ لأن القبلة حالة الاشتباه جهة المتحري، وعن أبي حنيفة رحمه الله، أنه لو صلى من غير تحر يخشى عليه الكفر، وإن أصاب القبلة؛ لأنه استخف بحكم من أحكام الشرع.
@
الجزء 2 · صفحة 49
فإن علم أنه أخطأ بإخبار بعد ما صلى فلا إعادة عليه وإن علم ذلك وهو في الصلاة استدار إلى القبلة وبنى عليها
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وإن علم أنه أخطأ بعدما صلى) في هذا الإطلاق نفي قول الشافعي، فإن عنده في الاستدبار يجب الإعادة.
@
الجزء 2 · صفحة 50
باب صفة الصلاة
فرائض الصلاة ستة:
ـــــــــــــــــــــــــــــ
باب صفة الصلاة
لما فرغ عن بيان الشروط شرع في بيان المشروط، ثم الوصف والصفة مصدران، كالوعظ، والعظة، والوعد، والعدة، والوزن، والزنة، إلا أن في اصطلاح المتكلمين (12 الوصف ما قام بالواصف، والصفة ما قام بالموصوف.
قوله: (ستة) كان ينبغي أن يقال: ست؛ لأن الفرائض جمع الفريضة، إلا أنه أوّل الفرائض بالفروض جمع الفرض، وقال: ستة، وإنما قال: فرائض الصلاة، ولم يقل: أركان الصلاة؛ ليمكن به تعداد التحريمة، والقعدة الأخيرة؛ لأنهما فرض، وليسا بركن، ثم إنه عدّ التحريمة من الصلاة، وإنه من الشروط عندنا لما أنها متصل بالصلاة وقريبة إليها، كما في قوله عليه السلام: «لقنوا موتاكم»، ثم القيام والقراءة ركنان، لكن القيام ركن أصلى، والقراءة ركن زائد؛ إذ هي زينة القيام، ولهذا يتحمل الإمام القراءة دون القيام، ثم القعدة الأخيرة فرض؛ لقوله عليه السلام: «إذا قلت هذا أو فعلت فقد تمت صلاتك»، وهو وإن كان خبر الواحد؛ لكنه خرج بيانا لمجمل الكتاب وهو
@
الجزء 2 · صفحة 51
التحريمة
والقيام والقراءة والركوع والسجود والقعدة الأخيرة مقدار التشهد
وما زاد على ذلك فهو سنة فإذا دخل الرجل في الصلاة كبر ورفع يديه مع التكبير
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله تعالى: {أَقِيمُوا الصَّلَاةَ}، فالتحق بيانا به، وإذا صار المجمل مفسراً، يكون الموجب هو المفسَر دون المفسِر، فإن قيل فعلى هذا ينبغي أن يكون القعدة الأولى فرضا؛ لأن النبي عليه السلام أتى بها، وقد قال عليه السلام: «صلوا كما رأيتموني أصلي»، فصار بيانا لمجمل الكتاب أيضا، قلنا: روي «أنه عليه السلام أوجب سجدتي السهو بترك القعدة الأولى» فدلّ أنها ليست بفرض.
قوله: (فهو سنة) سماه سنّة، وإن كان فيه واجبات، لما أنّ ثبوتها بالسنّة إطلاقا لاسم السبب على المسبب.
قوله: (ورفع يديه مع التكبير) فيه إشارة إلى أنه يرفع يديه مقارنا للتكبير، وهو المروي عن أبي يوسف والطحاوي، وعندنا يرفع يديه أولا حتى يستقر في موضع المحاذاة ثم يكبر
@
الجزء 2 · صفحة 52
حتى يحاذى بإبهاميه شحمتي أذنيه فإن قال بدلا من التكبير: الله أجل أو أعظم
ـــــــــــــــــــــــــــــ
وكيفيته أن يرفع يديه ناشرا أصابعه عن الطي مستقبلا بباطن كفيه القبلة، قال رضي الله عنه: للكف حالات ثلاث: ضم الأصابع في السجدة، ونشرها في الركوع، ولا ناشرة، ولا مضمومة في سائر الحالات. (12
قوله: (شحمة أذنيه) ما لان من أسفل الأذن، وهو موضع القرط.
قوله: (بدلا من التكبير) فيه إشارة إلى أن الأصل هو: التكبير.
قوله: (حتى يحاذي بإبهاميه شحمتي أذنيه) هذا في حق الرجل، فأما في حق المرأة، فإنها ترفع يديها إلى منكبيها، كما هو مذهب الشافعي في حق الرجل والمرأة أيضاً، وفي هذه المسألة أقوال أربعة: فعند مالك رحمه الله: لا يجزيه إلا قوله الله أكبر، وعند الشافعي: لا يجزيه إلا الله أكبر أو الله الأكبر، وعند أبي يوسف بهما، وبقوله: الله كبير الله الكبير، وعند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله بجميع أسماء الله تعالى، واختلفوا في قوله: اللهم على قولهما؛ لاختلاف أهل اللغة في تفسيره، فمن قال معناه: يا الله أمّنا بخير، قال: لا يجوز الصلاة، ومن قال معناه: يا الله، قال: يجوز.
@
الجزء 2 · صفحة 53
أو الرحمن أكبر أجزأه عند أبي حنيفة ومحمد وقال أبو يوسف: لا يجزئه إلا بلفظ التكبير ويعتمد بيده اليمنى على اليسرى ويضعهما تحت سرته ثم يقول: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعلى جدك ولا إله غيرك
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ويعتمد بيديه) تفسير الاعتماد أن يضع باطن كفه اليمنى على ظهر رسغ يده اليسرى، ويحلق الإبهام والخنصر حول الرسغ حتى يكون الرسغ في وسط الكف؛ لأن بعض الأخبار وردت بلفظ الأخذ، وبعضها بلفظ الوضع، فيعمل بهما بقدر الإمكان.
قوله: (سبحانك اللهم)، أي: أعتقد نزاهتك عن كل صفة لا تليق بك؛ لأن معنى قوله: سبحان الله، التنزيه لله عن كل سوء.
قوله: (وبحمدك)، أي: بحمدك أسبحك، فنفى بقوله: سبحانك صفات النقصان، وأثبت بقوله: وبحمدك صفات الكمال. (وتبارك) التبارك: التعاظم، حكي أنه أشكل على الأصمعي التبارك، والدِهان، والرقيم، فرأى صبيا في العرب يحفظ الأديم، فجاء كلب، وأراد أن يتعلق بالأديم فطرده، فلما رأى أباه قال: جاء الرقيم ليتعلق بالدهان، فطردته، فتبارك الجبل، فانكشف للأصمعي ما أشكل عليه.
@
الجزء 2 · صفحة 54
ويستعيذ بالله من الشيطان الرجيم ويقرأ بسم الله الرحمن الرحيم ويسر بهما ثم يقرأ فاتحة الكتاب وسورة معها أو ثلاث آيات من أي سورة شاء وإذا قال الإمام {ولا الضالين} قال: آمين ويقولها ويخفونها ثم يكبر ويركع
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ويستعيذ بالله من الشيطان الرجيم)، فالشيطان عدوّنا يرانا، ونحن لا نراه فنستعيذ (13 بولينا وهو: الله، الذي يرى الشيطان، وهو لا يراه.
قوله: (ويقرأ بسم الله الرحمن الرحيم) فيه إشارة إلى أنه من القرآن، فإن قيل: لو كان من القرآن يصير جمعا بين الجهر والمخافتة في صلاة واحدة، قلنا: إنما يقرأ التسمية تبركا به لا باعتبار القراءة، ولهذا لو اقتصر عليها لا تجوز الصلاة، وإن أراد بها القراءة.
قوله: (آمين) بالمد والقصر، فالمد كما قال الشاعر: يا رب إنك ذو منٍّ ومغفرة بيت بعافية ليل المحبّينا يا رب لا تَسلُبَنّي حبها أبداً، ويرحم الله عبدا قال: آمينا، وقال آخر في القصر: تباعد عني فطحل؛ إذ دعوته آمين، فزاد الله ما بيننا بعداً، قيل في معنى آمين: تعريب همين، بمعنى: أفعل، وقيل: كذلك يكون، وقيل معناه: استجب.
قوله: (المؤتم) مشترك بين اسم الفاعل والمفعول، فإن كان اسما للفاعل، يكون أصله مؤتمِم، وإن كان اسما للمفعول يكون أصله مؤتمَم، ونظيره المختار، فإنه مشترك أيضاً، فإن كان اسما للفاعل فهو مختِيرٌ، وإن كان اسما للمفعول فهو مُختَيَرٌ.
قوله: (ثم يكبر)، ومعنى شرعية التكبير عند الانتقال من ركن إلى ركن، أي: أنه أكبر من أن يُؤدَى حقه بهذا القدر من العبادة؛ لأن الله تعالى يتعالى من أن يعبده أحدٌ، كما هو مستحقه أو يثني عليه حق ثنائه، فإن معنى قوله: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} في حق المؤمنين، أي: ما أثنوا عليه حق ثنائه، وفي حق الكفار ما عرفوا الله حق معرفته.
@
الجزء 2 · صفحة 55
ويعتمد بيديه على ركبتيه ويفرج أصابعه ويبسط ظهره ولا يرفع رأسه ولا ينكسه ويقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم ثلاثا وذلك أذناه ثم يرفع رأسه ويقول: سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد
فإذا استوى قائما كبر وسجد واعتمد بيديه على الأرض ووضع وجهه بين كفيه وسجد على أنفه وجبهته فإن اقتصر على أحدهما جاز عند أبي حنيفة
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وذلك أدناه)، أي: أدنى الكمال من حيث السنة لا من حيث الفرض.
قوله: (سمع الله لمن حمده)، أي: أجاب وقيل بطريق إطلاق اسم (13 السبب على المسبب؛ لأن السماع سبب القبول ومقدمته.
قوله: (ربنا لك الحمد) شرع في أول القيام قوله: الحمد لله، وهو الاستغراق، فيصير جميع المحامد لله، لكنه غير متعرض للحصر قصدا، فشرع في آخر القيام قوله: ربنا لك الحمد، وقدم الظرف ليفيد الحصر قصدا، والله أعلم.
قوله: (فإذا استوى قائما) هذا القيام والطمأنينة في الأركان واجب على تخريج الكرخي، وسنة على تخريج عند أبي حنيفة، ومحمد. وعند أبي يوسف، والشافعي رحمهما الله فرض حتى تجب الإعادة، وعندهما لا، وعند من قال بالوجوب تجب سجدتا السهو.
قوله: (فإن اقتصر على أحدهما جاز عند أبي حنيفه رحمه الله) إلا أنَّ الاقتصار على الأنف جائز عنده مع الكراهة.
@
الجزء 2 · صفحة 56
وقال أبو يوسف ومحمد: لا يجوز الاقتصار على الأنف إلا من عذر وإن سجد على كور عمامته أو فاضل ثوبه جاز ويبدي ضبعيه ويجافي بطنه عن فخذيه ويوجه أصابع رجليه نحو القبله ويقول في سجوده: سبحان ربي الأعلى ثلاثا وذلك أدناه ثم يرفع رأسه ويكبر فإذا اطمأن جالسا كبر وسجد فإذا اطمأن ساجدا كبر واستوى قائما على صدور قدميه ولا يقعد ولا يعتمد بيديه على الأرض
ويفعل في الركعة الثانية مثل ما فعل في الأولى إلا أنه لا يستفتح ولا يتعوذ ولا يرفع يديه إلا في التكبير الأولى
فإذا رفع رأسه من السجدة الثانية في الركعة الثانية افترش رجله اليسرى فجلس عليها ونصب اليمنى نصبا ووجه أصابعه نحو القبلة ووضع يديه على فخذيه وبسط أصابعه وتشهد
والتشهد أن يقول: التحيات لله والصلوات والطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (يبدي) من الإبداء، وهو: الإظهار، أو معناه ههنا: تباعد، ويروى ويبدّ من الإبداد، وهو: التبعيد، والضبع بالسكون لا غير، وهو: العضد، وقيل: وسطه وباطنه، قوله: فإذا اطمأن جالساً كبّر وسجد السجود الثاني فرض بإجماع الأمة.
قوله: (ولا يقعد ولا يعتمد) وعند الشافعي رحمه الله يجلس، ثم يقوم معتمدا على الأرض.
قوله: (ولا يستفتح)، أي: لا يقول سبحانك اللهم إلى آخره.
قوله: (ويتشهد) سمي هذا الثناء تشهداً؛ لأن فيه ذكر الشهادتين إطلاقا لاسم البعض على الكل، كما في الأذان، فإن الأذان في الحقيقة حي على الصلاة حي على الفلاح، ومع هذا أطلق الأذان على الكل.
قوله: (التحيات لله)، أي: جميع الأثنية القولية لله تعالى (والصلوات)، أي: جميع العبادات البدنية لله تعالى (والطيبات)، أي: جميع العبادات المالية لله تعالى.
@
الجزء 2 · صفحة 57
السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ولا يزيد على هذا في القعدة الأولى
ويقرأ في الركعتين الأخريين الكتاب خاصة فإذا جلس في آخر الصلاة جلس كما في الأولى وتشهد وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم ودعا بما شاء بما يشبه ألفاظ القرآن والأدعيه المأثورة ولا يدعو بما يشبه كلام الناس ثم يسلم عن يمينه فيقول: السلام عليكم ورحمة الله وعن يساره مثل ذلك
ويجهر بالقراءة في الفجر والركعتين الأوليين من المغرب والعشاء إن كان إماما ويخفي القراءة فيما بعد الأوليين وإن كان منفردا فهو مخير: إن شاء جهر وأسمع نفسه وإن شاء خافت ويخفي الإمام القراءة في الظهر والعصر
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (عبده ورسوله) قدم عبوديته على رسالته (14 إظهارا، بأن لا يقول مثل ما قالت اليهود: عزير ابن الله، والنصارى: المسيح عليه السلام ابن الله.
قوله: (تشهد وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم) التشهد عندنا واجبة، والصلاة على النبي سنّة، وعند الشافعي رحمه الله كلاهما فريضة.
قوله: (بما يشبه كلام الناس) مما لا يستحيل سؤاله عن العباد، فهو من كلام الناس.
قوله: (ويجهر) الجهر يعني: فيما يجهر، والمخافتة: فيما يخافت هذه قضية متلقاة من جهة الشرع، فننتهي إلى ما أنهانا الشرع إليه.
قوله: (جهرا واسمع نفسه) هذا تفسير لقوله: جهر؛ لأن إسماع الغير زائد على نفس الجهر، كما في قوله: ربّ العباد إليه الوجه، والعمل العمل تفسير الوجه وهذا مذهب الكرخي
@
الجزء 2 · صفحة 58
والوتر:
ثلاث ركعات لا يفصل بينها بسلام
ويقنت في الثالثة قبل الركوع في جميع السنة
ـــــــــــــــــــــــــــــ
رحمه الله، فإن أدنى الجهر عنده أنْ يسمع نفسه، فإن الجهر والمخافتة تصحيح الحروف، يؤيد هذا ما روي عن ابن مسعود رضي الله عنه: «ما خافت من اسمع نفسه»، وعند البعض أدنى الجهر: أن يسمع غيره، وأدنى المخافتة: أن يسمع نفسه، أو غيره، إذا قرب صماخ أذنه إلى فمه.
قوله: (والوتر ثلاث ركعات)، وهذا اسم شرعي، وفي اللغة هو: اسم لضد الشفع، وهو: ثلاث ركعات عندنا/ وعند الشافعي رحمه الله في قول: ركعة واحدة، وفي قول: ثلاث ركعات بتسليمة، مثل: مذهبنا، وفي قول: بتسليمتين/ وفي قول: خمس، وفي قول: سبع.
قوله: (لا يفصل بينهن بسلام) هذا لنفي قول الشافعي.
قوله: (قبل الركوع) وعند الشافعي رحمه الله بعد الركوع.
قوله: (في جميع السنة) وعند الشافعي لا يقرأ القنوت في الوتر، إلا في النصف الأخير من شهر رمضان.
@
الجزء 2 · صفحة 59
ويقرأ في كل ركعة من الوتر بفاتحة الكتاب وسورة معها فإذا أراد أن يقنت كبر ورفع يديه ثم قنت
ولا يقنت في صلاة غيرها
وليس في شيء من الصلوات قراءة سورة بعينها لا يجزئ غيرها ويكره أن يتخذ سورة بعينها لصلاة لا يقرأ فيها غيرها
وأدنى ما يجزئ من القراءة في الصلاة ما يتناوله اسم القرآن عند أبي حنيفة
وقال يوسف ومحمد: لا يجزئ أقل من ثلاث آيات قصار أو آية طويلة
ولا يقرأ المؤتم خلف الإمام
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فاتحة الكتاب وسورة)، وقال الشافعي: يقرأ في الأولى: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ}، وفي الثانية: {قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1)} (14، وفي الثالثة: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1)}.
قوله: (فإذا أراد أن يقنت كبر)؛ لأن التكبير شرع عند الانتقال من حالة إلى حالة، وهنا ينتقل من القراءة إلى الدعاء فيكبّر.
قوله: (ولا يقنت في صلاة غيرها)، وعند الشافعي يقنت في الفجر بعد ركوع الركعة الأخيرة في جميع السنّة، وكذا في سائر الصلوات، إذا فاته فائتة.
قوله: (ما يتناوله اسم القرآن) هذا بعمومه وإطلاقه يتناول ما دون الآية، وفي الأصل أن عند أبي حنيفة رحمه الله: لا بُدّ من آية تامة، هذا حدّ الجواز. أما الكراهة فثابتة ما لم يقرأ الفاتحة مع ثلاث آيات أخرى.
@
الجزء 2 · صفحة 60
ومن أراد الدخول في صلاة غيره يحتاج إلى نيتين: نية الصلاة ونية المتابعة
والجماعة: سنة مؤكدة
وأولى الناس بالإمامة أعلمهم بالسنة فإن تساووا فأقرهم فإن تساووا فأورعهم فإن تساووا فأسنهم
ويكره تقديم العبد والأعرابي والفاسق والأعمى وولد الزنا فإن تقدموا جاز
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (والجماعة سنة مؤكدة)، أي: سنّة تشبه الواجب؛ لأنه ألحق الوعيد الشديد على تركها بقوله «فأحرق عليهم بيوتهم».
قوله: (أعلمهم بالسنة)، أي: بأحكام الشرع المتعلقة بالصلاة قدمنا الأعلم على الأقرأ؛ لأن القراءة يحتاج إليها في ركن واحد، والعلم يحتاج إليه في جميع الأركان، وإنما قدم النبي عليه السلام الأقرأ على الأعلم، والله أعلم؛ لأن أقرؤهم كان أعلمهم؛ لأنهم كانوا يحفظون القرآن بمعانيه حتى قالت الصحابة رضي الله عنهم: «من حفظ سورة البقرة وآل عمران جد فينا أي عظم».
قوله: (فأورعهم) الورع: الاجتناب عن الشبهات، والتقوى عن المحرمات.
قوله: (ويكره تقديم العبد) الأصل: أنه يجب تقديم من كان في تقديمه تكثير الجماعة، ويكره تقديم من كان في تقديمه تقليل الجماعة، وفي تقديم هؤلاء تقليل الجماعة، فلهذا كره تقديمهم.
@
الجزء 2 · صفحة 61
وينبغي للإمام أن لا يطول بهم الصلاة
ويكره للنساء أن يصلين وحدهن جماعة فإن فعلن وقفت الإمام وسطهن
ومن صلى مع واحد أقامه عن يمينه
فإن كان اثنين تقدم عليهما
ولا يجوز للرجال أن يقتدوا بامرأة أو صبي
ويصف الرجال ثم الصبيان ثم النساء
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أما ولد الزنا؛ لقوله عليه السلام: «ولد الزنا شر الثلاثة»؛ وهذا لأن للزانيين خبيثة الفعل دون الذات، ولولد الزنا خبيثة الذات (15، وخبيثة الفعل أيضا؛ لأنه ليس له أب يُثقِفُه، فإن تقدموا جاز لقوله عليه السلام، «صلوا خلف كل بر وفاجر».
قوله: (ويكره للنساء أن يصلين وحدهن جماعة)، وعند الشافعي يستحب لهن الجماعة.
قوله: (أقامه عن يمينه)، وفي رواية: ينبغي أن يكون رؤوس أصابع رجل المقتدى خلف الإمام.
@
الجزء 2 · صفحة 62
فإن قامت امرأة إلى جنب رجل وهما مشتركان في صلاة واحدة فسدت صلاته
ويكره للنساء حضور الجماعة ولا بأس بأن تخرج العجوز في الفجر والمغرب والعشاء عند أبي حنيفة وقال أبو يوسف ومحمد يجوز خروج العجوز في كل صلاة ولا يصلي الطاهر خلف من به سلس البول ولا الطاهرات خلف المستحاضة ولا القارئ خلف الأمي ولا المكتسي خلف العريان
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فإن قامت امرأة إلى جنب رجل) صورة المحاذاة: محاذاة المرأة المشتهاة الرجل في الصلاة المطلقة المشتركة المنوية بينة إمامة النساء بلا حائل أداء حقيقة، يوجب فساد صلاة الرجل دون المرأة خلافا للشافعي.
قوله: (من به سلس البول) السلس: بفتح اللام مصدر، وبكسرها نعت، وهذا بيان جزء يستدلُّ به على من هو في معنى ما ذكر في الكتاب، كمن به الرعاف الدائم وغير ذلك، وإنما ذكر قوله: ولا الطاهرات خلف المستحاضة، وإن فهم حكمها من الأول على ما قلنا لدفع وهم ينشأ من قول مالك، فإن عنده دم الاستحاضة ليس بحدث، فتمكن في كونه حدثا نوع خفه، فربما يقع في الوهم أنه يكون معفواً في حق صحة الاقتداء.
قوله: (ولا القارئ خلف الأمي)؛ لأن الأمي لا يقدر على القراءة، وعلى هذا قالوا: لا يصح اقتداء الأمي بالأخرس؛ لأن الأمي قادر على التحريمة دون الأخرس.
@
الجزء 2 · صفحة 63
ويجوز أن يؤم المتيمم المتوضئين والماسح على الخفين الغاسلين ويصلي القائم خلف القاعد ولا يصلي الذي يركع ويسجد خلف الموميء ولا يصلي المفترض خلف المتنقل ولا من يصلي فرضا خلف من يصلي فرضا آخر ويصلي المتنقل خلف المفترض
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ويجوز أن يؤم المتيمم المتوضئين) هذا عندهما. أما عند محمد والشافعي رحمهما الله، لا يجوز بناء على أن الخلفية عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله بين التراب والماء، فيكون الطهارة الخالصة بالتراب بعدما صار طهورا بمنزلة الطهارة الخالصة بالماء، فيكون المتيمم صاحب (15 أصل كالمتوضئ، وعندهما الخلفية بين التيمم، والتوضؤ، فيكون المتيمم صاحب خلف، والمتوضئ صاحب أصل، فلا يجوز بناء الأصل على الخلف.
قوله: (ويصلي القائم خلف القاعد) استحسانا بالنص، وعند محمد رحمه الله: لا يجوز، وبضرب معقول أيضاً، فإن الاقتداء بالراكع - أعني: المنحني - يجوز، وإن لم يوجد منه الاستواء إلا في النصف الأسفل، فكذا في القاعد؛ لأنه وجد فيه استواء النصف، وهو النصف الأعلى بالطريق الأولى؛ لأن الإنسان من عنقه إلى وركه، والرأس طليعته، والرجلان ماشيتاه، فقد وجد الاستواء فيما نحن فيه فيما هو الأصل في الإنسان.
قوله: (ولا يصلي المفترض خلف المتنفل ولا من يصلي فرضا خلف من يصلي فرضا آخر) خلافا للشافعي رحمه الله في المسألتين، وأصل هذه المسائل عندنا أن ينظر إن صح بناء إحدى الصلاتين على الأخرى بتحريمة واحدة، كما في المنفرد صح في تحريمتين، بأن يجعلا كتحريمة واحد، وإن لم يصح بناء أحدهما على الأخرى بتحريمة لم يصح في تحريمتين، وبناء النفل على الفرض في تحريمة واحده جائز، فكذا في تحريمتين بالاقتداء، وعلى العكس لا يجوز، وكذا بناء الفرض على الفرض الآخر بتحريمة واحدة لا يجوز، فكذا بتحريمتين.
@
الجزء 2 · صفحة 64
ومن اقتدى بإمام ثم علم أنه على غير وضوء
أعاد الصلاة
ويكره للمصلي أن يعبث بثوبه أو بجسدهن ولا يقلب الحصى إلا أن لا يمكنه السجود فيسويه مرة واحدة ولا يفرقع أصابعه ولا يتخصر
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أعاد الصلاة) خلافاً للشافعي، وهذا بناء على أن الاقتداء عنده موافقة في الأداء فحسب، وعندنا الموافقة مع الشركة.
قوله: (ويكره للمصلي أن يعبث بثوبه) المحرمات الأربعة: العبث، والسفه، والجهل، والظلم، ونسبة العبث إلى السفه، كنسبة الجهل إلى الظلم، فإن في السفه والظلم أضرار دون العبث والجهل.
قوله: (ولا يقلب الحصى) سأل أبو ذر خير البشر عن تسوية الحجر، فقال: «يا أبا ذر مرة أو ذر».
قوله: (16 (ولا يفرقع أصابعه) الفرقعة: تصويت الأصابع، إما بغمزها، أو مدها.
قوله: (ولا يتخصر) التخصر، والاختصار: وضع اليد على الخاصرة، روي عن النبي عليه السلام: «الاختصار راحة أهل النار»، أي: الكافر في الدنيا، وإنما يكره الاختصار لمعنيين أحدهما: لأن فيه ترك سنة أخذ اليدين، والثاني: لأنه فعل الجبابرة على ما روينا.
@
الجزء 2 · صفحة 65
ولا يسدل ثوبه ولا يعقص شعره ولا يكف ثوبه
ولا يلتفت ولا يقعي ولا يرد السلام بلسانه ولا بيده ولا يتربع إلا من عذر ولا يأكل ولا يشرب
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ولا يعقص شعره) العقص له طرق ثلاثة: إما أن يجمع الشعر على الهامه فيشده بخيط ويدوّره على رأسه، كما هو عادة النساء، أو يجمعه على قفاه، كما يفعله أصحاب الشرط لئلا يصيب الأرض إذا سجد.
قوله: (ولا يشبك)، أي: لا يدخل بعض الأصابع في البعض.
قوله: (ولا يلتفت) والالتفات: (بازنكوستن) حتى لا يكره إن نظر بموق عينه من غير أن يلوي عنقه، ولا يسدل ثوبه السدل أن يضع ثوبه على رأسه أو كتفه، ويرخي أذياله وأكمامه.
قوله: (ولا يقعي) الإقعاء له تفسيران، أحدهما: أن ينصب رجليه، ويجلس على عقبيه، والثاني: أن يعتمد بيديه على الأرض، ويضم ركبتيه إلى صدره.
قوله: (ولا يرد السلام) وعند الشافعي رحمه الله: يجوز أن يرد بيده.
قوله: (ولا يتربع إلا من عذر)؛ لأن للعذر أثرا في إباحة المحرمات، وترك الواجبات له، فلأن يكون له أثر في ترك صفة السنّة أولى.
قوله: (ولا يأكل ولا يشرب) الأصل أن الصلاة عبادة خدمة جامعة لمعنى العبادات، وسائر العبادات للرياضة. أما الصوم فلأنه قهر النفس الشهواني عن مقتضياتها، وفي الصلاة ذلك، وفي الحج عبادة هجرة، وفي الصلاة ذلك، والزكاة طهرة، وفي الصلاة ذلك، قال الله تعالى: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ}، قيل: المراد منها (16 الصلاة ومعنى الجهاد في الصلاة موجود
@
الجزء 2 · صفحة 66
فإن سبقه الحدث انصرف فإن كان إماما استخلف وتوضأ وبنى على صلاته والاستئناف أفضل
وإن نام فاحتلم أو جن أو أغمي عليه أو قهقه استأنف الوضوء والصلاة
ـــــــــــــــــــــــــــــ
لقوله عليه السلام: «رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر»، فإذا كان معنى العبادات فيها موجودا يكون الأكل والشرب منافيا لها.
قوله: (استخلف وتوضأ)، ثم إذا استخلف يصير الإمام مقتديا والخليفة إماما حتى تفسد صلاة الأول بفساد صلاة الخليفة دون العكس، وشرط صحة الخلافة: أنْ يصل الخليفة إلى مكان الإمام قبل خروج الإمام من المسجد، حتى لو توضأ الإمام في المسجد، والخليفة لم يؤدِّ ركنا بعد ينبغي أن يتأخر ويتقدم الأول، ولو توضأ خارج المسجد لا يتأخر.
قوله: (والاستئناف أفضل) الدلائل الموجبة أربعة الكتاب، والخبر المسموع من فيّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، والخبر المتواتر، والإجماع، والمجوزة أربعة أيضا الآية المؤوّلة، والخبر الواحد، والعام المخصوص، والقياس، فلو بنى يكون عملا بخبر الواحد ولو استأنف يكون عملا بالإجماع فكان أولى.
قوله: (استأنف الوضوء والصلاة)؛ لأن جواز البناء ثبت بخلاف القياس، فلا يقاس عليه غيره، إلا إذا كان في معناه من كل وجه، فحينئذ يلحق بدلالة النص لا بالقياس.
@
الجزء 2 · صفحة 67
وإن تكلم في صلاته عامدا أو ساهيا بطلت صلاته
وإن سبقه الحدث بعد التشهد توضأ وسلم وإن تعمد الحدث في هذه الحالة أو تكلم أو عمل عملا ينافي الصلاة تمت صلاته
وإن رأى المتيمم الماء في صلاته بطلب صلاته
وإن رآه بعدما قعد قدر التشهد أو كان ماسحا على الخفين فانقضت مدة مسحه أو خلع حفيه بعمل رفيق أو كان أميا فتعلم سورة أو عريانا فوجد ثوبا أو موميا فقدر على الركوع والسجود أو تذكر أن عليه صلاة قبل هذه الصلاة أو وقت العصر في الجمعة أو كان ماسحا على الجبيرة فسقطت عن برء أو كان صاحب عذر فانقطع عذره
بطلت صلاته في قول أبي حنيفة وقال أبو يوسف ومحمد: تمت صلاته
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (عامدا أو ساهيا)؛ لقوله عليه السلام: «إن صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس» هذه نكرة في موضع النفي، فتعم فينتفي الصلاح من جميع الوجوه، فلو لم يكن مفسدا لكان الصلاح باقيا.
@
الجزء 2 · صفحة 68
باب قضاء الفوائت
ومن فاتته الصلاة قضاها إذا ذكرها وقدمها لزوما على صلاة الوقت إلا أن يخاف فوات صلاة الوقت فيقدم صلاة الوقت ثم يقضيها فإن فاتته صلوات رتبها في القضاء كما وجبت في الأصل
ـــــــــــــــــــــــــــــ
باب قضاء الفوائت
لقب الباب بقضاء الفوائت، ولم يلقب بقضاء المتروكات؛ لأن (17 الظاهر من حال المسلم أن لا يترك، وهذا من الأدب، كما قال محمد رحمه الله: ولو أن الكعبة تبنى، ولم يقل: انهدم، ثم المأمور به نوعان: أداء، وهو: تسليم عين الواجب، وقضاء، وهو: تسليم مثل الواجب من عنده، ولهذا يقال: الديون تقضى بأمثالها، وقد يدخل إحدى العبارتين في الأخرى، فيسمى القضاء: أداء، كما يقال: أدى دينه، ويسمى القضاء: أداء: قال الله تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ}، أي: أديت، إلا أن عبارة القضاء أوسع، فلهذا استعمل في الأداء مطلقاً، وعبارة: الأداء لا يستعمل إلا مقيدا، يقال: أدى دينه، ولما فرغ عن بيان الأداء شرع في بيان القضاء.
قوله: (يقدم صلاة الوقت)؛ لأن الأصل في الدلائل إعمالها لا إهمالها، فما دام في الوقت سعة يمكن العمل بالكتاب، وخبر الواحد أيضاً، فيعمل بهما. أما إذا ضاق الوقت سقط العمل بخبر الواحد؛ لأنه لو عمل به يصير الكتاب متروكا، وهو قوله تعالى: {أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} واعلم أنه متى وجب تقديم الفائتة بأن كان في الوقت سعة، لا يجوز تقديم الوقتية وبضيق
@
الجزء 2 · صفحة 69
إلا أن تزيد الفوائت على ست صلوات فيسقط الترتيب فيها
ـــــــــــــــــــــــــــــ
الوقت، جاز تقديم الوقتية، والفرق أن الفائتة تقررت في ذمته لا تحتمل السقوط باعتراض المسقط، والوقتية لم تتقرر، وتحتمل السقوط باعتراض المسقط.
قوله: (إلا أن تزيد الفوائت على ست صلوات) ظاهر الكلام يقتضي أن تصير الفوائت سبعا؛ لأنه ذكر الفوائت بلفظ الجمع والزيادة غير المزيد عليه، والمزيد عليه ست، فيصير المجموع سبعة، لكن معناه إلا أن تصير الفوائت في نفسها زائدة على ست صلوات، والمراد من الصلوات أوقاتها، فإن فوت الصلاة السابعة ليس بشرط بالإجماع. أما عندهما (17، فلأن الترتيب يسقط بخروج وقت السادسة، وعند محمد رحمه الله بدخول وقت السادسة.
@
الجزء 2 · صفحة 70
باب الأوقات التي تكره فيها الصلاة
لا تجوز الصلاة عند طلوع الشمس ولا عند قيامها في الظهيرة ولا عند غروبها ولا يصلي على جنازة ولا يسجد للتلاوة إلا عصر يومه عند غروب الشمس
ـــــــــــــــــــــــــــــ
باب الأوقات التي تكره فيها الصلاة
لقب الباب بما ذكر، ولم يلقبه بباب لا يجوز فيها الصلاة؛ لأن الكراهة نوعان: كراهة تجامع الجواز، وكراهة لا تجامع الجواز، فيكون الكراهة مع عدم الجواز بمنزلة الحيوان مع الإنسان، فتكون الكراهة عامة، فلهذا لقب الباب بما ذكر ثم بيّن حكم نوعيه.
قوله: (لا تجوز الصلاة) إن حمل على الفرض، فمعناه: نفي الجواز مطلقاً، وإن حمل على النفل، فمعناه: أنه لا يجوز له أن يفعل. أما لو فعل فإنه ينفعل ويتحقق حتى لو شرع وصلى يخرج عن عهدتها، ولو أفسدها يجب عليه القضاء بخلاف الصوم في الأوقات التي لا يجوز فيها الصوم.
قوله: (ولا يصلي على جنازة) هذا إذا حضرت الجنازة في الوقت المستحب. أما إذا حضرت في وقت الكراهة، فإنه يستحب أداء الصلاة في ذلك الوقت، ولا يجب التأخير.
قوله: (ولا يسجد للتلاوة) وهذا إذا كانت التلاوة في الوقت المستحب. وأما إذا كانت التلاوة في الوقت المكروه، فإنه لو سجدها يجوز، ولكن يستحب تأخيرها.
@
الجزء 2 · صفحة 71
ويكره أن يتنفل بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس وبعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس ولا بأس بأن يصلي في هذين الوقتين الفوائت ويسجد للتلاوة ويصلي على الجنازة
ولا يصلي ركعتي الطواف
ويكره أن يتنفل بعد طلوع الفجر بأكثر من ركعتي الفجر ولا يتنقل قبل المغرب
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ويكره أن يتنفل بعد صلاة الفجر) سواء كان نفلا له سبب كتحية المسجد، وركعتي الطواف، أو لم يكن له سبب، والشافعي رحمه الله يخالفنا في الأول.
@
الجزء 2 · صفحة 72
باب النوافل
السنة في الصلاة أن يصلي ركعتين بعد طلوع الفجر وأربعا قبل الظهر وركعتين بعدها وأربعا قبل العصر وإن شاء ركعتين وركعتين بعد المغرب وأربعا قبل العشاء وأربعا بعدها وإن شاء ركعتين
ونوافل النهار إن شاء صلى ركعتين بتسليمة واحدة وإن شاء أربعا وتكره الزيادة على ذلك
ـــــــــــــــــــــــــــــ
باب النوافل
النفل في اللغة: عبارة عن الزيادة، ومنه النفل للغنيمة (18؛ لأنها زائدة على ما شرع له الجهاد، وهو: إعلاء كلمة الله، ومنه النافلة للحافرة، فسميت صلاة النفل نفلاً؛ لأنها زائدة على الفريضة، ثم لما فرغ من بيان الفرائض وأدائها وقضائها شرع في بيان النوافل؛ لأنها شرعت مكملات للفرائض، وإنما بدأ بسنّة الفجر؛ لأنها أقوى السُّنن حتى يكفر جاحدها؛ ولأنها بمنزلة الواجب عند البعض، حتى قال: لا يجوز أن يصلي قاعدا مع القدرة على القيام؛ لكونها مأمورا بها، قال عليه الصلاة والسلام: «صلوها وإن طردتكم الخيل».
@
الجزء 2 · صفحة 73
فأما نافلة الليل فقال أبو حنيفة إن صلى ثمان ركعات بتسليمة واحدة جاز وتكره الزيادة على ذلك وقال أبو يوسف ومحمد: لا يزيد بالليل على ركعتين بتسليمة واحدة
والقراءة في الفرض واجبة في الركعتين الأوليين وهو مخير في الأخريين إن شاء قرأ وإن شاء سبح وإن شاء سكت
والقراءة واجبة في جميع ركعات النفل وفي جميل الوتر ومن دخل في صلاة النفل ثم أفسدها قضاها
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (فإن صلى النافلة بالليل صلى ثماني ركعات) أربعا قبل العشاء، وأربعا بعدها لا محالة من غير اختيار بين الركعتين والأربع، وهذا إذا أخر صلاة العشاء حتى مضى الوقت المستحب؛ لأن النقصان لما كثر لا بُدّ أنْ يزداد الجائز. أما إذا لم يؤخر جاز أن يكمل بالركعتين بعد الفرض.
قوله: (وإن شاء سكت) هذا وقع على قول أبي يوسف، فإنه روي في بعض الروايات: إن شاء قرأ بفاتحة الكتاب، وإن شاء سبح في كل ركعة بثلاث تسبيحات، ولا يكون مسيئا، وإن شاء سكت يكون مسيئا.
قوله: (والقراءة واجبة) في الفرض في الركعتين في إحديهما بعبارة النص، وفي الثانية بدلالته؛ لأن الثانية مثل الأولى وجوبا وسقوطا وجهرا وإخفاء.
قوله: (ومن دخل في صلاة النفل) إلى آخره؛ لأن الإيمان والطاعات هو: الروح للروح، قال الله تعالى: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ}، أي: كافراً فهديناه، ثم لما لم يجز إبطال الروح المحرك للبدن لقوله تعالى: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} (18 لم يجز أيضا إبطال روح هذا الروح لقوله تعالى: {وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ (33)} فلما لم يجز إبطاله يصير مضمونا عليه ليصير محفوظا.
@
الجزء 2 · صفحة 74
فإن صلى أربع ركعات وقعد في الأوليين ثم أفسد الأخريين قضى ركعتين
ويصلي النافلة قاعدا مع القدرة على القيام وإن افتتحها قائما ثم قعد جاز عند أبي حنيفة
وقال أبو يوسف ومحمد: لا يجوز إلا من عذر
ومن كان خارج المصر يجوز أن ينتفل على دابته إلى أي جهة توجهت يومئ إيماء
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (خارج المصر) هذا اللفظ يشير إلى أن السفر ليس بشرط، وإلى أن في المصر لا يجوز، وعن أبي يوسف أنه يجوز في المصر أيضاً، والله أعلم.
@
الجزء 2 · صفحة 75
باب السجود السهو
ـــــــــــــــــــــــــــــ
باب سجود السهو
هذا من قبيل إضافة المسبب إلى السبب، والأصل أنْ يكون المضاف إليه سببا للمضاف، كما في خيار الشرط، وخيار الرؤية، وخيار العيب، وسجدة التلاوة؛ وهذا لأن الإضافة للاختصاص، وأقوى الاختصاص اختصاص الأثر بالمؤثر، ولما كان سجود السهو لجبر النقصان أشبه النفل؛ لأن النوافل شرعت مكملات للفرائض، كما مرَّ فالتأم البابان، فلهذا أعقبه باب النفل، والكلام في هذا الباب في فصول أحدها: أن سجود السهو واجب عند الكرخي رحمه الله، سنّة عند البعض، والثاني: أنَّ سببه السهو عندنا وعند الشافعي، العمد أيضاً، والثالث: أنها تؤدى بعد السلام عندنا، وقبل السلام عند الشافعي، وكذا عند مالك رحمه الله في النقصان وفي الزيادة بعد السلام والرابع أنها إنما تجب بتأخير الفرض عن محله، أو ترك واجب أصلي، ونعني بالواجب الأصلي بأن يجب بتحريمة الصلاة، كفاتحة الكتاب وضم السورة، وما يشابههما لا بعارض كسجدة التلاوة، إذا وجبت في الصلاة بقراءته حتى لو أخرها ناسيا إلى آخر الصلاة لا تجب
@
الجزء 2 · صفحة 76
سجود السهو واجب في الزيادة والنقصان بعد السلام ثم يسجد سجدتين ثم يتشهد ويسلم
والسهو يلزم إذا راد في صلاته فعلا من جنسها ليس منها أو ترك فعلا مسنونا أو ترك قراءة فاتحة الكتاب أو القنوت
ـــــــــــــــــــــــــــــ
سجدتا السهو بتأخيرها، ولو سلم ناسيا، وعليه سجدة التلاوة يكون السلام مخرجا له عن الصلاة بالإجماع.
قوله: (يسجد سجدتين) (19 عن ابن مسعود رضي الله عنه في سجدة السهو: «هما مرغمتان للشيطان وجبر للنقصان وإرضاء للرحمن».
قوله: (ثم يتشهد ويسلم) فيه إشارة إلى أنه يرفع التشهد والسلام، ولكن لا يرفع القعدة حتى لو لم يقعد لا تفسد الصلاة؛ وهذا لأن الأقوى لا يرفع بالأدنى بخلاف السجدة الصلبية، فإنها أقوى من القعدة، فترفع الأدنى، وبخلاف سجدة التلاوة في رواية؛ لأنها أثر قراءة مفروضة.
قوله: (ليس منها) كما إذا ركع ركوعين، وسجد ثلاث سجدات.
قوله: (أو ترك فعلا مسنونا) بأن ترك القعدة الأولى، أو تعديل الأركان، أو القومة بعد الركوع، أو الجلسة بين السجدتين، فهذا في حق الأفعال وما يليه، وهو: (لو ترك فاتحة الكتاب) إلى آخره في حق الأذكار، والمراد بالمسنون الواجب إطلاقا لاسم السبب على المسبب.
@
الجزء 2 · صفحة 77
أو التشهد أو تكبيرات العيدين أو جهر الإمام فيما يخافت أو خافت فيما يجهر
وسهو الإمام يوجب على المؤتم السجود، فإن لم يسجد الإمام لم يسجد المؤتم وإن سها المؤتم لم يلزم الإمام ولا المؤتم السجود
ومن سها عن القعدة الأولى ثم تذكر وهو إلى حال القعود أقرب عاد فجلس وتشهد وإن كان إلى حال القيام أقرب لم يعد ويسجد للسهو ومن سها عن القعدة الأخيرة فقام إلى الخامسة رجع إلى القعدة ما لم يسجد وألغى الخامسة ويسجد للسهو وإن قيد الخامسة بسجدة بطل فرضه
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أو التشهد)، أي: قراءة التشهد.
قوله: (أو جهر الإمام) فيه إشارة إلى أن المنفرد لو جهر، أو خافت فيما يخافت، أو يجهر، لا يجب عليه سجدتا السهو، والرواية محفوظة هكذا، ثم الجهر الموجب للسهو مقدر بما تجوز به الصلاة، وعن أبي يوسف رحمه مقدر بكلمة، وفي رواية بحرف، وعن محمد رحمه الله إذا قرأ أكثر الفاتحة.
قوله: (إلى حالة القعود أقرب) قال الإمام بدر الدين رحمه الله: يعتبر ذلك بالنصف الأسفل من الإنسان، فإن انتصب النصف الأسفل يكون إلى القيام أقرب، وإلا فلا.
قوله: (عاد وجلس وتشهد) قصر البيان على هذا يدل على أن لا تجب سجدتا السهو، وهو المختار.
قوله: (فإن قيد الخامسة بالسجدة) عند أبي يوسف بمجرد (19 وضع الرأس، وعند محمد برفع الرأس من السجدة وهذا بناء على أن السجدة عند أبي يوسف رحمه الله عبارة عن تحقيق هذا الفعل، وعند محمد رحمه الله عن الهيئة القارة، وتلك لا تحصل إلا برفع الرأس.
@
الجزء 2 · صفحة 78
وتحولت صلاته نفلا وكان عليه أن يضم إليها ركعة سادسة
وإن قعد في الرابعة قدر التشهد ثم قام ولم يسلم يظنها القعدة الأولى عاد إلى القعود ما لم يسجد في الخامسة ويسلم وإن قيد الخامسة بسجدة ضم إليها ركعة أخرى ويسجد للسهو وقد تمت صلاته والركعتان له نافله
ومن شك في صلاته فلم يدر أثلاثا صلى أم أربعا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (وتحولت صلاته نفلا) عند أبي حنيفة، وأبي يوسف رحمهما الله خلافا لمحمد رحمه الله بناء على أن الصلاة مشتملة على الأصل والوصف عندهما، وبطلان الوصف لا يوجب بطلان الأصل، وعند محمد رحمه الله: لها صفة واحدة.
قوله: (ومن شك في صلاته) المسألة: روي عن النبي عليه السلام أنه قال: «إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر أثلاثا صلى أم أربعا فليستقبل»، وروي: «فليتحر»، وروي: «فليأخذ بالأقل»، ونحن عملنا بالروايات الثلاثة في الأحوال الثلاث، وهذا يدلُّ على أنَّ أصحاب الحديث هم أصحابنا، لا أصحاب الشافعي رحمه الله، حيث عملنا بالأحاديث الثلاثة، وهو عمل بواحد، وهو قوله عليه السلام: «فليأخذ بالأقل».
@
الجزء 2 · صفحة 79
وكان ذلك أول ما عرض له استأنف الصلاة فإن كان الشك يعرض له كثيرا بنى على غالب ظنه إن كان له ظن فإن لم يكن له ظن بنى على اليقين
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (أول ما عرض له) قيل: أول ما عرض له في هذه الصلاة، وقيل: في عمره، وقيل: لم يصر عادة له.
@
الجزء 2 · صفحة 80
باب صلاة المريض
إذا تعذر على المريض القيام صلى قاعدا يركع ويسجد فإن لم يستطع الركوع والسجود أومأ إيماء برأسه وجعل السجود أخفض من الركوع
ـــــــــــــــــــــــــــــ
باب صلاة المريض
للإنسان حالتان: الصحة، والمرض، فلما بيّن الصلاة حالة الصحة، شرع في بيان الحالة الأخرى.
قوله: (إذا تعذر على المريض) ذكر الفقيه أبو الليث رحمه الله في "النوازل" تفسير التعذر: أن لا يمكنه القيام أصلاً، وقال: الفقيه أبو جعفر رحمه الله: إذا قدر أن يكبّر قائماً، ولا يقدر أكثر من ذلك يجب عليه أن يكبّر قائما، ثم يقعد بقدر الإمكان، والإمكان يكون بطريقين، إما حقيقة، وإما حكما، بأن خاف زيادة المرض.
@
الجزء 2 · صفحة 81
ولا يرفع إلى وجهه شيئا يسجد عليه
فإن لم يستطع القعود استلقى على ظهره وجعل رجله إلى القبلة وأومأ بالركوع والسجود وإن استلقى على جنبه ووجهه إلى القبلة وأومأ جاز فإن لم يستطع الإيماء برأسه أخر الصلاة ولا يومئ بعينه ولا بقلبه ولا بحاجبيه فإن قدر على القيام ولم يقدر على الركوع والسجود لم يلزمه القيام
وجاز أن يصلي قاعدا يومئ إيماء فإن صلى الصحيح بعض صلاته قائما ثم حدث به مرض أتمها قاعدا يركع ويسجد أو يومئ إن لم يستطع الركوع والسجود أو مستلقيا إن لم يستطع القعود فإن صلى بإيماء ثم قدر على الركوع والسجود استأنف الصلاة
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ولا يرفع إلى وجهه شيء يسجد 0 عليه)، فإن رفع وسجد عليه يجوز، ولكن باعتبار الإيماء لا باعتبار حصول السجود.
قوله: (ولا يومئ بعينيه) وعند زفر رحمه الله: أن يومئ بعينيه، أو حاجبيه، أو قلبه؛ لأن القلب يقوم به فرض من فرائض الصلاة، وهو النية، فيجوز أن يقوم به الإيماء عند الضرورة.
قوله: (ثم صح بنى على صلاته قائما)؛ لأن بناء آخر الصلاة على أولها بمنزلة بناء المقتدي صلاته على صلاة الإمام، واقتداء القيام بالقاعد يجوز عندهما خلافا لمحمد رحمه الله، فكذا فيما نحن فيه.
قوله: (فإن قدر على الركوع والسجود استأنف الصلاة)، وفيه خلاف الشافعي رحمه الله.
@
الجزء 2 · صفحة 82
ومن أغمي عليه خمس صلوات فما دونها قضاها إذا صح فإن فاتته بالإغماء أكثر من ذلك لم يقض
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (خمس صلوات فما دونها قضاها) القياس: أن لا يجب القضاء، وإن كانت الصلاة واحدة كما في القياس، لكنا أخذنا بالأثر. روي عن علي وعثمان رضي الله عنهما: «أنه أغمي عليهما خمس صلوات فقضاها وأغمي على عثمان رضي الله عنه أكثر من خمس فلم يقضها».
@
الجزء 2 · صفحة 83
باب سجود التلاوة
سجود التلاوة في القرآن أربعة عشر: في
آخر الأعراف وفي الرعد والنحل وبني إسرائيل ومريم والأولى من الحج والفرقان والنمل و {الم * تنزيل} وص {حم} السجدة و {إذا السماء انشقت} و {اقرأ باسم ربك}
والسجود واجب في هذه المواضع كلها على التالي والسامع سواء قصد سماع القرآن أولم يقصد وإذا تلا الإمام آية السجدة سجدها وسجد المأموم معه وإن تلا المأموم
ـــــــــــــــــــــــــــــ
باب سجود التلاوة
هذا من قبيل إضافة الشيء إلى سببه، والمناسبة بين البابين أن في صلاة المريض سقوط بعض الأركان رخصة للحرج، وفي سجدة التلاوة ثبت التداخل في السبب رخصة؛ لرفع الحرج أيضاً، ثم التلاوة سبب بالإجماع، ولهذا أضيف إليها، والسماع شرط العمل التلاوة في حق السامعين، وعند البعض السماع هو السبب في حق السامعين؛ لقول الصحابة رضي الله عنهم: «السجدة على من سمعها وعلى من تلاها»، والأول أصح، ولهذا لو تكرر مجلس التالي دون السامع تكرر الوجوب، ثم الكلام في هذا الباب في فصول منها: أنها واجبة عندنا، وسنّة عند الشافعي رحمه الله، ومنها: بيان مواضع وجوب السجدة بها، والثالث: في سبب وجوب هذه السجدة أنه التلاوة فحسب أم السماع أيضاً، والرابع: في بيان من تجب عليه السجدة 0، وكل من كان أهلاً للصلاة، كان أهلاً لوجوب السجدة.
قوله: (وسجد المأموم معه)؛ لأن قراءة الإمام صار قراءة له.
@
الجزء 2 · صفحة 84
لم يسجد الإمام ولا المأموم وإن سمعوا وهم في الصلاة آية سجدة من رجل ليس معهم في الصلاة لم يسجدوها في الصلاة وسجدوها بعد الصلاة فإن سجدوها في الصلاة لم تجزهم
ولم يفسد صلاتهم
ومن تلا آية سجدة فلم يسجدها حتى دخل في الصلاة فتلاها وسجد لها أجزأته السجدة عن التلاوتين وإن تلاها في غير الصلاة فسجد لها ثم دخل في الصلاة فتلاها سجد لها ولم تجزه السجدة الأولى ومن كرر تلاوة سجدة واحدة في مجلس واحد أجزأته سجدة واحدة
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (لم يسجد الإمام ولا المأموم) في إطلاقه إشارة إلى أنهم لا يسجدونها لا في الصلاة، ولا خارج الصلاة، وهو قول أبي حنيفة، وأبي يوسف رحمهما الله، وفيه إشارة أيضاً إلى أنه يجب على من لم يكن معهم في الصلاة؛ لأن الحجر ثبت في حقهم، فلا تعدوهم.
قوله: (ولم يفسد الصلاة) وذكر في "النوادر" عن محمد أنه: تفسد صلاتهم.
قوله: (أجزأته السجدة عن التلاوتين)؛ لأن مبنى السجدة على التداخل؛ لأنا أُمرنا بمحافظة الكتاب والتفكر فيه والتمسك به، فلا بُدّ من التكرار، فلو تكررت السجدة في كل مرة لشق الأمر، فقلنا بالتداخل، وهذا التداخل في السبب دون الحكم بخلاف العقوبات، والفرق أن العبادات يحتاط في إثباتها، فلو قلنا بالتداخل في الأحكام، يؤدي إلى إبطال السبب بعد تحققه، وهذا لا يجوز. أما العقوبات، فمبناها على الدرء، فجاز التداخل في الحكم، بل الفقه يدلُّ على إظهار أمر العفو.
قوله: (ولم يجز السجدة الأولى)؛ لأن الصلاتية أقوى فتستتبع الأدنى.
@
الجزء 2 · صفحة 85
ومن أراد السجود كبر ولم يرفع يديه وسجد ثم كبر ورفع رأسه ولا تشهد عليه ولا سلام
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: (ولا تشهد عليه)، أي: لا قعدة عليه (ولا سلام)، وعند الشافعي رحمه الله: يجب السلام.
@
الجزء 2 · صفحة 86
باب صلاة المسافر
السفر الذي تتغير به الأحكام:
أن يقصد الإنسان موضعا بينه وبين المصر
ـــــــــــــــــــــــــــــ
باب صلاة المسافر
والمناسبة أنه وقع في بيان العوارض، والرخص، والتيسير، فكما أن سجدة التلاوة اكتفى ببعضها بطريق التداخل تيسيرا، فكذلك الصلاة في السفر اكتفى ببعضها تيسيرا أيضاً، والأصل أن المفاعلة تكون بين اثنين، وقد يستعمل في واحد 1، والمسافرْ من هذا القبيل، أو لأن المسافرْ من السفر، وهو الكشف، وقد حصل بين اثنين هاهنا، فإن المسافر إذا سافر ينكشف له الطريق، والطريق ينكشف له، والسفر في اللغة عبارة عن الخروج المديد، وفي الشرع ثبت له حد، وهو أن يكون مسيرة ثلاثة أيام عندنا.
قوله: (تتغير به الأحكام) من سقوط شطر الصلاة، وتأخير أداء الصوم، وسقوط الجمعة، والأضحية، وجواز المسح ثلاثة أيام.
قوله: (أن يقصد الإنسان) في إطلاقه نفى قول الشافعي، فعندنا القصد المطلق مبيح سواء كان السفر طاعة أو معصية، وعند الشافعي القصد المكيّف، وهو أن لا يكون سفره معصية.
@