مختصر غُنية المُتَملّي شرح مُنية المُصَلّي
للإمام إبراهيم بن محمّد بن إبراهيم الحلبي (956هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
جارٍ تحميل الكتاب…
مختصر غُنية المُتَملّي شرح مُنية المُصَلّي
للإمام إبراهيم بن محمّد بن إبراهيم الحلبي (956هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
بسم الله الرحمن الرحيم
] مقدمة المُختصر [
وبه المستعان، وعليه التُكلان، الحمد لله الذي جَعل العبادة مفتاح السعادة، ومطمحالسيادة، وملمح الحسنى والزيادة، وجعل الصلاة عمود خيامها، وذروة سَنامها، وعمدة أحكامها، والصلاة والسلام على أفضل خلقه سيدنا محمد، الذي جُعلت في الصلاة قرةُ عينه، وعلى آله وأصحابه الذين فازوا من مَعدِن الدين بِلُجينِه وعَيْنه، وبعد:
فيقول المفتقر إلى رحمة ربه الغني إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الحلبي: قد كنت شرحت كتاب "منية المصلي" شرحاً، وسمّيته بـ"غنية المتملي"، لكن رأيت فيه بعض الإطالة، التي ربما أوجبت للمبتَدِئين والقاصرين المَلالة، فأحببت أن أختصر من فرائد دلائله، وأزيد في فوائد مسائله؛ تسهيلاً للطالبين، وتنويلاً للراغبين، والله سبحانه وتعالى هو المستعان على كل مراد، منه المبدَأُ وإليه المعاد، وهو حسبي ونعم الوكيل.
] شرح مقدمة منية المصلي [
قال المصنف رحمه الله: (بسم الله الرحمن الرحيم)؛ تيمناً وتبركاً، واقتداءاً بالقرآن، وكذا قوله: (الحمد لله رب العالمين)، وأتبع ذكر الله تعالى بذكر رسوله ? فقال: (والصلاة على رسوله محمد وآله) أي: أهله، (أجمعين).
(اعلموا) خطاب عام لمن يطلب الاستفادة، (وفقكم الله تعالى) أي: جعلكم الله تعالى من الموفَقين لطاعته، (وإيانا، أن أنواع العلوم كثيرة، وأهم الأنواع بِالتَّحْصِيلِ مَسَائِلُ الصَّلاةِ)، بالتحصيل متعلق بأهم، مسائل الصلاة؛ لأنها واجبة على الغني والفقير، بخلاف الزكاة والحج، ومتكررةٌ كلَّ يوم وليلة بخلاف الصوم، (فلما رأيت رَغْبَةَ المقتبسين،) جمع مقتبس، اسم فاعل من اقتبس؛ أي: أخذ القَبَسَ، وهو شعلةُ نار تؤخذ من معظمها؛ أي: من جملتها، شبه العلم بالنور العظيم، وطالبيه بالمقتبسين من ذلك النور، (في تحصيلها) متعلق برغبة، والضمير للمسائل، (التقطت) جواب لمّا، أي: انتقيت (ما كثر وقوعه للمصلين، وما لا بد لهم منه من مصنفات المتقدمين) متعلق بالتقطت، (ومن
مختارات المتأخرين؛ نحو" الهداية"،و"المحيط"، و"شرح الإسْبِيْجَابي) على مختصر الطَحاوي"،
(و"الغُنية")؛بالغين المضمومة في أكثرالنسخ، وفي بعضها بالقاف المكسورة، (و"الملتقط"، و"الذخيرة") و"فتاوى قاضي خان"، و"جامعيه) الكبير والصغير"، (وسميته (أي: سميت الكتاب الذي التقطته ("منية المصلي) أي: ما يتمناه، (وغنية المبتدي") أي: مايستغني به عن غيره، (واسأل الله تعالى)
خيراً أي: وأنا اسأل الله تعالى خيراً؛ فالواو للحال، (أن يجعل ما اعتمدته) أي: قصدته، (خالصاً لوجهه) أي: لذاته، (ومكفراً) أي: سبباً لتكفير،) ذنوبي) أي: سترها بعدمالمؤآخذة بها، (بفضله) وكرمه، أي: بتفضله لا باستحقاقي، (وأن يغفر لوالديّ ولأُستاذِيَّ) بتشديد الياء مفتوحة، جمع أستاذ، (وهو الموفق للسَّداد) و بفتح السين، أي: للصواب وعدم الخطأ، (ومنه الهدايه) أي: خلق الاهتداء، (والرشاد) أي: الاستقامة على طريق الحق.
] مقدمة في الطهارة للصلاة [
(اعلم) خطاب عام؛ لكل من يطلب معرفة أحكام الصلاة، (بأن الصلاة فريضة) أي: مفروضة مقطوعة بالحكم بها، (ثابتة) أي: صفة الفريضة (بالكتاب) أي: القرآن،
(والسنة) أي: بالطريقة المنقولة عن النبي صلى الله عليه وسلم سوى القرآن، (وإجماع الأمة) أي: بقولالمجتهدين.
(أما الكتاب؛ فقوله تعالى: {أَقِيمُوا الصَّلَاةَ}}] سورة الأنعام:72 [.فإنه أمر؛ وهو يقتضي الوجوب، والمراد بإقامتها؛ أداؤها بأوقاتها.
(وقوله تعالى: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ}}] سورة البقرة:238 [. (أي: صلوا لله قائمين)، وقيل وقوموا لله في الصلاة خاشعين، أو مطيلين القيام فيها. (وقوله تعالى: {حَافِظُوا}) لله أي: داوموا لله، ({عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى})] سورة البقرة:238 [.
وهي صلاة العصر وقيل غير ذلك، وخصها بعد التعميم لزيادة شرفها، أو للاهتمام بها؛ إذ هي مَظِنّة التكاسل عنها، لكونها في وقت كثرة الاشتغال.
(وقوله تعالى: {فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُون وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ})] سورة الروم:17 - 18 [. أي: سبّحوا الله في هذه الأوقات، و المراد صلوا على ما رُويَ عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قيل له: هل تجد ذكر كل الصلوات الخمس في القران؟ قال: نعم، وتلا هذهالآيه. تمسون: صلاة المغرب والعشاء، وتصبحون: صلاة الفجر، وعشياً:
صلاة العصر، وحين تظهرون: وهي صلاة الظهر، وقولهُ: وعشياً متصل بقوله: حين تمسون، وله الحمد في السماوات والأرض؛ اعتراضما بينهما،
أي: جملة معترضة، ومعناه؛ أن على المميزين كلهم من أهل السموات والأرض أن يحمدوه كذا في "الكشاف". (وقوله تعالى: {إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا})] سورة النساء:103 [.أي فرضاً، موقتاً، محدوداً، بأوقات لا يجوز إخراجها عنها.
(وأما السنة فما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم) في "الصحيحين" (أنه قال: بنيَ الإسلام) أي: الإيمان، فإنهما شيء واحد عند أهل السنه. (على خمس) أي: على خمس خصال، (شهادة أن لا إله إلا الله)؛ بجر شهادة بدل من خمس، وبرفعها خبر مبتدأ محذوف، وكذا ما عُطف عليها، (وأن محمد رسول الله) عُطف على أن لا إله إلا الله؛ فهذه الشهادة واحدة من الخمس، (وإقام الصلاة) أي: إقامتها ثانية، (وإيتاء الزكاة) ثالثة، (وصوم شهر رمضان) رابعة، (وحجّ البيت) خامسة، (من استطاع إليه سبيلا) محله الرفع على أنه فاعل المصدر المضاف إلى مفعوله،
والاستطاعة عند الجمهور، القدرة على الزاد والراحلة؛ الفاضلين عنالحوايج الأصلية، واللوازم الشرعية.
(وقوله: صلى الله عليه وسلم لكل شيء علم) أي: علامة دالة على تحققه، (وعلم الإيمان؛ الصلاة)؛ فهي علامة لوجوده في القلب باعتباره الظاهر.
(وقوله: عليه الصلاة والسلام الصلاة عماد الدين؛ فمن أقامها فقد أقام الدين، ومن تركها فقد هدم الدين)، كما أن الخيمة تقوم بإقامة عمودها، وتسقط بسقوطه.
(وقوله: صلى الله عليه وسلم خمس صلوات؛) مبتدأ، (افترضهن الله تعالى على العباد) خبره، (من أحسن وضوئهن) بإسباغه، والإتيان بسننه وآدابه، (وصلاهن لوقتهن، وأتم ركوعهن وسجودهن،) بالطمأنينة فيه، أي: سكونته بعد الحركه، (وخشوعهن) أي: خضوعهن؛ بإحضار القلب، وجمع الهمة، وصرف الشواغل الدنيوية عن الفكر (كان له على الله تعالى عهدٌ)، وعدٌ مؤكدٌ،
(أن يغفر له،) أي: بأن يغفر له ذنوبه.
(وقوله صلى الله عليه وسلم: الفرقبين) إيمان (العبد وبين الكفر؛) أي: بين العبد وبين أن يصل إلى الكفر (ترك الصلاة) أي: أن يترك الصلاة، وهذا كما يقال: بينك وبين مرادك الاجتهاد؛ أي: بينك وبين بلوغ مرادك أن تجتهد؛ فإذا اجتهدت بلغت، وأّمّا لفظ الفرق؛ فليس من الحديث، وهو غير صحيح من حيث المعنى؛
لأن ترك الصلاة ليس فرقاً بين العبد وبين الكفر، بل وصل كما تقدم، ثم المراد بهذا الحديث وأمثاله الترك اعتقاداً، وهو إنكار وجوبها.
(وأما إجماع الأمة؛ فإن الأمة قد أجمعت من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم على فرضية الصلاة، من غير نكيرٍ و منكِر،
ولا منازعةٍ إلى يومنا هذا، وكان ذلك إجماعاً، وإجماع المسلمين حجة لنا، لقول النبي: صلى الله عليه وسلم لا تجتمع أُمتي على الضلالة، فإن إجتمعت أُمتي فليس مني.
] مطلب في بيان معنى الشرائط، والفرائض، والأركان، والواجبات، والسنن، والآداب، والمكروهات، والمناهي في الصلاة [
(ثم اعلم؛) بعد ما علمت ثبوت فريضة الصلاة، (بأن للصلاة شرائطَ قبلها،) جمع شريطة بمعنى الشرط، والمراد به.
هنا ما لا تصح الصلاة إلا بتقديمه عليها، فقوله: قبلها صفة موضحة ومبينة لمعنى الشرط.
(وفرائضَ) جمع فرض فريضة؛ بمعنى فرض؛ والمراد به هنا ما لا صحة للصلاة بدونه، سوى الشرائط والأركان ركنه.
(وأركاناً) جمع ركن؛ والمراد به هنا ما يكون جزءاً من الصلاة.
(وواجباتٍ) جمع واجب؛ والمراد به هنا ما لا تفسد الصلاة بتركه؛ بل إن تركه سهواً يجب عليه سجود السهو، وإن تركه عمداً تصح الصلاة مع النُقصان، وتجب إعادتها، وإن لم يعدها يكون فاسقاً آثما.
(وسنناً) أي: جمع سنه؛ والمراد بها هنا، ما يثاب بفعله في الصلاة، وإن تركه تكون الصلاة مكروهة كراهة تنزيه، ولا يجب سجود السهو بتركه سهواً.
(وآداباً) جمع أدب؛ وهو دون رتبة السنة فلا كراهة في تركه.
(وكراهية) بتخفيف الياء؛ والمراد بها هنا ما يتضمن ترك سنة؛ وهو كراهة التنزيه، أو ترك واجب وهو كراهة التحريم (
(ومناهيَ فيها) أي: في الصلاة جمع منهيّ وهو محل النهي؛ والمراد بها ههناما يفسد الصلاة.
] بيان الشرائط القبلية للصلاة [
(أما الشرائط) التي قبلها المجمع عليها؛ (فستة: الطهارة من الحدث،) أي: ما يوجب الغسل، أو الوضوء، ويسمى النجاسة الحُكميّة، (والطهارة من النجاسة) الحقيقية، (وسترالعورة، واستقبال القبلة، والوقت، والنية.
(أما) الشرط الأول، فهو (الطهارة من الحدث):
] أقسام الطهارة [
] القسم الأول [: (فالاغتسال،) من الجنابة، ويسمى الطهارة الكبرى، وموجبه الحدث الأكبر.
] القسم الثاني [: (والوضوء)، ويسمى الطهارة الصغرى، وموجبه الحدث الأصغر. (عند وجود الماء والقدرة) أي: مع القدرة عليه، أي: على استعماله للاغتسال أو الوضوء،
] القسم الثالث [: (وعند عدمهما) أي: عند عدم الوجود الماء والقدرة، أو عدم أحدهما؛ فالطهارة الواجبة هي (التيمم).
(ولكل) واحد (منهما) أي: لكل واحد من الاغتسال والوضوء (فرائض وسنن وآداب ومناهٍ،) وليس للغسل ولا للوضوء واجب؛ ولذلك لم يذكره.
] فرائض الطهارة الصغرى وأنواعها [
(أما فرائض الوضوء) قدّمه؛ لكثرة تكرره.
] أنواع الوضوء [:
وهو ثلاثة أنواع:
] النوع الأول [:
فرض؛ وهو وضوء المحدث عند إرادة الصلاة، ولو لجنازة، أو سجدة التلاوة، أو مس المصحف.
] النوع الثاني [:
وواجب؛ وهو الوضوء للطواف.
] النوع الثالث [:
ومندوب؛ وهو الوضوء للنوم إذا أراده، والوضوء على الوضوء،
والوضوء كلما أحدث، والوضوء بعد الغيبة، والكذب، وبعد إنشاد الشعر، وبعد القهقهة في غير الصلاة، والوضوء لغسل الميت، كذا في"فتاوى القاضي خان"، و"الخلاصة".
] فرائض الوضوء [:
(فأربعة: كما) فُهم مما (قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا قُمْتُمْ الى الصلاة فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} أي: أردتم القيام إلى الصلاة وأنتم محدثون:
] الفرض الأول [:
فاغسلوا وجوهكم، الغسل: الإسالة وحدها عندهما أن يتقاطر الماء ولو قطرة، وعند أبي يوسف رحمه الله يجزي أن يسيل على العضو؛ ولو لم يقطر،
كذا في "شرح الهداية" لابن هُمام، وحدّ الوجه: ما بين قصاص الشعر وأسفل الذقن وشحمتي الأذنين.
] الفرض الثاني [:
({وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ}) جمع مِرفَق، بكسر الميم وفتح الفاء وبالعكس؛ وهو مفصل الذراع في العضد،
] الفرض الثالث [:
({وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ}) المسح في اللغة: إمرار الشيء على الشيء؛ وهو المراد في التيمم، وأريد به في الوضوء إصابة اليد المبتلة ما أمر بمسحه.
] الفرض الرابع [:
({وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ})] المائدة: 6 [. قُرأ بالنصب وبالجر، فقيل النصب بالعطف على وجوهكم، والجر على الجوار، والصحيح ما ذكرناه في "الشرح"، وجوّز الشيعة المسح على الأرجل
بلا خُف، ويردّه ما في"الصحيحين": "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى قوماً توضؤوا وأعقابهم تلوح لم يمسها الماء. فقال: ويل للأعقاب من النار".
(والمرفقان والكعبان،) وهما: العظمان الناتئان فيجانبي القدمين (يدخلان في فرض الغسل) خلافاً لِزُفَر، (وكذا ما بين العِذار) بكسر العين؛ وهو ما سال على الخد من اللحية، مأخوذ من عذار الفرس، (والأذن يجب غسله؛) لما ذكرنا من دخوله في حد الوجه، (خلافاً لأبي يوسف)،
وأما اللحية؛ فعنأبي حنيفة: يفرض مسح ربعها قياساً على مسح الرأس، وهي رواية الحسن، وعنه أنه يفرض مسح ما يلاقي بشرة الوجه، واختاره قاضي خان وصححه،
وأظهر الروايات عنه فرض غسل ما يلاقي البشرة، واختاره في"المحيط" و"البدائع"، قال في "معراج الدراية": وهو الأصح، وفي"فتاوى الظَّهيرية"وبه يُفتى، ووجهه؛ أنه لما سقط فرضية غسل ما تحته انتقل فرض الغسل إليه، كالشارب والحاجب؛ حيث تنتقل فرضية غسل ما تحتهما إليهما. وأما ما استرسل منها فلا يجب غسله ولا مسحه؛ لأنه ليس من الوجه ولا بدلاً عنه. وعن أبي يوسف -رحمه الله-: أنه يفرض استيعابها بالمسح، وعنه سقوطه أصلاً، وهو أيضاً رواية عنأبي حنيفة رحمه الله، و لو أمرّ الماء على شعر الذقن أو الرأس أو الشارب أو الحاجب ثم حلقه؛ لا يجب غسل ما تحته، وفي
"البقّالي":لو قص الشارب لا يجب تخليله، وإن طال يجب تخليله؛ ووجهه: أن قطعه مسنون فلا يعتبر قيامه في سقوط غسل ما تحته، بخلاف اللحية فإن إعفاءها هو المسنون.
(والمفروض في مسح الرأس مقدار الناصية، وهو ربع الرأس) عندنا، وقالمالك وأحمد: مسح الكل فرض، وقال الشافعي: الفرض مسح أدنى جزء منه ولو بعض شعرة منه، وقد حققنا الدليل في "الشرح"، ومن جملته قوله: (لما روى المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى سُباطة قوم فبال، وتوضأ، ومسح على ناصيته وخفَيه).
ثم فرضية مسح مقدارالربع، هي الرواية الظاهرة، وفي بعض الروايات قدر ثلاث أصابع.
وصححه بعض أصحابنا، وفيه نظر؛ لما ذكرنا في "الشرح".
وإن مسح بإصبع واحد، أو إصبعين وأمرهما لم يجز، حتى يعيدهما إلى الماء، ويستوفي مقدار ربع الرأس، أو ثلاثة أصابع خلافاً لزفر.
وكذا في مسح الخف، ولو كان له ذُؤابتان مربوطتان حول رأسه كما تفعله النساء؛ فمسح عليهما لم يجز، سواء أرسل أو لم يرسل، وهو الصحيح، وقيل: يجوز إذا لم يرسل، كذا في الحداديّ.
ولو بقيَ لمعة في بعض أعضاء الوضوء؛ فبلّها من بَلّة عضو آخر لا يجوز،
وإن بلها من بَلّة عضوها جاز، وفي الجنابة يجوز بلّها من بَلّة عضو آخر؛ لأن البدن في الغسل كعضو واحد، بخلاف الوضوء، وهذا إذا كانت البلّة التي أخذها تسيل، وإلا فلا تجوز.
] سنن الطهارة الصغرى: الوضوء [
(وأما سننه)؛ أي سنن الوضوء:
(فغسل اليدين قبل إدخالهما الإناء إلى الرسغ ثلاثاً، لما) في "الصحيحين": (أنه عليه الصلاة والسلام قال: "إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمسنَّ يده في الإناء، حتى يغسلها ثلاثاً فإنه لا يدري أين باتت يده")، والرُسغ: بالضم: مفصل ما بين الذراع والكف، ثم غسلها ابتداءً سنة.
تنوب عن الفرض، وموضعه أول الوضوء؛ لأنهما آلة التطهير.
] كيفية غسل اليدين عند ابتداء الوضوء لمن أراد الاغتراف [
وكيفية الغسل: أن يأخذ الإناء بشماله، إن كان صغيراً بحيث يمكن رفعها، ويصب على يمينه ثلاثاً، ثم يأخذه بيمينه ويصب على شماله كذلك. وكذا إن كان الإناء كبيراً ومعه إناء صغير؛ يأخذ بشماله ويأخذ الماء من الإناء الكبير، ثم يصب على اليمين، وإن لم يكن معه إناء صغير، يدخلُ أصابع يده اليسرى مضمومة في الإناء دون الكف، ويرفع الماء من الجب، ثم يصب على كفّه اليمنى، ويدلّك الأصابع بعضها ببعض حتى تطهر، ثم يدخل اليمنى في الإناء بالغاً ما بلغ ويغسل اليسرى،
وهذا إذا لم يكن على يده نجاسة.
(وتسمية الله تعالى في ابتداء الوضوء) لقوله عليه الصلاة والسلام: "لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله تعالى عليه". والمراد نفي الكمال لقوله صلى الله عليه وسلم: "إذا تطهر أحدكم فذكر اسم الله تعالى عليه؛ فإنه يطهر جسده كلّه، فإن لم يذكر اسم الله على طهوره؛ لم يطهر إلا ما مرّ عليه الماء".
ولفظُ التسمية أن يقول: بسم الله العظيم،
والحمد لله على دين الإسلام، وقيل: الأفضل أن تقول بسم الله الرحمن الرحيم بعد التعوذ، وفي "المجتبى": أن يَجمع بينهما، وفي "المحيط": لو قال: لا إله إلا الله، أو الحمد لله، أو أشهد أن لا إله إلا الله، يصير مقيماً للسنة. (والأصح؛ أنه يسمي مرتين: مرة قبل كشف العورة) للاستنجاء، (ومرة بعد سترها عند ابتداء غسل سائر الأعضاء) احتياطا للخلاف الواقع فيها، حيث قال بعضهم: يُسمّي
قبل الاستنجاء فقط، وقال بعضهم: يُسمّي بعده فحسب، وكذا الخلاف في وقت غسل اليدين، والأصح أنه يغسلهما مرتين، قبله وبعده كما في التسمية، ولو نسي التسمية فذكرها في خلال الوضوء فسمّى لا تحصل
السنة، بخلاف الأكل.
(والمضمضة والاستنشاق،) لأنه عليه الصلاة والسلام فعلهما على المواظبة، (بمائين جديدين)، لما روى الستة من حديث عبد الله ابن زيد في حكاية وضوئه عليه الصلاة والسلام وفيه: "مَضْمَضَ ثلاثاً، واسْتَنْشَقَ واستنثر ثلاثاً، بثلاث غَرَفات" وروى الطّبراني بسنده: "أنه صلى الله عليه وسلم: توضأ فمضمض ثلاثاً واستنشق ثلاثاً، يأخذ لكل واحدة ماء جديداً".
(وإيصال الماء إلى ما تحت الشارب والحاجبين) سنة أيضاً، تكميلاً للفرض؛ لأن غسلهما فرض فكان كتخليل اللحية والأصابع، وعدّه في "التجنيس" من الآداب.
(ومسح ما استرسل؛) أي: نزل، (من اللحية) تكميلاً للفرض أيضاً، (وتخليلها؛) أي: اللحية لما روي: "أنه عليه الصلاة والسلام كان يُخلل لحيته". وهذا قول أبي يوسف، وعند أبي حنيفة ومحمد؛ تخليلها مستحب، وفي رواية جائز، ورجّح في "المبسوط" قول أبي يوسف.
وهذا إذا كانت كثيفة لا تُرى البشرة من تحتها؛ فإن كانت خفيفة بأن تُرى بشرتها لزم غسل ما تحتها، كذا في "الظهيريّة".
(واستيعاب جميع الرأس في المسح؛)
لمواظبته صلى الله عليه وسلم عليه مع الترك في بعض الأوقات (بماء واحد،) لما روى أصحاب السنن عن علي رضي الله عنه في حكايةوضوئه عليه الصلاة والسلام: "أنه مسح مرة واحدة". والأدلة على عدم تثليث المسح كثيرة، ذكرناها في "الشرح".
(وكيفية الاستيعاب):
(أن يأخذ الماء ويبل كفيه، وأصابعه، ثم يلصق الأصابع؛) أي: يضمها، (ويضع على مقدم رأسه من كل يد ثلاث أصابع،) الخنصر والبنصر والوسطى، (ويُمسك إبهاميه وسبابتيه) مرفوعات، (ويُجافي؛) أي: يُباعد (بطن كفّيه) عن رأسه (ويمدّهما؛) أي: يديه (إلى القفا)، (ثم يضع كفيه على جانب الرأس ويمسحهما؛) أي: جانبي الرأس، (بكفيه ويمسح ظاهر أذنيه بباطن إبهاميه، وباطن أذنيه بباطن مسبحتيه،) وهما المراد بالسبابتين فيما تقدم، يقال للإصبع التي تلي الإبهام؛
مسبِحة، بكسر الباء؛ لأنها يُشار بها إلى التوحيد عند التشهد، ويقال لها السبابة؛ لأنهم كانوا يشيرون بها إلى السبّ في المخاصمة ونحوها، ومسح الأذنين أيضاً سنه،
(كذا ذكره) أي: المسح بهذه الكيفية (في "المحيط") وغيره.
وليست هذه الكيفية أمراً لازماً، والمقصود الاستيعاب بأي وجه كان، وقد استوفينا الكلام عليه في "الشرح"، وما ذكر من مسح الأذنين مع مسح الرأس بمائه؛ إذا لم يمس العمامة بأن كانت موضوعة، وأما إن مسّها فلا بد أن يأخذ لهما ماءً جديداً.
] ومن السنن [:
(ويمسح الرقبة بظهور الأصابع الثلاث) المقدم ذكرها، وقوله (بماء جديد): لا حاجة إليه؛ لأن البلة التي على ظهور الأصابع باقية، فلا حاجة إلى التجديد.
(وقال بعضهم: وهو) أي: مسح الرقبة (أدب) ليس بسنة، وقال في "فتاوى قاضي خان": ليس بأدب ولا سنة، وقال بعضهم: هو سنة، وعند اختلاف الأقاويل يكون فعله أولى من تركه.
واقتصر في "الكافي" على أنه مستحب، وهو الأصح؛ لأنه رُويَ فعله عنهعليه الصلاة والسلام في بعض الأحاديث دون غَالِبِها.
(وتخليل الأصابع) سنّة أيضاً في اليدين والرجيلن، لقوله عليه الصلاة والسلام للَقيْطِ بن صُبرَة: "إذا توضأت فأسبغ الوضوء وخلل بين الأصابع"وأنما يكون التخليل سنّة بعد وصول الماء. وكيفيته في الرجلين؛ أن يخلل بخنصر يده اليسرى من خنصر رجله اليمنى من الأسفل، ويختم بخنصر رجله اليسرى.
(وتكرار الغسل إلى الثلاث) سنّة أيضاً، لما روي أنه عليه الصلاة والسلام توضأ مرة مرة، وقال: "هذا وضوءلا يقبل الله تعالى الصلاة إلا به"، وأنه توضأ مرتين مرتين وقال: "هذا وضوء من يضاعف الله تعالى له الأجر مرتين، وأنه توضأ ثلاث ثلاث في غالب أحواله؛ فكان سنّة لا فرضاً، ويكره الزيادة على الثلاث إلا لضرورةطمأنينة القلب عند حصول الشك، ثم المرة الأولى فرض، والثانية سنّة، والثالثة دونها في الفضيلة، وقيل الثانية سنة والثالثة إكمال السنّة، كذا ذكر في "الاختيار"، والأولَى أن تكون الثانية والثالثة كلتاها سنّة، لأن التثليث الذي هو سنّة إنما يحصل بهما.
(والنية سنّة) أيضاً هو الصحيح، وقيل: مستحبة، ومحلها القلب، ويستحب أن يضيف التلفظ باللسان إليه فيقول: نويت رفع الحدث، أو نويت الوضوء، ووقتها عند غسل الوجه.
(والترتيب) المذكور في لفظ آية الوضوء سنّة وليس بفرض؛ لأن العطف فيها بالواو، وهي لمطلقالجمع من غير تعرض للترتيب.
(والدّلك) أيضاً سنّة؛ لأنه إكمال الفرض في محله.
(والموالاة)؛ وهي أن يغسل كل عضو على أثر الذي قبله ولا يفصل بينهما؛ بحيث يجف السابق عند اعتدال الهواء، سنّة أيضاً؛ لمواظبته عليه الصلاة والسلام عليها.
] آداب الطهارة الصغرى: الوضوء [
(وأما آدابه)؛ أي: آداب الوضوء:
(فهو أن يتأهب للصلاة)؛ بالوضوء (قبل دخول الوقت) إذا لم يكن صاحب عذر في وقت غير مهمل؛ لأن فيه قطع طمع الشيطان من تثبيطه عنها.
(وأن يجلس للاستنجاء)، وهو إزالة النّجو؛ وهو ما يخرج من البطن من النجاسة، (متوجهاً إلى يمين القبلة، أو إلى يسارها)،
فلا يستقبل القبلة، ولا يستدبرها، فاستقبالها أو استدبارها حالة الاستنجاء ترك أدب، ومكروه كراهة تنزيه، كما في مدّ الرجِلِ إليها.
وأما في حالة البول أو التغوط فمكروه كراهة تحريم، ثم إذا جلس للاستنجاء؛ فالأدب أن يجلس (منفرجاً)؛ أي: موسّعاً بين رجليه، ويرخي مقعَده ما أمكنه؛ مبالغة في التنظيف، (إلا أن يكون صائماً)، فلا ينفرج ولا يُرخي؛
كيلا تنفذ البلّة إلى الداخل فيفسد صومه، حتى قالوا ينبغي ألا يتنفس حالة الاستنجاء لذلك وفيه نظر؛ فإنه لا يصل بالتنفس شيء إلى الداخل مع ما فيه من الحرج، على أنهم قالوا: إنما يفسد الصوم إذا وصل الماء موضع المِحقَنة وقلّما يكون، ذكره في "الخلاصة".
(وأن يغسل مخرج النجاسة)، بعد الأحجار أو دونها مبالغة في التنظيف، والغسل بالماء وإن كان أدباً؛ لكن قد أديت به سنة الإستنجاء، وإنما يكون أدباً؛ (إذا لم تتجاوز النجاسة مخرجها، أما إذا جاوزت مخرجها ولم يكن) المجاوز المخرج (قَدرَ الدرهم؛ فغسله سنّة)
(وإن كان قدر الدرهم فغسله واجب)، والدليل قررناه في "الشرح"،
(وإن زادت) النجاسة المجاوزة للمخرج (على قدر الدرهم؛ فغسله) أي: النجس أو المخرج (فرض) إجماعاً.
والأدب في الغسل المذكور؛ (أن يغسله) أي: مخرج النجاسة (حتى يُنقّيه)، وينظفه؛ لأن المقصود هو الإنقاء، ولو استنجى واحد وحصل الإنقاء؛ يكون مقيماً للسنة عندنا، ولو استنجى بثلاث أحجار ولم يحصل الإنقاء لم يكن مقيماً للسنة.
(وليس فيه؛) أي: في الغسل (عدد مسنون) من ثلاث، أو سبع، أو غير ذلك. ومنهم من شرط الثلاث، ومنهم من شرط السبع، ومنهم من شرط العشر، ومنهم من عيّن في الإحليل الثلاث، وفي المقعد الخمس، والصحيح أنه مفوض إلى رأيه فيغسله حتى يقع في قلبه أنه قد طهر، إلا أن يكون موسوساً فيُقدّر في حقه بالثلاث، كما في كل نجاسة غير مرئية، وقيل بسبع، وفي "النوازل" حتى يعود من اللينة إلى الخشونة، ويغسل ببطن إصبع، أو اصبعين، أو ثلاث اصابع، لا برؤوسها تحرزاً عن الاستمتاع، والمرأة كالرجل في ذلك.
(وكذا في الاستنجاء بالأحجار)؛ ليس فيه عدد مسنون عندنا، بل (يمسحه حتى يُنَقّه)، وعند الشافعي لا بدّ في إقامة السنّة من ثلاث مسحات.
وفي فتاوى "قاضي خان" في كيفية الاستنجاء بالاحجار؛ يُدبِرُ بالحجر الأول ويقبل بالثاني، ويُدبر بالثالث إن كان في الصيف، وفي الشتاء يقبل الرجل بالأول ويدبر بالثاني ويقبل بالثالث؛ لأن في الصيف خصيتاه متدليتان؛ فلو أقبل بالأول يتلطخان، ولا كذلك في الشتاء.
والمرأة تفعل ما يفعل الرجل في الشتاء في الأزمان كله، قال في "الخلاصة": وهذا ليس بشرط؛ بل يفعل على وجه يحصل المقصود؛ يعني الإنقاء.
وينبغي أن يستنجي بعدما خطى خطوات، وهو الذي يسمى استبراء، ويبالغ في الإستنجاء في الشتاء فوق ما يبالغ في الصيف، كذا في "فتاوي قاضي خان" وفيها وإن استنجى في الشتاء بماء حار سخن كان بمنزلة من استنجى في الصيف، أي: في المبالغة، إلا أن ثوابه لا يبلغ ثواب المستنجي بالماء البارد.
ومن الآداب:
(أن يمسح موضع الإستنجاء بالخرقة بعد الغسل قبل أن يقوم)، ليزول أثر الماء المستعمل بالكُليّة، (وإن لم يكن معه خرقة جففه)؛ أي: موضع الإستنجاء، (بيده) اليسرى مرة بعد أخرى تقليلاً للماء المستعمل بحسب الإمكان.
ومن الآداب؛
(أن يستر عورته حين فرغ) أي: من الإستنجاء والتجفيف؛ لأن الكشف كان لضرورة وقد زالت، وكشف العورة في الخلوة لغير ضرورة خلاف الأدب؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: "الله أحق أن يستحى منه".
ومن الآداب:
(أن يتولى)؛ أي: يباشر (أمر الوضوء بنفسه، ولا يأمر غيره) بأن يُهيّئ له وضوءه أو يصبّ عليه، لما يرويَ أنه عليه الصلاة والسلام قال: "أنا لا أستعين على طاعة الله تعالى في وضوئي بأحد".
وعن الوبريّ: لا بأس بصب الخادم وهو لا ينافي الأدب؛ إذا كان بطيب نفس، و محبة بدون أمر وتكليف، كما رويَ أنه عليه الصلاة والسلام: كان يُصَبُّ عليه الوضوء ويهيأ له.
ومن الأدب:
(أن يجلس) المتوضئ (مستقبل القبلة عند غسل سائر الأعضاء)؛ أي: باقي الأعضاء سوى موضع الإستنجاء؛ لأنه عبادة، أو مقدمة لها، فيختار له خير المجالس؛ وهو ما استُقبل به القبلة.
(و) من الأدآب:
(أن يكون جلوسه على مكان مرتفع)، وأن يغسل عُروة الإبريق ثلاثاً، وأن يضعه على يساره، وإن كان شيئاً يُغترف منه فعن يمينه، وأن يضع يده حالة الغسل على عروته لا على رأسه.
(و) من الآداب:
(أن لا يتكلم في أثناء الوضوء بكلام الدنيا) بل يتكلم بالدعوات المأثورة.
] ومن الآداب: [
(وأن يتشهد عند غسل كل عضو)، قال في فتاوى "قاضي خان": يسمي عند غسل كل عضو، ويقول: أشهد ان لا إله إلا الله، وأشهد ان محمدا عبده
ورسوله، (وأن يدعو) عند غسل كل عضو (بما جاء في الآثار) عن السلف الصالحين فيقول بعد التسمية: "الحمد لله الذي جعل الماء طهوراً"، وعند المضمضة؛ "اللهم إسقني من حوض نبيك كأساً لا أظمأ بعده أبداً"، أو"اللهم أعني على ذكرك وشكرك وتلاوة كتابك".
وعند الاستنشاق؛ "اللهم لا تحرمني من رائحة نعيمك، وجناتك"، أو "اللهم أرحني من رائحة الجنة، وارزقني من نعيمها، ولا ترحني من رائحة النار".
وعند غسل الوجه؛ "اللهم بيّض وجهي بنورك يوم تبيض وجوه وتسود وجوه"، أو "اللهم بيّض وجهي بنورك يوم تبيض وجوه أوليائك، ولا تسود وجهي بذنوبي يوم تسوّد وجوه أعدائك".
وعند غسل اليد اليمنى؛ "اللهم أعطني كتاب حسناتي بيميني، وحاسبني حساباً يسيراً"، وعند غسل اليد اليسرى؛ "اللهم لا تعطني كتابي بشمالي، ولا من وراء ظهري، ولا تحاسبني حساباً شديداً".
وعند مسح الرأس؛ "اللهم حرّم شعري وبشري على النار، وأظلني تحت ظل عرشك يوم لا ظل إلا ظلك"، أو "اللهم غشني برحمتك، وأنزل علي من بركاتك".
وعند مسح الأذنين؛ "اللهم اجعلني من الذين يستمعون القول فيتبعو أحسنه"، وعند مسح الرقبة؛ "اللهم اعتق رقبتي من النار"، والرقبة هنا؛ عبارة عن جميع البدن، كما في قوله تعالى: {فتحرير رقبة}] النساء:92، المجادلة:3 [؛ أي مملوك. "واحفظني عند السلاسل والأغلال".
وعند غسل الرجلين؛ "اللهم ثبت قدمي على الصراط يوم تزل فيه الأقدام"؛ وقيل هذا عند غسل الرجل اليمنى، وأما في اليسرى؛ فيقول: "اللهم اجعل لي سعياً مشكوراً، وذنباً مغفوراً، وعملاُ مقبولاً، وتجارة لن تبور".
(و) من الآداب:
(أن يمضمض) أي يتمضمض، والمضمضة تحريك الماء في الفم؛ والمراد هنا أن يدخل الماء في فيه للمضمضة، (ويستنشق)؛ أي: يصعد الماء في أنفه، (بيده اليمنى)؛ لأنها من جملة الطهور. (و يمتخط ويستنثر بيده اليسرى).
وينبغي أن يأخذ لكل واحد منهما ماء جديد؛ لأنه من إزالة الأذى. قالت عائشة رضي الله عنها: " كانت يد رسول الله صلى الله عليه وسلم اليمنى لطهوره وطعامه، وكانت يده اليسرى لخلائه، وما كان من أذى".
(و) من الآداب:
(أن يستاك) أي: يدلك أسنانه، (بالسواك) بالكسر، وهو العود الذي يستاك به كالمسواك، وقد عدّه القدوريّ والأكثرون من السنن؛ وهو الأصح لما ذكرنا في "الشرح".
ثم المستحب أن يكون من شجرة مُرَّة؛ لزيادة إزالة تغير الفم، قالوا: ويستاك بكل عودٍ إلا الرمان والقصب، وأفضله الأراك ثم الزيتون، وأن يكون طول شبر في غلظ الخنصر.
ومن فوائده؛ ما ورد في الحديث أنه عليه السلام قال: "السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب، مطردة للشيطان، مفرحة للملائكة، ويكفر الخطيئة، ويزيد في الحسنات"، ويذهب البلغم والحفر، ويشد الأسنان، ويقوي المعدة، ويطيب نكهة الفم، ويجلو البصر.
ويتأكد استحبابه في خمسة مواضع؛ عند اصفرار الأسنان، وتغير الرائحة، والقيام من النوم، والقيام إلى الصلاة، وعند الوضوء.
و قال في "الكفاية": وأما وقته؛ يعني في الوضوء، فذكر في "كفاية البيهقي"،و"الوسيلة"، و"الشفاء"، أن السواك قبل الوضوء، وفي "تحفة الفقهاء"
و"زاد الفقهاء"؛ أنه سنّة في حال المضمضة، تكميلاً للإنقاء، وفي "مبسوط" شيخ الإسلام؛" ومن السنّة حال المضمضة أن يستاك"، انتهى. وهذا (إن كان له مسواك؛ وإلا) أي: وإن لم يكن له مسواك؛ (فبالإصبع) أي: يستاك بالإصبع، قال في
"المحيط": قال علي رضي الله عنه: "التشويص بالمسبحة، والإبهام سواك"، ولا تقوم الإصبع مقام السواك عند وجوده.
(ويستاك عرضاً لا طولاً)؛ أي: مع عرض الأسنان الذي هو طول الفم لا العكس خشية إلحاق الضرر باللثة، ويبدأ بالجانب الأيمن من العليا، ثم بالأيسر منها، ثم بالأيمن من السفلى، ثم بالأيسر منها، ويدلك ظاهر الأسنان، وباطنها، وأطرافها، ويبل السواك إن كان يابساً ويغسله عند الإستياك، وعند الفراغ منه.
ومن الآداب:
(أن يبالغ في المضمضة والإستنشاق)، وقال في "الكفاية": "المبالغة فيهما سنّة". لكن الظاهر أنها مستحبة، والمصنف قد أطلق الآداب على كثير من المستحبات. (إلا أن يكون صائماً) فلا يبالغ فيهما؛ خشية إلحاق الفساد بالصوم، (والمبالغة في المضمضة)
(قال بعضهم)، وهو شيخ الإسلام "خواهرزاده" (هي الغرغرة) - في غير الصيام- وهي ترديد الماء في الحلق.
(وقال الصدر الشهيد: هي تكثير الماء حتى يملأ الفم)، وقال في "الخلاصة": حد المضمضة استيعاب جميع الفم، والمبالغة فيها أن يوصل الماء إلى رأس حلقه. (و) المبالغة (في الاستنشاق جذب الماء) بالنفس، (حتى يصعد إلى منخره)، بفتح الميم والخاء، وبكسرهما، وبضمهما و"كمَجْلِسِ"؛ والمراد به هنا الخيشوم، قال في "الخلاصة": وحد الإستنشاق أن يصل الماء إلى المادن والمبالغة فيه أن يجاوز المادن.
ومن الآداب:
(أن يدخل إصبعيه) أي: الخنصرين، (في صماخ أذنيه) أي: ثقبهما، (عند المسح)، قال في "فتاوى قاضي خان": "لم يُنقل عن أصحابنا إدخال الإصبع في صماخ الأذنين، وعن أبي يوسف أنه كان يفعل ذلك، انتهى كلامه. وهو المأخوذ، لما روي: "أنه عليه الصلاة والسلام أدخل أُصبعيه في حُجري أذنيه في الوضوء"، والخنصر أبلغ في الدخول لصغرها.
(و) من الآداب:
(أن يخلل أصابعه)؛ أي: أصابع رجليه، (بخنصر يده اليسرى)، على ما قدمناه.
(و) من الآداب:
(أن يحرك خاتمه إن كان واسعاً) مبالغة في الإسباغ، (وإن كان ضيقاً) لا يدخل الماء تحته بلا كلفة (ففي ظاهر الرواية عن أصحابنا) الثلاثة؛ (لا بد من تحريكه أو نزعه)، ليحصل الإستيعاب، وبلوغ الماء إلى كل جزء من اليدين بيقين، (هكذا ذُكِرَ في "المحيط") واحترز بظاهر الرواية عن ما روى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة وأبو سليمان عن أبي يوسف ومحمد أنه يجوز وإن لم يحركه.
(و) من الآداب:
(أن لا يسرف في الماء)، كان ينبغي أن يعده في المناهي؛ لأن ترك الأدب لا بأس به، والإسراف مكروه بل حرام، (وإن كان) أي؛ ولو كان المتوضئ (على شط)؛ أي: جانب (نهر جار) لقوله تعالى: {{ولا تبذر تبذيرا}] الإسراء:26 [، (ولما روي عن
النبي صلى الله عليه وسلم "أنه سئل:) "أفي الوضوء سرف"، روي عن عبد الله بن عمر و قال: مرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بسعد، وهو يتوضأ فقال: "ما هذا السرف يا سعد، قال: (أفي الوضوء سرف، قال: نعم، ولو كنت على ضفة نهر جار")، ضفة النهر، بالضاد المعجمة، مفتوحة ومكسورة، وبالفاء جانبه.
(و) من الآداب:
(أن لا يقتر في الوضوء - الماء-) بأن يقرب إلى حد الدهن، ويكون التقاطر غير ظاهر؛ بل ينبغي أن يكون التقاطر ظاهراً؛ ليكون غسلاً بيقين في كل مرة من الثلاث.
(و) من الآداب:
(أن يملأ إناه) بعد الوضوء (ثانياً)، ليكون أسهل عليه إذا أراد الوضوء بعد ذلك، وينقطع طمع الشيطان عن تثبيطه عنه
(و) من الآداب:
(أن يقول عند تمامه) أي: تمام الوضوء؛ (أو في خلاله) أي: في أثناءه (اللهم اجعلني من التوابين)، أي: الكثيري التوبة، (واجعلني من المتطهرين)، أي: عن قاذورات المعاصي وأوساخها، (واجعلني من عبادك الصالحين) الذين أنعمت عليهم بكراماتك، واجعلني من (الذين لا خوف عليهم) إذا خاف الناس كلهم، (ولا هم يحزنون) إذا حزن الناس.
(وأن يقول بعد فراغه) من الوضوء: (سبحانك اللهم وبحمدك)؛ أي: نسبحك حامدين لك على التوفيق لتسبيحك، (أشهد أن لا إله إلا أنت سبحانك وحدك لا شريك لك، واستغفرك) أي: أطلب منك المغفرة (وأتوب إليك) أي: وأرجع إلى طاعتك عن معصيتك، (وأشهد أن محمد عبدك ورسولك، ناظراً إلى السماء)
(و) من الآداب:
(أن يقرأ) بعد الفراغ من الوضوء (سورة "إنا أنزلناه"، مرة، أو مرتين، أو ثلاث) مرات، لما روي: "أن من قرأها في إثر الوضوء غفر الله له ذنوب خمسين سنة":
(و) من الآداب:
(أن يشرب فضل وضوئه)؛ بفتح الواو وما يتوضأ به؛ أي: يشرب كله أو بعضه، (قائماً) أو قاعداً مستقبل القبلة، كذا في "الخلاصة"، لما روى عن علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعلذلك، (ويقول:) عقيب شربه: (اللهم اشفني بشفائك وداوني بدوائك واعصمني)؛ أي: احفظني، (من الوهل)، بفتح الواو والهاء مصدر "وهل" بكسر الهاء، إذا ضعف، (والأمراض)؛ عطف خاص على عام، (والأوجاع) كذلك؛ لأن كل مرض ضعف، وكل وجع مرض، ولا عكس فيهما.
(ويكره الشرب قائماً إلا هذا) أي شرب فضل الوضوء، (وشرب ماء زمزم)؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم شرب ماء زمزم قائماً.
وأما كراهته قائماً فيما عدا هذين، فلقوله عليه الصلاة والسلام: "لا يشربن أحدكم قائماً، فمن نسي فليستقيء".وأجمع العلماء على أن هذه الكراهة كراهة تنزيه لا تحريم؛ لأنها لأمر طبي لا لأمر ديني، وفي "الفتاوىلعتابية": ولا بأس بالشرب قائماً، ولا يشرب ماشياً، ورخص للمسافر، انتهى.
وقد صح عنه عليه الصلاة والسلام الشرب قائماً في غير ما تقدم وكذا الأكل، عن أم ثابت قالت: "دخل عليّ رسول الله صلى الله عليه وسلم فشرب من قربة معلقة قائماً؛ فقمت إلى فيها فقطعته". رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح. وإنما قطعت فم القربة؛ ليكون عندها للتبرك. وعن علي رضي الله عنه: "أنه أتى باب الرحبة فشرب قائماً.
وقال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل كما رأيتموني فعلت. رواه البخاري. وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كنا نأكل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نمشي ونشرب ونحن قيام. رواه الترمذي. وقال: حديث حسن صحيح.
ومن الآداب:
(أن يصله) أي: المتوضئ الوضوء (بسُبحة) بضم السين (أي: نافله) أي: يصلي عقيبه نافلة، ولو ركعتين، لقوله عليه الصلاة والسلام: "ما من مسلم يتوضأ فيحسن وضوءَه ثم يقوم فيصلي ركعتين مقبلاً عليهما بقلبه ووجهه إلا وجبت له الجنة". (إلا أن يكون) الوضوء (في وقت مكروه) فإنه لا يصلي؛ لأن ترك المكروه أولى من فعل المندوب.
ومن الآداب:
(أن يتوضأ على الوضوء) لقوله: صلى الله عليه وسلم الوضوء على الوضوء نور على نور.
وقوله عليه السلام: "من جدد الوضوء؛ جدد الله تعالى نوره يوم القيامة".لمواظبته عليه الصلاة والسلام على الوضوء لكل صلاة، ومعلوم من حاله أنه لم يكن يحدث في كل وقت.
ومن الآداب أيضاً:
استصحاب النية إلى آخر الوضوء وتعاهد مآق العين. وفي "الخلاصة" يجب إيصال الماء إليه. وتجاوز حدود الوجه واليدين والرجلين؛ ليستيقن غسلها ويطيل الغرة ويحفظ ثيابه من التقاطر.
] مناهي الطهارة الصغرى: الوضوء [
(وأما) بيان (المناهي)؛ فهو مما يحرم أو يكره. وقوله: (فهو) راجع إلى بيان إذ لا بد من تقديره ليصح قوله.
] من المناهي [:
(أن لا يستقبل القبلة) وما عطف عليه، وقوله: (وقت الاستنجاء) وقع سهواً، والصواب وقت قضاء الحاجة؛ لأنه قد تقدم.
إن ترك استقبال القبلة وقت الاستنجاء أدب، وإنما المنهي استقبالها وقت البول أو التخلّي؛ فإنه مكروه كراهة تحريم سواء كان في الصحراء أو في البناء؛ لإطلاق النهي في قوله عليه الصلاة والسلام: "إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها".
ويكره أيضاً أن يمسك ولده الصغير لقضاء الحاجة ونحوها.
وقالوا: يكره أن يمد رجليه في النوم وغيره إلى نحو القبلة أو المصحف أو كتب الفقه إلا أن يكون على مكان مرتفع عن المحاذاة،
وكذا يكره أن يستقبل بالبول أو الغائط الشمس أو القمر؛ لكونهما آيتين عظيمتين من آيات الله تعالى. وأن يستقبل الريح بالبول؛ لئلا يرجع عليه الرشاش.
] من المناهي [:
(ولا يكشف عورته عند أحد)؛ فإن كشْفَها حرام.
(والاستنجاء بالماء أفضل إن أمكنه) أي: الاستنجاء به (من غير كشف) عند أحد.
(فإن لم يمكنه) ذلك (يكفي الاستنجاء بالأحجار) أي: يجب عليه أن يكتفي بالأحجار، ولا يكشف عورته ولا يرتكب المحرم، والتقييد بقوله: (إذا لم تكن النجاسة أكثر من قدر الدرهم) لا ينبغي أن يعمل بمفهموه، وهو أنها إن كانت أكثر من قدر الدرهم يجوز الكشف بل لا يجوز الكشف عند أحد أصلاً؛ لأنه حرام، يعذر به في ترك طهارة النجاسة إذا لم يمكنه إزالتها من غير كشف. قال البزازي: ومن لا يجد سترة تركه؛ يعني الاستنجاء. ولو على شط نهر؛ لأن النهي راجح على الأمر حتى استوعب النهي الأزمان ولم يقتضِ الأمر التكرار. قال قاضيخان: قالوا: من كشف العورة للاستنجاء يصير فاسقاً.
] من المناهي [:
(وإن لا يستنجي بيده اليمنى)؛ لقوله عليه الصلاة والسلام: "إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في الإناء، وإذا أتى الخلاء فلا يمس ذكره بيمينه، ولا يتمسح بيمينه" ولا يستنجي (بطعام ولا بروث ولا بعظم) لقوله عليه الصلاة والسلام: "لا تستنجوا بالروث ولا بالعظام، فإنها زاد إخوانكم من الجن".
وإذا نهى عن الاستنجاء بزاد الجن فزاد الإنس أولى بالنهي (ولا بعلف الدواب) قياساً على زاد الجن، (ولا بحق الغير) كثوبه ومائه وحجره، لأن التعرض له بغير رضاه حرام، (ولا بفحم)؛ لأنه ملوث. وزاد في "خزانة الفقه": الخزف والآجر؛ لأنه ربما جرح كالزجاج فإنه يكره الاستنجاء به لذلك.
وفي "جامع الجوامع":ولا يستنجي بالقصب؛ لأنه يورث الباسور. وفي "الظهيرية": ولا بأوراق الأشجار، ثم لو استنجى بهذه الأشياء يكره، ولكن يجزئه؛ لأن المعتبر الإنقاء وقد حصل، ويستنجي بالحجر والمدر والتراب والرملوالرماد والخشب والخرقة والقطن واللبد، وفي "الصيرفية": يكره بالخشب. وفي "نظم الزندويسي": لا يستنجي بالخرقة والقطن ونحوهما؛ لأنه روي أنه يورث الفقر.
] من المناهي [:
(وأن لا يتنخم) أي: لا يلقي النخامة؛ وهي ما يدفعه من أنفه أو صدره إلى حلقه وكذلك البزاق. (ولا يمتخط) أي: ولا يلقي المخاط (في الماء)؛ لأن النخامة يستقذر فيؤدي إلى منع الانتفاع بالماء الذي ألقي فيه.
] من المناهي [:
(وأن لا يتعدى) أي: لا يتجاوز الحد المسنون (في الزيادة عليه والنقصان) منه (في المرات الثلاث) بأن يجعلها أربعاً أو اثنتين لغير ضرورة و (في المواضع) بأن يغسل اليد إلى الإبط، أو الرجل إلى الركبة، أو يقصر عن المرفق والكعب؛ فالأول مكروه إذ لم يكن مقدار حصول الطمأنينه إطالة أو نية إطالة الغرة، والثاني غير جائز.
] من المناهي [:
(وان لا يمسح أعضائه) أي: أعضاء وضوئه (بالخرقة التي مسح بها موضع الاستنجاء) تشريفاً لمواضع الوضوء.
] من المناهي [:
(وأن لا يضرب وجهه بالماء عند الغسل) بل يرسل الماء من أعلى جبهته إرسالاً.
] من المناهي [:
(وأن لا ينفخ في الماء عند غسل وجهه).
] من المناهي [:
(وأن لا يغمض فاه ولا عينيه تغميضاً شديداً) بأن تنكتم حمرة الشفتين ومحاجر العينين أي: أطراف الأجفان ومنابت الهدب (حتى لو بقيت على شفتيه أو على جفنيه لمعة) أي: بقعه ولو قلّت (لا يجوز وضوئه)؛ لوجوب استيعاب جميع الوجه وهي منه.
] من المناهي [:
(ويكره أيضاً الامتخاط باليمين وتثليث المسح بماء جديد).
فروع
وفي "فوائد أبي حفص الكبير": لو شلّت يده اليسرى فلا يقدر أن يستنجي بها؛ إن لم يجد من يصب عليه الماء لا يستنجي بالماء إلا أن يقدر على الماء الجاري.
وإن شلّت كلتا اليدين يمسح ذراعيه على الأرض ووجهه على الحائط ولا يدع الصلاة.
وكذا المريض إذا كان له ابن أو أخ وليس له امرأة أو جارية وعجز عن الوضوء؛ يوضئه الابن أو الأخ إلا أنه لا يمس فرجه إلا من يحل له وطئها، ويسقط عنه الاستنجاء، وكذا المريضة إذا لم يكن لها زوج ولها ابنه أو أخت توضئها، ويسقط عنها الاستنجاء، ومقطوع الرجل إن بقي منه شيء وإن كان أقل من ثلاث أصابع غسله، وإن قطعت الرجلان واليدان اختلف المشايخ فيه:
قال بعضهم: تسقط الصلاة، وفي "مجموع النوازل": إن لم يمكنه الوضوء والتيمم لا يصلي عندهما، وعند أبي يوسف: يصلي بالايماء؛ كما في المحبوس.
والمتوضئ اذا استنجى؛ إن كان على وجه السِّنَة بأن ارخى مقعده انتقض وضوئه.
والاستنجاء بالأحجار ونحوها إنما ينوب عن الماء إذا كان الخارج معتاداً، أما إذا خرج دم أو قيح فلا.
] ما يستحب فعله عند دخول الخلاء [:
وإذا أراد دخول الخلاء؛
يستحب أن يدخل بثوبٍ غير ثوبه الذي يصلي فيه إن تيسر؛ وإلا فيجتهد في حفظه من النجاسة والماء المستعمل، ويدخل مستور الرأس،
ويقول عند دخوله: بسم الله، اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث.
ولا يصحب معه ما فيه اسم الله تعالى، أو شيء من القرآن إلا أن يكون مستوراً.
ويبتدئ بالدخول برجله اليسرى وفي الخروج باليمنى.
ولا يكشف عورته وهو قائم.
ويوسع بين رجليه ويميل على اليسرى ولا يتكلم.
ولا يذكر اسم الله تعالى، ولا يرد السلام.
ولا يشمت عاطساً؛ فإن عطس هو يحمد الله تعالى بقلبه ولا يحرك لسانه.
ولا ينظر إلى عورته إلا لحاجة، ولا إلى ما يخرج منه، ولا يكثر الالتفات.
ولا يبزق ولا يمتخط.
ولا يتنحنح إلا لحاجة.
ولا يعبث ببدنه.
ولا يرفع طرفه إلى السماء.
ولا يطيل القعود إلا لضرورة.
فإذا فرغ وخرج من الخلاء يقول: "غفرانك" "الحمد لله الذي أذهب عني ما يؤذيني، وأمسك علي ما ينفعني".
ويكره البول أو التغوط في الماء سواءً كان راكداً أو جارياً، أو على شط نهر، أو حوض، أو عين، أو بئر، أو تحت شجرة، أو في زرع، أو في ظل، أو في جنب مسجد، أو مصلى عيد، أو بين المقابر، أو بين الدواب، أو في الطريق؛ كذا في "الحدادي". وكل ذلك عند عدم الضرورة فإن الضرورات تبيح المحظورات، والمرأة في الاستنجاء كالرجل وقد تقدم ذلك. هذه الطهارة التي ذكرت؛ هي الطهارة الصغرى المخصوصة ببعض الأعضاء.
] الطهارة الكبرى: الاغتسال [
(وأما الطهارة الكبرى) الشاملة لجميع الأعضاء؛ (فهي الاغتسال) من الجنابة.
] سبب الطهارة الكبرى: الاغتسال [:
(وسببه) أي: سبب وجوبه عند إرادة ما لا يحل فعلهإلا به عدة أشياء منها:
(خروج المني) من الذكر أو الفرج الداخل حال كون المني حاصلاً (بشهوة)؛ فإنه يجب الغسل حينئذ (بالإجماع).
و أما انفصاله عن موضعه) من الذكر أو الفرج (بشهوة؛ فمختلف فيه) أي: في أنه هل يجب أم لا؟
اعلم أن الغسل إنما يجب بالمني إجماعاً من أئمتنا بقيدين؛ أحدهما: أن يكون قد انبعث عن شهوة؛ فلو سال من ضرب أو حمل شيء ثقيل أو سقوط من علو لا يجب الغسل عندنا، خلافاً للشافعي، وثانيهما: أن يخرج عن العضو إلى خارج البدن أو ما له حكمه؛ كالفرج الخارج والقلفة على قول، فما دام في الفرج الداخل أو في قصبة الذكر لا يجب الغسل عندنا، خلافاً لمالك.
وأما اشتراط وجود الشهوة عند الانفصال من الذكر أيضاً؛ فمختلف فيه، قال أبو يوسف: وجودها عنده شرطٌ، وقالا ليس بشرط، (حتى أن المحتلم إذا أخذ ذكره) أي: أمسكه حتى سكنت شهوته؛ (وخرج المني بعد سكون الشهوة يجب عليه الغسل عندهما، خلافاً لأبي يوسف).
وكذا لو استمنى بالكف أو مس أو نظر فأنزل؛ فلما انفصل عن مكانه أمسك ذكره حتى سكنت الشهوة.
وكذا لو اغتسل قبل أن يبول أو ينام ثم سال منه بقية المني؛ يجب إعادة الغسل عندهما خلافاً له، والفتوى على قوله في حق الضيف، وعلى قولهما في حق غيره، كذا في "الحدادي".
ولو خرج مني من الرجل بعد ما بال أو نام لا يجب الإعادة إجماعاً.
(وكذا) يوجب الاغتسال في (الإيلاج) أي: إدخال ذكر من يجامع مثله، (في أحد السبيلين) القبل أو الدبر، (من الرجل) أي: الذكر المشتهي (و المرأة) أي: المشتهاة (إذا توارت) أي: غابت (الحشفة) أي: الكمرة أو مقدارها إن كانت مقطوعة في أحدهما (سواءً أنزل) أي: المولج أو المولج فيه، (أو لم ينزل) واحد منهما، (وجب الغسل على الفاعل
(والمفعول به) المكلفين، لقوله عليه الصلاة والسلام: "إذا جاوز الختان الختان وجب الغسل".
وأما وجوبه على المفعول به في الدبر؛ فبالقياس على المفعول به في القبل احتياطاً.
(أما لو أولج في البهيمة والميتة و الصغيرة التي لا تجامع مثلها)؛ وهي بنت ست مطلقاً، أوبنت سبع أو ثمان إذا لم تكن عبلة مجملة (فلا يجب عليه الغسل ما لم ينزل)؛ لقصور الشهوة، وعند الشافعي ومالك وأحمد؛ يجب عليه الغسل أنزل أو لم ينزل.
(وذكر الإسبيجابي) أن بالإيلاج (في الصغيرة) التي لا يجامع مثلها (يجب) عليه (الغسل) أنزل أو لم ينزل، والصحيح عدم الوجوب.
(وكذا) يوجب الاغتسال (الحيض والنفاس) بلاجماع.
(ومن استيقظ) من منامه (فوجد على فراشه أو ثوبه أو فخده بللا؛ وهو يتذكر الاحتلام) فإن المسألة على ستة أوجه؛ لأنه إما أن يتذكر الاحتلام أو لا، وعلى كل من التقديرين؛ إما أن يتيقن كونه منياً، أو كونه مذياً، أو شك فيهما:
فإن تذكر الاحتلام:
(إن تيقن أنه مني أو أنه مذي أو شك) في كونه منياً أو مذياً (فعليه الغسل) في الحالات الثلاث إجماعاً؛ لأن الاحتلام سبب خروج المني فيحمل عليه، والمني قد يرق بالهواء أو بحرارة البدن فيصير كالمذي
و (أما إذا لم يتذكر الاحتلام؛ وتيقن أنه مني أو شك فكذلك) يجب الغسل إجماعاً أيضاً.
(وإن تيقن أنه مذي؛ فلا غسل عليه في هذه الحالة) عند أبي يوسف (إذا لم يتذكر الاحتلام)، وبه أخذ خلف بن أيوب وأبو الليث وهو أقيس، وعندهما يجب؛ وهو أحوط لما تقدم من الإحتمال، والنوم سبب الاحتلام، وكم من رؤيا لا يتذكرها الرآئي فلا يبعد أنه احتلم ونسيه؛ فيجب الغسل، والمصنف لم يذكر قولهما مع أنه عليه الفتوى.
(وإن استيقظ) من نومه (فوجد في إحليله بللاً ولم يتذكر حلماً) ينظر:
(إن كان ذكره منتشراً قبل النوم فلا غسل عليه)؛ لأن الانتشار سبب لخروج المذي فيحمل على أنه مذي.
(وإن كان) ذكره قبل النوم (ساكناً فعليه الغسل) للاحتياط؛ (هذا) الذي ذكر من عدم وجوب الغسل إذا كان الذكر منتشراً قبل النوم؛ إنما هو (إذا نام قائماً أو قاعداً) لعدم الاستغراق في النوم عادة.
(أما إذا نام مضطجعاً أوتيقن أنه) أي البلل (مني فعليه الغسل)، لأن الاضطجاع سبب الاستغراق في النوم الذي هو سبب الاحتلام فيحمل عليه. (وهذا) التفصيل (مذكور في "المحيط" و"الذخيرة".
و قال شمس الأئمة الحلواني: هذه مسألة يكثر وقوعها والناس عنها غافلون) ولنا فيه إشكال ذكرناه في "الشرح"؛ حاصله أن الظاهر عدم وجوب الغسل.
(وإن احتلم ولم يخرج منه شيء) أي: تذكر الاحتلام ولم يجد بللاً (لا غسل عليه) إجماعاً.
(وكذا المرأة) أي: إن احتلمت ولم يخرج منها شيء فلا غسل عليها لحديث "الصحيحين" أن أم سليم قالت: يا رسول الله إن الله تعالى لا يستحيي من الحق؛ فهل على المرأة من غسل إذا احتلمت؟ قال: نعم، إذا رأت الماء"،
(وقال: محمد) يجب (عليها الغسل احتياطاً)؛ لاحتمال أنه خرج ثم عاد، (وبه يفتي) بعض المشايخ، وقيل إن كانت مستلقية يجب وإلا فلا، والأول أصح للحديث المذكور، وبه أفتى الفقيه أبو جعفر أنه قال: ما لم يخرج منيّها من الفرج الداخل لا يلزمها الغسل في الأحوال كلها وبه أخذ شمس الأئمة الحلواني والحاكم الشهيد.
(ولو جامع أو احتلم واغتسل قبل أن يبول أو ينام ثم خرج منه بقية المني وجب عليه الغسل ثانياً عند أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله خلافاً لأبي يوسف) وقد قدّمناه، ولو اغتسلت المرأة ثم خرج منها بقية مني الزوج لا غسل عليها بالإجماع.
(ولو أفاق السكران فوجد منياً فعليه الغسل)؛ كما في النائم. (وإن وجد مذياً فلا غسل عليه بالإتفاق).
(وكذا المغمى عليه)؛ لأن السكروالإغماء ليسا مظنّة الاحتلام بخلاف النوم.
(وإن استيقظ الرجل والمرأة فوجدا بينهما منياً على الفراش وكل واحد منهما ينكر الاحتلام) أي: لا يتذكره؛ (وجب عليهما الغسل احتياطاً)؛ لاحتمال وجوده من كل منهما.
(وقال بعضهم: إن كان المني طويلاً فعلى الرجل) لأن منيه يدفق فيقطع طويلاً، (وإن كان مدوراً فعلى المرأة) لأن منيها يسيل فيقع في بقعة واحدة.
(وقال بعضهم: إن كان أبيض) غليظاً (فمن الرجل، وإن كان أصفر) رقيقاً (فمن المرأة)، والاحتياط أولى.
فروع
قالت: معي جنيّ يأتيني في النوم مراراً، وأجد لذة الوقاع اتفقوا أنه لا غسل عليها، وهذا إذا لم تنزل؛ فإذا أنزلت وجب الغسل عليها. جومعت فيما دون الفرج ووصل المني إلى رحمها لا غسل عليها؛ لفقد الإيلاج والإنزال فإن حبلت منه وجب الغسل؛ لأنه دليل الإنزال فتعيد ما صلت بعد ذلك الجماع قبل الغسل، كذا قالوا، وفيه نظر؛ لأن الخروج من الفرج الداخل شرط لوجوب الغسل ولم يوجد.
احتلم أو عالج بكفّه فلما انفصل المني عن الصلب شدّ ذكره وصلى من غير غسل؛ صحت لتعلق وجوب الغسل بالخروج أيضاً.
صبي ابن عشر سنين جامع امرأته البالغة؛ وجب عليها الغسل لوجود مواراة الحشفة بعد توجه الخطاب ولا غسل على الغلام لانعدام الخطاب في حقه؛ إلا أنه يؤمر به تخلقاً كما يؤمر بالوضوء والصلاة، ولو كان الزوج بالغاً والزوجة صغيرة مشتهاة فالجواب على العكس.
وذكر صبيلا يشتهى بمنزلة الإصبع، وفي وجوب الغسل بإدخال الإصبع في القبل أو الدبر خلاف.
وكذا ذكر غير الآدمي وذكر الميت وما يصنع من خشب أو غيره.
بال فخرج منه مني؛ إن كان ذكره منتشراً فعليه الغسل لوجود الشهوة وإلا فلا لفقدها.
رآى في نومه أنه يجامع فانتبه ولم ير بللاً ثم خرج منه مذي لا يجب الغسل، وإن خرج مني وجب الغسل.
احتلم الصبي أو الصبية الاحتلام الذي به البلوغ وأنزلا على وجه الدفق والشهوة لا يجب عليهما الغسل؛ لأن الخطاب إنما توجه عقيب الإنزال فهو سابق على الخطاب.
وكذا إذا حاضت المرأة الحيض الذي به البلوغ، وقال بعضهم: يجب في الحيض قال قاضي خان: والأحوط وجوب الغسل في الكل.
] فرائض الطهارة الكبرى: الاغتسال [
(وأما فرائض الغسل):
] الفريضة الأولى [: (فالمضمضة).
] الفريضة الثانية [: (والاستنشاق)
] الفريضة الثالثة [:
(وغسل سائر البدن) أي: باقيه، وإنما فرضت المضمضة والاستنشاق في الغسل دون الوضوء؛ لأن الواجب في الغسل غسل جميع البدن وداخل الفم والأنف منه، وفي الوضوء غسل الوجه وليسا منه؛ لأنه من المواجهة وليس فيهما مواجهة.
] الفريضة الرابعة [:
(وإيصال الماء إلى منابت الشعر) فرض أيضاً، (وإن كثف) أي: ولو كان الشعر كثيفاً (بالإجماع).
] الفريضة الخامسة [:
(وكذا) يفرض (إيصال الماء إلى أثناء اللحية) وأثناء (الشعر) من الرأس والبدن؛ حتى لو كان الشعر متلبداً ولم يصل الماء إلى أثنائه لا يجوز الغسل لما في قوله تعالى: {وإن كنتم جنباً فاطّهروا}] المائدة:6 [من المبالغة.
(و) أما (المرأة في الاغتسال كالرجل) في وجوب تعميم جميع البدن الشعر والبشرة.
(و) لكن (الشعر المسترسل) أي: النازل (من ذوائبها)؛ جمع ذؤابة؛ وهي الخصلة من الشعر (غسله موضوع) أي: ساقط عنها (في الغسل إذا بلغ الماء أصول شعرها)؛
لحديث أم سلمة أنها قالت: قلت يا رسول الله: إني امرأة أشد ضفر رأسي أفانقضه في غسل الجنابة فقال: لا؛ إنما يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات ثم تفيضين عليك الماء فتطهرين، وفي روايه: أفأنقضه للحيضة والجنابة قال: لا"، إلى آخره.
ولا يجب بلّ ذوائبها، وفي "صلاة البقالي" الصحيح: أنه يجب غسل الذوائب وإن جاوزت القدمين وفي "مبسوط بكر" في وجوب إيصال الماء إلى شعب عقاصها اختلاف المشايخ، وفي
"الهداية" وليس عليها بلّ ذوائبها هو الصحيح. وكذا صححه غيره، وهو الوجه للحصر المذكور في الحديث وللحرج؛ وهذا إذا كانت مضفورة فإن كانت منقوضة يفرض عليها إيصال الماء إلى أثنائها اتفاقاً لعدم الحرج، (بخلاف الرجل) فإنه يجب عليه إيصال الماء إلى أثناء الشعر وإن كان مضفوراً؛ لأنه لا ضرورة في حقه لإمكان الحلق، (كذا ذكره) أي: الفرق بين الرجل والمرأة (في "غنية الفقهاء").
(وذكر في "المحيط" أن الرجل إذا ضفّر شعره كما يفعل العلويون) أي: المنتسبون إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وبعضهم يخصهم بمن كان من غيرفاطمة رضي الله عنها (والأتراك) - جمع ترك بضم التاء- اسم جنس كالعرب وزْناً. (هل يجب إيصال الماء إلى أثناء الشعر أو لا؟)
أي: إلى خلال شعره أم لا؟
(عن أبي حنيفة رحمه الله فيه روايتان)، وفي رواية يجب لعدم الضرورة، وفي رواية لا يجب نظراً إلى العادة وإلى عدم الضرورة.
(وذكر الصدر الشهيد) أنه أي: الشان (يجب إيصال الماء إلى أثناء الشعر) في حقه لعدم الضرورة وللاحتياط قال في "الخلاصة": وفي شعر الرجل يجب إيصال الماء إلى المسترسل ولم يذكر غير ذلك، وهو الصحيح.
(امرأة اغتسلت هل تتكلف في إيصال الماء إلى ثقب القرط أم لا؟) و القرط بضم القاف وإسكان الراء ما يعلق في شحمة الأذن.
(قال:) أي: محمد في "الأصل" وهذه عادة صاحب "المحيط" يذكر قال؛ ومراده ذلك، (تتكلف فيه) أي: في إيصال الماء إلى ثقب القرط، (كما تتكلف في تحريك الخاتم إن كان ضيقاً)، والمعتبر فيه غلبة الظن بالوصول؛ إن غلب على ظنها أن الماء لا يدخله إلا بتكلف تتكلف.
وإن غلب على ظنها أنه قد وصل فلا، سواءً كان القرط فيه أم لا.
وإن انضم الثقب بعد نزع القرط وصار بحال إن أمرّ الماء عليه يدخله وإن غفل لا؛ فلا بد من إمراره ولا تتكلف لغير الإمرار من إدخال عود ونحوه، فإن الحرج مدفوع وإنما وضع المسألة في المرأة باعتبار الغالب، وإلا فلا فرق بينها وبين الرجل.
وكذا في قوله: (امرأة اغتسلت وقد كان) أي: الشان (بقي في إظفارها عجين قد جف؟)
(لم يجز غُسلها) وكذا الوضوء لا فرق بين المرأة والرجل؛ لأن في العجين صلابة تمنع نفوذ الماء، وقال بعضهم يجوز والأول أظهر. (ولو بقي الدرن) بالتحريك أي: الوسخ (في الإظفار جاز) أي: (الغسل).
(والوضوء) لتولده من البدن (يستوي فيه) أي: في الحكم المذكور (المدني) أي: ساكن المدينة (والقروي) أي: ساكن القرية لما قلنا. (وقال بعضهم: يجوز الغسل للقروي)؛ لأن درنه من
التراب والطين فينفذه الماء (ولا يجوز للمدني)؛ لأنه من الودك: سمن اللحم، فلا ينفذه الماء والأول هو الصحيح.
قال الدبوسي وقال الصّفار: يجب إيصال إلى ما تحته إن طال الظفر (و) هو حسن.
(الأقلف) الذي لم يختتن (إذا اغتسل ولم يدخل الماء داخل الجلدة؟
(قال بعضهم: يجوز غسله)؛ لأنه خلقي.
(وقال بعضهم: لا يجوز وهو الأصح)؛ لأن له حكم الظاهر حتى إن البول إذا نزل إليه انتقض الوضوء، والمني إذا خرج إليه وجب الغسل بالإجماع، وكذا صححه الزيلعي في
"شرح الكنز" واختاره في "النوازل"، (وإن خرج بوله حتى صار في القلفة فعليه الوضوء بالإجماع، وإن لم يظهر) أي: ولو لم يظهر إلى خارج القلفة.
(رجل اغتسل وبقي بين أسنانه طعام)؟ من خبز أو غيره جاز.
و (قال بعضهم: إن كان زائداً على قدر الحمصة لا يجوز غسله) وإن كان قدر الحمصة أو أقل يجوز اعتباراً بفساد الصوم والصلاة بابتلاع ما فوق الحمصة لا بابتلاع مقدارها على قول، والصحيح أن مقدارها غير معفو هناك، و إنما العفو ما دونه فإنه قليل، وفي"الفتاوى" إن كان بين أسنانه طعام ولم يصل الماء تحته في الغسل جاز؛ لأن الماء شيء لطيف يصل تحته غالباً قال في "الخلاصة" وبه يفتى.
(وقال بعضهم: إن كان) الطعام (صُلباً) بضم الصاد. أي: قوياً (ممضوغاً) مضغاً (متأكداً) قليلاً كان أو كثير، أي: شديد؛ بحيث تداخلت أجزاءه وصار كالعجين الصُلب، (لا
يجوز غسله) قلّ أو كثر وهو الأصح لامتناع نفوذ الماء مع عدم الضرورة والحرج كذا في "الذخيرة".
(وذكر في "المحيط" إذا كان على ظاهر بدنه جلد سمك أو خبز ممضوغ قد جف واغتسل أو توضأ ولم يصل الماء الى ما تحته لم يجز،) وذكر في "المحيط" إن كان في أسنانه هو بجوف يبقى فيه طعام واغتسل من الجنابة لا يجوز به ما لم يخرج وجرى عليه الماء لم يجز.
(وكذا الدرن اليابس في الأنف)؛ لأن هذه الأشياء تمنع نفوذ الماء لصلابتها.
(وقال في "الذخيرة": في مسألة الحنا) بأن بقي من جرمه على بدنها (والطين والدرن) إذا بقيا على البدن (يجزئ وضوؤهم؛ للضرورة) ولأن هذه الأشياء لا صلابة لها فينفذها الماء، (وعليه الفتوى) أي: على ما في "الذخيرة" إذ المعتبر في جميع ذلك نفوذ الماء ووصوله إلى البدن.
(وإذا كان برجله شقاق فجعل فيه الشحم) أو المرهم؛ (إن كان لا يضره إيصال الماء تحته لا يجوز غُسله ووضُوُئه وإن كان يضره يجوز) الوضوء، إذا مرّ الماء على ظاهر ذلك،
(وإيصال الماء إلى داخل السرة فرض) في الغسل لكونه من ظاهر البدن.
(وكذا الاستنجاء بالماء) فرض عند الغسل (وإن لم يكن) أي: ولو لم يكن عليه أي: على موضع الاستنجاء (نجاسة) حقيقية؛ لأن فيها نجاسة حكمية وهي الجنابة.
(وكذا تخليل الأصابع في الاغتسال والوضوء فرض إن كانت الأصابع منضمة،) بحيث لا يدخلها الماء بلا تخليل (غير مفتوحة، وإن كانت الأصابع مفتوحة فهو) أي: التخليل (سنة).
(وكذا إنقاء البشرة) أي: ظاهر الجلد بإسالة الماء عليها. (وبلّ الشعر فرض أيضاً لقوله عليه الصلاة والسلام: "ألا فبلّوا الشعر وأنقوا البشرة". ولقوله صلى الله عليه وسلم: "إن تحت كل شعرة جنابة". وفي رواية "نجاسة").
(ولو بقي شيء من بدنه لم يصبه الماء لم يخرج من الجنابة وإن قلّ) أي: ولو كان ذلك الشيء قليلاً بقدر رأس إبرة لافتراض استيعاب جميع البدن.
(وشرب الماء يقوم مقام المضمضة إذا) كان لا على وجه السنّة و (بلغ الماءُ الفم كله) وإلا فلا، وفي "واقعات الناطفيّ" أنه لا يجزئ، ولو كان لا على وجه السنّة ما لم يَمُجّه. قال في
"الخلاصة" وهذا أحوط (ولو تركها) أي: المضمضة وكذا الاستنشاق (ناسياً فصلى ثم تذكر ذلك يتمضمض) أويستنشق، (ويعيد ما صلى) إن كان فرضاً لعدم صحته، وإن كان نفلاً فلا؛ لعدم صحة شروعه.
وكذا الحكم في كل جزء من البدن إذا نسي غسله.
] سنن الطهارة الكبرى: الاغتسال [
(وسنة الغسل):
(أن يقدم الوضوء عليه) كوضوء الصلاة من غير استثناء مسح الرأس وهو الصحيح فيظاهر الرواية، وروى الحسن أنه لا يمسح رأسه (إلا غسل الرجلين) فإنه
يؤخره إذا كان قائماً في مستنقع الماء أو على تراب بحيث يحتاج إلى غسلهما ثانياً بعد ذلك، أما لو قام على حجر أو لوح بحيث لا يحتاج لغسلهما ثانياً فلا يؤخر غسلهما.
(وأن يزيل النجاسة) الحقيقية كالمني ونحوه، (عن بدنه إن كانت) أي: إن وجدت على بدنه نجاسة. (ثم يصب الماء على رأسه وسائر بدنه ثلاثاً)، وكيفيته: أن يصب الماء على منكبه الأيمن ثلاثاً ثم الأيسر ثلاثاً، ثم على رأسه، وعلى سائر جسده، وقيل يبدأ بالأيمن ثم بالرأس ثم بالأيسر، وقيل يبدأ بالرأس ثم بالأيمن ثم بالأيسر وهو الأصح، ولو انغمس في ماء جارٍ، إن مكث قدر الوضوء والغسل فقد أكمل السنة وإلا فلا، (ثم يتنحى عن ذلك المكان) الذي اغتسل فيه (فيغسل رجليه) إلا أن يكون على حجر أو خشب أو غير ذلكإن كان قيامه في مستنقع الماء.
(وأن لا يسرف في الماء، وأن لا يُقتر) لما تقدم في الوضوء.
(وأن لا يستقبل القبلة وقت الغسل) إن كانت عورته مكشوفة، وإن كان متَّزراً فلا بأس به.
(وأن يدلّك كل أعضائه) مبالغة (في المرة الأولى) ليعم الماء البدن في المرتين الآخريين، فالدلك في الغسل سنّة، وليس بواجب إلا في رواية عن أبي يوسف.
(وأن يغتسل في موضع لا يراه أحد) لاحتمال انكشاف العورة حال الاغتسال أو اللبس
وذكر في "القُنية": عليه الغسل وهناك رجال لا يدعه وإن رأوه ويختار ما هو أستر،
والمرأة بين الرجال تؤخره وبين النساء لا، والمراد بقوله وإن رأوه: رؤية ما سوى العورة، فإن كشف العورة لا يجوز عند أحد في الصحيح، وفي الخلوة قيل يأثم، وقيل يعفي في الزمان القليل
دون الكثير، وقيل لا بأس به، وقيل يجوز أن يتجرّد للغسل وأن يجرد زوجته للجماع إذا كان البيت صغيراً؛ مقدار خمس أذرع أو عشرة.
(وأن لا يتكلم بكلام قط) من كلام الناس أو غيره؛ لأنه في مصب الماء المستعمل.
] مستحبات الطهارة الكبرى: الاغتسال [
(ويستحب):
(أن يمسح بدنه بمنديل بعد الغسل،).
(وأن يغسل رجليه بعد اللبس) لا قبله مسارعة إلى التستر.
(وأن يصله بسبحة).
وكيفية غسل الرّجْل:
أن يأخذ الإناء بيمينه ويفيض الماء على مقدم رجله الأيمن وذلك بيساره، يغسلها ثلاثاً ثم يفيض الماء على مقدم رجله اليسرى وذلك بيساره، والدلك عندنا سنه، كذا ذكره في "الخلاصة"، لما تقدم في الوضوء.
(وأما النية فليست بشرط في الوضوء والاغتسال) بل سنّة فيهما، (حتى إن الجنب إذا انغمس في الماء الجاري أو في الحوض الكبير للتبّرد) و قيّد بالكبير؛ لأن الصغير يتأتي فيه الخلاف الذي في البير و سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. (أو قام في المطر الشديد وتمضمض واستنشق) في جميع ذلك (يخرج من الجنابة) عندنا خلافاً للأئمة الثلاثة؛ لأن المقصود حصول الفعل المأمور به وقد حصل فلا فرق بين كونه عن قصد أو لا عن قصد، إلا أنه إذا لم ينوِ لا يحصل له ثواب وقد حققنا الكلام فيه في "الشرح".
] أوجه الاغتسال [
(والاغتسال على أحد عشر وجهاً):
(خمسة منها فريضة) لثبوتها بالكتاب أو الإجماع القطعيين.
الاغتسال (من الحيض).
(و) الاغتسال من (النفاس).
(و) الاغتسال من (التقاء الختانيّن)؛ إذا كان (مع غيبوبة الحشفة).
(و) الاغتسال من (خروج المني على وجه الدفق والشهوة).
(و) الاغتسال من (الاحتلام إذا خرج منه) أي: من المحتلم والمحتلمة (المني والمذي) وقد تقدم الكلام على ذلك كله.
(وأربعة منها سنّة):
(غسل يوم الجمعة) والأصح أنه مندوب عندنا، وعند مالك هو واجب، وهو للصلاة عند أبي يوسف، ولليوم عند الحسن حتى لو لم يصل به ينال ثواب الغسل إذا
وجد في اليوم عند الحسن لا عند أبي يوسف، ومن لا جمعة عليه يندب له الغسل عند الحسن لا عند أبي يوسف.
(و) غسل (العيدين) والأصح أنه مستحب أيضاً؛ لأنه يوم اجتماع كالجمعة.
(و) غسل يوم (عرفة) هو مستحب أيضاً للاجتماع،
(و) كذا الغسل (عند الإحرام) مستحب.
ومن الاغسالالمندوبة:
الغسل لدخول مكة، ووقوف مزدلفة، ودخول المدينة، ومن غسّل ميتاً، وللحجامة، ولليلة القدر إذا رآها.
وللمجنون إذا أفاق وللصبي إذا بلغ بالسن، والكافر إذا أسلم ولم يكن جنباً، ويكفي غسل واحد للجمعة والعيد إذا اجتمعا، كما يكفي لفرض من جماع وحيض.
(وواحد منها) أي: من الأحد عشر (واجب) على الكفاية:
(وهو غَسل الميت) حتى لا يجوز الصلاة عليه قبل الغسل أو قبل التيمم عند عدم الماء هكذا ذكروه، والظاهر من الأدلة أنه فرض كفاية، ذكره ابن الهمام والسروجي في "شرح الهداية" وغيرهما.
(وواحد منها مستحب):
(وهو غسل الكافر إذا أسلم) وقد تقدم (هكذا ذكره مطلقاً شمس الأئمة السرخسيّ في شرحه) "للمبسوط".
(وذكر في "المحيط" أن الكافر إذا أجنب ثم أسلم الصحيح أنه يجب عليه الغسل)؛ لأن الجنابة باقية بعد إسلامه، (بخلاف ما لو أسلمت بعد انقطاع الحيض حيث لا يجب عليها الغسل)؛ لأن الاتّصاف بالحيض ليس باقياً، وقال قاضي خان والأحوط وجوب الغسل في الفصول كلها.
فروع
إن أجنبت المرأة ثم أدركها الحيض؛ فإن شاءت اغتسلت، وإن شاءت
أخرت حتى تطهر.
وكذا الحائض إذا احتلمت أو جومعت فهي بالخيار.
والجنب إذا أخر الاغتسال إلى وقت الصلاة لا يأثم.
ولا بأس للجنب أن ينام ويعاود أهله قبل أن يغتسل أو يتوضأ، ولكن يستحب الوضوء إن أراد المعاودة.
ولا بأس بأن يغتسل الرجل والمرأة من إناء واحد.
ويكره للجنب الأكل والشرب ما لم يغسل يديه وفاه، وقال قاضي خان: يستحب أن يغسل يديه وفاه إذا أراد أن يأكل أو يشرب، وإن تركه فلا بأس به. وقيل: إن شرب على وجه السنّة لا يكره، وإلا كره.
] ما يجوز للمحدث فعله وما لا يجوز [
(ولا يجوز للجنب، والحائض، والنفساء، قراءة القرآن) لقوله عليه الصلاة والسلام: "لا تقرأ الحائض، ولا الجنب شيئاً من القرآن"، (يعني؛) لا يجوز أن يقرأ (آية تامة، وإن قرأ ما دون الآية) بقصد القرآن (أو قرأ الفاتحة) لا بقصد القرآن بل (على قصد الدعاء، أو) قرأ (الآيات التي تشبه الدعاء) مثل: "ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار"] البقرة:201 [ونحوها (على نية الدعاء) وكذا لو سمع خبراً ساراً فقال: الحمد لله، أو خبر سوء فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون،
أو قرأ بسم الله الرحمن الرحيم على وجه الثناء، لا على قصد القرآن (يجوز)،أما ما دون الآية؛ فلأنه لا يعد بقراءته قارئاً، وهذا اختيار الطحاوي، وذكر الزاهدي: أن عليه الأكثر،
وأما على قول الكرخي: فلا يجوز قراءة ما دون الآية أيضاً، وهو الذي اختاره صاحب الهداية وجماعة.
(وقيل يكره) قراءة ما دون الآية على وجه الدعاء، والثناء.
(وقيل لا يكره) وهو الصحيح، قاله في "الخلاصة".
(وأما قراءة دعاء القنوت، فلا يكره في ظاهر مذهب أصحابنا)؛ لأنه ليس بقرآن، (وعن محمد) في رواية شاذة: (أنه يكره)؛ لما روي عن أبي بن كعب رضي الله عنه أنه كتبه في مصحفه،
والصحيح هو الأول، و لا يكره التهجي للجنب، والحائض، والنفساء بالقرآن؛ لأنه لا يعد به قارئاً.
وكذا لا يكره لهم التعليمللصبيان وغيرهم، حرفاً حرفاً، أي: كلمةً كلمةً، مع القطع بين كل كلمتين، وعلى قول الطحاوي: إذا علم نصف آية وقطع، ثم نصفاً نصفاً، هكذا يجوز، والمصنف اختار قوله في الأول، وهنا مشى على قول الكرخي.
(وكذا) أي: وكما لا يجوز للجنب، والحائض، والنفساء قراءة القرآن (لا يجوز لهم كتابة القرآن) لأن؛ فيه مسهم للقرآن، وهو حرام.
(وذكر في "الجامع الصغير" - المنسوب إلى قاضي خان- لا بأس للجنب أن يكتب القرآن، والصحيفة) أو اللوح (على الأرض) أو على الوسادة ونحوها (عند أبي يوسف) خلافاً لمحمد؛ لأنه ليس فيه مس القرآن، ولذا
قيل: المكروه مس المكتوب لا مواضع البياض، ذكره الإمام التمرتاشي. وينبغي أن يفصل؛ فإن كان لا يمس الصحيفة بأن وضع عليها ما يحول بينها وبين يده، يؤخذ بقول لأبي يوسف؛ لأنه لم يمس المكتوب، ولا الكتاب،
وإلا فبقول محمد؛ لأنه قد مس الكتاب. (ولا يجوز لهم) أي: للجنب والحائض والنفساء (مس المصحف إلا بغلافه) وكذا كل ما فيه آية تامة من لوح، أو درهم ونحو ذلك؛ لقوله تعالى: {لا يمسه إلا المطهرون}] الواقعة:79 [، وقول صلى الله عليه وسلم: "لا يمس القرآن إلا طاهر".
(ولا) يجوز لهم أيضاً (أخذ درهم فيه سورة من القرآن) هذا بناء على عادة من كان يكتب على الدراهم سورة الإخلاص، وليس بقيد، بل لو كانت آية واحدة؛ فالحكم كذلك (إلا بصرته).
(وكذلك) لا يجوز (المس) المذكور (للمحدث) أيضاً؛ لأنه غير طاهر (هذا) يعني جواز الأخذ بالغلاف (إذا كان الغلاف غير مشرّز) أي: غير محبوك؛ مشدود بعضه إلى بعض.
(وان كان مشرزاّ، لا يجوز) الأخذ به، ولا مسه، هو الصحيح قاله في "الهداية"، وفي "المحيط". والغلاف؛ هو الجلد الذي عليه، في أصح القولين، وتصحيح الهداية هو الأحوط والأولى.
(والخريطة) أي: الكيس (أحق من الغُلاف في أنه لا يكره أخذ المصحف بها) لوجود الحائلين
(فإن أخذ المصحف بكمه؛ فلا بأس به) أي: بالأخذ (عند محمد) في رواية، وهو اختبار صاحب "المحيط"، (وكرهه بعض مشائخنا) وهو اختيار صاحب الهداية"؛ (لأن الثوب تابع له) أي: للماس.
(وذكر في "الجامع الصغير") أيضاً (لا بأس بدفع المصحف واللوح إلى الصبيان)، لأنهم لا يخاطبون بالطهارة، وإن أمروا بها تخلقاً، قال في "الهداية": لأن في المنع منهم تضييع حفظ القرآن، وفي أمرهم بالتطهير حرج بهم، وعن بعض المشائخ: أنه يكره، والصحيح هو الأول.
وقول المصنف: (والأحوط أن يأخذ بكمه، ويدفعه إليه) لا تعلق له بما قبله؛ لأن كلام "الجامع الصغير" في المدفوع إليه وهو الصبي أنه لا يكره دفع البالغ المصحف، أو اللوح إليه، لا في مس الدافع وعدمه، فإن المس بالكم قد تقدم حكمه، وهو يوهِم جواز مس الدافع بلا طهارة لأجل دفع الصبي، ولم يقل به أحد.
(ويكره) أيضاً للمحدث ونحوه (مس تفسير القرآن، وكتب الفقه) وكذا كتب السنن؛ لأنها لا تخلو عن آيات، وفي الخلاصة: والأصح أنه لا يكره عند أبي حنيفة (وإن أخذه) أي: التفسير ونحوه (بكمه لا بأس به؛) لأن فيه ضرورة (لتكرار الحاجة إلى أخذه) أكثر من تكرار أخذ المصحف؛ إذ القرآن يقرأ حفظاً في الغالب.
(ولا تكره قراءة القرآن للمحدث ظاهراً) أي: على ظهر لسانه، حفظاً بالإجماع (أما الجنب؛ إذا غسل يده وفمه) فروي عن أبي حنيفة: أنه لا بأس أن يمس القرأن، أو يقرأه، والصحيح أنه (لا يجوز له المس، والقراءة لبقاء الجنابة)؛ لأنها لا تتجزأ ثبوتاً، ولا زوالاً، كالحدث إجماعاً.
(وتكره قراءة التوراة والإنجيل للجنب، وكذا الزبور) لأن الكل كلام الله تعالى، وما بُدل منه بعضٌ غير معين، وغير المبدل غالب فالاحتياط في التحرز عن المس
(واذا أراد الجنب الأكل والشرب؛ ينبغي له أن يغسل يده، وفمه ثم يأكل، ويشرب) ويكره من غير غسل؛ لأن سؤره مستعمل، وكذا ما أصاب يده، وشرب الماء المستعمل مكروه؛ لإزالة النجاسة الحكمية، وحمل المأكول على المشروب، وقد قيل أنه يورث الفقر، وهذا بخلاف الحائض؛ لأن سؤرها لا يصير مستعملاً، ما لم تخاطب بالإغتسال.
(ويكره كتابة القرآن) وأسماء الله تعالى (على المصلى) أي: السجادة، وكذا على المحاريب، والجدران، وما يفرش؛ لأنه تعريض للامتهان.
(ويكره دخول المخرج) أي: الخلاء (وفي إصبعه خاتم فيه شيء من القرآن) أو من أسماء الله تعالى في جيبه؛ لا بأس به (لما فيه من ترك التعظيم)، وقيل: لا يكره إن جعل فِصه إلى باطن الكف، ولو كان ما فيه شيء من القرآن، أو من أسماء الله تعالى في جيبه؛ لا بأس به، وكذا لو كان ملفوفاً في شيء، والتحرز أولى.
(وكذا) أي: وكما لا يجوز للجنب، والحائض، والنفساء قراءة القرآن ولا مسه؛ (لا يجوز لهم دخول المسجد) لغير ضرورة (سواءً دخلوا للجلوس فيه، أو للعبور) أي: المرور لقول النبي عليه الصلاة والسلام: "إني لا أحل المسجد لحائض، ولا جنب"، (وقال الشافعي: يجوز لهم الدخول للعبور) وقد حققنا الدليل في "الشرح".
(واذا احتلم في المسجد؛ يتيمم للخروج إذا لم يخف من لص، أو غيره) لعدم الضرورة، (وإن خاف يجلس مع التيمم)؛ للضرورة (ولكن لا يصلي، ولا يقرأ) لعدمها.
فروع
تكره قراءة القرآن، والذكر، والدعاء في المخرج، أي: الخلاء، والمغتسل، والحمام، وعند محمد لا تكره في الحمام؛ لأن الماء المستعمل طاهر عنده، وفي الخلاصة لا يقرأ في المخرج، والمغتسل، والحمام، إلا حرفاً حرفاً، وفي الحمام؛ إنما تكره إذا قرأ جهراً؛ فإن قرأ في نفسه لا بأس به، هو المختار.
وكذا التحميد، والتسبيح.
وكذا لا يقرأ إذا كانت عورته مكشوفة، أو امرأة هناك تغتسل، أو في الحمام أحد مكشوف العورة، وفي "فتاوى" قاضي خان و إن لم يكن فيه أحد مكشوف العورة؛ وكان الحمام طاهراً لا بأس بأن يرفع صوته بالقراءة، وإن لم يكن كذلك فإن قرأ في نفسه فلا يرفع صوته فيه ولا بأس بالتسبيح، والتهليل وإن رفع صوته بذلك، وسيأتي تمام ذلك عند الكلام على القراءة إن شاء الله تعالى.
(فصل في التيمم):
وهو في اللغة: القصد، وفي الشرع: القصد إلى الصعيد، والتطهر به، على وجه مخصوص.
] ركن التيمم وشرطه [
(وللتيمم ركن وشرط لا بد من معرفتهما)؛ لتوقف تحققه عليهما:
] ركن التيمم [
(أما ركنه: فضربتان، ضربة للوجه، وضربة للذراعين، يعني: اليدين إلى المرفقين) لقول النبي عليه الصلاة والسلام: "التيمم ضربتان؛ ضربة للوجه، وضربة للذراعين إلى المرفقين".
(وصورته)
أي: صفة التيمم على الوجه المسنون:
(أن يضرب يديه على الأرض، أو على ما هو من جنس الأرض، فينفضهما)؛ بأن يضرب جانب يديه مما يلي الإبهام أحدهما بالآخر، مرة، أو مرتين، وقيل الأول عن محمد، و الثاني عن أبي يوسف؛
ليتناثر التراب. (ويمسح بهما وجهه).
(ثم يضرب ضربة أخرى) على ذلك الموضع، أو على موضع آخر كما ذكرنا (فينفضهما ويمسح اليمنى باليسرى، واليسرى باليمنى، من رؤوس الأصابع إلى المرفقين)؛ بأن يمسح بباطن أربع أصابع يده اليسرى في ظاهر يده اليمنى من رؤوس الأصابع؛ إلى المرفق ثم يمسح بباطن كفّه اليسرى باطن ذراعه اليمنى إلى الرسغ، ويمرّ بباطن إبهامه اليسرى على ظاهر إبهامه اليمنى، ثم يفعل بيده اليسرى كذلك، هذا هو الأحوط.
ولو مسح بكل الكف والأصابع جاز، ولو مسح بإصبع، أو إصبعين لا يجوز؛ كما في مسح الخف والرأس، وأقل ما يُجزئ ثلاث أصابع، ثم الضربة من جملة التيمم حتى لو ضرب يديه فأحدث قبل أن يمسح بهما يعيد الضرب وقيل لا، والأول أحوط.
(واستيعاب العضوين) بالمسح (واجب) أي: فرض (عند الكرخي في ظاهر الرواية) أي: الروايات.
الظاهرة (عن أصحابنا) في الكتب المشهورة؛ "كالجامعين" و"المبسوط" (حتى لو ترك شيئا قليلاً) لم تمسّه يده (من مواضع التيمم لا يجزئه) أي: التيمم كما في الوضوء.
(وروى الحسن بن زياد عن أصحابنا) المذكور في عامة الكتب، أن رواية الحسن عن أبي حنيفة فقط، (أن الاستيعاب ليس بواجب حتى لو ترك أقل من الربع)؛ من الوجه، أو من اليدين (يُجزئه) التيمم، وفي "نظم الزندويستيّ" قدر الدرهم عفو، وإن زاد لم يجز (وعلى هذه الرواية فنزع الخاتم، والسوار، وتخليل الأصابع لا يجب، وعلى تلك الرواية يجب، وينبغي) أي يجب (أن يحتاط) بأن يأخذ بالرواية الأولى، ويستوعب فإنها هي الصحيحة، وقال في "الكفاية": ومسح العذَارِ شرط على ما حُكِيَ عن أصحابنا، والناس عنه غافلون، وفي "الخلاصة" لو لم يمسح تحت الحاجبين فوق العينين، لا يجوز (وروي عن محمد أن لو ترك ظهر كفّيه بلا مسح لا يُجزئه و) من هو (مقطوع اليدين من المرفقين، إذا تيمم يمسح موضع القطع)؛ لأنه من جملة المرفق.
] شرط التيمم [
(وأما شرطه) أي: شرط التيمم
] الشرط الأول: النية [:
(فالنية، لا يجوز بدونها عندنا) خلافاً لِزُفر اعتباراً لمعناه اللغوي، وهو القصد.
والقصد: هو النية، فلو أصاب التراب وجهه ويديه، أو قصد تعليم أحد، لم يكن متيمماً ما لم ينو التطهر مطلقاً، أو لقربة مقصودةٍ تصح منه حالاً، ولا صحة لها بدون الطهارة، ولا يشترط نية كونه للحدث، أو للجنابة ونحوها في الصحيح.
] الشرط الثاني: طلب الماء [:
(وكذا طلب الماء) شرطٌ (إذا غلب على ظنّه) أي: ظنّ المحتاج إلى الطهارة (أن هناك) أي: في المكان الذي هو فيه (ماء، أو كان) ذلك الشخص (في العمرانات)؛ لأن وجود
الماء فيها غالب، وإن لم يغلب عل ظنّه (أو أُخبر به) أي: بوجود ذلك الماء في ذلك المكان (وجب الطلب) للماء (بالإجماع)، فيطلب يميناً ويساراً، قدر غلوة من كل جانب؛ وهي قدر ثلاثمائة خطوة إلى أربعمائة، وقيل مقداررمية سهم، ويشترط في المُخبر أن يكون مُكَلّفاً، عدلاً، وإلا فلا بد معه من غلبة الظن حتى يلزم الطلب؛ لأنه من الديانات.
(وإنما الخلاف) في وجوب الطلب وعدمه (فيما إذا لم يغلب على ظنه، ولم يُخْبر به،) ممن خَبَرُهُ ملزِم. (أو كان في الفلوات) أي: الصحراء لا في العمرانات، هكذا وقع في النسخ بأو، والواجب أن يكون بالواو (عندنا لا يجب الطلب، خلافاً للشافعي) فإن عنده يجب الطلب، ولا يجوز التيمم قبله، لقوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاء}] النساء:43 والمائدة:6 [، ولا يقال ما وجد إلا بعدما طلب، ونحن نقول: قد استعمل ما وجد في حق الله سبحانه وتعالى، وهو منزّه على أن يقال في حقه طلب.
(ولو أخبر إنسان) عدل (بعدم الماء) عند غلبة الظن ونحوها (جاز) أي: التيمم (بلا خلاف)؛ لأن خبر الواحد العدل، حجة في الديانات
] الشرط الثالث: العجز عن الاستعمال [
(وكذا من شرطه عجْزُهُ عن استعمال الماء).
فالحاصل أن شروط التيمم خمسة: النية، والمسح، والصعيد، وكونه طاهراً، والعجز عن استعمال الماء، حقيقةً أو حكماً (حتى إن المريض إذا خاف زيادة المرض) بسبب الوضوء، أو بالتحرك، أو باستعمال الماء، (أو خاف إبطاء البرء) من المرض بسبب ذلك (جاز له التيمم) ويعرف ذلك؛ إما بغلبة الظن عن أمارة، أو تجربة، أو بقول طبيب حاذق مسلم، غير ظاهر لفسق، وقيل عدالته شرط.
] مسائل [
(وذكر الإسبيجابي في "شرحه") فقال: (جنب على جميع جسده جراحة، أو على أكثره) أي: أكثر جسده، (أو به جُدريّ)؛ - بضم الجيم وفتحها مع فتح الدال- (فإنه يتيمم، ولا يجب عليه غسل الموضع الذي لا جراحة به)؛ لأنه لا يجمع بين الغسل والتيمم عندنا.
(وكذلك إن كان على أعضاء الوضوء كلّها، أو على أكثرها جراحة؛ يتيمم) ولا يجب غسل الصحيح، والتيمم لأجل الجرح عندنا خلافاً للشافعي (وإن كان الجراحة على أقله) أي: أقل بدنه أو
أعضاء وضوئه (وأكثره) أي: أكثر البدن، أو أكثر أعضاء الوضوء (صحيح) فإنه يغسل الصحيح (و يمسح على المجروح إن لم يضره المسح) عليه.
وإن كان يضره المسح على الجراحة مكشوفة يشدها بشيء ويمسح فوقه، ثم الكثرة في أعضاء الوضوء قيل تعتبر بالعدد، حتى لو كانت الجراحة في رأسه، ويديه، ووجهه، ولم تكن في رجليه يباح له التيمم؛ سواء كان الأكثر من الأعضاء الجريحة صحيحاً أو جريحاً، وفي عكسه لا يباح، وقيل تعتبر الكثرة في الأعضاء، حتى لا يباح له التيمم ما لم يكن الأكثر من كل عضو جريحاً، ولو كان الصحيح والجريح متساويين، فالأحوط وجوب غسل الصحيح والمسح على الجريح.
(والجنب الصحيح في المصر إذا خاف) بغلبة ظنه عن التجربة الصحيحة (إن اغتسل) بالماء (أن يقتله البرد، أو يمرضه، يتيمم عند أبي حنيفة رحمه الله) خلافاً لهما، والفتوى على قول الإمام، إذا لم يكن له أُجرة الحمام، على ما حققناه في "الشرح".
(وإن كان) أي: الجنب المذكور (خارج المصر يتيمم بالاتفاق) لعدم تيسر الماء الحار غالباً.
(وإن خرج) من المصر ونحوه (مسافراً، أو محتطباً) أي: غير مريد للسفر (أو خرج من قرية) متوجهاً (إلى قرية) أي: أخرى (يجوز له التيمم؛ إن كان بينه وبين الماء نحو الميل) أي: مقداره تقريباً (أو أكثر) أي: من ميل، هذا هو المختار، وعن الكرخي إن كان يسمع صوت أهل الماء لا يتيمم؛ لأنه قريب وإلا يتيمم.
وقال الحسن إن كان الماء أمامه فالمعتبر ميلان، وإلا فميل، والأصح عدم الفرق، وعن أبي يوسف لو كان بحيث لو ذهب إلى الماء وتوضأ تذهب القافلة وتغيب عن بصره، فهو بعيد يجوز له التيمم (والميل أربعة آلاف خطوة) وفسره ابن شجاع بثلاثة آلآف ذراع وخمسمائة ذراع إلى أربعة آلآف، والذراع أربع وعشرون إصبع معترضات، والإصبع ست شعيرات معتدلات معترضات، (وهو) أي: الميل (ثلث الفرسخ) على جميع الأقوال (سواء خرج) من المصر، أو القرية (جنباً، أو أجنب بعد الخروج)؛ لأن السبب هو إرادة ما لا يحل إلا بالطهارة، ولا فرق في ذلك بين تقدم الحدث، وتأخره.
(وإن كان معه) أي: مع المسافر (ماء في رحله) أي: في أثاثه، وأمتعته (فنسيه وتيمم وصلى؛ ثم تذكر) ذلك الماء (في الوقت لم يعد) أي: لا يلزمه إعادة تلك الصلاة (عند أبي حنيفة، و محمد خلافاً لأبي يوسف) فإن عنده يلزمه إعادتها.
والخلاف فيما إذا كان وضعه بنفسه، أو وضعه غيره بأمره؟
فلو وضعه غيره بغير أمره وهو لا يعلم؛ جاز تيممه اتفاقاً، وعن محمد أنه على الخلاف أيضاً، ولو كان الماء في إناء على ظهره، أو معلّقاً على عنقه،
أو موضوعاً بين يديه، أو مقدم أكان مركوبه، أو مؤخره وهو سائق؛ لم يجز تيممه إجماعاً بخلاف ما لو كان في مقدمه وهو سائق، أو في مؤخره وهو راكب، أو في أحدهما وهو قائد؛ فإنه على الخلاف، ولو ظن أن الماء فني لم يجز تيممه بالإجماع، كذا في "الخلاصة".
(وإن تذكر بعد خروج الوقت لم يعد في قولهم جميعاً) هذا مخالف لما ذكر في "الهداية" وغيرها، أن تذكره في الوقت وبعده سواء.
(وإذا تيمم) أي: المسافر (وصلى، والماء قريب منه وهو لا يعلم) ولا يظن أن هناك ماء؛ (أجزاه) ما فعل، وكذا لو كان على شط نهر، أو جنب بير ولم يعلم به، وعن أبي يوسف في هذين روايتان.
(وإن كان مع رفيقه ماء لا يجوز له التيمم قبل أن يسأل) أي: أن يطلب من رفيقه الماء (إذا كان غالب ظنه أنه يعطيه) إذا سأله (وإن تيمم قبل أن يسأل فصلى ثم سأل فأعطى؛ تلزمه الإعادة) في الوقت، وإن خرج الوقت لم يعد.
وحاصل هذا؛ أنه إذا تيمم من غير أن يسأل وصلى ثم سأل بعد الصلاة فأعطى فعليه الإعادة، سواءً كان له ظن قبل ذلك أو لم يكن، وإن لم يعطِ فلا إعادة، سواءً كان له ظن أم لا،
وإن سأله قبل التيمم فمنع ثم بعد الصلاة فأعطى فكذلك لا إعادة، وإن تيمم وصلى من غير سؤال قبل الصلاة ولا بعدها فعند أبي حنيفة يجوز في الوجوه كلها؛ لأنه لا يلزمه الطلب من ملك الغير، وقالا لا يجزئه؛ لأن الماء مبذول عادة فينبغي أن يفتي بقوله في مكان يعز فيه الماء، وبقولهما في غيره، وتمام تحقيقه في "الشرح".
(وإن كان لا يعطيه) رفيقه من الماء (إلا بالثمن، فإن لم يكن له ثمن تيمم بالإجماع) لعدم القدرة.
(وإن كان معه مال زائد على ما يحتاج إليه في الزاد ونحوه)؛ لنفسه ومن تلزمه نفقته ديانة ولو كلباً؛ فحينئذ ينظر (إن باعه) الماء (بمثل القيمة) في ذلك الموضع، أو في أقرب موضع إليه، (أو) باعه، (بِغُبنٍ يسير، لا يجوز له التيمم) لأنه قادر (وإن باعه بغبنٍ فاحش تيمم) للحرج؛ لأن تلف المال كتلف النفس.
(والغبن الفاحش: ما لا يدخل تحت تقويم المقومين) وقدّروه في العروض بالزيادة على نصف درهم في العشرة، والماء ملحق بها.
(وقال بعضهم:) وعزاه قاضي خان إلى أبي حنيفة الغبن الفاحش (تضعيف الثمن)؛ بأن يبيع ما يساوي درهماً بدرهمين وقيل هو أن يبيع ما يساوي درهماً بدرهم ونصف في الوضوء، وبدرهمين في الجنابة، والأول أوفق لدفع الحرج.
(وعن أبي نصر الصفّار: أن المسافر إذا كان في موضع يعز فيه الماء؛ فالأفضل له أن يسأل من رفيقه الماء)؛ لإزالة الشبهة (وإن لم يسأل) وتيمم وصلى (أجزأه)؛ لأن الغالب له المنع (وإن كان في موضع لا يعز الماء فيه لا يجزئه ذلك قبل الطلب، كما في العمرانات)؛ لأن الماء مبذول فيه عادة، وهذا هو المختار.
(رجل معه ماء زمزم في قمقمة، قد رُصّص رأس الإناء، وهو يحمله للعطية) أي: لأجل الإهداء (أو للاستشفاء به) أي: لطلب الشفاء به لقوله عليه الصلاة والسلام: "ماء زمزم لما شُرب له" (لا يجوز له التيمم)؛ للقدرة على استعمال الماء.
(ولو وهبه لآخر وسلّمه إليه لا يجوز) له التيمم أيضاً (عندنا) خلافاً للشافعي (لثبوت القدرة) على استعماله (بواسطة الرجوع) عندنا لا عنده (كذا ذكر في "المحيط") والحيلة فيه أن يخلط به ماء ورد، أو نحوه حتى يصير مغلوباً، ويخرج عن كونه مطهّراً، أو يهبه على وجه ينقطع به حق الرجوع.
(وإن لم يكن معه دلو، أو نحوه) من الآت الاستقاء (أو رِشاء) بكسر الراء مع المد، أي: حبل (هل يجب عليه أن يسأل رفيقه ذلك؟ قالوا: لا يجب و) مع هذا (لو سأل فقال له: انتظر) حتى استقي أو نحو ذلك (فعند أبي حنيفة ينتظر) استحباباً (إلى آخر الوقت؛ فإن خاف فوت الوقت تيمم وصلى، ولو لم ينتظر وصلى صح عنده، وعندهما) أي: أبي يوسف ومحمد (ينتظر وجوباً، وإن خاف فوت الوقت).
(وكذا) الخلاف (في العاري) إذا أراد الصلاة (ومع رفيقه ثوب) فقال له: انتظر حتى أصلي وأدفعه إليك، أو نحو ذلك.
(وأجمعوا) له (على أنه في الماء ينتظر) أي: لو قال له انتظر حتى أتوضأ، أو نحوه،
ثم أدفع إليك الماء يجب عليه أن ينتظر إجماعاً لثبوت القدرة بإباحة الماء دون إباحة غيره.
(وإن فات) أي: ولو فات (الوقت، ولم يجد ماء إلا سؤر الحمار، أو البغل الذي أمه أتان، يتوضأ به ويتيمم)؛ لأنه مشكوك ليزول هذا الشك في طهوريته، فلا يزول به الحدث المتيقن فيضم إليه التيمم ليزول بيقين (وأيهما بدأه) أي: قدّم (جاز ولكن الأفضل أن يبدأ بالوضوء) خلافاً لزفر فإن عنده لا بد من تقديمالوضوء، ولو تيمم وصلى ثم توضأ بالمشكوك وأعاد تلك الصلاة صحت، وكذا لو عكس للخروج عن العهدة بيقين بأحدهما.
(ومن لم يجد) ماءاً (إلا سؤر الفرس، فعن أبي حنيفة) في حكمه روايتان بل (أربع روايات):
(في رواية) عنه هو (مشكوك) فيضم إليه التيمم، كسؤر الحمار.
(وفي رواية) وهي رواية الحسن عنه (مكروه) كما أن لحمه عنده مكروه.
(وفي رواية) الثلجي عنه قال: أَحب إليّ أن يتوضأ بغيره.
(وفي رواية) "كتاب الصلاة"؛ وهي الصحيحة عنه،
وهو قولهما (أنه طاهر مطهّر) من غير كراهة؛ لأن حرمة لحمه لكرامته فلا تؤثر في سؤره خبثاً.
(ومن لم يجد إلا نبيذ التمر) وهو ماء أُلقيَ فيه تمر فظهرت حلاوته، ولونه فيه، ولم تزل رقته، ولا اشتد (فعند أبي حنيفة؛ يتوضأ به ولا يتيمم) ومثله الغسل به لحديث ابن مسعود، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له ليلة الْجِنّ: ما في إداوتك؟ قال: نبيذ تمر، قال: تمرة طيبة وماء طهور، فتوضأ منه" (وعند أبي يوسف يتيمم) ولا يتوضأ به، وهي الرواية المرجوع إليها عن أبي حنيفة، وعليها الفتوى؛ لأنه ماء مُقيّد فلا يجوز به الوضوء (وعند محمد يجمع بينهما احتياطاً)؛ يتوضأ ويتيمم، ومن لم يجد الماء إلا عصير العنب لا يتوضأ به بالإجماع، وما عدا نبيذ التمر من الأنبذة، و الأشربة لا خلاف في عدم جواز الوضوء به.
(جنب وجد الماء في المسجد) ولم يجده في غيره (وليس معه أحد) يأتيه به؛ (تيمم) لأجل الدخول (ودخل، فإن لم يصل الماء) بأن لم يجد آلة الاستقاء، أو بمانع آخر (تيمم للصلاة ثانياً) إن أراد الصلاة؛ (لأن نية التيمم للصلاة شرط لصحة التيمم للصلاة) ولم ينوه لها، ولو كان قد نواه لها في هذه الصورة لم يصح أيضاً؛ لعدم تحقق العجز عن الماء وقت التيمم بالنظر إلى الصلاة.
(وكذا لو تيمم) أي: المحدث، ونحوه (لمس المصحف، أو) تيمم الجنب، ونحوه (لقراءة القرآن عند عدم الماء حقيقةً، أو حكماً؛ لا تجوز الصلاة به).
والحاصل أن الصلاة لا تجوز إلا بتيمم نُوِيَ لها، أو لقربة مقصودة يعقل فيها معنى العبادة، ولا تصح بدون الطهارة، فخرج التيمم لمس المصحف، أو لدخول المسجد، أو للخروج منه، أو زيارة القبر، أو الآذان،
أو الإقامة؛ لأنها قُرِب غيرمقصودة بل وسائل، وخرج تيمم الجنب، ونحوه لقرآءة القران؛ فإنها قربة مقصودة لكن لا يعقل فيها معنى العبادة، وخرج تيمم المحدث لقراءة القرآن.
وإن تيمم الكافر للإسلام لصحتهما بدون الطهارة خلافاً لأبي يوسف في التيمم للإسلام، فإن عنده تجوز به الصلاة (بخلاف سجدة التلاوة)، وصلاة الجنازة، (وصلاة النافلة) إذا تيمم لأجلها (فإنه يصلي بذلك التيمم المكتوبات أيضاً) لوجود الشرائط المذكورة، وكذا لو نوى مطلق الطهارة.
(ولو تيمم لصلاة الجنازة، أجزأه أن يصلي به المكتوبة) وقد قدّمناه، ولو تيمم لتعليم الغير لا تجوز به الصلاة، وروي عن أبي حنيفة أنها تجوز، والصحيح الأول، وفي النوازل لو مسح وجهه وذراعيه يريد به التيمم تجوز به الصلاة؛ لأنه بمنزلة نية الطهارة
(رجل في رحله ماء وهو لا يعلم به فتيمم وصلى؛ إن كان وضع الماء بنفسه، أو وضعه غيره بأمره، فنسيه فهو على الخلاف الذي ذكرنا) يعني لم يعد الصلاة عند أبي حنيفة ومحمد، خلافاً لأبي يوسف
(وإن كان قد وضع الماء غيره بغير أمره لا يعيد باتفاق.
وأما مسئلة العاري إذا نسيَ ثوباً في المتاع: فمن المشايخ من قال: هو على الخلاف المذكور)؛ أنه تصح صلاته عندهما لا عند أبي يوسف (ومنهم من قال: لا تجوز) بالاتفاق وهو الصحيح؛ لأن نسيان العريان الثوب وعدم طلبه إياه في متاعه فيغاية الندرة بخلاف الماء (وعن محمد أنه قال: يجوز، ولو تيمم وهو على شط نهر وهو لا يعلم بالماء فهو على الاختلاف الذي ذكرنا)، فعندهما يجوز، وعند أبي يوسف في رواية لا يجوز، وفي رواية يجوز لعدم تقدم علمه به، بخلاف الماء الذي في رحله. (ولو كفّر عن اليمين بالصوم وفي ملكه رقبة،) تصلح للتكفير (أو ثياب،) لكسوة عشر مساكين (أو طعام،) لإطعامهم (فنسيه) أي نسيَ المذكور من الرقبة والثياب والطعام؛ (فالصحيح أنه لا يجوز؛) لأن الصوم إنما يجزئ عند عدم كون أحد هذه الأشياء في ملكه، وقد وجد.
(ويستحب أن يؤخر الصلاة إلى آخر الوقت إذا كان يرجو وجود الماء فيه) ليؤدّيها بأكمل الطهارتين، ولو لم يؤخر وتيمم وصلى جاز (ثم) ينبغي (ألا يفرط في التأخير
حتى لا تقع الصلاة في وقت مكروه، ولو تيمم قبل دخول الوقت جاز عندنا،) خلافاً للشافعيّ، وكذا يجوز عندنا لفرضين، أو أكثر خلافاً له.
(ولو كان معه ماء) يكفي للوضوء، أو الغسل (ولكن يخاف على نفسه، أو دابته) ولو كلباً (العطش) إن استعمله، (يجوز له التيمم)؛ لأن المشغول بحاجته كالمعدوم، بالنظر إلى الطهارة؛ لأن الحرج مدفوع.
(و المحبوس في السجن) أو غيره إذا منع عن الطهارة بالماء (يصلي بالتيمم ويعيد بعد ما خرج، عند أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف لا يعيد) هذا إذا كان في المصر، أما لو كان محبوساً في موضع في الصحراء؛ فإنه لا يعيد بالاتفاق، كذا في "المبسوط"، وفي "الخلاصة" المحبوس في السجن إذا كان في موضع نظيف ولا يجد الماء؛ إن كان خارج المصر قال أبو حنيفة: يصلي بالتيمم، وإن كان في المصر لا يصلي بالتيمم، ثم رجع وقال يصلي ثم يعيد وهو قولهما، فيفهم منه وفاق أبي يوسف على الإعادة.
(والأسير في دار الحرب إذا منع من الوضوء، والصلاة يتيمم ويصلي بالايماء، ثم يعيد إذا قدر،) ولو منع المحبوس من التيمم أيضاً؛ فعند أبي حنيفة: يؤخر الصلاة ولا يصلي بلا طهارة، وقالا: يصلي ثم يعيد.
(وأجمعوا على أن الماشي لا يصلي بالإيماء وهو يمشي، وكذا السابح لا يصلي وهو يسبح) وكذا المقاتل لا يصلي وهو يقاتل؛ لأن العمل الكثير منافِ للصلاة، وعند أبي يوسف الجواز حال المشي بالإيماء عند الخوف، وهو قول مالك، والشافعي، وأحمد؛ (بخلاف المنهزم وهو) أي: حال كونه (يصلي راكباً بإيماء واقفاً) أي: واقفاً بدابته غير سائر بها، وليس المراد أنه واقف فوق الدابّة. (أو تسير دابته، أو تعدو) وقيّد بالمنهزم إشارة إلى ما ذكر في "المحيط"، و"التحفة"، أنه يصلي وهو سائر إذا كان مطلوباً، وإن كان طالباً لا يجوز لعدم الضرورة.
(ولو صلى بالإيماء لخوف عدوّ، أو سبع، أو مرض) أي: لمرض (أو طين) بأن لم يجد مكاناً يابساً يصلي عليه (لا يعيد بالإجماع)؛ لأن هذه العوارض سماوية، (والمقيد اذا صلى قاعداً)؛ لعدم قدرته على القيام (يعيد عند أبي حنيفة، ومحمد، وعند أبي يوسف لا يعيد) كالمحبوس
] ما يجوز به التيمم وما لا يجوز [
(ويجوز التيمم عند أبي حنيفة، ومحمد، بكل ما كان من جنس الأرض كالتراب، والرمل، والحجر) بجميع أنواعه حتى العقيق، والزبرجد، ونحوهما (والزرنيخ، والكحل) أي:
الأثمد (والمزداسنج،) وهو حجر معروف معرب مزداسنك (والنورة،) أي: الكلس (والمغرة) بفتح الميم مع سكون الغين وفتحها (وما أشبهها) من أنواع الأتربة؛ كالطين المختوم، والأرثي، ونحو ذلك، وعند أبي يوسف لا يجوز إلا بالتراب والرمل خاصة، وعند الشافعي وأحمد لا يجوز بغير التراب، وعند مالك يجوز حتى بالعشب، وبالثلج.
(ولا يجوز) عندنا (بما ليس من جنس الأرض؛ كالذهب، والفضة، والحديد، والرصاص،) والصفر، والنحاس، ونحوها؛ مما ينطبع ويلين بالنار (وكالحنطة، وسائر الحبوب، والأطعمة) من الفواكة، وغيرها من أنواع النباتات، ومما يترمد بالنار إذا لم يكن عليها غبار.
(وإن كان على هذه الأشياء غبار يجوز التيمم بغبارها عند أبي حنيفة، وفي إحدى الروايتين عن محمد) وفي رواية؛ وهي المشهورة عنه: لا يجوز بالغبار، وأما عند أبي يوسف فيجوز حال الضرورة لا حال الاختيار.
] شرط صحة التيمم [
(ثم عندهما) أي: عند أبي حنيفة ومحمد (الشرط) في صحة التيمم (مجرد المس) أي: الوضع (على الأرض، أو على جنس الأرض) ولا يشترطان علوق شيء منها باليد، وهذا على إحدى الروايتين عن محمد. (حتى أنه لو وضع يده على صخرة) ملساء (لا غبار عليها، أو على أرض ندية) لا ينفصل منها غبار (ولم يعلق بيده شيء جاز عند أبي حنيفة، وفي إحدى الروايتين عن محمد) خلافاً لأبي يوسف.
] مسائل [:
(أما الفرق بين الصخرة وبين الذهب، والفضة وهما) أي والحال أن كلا المذكورين من الصخرة، ومن الذهب مع الفضة (خُلقا في الأرض؛ هو أن الذهب، والفضة يذوبان في النار) فلم يكونا كالتراب (بخلاف الصخرة فإنها لا تذوب) في النار (فكانت
كالتراب)، ولأنّ الذهب، والفضة، ونحوهما لا يتناوله لفظ الصعيد الذي هو وجه الأرض، فإنهما لا يطلق عليهما اسم الأرض، بخلاف الصخرة، حتى لو حلف أن لا يجلس على الأرض فجلس على صخرة يحنث، ولو جلس على فضة أو على نحوها لا يحنث.
(وأما التيمم بالآجر فعند أبي حنيفة يجوز مطلقاً) سواء دُقّ، أو لم يدق؛ لأنه من أجزاء الأرض (وعند محمد يجوز) التيمم به (إن كان مدقوقاً) وإلا فلا، وهذا على الرواية المشهورة عنه
في عدم جواز التيمم بالحجر الذي لا غبار عليه، فإن الآجر بالطبخ صار كالحجر فأعطى حكمه، فإن كان مدقوقاً (أو كان عليه غبار) يجوز وإلا فلا.
(ولو تيمم بغبار ثوبه، أو غيره) أي: بغبار غير ثوبه (من الأعيان الطاهرة) كالحصير، والبساط، واللبد، ونحوها (أوهبّ الريح) فأثار الغبار (فأصاب وجهه وذراعيه فمسحه) أي: العضو الذي أصابه الغبار من الوجه، و الذراعين (بنية التيمم جاز) تيممه (عند أبي حنيفة، ومحمد، سواءً وجد تراباً آخر أو لم يجد، وعند أبي يوسف لا يجوز إن وجد ترابا آخر)؛ لأن الغبار ليس تراباً من كل وجه، فجاز عند الضرورة لا عند عدمها، ولهما أنه تراب رقيق فجاز به مطلقاً كما في الخشن.
(ولو تيمم بالملح إن كان مائياً) أي: إن كان ماء فجمد (لا يجوز)؛ لأنه ليس من أجزاء الأرض (وإن كان جبلياً) أي: إن كان من أجزاء الأرض فاستحال ملحاً (يجوز)؛ لأنه من جنس الأرض (وقال شمس الأئمة السرخسي: الصحيح عندي أنه لايجوز)؛ لأنه صار كالمائي، ولهذا يذوب في الماء وينحل بالبرد، ويشتد بالحر فخرج من كونه من أجزاء الأرض (كذا ذكره في "المحيط") وصححه صاحب "الخلاصة"، وقال قاضي خان الجواز؛ نظراً إلى أصله.
(والسبخة) - بفتح السين مع كسر الباء- أوسكونها، وهي أرض ذات نزّ، وملح (بمنزلة الملح) فإن غلب عليها النزّ لا يجوز التيمم بها، كالملح المائي، وإن غلب عليها التراب جاز كالملح الجبلي، خلافاً لأبي يوسف (وذكر الإسبيجابي في شرحه: يجوز التيمم بالسَّبخة) بناءً على الغالب وهو غلبة التراب.
(مسافر أصابه مطر فابتلّ ثوبه، وسرجه، ولم يجد تراباً) جافاً، ولا حجراً (ولا ماءً) يتوضأ به (فإنه يلطخ ثوبه)، أو بدنه، أو غير ذلك (بالطين، ويجففه، ويفركه،) بعد الجفاف (ويتيمم به)
وقد كان بعض السلف المحتاطين يستصحب معه التراب الطاهر في صرّة إذا خرج إلى السفر.
(ولا يجوز التيمم بالطين)؛ لأن الغالب عليه الماء، وفيه تشويه الوجه (و قال شمس الأئمة الحلواني: لا يتيمم بالطين) أي: لا ينبغي أن يفعل (فإن فعل ذلك يجوز) وهو الظاهر؛ لحصول المقصود، وفيه خلاف لأبي يوسف، وإذا خاف ذهاب الوقت تيمم به خلافاً له.
(وكذا يجوز التيمم بالجصّ) والأوآني، والحصى،
(والكيزان، والحُباب، والغضارة،) وهو الطين الحرّ الأحمر، والمراد: ما يعمل منه من السكارج ونحوها، إذا لم تطل بالآنك (والحيطان من المَدَر،) أو اللبن (سواء كان عليه) أي: على كل من المذكورات (غبار، أو لم يكن) عند أبي حنيفة و إحدى الروايتين عن محمد كما في الحجر، والآجر
(ولا يجوز التيمم بالغضارة المطلي بالآنك) - بمد الهمزة وضم النون-؛ وهو الرصاص المذاب لوقوعه على غير جنس الأرض (ثم بطن الغضارة وظهرها على السواء) فأيهما كان مطلياً بالآنك لا يجوز التيمم به، وما ليس مطلياً به جاز إلا (إذا كان عليه) أي: على الغضارة المطلي (غبار) فإنه يجوز كما في الحنطة، ونحوها على الخلاف المتقدم.
(ولو تيمم بالخزف) أي: الفخار (إن كان متخذاً من التراب الخالص، ولم يجعل فيه شيء من الأدوية) كالفحم، والشعر، ونحوهما مما يُجعل في الطين الذي يُتخذ منه البوادق (جاز التيمم به) وإن لم يكن عليه غبار، وإن كان فيه شيء منها فهو كالمطلي بالآنك.
(وإن تيمم بالرماد لا يجوز، وإن اختلط الرماد بالتراب، إن كان التراب غالباً يجوز، وإن كان الرماد غالباً لا يجوز)؛ لأن الحكم للغالب.
(وإن أصابت الأرض نجاسة) كثيفة، أو رقيقة، (فجفّت بالشمس)، أو غيرها، وقيّد بها باعتبار الغالب (وذهب أثرها) من اللون، والرائحة (جازت الصلاة عليها) للحكم بطهارتها، (ولا يجوز التيمم منها في ظاهر) الرواية لعدم طهوريّتها وتحقيقه في "الشرح" (وروي عن أصحابنا أنه يجوز) أيضاً، وهي رواية شآذّة رواها ابن كأس.
(وإذا تيمم رجل من موضع فتيمم آخر من ذلك الموضع) بعينه (أيضاً جاز)؛ لأن المستعمل ما في يديه بعد المسح دون غيره، (والتيمم في الجنابة، والحدث، والميت سواء) أي: صفة التيمم لمن عليه الغسل، ولمن عليه الوضوء واحدة؛ وهي ضربتان لمسح العضوين، وهذا بإجماع الأمة.
(ولو صلى بالتيمم ثم وجد الماء) الكافي (في الوقت لا يعيد)؛ لأنه أدّاها بالقدرة الكائنة له عند انعقاد سببها.
(والرجل الصحيح في المصر؛ يتيمم لصلاة الجنازة إذا خاف الفوت) بسبب الوضوء عندنا، خلافاً للشافعيّ (إلا الوليّ)؛ لأنه يُنتظر، فلا يخاف الفوت، ولا حاجة إلى استثنائه بعد تقييده بخوف الفوت، و ذكر في "الكافي" يجوز للولي أن يتيمم؛ لأن الولي، وغيره في ذلك سواء، على ما حققناه في "الشرح".
(وكذا إذا أحدث المتوضئ) أي: من شرع بالوضوء (في صلاة العيد تيمم، وبنى في قول أبي حنيفة، وقالا لا يجوز) له التيمم؛ لأنه أمن من الفوت إذ اللاحق كأنه خلف الإمام، وإن فرغ الإمام حكماً، وله أن الخوف باقٍ؛ لأنه يوم ازدحام فيغلب اعتراء عارض يُفسد صلاته، قيّد بالمتوضى، لأنه لو شرع بالتيمم فأحدث يجوز له البناء بالتيمم إتفاقاً، و الخلاف أنما هو فيما إذا شك في الإدراك وعدمه؛ حتى لو كان يغلب على ظنّه عدم عروض المفسد لا يتيمم إجماعاً.
(وكذا إن خاف خروج الوقت) أي: وقت صلاة العيد (تيمم، وبنى بلا خلاف)؛ لأنها تبطل بخروج الوقت، ولا تُقضى
بعده بخلاف غيرها. (ولو خاف خروج الوقت) بسبب الوضوء (في سائر الصلوات) أي: ما عدا صلاة العيد، والجنازة (لا يتيمم) عندنا (بل يتوضأ، ويقضي) ما فاته إن خرج الوقت، وقال زُفر: يتيمم ولا يُفوّت الصلاة، وقال الزاهدي: وقد قال مشايخنا: أنه يُعتبر الوقت، وذكر عن الحلواني: أن المسافر إذا لم يجد مكاناً طاهراً بأن كان على الأرض نجاسات وابتلت بالمطر واختلطت؛ فإن قدر على أن يسرع حتى يجد مكاناً طاهراً قبل خروج الوقت فعل، وألا يصلي بالإيماء، ولا يعيد بعدها، فقد اعتبر الحلواني خروج الوقتلجواز الإيماء فاعتباره في جواز التيمم أولى، وحينئذ فالاحتياط أن يُصلي بالتيمم في الوقت، ثم يعيد؛ ليخرج عن العهدتين بيقين.
(وكذا لو خاف فوت الجمعة) لا يتيمم بل (يتوضأ، ويصلي الظهر) إن لم يدرك الإمام؛ لأن فواتها إلى خلف وهو الظهر بخلاف العيد.
(ولو تيمم لمسّ المصحف، أو لدخول المسجد عند وجود الماء، والقدرة على استعماله فذلك) التيمم (ليس بشيء) مُعتبر في الشرع بل هو عدم؛ لأن التيمم إنما يجوز ويُعتبر عند العجز عن استعمال الماء حقيقةً أو حكماً؛ كخوف الفوت لا إلى خلف، ومسّ المصحف، ودخول المسجد ليس عبادة يُخاف فوتها. فروع: لو تيمم لجنازة، وصلى.
ثم حضرت أخرى قبل أن يقدر على الوضوء وهو يخاف فوتها لا يلزمه إعادة التيمم خلافاً لمحمد.
(المسافر يطأ جاريته) يعني يجوز له أن يطأ جاريته، وكذا زوجته.
(وإن علم) أي: ولو علم (بعدم الماء؛ يجوز له التيمم)؛ لأنه طهور المسلم عند عدم الماء، فكما يجوز له أن يباشر بسبب الحدث من النوم وغيره؛ فكذا سبب الجنابة إذ هما سواء في منع جواز الصلاة، وارتفاعهما بالتيمم عند عدم الماء.
] نواقض التيمم الزائدة على نواقض الوضوء [
(وينقض التيمم كل شيء ينقض الوضوء) وسيأتي بيان ما ينقض الوضوء إن شاء الله تعالى. (وينقضه) أي: التيمم (أيضاً):
(رؤية الماء) الكافي لطهارته (إن قدر على استعماله) عند رؤيته، وإنما قيدنا بالكافي لطهارته؛ لأن من عليه الغسل
إذا تيمم ثم وجد ماء لا يكفي لغسله؛ أو المحدث إذا تيمم ثم وجد ماء غير كافٍ لوضوئه؛ لا ينقض تيممه، ولو كان معه هذا الماء قبل ذلك أي: قبل التيمم جاز له التيمم بدون استعماله، إذ المراد بقوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاء}] النساء:43 والمائدة:6 [، أي: ماء كافياً لطهارتكم؛ لأنه هو المعتبر، ولا فائدة في استعمال ما لا يحصل به الطهارة؛ بل هو إضاعة مال إذ الطهارة لا تتجزأ
] مسائل [
(وإن رآه في خلال الصلاة فسدت) صلاته لانتقاض طهارته قبل تمام صلاته.
(وإن رأى) المصلي بالتيمم (سؤر الحمار، أو نبيذ التمر، وقدر على استعمالهما فسدت صلاته عند أبي حنيفة) هذه الروايه في سؤر الحمار غير موجودة، ولعل مراده أن تلك الصلاة لا تجزئ ما لم يتوضأ قبل ويصليها به؛ ليحصل الجمع بين التيمم والتوضئ به في تلك الصلاة؛ فان الجمع بين الوضوء بالمشكوك وبين التيمم يلزم أن
يكون في صلاة واحدة، ولو كانا متفرقين بأن يصليها بأحدهما وحده ثم بالآخر، ففي المسألة المذكورة يمضي على صلاته، ثم يتوضأ بالمشكوك ويعيدها، وأما نبيذ التمر فالمذكور قول أبي حنيفة؛ لأن عنده يلزم التوضؤ به دون التيمم، وعند محمد هو في الحكم؛ كسؤر الحمار، فيمضي ثم يتوضأ به ويعيدها، وعند أبي يوسف يمضي ولا يعيد؛ لأن نبيذ التمر لا يجوز التوضؤ به، وبه يفتى.
(ولو رأى) أي: المصلي بالتيمم (سراباً فظن أنه ماء فمشى خطوة، أو خطوتين،) نحوه، فإذا هو سراب (فسدت صلاته) سواءً جاوز موضع سجوده، أو لا لأنه قصد القطع بمشيه، ويحل له القطع إن غلب على ظنه أنه ماء (وإن شك أنه ماء، أو سراب؛ فاستوى الظنان) أي: طرفا التردد (فإنه) لا يقطع بل (يمضي على صلاته) إذ لا يحل قطعها بالشك (فإذا فرغ منها) ينظر؛ (فإن كان) الذي رآه (ماء يتوضأ به ويستقبل الصلاة) أي: يعيدها (وإلا فلا). وكذا تجبالإعادة لو ظن أن الماء
المرئي سراب ثم تبين أنه ماء، والأصل أن اليقين لا يزول بالشك، وأنه لا يعتبر بالظن المتيقن خطؤه.
(و المسافر إذا مر بماء موضوع في الجب) أي: الزير (لا ينتقض تيممه)؛ لأن الظاهر أنه لم يوضع (للوضوء) إلا إذا كان الماء كثيراً؛ فيستدل بكثرته على أنه وضع للوضوء (والشرب) جميعاً، والأولى أن يعتبر في ذلك العرف دون الكثرة، حتى لو تعورف وضع القليل لمطلق الأخذ شرباً أو غيره ينتقض، وإن تعورف تخصيص الكثير بالشرب لا ينتقض، وإن اشتبه العرف يستدل بالكثرة، وذكر الإمام محمد بن الفضل: أن الماء الموضوع للشرب يجوز منه الوضوء، والموضوع للوضوء لايباح منه الشرب، فعلى هذا ينتقض مطلقاً، والأول أصح.
(ولو أن المتيمم مر بالماء وهو لا يعلم به، أو كان نائماً) حال المرور (لا ينتقض تيممه) وفي رواية عن أبي حنيفة: أنه ينتقض، والأول أصح.
(وكذا) لا ينتقض تيممه (لو علم بالماء و) لكن (لم يقدر على النزول) للوضوء (ولا على الوضوء) من غير نزول (أما لخوف عدو أو) لخوف (سبع) أو نحو ذلك مما لا يمكنه معه الوضوء إلا بلزوم ضرر، كما لو كان إن نزل لا يقدر أن يركب، ولا يستطيع المشي لمرض، أو ضعف، أوعدم معين.
(جنب اغتسل وبقيت على بدنه لمعة) أي: بقعة لم يصبها الماء (وليس معه ماء) يغسلها به (يتيمم للمعة)؛ لأن الجنابة باقية لعدم التجزي.
(وإن وجد ماء بعدما تيمم) وبعدما أحدث (يغسل اللمعة، ويتيمم للحدث إذا كان الماء يكفي اللمعة، ولا يكفي للوضوء)؛ لأنه كالمعدوم بالنظر إلى الحدث.
(وإن كان) الماء (يكفي للوضوء، ولا يكفي للمعة؛ يتوضأ به للحدث، ويتيمم للمعة)، ولا ينتقض تيمم الجنابة، لأن الماء في حق اللمعة كالمعدوم.
(وإن كان يكفي لأحدهما) إما للوضوء، وإما للمعة (على) سبيل (الانفراد) ولا يكفي لهما معاً (فإنه يغسل اللمعة)؛ لأنها أغلظ الحدثين (ويتيمم) لأجل (للحدث) ويجب (عليه أن يبدأ بغسل اللمعة)؛ ليصير عادماً للماء في حق الحدث، ولا يجوز تيممه للحدث قبله، وهذا عند محمد؛ لأن صرف ذلك الماء إلى اللمعة دون الحدث ليس بواجب عنده؛ بل على الأولوية، وعند أبي يوسف يجوز أن يتيمم قبل صرف ذلك الماء إلى اللمعة؛ لأن صرفه إليها واجب عنده؛ فيكون بمنزلة المعدوم
في حق الحدث، ولو كان تيمم للحدث أيضاً في هذه المسألة ثم وجد هذا الماء الذي يكفي لأحدهما فقط ينتقض تيمم الحدث عند محمد؛ فيعيده بعد غسل اللمعة، ولا ينتقض عند أبي يوسف.
(ولو كان معه) أي: مع الذي بقيت عليه اللمعة، أو مع الذي وجبت عليه الطهارة الحكمية مطلقاً. (ثوب نجس)
وهو مضطر إلى تطهيره، والماء يكفي لأحد الطهارتين فقط فإنه (يغسل الثوب) بذلك الماء، (ويتيمم) لما عليه من الحدث؛ لأن نجاسة الثوب لا تزول بدون الماء، بخلاف الحدث فإنه يزول بالتيمم.
(متيمم أمّ قوماً متوضئين، يجوز) فعله (عند أبي حنيفة وأبي يوسف خلافاً لمحمد) وزفر؛ فإن عنده طهارة التيمم ضعيفة فلا يجوز بناء القوي، عليها وعندهما هو عند عدم القدرة على استعمال الماء، كالوضوء فلا تكون طهارته أضعف.
(وكذا) على هذا الخلاف. (القاعد اذا أمّ قوما قائمين) عندهما يجوز، وعند محمد لا يجوز؛ لأن صلاة القائمين أقوى، ولهما أن آخر صلاة صلاها النبي صلى الله عليه وسلم صلاها قاعداً والصحابة خلفه قائمون.
(وأمّا الماسح على الخف، أو على الجبيرة) فإنه (يؤم الغاسلين بالإتفاق) للإجماع على ذلك.
(و) كذا (ذكر في "الحصر") بفتح الحاء وبسكون الصاد والراء المهملة وهو شرح على المنظومة، (و) في ("شرح الإسبيجابي")، وفي غيرهما (لا تصح إمامة صاحب الجرح السائل).
وكذا سائر أصحاب الأعذار (للأصحاء، وكذا) لا تصح إمامة (الأمي) وهو الذي لا يحسن قراءة ما تجوز به الصلاة (للقارئ)؛ الذي يحسن ذلك، وكذا العاري للابس، ولو أمّ أي: صاحب العذر والأمي من هو بمثل حالهما جاز؛ لوجود العجز من الجميع، وإنما ذكر هذه المسائل استطراداً، ومحلها مباحث الإقتداء، وسنذكرها إن شاء الله تعالى.
(فصل في) بيان أحكام المياه
] ما يجوز به الطهارة وما لا يجوز [:
(ويجوز الطهارة) أي: الوضوء والغسل وإزالة الخبث (بماء مطلق)؛ وهو ما يسمى في العرف ماء من غير حاجة إلى ذكر قيّد طاهر، احترازاً عن النجس (كماء السماء) أي: المطر (و) ماء (الأودية) أي: الأنهار. (و) ماء (العيون) أي: الينابيع. (و) ماء (الآبار) بمدّ الهمزة وفتح الباء و بعدها ألف أوبقصر الهمزة واسكان الباء وبعدها همزة ممدوة بألف جمع بئر. (و) ماء (البحار وتزول بها) أي:
بالمياه المذكورة (النجاسة) مطلقاً.
] أقسام النجاسة [
(حكمية كانت)؛ وهي ما حكم به الشرع بوجوب الوضوء، أو الغسل، وخلفهما عند إرادة الصلاة لأجله.
(أو حقيقية)؛ وهي الأشياء النجسة.
] ما تجوز به الطهارة الحكمية وما لا تجوز [
(ولا تجوز الطهارة الحكمية بالماء المقيد)؛ وهو ما يحتاج في تعريف ذاته إلى قيد زائد على لفظ الماء؛ (كماء الأشجار) كالريباس ونحوه، (و) ماء (الثمار) مثل التفاح وما أشبهه، (وماء البطيخ) والخيار والقثّاء ونحو ذلك. واختلف في الماء الذي يقطر من الكرم؛ قيل: يجوز الوضوء به. وقيل: لا يجوز وهو الأحوط، (وماء الباقلاء) بالقصر مع تشديد اللام وبالمد مع تحقيقها؛ وهو الماء الذي طبخ فيه، (و) مثل (المرق) أي: ما ينضج فيه اللحم ونحوه، (وماء الزردج) وهو ما يخرج من العصفر المنقوع فيطرح به ولا يصبغ به؛ وهذا إذا كان ثخيناً، أما اذا كان رقيقاً على أصل سيلانه فيجوز الطهارة به؛ لأنه بمنزله ماء المدّ ونحوه. (وماء الزعفران)، والمراد
أيضاً ما خثر به وخرج عن الرقة، أو ما يستخرج منه رطباً كما يستخرج من الورد، (وكذا لا تجوز) الطهارة (بماء الورد) وسائر الأزهار، (وكذا الخل والعصير) أي: ماء العنب، (ونحو ذلك) كالأشربة ..
(وتجوز إزالة النجاسة الحقيقية عن الثوب والبدن بالماء المقيد، وبكل مائع طاهر يمكن إزالتها به) خلافاً لمحمد، وهو ما ينعصر بالعصر حتى يزول جميع أجزائه به وبالجفاف واحترز به عن نحو العسل والسمن، فقوله: (كاللبن) فيه نظر؛ فإنه لا يزيل النجاسة؛ لأن فيه دُسومة لا تخرج
بالعصر، (والخل)؛ فإنه أقلع من الماء للنجاسة، (والعصير، وبما ذكرنا من الماء المقيّد) بشرط أن ينعصر بالعصر؛ كماء الأشجار والثمار والأزهار؛ بخلاف ما فيه دسومة من المرق أو خثورة.
(وإن غسل النجاسة بالعسل، أو الدبس) ونحوه من الربوب، (أو بالسمن، أو بالدهن)؛ كالزيت والشيرج ونحوهما من الأدهان (لا يزيلها) أي: ذلك الغسل؛ (لأنها) أي: الأشياء المذكورة (لا تنعصر بالعصر) فلا تزول أجزاؤها فلا تزول أجزاء النجاسة تبعا لها، وعند محمد وزفر والأئمة الثلاثة؛ لا يجوز إزالة النجاسة الحقيقية بغير الماء المطلق كالحكمية.
(ويجوز الطهارة بماء خالطه شيء طاهر) سواء كان مخالفاً للماء في جميع أوصافه أو في بعضها، (فغيّر أحد أوصافه) أي لونه أو طعمه أو ريحه؛ (كماء المدّ) أي: السيل الذي تغير لونه بالتراب (والماء الذي يختلط به الأشنان، أو الصابون، أو الزعفران)
(بشرط أن تكون الغلبة للماء من حيث الأجزاء) بأن تكون أجزاء الماء أكثر من أجزاء المخالط هذا (إذا لم يزل عنه اسم الماء)
بحيث لو رآه الرائي يقول: هو ماء، (وبشرط أن يكون رقيقا بعد)؛ فإنه ما دام رقيقاً يسيل سريعا كسيلانه عند عدم المخالطة، (فحكمه حكم الماء المطلق) يجوز الوضوء به وإلا فلا، وهذا فيما يكون المخالط من الجامد فإن المعتبر فيه الرقة، ولا عبرة باللون والطعم والريح؛ فإن القليل من الزعفران يغير هذه الأوصاف الثلاثة مع كونه رقيقاً فيجوز الوضوء والغسل به.
] مسائل [
(وذكر في "أجناسالناطفيّ" التوضؤ بماء السيل إذا لم تكن رقة الماء غالبة لا يجوز.
وذكر في الملتقط إذا ألقي الزاج في الماء حتى اسود الماء ولكن لم تذهب رقته؛ جاز الوضوء به.) مع تغير لونه وطعمه وريحه.
(وكذا العفص إذا طرح في الماء) فاسودّ يجوز الوضوء به ما دامت رقته باقية.
(وكذا الحمّص والباقلّاء) ونحوهما (إذا نقع في الماء) ولم تزل رقته يجوز الوضوء به،
(وإن) أي: ولو (تغير لونه وطعمه وريحه)؛ لأن المعتبر في مثله بقاء الرقة.
(وذكر في "الجامع الصغير") لقاضي خان: (ولو طبخ الحمّص أوالباقلّا إن كان الماء بحال لو بُرّدَ لا يثخن ولا تزول عنه رقة الماء جاز الوضوء به، وإلا فلا) بناءاً على ما تقدم.
(وذكر في "المحيط": لو توضأ بماء اُغلي بأشنانٍ أو بآسن) أي: مرسين، (أو بشيء مما يتعالج) أي: يتداوى (الناس به جاز الوضوء به ما لم يغلب) ذلك الشيء (عليه) أي: على الماء بأن أخرجه عن رقته.
(و) كذا (لو بلّ الخبز في الماء إن بقيت رقّته) كما كانت (جاز) الوضوء به، (وإن صار الماء ثخيناً) بالخبز (لا يجوز) الوضوء به.
(وفي شرح) "مختصر (القدوريّ") لأبي نصر الأقطع: (إذا اختلط الطاهر بالماء ولم يزل اسم الماء عنه) ولم يتجدد له اسم آخر؛ بأن سُمّي شراباً أو نبيذاً أو شورباجة أو نحو ذلك (فهو طاهر وطهور) أي: مطهر سواء (تغير لونه أو لم يتغيرولم يذكر) عن أصحابنا (خلافاً) في ذلك.
(وعلى هذا) الإطلاق الذي ذكره في "شرح القدوري": (إذا تغير لون الماء أو طعمه أو ريحه) بل تغير الأوصاف الثلاثة (بطول المكث أو بوقوع الأوراق) فيه (يجوز الوضوء به، إلا إذا غلب عليه لون الأوراق؛ فيصير) الماء بسبب ذلك (مقيداً)، هذا الإستثناء مرويّ عن الميدانيّ؛ لكن الأصح ما ذكر في "النهاية" هو أنه يجوز الوضوء بماء تغير لونه أوطعمه وريحه بوقوع الأوراق فيه، بناءً على ما تقدم مراراً، أن المعتبر فيه بقاء الرقّة.
(وكذا إذا تيقن بطهوريته) أي: بكون الماء مطهراً (أو غلب على ظنه) أنه مطهر (جازت به الطهارة)؛ لأن غالب الظن بمنزلة اليقين في العمليات، (حتى لو وجد ماء قليلاً ولم يتيقن بوقوع النجاسة) فيه فإنه (يتوضأ به) أي: بذلك الماء القليل. (ويغتسل ولا يتيمم)؛ لأن الأصل الطهارة وكان متيقناً فلا يزول بالشك.
(وكذا إذا دخل الحمام وفي حوض الحمام ماء قليل ولم يتيقن بوقوع النجاسة فيه فإنه يتوضأ به ويغتسل ولا ينتظر الماء الجاري)، ولا يترك ذلك الماء لأجل توهم وقوع النجاسة، لأن الأصل الطهارة
(وكذا إذا ألقيَ في الماء الجاري) الذي يذهب بتبنةٍ (شيء نجس؛ كالجيفة والخمر) والبول والعذرة، (لا يتنجس) الماء (ما لم يتغير لونه أو طعمه أو ريحه)؛ لأنها لا تستقر مع جريان الماء.
(و) روي (عن محمد أنه قال: إذا صُبّ جبّ) أي: دنّ (من الخمر في الفرات، ورجل أسفل منه) أي: من مكان الصب (يتوضأ، جاز) وضوءه (إذا لم يتغير أحد أوصافه.
وكذا إذا جلس الناس صفوفاً على شط نهر) أي: على جانب نهر يتوضؤون (جاز وضوءهم،) وهذا (هو الصحيح) خلافاً لمن زعم أنه لا يجوز.
(وذكر الناطفي: ساقية صغيرة فيها كلب ميّت، قد سدّ عرضها فجرى الماء عليه لا بأس بالوضوء أسفل منه إذا لم يتغير) لونه أو طعمه أو ريحه، (وهو) أي: هذا الحكم (مرويّ عن أبي يوسف) لما مر أن الأصل الطهارة، ولا تزول بالشك،
(وذكر في النوازل): أنه (إن كان الماء الذي يلاقي الجيفة دون الماء الذي لا يلاقي الجيفة؛ يعني إذا كانت الغلبة للماء الذي لا يلاقي الجيفة)؛ بأن جرى الماء عليها وغمرها بحيث لا ترى من تحته (جاز) الوضوء من أسفل؛ (وإلا) بأن كانت الجيفة تستبين تحت الماء؛ (فلا) يجوز وهذا اختيار الهندواني.
و (على هذا ماء المطر إذا جرى في ميزاب السطح، وكان على السطح عذارات) أو غيرها من النجاسات، وكان أكثر الماء لا يجري عليها؛ ولم تكن عند الميزاب (فالماء طاهر) إذا لم يظهر فيه أثر النجاسة، اعتباراً للغالب.
أما (إذا كانت العذرة عند الميزاب أو كان الماء كله أو نصفه أو أكثره يلاقي العذرة؛ فهو) أي: الماء المذكور الذي يجري من الميزاب (نجس) ولو لم يتغير، (و إلا) أي: وإن لم يكن كذلك (فهو طاهر) اعتباراً للغالب.
(وإن سال المطر من السقف أو من الثقب، إن كان المطر دائما) أي: مستمراً (لم ينقطع بعد فهو طاهر) سواء عمّت النجاسة أكثر السطح، أو لا لعدم تحقق مخالطته للنجاسة لاحتمال أنه من النازل قبل أن يصيب السطح،
(وإن انقطع المطر) بعد ذلك (و سال) الماء (من الثقب)؛ إن (كانت على جميع السطح، أو على أكثره نجاسة؛ فهو) أي: ذلك السائل من الثقب (نجس) للعلم بأنه نزل بعد إصابته السطح، وجريانه عليه مع أن غالبه نجس والحكم للغالب والنصف له حكم الأكثر للاحتياط كما تقدم.
(وإذا كان الماء) الجاري (يجري) جرياً (ضعيفاً ينبغي أن يتوضأ به) المتوضئ (على الوقار) أي بالتأنّي، (حتى يمرّ عنه الماء المستعمل).
(قال بعضهم: يجعل المتوضئ يمينه إلى أعلى الماء يعني مورد الماء) أي: الجهة التي يأتي منها ليكون أخذه من فوق مكان سقوط الماء المستعمل.
(وإذا سدّ الماء) الجاري (من فوق وبقي جريه) أسفل المكان الذي سدّ منه (كان جارياً كما كان يجوز التوضؤ به)، كسائر المياه الجارية.
(أما الحدّ في جريان الماء) أي: في كونه جارياً في الحكم، فقال بعضهم: (إن ذهب به تبن أو ورقٍ فهو جارٍ) يجوز التوضؤ به وقيل ما يعدّه الناس جارياً.
(وقال بعضهم:)، إن كان بحيث (إن رفع ينحسر) أي: ينكشف (ما تحته وينقطع الجريان فليس بجارٍ) حكما (وإن كان بخلافه فهو جارٍ) والأول أشهر والثاني أظهر.
(وفي "المنتقى" إذا كان بطن النهر نجسا وجرى الماء عليه إن كان الماء كثيرا بحيث لا يُرى ما تحته لا يتنجس وإن كان)
أي: ولو كان (جميع البطن نجسا) ويفهم منه أنه إذا كان قليلا يُرى ما تحته يتنجنس والكلام فيه كالكلام في المرور على الجيفة.
(ولو كان في النهر ماء راكد فتنجس) ذلك الماء الراكد (ونزل من اعلاه) أي: أعلى النهر (ماء طاهر فأجراه) أي: أجرى الماء الطاهر الماء الراكد المتنجس (وسيّلهفإنه) أي: الراكد (يطهر) بغلبة الماء الجاري عليه (ولو توضأ) إنسان (منه جاز إذا لم يُر لها) أي: للنجاسة (أثر) من الأوصاف الثلاثة كما هو حكم الماء الجار.
(فصل في) بيان أحكام (الحياض)
والماء الراكد الأصل عندنا أن الماء الراكد إذا لم يكن عشراً في عشر يتنجس بوقوع النجاسة فيه، وإن لم يظهر فيه أثرها، خلافاً لمالك مطلقاً، وللشافعي وأحمد في القُلّتين فما فوق، والدلائل قدّرناها في "الشرح".
وأما (الحوض إذا كان عشراً في عشر) أي: طوله عشرة أذرع وعرضه كذلك؛ فيكون وجه الماء مئة ذراع وجوانبه أربعين إن كان مربعاً، وأما إن كان مدوراً؛ فالأصح أن جوانبه ستة وثلاثون، وأما عمقه فالمختار ما لا تنحسر، أي: لا تنكشف أرضه بالغرف، وقيل: ألا تصيب يد المغترف الأرض، وقيل قدر أربع أصابع مفتوحة، والمراد بالذراع (ذراع الكرباس) وهو: سبع قبضات فقط، وقيل مع إصبع قائمة في القبضة الأخيرة، وقيل في كل قبضة، وقيل يعتبر في كل زمان ومكان ذراعهم، وفيه نظر بيّناه في "الشرح"، وإذا كان الحوض بالصفة المذكورة (فهو كبير لا يتنجس بوقوع النجاسة) مطلقاً، لا موضع النجاسة ولا غيرها، (إذا لم يرى لها أثر) يعني: إذا
لم يتغير أحد أوصافه الثلاثة كما مر (إذا كانت النجاسة مرئية) - هكذا وقع في نسخ المتن-، والصواب إذا كانت النجاسة غير مرئية فكأنَّ لفظة غير سقطت من الكاتب وشاعت بها النسخ.
(وبعضهم) وهو بعض مشايخ العراق (قالوا): في غير المرئية (يتنجس ما حول النجاسة مقدار حوض صغير) كما في المرئية؛ إذ لا فرق بينهما إلا في اللون، والنجاسة ليست للون، والحوض الصغير خمس في خمس فما دونها.
(وبعض مشايخ بخارى) توسعوا فيه (وجعلوه كالجاري)؛ كالماء الجاري (لعموم البلوى)، وفرّقوا بأن المرئية بقاؤها متيقن، بخلاف غير المرئية لاحتمال انتقالها؛ فلا يتنجس من الماء شيء بالشك.
(ويبتنى على هذا) أي: على تأثير الواقع في الحوض في موضع الوقوع أو عدمه؛ (إذا غسل) المتوضئ (وجهه في حوض كبير) وهو العشر في عشر فصاعداً (فسقط من غُسالته في الماء فرفع الماء) ثانياً (من موضع الوقوع قبل التحريك)؛ هل يجوز أم لا؟
(قالوا: على قول أبي يوسف لا يجوز) استعماله؛ (لأن عنده التحريك شرط) ليصير الماء المستعمل شائعاً في الماء فيصير مغلوباً.
(ومشائخ بخارى قالوا: يجوز لعموم البلوى) لكثرة وقوع مثله لأكثر الناس؛ (وعلى هذا): الحكم القياس أي: يقاس ما:
(إذا كان الرجال صفوفاً يتوضؤون من حوض كبير جاز) على قول مشائخ بخارى وعليه العمل.
(وفي "أجناس الناطفيّ" أن من اغتسل من حوض كبير فللآخر أن يتوضأ من ذلك المكان)؛ بناءً على أن الحوض الكبير بمنزلة الماء الجاري في استهلاك الماء المستعمل فيه بمجرد الاختلاط.
(وليس لرجل أن يتوضأ أو يغتسل في الحوض الكبير بناحية الجيفة والأصل فيه) أي: في الجواز مع القرب من مكان النجاسة وعدم الجواز ما تقدم؛ من أنها:
(إن كانت مرئية لا يجوز أن يتوضأ) إلا بعيداً عنها بقدر حوض صغير.
(وإذا لم تكن النجاسة مرئية يجوز مطلقاً) على اختيار علماء بخارى وعليه العمل.
(و) روي (عن الفقيه أبي جعفر) الهندواني عن أبي حنيفة: (لو توضأ المتوضئ في أجمة القصب) أي: في المقصبة وكانت في الماء؛ (فإن كان الماء لا يخلص بعضه إلىبعض) لاشتباك أصول القصب (لم يجز وضوءه)؛ لاستعمال الماء المستعمل، (وإن خلص بعض) الماء (إلى بعض جاز) الوضوء؛ لاستهلاك الماء المستعمل في الكثير.
(واتصال القصب بالقصب لا يمنع اتصال الماء بالماء)، وإنما يمنعه انتساج القرامي بعضها ببعض.
(وكذا) الحكم (لو توضأ في ماء فيه زرع) إن خلص بعضه إلى بعض جاز وإلا فلا.
(وكذا) الحكم أيضاً (لو توضأ في غدير وعلى جميع وجه الماء جَغزُوارَه) بجيم مفتوحة، فغين معجمة ساكنة، ثم زاي مضمومة، بعدها واو، فألف، وآخره راء مفتوحة، والهاء التي تكتب بعدها أمارة فتحها؛ وهي: كلمة فارسية معناها خرء الضفدع ويقال له الطحلب؛ وهو شيء أخضر يكون على وجه الماء؛ (فقد قيل):
(إن كان ذلك) الطحلب (بحال يتحرك بتحريك الماء يجوز) الوضوء؛ لأن الماء يخلص بعضه إلى بعض من تحته، وإن كان لا يتحرك فهو راسب في الأرض فيكون مانعاً خلوص بعض الماء إلى بعض فلا يجوز الوضوء به.
(وكذا) الحكم أيضاً (إذا توضأ من حوض قد أنجمد ماؤه؛ والجمد) على وجه الماء (رقيق ينكسر بالتحريك) يجوز الوضوء به.
(و أما إذا كان الجمد كثيراً قطعاً قطعاًلايتحرك بالتحريك) أي: بتحريك الماء (لا يجوز) الوضوء؛ لأنه يمنع اتصال الماء بمنزلة الصخر ونحوه.
(وإن كان) الجمد (قليلاً يتحرك بتحريك الماء يجوز).
(والحوض إذا انجمد ماؤه فثقب في موضع منه) وكان ماء متصلاً به؛ والثقب كحفيرة في أسفلها ماء (فوقعت فيه).
أي: في الثقب (نجاسة، أو ولغ فيه كلب، أو توضأ به) أي: بالماء الذي في أسفل الثقب (إنسان).
(قال نصير بن يحيى وأبو بكر الأسكاف: يتنجس) الماء؛ لكونه متصلاً بالجمد فلا يخلص بعضه إلى بعض فيكون وقوع النجاسة أو الماء المستعمل في ماء قليل فيفسده.
(وقال عبد الله بن المبارك وأبو حفص الكبير البخاري: لا يتنجس إذا كان الماء تحت الجمد عشراً في عشر، وإن كان) أي: ولو كان (الماء متصلاً بالجمد) لكونه عشراً في عشر، (والفتوى على قول نصير وأبي بكر) لما قلنا.
(وأما إذا كان الماء) تحت الجمد (منفصلاً عنه؛ فيجوز) الوضوء ولا يفسد الماء لكونه عشراً في عشر؛ ولم تنفصل بقعة منه عن سائره بخلاف الصورة الأولى فيجوز بلا خلاف بين المشائخ المذكورين، وعلى هذا التفصيل: إذا كان الحوض مسقّفاً وفي السقف كوّة؛ فإن كان الماء متصلاً بالسقف والكوة دون عشر في عشر يفسد الماء بوقوع المفسد
وإن كان منفصلاً لا يفسد، ولذا قال: (وهو) أي: الحوض المنجمد (كالحوض المسقف) في الخلاف والحكم والتفصيل.
(وإن ثقب الجمد فعلاً الماء) فلا يخلو؛ إما أن يعلو على وجه الجمد، أو يعلو في الثقب كالماء في القدح؛ فإن علا (في الثقب) كالماء في القدح (فولغ فيه الكلب) أوأصابته نجاسة أخرى (يتنجس) الماء (عند عامة العلماء)، ولم يعتبر الماء الذي تحت الجمد فكان ما في الثقب كغيره من الماء القليل، وإذا تنجس (فلم تزل نجاسته) أي: فلا تزول (ما لم يخرج) مثل (ما في الثقب) أي: ما كان فيه وقت التنجس (من الماء) على ما يأتي في حوض الحمام ونحوه.
(ولو توضأ) إنسان (من ثقب الجمد) المذكور (ولم تقع غسالته في الماء جاز) وضوءه (على كل حال) كبيراً كان الثقب أو صغيراً، وإن وقعت فيه نجاسة وهو دون عشر في عشر لا يجوز الوضوء.
(ولو وقع في الثقب) المذكور (شاة أو غيرها فماتت؛ إن كان الماء تحت الجمد عشراً في عشر لا يتنجس)؛ لكثرته، ولا يتنجس ما في الثقب أيضاً؛
لأن الموت يحصل غالباً بعد التسفل منه، حتى لو علم أن الموت حصل في الثقب قبل التسفل منه أو كان الواقع متنجساً؛ فإن ما في الثقب يتنجس.
(و) كذا (إن كان) الماء تحت الجمد (أقل من عشر في عشر يتنجس) جميع الماء، وأما إن علا الماء وانبسط على وجه الجمد و كان عشراً في عشر ولا ينحسر بالغرف لا يتنجس وإلا تنجس.
(ولو أن ماء الحوض كان عشراً في عشر فتسفل) أي: نزل الماء (فصار سبعاً في سبع) مثلاً (فوقعت النجاسة فيه تنجس) لأن المعتبر وقت الوقوع (فإن امتلأ) الحوض بعد ذلك (صار نجساً أيضاً) كما كان لما قلنا، (وقيل: لا يصير نجساً)، والأول أصح.
(حوض كبير) جاف و (فيه نجاسات فامتلأ، قيل هو نجس)؛ لتنجس الماء شيئاً فشيئاً، (وقيل ليس بنجس)؛ لكونه كبيراً (وبه) أي: بعدم التنجس (أخذ أكثرمشائخ بخارا، ذكره في "الذخيرة")، والمختار؛ أن الماء إن دخل
من مكان نجس أو اتصل بالنجاسة شيئاً فشيئاً فهو نجس، وإن دخل من مكان طاهر واجتمع قبل اتصاله بالنجاسة حتى صار عشراً في عشر ثم اتصل بالنجاسة لا يتنجس، ذكره قاضي خان وغيره.
(فإن دخل الماء من جانب) حوض صغير قد تنجس ماؤه (وخرج من جانب؛ قال أبو بكر الأعمش: لا يطهر ما لم يخرج مثل ما كان فيه ثلاث مرات) فيكون ذلك غسلاً له (كالقصعة) إذا تنجست فإنها تغسل ثلاث مرات، (وقال غيره: لا يطهر ما لم يخرج مثل ما كان فيه مرة واحدة، وقال أبو جعفر) الهنداوني: (يطهر) بمجرد الدخول من جانب والخروج من جانب، (وإن لم يخرج مثل ما كان في الحوض وهو) أي: قول أبي جعفر (اختيار الصدر الشهيد)؛ لأنه يصير جارياً والجاري لا يتنجس ما لم يتغير بالنجاسة.
(حوض صغير يدخل فيه الماء من جانب ويخرج من جانب)؛ لو توضأ فيه إنسان ووقعت غسالته فيه؛ (إن كان الحوض أربعاً في أربع فما دونه يجوز الوضوء؛ لأن الظاهر أن الماء المستعمل لا يستقر في مثله بل يدور حوله ثم يخرج فيكون كالجاري).
(وإن كان أكثر من ذلك) أي: من أربع في أربع؛ (لا يجوز؛ لأن الماء المستعمل يستقر فيه فلا يكون كالجاري) فيتكرر استعماله (إلا) إن توضأ (في موضع الدخول، أو) في موضع (الخروج)؛ لأنه جار.
(وكذا عين الماء إذا كان) وسعها (خمساً في خمس، وكان الماء يخرج منها) أي: من ينبوعها، (إن كان يتحرك الماء) حركة ظاهرة (من جانبه) أي: من جانب الينبوع، فذكر العين باعتباره (وهو) أي: الماء (يستعين بالحركة) على الخروج من منفذ العين (يجوز) الوضوء فيها؛ لأن الظاهر أن الماء المستعمل لا يستقر لشدة اندفاع الماء في خروجه من الينبوع، وإن لم يكن الماء بهذه الصفة لا يجوز الوضوء فيها، (و قال القاضي الإمام فخر الدين خان) في هذه الصورة والتي قبلها: الأصح (أن هذا التقدير غير لازم، وإنما الاعتماد على المعنى فينظر فيه إن خرج الماء
المستعمل) أي: عُلم خروجه (من ساعته لكثرته) أي لكثرة الماء (وقوته يجوز) الوضوء في الحوض والعين (وإلا) أي: وإن لم يُعلم خروج الماء المستعمل (فلا يجوز).
(و يجوز التوضأ بالثلج إذا كان ذائباً؛ بحيث يتقاطر) على العضو، يجوز؛ لأنه ماء مطلق ولا يتيمم إذا قدر على استعماله كذلك، (وإلا) أي: وإن لم يكن ذائباً ولم يتقاطر على
العضو عند دلكه (يتيمم)، ولا يجزئه إمراره على العضو من غير تقاطر؛ لأنه ليس بماء وحكم البرد والجمد كحكم الثلج.
(حوض صغير كرى) أي: حفر (رجل منه نهراً وأجرى الماء) من الحوض (فيه فتوضأ) ذلك الرجل أو غيره (من) ذلك (النهر؛ جاز وضوءه)؛ لأنه توضأ من ماء جار.
(وإن اجتمع) ذلك (الماء) الذي أجراه (في موضع وكرى رجل منه) أي: من ذلك الموضع (نهراً؛ فأجرى الماء) فيه (فتوضأ منه) ثم وثم (جاز وضوء الكل؛ اذا كان بين المكانين مسافة، وإن قلّت) أي: و لو كانت المسافة قليلة (ذكره في "المحيط")؛ ومقدار تلك المسافة أن لا يسقط الماء المستعمل إن سقط في الماء إلا في موضع الجريان.
(وفي "نوادر المعلى" عن أبي يوسف):
(ماء الحمام بمنزلة الماء الجاري) أي: في عدم تنجسه بالنجاسة ما لم يظهر أثرها فيه، (حتى إذا أدخل رجل يده فيه وفي يده قذر لم يتنجس، واختلف المتأخرون في بيان هذا القول.
(قال بعضهم: مراده) أي: مراد أبي يوسف بهذا القول؛ (حالة مخصوصة وهو) أي: تلك الحالة وإنما ذكر باعتبار المعنى أي: الحال (ما إذا كان الماء يجري من الأُنبوب إلى حوض الحمام، والناس يغترفون منه غرفاً متداركاً) بكسر الراء أي: متلاحقاًيلحق بعضه بعضاً، وهذا هو اختيار قاضي خان في "الفتاوى" حتى لو كان الماء ساكناً أو كانوا يغترفون ولا يجري من الأُنبوب ماء يتنجس ماء الحوض وعليه الاعتماد.
(ومنهم) أي: من المتأخرين (من قال: هو) أي: ماء الحمام (عنده) أي: عند أبي يوسف (بمنزلة الماء الجاري على كل حال) سواء تدارك الاغتراف مع دخول الماء من الأُنبوب أو لا (لأجل الضرورة) ألا يرى أن الحوض الكبير أُلحق بالماء الجاري على كل حال لأجل الضرورة، وفيه نظر ذُكر في "الشرح".
(ولو أدخل الجنب) أو المحدث (يده في حوض الحمام لطلب القصعة) أي: بلا نية رفع الحدث (وليس على يده نجاسة حقيقية) يتنجس ماء الحوض (عند أبي حنيفة) على رواية كون الماء المستعمل (نجساً)؛ لأن ماء الحوض صار مستعملاً بزوال الحدث عن يده،
(وعندهما الماء طاهر ومطهر)؛ لأنه لم يصر مستعملاً عندهما، والمذكور في "الفتاوى" أن إدخال الجنب أو المحدث يده في الإناء للاغتراف، أو لرفع الكوز لا يصير به الماء مستعملاً للضرورة، ولم يذكروا خلافاً، وهو الأصح.
(ولو أدخل الكفار أو الصبيان أيديهم؛ لا يتنجس إذا لم يكن على أيديهم نجاسة حقيقية) هذا في الصبيان مُسلَّم؛ لأنهم ليس عليهم حدث، وأما الكفار ففي أيديهم حدث يزول بالإدخال فلا فرق بينهما وقد حققناه في "الشرح".
(ولو أدخل الصبي يده في الإناء)؛ إن علم أنها طاهرة بان كان معه من يراقبه جاز التوضؤ بذلك الماء، وإن علم أن فيها نجاسة لم يجز، وإن حصل الشك (لا يتوضأ به استحساناً) أي: لأجل التنزه والاحتياط، (ولو توضأ به جاز)؛ لأنه لا يتنجس بالشك.
(حوض الحمام إذا تنجس يطهر إذا خرج مثل ما كان فيه مرة واحدة)، وتقدم الكلام في مثله وهو الحوض الصغير، وإن المختار أنه يطهر بمجرد ما يدخل الماء من الأُنبوب ويفيض من الحوض؛ لأنه صار جارياً.
(ولو أدخل المتوضئ رأسه في الإناء بنية المسح أو) أدخل (خفيه) فيه بنيته (يجوز) المسح (بالاتفاق) والمشهور عن محمد: أنه لا يجوز، ولكن (لا يصير الماء مستعملاً عند أبي يوسف خلافاً لمحمد) وتحقيقه في "الشرح".
(فصل في المسح على الخفين)
] حكم المسح على الخفين [:
(المسح عليهما جائز بالسنة) أي: بالآثار الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم قولاً وفعلاً لا بالقرآن، (من كل حدثٍ موجب للوضوء)، احترازاً من الحدث الموجب للغسل - كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
] شروط المسح على الخفين [
] الشرط الأول: لبسهما على طهارة كاملة [:
(إذا لبسهما على طهارة كاملة،) أي: إذا أحدثوقد لبسهما على طهارة كاملة؛ فالشرط كون الطهارة كاملة (وقت الحدث) لا وقت اللبس، حتى لو غسل رجليه ولبس الخفين ثم أكمل طهارته ثم أحدث؛ جاز له المسح عليهما لوجود الإكمال عند الحدث.
] مدة المسح ووقت ابتداءه: [
(فان كان) الماسح (مقيماً يمسح يوماً وليلة، وإن كان مسافراً يسمح ثلاثة أيام ولياليها)، لقول علي رضي الله عنه: "جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر ويوماً وليلة للمقيم".
(وابتداؤها) أي: أول المدة المذكورة للمقيم وللمسافر (عقيب الحدث)؛ لأنه قبل ذلك متطهر بطهارة الغسل (ولا يعتبر) لابتداء المدة (وقت الطهارة ولا وقت اللبس)، حتى لو تطهر لصلاة الصبح ولم يلبس خفيه إلا وقت الظهر ثم لم يحدث إلا وقت العصر؛ فابتداء المدة من وقت العصر لا من وقت الصبح، ولا من وقت الظهر؛ فيجوز له المسح إن كان مقيماً إلى وقت العصر من اليوم الثاني وإن كان مسافراً فإلى وقت العصر من اليوم الرابع.
(ولو غسل رجليه ولبس خفيه) قبل إكمال الوضوء (ثم أكمل الطهارة قبل أن يحدث؛ جاز له المسح عليهما عندنا) لما تقدم أن الشرط كون الطهارة كاملة وقت الحدث (خلافاً
للشافعي)؛ فان الشرط عنده كونها كاملة وقت اللبس، وإنما يظهر خلافه المبني على هذا فيما إذا توضأ مرتباً فلما غسل إحدى رجليه أدخلها في الخف قبل غسل الأخرى ثم غسل الأخرى وأدخلها في الخف؛ فإنه لا يجوز له المسح عنده ويجوز عندنا؛ (لأن عندنا يكفيه أن يكون الخف ملبوساً على طهارة كاملة عند أول الحدث) بخلاف ما إذا كان ملبوسا على طهارة ناقصة عند الحدث؛ حيث لا يجوز المسح عندنا خلافاً لزفر.
(والطهارة الناقصة: هي طهارة صاحب العذر) وكذا طهارة التيمم، (حتى إن المستحاضة): وهي المرأة التي ترى الدم من قبلها دون ثلاثة أيام أو فوق عشرة أيام في الحيض أو فوق أربعين في النفاس أو هي حامل (ومن في معناها)؛ كصاحب سلس البول أو انفلات الريح أو استطلاق البطن أو الرعاف الدائم أو الجرح الذي لا يرقأ (إذا توضأت ولبست الخف قبل أن يظهر منها شيء) من دم الاستحاضة (تمسح كالاصحاء)؛ لأنها لبست على طهارة كاملة، (ولو لبست بطهارة
العذر) أي: بعد ما ظهر منها شيء (تمسح في الوقت) فقط إن أحدثت بعد اللبس حدثاً غير عذرها (عندنا، وعند زفر تمسح تمام المدة) وتحقيق الدليل من الطرفين في "الشرح".
] مسألة [:
(ولا يجوز المسح لمن وجب عليه الغسل) كما لو توضأ ولبس خفيه ثم أجنب؛ فإنه لا يجوز له أن يغسل سائر بدنه ويمسح على خفيه، وكذا لو أن المسافر توضأ ولبس خفيه ثم أجنب وعنده ماء يكفي للوضوء؛ فإنه يتيمم ويصلي؛ فإن أحدث بعد ذلك وعنده ذلك الماء توضأ وغسل رجليه، ولا يجوز له المسح؛ لأن الجنابة حلت بالقدم. (والرجل والمرأة) فيه؛ أي: في مسح الخف (سواء)؛ لأن الأدلة لم تخص والنساء تابعات للرجال في الأحكام ما لم يقع تخصيص.
] الموضع الذي يمسح عليه [:
(والمسح) إنما هو (على ظاهرهما) أي: على أعلاهما (دون باطنهما) أي: أسفلهما، لما روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: "لو كان الدين بالرأي لكان مسح باطن الخف أولى من ظاهره؛ ولكني رأيت رسول الله صلى الله عليه
وسلم يمسح على ظاهر خفيه دون باطنهما"، وفي رواية "لكان أسفل الخف أولى من أعلاه". ويستحب أن يكون المسح (خطوطاً بالأصابع)؛ لما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "أنه مسح على خفيه حتى رؤي آثار أصابعه على خفيه خطوطاً". ولو وضع الكف ومدها أو وضع الأصابع مع الكف ومدها فكلاهما حسن، والأحسن أن يمسح بجميع اليد، كذا في "الخلاصة" وغيرها. ويستحب أن (يبدأ من قبل الأصابع) ويمد (إلى الساق اعتباراً بالغسل)، فإن المستحب فيه ذلك، ويستحب أيضاً أن يكون مرة واحدة.
] فرض المسح [
(وفرض ذلك) المسح (مقدار ثلاثة أصابع) طولاً وعرضاً (من أصابع اليد)؛ كما قاله أبو بكر الرازي، وهو المختار. لا كما قاله الكرخي أن المعتبر أصابع الرجل، (ولو وضع يديه من قبل الساق ومدهما إلى رؤوس الأصابع جاز)؛ لحصول الفرض.
(و) كذا (لو مسح عليهما عرضاً جاز) أيضاً، (وكذا لو مسح بثلاث أصابع موضوعة) وضعاً (غير ممدودة يجوز) أيضاً لما قلنا (ولكنه يكون مخالفاً للسنة في جميع ذلك).
] بيان كيفية مسح الخفين [
(وكيفية المسح) المسنون؛ (أن يضع يديه على مقدم خفيه) أي: أصابع يديه، (ويجافي كفيه ويمدهما إلى الساق، أو يضع كفيه مع الأصابع ويمدهما جملة) واحدة، وهو حسن والأول هو السنة.
] مسائل [
(ولو مسح برؤوس الأصابع وجافى أصول الأصابع والكف لا يجوز) المسح؛ (إلا أن يكون الماء متقاطراً)؛ لأن البلة تصير مستعملة بمجرد الإصابة، وفي المتقاطر البلة الثانية غير الأولى، وفي إقامة السنة جوز استعمال بلة الفرض بالنص؛ فلا يقاس عليه الفرض. وكذا لومسح بإصبعين لا يجوز إلا أن يكون الإبهام والسبابة مع ما بينهما. (والمستحب أن يمسح بباطن الكف)؛ لأنه المتوارَث.
(ولو مسح بظاهر كفيه يجوز)؛ لحصول المقصود لكن خالف السنة.
(ولو مسح على باطن خفيه، أو من قبل العقبين، أو جوانبهما) أي: من جوانب الرجلين (لا يجوز) مسحه؛ لأنه لم يمسح على محل المسح وهو أعلى الخف؛ لأنه المعين بالنصوص. (وذكر في "المحيط" لو توضأ ومسح) ببلة - بالكسر- أي: (بلل بقيت على كفيه بعد الغسل يجوز) مسحه؛ لأن البلة الباقية بعد الغسل غير مستعملة إذ المستعمل فيه ما سال على العضو وانفصل عنه.
(ولو مسح رأسه ثم مسح خفيه ببلة بقيت بعد المسح لا يجوز)؛ لأن هذه البلة مستعملة إذ المستعمل فيه ما أصاب الممسوح.
(ولو) توضأ و (لم يمسح خفيه و) لكن (خاض في الماء لا بنية المسح)؛ ولم تنغسل إحدى رجليه أو أكثرها (أو مشى في الحشيش المبتل بالماء) الجاري عليه (أو بالمطر يجزئه) ذلك الخوض أو المشي عن المسح، ولو كان الحشيش مبتلاً بالطل فقيل لا ينوب عن المسح؛ لأنه من نفس دابة، والأصح أنه ينوب؛ لأنه مطر خفيف
(وكذا إذا أصابه) أي: إذا أصاب خفه (المطر ينوب عن المسح) وإن لم ينو؛ خلافاً للشافعي في ذلك كله؛ فإن النية عنده شرط في الوضوء والمسح، (وفي بعض الروايات) النادرة (لا يجزئه) عندنا أيضاً؛ (لأنه) أي: لأن المسح (خلف) عن الغسل فاحتاج إلى النية؛ (كالتيمم) وهذا غير صحيح من مذهب علمائنا.
(ومن ابتدأ المسح) أي: مدته (وهو مقيم فسافر قبل تمام يوم وليلة مسح تمام ثلاثة أيام ولياليها) عندنا، خلافاً للشافعي؛ لأن المعتبر آخر الوقت وهو فيه مسافر.
(ومن ابتدأ المسح وهو مسافر ثم أقام)؛ يُنظر (إن كان قد مسح يوماً وليلة أو أكثر لزمه نزعهما وغسل رجليه)؛ لأنه صارمقيماً كغيره من المقيمين؛ فلا يمسح فوق مدة المقيم، (وإن كان قد مسح أقل من يوم وليلة أتم مسح يوم وليلة)؛ لأنها مدة المقيم.
(ومن لبس الجرموق فوق الخف) قبل أن يمسح على الخف (مسح عليه) الجرموق: ما يلبس فوق الخف وقاية له، وقد يكون من الجلد ومن الكرباس ومن غيرهما؛ فإن كان من الكرباس لا يجوز المسح عليه بالاتفاق إلا إن علم أن البلة نفذت إلى الخف مقدار الفرض، أو كان مجلداً جلداً يستر الأصابع والكعبين؛ فيجوز المسح عليه سواءً لبسه وحده أو
فوق الخف؛ كالذي من الأديم أو الصّرم، وكذا الخف فوق الخف؛ وهو بدل عن الرجل لا عن الخف؛ فلو لبسه أو لبس الخف فوق جوربرقيف من كرباس أو نحوه جاز المسح عليه، كما أفاده المولىخسرو في "درره"، و"صاحب التسهيل"، ولا اعتبار بما نقله ابن فرشته في "شرح المجمع" عن فتاوي الشادي؛ من عدم الجواز؛ لأن الشادي رجل مجهول لا يجوز تقليده فيما يخالف الأصول فإن اتصال الملبوس من الخف وغيره بالرجل ليس بشرط؛ إذ لو كان شرطاً لما جاز المسح على الجرموق، وتمام البحث
في "الشرح". (فإن أحدث) بعد لبس الخفين قبل لبس الجرموقين (ومسح على الخفين) أو لم يمسح (ثم لبس الجرموقين لا يمسح على الجرموقين)؛ لأن شرط جواز
المسح عليهما أن يُلبسا قبل الحدث كما في الخفين.
(ولو نزع أحد الجرموقين) بعد المسح عليهما، أو خرج أحداهما بلا قصد (فله أن ينزع الآخر ويمسح على خفيه)، وإن شاء أعاد المسح على الآخر وعلى الخف الذي نزع جرموقه، ولا يجوز أن يقتصر على مسح المنزوع من غير إعادة المسح على غير المنزوع.
(ولا يجوز المسح على الجرموق المنخرق وإن كان) أي: ولو كان (خفاه غير منخرقين) قياساً على الخفين.
(وكذا لا يجوز المسح على خف فيه خُرق كبير يبين) أي: يظهر (منه) أي: من الخُرق (مقدار ثلاث أصابع) طولاً وعرضاً (من أصابع الرجل)، وفي رواية الحسن من أصابع اليد والأول ظاهر الرواية وهو الأصح، والمعتبر أصغر الأصابع إذا لم يكن الخرق عند الأصابع، وإن كان عندها يعتبر ظهور الثلاث التي عند الخرق؛ (فإن كان) الخرق في الخف (أقل من ذلك جاز) المسح عليه خلافاً لزفر والشافعي؛ لإن القليل عفو لدفع الحرج وما دون ثلاثة أصابع قليل؛ لأن الأصابع هي الأصل والثلاث أكثرها.
(وإن كان الخُرق في خف واحد قدر أصبعين في موضع) منه، (أو موضعين وفي) الخف (الآخر قدر أصبع واحد) أو أصبعين كذلك (جاز المسح)؛ لأن المانع كون قدر الأصابع الثلاث في خف واحد فلا يجمع لو كان في خفين، بخلاف ما لو كان قدر نصف درهم من نجاسة مغلظة في إحدى الرجلين وفوق النصف في الأخرى؛ حيث يجمع أيضاً ويمنع جواز الصلاة، وكذا لو انكشف ثُمُن كل منعضوين كل منهما عورة يجمع أيضاً ويمنع جواز الصلاة، والفرق مذكور في "الشرح".
(وإن كان) الخرق قدر أصبع مع الخرق قدر أصبعين (في خف واحد يجمع) في الحكم بالمانعية، (فلا يجوز) المسح لوجودالمانع؛ وهو قدر ثلاث أصابع في خف واحد.
(ويشترط) في المنع (ظهور الأصابع بكاملها) في الصحيح خلافاً لما مال إليه السرخسى من أن ظهور الأنامل وحدها مانع (و لو ظهر الإبهام
وهي: مقدار ثلث أصابع من غيرها) أي: من غير الإبهام (جاز) المسح؛ لأن الخرق إذا كان عند الأصابع فالمعتبر ظهور نفس الأصابع، وإن كان في موضع آخر يعتبر قدر أصغرها.
(ولو كان طول الخرق أكثر من قدر ثلاث أصابع و انفتاحه) أي: مقدار ما ينفتح منه (أقل من ذلك) القدر؛ (لا يمنع جواز المسح)؛ لأن غير المنفتح ليس له حكم الخرق لعدم ظهور شئ منه.
(وكذا) الحكم (لو انفتق خرزه) أي: خرز الخف (إلا أنه) أي: الشان (لا يرى شئ من قدمه يجوز) المسح لما قلنا.
(ولو كان) الشئ المذكور والمراد به المقدار المانع (يبدو حالة المشي) أي: حالة رفع القدم (ولا يبدو حالة الوضع يمنع) جواز المسح؛ لأن المعتبر حال المشي، (كذا ذكره في "المحيط").
(ولو كان الأمر بالعكس لا يمنع و) كذا (الخُرق إذا كان فوق الكعب لا يمنع) وإن كثر؛ لأن ستر الخف لما فوق الكعب ليس بشرط؛ و لذا جاز المسح على المكعب، وفي "فتاوى قاضي خان": وما يقال له بالفارسية جاروق إنكان يستر القدم لا يرى من العقب ولا من ظهر القدم إلا قدر أصبع
أو أصبعين جاز المسح عليه في قولهم، وكذا على الخف الذي يقال له بالفارسية: بيش بند؛ وهو أن يكون مشقوقاً مشدوداً، وفيها لو لبس مكعباً لا يرى من كعبيه أو قدميه إلا مقدار أصبع أو أصبعين جاز المسح وهو بمنزلة الخف الذي لا ساق له.
(وإذا أراد) الماسح على الخف (أن يخلع خفيه فنزع القدم) من موضعه (من الخف؛ غير أن القدم في الساق بعد انتقض مسحه إجماعاً).
(وإن نزع بعض القدم عن مكانه؛ فقد روى عن أبى حنيفة) أنه (إذا خرج أكثر العقب عن عقب الخف انتقض المسح)؛ لأن العقب ربع القدم وللربع حكم الكل، (وفي بعض الروايات)
عن أبى حنيفة: (إذا صار) النزع (بحال تعذر المشي المعتاد معه انتقض) المسح، وإلا فلا؛ فإن المعتبر إمكان متابعة المشي، و في رواية عنه: إن خرج أكثر القدم إلى ساق الخف انتقض المسح، وإلا فلا. قال في "الهداية" وغيرها: هو الصحيح؛ لأن للأكثر حكم الكل، وقيل ينتقض بخروج نصف القدم.
(وفي بعض الروايات أيضاً: إن بقى في موضع قرار القدم مقدار ثلاث أصابع) من ظهر القدم سوى أصابعها (لا ينتقض) المسح، (وهو) أي: هذا القول (رواية عن محمد، وبه أخذ بعض المشايخ)، وقال في "الكافي": وعليه أكثر المشايخ؛ لأن مقدار فرض المسح باق في محل المسح.
(وفي "كتاب الصلاة" لأبي عبدالله الزعفراني: رجل مسح على خفيه ثم دخل الماء) أي: خاض في الماء في خفيه (إن ابتل جميع إحدى القدمين) ابتلالاً هو غسل (ينتقض مسحه) وإلا فلا، و كذا لو ابتل أكثر أحديهما يجب عليه أن يكمل غسل رجليه لئلا يكون جامعاً بين الغسل و المسح.
(رجل أخرج عقبة من عقب الخف إلا أن مقدم قدمه في قدم الخف) أي: في موضع المسح؛ (له أن يمسح ما لم يخرج صدور قدميه عن الخف)
أي: عن موضع القدم منه (إلى الساق) أي: إلى أول حد الساق من الخف، وهذا موافق لقول محمد.
(وذكر في بعض المواضع) من "الفتاوى": (إن كان صدر القدم في موضعه و) لكن (العقب يخرج) من عقب الخف (و يدخل لا ينتقض مسحه)؛ لعدم النزع.
(وكذا لو كان الخف واسعاً إذا رفع القدم يرتفع العقب حتى يخرج) إلى ساق الخف، (وإذا وضع) القدم (عاد العقب إلى موضعها لا ينتقض المسح)، وكذا لو كان أعرج يمشي على صدور قدميه وقد ارتفع العقب عن موضعه له المسح.
(وعن محمد) أنه قال: (خف فيه فتق مفتوح وبطانة الخف من خرقة أو من غيرها غير منفتقمخروزاً) أي: حال كون ذلك الشئ الذي هو البطانة مخروزاً (في الخف) وفي بعض النسخ مخروز بغير ألف بالرفع أو بالخفض (جاز المسح)؛ لعدم ظهور مقدار ثلاث أصابع. (كذا ذكره في "الذخيرة")
(ولا يجوز المسح على العمامة و القلنسوة) بدل الرأس، (و) لا على (البرقع) بدل غسل الوجه، وهو ما تجعله المرأة على وجهها محزوقاً ما يحاذى عينيها منه،
(و) لا على (القفازين) بدل غسل اليدين وهو: ما يلبس في اليد لأجل البرد أو الطير أو غير ذلك. (ويجوز المسح على الجبائر) جمع جبيرة وهي: ما يشد على العظم المنكسر من العيدان.
(وإن شدها) أي: لو شدها (على غير وضوء) بإجماع الأئمة المجتهدين للحرج في الغسل، (فإن سقطت) بعد المسح (من غير برء لم يبطل المسح)؛ لبقاء سبب شرعيته، (و إن سقطت عن برء بطل)؛ لزواله فيجب غسل ما كان تحتها، وإن كان السقوط عن برء في الصلاة لزم الاستئناف ولا يجوز البناء.
] وجوه المسح على الجبائر [
(والمسح على الجبائر على وجوه: إن كان لا يضر غسل ما تحته؛ يلزمه الغسل بالإجماع).
(وإن كان يضره غسل ما تحته)؛ لا يلزم الغسل بالإجماع. وإن كان يضره الغسل (بالماء البارد ولا يضره) الغسل (بالماء الحار يلزمه الغسل بالماء الحار).
(وإن كان يضره الغسل ولا يضره المسح يمسح ما تحت الجبيره لا يمسح فوق الجبيره، هذا لفظ قاضي خان).
(والمسح على الجبائر إنما يجوز إذا لم يقدر) على الغسل ولا (على المسح على القرحة) نفسها (بأن كان يضرها الماء) من الغسل، و من المسح.
(أما إذا كان) لا يقدر على الغسل؛ ولكن (يقدر على المسح على نفس القرحة فلا يجوز له المسح على الجبيرة) ونحوها لعدم الضرورة والحرج. (قالبرهان الدين) صاحب "المحيط": (ينبغى أن يحفظ هذا فإن الناس عنه غافلون) أي: يظنون أنه إذا ضرها الغسل يجوز المسح على الخرقة مع عدم ضرر المسح على نفس القرحة وليس كذلك.
(وإن ترك المسح على الجبيرة و) الحال أن (المسح) عليه (لا يضره جاز عند أبى حنيفة خلافاً لهما)؛ فإن عندهما لا يجوز؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر علياً بذلك والأمر للوجوب، وله أن الفرضية لا تثبت بخبر الواحد وقد سقط الغسل بالإجماع.
(اما الاستيعاب) في مسح الجبيرة؛ (فشرط عند البعض) وهو رواية الحسن عن أبى حنيفة، (وبعضهم) كشيخ الإسلام خواهرزاده (قالوا: إذا مسح على أكثرها جاز)، وإليه مال صاحب "الهداية" وصححه في "الكافي".
(ولوكان المسح على النصف أو أقل لا يجوز)،
(ويكتفي) في مسح الجبيرة (بالمسح مرة واحدة) كمسح الرأس، (هو الصحيح)؛ لأن المسح لم يشرع تكراره، وقيل يكررثلاثاً وهو غير صحيح.
(ولو كانت الجراحة في موضع الغسل وليست تحت جميع الجبيرة) ونحوها (جراحة) ويعسر عليه جعل الجبيرة مقدار الجراحة فحسب (جاز له المسح) على كل الجبيرة (تبعاً لموضع الجراحة)؛ لأن الجبيرة والعصابة لا بد أن تكون أزيد من الجراحة فتحققت الضرورة إلى جواز المسح على الزائد إذا كان يضره حلها لغسل ما حول الجراحة، وإن كان لا يضره ذلك مسح على الجراحة وغسل ما حولها، ولا فرق في جميع ما ذكرنا أي: ما تقدم من الجبيرة وعصابة الفصادة والقروحوالجراحات.
ثم المسح على الجبيرة ونحوها بمنزلة الغسل فيجوز أن يجمع مع الغسل ولا يتوقت بوقت؛ فلو كان بإحدى رجليه قرحة فمسح عليها وغسل الصحيحة جاز له؛ لأنه ليس جمعاً بين الغسل والمسح فلو لبس الخف على الصحيحة وحدها ثم أحدث لا يجوز أن يمسح على
الخف؛ لأنه يكون جمعاً بين الغسل والمسح؛ فإن لبس الخف عليهما جاز له المسح على الخفين.
(ولو كان مقطوع إحدى الرجلين من الكعب أو دونها) أي دون الكعب (فإن غسل موضع القطع فرض، فلو غسل موضع القطع) والرجل الصحيحة (ولبس خفيه) ثم أحدث (ينظر؛ إن كان بقي من ظهر القدم) المقطوعة (مقدار ثلاث أصابع أو أكثر يمسح) على الخفين، (وإلا) أي: وإن لم يكن بقي من ظهر القدم المقطوعة قدر ثلاث أصابع (يغسلهما) أي: كلتا الرجلين؛ (لإنه) أي: الشان (وجب غسل) الموضع (المقطوع)، ولا يجوز المسح على الخف الملبوس عليه لنقصانه عن مقدار الفرض، وإذا وجب غسل المقطوع وجب غسل الرجل الصحيحة؛ لئلا يجمع بين الغسل والمسح.
(وإن كان مقطوع الأصابع) من إحدى الرجلين أو كلتيهما (وبعض خفه خال عن القدم) فمسح على الخف؛ (فإن وقع المسح) على الخف (على المغسول) أي: ما بقي من القدم، أي: إن وقع المسح على المقدار الذي فيه القدم من الخف حال كون ذلك
المسح عليه (مقدار ثلاث أصابع جاز المسح) لوجود مسح المقدار المفروض؛ (وإلا) أي: وإن لم يقع المسح مقدار ثلاث أصابع على الموضع الذي فيه القدم من الخف (فلا) يجوز.
(وكذا) الحكم على هذا التفصيل. (إذا كان الخف واسعاً وبعضه خال عن القدم) والحاصل أن مقدار الفرض يعتبر من القدم لا من الخف؛ فإن وقع بتمامه على القدم جاز وإن وقع أقل منه على القدم لا يجوز.
(رجل توضأ ومسح على الجبيرة ولبس خفيه ثم أحدث قبل ما برأت فتوضأ؛ يمسح على الجبيرة والخفين)؛ لأن طهارته كاملة ما لم تبرأ حتى جاز له إمامة الأصحاء
(فإن أحدث بعد ما برأت لا يمسح؛ لأنه لبس) الخفين (على طهارة ناقصة ذكره في "شرح الإسبيجابي") وقدحققناه في "الشرح".
(وإذا كان الشقاق في رجله أو في يده فجعل فيه الدواء) كالمرهم ونحوه (أو الشحم يمر الماء فوق الدواء) وجوباً إن لم يكن يضره (ولا يكفيه المسح) لعدم الضرورة.
(وإن كان الشقاق في يده وقد عجز عن الوضوء) بنفسه (يستعين بغيره حتى يوضيه) إستحباباً عند أبي حنيفة ووجوباً عندهما، (فإن لم يستعن وتيمم وصلى جازت صلاته عند أبي حنيفة خلافاً لهما)، وعلى هذا الخلاف إذا كان لا يقدر على الاستقبال أو
على التحول عن النجاسة ووجد من يوجهه أو يحوله؛ يجب عليه الاستعانة عندهما لا عنده؛ لأن عنده المكلَّف إنما يكلف بقدرة نفسه لا بقدرة غيره.
(فإن لم يجد من يوضئه)؛ بأن لم يكن عنده أحد أو كان فاستعان به فأبى؛ حينئذ (جازت صلاته) بتيممه، (بلا خلاف) لتحقق العجز من كل وجه.
] المسح على الجوارب [
(أما المسح على الجوارب) جمع جورب وهو: ما يلبس في الرجل لدفع البرد ونحوه مما لا يسمى خفاً ولا جُرموقاً؛ (فلا يجوز عند أبي حنيفة إلا أن يكونا مجلدين) أي: استوعب الجلد ما يستر القدم مع الكعب (أو منعلَيْن) أي: جعل الجلد على ما يلي الأرض منهما خاصة؛ كالنعل للرِّجل، (وقالا يجوز) المسح عليهما (إذا كانا ثخينين لا يشفان الماء)، قال في "المغرب": شفَّ الثوب إذا رق، حتى رأيت ما وراءه من باب ضَرَب، ومنه إذا كانا ثخينين لا يشفان ونفْيُ الشفوف تأكيد للثخانة، وفي بعض الكتب لا يُنْشِفان الماء ولا يشِفّان الماء، فالأول بمعنى: لا ينْشِف الجوربان الماء إلى نفسهما كالأديم والصِرم. والثاني بمعنى: لا يجاوزان الماء إلى القدم، كذا في "فتاوى قاضي خان" (وعليه) أي: على قول أبي يوسف ومحمد (الفتوى، قاله في "الذخيرة"
وقيل: رجع أبو حنيفة إلى قولهما في آخر عمره) على ما رُوِي أنه لما مرض مسح على الجوربين من غير نعل، وقال لعُوَّاده: فعلتُ ما كنت مَنَعتُ الناس عنه فاستدلوا على رجوعه.
(وحدُّ) الجورب (الثخين أن يستمسك) أي: يثبُتَ ولا ينسدل (على الساق من غير أن يُشَد بشيء) عند عدم ضِيْقِه، وهذا حدٌ آخر للثخين غير ما تقدم، وقال الزاهدي: فإن كان ثخيناً يمشي معه فرسخاً فصاعداً؛ كجوارب أهل مرْوَ، فعلى الخلاف انتهى. ومثله في "الخلاصة" وهو أحسن الحدود؛ ولذا قال المصنف: (ويجوز المسح على الخفاف المتخَذة من اللبود التركية لإمكان قطع المسافة بها)، فاعتَبَر قطع المسافة؛ لأنه هو المقصود من أمتعة الرَّجُل.
ثم قال الزاهدي: ذكر شمس الأئمة الحلواني: أن الجوارب خمسة أنواع: من المِرْغزى والغزل والشعر والجلد الرقيق والكرباس، وذكر التفاصيل في الأربعة من الثخين والرقيق والمنَعَّل وغير المُنَعَّل والمبطَّن وغير المبطَّن، وأما الخامس: فلا يجوز المسح عليه كيف ما كان، انتهى. وقد عُلِم منه أن اسم الجورب ليس مخصوصاً بما يُنْسَج على اليد من الغزل، بل يُطلق على ما يُخاط من الكِرباس وغيره أيضاً، وعُلِم أن المراد بالغزل ما غُزِل من الصوف لِعطْف الشعر عليه، ومن المعلوم أيضاً؛ أن الكرباس اسم لما هو من غزل القطن، ويُلحَق به ما هو مثله في الثخانة كالكِتان والإبريسِم،
وحينئذ فالمعمول من الجوخ داخل تحت ما هو من الغزل لا تحت الكرباس وما أُلحِق به، ومقتضاه؛ أن يجرى فيه التفصيل:
من أنه إذا كان مجلَّداً أو منعلاً أو مبطناً يجوز المسح عليه اتفاقاً.
وإلا فإن كان ثخيناً يمكن أن يمشي به فرسخاً أو أكثر فعلى الخلاف.
وإن لم يكن كذلك فلا يجوز بالاتفاق على أنه لو سُلِّم عدم دخوله تحت ما هو من الغزل لجاز إلحاقه به بطريق الدلاله؛ فإنه أمتن من المعمول على اليد من الغزل على ما لا يخفى، وإذا كان كذلك فلا يشترط لجواز المسح عليه أن يستر الجلد جميع القدم والكعبين؛ بل يكفي ما يطلَق عليه اسم المنعَّل.
فروع
إذا تمت مدة المسح وهو متوضئ لزم نزع الخفين وغسل الرجلين دون إعادة بقية الوضوء.
وكذا إذا نزع قبل تمامها.
وفي "فتاوى قاضي خان" لو تمت المدة وهو في الصلاة ولم يجد ماءً يمضي على صلاته؛ إذ لا فائدة في قطعها إذ لو قطعها وهو عاجز عن غسل الرجلين؛ فإنه يتيمم ولاحَظَّ للرجلين من التيمم.
ومن المشايخ من قال: تَفسُد صلاته، والأول أصح، انتهى.
والذي يظهر لي أن الصحيح هو القول بالفساد، ولا نسلّم أن التيمم لاحَظَّ للرجلين فيه؛ بل هو طهارة لجميع الأعضاء وإن كان محله عضوين، كما أن الوضوء طهارة لجميعها وإن كان محله أربعة أعضاء، وكذا لو خاف إن نزعهما ذهاب رِجلَيْه من البرد؛ فإنه يتيمم ولا يمسح على الخفين على ما حققه الشيخ كمال الدين ابن الهمام، وقد ذكرناه في "الشرح".
(فصل في نواقض الوضوء)
النواقض جمع ناقضة، والمراد بها العلة الناقضة.
(المعاني) أي: العلل (الناقضة للوضوء):
(كل ما خرج من السبيلين) أي: خروج كل شيء من القبل أو الدبر؛ فيشمل البول والغائط والدود والحصاة والريح، غير أن الريح من غير الدبر لا تنقض؛ فلذا قال: (وإن خرج من قُبُل الرجل أو المرأة ريح منتنة؛ الصحيح أنه) أي: الوضوء (لا ينتقض. كذا ذَكَره في "المحيط") ولا خلاف في أن الخارجة من الذَّكَر غير ناقضة، وكذا غير المنتِنة إذا خرجت من الفرج، وأما المنتِنة فقيل: تنقض والصحيح أنها لا تنقض؛ بل الصحيح أن الخلاف إنما هو في الخارجة من فرْج المُفْضاة، ولا خلاف في غيرها.
(وإن خرج) أي: (الريح من المُفضاة) وهي: التي انقطع الحجاب بين قُبُلها ودبُرُها فاتصل المسلكان؛ فعن محمد (يجب عليها الوضوء) للاحتياط.
(وذكر في "جامع قاضي خان") وكذا في غيره؛ أنه (يستحب لها أن تتوضأ) للاحتمال مع أن طهارتها ثابتة بيقين فلا تزول بالشك، و لكن قيل كون الريح من الدبر -
وهو الغالب- يُرجِّح أنها من الدبر، وقيل إن كان مسموعاً أو منتناً نقض وإلا فلا. وفي "الخلاصة" لو خرج من الدبر ريح يعلم أنه لم يكن من الأعلى فهو اختلاج لا وضوء عليه.
(وكذا الدود والحصاة إذا خرج من أحد هذين الموضعين فعليه الوضوء) لِاستِتْباع الرطوبة؛ وهي حدث في السبيلين وإن قلَّت بخلاف الريح.
(وإن خرج الدود من الفم أو من الأذن أو من الجراحة لا ينقض) الوضوء؛ لأن الدودة طاهرة وما عليها من البِلَّة غير ناقضة لقِلَّتها وعدم قوة السيلان فيها.
(وإن أدْخل المِحْقَنة) دبُرهُ (ثم أخرجها؛ إن لم يكن عليها بِلة لا ينقض) إدخالها الوضوء، (والأحوط أن يتوضأ)؛ لأن عدم وجود البِلة نادر فربما وُجِدت إلا أنها خفية،
وكذا كل شيء يُدْخله وطَرَفه خارج، وأما ما غيَّبه فخروجه ناقض لالتحاقه بما في البطن، ولذا يُفسِد الصوم بخلاف ما إذا كان طَرَفه خارجاً.
(وإن أقطَر الدُّهن في إحليله فعاد فلا وضوء عليه عند أبي حنيفة خلافاً لهما)، وذكره قاضي خان من غير ذكر خلاف، وذكر ابن الهُمام أن فيه خلافاً لأبي يوسف فقط وهو الظاهر، وإن أقطر في الفرج الداخل فخروجه ناقض اتفاقاً، وإن أقطر في الأذن ثم عاد بعد يوم من الأنف لا ينقض، وكذا إن عاد من الأذن وإن عاد من الفمنقض، وكذا السعوط لا ينقض إن عاد من الأنف بعد أيام كذا في:"فتاوى قاضي خان".
(وإن احتشى) الرَّجُل (إحليله بقطنة خوفاً من خروج البول، و) الحال أنه (لولا) ذلك (القطن لكان يخرج منه البول فلا بأس به)؛ بل يُسْتَحب إن كان يريبه الشيطان، ويجب إن كان لا ينقطع إلا به قَدْر ما يصلي الصلاة، وكذا الحُكم لو احتشى دبُره، (ولا ينقضوضوءه ما لم يخرج البول على) ظاهر (القطنة)؛ لعدم الخروج.
(وإن غابت القطنة ثم أخرجها أو خرجت) هي بنفسها حال كونها (رطبة انتقض) وضوءه، وإن لم تكن رطبة لا ينتقض كالدُّهن، بخلاف ما يغيب في الدبر؛ فإن خروجه ناقض كما لو احتقن بدُهن ثم خرج،
(وإن ابتل الطرَف الداخل) من القطنة (ولم ينفُذ) البلل إلى ظاهرها (لم ينتقض) لِما مرَّ.
(وإن سقطت) بعد إدخال طرفها (إن كانت رطبة انتقض، وإن كانت يابسة لم ينتقض.
(وكذا الحكم في كُرْسُف النساء) وهو: القطنة التي تَحتشي بها المرأة فرجها، وهو في الأصل اسم للقطن مطلقاً، (إذا سقطت) إن كانت رطبة انتقضت وإن كانت يابسة فلا (سواء كان الكُرسف في الفرج الداخل أو في الخارج، وإن كانت احتشت في الفرج (الخارج فابتلَّ داخل الحشو انتقض وضوؤها)؛ سواءٌ (نفذ) البلل إلى خارج الحشو (أو لم ينفُذ) للتيقن بالخروج من الفرج الداخل وهو المعتبر في الانتقاض؛ لإن الفرج الخارج بمنزلة القَلْفة فكما ينتقض بما يَخرُج من قصبة الذَّكَر إلى القَلفَة وإن لم يَخرُج من القَلْفَة، كذلك ينتقض بما يخرج من الفرج الداخل وإن لم يخرُج من الخارج.
(و أما إذا احتشت في الفرج الداخل)؛ فحينئذ (إن نفَذ) البلل (إلى خارجه) أي: خارج الحشو (انتقض) الوضوء (وإلا) أي: وإن لم ينفُذ إلى خارجه
(فلا) ينتقض كما في حشو الإحليل، وكذا امرأة إذا جعلت القطنة في قبلها إذا انتهت إلى الفرج الداخل فهو رحمها انتقض صومها؛ لأنه تم الدخول كذا ذكره في "الواقعات"، هذا الذي مضى كان في الخارج من إحدى السبيلين.
(أما) النَجس (الخارج من غير السبيلين فيوجب انتقاض الطهارة أيضاً عندنا على التفصيل) الذي سيُذكر؛ (خلافاً للشافعي) ومالك، وذلك (كالقيء والدم ونحوهما) من القيح والصديد، لقوله عليه الصلاة والسلام: "الوضوء من كل دم سائل". وتحقيقه في "الشرح".
(أما القيء)؛ فإنه (إذا كان ملء الفم) بأن كان لا يُمْكِن معه التكلم، وقيل أن لا يُمْكِن إمساكه إلا بتكلف؛ فإنه (ينقض) الوضوء (سواءٌ كان) ذلك (طعاماً أو ماءً أو دماً أو مرة) صفراء أو سوداء، وعن الحسن: لو قاء الطعام أو الماء من ساعته لا ينقض.
وكذا الصبي لو ارتضع وقاء من ساعته لا يكون نجساً، قيل: وهو المختار والصحيح أنه نجس في الجميع لمخالطته النجاسة، وفي "القِنْية": لو قاء دوداً كثيراً أو حية ملأت فاه لا ينقض؛ وذلك لأنه طاهر في نفسه وما يستتبِعُه قليل لا يبلُغُ ملء الفم.
(فإن كان) القيء (بلغماً لا ينقض) الوضوء (عند أبي حنيفة ومحمد سواء نزل من الرأس، أو صعد من الجوف)، وقال أبو يوسف: إن صعد من الجوف ينقض؛ لأنه نجس بالمجاورة، ولهما أنه لزج لا تتخلله النجاسة وما يتصل به قليل وهو غير ناقض، والطحاوي مال إلى قول أبي يوسف حتى قال: يُكره أن يأخذ البلغم بطرف كُمه ويصلي معه، كذا في "الخلاصة"، وفيه نظر مذكور في "الشرح".
(وإن قاء دماً) فإما أن يكون من الرأس أو من الجوف، سائلاً أو علَقاً؛ (إن كان سائلاً نزل من الرأس ينقض) اتفاقاً إن ساوى البزاق.
(وإن كان علَقاً) أي: متجمداً لا ينقض اتفاقاً، وإن غلب السائل على البزاق نقض، وكذا إن كان مساوياً بأن كان أصفر نارَنجِياً، فإن كان أقل صُفرة من ذلك فهو مغلوب فلا ينقض، وكذا الحكم إن خرج من أسنانه.
(وإن صعد الدم من الجوف؛ إن كان علَقاً لا ينقض اتفاقاً إلا أن يملأ الفم)؛ لأنه سوداء محترقة فاعتبر بسائر أنواع القيء.
(وإن كان سائلاً؛ فعلى قول أبي حنيفة ينتقض، وإن لم) أي: ولو لم (يكن ملء الفم) كسائر الدماء السائلة؛ لأنه من جِراحة في الجوف؛ إذ المعدة ليست محَلاً للدم، (وعند محمد: لا ينتقض ما لم يكن ملء الفم) اعتباراً بالقيء؛ لكونه من الجوف.
(وإن قاء طعاماً أو غيره) سِوى الدم السائل وإنما ذَكَر الطعام؛ لئلا يُتوهم أن الضمير للدم المتقدم ذكره (قليلاً قليلاً) متفرقاً وكان بحيث لو جُمِع يملأ الفم؛ يُنْظر (إن اتحد المجلِس) بأنَّ قاء الجميع في مجلس واحد (يُجْمَع عند أبي يوسف) ويُحكَم بالنقض، (وقال محمد: إن اتحد السبب) وهو الغثيان يُجمَع ويُحكَم بالنقض؛ (وإلا فلا) وهو الأصح؛ لأن الأصل إضافة الأحكام إلى أسبابها (وتفسير اتحاد السبب؛ أنه) أي: الاتحاد كائن (إذا قاء ثانياً قبل سكون النفس عن الغثيان والهيجان) أي: الاضطراب والحركة لدفع المعدة ما لا تطيقه، وكذا ثالثاً ورابعاً فهذا هو تفسير اتحاد السبب.