شرح مشكلات القدوري
لبدر الدين، محمد بن محمود الكردري
المعروف بخواهر زاده
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
ترقيم الكتاب موافق للطبعة
جارٍ تحميل الكتاب…
شرح مشكلات القدوري
لبدر الدين، محمد بن محمود الكردري
المعروف بخواهر زاده
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
ترقيم الكتاب موافق للطبعة
بسم الله الرحمن الرحيم ...
قوله: (الحمد لله)؛ الألف واللَّام لجنس الحمد عند أهل السُّنة والجماعة؛ بناءً على مسألة خلق الأفعال، فعند أهل السُّنة الخالق هو الله تعالى، فلا يستحقّ غيرُه الحمد، وأمَّا عند المعتزلة: العبد خالق الأفعال، فيستحقّ الحمد، فيكون على مذهبهم مُعظَمُ الحمد لله تعالى.
قوله: (العالمين)؛ جمع عالم، وهو اسمٌ لما سوى الله تعالى، وله أنواعٌ، فيكون الجمع باعتبار الأنواع، وإلا لا يمكن الجمع؛ لأنّ العالمَ اسم لما سوى الله تعالى، فلا يبقى شيءٌ سوى الله تعالى، كيف يصحُّ الجمع؛ لأنَّ الجمعَ: ضمُّ الشَّيء إلى أكثر منه، فلا يمكن الضمّ.
والفرق بين الحمد والمدح، الحمد: يقتضي سابقة النِّعم، والمدح: لا يقتضي؛ فَمَنَّ الله في حقِّنا أنعاماً كثيرةً، من التخّليق وإعطاء النِّعم وخلقه آدميًا مكرماً، فلأجل هذا استَعمل الحمد دون المدح، وتفسير الحمد: هو الوصف بالجميل، على جهة التَّفضيل، كذا نُقل عن برهان الدين صاحب الهداية.
قوله: (الطَّهارات) جمعٌ بالمصدر، وهو اسمٌ يقبل الجمع، وإن كان المصدر لا يثنَّى ولا يجمع؛ لأنَّ المصدر اسم جنس، وهو لا يقبل التَّعدُّد، ففي الجمع التَّعدد إلَّا أنَّه جمعٌ، باعتبار النوع، ويصحُّ الجمع في المصدر إذا أريد به النَّوع، كما يقال: ضربتين وضربات، لأنَّ الطَّهارات أنواع: طهارةٌ بالتُّراب، وطهارةٌ بالماء ... ، وطهارة الثَّوب وطهارة الموضع الذي يُصَلِّي عليه الصَّلوات.
قوله: (ففرض الطَّهارة) الفاء فيه: فاء التَّفسير، والفرض: أي المفروض والمفروض في مسح الرأس مقدراً الناصية لقوله تعالى: {وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ}، فهذه الباء لا يخلو: إمَّا أنَّ يكون للإضافة، و للتَّبعيض، فإن كان للإضافة فبظاهر الآية يقتضي جميع الرَّأس، وإن كان للتَّبعيض فبظاهر الآية يقتضي بعضاً مقصوداً، وهو ما يزيد على أقل ما يتناوله اسم المسح، وذلك مجهولٌ مفتقرٌ إلى البيان وقد ورد البيان، فلما روى المغيرة بن شعبة" أنَّ رسول الله أتى سباطة قوم فبال وتوضأ فمسح على ناصيته وخفيه" صار ذلك بياناً لمراد الآية وبياناً المجمل على الوجوب.
قوله: (على ناصيته)، لا يقال: هذا دليلٌ لا يوافق المدَّعى؛ لأنَّ المدعى مقدار النّاصية، وهو مسحٌ على النَّاصية قلنا: المسح على النَّاصية ظاهراً يوافق الرُّبع، والمدَّعى الربع، فيكون الدَّليل موافقاً للمدَّعى.
لأنّ النّاصية لا يتعين؛ لأنّه لو تعيّن يلزم ترك النّص بخبر الواحد؛ لأنَّ النص أطلق، والرُّبع عُلِمَ بفعل النَّبي - صلى الله عليه وسلم -، وإن كان النَّص يقتضي البعض، فلا يتعيَّن لأجل هذا، فعلى هذا ينبغي أن يكون الرجل ممسوحاً إذ باعتبار مقابلة الجمع بالمجمع.
فإن قيل: المسح ثبت بالسُّنَّة، والجرُّ في أرجلكم باعتبار المجاورة، وهي يجوز مع الواو ... ، كما يجوز بدون الواو، فلم يثبت المسح بالنَّص، قلنا: لا نسلم، بل ثبت باعتبار العطف، ... على محل رؤوسكم، والعطف على المحلِّ جائزٌ، كما في قوله: فلسنا بالجبال ولا الحديد. الحديد: عطف على المحل، والجبال: محلُّه منصوب؛ لأنَّه خبر ليس.
قلنا: لا يمكن العطف؛ لأنَّ الأصل أن يكون العطف على اللفظ، معما أنَّ المسح على الرأس قد بُيِّنَ حكمه بفعل النبي - صلى الله عليه وسلم -، والمسح على الرجلين ما بُيِّن حكمه بفعله، فلا يعطف معما أنَّ المسح في الرأس هو الإصابة، والمسح على الرجلين إلى الساق إمَّا وجوباً، أو استحباباً، فلا تتحقق المجانسة بينهما.
قوله: (إذا استيقظ المتوضئ من نومه)، هذا شرطٌ اتفاقاً ... ؛ لأنَّه إذا لم يكن استيقظ وأراد الوضوء، السُّنَّة: غسل اليدين فإنما قيد باعتبار أن يده مست النجاسة بالاحتمال في حال النَّوم فحينئذ قد وصل إلى النَّجاسة يده حالة النوم.
قوله: (وليس على المرأة أن تنقض ضفائرها) فالتخصيص في الرِّواية يدلُّ على نفي ما عداه، حتى أنَّ الرَّجل ينقض إذا كان علوياً، أو له شعرٌ طويلٌ قيل: أنَّه لا ينقض دفعاً للضرر عن المكلَّف.
قوله: (والمعاني): (المعاني النَّاقضة للوضوء) كلما خرج من السبيلين لقوله: {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّن الْغَآئِطِ} /ب والغائط: الموضع المطمئنُّ الذي يُقعَد للحاجة، وإنَّما صار اسمًا لها للحدث؛ لكثرة الاستعمال، كما أن العذرة قد صارت اسمًا للنجاسة، لا وضوء إلا من صوت أو ريح.
قوله: (والدَّم والقيح والصَّديد إذا خرجا من البدن، فتجاوزا لي موضع يلحقه حكم التطهير)؛ لما روى تميم الداري عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال:" الوضوء من كل دم سائل"، ولأنَّها نجاسته خارجةٌ من البدن، فكان مدخلاً في بعض الطَّهارة تأثيرٌ كالخارج من السبيلين، بخلاف ما إذا لم يتجاوز؛ لأنها معدنها وفطانها كالبول في المثانة.
أي العلل. قال الأستاذ الكردري: رحمه الله إنَّما لم يستعمل المشايخ لفظ العلل؛ احترازًا عن لفظ الفلاسفة؛ حتى استعمله أبو جعفر الطَّحاوي ....
وكفى بها تنبيهاً، أو كأنهم اتبعوا السنة، فإنها وردت بلفظ المعنى دون العلَّة على ما قال عليه السَّلام:" لا يحل دم امرئٍ مسلمٍ إلَّا بإحدى معان ثلاث"، أي العلل. ....
قوله: (على وجه الدَّفق والشَّهوات) حتّى إذا ضرب أو حمل حملاً ثقيلاً، وخرج منه المني لا يجب الغسل إذاً، احترازًا عن قول الشافعي رحمه الله، فإنَّ عنده خروج المني كيف ما كان يوجب الغسل، وإنما شرطنا الشَّهوة؛ لأنَّ الغسل يجب على الجنب بالنَّص والجنب: من به إنزال المني على وجه الشَّهوة.
قوله: (وفيهما الوضوء) لأنَّ صاحب العذر إذا خرج منه المذي يجب الوضوء، وإن لم يخرج الوقت؛ لأنَّ وضوءه لا ينتقض إلَّا بخروج الوقت؛ فلأجل هذا قيّد بقوله: (وفيهما الوضوء)، وإلَّا في البيان إخلالٌ؛ لأنَّه إذا لم يجب الغسل يجب الوضوء ضرورةً.
قوله: (وماء البحار)، هذا إضافة التَّعريف وفي ماء الزَّردج إضافة التقييد وبالفارسية اسبرك، والفرق بينهما، أنَّ إضافة الماء إلى البحار والآبار إضافةٌ إلى محلٍ، والشيء بكونه في المحل لا يكون مقيدًا، كماء الجبِّ مثلاً، أمَّا إضافة الماء إلى الزَّردج إضافة تقييدٍ؛ لأنَّ الزَّردج يغير الماء، فلا يكون ماءً مطلقاً بعد الإضافة، فلا يجوز.
أمَّا في الإضافة إلى البحار يُعلَم أنَّه ماء البحار فلا يحصل التَّقييد، فبقي ماءٌ مطلقاً، فيجوز أن يقول: كل ماء، أن يتعرف ماهيته بدون هذا الإضافة، ويفهم بمطلق قولنا: الماء وهو ماء مطلق، بخلاف ماء الباقلاء وأشباهها، فإنَّه لا يتعرف ماهيَّته بدون ذلك القيد، فلا ينصرف الفهم إليه عند الإطلاق؛ ولهذا صحَّ نفيه عن اسم الماء، ولا يقال له: يشرب فلانٌ الماء، وإن كان شرب ماء الباقلاء، ولو كان ماءاً حقيقةً لا يصح نفيه؛ لأنَّ الحقيقة لا يسقط، لا بد هذا هو الفارق بين الحقيقة والمجاز.
قوله: (ولا بماءٍ اعتصر) صحَّ قوله: (بماء بالمدَّ) أي الماء الذي اعتصر، لا المراد الشيء الذي اعتصر.
قوله: (قليلاً كان أو كثيراً) أي قليلاً كان موضع الوقوع أو كثيراً؛ لأنَّ الماء إذا كان قليلاً يتنجَّس موضع الوقوع، وما حوله أيضاً، وأمَّا إذا كان كثيراً يتنجَّس موضع الوقوع فقط، و لا يتنجس ما حوله.
قوله: (فغيَّر أحدَ أوصافه)، هذا يخالف رواية الكتب الأخرى؛ لأنَّه إذا غيَّر وصفيه يجوز التوضُّؤ أيضاً، كماء الحوض يتغيَّر طعمه ولونه.
قوله: (وموت ما يعيش في الماء لا يفسده)، قوله: (في الماء) ظرف العيش.
قوله: (فيه) متعلق بقوله وموت، أي موته في الماء، و المراد من الموت: بأن مات حتف أنفه، وهو الموت الطَّبيعي، و أمَّا إذا قطع السَّمك يتنجَّس الماء عند أبي يوسف رحمه الله فإنَّ عنده دم السَّمك نجس.
قوله: (كالسَّمك والضِّفدع) قدَّم السَّمك؛ لأنَّه لا خلاف في عدم كونه نجساً، أمَّا في الضِّفدع خلاف الشافعي رحمه الله، فإنَّ عنده موت الضِّفدع منجس، وصح الضِّفدع بكسر الدال وقيل بفتح الدال والخليل خطَّأ الفتح.
قوله: واستعمل (المستعمل: كل ما أزيل به حدث، أو استعمل /ب في البدن على وجه القربة)؛ لأنَّه استُعمِلَ فيما هو مقصودٌ في الشَّرع، بخلاف ما إذا اغتسل به ثوبًا قطيفًا؛ لأنَّه لم يحصل بذكر واحد منهما فلم يصير مستعملاً في البدن على وجه القربة.
عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله، إزالة النَّجاسة، أو إقامة القربة
لكون الماء مستعملاً شرطٌ ... ، وعند محمد رحمه الله الشَّرط: إقامة القربة، بأن نوى القربة حتى إنَّ الجنب إذا نوى إزالة النَّجاسة يصير مستعملاً بالاتفاق، وعند محمد بنيَّته القربة، وعند أبي حنيفة وأبي يوسف بإزالة النَّجاسة يصير مستعملاً.
أمَّا إذا اغتسل المتوضئ لأجل التَّبرُّد لا يصير مستعملاً بالاتفاق، وأمَّا إذا اغتسل الجنب لأجل التبرد يصير مستعملاً عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمه الله بإزالة النَّجاسة، وعند محمد رحمه الله، لا يصير مستعملاً لعدم إقامة القربة؛ لأنَّه لم ينو إقامة القربة.
قوله: (و كل إهابٍ دُبِغَ فقد طَهُر، وجازت الصَّلاة فيه والوضوء منه، إلَّا جلد الخنزير والآدمي)؛ لقوله: "أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ" كالخمر إذا تحلل، ولم يفصل بين جلد الميت وجلد الكلب وغيرها فهو على العموم؛ ولقوله - صلى الله عليه وسلم -:" وإنما حرم من الميت أكلها"؛ ولأنَّ الكلب يجوز الإنتفاع به غير ضرورةٍ، فصار كالشَّاة بخلاف الخنزير؛ فإنَّه لا يجوز الانتفاع به بحال.
وأمَّا الآدمي؛ فلأن الدباغ لا يؤثر في جلده؛ لأنَّ المقصود من الدباغ: هو الانتفاع بالجلد، وجلد الآدمي لا يجوز الانتفاع به لحرمته، وكما لا يجوز الانتفاع بشعره يوست بيراسته.
فإن قيل: لِمَ لَم يقل جازت الصَّلاة عليه وقال فيه؟ قلنا: فيه فائدة؛ لأنَّه لمَّا جازت الصَّلاة وهو لابسه، فأولى أن يجوز الصَّلاة عليه؛ لأنَّ اتِّصال اللَّابس بالثَّوب أكثر من اتِّصال المصلَّي بالمصلَّى؛ لأنَّ المصلِّي يجاور المصلَّي أمَّا اللَّابس يلازمه.
فإن قيل: لم قدَّم الخنزير على الآدمي ومن حقِّه أن يقدم الآدم لأنه مكرم؟ قلنا:
قوله: (إلَّا) مستثنى من الطَّهارة، فيكون النَّجاسة ثابتةٌ في المستثنى، والخنزير أليق بالنَّجاسة فقُدِّم لهذا المعنى، كما في قوله تعالى: {لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ} قدم الصَّوامع على المساجد في الهدّم؛ لأنَّ الصَّوامع أليق بالهدّم.
قوله: (والوضوء) فيه لطيفة؛ لأنَّ في الأرض النَّجسة روايتان بعد الجفاف إذا ابتل في رواية يعود النَّجاسة وفي رواية لا يعود النَّجاسة.
أمَّا في الإهاب لا يعود قولاً واحداً بالبلل، وإنّ كان اليبس بمنزلة الذكاة في الأرض لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "ذَكَاةُ الأرضِ يَبَسُهَا".
قوله: (إذا وقعت في البئر نجاسةٌ نزحت)؛ لأنَّ النَّجاسة إن تشيع في الماء فيتنجس ماء البئِّر؛ فوجب أن ينزح، وكان نزح ما فيها من الماء طهارةٌ لها؛ لأنَّ التبع في البئِّر فَفُصِل، فإذا أخرج منها الماء، ونبع فيها ماءٌ آخرٌ رفع النَّجس لمَّا وجه الماء فصار كالنَّجاسة تقع في الماء الجاري.
نزحت: أي البئر، لا المراد النَّجاسة، بقرينة ما ذكر بعد هذا، فإن كانت البئر معينًا لا تنزح، وإنَّما أضاف النَّزح إلى البئر للمبالغة، كما يقال: أبو حنيفة رحمه الله: كله فكذلك ها هنا، ينزح جميع ما في البئر احتياطاً.
قوله: (فإن مات فيها فأرةٌ، أو عصفورةٌ، أو صعوةٌ، أو سودانيةٌ، أو سام أبرص، نزح من عشرين دلواً إلى ثلاثين يحسب كبير الدلو وصغرها)، لما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال:" في الفأرة تموت في البئر ينزح منها ثلاثون دلواً أو أربعون دلواً".
عن علي - رضي الله عنه - ينزح منها دلاءٌ، وعن الشَّعبي والنَّخعي ينزح منها عشرين دلواً؛ لأنَّ هذا الحيوان ضعيفٌ، فهو لا يصل إلى كل الماء، وإنَّما يموت على وجه الماء، أو مَّا يقارن فلا يختلط بجميع الماء.
فالواجب إخراج ما جاوزه من الماء، فقد روى ذلك في غلبة الظَّن بما قدَّمنا واتَّبعوا فيه السَّلف والباقي من الماء جاوز ما جاوز /ب النجاسة فلا يحكم بتنجيسه؛ لأنَّ ذلك تؤدي إلى تنجيس ماء البحر وعن هذا قال - صلى الله عليه وسلم - في الفأرة إذا وقعت في السَّمن وماتت فيها إن كان جامدًا: "ألقوها وما حولها، وإن كان مائعًا استصبحوا." ولم يأمر بإلقائها ما حوله النَّجاسة.
(بحسب كبر الدَّلو) أي يقدَّر الدَّلو إذا كان الدلو عظيماً يسع عشرين دلواً من الدلو الوسط مرة واحدة يكفي قال مولانا شمس الدين الكردري رحمه الله ناقلاً عن نسخته صاحب الهداية- رحمه الله- أنَّ قوله بحسب كبر الدلو وصغره في الاستحباب لا في الواجب؛ لأنَّ الواجب عشرون دلواً في الفأرة وثلاثون دلواً بطريق الاستحباب، أمَّا مولانا رحمه الله يصرف قوله بحسب كبر الدلو وصغره على الواجب والاستحباب فإن الواجب عشرون فالاستحباب عشرة فيكون نصف الواجب.
فإذا كان من الدَّلو الوسط يسع خمسةً في دلوٍ عظيمٍ ينزح ستةً؛ لأنَّ الاثنين لأجل الاستحباب وهو عشرةٌ والأربعة وهو عشرون لأجل الواجب، وأمَّا إذا كان يسع من الدَّلو الوسط في دلوٍ عظيمٍ اثنان ينزح خمسة عشرة، عشرةٌ لأجل الواجب، وخمسةٌ لأجل الاستحباب هكذا ينزح.
قوله: (سودانية) طُوَيرَةٌ سوداءٌ طويلة الذنب، ويسمى العصفور الأسود.
قوله: (صَغُرَ الحيوان)، فإن قيل: لِمَ ما قال صغراً مكان صَغُرَ؟ قلنا: صَغُرَ فعل، والفعل لا يستحيل أن يتغير، أمّا الإسم علمٌ على الذات، فلا يَقبَل التَّغيير، والمراد وقت الوقوع، لا وقت النزح؛ فإنَّه يمكن أن يكون صغيراً وقت الوقوع ثم كبر بالانتفاخ؛ فلأجل هذا استعمل صَغُرَ أي كان صغيراً وقت الوقوع، ثم صار كبيراً بالانتفاخ ينزح عشرين إلى ثلاثين، لا الجميع أي جميع الماء.
قوله: (والماء المستعمل لا يجوز استعماله)، فإن قيل ينبغي أن يتبين ماهية الماء المستعمل، ثم يتبين حكمه أنَّه لا يجوز استعماله؛ لأن الحكم بالشيء لا يتحقق إلا بعد معرفة ماهيته، قلنا: هذا كتاب الفروع، وفي الفروع المقصود الحكم لا الماهيَّة؛ فلأجل هذا قدَّم الحكم على بيان الماهيَّة.
قوله: (وإن كان البئر مَعينًا لا ينزح، فوجب نزح ما فيها، أخرجوا مقدار ما فيها كان فيهما من الماء) وهذا قول أبي يوسف، وقد روي عن محمد رحمه الله أنَّه قال: ينزح منها مائتي دلواً إلى ثلاث مائة، وقال أبو حنيفة رحمه الله: ينزح حتى يغلبهم الماء.
وجه قوله أن ينزح جميع الماء لا يمكن، فإذا نزحت حتى يغلب الماء فقد حدث ماء آخر، ودفع ما كان في البئر إلى وجه الماء، وجه قول أبو يوسف إنَّ ما كان فيها قد نجس فوجب إخراجه، ويمكن بأن يعرف مقداره بأن يعرف في البئر قضبته يجعل معياراً ويعلم فيها علامة مع وجه الماء ثم استقى الدلاء، وجه قول محمد رحمه الله، هو أن غالب الآبار أنَّها لا يزيد على هذا القدر فاعتبر الغالب.
ينبغي أن يقال معينةٌ؛ لأنَّ البئر مؤنَّث سماعي، إلَّا أنَّه على وزن فعيل، يستوي فيه المذكَّر والمؤنَّث؛ لأنَّ هذا الوزن بعيد من الأفعال، فإدخال التَّاء لتفرقه في الفعل.
في قوله: (معيناً) وجهان أحدها من مَعَنَ الماء: أي كثيراً، ومن العين، كما أنَّ المكان من مكن أو من الكون، فإن كان من مَعَنَ: يكون الميم أصلياً، ويكون سالماً، وإذا كان من العين: الميم زائدٌ، و يكون أجوفاً، كما أنَّ المكان إذا كان من مَكَنَ يكون وزنه فَعَال، وإذا كان من الكون يكون وزنه مفعل.
قوله: إذا كانوا توضئوا، (وإذا وجد في البئر فأرةً، أو غيرها لا يدرون متى وقعت فيها، لم تنتفخ ولم تنفسخ، أعادوا صلاة يومٍ وليلةٍ، إذا كانوا توضَّئوا منها، وغسلوا كلَّ شيءٍ أصابه ماؤها، وإن كانت انتفخت أو تفسَّخت، أعادوا صلاة ثلاثة أيَّامٍ ولياليها، في قول أبي حنيفة، وقال أبو يوسف ومحمد ليس عليهم إعادتهم حتَّى يتحقق متى وقعت).
ووجه قول أبي حنيفة هو استحسان، إن وقع الحيوان في البئر بسبب لموته، فالظّاهر أنَّ الموت حصل من ذلك السَّبب، وإن جاز أن يكون من غيره، ألا ترى أن من جرح رجلاً فلم يزل /ب صاحبَ فراشٍ حتى مات، فالظَّاهر أنَّ الموت من الجراحة، فإن جاز أن يكون من مرضٍ حادثٍ إلَّا أنَّ الغالب أنَّها لا تطفوا في أقل يوم وليلة، فأوجب إعادة صلاته يوماً وليلة، وماذا عليه مشكوك فيه فلم يوجب بالشك.
حتى إذا لم يتوضأ، بأن كان وصل إلى ثوب المصلِّي من ماء هذا البئر، فصلَّى ثمَّ خرجت الفأرة، لم يعد صلاته لأنَّه لم يتوضأ منه.
قوله: (مشكوكٌ) قال أبو طاهر الدباس - رحمه الله: حاشا أن يكون حكم الله مشكوكًا. لأن الجهل أوجب الشك، تعالى الله عن ذلك، بل ينبغي أن يقال محياطًا أو يقال موقوفًا إلَّا أنَّ الأصحَّ أن يقال: مشكوكًا؛ لأنَّ العمل بالدَّليل نوعان:) التَّوقف عند التَّعارض،) والعمل عند الانفراد، حتَّى إذا لم يعمل حالة الانفراد يكون إهمالاً للدليل، كذلك العمل عند التَّعارض إهمالاً بل العملُ عند التَّعارض التَّوقف، فيكون التَّوقف عملاً كالعمل عند الانفراد.
فإن قيل: كما أنَّ الدَّليل تعارض في فصل الحمار، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -:" كُلْ مِنْ سَمِينِ مَالِكَ"، مع قوله: "اكفئوا القدور"، تعارض الدَّليلان، كذلك في الهرَّة تعارض الدَّليلان، وهو قوله عليه السلام: "الهرة ليست بنجسة"، وقوله:" الهرة سبع"، ينبغي أن يكون سؤر الهرَّة مشكوكًا كالسؤر الحمار.
قلنا: في فصل الهرَّة النَّجاسة ثبتت بمقتضى الحديث، وهو قوله عليه السلام: "الهرة سبعٌ"، فإذا كان سبعاً يكون نجساً، أمَّا الطَّهارة يثبت صريحاً لقوله عليه السلَّام:" ليست بنجسة"، بإرداف ... الدَّليل لقوله عليه السلام: "الهرة ليست بنجسةٍ" وهو قوله: "فإنَّما هي من الطَّوافين" والصَّريح لا يعارضه المقتضى.
أما في فصل الحمار كلا الطرفين مقتضى، وقوله عليه السلام: "اكفئوا القدور"، يقتضي النَّجاسة، وقوله عليه السلام: "كل من سمين مالك"، يقتضي الطَّهارة، فكذلك قلنا بالشَّك سؤر الحمار والكراهة في سؤر الهرَّة.
فإن قيل: ينبغي أن لا يثبت الشكُّ، كانت بأن يثبت الحرمة، فعلى هذا ينبغي أن يرجِّح الحرمة؛ لقوله عليه السلام: "ما اجتمع الحلال والحرام إلا وقد غلب الحرامُ الحلالَ"، قلنا: التَّرجيح مؤخَّرٌ عن الجمع، وهاهنا الجمع ممكن، بأن تيمم وغسل؛ فإن كان الجمع ممكنًا فلا يصار إلى التَّرجيح.
أو نقول في التَّفرقة بين الهرة والحمار: وهو أنَّه لا معارضة بين قوله: ... "الهرَّة ليست بنجسةٍ" وبين قوله: ... "الهرة سبعٌ"؛ لأنَّ قوله:" ليست بنجسة"، يثبت النَّجاسة أيضًا؛ لأنَّ الحكم الثابت في حالة الضَّرورة يدل على عدم ذلك الحكم في غير حالة الضَّرورة، كأكل مال الغير حالة الضَّرورة، ... يحلُّ تناوله ولا يحل في غير حالة الضرورة، كذلك عدم النجاسة في حالة الطواف، تدل على نجاسته مطلقاً، فلا يكون بينهما معارضةٌ.
باب التَّيمُّم
التَّيمُّم في الشَّريعة عبارةٌ عن: القصد المعيَّن، وفي اللُّغة: مطلق القصد، ثم صار إلى القصد المعيَّن كالصّارم أُطلق على القاطع ثمَّ أُطلق على السَّيف، فيكون خروجًا من العموم إلى الخصوص، ....
في اللغة المعاونة على نزح الماء كانت مثل صار على المطلق المعاونة فيكون خروجًا من الخصوص إلى العموم.
والمُصَنِّفُ تخلق بأخلاق الله، كما قيل: تخلَّقوا بأخلاق الله، أي استنُّوا بسنَّة الله تعالى، والله تعالى ذكر الطَّهارة بالماء ثمَّ التَّيمُّم، كذلك المصنِّفُ، ذكر الطَّهارة أولاً، ثمَّ ذكر التَّيمُّم بعده.
إلَّا أنَّ الله تعالى قدَّم المرض على السَّفر بقوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ} والمصنِّف قدَّم السَّفر على المرض؛ لأنَّ تقديم الله للتَّقوية على المرض في قلب المريض، كما قدم الحاج الراجل على الراكب بقوله تعالى: {يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ}؛ لتقوية الرَّاجل، وهذا التقوية من العبد لا يمكن فلهذا قدم المصنِّف السفر؛ لأنَّه فعلٌ اختياريٌ والمرض فعلٌ اضطراريٌ، والاختياري راجح.
قوله: (أو خارج المصر) (ومن لم يجد الماء وهو مسافرٌ أو كان خارج المصر، بينه وبين المصر نحو الميل أو أكثر، وكان يجد الماء إلَّا أنَّه مريضٌ؛ إن استعمل الماء اشتدَّ مرضه، أو خاف و إن اغتسل بالماء /ب أن يقتله البرد أو يمرضه فإنَّه تيمَّم بالصَّعيد).
اعلم أنَّ التَّيمُّم في اللُّغة: القصد، وفي الشَّريعة عبارةٌ عن: قصدٌ إلى شيءٍ مخصوصٍ، فالاسم شرعي فيه معنى اللُّغة لأنَّ أهل اللُّغة لا يعرفونه.
والأصل في جواز التَّيمُّم قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} وقوله - صلى الله عليه وسلم -:"التراب طهور المسلم ما لم يجد الماء"، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "جُعِلَتْ لي الأرضُ مسجدًا وطهوراً))، أينما أدركتني الصَّلاة تيممت وصليت"، إنَّما المسافر فلقوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ}.
وأمَّا الخارج من المصر، قدر ميلٍ أو أكثر؛ فلأنَّ الغالب من أهل المكان عدم الماء، فصار كالمفاوز عن هذا يجوز للمسافر إذا قدم من سفره وقصد دخول مصرٍ، أن يتيمَّم فيه إذا بلغه.
وأمَا المريض فلقوله تعالى: {وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى}؛ ولما روي أنَّه مجدوراً أصابته جنابةٌ في يومٍ شديد البرد، فسأل أصحاب النَّبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك فقالوا: ما نرى لك من رخصةٍ في التَّيمُّم وإن تجد الماء فإن اغتسل فمات من ذلك فأُخبِرَ النَّبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: "قَتَلُوهُ قَتَلَهُمْ اللهُ ألا تيمموا أَلَا سَأَلُوا إِذْ لَمْ يَعْلَمُوا فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالُ".
ولأنَّ فرض الوضوء يسقط إذا اضطرَّ، بما له بدلالة من لم يجد الماء إلَّا بثمنٍ كثيرٍ؛ فلأنَّ يسقط إذا اضطر بنفسه أو كان أو ليلاقه حرمة النفس أعظم من حرمة المال وأما من يخاف المرض من البرد فلما روي عن عمرو بن عاص كان أميرًا على سريةٍ فيها عمر بن الخطاب فأصبح جنباً، فتيمَّم وصلَّى، فلمَّا قدموا على النَّبي - صلى الله عليه وسلم - قال له عمرو: إنَّه صلَّى بنا وهو جنبٌ فقال: له النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مَا حَمَلَكَ عَلَى هَذَا" قال إنِّي خشيت البرد، وسمعت الله تعالى يقول: {وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ .. } الآية، فضحك منه - صلى الله عليه وسلم - فلم يأمره بالإعادة.
مرفوعٌ ومنصوبٌ محله، يعني عطف على محل أو هو مسافر؛ لأنَّ هذه الجملة جملة حاليَّة، والرَّفع عطفٌ على الخبر وهو قوله (مسافر أو هو خارج المصر)، إنَّما قيَّد خارج المصر؛ لأنَّ الماء يوجد في المصر غالبًا، حتى إذا لم يكن خارج المصر ولا يجد الماء الحكم لا يتفاوت.
قوله: (نحو الميل أو أكثر)؛ لأنَّه إذا عرف الحكم في الميل يعلم في الأكثر ضرورةً ما الفائدة في قوله: (أو أكثر)؟ قلنا: الذي علم بشهود الذهن يأتي بالصَّريح، وهذا جائزٌ كما في قوله تعالى: {نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ}؛ ولأنَّ المسافة تعرف بشعورٍ بالحزر والظَّن.
فقال لو كان في ظنِّه أن بينه وبين الماء نحو الميل أو أكثر يجوز له التَّيمُّم، وإن كان نحو الميل أو أقل لا يجوز له التَّيمُّم، حتى لو تيقَّن) أنَّه نحو ميل أو أكثر يجوز له التَّيمُّم؛ ولأنَّ تقدير ... الشَّرع على أنواع إلى آخرها.
أو نقول في ذكر الأكثر فائدةٌ، وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة رحمه الله، أنَّه إذا كان في يمينه أو خلفه أو شماله يقدِّر بالميل أمَّا إذا كان من قدَّامه يقدِّر بالميلين؛ لأنَّ في اليمين والشمال التقدير بالميلين أيضاً حقيقةٌ؛ لأنَّه يذهب ويجيء فيكون في الميلين، أمَّا في القدام لا يحتاج إلى المجيء ويكون التَّقدير في الكل ميلين.
قوله: (اشتدَّ مرضه) أي يحلُّ له التَّيمُّم إذا اشتدَّ المرض، وكذلك يحلُّ إذا توهم بطؤ البرء، والمناسبة بين القضايا الأربع أعني السفر والمرض والجنابة والحدث فإن كان بين السفر والمرض تفاوت، و بيان التفاوت: وهو أن المقيم إذا نوى الصوم في رمضان ثم سافر لا يحل له الإفطار، بخلاف ما إذا مرض يحل له الإفطار، وإذا أكل ثم سافر لا يسقط الكفارة الواجبة بالأكل، أما إذا مرض يسقط الكفارة الواجبة بالأكل.
بيان المناسبة: وهو أنَّ في السَّفر والمرض لم يذكر الشَّرط، وهو الحدث وفي الجنابة والحدث ذكر الشَّرط؛ لأنَّهما شرطان ولم يذكر السَّبب وهو الخوف من العدو، ومن ازدياد المرض، وعدم قدرته إلى ثمن الماء، فيكون ذكر الشَّرط هاهنا ذكراً.
ثمة وذكر السبب ثمة يدل على السَّبب هاهنا كما في قوله تعالى: {أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ}، ثابتٌ خبر ولم يذكر الظَّرف وهو قوله في الأرض، /ب وَذَكَرَ الظَّرف ولم يذكر الخبر، وهو عالي ليكون ذكر الظَّرف ثمَّ دليلاً على الظَّرف ها هنا، وذكر الخبر ها هنا ذكر الخبر ها هنا ثمة تقديره ثابتٌ، ثابتٌ في الأرض وفرعها عالي في السَّماء.
وكذلك في الميراث بيَّن نصيب البنت الواحدة وهو النِّصف، والثَّلاثة في البنات الثُّلثين، ولم يبيِّن نصيب البنتين، وفي الأخوات بيَّن نصيب الواحدة وهو النِّصف، وبيَّن نصيب البنتين، ولم يتبين نصيب الثَّالثة، ليكون البيان في الأخوات في الثنتين بياناً في البنتين ... والبيان في البنتين في الثلاثة بياناً في الأخوات في الثَّلاثة.
قال مولانا شمس الدين الكردري رحمه الله ناقلاً عن الإحقاق لطيفةً: وهو أنَّ الماء مزيلٌ للنَّجاسة، والتُّراب مزيلٌ للرُّطوبات النَّجسة، ولهذا يدبغ الجلد بالتُّراب.
والنَّار تزيل الوسخ يقال بالفارسية: زكاد، فالمؤمن إذا توضَّأ وتيمَّم، لا يبقى النَّجاسة والرُّطوبة فلا يدخل النَّار، وأمَّا الكافر لا يستعمل الماء ولا التُّراب، فيبقى في الوسخ فيحتاج إلى دخول النَّار.
قوله: (من جنس الأرض) (ويجوز التيمم عند أبي حنيفة ومحمد: بكل ما كان من جنس الأرض، كالتُّراب والرمل والحجر والصخرة والنورة والكحل والزرنيح، وقال أبو يوسف: لا يجوز إلَّا بالتُّراب والرَّمل).
وجه قولهما قوله - صلى الله عليه وسلم -: "جُعِلَت لي الأَرضُ مسجداً وطهوراً، أينما أدركتني الصَّلاة تيمَّمت وصليت".
والأرض عبارةٌ عن سائر أجناسها؛ ولأنَّ كل بقعةٍ من الأرض جاز الصَّلاة عليها والتَّيمُّم فيها جائزٌ لبقعة التُّراب.
وجه قول أبو يوسف ما روى علي ابن عباس أنه قال: الصَّعيد التُّراب أمَّا إذا احترق لا يصير رماداً، وإذا انطبع لا ينطبع، وكل ما احترق فيصر رمادًا ليس من جنس الأرض.
فالتَّيمُّم بالتُّراب خلفٌ عن الماء ... عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف رحمه الله التراب خلفٌ عن الماء، حتى يجوز اقتداء المتوضِّئ بالمتيمِّم؛ لأنَّ كل واحدٍ صاحب أصلٍ، وعند محمد والشافعي - رحمة الله عليهما- لا الخلفية بين التَّيمُّم والوضوء حتى لا يجوز اقتداء المتوضئ بالمتيمِّم.
وعند الأوزاعي والأعمش: التيمم إلى الرسغ وعن الزهري: إلى الآباط والمرفق داخل في التيمم عند الكل وعند ابن سيرين: التيمم ثلاث ضربات: ضربة للوجه، وضربة للذراعين، وضربة للوجه والذراعين.
قوله: (ويجوز أن يصلِّي ما شاء من الفرائض والنَّوافل)؛ لأنَّ كلَّ طهارةٍ جاز فعل النَّفل بها جاز فعل الفرض بها، كالطَّهارة ... بالماء والتَّيمُّم قبل أن يصلِّي به فرضاً.
وعند الشافعي رحمه الله: التَّيمم نظير طهارة المستحاضة، أي الطَّهارة جائزةٌ مع الحدث، كذلك ها هنا يجوز التَّيمم مع الحدث، حتى لو تيمَّم قبل الوقت لا يجوز، ولا يجوز أداء الفرضين بتيمُّمٍ واحدٍ؛ إلّا أنَّ الوقت في المستحاضة أُقِيم مقام صلاةٍ واحدةٍ في حق التَّيمُّم عند الشَّافعي رحمه الله تيسيرًا.
وعندنا التَّيمُّم بمنزلة طهارةٍ كاملةٍ، فيصلِّي ما شاء في الوقت وبعد خروج الوقت تيسيرًا، وهذا بناءً على أنَّ التُّراب عندنا بدلٌ عن الماء لرفع الحدث، وعنده بدلٌ عن الوضوء لإباحة الصَّلاة.
قوله: (والولي غيرُه)، ويجوز التَّيمُّم للصَّحيح في المصر، إذا حضرت الجنازة والولي غيره؛ لأنَّ الصَّلاة على الجنازة وصلاة العيد لا تعاد، فلو أمرناه بالوضوء لم يتوصَّل به إلى الصَّلاة، وإلى ما يقوم مقامها، والوضوء لا يجب لغير الصَّلاة، وإذا أسقط الوضوء وهو مخاطبٌ بفعل الصَّلاة جاز له التَّيمُّم كالمريض.
حتى إذا كان المتيمِّم الولي، لا يجوز التَّيمُّم لعدم الفوت وهو أنَّه ينتظر له، وفي رواية يجوز التَّيمُّم للولي أيضًا.
قوله: (جنازةٌ)، والضَّابط في الجنازة، بكسر الجيم: الخشب الذي عليه الميت، وبفتحها أي الميت، والفوق يدل على الفوق والكسر يدل على التحت.
قوله: (وإلَّا صلَّى الظُّهر أربعاً)، وإنّما قيَّد أربعاً، وإن كان الظُّهر لا محالة /ب أربعاً؛ لإزالة الشُّبهة؛ لأنَّ الجمعة خلفٌ عن الظُّهر عندنا؛ لأنَّ يوم الجمعة يومٌ كسائر الأيام، وفي سائر الأيام الظُّهر أصلٌ، كذلك في يوم الجمعة، وههنا قال: صلي الظهر أربعًا عند فوتها فترد الشُّبهة على السَّامع، أنَّه يصلِّي الرَّكعتين؛ لأنَّ الجمعة ركعتين، فلدفع تلك الشبهة قال: صلَّى الظُّهر أربعًا.
قوله: (والمسافر إذا نسي الماء في رحله)، وفائدة قوله: (في رحله)، حتى إذا كان معلَّقاً على عنقه فنسي وتيمم وصلى، يعيد الصَّلاة بعد التَّذكر، وفائدة قوله: (نسي) حتّى إذا توهَّم أنَّ الماء فني، وتيمم وصلى ثم علم أن الماء كان لم يفن يعيد الصَّلاة، وفي المسألة تفاصيل حتى إذا كان الناسي راكباً فالمطهرة إن كان معلقاً قدّام الدّابة لا يكون عذراً وإذا كان خلف الدابة يكون عذرا لأنَّه لم يره.
وإذا كان النّاسي سائقًا، فجواب المسألة على العكس، وإذا كان خلف الدّابة لا يكون عذرًا، وإذا كان قدام الدابة يكون عذرًا، وأمّا إذا كان الناسي قائداً يكون معذورًا في الحالين سواء كان معلقاً خلف الدابة أو قدامها، والمسألة في خلاصة الفتاوى.
قوله: (فإن كان مع رفيقه ماء طلبه)، والطَّلب إذا كان في موضعٍ لا يعرف فيه الماء، فإذا كان الماء عزيزًا يجوز التَّيمُّم قبل الطَّلب، حتّى لو تيمَّم قبل الطَّلب في غرة الماء ثم دفعه صاحب الماء يعيد الصَّلاة؛ لأنَّه يعلم أنَّه يدفعه فيكون التَّيمُّم مع كونه قادراً على الماء وهذا لا يجوز.
باب المسح ...
(المسح على الخفَّين): الخفُّ الشَّرعي إلى الكعب، فهذا الباب ينبغي أن يكون مقدماً على باب التَّيمُّم؛ لأنَّ المسح يدل عن الغسل فيكون مذكوراً عند الغسل، إلّا أنَّه أخر لثلاثة معان، أحدها: أنَّ التيمم بوضع الله تعالى، والمسح بفعل العبد واختياره، فيكون التَّيمُّم أقوى، والثانية: أن التَّيمُّم بدل الكلِّ والمسح بدل البعض، وبدل الكل أقوى.
والثالثة: أن التَّيمُّم ثابتٌ بالكتاب، والمسح ثابتٌ بالسُّنَّة، على ما هو أصح، فعند البعض المسح ثابتٌ بالكتاب، بالعطف على برؤوسكم.
قوله: (جائزٌ بالسُّنَّة من كل حدثٍ موجبة الوضوء إذا لبس الخفين على الطهارة ثم أحدث فإن كان مقيمًا مسح يوم وليلة وإن كان مسافرًا فمسح ثلاثة أيام ولياليها ابتداؤها عقيب الحدث).
لما روي عن عائشة أنها قالت: "مازال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمسح على الخفين بعد نزول المائدة حتى قبضه الله تعالى"، وعن حسن البصري قال: حدثني سبعون رجلاً من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنَّهم رأوه يمسح على الخفين.
وروي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: "المسح للمقيم يومٌ وليلةٌ، وللمسافر ثلاثة أيامٍ وليالها" على الخفين إن لبسهما وهو متوضِّئ، وروي عن صفوان بن عسَّال المرادي أنَّه قال: "أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا كنّا سفراً لا تُنزع خفافنا ثلاثة أيامٍ إلَّا من جنابةٍ، لكن من غائطٍ أو بولٍ، أو نومٍ"؛ لأنَّ الحدث تتكرر في كلِّ وقت، فيشقُّ على الإنسان نزع الخفِّ، والجنابة لا تتكرَّر فلم يشق نزعه.
ولم يقل: واجبٌ إنَّما قال: (جائزٌ)؛ لأنَّ العبد مختارٌ في المسح، فلو ترك الرُّخصة وأخذ بالعزيمة: أي الأصل فهو جائزٌ، فلهذا قال جائز وفي جواز المسح جاءت السنن، منها أنَّه روى مسح النَّبي - صلى الله عليه وسلم - قبل نزول المائدة وبعده حتى قُبِضَ النبي - صلى الله عليه وسلم -، وروي عن النَّبي - صلى الله عليه وسلم -، يوم الخندق توضأ وضوءًا واحدًا لخمس صلوات ومسح على الخفين.
روى أنَّه قال الحسن البصري رحمه الله حدَّثني سبعون رجلاً من أصحاب النَّبي - صلى الله عليه وسلم - أنَّهم رأوه يمسح على الخفين.
والغسل أفضل؛ لأنَّ فيه استدامةٌ، أمَّا المسح ففي أسباب الانتقاض كثيرةٌ، من نزع الخف، ومضي المدَّة ونحوهما.
قوله: (إذا لبسهما على طهارةٍ كاملةٍ)، إنَّما قيَّد كاملةً؛ لأنَّه /ب إذا توضَّأ بسؤر الحمار والنَّبيذ، أمَّا في سؤر الحمار قيل: أنَّه يجوز المسح، والمسألة في الزِّيادات، والنبيذ لا يجوز له أن يمسح؛ لأنَّه لم يلبس على طهارةٍ كاملةٍ.
قوله: (إذا لبسهما)، وأنشأ اللَّبس ليس بشرط؛ لأنَّ اللِّبس يقبل الدوام فيكون لدوامه حكم الابتداء حتى إذا حلف لا يلبس ولم ينزع في الحال حنث، ونظيره بأن غسل الأعضاء دون الرجل ولبس الخف ودخل الماء في خفه ثم أحدث فتوضأ يجوز المسح فلا يحتاج إلى إنشاء اللبس.
قوله: (وابتداؤها عقيب الحدث)، بأن لبس الخفَّين ولم يحدث إلى الظُّهر مثلاً فيكون ابتداؤها من الظُّهر، لا من وقت اللِّبس؛ لأنَّ الخفَّ يمنع طربان الحدث في الرجل، فيعتبر من وقت الحدث لا من وقت اللِّبس.
قوله: (ثمَّ أحدث)، يدلُّ على أنَّ المستحاضة والمتيمِّم ومن بمعناهما، لا يجوز لهما أن يمسح بعد خروج الوقت؛ لأنَّ الحدث مقارن لهما.
قوله: (من أصابع اليد) روى أبو الحسن الكرخي عن أبي حنيفة رحمه الله، من أصابع الرِّجل.
فقوله: (من أصابع) يدل على أنَّ الغسل يبدأ من الأصابع؛ لأنَّ المسح بدلٌ عن الغسل، وفي المسح يعتبر الأصابع كذلك في المبدل.
قوله: (مقدار ثلاث أصابع) معتبر لا عين الثلاث، ولهذا لو مسح بإصبعِ واحدةَ ثلاث مرات، والماء يسيل من الإصبع يجوز.
أما في الخرق الثلاث معتبرة، ولهذا لو خرج إبهامه وإبهامه كبير مقدار الثلاثة لا يكون مانعاً للصَّلاة؛ لأنَّ في موضع النَّص لا يعتبر المعنى بل يعتبر المنصوص، فأمّا إذا كان الموضع الذي فيه الإصبع يعتبر الإصبع لا المقدار، أمّا في الموضع الذي فيه الإصبع معدوم فيعتبر المقدار فعند البعض الوضع مع الكف مراد في المسح، وعند البعض وضع الأصابع فقط.
قوله: (يبين منه) التبيين مراده عند المشي، لا حالة الوضع، حتى إذا كان الصرم صرم تركي والخرق كبيرٌ لكن لا يتبين لصلابته، لا يكون مانعًا للمسح.
الأصحُّ أن يقال: كبيرٌ بالباء الموحَّدة، لا بالثّاء المثلَّثة؛ لأنَّ في الكم المنفصلة تستعمل الكثرة والقلة، وفي الكم المتصلة يستعمل الصغير والكبير فالخفُّ كم متصلةٌ فلا يذكر إلا الكبير لا الكثير مستعملاً.
في الزيادات قال المراد أصغر الأصابع وفي موضع آخر المراد مطلق الأصابع.
قوله: (جائزٌ بالسُّنَّة)، ولم يقل جائزٌ بالحديث؛ لأنَّ الحديث يختصُّ بالقول، أمَّا السُّنَّة يتناول الفعل والقول، والدَّليل الذي يقتضي العموم أولى لأجل تكثير الفائدة.
قوله: (ولا يجوز المسح على الخفين لمن وجب عليه الغسل)، قال شمس الأئمة: بأن غسل الجُنُبُ سائر جسده دون الرجلين، و رفع الرجلين، ثمَّ بعد ذلك أراد أن يمسح على الرجلين، لا يجوز بالحديث المشهور.
وغيره تكلَّف فيه وعيَّن صورتين منهما: إذا توضَّأ وغسل رجليه ثمَّ أجنب، ثمَّ وجد ماءً يكفي للوضوء ولا يكفي للغسل، يتوضَّأ ولا يمسح وينزع خفيه، ومنها: إذا توضَّأ وغسل رجليه ولبس خفَّيه ثمَّ أجنب ثمَّ تيمَّم لعدم الماء، ثمَّ مرَّ بالماء تعود جنابته، ثمَّ وجد ماءً يكفي للوضوء يتوضَّأ ويغسل رجليه ولا يمسح.
قوله: (فإذا تمت المدَّة انتقض مسحه)، إنَّما ينتقض إذا لم يتضرَّر باستعمال الماء، أمّا إذا تضرَّر، أو كان في الفلاةٍ ولم يجد الماء يجوز المسح، ولم ينتقض مسحه بمضي المدَّة.
فإن قيل: إذا انقضى مدَّة مسحه يغسل رجليه، ولا يجب استئناف الوضوء. ينبغي أن يستأنف؛ لأنَّ الوضوء لا يتجزَّأ ثبوتاً وزوالاً، فإذا انتقض في البعض ... ينتقض في الكل. قلنا: لا ينتقض؛ لأنَّ الموالاة ليس بشرط عندنا، فلا يجب الغسل بمرةٍ واحدةٍ، فإذا تمت المدَّة يعمل الحدث الأوَّل؛ لأنَّ الخفَّ كان مانعاً سراية الحدث، /ب فلا يبطل الوضوء، فلا يجب الاستئناف.
قوله: (مجلدين) بأن يجوز بالمجلد إلى الكعب.
قوله: (منعلين) كف ياي جرم كرفته بوذ!.
قوله: (ومن لبس الجُرمُوق) و هذا تعريب بربوك بالفارسية سَر مُوزَه قيل: الجرموق بمنزلة خف ذي طاق قلنا: لبس الجرموق بمنزلة الخفِّ ذي طاقين؛ لأنَّه إذا رفع إحدى الطَّاقين لا يجوز المسح على الآخر، وها هنا لو نزع الجرموق يجوز المسح على الخفِّ الذي تحت الجرموق.
قوله: (لا يشفان) صحيحٌ، وقوله: (لا ينشفان) خطأٌ و أي خطأٍ، من حيث الرِّواية أن الرواية غيره، أمَّا من حيث اللُّغة فصحيحٌ بالفارسية ... نجو يشتن درجيذه باشد.
قوله: (لا يشفان) تأكيدٌ لقوله: (ثخينين).
قوله: (ويجوز المسح على الجبائر وإن شدها على غير وضوء)؛ لما روي عن علي - رضي الله عنه - أنَّه كُسِرَت يده يوم أُحد لسقط اللِّواء فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "اجعلوها في اليسار فإنَّه صاحب اللواء في الدنيا والآخرة" فقال يا رسول الله: ما أصنع بالجبائر قال: امسح عليها"، ولم يستفصل أنَّه شدَّها على وضوءٍ أو غير وضوء.
قيل: الاستيعاب شرطٌ، أي الخرقة والعقدة التي تربط، وقيل: الاستيعاب ليس بشرطٍ، ويمسح على العقدة التي عقد الجبائر.
ولا يقال: المسح بدل الغسل، والغسل إلى الكعاب ينبغي أنَّ المسح أيضاً إلى الكعاب، لا إلى الساق، قلنا: ينبغي أن يكون كذلك، إلَّا أنَّ النَّبي - صلى الله عليه وسلم - فعل كذلك، فثبت بفعل النَّبي - صلى الله عليه وسلم - السُّنَّة إلى الساق.
و أمَّا الفرض مجرَّد الوضع بمقدار ثلاثة أصابع معما أنَّ السَّاق مبتدأة الكعب؛ لأنَّ المسح على وجه الرجل، وإن كان المسح على طرف الرجل جائزٌ، أمَّا تحت القدم ليس بمحلٍ للمسح، وعند مالك يجوز، فإذا كان وجه الرجل محل ولا كعب في وجه الرجل فلذلك قال: إلى الساق وإلَّا لا تفاوت بين الساق والكعب.
قال مولانا شمس الدين الكرداري رحمه الله، ناقلاً عن شيخه صاحب الهداية: فلو كان الخفُّ مانعاً سراية الحدث، ينبغي أن لا يمسح ولا يغسل رجليه بعد النزع؛ لأنَّ الخفَّ قد منع. قلنا: ينبغي أن يكون كذلك إلَّا أنَّه إنَّما مسح لأجل أن لا يكون عضو من أعضائه خاليا عن الطَّهارة، فلهذا مسح، والمسح يجوز إذا ابتدأ من طرف السَّاق.
وإذا مسح على عرض الرِّجل أيضاً يجوز، إلَّا أنَّ السُّنة الابتداء من أصابع الرجل إلى الساق.
باب الحيض
الحيض عبارةٌ عن دمٍ غبيطاً، أسود محتدم غبيط خوز تازة، محتدمٍ شديد الحمرة، ومناسبة باب الحيض بعد باب المسح على ثلاثة أوجه، أحدها: أن المسح بيان مدته وبعد انقضائها يثبت الحكم وها هنا يثبت الحكم في امتداد المدَّة؛ لأنَّه لا حيض في أقلَّ من ثلاثةِ أيامٍ.
والثانية: الحيض موجب الحدث، والخف مانع، فيكون بينهما مناسبة من حيث المضادة كما يُحمَل النقيض على النقيض في صيغة الإعراب، وكما في قوله تعالى: {مَنْ يُضْلِلْهُ يَشَإِ اللَّهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} والضلال مع الاستقامة ضدان.
والثالثة: أن الحيض مسقط الكل، والخفُّ مسقط حكماً واحداً وهو الغسل، لكن الحيض جبري من الله تعالى والمسح اختياري، فعلى هذين الوجهين ينبغي أن يكون باب الحيض مقدماً على باب المسح.
إلَّا أنَّ المسح لمَّا أسقط فيكون نجاسته غليظة، فيكون أدنى من هذا الوجه؛ لأنَّه منجِّسٌ والمنجِّس أخصُّ من المطهِّر فلهذا أخَّر، مع أنَّ الحيض مسقط بواسطة سقوط الصَّلوات، وأمَّا الحيض مانعٌ بدون الواسطةٍ.
لا يقال: في هذا الباب النِّفاس والحيض والرُّعاف موجودٌ، فلأي معنى لقَّب الباب /ب بالحيض؟ قلنا: الكل منجس، إلَّا أنَّ في الحيض أحكاماً ليست في الرُّعاف والنِّفاس، وهو أيضاً مدة العدَّة، وتقدير الاستبراء؛ فلهذا لُقِّبَ بالحيض، ولأنَّ الحيض حالةٌ معهودةٌ دون النِّفاس.
للحيض أقلٌ وأكثرٌ، والاستحاضة ضدُّه، لا أكثر له ولا أقل، أمَّا النِّفاس لأكثره حدٌّ، ولا حدَّ لأقلِّه، وللطُّهر لأقلِّه غايةٌ وهو خمسة عشر يوماً، ولا غاية لأكثره، غرضنا من قولنا: لا غاية لأكثره، وهو أنَّ أكثر الحيض عشرة، وما زاد على العشرة فهو استحاضة، أمَّا إذا زاد الطُّهر على خمسة عشر، يكون طهراً، و فائدة أخرى أنَّه لا غاية لأكثره: أنَّه شهران، أو ستَّة أشهرٍ، أقلُّ من ساعةٍ يصلح لنصب العادة فقط.
قوله: (يسقط عن الحائض الصَّلاة)؛ لأنَّ الحدث موجودٌ، ووجود الحدث يمنع من فعل الصَّلاة، وفي فصل الصَّوم قال يحرم ولم يقل يسقط؛ لأنَّ القضاء مشروعٌ في الصَّوم دون الصَّلاة، فلا يليق يسقط في الصوم فقط.
فقوله: (يسقط) صحيحٌ على قول القاضي أبي زيد فإنَّ عندَّه نفس الوجوب ثابتٌ على الصبي والحائض، فإذا كان نفس الوجوب ثابتاً فصح قوله: (يسقط)، أمَّا على قول سائر المشايخ سقط صحيح أيضًا، نظراً إلى صورة السبب كما أُقيم الفطرة مقام الإيمان في قوله تعالى: {لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ}؛ لأنَّ سبب الصَّلاة والصَّوم موجودٌ ...
قوله: (أقل الحيض)؛ لما روى في حديث أمامة الباهلي، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال في أقل الحيض: "ثلاثة أيام وليالها، وأكثره عشرة أيام، فما زاد فهو استحاضة"، وإنَّما جعلنا ما نقص من ثلاثٍ وما زاد على عشرةٍ فهو استحاضة؛ لأنَّ الدَّم الخارج من القرح، إمَّا أن يكون حيضاً أو استحاضةً، فإذا بطلان الحيض يثبت أنَّه استحاضةٌ.
ثلاثة أيامٍ، كيف يكون الثَّلاثة حيضاً؟ لأنَّ للحيض عين تقديره أقل مدة الحيض ثلاثة أيامٍ، فيجوز أن يكون المدَّة ثلاثةٌ.
قوله: (وما تراه المرأة من الحمرة والصُّفرة والكدرة في أيام الحيض فهو حيضٌ، حتى ترى البياض الخالص)؛ لما رو ي عن عائشة - رضي الله عنه - أنها قالت: لا تصلي حتى ترى القصة البيان"؛ ولأن الصُّفرة والكُّدرة لو خرجت بعد الدَّم كان حيضاً، ويكون من أجزائه.
وها هنا ذكر الدماء الثَّلاثة، وبالإجماع دم الحيض ستَّةٌ، وأمَّا رؤية، شش دنك وفي رواية: التربية خاكستر رنك إلَّا أنَّ هذه الثَّلاثة جامعةٌ لتلك السِّتَّة كما أنَّ الحمرة قربت بالأسود فيكون السِّتَّة مذكورةٌ تقديراً.
قوله: (تقضي الصَّوم) فإن قيل: الطَّهارة ليست بشرطٍ لصحَّة الصَّوم كالجنب يصوم، ينبغي أن لا يضر الحيض بالصَّوم. قلنا: كانت عائشة - رضي الله عنه - تقول:" كنَّا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نقضي الصَّوم ولا نقضي الصَّلاة".
علم أنَّه ضاف للصَّوم معما أنَّ الإمساك في الصَّوم ينبغي أن يكون للصَّوم لا للحيض، ولهذا إذا صام للحمية لا يكون صوماً، فلو صامت يكون إمساكها للحيض لا للصَّوم، فيكون الحيض منافياً.
قوله: (ولا تدخل المسجد ولا تطوف بالبيت)، لا يقال: البيت في المسجد فإن لم يحل دخول المسجد للحائض لا يحلُّ الطواف، قلنا: قوله: (لا تطوف)، تأكيداً لقوله: (ولا تدخل المسجد)، كما في قوله: (فتجاوز) تأكيدٌ للخروج؛ لأنَّه إذا لم يخرج لا تجاوز، أو لأنَّه يمكن أنَّها حاضت في المسجد ولا تدري أنِّها طافت أم لا .....
قال (لا تطوف بالبيت)، فإن قيل: بأنَّ الكعبة داخله، فلما قال ولا يدخل المسجد؟ عُلِمَ منه حرمة الطَّواف فلم أعاد؟ قلنا: لأنَّ الطَّواف خارج المسجد الحرام جائزٌ، فأورد هذا التَّعلم أنَّ نفس الطَّواف عليها حرام.
قوله: (ولا يجوز لحائضٍ قراءة القرآن)؛ لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: "لَا يقْرَأْ الحَائِضُ وَلَا الجُنُبُ شَيْئًا مِنَ القُرْآنِ"؛ ولأنَّ الغسل واجبٌ عليهما كغسل /ب الجنابة.
والصَّحيح أنَّ الآية وما دونها في المنع سواء، إذا قصد قراءة القرآن، أمَّا إذا قصد الثَّناء من قراءةٍ دون الآية يجوز، وقيل: يجوز قراءة آيةٍ وما دون الآية، وقيل: يكره قراءة الزَّبور والتَّوراة والإنجيل.
قوله: (لحائض) ولم يقل لحائضة؛ لأنَّ مراد النِّسبة أي ذو حيض وهو مذكر.
قوله: (ولا يجوز لمحدثٍ أن يمسَّ المصحف)؛ لقوله تعالى: {لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ}، ولأنَّه ممنوعٌ من الصَّلاة لأجل الحدث، كالجنب والحائض مس المصحف، حتى إذا كُتِبَ القرآنُ أو سورة من القرآن على درهم، لا يجوز المسُّ أيضًا؛ لأنَّه في معنى المس.
وإن قيل: ذكر حكم المحدث، ولم يذكر حكم الحائض .... قلنا: ذُكِرَ دلالةً؛ لأنَّ الحدث لمَّا كان مانعاً مع أنَّه أدنى؛ لأنَّ يكون الحيض والجنابة مانعاً بطريق الأولى؛ ولأنَّ الحكم فيها قد عُلِمَ من المسألة المتقدِّمة.
أو حكم القراءة آخر من حكم المس، فلها لم يجز لهما القراءة مع أنها أدنى الأمرين أن لا يجوز المس، مع أنه أقوى الأمرين أوَّلي وآخري.
قوله: (وقت صلاةٍ كامل)؛ (لأنَّ حكم الحيض: بأن إذا لم يوجد ما ينافيه فصار كما قيل الانقطاع) يحتمل أن كامل صفة وقتٍ، أو صفة صلاةٍ، فإذا كان صفة صلاةٍ ينبغي أن يكون كاملةً ... ؛ لأنَّه مؤنث.
إلَّا أنَّ الصَّلاة مصدر فلا يكون تأنيثه حقيقياً، فيكون المذكر كما قال الله تعالى: إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ}، ينبغي أن يكون قرينة.
ويحتمل أنَّه يكون صفةً للوقت، فإذا كان صفةً للوقت، ينبغي أن يقال: ... كاملٌ بالرَّفع؛ لأَّنَّ الوقت مرفوعٌ إلَّا أنَّه مجرورٌ بالجوار، كما في قوله: «جُحْرِ ضَبٍّ خربِ» مجرور باعتبار المجاورة ....
قوله: (جاز وطئها)، إنما جاز وطئها إذا كانت صاحبة العادة وانقطع ما فوق عادتها، أو مبتدأة انقطع دمها ما فوق ثلاثة أيامٍ، أمَّا إذا انقطع دمها قبل أيام عادتها لا يستحبُّ وطئها بمضي وقت صلاة إلى تمام أيام عادتها، كذا قاله مولانا شمس الدين الكردري رحمه الله.
قوله: (فهو كالدَّم الجاري)؛ لأنَّه لا يَفصِل بين الدمين، والمعنى فيه: أن الدَّم لا يستمر في أيام الحَّيض غالباً، إذا كان كذلك لهلكت المرأة وإنَّما يجيء وينقطع ويعود، عند أبي يوسف وإحدى الرِّوايتين عن أبي حنيفة رحمهما الله ....
قوله: استحضيت (مستحاضةٌ)، هذا يستعمل مجهولاً كما يقال جُنَّ الرجل.
قوله: (لا يرقاء) أي يتوضَّؤون لوقت كلِّ صلاةٍ؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -:" المستحاضة لوقت كل صلاة"، ومن به عذر دائم فهو كالاستحاضة لمشاركة إياِّها، في المعنى لا يسكن، الرقوء مصدر رقا الدم.
وطهارة المستحاضة تنتقض بالخروج لا بالدخول عند أبي حنيفة رحمه الله، وعند أبي يوسف رحمه الله بالخروج وبالدخول، وعند زفر رحمه الله بالدخول لا بالخروج، وقيل: قول أبي يوسف ينتقض بأيهما كان، وقيل: قوله بأيهما كان قول زفر رحمه الله، وثمرة هذا تظهر فيمن توضَّأ بعد طلوع الشمس و دخل وقت الظهر.
قوله: (مبتدَأة) بفتح الدال؛ لأنَّ هذه مجبورة من الله تعالى في كونها حائضاً، فيكون مفعولاً فصحَّ بفتح الدال.
قوله: (نفاس)؛ لأنَّه مأخوذ من تنفُّس الرحم، وذلك يوجد عقيب الولادة النفاس، مصدر و جمعه: نُفَساء، وأَطلق على الحاصل بالمصدر، و يقال: بفتح النُّون وكسرها.
أمَّا إذا أطلق على الحيض يقال بفتح النُّون لا غير، ويقال: نفست المرأة، فهي نافس ونفاس ونفساء.
قوله: (قبل خروج الولد)، المراد قبل خروج أكثر الولد، حتى لو رأت بعد خروج أكثر الولد يكون نفاساً لا ستحاضاً، هذا رواية خلف بن أيوب عن أبي يوسف، وهو قول أبي حنيفة رحمه الله، /ب وإنَّما كان استحاضةً؛ لأنَّ الحيض لا يوجد مع الولد؛ لأنَّ النَّبي - صلى الله عليه وسلم - جعل الحيض علامةً على نفي الولد بأن قال:" ولا الحبال حتى يستبرين بحيضته".
قوله: (وإذا تجاوز الدَّم على الأربعين يوماً، وقد كانت هذه المرأة قد ولدت قبل ذلك، ولها عادةٌ في النِّفاس، ردَّت إلى أيام عادتها، فإن لم تكن لها عادةٌ، فابتداء نفساها أربعون يوماً). لأنَّ الدَّم النِّفاس يُسقط الصَّلاة، ويحرِّم الصَّوم، فصار كدم الحيض، وفي دم الحيض حكمها كذلك ها هنا.
ردت إلى أيام عادتها وإنَّما ردَّت إذا كان لها عادةٌ، أمَّا إذا ... لم يتجاوز يكون عادتها أربعون يوماً كالمبتدأة، إذا رأت دماً عشرة أيامٍ يكون مدة حيضها عشرة.
قوله: (في بطنٍ واحدٍ فنفاسها ما خرج من الدم عقيب الولد الأول)؛ لأنَّ النِّفاس مأخوذ من خروج النفس، وهو الولد، وهذا موجود في الولد الأول بأن لم يكن بين الولدين ستة أشهر، وصورة المسألة في الولدين أو هو عدم ستة أشهر بين الولدين، حتى إذا كان له ستة أشهر يكون النفاس من الولد الأول بالإجماع وانقضاء العدة بالأول بالإجماع سواء كان في بطن واحد أو في بطنين.
باب الأنجاس
قوله: (تطهير النَّجاسة واجبٌ)، قلنا: المراد تطهير الثَّوب من النَّجاسة، تارةٌ يحذف المضاف، كما في قوله تعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ} أي: وقت الحجَّ أشهرٌ معلوماتٌ، وتارةٌ يحذف المضاف والمضاف إليه، كما في قوله تعالى: {فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ}. أي: قبضت من أثر حافر فرس الرسول كذلك هاهنا كلاهما محذوفٌ، أي باب بيان أنواع الأنجاس وأحكامها.
النَجسُ: بالفتح مصدرٌ ثم أُطلِق على الاسم، وهو النَّجس، والنَّجس قد يكون حقيقياً وقد يكون حكماً، والحقيقي ما يكون /ب مستقذراً طبعاً.
قوله: (فدلكه بالأرض جاز) لقوله عليه السلام: إذا أصاب الخف أحدكم أو يغسله إذا فليدلكهما بالأرض، وليصل فيه فإن ذلك لها طهور"؛ لأنَّ الخفَّ مستحصفٌ لا تداخله أجزاء النَّجاسة.
وعند محمد رحمه الله لا يجوز إلَّا بالغسل، وروى المعلي أنَّه رجع عن هذا حين دخل الري، والاستحسان ثلاثة بالإجماع وبالأثر و بالقياس.
نظير الإجماع الاستصناع وها هنا جاء الأثر وهو قوله: (فدلكه بالأرض) فتطهر بالدَّلك، فأمَّا في البدن لا يجوز إلَّا بالماء إذا أصابته النَّجاسة.
قوله: (المرآة، والسَّيف)، إذا أصابت المرآة والسيف نجاسةٌ اكتفى بمسحهما؛ لأنَّه جسمٌ صقيلٌ لا يتداخله النَّجاسة، فإذا مسحت لم يبق فيها إلَّا اليسير الذي لا يعتدُّ به.
لا يقال: بالمرآة يعلم أنَّ المرآة مصقولةٌ كالسَّيف، فلا حاجة إلى ذكر السَّيف، قلنا: لو لم يذكر السيف، يفهم أنَّ الطَّهارة باعتبار أنَّ المرآة مستعملة في الأيدي، لا باعتبار أَّنَّه مصقول، فأردف السَّيف ليعلم أنَّ الطَّهارة باعتبار الصَّقالة، لا باعتبار الضَّرورة.
قوله: (فجفت بالشَّمس وذهب أثرها، جازت الصَّلوات على مكانها)؛ لأنَّ الأرض من شأنها أن يدل وترئي طبيعتنا تحييل الأشياء، وتنقلها إلى طبيعتها، فلما ذهب أثر النجاسة علم أنه استحال إلى طبع الأرض، والاستحالة يؤثر في التطهير كتحليل للخمر.
قيَّد بالشَّمس وقع شرطا اتفاقا، لأنَّ العادة يكون الجفاف بالشَّمس، ولهذا ذكر أبو القاسم البيهقي فجفَّت وذهب أثرها جاز ولم يذكر الشمس.
قوله: (وجازت الصلاة فيه)، تقييده بالصَّلوات يدل أن التيمم لا يجوز؛ لأنَّ التَّخصيص في رواية يدل على نفي ما عداه، معما أنَّ طهارة المكان ثبت بنص الكتاب، وهو قوله تعالى: {فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} والطيب ... هو الطَّاهر، وطهارة الأرض بعد النَّجاسة ثبت بخبر الواحد، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: زكاة الأرض يبسها، والخبر لا يعارض الكتاب.
لا يقال طهارة المكان أيضًا ثبت بالكتاب وهو قوله تعالى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} والنَّص في الثَّوب نصُّ في المكان بالطريق الأولى قلنا: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} مخصوص منه بقدر الدرهم، والنص المخصوص يعارضه الحديث، أو المراد عند البعض من قوله تعالى: {فَطَهِّرْ} أي فقصِّر ....
قوله: (مائع) من ماع يميع أي: سال غير الماء ....
أُلحَقَ بالدَّلالة أو بالقياس، أمَّا الدَّلالة: لأنَّ الماء قالع والخل أقلع، فيلحق بالماء، وأما ... القياس: فإنَّ ذهاب النَّجاسة بالماء معقول، أما إذا غسل بالماء النَّجس يطهر لكن يثبت نجاسة أخرى وهي النَّجاسة في الماء، وكون الماء متلطِّخًا من نجاسة مطَّهر هذا غير معقول ينبغي أن لا يكون مزيلاً بعد التلطخ، وهذا القدر معقول، فيتعدَّى هذا إلى المايع، وإن كان يلزم منه أمر غير معقول، وهذا جائز كما في خروج النجس تعدى المعقول وهو خروج النَّجس، لكن الاقتصار غير معقول.
وكذلك الجنس مع القدر علة الربا فتعدى هذا وإن كان يلزم منه الاستواء في الجيِّد والرديء، ولا يعتبر الاستواء لكنَّه ضمني، فإذا اختلط ماء الورد بالماء والماء غالب يجوز التوضؤ به وإزالة النَّجاسة، أمَّا إذا كان الماء مغلوباً، يجوز إزالة النَّجاسة دون التوضؤ.
قوله: (المغلظة كالدم والغائط والبول والخمر مقدار الدرهم وما دونه جازت الصَّلاة معه، وإذا زاد على قدر الدرهم لم تجز) صلاته.
قال إبراهيم النخعي رحمه الله:"أرادوا أن يقولوا إن كان مقدار القعدة فاستقبحوا ذلك فقالوا مقدار الدرهم"، يعني ما عفي عنه من النَّجاسة؛ ولأنَّ أثر النَّجاسة في موضع الاستنجاء معفوٌ عنه.
والنَّجاسة لا تختلف باختلاف مواضع البدن، فإذا عُفِيَ عن الأثر في موضع الاستنجاء، فجميع البدن في حكمه؛ لما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: فيمن صلَّى وفي ثوبه من الدِّرهم أكثر من مقدار الدِّرهم أعاد الصَّلاة؛ فلأنَّ أثر النَّجاسة في موضع الاستنجاء فجميع البدن في حكمه.
عند أبي حنيفة رحمه الله: كون النجاسة غليظة بأن لم يكن له نص يعارض النص الذي يقتضي النجاسة، وعندهما كون النجاسة غليظة بأن انعقد الإجماع يكون على نجاسة.
يظهر هذا في الروث عند أبي حنيفة رحمه الله لأنَّه لم يعارضه نص، في قول النبي - صلى الله عليه وسلم - أنَّه أُتِىَ بحجرٍ وروث، فأخذ الحجر وقال: "ارم الروث فإنَّه رجس" أو "ركس" فلا معارض؛ لقوله: إنَّه رجس أو ركس، وعندهما يكون خفيفة فإن فيه خلاف مالك رحمه الله.
قوله: (مقدار الدِّرهم)، في النَّجاسة مقدار الدَّرهم معقود في الصوم أدنى من قدر الحِمَّصة؛ لأنَّ الدِّرهم يقدر بالدُّبر، والدُّبر قدر الدِّرهم، فَعُفِيَ قدر الدِّرهم، أمَّا الحِمَّصة لا يكون عفواً؛ لأنَّه موضع الاحتياط.
قوله: ومحل (وما دونه) مرفوع بالعطف على قدر الدرهم وما دونه، لا يقال إذا لم يكن قدر الدرهم مانعًا فأولى أن لا يكون دونه مانعًا، إلَّا أنَّ ذلك يعلم بالذهن، والذي يعلم بالذهن إذا ذكرته لا يكون مستقيماً، كما في قوله كتبت في يدي، وإن كانت الكتابة باليد ولقوله تعالى: {وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} والقلب لا بدَّ أن يكون في الصُّدور.
قوله: (ربع الثوب) مقدار ربع الثوب الذي يجوز الصلاة به كالمئزر.
قوله: ( ... ما يشق إزالته) الذي يحتاج إلى شيء آخر وراء المزيل نحو الحرض والأشنان والصابون.
قوله: (يغلب على ظنِّ الغاسل)، وغلبة الظَّن معتبرة في الشرع كما في الاشتباه بالقبلة.
قوله: /ب (الاستنجاء سنةٌ)؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "مَنِ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ، ومَنْ لا يفَعَلَ فَلَا حَرَجَ"؛ ولأنَّها على البدن لا يجب إزالتها بالمائع مع القدرة، فلا تجب تجفيفها كماء بعد استعمال الحجر.
السين في الاستنجاء للطَّلب، أي يطلب إزالة النجو أي الحدث.
قوله: (وغسله بالماء أفضل)، أي بعد التنقية بالمدر أو بالحجر أو بالقطن، فغسله بالماء أفضل.
قوله: (وإن تجاوزت النجاسة مخرجها لم يجز فيه إلَّا الماء)، عند أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله، المجاوز ينبغي أن يكون قدر الدِّرهم، وعند محمد رحمه الله المجاوز قدر المخرج معتبرٌ، فلا حاجة أن يكون الزَّائد على المخرج قدر الدِّرهم.
قوله: (وما قام مقامه) أي قام مقامه من الحجر والقطن.
قوله (ولا يستنجي بعظمٍ)؛ لأنَّ العظم زاد الجنِّ، وأمَّا استعمال الخزف مكروه؛ لأنَّه ممسوس النَّار، وكذلك لا يستنجى بالفحم والآجر.
ولا يستنجى باليمين؛ لأنَّ اليمين للأكل وللوجه، فلو ارتكب الاستنجاء بهذه الأشياء مع أنَّه مكروه يخرج عن عهدة الاستنجاء، كما لو استنجى بخرقة الغير، وعند الشافعي رحمه الله الاستنجاء واجب، وعنده الفرض والواجب واحد، و عندنا سنَّةٌ والله أعلم.
كتاب الصَّلاة
الصَّلاة، يحتمل أن يكون من صلا: وهو العظم الذي عليه اليَّتان، ويحتمل أن يكون من صليت العود بالنَّار إذا قوَّمتها، فإذا كان من صلا يكون من الأسماء المنقولة، وإذا كان من صليت يكون من الأسماء المتغيِّرة بأن يكون معنى اللُّغة باقياً وفي المنقولة لا يبقى معنى اللُّغة، والأسماء المقررة كالبيع مبادلة المال بالمال وفي الشرع مبادلة أيضًا.
وإنَّما قال: كتاب الصَّلاة ولم يقل: باب الصَّلاة؛ لأنَّ الكتاب هو الجمع، يقال كتبت: أي جمعت، وهو أيضًا مشتملٌ على أبوابٍ، وهو الأذان والشُّروط و غير ذلك من صفة الصَّلاة، فلهذا قال كتاب الصَّلاة، وما قبل كتاب الصَّلاة بيان الشُّرط، وهو إزالة النَّجاسة، والشَّرط مقدَّمٌ على المشروط، فلهذا قدم الشَّرط على المشروط، وعقَّبَ المشروط وهو الصَّلاة.
قوله: (وآخر وقتِها ما لم تطلع الشَّمس) فيه إطلاق اسم الكلِّ على الجزء ... ؛ لأنَّ المراد قبل طلوع الشَّمس، وإلَّا من أوَّل الوقت إلى آخر، ما لم تطلع الشَّمس موصوفٌ به، وقوله: (ما لم تطلع الشمس) ما هذه: ما للدوام، أو ما الذي.
قوله: (أوَّل وقت الظُّهر)، اسم ساعه، ليس غرضه بيان الظُّهر بل غرضه بيان أول وقت الظُّهر فالمضاف محذوفٌ، وهو الصَّلاة.
قوله: (سوى فيء الزَّوال)، ... لا يمكن تعرف بحيث لا يقع التَّفاوت؛ لأنَّ الأمكنة متفاوتة، وطريقه بأن يغرز خشبةً على أرض مستويةٍ، فخطُّ بحذاء الخشبة، فينظر إن زاد الظِّل يكون سوى فيء الزَّوال، وإن انتقض يكون ذلك فيء الزَّوال.
قوله: (وآخر وقتها إذا صار ظل كل شيء مثليه وعندهما إذا صار ظلُّ كلِّ شيءٍ مثله)، وهو قول الشَّافعي، ورواية الحسن عن أبي حنيفة رحمه الله، ... ، يعني أبا حنيفة واحدٌ ومذهب في هذا مثليه في ظلِّ كلِّ شيءٍ، وأبو يوسف ومحمد اثنان، ومذهبهما في هذا كلُّ شيءٍ مثله.
قوله: (على القولين) أي خرج على اختلاف القولين عند أبي حنيفة - رحمه الله- مثليه وعندهما مثله.
قوله: (ما لم تتغيَّر)، والتَّغيير أن تصير الشَّمس بحيث لا تحار الأعين عند النظر إليها.
قوله: (وأول وقت الوتر بعد العشاء)، هذا على قولهما؛ لأنَّ الوتر سنَّةٌ عندهما، فوقت السنَّة بعد الفرض، وعند أبي حنيفة - رضي الله عنه - وقت العشاء وقته؛ إلَّا أنَّه أمر بتقديم العشاء بالنَّص كالفائتة مع الوقتي وقت الفائتة، إلَّا أَّنَّه قدَّم الفائتة.
و تظهر ثمرة الاختلاف فيمن صلَّى العشاء بغير وضوءٍ، ثمَّ توضَّأ وصلَّى الوتر، ثم علم أنَّ العشاء كان بغير وضوءٍ، يعيد الوتر عندهما؛ /ب لأنَّه تبع الفرض، وعند أبي حنيفة- رحمه الله -لا يعيد؛ لأنَّ الوتر قد أدِّي في وقته، والنِّسيان يُسقط التَّرتيب.
قوله: (و تأخير العصر ما لم تتغيَّر الشَّمس)، هذا إطلاق اسم الكُّلِ على البعض؛ لما مر.
قوله: (إلى ما قبل ثلث الليل)، ثلث اللِّيل داخلٌ في المستحب، يعني ينبغي أن يؤخِّر إلى ما قبل ثلث الليل، أمَّا التَّأخير إلى الثُّلث ليس بمستحب، كذا قال مولانا شمس الدين قدس الله روحه، وقيل في رواية: المستحبُّ التَّأخير إلى نصف الليل.
قوله: (الإسفار بالفجر)، ويستحب الأسفار؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -:"أَسْفِرُوا بِالفَجْرِ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلأَجْرِ" الباء للتعدية لأنَّ الإسفار لازم فيكون متعدِّياً بالباء ....
باب الأذان
الأذان إعلامٌ مطلقاً، فيراد ها هنا الإعلام المخصوص فيكون هذا خروجاً من العموم إلى الخصوص.
بيان مناسبة هذا الباب بما قبله، فإن وقت الصَّلاة شرط الأداء، والأذان إعلامٌ لذلك الوقت؛ فلذلك عقبه.
الأذان سنَّةٌ أصليَّة، فالسنَّة نوعان: زائدةٌ، وهو لباس النَّبي - صلى الله عليه وسلم - وقعوده والسِّواك من خشب السَّلم، والأخرى سنن الهدي، والفرق بينهما أن ترك الزيادة لا تلام و في الهدي يلام، والأذان من الهدي، ولهذا قيل: لو اجتمعت أهل بلدة على ترك الأذان يقاتلهم الإمام.
في الأذان مناداة ومناجاة وإذا وصل إلى النداء حول وجهه لأجل النداء، وفي المناجاة يكون مستقبلاً إلى القبلة.
قوله: (والجمعة)، (الأذان سنَّةٌ للصَّلوات الخمس، والجمعة دون ما سوى)؛ لأنَّ النَّبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بالأذان للصَّلوات المفروضات وداوم عليه، والمداومة إنَّما يكون على الواجبات والسُّنن، ولم يأمر بذلك لغيرها؛ ولأنَّه فعل الأمَّة عن غير خلافٍ، فإنَّ الجمعة داخلةٌ في الخمس، ثم أفرد بعد ذكر الخمس؛ لأنَّه بدل الظُّهر عندنا لا يكون أصلاً، وما كان بدلاً يشترط فيه الأذان كالقضاء؛ فلذلك أفردها بالذِّكر؛ لإزالة الوهم الذي يمكن فيه.
قوله: (وما سواها) المراد من السوي: صلاة العيد وصلاة الكسوف، وصلاة الخسوف.
قوله: (ولا ترجيع فيه)؛ لأنَّ عبد الله بن زيد ذكر الأذان من غير ترجيعٍ؛ ولأنَّ كل ذكرٍ في الأذان يسن تكراره أربع مراتٍ، لم يفصل بينهن بذكرٍ آخرٍ كالتَّكبيرة
الترجيع: خفض الشَّهادتين مرتين، ثمَّ يقول جهراً مرتين أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمَّداً رسول الله، فصار أربع مراتٍ والجهر أربع مرات أيضاً، ثم رفعهما بصوته.
لا يقال: الأذان مشتملٌ على الإعلام والتَّكبير والتَّهليل، فلأي معنى لُقِّبَ الباب بالأذان ولم يلقب بهما؟ قلنا: المقصود الإعلام فلذلك لقب به كما يقال: "الحَجُّ عَرَفَةُ"، أي المقصود العرفة، وإلَّا الحجُّ هو الطَّواف والسعي والوقوف.
قوله: (بهما) أي الأذان والإقامة.
قوله: (تحوَّل) أي: تحوَّل وجهه في الأذان والإقامة، وفي الملتقط قال: تحوَّل الأذان، ولا تحول في الإقامة؛ لأنَّ القوم حاضرون ولا حاجة إلى التَّحويل، أمَّا إذا لم يكن حاضراً لا بدَّ من التَّحويل ... أمَّا إذا كان القوم ينتظرون له فيحوِّل أيضًا في الإقامة.
قوله: (الله أكبر، الله أكبر) فقيل: أنَّه علمٌ لذاته ... ، وأكبر مأخوذٌ من كَبُرَ بمعنى عظيم، فإنَّه عظيم القدر، وأمَّا من كبر أي: أسن ويراد به القديم ها هنا، وأكبر للتَّفضيل، وتقديره الله أكبر من كل ما اشتغلتم به، وعَمَلُهُ أوجب، فاشتغلوا بعمله، واتركوا أعمال الدُّنيا، وكان السَّلف ـ رحمهم الله ـ إذا سمعوا ذكر الأذان تركوا كل شيءٍ كانوا فيه.
إذا ثبت هذا قلنا: إنَّما قدَّم المؤذنُ التَّكبير؛ لأنَّ المؤذِّن مؤتمنٌ، ويتبين بيان اعتقاده أنِّي مؤمنٌ، فإذا كان مؤمناً يكون مؤتمناً، فلأيِّ معنى يكرر التَّكبير؟ لأنَّ لا يفهم بأنَّ مقصوده مدح نفسه /ب بل مقصود بيان ائتمانه فلو كان مقصوده مدح نفسه أنَّه مؤمن فلا يحتاج إلى التِّكرار.
قوله: (و كان مخيَّراً في الباقي) ... ؛ لأنَّ الأذان لا اختصاص بالجماعة؛ ولهذا يؤذِّن المنفرد وإن كان الإعلام مفقوداً.
قوله: (ويكره بغير الوضوء)؛ لأنَّه يكون فصل بين الإقامة والصَّلاة لأنَّه لا محالة يتوضأ فيقع الفصل.
وعند أبي يوسف رحمه الله يجوز الأذان قبل انقضاء النِّصف الأخير، أي يجوز في النِّصف الأخير، لا يقال: ذكر قوله على اختلاف القولين في أوَّل وقت الظُّهر، ولم يذكر في أوَّل وقت العشاء. قلنا: ذكره في ذلك يكون ذكراً ها هنا معما في قوله الشَّفق هو الحمرة أم البياض مقصوده بيان الشَّفق لا بيان أوَّل الوقت فلهذا لم يذكر على القولين.
قوله: (وهو جنب) في ظاهر الرِّواية يستحب أن يعيد أذان الجنب والسَّكران والمرأة والمعتوه الذي لا يعقل، أمَّا في غير ظاهر الرِّواية يجب أن يعيد هذه الأربعة.
باب شروط الصَّلاة التي يتقدمها
الشُّروط أربعةٌ: الطَّهارة، وستر العورة، والنِّيَّة، والاستقبال، وذكر مسألةً واحدةً، في عدم وجوب إزالة النَّجاسة، وهو قوله: (ومن لم يجد).
وذكر مسألةً أخرى في عدم وجوب الستر، وهو قوله: (ومن لم يجد ثوباً)، وذكر مسألة أخرى في ترك استقبال القبلة وهو قوله: (فإن اشتبهت عليه القبلة)، ولم يذكر مسألةً في ترك النِّية، إلَّا أنَّ الرِّواية محفوظةٌ: أنَّ الرَّجل إذا نوى الصَّلاة عند الوضوء ولم يشتغل بعملٍ آخرٍ حتَّى اقتدى بالإمام فهو لم ينو.
ثانياً: وإنَّما أورد هذه المسائل ليعلم إحدى هذه الشروط يجوز تركها عند الضَّرورة، فهذه الشُّروط: شرط الجواز لا شرط للوجود، وشرط الوجود: القدرة المتَّصلة بالفعل وسلامة الآلات، والشروط جمع شرطٍ، والأشراط جمع الشَّرط، و كلاهما علامةٌ، وفي هذا الباب شروطٌ متقدمةٌ أي قبل الصَّلاة، وفي الباب الذي بعده شروطٌ متوسطةٌ نحو القيام والقراءة.
قوله: (والرُّكبة عورةٌ)؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -:" ما بين السُّرة إلى الركبة عورةٌ". الرُّكبة من العورة؛ لأنَّ بالنظر إلى السّاق لا يكون عورةٌ، وبالنظر إلى عظم الورك فيكون عورةً، والرُّكبة متَّصلةٌ بهما فالحرمة ترجح فقلنا أنَّها عورةٌ.
قوله: (يجب التَّطهير من الأحداث) بقوله: {فَاغْسِلُوا}، ويجب التَّطهير عن الأنجاس بقوله: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ} والنَّجاسة: الحقيقية يجب غسلها ولا يسقط غسلها، أمَّا النَّجاسة الحكميَّة فصار حكمه إلى الخلف وهو التَّيمُّم.
وفي قوله: {خُذُوا زِينَتَكُمْ} دليلٌ على أنَّ اللِّبس من أحسن الثِّياب مستحبٌ حالة الصًّلاة؛ لأنَّ المراد من الزِّينة: الثَّوب، بطريق إطلاق اسم المُسَبَّبَ على السَّبَب.
قوله: {عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ}، ويستر عورته لقوله تعالى: {خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ}، أي عند كلِّ صلاةٍ، وروي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سئل عن الصَّلاة في ثوبٍ واحدٍ فقال: "أوَ لكُلُّكُمْ يَجِدُ ثَوْبَيْنِ؟ ") (، وقال - صلى الله عليه وسلم -: "لَا يَقْبَلُ اللهُ تعالى صَلَاةَ حَائِضٍ إِلَّا بِخِمَارٍ"، بطريق إطلاق اسم المحل على الحال؛ لأنَّ المراد من المسجد الصَّلاة والصَّلاة حالة في المسجد.
قوله: (كله) تأكيدٌ للبدن وقوله كلها: تأكيد للبدن أيضًا لأنَّه انثى باعتبار المضاف إليه وهو المرأة.
قوله: (القدم) هو من الرِّجل ما يطأ عليه الإنسان من لدن الرسغ إلى ما دون ذلك، ... فيكون الرسغ موجوداً في الرِّجل.
واليد قبل القدم عورةٌ، وقال صاحب الهداية ليس بعورة ... في حقِّ الصَّلاة وعورةٌ في حقِّ النَّظر، وفي روايةٍ لا يكون عورةَ فيهما، قيل: باطنه ليس بعورةٍ /ب وظاهره عورةُ، وفي روايةٍ الغني: الكلُّ ليس بعورةِ.
ولهذا لو حلف لا ينظر إلى المحرَّم فنظر الوجَّه أو القدم أو الكفِّ لا يحنث، وإنَّما يحل النَّظر إذا لم يشتهِ أمَّا إذا اشتهى لا يحل، أمَّا القاضي والشاهد ومن يريد التَّزوج يحل له النظر وإن اشتهى.
قوله: (ومن لم يجد الماء يزيل به النَّجاسة،) ... إذا قيل: ماءٌ بالمدِّ يكون على قول محمد رحمه الله فإنَّ عندَّه لا يجوز إزالة النَّجاسة الحقيقية بالمائع، وأمَّا إذا قيل: بدون المدِّ يكون معناه الذي يكون على قول أبي حنيفة وأبي يوسف ـ رحمهما الله ـ فإنَّ عندَّهما يجوز إزالة النَّجاسة بالمائع.
فإذا كان ربع الثَّوب طاهراً يصلِّي بالثَّوب النَّجس بالإجماع، وإن كان أقل من الرُّبع يصلِّي عند محمد - رحمه الله- بهذا الثَّوب وعندهما بالخيار: بين أن يصلِّي بالثَّوب، وبين أن يصلِّي عرياناً، والأفضل أن يصلي بهذا الثوب؛ لأنَّ الستر أقوى من الأركان؛ ولهذا يسقط الأركان في النَّافلة، بأن صلَّى قاعداً، يجوز وإن كان قادراً على القيام، أمَّا السِّتر لا يسقط بدون العذر.
قوله: (وينوي للصَّلاة التي يدخل فيها بنيَّةٍ)، قوله): (بنيَّةٍ) مرتبطٌ بقوله: (ينوي)، وليس بمرتبطٍ بقوله (يدخل)، فإنَّ الصَّلاة لا توجد بدون النيِّة.
قوله: (ينوي) جواب المسألة أي: ينوي بنيةٍ موصولةٍ إذا دخل الصَّلاة، وهو أنَّه لا يفصل بين النيَّة وبين التَّحريميَّة بعملٍ.
أمَّا الدَّليل على اشتراط النيَّة للصَّلاة لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إِنَّ اللهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ، وَلَا إِلَى أَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ". لأنَّ الصَّلاة عبادةٌ مقصودةٌ كالإيمان.
أي بعملٍ منافٍ للصَّلاة بأن تكلم كما إذا توضَّأ ونوى الصَّلاة ولم يشتغل بعمل يصح بنية تقديرية بخلاف الصوم فإنَّه يصح بنيَّة متأخرة، فيجعل المتأخِّرة كالمتقدِّمة تقديرًا، دفعًا للحرج، ولا ضرورة في الصَّلاة فوجب اتصالها بها.
وصح يوماً وهو ما إذا نوى قبل الزوال فإنَّه وجد في أول اليَّوم، أمَّا في الصَّلاة القيام عبادةٌ بخلاف الإمساك في الصَّوم، ليس بمعناه، فيكون القيام في الصَّلاة عبادةٌ كاملةٌ، فلا يصحُّ إلَّا بنيَّة متقدِّمةٍ.
قوله: (الصَّلاة) إن كان المراد من الصَّلاة السُّنة والنَّفل فيجوز بمطلق النيَّة، بأن قال: نويت، أمَّا في الفرض لا يجوز إلَّا بالتَّعيين عند البعض بأن نقول نويت هذا الظُّهر.
قوله: (ويستقبل القبلة)، وإنما شُرِطَ استقبال القبلة للابتداء.
قوله: (خائفًا)، لا فرق بين أن يكون من العدوِّ أو من السَّبع، و وجه التَّحري عند اشتباه القبلة قبله، فلو صلَّى بدون التَّحري وأصاب القبلة لا يجوز صلاته، وقيل لو صلى بدون التحري يُخشَى عليه الكفر كمَّا إذا ترك القبلة عند عدم الاشتباه، هذا مروي عن أبي حنيفة رحمه الله.
قوله: (من يسأله عنها) دليل على أن السُّؤال ليس بشرطٍ لكل أحد ليس بحضرته؛ لأنَّه قُيِّدَ بقوله: (بحضرته)، فلا يجب عليه أن يذهب إلى بيت كل أحدٍ للسؤال.
باب صفة الصَّلاة
أي فرائض الصَّلاة، ستةٌ: التَّحريمة، والقيام، والقراءة، والرُّكوع، والسُّجود، والقعدة في آخر الصَّلاة مقدار التَّشهد، وما زاد على ذلك فهو سنَّةٌ.
فلقوله تعالى: {{وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ} فلقوله - صلى الله عليه وسلم -:"مفتاح الصَّلاة الطُّهور، وتحريمها التَّكبير، وتحليلها التَّسليم". فلأنَّ الصَّلاة تشتمل على أفعالٍ وأركانٍ، فإذا كان في أفعالها ما هو واجب وكذلك في أركانها، وأمَّا القيام فلقوله تعالى: {وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ} فلقوله - صلى الله عليه وسلم - قال: "يصلِّي المريض قائماً" وأمَّا القراءة فلقوله تعالى: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ}، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «لَا صَلَاةَ إِلَّا بِقِرَاءَةٍ»، وأمَّا الرُّكوع /ب والسُّجود فلقوله تعالى: {أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا}، وأمَّا القعدة الأخيرة فلقوله - صلى الله عليه وسلم - للأعرابي إذا رفعت رأسك من آخر سجدة وقعت وقد تمت صلاتك،.
الوصف والصِّفة مصدران، والمراد من الصِّفة: الأركان، إلَّا أنَّ هذه الأركان في ماهيَّة الصَّلاة، والشُّروط المذكورة في الباب الذي قبله خارج الصَّلاة، فلمَّا فرغ من بيان الشُّروط، ابتداء في بيان المشروط، وهو الصَّلاة، فالصِّفة قائمةٌ بالموصوف والوصف قائم بالواصف، كقوله لزيدٍ: هو عالمٌ، وهو قائمٌ بزيدٍ، والصفة: العلم القائم بزيدٍ.
قوله: (ستَّةٌ) ينبغي أن يقال: ستٌّ من حيث النَّحو؛ لأنَّ فيما دون العشرة ... للمذكَّر بالتَّاء وللمؤنَّث بدون التَّاء كما يقال: ستَّة رجالٍ، وستُّ نساءٍ، والفرائض جمع فريضةٍ ....
قوله: (فرائض الصَّلاة)، ولم يقل أركان الصَّلاة؛ لأنَّه لو قال: أركان الصَّلاة لا يمكن تعداد الفروض؛ لأنَّ كل ركنٍ فرضٌ وليس كلُّ فرضٍ ركنٌ، فإنَّ القيام والقراءة ركن وفرض، والقعدة الأخيرة فرضٌ وليس بركن؛ لأنَّ الركن داخل في الماهيَّة، والفرض صفةٌ فالقعدة الأخيرة ينبغي أن يكون سنَّةً؛ لأنَّه بفعل النَّبي - صلى الله عليه وسلم -، إلَّا أنَّ فعل النَّبي - صلى الله عليه وسلم - بيَّن المجمل، فيكون الحكم بعد البيان للمفسر لا للمفسر.
كما في المسح بعد بيان النَّبي - صلى الله عليه وسلم - والمسح على الرَّأس فرضٌ (بقوله تعالى: {وَامْسَحُوا} إلَّا أنَّه بيان المجمل وهو بعض الرَّأس، كذلك ها هنا بعد البيان يكون القعدة فرضاً بقوله: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ} فيكون العبرة للمبين لا للمبين.
ولا يقال: ينبغي أن يكون القعدة الأولى فرضاً؛ لأنَّه ثبت بفعل النَّبي - صلى الله عليه وسلم - ... قلنا: ينبغي أن يكون فرضًا ... إلَّا أنَّه قد عَلَّمَ النبي - صلى الله عليه وسلم - فرائضَ الصَّلاة ولم يعلم القعدة الأولى فلو يكون فرضاً لعلَّمه، أو يقول: إنَّ أتى بسجدة السَّهو عند ترك القعدة الأولى ولو كان فرضاً سجدة السَّهو لا تكون كافيةً عن ترك الفرض.
قوله: (وما زاد على ذلك فهو سنة)، إنَّما قال: (سنَّة)، مع أنَّ فيه واجبات، كتكبيرات العيد، وضمُّ السورة إلى الفاتحة؛ لإطلاق اسم السَّبب على المسبَّب وهو ثبت وجوبها بالسنة.
قوله: (وإذا أراد دخل الرجل في صلاته كبَّر)؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لَا يقبل الله تعالى صَلَاةُ أَحَدِكُمْ حَتَّى يَضَعَ الطَّهُورَ مَوَاضِعَهُ"، فيستقبل القبلة ويقول: الله أكبر.
دخل المراد: أراد الدُّخول بطريق إطلاق اسم المسبَّب على السَّبب؛ لأنَّ الدخول ... مسبب الإرادة، ويدلُّ عليه ما ذُكِرَ في المبسوط فإذا أراد الدُّخول، وكلمة: مع، تدل على المقارنة، أي وقت الرَّفع.
و يكبِّر والرَّفع سنَّةٌ، والتَّكبير فرضٌ، وكيفيَّة الرَّفع: أن يرفع يديه ناشراً أصابعه عن الطيِّ مقبلاً بباطن كفَّيه إلى القبلة، وفي الحج يكون باطن كفيه مستقبلاً إلى السَّماء؛ لأنَّه موضع الدُّعاء قال مولانا رحمه الله: مع رفع اليدين نبذ ما سوى الله وراء ظهره واليد اليمنى كالأخرة واليسرى كالعاجلة.
قوله: (الله أكبر)، بمنزلة الإثبات والنفي مقدم على الإثبات كما في قوله الشهادة، وعند مالك رحمه الله تنعقد التحريمة بقوله: الله أكبر فقط عند الدخول، وعند الشافعي - رحمه الله- بأفَّعل التَّفضيل، وهو أكبر، لكن بتعريف وتنكير الله الأكبر الله أكبر.
وعند أبي يوسف - رحمه الله - بأفعل التَّفضيل بالتعريف والتنكير وبدون أفعل التفضيل يدخل أيضا وهو قوله: الله الكبير، وعند أبي حنيفة - رحمه الله - يدخل بكل ما يدل على التَّعظيم وهو أجلّ، أو أعظم، أو الرحمن أو الرحيم.
قوله: (شحمة الأذن) لما روي عن أبي حميد الساعدي أنَّه قال: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا كبَّر عند افتتاح /ب الصَّلاة رفع يديه، وروى وائل بن حجر: أنَّ رسول - صلى الله عليه وسلم - وسلم كان يرفع يديه عند شحمة أذنيه، هو ما لان من أسفل الأذن، وهو معلق القرط، ... ، ويرفع الرَّجال إلى شحمة الأذن، والنِّساء إلى المنكب، وعند الشافعي رحمه الله: النساء والرجال يرفعان إلى المنكب والمروي عن أبي يوسف رحمه الله والمحكي عن الطحاوي: أنَّه يكبِّر عند رفع اليدين، وقيل يكبر محاذاة اليد الشحمة عند الرفع، وقيل: إذا استويا في موضع وهو محاذاة اليد إلى شحمة الأذن كبَّر.
قوله: (ويضعهما تحت الصُّرة)؛ لما روى وائل بن حجر أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وضع يده اليمنى على ظهر كفه اليسرى ورسغ الساعد، وعن علي - رضي الله عنه - أنَّه قال: إنَّ من السُّنة في الصَّلاة وضع الأكفِّ على الأكفِّ تحت الصُّرة.
وفي رواية يأخذهما والجمع ممكنٌ، بأن يأخذ بإصبعيه ويضعه إصبعيه أيضاً ونشر الأصابع حالة الأخذ، و ضمُّ الأصابع حالة السجود، وفي باقي الحالات لا ضمٌ ولا نشر.
ولا يدخل بقوله: (اللهم) اغفر، إمَّا لا يدخل بقوله: (اللهم)، عند البصريِّين، وعندهم اللهم بمعنى: بالله، وعند الكوفيِّين لا يدخل أيضاً؛ لأنَّ عندهم اللهمَّ ... معناه الله آمنَّا أي: اقصدنا بالخير، فيصير بمنزلة قوله: اللهم اغفر لي.
ويكبِّر باعتبار أن أوَّل الصَّلاة يكون مناسباً للآخر؛ لأنَّ في الآخر نفيٌ وإثباتٌ، وهو قوله: أشهد أن لا إله إلَّا الله، كذلك الرَّفع عبارةٌ عن النَّفي، والله أكبر عبارةٌ عن الإثبات.
قوله: (والقيام والقراءة) كلاهما فرضٌ، لكنَّ أحدهما ركنٌ وهو القيام كالتَّصديق مع الإقرار، والإقرار ركنٌ زائدٌ، ولهذا يسقط عند الإكراه، أمَّا التَّصديق لا يسقط بحال، كذلك القيام عند القدرة، أمَّا القراءة تسقط عند المتابعة، فعُلِمَ أنَّ القيام أقوى؛ لأنَّ القراءة رتبة القيام.
ولا يقال: القيام والقراءة والقعدة الأخيرة من فرائض الصَّلاة، أمَّا التَّحريمة مفتاح ... الصَّلاة، كيف يأتي بها بين تعداد الفروض؟ قلنا: وإن لم يكن فرضاً، لكن يتَّصل بالفروض فلهذا ذُكِرَ في بيان تعداد الفروض، والشَّيء يأخذ حكم الشَّيء باعتبار ما يؤل؛ ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم -: «لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ»، وتلقين الميِّت لا يمكن مع هذا، قال: موتاكم. باعتبار المآل؛ لأنَّه يكون ميِّتاً في الزمان الثَّاني.
قوله: (ويعتمد)، وتفسير الاعتماد: أن يضع كفَّه اليمنى على ظهر رسغه اليسرى، حتى يكون الرسغ وسط الكفِّ.
قوله: (سبحانك اللهم)؛ لما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر وعبد الله بن مسعود أنَّهم كانوا إذا افتتحوا الصَّلاة قالوا ذلك؛ ولأنَّه يكون المدرك مدركًا للرَّكعة، وكان من شبهه التَّسبيح كالركوع هذا علم التسبيح كما أنَّ للأعيان علماً كذلك للمعاني علمٌ كما يقال للكل زوبره وللميتة يشعون.
ومعناه: أنِّي أعتقد نزاهته عن كل صفةٍ لا يليق به ثم حُذِفَ الفعل، وأضيف سبحان إلى المفعول فصار سبحانك وقوله: وبحمدك، أي أسبحك ففي قوله: سبحانك؛ نفي عن الله صفات لا يليق به، وبقوله: وبحمدك؛ إثبات صفات يليق بالله تعالى.
قوله: (وتبارك)؛ معناه: التَّعالي والتَّعاظم لله، وقد اشتبه للأصمعي: معنى تبارك ومعنى الدَّهان ومعنى الرَّقيم لم يكن معلومًا، قيل: الرَّقيم الكلب، والدَّهان الأديم، و التَّبارك التعالي وقيل فرأى ابنة أعرابي طردته الكلب عن الدهان فذهبت إلى أبيها. فذهب الأصمعي لأن يسمع منها عند الحكاية إلى أبيها فقالت: يا أباه طردت الرقيم عن الدهان.
التَّبارك: الجبل، وقيل سبحان الكاف الله عن كل سوء، وعلى سبحانك اللهم قوله: وجهت وجهي، مضموم عند أبي يوسف- رحمه الله- بأيهما قدَّم يجوز، وعند الشافعي- رحمه الله ـ يقدم وجهت وجهي إلى آخره.
قوله: (آمين)؛ فيقولها المؤتمُّ يخفونها لما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - /ب أنَّه قال:" إذا أمَّن الإمام فأمِّنوا فإنَّ الملائكة يؤمِّنون، فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر الله ما تقدم من ذنبه"؛ وإنَّما أمرنا بالإخفاء لأنَّه دعاء بدليل قوله تعالى: {قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا} قيل إنَّ موسى عليه السلام كان يدعو و هارون يؤمِّنوا فسمَّاهما داعيين وسنة الدعاء: الإخفاء.
قال الله تعالى: {ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} وقال - صلى الله عليه وسلم -: (خَيْرُ الدُّعَاءِ الخَفِيّ، وخير الرزق ما يكفي تعريب آمين معناه استجيب بالمد مروي كما في قوله: يا رب ... لا تسلبني حبها أبداً ويرحم الله عبداً قال أميناً وبالقصر أيضاً كما في قوله: تباعد عني فطحل إذا رايته آمين فزاد الله ما بيننا بعدا؛ فطحل اسم رجل.
قوله: (ويستعذ بالله من الشيطان الرجيم)؛ لما روى أبو سعيد الخدري أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: القراءة أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ... عدونا وهو يرانا ونحن لا نراه، فالله وليُّنا ومولانا، وهو يرى الشَّيطان والشَّيطان لا يراه، فنستعيذ بالوليِّ الذي يرى الشَّيطان والشَّيطان لا يراه.
قوله: (ويبدأ ضبعيه) الضبع العضد إلَّا يبدأ الإظهار، وهو تباعدهما عن جنبيه ويروى بالتَّشديد وبدون التَّشديد يقال: أبدوا، و بد.
قوله: (لا يجوز الاقتصار عندهما على الأنف) أما عند أبي حنيفة ـ رحمه الله ـ يجوز الاقتصار لكن أساء عند أبي حنيفة- رحمه الله- إذا اقتصر.
قوله: (وذلك أدناه) أي أدنى السُّنة من حيث الكمال، أما الفرض فقد أُدِّيَ بمرةٍ.
قوله في الحديث: "أربع يخفيهن التَّسمية والتَّعويذ والتَّشهد وآمين".
قوله: (ويسرُّهما في نفسه)؛ لما روي عن أنس بن مالك أنَّه قال:" صليت خلف رسول الله وأبي بكر وعمر وكانوا يسرون: بسم الله الرحمن الرحيم "؛ ولأنَّها افتتاح القراءة ولهذا كُتِبَت في المصحف فوجب أن يبتدأ بها كما يبتدأ في سائر الأمور ويُسِرُّها أي التَّسمية؛ لأنَّ التَّسمية من القرآن عندنا، وعند الشَّافعي من الفاتحة.
فيرد إشكالٌ، أنها تجهر أم لا فقال: دفعاً لذلك الإشكال يسرُّها وفي نسخة: ... يسرُّهما، أي التَّعوُّذ والتَّسمية، فإن قيل: إذا أسرَّ بالتَّسمية ويجهر بالقراءة يلزم الجمع بين الجهر والمخافتة في صلاةٍ واحدةٍ، وقلنا: إنما يلزم الجمع إذا قرأ التَّسمية للقراءة للصلاة بل يقرأها للتبرك فلا يكون جمعاً.
قوله: (سمع الله لمن حمده)، ويقول المؤتمُّ: ربنا لك الحمد؛ لما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: "إنَّما جُعِلَ الإمام ليؤتمَّ به، ولا تختلفوا عليه وإذا كبَّر فكبِّروا، وأذ قرأ فأنصتوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا لك الحمد"، أي أجاب الله دعاه بطريق إطلاق اسم السَّبب على المسبَّب؛ لأنَّه السماع سبب الإجابة.
قوله: (ولا يستفتح) أي لا يقول سبحانك اللهم ولا يتعوذ أي لا يقول أعوذ.
قوله: (التَّحيات)؛ أي: الثناء القولي، والصلوات: أي الأعمال التي تتعلق بالفعل، والطيبات؛ أي القربات المآلية لله تعالى.
قوله: (ويقول المؤتمُّ)، صيغة المؤتمِّ يصلح للفاعل والمفعول كالمختار، إذا كان أصله من مؤتم بكسر الميم اسم الفاعل، وبفتحها اسم المفعول وبكسر التَّاء اسم فاعل وبفتحها اسم مفعول،
قوله: ... لك الحمد؛ تقديم الظرف دليل الحصر، أي جميع الحمد لله تعالى، ولا يكون لغيره، وأما إذا قال: لله الحمد، لا يكون الحمد لغير الله أصلاً، أمَّا إذا قال: الحمد لله يعلم الحصر بطريق التَّضمن؛ لأنه إذا كان جنس الحمد لله لا يكون لغير الله.
قوله: (والتَّشهد)، هذا إطلاق اسم البعض على الكل، كالأذان إطلاق اسم البعض على الكل، فإنَّ الأذان: حي على الصَّلاة، حي على الفلاح، فكذلك ها هنا يطلق على الكل، والتَّشهد التَّكلف في الحضور.
قوله: (كلام النَّاس)، وهو الذي لا يستحيل سؤاله عن النَّاس، كقوله: اللهم اغفر أخي، أو: اللهم اغفر أستاذي، تفسد صلاته وإن كان الغفران يستحيل سؤاله من الناس.
قلنا: يمكن سؤاله الغفران عن النَّاس مجازًا، قيل روي عن أبي حنيفة- رحمه الله- أن الإمام ... والمقتدي يجمع بين التَّسميع والتَّحميد يعني سمع الله لمن حمده، و ربنا لك الحمد.
قوله: (النَّبي)، /ب من النباء وهو الخبر و من النبوة ... كالبركة من البروك، معلوم وهو الدَّوام، ومن البركة وهو الحوض، أي: الدَّائم الكثير، والنَّاس من الإيناس والأنس، ....
الفرق بين مسح الرَّأس وبين مسح الخفِّ، أنَّ مسح الرَّأس المحل معلوم وهو الرَّأس، فتبين النَّبي - صلى الله عليه وسلم - المقدار، حتى لو مسح من أي جانب يجوز، و أمَّا في مسح الخفِّ ثبت المقدار والمحلُّ بفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - فيكون خاصَّاً في ذلك المحل، ولهذا لو مسح على باطن الكفِّ، أو جانب الأيمن والأيسر لا يجوز.
والتَّعديل في الصَّلاة واجبٌ على تخريج الكرخي، وسنَّةٌ على تخرج ... الجرجاني، وعند أبي يوسف والشَّافعي ... فرض لا يجوز أمَّا لو مسح عرض الرجل يجوز لأنَّه ظاهر الرِّجل وإن كان عرضاً.
قوله: (ويقرأ في الرَّكعتين الأوليين) عند أبي بكر الأصم رحمه الله: القراءة ليست بفرض أصلاً بل الفرض الأفعال وعند الحسن البصري -رحمه الله- القراءة فرض في ركعة واحدة وعندنا الفرض في ركعتين وعند مالك-رحمه الله-الفرض في ثلاث ركعه وعند الشافعي- رحمه الله- الفرض في الأربع.
قوله: (ولا ينكِّسه) يعني لا يسوي رأسه بعجزه وقيل: لا تذبحه، التَّذبيح بالذَّال المعجمة ... في الحديث: "إذا رفع أحدكم فلا يذبح".
قوله: (الله أكبر)، أي أكبر من كل شيء أو يكون معناه أي الله أكبر من أن يؤدي حقه بهذا القدر من الطاعة.
قوله: (عبده ورسوله) قدم عبده ... على قوله: (ورسوله) نفياً لقول اليهود والنَّصارى، فإنَّ اليهود قالوا: عزير ابن الله، والنصارى قالوا: المسيح ابن الله، فنحن نقول: عبده ورسوله.
قوله: (و التَّشهد) أي: التَّشهد والصَّلاة واجبٌ عند الشافعي- رحمه الله- أي فرضٌ، وعندنا الصَّلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - سنةٌ، والتَّشهد واجبٌ.
قوله: (جهر بالقراءة) في الفجر إلى آخره، هذه قضيةٌ متلقاه من جهة الشَّرع، فينتهي ما أطلعنا الشَّرع وأنهاه.
قوله: (إن شاء جهر وأسمع نفسه، وإن شاء خافت) لما روى عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال كانت قراءة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالليل يرفع طوراً ويخفض طوراً
قوله (وأسمع نفسه)، عطف تفسيرٍ، أي تفسير الجَّهر كما في قوله: ربُّ العباد إليه الوجه والعمل، المراد من العمل: الوجه، وعند أبي جعفر الهندواني: المخافتة بأن يُسمِع نفسه، والجهر بأن يُسمِع غيره، وعند الكرخي المخافتة: تصحيح الحروف، والجهر إسماع نفسه، ويؤيِّد قول الكرخي قول ابن مسعود رضي الله عنه: ... ما خافت من أسمع نفسه، ما هذه نافية.
قوله: (الوتر) لما روى أُبيَّ بن كعب أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يوتر بثلاث ركعاتٍ، لا يسلم إلَّا آخرهن ويقنت في الثالثة قبل الركوع وكله كان للمواظب الوتر اسم شرعي لثلاث ركعاتٍ، وفي اللُّغة الوتر: اسمٌ لفردٍ وهو ضدُّ الزَّوج، وعند أبي حنيفة- رحمه الله- فرضٌ عملاً أي لو أنكره لا يكفر، وعند الشَّافعي- رحمه الله- سنةٌ ....
في أوَّله يقرأ: {{إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ}، وفي الثَّانية يقرأ: {قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ}، وفي الثالثة يقرأ: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ}، في قولٍ ركعةٌ واحدةٌ، وفي قولٍ ثلاث ركعاتٍ بسلامين وفي قولٍ خمس ركعاتٍ بسلامين، وفي قولٍ سبع ركعاتٍ بسلامين.
قوله: (وإذا أراد أن يقنت يكبر ورفع يديه ثم قنت)، أمَّا التَّكبير فلأنَّ هذا انتقالٌ من حالٍ إلى حالٍ يخالفها، والسُّنة فيها التَّكبير كالانتقال في سائر الأركان، وأمَّا رفع اليد فلقوله - صلى الله عليه وسلم -: (لا ترفع الأيدي إلَّا في سبع مواطنٍ وذكر فيها: القنوت؛ لأنه انتقال من القراءة إلى الثَّناء، فلا بدَّ من الإعلام.
لا يقال في أوَّل الصَّلاة انتقالٌ أيضاً من الدُّعاء إلى القراءة ينبغي أن يكبر، قلنا: الدُّعاء تبع القراءة فلا حاجةٌ إلى الفصل بالتَّكبير، وعند البعض: القنوت قرآن فيكبر نفياً لقول ذلك البعض؛ ليقع الفصل بالتَّكبير معما أنَّه جاء الحديث بالتَّكبير، فقلنا: بإقامة وهو الفصل، ولم يجئ الحديث بالتكبير في الأول فلا يحتاج إلى بيان الدليل.
قوله: (وأدنى ما يجزئ من القراءة) يقع على الآية و ... ما دون الآية، والأصحُّ أنَّ المراد منه الآية مروي عن أبي حنيفة في الأصل.
قوله: (و لا يقنت في صلاةٍ غيرها) لما روي عن عبد الله أنَّه قال: "لم يكن يقنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في شيءٍ من الصَّلوات /ب إلَّا في الوتر خاصَّةٍ، وكان إذا حارب قنت في الصَّلاة كلها"، فعند الشَّافعي - رحمه الله - إذا وقعت حادثةٌ يقنت في سائر الصَّلوات ولا يقنت أيضًا عند الشافعي - رحمه الله - إلَّا في النِّصف الأخير من رمضان.
قوله: (ولا يقرأ المؤتمُّ)؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "قراءة الإمام قراءته"، وعند الشَّافعي -رحمه الله - لا صلاة إلَّا بفاتحة الكتاب، يقتضي عدم الصَّلاة بدون الفاتحة، مع أنَّ الإمام لا يحتمل عن المقتدي سائر الأركان فكذلك لا يحتمل القرآن، قلنا: اجمعنا أنَّه يحتمل الزَّائد على الفاتحة عن المقتدي، فكذلك يحتمل عن الفاتحة أيضًا؛ لأنَّ قوله ـ - صلى الله عليه وسلم - ـ: "قراءة الإمام قراءة له"، مطلقاً، أمَّا لا يحتمل سائر الأركان أصلاً، فثبت الفرق بين الأركان والقراءة.
قوله: (والجماعة سنَّةٌ مؤكَّدةٌ)؛ لما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال لقد هممت أي قصدت أن آمر رجلاً يصلي بالناس ثم انظر إلى قوم ليتخلفوا عن الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «صَلَاةُ الجَمَاعَةِ تَفْضُلُ صَلَاةَ الفَرْدِ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ ... ».
الفذ: أي الفرد، وإنَّما يعلم الوَكَادَةُ بآخر الحديث، وهو إحراق بيوتهم، إذا تركوا الجماعة، فإثبات الوعيد دليل التَّوكيد.
قوله: (أعلمهم ... )، وفي الحديث أقرائهم، هذا لا تفاوت بل التَّفاوت باعتبار اختلاف العصر والزَّمان؛ لأنَّ في عصر النبي - صلى الله عليه وسلم -، أنَّ الأقرأ كان أعلمهم وفي زماننا الأقرأ ليس بأعلم بل الأعلم هو الإقراء.
قوله: ( ... أورعهم) لما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «يؤمُّ القومَ أقرؤهم بكتاب الله عزَّ و جل، فإن كانوا في القراءة سواءٌ فأعلمهم بالسُّنَّة، فإن كانوا في السُّنَّة سواءٌ فأقدمهم هجرةً، فإن كانوا في الهجرة سواءٌ فأكبرهم سناً».
فاعتبر النَّبي - صلى الله عليه وسلم - الأفضل فالأفضل، في التَّقديم؛ لأنَّ التَّقديم الأفضل يؤدي إلى رغبة الناس في الإتمام به فتكثر الجماعة، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: (صلاة الرَّجل مع اثنين أفضل من صلاته مع واحد، وصلاته مع الثَّلاثة أفضل من صلاته مع اثنين، وكلما كثرت الجماعة فهو أفضل عند الله.
الورع: هو الاحتراز عن الشُّبهات، والتقوى: احترازٌ عن المحرمات، الأصحُّ يقدم الشَّخص الذي كثرت الجماعة باعتبار تقديمه، ولا يعتبر الغالب في الورع والزُّهد ...
قوله: (تقديم الفاسق)، وعند البعض لا يجوز الفاسق: الذي غلبت ... سيئاته على حسناته، والعدل: الذي غلبت حسناته على سيئاته.
قوله: (و ولد الزنا)، في الحديث ولد الزِّنا شرُّ الثَّلاثة". الزَّاني، والمزنية، وولدهما، وشرُّ الثَّلاثة باعتبار النِّسبة، والزَّاني والمزنيَّة خبيثان باعتبار الفعل، والولد خبيثٌ باعتبار الذَّات، والفعل أي ذاته خبيثةٌ، وحصل من فعلٍ حرامٍ.
قوله: (ويصف الرجال ... ثم الصبيان)؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: " ليليني أولو الأحلام".
قوله: (أَعلَمُ) أي أعلم بأحكام الشَّريَّعة التي تتعلَّق بأمر الصَّلاة؛ لأنَّ المراد منه العالم بالجامعين والزِّيادات والمفصَّل.
قوله: (ويكره للنِّساء) أن يصلَّين وحدهن وعند الشافعي- رحمه الله- مستحبٌّ، وإنَّما يكره للرِّجال ترك الجماعة؛ لأنَّ خروجهم غير حرام، وعلى النِّساء التَّرك غير مكروهٍ؛ لحرمة خروجهنَّ فيكره جماعتهن مفردات.
قوله: (أقامه عن يمينه)، قيل رؤوس أصابع المقتدي إذا كان منفردا يكون محاذياً عقب الإمام، والظَّاهر أنَّه أقامه عن يمينه بدون ذلك القيد.
قوله: (فإن قامت امرأةٌ على جنب رجلٍ فسدت صلاته؛) لأنَّه قام الرجل منها مقام الإتمام في صلاةٍ ذات أركان، اشتركا فيها فصار كما لو صلى خلفها مقتدي بها.
صورة مسألة المحاذاة فيها قيود، وهي محاذاةُ المرأةُ المشتهاةُ الرجلَ في صلاةٍ مطلقةٍ، المنوية إمامة النِّساء بلا حائل حتَّى إذا كان في صلاة الجنازة لا تَفسُد صلاتُه، وإذا كانت صغيرةً أيضاً لا تَفسُد، وإذا لم يكن الإمام نوى إمامة النساء أيضاً لا تفسد، ولو كان بين الرَّجل والمرأة حائل أيضاً لا تفسد، بأن كان مثل مقدمة الرجل ومؤخر الرجل وغلظه /ب مثل غلظ الإصبع ويكون قدره قدر الذراع، وعند الشَّافعي ـ رحمه الله ـ المحاذاة ليست بمفسدة.
قوله: (ولا بأس بأن تخرج العجوز في الفجر والمغرب والعشاء عند أبي حنيفة ـ رحمه الله ـ وعندهما تخرج في الصَّلوات كلها) لعدم وقوعها في الفتنة.
قوله: (ومن به سَلَسُ البول) بفتح اللام مصدرٌ وبكسرها اسمٌ.
قوله: (ولا الطَّاهرات خلف المستحاضة) أمَّا المستحاضة ونحوها؛ فلأنَّ الإمام وُجِدَ منه الحدث، فلم يجز للمتطهِّر أن يقتدي به كغير حال العذر، وأمَّا الأمي فلأنَّ القارئ يقدر على أن يجعل صلاته بقراءته أن يقدم عليه أو يصلي منفرداً، فإذا ترك القراءة مع قدرته عليها لم يجز صلاته، كما إذا صلَّى منفرداً ولم يقرأ، وأمَّا العُريان؛ فلأن السِّتر شرطٌ من شرائط الصَّلاة كالطَّهارة.
فإن قيل ما الفائدة في إعادة المسألة وقد فُهِمَ من قوله ولا الطَّاهر خلف من به سلس البول؟ قلنا: إنَّ الاستحاضة عذرٌ كسلس البول، إلَّا أنَّه خصَّ المستحاضة؛ لأنَّه يرد أشكالٌ؛ لأنَّ الاستحاضة مانعةٌ أم لا؟ فإنَّ عند مالك رحمه الله دم الاستحاضة ليس بمانعٍ؛ لأنَّه ليس بخارج معتادفلأجل هذا أخصَّ المستحاضة بعد قوله: (ولا يصلِّي الطَّاهر خلف من به سلس البول) دفعاً لإزالة ذلك الإشكال.
قوله: (ولا القارئ خلف الأمِّي) فإنَّ عند زفر -رحمه الله- الأمَّي القارئ قادرٌ؛ ولهذا لا يجوز اقتداء الأمِّي بالأخرس؛ لأنَّ الأمِّي يقدر على عقد التَّحريمة والأخرس لا يقدر.
قوله: (ويجوز أن يؤمَّ المتيمِّمُ المتوضئَ)، وهذا عندهما -رحمه الله، - وعند محمد- رحمه الله - لا يجوز؛ بناءً على أنَّ عندهما أنَّ التَّراب خلفٌ عن الماء لا التَّيمُّم من الوضوء وعند محمد - رحمه الله - الوضوء أصلٌ والخلف التَّيمُّم، فيكون قولهما المتيمِّم صاحب أصلٍ؛ لأنَّ الخلفية في التُّراب.
لا يقال الخلفية لما ثبت في الآلة يكون الخلفية ثابتة في حصول الطهارة ينبغي أن لا يجوز الاقتداء قلنا: الخلفية في الآلة لا يؤثر في المقصود بأن كان للدار شفيعان أو مدعيان أحدهما اشترى بنفسه والآخر اشترى بالوكالة يكونان سواء فعلم من هذه أن الخلافة لا يؤثِّر فيما هو المقصود.
قوله: (ويصلِّي القائم خلف القاعد) عندهما ـ رحمه الله ـ خلافاً لمحمد ـ رحمه الله ـ فإنَّه لا يجوز، ودليلها في المسألة أنَّ في اقتداء القائم بالرَّاكع استواء النِّصف الأسفل، وفي اقتداء القائم بالقاعد استواءٌ النِّصف الأعلى، فيقع المشاركة فيجوز، و روي أنَّ النَّبي - صلى الله عليه وسلم - صلَّى وهو قاعدٌ والقوم قيام.
قوله: (و لا المفترض)، ... خلف المتنفِّل ففي كل صورةٍ لو جاز البناء في صلاة نفسه بنيَّة الإمام يجوز الاقتداء، فبنية النَّفل في الصَّلاة فكذلك يجوز اقتداء المتنفل على المفترض.
قوله: (ويكره أن يعبث)، إلى آخره ... فقيل: لو خشع قلبه تخشع ... جوارحه". والسفه أقوى من العبث كالظلم أقوى من الجهل والعبث عبارة عن فعل يخلو عن الفائدة والسفه عبارة عما يوجب المضرة.
قوله: (ولا يفرقع أصابعه)، الفرقعة وهو أن يغمز أصابعه و يمد حتى يصوت.
قوله: (ولا يتخصَّر)، التَّخصُّر: وضع اليد على الخاصرة لما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنَّه نهى عن الاختصار في الصَّلاة وقالت عائشة: وهو عمل اليهود، أنَّه مكروه لوجهين، أحدهما: يفوت للوضع المسنون، والثَّاني: أنَّ هذا فعل الجبابرة، كما يقال الاختصار راحة أهل النار، أي راحة الكافر في الدنيا.) /ب
قوله: (ولا يشبِّك) وهو إدخال الأصابع في الأصابع.
قوله: (ولا يسدل ثوبه) فيه خلاف مالك -حمه الله-فإن عنده السدل جائز وصورة السدل ... هو أن يجعل ثوبه على رأسه أو على كتفيه ثم يرسل أطرافه من جوانبه من ... غير أن يضم طرفيه بيديه؛ لما روى أبو هريرة رحمه الله عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنَّه نهى عن
السَّدل؛ ولأنَّه فِعلُ أهل الكتاب، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ"، أو أن يدخل رأسه في وسط ثوبه أو كتفه في وسط ثوبه ويرسل جوانبه.
قوله: (ولا يقعص) وهو أن يجعل شعره على وسط رأسه ويشدَّه؛ لما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: "مثل الذي يصلِّي وهو عاقصٌ شعره مثل الذي يصلي مكتوف، بغلي وهو جمع شعره على هامته أو تدوير شعره على جوانب الرأس كما هو عادة النِّساء، أو جمع شعره على قفاه كما هو عادة رنود بخارا وخدام الأمراء ....
قوله: (ولا يكفُّ ثوبه)، وهو أن يجمع ثوبه ويشدَّه في وسطه؛ لما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: "أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ، وأن لا أكفَّ ثوباً ولا أقعص شعراً".
قوله: (ولا يلتفت) وهو ليَّ العنق، أمَّا النَّظر في الصَّلاة بدون اللَّي فليس بمكروهٍ.
قوله: (ولا يردُّ السَّلام)، بأن سَلَّمَ أحدٌ على المصلِّي، لا يردُّ السَّلام بلسانه.
قوله: (ولا يقعي)، وهو وضع إليته ونصب ركبتيه على قدميه كالكلب، والثَّاني اعتماد يديه على الأرض ويضمُّ ركبتيه إلى صدره.
قوله: (فإن كان إماماً استخلف وتوضأ وبنى والاستئناف أفضل) أمَّا جواز البناء وهو استحسان؛ لما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "من قاء في صلاته أو رعف فلينصرف وليتوضأ وليبني علي ما مضى من صلاته ما لم يتكلم"؛ ولأنَّه حدثٌ موجبه الوضوء طرى على صلاته بغير فعل من المحدث فلم ينف البناء كدم الاستحاضة، وأمَّا الاستخلاف فلحديث أبي أمامة وأبي بكر وروى أنَّ عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وعلي ابن أبي طالب استحلفها في الصلاة.
أي استخلف بالإشارة أو بالجرِّ إلى مكانه فبعد الاستخلاف يكون المقتدي إماماً والإمام مقتدياً، بأن جاء الإمام والخليفة قد خرج من المسجد تبطل صلاة الإمام، ولا تبطل صلاة الخليفة، ولو بطلت صلاة الخليفة بسببٍ تبطل صلاة الإمام علم أنَّه صار مقتدياً.
ولو توضَّأ في المسجد ولم يأت الخليفة ركناً من الصَّلاة يكون الإمام إماماً، فلو خرج الإمام من المسجد ولم يأت الخليفة ركناً يكون الخليفة إماماً لخلو المكان عن الإمام
قوله: (ولا يتربَّع إلا من عذر)؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: صَلَاةِ القَاعِدِ على النِّصف من صلاة القائم إلا المتَّبع.
وأمَّا إذا كان لعذرٍ، فلأنَّ العذر يبيح ترك الواجب والمسنون أولى؛ لأنَّ العذر مسقط المحرَّم، بأن كان مال الغير حلالا عند الخمصة، فأولى أن يترك السُّنة في القعود بسبب العذر.
قوله: (والاستئناف أفضل)؛ لأنَّ الاستحسان يثبت بالإجماع أو بالأثر أو بالقياس.
قوله: (الاستئناف أفضل)؛ لأنَّه عملٌ بالإجماع.
قوله: (وإن نام ... فاحتلم أو جنَّ أو أغمي عليه أو قهقه، استأنف الوضوء والصَّلاة)، أمَّا الاحتلام فلأن موجبه الغسل، وهو عملٌ كثيرٌ، ولأنَّه لا بد من كشف عورته وذلك يفسد الصَّلاة، وأمَّا الجنون والإغماء؛ لأنَّه يبقي على حاله بعدهما، فصار كمن سبقه الحدث، وأمَّا القهقهة فلأنَّها في معنى الكلام، والكلام يفسد الصَّلاة بكل حالٍ، كذا القهقهة ....
لا يجوز الاستخلاف؛ لأنَّ البناء في الحدث ثبت بخلاف القياس، فغيره لا يمكن إلحاقه إلا بالدَّلالة، وفي الدَّلالة لا بد أن يكون مثله، والإغماء والنَّوم ليس في معنى الحدث، فلا يلتحق فيجب الاستئناف.
قوله: (وإن رآه بعد ما قعد قدر التَّشهد) هذه المسألة اثنا عشرية، أي الخروج بفعل المصلَّي عند أبي حنيفة-رحمه الله- فرضٌ، وعندهما ليس بفرضٍ، ثمرة الخلاف تظهر /ب في هذه المسائل ينبغي أن يقال اثنيه عشرية؛ لأنَّ المركَّب إذا نُسب تكون النِّسبة من الجانبين، كما يقال تزوجت روميَّةً، هرموزيَّةً دام هرمز أسماء شهرٍ ثمَّ وضعا على مكانٍ معينٍ ... .
الحدث والتَّكلم والضَّحك متعمِّداً منافٍ للصَّلاة، كيف يخرج المصلِّي بهذه الأفعال عن الصَّلاة؟ فنقول يخرج من حيث أنَّه مخرجٌ لا من حيث أنَّه منافٍ، كالصَّلاة في أرضٍ مغصوبةٍ يخرج. عن العهدة بهذه الصَّلاة باعتبار وجود أداء الصَّلاة، لا باعتبار الغصب فإنَّ الغصب حرام.
قوله: (فتعلَّم سورةً) المراد منه أن تذكَّر بعد النسيان، فباعتباره يسمَّى أمياً؛ فإنَّ التَّعلم عملٌ كثيرٌ مفسدٌ للصَّلاة، فلهذا أوَّلناه بالتَّذكر.
قوله: (وإن كانت مستحاضة) ليس في نسخة الأصل وفي بعض النُّسخ أو كانت مستحاضةً موجود، فوجهه بأن كانت طاهرةً في أوِّل الوقت وتكون طاهرةً إلى خروج الوقت، وإلَّا لو كانت مستحاضة في الوقت وطهرت لا تدري أنَّها طهرت؛ لأنَّها إنَّما طهرت إذا كانت طاهرةً وقتاً كاملاً فلا تدري أنَّها طهرت أم لا بانقضاء الدَّم.
قوله: (فسقطت عن بره) وهذا نادر بأن كانت يده مكسورة عند الشروع في الصلاة فبرأت مع خروج الوقت فيكون فرض المسألة بأن كان ريحاً في موضع لا يمكن إلَّا التَّحرك فسكن الريح في آخر الصَّلاة وهذا ممكن في لحظة واحدةٍ.
قوله: (ولا يأكل ولا يشرب)؛ لأنَّ في الصَّلاة معنى الصَّوم والحجِّ والجهاد، وفي الحجِّ هجرةٌ ففي الصَّلاة أيضاً إلى الله تعالى، وفي الصَّوم حرمةٌ ورياضةٌ، ففي الصَّلاة أيضاً رياضةٌ وحرمة فيحرم الأكل كما يحرم في الصَّوم الأكل، ومعنى الجهاد في الصَّلاة موجودٌ وهو الجهاد مع إبليس، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: "رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر".
قوله: (ومن تكلم عامداً أو ساهياً بطلت صلاته)؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -:" إن صلاتنا هذه لا يصح فيها شيءٌ من كلام الناس"، وقوله: "شيءٌ" نكرةٌ في موضع النَّفي فيكون عاماً، فلو لم يبطل بالكلام لكان شيء ما صالحاً والحديث نفى أن يكون شيء ما صالحاً.
باب قضاء الفوائت
قال الشَّيخ رحمه الله (من فاتته صلاةٌ قضاها إذا ذكرها، وقدمها على صلاة الوقت، إلَّا أن يخاف فوت صلاة الوقت، فإنَّه يقدِّم صلاة الوقت عليها ثمَّ يقضيها، وإن فاتته صلواتٌ رتَّبها في القضاء كما وجبت في الأصل، إلَّا أن تزيد الفوائت على ستَّة صلواتٍ فيسقط التَّرتيب فيها)،
أمَّا تقديم الفائتة على صلاة الوقت؛ فلما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا صلاة لمن عليه صلاة فائتة"، و أنَّه قال: "من نام عن صلاةٍ أو نسيها فليُصلِّها إذا ذكرها"، فإنَّ ذِكرَ وقتِها لا وقت لها إلَّا ذلك.
والأصل في وجوب التَّرتيب في القضاء ما روى عمر أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "من دخل مع الإمام في الصَّلاة فتذكَّر أنَّ عليه صلاةً قبلها، مضى في هذه ثمَّ صلَّى ذلك ثم أعاد ذلك"؛ ولأنَّ التَّرتيب مع بقاء الوقت واجبٌ بالوقت والفعل؛ ألا ترى أنَّه لا يصلِّي العصر قبل الظُّهر للوقت، فيسقط الوقت في يوم عرفة، فلا يجوز تقديم العصر على الظُّهر.
فإذا فات الوقت سقط التَّرتيب من حيث الوقت، وبقي التَّرتيب من حيث الفعل، وليس كما إذا ازداد الفوائت على الستَّة صلواتٍ؛ لأنَّها دخلت في حدِّ التِّكرار فلا يزيد ما فيها التَّرتيب كقضاء أيام رمضان
المأمور به نوعان: أداءٌ وقضاءٌ، فإذا وُجِدَ الأداء في الوقت يسمَّى أداءً، وإذا وُجِدَ خارج الوقت يسمى قضاءً، والأداء يُستعمَل مكان القضاء بقرينةٍ، بأن قال: أدَّى دينه، أي قضاء، أمَّا القضاء يستعمل مكان الأداء مطلقاً بدون القرنية كما في قوله تعالى: {{فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ} أي أدَّيتم الصَّلاة. ومناسبة هذا الباب بالباب /ب الأوَّل، وهو أنَّه لمَّا أتمَّ مسائل الأداء شرع في القضاء في الصَّلاة.
قوله: فإن ذلك وقتها، مروي عن ابن عمر - رضي الله عنه - ... لا يقال: لمَّا كان وقت التذكُّر وقت الفائتة بالحديث، فلا يكون فائتةً، لِمَ يسمى فائتةً؟ قلنا: إنَّما يسمى فائتةً؛ لأنَّ هذا الوقت وقت الوقتي بالنَّص، وهو قوله تعالى: {إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا}، وما ثبت بالنَّص أقوى، فلا يكون وقتاً للفائتة نظراً إلى النَّص فلهذا قال فائتة.
قوله: (فيقدم) الفائتة إذا كان في الوقت سعةٌ، يجب أن تقدِّم الفائتة بالحديث؛ فإنَّ ذلك وقتها، وفي الموضع الذي ضاق الوقت يجب تقديم الوقتي بالنَّص؛ لرجحان النَّص على الحديث، ففي الوقت الذي فيه سعةٌ لا معارضة بينهما، فجمعنا الحديث بالنَّص ففي الموضع الذي يجب تقديم الفائتة لا يجوز تقديم الوقتي وفي الموضع الذي يجب تقديم الوقتي يجوز تقديم الفائتة؛ لأنَّ الفائتة صارت ديناً في ذمته فَمنِع تقديم الوقتي.
أمَّا الوقتيَّة ما صارت ديناً، ولهذا إذا حاضت في آخر الوقت تسقط عنها الوقتيَّة، أو خرج إلى سفرٍ في آخر الوقت، ولو مات في الوقت لقي الله ولا شيء عليه، أمَّا إذا مات قبل أداء الفائتة لقي الله وعليه عقوبةٌ، وإذا لم يكن ديناً لم يمنع تقديم الفائتة لأنَّها ليست مقدرة.
قوله:) إلَّا أن تزيد الفوائت (، ففي قوله: إلَّا أن تزيد الفوائت نوع إشكالٍ؛ لأنَّ الفوائت جمع وأقلُّ الجمع ثلاثةٌ، ينبغي أن يسقط الترتيب إلَّا أن تصير الفوائت تسعة بأن كان الزَّائد ثلاثة، لكن أجمعنا واتفقنا على أن لا يبقى الحكم إلى أن تصير تسعة فيراد المجاز، وهو أن يصير الفوائت ستاً.
فعند محمد رحمه الله بدخول وقت السَّادسة، وعندهما بخروج وقت السَّادسة، وإلا حقيقته ليست بمراده؛ لأنَّ الزَّائد غير المزيد عليه، وهو أنَّ الفوائت مزيدٌ عليه وزائدٌ أيضاً، أي تصير الفوائت ستاً كما عبرت الحقيقة في قوله تعالى: {{حِينَ تُمْسُونَ}، الصَّلاة مرادٌ لا حقيقة المساء.
قوله: (فسقط التَّرتيب)، كما أنَّ النِّسيان وكثرة الفوائت وضيق الوقت يسقط التَّرتيب بين الوقتيَّة والفائتة، فيسقط أيضاً في الفوائت بطريق الأولى، كالضَّرب على الرَّأس، أو عضوٍ يؤثِّر الوجع في جميع الأعضاء فيؤثِّر في الرَّأس أيضاً بالطريق الأولى.
فإذا كثرت الفوائت فصلَّى بعضها حتى قلَّت، فعند بعض المشايخ يعود التَّرتيب إذا قلَّت الصَّلاة الفائتة بعد قضاء بعضها، وعند فخر الإسلام علي البزدوي لا يعود، كما إذا تنجَّس الماء القليل ثمَّ كثر بعد التَّنجس فصار طاهراً ثم قلَّ الماء على ما كان، لا تعود النَّجاسة كذا ها هنا لا يعود التَّرتيب؛ لأنَّ السَّاقط يتلاشى فالمتلاشي كيف يعود؟.
قوله: (قضاء الفوائت)، ولم يقل قضاء المتروكات؛ لأنَّ من حال المسلم أن لا يترك الصَّلاة قصداً، بل يُفَوِتُ الصَّلاة باعتبار غفلةٍ، كما في قوله - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا"، فالحكم في العمد كذلك؛ لأنَّ المسلم لا يكون عامداً في ترك الصَّلاة ظاهراً نظراً إلى إسلامه.
قوله: (كما وجب في الأصل) المراد من الأصل الأداء.
باب الأوقات التي يكره فيها الصَّلاة
وفي بعض النُّسخ باب الأوقات التي تكره فيها الصَّلاة، لقَّب الباب بقوله: (لا يجوز الصَّلاة) وأورد فيه مسألة الكراهية؛ لأنَّ في هذا الباب مسائل الكراهية ومسائل عدم الجواز؛ لأنَّ عدم الجواز معدومٌ في الكراهية، و أمَّا الكراهية موجودةٌ في عدم الجواز؛ لأنَّ الكراهية اسم الجواز فيه غير عدم الجواز، ففي عدم الجواز الكراهية موجودةٌ، فلهذا لقب الباب بعدم الجواز.
قوله: (فلا تجوز الصَّلاة عند طلوع الشَّمس)؛ لما روي عن عقبة بن عامر الجهني أنَّه قال: ثلاث /ب ساعاتٍ نهانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نصلي فيهنَّ ونقبر فيهن موتانا، حين تطلع الشمس حتى ترتفعا وحين تقوم الشَّمس وحين تضيق الشَّمس". للغروب إلَّا عصر يومه ذلك؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من أدرك ركعةً من العصر قبل أن تغرب الشَّمس فقد أدركها كلها".
إن كان المراد من الصَّلاة: النَّفل لا يجوز فعلاً ولو فعل جاز، فلو كان المراد الفرض لا يجوز أصلاً فالمراد من قولنا: لا يجوز فعلاً حتى لو قطع يجب القضاء.
قوله: (ولا يصلِّي على جنازةٍ، ولا يسجد سجدة التِّلاوة) فبين هاتين المسألتين فرقٌ، فلو حضرت الجنازة أولى أن يصلِّي، ففي سجدة التِّلاوة أولى أن لا يسجد في هذه الأوقات؛ لأنَّه جاء في الحديث "ثلاثٌ لا يؤخرن، منها صلاة الجنازة وتزويج البكر بعد بلوغها، وقضاء الدَّين بعد انقضاء مدَّتها".
قوله: (و بعد العصر حتى تغرب الشَّمس) أي حتَّى تتغيَّر؛ لأنَّه قبيل هذا ذكر أنَّ عدم الجواز ثابتٌ عند الغروب بقوله عند غروبها.
قوله: (ويكره أن يتنفل بعد طلوع الفجر بأكثر من ركعتي الفجر، ولا يتنفل قبل المغرب)؛ لأنَّ النَّبي - صلى الله عليه وسلم - كان لا يصلِّي بعد طلوع الفجر أكثر من ركعتين، مع حرصه على النَّوافل، فلو جاز ما زاد عليها لفعله.
وأمَّا قبل الغروب؛ فلأنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يتنفل قبل المغرب وقال:" بين كل أذانين صلاةٌ إلَّا المغرب"، ولأنَّ الاشتغال بالنِّفل تؤدي إلى تأخير المغرب وذلك مكروه.
سواء كان النَّفل له سببٌ، كركعتي الطَّواف وتحيَّة المسجد، أو لم يكن له سبب، وعند الشَّافعي -رحمه الله- في النَّفل الذي له سبب لا يكره، وفي النَّفل الذي لا سبب له فيكره.
باب النَّوافل
النَّافلة: الزِّيادة، كما سمي الغنيمة نفلاً؛ لأنَّه زيادةٌ على المقصود، و) لأنَّ المقصود إعلاء كلمة الله تعالى، وسمي ولد الولد نافلةً؛ لأنَّه زيادةٌ فكذلك النَّفل زيادةٌ على الفرض، ومناسبة هذا الباب بالباب الذي قبله، وهو أنَّه لمَّا أتمَّ الأداء والقضاء شرع في بيان النَّوافل.
قوله: (أن تصلى ركعتين بعد طلوع الفجر) لما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال في ركعتي الفجر: "هُمَا خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا" بدأ بسنَّة الفجر؛ لأنَّه أولٌ، فالبداية بالأوَّل أولى، وروي عن بعض المشايخ أنَّه لو صلَّى سنَّة الفجر على الرَّاحلة مع قدرته على النُّزول لا يجوز، وقيل: لو أنكر سنَّة الفجر يكفر.
قوله: (وإن شاء ركعتين) ينصرف إلى ما قبله، وأربعاً بعده، قيل: هذا الخيار بين الركعتين وأربع بعد العشاء، إذا أدَّى العشاء في الوقت المستحبِّ، أمَّا إذا أدَّى في وقتٍ غير المستحبِّ يؤدي الأربع بعد العشاء؛ رفعاً لذلك الأداء الذي وقع في غير الوقت المستحب.
قوله: (القراءة في الرَّكعة الأولى فرضٌ)، وهو مخيرٌ في الأخريين، إن شاء قرأ، وإن شاء سكت، وإن شاء سبَّح، أمَّا وجوبهما في الأوليين؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لَا صَلَاةَ إِلَّا بِقِرَاءَةٍ".
وأقلُّ الصَّلاة ركعتين، وأمَّا الباقي فلما روي عن علي وعبد الله أنَّهما كانا يسبِّحان في الأخريين، وعن عثمان أنَّه نسي القراءة في الأوَّليين من العشاء فقرأ في الأخريين وجهر وسجد للسَّهو.
بعبارة النَّص، وفي الثَّانية مثل الأولى، فتكون القراءة فيها فرضاً بالدَّلالة، أمَّا الأخيرين ليسا مثل الأوليين، فلا يلحق بالأوليين فتكون القراءة فيهما نفلاً.
فإن قيل: لقَّب الباب بالنَّوافل ثم أورد فيه السُّنن، قلنا: السُّنن نوافلٌ أيضاً؛ ولهذا يجوز أن يؤدِّي على الراحلة كالنَّوافل غير سنَّة الفجر على قول البعض.
قوله: (والقراءة واجبةٌ في جميع ركعات النَّفل)؛ لأنَّ كلَّ ... شفعٍ صلاةٌ على حدةٍ، ولهذا يقرأ سبحانك اللهم عند البعض في الشفع الثاني.
قوله: (فإن شاء سكت) هذا على قول أبي يوسف- رحمه الله-فإن عنده السُّكوت ليس بإساءةٍ، وها هنا ذكر بدون الإساءة فيكون على قول أبي يوسف، وعند البعض السُّكوت إساءةٌ وعند البعض كراهةٌ، والفرق بين الكراهة والإساءة، وهو أنَّ الكراهة أفحش من الإساءة.
ومقدار السُّكوت: هو زمانٌ يمكن أن يقال فيه ثلاث تسبيحات، كذا قال مولانا شمس الأئمة رحمه الله؛ لأنَّه قربةٌ بالتَّسبيح بقوله: (إن شاء سكت وإن شاء سبَّح) فالتَّسبيح ثلاثُ.
قوله: (ثمَّ أفسدها قضاها) ومن دخل في صلاة نفلٍ ثمَّ أفسدها قضاها؛ لأنَّ هذه عبارة تلزم بالعذر فجاز أن تلزم بالشروع فيها كالحج، قال مولانا-رحمه الله- الإيمان والأعمال الصَّالحة روح الرُّوح؛ فكما أنَّه لا يجوز إبطال الرُّوح المحرّك للبدن بقوله تعالى: {وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}، فكذلك لا يجوز إبطال روح الرُّوح بقوله تعالى: {وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ}، هذا التَّقدير بطريق لسان الرياضة.
قوله: (فإن صلَّى أربع ركعاتٍ)، فصلَّى ركعتين ثمَّ قام إلى الثَّالثة فأفسدها قضى ركعتين؛ لأنَّ الدُّخول إيجابٌ بالفعل، فلا يلزم إلَّا أدنى ما يتقرب من جنس تلك العبادة، ولا يعتبر فيه النِّية، كمن دخل في الصَّوم ينوي صوم أيامٍ فإنَّه لا يلزمه إلَّا صومه اليوم الذي شرع في صومه.
وأدنى ما يتقرب من الصَّلوات ركعتان فيلزمه ذلك فيسقط ما زاد عليه وإن نواه؛ لأنَّ القيام إلى الثَّالثة كتحريمةٍ أخرى، وعن هذا قالوا أنَّه يجب أن يستفتح في أول الثَّالثة كما يستفتح في أول الرَّكعة، وفساد إحدى التَّحريمتين لا يوجب فساد الأخرى، كما لو فصل بينهما سلامٌ، فإنَّه لا يجب عليه إلَّا قضاء ما باشر الفساد، المراد من صلَّى أي شرع؛ لأنَّه قال قضى ركعتين؛ لأنَّه بعد أداء الأربع كيف يمكن القضاء؟
قوله: (ومن كان خارج المصر)، ففي قوله: (خارج المصر) فائدةٌ وهو: أنَّ من قوله خارج المصر يُعلَمُ أنَّ السَّفر ليس بشرطٍ، ويُعلَمُ أنَّ في المصر لا يجوز، وروي عن أبي يوسف - رحمه الله- أنَّه يجوز في المصر أيضًا وقيل: عند الشُّروع في الصَّلاة على الدَّابة الاستقبال ليس بشرطٍ أيضاً.
باب سجود السهو
هذا من قبيل إضافة المسبَّب على السَّبب، كما يقال: سجدة التِّلاوة، وخيار العيب وكفَّارة القتل، وكفَّارة الظِّهار، وعند أبي الحسن الكرخي- رحمه الله- سجدة السَّهو واجبةٌ، وعند بعض المشايخ سنةٌ، وفي النسيان والعمد ثبت عند الشافعي- رحمه الله-ويؤدي قبل السلام وعند مالك-رحمه الله-في الزيادة بعد السلام وفي النقصان قبل السلام، وعندنا بعد السَّلام في الزِّيادة والنُّقصان والخلاف في الأفضلية.
وعندنا لو سجد قبل السَّلام يجوز وعنده لو سجد بعد السلام يجوز أيضًا وقال صدر الإسلام:"إنما تجب سجدة السَّهو إذا سلَّم ولم ينو الخطاب والخروج". حتى إذا نوى الخطاب مع النَّاس أو الخروج لا يجوز أن يسجد بعد ذلك.
وسجدة السَّهو تجب بترك الواجب الأصلي، أو تغيير الفرض بأن قعد مقام القيام ... ويعني بالواجب الأصلي: بأنَّ يجب بالتَّحريمة كالقعدة الأولى، وختم السُّورة إلى الفاتحة، فلو لم يجب بالتَّحريمة ... لا يجب بتركه، حتَّى إذا تلا آية السَّجدة وما سجد ساهيًا، لا تجب سجدة السَّهو بتركها.
قوله: (زاد في صلاته فعلًا من جنسها ليس منها، أو ترك /ب فعلاً مسنوناً، أو ترك قراءة فاتحة أو القنوت أو التَّشهُّد أو تكبيرات العيدين، أو جهر الإمام فيما يخافت، أو خافت فيما يجهر).
أمَّا زيادة الفعل؛ فلما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قام إلى الخامسة فسُبِّح فرجع وسجد للسهو؛ لأنَّه زاد في صلاته القيام وهو من جنسها، وأمَّا ترك الفعل الذي فيه ذكرٌ مسنون؛ فلما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قام إلى الثَّالثة فسُبِّح به ولم يرجع وسجد للسَّهو؛ لأنَّه ترك فعلًا فيه ذكرٌ مسنون.
وأمَّا ترك فاتحة الكتاب؛ لأنَّه هي الرُّكن، فكان آكد من الفعل المسنون، وأمَّا القنوت فلأنَّه جُعِلَ عَلماً على صلواتٍ مخصوصةٍ فصار مقصودًا فيها بنفسه، وأمَّا التَّشهد فلأنَّه ذكرٌ مسنونٌ ممتدٌ أي محكمٌ اختصَّ به ركنٌ من أركانه كالقراءة، وأمَّا تكبيرات العيدين ولأنَّها زايدٌ كالقنوت، وأمَّا القراءة في القعدة؛ لأنَّه أتى يقرأ غير مسنون فصار كالجهر كما إذا ركع ركوعين أو سجد ثلاث سجدات.
قوله: (أو تركه فعلًا مسنونًا)، أي فعلًا يجب بالسُّنُّة بطريق اسم السبب على المسبَّب، وإلا لا تجب سجدتا السَّهو بترك السُّنة، ونظير الفعل المسنون: بأن ترك القعدة الأولى، والقومة في الرُّكوع والسُّجود وترك الجلسة بين السَّجدتين، والطمأنينة فيهما، أمَّا القنوت ونحوها إن كان ليس بفعلٍ، وإن كان يجب سجدتا السَّهو في ترك القنوت وترك الفعل المسنون.
قوله: (جهر الإمام)، إنَّما قيَّد بالإمام؛ لأنَّ المنفرد مخيّرٌ بين الجهر والمخافتة، ... ، فإذا جهر في الذي يخافت لا يكون تاركاً الواجب فلا يجب، فإذا كان المنفرد عامدًا يكون مسيئًا وإذا كان ناسيًا لا شيء عليه.
لا يقال: إذا جهر فيما يخافت ينبغي أن يجب؛ لأنَّه ترك المخافتة قلنا: لأنَّ سجود السَّهو من شعائر الإسلام فالإمام أولى بالشَّعائر، فعند أبي يوسف- رحمه الله- إن ... جهر حرفًا أو كلمةً يجب سجدتا السهو، وعند محمدٍ- رحمه الله- إنَّما يجب إذا جهر أكثر الفاتحة، وعند أبي حنيفة - رحمه الله- إنَّما يجب إذا جهر شيئًا تجوز به الصَّلاة، وهو تلاوة ثلاث آياتٍ قصارٍ، أو آيةٌ طويلةٌ.
فعند الشافعي-رحمه الله- إذا لم يسجد الإمام يسجد المؤتم، وعندنا لا يسجد لقوله عليه السلام: "إذا سجد الإمام فاسجدوا".
قوله: (وإن كان إلى حال القيام أقرب) لم يعد ويسجد للسهو؛ لأنَّ محل الفعل المسنون لم يفت، ألَّا ترى أنَّ من كان إلى حال القعود أقرب فهو في حكم القاعد أقرب لم يعد؛ لأنَّ النَّبي عليه السلام قام إلى الثَّالثة سُبِّحَ فيه فلم يعد وسجد للسَّهو.
والعلم الفاصل بين القاعد والقائم: استواء النِّصف الأسفل، فإذا لم يستو النِّصف الأسفل يكون إلى القعود أقرب، وإذا لم يستو القيام يعود إلى القعدة؛ لأنَّ ما قرب إلى الشَّيء يأخذ حكمه، كما في قوله تعالى: {الحَجُّ عَرَفَةُ}، من وقف فقد تمَّ حجُّه أي قرب وبترك القعدة الأولى لا يجب سجدة السَّهو في روايةٍ و في روايةٍ يجب.
قوله: (ما لم يسجد؛) لما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قام إلى الخامسة فسُبِّحَ به ورجع وسجد للسهو، ولأنَّ القعدة الأخيرة فرضٌ فلزمه الرُّجوع إليها.
والسُّجود يتم عند أبي يوسف- رحمه الله - بالوضع، وعند محمد - رحمه الله -بالرفع، باعتبار أنَّ السَّجدة تحقيق الفعل وقد وجد، وعند محمد - رحمه الله- بالهيئة القارة والقارة تحصل بالرَّفع، وثمرة الخلاف تظهر: فيما إذا سبقه الحدث بعد الوضع عند أبي يوسف -رحمه الله- تبطل صلاته؛ لأنَّه قيّد الخامسة بالسَّجدة، وعند محمد- رحمه الله- لا تبطل بل يتوضَّأ ويتمُّ صلاته ويسجد سجدة السَّهو؛ لأنَّ التَّقييد بالسَّجدة لم يوجد فلم تبطل فرضه هذه مسألة ره يعني مع الحدث تتمُّ الصَّلاة وبدون الحدث تبطل بعد الرَّفع /ب فيكون هذا نوع تشنيع من أبي يوسف على محمد رحمهما الله.
قوله: (والأخريان نافلة) أي لا ينوبان عن السُّنَّة.
قوله: (أول ما عرض له استأنف الصَّلاة، فإنَّ الشَّك يعرض له كثيراً بناء على غالب ظنه إن كان ظن فإذ لم يكن له ظن بنى على اليقين) أما الفصل الأول فلقوله عليه السلام:" لا غرار في الصَّلاة"، والعذار للخروج من فرضها بالشَّك، ولأنَّه يمكنه إسقاط فرضه يقيناً من غير مشقةٍ فوجب أن يلزمه ذلك، كمن شكَّ في صلاته هل صلَّى أم لم يصلِّي.
وأمَّا الفصل الثَّاني فلما روي عن رسول الله عليه السَّلام أنَّه قال:" إنَّما أنا بشرٌ، أنسى كما تنسوا، فإذا شكَّ أحدكم في صلاته، فلينتظر أحرى ذلك إلى الصَّواب فليتمَّ عليه، ثمَّ يسجد سجدتا السَّهو"؛ فلأن عدد الرَّكعات شرطٌ من شرائط الصَّلاة، فجاز أن يتحرى فيه كجهة القبلة.
قيل: لم يكن السَّهو عادةً له، وقيل: لم يكن السَّهو واقعًا في عمره، وقيل: أوَّل ما يقع السَّهو في هذه الصَّلاة التي وقع هذا.
قوله: (بنى على اليقين) أي: بنى على الأقلِّ، بأن وقع الشَّك بين الثَّلاث والأربع بنى على الثلاث، وعند الشَّافعي- رحمه الله- يستقبل فهذه المسألة دلَّت على أصحاب الحديث أصحاب أبي حنيفة- رحمه الله- لا أصحاب الشَّافعي- رحمه الله- لأنَّه لا يعمل بالأحاديث الواردة هنا، بل يقول بالاستقبال.
وفي هذه المسألة جاءت ثلاثة أحاديث، في حديث قال: فليستقبل، وفي حديث قال: بني على الأقل، وفي حديث قال: تحرى. فقلنا: بالاستقبال إذا كان السَّهو أوَّل ما عرض له، وقلنا: بالتَّحري إذا كان له ظنٌ، وقلنا: بالبناء على الأقل إذا لم يكن له ظنٌ.
تفسير سجدة السَّهو، منقولٌ عن ابن عباس - رضي الله عنه - ترغمان للشَّيطان وجبرانٌ للنقصان وإرضاءٌ للرحمن والله أعلم.
باب صلاة المريض
مناسبة هذا الباب بالباب الذي قبله؛ لأنَّه بيّن الجبر، وهو سجدة السَّهو في الأصحاء، ثمَّ شرع بباب المريض؛ ليبيِّن الجبر المذكور في الأصحَّاء، يصلي جابراً في المريض، فكذلك أردف بابَ المريض بباب السَّهو.
قوله: (إذا تعذَّر)، وتعسَّر المراد من العذر: التعذُّر بأن تعذَّر القيام أو حكماً، بأن يخاف زيادة المرض إذا قام، لا المراد من العذر لحوق المضرَّة بالقيام. عن أبي منصور -رحمه الله- الصَّلاة يجب بقدر الطاَّقة فإذا خاف زيادة الوجع يقعد.
وتفسير قعود المريض في الصَّلاة التَّربُّع حالة القيام، والافتراش في حالة القعود، والأصحُّ أَنَّه يجلس أي جلسةٍ كانت؛ لأنَّ المرض أثَّرَ في الأركان، فأولى بأن يؤثِّر في السُّنن.
قوله: (ولا يومئ بعينه ولا بقلبه ولا بحاجبيه)؛ لأنَّه لا يؤدِّي ركناً من أركان الصَّلاة حالة الاختيار بها، فلا يؤدي أيضًا في حالة الاضطرار، وهذا أفقه وهو: أنَّ الصَّلاة عبادةٌ فهي تتأدى بفعلٍ فيه مشقةٌ؛ لأنَّه ينبني على الخضوع والتذلل، كما يقال: طريقٌ متعبدٌ أي مذلَّلٌ، ولا مشقَّة في تحريك الحاجبين والتَّفكُّر في القلب.
ثم هل يسقط عنه؟ الصَّحيح أنَّه لا يسقط؛ لأنَّه يُدرِكُ مضمونَ الخطاب بخلاف المغمى عليه، وعند زفر والشافعي رحمهما الله: يلزم بالقيام إذا قدر على القيام، إذا تعذَّر الرُّكوع والسُّجود فيومئ بالرَّأس؛ لأنَّ بالرَّأس يؤدي ركن وهو السُّجود، فيجوز الإيماء بالرَّأس، وعندنا إذا قدر على القيام ولم يقدر على الرُّكوع والسُّجود لم يلزمه القيام ....
ومن صلَّى بعض صلاته قاعداً؛ لمرضٍ ثمَّ صحَّ بنى على صلاته قائماً عندهما، بناءاً على أنَّ اقتداء القائم بالقاعد جائزٌ، وعند محمد رحمه الله لا يجوز، فلهذا يجوز بناؤه عندهما، ولا يجوز عند محمد رحمه الله فقال الفقيه أبو جعفر رحمه الله: إن قدر المريض أن يكبِّر قائماً /ب فعليه أن يكبّر قائماً ثمَّ يتمُّ صلاته قاعداً.
قوله: (استأنف الصَّلاة) خلافاً لزفر والشَّافعي -رحمهما الله - فإنَّ عندهما بنى.
قوله: (و من أُغمى عليه)، والإغماء إذا كان أقلَّ من خمس صلواتٍ يقضي، والقياس على النُّعاس ينبغي أن يقضي سواءٌ كان قليلاً أو كثيراً، إلَّا أنَّ الأثر ما جاء في القضاء القليل وعدم قضاء الكثير وهو قوله حقِّ في عمَّار فقضاهن لأنُّه أغمى عليه أقل من يومٍ وليلةٍ.
وفي عدم القضاء عند الكثرة، وهو قوله لم يقض عثمان - رضي الله عنه - إذا كان أكثر من خمس صلواتٍ فعلمنا هذا بالأثر، فلا يقاس عليه غيره.
باب سجود التِّلاوة
وجه مناسبة هذا الباب بباب صلاة المريض، أنَّ الصَّلاة في حالة المرض دليل الانقياد، بحيث انقيادٌ لأمر الله تعالى مع المرض، وفي سجود التَّلاوة انقيادٌ وخضوعٌ، أو لأنَّ في المريض يسقط بعض الأحكام بواسطة المرض، وفي سجدة التِّلاوة أيضاً تداخلٌ، بأن كرَّر سجدة التِّلاوة ... في موضع فيكون بين البابين مناسبة فلهذا أردفه باب سجدة التلاوة بباب صلاة المريض.
وسجدة التِّلاوة تجب على من تجب الصَّلاة، أي لا يجب على الحائض والنُّفاس، وأمَّا يجب بقراءتها على الغير، وفي بيان أنَّ هذه السَّجدة واجبةٌ عندنا بقوله: السجدة على من تلاها، وكلمة على: للوجوب، وعند الشَّافعي: سنَّةٌ.
وفي بيان مواضع السَّجدة يكون عند الشَّافعي- رحمه الله- في سورة الحجِّ تجب السَّجدة في موضعين، وعندنا تجب في الأولى، وفي بيان أنَّ هذه السَّجدة في موضعٍ ... هو فيه ذمُّ الكفرة أو مدح المؤمنين، فيجب مخالفةً للكفَّار وموافقةً للمسلمين.
قوله: (سجود التَّلاوة في القرآن أربع عشر) سجدةً، في آخر الأعراف، وفي الرعد، والنحل، وبني إسرائيل، ومريم، والأولى في الحجِّ، وفي الفرقان، والنمل، وألم تنزيل، وص، وحم السجدة، والنَّجم، وإذا السماء انشقت، واقرأ باسم ربك.
لما روي عن عمرو بن العاص أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قرأ خمسة عشر سجدةً في القرآن، منها ثلاثةٌ في المفصَّل وفي سورة الحجِّ سجدتان"، إلَّا أنَّه فأما الدليل أنَّ في الثَّانية في الحج أراد به سجدة الصَّلاة لأجل أنَّه قرنها بالرُّكوع، ولما روي عن ابن عباس عن النَّبي عليه السَّلام أنَّه سجد في الصاد وتلاها هذه الآية وهو قوله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} وقال:" سجدها داود للتَّوبة، ونحن نسجدها شكراً".
وروي عن رسول الله عليه السَّلام أنَّه قرأ حم السجدة في صلاته فسجد، وروى ابن مسعود أنَّ النَّبي عليه السَّلام قرأ والنَّجم، وسجد وسجد معه المسلمون كلهم إلَّا شيخًا أخذ تراباً ووضعه على جبهته، ولم يسجد فلقوله رأيته قتل يوم البدر كافراً.
وعن أبي هريرة أنَّ رسول الله عليه السَّلام سجد وإذا السماء انشقَّت، واقرأ باسم ربك، وعن علي أنَّه قال: "عزائم السُّجود أربعةٌ في ألم تنزيل، وحم السجدة، والنجم، واقرأ باسم رب"، والباقي ثابتٌ بالإجماع.
هو إضافة الحكم إلى السَّبب، فالتِّلاوة سببٌ بلا خلافٍ، أمَّا السَّماع سببٌ أم لا؟ فيه اختلاف المشايخ، وعند البعض شرطٌ، حتى لو تكرر مجلس التَّالي دون السماع، واتحد مجلس السَّماع تجب سجداتٍ عند فخر الإسلام، والأصحُّ أنَّه تجب سجدةٌ واحدةٌ فنقول: قول فخر الإسلام دليلٌ على الشرطيَّة، فلو كان السَّماع سبباً لوجب سجدةٌ واحدةٌ فعكس هذا دليلٌ على أنَّ السَّماع سببٌ، فإن تكرَّر مجلس السَّامع واتَّحد مجلس التَّالي تجب السَّجدات على السَّماع.
قوله: (قصد سماع القرآن أو لم يقصد)، فيجب على المقتدي وإن لم يسمع، باعتبار أن قراءة الإمام قراءةٌ له بطريق التَّبعية.
قوله /ب: (لم تجزهم ولم تفسد صلاتهم) إلَّا في رواية النَّوادر تفسد وهو قول محمد رحمه الله.
قوله: (أجزأته السجدة عن التلاوتين)؛ لأن حالة الصَّلاة غير منافيةٍ لحالة أداء السَّجدة، مع أنَّ الصلاتية أقوى، فيستتبع خارج الصَّلاة.
أمَّا إذا تلا خارج الصَّلاة فسجد ثمَّ تلاها في الصَّلاة تجب سجدةٌ أخرى؛ لأنَّ غير الصَّلاتيَّة ضعيفةٌ فلا يستتبع الصَّلاتيَّة، فجواز إتيان السَّجدة في الصَّلاة دليلٌ أنَّها واجبةٌ؛ لأنَّ الصَّلاة تصان عن الزَّوائد، والسُّنن المشروعة خارج الصَّلاة كان يؤدي ... في الصَّلاة، وحيث جاز أداء السَّجدة في الصَّلاة، عُلِمَ أنَّها واجبةٌ.
أمَّا إذا قرأ المقتدي لا يجب على الإمام ولا المقتدي القارئ، ولا على غيره من المقتدين، ولكن يجب على الذين خارج الصَّلاة، وعند محمد رحمه الله إذا فرغوا من الصَّلاة يسجدونها.
وتفسير سجدة التِّلاوة كبّر، ولم يرفع يديه وسجد، ثم كبّر ورفع رأسه، ولا يتشهَّد أي: لا يجب عليه قعودٌ ولا قراءةٌ ولا سلامٌ.
والحكمة في شرعيَّة السَّجدة: نهاية الخضوع، فالرُّكوع أيضًا خضوعٌ، والسَّجدة أقوى منه، فإذا كان نهاية الخضوع فشرع في مواضع جبر النُّقصان و شرع في موضع المخالفة للكفَّار والموافقة للمسلمين.
قوله: (أجزأته سجدةٌ واحدةٌ)؛ (لأنَّ جبرائيل عليه السَّلام كان يقرأ على النَّبي عليه السَّلام، ويقرأ النَّبي عليه السَّلام على أصحابه، ويسجد مرةً، ولأنَّ سبب الوجوب اجتمعا مجلسٍ واحدٍ سجدةٍ واحدةٍ فأقصرا على سجدةٍ واحدةٍ كالتَّالي والسَّامع، أمَّا في تسدية ثوبٍ وانتقالٍ من غصنٍ إلى غصنٍ، والرِّياسة يجب سجدات.
باب صلاة المسافر
في المسافر نوع رخصةٍ من سقوط بعض الأحكام، وفي سجود التَّلاوة نوع رخصةٍ وهو التَّداخل، فتكون المناسبة موجودةً؛ لأنَّ باب المسافر ينبغي أن يقرب بباب المريض، من حيث أنَّ كلَّ واحدٍ عذر، إلَّا أنَّه فصل بينهما بباب سجود التِّلاوة؛ لأنَّ المرض عذرٌ جبري، والسَّفر عذرٌ اختياري.
أو نقول في المناسبة بينهما بعبارةٍ أخرى: أنَّه لمَّا فرغه من نقصاناتٍ بين السَّهو والمرض ومن وجه سجدت التِّلاوة منها؛ لأنَّها اختصارٌ على ركنٍ واحدٍ من الصَّلاة، ثمَّ اتبعها السَّفر؛ لأنَّه مسَطِّرٌ أي: منقص، وكان الثَّاني من تقرير حميد الدين الضرير رحمه الله الإضافة كما مر من إضافة الشَّيء إلى محلِّه، أو إلى الفاعل.
ثم اعلم أن المشروعات على نوعين: رخصة، وعزيمة، فالعزيمة: ما تقرَّر على الأمور الأول، والرُّخصة: ما تغير من عسرٍ إلى يسرٍ بواسطة عذرٍ، ثمَّ الرُّخصة على نوعين: رخصةٌ ترفيهٍ، مثل الفطر وأجزاء كلمة الكفر، ورخصةٌ إسقاطٍ أي: يسقط الحكم أصلاً، مثل الكره على شرب الخمر نعوذ بالله، ومن هذا القبيل قصر الصَّلاة.
قوله: (المسافر)، من المُفَاعِلُ، وهي تكون بين اثنين، ويجوز من جانبٍ واحدٍ أيضاً، كما يقال: عالج الطَّبيب، فكذا هنا المسافرة تكون من المسافر لا من الطريق، وقد يمكن الجانبان أيضاً ها هنا؛ لأنَّ السَّفر هو الكشف، كما أنَّ الماشي على الطَّريق ينكشف على الطَّريق أي: يظهر، كذلك الطَّريق ينكشف على الماشي فيتحقق الجانبان، كما هو الأصل.
قوله: (ومشى الأقدام فلا يعتبر بذلك بالسَّير في الماء)؛ لما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال:"يمسح المسافر ثلاثة أيامٍ ولياليها". فدل على أنَّ كلَّ مسافرٍ متمكِّن من استيفاء رخصة المسح، وإنَّما اعتبر بسير الإبل ومشي الأقدام؛ لأنَّه هو الغالب من السير فيقع التَّعديد به، بخلاف السَّير في الماء فإنَّه يختلف باختلاف الرِّيح ونحوه فلا يمكن أن يعتبر به.
حتى إذا كان للبلد طريقان من الماء يصل بيومٍ وليلةٍ ومن البرِّ يصل بثلاثة أيامٍ ولياليها، فيعتبر السَّفر من طريق البرِّ، ذكر في الكشَّاف /ب أنَّه لا تعتبر سرعة الماشي في المشي وبطؤه، حتى إذا وصل بيومٍ وليلةٍ يصل في ثلاثة أيامٍ ولياليها يحل الفطر والقصر.
قوله: (وفرض المسافر عندنا في كل صلاةٍ رباعيَّةٍ ركعتان لا يجوز له الزِّيادة عليها)؛ لما روي عن علي - رضي الله عنه - أنَّه كان يقول: "فرض رسول الله عليه السَّلام صلاة الحضر أربعاً، وصلاة السَّفر ركعتين". وروي عن ابن عبَّاس عن رسول الله عليه السَّلام أنَّه قال:" إنَّ الله عزَّ وجلَّ فرض عليكم الصَّلاة على لسان نبيِّكم للمقيم أربعاً، وللمسافر ركعتين".
ولأنَّ كلَّ صلاةٍ لو نوا عددها كانت ركعتين، فإذا أطلق النِّية كانت ركعتين كالفجر، وكما لا يجوز الزِّيادة على الفجر كذلك هذا.
قوله: (حتى ينوي) فالنِّية ليست بمنحصرةٍ في جعل المسافر مقيماً، كما أنَّ بالنِّية يصير مقيماً، وبالتَّبعية كالجندي بأن نوى السلطان الإقامة في البلدٍ، والجندي في البريَّة لا يدخل مصره بالرجوع إلى المصر قبل أن يسير ثلاثة أيامٍ ولياليها.
قوله: (وإذا دخل فلم ينوي أن يقيم فيه خمسة عشر يوماً فإنما يقول غدًا أخرج وبعده أخرج حتى بقي على ذلك سنين صلى ركعتين) صلاة السفر؛ لما روى جابرٍ وأنس عن رسول الله عليه السَّلام أنَّه لمَّا أقام بتبوك، حصر عشرين يوماً يقصر الصَّلاة.
وعن ابن عمر أنَّه أقام بأذربيجان ستة أشهرٍ يصلِّي ركعتين وإذا دخل العسكر أرض الحرب فنووا إقامة خمسة عشر يوماً لم يتم الصَّلاة؛ لأنَّ إقامتهم لا تتعلق باختيارهم، ولأنَّهم إن أغلبوا أقاموا وإن غلبوا هربوا انصرفوا، فصار كالعبد مع مولاه ولا يتعلق بنيتهم الحكم.
في بلدٍ، البلد بعينه ليس بشرطٍ، المراد: محلٌ صالحٌ للإقامة، بأن كان الأعراب والأكراد والأتراك في البريَّة تصحُّ إقامتهم، حتى إذا نوى السَّفر الأعراب والأكراد ... والأتراك من موضعٍ إلى موضعٍ، بينهما مسيرة ثلاثة أيامٍ ولياليها، يحلُّ القصر والفطر.
والمراد من البلد أي لا تجوز نيَّة المرء في البرِّية؛ لأنَّه غير صالحٍ للإقامة، فعندنا بمجرَّد السَّفر يسقط بعض الأحكام، من سقوط الحضور إلى الجمعة وسقوط شطر الصَّلاة ورخصة الفطر.
ولا يعتبر الأحوال فعند الشافعي رحمه الله السفر من الآبق والباغي والسارق لا يوجب سقوط هذه الأحكام بل حال القصد معتبرٌ بأن كان سفره إلى تجارةٍ أو إلى حجٍ؛ لأنَّه لو كان عاصياً فلا يستحق به الرخصة.
والإجماع منعقدٌ على أن نفس القصد ليس بمعتبرٍ، بل القصد مع مجاوزةٍ من العمران، أمَّا في الإقامة بمجرد النِّيَّة يصير مقيماً؛ لأنَّ التَّرك حصل بالنِّيَّة وبالمنوي، فلا يعتبر القصر بالقصد بعد ذلك لأنه ترك الفعل وأما السفر فعل فإن لم يفعل لا يصير فاعلًا.
قوله: (أتمَّ الصَّلاة وإن دخل معه في فائتة لم يجز صلاة خلفه)؛ لما روي عن ابن عباس أنَّه قال:" إن صلينا معكم صلينا أربعاً، وإن صلينا في بيوتنا صلينا ركعتين"؛ ولأنَّه اجتمع في الصَّلاة حكم السَّفر والإقامة وكان الحكم للإقامة كمن افتتح الصَّلاة في السَّفينة فانحدرت ... السَّفينة إلى المصر.
بخلاف ما إذا اقتدى به في الفائتة؛ لأنَّ فرضه لا يتغيَّر بعد خروج الوقت في القعدة الأولى، والقعدة الأولى فريضةٌ علميةٌ نفلٌ على الإمام فيصير هذا اقتداء المفترض بالمتنفِّل وذلك لا يجوز.
لأنَّه إذا كان خارج الوقت لا يصير مقيماً بالنِّيَّة، كذلك لا يصير مقيماً بالتَّبعيَّة، فإذا لم يكن مقيماً خارج الوقت قصداً في حقِّ تلك الصَّلاة أولى أن لا يصير مقيماً بالتَّبعية، أمَّا إذا اقتدى المسافر في الفائتة بالمقيم لا يجوز؛ لأنَّه يكون اقتداء المفترض على المتنفل في حقِّ القعدة الأولى؛ لأنَّ القعدة الأولى فرض على المسافر دون المقيم.
قوله: (ويستحب له إذا سلَّم أن يقول) ... ، روي أنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أتى مكَّة، أمر بلالًا فقال:" أتموا صلاتكم". فهذا دليلٌ على أنَّ الوطن يتبدَّل بالوطن لأنَّ رسول الله كان مكيًّا ثم صار مدنيًّا، وهو أنَّ النَّبي عليه السَّلام صلَّى ركعتين بعدما هاجر إلى المدينة، /ب من مكة.
وأما المقيمون أتمُّوا صلاتهم بدون القراءة وبدون سجدة السهو إذا سهوا لأنه مقتدون في حق التحريمة.
قوله: (فأنا قوم سفر) أي مسافرون جمع مسافر كركب، وصحب، جمع راكب وصحب جمع صاحب.
قوله: (لم يتمُّ الصَّلاة) أمَّا إذا نوى البيتوتة في موضعٍ معينٍ، والمقام في موضعٍ آخرٍ يصير مقيماً؛ لأنَّ الاعتبار للبيتوتة، وإنَّما لا يصير مقيماً بالنِّيَّة في موضعين إذا كان ذلك الموضع لو وصل إليه رخصة السفر بأن نوى خمسة عشر يومًا في بخارا وقلعة أو أبعد من القلعة أما إذا كان موضع لا يحل رخصة السفر يصير مقيمًا بأن نوى خمسة عشر يومًا في بخارا أو في مدرسة الدولة.
قوله: (ومن فاتته صلاةٌ في السَّفر قضاها في الحضر ركعتين)، وعلى العكس؛ لأن المذهب المختار: أن القضاء يجب بالسَّبب الذي يجب به الأداء.
باب صلاة الجمعة
الأصل في وجوب الجمعة قوله تعالى: {فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ}، وجوب السَّعي إلى المشي وترك البيع المباح لأجله يدلُّ على وجوبه، وروي عن رسول الله عليه السَّلام أنَّه قال في أثناء خطبته: "يا أيها النَّاس اعلموا أن الله كتب عليكم الجمعة في يوم هذا أو في شهر هذا وفي ساعتي هذه فريضةً واجبةً إلى يوم القيامة، فمن تركها جحوداً أو استخفافاً بحقها في حياتي وبعد موتي وله إمامٌ عادلٌ أو جائرٌ فلا جمع الله شمله، ولا أتمّ له أمره، ألا لا صلاة له، ألا لا زكاة، له ألا لا حج له، ألا لا صوم له، إلَّا أن يتوب ومن تاب تاب الله عليه".
مناسبة هذا الباب بباب السَّفر وهو أنَّ صلاة السَّفر تنصَّفت بوسطة السَّفر، كذلك الجمعة مسقطٌ شطر الصَّلاة بواسطة الخطبة، لحديث عائشة - رضي الله عنه -:" إنَّما قصرت الصَّلاة لمكان الخطبة".
ولا يقال: السَّفر مسقطٌ بلا بدلٍ وهذا مسقطٌ ببدلٍ وهي الخطبة، قلنا: إذا لم يسمع الخطبة يجوز أداء الجمعة، فيكون إسقاطًا بدون البدل فيكون بينهما مناسبةٌ، والجمعة بسكون الميم وتحريكها جائزٌ في اللُّغة إلَّا أنَّ الاستعمال بتحريك الميم.
قوله: (المصر) قيل: المصر ما يعيش كل محترف بحرفته، ولا يحتاج من التحول من صنعة إلى صنعة، وقيل: لو اجتمعوا في أكبر مساجدهم لا يسعون، وقيل: فيه قاضٍ ومفتٍ ينفذ الحدود والأحكام وقيل: فيه سِكَك.
قوله: (في فناء المصر) فناء المصر موضعٌ معُّدٌ لمصالح أهل المصر، بعضهم قدرة بالغلوة، وبعضهم بفرسخ، وفرسخين، وبعضهم قدّره بمنتهى الصَّوت.
لا يقال: ذكر قبل هذا لا يجوز إلَّا في المصر، فبعد ذلك لا يحتاج إلى قوله: (ولا يجوز في القرى) قلنا: في الأمر المهم يتعرض الحاجبين، كما في قوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ} وإن كان ... ولا تخسروا يعلم من قوله وأقيموا.
قوله: (ومن شرائطها الوقت فيصِّح في وقت الظهر ولا يصح بعدها)؛ لما روي عن أنس أنَّه قال:"كنَّا نصلِّي مع النَّبي عليه السلام الجمعة إذا ما زالت الشَّمس"، ولأنَّها صلاةٌ وُضِعَ لها خطبة فكان من شرائطها الوقت كالعيد.
شرائطها خمسةٌ: الوقت، والسُّلطان، والجماعة، والمصر، والخطبة، وفي رواية النوادر والشَّرائط ستةٌ وهو: الأداء على سبيل الاشتهار، حتى إذا غلق الإمام باب المصر وصلَّى صلاة الجمعة، لا يجوز ولو فتح وصلَّى تجوز.
قال القاضي الإمام الزرنجري رحمه الله أقل ما سمي خطبة مقدار التَّشهد، ولابد في الخطبة الحمد، والثَّناء لله، والعِظة وهو قوله: أيها النَّاس، والقرآن، والصَّلاة على النَّبي عليه السَّلام.
قوله: (جاز ويكره) أمَّا الجواز فلأنه ذكر يتقدم الصلاة كالأذان والشهادة من وأما الكراهية فلأنه يفصل بين الخطبة والصلاة بالطهارة والسنة أن لا يفصل بينهما ولأن النبي عليه السلام وأبا بكر وعمر /ب خطبوا قيامًا فيكون مخالفًا لهما لأنه خلف عن الصلوات فيكون بدون الوضوء ولهذا لا يجوز الخطبة بدون الطهارة.
قوله: (ثلاثةٌ سوى الإمام) ... شرطٌ؛ لأنَّه لابدَّ من إمامٍ ومن خطيبٍ ومن سامعٍ ومن مؤذنٍ، وإن كان يمكن هذا من الواحد؛ نظراً إلى الظَّاهر لا يفعل الكل واحدٌ معما أن قوله تعالى: {فَاسْعَوْا} خطابٌ للجماعة، فيكون الثَّلاثة شرطاً، فينبغي أن تكون هذه الثَّلاثة صالحة للإمامة.
حتى إذا كان واحدٌ منهم صبياً أو امرأةً أو مجنوناً لا يجوز أداء الجمعة، وإنَّما يشترط الصَّلاحيَّة للإمامة؛ لأنَّ قوله تعالى: {فَاسْعَوْا}، خطابٌ للذين صلحوا للإمامة، فالَّذي ليس بأهلٍ لا يكون مخاطباً، كالمرأة والعبد والصَّبي والمجنون، ولهذا عند الشافعي رحمه الله أربعون رجلًا أحرار شرط.
قوله: (وليس فيها قراءة سورة بعينها) وروي عن النَّبي عليه السَّلام أنَّه كان يقرأ في الجمعة بسورة الجمعة وسورة {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ} وروي عنّ النَّبي عليه السَّلام أنَّه كان يقرأ فيهما {سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى}، وفي الثَّانية {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ}، فدلَّ على أنَّه كان يعيِّن، ولأنَّ التَّعين يُوهِمُ الإيجاب ولا يجوز، لكن يقرأهما بمرةٍ اتِّباعاً للنَّبي - صلى الله عليه وسلم -، ثمَّ يقرأ بعد ذلك أيًّ سورةٍ كانت.
قوله: (ويجهر الإمام)؛ لأنَّ أداء الجمعة من الشَّعائر، فالجهر أولى به.
قوله: (بطل ظهره) إنَّما يبطل إذا كان الإمام في الجمعة حالة التَّوجه، أمَّا إذا علم أنَّ الإمام لم يكن في صلاة الجمعة حالة التَّوجه لا يبطل الظهر المؤدى بالإجماع، وأمَّا إذا فرغ الإمام من الجمعة، هل يكره الصَّلاة بالجماعة؟
عند الشَّافعي رحمه الله لا يكره، وعندنا يكره قبل فراغ الإمام وبعده؛ لأنَّه لو جاز بعد فراغ الإمام يؤدي إلى الإخلال بالجمعة، بأن ترك الجمعة وصلَّى الظُّهر بالجماعة، فالحُّر مأمورٌ بإسقاط الظُّهر بأداء الجمعة على طريق ... الوجوب، وغير الحرِّ مأمورٌ بإسقاط الظُّهر بأداء الجمعة بطريق الرُّخصة.
والظُّهر أصلٌ في يوم الجمعة عندنا؛ لأنَّ يوم الجمعة يومٌ كسائر الأيَّام وفي سائر الأيام الظُّهر أصلٌ، كذلك في يوم الجمعة.
قوله: (أو في سجود السهو) يعني إذا أدرك الإمام ... في سجود السَّهو يبني قال مشايخنا: يأتي في ... الجمعة بسجود السَّهو فيكون هذا بناء تناقضاً من محمد رحمه الله حيث قال أنه إذا أدرك في السهو يبني قلنا بأن محمد أما قال بعد وجوب سجدة السهو في الجمعة بل قال المشايخ.
قوله: (أكثر الركعة) بأن أدرك في الركوع يكون مدركًا أكثر الركعة؛ لأنَّه يكون مدركًا للقيام والسَّجدتين فيكون أكثر.
قوله: (حتى يفرغ من خطبته) لما روي عن ابن عباس وعلي أنَّهما قالا:" إذا خرج الإمام فلا صلاة ولا كلام". ولأنَّه ابتداء الصَّلاة يدخل الإمام في الخطبة ولا يقدر على قطع الصلاة فيؤدي ذلك إلى ترك استماع الخطبة، ولأنَّ الكلام أقل من الصَّلاة فإذا لم تكن له الصَّلاة فالكلام أولى كحال الخطبة.
هذا على قول أبي حنيفة رحمه الله فإن عنده خروج الإمام يقطع الصَّلاة، والكلام، وعندهما خروجه يقطع الصَّلاة وكلامه يقطع الكلام، وثمرة هذا تظهر فيما إذا نزل الإمام عن الخطبة يجوز الكلام عندهما لعدم الكلام وعند أبي حنيفة رحمه الله لا يجوز لوجود الخروج.
قوله: (ترك الناس البيع) المراد من البيع: ما يشغل عن السَّعي، حتى إذا اشتغل بعملٍ آخرٍ سوى البيع يكره أيضاً، ولو باع وهو يمشي لا يكره البيع.
قوله: (البيع والشراء) إنمَّا ذكر البيع أوَّلًا من الشِّراء؛ لأنَّ الإيجاب مقدمٌ على القبول وإن كان البيع ثبت بالإيجاب والقبول.
قوله (فأذن المؤذنون بين يدي المنبر فإذا فرغ الإمام من خطبته أقاموا) هكذا جرى التَّوارث.
باب ... العيدين
الأصل في العيدين /ب ما روي عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال:" قدم رسول الله عليه السَّلام المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما في الجاهليَّة، فقال النَّبي عليه السَّلام:" قد أبدلكم الله بهما خيراً منهما، يوم الفطر ويوم النحر".
المراد باب صلاة العيدين فحذف المضاف، وإنَّما حذف المضاف؛ لأنَّ يبين الحكم في يوم العيد ويبين صفة الصَّلاة، أمَّا إذا قال باب صلاة العيدين، لا يكون بياناً لليوم، كما في قوله: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ}، والحدث مضمرٌ، فلو لم يضمر يكون بياناً للوضوء الواجب؛ لأنَّ الوضوء واجبٌ عند الحدث، وعند عدم الحدث الوضوء مندوبٌ فأضمر ليكون بياناً للوضوء الواجب والمندوب.
فمناسبة صلاة العيد بباب الجمعة من حيث أنَّهما لا يُقضيان، ومن حيث أنَّ العيد والجمعة مخصوصان من قوله عليه السَّلام: "صلاة النَّهار عجماء".
عيداً أصله عود فأبدل الواو ياء بكسرة ما قبلها وهذا البدليَّة لازمةٌ؛ لأنَّ البدل نوعانٌ لازمٌ وغير لا زمٍ وهذا لازمٌ حتى إذا زالت الكسرة ينبغي أن يجيء الواو ولا يجيء بل يقول في جمعه أعياد ولا يقول أعواد فلو قيل أعوادٌ يشتبه أن هذا مع العود وهو الخشبة أم جمع عود.
وإنَّما سُمِّيَ عيدًا؛ لأنَّ فيه عوائدٌ، وهو إعتاق الله تعالى الخلائق يوم العيد من النَّار، أو لأنَّه يعود في كلِّ سنةٍ مرةً، قال ابن موسى الضرير رحمه الله صلاة العيد واجبةٌ، وقال بعضهم سنَّة، وإنَّما قال: سنَّةٌ مع أنَّه واجبٌ؛ لما أنَّه ثبت وجوبه بالسُّنَّة، والدَّليل أنَّها واجبةٌ، وهو أنَّه روى الحسن عن أبي حنيفة رحمهما الله أنَّه يجب على من يجب عليه الجمعة، وقيل: في الحديث أنَّ النَّافلة لا تصلَّى بجماعةٍ ما خلا قيام رمضان وصلاة الكسوف ولو كان نفلًا لاستثنى.
قوله: (أن تطعم) قدَّم الأكل؛ لأنَّ فيه داعية طبعاً وشرعاً؛ لأنَّ بهذا تقع القربة بين هذا اليوم وبين سائر الأيام قبله؛ لأنَّ في سائر الأيام الصَّوم، وأمَّا في الأضحى يقع التفرقة بين هذا اليوم وبين سائر الأيام؛ لأنَّ في سائر الأيام الأكل، فيصوم في هذا اليوم تفرقةً.
قوله: (فإذا حلّت)، يحتمل أنَّه من الحلول، ويحتمل من الحلال، أي زال وقتٌ مكروه.
قوله: (ولا يكبِّر) ... أي لا يكبر جهرًا بل يكبر سرًا.
قوله: (إلى المصلَّى)، دليلٌ أنَّه لا يكبر في المصلَّى.
قوله: (بارتفاع الشَّمس) قال الحسن رحمه الله وقت صلاة العيد من حين تبيضُّ الشَّمس إلى أن تزول، فهذا يدلُّ على أنَّ الارتفاع هو الابتياض.
قوله: (يصلي الإمام بالنَّاس ركعتين يكبر في الأولى تكبيرة الإحرام ويكبر بعدها ثلاثاً) تكبيراتٍ، أمَّا التَّكبير؛ فلما روي عن رسول الله عليه السَّلام أنَّه لمَّا صلَّى العيد أقبل عليهم بوجهه وقال:" أربع تكبيرات كتكبير الجنائز لا تسهوا وأشار بأصابعه". وخلّس إمامه، وأمَّا الموالاة؛ لأنَّ التَّكبير ذكرٌ مسنونٌ فتقدَّم في الرَّكعة الأولى على القراءات كالاستفتاح، ويتأخر في آخر الصَّلاة عن القراءات كالقنوت.