زاد الفقهاء شرح مختصر القدوري
للإمام بهاء الدين محمد بن أحمد بن يوسف الإسبيجابي المرغيناني
توفي سنة (591هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
جارٍ تحميل الكتاب…
زاد الفقهاء شرح مختصر القدوري
للإمام بهاء الدين محمد بن أحمد بن يوسف الإسبيجابي المرغيناني
توفي سنة (591هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
من بداية الكتاب إلى بداية كتاب الإجارات (دراسة وتحقيق)
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله حق حمده، والصلاة على رسوله افضل عبيده، وعلى آله وأصحابه من بعده، وبعد:
قال الشيخ القاضي الأجل، مفتي الشرق والغرب، بهاء الدين، صدر الإسلام والمسلمين، قدوة الفريقين، محي السنة، إمام الأمة، محمد بن أحمد بن يوسف المنسوب إلى إسبيجاب فقهه الله في الدين برأفته، ورزقه خير الدارين برحمته:
اعلم بأن الأعمار قد قصرت، والحوادث والاشغال] قد كثرت، والحرص قلّ، والحفظ كلّ، والراغب في فن الفقه لا يجد بداً من مختصرٍ يحويه، ليكون عدّةً له في واقعاتٍ تأتيه، فرأيت الأصوب في التدبير، والأوجب في الرأي، أن اشرح المختصر المنسوب إلى الشيخ الإمام الجليل أبي الحسين القدوري البغدادي رحمه الله، لكونه مشتملاً على جملٍ من الفقه مستعملة، بحيث لا تكون طول الدهر مهملة، واقتصر في ذكر الدلائل على ما عليه الفتوى في أغلب المسائل، وأضم إليها شيئاً قليلاً من الواقعات والنوازل، تتميماً للفائدة وتكثيراً للعائدة]، واحترز بذلك عن الإيجاز والتطويل، وابتغي فيما بين ذلك خير سبيل، فاستعنت الله تعالى في اتمامه، واستعصمته عن الخطأ والزلل فيه، وسميته زاد الفقهاء؛ فهو النافع لهم عند رجوعهم إلى مواطن الآباء، والله الموفق للصواب والسداد، والهادي إلى سبل الخير والرشاد.
كتاب الطهارة
قال الشيخ الإمام الجليل أبو الحسين القدوري البغدادي رحمه الله: (قال الله تعالى: {يأيها الذين ءامنو إذا قمتم إلى ... } المائدة:6] الآية، ففرض الطهارة غسل الأعضاء الثلاثة ومسح الرأس)،لأن محكم الكتاب تناول هذه الأعضاء بالأمر فاقتضى الفرضية، وحد الوجه من قصاص الشعر إلى حد] الذقن وإلى شحمتي الأذن، لأن الوجه في اللغة؛ ما يواجه في العادة، فإن كان قبل نبات اللحية] يفرض غسل كل الوجه، فإذا نبتت سقط غسل ما تحتها عندنا، وعند الشافعي: إن كثفت فكذا وإن خفت يجب، والشعر الذي استرسل من الذقن لا يجب غسله عندنا
خلافاً للشافعي؛ لأنه ليس بوجه ولا قائمٌ مقام الوجه.
وإيصال الماء إلى داخل العين ليس بفرض؛ لأنه شحم لا يقبل الماء وفيه حرجٌ أيضاً، والفرجة التي بين العِذَار والأذن يجب غسلها عند أبي حنيفة
ومحمد خلافاً لأبي يوسف؛ لأنها من جملة حد الوجه ولا شعر عليها.
(والمرفق والكعبان) يفرض غسلها عندنا خلافاً لزفر؛ لأنها جُعلت حد الإسقاط بعد
تناول اسم اليد والرجل اياها، فلا تدخل تحت السقوط.
(والمفروض في مسح الرأس عندنا مقدر بالناصية) في هذه الرواية، (لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "توضأ ومسح على ناصيته")، وفي ظاهر الرواية مقدر بثلاثة أصابع اليد مطلقاً، لأن الله تعالى أمر بالمسح بالرأس، والمسح يكون بالآلة وآلة المسح أصابع اليد عادة، ويكون المسح في الغالب بأكثرها وهو الثلاث، فيصير تقدير الآية وامسحوا بثلاثة أصابع أيديكم برؤوسكم.
فصل سنن الطهارة
(سنن الطهارة: غسلُ اليدين للمستيقظ من منامه ثلاثاً قبل ادخالهما في الإناء)، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا استيقظ احدُكم من منامه، فلا يغمسنّ يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً، فإنه لا يدري أين باتت يده"، اشار إلى المعنى، وهو الإحتراز عن توهّم النّجاسة.
(وتسمية الله تعالى في ابتداء الوضوء) سنّة، لقوله - صلى الله عليه وسلم -:" كل أمرٍ ذي بالٍ لم يُبدَأ بذكر اسم]
الله تعالى فهو أبتر".
(والسواك) سنّة، حالة المضمضة تكميلاً للإنقاءِ، قال - صلى الله عليه وسلم -: " السواك مطهرةٌ للفم، ومرضاةٌ
للرب، ومسخطةٌ للشيطان"، وقال - صلى الله عليه وسلم -: " لولا أن أشق على امتي، لأمرتهم بالسواكِ عند كل وضوءٍ"، والسواكُ أفضل، فإن لم يجد، فيعالج فمه] بالإصبع.
(والمضمضة والاستنشاقُ) في الوضوء سنّة، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - فعلهما، وليسا بفرضين فيه]، لأن اسم الوجه لا يتناولهما.
(ومسح الأذنين) سنّة، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: " الأذنان من الرأس"، أراد به بيان الحكم دون الخِلقة.
(وتخليلُ اللّحية) سنّة، وفي رواية أدبٌ ومستحبٌ. (وتخليل الأصابع) سنّة، مبالغةفي إيصال الماء.
(وتكرار الغسل ثلاثاً) في المغسولات سنّة، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - حين توضأ] غسل ثلاثاً ثلاثاً، قال:" هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي، فمن زاد على هذا او نقّص فقد تعدّى وظلم"، معناه زاد على الثلاث او نقّص ولم ير الثلاث سنة كافيةً.
(ويستحب للمتوضّئ أن ينوي الطهارة) عندنا، لقوله - صلى الله عليه وسلم -:" لا عمل إلا بالنية"، والمراد منه نفي الكمال والفضيلة، وعند الشافعي: النية شرط لصحة الطهارة، وهي بناءً على أن الطهارة ليست بعبادة عندنا خلافاً له.
(ويستوعب رأسه بالمسح)، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يفعله، وهو فرض عند البعض.
(ويُرتب الوضوء، فيبدأ بما بدأ الله تعالى)، لقوله - صلى الله عليه وسلم -:" ابدؤوا بما بدأ الله تعالى بِذِكْره] "، (ويبدأ بالميامن)، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يحب التيامن في كل شيء، حتى التنعّل والترجّل، وعند الشافعي الترتيب فرض بظاهر نظم آية الوضوء، إلا انا نقول انه معطوف
بعضها على بعض] بحرف الواو، وأنه للجمع المطلق دون الترتيب بإجماع اهل اللغة.
فصل في بيان نواقض الوضوء
(كل ما خرج من السبيلين ينقض الوضوء)، لقوله تعالى: {أو جاء أحد منكم من الغائط} المائدة:6]، وانه كناية عن خروج شيء من السبيلين، (والدم والقيح إذا خرجا من بدن) الإنسان الحي، (إلى موضع يلحقه حكم التطهير، والقيء إذا ملأ الفم)، وعند الشافعي الخارج من غير السبيلين لا ينقض الوضوء، والصحيح قولنا، لقوله - صلى الله عليه وسلم -:" إنما علينا الوضوء مما يخرج وليس مما
يدخل"، وخروج الطاهر ليس بناقض للوضوء بالإجماع، فتعين خروج النجس، غير ان الخروج من السبيلين يعرف بالظهور على رأس المخرج، لأنه ليس بموضع للخارج، فكان الظهور عليه بالانتقال من الباطن اليه.
فأما البدن محل للدماء والرطوبات، إلا انها لم تظهر لقيام الجلدة، فإذا انشقت الجلدة ظهر في محله، فما لم يسل عن راس الجرح لا يصير خارجاً.
وأما مقدار ملأ الفم، فقد روي عن الحسن: أنه إن عجز عن إمساكه يكون ملأ الفم، وإلا فلا.
ومن النواقض للطهارة (النوم مضطجعاً، او متكئاً، او مستنداً إلى شيءٍ لو ازيل السند] لسقط)، لأنه سبب لخروج الريح غالباً فيقام مقامه، أمّا إذا نام قاعداً مستقراً على الارض غير مستندٍ إلى شيء لا ينقض؛ لأنه ليس بسبب لخروج الريح غالباً، وإن نام قائماً أو راكعاً أو ساجداً وهو خارج الصلاة، فالأصح انه ليس بحدثٍ كما في حالة الصلاة.
ومن نام قاعداً مستقراً على الارض فسقط، إن انتبه قبل السقوط او في حالة السقوط او كما سقط انتبه من ساعته لا يكون ناقضاً، وإن استقر نائماً بعد الوقوع وان قل ينقض الوضوء؛ لأنه وجد النوم مضطجعاً، هذا هو الصحيح.
ومن النواقض، (الغلبة على العقل بالإغماء والجنون) والسكر الذي يستر العقل، لأنها فوق النوم، وكذا المباشرة الفاحشة: وهي أن يباشر الرجل امرأته لشهوة، وانتشر لها وليس بينهما ثوبٌ، ولم ير بللاً، ناقض عند أبي حنيفة وأبي يوسف، خلافاً لمحمدٍ؛ لأن المباشرة على هذا الوجه سبب لخروج المذي غالباً.
فأما مجرد مسّ المرأة بشهوة او بغير شهوة، و مسّ ذكره او ذكر غيره، فليس بحدث عندنا، خلافاً لمالك والشافعي، لأنه ليس بسبب للخروج غالباً.
(والقهقهة في كل صلاة ذات ركوع وسجود) ناقضة عندنا، خلافاً للشافعي،
لحديث الأعرابي الذي في عينيه سوءٌ، فتردّى في بئر عليها خصفة، فضحك بعض القوم، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " ألا من ضحك منكم قرقرة - ويروى قهقهة - فليعد الوضوء والصلاة"، والحديث ورد في حال صلاة مطلقة مستتمة الاركان، فبقي حال خارج الصلاة وما ليس بصلاة مطلقة على اصل القياس، والقياس ان لا ينقض، والحديث مقدمٌ على القياس.
فصل الغسل
(وفرض الغسل المضمضة، والاستنشاق، وغسل سائر البدن) مرة، لقوله تعالى: {وإن كنتم جنبا فاطهروا}، المائدة:6] وقد أمكن الإطهار بالمضمضة والاستنشاق، ولهذا يفرض إيصال الماء إلى أصول الشعر وإلى أثنائه أيضاً، إلا إذا كان شعر النساء ضفيراً، فلا يجب إيصال الماء إلى أثنائه؛ لأن في نقضه حرجاً، وأما يجب ايصال الماء إلى أثناء اللحية كما يجب إلى الأصول، لأنه لا حرج فيه.
(وسنة الغُسْل، أن يبدأ المغتسل فيغسل يديه وفرجه ويزيل النجاسة إن كانت على بدنه، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة إلا رجليه، ثم يفيض الماء على رأسه وسائر جسده ثلاثاً)، كذا حكت ميمونه رضي الله عنها غُسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، (ثم يتنحى عن ذلك المكان فيغسل رجليه)، لكونهما في مستنقع الماء المستعمل، إلا إذا كان لا تجتمع الغسالة تحت القدمين، فحينئذ لا يؤخر غسلهما في حالة الوضوء.
(وليس على المرأة ان تنقض ضفائرها في الغسل إذا بلغ الماء أصول الشعر) وذلك لما روي ان فاطمه بنت قيس رضي الله عنها قالت للنبي - صلى الله عليه وسلم -: " إني امرأة أشد ضفائري، فما أصنع بها في الجنابة فقال: أما أنا فأحثي على رأسي وجسدي ثلاث حثيات من ماء فإذا أنا قد طهرت"، فبينه - صلى الله عليه وسلم - على أنه الواجب إيصال الماء إلى سائر البدن دون الضفائر.]
ثم (المعاني الموجبة للغسل؛ إنزال المني على وجه الدفق والشهوة من الرجل والمرأة)، لقوله - صلى الله عليه وسلم -:" الماء من الماء"، أي الاغتسال من الإنزال، (والتقاء الختانين من غير إنزال)، لقوله - صلى الله عليه وسلم -:" إذا التقى الختانان، وتوارت الحشفة، وجب الغسل أنزل، او لم ينزل".
(والحيض) لقوله تعالى: {ولا تقربوهن حتى يطهرن} البقرة:222] بتشديد الطاء، (والنفاس) لأنه أقوى من الحيض.
هذا كله إذا كان من أهل وجوب الصلاة عليه، أما إذا لم يكن كالمجنون والكافر ونحوهما، لا غُسل عليهم، لأن الغُسل يجب لأجل الصلاة ولا صلاة عليهم، ولو أن المني إذا خرج لا عن شهوة وقد انفصل لا عن شهوة، نحو أن يُضرَب على ظهر رجلٍ، او حُمِل حملاً ثقيلاً ونحو ذلك، فلا غسل فيه عندنا، خلافا للشافعي، أما إذا انفصل عن شهوة، وخرج لا عن شهوة، فعلى قول أبي حنيفة ومحمد يجب الغُسل، وعلى قول أبي يوسف لا يجب، وثمرة الخلاف تظهر في ثلاث مسائل: أحدها: إذا احتلم فانتبه، وقبض على عورته حتى سكنت شهوته، ثم خرج المني بعد ذلك بلا شهوة.
والثانية: إذا اغتسل من الجنابة قبل النوم أو البول، ثم خرج منه بقية المني.
والثالثة: إذا وُجد على فراشه منياً ولا يتذكر الاحتلام، ذكرها ابن رستم في نوادره، فأبو يوسف أخذ بالقياس، وهما اخذا بالاستحسان احتياطاً لأمر العبادة.
ثم المني: هو الماء الابيض الغليظ الذي ينكسر به الذكر، وتنقطع به الشهوة، والمذي: هو الماء الابيض الرقيق الذي يخرج عند الملاعبة، والودي: هو الماء الابيض الذي يخرج بعد البول.
(والغسل للجمعة والعيدين والإحرام) سنة، وكذا غسل يوم (عرفة)، فالحاصل أن الغُسل المشروع أحد عشر نوعاً: خمسة منها فرض؛ من التقاء الختانين، ومن إنزال المني] عن شهوة، ومن الاحتلام، ومن الحيض، ومن النفاس، وأربعة منها سنة، وهي ما ذكرنا، وواحدٌ واجبٌ، وهو غسل الميّت، وواحدٌ مستحبٌ، وهو الكافر إذا أسلم، وهذا إذا لم يكن جنباً، فإن كان أجنب، ولم يغتسل حتى أسلم، فقد قال بعض المشايخ لا يلزمه الغسل، والأصح أنه يلزمه، لأن بقاء صفة الجنابة بعد إسلامه كبقاء صفة الحدث في حق وجوب الوضوء به.
(وليس في المذي والودي غُسلٌ، وفيهما الوضوء)، بحديث المقداد بن الاسود رضي الله عنه، ان النبي - صلى الله عليه وسلم -: "اوجب الوضوء في المذي والودي يخرج عقيب البول"، فيكون حكمه كحكم البول.
فصل الماء الذي يصلح للطهارة
(والطهارة من الاحداث جائزة بماء السماء، والأودية، والعيون، والآبار، وماء البحار)، قال الله تعالى: {وأنزلنا من السماء ماء طهورا} الفرقان:48]، وقال - صلى الله عليه وسلم -:" الماء طهورٌ لا ينجّسه شيءٌ، إلا ما غيّر لونه أو طعمه أو رائحته".
(ولا يجوز بما اعتُصِر من الشجر أو الثمر)، لأنه ليس بماءٍ مطلقٍ، والطهارة عن الحدث حكم ثبت بخلاف القياس، لكون الأعضاء طاهرة حقيقةً وشرعاً، ولا يتصّور تطهير الطاهر، فاقتصر على مورد الشرع، (ولا يجوز بماء غلب عليه غيره، فأخرجه عن طبع الماء، كالخلّ)
وماء الورد (والأشربة وماء الباقلاء والمرق)، لأنه لا يسمى ماءً مطلقاً.
(ويجوز الطهارة بماء خالطه شيءٌ طاهر)، يريد به إذا خالطه ما يزيد في التطهير، (كالصابون والأشنان)، إلا إذا صار غليظاً، بحيث لا يمكن تسييله على العُضو، فإنه لا يجوز به الطهارة لزوال اسم الماء ومعناه، وهذا في غير حالة الضرورة، أمّا عند الضرورة يجوز التوضّي به، وإن تغيّر لونه او طعمه او رائحته] بامتزاج غيره، بأن وقعت أوراق الأشجار في الحياض حتى تغير لونه، لأنه لا يمكن صون الحياض عنها.
وكذا الماء الكدر، لأن الماء غالبٌ على التراب، إلا إذا صار الماء غليظاً، هذا إذا كان الخلط على وجه لا يزول عنه اسم الماء ومعناه، فأما إذا صار مغلوباً به فهو ملحق بالماء المقيّد، غير انه تعتبر الغلبة أوّلاً من حيث اللون، ثم من حيث الطّعم، ثم من حيث الأجزاء، فنقول ينظر: إن كان شيئاً يخالف لونه لون الماء، كاللّبن والعصير والخل (و) ماء (الزعفران) ونحوها، فإن العبرة فيه للّون، إن كانت الغلبة للون الماء يجوز التوضّي به، وإن كان مغلوباً لا يجوز، وإن كان يوافق لونه لون الماء، نحو ماء البطّيخ وماء الأشجار والثمار فالعبرة فيه للطّعم، إن كان شيئًا له طعم يظهر في الماء، فإن كان الغالب طعم ذلك الشيء لا يجوز التوضّي به، وذلك نحو نقيع الزبيب، وسائر الأنبذة، وإن كان شيئاً لا يظهر طعمه في الماء، فإن العبرة فيه لكثرة الأجزاء، إن كان أجزاء الماء اكثر يجوز التوضّي به، وإلا فلا.
(وكلّ ماءٍ وقعت فيه النجاسة لم يجز الوضوء به قليلاّ كان أو كثيراً، لقوله - صلى الله عليه وسلم -:" لا يبولنّ أحدكم في الماء الدائم")، فالأمر بحفظ الماء عن البول دل على تغيّره به، (والماء الجاري إذا وقعت فيه النجاسة جاز الوضوء منه إذا لم يُر لها أثرٌ، لأنها مع جريانه لا تستقر) في موضع، والجاري: ما يعدّه الناس جارياً، وهو الصحيح.
وهذا إذا كانت النجاسة غير مرئيّة كالبول]، أما إذا كانت مرئيّة، مثل الجيفة ونحوها، فإنه لا يتوضأ من الجانب الاسفل الذي وقعت فيه الجيفة، لأنه متيقّنٌ بوصول النجاسة إلى الموضع الذي يتوضأ منه، هذا إذا كان ماء النهر بحالٍ يجري بالجيفة.
فإن كان لا يجري بالجيفة، ينظر]: إن كان بحال يجري جميع الماء عليها أو أكثره أو نصفه، لا يتوضأ به؛ لأنه ينجّس جميع الماء، والماء النّجس لا يطهُر بالجريان، وإن كان يجري عليها أقل الماء فهو طاهر لما أنّ العبرة للغالب.
(والغدير العظيم الذي لا يتحرك أحد طرفيه بتحريك الآخر، إذا وقعت نجاسة في أحد جانبيه جاز الوضوء من الجانب الآخر، لأن الظّاهر ان النجاسة لا تصل اليه).
هذا الذي ذكرنا اختيار العراقيين من مشايخنا، إنّ حكم المرئية وغير المرئية سواء في أنه
لا يتوضأ من الجانب الذي وقعت فيه النجاسة، ومشايخنا فصلوا بين الأمرين، كما قالوا في الماء الجاري وهو الأصح.
(وموت ما ليس له دم سائل] في الماء لا ينجِّسه، كالبق والبراغيث والذباب
والعقرب والزنبور)، وهذا عندنا، وعند الشافعي: يفسد، لنا قوله - صلى الله عليه وسلم -:" إذا وقع الذباب في طعام أحدكم فامقلوه، ثم انقلوه فإن في أحد جناحيه سُمَّاً وفي الآخر شفاء"، ومعلومٌ بأن بالمَقْل في الطعام الحار يموت لا محالة، ولو كان موته مفسداً للطعام لما أمر به، لأنه حينئذ يكون إضاعة للمال، وقد منع من الإضاعة.
(وموت ما يعيش في الماء فيه لا يفسد الماء، كالسمك والضفدع والسرطان)، لأن هذه الأشياء لا دم لها، لما أن الحرارة خاصيّةُ الدم، ولو كانت فيها حرارة لانطفت بدوام السكون في الماء، وأما إذا مات في غير الماء، ذكر الكرخي عن أصحابنا، أنه لا يفسد، واختلف المتأخرون فيه.
(والماء المستعمل لا يجوز استعماله في طهارة الأحداث)، وعليه الجمهور، وإنما الخلاف في طهارته ونجاسته، والفتوى على قول محمدٍ أنه طاهر غير طهورٍ، (والمستعمل كل ماء ازيل به حدثٌ، أو استعمل في البدن على وجه القربة).
(وكل إهابٍ دبغ فقد طَهُر، جازت الصلاة فيه والوضوء منه)، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: " أيما إيهاب دبغ فقد طهر"، والدباغة على ضربين: حقيقيةً، وحكمية.
والحقيقيةُ: هي أن يدبغ بشيء له قيمة، كالعفص الترمذي ونحوه، والحكمية: ما إذا دبغ بشيءٍ لا قيمة له كالتراب، والإلقاء في الريح والشمس، وحكم الدباغة الحقيقية ما ذكرنا، أمّا الدباغة الحكمية إذا جفّ]، ثم إذا أصابه الماء هل يعود نجساً؟ ففيه روايتان عن ابي حنيفة: في رواية تعود، وفي رواية لا تعود، ثم قال: (إلا جلد الخنزير)، لأنه نجسُ العين، (و) كذا جلد (الآدمي)، لكونه محرم الانتفاع به كرامةً له.
(وشعر الميتة وعظمها وريشها وصوفها وعصبها طاهر) عندنا، خلافا للشافعي، لأنها ليست بميتة لعدم الحياة فيها، وعدم الحياة فيها لعدم الحسّ والحركة فيها، وإنما فيها النمو كما في النبات، والنامي لا يسمى حياً فلا يكون ميتةً.
(وإذا وقعت في البئر نجاسة نزحت وكان نزح ما فيها طهارة لها) وذلك بإجماع الصحابة]، (وإذا ماتت في البئر فارة أو عصفورة أو صعوة او سودانيّة أو سام أبرص، نزح منها عشرين دلواً إلى ثلاثين بحسب صغر الدلو وكبرها، وإن ماتت فيها حمامةٌ
أو دجاجة أو سنَّور نزح منها ما بين أربعين دلواً إلى خمسين])، لحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه هكذا، ولأن هذه المراتب ثبتت بإجماع الصحابة توقيفاً، لأنها لا تُعرف رأياً واجتهاداً.
وإن كان آدمياً نزح ماء البئر كلُّه، لما روي أنّ زنجياً مات في بئر زمزم، فأمر عبدالله بن عباس رضي الله عنه بنزحه، ونزح ماء البئر كله، وكذا الكلب والشاة، لأن جثتهما مثل جثة الآدمي، وإن كانت انتفخت أو تفسخت نزح جميع ما فيها صَغُر الحيوان أو كَبُر، لأن أجزاء الميتة شاعت في الماء.
(وعدد الدلاء يعتبر بالدلو الوسط المستعمل في الآبار)، لأن الوسط أقرب إلى العدل، وقد
قال - صلى الله عليه وسلم -: " خير الأمور أوساطها "، (فإن نُزح منها بدلوٍ عظيم، قدر ما يسع من الدلو الوسط)
المستعملة للآبار (في البلدان)، اعتد به لحصول المقصود، وهو نزح قدر الواجب، وروى الحسن ابن زياد انه قال: لا يجوز، وهو قول زفر، لأن بتواتر الدلاء يصير الماء في معنى الجاري.
(وإن كان ينبوعاً لا ينزف ووجب نزح ما فيها، ينزح منها مقدار ما كان فيها، وعن محمد: إنه ينزح منها مائتي دلواً إلى ثلاثمائة دلواً.
فإن وجدوا في البئر فأرةً ميتةً لا يدرون متى وقعت ولم تنتفخ ولم تتفسخ، أعادوا صلاة يوم وليلة إذا كانوا توضؤا منها، وغسلوا كل شيء أصابه ماؤها، وان كانت انتفخت او تفسخت، أعادوا صلاة ثلاثة أيام ولياليها في قول أبي حنيفة، وقالا: ليس عليهم إعادة شيء حتى يتحققوا متى وقعت)، لأن الشك في فساد الماء فيما مضى ثابت، والوقوع من الحوادث فيحال به إلى أقرب الأوقات وجوداً، وله إن الوقوع سبب للموت ظاهراً، فيضاف إلى السبب الظاهر، غير أنه قدر باليوم والليلة احتياطاً فيما لم يتفسخ، وبالثلاث فيما إذا تفسخ، لأن الثلاث لإبلاء العذر.
ولو وجد في ثوبه نجاسة وقد صلى فيها، فقد روى أبو يوسف عن ابي حنيفة رضي الله عنهما انه يحكم بنجاسته للحال، لأن الثوب ظاهر مُعَايَن.
(وسؤر الآدمي وما يؤكل لحمه طاهر)، لأن لعاب الآدمي وما يؤكل لحمه طاهر، إلا في حال شرب الخمر لنجاسة فمه.
وكذا الإبل الجلالة، والبقر الجلالة، والدجاجة المخلاة، فإن سؤرهن مكروه، لاحتمال نجاسة فمها، حتى لو كانت محبوسة لا يكره.
وسؤر الفرس طاهر في ظاهر الرواية، أما عندهما فلأنه مأكول اللحم، وأما عنده فلأنه إنما لا يؤكل لكرامته، فلا يدل ذلك على كراهة سؤره.
(وسؤر الكلب] والخنزير وسباع الوحش نجس)، لأن لعابها نجس، وسؤر سباع الطير مكروه، لأنها لا تتحامى الجيفة، وكذا سؤر سواكن البيوت، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "خمروا آنيتكم".
(وسؤر الهرة والدجاجة المخلاة وما يسكن في البيوت مثل الحية والفأرة] مكروه) خلافاً لأبي يوسف، لقوله - صلى الله عليه وسلم -:" يغسل الإناء من ولوغ الكلب ثلاثاً، ومن ولوغ الهرة مرة"، فهذا دليل ظاهر على الكراهية.
(وسؤر البغل والحمار مشكوك فيه)، لاشتباه الأدلة، فهو في معنى التحريم، (فإن لم يجد غيرهما توضأ بهما وتيمم)، حتى يخرج عن عهدة الواجب بيقين، (وأيهما قدم او اخر جاز)، وعند زفر: لا بد من تقديم الوضوء ليصير عادماً للماء وقت التيمم، ولنا: أن المطهر؛ إما الماء، وإما التراب، والتقديم في هذا والتأخير سواء.
باب التيمم
(ومن لم يجد الماء وهو مسافر أو خارج المصر) تيمم، لقوله تعالى: {فلم تجدوا ناء فتيمموا صعيدا طيبا} المائدة:6]، وهذا إذا كان (بينه وبين المصر نحو الميل أو أكثر)، وهذا إذا ثبت بُعد الماء عنه، إما بطريق اليقين، وإما بطريق الغالب، أما إذا غلب على ظنه ان الماء قريب منه، أو أخبر عدل بقرب الماء، لا يباح له التيمم؛ لأنه ليس بعادم للماء حقيقةً، ولكن يجب عليه الطلب.
وكذا إذا كان قريباً من العمران، يجب عليه الطلب، حتى لو تيمم وصلى قبل الطلب، ثم ظهر الماء لا تجزئه صلاته لكونه واجداً للماء، وهذا الذي ذكرنا هو عادم الماء حقيقة، وقد يكون عدم الماء]] من حيث الحكم والمعنى، وهو أن يعجز عن استعماله مع وجوده لموانع منعته، بأن (كان مريضاً يخاف إن استعمل الماء أن يشتد مرضه، أو خاف إن اغتسل أن يقتله البردُ أو يُمرِضَهُ)، أو لم يجد آلة الاستقاء وكان على رأس البئر، أو كان معه ماء وهو يخاف على نفسه العطش، أو كان مع رفيقه ماء لا يعطيه أو يبيعه ولكنّه يغاليه أو نحو ذلك، (جاز التيمم)، لأن الله تعالى نفى الحرج في الدين.
(والتيمم ضربتان يمسح بأحديهما وجهه ويمسح بالأخرى يديه إلى المرفقين)، لما روى جابر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "التيمم ضربتان ضربة للوجه وضربة للذّراعين إلى المرفقين".
وكيفيّته أن يضرب بيديه ضربةً واحدةً فيرفعهما وينفضهما حتى يتناثر التراب فيمسح بهما وجهه، ثم يضرب أخرى فينفضهما ويمسح بباطن أربع أصابع يده اليسرى ظاهر يده اليمنى من رؤوس الأصابع إلى المرافق، ثم يمسح بباطن كفه اليسرى باطن ذراعه اليمنى إلى الرسغ، ويمرّ باطن إبهام يده اليسرى على ظاهر إبهامه اليمنى، ثم يفعل بيده اليسرى كذلك، وهذا القول أحوط.
والاستيعاب في التيمم شرط ذكر في ظاهر الرواية ما يدل عليه، وعلى هذا ينبغي أن يخلل أصابعه في التيمم، وهكذا روي عن محمد.
(والتيمم عن الحدث والجنابة سواء)، لقوله تعالى: {أولامستم النساء} المائدة:6]، والمراد به الوقاع، حُمِلَ عليه ليكون في التيمم بياناً شافياً للطهارتين جميعاً كما في الطهارة بالماء، ولأنهما استويا في الحاجة اليه.
(ويجوز التيمم عند أبي حنيفة بكل ما كان من جنس الأرض كالتراب والرمل] والحجر والجص والنورة والكحل والزرنيخ) والمغرة، لأن الصعيد وجه الأرض، والطيب: هو الطاهر، عليه إجماع أهل اللغة، وهو اللائق بالطهارة، (وقال أبو يوسف لا يجوز إلا بالتراب والرمل لحديثٍ خاصٍ) واردٍ في الرمل، وقال الشافعي: لا يجوز إلا بالتراب المُنْبت، لأن الطيب عبارة عنه، ثمّ الفاصل بين جنس الأرض وغيرها، أن كل ما يحترق بالنار ويصير رماداً، أو ما ينطبع ويلين كالحديد والذهب ونحوهما فليس من جنس الأرض، وما عداها فهو من جنس الارض.
ثم اختلف أبو حنيفة ومحمد فيما بينهما، فعلى قول أبي حنيفة: يجوز التيمم بكل ما هو من
جنس الأرض التزق بيده شيء ام لم يلتزق، وعند محمد: لا يجوز إلا أن يلتزق بيده شيء من أجزاء الأرض، حتى لو تيمّم بأرض نديّة، جاز عند أبي حنيفة التزق بيده شيء أم لا، وعند محمد: إن التزق بيده شيء جاز وإلا فلا، وعلى قول أبي يوسف: لا يجوز كيف ما كان، لأن التراب مخلوط بما لا يجوز به التيمم، وهو الماء.
(والنية فرضٌ في التيمم)،لأن التيمم ليس بطهارة حقيقة فلا يجعل طهوراً إلا بالنية، بخلاف الوضوء لأنه مطهر حقيقة]، فإن تيمّم ينوي إباحة الصلاة، أو ينوي مطلق الطهارة يباحُ له كل فعل لا صحة له إلا بالطهارة، ولو تيمم لمس المصحف، أو لدخول المسجد لا يباح له أداء الصلاة، ولا ما هو من أجزائها؛ لأن ذلك ليس بعبادةٍ مقصودة بنفسها، ولا هو من جنس الصلاة، ولا من أجزائها، ولا من ضروراتها، حتّى تكون نيّة ذلك نيّة لها، فجعل التيمم طهوراً في حقهما لا غير.
(وينقض التيمّم كل شيءٍ ينقض الوضوء)، لأنه خلف عن الوضوء، (وينقضه أيضاً رؤية الماء إذا قدر على استعماله)، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "التيمم وضوء المسلم، ولو إلى عشر حجج، ما لم يجد الماء"، جعله طهوراً إلى غاية وجود الماء.
(ولا يجوز التيمم إلا بصعيد طاهر)، لقوله تعالى {صعيدا طيبا} المائدة:6]، ولهذا إذا تيمم بأرض أصابتها نجاسة، فجفت وذهب أثرها لا يجوز في ظاهر الرواية، لأنه لا يخلو عن أجزاء
النجاسة، وفي رواية ابن الكاس عن اصحابنا يجوز لاستحالته أرضاً.
(ويستحب لمن لم يجد الماء وهو يرجو أن يجده أن يؤخر الصلاة إلى آخر الوقت)، لأنه يرجو أداء الصلاة بأكمل الطهارتين، (فإن وجد الماء توضأ وصلى]، وإلا تيمّم، ويصلي بتيمّمه ما شاء من الفرائض والنّوافل)، لأن التيمّم بدل مطلق وليس بضروري، لما روينا من
الحديث، وعند الشافعي بدل ضروري، وعنى به أنّه يباح له الصلاة بالتيمّم مع قيام الحدث، لضرورة صحة أداء الصلاة، بمنزلة طهارة المستحاضة.
ويُبنى على هذا، إن عادم الماء إذا تيمم قبل دخول الوقت يجوز، لأنه خلف مطلق حال عدم الماء، وعنده: لا يجوز، لأنه خلف ضروريّ ولا ضرورة قبل الوقت، كما قال في طهارة المستحاضة.
(ويجوز التيمم للصّحيح في المصر إذا حضرته جنازة والولىّ غيره ولو اشتغل بالوضوء يخاف فوت الصلاة)، لأنه غير واجد للماء في حقّ الصّلاة على هذه الجنازة، (وكذا الذي يخاف إن اشتغل بالوضوء أن تفوته صلاة العيد، وفي الجمعة لا يجوز التيمم، لأنها تفوت إلى خلف وهو الظّهر، وكذا الذي يخشى فوات الوقت يتوضأ ولا يتيمم ويقضي الفائتة)، لأنها تفوت إلى خلف وهو القضاء، (والمسافر إذا نسي الماء في رحله فتيمم وصلّى، ثم ذكر لم يُعد صلاته عند أبي حنيفة ومحمد، خلافا لأبي يوسف)، لأن كونه قادراً يبتنى على كونه عالماً ولم يوجد.
(وليس على من يريد التيمّم طلب الماء إذا لم يغلب على ظنّه أن بقربه ماء، أن يطلب الماء، وإن غلب على ظنه أن هناك ماء، لم يجز له أن يتيمم حتى يطلبه])، وعند الشافعي رحمه الله: يجب عليه الطلب مقدار الغلوة، والصحيح ما قلنا: لأن الله تعالى أباح التيمم عند عدم الماء غير مقيّد بهذا الشرط، ولأنه سبب لضياع مال المسافر ونفسه، (فإن كان مع رفيقه ما طلبه منه)، لأن الظاهر في الماء عدم الظنة به، (فإن منعه يتيمم)، لأنه ممن لم يجد الماء.
باب المسح على الخفين
(المسح على الخفين جائز بالسنة) التي قَرُبت من التواتر، وبإجماع الصحابة على ذلك قولاً وفعلاً، وإجماع الصحابة حجّةٌ قاطعةٌ، وهو قائم مقام غسل القدمين في حق المسافر والمقيم جميعاً.
ويجوز (من كل حدثٍ موجب للوضوء، إذا لبسهما على طهارةٍ كاملةٍ ثم أحدث)، والمرادُ به على طهارة كاملة عند الحدث بعد اللّبس، ولا يشترط أن يكون على طهارةٍ كاملةٍ عند اللّبس، حتى إذا غسل الرجلين، ولبس الخفين، ثم أكمل الطهارة بعد ذلك قبل الحدث، ثم أحدث، جاز له المسح عندنا، وعند الشافعي: لبس الخفين على طهارة كاملة شرط جواز المسح.
ولا يجوز المسح عن الجنابة، لأن الجواز في الأصل باعتبار الحرج، ولا حرج في الحدث الأكبر، لنا: أن ذلك يندُر في السفر، وإنما شرطنا الطهارة لقوله - صلى الله عليه وسلم - للمغيرة بن شعبة رضي الله عنه: "إذا أدخلت القدمين في الخفين وهما طاهرتان فامسح عليهما"، وينبغي أن يكون لابسا خفا يستر الكعبين فصاعداً، لأن ما يستر الكعبين يطلق عليه اسم الخف، وكذا ما يسترهما
سوى الخف فهو في معناه نحو المكعّب الكبير والجرموق والميثم.
(فإن كان مقيماً يمسح يوماً وليلة، وإن كان مسافراً يمسح ثلاثة أيام ولياليها) هكذا روي في الحديث، (وابتداؤها عقيب الحدث)، لأن قبل الحدث لا يحتاج إلى المسح، فكان أول وقته أول وقت الحاجة إلى المسح.
(والمسح على الخفين على ظاهرهما خطوطاً بالأصابع)، لقول علي رضي الله عنه:" لو كان الدين بالرأي، لكان باطن الخف أولى بالمسح من ظاهره، ولكني رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمسح على ظاهر الخفين"، (ويبتدئ من قِبَل الأصابع إلى الساق)، اعتباراً بالغسل، (وفرض ذلك ثلاثة أصابع من أصابع اليد)، لأنها أكثر آلة المسح، وللأكثر حكم الكل.
(ولا يجوز المسح على خفٍ فيه خرق كبير يتبيّن منه مقدار ثلاثة أصابع من أصابع الرجل)، لأنه يجب غسله لظهوره، والجمع بين الأصل والخلف ممتنع، (وان كان أقل من ثلاثة أصابع جاز) عندنا، خلافا للشافعي، لأن التحرز عن قليل الخرق في الخفاف متعذّر، خصوصاً في الأسفار، فإن تفرق الخرق في مواضع، إن كان في خف واحدٍ تجمع، ولا تجمع في خفين، لأن كل عضو منفردٌ بحكمه.
(وينقض المسح ما ينقض الوضوء)، لأنه بعض الوضوء كغسل القدمين، (وينقضه أيضاً نزع الخف)، لأن الخف مانع سراية الحدث إلى الرجلين وقد زال المانع، (ومضي المدة أيضاً فإذا تمّت المدة نزع خفيه وغسل رجليه وصلى)، لسراية الحدث إلى الرجلين عند تمام المدة، (وليس عليه إعادة بقية الوضوء)، لعدم النّاقض فيها.
(ومن ابتدأ المسح وهو مقيم فسافر قبل تمام يوم وليلة، مسح تمام ثلاثة أيام ولياليها)، لأنه مسافر، والمسافر يمسح ثلاثاً لما روينا من الحديث، (وإن مسح وهو مسافر ثم أقام، فإن كان مسح يوماً وليلة نزع خفيه] وإلا تمّم يوماً وليلة، لأن مسح المقيم لا يزيد على يوم وليلة).
(ومن لبس الجرموق فوق الخف مسح عليه)، لأنه بمنزلة طاق من طاقات الخف، (ولا يجوز المسح على الجوربين عند أبي حنيفة إلا أن يكونا مجلدين أو منعّلين، وقالا: يجوز إذا كانا ثخينين لا يشفّان الماء])، لما روي ان النبي - صلى الله عليه وسلم -:" مسح على جوربيه"، وله ان مواظبة المشي فيهما سفراً غير ممكن، فكان بمنزلة الجورب الرقيق، والثخين من الجورب: أن يستمسك على الساق من غير أن يشده بشيء، والصحيح من المذهب: جواز المسح على الخفاف المتّخذة من اللّبُود التركية.
وأما المسح على الصاروخ فقد استحسن بعض مشايخنا تجويز المسح عليه، إذا كانت اللفّافة ذا طاقين وهو بحال لا يسع فيه ثلاثة أصابع اليد إلا بالتكلف، لأنه حينئذٍ يكون بمنزلة جوربٍ منعّل، وفيه دفع الحرج خصوصاً في بلاد الترك.
(ولا يجوز المسح على العمامة والقلنسوة والبرقع والقفازين)، وهذا عند عامة العلماء، لأن غسل هذه الأعضاء فرض بظاهر الكتاب، فلا يترك إلا بدليل مثله ولم يوجد، بخلاف المسح على الخفّين.
(ويجوز المسح على الجبائر وإن شدها على غير وضوء)، لما روي عن علي رضي الله عنه انه قال: " كُسر زندي يوم أُحد فأمرني النبي - صلى الله عليه وسلم - أن أمسح على الجبائر"، هذا إذا كان يضره الغَسل أو كان في نزع الجبائر خوف زيادة العلّة أو زيادة الضّرر، فإن لم يكن شيء من ذلك، لا يمسح بل يغسل، هذا إذا مسح على الجبائر التي فوق الجراحة.
فأما إذا زادت الجبيرة على رأس الجراحة، هل يجوز المسح على الخرقة الزائدة، وكذا إذا
افتصد وربط رباطاً؟ فإن كان حلُّ الخرقة وغَسْلُ ما تحتها يضُر: يجوز المسح على الخرقة الزائدة، وإن كان الحل لا يضُر بالجرح ولا يضُره المسح أيضاً، فعليه النزع والغسل لما حول الجراحة ويمسح على الجراحة لا على الخرقة، وإن كان يضره المسح ولا يضره الحل، فإنه يمسح على الخرقة التي على الجرح ويغسل حواليها وما تحت الخرقة الزائدة، هكذا فسره ابن زياد، لأن جواز المسح بطريق الضرورة فيتقدّر بقدرها، ولو مسح على بعض الجبائر دون البعض، روي عن الحسن أنه: إن مسح على الأكثر جاز وإلا فلا.
(فإن سقط من غير برءٍ لم يبطل المسح)، لأن سقوط الغسل لمكان العذر وهو قائم، والمسح قائم وان زال الممسوح، كما لو مسح على رأسه ثم حلقه، (وان سقط عن برءٍ بطل) لوجوب غسل ما تحته، لأنه صار قادراً على الأصل، فيبطل حكم البدل، فإن كان في الصلاة يستقبل، لأن هذا حصل] بطريق اليقين]. والله اعلم بالصواب.
باب الحيض
قال: (اقل الحيض ثلاثة ايام ولياليها) وأكثره عشرة أيام، وهذا عندنا لرواية أبي أمامه الباهلي رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "أقل الحيض ثلاثة أيام وأكثره عشرة ايام"، (وما نقص عن الثلاثة أو زاد على العشرة فهو استحاضة)، وهذا أيضاً عندنا، لأن التقدير الشرعي يمنع ان يكون لما دون المقدر أو فوق المقدر حكم المقدر، إذ تفوت به فائدة التقدير الشرعي، (وما تراه المرأة من الحمرة والصفرة و الكدرة في أيام الحيض فهو حيض، حتى ترى البياض الخالص)، لأن الله تعالى وصف الحيض بأنه أذى، وكل هذه الالوان سواء في هذا المعنى.
(والحيض يسقط الصلاة عن الحائض، ويحرم عليها الصوم، ثم تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة)، أما السقوط فلقوله - صلى الله عليه وسلم -: "تقعد احداهن شطر عمرها لا تصوم ولا تصلي" يعني زمان كونها حائضاً، وأما القضاء بعد الطهر للصوم دون الصلاة، فلأنها تحرج في قضاء الصلوات لتكررها في كل يوم وليلة خمس مرات ولا حرج في قضاء] الصوم، لأن قضاء عشرة أيام في سنة واحدة يسير.
(ولا تدخل المسجد)، لأن ما بها من الأذى أغلظ من صفة الجنابة، ثم الجنب يمنع عن دخوله فالحائض أولى، والفقه فيه: أن المسجد مكان الصلاة فمن ليس من أهلها يكون ممنوعاً عن دخوله ضرورة.
(ولا تطوف بالبيت)، لقوله - صلى الله عليه وسلم - لعائشة رضي الله عنها حين حاضت بسرف:" اصنعي جميع ما يصنع الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت".
(ولا يأتيها زوجها) لقوله تعالى: {فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن} البقرة:222].
(ولا يجوز لحائض ولا لجنب قراءة القرآن)، لما روي عن ابن عمر رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "كان ينهى الجنب والحائض عن قراءة القرآن"، وعن الطحاوي: أنه لا يمنع عن قراءة ما دون الآية، لأن المتعلق بالقرآن حكمان: جواز الصلاة، ومنع الحائض عن قراءته، ثم في حق احد الحكمين يفصل بين الآية وما دونها فكذا في الحكم الآخر، إلا أن على هذه الرواية يمنع عن قراءة ما دون الآية أيضاً، على قصد قراءة القرآن لما ان الكل قرآن وهذا هو الأحوط.
(ولا يجوز لهما ولمحدث مس المصحف، إلا أن يأخذه بغلافه)، لما روى ان النبي - صلى الله عليه وسلم - كتب إلى بعض القبائل:" لا تمس القرآن حائض ولا جنب"، والحدث حل اليد أيضاً، إلا أن نأخذه بغلافه، لأنه لم يمسه والغلاف هو الخريطة، وأما الجلد فهو تبع للمصحف، والكم تبع للحامل.
(وإذا انقطع دم الحيض لاقل من عشرة ايام لم يجز وطؤها حتى تغتسل)، لقوله تعالى: {حتى يطهرن} البقرة:222] بالتشديد أي إلى غاية الاغتسال، (وإن انقطع لعشرة أيام جاز وطئها قبل الغسل)، لقوله تعالى: {حتى يطهرن} البقرة:222] بالتخيف اي إلى غاية الطهر عملا بهما في الحالين، لأن الحمل على عكس هذا ترك العمل بإحدى القراءتين، ولأن الزيادة على العشرة في الحيض لا تتصور، فإذا انقطع على رأسها تيقناً بخروجها عن الحيض فلا حاجة إلى مؤيد آخر، فأما إذا كان ايامها دون العشرة، فاحتمال معاودة الحيض قائم، فلا بد من مؤيد ينظم اليه حتى ينقطع هذا الاحتمال وهو: إما الطهارة حقيقة، أو اجراء شيء من احكام الطاهرات لصيرورة الصلاة ديناً في ذمتها.
(والطهر المتخلل بين الدمين في مدة الحيض كالدم الجاري)، لأن الطهر الذي هو دون خمسة عشر لا يصلح للفصل بين الحيضتين، فلا يصلح للفصل بين الدمين أيضاً، كان الفقه فيه وهو: أن ما يقصر من الطهر عن خمسة عشر يوما يكون فاسداً، وبين صفة الصحة والفساد تنافٍ، فلا يتعلق به احكام الصحيح شرعاً، وهذا اختيار أبي يوسف، وهو آخر أقوال أبي حنيفة وهو الايسر على المفتي، فيكون أليق بشريعتنا على ما قال - صلى الله عليه وسلم -:" بعثت بالحنيفية السمحة السهلة ولم ابعث بالرهبانية الصعبة" وهو اختيار أستاذينا للفتوى.
(وأقل الطهر خمسة عشر يوماً)، لأن مدة الطهر نظير مدة الإقامة، من حيث أنه يعيد ما كان سقط من الصوم والصلاة، وقد ثبت لنا بالأخبار أن اقل مدة الإقامة خمسة عشر يوماً فكذا اقل مدة الطهر، (فأما أكثر مدة الطهر فلا غاية لها)، إلا إذا ابتليت بالاستمرار حتى ضلت ايامها ووقعت الحاجة إلى نصب العادة لها، فحينئذٍ فيه اختلاف، والاعتماد على قول محمد بن ابراهيم الميداني: أنه يقدر اكثر مدة الطهر في حقها بستة أشهر إلا ساعة، لأن الطهر المتخلل بين الدمين دون مدة الحَبَل عادة، وادنى مدة الحَبَل ستة أشهر، فقدرنا اكثر مدة الطهر بستة أشهر إلا ساعة.
(ودم الاستحاضة: هو ما تراه المرأة أقل من ثلاثة أيام أو اكثر من عشرة أيام، و حكمه حكم الرعاف: لا يمنع الصلاة ولا الصوم ولا الوطء)، قال - صلى الله عليه وسلم - لفاطمه بنت قيس رضي الله عنها حين قالت: "اني استحاض فلا أطهر، فقال - صلى الله عليه وسلم -: ليس ذاك دم حيض، إنما هو دم عرق عذر أو داء اعترض، توضئي لكل صلاة"، أشار إلى أنه فاسد لا يتعلق به ما يتعلق بالصحيح.
(وإذا زاد الدم على العشرة وللمرأة عادة معروفة، ردت إلى ايام عادتها، وما زاد على ذلك فهو استحاضة)، لقوله - صلى الله عليه وسلم -:" المستحاضة تدع الصلاة ايام اقرائها" اي: أيام حيضها.
(وان ابتدأت مع البلوغ مستحاضة، فحيضها من كل شهر عشرة أيام، والباقي استحاضة) وهذا عندنا، وعند الشافعي: حيضها اقل الحيض عنده، وذلك يوم وليلة اخذاً باليقين، ولنا: انها رأت الدم في وقت امكن جعله حيضا]]، فيجعل حيضا اخذاً بالظاهر، بخلاف صاحبة العادة، حيث ترد إلى عادتها، لقيام الدليل على انه ليس بدم حيض لمخالفة العادة.
فإن لم تكن لها عادة معروفة، بأن ترى مرة ستاً ومرة سبعاً فاستحيضت، فعليها أن تغتسل عند تمام الست وتصوم وتصلي ولا يطأها زوجها وتنقطع الرجعة، وإذا مضى اليوم السابع اغتسلت في اليوم الثامن أيضاً وتقضي الصوم الذي صامت في اليوم السابع دون الصلاة، ويحل للزوج وطئها لأن الحيض احدى العادتين فعليها الاخذ بالاحتياط وذلك فيما قلنا.
(والمستحاضة، ومن به سلس البول، والرعاف الدائم، والجرح الذي لا يرقأ، يتوضئون لوقت كل صلاة؛ ويصلون بذلك الوضوء في الوقت ما شاءوا من الفرائض والنوافل، فإذا خرج الوقت بطل وضوءهم، وكان عليهم استئناف الوضوء لصلاة اخرى)، وقال الشافعي: تتوضأ لكل فرض، والصحيح قولنا: لقوله - صلى الله عليه وسلم -:" المستحاضة تتوضأ لوقت كل صلاة" وإنما يبطل وضوؤها بخروج الوقت عند أبي حنيفة ومحمد ولا يبطل بالدخول، وعند أبي يوسف وزفر: يبطل بالدخول لعدم الضرورة قبل الوقت، ويبطل بالخروج أيضاً عند أبي يوسف، لأن الحاجة إلى الطهارة لا تتحقق قبل الوقت وبعده، إلا انهما يقولان: لا بد من تقديم الطهارة على الوقت حتى يتمكن من الاتيان بالعزيمة، وهو شغل كل الوقت بأداء الوقتية.
فصل النفاس
(النفاس: هو الدم الخارج عقيب الولادة) من الرحم، لأنه مشتق من تنفس الرحم، أو من النفس: الذي هو عبارة عن الدم، أو من النفس: الذي هو الولد، فخروجه لا ينفك عن دم يتعقبه.
(وما تراه الحامل من الدم قبل خروج الولد، فهو استحاضة) وهذا عندنا، وهو مروي عن عائشة رضي الله عنها، وعرف أنها إذا حبلت ينسد فم الرحم، فلا يكون الدم المرئي من الرحم، فيكون دم عرق ضرورة، فيكون استحاضة.
(وأقل النفاس لا حد له، وأكثره اربعون يوماً) عندنا، لحديث أم سلمه رضي الله عنها عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " تنتظر النفساء ما بينها وبين اربعين صباحاً"، إلا أن ترى طهراً قبل ذلك، (وما زاد على الاربعين فهو استحاضة) لما ذكرنا.
(وإذا تجاوز الدم الاربعين وقد كانت هذه المرأة ولدت قبل ذلك] فإن كانت لها عادة معروفة] في النفاس ترد إلى عادتها) والزيادة استحاضة، (وإن زاد على الاربعين وان كانت مبتدئة فنفاسها اربعون) كما قلنا في الحيض.
(وإن ولدت ولدين في بطن واحد، فنفاسها من الولد الاول هذا عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد وزفر: نفاسها من الولد الثاني)، وأجمعوا أن عدتها تنقضي بالولد الاخير، والصحيح هو القول الاول، لأن فم الرحم قد انفتح بوضع احد الولدين فكان الدم المرئي من الرحم نفاساً]، بخلاف انقضاء العدة، لأنه متعلق بفراغ الرحم، ولا فراغ مع بقاء شيء من الشغل. فإن كان بين الولدين اربعون يوماً، فلا نفاس من الولد الثاني، فإن خرج بعض الولد فرأت الدم: فإن خرج الاكثر منه صارت نفساء، وإلا فلا، لأن للأكثر حكم الكل، والله اعلم.
باب تطهير النجاسة
(تطهير النجاسة واجب من بدن المصلي وثوبه والمكان الذي يصلي عليه)، لأن الصلاة تعظيم لله تعالى بالمناجاة معه، فيجب أن تكون على أحسن الأحوال، وذلك في طهارة هذه الأشياء.
(ويجوز تطهير النجاسة بالماء، وبكل مائع طاهر يمكن ازالتها به، كالخل، وماء الورد)، والماء المستعمل، وقال محمد والشافعي: لا يجوز لأن الزوال بالماء حكم ثبت مخالفاً للقياس فيقتصر على مورد الشرع وصار كالحدث.
ولهما: ان هذه المائعات إذا كانت طاهرة كانت مشاركة للماء في الازالة فكانت كالماء، بخلاف الحدث لما ذكرنا، ثم ذكر من جملة المائعات الطاهرة الماء المستعمل، وهذا قول محمد، وهو روايته عن أبي حنيفة، وعليه الفتوى.
(وإذا أصابت الخف نجاسة ولها جرم فجفت فدلكه بالأرض جاز)، لأن الجلد شيء صلب فلا يدخل فيه من اجزاء النجاسة إلا قليل، فإذا يبست يعود ذلك إلى جرم النجاسة، فإذا دلكه بالأرض زالت فلم يبق فيه إلا قليل معفو شرعاً، بخلاف الثوب، لأنه شيء رخو يدخل فيه أجزاء النجاسة، فلا تخرج منه إلا بالمعالجة بالغسل، وبخلاف الرطب، لأن أجزاء النجاسة المتشربة لم تعد إلى جرمها بعد.
وإن لم يكن للنجاسة جرم نحو البول والخمر، روي عن أبي يوسف: أنه إذا مسحه بالتراب على سبيل المبالغة يطهر ويقوم ذلك مقام جرم النجاسة، اعتمد مشايخنا على هذه الرواية لمكان الضرورة.
(والمني نجس يجب غسل رطبه، فإن جف على الثوب اجزأ فيه الفرك) وهذا عندنا، وعند الشافعي: المني طاهر، لنا قوله - صلى الله عليه وسلم - لعائشة رضي الله عنها حين سألته عن المني يصيب
الثوب:" إن كان رطباً فاغسليه وإن كان يابساً فافركيه".
(والنجاسة إذا اصابت المرآة أوالسيف أكتفي بمسحهما)، لأنه لا نجاسة إلا على سطحهما وقد زالت بالمسح.
(وإن أصابت الارض نجاسة فجفت بالشمس وذهب أثرها، جازت الصلاة على مكانها)، لقوله - صلى الله عليه وسلم -:" ذكوة الارض يبسها" أي: طهارتها].
(ومن اصابته من النجاسة المغلظة كالبول والدم والغائط والخمر مقدار الدرهم وما دونه جازت الصلاة معه، وان زاد لم يجز)، لأن القليل لا يمكن التحرز عنه والكثير يمكن، ففصلنا بينهما بالدرهم أخذا من موضع الاستنجاء. فنقول: الدرهم وما دونه في حد القلة، وما زاد عليه في حد الكثرة، والمراد بالدرهم: هو الدرهم الكبير المثقال، وتكلموا في ان المعتبر بسط الدرهم او وزنه، فقد قال الفقيه أبو جعفر الهندواني: إن كان للنجاسة جرم يعتبر فيها وزن الدرهم، وان لم يكن لها جرم يعتبر فيها المساحة، عملاً بهما في حالين مختلفين.
(وان اصابته نجاسة مخففة كبول ما يؤكل لحمه، جازت الصلاة معه ما لم يبلغ ربع الثوب)، لأن المانع من مثل هذه النجاسة هو الكثير الفاحش، وذلك مقدر بالربع لأن ربع الشيء قد يقام مقام الكل في بعض المواضع.
(وتطهير النجاسة التي يجب غسلها على وجهين: فما كان له منها عين مرئية فطهارتها بزوال عينها، إلا أن يبقى من أثرها ما يشق ازالته])، لقوله - صلى الله عليه وسلم - لتلك المرأة حين سألته عن دم الحيض:" حتيه ثم اقرصيه ثم اغسليه بالماء ولا يضرك اثره"، (وما ليس لها عين مرئية فطهارتها ان يغسل حتى يغلب على ظنه أنه قد طهر)، وعند الشافعي: يطهر بالغسل مرة اعتباراً بالحدث، ولنا: ان النبي - صلى الله عليه وسلم - لما أمر بغسل اليد ثلاثاً للمستيقظ من منامه عند توهم النجاسة، فلإن يجب عند تحقق النجاسة أولى، ولأن غلبة الظن قد تقوم مقام اليقين عند التعذر عن الوقوف على اليقين.
(والاستنجاء سنة)، وعند الشافعي: فرض، وهي فرع مسألة النجاسة القليلة، (وبجزيء فيه الحجر وما قام مقامه يمسحه حتى ينقيه)، لأن المقصود هو الانقاء، (وليس فيه عدد مسنون)، وعند الشافعي: السنة أن يستنجي بثلاثة أحجار، أو بحجر له ثلاثة أحرف ليقوم كل حرف مقام حجر، لنا: قوله - صلى الله عليه وسلم -:" من استجمر فليوتر ومن فعل فحسن ومن لا فلا حرج".
(وغسله بالماء افضل)، لأن أهل قباء كانوا يتبعون الحجارة الماء، فنزل فيهم قوله تعالى: {فيه رجال يحبون أن يتطهروا} التوبة:108] وقيل: الاستنجاء بالماء كان أدباً في عصر النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم صار سنة بعده بإجماع الصحابة كالتراويح.
(فإن تجاوزت النجاسة مخرجها لم يجز فيه الا الماء)، لأن البدن له حرارة جاذبة أجزاء النجاسة فلا يطهر بالمسح، إلا أن في موضع الاستنجاء اكتفى بالأحجار للضرورة، وهذا إذا كان وراء موضع الاستنجاء من النجاسة أكثر من قدر الدرهم، أما إذا كان أقل لكن مع موضع الاستنجاء يكون أكثر من قدر الدرهم، قال أبو حنيفة وأبو يوسف: يكفيه الاستنجاء بالأحجار، وعند محمد: لا بد من غسله، والصحيح قولهما، لأن التي في موضع الشرج ساقطة كأن لا نجاسة عليه، بدليل أن تركه لا يضره فبقيت العبرة لما عداها، وذلك أقل من قدر الدرهم.
(ولا يستنجي بعظم ولا بروث)، لورود النهي عنه، (ولا بطعام)، لأنه استهانة به وذلك منهي عنه، (ولا بيمينه)، لقوله - صلى الله عليه وسلم -:" اليمين للوجه، واليسار للمقعدة]، قسم والقسمة تقطع الشركة"، والله اعلم.
كتاب الصلاة
قال الله تعالى: {إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا} النساء:103] أي: فرضاً مؤقتاً فلا بد من معرفة الأوقات، فنقول: (اول وقت الفجر إذا طلع الفجر الثاني: وهو البياض] المعترض في الافق)، لقوله - صلى الله عليه وسلم -:" لا يغرنكم أذان بلال ولا الفجر المستطيل وإنما الفجر المستطير في الافق"، (وآخر وقتها طلوع الشمس)، لقوله تعالى: {وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس} طه:130] يعني الصلاة.
(وأول وقت الظهر حين تزول الشمس، وآخره إذا صار ظلُّ كلِّ شيءٍ مثليه سواء في الزوال عند أبي حنيفة، وقالا: إذا صار ظلّ كلِّ شيءٍ مثله)، لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - انه قال:"امّني جبريل صلوات الله عليه وسلامه عند البيت مرتين، فصلى الظهر في اليوم الاول حين زالت الشمس، وفي اليوم الثاني حين صار ظل كل شيء مثله، ثم قال: يا محمد الصلاة ما بين هذين الوقتين"، ولأبي حنيفة: أن عند تعارض الادلة، يقع الشك في خروج وقت الظهر ودخول وقت العصر، فلا يثبت بالشك.
(وأول وقت العصر إذا خرج وقت الظهر على اختلاف القولين، وآخر وقتها ما لم تغرب الشمس، وأول وقت المغرب إذا غربت الشمس)، لحديث إمامة جبريل عليه الصلاة والسلام، (وآخر وقتها ما لم يغب الشفق، والشفق: هو البياض بعد الحمرة، وقالا: هو الحمرة)، لأنها المراد في اغلب الاستعمال، لأبي حنيفة: انه اسم مشترك بين البياض والحمرة يقع الشك في خروج وقت المغرب فلا يخرج بالشك.
(وأول وقت العشاء حين غاب الشفق) بلا خلاف بيننا، (وآخره حين يطلع الفجر الصادق) عندنا. (وأول وقت الوتر ما بعد العشاء، وآخر وقتها ما لم يطلع الفجر)، لقوله - صلى الله عليه وسلم -:" إن
الله تعالى زادكم صلاة هي خير لكم من حمر النعم، فصلوها ما بين العشاء إلى طلوع الفجر".
(ويستحب الاسفار بالفجر، والابراد بالظهر في الصيف) وهذا عندنا، أما الفجر فلقوله - صلى الله عليه وسلم -:" اسفروا بالفجر فإنه اعظم للأجر"، وأما الظهر فلقوله - صلى الله عليه وسلم -:" ابردوا بالظهر فإن شدة الحر من فيح جهنم"، (وتقدم في الشتاء) اظهاراً للمسارعة إلى المغفرة.
(وتأخير العصر) افضل عندنا، لقول عبدالله بن رافع رضي الله عنه: امرنا النبي - صلى الله عليه وسلم - بتأخير العصر (ما لم تتغير الشمس)، لورود النهي عن الصلاة عند الغروب، (و) يستحب (تعجيل) المغرب، لقوله - صلى الله عليه وسلم -:" لن تزال امّتي بخير ما لم يؤخروا المغرب إلى اشتباك النجوم"، (و) يستحب (تأخير العشاء إلى ما قبل ثلث الليل)، لقوله - صلى الله عليه وسلم -:" لولا سقم السقيم، وضعف الضعيف، لأخرت العشاء إلى ثلث الليل"، هذا إذا لم يكن يوم غيم، فإن كان عجل العصر كيلا يقع في وقت مكروه، والعشاء كيلا يقع الناس في الظلم والأوحال.
(ويستحب في الوتر لمن يألف الصلاة آخر الليل، فإن لم يثق بالانتباه اوتر قبل النوم)، لقوله - صلى الله عليه وسلم -:" من خشى منكم ان لا يستيقظ فليوتر في اول الليل ومن طمع ان يستيقظ فليوتر في اخر الليل"، ثم الوتر سنة مطلقة عند الشافعي، مؤكدة عند أبي يوسف ومحمد، واجبة عند أبي حنيفة، لقوله - صلى الله عليه وسلم -:" ان الله تعالى زادكم صلاة ألا وهي الوتر"، والزيادة من جنس المزيد عليه، وقال فيه فأوتروا وهو أمر وانه للإيجاب. والله اعلم.
باب الأذان
(والأذان سنة للصلوات الخمس والجمعة دون ما سواها) للتوارث، (وصفة الأذان ما هو المعهود اليوم ولا ترجيع فيه) عندنا، للتوارث والروايات المشهورة، (ويزيد في أذان الفجر بعد الفلاح: الصلاة خير من النوم، مرتين)، لأنه إن لم يكن من أصل الأذان، فالناس أدخلوه فيه، "وما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن".
(والإقامة مثل الأذان، إلا أنه يزيد فيه بعد الفلاح: قد قامت الصلاة، مرتين) هو المأثور المتوارث، (ويترسل في الأذان ويحدر في الإقامة)، لقوله - صلى الله عليه وسلم - لبلال رضي الله عنه: "إذا أذنت فترسل، وإذا أقمت فأحدر".
(ويستقبل بهما القبلة، فإذا بلغ إلى الصلاة والفلاح حول وجهه يميناً وشمالاً)، لأن في الأذان مناجاة ومناداة، فيتوجه في المناجاة القبلة، وفي المناداة يتوجه إلى من عن يمينه وشماله كما في الصلاة، يستقبل القبلة في أفعال الصلاة ويحول وجهه يميناً وشمالاً في السلام.
(ويؤذن للفائتة، ويقيم)، كما فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة التعريس، (فإن فاتته صلوات أذن للأولى وأقام، وهو مخير في الثانية: ان شاء أذن وأقام، وان شاء اقتصر على الاقامة)، لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما شغلهم الكفار يوم الاحزاب عن أربع صلوات، قضاهن على الولاء والترتيب كل صلاة بأذان وإقامة، وروي في هذا الحديث أنه قضاهن على الولاء والترتيب بإقامة فخيرناه لهذا.
(وينبغي أن يؤذن ويقيم على طهر، فإن أذن على غير وضوء جاز، ومع الجنابة يكره)، لأنه ذكر مُعَظم، فأشبه قراءة القرآن فكره مع أفحش الحدثين دون أخفهما، (ويكره أن يقيم على غير وضوء)، لأنه حينئذ يقع الفصل بين الإقامة والشروع، ويستحب اعادة أذان اربعة نفر: الجنب والمرأة والصبي والسكران، لاختلال الاعلام بأذان هؤلاء، والإقامة لا تعاد أصلا لما ان تكرار الإقامة غير مشروع، وتكرار الأذان مشروع في الجملة.
(ولا يؤذن لصلاةٍ قبل دخول وقتها)، لأن الأذان للإعلام بدخول الوقت فلا يجوز قبله، (وعن ابي يوسف انه جوز أذان الفجر قبل الوقت) بعد نصف الليل، وهو قول الشافعي، لأن بلالا كان يفعل ذلك، ولنا: قوله - صلى الله عليه وسلم - لبلال:" لا تؤذن] حتى يستبين لك الفجر" هكذا ورد "ومد يديه"، وبه تبين ان أذان بلال قبل ذلك ما كان للإعلام بدخول الوقت، بل ليرجع القائم ويتسحر الصائم كما نطق به حديث آخر، والله اعلم.
باب شروط الصلاة التي تتقدمها
(يجب على المصلي ان يقدم الطهارة من الاحداث والأنجاس على ما قدمناه)، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: " لا صلاة الا بطهارة"، شرط الطهارة مطلقاً فيتناول: الطهارة عن الاحداث والأنجاس جميعاً، (ويستر عورته)، لقوله تعالى: {خذوا زينتكم عند كل مسجد} الاعراف:31]، وأدنى الزينة ما ستر ووارى العورة.
(والعورة من الرجل: ما تحت السرة إلى الركبة)، لقوله - صلى الله عليه وسلم -:"عورة الرجل ما بين سرته إلى ركبته"، وفي رواية قال: " ما دون سرته حتى تجاوز ركبته"، (والركبة من العورة) عندنا، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: " الركبة من العورة"، ولأنها ملتقى عظم الساق والفخذ، وعظم الفخذ عورة وعظم الساق ليس بعورة، فعند الاجتماع يترجح الموجب لكونها عورة احتياطاً.
(وبدن المرأة الحرة كله عورة إلا وجهها وكفيها وقدميها)، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "المرأة عورة مستورة"، والمراد بكونها عورة واجبة الستر، وأما استثناء الوجه والكفين، فلقوله تعالى {ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها} النور: 31]، قال علي وابن عباس رضي الله عنهما: " ما ظهر منها الكحل والخاتم "، أي: موضعهما، وقالت عائشة رضي الله عنها: " تبدي] احدى عينيها"، وقال ابن مسعود رضي الله عنه: "خفها وملاءتها"، إلا أنا اخذنا بقول علي وابن عباس، لأنا اجمعنا على انه مباح النظر إلى ثيابها، فكذا إلى وجهها وكفيها.
وأما قدميها، فلأنها كما تبتلى بإبداء وجهها في المعاملة مع الرجال وبإبداء كفها في الاخذ والإعطاء، تبتلى بإبداء قدميها إذا مشت حافية او متنعلة، وفي "جامع البراكمة" عن أبي يوسف: انه يباح النظر إلى ذراعها أيضاً، لأنها في الخبز وغسل الثياب تبتلى بإبداء ذراعها أيضاً، وهذا إذا لم يكن النظر عن شهوة، فإن كان يعلم انه يشتهي لو نظر، لم يحل له النظر إلى شيء منها، لقوله - صلى الله عليه وسلم -:" من نظر إلى محاسن اجنبية صب في عينه الآنك
يوم القيامة"، وكذا إذا كان أكثر رأيه أنه لو نظر يشتهيها، لأنه كاليقين فيما لا يوقف على حقيقته.
ولا يحل له أن يمس وجهها ولا كفيها وإن أمن الإشتهاء، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من مس كف إمرأة ليس منها بسبيل، وضع في كفه جمرة يوم القيامة حتى يفصل بين الخلائق"، إلا إذا كانت عجوزاً لا تشتهى فلا بأس بمصافحتها.
(وما كان عورة من الرجل فهو عورة من الامة) بطريق الأولى، (وبطنها وظهرها عورة)، لأن النظر إلى هذين العضوين ومسهما قد يكون سببا للفتنة، (وما سوى ذلك من بدنها فليس بعورة)، لما روي عن انس رضي الله عنه: "كن جواري عمر رضي الله عنه يخدمن الضيفان كاشفات الرؤوس، مضطربات الثديين"، ولأن فيهن ضرورة وبلوى، لأنهن يخرجن لحوائج مواليهن في ثياب مهنتهن، فكان حالهن مع الرجال في النظر والمس كحال الرجل في ذوات محارمه.
فصل الصلاة مع النجاسة]
(ومن لم يجد ما يزيل به النجاسة، صلى معها ولم يعد الصلاة)، وهذا إذا كان الربع من الثوب طاهراً او أكثر؛ لأن الربع قد يقام مقام الكل، وإن كان الطاهر أقل من الربع، يتخير: إن شاء صلى معه بركوع وسجود، وإن شاء صلى عرياناً بالإيماء وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد: يصلي فيه لا محالة؛ لأنه ابتلي بين أن يترك فرضاً واحداً وبين أن يترك الفرائض، فكان ترك الفرض الواحد أيسر، فتعيين عليه، ولهما أن كل واحد منهما مانع جواز الصلاة حال
الاختيار وعدم العذر، فكانا سواء فيتخير.
(ومن لم يجد ثوباً صلى عرياناً قاعداً يومي بالركوع والسجود)، لما أن الركوع والسجود يزيده كشفاً، (فإن صلى قائماً اجزأه)، لوجود الانكشاف فيها إلا أن الأول أفضل.
فصل النية في الصلاة
(وينوي الصلاة التي يدخل فيها بنية لا يفصل بينها وبين التحريمة بعمل)، لأن النية شرعت لتعيين الفعل، وتحقق الاخلاص، وذا إنما يتحقق حالة الشروع في الاداء، وأما إذا تقدمت النية على حالة الشروع، فعند محمد في جملة العبادات: إذا لم يشتغل بعدها بعمل آخر يجوز؛ لأنها وجدت حقيقة فيبقى حكمها إلى أن يوجد ما يبطلها، وعند أبي يوسف لا يجزئه إلا في الصوم، لمساس الحاجة في الصوم دون غيره من العبادات، وعند الشافعي: يشترط مخالطاً للتكبير، وهو قول الطحاوي.
وأما إذا تأخرت النية عن وقت الشروع لا يصح في ظاهر الرواية، وقال أبو الحسن الكرخي: يصح ما دام في الثناء.
(ويستقبل القبلة، إلا أن يكون خائفاً فيصلي إلى أي جهة قدر، فإن اشتبهت عليه القبلة وليس بحضرته من يسأله عنها اجتهد، فإن علم أنه اخطأ بعدما صلى، فلا إعادة عليه) عندنا، وقال الشافعي: اعاد ان استدبر الكعبة، لأنه ترك الفرض، وهو استقبال القبلة بيقين، ولنا انه مأثور في هذه الحالة بالصلاة إلى جهة هي جهة الكعبة عنده، وقد ادى فيخرج عن العهدة، كما لو تيامن أو تياسر، (فإن علم ذلك وهو في الصلاة استدار إلى القبلة وبنى عليها)، كما فعل اهل قباء حين اخبروا بانتقال القبلة إلى الكعبة، استداروا إلى الكعبة، والله اعلم بالصواب.
باب صفة الصلاة
(فرائض الصلاة ستة] التحريمة) لقوله - صلى الله عليه وسلم -: " مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها
التكبير"، وقال - صلى الله عليه وسلم -: " لا يقبل الله تعالى صلاة امرئ حتى يضع الطهور مواضعه، ويستقبل
القبلة، ويقول: الله اكبر"، (والقيام)، لقوله تعالى: {وقوموا لله قانتين} البقرة:238]، (والقراءة) لقوله تعالى: {فاقرءوا ما تيسر من القرءان} المزمل:20]، (والركوع والسجود)، لقوله تعالى: {ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا} الحج:77]، فهم من هذه الاوامر تعلق جواز الصلاة بها، (والقعدة في آخر الصلاة مقدار التشهد)، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا رفعت راسك من اخر السجدة وقعدت
قدر التشهد، فقد تمت صلاتك".
(وإذا دخل الرجل في صلاته كبر)، لما روينا، (ورفع يديه مع التكبير حتى يحاذي بإبهاميه شحمتي أذنيه)، لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، كان يرفع يديه حذا أذنيه إذا افتتح الصلاة، وكيفية الرفع؛ ان يرفع ناشراً اصابعه عن الطّي مستقبلاً بباطن كفيه القبلة، كذا ذكره الطحاوي.
(فإن قال بدلاً عن التكبير: الله اعظم أو أجل أو قال الرحمن اكبر، اجزأه عند أبي حنيفة ومحمد)، لأن المفروض ذكر اسم الله تعالى على الخلوص، قال الله تعالى {قد أفلح من تزكى وذكر اسم ربه فصلى (15)} الاعلى:14 - 15]، (وعند أبي يوسف لا يصح إلا بقوله: الله أكبر، الله الاكبر، الله الكبير، الله كبير) إذا كان يحسنه، وعند الشافعي: لا يصح إلا باللفظين الاولين، وعند مالك: لا يصح إلا باللفظ الاول لا غير، والصحيح قولهما، لأن التكبير هو التعظيم وقد حصل.
ولو قال: الله ولم يزد عليه، روي عن أبي حنيفة: أنه يصح، وبقوله: اللهم اغفر لي لا يصح بالإجماع، ولو قال: اللهم، ففيه اختلاف المشايخ، ويجوز افتتاحها بالفارسية عند أبي حنيفة، خلافاً لهما.
(ويعتمد بيده اليمنى على اليسرى ويضعهما تحت سرته])، لأنه أقرب إلى التواضع، وأبلغ في الخشوع والخضوع، وأبعد عن التشبه بأهل الكتاب، واقرب إلى ستر العورة، واحفظ للإزار من السقوط، فكان أولى من الوضع على الصدر، كما هو قول الشافعي. ثم هذا الوضع سنة القراءة عند محمد، وعندهما: سنة القيام، والمختار: ان كل قيام فيه ذكر مسنون فالسنة فيه الاعتماد، وما ليس فيه ذكر مسنون فالسنة فيه الإرسال.
(ثم يقول: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك إلى أخره)، لرواية عائشة رضي الله عنها عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، أنه كان يقول كذلك.
(ثم يستعذ بالله من الشيطان الرجيم)، لقوله تعالى: {فإذا قرأت القرءان فاستعذ بالله} النحل:98]، معناه: إذا أردت قراءة القرآن، وفي كيفية التعوذ اختلاف بين القراء يعرف في موضع أخر. ثم التعوذ لأجل القراءة عند محمد، وهو روايته عن أبي حنيفة، فيأتي به من يقرأ حين يقرأ، وعند أبي يوسف: لأجل الصلاة، وقد عرف في موضعه.
(ويقرأ بسم الله الرحمن الرحيم ويسرها)، وعند الشافعي: يجهر في صلاة الجهر، لأنها فاتحة القرآن، ولنا قول ابن مسعود رضي الله عنه: "ما جهر بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في صلاة مكتوبة قط، ولا ابو بكر، ولا عمر"، ثم يسمي في الركعة الاولى لا غير، وقال ابو يوسف: يسمي في كل ركعة وهو روايته عن ابي حنيفة أيضاً، وعن محمد: انه يسمي بين الفاتحة والسورة في صلاة المخافتة دون الجهر.
(ثم يقرأ فاتحة الكتاب وسورة او ثلاث ايات من اي سورة شاء)، فأصل القراءة في الركعتين غير عين فرض، والقراءة على هذا الوجه في الاولين على سبيل التعيين واجب، واظب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والصحابة بعده على ذلك.
(وإذا قال الامام: ولا الضالين، قال: امين، ويقولها المؤتمون ويخفونها)، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا قال الامام ولا الضالين، فقولوا امين، فإن الامام يقولها والملائكة يؤمنون، فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه"، ويخفونها، لأنه دعاء ومبناه على الاخفاء، والمد والقصر فيه وجهان، والتشديد خطا فاحش].
(ثم يركع ويكبر)، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم -، كان يكبر عند كل خفض ورفع. (ويعتمد بيديه على ركبتيه) في الركوع، (ويفرج بين اصابعه)، وهما من السنن، قال - صلى الله عليه وسلم - لأنس: " إذا ركعت فضع يديك على ركبتيك وفرج بين اصابعك"، (ويبسط ظهره، ولا يرفع رأسه، ولا ينكسه)، لرواية
زيد بن اسلم رضي الله عنه، ان النبي - صلى الله عليه وسلم -: "كان إذا ركع يسوي ظهره، حتى لو وضع قدح من ماء على ظهره لاستقر".
(ويقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم ثلاثاً، وذلك ادناه) وفي سجوده: سبحان ربي الاعلى ثلاثاً، وذلك ادناه، لرواية ابن مسعود رضي الله عنه، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - انه قال: "إذا ركع احدكم فليقل في ركوعه: سبحان ربي العظيم ثلاثاً، وذلك ادناه، وإذا سجد فليقل في سجوده: سبحان ربي الاعلى ثلاثاً، وذلك ادناه" ولو زاد على الثلاث، فهو افضل بعد ان يكون وتراً، فالأدنى هو الثلاث، والأوسط خمس مرات، والأكمل سبع مرات.
(ثم يرفع رأسه ويقول: سمع الله لمن حمده، ويقول المؤتم: ربنا لك الحمد)، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا قال الامام: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا لك الحمد" قسم والقسمة تقطع الشركة، وعند أبي يوسف ومحمد، يقول الامام: ربنا لك الحمد، كيلا يصير تاركا ما صار امراً به. وأما المنفرد فعن أبي حنيفة: روايتان، وعندهم: يجمع بينهما.
(فإذا استوى قائما، كبر وسجد)، لما روينا، (واعتمد بيديه على الارض، ووضع وجهه بين كفيه)، كذا روى من فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، (ويسجد على انفه وجبهته، وان اقتصر على احدهما جاز، وقالا: لا يجوز الاقتصار على الأنف إلا من عذر])، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "أمرت أن أسجد على سبعة اعضاء الوجه والكفين والركبتين والقدمين" ولأبي حنيفة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، أشار في هذا الحديث إلى الأنف، ولأنهما عظم واحد فبأي طرفيه وضع كفاه.
(وان سجد على كور عمامته، أو فاضل ثوبه جاز) ويكره، وعن أبي يوسف: أنه لا يجوز، وهو قول الشافعي، والصحيح قولنا: لأنه تبع له، ولو سجد على كمّه، إن كان ثمّة تراب أو حصاة أو نحوهما لا يكره، لأنه يدفع الأذى عن نفسه، وإن لم يكن جاز ويكره.
ولو سجد على ظهر رجل، إن كان في موضع الزحام يجوز، كما في يوم الجمعة، وإن كان لا يصلي لا يجوز في الحالتين، وان سجد على ظهر ميت ان وجد حجمه لا يجوز، وإن لم يجد بأن كان عليه لبد جاز.
(ويبدي ضبعيه ويجافي بطنه عن فخذيه)، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "كان إذا سجد جافى عضديه
عن جنبيه حتى يرى عفرة ابطيه". وفي رواية: "حتى ان بهمة لو ارادت ان تمر لمرت"، والبهمة: السخلة، والعفرة: البياض.
(ويوجه أصابع رجليه نحو القبلة)، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا سجد العبد المؤمن، سجد كل عضو من أعضائه معه، فليوجه من أعضائه نحو القبلة ما استطاع"، (ثم يرفع رأسه ويكبر) لما روينا، (فإذا اطمأن جالساً، كبر وسجد، وإذا اطمأن ساجداً كبر)، كذلك أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم الطمأنينة والقرار في الركوع والسجود ليس بفرض عند أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف والشافعي: فرض، ولقب المسالة: ان تعديل الاركان ليس بفرض عند أبي حنيفة ومحمد، خلافاً لهما.
(واستوى قائماً على صدور قدميه ولا يقعد)، وهذا عندنا لما روي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعمر وعلياً وابن مسعود وابن الزبير رضي الله عنهم: "كانوا ينهضون على صدور أقدامهم"، وعن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "انه كان إذا قام من الأولى إلى الثانية قام كأنه على الرضف"، وهي: الحجارة المحماة.
(ولا يعتمد بيديه على الارض) عندنا، كذا روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، (ويفعل في الركعة الثانية مثل ما فعل في الركعة الاولى، إلا أنه لا يستفتح ولا يتعوذ ولا يرفع يديه إلا في الركعة الأولى)، يريد به تكبيرة الافتتاح، لما روى ابن مسعود رضي الله عنه ان النبي - صلى الله عليه وسلم -: " كان يرفع يديه عند تكبيرة الافتتاح"، ثم لا يعود.
(وإذا رفع رأسه من السجدة الثانية في الركعة الثانية، قعد وافترش رجله اليسرى وجلس عليها، ونصب رجله اليمنى، ووضع يديه على فخذيه، وبسط أصابعه نحو القبلة)، كذا حكت عائشة رضي الله عنها، قعدة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وما يروى انه كان يقعد متوركاً فهو محمول على حالة الضعف.
(والتشهد: التحيات لله، والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا اله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، ولا يزيد على هذا)، وهذا عندنا، وهو تشهد جماعة كثيرة من الصحابة رجحنا هذا على غيره، لما روي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: " كان يعلمنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذا التشهد كما يعلمنا سورة من القران، وكان يأخذ علينا بالواو والألف".
(ويقرا في الركعتين الاخريين فاتحة الكتاب خاصة)، وهي واجبة عندهما، وهو رواية ابن زياد عن أبي حنيفة، وظاهر الرواية عنه: أن يتخير في الاخريين بين قراءتها، وبين التسبيح و بين] السكوت.
(فإذا جلس في اخر صلاته جلس كما جلس في الاولى) عندنا، (وتشهد وصلى على النبي - صلى الله عليه وسلم -، ودعا بما شاء مما يشبه الفاظ القران، والأدعية المأثورة)، توارثنا هكذا من لدن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى يومنا هذا، لقوله تعالى {فإذا فرغت فانصب وإلى ربك فارغب} الشرح:7 - 8].
ثم الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - واجبة في عمره مرة عند الكرخي، لأن مطلق الامر لا يقتضي التكرار، وعند الطحاوي: كلما ذكر اسم النبي - صلى الله عليه وسلم -، أو سمع اسمه يجب عليه أن يصلي عليه،
لقوله - صلى الله عليه وسلم -:" من ذكرت عنده ولم يصل علي فقد جفاني" وهذا هو الاصح.
(ثم يسلم عن يمينه فيقول: السلام عليكم ورحمة الله، وعن يساره مثل ذلك)، وهذا عند الجمهور، لقول ابن مسعود كان النبي - صلى الله عليه وسلم -: "يسلم عن يمينه حتى يرى بياض خده الايمن، وعن يساره حتى يرى بياض خده الايسر".
وإصابة لفظة السلام عند الشافعي: فرض، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "وتحليلها التسليم"، وعندنا واجب، لأن الفرضية لا تثبت بمثل هذا الخبر.
(ويجهر بالقراءة في الفجر، وفي الركعتين الاوليين من المغرب والعشاء إن كان إماماً، ويخفي القراءة فيما بعد الاوليين) هو المأثور المتوارث، (ولو كان منفرداً، ان شاء جهر واسمع نفسه، لأنه امام في حق نفسه، وان شاء خافت)، لأنه ليس معه من يسمعه، (ويخفي الامام القراءة في الظهر والعصر) للتوارث هكذا.
والمتطوع بالنهار يخافت، وبالليل ان شاء خافت، وأن شاء جهر، وتكلموا في الافضلية، والمتوسط عند الاكثرين أفضل، وحد المخافتة قيل: هو تبين الحروف، وقيل: ان يسمع نفسه إلا بمانع، هو الصحيح، والجهر اسماع غيره.
(والوتر ثلاث ركعات لا يفصل بينهن بالسلام) وهذا عندنا، لما روى عن ابن مسعود رضي الله عنه انه قال:" بت عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ارقب صلاته بالليل، فأوتر ثلاث وقنت قبل الركوع، قال: وأرسلت والدتي في الليلة القابلة فرأت كذلك"، ويقنت في الثالثة قبل الركوع لهذا الحديث، ويقرأ في كل ركعة من الوتر بفاتحة الكتاب وسورة، بلغنا عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، انه قرأ في الاولى من الوتر: بسبح اسم ربك الاعلى، وفي الثانية: بقل يا ايها الكافرون، وفي الثالثة: بقل هو الله احد، (وقنت فيها بعدما فرغ من القراءة قبل ان يركع الثالثة، وإذا اراد ان يقنت كبر ورفع يديه ثم قنت)، لقوله - صلى الله عليه وسلم -:" لا ترفع الأيدي إلا في سبع مواطن، وعد منها عند القنوت في الوتر"، (ولا يقنت في صلاة غيرها)، وقال الشافعي: في الفجر قنوت، والصحيح قولنا، لقول ابن مسعود رضي الله عنه:" قنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الفجر شهراً ثم ترك".
(وليس في شيء من الصلوات قراءة سورة بعينها، ويكره ان لا يقرأ غيرها)، لأن فيه هجر الباقي من وجه، وليس شيء من القرآن مهجور، (وادنى ما يجزأ من القراءة في الصلاة ما يتناوله اسم القراءة عند ابي حنيفة) لقوله تعالى: {فاقرءوا ما تيسر من القرءان} المزمل:20]، (وقالا: لا يجزأ أقل من ثلاث آيات قصار، أو آية طويلة)، لأن القرآن هو المعجز، والكلمة الواحدة مثل قوله: ثمّ نظر، لا يكون معجزاً.
وأما مقدار المستحب، فقد ذكر في كتاب الصلاة انه يقرأ في الفجر اربعين اية سوى فاتحة الكتاب، وفي الظهر نحو ذلك أو دونه، وفي العصر والعشاء نصف ذلك، وفي المغرب يقرأ سورة قصيرة خمس آيات أو ست آيات سوى فاتحة الكتاب، وفي الجامع الصغير أربعين أو خمسين أو ستين آية سوى فاتحة الكتاب، وفي رواية ابن زياد: مائة.
قيل: الأربعون من الطوال، والستون من الاوساط، والمائة من القصار، وقيل: المائة للزهاد، والستون في الجماعة المعهودة، والأربعون في مساجد الشوارع، وقيل: إنما اختلفت الروايات، لاختلاف الأحاديث التي وردت فيها على نحو ما قلنا.
(ولا يقرأ المؤتم خلف الامام) عندنا، لقوله - صلى الله عليه وسلم -:" من كان له امام فقراءة الامام له
قراءة".
فصل النية للمسبوق]
(ومن أراد الدخول في صلاة غيره يحتاج إلى نيتين: نية الصلاة، ونية المتابعة)، لأنه لا يكون داخلاً في صلاة غيره بلا إرادة، فلو أنه نوى الاقتداء به، ولم ينو غير ذلك كفاه عن كل نية، لأنه جعل نفسه تبعاً للإمام مطلقاً، وإنما تظهر تبعيته إذا صار شارعاً في صلاة الإمام، وهو الصحيح.
فلو نوى صلاة الإمام لا غير لا يجزئه، لأن اداء صلاة الامام قد يكون مفرداً، وقد يكون مقتدياً، فلا يتعين الاقتداء إلا بالنية، ولو نوى الشروع في صلاة الامام، الصحيح أنه يجزئه، لأنه جعل نفسه تبعاً من كل وجه، ولا تثبت التبعية من كل وجه مع المخالفة من وجه.
فصل صلاة الجماعة]
(والجماعة سنة مؤكدة)، لقوله تعالى {واركعوا مع الراكعين} البقرة:43]، (وأولى الناس بالإمامة: اعلمهم بالسنة، فإن تساووا فأقرأهم، فإن تساووا فأورعهم، فإن تساووا فأسنهم)، لقوله - صلى الله عليه وسلم -:" يؤم القوم أقرأهم لكتاب الله تعالى، فإن تساووا فأعلمهم بالسنة، فإن تساووا فأقدمهم هجرة، فإن تساووا فأكبرهم سنا"، وإنما قدّم في الحديث الأقرأ، لأنه كان هو أعلم بالقرآن ومعانيه، ثم الأعلم بالسنة: وهو الأعلم بمعاني الأخبار، وأما قوله فأقدمهم هجرة فنقول: انتسخت الهجرة إلى المدينة، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: " لا هجرة بعد الفتح "، وقام الورع مقامه، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: " المهاجر من هجر السيئات".
(ويكره تقديم العبد والأعرابي والفاسق وولد الزنا والأعمى)، لأن العبد يكون مشغولا بعمل سيده] فلا يتفرغ للتعلم، والغالب من حال الاعراب هو الجهل، وولد الزنا ليس له أب يعلمه، ولا سائس يؤدبه، والفاسق لا يؤتمن على الامانة الشرعية، والأعمى قلما يمكنه ان يصون ثيابه عن النجاسة]، (وان تقدموا جاز)، لقوله - صلى الله عليه وسلم -:" صلوا خلف كل بر وفاجر".
(وينبغي للإمام ان لا يطول بهم الصلاة)، لقوله - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ رضي الله عنه: "صل بالقوم صلاة أضعفهم، فإن فيهم الصغير والكبير وذا الحاجة"، وروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: " انه كان اخف الناس صلاة في تمام".
(ويكره للنساء ان يصلين وحدهن جماعة)، لعدم ورود السنة بالجماعة في حقهن، ولأن مبنى حالهن على الستر، وفي الصلاة بالجماعة مخالفة هذه الحالة، (فإن فعلن، قامت امامهن وسطهن)، تحرزا عن زيادة التكشف والظهور، كما في صلاة العراة.
(ومن صلى مع واحد اقامه عن يمينه)، كما اقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ابن عباس رضي الله عنه حين
صلى معه فقال ابن عباس: " فانخنست وقمت خلفه فلما فرغ قال لي: مالك أقمتك بحذاي فانخنست، فقلت: أو يجوز أن اقوم بحذاك وأنت رسول الله! فقال: اللهم علمه الحكمة، وفقهه في الدين".
(وان كان اثنين تقدم عليهما)، لأنهم جماعة فيتقدم الإمام كما في الثلاثة، فإن لم يتقدمهما، لا يكره أيضاً، لأنهم ليسوا بجماعة تامة، بخلاف الثلاثة والأكثر، فإنهم إذا كثروا وقام الامام وسطهم، او في ميمنة الصف، أو في ميسرته فقد اساء لمخالفة السنة وعمل الامة، وجازت صلاتهم لاستجماع شرائط الصحة.
(ولا يجوز للرجال ان يقتدوا بامرأة) لإجماع الامة، (ويصف الرجال أولاً ثم الصبيان ثم النساء)، لقوله - صلى الله عليه وسلم -:" ليلني ذو الاحلام منكم"، وتؤخر النساء، لقوله - صلى الله عليه وسلم -:" أخروهن من حيث أخرهن الله".
(فإن قامت امرأة إلى جنب الرجل، وهما مشتركان في صلاة واحدة، فسدت صلاته)، وقال الشافعي: لا تفسد وهو القياس، كما (لا تفسد صلاتها)، ولنا: أن الرجل أخطأ مكان صلاته، فتفسد صلاته، كالمقتدي إذا تقدم على إمامه، وبيانه ان مكان الرجل في صلاة مشتركة مطلقة امام المرأة، لأن الشرع أمره بتأخيرها عن الصف، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "أخروهن من حيث أخرهن الله"،فإذا وجب عليه تأخيرها صار مكان صلاته أمامها ضرورة، فإذا اخطأ مكانه تفسد صلاته.
(ويكره للنساء حضور الجماعة)، لما في حضورهن من خوف الفتنة، (ولا بأس بأن تخرج العجوز في الفجر والمغرب والعشاء) والجمعة والعيدين، لأن في العشاء نام الفسقة، وفي الفجر لم يخرجوا بعد، وفي المغرب مشغولون بالتعشي، وفي العيدين والجمعة الغلبة لأهل الصلاح، وأما في غيرها يتوهم الفتنة (وهذا قول أبي حنيفة، وقالا: لهن شهود كل الصلوات) اعتباراً بالمتفق عليه، إلا ان الفرق ما قلنا.
(ولا يصلي الطاهر خلف من به سلس البول، ولا الطاهرات خلف المستحاضة)، لأنه لا طهارة لهؤلاء الأئمة في حق الاصحاء، لأنه قارنها ما ينافيها، (ولا القارئ خلف الامّي، ولا المكتسي خلف العريان)، لأنه لا صلاة لهم لعدم شرطها أو ركنها، وإنما جعل صلاة في حقهم للضرورة، ولا ضرورة في حق المقتدين.
(ويجوز ان يؤم المتيمم المتوضئين، والماسح على الخفين الغاسلين) وكذا يؤم القاعد القائم] وقال محمد: لا يجوز إمامة القاعد والمتيمم، وهو القياس، لأنه اقتداء كامل الحال بمن هو ناقص الحال فلا يصح، كاقتداء اللابس بالعاري، ولنا: أن القعود خلف عن القيام، والتيمم خلف عن الوضوء، والخلف] يقوم مقام الاصل، فيصح الاقتداء، كاقتداء الغاسل بمن يمسح على الخفين، بخلاف العاري؛ لأنه لا خلف ثمّة] ولا بناء على العدم.
(ولا يصلي الذي يركع ويسجد خلف المومئ)، لأن المومئ لا يأتي بأركان الصلاة ولا بما هو خلف عنها. (ولا يصلي المفترض خلف المتنفل)، لأنه بناء الموجود على المعدوم في حق صفة الفرضية، وهو محال.
(ولا من يصلي فرضاً خلف من يصلي فرضاً آخر) عندنا، لما روي عن كثير بن جمهان انه قال: "اتيت المدينة فوجدتهم يصلون، وكنت اصلي الظهر فصليت معهم، ثم علمت انهم يصلون العصر، فأعدت الظهر، ثم صليت العصر، فلما خرجت رأيت اصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - متوافرين، فسألتهم عن ذلك، فكلهم افتوني بما فعلت" وهذا إجماع.
(ويصلي المتنفل خلف المفترض)، لأنه بناء الضعيف على القوي، وإذا لم يصح اقتداؤه عند تغاير الفرضين، هل يكون شارعاً في صلاة نفسه تطوعاً؟ ففيه روايتان: في رواية: يصير متطوعاً]، وفي رواية: لا يصير متطوعاً اصلاً.
(ومن اقتدى بإمام ثم علم أنه على غير طهارة، أعاد الصلاة)، وهذا أيضاً عندنا، لأن الاقتداء بناء، ولا بناء على العدم.
فصل مكروهات الصلاة]
(ويكره للمصلي أن يعبث بثوبه أو بجسده)، لأن العبث خارج الصلاة حرام ففي الصلاة أولى، (ولا يقلب الحصر إلا مرة ليمكنه من السجود)، لما روى أن أبا ذر رضي الله عنه سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك فقال له: " يا أبا ذر مرة أو ذر".
(ولا يفرقع اصابعه)، لأنه من العبث، (ولا يتخصر)، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى ان يصلي الرجل
متخصراً، و روى ان ابليس يهبط إلى الارض متخصراً، وروي أنه استراحة أهل النار، ولا واحد لهم]، (ولا يشبك يديه)، لأنه ترك سنة اخذ اليد.
(ولا يسدل ثوبه، ولا يعقص شعره): وهو أن يلويه على الرأس ويجمعه، لأنه قال - صلى الله عليه وسلم - في حديث سلمان رضي الله عنه: "ذلك كفل الشيطان"، اي مقعده، (ولا يكف ثوبه)، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "أمرت أن أسجد على سبعة أعظم، وأن لا أكف ثوباً، ولا شعراً"، ومعناه: أن يرفعه أو يرفع شعره، ولأنه تقزز، وإزالة اليد عن موضع السنة.
(ولا يلتفت)، لما روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى رجلا التفت في الصلاة فقال: "تلك خلسة يختلسها الشيطان من صلاة العبد". (ولا يقعي)، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الإقعاء (كإقعاء الكلب): وهو الجلوس على العقبين، (ولا يرد السلام بلسانه)، لأنه كلام من كل وجه، (ولا بيده)، لأنه ترك سنة أخذ اليد، (ولا يتربع إلا من عذر)، لأنه ترك القعدة المسنونة، (ولا يأكل ولا يشرب)، لأنه منافٍ للصلاة، وأنه عمل كثير أيضاً.
(وإن سبقه حدث انصرف، فإن كان إماماً استخلف، وتوضأ وبنى على صلاته)، وهذا عندنا، وهو استحسان، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من قاء أو رعف في صلاته" الحديث، (والاستئناف أفضل)، ليكون مؤدياً للصلاة بلا خلل.
(فإن نام واحتلم أو جن أو أغمي عليه، استأنف الصلاة) لأن هذه الأفعال لا يغلب وجودها، فلا يكون في معنى ما ورد به النص.
(وكذا القهقهة والكلام ناسياً أو عامداً)، أما القهقهة: فلأنه حدث عمد، وأما الكلام: لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "ان صلاتنا هذه لا يصح فيها شيء من كلام الناس" وفي حديث سبق الحدث، وليبن على صلاته مالم يتكلم، فإذا تكلم، فليستقبل الصلاة.
(وإن سبقه الحدث بعد التشهد توضأ وسلم)، لأن اصابة لفظة السلام واجب، فيتوضأ ويبني احرازاً للواجب، (وان تعمد الحدث في هذه الحالة أو تكلم أو عمل عملاً ينافي الصلاة، تمت صلاته)، لأنه لم يبقى عليه شيء من فرائض الصلاة، والخروج حصل بفعله.
(وإن رأى المتيمم الماء في صلاته بطلت صلاته)، لأن طهارة المتيمم تنتهي بوجود الماء، (فإن رآه بعد ما قعد قدر التشهد، او كان ماسحاً فانقضت مدة مسحه، أو خلع خفيه بعمل رفيق، أو كان أمّياً فتعلم سورة، أو عرياناً فوجد ثوباً، أو مومئاً قدر على الركوع والسجود، أو تذكر أن عليه صلاة واحدة قبله، أو أحدث الإمام القارئ فاستخلف أمّياً، أو طلعت الشمس في صلاة الفجر، أو دخل وقت العصر في صلاة الجمعة، أو خرج وقت صلاة صاحب العذر، أو كان ماسحاً على الجبيرة فسقطت عن برء، بطلت الصلاة في قول ابي حنيفة، وقالا: تمت صلاته)، لقوله - صلى الله عليه وسلم -:" إذا قلت هذا أو فعلت هذا فقد تمت صلاتك"، ولأبي حنيفة: أنه قد بقي عليه شيء من الفرائض، وهو الخروج عن الصلاة بفعله، فصار كما لو وجدت هذه الافعال قبل ان يقعد قدر التشهد، وأما الحديث قلنا: أراد به تمام افعال الصلاة، والتحلل فرض لا من افعالها والله اعلم.
باب قضاء الفوائت
(ومن فاتته صلاة قضاها إذا ذكرها وقدمها على صلاة الوقت)، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من نام عن صلاة، أو نسيها، فليصلها إذا ذكرها أو استيقظ" فإن ذلك وقتها وهذا عندنا، خلافا للشافعي، (إلا إذا كان يخاف فوت صلاة الوقت، فيقدم صلاة الوقت ثم يقضي) الفائتة، لأن آخر الوقت للوقتية بالإجماع والخبر المتواتر، فلا يصير وقتا للفائتة بخبر الواحد، بخلاف ما إذا كان في الوقت سعة، لأنه امكن العمل بالدليلين، وكثرة الفوائت بمعنى ضيق الوقت، وكذا النسيان لما ذكرنا.
(وإن فاتته صلوات رتبها في القضاء)، كما قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم الخندق، (إلا أن تزيد الفوائت على ست صلوات، فيسقط الترتيب فيها) لكثرة الفوائت، والله أعلم.
باب الأوقات التي يكره فيها الصلاة
(لا تجوز الصلاة عند طلوع الشمس، ولا عند قيامها في الظهيرة، ولا عند غروبها)، اراد به قضاء الفرائض والواجبات الفائتة عن أوقاتها، كسجدة التلاوة التي وجبت في وقتٍ غير مكروهٍ، أو الوتر الذي فات عن الوقت.
فأما اداء التطوعات في هذه الأوقات يجوز مع الكراهة، وهذا عندنا: لحديث عقبة بن عامر الجهني رضي الله عنه أنه قال:" ثلاث ساعات كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينهانا ان نصلي فيها، وان نقبر فيها موتانا، إذا طلعت الشمس حتى ترتفع، ونصف النهار، وإذا تضيّفت الشمس للغروب" من غير فصل.
(ولا يصلي على جنازة) لما روينا، (ولا يسجد للتلاوة)، لأنها من ابعاض الصلاة، (إلا عصر يومه) كذلك ورد التقييد في بعض الالفاظ.
(ويكره ان يتنفل بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس، وبعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس)، لقوله - صلى الله عليه وسلم -:" لا صلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس، ولا بعد العصر حتى تغرب الشمس"، والمراد: هو النفل، والمعنى فيه: ليكون ابتداء اليوم بالفرض، وختمه بالفرض الذي يعدل سبعين نافلة، (ولا باس بان يصلي في هذين الوقتين الفوائت، ويسجد للتلاوة)، وقوله: لا صلاة ينفي الاستحباب دون الاصل، (ولا يصلي ركعتي الطواف)، لأن النهي الذي روينا ليس فيه فصل.
ويكره أن يتنفل بعد طلوع الفجر بأكثر من ركعتي الفجر)، لرواية عمر رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - انه قال: " لا صلاة بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر"، (وكذلك بعد الغروب قبل صلاة المغرب)، لأنه يؤدي إلى تأخير المغرب وانه مكروه، وأما اداء الواجب الذي وجب بصنع العبد من النذر، وقضاء التطوع الذي افسده ونحو ذلك، يكره في ظاهر الرواية، ويكره اداء العشاء بعد نصف الليل، كيلا يؤخر العشاء إلى النصف لما فيه من تقليل الجماعة.
ويكره اداء الصلاة وقت الخطبة، لأنه سبب لترك استماع الخطبة، ويكره الشروع في
صلاة التطوع وقت خروج الامام إلى الخطبة قبل أن يشتغل بها، وبعد الفراغ عنها قبل الشروع بالصلاة عند أبي حنيفة، خلافا لهما، وبعد شروع الامام في الجماعة يكره للقوم التطوع قضاء لحق الجماعة، إلا في ركعتي الفجر، ووقت آخر يكره فيه التنفل: وهو ما قبل صلاة العيد لمن حضر المصلى يوم العيد.
باب النوافل
(السنة في الصلاة أن يصلي ركعتين بعد طلوع الفجر، وأربعاً قبل الظهر وركعتين بعدها، وأربعاً قبل العصر وان شاء ركعتين، وركعتين بعد المغرب، وأربعاً قبل العشاء وأربعاً بعدها وان شاء ركعتين)، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من ثابر على اثنتي عشرة ركعة في كل يوم وليلة، بنى الله
له بيتاً في الجنة"، وأحاديث أخر وردت فيها، وعمل الامة على هذا أيضاً.
(ونافلة الليل جائزة، والزيادة على الثمان ركعات بتسليمة] مكروه، وفي نوافل النهار يكره الزيادة على الاربع بتسليمة])، لأن المثنى والأربع فيها أحاديث مشهورة، وفي الثمان حديث خاص، فكرهنا الزيادة على الثمان لعدم ورود الخبر، والأفضل في التطوع ليلاً ونهاراً مثنى مثنى عند الشافعي، وقالا: بالليل مثنى مثنى، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "صلاة الليل مثنى مثنى" اعتباراً بالتراويح، وبالنهار اربع اعتباراً بالفرائض، وقال أبو حنيفة: بالليل والنهار أربع أفضل،
لأنها ادوم فكان اشق فكان أولى، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "أفضل الاعمال أحمزها".
(والقراءة واجبة في جميع ركعات النفل)، لأن كل شفع اصل بخلاف الفرض، لأن الصلاة كانت في الاصل ركعتين، ثم زيدت في الحضر، وأقرت في السفر، فيجب القراءة في الاصل دون التبع، كيلا يؤدي إلى التسوية بين الاصل والتبع.
(ومن دخل في صلاة النفل ثم افسدها قضاها) وهذا عندنا، لأنه يجب صيانة المؤَدى من العمل عن البطلان، لأن الابطال حرام بالنص، ولا يحصل ذلك إلا بالإتمام، وكذا الصيام على هذا.
(فإن صلى اربع ركعات وقرأ في الأوليين وقعد، ثم افسد في الآخرتين قضى ركعتين)، لأن كل شفع في التطوع صلاة على حده وقد تم الشفع الأول، ولو لم يقرأ في الكل، قضى ركعتين
عند أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف: يقضي أربعاً.
(وإن صلى النافلة قاعداً مع القدرة على القيام جاز)، لأن تركها جائز فترك وصفها أولى، (وإن افتتحها قائماً ثم قعد جاز عند أبي حنيفة، وقالا: لا يجوز)، لأن الشروع ملزم] كالنذر، وله انه امكن صيانة المؤدى بأصل الباقي، فلا حاجة إلى وصفه.
(ومن كان خارج المصر، يتنفل على دابته إلى اي جهة توجهت يومئ ايماءً)، لما روى أن ابن عمر رضي الله عنهما، كان يصلي على دابته حيث ما توجهت به، وكان يقرأ قوله تعالى: {فإينما تولوا فثم وجه الله} البقرة:115]، والسفر وما دون السفر فيه سواء، لأن الإنسان إذا كان خارج المصر يتعذر عليه النزول، فلو لم نجز له الصلاة على الدابة ينسد عليه باب التنفل، وهو خير موضوع مشروع في جميع الاحوال، فإن كان في المصر لم يجز لعدم الضرورة، وعن أبي يوسف: أنه يجوز.
باب سجود السهو
(سجود السهو واجب، في الزيادة والنقصان بعد السلام) وهذا عندنا، لما روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "انه سجد للسهو بعد السلام"، ولأنه محل لوجوب السجدتين فلا يكون محلا للأداء كما قبل التشهد، وما يروى انه سجد قبل السلام، فمحمول على سلام التشهد توفيقاً بين الاخبار، (ثم يتشهد ويسلم)، لأنه عاد إلى حرمة الصلاة، وعليه عمل الامة.
(وسجود السهو يلزمه إذا زاد في صلاته فعلا من جنسها ليس منها، أو ترك فعلا مسنونا، أوترك فاتحة الكتاب، أو القنوت، أو التشهد، أو تكبيرات العيدين، أو جهر الامام فيما يخافت، أو خافت فيما يجهر)، أو أخر القراءة عن موضعها، لأن سجود السهو انما يجب بترك الواجب، وهذه الاشياء متضمنة ترك الواجب.
(وسهو الامام يوجب على المؤتم السجود)، لأن النقص تمكن في صلاتهم أيضاً وهم اتباعه شرعاً، (فإن لم يسجد الامام لم يسجد المؤتم، وإن سها المؤتم لم يلزم الامام ولا المؤتم السجود)، لأنه لو سجد وحده خالف امامه، وإن سجد معه الامام يصير به تبعاً له، وجعل التبع متبوعاً لمتبوعه قلب الموضوع وتغيير المشروع.
(ومن سهى عن القعدة الأولى ثم تذكر وهو إلى القعود اقرب عاد وجلس وتشهد، وإن كان إلى القيام أقرب لم يعد، ويسجد للسهو)، لأن القيام فرض، والقعدة الأولى واجبة، فلا يجوز ترك الفرض لأجل الواجب.
(وإن سهى عن القعدة الاخيرة فقام إلى الخامسة رجع إلى القعدة ما لم يسجد وألغى الخامسة، ويسجد للسهو)، لأن القعدة الاخيرة فرض، وما قام اليه فليس بفرض ولا واجب، (وان قيد الخامسة بسجدة بطل فرضه)، لأنه انتقل إلى النافلة قبل إكمال الفرض، لكن عند محمد: إذا رفع، وعند أبي يوسف: كما وضع، (وتحولت صلاته نفلاً) على قياس قول أبي حنيفة وأبي يوسف، (وكان عليه ان يضم اليها ركعة سادسة) حتى يكون متنفلاً بالشفع، ولو لم يضم لا شيء عليه عندنا، خلافا لزفر، لأنه شرع في الشفع الاخر على ظن أنه عليه، ثم تبين أنه ليس عليه.
(وإن قعد في الرابعة ثم قام ولم يسلم وظنها القعدة الأولى، عاد إلى القعدة ما لم يقيد الخامسة بالسجدة، ويسلم، فإن سجد في الخامسة ضم اليها ركعة اخرى ليتم شفعاً وقد تمت صلاته، والركعتان نافلة له، ومن شك في صلاته ولم يدر أثلاثاً صلى أم أربعاً وذلك أول ما عرض له استأنف الصلاة)، كذا روى عن ابن عباس وابن عمر: انه يستقبل.
(وان كان الشك يعرض له كثيرا بنى على غالب ظنه إن كان له ظن، وإن لم يكن له ظن بنى على اليقين)، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر أثلاثاً صلى أم أربعاً، فليتحر الصواب وليبن عليه"، ويسجد سجدتي السهو بعد السلام، وعند الشافعي: إذا شك بنى على الاقل بكل حال، ويروي في ذلك حديثاً، إلا انا نحمله على ما قلنا عملاً بالأخبار كلها، والله اعلم.
باب صلاة المريض
(إذا تعذر على المريض القيام صلى قاعداً يركع ويسجد، فإن لم يستطع الركوع والسجود أومئ ايماء، ويجعل السجود اخفض من الركوع]، ولا يرفع إلى وجهه شيئا يسجد عليه)، أما الايماء، فلقوله - صلى الله عليه وسلم - للمريض: "صلّ قائماً فإن لم تستطع فقاعداً" الحديث، واما لا يرفع اليه شيء، لقوله - صلى الله عليه وسلم - في مثله: "إن قدرت أن تسجد على الأرض فاسجد، وإلا فأوم برأسك".
(فإن لم يستطع القعود استلقى على قفاه وجعل رجليه إلى القبلة وأومئ بالركوع والسجود) وهذا عندنا، وقال الشافعي: الأولى أن يصلي على الجنب لحديث عمران بن الحصين رضي الله عنه: "فإن لم يستطع فعلى الجنب يومئ ايماء"، ولنا ان في حديث عبد الله ابن عمر رضي الله عنه: "فإن لم يستطع فعلى قفاه يومئ ايماء"، والأخذ بما روينا أولى، لأنه إذا استلقى على قفاه كان أقرب إلى استقبال القبلة، لأن الجانبين منه تكون إلى القبلة فإشارته تقع إلى الكعبة، وإذا اضطجع على جنبه تقع إشارته إلى رجليه، وذلك ليس بقبلة، وحديث عمران كان في مريض لا يستطيع ان يستلقي على قفاه.
(وان اضطجع على جنبه ووجهه إلى القبلة وأومئ جاز)، يريد به في حالة العجز عن الاستلقاء، لقوله تعالى: {قياما وقعودا وعلى جنوبهم} آل عمران:191]، قال الضحاك
في تفسيره: هو بيان حال المريض في اداء الصلاة بحسب الطاقة.
(ولا يومئ بعينيه ولا بقلبه ولا بحاجبيه)، وعند زفر وابن زياد: يومئ بحاجبيه، فإن عجز عن هذا يومئ بعينيه، فإن عجز عن هذا فعند زفر: يومئ بقلبه، فإن عجز عن ذلك أيضاً الآن يؤخر، لأن الطاعة بقدر الطاقة، ولنا: أن الافعال أصل في الصلاة ولم يوجد فعل في هذه المواضع، فإن بالعين يكون ايحاء لا ايماء، وبالقلب يكون نية.
(فإن قدر على القيام ولم يقدر على الركوع والسجود ولم يلزمه القيام)، لأن القيام لافتتاح الركوع والسجود به، فكل قيام لا يتعقبه سجود لا يكون ركنا، ولأن ايماء القاعد اقرب إلى الشبه بالسجود من ايماء القائم وهو المقصود من الايماء، فكان الايماء قاعداً أولى.
(فإن صلى الصحيح بعض صلاته قائما ثم حدث به مرض تممها قاعداً يركع ويسجد أو يومئ) ان لم يستطع الركوع والسجود، أو مستلقياً (ان لم يستطع القعود)، لأنه لو استقبل وقع
الكل ناقصاً، ولو مضى يقع البعض ناقصاً فكان هذا أولى.
(ومن صلى قاعداً يركع ويسجد ثم صح بنى على صلاته قائماً)، لأن صلاة القاعد بالركوع والسجود مستجمعة للأركان، ولهذا جازت امامة القاعد للقائم إلا في قول محمد، بخلاف المومئ، (فإن صلى بعض صلاته بإيماء ثم قدر على الركوع والسجود استأنف الصلاة)، لأنه قدر على الاصل قبل تمام الحكم بالخلف فيبطل حكم الخلف، ولأنه تقوى حاله وبناء القوي على الضعيف لا يستقيم.
(ومن أغمي عليه خمس صلوات فما دونها قضاها إذا صح، وان فاته بالإغماء اكثر من ذلك لم يقض) وهذا عندنا وهو استحسان، وقال بشر عليه القضاء وان طالت المدة، لأنه بمنزلة المرض، وقال الشافعي: إذا استوعب الاغماء وقت صلاة كامل فلا قضاء عليه، والصحيح قولنا: لأن الاغماء إذا قصر فهو معتبر بما يقصر عادة وهو النوم فلا يسقط القضاء، وإذا طال كان معتبرا بما يطول عادة وهو الجنون والصغر فيسقط القضاء، ففصلنا بين الطويل والقصير بيوم وليلة، فإذا زاد على يوم وليلة كان طويلاً، لأنه يدخل به الصلوات في حد التكرار.
باب سجود التلاوة
(سجود التلاوة في القرآن أربع عشرة سجدة في آخر الأعراف وفي الرعد وفي النحل وبني اسرائيل ومريم وأول سورة الحج والفرقان والنمل والم تنزيل وصاد وحم السجدة والنجم وإذا السماء انشقت واقرأ باسم ربك)، والأحاديث المختلفة وردت في هذه المواضع وفي بعضها اختلاف الصحابة، واختلف مالك، وموضع ذلك كتاب الصلاة.
(والسجود واجب في هذه المواضع على التالي والسامع سواء قصد سماع القرآن أو لم يقصد)، لقول الصحابة رضي الله عنهم: "السجدة على من سمعها وعلى من تلاها".
(وإذا تلا الامام اية السجدة سجدها وسجد المأموم معه، وان تلا المأموم لم يسجد احد) كيلا يؤدي إلى مخالفة الامام، (ولو سمعوا وهم في الصلاة اية السجدة من رجل ليس معهم في الصلاة لم يسجدوها في الصلاة وسجدوها بعد الصلاة) وقال محمد في تلاوة المقتدي: إنهم يسجدونها بعد الصلاة لوجود السبب الموجب وزوال المانع، وعندهما: لا يجب، لأنه محجور عليه فلا يتعلق بها حكم كطلاق الصبي، بخلاف الجنب والحائض حيث يجب فيهما على السامع وعلى الجنب القارئ دون الحائض، لأنهما منهيان غير محجورين ودلالة كونه محجوراً نفاذ قراءة الامام
في حقه، (فإن سجدوا فيها لم تجزهم ولم تفسد صلاتهم)، اما عدم الجواز فلأنها ليست بصلاتيّة، وأما عدم الفساد فلأنها تحتمل زيادة سجدة.
(ومن تلا اية سجدة فلم يسجدها حتى دخل في صلاة فتلاها وسجد اجزأته السجدة عن التلاوتين)، وهذا في ظاهر الرواية، ووجهه ان السبب واحد، لأن المتلو اية واحدة والمكان متحد أيضاً، والمؤداة أكمل من الأولى، لما أن لها حرمتين ولو كانت مثل الأولى نابت عنها، فإذا كانت أكمل كانت أولى.
(وان تلا في غير الصلاة فسجد ثم دخل في الصلاة فتلاها مرة أخرى سجد لها ولم تجزه السجدة الأولى)، لأن الأولى ليست بصلاتيّة فكانت اضعف من الثانية فلا تنوب عن الثانية، ومن قرأها في صلاته فلم يسجدها حتى خرج منها لم يقضها، لأنها صلاتيّة فلا تؤدى خارج الصلاة.
(ومن كرر تلاوة سجدة واحدة في مجلس واحد اجزأته سجدة واحدة)، لأنه يحتاج إلى التكرار للتحفظ أو للتعليم، فلو لزمه بكل مرة سجدة لوقع في الحرج، وانه منفي شرعا.
(مَنْ أراد السجود كبّر ولم يرفع يديه، وسجد، ثم كبر، ورفع رأسه، ولا تشهد عليه ولا سلام)، للسنة المتوارثة، ولم يذكر ماذا يقول في سجوده، والأصح انه يقول فيها ما يقول في سجدة الصلاة.
باب صلاة المسافر
(السفر الذي تتغير به الاحكام: ان يقصد الإنسان موضعاً بينه وبين ذلك مسيرة ثلاثة ايام بسير الإبل ومشي الاقدام، ولا يعتبر في ذلك السير في الماء)، وهذا عندنا، أما التقدير بثلاثة أيام فلقوله - صلى الله عليه وسلم -: " لا تسافر المرأة فوق ثلاثة أيام ولياليها إلا ومعها زوجها أو ذو رحم محرم منها"، معناه: ثلاثة أيام، وكلمة فوق صلة كما في قوله تعالى: {فاضربوا فوق الأعناق} الانفال:12]، وهي لا تمنع من الخروج لغير السفر بدون المحرم، وأما بسير الإبل ومشي الاقدام، فلأن العدل هو اعتبار الوسط في السير، لأن اسرع السير: سير البريد، وأبطئه: سير العجلة،
وأوسطه: سير القافلة، وخير الأمور أوساطها.
(وفرض المسافر عندنا في كل صلاة رباعية ركعتان، ولا يجوز له الزيادة عليها)، وقال الشافعي: أربع، والصحيح: قولنا لحديث عائشة رضي الله عنها قالت: "فرضت الصلاة في الاصل ركعتين، إلا المغرب فإنها وتر النهار، ثم زيدت في الحضر وأقرت في السفر على ما كانت"، وعن عمر رضي الله عنه انه قال: "صلاة المسافر ركعتان تام غير قصر على لسان نبيكم".
(فإن صلى أربعاً وقد قعد في الثانية قدر التشهد اجزأته الركعتان عن فرضه، والركعتان الأخريان نافلة، وإن لم يقعد مقدار التشهد في الركعتين بطلت صلاته)، لأنها هي القعدة الاخيرة في حقه بمنزلة الفجر في حق المقيم.
(ومن خرج مسافراً صلى ركعتين إذا فارق بيوت المصر)، لأنه ما دام في المصر فهو ناو للسفر لا مسافر، فإذا جاوز عمران المصر صار مسافراً لاقتران النية بعمل السفر.
(ولا يزال على حكم سفره حتى ينوي الإقامة في بلد خمسة عشر يوماً فصاعداً، فيلزمه الاتمام، وإن نوى إقامة أقل من ذلك لم يتمم)، ومذهبنا مذهب ابن عمر رضي الله عنه، وقال الشافعي: أقل مدة الإقامة أربعة أيام، وبه كان يقول عثمان رضي الله عنه، والصحيح قولنا: لأن مدة الإقامة في معنى مدة الطهر، لأنه يعيد ما سقط من الصوم والصلاة، ثم ادنى مدة الطهر قدرت بخمسة عشر يوماً، فكذا ادنى مدة الإقامة.
(ولو قال غداً أخرج أو بعد غد أخرج حتى بقي على ذلك سنين صلى ركعتين) وهذا عندنا، وقال الشافعي: إذا زاد على ثمان عشرة ليلة أتم الصلاة. والصحيح قولنا: لما روي أن عبدالله بن عمر رضي الله عنه: " اقام بأذربيجان ستة أشهر يقصر الصلاة".
(وإذا دخل العسكر أرض الحرب فنووا الإقامة خمسة عشر يوماً لم يتموا الصلاة)، لأن نية الإقامة لا تصح إلا في موضع الإقامة، ودار الحرب ليس بمكان الإقامة في حق الغزاة، لأنه لا يتمكن من القرار بنفسه، بل هو متردد بين أن يهزم العدو فيقر، وبين أن ينهزم فيفر، وقال زفر: إن كانت القوة والشوكة للغزاة صحت نية الإقامة منهم، وإلا فلا، وقال أبو يوسف: إن كانوا نزلوا ابنية صحت، وإن كانوا في خيام لم يصح، والأصح ما قلنا، لما مر.
(وإذا دخل المسافر في صلاة المقيم اتم الصلاة، وان دخل معه في فائتة لم تجز صلاته خلفه)، لأن الوقت ما دام قائماً كان فرضه قابلاً للتغيير، فيصير بالاقتداء فرضه وفرض الامام واحداً. أما إذا خرج الوقت فقد تقرر الفرض في حقه ركعتان، فلا يقبل التغيير، فيصير اقتداء مفترض بمتنفل، لأنه إن كان في الشفع الأول فالقعدة فرض في حقه نفل في حق الامام، فإن كان في الشفع الثاني فالقراءة فرض في حقه نفل في حق الامام وهذا لا يجوز.
(وإذا صلى المسافر بالمقيمين ركعتين سلم، ثمّ أتمّ المقيمون صلاتهم) كما فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأهل مكة، فإنه روى انه صلى ركعتين بهم ثم قال: " اتموا صلاتكم يا أهل مكة فإنا قوم سفر"، (ويستحب له إذا سلم أن يقول: اتموا صلاتكم فإنا قوم سفر) اقتداء بالنبي - صلى الله عليه وسلم -.
(وإذا دخل المسافر مصره اتم الصلاة وان لم ينو الإقامة فيه]) لأنه مقيم فيه لتعينه الإقامة في حقه، (ومن كان له وطن فانتقل عنه واستوطن غيره، ثم سافر فدخل وطنه الأول لم يتم الصلاة)، وحاصله ان الأوطان ثلاثة: وطن قرار: وهو البلد الذي هو منشأه ومولده أو تأهل به وتوطن وهذا لا ينقضه إلا وطن مثله، كمكة في حق رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والثاني: وطن مستعار: وهو وطن البلد الذي ينوي المسافر الإقامة فيه خمسة عشر يوماً فصاعداً، وهذا الوطن ينقضه الوطن الاصلي، لأنه فوقه، ووطن مستعار لأنه مثله والسفر لأنه ضده، والثالث: وطن السكنى: وهو موضع ينوي المسافر الإقامة فيه اقل من خمسة عشر يوماً، وهذا ينقضه كل شيء إلا الخروج منه لا عن نية السفر.
(وإذا نوى المسافر أن يقيم بمكة ومنى خمسة عشر يوماً لم يتم الصلاة)، لأنه لم ينو الإقامة بأحدهما مدة الإقامة، فإن عزم على الإقامة بالليالي في احدهما ويخرج بالنهار إلى الموضع الآخر، فإن دخل بالليل الموضع الذي عزم الإقامة بها ليلاً يصير مقيماً، وان كان على العكس لا يصير مقيماً، لأن موضع اقامة الرجل حيث يبيت فيه.
(ومن فاتته صلاة في السفر قضاها في الحضر ركعتين، ومن فاتته في الحضر في حالة الإقامة صلاها في السفر أربعاً)، لأن القضاء يُحَكي الفائت، فتعتبر حالة الفوات.
(والمطيع والعاصي في سفره في الرخصة سواء) هذا عندنا، خلافا للشافعي، لأن الرخصة انما تثبت بالسفر وهو عاصٍ في سفره لا بسفره، لأن السفر مجرد قطع المسافة، فجاز
أن تثبت الرخصة بما لا عصيان فيه.
وإذا صلى في السفينة توجه إلى القبلة على اي حال كانت السفينة، لأنها بمنزلة البيت لأن سيرها غير مضاف إلى راكبها، وان كان يصلى في السفينة قاعداً وهو يقدر على القيام أجزأه عند أبي حنيفة، وعندهما: لا يجزئه، لأن القيام ركن فلا يسقط إلا بعذر، وله ان الغالب دوران الرأس فيها، والغالب بمنزلة الواقع.
والجمع بين الصلاتين يجوز فعلاً ولا يجوز وقتاً، وهو أن يؤخر الظهر إلى آخر الوقت ويصلي العصر في أول الوقت، وهذا عندنا، وعند الشافعي: يجوز وقتاً لعذر المطر والسفر، والصحيح قولنا، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من اكبر الكبائر تأخير الصلاة عن وقتها" من غير فصل.
باب صلاة الجمعة
(لا تصح الجمعة إلا في مصر جامع أو في مصلى المصر) اما الأول: فهو عندنا خلافاً للشافعي، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا جمعة ولا تشريق إلا في مصر جامع"، وأما الثاني: فلأنه متصل به فكان حكمه كحكمه، (ولا تجوز في القرى) لما قلنا، ولا تجب إلا على الاحرار البالغين العقلاء الاصحاء من الرجال المقيمين لما نبين.
(ولا يجوز اقامتها إلا للسلطان أو من أمره السلطان) وهذا عندنا، خلافا للشافعي وهو قاسه بأداء سائر المكتوبات، ولنا: ان الناس يتركون الجماعات لإقامة الجمعة، فلو لم يشترط فيها السلطان ادى إلى الفتنة، لأنه قد يسبق بعض الناس إلى الجمعة فيقيمونها لغرض لهم، ويفوت على غيرهم فيؤدي إلى الفتنة، فشرطنا فيها السلطان ليكون اقرب إلى تسكين الفتنة.
(ومن شرائطها الوقت فتصح في وقت الظهر ولا تصح بعده)، لقوله - صلى الله عليه وسلم - لمصعب بن عمير رضي الله عنه حين بعثه إلى المدينة قبل هجرته: "إذا مالت الشمس فصل بالناس الجمعة"، (ومن شرائطها الخطبة قبل الصلاة)، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "ما صلى الجمعة في عمره بغير خطبة"، ولو جاز ذلك لفعله مرة تعليما للجواز، وهل تقوم الخطبة مقام ركعتين؟ اختلف المشايخ فيه: منهم من قال: تقوم ولهذا لا يجوز إلا بعد دخول الوقت، ومنهم من قال: لا تقوم وهو الاصح، لأنه لا يشترط لها سائر شرائط الصلاة من استقبال القبلة، والطهارة، وغير ذلك.
(ويخطب الامام خطبتين يفصل بينهما بقعدة) هكذا جرى التوارث من لدن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى يومنا هذا، ويجوز الاكتفاء بخطبة واحدة عندنا، خلافا للشافعي، لما روى ان النبي - صلى الله عليه وسلم -: "كان يخطب قائماً خطبة واحدة فلما اسنّ جعلها خطبتين بينهما جلسة "، ففيه دليل على ان الجلسة للاستراحة لا لكونها شرطاً.
(ويخطب قائما على الطهارة)، اما القيام: فلقوله تعالى: {وتركوك قائما} الجمعة:11]، وأما الطهارة: كيلا يقع الفصل بين الخطبة وبين الشروع في الصلاة، (فإن اقتصر على ذكر الله تعالى جاز عند ابي حنيفة، وقالا: لابد من ذكر طويل يسمى خطبة)، لهما: ان الشرط هو الخطبة فما لم يأت بما يسمى خطبة لا يتم شرط الجمعة، ولأبي حنيفة: قوله تعالى: {فاسعوا إلى ذكر الله} الجمعة:9] قيل: المراد به الخطبة، والذكر يحصل بقوله: الحمد لله، أو لا اله إلا الله فما زاد عليه يجعل شرط الكمال لا شرط الجواز، كيلا يؤدي إلى ترك العمل بالكتاب.
(وان خطب قاعداً أو على غير طهارة جاز ويكره])، وعن أبي يوسف وهو قول الشافعي: أنه لا يجوز بغير طهارة، لأن الخطبة بمنزلة شطر الصلاة، قالت عائشة رضي الله عنها: "انما قصرت الجمعة لمكان الخطبة" ولنا ان الخطبة ذكر والجنب والمحدث غير ممنوعين عن ذكر الله تعالى، ما خلا قراءة القرآن في حق الجنب، وتأويل الحديث: انها كشطر الصلاة في حق الثواب لا في اشتراط شرائط الصلاة.
(ومن شرائطها الجماعة، واقلهم عند ابي حنيفة ومحمد ثلاثة سوى الامام، وقال أبو يوسف: اثنان سوى الامام)، اما اشتراط أصل الجماعة، فلأنها سميت جمعة لاجتماع الجماعات فيها، إلا عند أبي يوسف: للمثنى حكم الجماعة حتى يتقدم الامام عليهما، وفيهما معنى الاجتماع أيضاً، وهما يقولان: بأن أهل اللغة فصلوا بين المثنى والجمع، واشتراط الجماعة ثابت مطلقاً، والمثنى وإن كان فيه معنى الاجتماع فليس بجمع مطلق لأن الجمع المطلق ما يوجد فيه الفرد والشفع واقل ذلك ثلاثة، وعند الشافعي: لا بد من أربعين رجلا من الأحرار البالغين المقيمين، وهذا فاسد، لأنه روى: " ان أهل المدينة لما رأوا تجارة أو لهوا نفروا وبقي مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اثنا عشر رجلا فصلى بهم الجمعة".
(ويجهر الامام بقراءته في الركعتين) للتوارث، (وليس فيهما قراءة سورة بعينها) لإطلاق النص، وهو قوله تعالى: {فاقرءوا ما تيسر من القرءان} المزمل:20].
(ولا تجب الجمعة على المسافر، ولا امرأة، ولا مريض، ولا عبد)، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من كان يؤمن بالله واليوم الاخر فعليه الجمعة، إلا مسافر، أو مملوك، أو صبي، أو امرأة، أو مريض، فمن استغنى عنها بلهو، أو تجارة استغنى الله عنه، والله غني حميد"، (فإن حضروا وصلوا مع
الناس اجزأهم عن فرض الوقت)، لأن سقوط فرض السعي عليهم لا لمعنى في الصلاة بل للحرج والضرر، فإذا تحملوها التحقوا في الاداء بغيرهم.
(ويجوز للمسافر والعبد والمريض ان يؤم في الجمعة) لكمال الاهلية في حقهم، (ومن صلى الظهر في منزله يوم الجمعة قبل صلاة الامام ولا عذر له كره له ذلك، وجازت صلاته)، خلافا لزفر، وقال الشافعي: لا يجزئه الظهر إلا بعد خروج الوقت، لأن من اصلها ان الفرض في حقه هو الجمعة والظهر بدل، فما لم يتحقق العجز عن الاصل لا يجوز المصير إلى البدل، وعندنا: أصل الفرض هو الظهر، بدليل انه ينوي القضاء في الظهر إذا اداه بعد خروج الوقت، وقد اداه في وقته فتجزئه، وقد روى عن محمد: ان الفرض احدهما لا بعينه ويتعين بفعله، والأفضل هو الجمعة.
(فإن بدا له ان يحضر الجمعة فتوجه بطلت صلاة الظهر بالسعي]) فإن كان خروجه من بيته بعد فراغ الامام منها فليس عليه اعادة الظهر، وان كان قبل فراغ الامام منها فعليه اعادة الظهر عند أبي حنيفة، (وقالا: لا يبطل ظهره حتى يدخل مع الامام)، لهما ان فرض الظهر قد صار مؤداً فلا ينتقض إلا بما هو اقوى منه وهو الجمعة، وله: ان السعي من خصائص الجمعة، فكان الاشتغال به كالاشتغال بها من وجه فيصير به رافضاً للظهر.
(ويكره ان يصلي المعذور يوم الجمعة صلاة الظهر بجماعة، وكذلك اهل السجن)، لإجماع الامة على ترك الجماعة يوم الجمعة مع ان المصر قل ما يخلو عن معذورين يتعذر عليهم اتيان الجامع.
(ومن ادرك الامام يوم الجمعة صلى معه ما ادرك وبنى عليها الجمعة)، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "ما ادركتم فصلوا، وما فاتكم فاقضوا من غير فصل"، (فإن ادركه في التشهد أو في سجود السهو بنى على الجمعة، وقال محمد: ان ادرك معه اكثر الركعة الثانية بنى عليها الجمعة، وان ادرك اقلها بنى عليها الظهر)، لأنه ادرك الجمعة تحريمة لا اركاناً فيجمع بينهما احتياطاً، وهي جمعة في حقه عنده، ولهذا ألزمه القراءة في كل ركعة وألزمه القعدة الأولى أيضاً على رواية الطحاوي عنه، وفي رواية المعلى عنه: لا يلزمه القعدة الأولى، لأنه ظهر من وجه فلا تكون القعدة الأولى واجبة فيه، إلا أنهما يقولان: هذا باطل، لأنه ان كان ظهراً لا يمكنه أن يبنيها على تحريمة عقدها للجمعة، وان كان جمعة فهي لا تكون اربع ركعات.
(وإذا خرج الامام يوم الجمعة ترك الناس الصلاة والكلام حتى يفرغ من خطبته) عند أبي حنيفة، لقوله - صلى الله عليه وسلم -:" إذا خرج الامام يوم الجمعة فلا صلاة ولا كلام"، وقالا يكره الصلاة في هذين الوقتين ولا يكره الكلام، لقوله - صلى الله عليه وسلم -:" خروج الامام يقطع الصلاة وكلامه يقطع الكلام".
(وإذا اذن المؤذن يوم الجمعة الأذان الأول ترك الناس البيع وتوجهوا إلى الجمعة)، لقوله تعالى: {إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع} الجمعة:9]، (وإذا صعد الامام المنبر جلس وأذن المؤذنون بين يدي المنبر، فإذا فرغ من الخطبة اقاموا)، هكذا توارثنا من لدن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى يومنا هذا، والله اعلم.
باب صلاة العيدين
(ويستحب يوم الفطر: ان يَطَعْمَ الإنسان قبل الخروج إلى المصلى)، فصلاً بينه وبين يوم الصوم، (ويغتسل، ويتطيب) هو السنة المتوارثة، وصيانة للناس عن الرائحة الكريهة، (ويتوجه إلى المصلى) توسلاً إلى إقامة الواجب أو السنة على حسب اختلاف الروايات، والأوجه: انها واجبة.
وينبغي ان يخرج صدقة الفطر قبل الخروج إلى المصلى، وهو السنة المتوارثة، ولقوله - صلى الله عليه وسلم -: "اغنوهم عن المسالة في هذا اليوم".
(ولا يكبر في الطريق عند ابي حنيفة)، يريد به جهراً، (وعندهما: يكبر) جهرا، وفي عيد الاضحى: يكبر جهرا حال ذهابه إلى المصلى، فإذا انتهى إلى المصلى يترك، والصحيح قول أبي حنيفة، لأن الأصل في الاذكار: هو الاسرار، وإنما يصار إلى الجهر بدليل زائد وقد ثبت في عيد الاضحى عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "انه كان يكبر في الطريق جهرا" ولم يثبت في عيد الفطر.
(ولا يتنفل قبل صلاة العيد) يريد به في المصلى، لقول علي رضي الله عنه: "صليت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة العيد فلم يتنفل قبله، فقيل له: ألا تنهى، فقال: اخشى ان اكون من الذين قيل فيه، {أرءيت الذي ينهى عبدا إذا صلى (10)} العلق:9 - 10] "، وان احب ان يصلي بعدها صلى اربعاً، هكذا قال صاحب "الكتاب"، إلا ان مشايخنا قالوا: المستحب ان يصلي أربعاً بعد الرجوع إلى منزله، كيلا يظن ظانّ انه هو السنة المتوارثة.
(فإذا حلت الصلاة بارتفاع الشمس دخل وقتها إلى الزوال، فإذا زالت الشمس خرج وقتها)، لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "كان يصلي العيد والشمس على قدر رمح أو رمحين".
(ويصلي الامام بالناس ركعتين، يكبر في الأولى تكبيرة الاحرام، وثلاثة بعدها، ثم يقرأ فاتحة الكتاب وسورة، ويكبر تكبيرة يركع بها، ثم يبتدئ في الركعة الثانية بالقراءة، فإذا فرغ من القراءة كبر ثلاث تكبيرات، وكبر تكبيرة رابعة يركع بها) وهذا قول عبدالله بن مسعود رضي الله عنه، وبه أخذ علماؤنا، لأنه وافقه كثير من الصحابة، فإنه لا اضطراب في قوله بخلاف قول غيره، وعن ابن عباس رضي الله عنه روايات كثيرة والمشهور منها: "انه كبر ثلاث عشرة تكبيرة ثلاث اصليات، وعشر زوائد، في كل ركعة خمسٌ" في العيدين جميعاً، ويقدم التكبيرات على القراءة في الركعتين جميعاً، وتكبير عامة البلاد اليوم على هذا، لأن الولاية لما انتقلت إلى آل عباس: امروا الولاة والناس بالعمل في التكبيرات بقول جدهم.
(ويرفع يديه في تكبيرات العيدين)، لأن المقصود منها اعلام من لا يسمع، بخلاف تكبيرات الركوع لأنه يؤتى بهما في حالة الانتقال فلا حاجة إلى رفع اليد للإعلام.
(ثم يخطب بعد الصلاة خطبتين يعلم الناس فيها صدقة الفطر وأحكامها) كذا وردت السنة، (ومن فاتته صلاة العيد مع الامام لم يقضها) بمنزلة صلاة الجمعة، لما ان الجماعة
والسلطان شرط فيهما وليس في وسع المتفرد تحصيلهما.
(فإن غُمّ الهلال على الناس فشهد عند الامام برؤية الهلال بعد الزوال صلى الامام العيد من الغد)، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "فطركم يوم تفطرون واضحاكم يوم تضحون"، (فإن حدث عذر منع من الصلاة في اليوم الثاني لم يصلها بعده)، وان تركت بغير عذر سقطت اصلاً، وفي عيد الاضحى يصلي إلى ثلاثة أيام سواء كان الترك لعذر أولا لعذر، لأن القياس أن لا تؤدى إلا في يوم العيد، لأنها عرفت بصلاة العيد، وإنما عرفنا جواز الاداء في اليوم الثاني في عيد الفطر بالنص الخاص في حالة العذر، وفي عيد الاضحى في اليوم الثاني والثالث استدلالاً بالأضحية.
(ويستحب في يوم الاضحى: ان يغتسل ويتطيب) للتوارث، (ويؤخر الأكل إلى ما بعد الصلاة)، حتى يكون الفطر بتناول القرابين، بخلاف يوم الفطر وفي الرساتيق.
(ويتوجه إلى المصلى وهو يكبر)، لما روينا من الحديث في عيد الفطر، (ويصلي ركعتين، ويخطب بعدها خطبتين يعلم الناس فيها الاضحية وتكبير التشريق)، هكذا جرى التوارث، (وتكبير التشريق أوله عقيب صلاة الفجر من يوم عرفة، وآخره عقيب العصر من يوم
النحر عند أبي حنيفة)، وهو قول ابن مسعود رضي الله عنه، لأن الاثار قد اختلفت فكان الاخذ بالأقل أولى تحامياً عن البدعة في الجهر بالأثنية، (وقالا: إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق) وهو ثلاث وعشرون صلاة، وهو قول علي رضي الله عنه أخذًاً بالاحتياط في باب العبادات بالإتيان بالأكثر.
(والتكبير عقيب الصلوات المفروضات) في الجماعات المستحبة على المقيمين في الامصار: (الله اكبر، الله اكبر، لا اله الا الله، والله اكبر، الله اكبر، ولله الحمد)، وهذا قول أبي حنيفة لقوله - صلى الله عليه وسلم -:"ولا تشريق إلا في مصر جامع "، والمراد بالتشريق: هو التكبير، كذا روي عن النضر بن شميل رضي الله عنه، وقالا: يجب على كل من يصلي المكتوبة، لأنها تبع المكتوبة، وقال الشافعي: على كل من يصلي الصلاة مطلقاً فرضاً كانت أو نفلاً.
باب صلاة الكسوف
(إذا انكسفت الشمس صلى الإمام بالناس ركعتين كهيئة النافلة في كل ركعة ركوع)، أما الصلاة فلقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا رأيتم من هذه الافزاع فافزعوا إلى الصلاة"، حتى قال بعض مشايخنا: بأنها واجبة آخذاً بظاهر الأمر، وعن أبي حنيفة ما يدل على أنها سنة، فإنه خير بين ان يصلي ركعتين، وبين أن يصلي أربعاً، وبين الأكثر من ذلك، والتخيير يكون في التطوع، وقال الشافعي: يركع كل ركعة بركوعين وسجودين، وكل ذلك مروي، إلا أن الأخذ بما قلنا موافق للأصول فكان الأخذ به أولى.
(ويطول القراءة فيهما ويخفي، وعند أبي يوسف: يجهر)، وقول محمد مضطرب، والصحيح قول أبي حنيفة، لأن الأصل في صلاة النهار المخافتة إلا إذا قام الدليل بخلافه، (ثم استحباب الجماعة فيها) بثلاثة أشياء: بالجماعة، (وبالإمام الذي يقيم الجمعة) والعيدين، لأن الاجتماع بدون الإمام ربما يفضي إلى الفتنة والفساد، وبالمكان الذي تقام فيه الجمعة أو صلاة العيدين، لأن الغالب أنهم لا يسعون إلا في هذين الموضعين، ويكره أداء كل قوم بجماعة في كل موضع، (فإن لم يجتمع الناس صلاها الناس فرادى)، إلا أن الصلاة جمعاً أفضل.
(وإذا فرغوا منها دعوا حتى تنجلي الشمس)، كذلك فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، (وليس في خسوف القمر جماعة، وإنما يصلي كل واحد وحده) وهذا عندنا، لأن الاجتماع بالليل مما يشق على الناس، وربما يفضي إلى الفتنة أيضاً.
(وليس في الكسوف خطبة)، كذا روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - انه قال: "ولا خطبة فيها".
باب الاستسقاء
(قال أبو حنيفة: ليس في الاستسقاء صلاة مسنونة في جماعة، فإن صلى الناس وحداناً جاز، وإنما الاستسقاء بالدعاء والاستغفار)، لقوله تعالى: {فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا (11)} نوح:10 - 11]، فمن أراد الصلاة لا يستغني عن دليل.
(وقال أبو يوسف] ومحمد: يصلي الإمام بالناس ركعتين)، وقول أبي يوسف مضطرب (ويجهر الإمام فيها بالقراءة)، ولا يكبر فيهما سوى تكبيرة الافتتاح وتكبيرتي الركوع في المشهور، وفي رواية: يكبر فيهما كما في صلاة العيد.
(ثم يخطب، ويستقبل القبلة بالدعاء، ويقلب رداءه دون القوم)، وهو أن يجعل أسفله أعلاه عند مضي صدر من خطبته، وفي الجلوس في خطبته روايتان، وإنما يخطب على الأرض قائما معتمداً على قوس أو سيف مستقبلاً بوجهه إلى الناس، فإذا فرغ من الخطبة يجعل ظهره إلى الناس ووجهه إلى القبلة ثم يشتغل بدعاء الاستسقاء مستقبل القبلة، لأن الدعاء مستقبل القبلة اقرب إلى الإجابة، فيدعو الله تعالى، ويستغفر للمؤمنين، ويجددون التوبة ويستسقون وهذا عندهما، فأما عند أبي حنيفة: تقليب الرداء ليس بسنة في دعاء الاستسقاء، ثم المستحب أن يخرج الإمام بالناس إلى الاستسقاء ثلاثة أيام متتابعات، لأن الثلاث مدة لإبلاء العذر.
(ولا يحضر أهل الذمة الاستسقاء)، لأن الخروج لطلب الرحمة، والكفرة أهل السخط والعقوبة، والله اعلم.
باب: قيام شهر رمضان
قال (ويستحب أن يجتمع الناس في شهر رمضان بعد العشاء، فيصلي بهم إمامهم خمس ترويحات، في كل ترويحة تسليمتان، ويجلس بين كل ترويحتين مقدار ترويحة)، وهي سنة لا يسع تركها، إذ الأمة أجمعت] على شرعيتها وجوازها ولم ينكرها أحد من أهل القبلة إلا الروافض، ويصلون في كل ليلة عشرين ركعة، يقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب وقدر عشر آيات أو اقل أو أكثر، لأن السنة في التراويح الختم مرة، لأن عدد الركعات في جميع الشهر ستمائة وعدد آي القرآن ستة آلاف وشيء، فإذا قرأ في كل ركعة عشر آيات يحصل الختم فيها، ومشايخ بخارى جعلوا القرآن خمسمائة وأربعين ركوعاً، واعلموا المصاحف بها، ليقع الختم في الليلة السابعة والعشرين رجاء أن ينالوا فضيلة ليلة القدر، إذ الأخبار قد كثرت على أنها هي الليلة السابعة والعشرين من شهر رمضان.
(ثم يوتر بهم ولا يصلى الوتر بجماعة في غير شهر رمضان)، توارثنا هكذا من لدن زمن عمر رضي الله عنه، والله اعلم بالصواب.
باب صلاة الخوف
قال: (وإذا اشتد الخوف جعل الإمام الناس طائفتين: طائفة إلى وجه العدو، وطائفة خلفه، فيصلي بهذه الطائفة ركعة وسجدتين، فإذا رفع رأسه من السجدة الثانية مضت هذه الطائفة إلى وجه العدو، وجاءت تلك الطائفة، فيصلي بهم الإمام ركعة وسجدتين، ويتشهد ويسلم، ولا يسلم القوم، وذهبوا إلى وجه العدو، وجاءت الطائفة الأولى، فصلوا وحدانا ركعة وسجدتين بغير قراءة وتشهدوا وسلموا، ومضوا إلى وجه العدو، وجاءت الطائفة الأخرى فصلوا ركعة وسجدتين بقراءة وتشهدوا وسلموا)، ومضوا إلى وجه العدو، وهذا في صلاة الفجر وذوات الأربع في حالة السفر.
(وان كان الإمام مقيما صلى بالطائفة الأولى ركعتين وبالثانية ركعتين، ويصلى بالطائفة الأولى ركعتين من المغرب وبالثانية ركعة)، ولا خلاف أن صلاة الخوف كانت مشروعة زمن النبي - صلى الله عليه وسلم -، أما بعده هل بقيت مشروعة؟ فعند أبي حنيفة ومحمد وهو قول أبي يوسف أولا: بقيت، ثم رجع وقال: لم تبقى مشروعة بعده ذكره في "نوادر" أبي سليمان، والصحيح هو الأول، لما أن الصحابة رضي الله عنهم أقاموها بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقوله تعالى: {وإذا كنت فيهم} النساء:102] معناه والله اعلم أنت أو من يقوم مقامك في الإمامة، وصفتها عندنا ما ذكرنا في الكتاب وهو أولى، لأنه أوجه وأوفق لظاهر الكتاب.
(ولا تجوز الصلاة مع المقاتلة) وهذا عندنا، وقال مالك وهو قول الشافعي في القديم: تجوز، والصحيح قولنا، لأن القتال عمل كثير ليس من أعمال الصلاة ولا تمس الحاجة إليه لا محالة فكان مفسداً، كاتباع السارق لاسترداد المال، ولو جاز هذا لما أخر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أربع صلوات يوم الخندق.
(فإن اشتد الخوف صلوا ركباناً وحداناً يومئون بالركوع والسجود إلى أي جهة شاءوا إذا لم يقدروا على التوجه إلى القبلة)، لأن بينهم وبين الإمام طريق فيمنع ذلك صحة الاقتداء، وعن محمد: انه يجوز لهم أن يصلوا ركبانا بجماعة، إحرازا لفضيلة الجماعة، إلا أنا نقول: ما اثبتنا من الرخصة اثبتناه بالنص ولا مدخل للرأي في إثبات الرخصة، والله اعلم.
باب الجنائز
(إذا احتضر الرجل وجه إلى القبلة على شقه الايمن)، واختار اهل بلادنا الاستلقاء على
قفاه، وقيل: بأنه أيسر لخروج الروح، والأول افضل، لأنه هو السنة، ولأنه قرب إلى الموت فيضجع في هذه الحالة كما يضجع في القبر بعد الموت.
(ويلقن الشهادة) لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لقنوا موتاكم شهادة ان لا اله إلا الله"، والمراد منه الذي قرب من الموت لا الميت حقيقة، (فإذا مات شدوا لحييه، وغمضوا عينيه)، لأنه إذا ترك كذلك يصير كريه المنظر، ويقبح في أعين الناس، وعليه توارث الامة أيضاً.
(فإن ارادوا غسله وضعوه على سرير اي تخت، وجعلوا على عورته خرقة، ونزعوا عنه ثيابه)، اما غسل الميت واجب لإجماع الامة من لدن ادم عليه الصلاة والسلام إلى يومنا هذا، وأما الوضع على السرير وتجريده عن الثياب، للتمكن من الغسل المطهر، (ويوضأ) أولا وضوءه للصلاة، إلا انه (لا يمضمض، ولا يستنشق)، ولا يمسح على رأسه، ولا يؤخر غسل قدميه، اما ترك المضمضة والاستنشاق، فلأن اخراج الماء منه متعذر أو متعسر، وأما عدم المسح فلأنه لا فائدة فيه، وأما غسل الرجلين فلأن الغسالة لا تجتمع تحت قدميه، (ثم يفيضون الماء عليه ثم يضجع على شقه الايسر، فيغسل حتى يرى ان الماء خلص إلى ما يلي التخت)، لأن المسنون هو الابتداء بالميامن.
(والسنة ان يغلى الماء بالسدر أو بالخطمى أو الحرض، فإن لم يكن فالماء القَرَاح يكفي، ويغسل رأسه ولحيته بالخطمى) تنقية له عن التفث، وتطهيراً له عن النجاسة والدرن، (ثم يضجعه على شقه الايمن فيغسله بالماء) الذي اغلى فيه ما ذكرنا، (حتى ينقيه ويرى ان الماء خلص إلى ما يلي التخت منه، ثم يجلسه ويسنده إلى يده ويمسح بطنه مسحاً رقيقاً، فإن خرج منه شيء مسحه ولا يعيد غسله)، ثم يضجعه على شقه الايسر فيغسله بالماء القراح حتى ينقيه لأن السنة في غسل الميت هو الثلاث اعتباراً باغتسال الحي.
(ويجمر سريره وتراً) اي يعطر بالمجمر، وقوله وتراً: اي واحداً أو ثلاثاً أو خمساً، لأن
الوتر احب الاعداد إلى الله تعالى، وفي الخبر: "ان الله وتر يحب الوتر"، (ثم ينشف الميت بخرقة كيلا تبتل اكفانه، ويجعل الحنوط في رأسه ولحيته، والكافور على مساجده)، يعني به جبهته وانفه ويديه وركبتيه وقدميه، لأنه كان يسجد على هذه الاعضاء فتخص بزيادة الكرامة، وذلك بعدما جعل في اكفانه، وهذا لأنه يلبس كفنه للعرض على ربه، وفي حياته كان إذا لبس ثوبه للجمعة والعيدين يتطيب فكذلك بعد الموت يفعل بكفنه.
(والسنة ان يكفن الرجل في ثلاثة اثواب: ازار، وقميص، ولفافة)، وهذا عندنا لحديث ابن عباس رضي الله عنه: " كفن النبي - صلى الله عليه وسلم - في ثلاثة اثواب بيض سحولية فيها قميصه"، (فإن اقتصر على ثوبين جاز)، لأن المقصود هو الستر والإكرام، وقد حصل، (وإذا ارادوا ان يلفوا اللفافة ابتدءوا بالجانب الايسر فالقوه عليه، ثم بالأيمن، فإذا خافوا ان ينتشر الكفن عنه عقدوه)، اعتبارا بالمتقبى في حياته، وإذا وضع في قبره تحل العقد، ولم يبين انه هل تحشى مخارقه؟ قالوا: لا باس بذلك في انفه وفمه، كيلا يسيل منه شيء.
وفي تعميم الميت اختلاف المشايخ، وقد استحسنه بعض المشايخ، لحديث ابن عمر رضي الله عنه انه كان يعمم الميت، ويجعل ذنب العمامة على الوجه، بخلاف حالة الحياة، حيث يرسل قبل القفاء لمعنى الزينة، وقد انقطع ذلك بالموت.
(وتكفن المرأة في خمسة اثواب: إزارٍ، وقميصٍ، وخمارٍ، ورداءٍ، وخرقةٍ، يربط بها ثدياها)، روت أم عطيه رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "كفن ابنته رقيه في خمسة أثواب"، (وإن اقتصروا على ثلاثة أثواب جاز، ويكون الخمار فوق القميص وتحت اللفافة) كذا وردت السنة، (ويجعل شعرها على صدرها، ولا يعقص ولا يسرح شعر المرأة، ولا لحية الرجل، ولا يقلم ظفره، ولا يقص شعره)، لأن ذلك أمر يفعله الحي للزينة وقد انقطع ذلك بالموت، ولأنه لو فعل ذلك ربما يتناثر شعره، والسنة دفنه على ما مات عليه.
(وتجمر الاكفإن وتراً قبل أن يدرج فيها)، لما روينا أن أحب الأعداد إلى الله تعالى الوتر، (فإذا فرغوا منه صلوا عليه) هو السنة المتوارثة، (وأولى الناس بالصلاة السلطان إذا حضر، وان لم يحضر فالقاضي أو الوالي، وان لم يحضر واحد منهم، فإمام المسجد)، استحباباً للاستيجاب] (فإن لم يكن فوليه) الأقرب فالأقرب على ترتيب العصبات، أما تقديم السلطان فلأن له ولاية عليه وفي التقديم عليه ازدراء به وكذا من يقوم مقامه، وأما امام الحي فلأنه رضي بإمامته في حال حياته.
(وان صلى عليه غير الولي والسلطان اعاد الولي)، لأن الصلاة لم تجز بدون الولي لحقه، (فإن صلى الولى لا تعاد)، لأنه لو جاز اعادة صلاة الجنازة لصلينا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، (وان دفن الميت ولم يصلَّ عليه صُلِّي على قبره)، لأنه قد سلم إلى الله وخرج عن ايديهم، قال - صلى الله عليه وسلم -: "القبر أول منزل من منازل الآخرة"، ألا انهم لم يؤدوا حقه بالصلاة عليه، والصلاة على القبر يتأتى قد فعله النبي - صلى الله عليه وسلم -، فيصلى على قبره ما لم يعلم انه تفرق.
(والصلاة: ان يكبر تكبيرة يحمد الله تعالى عقيبها، ثم يكبر الثانية ويصلى على النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا يرفع يديه، ثم يكبر الثالثة يدعو فيها للميت ولنفسه وللمسلمين جميعا، ثم يكبر الرابعة ويسلم)، والتكبيرات أربع عند اهل السنة والجماعة، وقالت الروافض: خمس ويروون ذلك عن علي رضي الله عنه ويكذبون، فقد جمع عمر رضي الله عنه الصحابة بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين اختلفوا في هذا، فاتفقوا على آخر صلاة صلاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقد كان صلى على سهيل بن
البيضاء رضي الله عنه وكبر عليه أربعاً، فاتفقوا عليه.
هذا إذا كبر للافتتاح مع الامام، فإن كبر الامام تكبيرة أو تكبيرتين ثم جاء رجل، فإنه ينتظر حتى يكبر الامام فيكبر معه، وعند ابي يوسف: يكبر حين يحضر، ومذهبهما مروي عن ابن عباس رضي الله عنه.
(ويقوم المصلي عليها بحذا صدر الميت)، اشارة إلى انا نشفعه لإيمانه، (ولا يصلى على ميت في مسجد جماعة)، وهذا عندنا لحديث ابي هريرة رضي الله عنه، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - انه قال: "من صلى على جنازة في المسجد فلا أجر له"، وإذا وضعت الجنازة خارج المسجد والإمام مع صف واحد قام خارج المسجد هل يكره؟ ففيه اختلاف المشايخ.
(وإذا حملوه على سريره اخذوا بقوائمه الاربع ويمشون به مسرعين دون الخَبَبِ) وهذا عندنا، اما الاخذ فلتعظيم الميت، وأما الثاني فلما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، انه سئل عن المشي بالجنازة، فقال: " ما دون الخبب، فإن يك خيراً عجلتموه اليه، وان يك شراً وضعتموه عن رقابكم" أو "قال فبعداً لأهل النار".
(فإن بلغوا إلى قبره كره للناس ان يجلسوا قبل ان يوضع من اعناق الرجال)، موافقة للذين يحملون الجنارة، واستعداداً لإعانتهم، ولأنهم انما حضروا اكراما له فكان الجلوس قبل الوضع عن المناكب نوع استخفاف وازدراء به، وبعد الوضع لا يؤدي إلى ذلك.
(ويحفر القبر ويلحد) وهذا عندنا، لقوله - صلى الله عليه وسلم -:" اللحد لنا والشق لغيرنا"، (ويدخل الميت مما يلي القبلة) عندنا، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم -، أخذ أبا دجانة رضي الله عنه من
قبل القبلة، (فإذا وضع في لحده قال الذي يضعه: بسم الله وعلى ملة رسول الله) هكذا وردت السنة، (ويوجه إلى القبلة)، لما روي في الخبر: "خير الاماكن ما استقبلت به القبلة".
(ويسوى اللبن عليه، ويكره الآجُّر والخشب، ولا يكره القصب)، لأنها للبقاء والقبر للبلى والفناء وهكذا ورد في الاثر، (ثم يهال التراب ويسنم القبر ولا يسطح) اي: لا يربع وهذا عندنا، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "نهى عن تربيع القبور"، وعن عبد الرحمن بن رافع انه قال: "رأيت قبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مسنما"، ولا يجصص، لما روي ان النبي - صلى الله عليه وسلم -: "نهى عن تقصيص القبور": وهو تجصيصها، ولا يطين ولا يبنى عليه، لأنه يشبه عمارة الدنيا.
ويسجى قبر المرأة ولا يسجى قبر الرجل، لأن بناء حالهن على الستر ومرّ علي رضي الله عنه بقبر رجل قد سجى فنحاه وقال: "انما هو رجل".
(ومن استهل بعد الولادة سمي وغسل وصلي عليه)، ومعنى الاستهلال: رفع الصوت بالبكاء، لأنه حي كسائر الاحياء، وان لم يستهل ادرج في خرقة ولم يصل عليه، وعن محمد: انه يغسل، وهل يسمى؟ روي عن أبي حنيفة وأبي يوسف: انه لا يسمى، وعن محمد: انه يسمى.
باب الشهيد
(الشهيد: من قتله المشركون، أو وجد في المعركة وبه أثر الجراحة، أو قتله المسلمون ظلماً ولم تجب بقتله دية)، لأنه في معنى شهداء احد، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - في حق شهداء احد: "زملوهم بكلومهم ودمائهم، فإنهم يبعثون يوم القيامة وأوداجهم تشخب دماء، اللون لون الدم، والريح ريح المسك".
(ويصلى عليه) عندنا، (ولا يغسل) خلافا للشافعي، لما روي ان النبي - صلى الله عليه وسلم -: "صلى على حمزة سبعين صلاة"، اي على سبعين نفراً وحمزة موضوع بين يديه يدعو له مع كل صلاة، وإذا استشهد الجنب غسل عند أبي حنيفة، وكذلك الصبي، وقالا: لا يغسلان لإطلاق الحديث في شهداء احد، ولأبي حنيفة: حديث غسل الملائكة لحنظلة بن ابي عامر رضي الله عنه حين استشهد جنباً، والصبي ليس في معنى شهداء أحد في كون القتل مكفراً للذنب، فلا يكون في معناهم.
(ولا يغسل عن الشهيد دمه، ولا ينزع عنه ثيابه)، لحديث زيد بن صوحان حين استشهد يوم الجمل قال: "لا تغسلوا عني دما، ولا تنزعوا عني ثوبا،
وارمسوني في التراب رمساً، فإني رجل محاج احاج يوم القيامة من قتلني"، (وينزع عنه الفرو والحشو والخف والسلاح) وما لا يصلح كفناً، لأن ما يترك يترك كفناً، وهذه الاشياء لا تصلح كفناً.
(ومن ارتث غُسِّل) معناه: من خلق أمره في باب الشهادة مأخوذ من الرثاثة، يقال: ثوب رث اي خلق، لآثار وردت في غسل المرتث، ولأن المرتث لا يكون في معنى شهداء احد، لأنهم لم يرتثوا، (والارتثاث: ان يأكل أو يشرب أو يداوى أو يبقى حياً وقت صلاة وهو يمرض، أو ينقل من المعركة حيا) ثم مات، لأن هذه الامور من مرافق الاحياء، فيخفف اثر الظلم بسبب هذه الاشياء فتبطل المقايسة بشهداء احد.
(ومن قتل في حد أو قصاص غسل وصلى عليه)، لأنه ليس في معنى شهداء احد، (ومن قتل من البغاة أو قطاع الطريق لم يصل عليه)، لأنهم يحاربون الله ورسوله، فيستحقون الاهانة دون الكرامة.
باب الصلاة في الكعبة
(الصلاة في الكعبة جائزة فرضها ونفلها)، لأنه متوجه إلى بعض الكعبة، وهذا هو الفرض في حقه كما في حق من هو خارج الكعبة وهذا عندنا، خلافاً لمالك في صلاة الفرض، (فإن صلى الامام بجماعة فجعل بعضهم ظهره إلى ظهر الامام جاز)، لأنه وجد استقبال القبلة من الكل على وجه ليس فيه تقدم أحدهم على الامام فيجوز.
(ومن جعل منهم ظهره إلى وجه الامام لا يجوز)، لتقدمه على امامه، ومن كان عن يمين الامام أو عن يساره جاز، إذا لم يكن أقرب إلى الجدار الذي توجه اليه الامام من الامام، لما قلنا: ان الجهات كلها قبلة ولا تقدم فيها على الامام، وهذا بخلاف قوم صلوا بالتحري في المفازة عند الاشتباه إلى جهات مختلفة، حيث لا تجوز صلاة من علم بمخالفة امامه، لأن تلك الجهة ليست بقبلة عنده، فكان
امامه على الخطأ عنده.
(وإذا صلى الامام في المسجد الحرام فتحلق الناس حول الكعبة وصلوا بصلاة الامام، فمن كان منهم اقرب إلى الكعبة من الامام جازت صلاته إذا لم يكن في جانب الامام)، لاستقبال الكل القبلة وعدم تقدمهم على امامهم، (ومن صلى على ظهر الكعبة جازت صلاته) عندنا، خلافاً للشافعي، لأنه يكون متوجهاً إلى هواء الكعبة وهو منها.
كتاب الزكاة
قال: (الزكاة واجبة على الحر البالغ المسلم العاقل إذا ملك نصاباً كاملاً ملكاً تاماً وحال عليه الحول)، اعلم بأن الزكاة: هي الطهرة والنماء لغة، سميت بها شريعة لما فيها من: طهرة المؤدي بالمغفرة، ونماء المؤدى عنه بالبركة.
ووجوبها ثابت بالكتاب والسنة وإجماع الامة، وأما اشتراط الحرية: فلأن غير الحر لا يملك والملك شرط، وأما البلوغ والعقل: فلأن الخطاب لا يتوجه على الصبي والمجنون على ما عرف، وأما الاسلام: فلأهلية الثواب الموعود فيها، وأما الغنى بملك النصاب: فلقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا صدقة إلا عن ظهر غنى"، وأما تمام الملك: فلأن الملك الناقص لا يكفي لوجوب الزكاة كملك
المكاتب، وأما حولان الحول: فلقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول".
(وليس على الصبي والمجنون والمكاتب زكاة) وهذا عندنا، وعند الشافعي: يجب في مال الصبي والمجنون، والصحيح قولنا: لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "رفع القلم عن الثلاث: عن الصبي حتى
يحتلم، وعن النائم حتى يستيقظ]، وعن المجنون حتى يفيق"، وفي ايجاب الزكاة اجراء القلم عليهما وهذا لا يجوز، ولأنها عبادة خالصة فلا تجب عليهما كالصوم والصلاة، ودليل كونها عبادة انها من الخمس التي بني عليها الاسلام.
وأما المكاتب: فلأنه عبد ما بقي عليه درهم، وانه ليس من أهل الملك، فلا يتحقق في حقه الغنى الذي هو شرط وجوب الزكاة.
(ومن كان عليه دين يحيط بماله فلا زكاة عليه، فإن كان ماله اكثر من الدين زكى الفاضل إذا بلغ نصاباً) وهذا عندنا، لأن قدر الدين مستحق الصرف إلى الدين فهو كالمصروف اليه في حق جواز التيمم.
(وليس في دور السكنى وثياب البذلة وأثاث المنازل ودواب الركوب وعبيد الخدمة وسلاح الاستعمال زكاة)، لعدم وصف النماء في الكل.
(ولا يجوز اداء الزكاة إلا بنية مقارنة الاداء، أو مقارنة لعزل مقدار الواجب)، لأنها عبادة خالصة، وطاعة صافية لله تعالى، فكان الاخلاص من شرطها وذا بالنية، (ومن تصدق بجميع ماله لا ينوي الزكاة سقط فرضها عنه])، لأن الركن قد تم، وهو التمليك للفقير على سبيل المبرة لتعين جزء من النصاب لأداء الواجب.
باب زكاة الإبل
(وليس في اقل من خمسٍ ذود من الإبل صدقة فإذا بلغت خمساً سائمة وحال عليها
الحول ففيها شاة)، لقوله - صلى الله عليه وسلم -:" في خمسٍ من الإبل السائمة شاة"، (وفي العشر شاتان إلى أربعة عشر، فإذا كانت خمسة عشر ففيها ثلاث شياه إلى تسعة عشر، فإذا كانت عشرين ففيها أربع شياه إلى أربع وعشرين، فإذا بلغت خمساً وعشرين ففيها بنت مخاض إلى خمسٍ وثلاثين، فإذا كانت ستاً وثلاثين ففيها بنت لبون إلى خمسٍ وأربعين، فإذا بلغت ستاً وأربعين ففيها حقة إلى ستين، فإذا كانت احدى وستين ففيها جذعة إلى خمسٍ وسبعين، فإذا كانت ستاً وسبعين ففيها بنتاً لبون إلى تسعين، فإذا كانت إحدى وتسعين ففيها حقتان إلى مائة وعشرين، ثم يستأنف الفريضة، فيكون في الخمس شاة مع الحقتين، وفي العشر شاتان، وفي خمسة عشر ثلاث شياه، وفي عشرين أربع شياه، وفي خمس وعشرين بنت مخاض، إلى مائة وخمسين فيكون فيها ثلاث حقاق، ثم يستانف الفريضة) على نحو ما قلنا، (ففي كل خمسٍ شاه، وفي العشر شاتان، وفي خمسة عشر ثلاث شياه، وفي عشرين أربع شياه، وفي خمسٍ وعشرين بنت مخاض، وفي ستٍ وثلاثين بنت لبون، فإذا بلغت مائة وستاً وتسعين ففيها أربع حقاق إلى مائتين، ثم يستأنف الفريضة كما يستأنف في الخمسين التي بعد المائة والخمسين).
وإلى مائة وعشرين لا خلاف بين الامة، فإذا زاد فعندنا الجواب ما ذكر في الكتاب، وعند الشافعي: إذا زادت الإبل على مائة وعشرين ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة، وهو مذهب مالك إلا ان مالكاً يشترط الزيادة عشرة، والشافعي يعتبر واحداً، والصحيح قولنا: لأن الاحاديث قد تعارضت، فقد روي كما قالا، إلا انا رجحنا ما قلنا، لأنه مذهب علي وابن مسعود رضي الله عنهما وكانا من فقهاء الصحابة، وهذا باب لا مدخل للرأي فيه، فكان ذلك دليلاً على الاستقرار على الوجه الذي قالا من التوقيف من النبي - صلى الله عليه وسلم -، (والبخت والعراب في وجوب الزكاة سواء)، لشمول اسم الإبل الكل.
باب صدقة البقر
(وليس في اقل من ثلاثين من البقر صدقة، فإذا بلغت ثلاثين سائمة وحال عليها الحول] ففيها تبيع أو تبيعة)، وهي التي تم لها سنة وطعنت في الثانية، (وفي اربعين منها مسنة)، بهذا امر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معاذاً بن جبل رضي الله عنه حين بعثه إلى اليمن، وعلى هذا اجماع الامة.
(فإذا زادت على الاربعين وجب في الزيادة بقدر ذلك إلى ستين عند أبي حنيفة، ففي الواحد ربع عشر مسنة) أو ثلث عشر تبيع، (وفي الاثنين نصف عشر مسنة، وفي الثلاث ثلاثة أرباع عشر مسنة، وقالا: لا شيء حتى تبلغ ستين فيكون فيها تبيعان)، وهو رواية اسد بن عمرو عن أبي حنيفة، وهو قول الشافعي، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تأخذوا من أوقاص البقر شيئا"،وفسروا الأوقاص: بما بين الاربعين إلى ستين وهذا هو اعدل الاقاويل.
(وفي سبعين مسنة وتبيع، وفي ثمانين مسنتان، وفي تسعين ثلاث اتبعة، وفي مائة تبيعتان ومسنة، وعلى هذا يتغير الفرض في كل عشرة من تبيع إلى مسنة)، لقوله - صلى الله عليه وسلم - لمعاذ حين بعثه إلى اليمن:" في كل ثلاثين من البقر تبيع أو تبيعة وفي كل اربعين مسنة"، (والجواميس والبقر سواء)، لاشتمال اسم البقر عليها].
باب صدقة الغنم
(وليس في اقل من أربعين شاة صدقة، فإذا كانت أربعين سائمة وحال عليها الحول ففيها شاة إلى مائة وعشرين، فإذا زادت واحدة ففيها شاتان إلى مائتين، فإذا زادت واحدة ففيها ثلاث شياه، فإذا بلغت أربعمائة ففيها أربع شياه، ثم في كل مائة شاة]، شاة)، هكذا كتب أبو بكر رضي الله عنه كتاب الصدقات لأنس رضي الله عنه وعليه اجماع، وطريق معرفة النصب النص دون الاجتهاد، (والضأن والمعز سواء)، لشمول اسم الغنم الكل.
باب زكاة الخيل
(إذا كانت الخيل سائمة ذكوراً وإناثاً، فصاحبها بالخيار: إن شاء اعطى عن كل فرس ديناراً، وإن شاء قومها وأعطى من كل مائتي درهم]، خمسة دراهم، وفي الذكور الخلص وفي الإناث الخلص روايتان، وقالا: لا زكاة في الخيل)، لقوله - صلى الله عليه وسلم -:"عفوت لكم صدقة الخيل والرقيق"، وله قوله - صلى الله عليه وسلم -:" في كل فرس سائمة دينار وليس في المرابط شيء"، وقياساًعلى سائر السوائم.
(ولا شيء في البغال والحمير)، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "ليس في النُّخَّةِ ولا في الْجَبْهَةِ ولا في الْكُسْعَةِ صدقة"، قيل: النُّخَّةِ: الرقيق، والْجَبْهَةِ: الخيل، والْكُسْعَةِ: الحمير، (إلا ان تكون للتجارة)، اعتباراً بسائر عروض التجارة.
(وليس في الفصلان والعجاجيل والحملان صدقة عند ابي حنيفة وهو قول محمد إلا ان يكون معها كبار، وقال أبو يوسف: فيها واحدة منها)، وهذا فيما إذا كانت خمسة وعشرين، وفي اقل منها لا يجب شيء عنده، في رواية له: ان الفائت هو وصف الكبر، وهذا لا يمنع وجوب الزكاة كالمهازيل، ولهما: ان النص ورد بأسنان معلومة، وهي: بنت مخاض فما فوقها في نصب مرتبة، ولا يوجد فيها بنت مخاض، ولأنه جنس لا يؤخذ منه في الصدقة، فلا يجب فيه أيضاً، بخلاف المهازيل لأنها يوجد فيها المنصوص عليه وهو بنت مخاض فصاعداً، وبخلاف ما إذا كانت معها كبار لأنها اتباع الكبار، وكانت العبرة للمتبوع فصار كأن الكل مسان. (ومن وجب عليه في ابله سنٌّ فلم يوجد اخذ المُصِّدق اعلى منها ورد الفضل، أو اخذ دونها واخذ الفضل) تحرزا عن الاضرار بالفقراء، والإجحاف بأرباب الاموال.
(ويجوز دفع القيم في الزكاة)، وكذا في العشور والكفارات وهذا عندنا، خلافا للشافعي والصحيح قولنا: لأن المقصد من ايجاب الزكاة اغناء الفقير، وهذا يحصل بأداء القيمة كما يحصل بأداء الشاة.
(وليس في العوامل والمعلوفة والحوامل صدقة)، لأن الزكاة لا تجب إلا في المال النامي، والنماء في الحيوان بالإسامة، وقال - صلى الله عليه وسلم -: "ليس في العوامل والحوامل صدقة"، ثم (السائمة: هي التي تسام في البراري) لقصد الدر والنسل، والشرط ان تسام (في اكثر السنة)، وان كانت تعلف في الامصار في اقل السنة لا ان تسام في جميع السنة، (ولا يأخذ خيار الاموال ولا رذالته ويأخذ الوسط)، لأن به يعتدل النظر من الجانبين.
(المستفاد من جنس النصاب في اثناء الحول يضم إلى ما عنده) عندنا، وعند الشافعي: لا يضم إلا الأولاد والأرباح، لأن المستفاد اصل في حق الوظيفة والملك والسبب فكذا في حق الحول، اما الأولاد والأرباح فهي تابعة للأصول حقيقة، ولنا: انه تبع من حيث ان الاصل يتكثر به ويزداد، والزيادة تبع للمزيد عليه، فاعتبرنا جهة التبعية في حق الحول احتياطا لأمر الزكاة، والمستفاد بخلاف جنسه لا يضم لعدم الجنسية.
(فإن اعلف السائمة نصف الحول أو اكثر فلا زكاة فيها)، لأن جهة الاسامة لم تترجح فلا تجب.
(والزكاة عند أبي حنيفة وأبي يوسف في النصاب دون العفو، وعند محمد في الكل)، لأن الزكاة وجبت شائعة في الكل فيتعلق الواجب بالكل، ولهما: ان النصاب هو الاصل وما عداه تابع، ألا ترى انه يتعلق الزكاة بالنصاب ولم تجب بالعفو ابتداء والحكم يتعلق بالأصل دون التبع.
(فإن هلك المال بعد وجوب الزكاة سقطت)، وعند الشافعي: إذا هلكت بعد التفريط لا يسقط، لأنه صار جانيا فصار ضامنا، ولنا: ان الواجب في] الزكاة هو جزء من النصاب وقد هلك فتعذر اداء الواجب.
(فإن قدم الزكاة على الحول وهو مالك للنصاب جاز)، لتحقق الاداء بعد وجود السبب، لأن المال سبب بدليل اضافة الزكاة اليه والأصل اضافة الحكم إلى السبب، والله اعلم.
باب زكاة الفضة