الوجيز في الفتاوى
للإمامِ مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد رضي الدِّين الرضوي السَّرَخْسي (ت571هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
جارٍ تحميل الكتاب…
الوجيز في الفتاوى
للإمامِ مُحَمَّد بن مُحَمَّد بن مُحَمَّد رضي الدِّين الرضوي السَّرَخْسي (ت571هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه ثقتي
والصَّلاة على رسوله الكريم
وبه نستعين الحمدُ لوليِّ الحمدِ، ربِّ يسِّر وأَعن
بحمدِ الله أبتدي، وبنوره أهتدي، وبفضله أستندي والصَّلاةُ على محمّد نبيّه المستدعي.
أمَّا بعد:
فإنّي لَمّا فرغت ُمن تصنيفِ «المحيط» و «الوسيط» صرفتُ العنايةَ إلى تصنيفِ «الوجيز»، فرأيتُ الإيجاز والاختصار على الواقعات المهمَّة، والنَّوازل الملمَّة تسهيلاً على ذوي الطّلبة، تقضّياً للمرء عن العهدة بإقامة الفريضة، وهي قوله - صلى الله عليه وسلم -: «طلبُ العلمِ فريضةٌ على كلِّ مسلمٍ ومسلمةٍ».
فاستخرتُ الله تعالى فيما أصنع، واستوفقته فيما أجمع والله أعلم بالصّواب وإليه المرجع والمآب.
كتابُ الطهارة
بابُ
معرفةِ الطهارة
أصلُه قولُه تعالى: {يا أيها الذي آمنوا إذا قمتم غلى الصلاة} الآية، أي: إذا أردتُم القيامَ إلى الصَّلاة فاغسلوا هذه الأعضاء الأربعة، فكان سبب وجوبِ إرادةِ الصَّلاة، والحدثِ من شرطهِ أي: إذا أردتم القيامَ إلى الصَّلاة وأنتم محدثون فاغسلوا، فكان الحدثُ فيه مُضْمَراً ثَمَّ، اعلم بأن الطَّهارة مشتملة على: أركانٍ وسُنَنٍ وآدابٍ:
أركان الوضوء
أما أركانها فأربعة:
أحدُها: غسل الوجه مرةً سابغة، وحدُّ الوجه من قُصاص الشعر إلى حَدِّ الذَّقِن إلى شَحْمتي الأذن.
فإن كان أمْردَ يجبُ عليه غَسْلُ جَميعهِ، وإن كان مُلتحياً يجب عليه غسلُ الشَّعر الذي يُواري الذقن، والخدَّيْن كلِّه وهو الصّحيحُ؛ لأنَّه قائمٌ مقام البَشَرة كما في شعر الحاجبين.
وفي رواية «النّوادر»: أنّه يجب مسحهُ ولا يجبُ إيصالُ الماءِ إلى ما تحتها وإلى ما تحت الشَّارب والحاجبين.
والشعر المسُتَرسِلُ من الذقن لا يجبُ غسلُه خلافاً للشافعي إلا في الجنابة.
والبياضُ الذي بين العِذارِ والأذن يجبُ غسْلُه خلافاً لأبي يوسف؛ لأنه من الوجه.
والثاني: غَسْلُ اليدَيْن مع المرفقين مرةً فرض.
والثالث: مسْحُ الرأسِ مرةً مقدارَ ثلاثةِ أصابع فرضٌ في ظاهرِ الرواية وفي روايةٍ: ربُعُ الرأس، وفي رواية: قدْرُ الناصية.
ولو مسحَ بإصبع واحدة وأمرَّها لا يجوز إلا إذا مسح بإصبعٍ واحدة بثلاثِ مياهٍ في ثلاثةِ مواضعَ جاز؛ لأن الماء يصير مستعملاً.
ولو مسح رأسه بماءٍ أَخَذَه من لحيتهِ، أو مسحَ خُفَّه بالبلَلِ الذي مسحَ رأسه لا يجوز؛ لأن ذلك بَللٌ مستعمل في مسح الرأس؛ لأنّ المسح يتأدى ببللٍ لا بإسالة.
«النّوادر»: عن محمد - رحمه الله -: لو وضعَ ثلاثة أصابع ولم يَمُدَّها جاز.
وهذا على ظاهرِ الروايةِ دون روايةِ الربعِ والناصية فإنه لا يَجوز.
وعن أبي حنيفة - رحمه الله -: لو مسح بإصبعٍ واحدة ببطنها وبظَهْرِها وبجانبيها يجوز.
ولو مسحَ بأطرافِ أصابعه والماءُ متقاطرٌ جاز، وإلا فلا يجوز
ولو مسحَ بالإبهام والسبابة مفتوحاً جاز؛ لأن ما بينهما مقدار أصبع، ومضموماً لا يجوز.
ولو مسحَ رأسَه ببلِّ كفَّه يجوز، وإن استعملَه في عضوٍ آخرَ، وهو الصحيح.
ولو أدخل رأسَه أو خفَّه في الماءِ للمسحِ عند محمد لا يجوز المسح، ويصيرُ الماءُ مستعملاً، وعند أبي يوسف يجوز ولا يصير الماء مستعملاً وهو الأصحّ؛ لأن المسْحَ يتأدَّى بالإصابةِ لا بالإسالة فلم يَصِرِ الماءُ مستعملاً.
والرّابع: غسلُ الرّجلين مع الكعبين مرَّةً واحدةً.
والكعبان: هما العظمان الناتئان في أسفل السّاق.
سنن الوضوء
وأما سُنَنه:
فالنية، والترتيب والموالاة في الوضوءِ.
• والنية في التيمم فرض؛ لأنَّ الماء مُطهِّرٌ بطبعه فيطهِّر ما صادفه بلا نيةٍ كغسل الثوب، والترابُ ليس بطهورٍ حقيقةً وإنما جعل طهوراً شرعاً عند إرادة إقامة القربة.
والتسميةُ عند ابتدائه.
• وغسْلُ اليدين ثلاثاً قبل إدخالهما في الإناء، إلا إذا كان الإناء كبيراً أدخل أصابع يده اليسرى مضمومةً في الإناء دون الكف فيرفع الماء.
• والسواك سُنة فإن لم يجد فيعالج فمه بالإصبع.
• والمضمضة والاستنشاق في الوضوء سنَّةٌ، وفي الجنابة فريضةٌ.
والسّنَّة أن يُمضمضَ أوَّلاً ثلاثاً، ثمَّ يستنشقَ ثلاثاً ويأخذَ لكلِّ واحدٍ منهما ماءً جديداً. وهما باليمين سُنَّةٌ، والامتخاط باليسار أدبٌ، والمبالغة فيهما سُنَّةٌ إلّا في حالة الصّوم.
• والبداءةُ بالميامِنِ ... سُنَّة.
والوضوء مَرَّةً ... فرضٌ، ومرَّتين سنة، وثلاثُ مراتٍ كمالُ السنة.
والبداية من رؤوس الأصابع في غسل اليدين والرجلين سنة.
وتخليلُ الأصابعِ، وتحريكُ خاتَمه إن كان ضيقاً، وإن لم يحرِّكه جاز.
والاستيعابُ في مسحِ الرّأس وهو أن يمسَحَ كلَّه، والبدايةُ في المسح من مُقدَّمِ الرّأس، والتّثليثُ فيه مكروه، ومسْحُ الأذنين سُنّةٌ، ويُمْسحان بماء الرّأس.
والمسحُ على الرّقبةِ قيل: إنّه سُنَّةٌ، وقيل: بأنّه أدبٌ.
آداب الوضوء
وأما آداب الوضوءِ: فتخليلُ اللحية، وترْكُ الكلام، ودَلْكُ الأعضاءِ، وإدخالُ خِنْصِرَيْه في صِماخِ أذنَيْه وتحريكهُما، وهو مَحْكيّ عن أبي يوسف ومروي عن أبي هريرة - رضي الله عنهم -.
ويتشهَّدُ عند غَسْلِ كلِّ عُضو، ويدعو أو يتشهد إذا فرغَ من الوضوءِ، ولا يستعن بغيره في الوضوءِ.
وإذا فرَّغ الآنيةَ من الوضوءِ ملأها.
مكروهات الوضوء
ويُكره إلقاءُ البُصاقِ والمُخاطِ في الماءِ من غير عذر.
وإلقاءُ البولِ والغائطِ في الماءِ منهيٌّ عنه إلا للضرورة.
والاستنجاءُ باليمينِ.
والإسرافُ في الماءِ مكروه.
وغَسْلُ الأعضاءِ أكثرَ من ثلاثِ مراتٍ مكروهٌ إلا إذا قصد به ابتداء الوضوء والله أعلم.
باب الاستنجاء
أصله قوله - صلى الله عليه وسلم -: «من استجمر فليوتر، ومن فعل فحسنٌ، ومن لا فلا حرج».
والاستنجاء سُنَّةٌ فيما خرج من السّبيلين من بولٍ أو غائطٍ وما لَه عينٌ مَرْئِيّةٌ
كالدّود ونحوه وليس فيه عَددٌ لازم، والشّرط هو الانقاء.
والأعيانُ الطّاهرةُ كلّها سواءٌ كالعودِ والخِرْقة ونحوهما.
وإذا استنجى بحجرٍ له ثلاثةُ أحرفٍ جاز.
ويكره الاستنجاء بالعظم والرَّوث إلا أنّه إذا حصل الإنقاءُ بهما لا يكون تاركاً للسُنّة.
والاستنجاءُ بالماءِ سُنَّة إذا لم تتجاوز النجاسة مخرجَها.
وإذا بال ولم يتغوَّط يُستحبُّ غسله، وإن تجاوزت النّجاسة مخرجها يجبُ غَسْلُها عندَ محمد - رحمه الله - وهو الأحوط وعندهما يكفيه الاستجمار.
ويجبُ غسْلُ نجاسةِ المَخْرج في الغسلِ عند الجنابة، والحيض، والنفاس حتى لا تتنجس رجله ذكره في «الفتاوى».
ولا استنجاءَ في الرّيح، ولا لظهور الحدثِ من غير السّبيلين.
ويَغسِلُ في الإستنجاءِ حتى يطمئنّ قلبه أنّه قد طهر.
ولو كان على شطّ نهرٍ، أو مَشرَعةٍ ليس ثمّة سُترةٌ لا يستنج ثَمّة عند الناس ولو فعل يصير فاسقاً.
وينبغي أن يستنجيَ بعد ما خطا خطواتٍ، وكذلك في الاستبراء للبول.
ويستنجي بيسارِه دون يَمينه، ولا يَستعملُ في الاستنجاء أكثرَ من ثلاثة أصابع.
وينزعُ الخاتَم من يسارِه إذا كان مكتوباً على فَصِّه اسمَ الله تعالى.
ويستنجي بعرض الأصابع لا برؤوسها وفي المرأة تستنجي برؤوس الأصابع، ولا يُدخل إصبعه في دبره ومن أدخل إصبعه عند الاستنجاء في دبره ينتقض صومه.
ولو استنجى فجرى الماء تحت خفَّيه، فإن كان خفَّه صحيحاً فإنه يطهره الماء الآخر،
وإن كان متخرِّقاً تنجس داخلَ خُفِّه ولَفافَتهِ وما وصل إليه الماء والله أعلم.
بابُ
ما ينقُضُ الوضوءَ وما لا ينقُضه
أصلُه قولُه - صلى الله عليه وسلم -: «يُعادُ الوضوءُ من سَبْع: من نومٍ غالبٍ، وقيءٍ ذارعٍ، وتقاطُرِ بولٍ، ودمٍ سائل، ودَسْعَةٍ تملأ الفم، والقهقهةِ في الصَّلاة، والحَدث».
وكلُّ ما خرج من السبيلين: الذكرِ والدُّبُرِ، وفرجِ المرأةِ، مِثْلِ:
البولِ والغائطِ والريحِ والدمِ والمَذيِ والوديِ والمَنِيِّ من غير شهوةٍ، والدودةِ والحصاةِ واللحمِ ففيه الوضوء.
والدودُ واللحمُ إذا سقطَ عن رأسِ الجُرح لا ينقضُ الوضوءَ؛ لأنَّ عيْنَ الساقطِ ليس بنجسٍ وإنما النجِسُ ما عليه من الرطوبةِ وذلك قليل.
وقليلُ النجاسة حدَثٌ في السبيلَيْن لوجود السيلانِ وليس بحَدَثٍ في غيرهما لعدَمِه.
والريحُ الخارجُ من قُبُلِ المرأةِ أو ذكَرِ الرجل لا ينقضُ الوضوء إلا أن تكونَ المرأة مُفضاةً فيستحب لها الوضوءَ احتياطاً.
ولا ينقض الوضوءَ مسُّ الذكَر ولا لَمْسُ النساء.
ولو باشَرها متجرِّدَيْن وانتشرَ آلته لها انتقض وضوؤه، خلافاً لمحمدٍ - رحِمَه الله - لأنَّ المباشرةَ الفاحشةَ سببٌ لخروجِ النجاسةِ فأُقيمَ مقامه احتياطاً.
ومن توضَّأ فرأى البللَ سائلاً مِن ذَكرِه أعادَ الوضوءَ وإن كان الشيطانُ يُريه كثيراً ولا يعلمُ ما هو يَمْضي على صلاته، وينضحُ فرْجَه بالماءِ ليحيل بالماءِ على النضحِ إذا لم يجفَّ البلَل، فإنْ جفَّ ثم رأى بللاً أعاد الوضوءَ.
وإنْ شكَّ في بَعض وُضوئه إن كان أوَّلَ شكِّه يغسل.
وإن كان يعتريه ذلك كثيراً لا يغسِل.
ومن تيقَّنَ بالوضوءِ وشكَّ في الحدَث، أو تيقَّنَ بالحدَثِ وشكَّ في الوُضوءِ أخذَ باليقين.
المتوضِّئ إذا حلق شَعْره، أو قَلَّم ظُفْرَه لم ينتقضْ الوضوءُ فيه، وكذلك لو لم يصلِ الماءُ إلى ما تحت قِشرِ القَرْحة بعد البُرءِ يُجزئه وضوؤه.
خروج النجس من غير السبيلين
الخارج النجس من غير السبيلين ينقض الوضوءَ
خرجت من جراحته نجاسة فمسَحها أو نقطة قشرت فسال منها دم إن كانت بحيث لو تركها سالَ ينتقض الوضوءَ وإن لم تَسِلْ فلا، وكذا لو أمسك الجراحة ومنع من خروج الدم حتى انتظمت لا ينقض الوضوء.
وحدُّ السيلان أن يعلو فينحدر.
ولو خرج الدم من فمه، إن غلب على الريق أو ساواه نقض الوضوء وإن غلب الريق عليه لم ينتقض الوضوء.
ومن قاء مِلْءَ الفم مِرَّةً نقض الوضوء وإن لم يملأ الفم ... فلا.
والحد الصحيح في مَلْء الفم أن لا يمكنه إمساكه إلا بكلفة ومشقة.
«النوادر»: وإن قاء قليلاً قليلاً بحيث لو جُمِعَ يبلغ مِلْءَ الفم، قال أبو يوسف: إن اتحد المجلس جمع وإلا فلا، وقال محمد: إن اتحد السبب جمع وإلا فلا.
وتفسير اتحاد السبب: أن يصيب الإنسان غثيان، فقاء قليلاً قليلاً قبل أن يسكن غثيانه، فإن سكن ثم قاء فهو حَدثٌ جديد، فلا يجمع إلى الأوَّل.
وإن قاء مِلْءَ الفم بلغماً صِرْفاً لا يَنْقضُ عندهما، وعند أبي يوسف ينقضُ إذا صعد من الجوف.
وإن كان مخلوطاً بشيء من الطعام وغيره فإن كان الطعام مِلْءَ الفم ينقض وإلا فلا.
فعلى هذا: ماءُ فمِ النائمِ طاهرٌ وإن انبعث من الجوف.
فإن قاء دماً علقاً لا ينقض الوضوء ما لم يَمْلَئِ الفم.
وإن كان مائعاً نقض الوضوء عندهما وإن كان يسيراً، وعند محمد: لا ينقض ما لم يَمْلَئِ الفم وهو الأصح لإطلاق النص.
طهارة المعذورين
والمستحاضة، وصاحبُ الحدَثِ الدائم يتوضَّأُ لوقتِ كلِّ صلاة، ويُصلِّي به في الوقتِ ما شاء من الصَّلوات وإن سال الدم.
ولو أصاب ثوبَه أكثرُ من قَدْرِ الدرهم وهو بحيثُ يصيبُه مرةً بعدَ أخرى لم يغسِلْه، ويُصلِّي فيه.
وقيل: إذا أصابه خارجَ الصَّلاة يغسِله، وإن أصابه في الصَّلاة فلا.
وإن سالَ الدمُ من موضعٍ آخر، انتقضَت طهارتُه، وإن مُنِع الجَرْحُ عن السيلانِ بعلاجٍ لا يبقى صاحبَ جرحٍ سائل، وكذلك المُفْتَصد.
ثم طهارة ذوي الأعذار تنتقضُ بخروج الوقت، أي: عنده، بالحدَثِ السابق لا بدخولهِ عندهما.
وعند زُفَر بدخوله، وعند أبي يوسف بأيِّهما كان حتى لو توضأ بعد طلوعِ الفجر انتقضت طهارته بطلوع الشمس، ولو توضَّأ بعد طلوعِ الشمس لا ينتقضُ حتى يذهب وقت الظهر وعندهما ينتقض بدخول وقت الظهر.
وفي غير هذَيْن الوقتَيْن كلما خرج وقتٌ دخلَ وقتٌ آخر، فينتقض الوضوءُ بالإجماع.
«النوادر»: عن محمدٍ - رحِمَه الله -: لو أدخلَ قُطنةً أو حُقنةً في دُبُرِه، أو في إحليلهِ ثم
أخرجَها ينتقضُ الوضوء
وإنْ كان طرفُها في يده؛ لأنها لا تنفكَّ عن بَلَّةٍ عليها.
ولو أقطر في إحليله دُهناً، ثم سال منه، لا يعيدُ الوضوءَ عندَ أبي حنيفة - رحمه الله - خلافاً لأبي يوسف - رحمه الله -؛ لأنَّ في وصولهِ إلى المثانة شكاً فلا ينتقضُ الوضوءُ بالشك.
ولو صَبَّ دُهناً في أُذُنهِ، فمكثَ في دماغهِ، ثم سالَ من أذنهِ وأنفهِ لا يُنْقَضَ الوضوءَ، وإن خرج من فمه نَقض.
والأصلُ أنَّ البولَ والدمَ إذا وصلَ إلى موضعٍ يلحقُه حكمُ التطهيرِ يَنْقُض، وإن لم يصِلْ لم ينقُضْ.
وعن محمد - رحمه الله -: إذا وصلَ الدمُ إلى قَصَبةِ الأنف نقضَ الوضوءَ، وقيل: الصحيحُ عندَه أنه لا ينقضُ ما لم يخرُجْ من القصَبةِ لأن الأنف شبه الفم.
وإن نزل البولُ إلى قصَبةِ الذكَرِ لا ينقضُ الوضوء.
وفي الأقلف: لو خرجَ البولُ أو المنيُّ إلى القَلْفَةِ لزِمَه الوضوءُ والغُسْلُ ذكره الاسبيجابي في «شرح الطحاوي».
ولو اغتسلَ من الجنابة لا يلزمُه إيصالُ الماءِ إلى داخل الجلدة فعلى قياسِ هذه الرواية ينبغي أن لا يلزمَهُ الوضوءُ والغُسلُ بخُروجِ البول والمنيِّ إلى القلفة وهو الصحيح؛ لأنه لم يخرُجْ إلى موضعٍ يلحقُه حكمُ التطهير.
ولو خرجَ إلى الفرجِ الخارجِ للمرأةِ نقضَ الوضوء.
ولو حشى إحليلَه بقُطنةٍ أو ربَط الجِراحةَ: إن نفذ البَللُ إلى خارجِها نقضَ الوضوءَ، وإلا فلا.
ولو كان الرِّباطُ ذا طاقين، فنفذَ إلى البعضِ نقضَ الوضوء.
ولو احتشت المرأةُ بقُطنةٍ، فابتلَّ خارجَها ... :
إن كانت القُطنةُ في الشفريْن عليها الوضوء؛ لأنها خرجَتْ إلى موضعٍ يلحقُه حكمُ التطهير.
وإن كانت داخلَ الفرجِ لا وضوءَ عليها.
وقال أبو يُوسفَ - رحمه الله -: لو علم أنه لو لم يَحْشِهِ طَهُر، فإذا أخرجَها وعليها بَلّةٌ فهو مُحدِثٌ ساعةَ أخرجَ القطنة.
ولو خرجَ من سُرَّتهِ ماءٌ أصفَرُ وسالَ نقضَ الوضوءَ.
القُرادُ إذا مَصَّ عضْوَ إنسانٍ حتى امتلأ من دمهِ ... ان كان صغيراً لا ينقض، وإن كان كبيراً ينقض، وكذا العلقة إذا مصَّت عضْوَ إنسانٍ حتى امتلأت من دمهِ انتقض وضوؤه.
المجبوبُ إذا ظهرَ البولُ منه من مَخْرَجِ البولِ، إن كان يقدرُ على إمساكهِ نقضَ الوضوءَ، وإن لم يقدرْ عليه لا ينقض.
فصل
النوم الناقض للوضوء
أصلُه قولُه - صلى الله عليه وسلم -: «ليسَ على من نام قائماً، أو راكعاً، أو ساجداً، أو قاعداً وضوء، إنما الوضوءُ على من نام مُضطجعاً، فإنه إذا اضطجعَ استرخَتْ مفاصلُه».
وهذا يدلُّ على أنَّ النومَ ليس بحدثٍ بنفسه خلافاً للشافعي.
ولنا هو سببٌ لخروجِ النجاسةِ بواسطةِ استرخاء المفاصل.
النوم ليس بحدثٍ في كل حالةٍ إلا مضطجعاً أو متورِّكاً على إحدى إليتيه.
«النوادر»: ولو صلَّى المريضُ مضطجعاً، فنام فيها، فالصحيحُ أنه ينتقضُ وضوؤه، ولو نام خارجَ الصَّلاة على هيئةِ السجود، فإن كان رافعاً بطْنَه عن فخِذَيْه مجافياً عَضُدَيه عن جنبيه، لا وضوءَ عليه، وإن كان ملصِقاً بطنَه بفَخِذيه واعتمدَ على ذِراعيه فعليه الوضوء.
ولو نامَ قاعداً مستنداً إلى شيء، ذكرَ الطحاوي: لو أزيلَ سَنَدُه سقطَ فعليه الوضوءُ وروي عن أبي حنيفة رحمه الله: إن كان مقعده مستوثقاً على الأرض لا يكون حدثاً والاّ يكونُ حدثاً، وهو الأصح.
ولو نامَ فسقطَ لا ينتقض الوضوء إلا أن يستقرَّ نائماً، ثم انتبه ينتقض وهو الصحيح.
ولو نام على دابة وهي عريانة لا يُنقَضُ الوضوءَ إلا في حالة الهبوط.
والإغماءُ، والجنونُ، والسُّكرُ الذي يسترُ العقلَ ينقضُ الوضوء.
والقهقهةُ في صلاةٍ مطلقةٍ ينقضُ الوضوءَ والتيممَ والصَّلاة، ولا ينقضُ الغسل.
وكذلك القهقهة في إحرامِ الصَّلاة بعد تمامِها قبل السلام، أو في سجود السهو ينقض وضوءه، والتبسُّمُ لا ينقضُ الوضوءَ، ولا الصَّلاة.
والضحِكُ من غيرِ قهقهةٍ قيل: ينقضُ الصَّلاةَ دون الوضوءِ؛ لأنَّ النصَّ ورد في القهقهة خاصةً.
وحَدُّ القهقهةِ ما يُسْمعُ غيرَه، وحدُّ الضحِك ما يُسمعُ نفسَه دونَ غيره، وحدُّ التبسُّمِ ما لا يسمعه أحدٌ.
والقهقهةُ في صلاةِ الجنازة وسجدةِ التلاوة لا ينقض الوضوء، وينقضها الكلام الفاحش، وأكلُ ما مسَّتْه النارُ لا ينقضُ الوضوءَ والله أعلم بالصواب.
باب
الجنابة والغسل
أصلُه قوله تعالى: {وإن كنتم جبنا فاطهروا} وقوله تعالى: {ولا تقربوهن حتى يطهرهن} أي: يغتسلن.
وقولُه - صلى الله عليه وسلم -: «تحْتَ كلِّ شعرةٍ جنابة، ألا فبلُّوا الشعرَ وأنقوا البشرةَ».
الغُسُل من الجنابةِ، والحيضِ، والنِّفاسِ فَرضٌ على كلِّ مَنْ وجبَ عليه الصَّلاة.
موجبات الغسل
ويجب الغسلُ بخروج المنيِّ على وجهِ الدَّفْقِ والشهوة من غير إيلاج، باللمس، والنظر، والاحتلام، والاستمناءِ بالكفِّ.
وبالإيلاجِ في القُبل ... إذا توارتِ الحَشفةُ فعليهما الغُسلُ من غير إنزال، وكذا بالإيلاجِ في الدبرِ يجبُ الغسلُ على الفاعلِ والمفعول ذكره في «الزيادات».
ولو جامعَ فيما دون الفرجِ أو البهيمة لا غُسلَ عليه ما لم يُنزِلْ.
ولا يجبُ بخروجِ المنيِّ من غيرِ شهوةٍ بأن حمل شيئاً ثقيلاً أو ضُرب على ظهره فسبقه المني خلافاً للشافعي رحمه الله.
احتلم ولم يرَ بَلَلاً لا غُسلَ عليه، وإن رأى بَللاً ولم يذكُر احتلاماً وهو نَدِيٌّ أو لا يدري ما هو عليه الغسل عندهما خلافاً لأبى يوسف – رحمه الله -.
ولو تذكر احتلاماً يلزمه الغسل.
والمنيُّ خاثرٌ أبيضُ يفتُرُ منه الذكر.
والمَذي رقيقٌ يضربُ إلى البياضِ يخرجُ عند ملاعبته أهله.
والوَدْيُ يخرجُ بعد البول.
والمرأةُ كالرجلِ في الاحتلام وعليها الغُسل وإن لم يخرجْ الماءُ إلى ظاهرِ فرجها
والرجلُ لو احتلم فأنزل، ولم يظهَر الماءُ على رأسِ الإحليل لا غُسْلَ عليه.
أجنبت ثم حاضت، فلا بأسَ بتأخيرِ الاغتسال إلى أن تطهُر.
أكل الجُنُب أو عاودَ امرأتهُ جاز، ويُستحَبُّ أن يغسلَ يديه ويتمضمضَ ثم يأكل.
كيفية الغسل
وتسييلُ الماءِ على جميعِ ما يمكنُ غسْلُه من بَدنه مرةً واحدةً فَرض، وكذا لا يجوز الوضوءُ إلا بتسييلِ الماءِ على الأعضاءِ، حتى لو توضَّأ بالثلج لا يجوز إلا أن يكون متقاطراً عن يده.
وكذا لو أصابَ بعضَ جسدهِ بولٌ فبلَّ يده ثلاثاً ومسَحها عليه لا يجوز إلا أن يكون البِلَّةُ من يدهِ متقاطرة.
وعن أبي يوسف - رحمه الله - أنه يجوزُ بدون التَّسْييل.
ويجبُ على المرأةِ إيصالُ الماءِ إلى أصولِ الشعر وأثنائه إلا إذا كان ضفيراً فلا يجب؛ لأن في نقضه حرَجاً.
ويجب على الرجل إيصالُ الماءِ إلى أثناءِ اللحية وإلى أثناءِ شعره وإن كان ظفيراً؛ لأنه لا ضرورةَ للرجلِ في إرسال الشعر.
ولا يجبُ إلى داخلِ العينين.
ويجب إيصالُ الماءِ إلى داخل السُّرة، ويُدخِلُ أُصبَعه فيها للمبالغة.
ويجبُ على المرأةِ غسلُ فرجِها الخارجِ في الجنابة، والحيض، والنفاس، وليس في الوضوءِ.
وثمنُ ماء اغتسالها وماء وضوئها، إن كانت غنيةً فعليها، وإن كانت فقيرةً يقال للزوج: إئذنْ لها بنقلِ الماءِ أو أنقل الماء إليها.
سنن الاغتسال
والسنةُ أن يبدأ المُغتسلُ، فيغسل يَديْه ويتوضأ وضوءَه للصلاة غيرَ رجليه، ثم يُفيضَ الماءَ على رأسهِ وسائرِ جسده، ثم يتنحّى عن مغتسله فيغسلَ رجلَيْه إذا كان قدماه في مستنقع الماء، وإذا كان واقفاً على حجر أو آجُرّة فلا يجب غسلهما.
وأدنى ما يكفي من الماء للاغتسال صاع، وللتوضِّي مُدٌّ، وهذا ليسَ بتقديرٍ لازم بل إن كفاهُ أقلّ من ذلك نقصَ عنه، وإن لم يكفهِ زادَ عليه بقدرِ ما لا إسراف ولا تقتير.
الاغتسالات المسنونة
وغُسلُ يومِ الجمعة، ويومِ العيدين، ويومِ عرفةَ، وعندَ الإحرام سنة.
وغُسلُ الكافرِ إذا أسلم، والمجنون إذا أفاق والصبيّ إذا أدرك بالسنِّ مستحب، وإن أدرك بالإنزال يلزمُه الغسلُ كما لو أحدَث ثم أدرك، والكافرُ إذا أجنب، والكافرة إذا أجنبت أو طهرت من حيضِها أو نفاسها ثم أسلمت، فالأصحُّ أنه يلزَمُه الغسلُ نصَّ عليه محمد - رحمه الله - في «السير الكبير».
كما لو أحدث ثم أسلمَ يلزمُه الوضوءُ لبقاءِ الجنابة والحدثِ بعد الإسلام؛ لأنها صفةٌ مستدامة.
ثم غُسلُ يوم الجمعة لأجلِ صلاة الجمعة عند أبي يوسف، وعند محمدٍ والحسن لليوم حتى لو اغتسل يومَ الجمعة ثم أحدَث فتوضأ وصلَّى لا ينالُ فضيلةَ الاغتسال عند أبي يوسف، وعندهما ينال.
ولو اغتسل عن الجنابة يومَ الجمعة وصلَّى به الجمعة، ينالُ فضيلةَ الاغتسال بالإجماع.
«النوادر»: وإذا انفصلَ المنيُّ عن شهوةٍ وخرجَ لا عن شهوةٍ بأن جامعَ أو احتلم ثم اغتسل قبل النوم أو البول، ثم خرج من ذكره منيٌّ أو على صورة المذي، أو احتلم فأمسك قضيبه حتى سكنت شهوته ثم خرج المنيُّ بلا شهوة، فعليه الغسلُ ثانياً عندهما احتياطاً خلافاً لأبي يوسف وهو القياس.
ولو بال أو نام ثم خرج المنيَّ أو الودي فلا غسل عليه.
رجل بال فخرجَ من ذكرِه مَنِيٌّ، إن كان مُنتشراً فعليه الغُسل، وإن كان منكسراً فعليه الوضوءُ.
رجلٌ وامرأة ناما في فراش واحد، فلما استيقظا وجدا في الفراش منيَّاً لا يُعرفُ من أيِّهما، فالاحتياط أن يغتسلا.
قال محمد - رحمه الله -: في البكر إذا جومعت فيما دون الفرج فحبلت فعليها الغُسل.
ولو أتى امرأة وهي عذراءَ لا غسل عليه ما لم ينزل.
قال محمد: جُنبٌ شرِبَ الماءَ، إن كان الشُّربُ يأتي على جميعِ فمِه أجزأهُ من المضمضة وإلا فلا.
«الفتاوى»: ولو اغتسلَ وبين أسنانهِ طعام، أو بين أظفارِه دَرَنٌ جاز، ولو بقيَ العَجينُ بين أظفارِه يابساً لم يجُزْ والله أعلم بالصواب.
بابُ
ما يجوزُ الوضوءُ به ومالا يجوز وما يصيرُ به الماء مستعملاً ومالا يصير
أصلُه قولُه - صلى الله عليه وسلم -: «لا صلاةَ إلا بطَهور» أي: باستعمالِ الطَّهور، والطَّهوُر اسمٌ للماءِ المُطلق لقوله تعالى: {وأنزلنا من السماء ماء طهروا} ويجوزُ إزالةُ النجاسةِ الحُكْميةِ والحقيقية.
وهو الوضوءُ والغَسل بالماءِ المطلق.
ولا تحصلُ الطهارةُ الحُكمية بالماءِ المُقَّيدِ كماءِ الأشجار، والثمارِ، وماء الورد وماءِ الباقِلاّ، وسائرِ المائعاتِ الطاهرة كالخَلِّ.
وتحصلُ به طهارةُ الثوبِ والبدَنِ عن النجاسةِ عندهما خلافاً لمحمد - رحمه الله -.
ولا تحصلُ بكلِّ ما لا ينعصر بالعصرِ كالدِّبْسِ وكذا بالدُّهنِ والمرَقةِ وفي اللبنِ روايتان.
حكمُ اختلاطِ الماءِ بغيرِه
ولو خالط الماءَ المطلقَ شيءٌ من المائعات الطاهرة ذكر في «النوادر» ... عند أبي يوسف العِبرةُ لغلَبةِ اللون والطعم، فإن لم يوجَدْ كلاهما، فالعِبرةُ لغلَبةِ الأجزاء كما هو أصلُه فيما لو شربَ صبيٌّ لبنَ امرأةٍ مخلوطاً بمائعٍ، أو شربَ خَمْراً مخلوطاً بماءٍ فإن وُجِدَ لونُ اللبنِ وطعمُه يثبتُ الحُرمةُ وإلا فلا.
وعند محمد - رحمه الله -: العِبرةُ لغلَبةِ الأجزاءِ دونَ اللونِ والطعم، فإنْ كان أجزاءُ الماءِ غالباً جازَ الوضوءُ بِه، وإلا فلا، كماء السَّدْرِ والحَرَضِ بخلافِ المرَقةِ وماءِ الباقلاّ؛ لأن الماءَ بالطبخِ مع خليطهِ صار شيئاً آخر لتغيُّرِ اسمهِ ومعناه.
وإن طُبخ في الماءِ ما يُقصَدُ به المبالغةُ في النظافة كالأُشنانِ والصابون جاز التوضِّي به إلا إذا صارَ ثخيناً فلا يجوز.
والوضوءُ بنبيذِ التمر لا يجوزُ عند أبي يوسف، وهو رواية نوح ابن أبي مريم عن أبي حنيفة رجوعاً إليه، وعند أبي حنيفة يجوزُ عند عدَمِ الماءِ ولا يتيمَّمُ معه.
وعند محمدٍ: يتيمَّمُ معه احتياطاً، ولا نَصَّ عن أبي حنيفةَ في الغَسْل به، وقيل: يجزيه، وقيل: لا يجزيه.
والنبيذُ الذي يجوزُ به الوضوءُ هو الماءُ الذي أُلقيَ فيه التمرُ، فصار حلواً
فأما المُسكرُ فلا يجوزُ الوضوءُ به، ولو كان مطبوخاً أدنى طبخ.
قال الكرخي: يجوزُ الوضوءُ به وإن كان مُسكِراً.
وقال أبو طاهر الدبَّاس: لا يجوزُ، وهو الأصحُّ كماءِ المرَقة وماءِ الباقلاّ. ولا يجوزُ الوضوءُ بسائرِ الأنبذة.
فصل
متى يصير الماء مستعملاً
والماءُ إنما يصيرُ مستعملاً بإقامة القُرْبةِ كصلاةٍ معهودة أو برَفْع الحدَثِ عندهما وعند محمد بإقامةِ القُرْبةِ لا غير وهذا الخلافُ صحيحٌ استدلالاً بمسألة الجُنُبِ إذا انغمسَ في البئر لطلب الدلو
ولو توضَّأ بنيةِ إقامةِ القُرْبةِ كالصَّلاةِ المعهودة، وصلاةِ الجنازة، ودخولِ المسجد، ومَسِّ المصحف، وقراءةِ القرآن، مُحدِثاً كان أو طاهراً يصيرُ الماءُ مستعملاً
ولو توضأ المُحدِثُ للتبرُّد، أو للتعليمِ لا للوضوء صار مُستعملاً عندهما؛ لزوال الحدَثِ، وعند محمد - رحمه الله - لا لعدَم القُرْبة.
ولو أخذ الجُنُبُ بفمهِ ماء ولا يريد به المضَمضة، فغسل به يَده طهُرَتِ اليدُ والفمُ عندهما، وعند أبي يوسف - رحمه الله - لم تطُهرِ اليدُ وإن غَسلَ به قدراً من الثوب جاز.
اغتسل طاهرٌ في بئرٍ أفسَده
ولو انغمسَ جُنبٌ في بئرٍ طالباً للدلو ولم يَدَّلِكْ فيه، رُوِي عن أبي حنيفةَ: الرجلُ نجسٌ والماءُ نجس.
وعن أبي يوسف - رحمه الله -: كلاهما بحاله وعند محمد: كلاهما طاهر لأنه لم يَصِرْ مُستعملاً لعدم نِية القُرْبة، وزوالُ الجنابةِ لا يتوقَّفُ على وجود النية.
ولو أدخل الجُنب يدَه في الإناء لا يضرُّه استحساناً للضرورة، حتى لو قصدَ به غسل اليد يفسدُ الماءُ، وإن أدخل فيه غيرَ اليدِ من الأعضاء أفسدَه.
الماءُ المستعملُ في وضوءٍ أو غُسلٍ طاهرٌ غيرُ طهورٍ، في رواية محمدٍ عن أبى حنيفة، وهو قولُه وهو الأشهَرُ والأقيسُ، وفي رواية لأبي يوسف - رحِمَه الله - عنه: أنه نجسٌ نجاسةً خفيفةً وهو قوله وفي رواية الحسن عنه: أنه نجاسة غليظة.
ثم الماءُ لا يصيرُ مستعملاً ما دام على البدَنِ، فإذا زايله يصيرُ مستعملاً، وإن لم يستقرَّ في مكان وهو الصحيح، حتى لو بقيت على عضوه لَمْعة فبلَّها ببللِ عضوٍ آخر لا يجوز، ولو بلَّها ببللِ ذلك العضو جاز، وفي الاغتسال جاز كيف ما كان؛ لأنَّ الأعضاءَ في الجنابة كعضوٍ واحدٍ، وفي الوضوءِ لا.
وغُسالةُ الميتِ من المياه الثلاثة نَجسة، فإن أصابَتْ ثوبَ الغاسلِ في حالةِ الغَسْلِ لا يُنجِّسهُ؛ لتعذر التحرُّز عنه وغُسالةُ غير بني آدمَ من الأعيانِ الطاهرةِ غير مستعملة
ولو غسلَ يدَه للطعامِ أو منه صارَ الماءُ مستعملاً.
ولو خاضَ الرجلُ في ماءِ الحمَّام بعد ما غسل قدَميْه لا يغسلُهما إذا خرَج إلا إذا علمَ أنَّ في الحمام جُنباً، فلا يُجزيه إلا الغَسْلُ والاحتياطُ أن يغسلَهما.
ويُكرَهُ الوضوءُ في المسجدِ عند أبي يوسف، وعند محمدٍ: لا بأسَ به والله أعلم.
بابُ
ما يُنجِّسُ الماءَ وما لا يُنجِّسُه
الماءُ على ضَربيْن: جارٍ وراكد فالجاري لا ينجُسُ بوقوعِ نجاسةٍ غيرِ مرئيةٍ فيه كالبولِ والخمرِ ما لم يتغَّيرْ طعمُه، أو لونُه، أو ريحُه، ويتوضَّأُ من أيِّ موضعٍ شاء.
وإن كانت النجاسة مرئية كالجيفة والعَذِرَة، والنهرُ كبيرٌ لا يتوضَّأُ من أسفلِها، ويتوضَّأُ من الجانبِ الآخر.
وإن كان النهر صغيراً أو أكثر الماء يجرى عليها فهو نَجِس، وإن كان أقلُّه يَجْري عليها فهو طاهر، وإن كان نصفُه يَجْري عليها جاز التوضِّي به والأحوطُ أن لا يتوضَّأُ به.
وكذلك إن كانت العَذِرَةُ على السطح عند الميزاب، وإن كانت على السطح في مواضع متفرقة لا يصير الماء نجِساً، فهو بمنزلةِ الماءِ الجاري، والجاري ما يعدُّه الناسُ جارياً وهو الأصح.
«الفتاوى»: الماء إذا فسد من فوق النهر فتوضَّأ إنسانٌ بماءٍ يجري فيه جاز.
حوضان صغيران يخرجُ الماءُ من أحدهما ويدخل في الآخر، فتوضَّأ إنسان منه في خلال ذلك جاز.
الماءُ إذا كان يجري ضعيفاً فتوضَّأَ إنسانٌ منه فإن كان وجهُه إلى موردِ الماء جاز، وإن كان وجهُه إلى مسيلِ الماءِ لا يجوز إلا أن يمكُثَ بين كل غَرْفتَيْن مقدارَ ما يذهبُ الماءُ بغُسالته.
وعن أبي يوسف في حوضِ الحمَّام إذا انصبَّ الماءُ فيه من الأنبوب، والناس يغترفون منه غرفاً متداركاً فهو كالماءِ الجاري لا يَنجُس.
وأما الماءُ الراكد - إذا كان كثيراً، وهو مما لا يخلُصُ بعضُه إلى بعض، بأن حُرِّك منه جانب لا يتحرك الجانبُ الآخر - لا يتنجسُ بوقوعِ النجاسةِ فيه. ويُعتبرُ الخلوصُ بالتحريك بالاغتسال في رواية عن أبي حنيفة، وفي رواية يُعتَبرُ التحريكُ بالوضوءِ وهو الأصح.
وروي عن محمد - رحمه الله -: أنه اعتبر عشراً في عشرٍ، والاعتماد على التحريك، إلا أن المشايخ أفتوا بالمساحة تيسيراً على الناس؛ لأنهم وجدوا عشراً في عشرٍ مما لا يخلص.
ثم قال مشايخ العراق في الماء الراكد: لا يتوضَّأُ من موضعِ وقوعِ النجاسةِ فيه، ويتوضأُ من غيره.
وقال مشايخُ خراسان في المرئيةِ كذلك، وفي غير المرئية: يجوز أن يتوضَّأَ من موضعِ وقوعِ النجاسة فيه وهو الأصح بل ينتقل ويتلاشى باضطرابِ الماءِ حتى لو تيقنَ بالنجاسةِ فيه لا يتوضَّأُ منه.
وإن كان الماءُ لهُ طولٌ وليسَ له عَرْضٌ، كالماءِ الراكدِ في النهرِ، والمطرِ في الطريق، فالأصحُّ أنه إن كان بحالٍ لو ضُمَّ طولُه إلى عَرْضِه يصير عَشْراً في عَشْرٍ يجوزُ التوضؤُ منه ولا ينجسُ بوقوعِ النجاسة فيه.
والعبرةُ لبَسْطِ الماءِ دون العُمقِ في روايةِ أبي سليمانَ عن محمد حتى إذا أخذ الماءُ وجه الأرضِ يكفي.
«الفتاوى»: الحوضُ إذا كان أعلاه عَشْراً في عشر، وأسفلُه أقلَّ من ذلك، وهو ممتليءٌ يجوز التوضّؤُ به.
الحوضُ إذا حُكِمَ بنجاستهِ، ثم دخلَ الماءُ فيه وخرجَ منه بعضُه وإن قَلَّ يَطْهُرُ وهو الأصحُّ؛ لأنه صارَ الماءُ جارياً وكذلك البئرُ على هذا.
وإن كان الماء في الحوض مُتَجمِّداً وقُوِّر، في موضعٍ فوقعَتْ فيه نجاسة: إن كان الماء متصلاً بالجَمَدِ ينجُسُ. وإن كان منفصلاً عنه لا ينجُس.
غديرٌ كبيرٌ له مشارعُ، والماءُ متَّصلٌ بألواحِ المَشْرَعَة لا يضطرب، فتوضَّأ إنسانٌ في مَشْرَعةٍ لا يجوز، وإن كان الماءُ أسفلَ من الألواحِ قليلاً جاز.
غديرٌ كبيرٌ تروثُ فيه الدوابُ والناسُ في الصيف، ثم يُمْلأُ ماءً في الشتاء، ويُرْفَعُ منه الجَمَدُ، فإن كان الماءُ يَرِدُ أوَّلاً على المكانِ النجِسِ فالماءُ والجمَدُ نجسٌ وإن كثر.
وإن كان أولاً يستقرُّ في مكانٍ طاهر حتى صار عَشْراً في عَشْرٍ، ثم انتهى إلى مكانِ النجاسة فالماءُ والجمَدُ طاهرٌ.
والحوضُ إذا كان مدوراً يُعتَبرُ مَساحةُ دورهِ ثمانية وأربعون ذراعاً وهو الصحيح.
حوض صغير عشر في عشر فوقع البول فيه لا ينجُسُ والله أعلم.
باب
الأواني إذا وقعت فيها النجاسة
إذا وقعت ... النجاسة في المائعِ القليلِ أفسدته، فإن تَغيَّر وصْفُ الماءِ، أو لونُه أو ريُحه، لم يجُزِ الإنتفاعُ به أصلاً، وإن لم يتغيَّرْ جازَ الإنتفاعُ به في غيرِ الشربِ والتطهير مثلَ بلِّ الطين، وسَقْيِ الدواب، وارحالهم في غير الماء.
وإذا اختلط الماءَ النَّجِسُ بالترابِ الطاهر، أو على العكسِ، فالصحيحُ أنَّه أيُّهما كان نَجِساً فالطينُ نَجِس.
والتبنُ النجِسَ إذا كان مُستعملاً في الطينِ ويُرى مكانُه يكون نَجِساً وإلا فلا.
وإن وقعَ في المائع حَيوانٌ وماتَ فيه، فإن كان بَرِّياً وله دَمٌ سائلٌ كالوزَغةِ والحيَّةِ البريّة ينجسُ ... ، وإن لم يكن له دمٌ سائلٌ كالذبابِ والعَقْربِ والزنابيرِ ونحوها لا ينجُس المائع.
وإن ماتَ الحيوانُ المائيُّ كالسمكِ والضفدعِ ... ونحوِه في الماء لا يُفْسدُه وكذلك إذا ماتَ في غيرِ الماء كاللبنِ والخلِّ وهو الصحيح.
قال مشايخُنا في الضفدعِ البري: إذا كان له دمٌ سائلٌ أفسده، وإلا فلا، وكذا المائي إذا ماتَ خارجَ الماء، ثم وقَع فيه لا يُفسده.
والمائيُّ ما لا يعيشُ إلا في الماءِ، والبريُّ ما لا يعيشُ إلا في البرِّ، فأما ما يعيشُ فيهما كالبطِّ والإوزَّ ونحوِه روى الحسَنُ عن أبي حنيفةَ - رحمَهما الله -: أنهُ يفسدُ الماء.
فأرة ماتَتْ في سمنٍ جامد، يُرْمى بها وما حوْلَها ويُؤكَلُ الباقي، وإن كان ذائباً يُنتفعُ به سوى الأكلِ من دَبْغِ الجلدِ والاستصباحِ ويغسل الجلد.
«النوادر»: فأرةٌ ماتَتْ في الخمرِ فاستُخْرِجَتْ ولم تتفَسَّحْ فيها، ثم صارت خلاً حَلَّ أكلُهُ، وإن تفسَّخت فيها لم يحِلّ.
والخمرُ إذا وقعَتْ في الماءِ، أو الماءُ إذا وقعَ في الخمرِ، فصارَتْ خلاً يطهرُ الماءُ، كما لو وقع رغيفٌ طاهرٌ في خمرٍ ثم أُلقيَ في الخلِّ طهَّره الخلّ ويؤكَلُ الرغيفُ ويؤكل الخل، ولو كان الرغيفُ معجوناً بالخمرِ فوقع في دَنِّ الخلِّ، فلا يؤكلُ الرغيفُ ويؤكَلُ الخلُّ؛ لأنَّ الخمرَ تشرَّبت في أجزاء الدقيق.
بعر الفأرة وقعَ في وَقْرِ حِنطة فطُحِنَتْ، أو في زِقِّ دُهنٍ لم يفسُد ما لم يتغَّيرْ طعمُه
ولو وقع بولُ الفأرةِ في الماءِ تنجَّس، ولو أصابَ الثوبَ أو الطعامَ لا يتنجسُ لأنَّ الاحترازَ مُمكنٌ في الماءِ، وغيرُ ممكنٍ في الطعامِ والثياب.
الميتُ إذا وقعَ في الماءِ قبل الغَسْل يتنجَّسُ الماءُ، وبعد الغَسْلِ لا يتنجَّس إلا أن يكونَ كافراً، فإنه يتنجَّسُ وإن غُسِل فهو بمنزلةِ الخنزير.
وروى الحسَنُ عن أبي حنيفة - رحمه الله -: لو وقع السقط فيه يفسد الماء وإن غُسل؛ لأنَّ غَسْلَ الميتِ إنما شُرعَ تطهَّراً لأجل الصَّلاة ولا يُصلَّى عليه فبقي نَجِساً.
جِلْدُ الإنسان إذا وقع في الماءِ أو قِشْره، إن كانَ قليلاً مِثْلَ ما يتناثَرُ من شُقوقِ الرِّجْل لا يُفسده، وإن كانَ كثيراً مقدارَ الظُّفرِ يُفسِدُه.
باب الآبار
أصلُه أنَّ النجاسةَ الواقعةَ في الماءِ القليل مُفْسدةٌ له إلا لضرورةٍ ماسَّةٍ وبليَّةٍ صادمة.
ولو وقعَ في البئرِ نجاسةٌ مائعةٌ نُزِحَ ماءُ البئرِ كلُّه، وإن كانت جامدةً صَلْبةً كبَعرِ الإبل والغنم لا يفسدُ البئرُ استحساناً، ما لم يفحش للضرورةِ الماسةِ وهي أنَّ الآبارَ في البراري ليس لها رؤوسٌ حاجزة.
وسوَّى في «الكتاب» بين الرطب واليابس، والصحيحِ والمنكسر - وهو الصحيح، واختلفوا في بئرِ الأمصار - والصحيحُ أنه لا ينجُسُ لأنَّ الضرورةَ قد تقعُ في بئرِ المصْرِ في الجملة.
واختلفوا في حَدِّ الكثيرِ الفاحش، والأحسنُ ما رُوِيَ عن مُحمَّدٍ - رحمه الله - أن يأخذَ وجْهَ رُبعِ الماءِ.
وفي «المنْتقى» فيمن يحلبُ شاةً، فبعَرَتْ في المَحْلَبِ، فرمى به من ساعتهِ لا ينجسُ لعمومِ البلوى.
والسرقين قليلُه وكثيره، رَطْبُه ويابسُه، مُفْسد، وعن أبي يوسفَ قليلُه اليابسُ لا يُفسدُ للضرورة، وإخثاءُ البقر قيل: ينجسُ، وقيل: لا ينجُس إنْ كان صُلْباً مستمسكاً فهو بمنزلة البَعر، والمعتبرُ هو الضرورة.
وإن وقع في البئر حَيوانٌ نجِسُ العينِ كالخنزير، وأُخْرِجَ حيَّاً يُنْزَحُ جميعُ الماءِ، والكلبُ في رواية الحسنِ نجسُ العيْنِ كالخنزير حتى لو وقعَ في الماءِ فخرجَ فانتفض، فأصاب ثوبَ إنسانٍ أفسده، ولو أصابَه المطرُ فانتفضَ فأصابَ ثوبَ إنسانٍ لا يُفسدُه حتى لو أصابَ جِلْده أفسده لأنَّ جلْدَه لا يخلو عن رطوبة والصحيحُ أنه ليس بنجسِ العين حتى لو وقعَ في الماءِ ثم خرجَ حيَّاً لا يُفْسدهُ مرويٌّ عن أبي حنيفة - رحمه الله - ويطهرُ جلُده بالدباغِ وكلُّه بالذكاة إلا الدم.
ولو صلَّى وفي كُمِّه جَرْوُ كلبٍ جازَتْ صلاته ولو أخذ الكلبُ عُضوَ إنسانٍ أو ثيابَه في حالةِ الغضبِ لا ينجس، وفي حالةِ المُزاحِ ينجُس؛ لأنه يأخذُ بشفتَيْه وهما رَطبتان، وفي حالةِ الغضبِ يأخذُ بأسنانهِ ولا رطوبةَ عليها.
وإن وقع في البئر حَيوانٌ طاهرٌ ولم يكُنْ على بَدنهِ أو مُخْرَجه نجاسةٌ كآدميٍّ وحيوان مأكول اللحم لا يُنزَحُ شيء، وذكر القُدُوري إنْ كان الآدميُّ محدِثاً نُزِحَ أربعون دلواً، وإن كان جنباً يُنْزحُ كلّه وهذا يستقيمُ على روايةِ أبي يوسف، وعلى روايةِ محمدٍ - وهو المختارُ - لا يصير مستعملاً ما لم ينوِ الوضوءَ أو الغسل.
وإن كان حيواناً لا يُؤكَلُ لحمُه كسباع الوحش والطير، فالصحيحُ أنه لا ينجسه، وكذلك في الحمار والبغل لا يصير ... الماء مشكوكاً فيه؛ لأنَّ بدنَ سائرِ الحيوانات خلقت طاهرةً، وإن وصل إلى الماءِ شيءٌ من لعابه يصير حكمُ الماء حُكْمَ لُعابه.
وإنْ أخرج الحيوانُ ميتاً أو مُنتفخاً أو متفسِّخاً يُنزَحُ الماءُ كلُّه، وإن لم يكن منتفخاً ولا متفسِّخاً، ففي الفأرةِ والعصفورِ ونحوِهما أو دونهما ينزح عشرون دلواً، أو ثلاثون، وفي الدجاجة، والسِّنَّوْرِ والحمامةِ ونحوِها أربعونَ أو خمسون، وفي الآدمي والجَدْيِ ونحوِه كلُّ الماءِ.
وعن أبى يوسفَ أنه قال: في الفأرة يُنزَحُ عشرون دلواً إلى الأربع، فإذا بلغ خمساً يُنزَحُ أربعونَ إلى التسع، فإذا بلغ عشراً ينزحُ ماءُ البئرِ كُلُّه.
وعن محمد: في الفأرتين يُنزَحُ عشرون إلا إذا كانت الفأرتان هيئتُهما كهيئة الدجاجة يُنزَحُ أربعون قال محمدٌ - رحمه الله - في ذنب الفأرة أو قطعة من ذنبها: يُنْزَحُ كلُّه، فإن لم يُمكنهم نَزْحُ جميعِ الماء، فَعنْ محمدٍ أنه يُنزَحُ مائتان أو مائتان وخَمْسونَ وعليه الفتوى، ويُنزَحُ الماءُ بعد إخراجِ الفأرة، وإذا نُزِحَ مقدارُ ما وجبَ نَزْحُه على التفاريقِ جاز.
والمُعتَبرُ دَلو ذلك البئر: صغيراً كان أو كبيراً، وعن أبى حنيفةَ - رحمه الله - أنه قدَّره بما يسع فيه صاعاً.
وإنْ نَزَحَ بدلو يسع فيه عشرون دلواً بدلوهم جاز.
ويطهرُ الدلو والرِّشاء ونواحي البئر، ويدُ المستسقي بطهارةِ البئر نفياً للحرَج.
ولو أزيلَ الدلوُ الأخيرُ عن وجهِ الماء لا يجوز التوضّؤُ بمائها ما لم ينفصلْ عن رأسِها عندهَما خلافاً لمحمد، فإن صُبَّتْ الدلُوُ الأخيرةُ في بئر طاهر ينزح دَلْوٌ مثله، فإن صبَّ الثاني يَنْزحْ تسعةَ عشرَ دلواً، فيطهر الثانية بمثلِ ما يطهر به الأولى فإن أُخرجتِ الفأرةُ وأُلقيَتْ في بئرٍ طاهرةٍ وصُبَّ أيضاً عشرون دلواً من ماءِ الأولى وجبَ إخراجُ الفأرةِ ونَزْحُ عشرين دلواً.
ومن توضأ من بئرٍ، فوجدَ فيها فارةً ميتةً ولم تنتفخ ولا يعلم متى وقعت، أعادَ صلاةَ يومٍ وليلة.
وإن كانت منتفخةً، فثلاثةُ أيَّامٍ ولياليها عند أبي حنيفة - رحمه الله - وعندَهما لا يُعيدُ شيئاً.
ولو رأى في ثوبهِ نجاسةً أكثرَ من قَدْرِ الدرهم، ولا يَدري متى أصابته. لا يعيدُ شيئاً بالإجماع وهو الأصحّ؛ لأنه يَطَّلعُ عليها صاحبُه أو غيرُه فإذا لم يشعُرْ به علم أنها أصابتْه للحال، وفي البئر لا يُوقف على الواقعِ فيها إلا بعد مُدةٍ فَقدَّرنا بتلك المدة بما ذكرنا.
وأدنى ما ينبغي أن يكون بين بئر الماء والبالوعة خمسة أذرع، وفي رواية: سبعةُ أذرع، والصحيحُ قدْرُ ما لا يخلُصُ أحد المائين إلى الأخرِ، عُرِفَ ذلك بتغيُّرِ الماء.
«النوادر»: ذكر ابنُ رُسْتُم في «نوادره»: لو وجدَ في ثوبه منيَّاً أعادَ الصَّلاة من آخر نومةٍ نامها فيه، وإن رأى دماً لا يعيدُ شيئاً.
وإنْ كان الثوبُ قد يلبسُه غيرُه، فالنطفةُ والدمُ سواءٌ لا يلزَمُه الإعادةُ حتى يستيقنَ.
ولو فتق جُبَّتَه فوجد فيها فأرةً ميتَة، ولم يعلم متى دخلَتْ فيها، فإن لم يكُن للجبةِ ثُقْبٌ أعادَ الصَّلاةَ من يومِ نَدْفِ القطن فيها، وإن كان لها ثقب يعيد صلاة ثلاثةِ أيَّام ولياليها عند أبي حنيفة - رحمه الله - كما في البئر.
فارة ماتت في جُبِّ ماءِ فأُريقَ الماءُ في البئر، قال محمد - رحِمَه الله -: يُنْزَحُ الأكثر من المصبوب ... وعشرون دلواً وهو الأصح وقال أبو يوسف - رحمه الله -: يُنزَحُ المصبوبُ وعشرون دلواً.
وإذا وقع الماءُ المستعملُ في البئر يفسدُ الماء، ويُنزَحُ كلُّه عند أبي يوسف - رحمه الله - وعند محمد: لا يفسدُ، ويجوزُ التوضّؤُ به ما لم يغلبْ على الماءِ وهو الصحيح.
بئرٌ وقعت فيها نجاسةٌ فنضبَ ماؤها وجفَّت، ثم غارَ الماء: في رواية يطهرُ بالجَفاف، وفي رواية: لا يطهُرُ إلا بالنزح والله أعلم بالصواب.
باب الأسار
سؤرُ الآدميِّ طاهرٌ إلا في حال شربِ الخمر، حتى لو ابتلعَ بُزاقَه مراراً طهُرَ فمُه، وكذا سؤرُ ما يؤكلُ لحمُهُ من الدوابِ والطيور ما خلا الدجاجةَ المُخلاة والإبل والبقر الجلَّالة، فسؤرُها مكروهٌ، حتى لو كانت محبوسةً بحيثُ لا يصِلُ منقارُها تحت قدميها فلا يُكره.
وسؤرُ الفرسِ طاهرٌ في ظاهرِ الرواية عن أبي حنيفة - رحمه الله - وهو قولُهما وسؤر الهرة، وسكان البيوت، كالفأرة، والحية، والعقرب، ونحوها طاهرٌ مكروه وعند أبي يوسف سؤر الهرةِ غيرُ مكروه.
وعلى هذا قالوا: لو لحسَتْ عُضوَ المرءِ يُكره أنْ يُصلِّيَ من غير غَسْلهِ، وكذا لو مُضِغَ لها شيءٌ فأكلتْ بعضَه لا يؤكَلُ ما بقيَ منه.
وفي «النوادر» عن أبي حنيفة - رحمه الله -: هرةٌ أكلَت فارةً، ثم شربت من الإناءِ على الفور ينجس وإن مكثَتْ ساعة أو ساعتين ثم شربَتْ لا يتنجَّس وهو قول أبي يوسف؛ لأنها غسلت فمَها بلعابِها فيطهرُ وعند محمد - رحمه الله - ينجُس في الحالين.
وكذا سؤرُ سباعِ الطير كالحدَأةِ، والبازيِّ، والصقرِ، ونحوِها طاهرٌ مكروهٌ إلا إذا كان البازيُ مأخوذاً يأكل لحماً ذكياً فغيرُ مكروه.
وسؤرُ الكلبِ والخنزيرِ والفيلِ وما لا يؤكَلُ لحمُه من الدواب والسِّباع نجِس، وسؤرُ الحمارِ والبغلِ مشكوكٌ فيه طاهرٌ غير طهورٍ كالماءِ المستعمل وهو الصحيح فإنه روي عن محمد - رحمه الله - في لبنِ الأتان أنه طاهر ولا يؤكل، ولعابُهما وعَرَقُهما إذا أصاب الثوب لا يفسده وإن فَحُشَ، وقال محمد - رحمه الله -: لبنُ الأتان والبغلِ وعرَقُهما ولُعابُهما يُفسدُ الماءَ أي: جعله مشكوكاً دون الثوب.
ولو وقع سؤرٌ مشكوكٌ في الماءِ يجوز التوضؤ به ما لم يغلبْ عليه كالماءِ المستعمل عند محمدٍ - رحِمَه الله - وعَرقُ كلِّ دابةٍ مِثْلُ سُؤْرِه والله أعلم.
بابُ الأنجاس
كلُّ ما خرجَ من بَدنِ الإنسان مما يوجبُ الوضوءَ أو الغُسْل فهو نجِسٌ كالبول، والغائطِ، والدمِ، والصديد والمنيِّ، وكذلك كل ما خرجَ من سائرِ أبدانِ الحيوانات.
وبولُ ما يؤكَلُ لحمُه طاهرٌ عند محمدٍ - رحمه الله - نجسٌ عندَهما نجاسة ًمُخفَّفة، وخرو الدجاجةِ والبط، والإوز نجِس، وخُرؤُ ما يُؤكلُ لحمُه من الطيورِ كالحمامِ والعصفور طاهر، وخرؤُ ما لا يؤكلُ لحمُهُ من الطيور لا يفسدُ الثوبَ عندهما وعند محمدٍ - رحمه الله - يفسدُه متى زاد على قدْرِ الدرهم، ثم قيل: إنَّه طاهرٌ عندهما حتى لو وقعَ في الماءِ لا يُفسدُه، وقيل: بأنه نجس حتى يفسدَ الماء، وليس بولُ الخفافيشِ وخُرؤها بشاءٍ، وخرؤُ الفأرة وبولها نجسٌ
والاحترازُ عنه ممكنٌ في الماءِ، غيرُ ممكنٍ في الطعامِ والثياب فصار معفوَّاً فيهما.
وليس دمُ البقِّ والبراغيثِ بشىٍء، وذكر الكَرْخيُّ: وما يبقى في العروقِ واللحمِ من الدم طاهر، وروي عن أبي يُوسفَ - رحمه الله - أنه معفوٌّ في الأكلِ غيرُ معفوٍّ في الثياب.
وكذلك القليل الذي لا يسيل عن رأسِ الجرح، وقليلُ القيءِ ليسَ بنجِسٍ وهو مرويٌّ عن أبي يوسف - رحِمَه الله -.
وعن محمد - رحِمَه الله - أنه نجسٌ حتى لو أخَذه بقطنةٍ وألقاها في الماء ينجُس وعلى الرواية الأولى: لا ينجس.
ودمُ الحَلَمةِ نجِسٌ وهو أكبرُ أنواعِهِ، ودمُ السمكِ طاهرٌ عندَهما خلافاً لأبي يوسف - رحمه الله -.
ولا ينجسُ من غيرِ الخنزيرِ الشعرُ، والصوف، والوبر، والريش، والقرن، والعصب والعظم والسن، والحافر والخف، والظلف خلافاً للشافعي - رحمه الله وعظمُ الخنزيرِ، وسائرُ أجزائِه نجسٌ، إلا أنه رُخِّصَ في شَعرِه للخرَّازين لأجلِ الحاجة وعند محمد - رحمه الله -: شعره طاهر.
وعظمُ الفيلِ، رُوِيَ عن محمد: أنه نجِس، وعن أبي يوسف - رحمه الله -: أنه طاهر وهو الأصحُّ؛ لأنه ليسَ بنجسِ العين.
وأنفِحَةُ الميتة ولبنُها في ضَرْعِها، وقشرةُ البيضةِ الخارجةُ من الميتة والسخلة ُ الساقطةُ من أمِّها وهي مبتلّةٌ طاهرةٌ عند أبي حنيفة - رحمه الله - وعندهما اللبن والانفحة ُ المائعة ُ نجِس، والجامدة ُ والبيضة والسخلةُ ... طاهرةٌ ويغسل ظاهرها وينتفع بها
ولو وقعت البيضة ُ الخارجةُ من الدجاجة الحيَّة ِ في الماءِ، قيل: إن كانت رطبة يفسد الماء، وإن كانت يابسة لا يفسد الماء وقيل: لا يَفْسُدُ الماء رطبةً كانت أو يابسةً، ما لم يعلم أن عليها قَذَراً ولهذا قالوا: بأنَّ مَجْرى البولِ طاهرٌ حتى يطهُرَ موضعُ المنيِّ بالفَرْكِ والله أعلم بالصواب.
بابُ
مقدارِ النجاسة التي تمنع جوازَ الصَّلاة
النجاسة ُ المغلَّظة ُ عند أبي حنيفة - رحِمَه الله - ما ثبتَتْ نجاسَتُهُ بنصٍّ لا يعارضُه نصٌّ آخر يدلّ على طهارتهِ وإن اختلفَ الناسُ في نجاستِهِ
والمخفَّفة ُ ما تعارضَ النصَّانِ في طهارتهِ ونجاستهِ
وعندهما: المُغلَّظة ما اتُّفِقَ على نجاستهِ وليسَ في إصابتهِ بلوى وضَرورةٌ
والمخفَّفةُ ما اخُتلِفَ في نجاسته.
فالمُغلظة: كالبولِ، والغائط، والدم وخُرْؤ الدجاج والبط ونحوهِ، لا يمنعُ جوازَ الصَّلاة حتى يكون َ أكثرَ من قدرِ الدرهم، والدرهمُ ما يكونُ مِثل عَرْضِ الكف، هكذا ذكَره محمد - رحمه الله - في «النوادر» وذكر محمَّد في «المبسوط»: الدرهمُ الكبيرُ المثقال معناه ما يبلغ وزنه مثقالاً، فقد أرادَ بالأول تقديرَ النجاسة المائعة، وبالثاني تقدير النجاسة المتجَسِّدة كالعذِرَةِ والروث.
ويُكره أن يُصلِّيَ ومعه قَدْرُ درهمٍ أو دونَه من النجاسة وهو عالمٌ به، وإن لم يعلم لا يكره.
ولو انتضحَ عليه من البولِ مثْلُ رؤوسِ الإبر لا يضُرُّه، وإن سالَ عليه شيء لا يعرفُه، وأكبر ظنّه َ أنه نجسٌ يغسلُه، وإن كان لا يَدْري ما هو يتركه، وإن غسَلَه فقد أحسن.
ولو توضأ من حُبٍّ يوضع كوزة على الأرض جاز
النجاسةُالمخفَّفة التقديرُ فيها بالكثيرِ الفاحش وهو الربُع فصاعداً عند أبي حنيفة - رحمه الله - وهو ربعُ كلِّ طرَفٍ أصابَتْهُ النجاسة كالذيلِ والكُمِّ وهو الأصحُّ، وعند أبي يوسف - رحمه الله - شِبرٌ في شِبرٍ، وعند محمدٍ ذراع ٌ في ذراعٍ.
والأرواثُ كلُّها نجسةٌ نجاسةً مغلَّظةً عند أبي حنيفة، وعندَهما مُخفَّفة.
وبولُ ما لا يؤكَلُ لحمُه نجِسٌ نجاسةً مُغلَّظة، وبولُ ما يؤكَلُ لحمُه نجِسٌ نجاسةً مُخفَّفةً عندَهما، وعند محمدٍ طاهر.
وطهارةُ البدَنِ والثوبِ والمكانِ شرطٌ لصحَّة الصَّلاة.
ولو صلَّى وتحتَ إحدى قدميه نجاسةٌ فالأصحُّ أنه لا يُجزيه؛ لأنَّ القيامَ مضاف إليها.
وإن كانت النجاسة ُ في موضعِ سجوده فحَسْبُ، جازَتْ صلاتُه في روايةٍ عن أبي حنيفة - رحمه الله - وفي رواية: لا يجوزُ وهو قولُهما وهو الأصحَّ، وإن كانت النجاسة ُ في موضعِ يديه أو ركبتَيْه يُجزيه؛ لأنَّ وضْعَ ذلك ليس بفرضٍ فجُعِلَ كالعدَم.
ولو صلَّى على أرضٍ أصابتها النجاسة ُ وذهبَ أثرُها جازَت صلاته، ولا يُجزيه التيمم؛ لأنَّ بالجفافِ وذهابِ الأثرِ تقلَّلت النجاسة ُ، وقليلُها لا يمنعُ الصَّلاة ويمنعُ التطهيرَ بها.
ولو صلّى على دابةٍ وعلى سَرْجِها نجاسةٌ أكثَرُ من قَدْرِ الدرهم، جازَتْ صلاتُه وإن كانت على طاهرة؛ لأنه سقط اعتبارُها لضرورة لحوق المشقة كما سقط عنه أركان الصَّلاة لضرورة دفع المشقة.
«النوادر»: ولو سجدَ على مكانٍ نجسٍ ثم أعادَها على مكانٍ طاهرٍ جاز.
ولو صلّى على مكانٍ طاهر إلا أنه إذا سجدَ وقع ثيابُه على أرض ٍ نجسةٍ جازَتْ صلاته.
ولو افتتحَ الصَّلاةَ على مكانٍ طاهر، ثم تحوَّل منه إلى مكانٍ نجس ثم تحوَّل إلى مكانٍ طاهرٍ جازَتْ صلاتُه إلا أن يمكث.
ولو افتتح الصَّلاةَ على مكانٍ نجسٍ لم تنعقد الصَّلاة.
ولو صلَّى على بساطٍ، وعلى طرفٍ آخرَ منهُ نجاسةٌ ... تجوز الصَّلاة صغيراً كان أو كبيراً؛ لأنه بمنزلة الأرض.
ولو تعمَّم وعلى طرفٍ منه نجاسة ٌمُلقىً على الأرض لا يجوزُ إن كانَ يتحرَّكُ بحركته وإن لم يتحرك يجوز.
وكذا لو صلى وفي يده حبلٌ مشدودٌ على عُنقِ الكلبِ ملقىً على الأرضِ تجوز صلاته.
ولو علمَ بنجاسة الثوب لكن خفِيَ عليه مكانُه، غسَلَ الثوبَ كلَّه احتياطاً، وكذا لو علم أنه أصاب ذيلَه أو كُمَّه ولا يَدْري موضِعَهُ غسل جميعَ ذلك الطرف.
ولو كانَ على بطانةِ مُصلَّاه، أو في حَشْوِها نجاسةٌ، جازتِ الصَّلاةُ عليها إذا لم يكن أحدُهما مخيطاً ولا مُضرَّباً على صاحبه، وإن كان أحدُهما مخيطاً على صاحبِه فعند محمدٍ - رحمه الله - يجوز، وعند أبي يوسف: لا يجوز.
وكذا المِكعَب إذا كان أسفلُه نجسِاً، فنُزعَ وقامَ عليه جاز عند محمد - رحِمَه الله - وعند أبي يوسف – رحمه الله - لا يجوز كما في مُصلى مُبطَّن.
ولو قام على النجاسةِ وفي رِجْلَيه جَوْربان أو نَعْلان لا تجوزُ صلاتُه، ولو افترش نعليه وقامَ عليهما جازت.
اللبنة والآجُرَّة إذا كان أحدُ وجهَيْها نجساً، فقام على الوجهِ الطاهرِ فصلَّى، إن كانت الآجرة مفروشةً جاز، وإن لم تكن مفروشةً، روي عن محمد - رحمه الله - انه لا يجوز؛ لأنه شيء واحدٌ وعن أبي يوسف - رحمه الله - إنه يجوز لأنه من أجزاء الأرض فصار كما لو صلى على أرضٍ باطنُها نجسه.
ثوبٌ ذو طاقَيْن تنجستِ الطهارةُ قَدْرَ الدرهم ونفذت إلى البِطانة بحيث لو ضُمَّ لزادَ على قدر الدرهم، أو كان معه دِرْهم أصابه النجاسةَ في الوجهَيْن لا تجوز صلاته عند محمد - رحمه الله - وعند أبي يوسف - رحمه الله - تجوز.
رجلٌ صلَّى ومعه جِروُ كلبٍ، وكلُّ ما لا يجوزُ أن يتوضَّأ بسؤره فالأصحُّ أنه إن كان فمُه مفتوحاً لا يجوزُ؛ لأنَّ لعابَه يسيلُ في كمِّه، وإن كان فمُه مشدوداً جاز.
ولو صلَّى وفي كُمِّهِ قارورةٌ مضمومةُ الرأس فيها بولٌ لم تجُز صلاته.
ولو صلى وفي كمِّه بَيْضةٌ مذِرة ... جازت.
ولو صلى ومعه جلدُ حيةٍ أكثرُ من قدْر الدرهم لا تجوز مذبوحة أم لا؛ لأن جلدَها لا يحتملُ الدباغة ولا يحلَّ بالذكاة فيكون ميتةً.
ولو بانت أسنانُه أو قُطِعت أذُنُه ثم أعادها إلى مكانها وصلَّى معها، أو صلَّى وأذنُه أو سِنُّه في كُمِّه فالأصحُّ أنه يجوز؛ لأنَّ العظم لا يُحِلُّه الموت.
ولو صلَّى وهو حاملٌ شهيداً وعليه دمٌ كثير تجوز صلاته، وإن أصاب ذلك الدمُ ثوْبَ المصلي أكثرَ من قدرِ الدرهمِ لم تجُزْ صلاته؛ لأنَّ دمَ الشهيدِ ما دام عليه فهو محكومٌ بطهارته لضرورةِ جوازِ الصَّلاةَ عليه وقد انعدمت الضرورةُ متى انفصلَ الدمُ عنه.
ولو صلَّى ومعه نافِجَة مسك إن كانت النافجة متى أصابها ماءٌ لم تفسُد جازت صلاته، وإلا فسدت، وإن كانت نافجِة دابةٍ قد ذُكِّيت جاز، وإن لم تذكَّ لا يجوز، قال أبو حنيفة - رحمه الله -: لو انكسر ظفره فأدخل مرارةً في أصبعه للتداوي يكره، وقال أبو يوسف: لا يكره لمكان الحاجة، ولو صلَّى معها، وفيها ماءٌ أجزأه إلا أن يكون كثيراً فاحشاً فلم يجز والله أعلم.
باب
تطهير ... النجاسات
والمنيُّ إذا يبِسَ يَطْهُرُ بالفَرْكِ على الثوبِ استحساناً لقوله - صلى الله عليه وسلم - لعائشة - رضي الله عنها - في المني: «إذا رأيتِ في ثوبك رَطباً فاغسليه وإذا رأيتِ يابساً فافركيه»، فإنْ كان على البدن جميعاً وجَفَّ روى الحسنُ عن أبي حنيفةَ - رحِمَه الله - أنه إن كان على البدن لا يطهرُ بالفرك، وذكر الكرخي عن أصحابنا: أنه يطهر.
ولو كان رأسُ ذكَرِه نجِساً بالبول لا يطهرُ بالفَرْك.
وإنأصابتِ النجاسة ُ المائعة ُ الخُفَّ أو النعلَ ونحوَهما لا يطهرُ إلا بالغَسْل، رطبةً كانت أو يابسةً، وقيل: إذا مشى على البولِ، ثم مشى على الرملِ أو التراب فالتصقَ به وجفَّفه ومسحَه بالأرض يطهر وهو الصحيح وإن كانت مُتَجَسِّدةً رطبة ً لا يطهر إلا بالغسل، وعن أبي يوسف - رحِمَه الله -: إذا مسحَ خُفَّه بالأرض على سبيلِ المبالغةِ يَطهر، وعليه الفتوى للضرورة، وإذا يبست فحتَّها عن الخف طهر عندهما، خلافاً لمحمد - رحمه الله - لأنه شيءٌ صُلبٌ لا يتشرَّبُ فيه إلا قليلاً وذلك معفوٌّ للضرورة.
وإن أصابت النجاسة ُ السيفَ والمرآة َ ونحوَهما يطهرُ بالمسح، وإن أصابت الأرض وهي رِخوةٌ طهُرَتْ بالصبِّ عليها، وإن كانت صَلْبةً منحدرة يُصبُّ الماءُ عليها، وتُكْنَس الحفرة التي اجتمعت فيها الغُسالةُ، وإن كانت مستويةً لا تُغْسل ولكن يُجعلُ أعلاها أسفلها.
ولو غسل العضوَ أو الثوبَ النجسَ في الأواني يطهرُ عندهما، وعند أبي يوسف - رضي الله عنهم - لا يطهُر إلا بصَبِّ الماءِ عليه إلا في الثوب، وكذلك إذا اتّحد الإناءُ وجَدَّدَ الماءُ.
ولو اغتسل جنبٌ في عشرِ آبارٍ أفسدَ كلَّها، ولا يُجزيه غُسْلُه عند أبي يوسف - رحمه الله - وعند محمدٍ يخرُج من الثالثة طاهراً.
وكذلك إذا أدخل يدَه النجسة َ في عشرِ خَوابي خَلٍ تطهُر عند أبي حنيفة - رحمه الله - كالماءِ، وعند محمد: لا تطهر.
ثم النجاسة ُ المرئية ُ تطهرُ بإزالةِ عينها، وبقاءُ الأثرِ بعد زوالِ العينِ لا يضرُّ إذا تعذَّر إزالتُهُ، فإن زالَ العينُ والأثرُ بمرةٍ واحدةٍ قيل: لا يطهُرُ ما لم يغسله ثلاثاً، وقيل: يطهر لأنَّا تيقَّنا بزوالِ المُنَجِّس فاستحالَ بقاءُ النجاسة.
وغيرُ المرئيةِ لا تزولُ إلا بالغسل ثلاثاً، والعَصْرِ في كلِّ مرةٍ. وقال مشايخِ العراق: الطهارةُ موقوفةٌ على غلبةِ الظن.
ثم المياهُ الثلاثة ُ نجسة ٌ متفاوتة، فالأول إذا أصابَ شيئاً يطهُر بالثلاث، والثاني بالمثنى، والثالث بالواحدِ ثم كلُّ ما كان يُمكن عَصْرُه لا يطهرُ إلا بالغَسْلِ ثلاثاً، والعصر في كل مرة، وما لا يمكن عصره كالحصير، واللبود والبسط، والخف، والمِكعب ولم تتشرب فيه النجاسة يطهر بالغسل ثلاثاً من غير عَصْر، بأن أجرى الماء على البساط أو ملأ الخفَّ أو المكعب من الماء فأهراقَه إلى
أن يتوهَّم زوَالها؛ لأنه لا يتهيأ عصْرُه فأُقيمَ جَريانُ الماءِ مُقامَ العصر للحاجة وإن تشرَّبت النجاسة ُ فيه كالخزف الجديد والآجر الجديد، والحنطة.
والجلد إذا دُبِغ بالدُّهن النجس، والسكينِ إذا مُوِّه بالماءِ النجس، واللحمِ إذا طُبخَ بالماءِ النجس، فعند أبي يوسف يُغسلُ ثلاثاً، ويُموَّه السكين بالماء الطاهر ثلاثاً، ويطبخ اللحم أو الحنطة بالماءِ الطاهر ثلاثا ويُجَفَّفَ في كلِّ مرةٍ ويطهر، وعند محمد - رحمه الله - لا يطهرُ أبداً.
وكذا الحوضُ إذا تنجَّس ثم غار الماء، عند أبي يوسف - رحمه الله - يُملأُ الحوضُ ثلاثَ مراتويُجَفَّفُ في كل مرةٍ، وعند محمدٍ - رحمه الله - لا يطهرُ أبداً، قال أبو حنيفة - رحمه الله -: إذا طُبِخَت الحنطةُ في الخمرِ ثم جَعلها في الخلِّ تطهر.
وقعت النجاسة في قِدْر قال محمد - رحمه الله -: إن كانَ في حالِ الغلَيان لا يطهر اللحم أبداً، وإن لم يكن في حال الغَليان يطهُر بالغسل.
الأرضُ إذا أصابتها النجاسة فيبستْ وذهبَ أثرُها، ثم أصابها الماءُ، والمَنيُّ إذا فُرِكَ ثم أصابه الماءُ والخفُّ النجسُ إذا جفَّ ثم أصابهُ الماءُ، والحوضُ إذا تَنَجَّس ثم غارَ ماؤهُ ثم عاد في رواية لا يعود نجساً وفي رواية يعودُ نجساً وهو الأصحّ؛ لأن النجاسة تتقلل بالفرك والجفاف ولا تزول أصلا فتكثر بإصابة الماءِ.
الحمارُ والخنزيرُ إذا وقع في المَمْلَحة فصار مِلحاً، أو السَّرْقين إذا احترقَ فصار رماداً، وبئر البالوعةِ إذا صار طيناً يطهُر عندهما، خلافاً لأبي يوسف رحمه الله والشافعي؛ ولأنه استحال بطبْعهِ وصورتهِ فتزول نجاستُه كالخمرِ إذا تخلل.
رجلٌ غمسَ يدَه في سمنٍ نجسٍ، ثم غسلَ يده بالماءِ ثلاثاً بغير حُرُضٍ وأثر السمنِ باقٍ على يده طهُرَتْ يدُه
ولو تنجَّس الدهنُ ثم غُسِل قيل: لا يطهر، ورُويَ عن أبي يوسف - رحمه الله - إنه يُجْعَلُ في إناءِ فيُصبَّ الماءُ عليه ثلاث مرات فيعلو الدهن على الماء فيُرْفَع بشيء هكذا في كل مرةٍ، فيطهر التنورُ المسعور إذا مُسِح بخرقة نجسةٍ مبتلة ثم خُبِز فيه إن كانت حرارة النار أكلت بلة النجاسةِ قبل إلصاق الخبز بالتنور لا يتنجس الخبزَ، وإن لم يأكلها تَنَجَّسَ، وكذا رأس شاةٍ متلطخ بالدم فأحرقه بالنار حتى زالَ عنه الدم طهر.
وكذا لو مسح موضعَ المِحْجَمة بثلاث خِرَقٍ رطبات بطاقات أجزأَه من الغسل، وقال أبو يوسف: لا يُجزيه حتى يغسله.
رجل أصابته نجاسةٌ أو أصابت السيفَ نجاسةٌ فلحسَها بلسانهِ، أو ذبحَ الشاة َ ثم مسَح السكين َ على صوفِها حتى ذهبَ أثرها طهُر.
وكذا الصبي قاءَ على ثدي أمه ثم مص ذلك مراراً طهر.
وحُبُّ عصير غلى واشتدَّ وقذفَ بالزَبدِ ثم سكن وانتقصَت الخمر عما كانت ثم صارت خلَّاً طهر الحُبُّ كله.
بابُ
تطهيرِ جلودِ الميتة
وتطهرُ جلودُ الميتةِ كلُّها بالدباغِ إلا جِلْدَ الآدمي والخنزير؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «أيما إهاب دُبغ فقد طهر» ... ويطهرُ جلدُ الكلبِ بالدباغِ في ظاهر الرواية، إلا في رواية «النوادر»: عن محمدٍ - رحمه الله - امرأة صلَّت وفي عُنُقِها قِلادة فيها سنُّ كلبٍ، أو ثعلبٍ، أو أسدٍ جازت صلاتها.
ورُوي عن محمدٍ - رحِمَه الله -: أنَّ الفيل كالخنزير، وروي عن أبي حنيفة وأبي يوسف - رحمهم الله -: أنه يُنتَفعُ به ويطهُر بالذكاة.
وعن محمد - رحمه الله - إذا أصلحَ مصارينَ شاةٍ ميتةٍ، أو دبغ َ المثانة وأصلحها طهُرت ألا ترى أنه يتخذ منها الأوتارُ، وفيالكرش أنه لا يطهر وهو كاللحم؛ لأنه وإن يبس يعود لحماً.
وما طهُر جلدُه بالدباغ طهُرَ كلُّه بالذكاة إلا الدمَ وجلْدُ الحيةِ لا يحتملُ الدباغ ولا يطهر بالذكاة، وحدُّ الدباغ أن يُخرجَه عن حدِ الفسادِ حتى إذا ترَّبه وشمَّسه حتى يبس فقد اندبغ وطهر؛ لأنه زالت الرطوباتُ النجسة عنه وإذا جفَّ ولم يستحِل لم يطهُر، وقال أبو يوسف - رحمه الله -: إذا كان يمنعُه من الفسادِ فهو دباغ.
وقال محمد - رحمه الله -: عَصَبُ الميتة وجلدُها إذا يبس فوقع في الماءِ لا يفسده، وعلى ظاهر الرواية يُفسده؛ لأنَّ باليبَسِ تشرَّبت الرطوباتُ فيه وما زالت عنه.
باب التيمُّم
أصله قولُه - صلى الله عليه وسلم -: «التيمُّم ضربتان: ضربةٌ للوجهِ، وضربةٌ للذراعَيْن إلى المرفقين» وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «التيمم طهورُ المسلمِ ولو إلى عَشْرِ حِجَجٍ ما لم يجدِ الماءَ أو يُحدِثَ» وكيفية التيمم أن يضربَ يدَيْه على الأرض ثم ينفضَهما ويمسحَ بهما وجْهَه بحيث لا يبقى منه شيء وإن قلَّ، ثم يضربَ يدَيْه ثانياً على الأرضِ ثم ينفضَهما فيمسحَ بهما يدَيْه.
قال مشايخُنا: يضربُ يدَيْه ثانياً ويمسحُ بأربعِ أصابعِ يدهِ اليُسرى ظاهرَ يدهِ اليمنى من رؤوس الأصابع إلى المرفقين، ثم يمسحُ بكفِّه اليُسرى باطن يدهِ اليمنى إلى الرُّسغِ ويمرُّ بباطن إبهامِه اليُسرى ظاهرَ إبهامه اليمنى ثم يفعلُ بيده اليسرى كذلك وهو الأحوط.
ولا يجوز التيمُّم بأقلَّ من ثلاثةِ أصابع، واستيعابُ العضوَيْن في التيمم واجبٌ في ظاهر الرواية.
وروى الحسن عن أبي حنيفة - رحمه الله - إذا تيمَّم الأكثرُ جاز ويُخلِّل بين أصابعهِ في التيمم في ظاهر الرواية.
وتلطيخ العضوين بالتراب ليس بشرط ... خلافاً للشافعي؛ لأنَّ المأمورَ مسحُها لإيصالِ الترابِ إليها.
ولا يصحُّ التيمم إلا بالنية، ويصلِّي بتيممٍ واحد ما شاءَ من الفرائض والنوافل ما لم يجد الماء أو يُحدث.
وكذا لو تيمَّم قبل الوقتِ جاز، ولو تيمَّمَ لصلاةِ الجنازة، أو سجدةِ التلاوة، أو لقراءة القرآن جاز له أن يُصلِّى بذلك التيمم؛ لأنها من أبعاض الصَّلاة فيكون ملحقاً بها ولو تيمَّم لدخولِ المسجد، أو لمسِّ المُصحفِ لا يُجزيه أن يُصلِّي بذلك التيمم؛ لأنه ليس من أبعاض الصَّلاة.
متوضِّئٌ أو مُتيمِّمْ ارتدَّ لا يبطلُ وضوؤه وتيمّمه؛ لأنَّ الكفرَ لا يُنافي صفةَ كونهِ طاهراً.
كافرٌ تيمَّم بنيهِ الإسلامِ لا يصحُّ تيمُّمه خلافاً لأبي يوسف - رحمه الله -؛ لأن الإسلام يصحُّ بدونِ الطهارة فلم تمسَّ الضرورةُ إلى جعلِ التيممِ طهوراً في حقِّه وبه فارق الصَّلاة ولو اغتسل أو توضأ ثم أسلم صحَّ.
نوعُ ما يُتيمَّمُ به
ويجوزُ التيمُّم بكلِّ ما كان من جنسِ الأرض، وقال أبو يوسف - رحمه الله -: لا يجوزُ إلا بالترابِ والرملِ ثم كلَّ ما لا يَلينُ ولا ينطبعُ بالنار، فهو من جنس الأرض كالزرنيخ والنُّورَةِ والجِصِّ، والطينِ الأحمر والأصفر، والكحل، والمُرداسنج المعدني، دون المتخذ من شيءٍ آخر، والملحِ الجَبلي دونَ المائي، والسبخةِ المنعقدةِ من الأرض دون المائية.
وكل ما ينطبعُ ويَلينُ بالنارِ أو يحترقُ كالرماد، والحديد، والصُّفْرِ، والذهب، والفضة، والزجاج، والرصاص، والنحاس، والبورق، فليس من جنس الأرض.
ولو تيمَّم بالياقوت والفيروزج، والزّمُرُّد جاز، وباللآلئ لا يجوز، مدقوقة أم لا ... في روايةوفي رواية يجوز؛ لأنه طين مُسْتَجَدٌّ ويجوز بالخزف إلا إذا كان من طين مخلوطٍ بما ليس من جنس الأرض كالزاجِ المُتَّخَذِ من الرمل وشيء آخر ليس من جنس الأرض.
ثم عند أبي حنيفة - رحمه الله - يجوز التيمم وإن لم يلتصق الغبار بيده كما لو ضرب يده على حجر أملس، أو حائط لا غبار عليه، أو على أرض نديةٍ وهي رواية عن محمد - رحمه الله - وروي عنه أنه لا يجوز.
ولو تيمَّم بغبار ثوبه، أو بنفاضة لَبْدِه أو هبَّت الريح فارتفع الغبارُ فأصابَ وجهه وذراعيه فمسَحه جاز، خلافاً لأبي يوسف إلا إذا عجز عن التراب فحينئذ يجوزوإذا لم يجد إلا الطين والرَّدْغَةَ يلطخه بثوبهِ فإذا جف تيمَّم به، وقيل عند أبي حنيفة - رحمه الله -: يجوزُ بالطينِ وهو الصحيح، إلا إذا صارَ مغلوباً بالماء فلا يجوز.
وإن تمعَّك بالتراب يُجزيه عن التيمم إذا أصاب التراب جميع مواضع التيمم
ولا يتيمَّم بالصعيد القذِر.
ولو تيمم اثنانِ من مكانٍ واحدٍ جاز، ويجوز للمسافرِ أن يطأ جاريتَه وإن علم أن لا يجد الماءَ.
أصاب بدن َ المتيممِ قَذرٌ فصلَّى ولم يمسَحْه جاز، والمستحبُّ أن يمسحَ تقليلاً للنجاسة.
ويجوزُ التيمُّم للحائض ِ والنفساءِ.
وينتظرُ فاقدُ الماءِ آخرَ الوقت إذا كان يرجو وجودَ الماء، وإن لم يَرْجُ لا يؤخر، وإن لم ينتظر جازت صلاته.
وإذا غلبَ على ظنِّ المسافرِ أن بقربه ماءً، أو أُخبِر به وجب عليه الطلب مقدار الغَلْوة ونحوها، وبدون ذلك لا يجبُ الطلب خلافاً للشافعي - رحمه الله - وعند محمد - رحمه الله - إنه يبلغُ في الطلبِ ميلاً، وإن كان بينه وبين الماءِ أقلُّ من ميلٍ لم يُجْزِئه التيمم. وإن خاف فوْتَ الوقتِ وهو قولُ أبي حنيفة - رحمه الله -؛ لأنَّ الصَّلاة لو فاتته تفوت إلى بدلٍ وهو القضاء.
ولو تيمَّم في أوَّلِ الوقت وصلَّى وهو عالمٌ أنَّ الماءَ بقربٍ منه، فإنْ كان أقلَّ من ميلٍ لا يجوز تيمُّمه وصلاته، وإن كان ميلاً فصاعداً جازت، والميل ثُلثُ فرسخٍ.
ويجوزُ التيمُّم إذا عجَز عن استعمالِ الماءِ بأن وجدَ بئراً لا يستطيعُ الأخذَ منها، أو كان بينه وبين الماء عدْوّ، أو سَبُعٌ، أو لصوصٌ، يخافُ على نفسهِ الهلاك، أو الضرب، أو كان معه ماءٌ وهو يخافُ العطش، أو وجدَه بثمنٍ غالٍ وهو مما لا يتغابَنُ الناسُ في تلك الزيادة، وإن وجد بثمن المثل يلزمه الشراء ولا يتيمم.
تيمم وفي رَحْلهِ ماءٌ لا يعلمُ به، أو نَسيه، أو صلَّى عُرياناً، وفي رَحْلِه ثوب نسيَهُ فصلى يُجزيه خلافاً لأبي يوسف - رحمه الله - بخلاف المكفِّرِ إذا نسىَ المال في ملكه وكفر بالصوم فالأصحَّ أنه لا يُجزيه؛ لأنَّ المانع من جوازِ التكفيرِ بالصوم وجودُ المالِ في ملكه وقد وجد، والمانعُ من جوازِ التيممِ القدرةُ على استعمال الماءِ لا وجوده، بدليل أنه لو كان بقربه ماءٌ وهو لا يشعرُ به يجزيه التيمم، ومع النسيان لا يقدرُ على استعمال الماء.
ولو كان الماءُ بقُربه وهو لا يشعرُ به، وليس بحضرتهِ من يَسأله، فصلَّى أجزأه التيمم.
وإن كان بحضرته من يسألُه فلم يسأله حتى تيمَّم وصلَّى به ثم أخبره بماءٍ قريبٍ لم تجز صلاته.
وإن سأله ولم يُخبره حتى تيمَّم وصلَّى، ثم أخبره بماءٍ قريبٍ جازتْ صلاته، وكذا إذا كان مع رفيقهِ ماءٌ فصلَّى بالتيمُّم ولم يطلُبه لا تجوزُ صلاته، ولو طلبه ولم يُعْطِه جازت صلاته.
قال محمد - رحمه الله -: المصلِّي إذا رأى الماءَ، ومع رفيقه ماء وأكثر رأيه أنه يعطيه يقطعُ صلاتَه، وإن كان يشكُّ فيه يمضي على صلاته، فإذا تم سألَه فإن أعطاه توضأ وأعاد الصَّلاة؛ لأنه ظهر أنه كان قادراً، وإن أبى تَمَّت صلاته، فإن أعطاه بعد ما أبى ... لم ينتقض ما مضى.
وعن محمد - رحمه الله -: في رَجُلَيْن مع أحدِهما إناء يَغترفُ من البئرِ، ووعد صاحبَه أن يعطيه الإناء أو الكأس، ووعد العاري أن يُعطيه الثوبَ ... إذا فرغَ من صلاتِه لم تجز صلاتُه بالتيمم؛ لأنَّ الظاهر أنه يفي بالوعد فيُعطيَهُ ما وعده.
«النوادر»: ولو تيمَّم وفي عُنُقِهِ إداؤه فيها ماءُ لم يعلَمْ به، قال أبو يوسف: لا يجوز؛ لأنه نسيَ ما لا يُنسى ولو كان الماءُ معلقاً على الإكاف إن كان راكباً والماء مؤخَّرَ الرحل جاز تيممه وإن كان الماءُ مقدَّم الرحلِ لا يجوز؛ لأنه مُعايِنٌ له وإن كان سائقاً فعلى عكسِ هذا، وإن كان قائداً جاز كيف ما كان.
«الفتاوى»: الماءُ الموضوعُ في الفلاةِ في الحُبِّ ونحوه لا يمنعُ جوازَ التيمم، إلا أن يكون الماء كثيراً فيُستدلُّ بكَثرتهِ على أنه وُضِعَ للشربِ وللوضوءِ جميعاً.
ولو ظن أن ماءه قد فنيَ ثم تبيَّن أنه لم يَفْنَ لا يجوزُ تيمُّمه.
«المبسوط»: ولا يجوزُ التيمُّم في المِصْر إلا بعذرٍ كالمريض ِ في المِصْر إذا خافَ زيادة المرض باستعمالِ الماءِ، أو لا يضرُّه استعمالُ الماء ولكن لا يقدِرُ على التوضيءِ بِنْفسِه، أو لا يجدُ من يوضِّيه جازَ له التيمُّم.
ولو كان له خادمٌ أو أجيرٌ لا يُجزيه بالاتفاق، ولو وجدَ مَنْ يوضِّيه مُحتسباً يُجزيه التيمُّمُ عند أبي حنيفة - رحِمَه الله - خلافاً لهما.
وكذا لو كان مريضاً لا يقدِرُ على استقبالِ القبلة، أو في فراشه نَجاسة ٌ لا يقدرُ على التحول عنه، ووجدَ من يُحوِّله ويوجِهُهُ إلى القبلة فعلى هذا الخلاف، بناءً على أن الاستطاعة عنده لا تثبت إلا بالملك إلا في الماءِ فإنها تثبت فيه بالبذل والإباحة، وعندهما تثبت بالإباحة فيها.
وكذا جنبٌ في المصر يخافُ البردَ إن اغتسل، تيمَّمَ عند أبي حنيفة َ خلافاً لهما.
والمحبوسُ في السجن يُصلِّي بالتيمُّم ويُعيدُ بالوضوء، والمحبوسُ في السفرِ يصلي بالتيمم ولا يعيد؛ لأنَّ الغالبَ في السفر عدمُ الماءِ فكان العجزُ مضافاً إلى عدَم الماءِ لا إلى صنع العبد، وفي المصرِ العجزُ مضافٌ إلى صُنع العبد لا إلى عدَمِ الماءِ فلا يؤثِّرُ في إسقاطِ حقِّ الله تعالى كمن قُيِّد حتى صلَّى قاعداً يؤمَرُ بالإعادة.
والمحبوسُ في المحرج لا يجد طهوراً لا يصلي عندهما، وعند أبي يوسف - رحمهم الله - يصلي بالإيماء ثم يعيد.
متوضِّئٌ محبوسٌ في مكانٍ قذِر لا يجدُ مكاناً طاهراً، يصلِّي فيه بالإيماء ثم يعيد كالمحبوسِ في مكانٍ طاهرٍ لا يجدُ الماءَ.
ويجوزُ التيمُّم لصلاةِ الجنازةِ والعيدِ إذا خافَ فَوْتَهما.
وعن أبي حنيفة - رحمه الله - في المولى لا يتيمَّمُ لصلاةِ الجنازة والإمام إذا تيمَّمَ لصلاةِ العيد يُجزيه في ظاهرِ الرواية لأنه يخافُ الفوْتَ بخروجِ الوقتِ حتى لو لم يخَفْ ذهابَ الوقتِ لا يُجزيه التيمُّم.
ولو افتتح صلاة َ العيدِ بالوضوءِ ثم أحدث بنى بالتيمُّم عند أبي حنيفة خلافاً لهما ولو علم أنه إن اشتغلَ بالوضوءِ لا يفرغ ُ الإمامُ من صلاتهِ لا يُجزيه التيمم، ولو افتتحَ بالتيمُّم ثم أحدَث تيمَّم وبنى.
ولا يُصلِّى الجمعة َ بالتيمم وإن خافَ فوتَها، والمسافرُ يؤدِّي سجدة َ التلاوةِ بالتيمُّم دون المقيمِ في المصر؛ لأنَّ المقيمَ لا يخشى فَوْتَها فلا يجوز أداؤها إلا في حال يجوزُ أداء الصَّلاة بالتيمم بأكثر أعضاء وضوئه عَلَّه لا يلزمُه غسلُ الباقي ويتيمم.
ولو كان في الأقلِّ مسحَ عليه وغسلَ الصحيح، ولو كان نصفُه مجروحاً فالأصحُّ أنه يغسلُ الصحيحَ ويمسحُ على الجريح ثم قيل: إن كان أكثرُ أعضاءِ وضوئِه جريحاً يجزيه التيمم، وقيل: إن كان الأكثرُ مِن كل عضوٍ جريحاً يُجزيه التيمم.
جنبٌ مرَّ على مسجدٍ فيه ماءٌ، تيمَّم للدخول، فإن كانَ فيه عينٌ صغيرهً لا يستطيع الاغتراف منها لا يغتسل فيها ويتيمم.
ولو أصابته جنابة ٌ في المسجد، قيل: لا يُباحُ له الخُروج من غيرِ تيمُّم، وقيل: يباح.
جُنبٌ معه ماءٌ قَدْرَ ما يُتوضَّأُ به فإنه يتيمَّم؛ لأنَّ في استعماله إضاعة ً للماء فإن أحدث بعد ذلك توضَّأ به.
مسافرٌ مُحدِثٌ نجِسُ الثوبِ معه ماءٌ قَدْرَ ما يَكفيه لأحدهما، يغسِلُ به النجاسة، ويتيمَّم للحدَث لِما فيه من تحصيلِ الطهارتَيْن جميعاً ولو تيمَّم أوَّلاً ثم غسلَ النجاسة َ يعيدُ التيمُّم.
فصل
مبطلات التيمم
ما يُبطلُ الوضوءَ يُبطلُ التيمُّم، ويُبطلُهُ رُؤية ُ الماءِ على الخصوص.
متيمِّم وجدَ الماءَ في صلاته، أو بعد ما أحدث فانصرفَ للتيمم تبطلُ صلاته خلافاً للشافعي- رحمه الله -؛ لأنه استندَ صيرورتُه مُحْدِثاً إلى الحَدَثِ السابق، فصارَ كأنه شَرَعَ في الصَّلاةِ مع الحَدث إلّا أنه لا يظهَرُ ذلك في حقِّ الصَّلاة المؤداة دَفْعاً للحرج.
• ولو رأى الماءَ بعد ما قعدَ قَدْرَ التشهُّد قبلَ السلام، تبطلُ صلاتُه خلافاً لهما وعلى هذا المسائل الإثنا عشرية.
- أو الماسحُ على الخُفَّين إذا انقضى وقتُ مسْحِه.
- أو نزع خُفَّه بعملٍ يسير.
- أو سقطت الجبيرةُ عن بُرْءٍ، وصاحبُ الحدثَ الدائم إذا ذهب الوقت.
- ومصلِّي الفجر إذا طلعت الشمس.
- ومصلي الجمعة إذا خرج الوقت.
- ومتذكرُ الفائتةِ لصلاةٍ قبلها، وقاضي الفائتةِ إذا دخل الوقتُ المكروه.
- والأميُّ إذا تعلَّمَ سورة.
- والعاري إذا وجدَ الستر.
- والمؤماءُ إذا قدرَ على الركوع والسجود.
- والقارئ إذا استخلف أميَّاً، والمصلي في ثوبٍ عليه نجاسةٌ كثيرة فوجد ماء يكفيه لغسلها فعند أبي حنيفة تبطلُ صلاته خلافاً لهما.
- بناءً على أن الخروج عن الصَّلاة بفعل المصلي فرضٌ عنده خلافا لهما وعلى هذا الخلافُ إذا وُجِدَت هذه العوارض في سجدتي السهو.
المتوضئ إذا أحدث في صلاته ولم يجد ماءً فتيمم ثم وجد الماءَ قبل قيامه من مكانه يتوضّأُ ويبني استحساناً؛ لأنه صار مُحدثاً بالحدثِ السابق، فصار كأنه لم يتيمَّم ووجد الماء.
ولو وجدَه بعد قيامهِ من مكانهِ يستقبل؛ لأنه أدَّى جُزءاً من الصَّلاة بعد وجودِ الماءِ.
وجدَ سُؤرَ حمارٍ أو بَغْلٍ يجمَعُ بين الوضوءِ والتيمُّم وبأيهما بدأ جاز.
ولو قدَرَ على ماءٍ مشْكُوكٍ، وعلى نبيذِ التمر والصعيدِ، عند أبي حنيفة - رحمه الله – يتوضّأ بنبيذ التمر، وعند أبي يوسف - رحمه الله - يتوضّأ بالماء المشكوك ويتيمم، وعند محمد ... - رحمه الله - يجمع بين الثلاثة احتياطاً.
متيممٌ رأىَ في صلاته سُؤرَ حمار، أو نبيذَ التمر، مضى ثم توضّأ وقَضى، وكذا المتوضئُ بأحدِهما سوى الأخَرَ.
وفي نبيذِ التمرِ عند أبي يوسف - رحمه الله -: لا يُعيدُ، وعند أبي حنيفة - رحِمَه الله -: يقطع.
ولو مشى إلى السراب، أو ظنَّ أنه ترك فرضاً من وضوئه، أو ظنَّ أن في ثوبه نجاسةً، أو الماسح على الخفين ظن أنه انقضت مدة مسحهِ، أو مصلِّي الظهرِ ظنَّ أنه لم يصلِّ الفجر، أو انحرفَ عن القبلة ثم علم ذلك فسدَتْ صلاته؛ لأنَّ الانحراف كان لنقضِ الصَّلاة ورفضها لا لإصلاحها فكان منافياً مفسداً لها.
ولو ظنَّ أنه أحدثَ، ثم علم أنه لم يُحدِثْ، أو الغزاةُ رأوْا سواداً فظنّوهُ عدوَّاً، فذهب قوم ليقوموا بإزاء العدوِّ وظهر أنه سوادٌ بنَوْا ما لم يتجاوزوا الصفوف، وإن تجاوزوا بطلت؛ لأن الانصراف لا لإصلاحِ صلاته.
وكذا لو استخلفَ حين ظنَّ أنه أحدثَ فسدَتْ صلاتُهم، وإن كانَ في المسجد.
أمَّ المتيممُ قوماً متوضِّئين ومتيممين، فرأى بعضُ مَنْ خَلْفَه الماءَ، أو كان مع المتوضئين ماءٌ فاقتدى بالمتيمِّم، أو اقتدى بمَنْ عليه صلاة ٌ فائتة ٌ وهو لا يذكر، والمقتدي يعلمُ به فصلاة الرائي والعالمِ بالفائتةِ فاسدة.
وكذا لو خفيَ عليهم القبلة ُ في ليلةٍ مظلمة، فتحَرَّوْا وصلَّوْا بجماعةٍ وعلمَ المُقتدي مخالفة َ إمامهِ في القبلة.
المتيمِّم أمَّ المتوضئين، ثم أحدثَ، فاستخلف متوضِّئاً، ثم رجعَ فوجدَ الماءَ، تبطلُ صلاتُه دونَ الباقين.
وإن كان الخليفة ُ متيمِّماً، فرأى الماءَ في صلاتهِ تفسدُ صلاة ُ الكلِّ.
«النوادر»: متيمِّمٌ مرَّ على الماءِ وهو لا يعلمُ به أو كان نائماً لا ينتقضُ تيمُّمُه.
أربعة ٌ متيمِّمون أمَّ أحدُهم فقال رجل: يا فلانُ خُذْ هذا الماءَ وتوضَّأْ بهِ، فظنَّ كلّ واحدٍ أنه يدعوه فسدَتْ صلاة ُ الكل.
قال أبو يوسفَ - رحمه الله -: في جُنُبٍ وميِّت وامرأة حائض طهُرْتْ من حَيْضِها ومعهم من الماءِ قَدْرُ ما يكفي لأحدهم، فإن كان الماءُ مباحاً فالجنبُ أحقُّ به، ويُيَمَّمُ الميت، وإن كان لأحدِهم فهو أحقُّ به، وإن كان لهم جميعاً فلا يحلّ لواحدٍ أن يغتسل به وينبغي أن يُصرفَ نصيبهُما إلى غسلِ الميتِ ويتيمَّما.
«الزيادات»:متيمِّمون قال لهم رجلٌ معه ماءٌ يكفي لأحدِهم: ليتوضَّأْ به أيكم شاءَ انتقضَ تيمُّمهم؛ لأنه أباحَهم فقدَر كلُّ واحدٍ منهم على استعماله.
فإن قال: هو لكم فقبضوه لم ينتقض تيممهم؛ لأنه ملَّكهم بالهِبة، وهبة ُ المَشاعِ جائزة عندَهما، وعندَ أبي حنيفةَ فاسدة لكن اتَّصل به القبضُ، فيفيدُ المِلكَ فملكَ كلّ واحدٍ ما يكفيه لوضوئه.
بابُ
المسحِ على الخُفَّيْن
ويمسحُ المقيمُ يوماً وليلة، والمسافرُ ثلاثةَ أيَّامٍ ولياليها.
ويُعتبرُ مدَّةُ المسحِ من وقتِ الحَدثِ بعد اللُّبْسِ حتى إن مَنْ توضأ عند طلوعِ الفجر ولبسَ الخُفَّ، ثم أحدثَ عند طلوعِ الشمس ثم توضَّأ عندَ الزوال، ومسحَ على الخفِّ فإنه يعتبرُ المدة َ من وقتِ طلوعِ الشمس، فمتى طلعتِ الشمسُ في اليومِ الثاني في حقِّ المقيم، وفي حقِّ المسافرِ في اليومِ
الرابع تمَّت المدة ُ، فينزعُ خُفَّيه ويغسلُ رجليه، ويمسح من كل حَدثٍ إلا الجنابة َ فلا يمسحُ عنها لأنه يقلّ وجودُها، فلا يحرَجُ في نزعِ الخفِّ في حقها.
مقيمٌ سافرَ في مدةِ المسحِ يستكملُ مدَّة مسحِ السفر.
والمسافرُ إذا أقام يمسحُ تمامَ مدةِ الإقامة، وإن لم يبْقَ شيءٌ من مدةِ الإقامة غسلَ رجلَيْه.
ويمسحُ ظاهرَ الخفِّ دون َ باطنِه حتى لو مسحَ باطنَه، أو عَقِبَه، أو جوانبَه لا يجوز.
ويمسح مرةً بثلاثةِ أصابعِ رجليه بكلتا يديه يبدأُ به من قبل أصابع رجليه.
ولو بدأ من قِبل الساقِ إلى الأصابعِ أو على ظهرِ القدمِ عَرضاً جاز.
ومقدارُ المفروضِ ثلاثةُ أصابعِ اليدِ وهو الأصحَّ، وقال الكَرْخي: مقدارُ ثلاثةِ أصابعِ الرجل.
ولو مسحَ بإصبع أو أُصبعَيْن لم يجُز، ولو أصاب موضعَ المسحِ ماءٌ قَدْرُ ثلاثةِ أصابعَ جاز.
وكذا لو مشى على حشيشٍ مبتلٍّ من المطر أو من الطل جاز.
وعند محمدٍ - رحمه الله - في «النوادر»: مقطوعة ٌ رجلُه إذا بقيَ من ظَهْرِ القدم قدرُ ثلاثةِ أصابعَ، ولبسَ فوقَه الخُفَّ أجزأه المسح، وإن بقيَ أقلُّ منه لم يُجْز.
وشَرْطُه أن يكون ملبوساً على طهارةٍ كاملة، سواء كملت الطهارة قبل اللبس أو بعده، حتى لو غسل رجليه ثم لبس الخُفَّ ثم أكملَ الطهارةَ جازَ المسح.
وكذلك إذا أدخلهما في الخُفِّ من غيرِ طهارةٍ ... ثم خاضَ الماءَ فأصابَ الماءُ موضعَ الطهارة جاز المسح ... لأن الشرطَ كمالُ الطهارة عند الحدث؛ لأنَّ الخُفَّ جُعلَ مانِعاً لحلولِ حُكم الحدث لا رافعاً له؛ لأنَّ الحدَثَ متى حلَّ بالرِّجلِ لا يُرفَعُ باللُّبسِ للخُفِّ فيكون محلُّ طهوره حُكْمَه إنما هو الحدَثُ فيُعتبر الطهارة ُ عنده.
ويجوزُ المسحُ على الخُفَّين وما كان في معناه كالخفِّ الذي ليس له ساقٌ مثْلَ المُكعَّب الكبير الذي يسترَ الكعبَيْن، والمَيْثَم ولو كانَت مقدمتُه مشقوقةً إلا أنها مشدودة ٌ جاز المسح عليه.
ولا يجوزُ المسحُ على الجوربَيْن عند أبي حنيفة َ - رحمه الله - إلا إذا كانا مُجلَّدين أو مُنعَّلين، وعندَهما يجوزُ إذا كانا ثَخينين غير منعَّلين كالجوربِ من الصوف، وروى الحسن عن أبي حنيفة - رحمه الله - أنه رجَع إلى قولِهما وعليه الفتوى.
والخفُّ من اللَّبَدِ على هذا التفصيل.
ويجوزُ المسحُ على الجُرْموقَيْن فوق َ الخُفَّين، وكذا لو لبسَ الخُفَّ على الخُفِّ للحاجة، ولو كان الجرموقان من كِرْباسٍ لا يجوزُ المسحُ عليهما إلا أن يكونا رقيقين يصلُ البلَلُ إلى ما تحته، فإنْ مسحَ على الخُفَّين ثم لبسَ الجُرموقَيْن لا يمسحُ على الجرموقَيْن، (ولو لبسَ الجُرموقَيْن) بعد انتقاضِ الطهارةِ التي لبسَ بها الخفَّين لا يمسح عليهما بل ينزعهما ويمسح على الخفين لأنَّ حكمَ الحدَثَ حلَّ
بالخُفِّ، فإن جازَ المسحُ على الجُرموقَيْن إنما يجوزُ بدَلاً عن المسحِ على الخُفَّين، والبدَلُ لا يُجعَلُ له بدلاً.
وذكر في «الفتاوى»: لو لبسَ جُرموقَيْن واسعَيْن فوق َ الخُفَّين، ثم أحدثَ فتوضَّأ وأدخلَ يدَه تحتَ الجُرموقَيْن، فمسحَ على الخفَّين لم يجُزْ؛ لأنَّ الواجبَ عليه أن يمسحَ فوقَ الجُرموقَيْن.
والخَرْقُ لا يمنعُ جوازَ المسح إلا قَدْرَ ثلاثةِ أصابعَ فصاعداً أصغَرَ أصابع الرِّجْل، والخَرْقُ المانعُ من المسح، المُنفرجُ الذي ينكَشِفُ ما تحتَه، أو يكونُ منضمَّاً لكن ينفرجُ عند المشي، وإذا كان طويلاً منضمَّاً لا ينكشفُ ما تحتَه فلا يمنَع، ولو كان ينكشفُ الظِّهارة وفي داخلهِ بِطانة من جِلدٍ لا يمنَعُ المسح، ولا تُجْمَعُ الخُروقُ في الخفَّين، وتُجْمَعُ في خُفٍّ واحدٍ حتى لو بلغ مجموعُه قدْرَ ثلاثةِ أصابعَ يمنع بخلافِ النجاسةِ في الخُفَّين، وفي ثوبِ المُصلي وسَراويله، أو في بدنه وثوبهِ أو تحْتَ قدَمِه أو كان الخَرْقُ في موضعِ العورةِ حيثُ يُجمَع.
والفرقُ أنَّ الخَرْقَ مانعٌ لكونهِ مانعاً مِنْ تتابُعِ المشْيَ فيه، والخروقُ في خُفٍّ واحدٍ مانعهٌ من تتابُعِ المشيَ فيه وفي الخُفَّين لا، فأما النجاسةُ وكشفُ العورةِ فمنافيةٌ للطهارة لعينها.
وقيل: لو كان الخَرْقُ تحْتَ القدمِ لم يمنَعْ ما لم يبلُغ أكثرَ القَدَم، ولو كان الخَرْقُ على الخُفِّ فوق الكعبَيْن لا يمنعُ وإن كثر، ولو كان كعبُه مَكشوفاً مقدارَ ثلاثِ أصابعَ لا يَمْسَح، وإن كان أقلَّ منها يمسَحُ.
مُستحاضة ٌ توضَّأَتْ ولبسَتْ خُفَّيها والدمُ سائلٌ، مسحَتْ في الوقتِ، ولا تمسَحُ بعد ذهابه، ومتى انقضَت طهارتُها بحَدَثٍ سابقٍ على اللُّبْسِ أو مقارنٍ له لا تمسَحُ، ومتى انقضَت بحَدثٍ متأخرٍ عن اللّبسِ تمسَح.
الناقضُ للمسْحِ ثلاثة ُ أشياءَ: الحدَثُ، ونَزْعُ الخُفِّ، ومُضيُّ المُدَّة. وإذا انقضَتْ مُدَّةَ المسحِ وهو طاهرٌ لا يَجبُ إلا غَسْلُ رِجْلَيْه حتى لو خافَ من نزعِ خُفَّيه على ذهابِ رِجْلَيْه من البردِ جازَ المسحُ عليهما.
وكذا إذا نَزعَ خُفَّيه أو أحدَهما، غسلَ رِجْلَيْه فقط.
وقعت قدماه إلى السَّاق، انتقض مَسْحُه ويغسلُ رِجْلَيْه، ولو نزعَ بعْضَه، رُويَ عن أبي حنيفة - رحمه الله - إنْ خرجَ أكثرُ عَقِبهِ إلى السَّاق انتقضَ مسْحُه وإلا فلا، وقال أبو يوسف: إن أخرجَ أكثرَ قدمهِ إلى الساق انتقضَ مَسْحُه وإلا فلا وقال محمد ـ رحمه الله -: إذا بقيَ في الخُفّ من رِجْلهِ قدرُ ثلاثةِ أصابعَ لم ينتقضْ مسْحُه، وإن كان خُفُّه واسعاً فإذا رفعَ القدمَ ارتفعَ العَقِبُ، وإذا وضعَ عادَ العقِبُ إلى موضِعه جاز المسحُ عليه ما بقيَ فيه مقدارُ ثلاثةِ أصابع.
ولو مسحَ على جُرموقَيْه، ثم نزعَهما مسَحَ على خُفَّيه بخلافِ ما لو مسحَ على خُفٍّ ذي طاقَيْن، ثم نزعَ أحدَ طاقيه، أو مسحَ على خُفَّيه فقشَر جلْدَ ظاهرِهما أو كان الخفُّ مُشْعَراً كالخفِّ اليَماني
فمسحَ على الشَّعرِ، ثم حلقَ الشَّعرَ لا يمسَحُ على ما تحْتَه؛ لأنها بحُكم الاتصالِ كشيءٍ واحدٍ، والمسْحُ على ظاهرِه يكون مَسْحاً على ما تحْتَه كالشعرِ مع بَشَرةِ الرأس فإن نزعَ أحدَهما مسحَ على الخفِّ البادي، والجُرموقِ الباقي؛ لأنَّ انتقاضَ الطهارةِ لا يتجزّأ.
«النوادر»: لبسَ خُفَّيه على طهارةٍ كاملةٍ ومسحَ عليهما، ثم دخلَ الماءُ في أحدِ خُفَّيه، وبلغَ الكعْبَ يلزَمُه غَسْلُ الأخرى، وإن لم يبلغِ الماءُ الكعْبَ لا يلزَمُه غسْلُ الأخرى.
لِبس الخُفَّ على الوضوءِ بنبيذِ التمر، أو التيمُّم، ثم وجدَ الماءَ نزعَ خُفَّيْه والله أعلم.
بابُ
المَسْحِ على الجَبيرة
«المبسوط»: المسْحُ على الجَبيرة والخِرْقةِ المربوطةِ جائزٌ إذا خافَ زيادة َ العِلَّة أو الضرر.
وإن كانتِ الجبيرة ُ زائدةً على رأسِ الجرح، أو افتصَد فتجاوزَ الرباط ُ موضعَ الجِراحة، وإنْ كانَ حَلُّ الخِرْقَة وغَسْلُ ما تحتها يَضرُّ بالجِراحة يجوزُ المسحُ على الكلِّ تبعَاً لموضعِ الجراحة.
وإنْ كان الحَلُّ والمَسْحُ لا يضرُّ بالجِراحةِ لا يُجزيه المَسْحُ على الخِرْقة، بل يغسلُ ما حَوْلَ الجِراحةِ ويمسَحُ عليها لا على الخِرْقة.
وإن كان يضرُّه المسْحُ دون الحَلِّ، يمسحُ على الخِرْقة التي على رأسِ الجرح ويغسلُ الباقي، هكذا فسَّرهُ الحسَن؛ لأنَّ جوازَ المسحِ بقَدْر الضرورةِ فيتَقدَّرُ بقدرها.
ولو تركَ المَسْحَ على الجَبيرة والمسحُ يضرُّه جازَ المسْحُ بالإجماع، وإن لم يضرَّه لم يجُزْ ترْكُه، ولا تجوزُ الصَّلاةُ بدونهِ عندهما، والصحيحُ عند أبي حنيفة - رحمه الله - أنه تجوزُ الصَّلاةُ بدونهِ لأنَّ المسْحَ على الجَبيرة واجبٌ وليس بفَرْضٍ؛ لأنه ثبتَ وجوبُه بخبرِ الواحدِ وبتركِ الواجبِ لا تفسدُ الصَّلاة.
ولو مسحَ على بعضِ الجَبيرةِ، ذكَر الحسَن: إنْ مسحَ على الأكثرِ جازَ وإلا فلا.
ولو انكسر ظُفُره فجعلَ عليه الدواءَ، أو العِلْكَ ويضرُّه نَزْعُه عنه، جازَ المسْحُ عليه.
ولو كان المسْحُ على العلك يضرُّه فذكر الكَرْخيُّ يُجزيه ترْكُ المسْحِ عليه، وقيل: لا يُجزيه ترْكُه وهو الصحيح؛ لأنَّ المسْحَ عليه لا يضرُّه عادةً؛ لأنَّ العِلكَ يمنعُ وصولَ البلَلِ إلى الجِراحة.
ثم المسحُ على الجَبيرة يخالفُ المَسْحَ على الخُفِّ في ثلاثةِ أشياء: في أنه يجوزُ المسْحُ على الجَبيرة سواءٌ شدَّها مع الطهارةِ أو الحدَث، وهو غيرُ مؤقتٍ حتى لا ينتقضَ بخروجِ الوقت، وإذا سقطت من غير بُرءٍ أعادَها، ولا يجبُ عليه إعادة ُ المسح.
والمسحُ على الخُفَّين بخلافهِ في جميعِ ذلك.
ولوسقطتِ الجبيرة ُ بعد ما مسحَ عليها في الصَّلاةِ من غير بُرْءٍ مضى عليها يستقبل الصَّلاة، (وإن سقطتْ عن بُرْءٍ) خارجَ الصَّلاة يغسلُ موضعَ الجَبيرة لا غير، وإن لم يُحدِث بعد المَسْح، وإن سقطَتْ من غيرِ بُرْءٍ أعادَها، أو أبدلَها بأُخرى ولا يُعيدُ المَسْح.
ولو مسحَ على الجَبيرة، ثم لبسَ خُفَّيه، ثم بَرِئ لا يُكمل ... مدة المسح، وإن لبسَ الخُفَّ ثم مسحَ على الجَبيرة ثم بَرِئ يكمل مدته؛ لأنه لزِمه غسلُ ما برِئ بحدثٍ متأخر عن اللبس وفي الأولِ لزِمَه غَسْلُ ما برِئ بحدَثٍ سابقٍ على اللبسِ فصارَ كأنه لبسَ الخُفّ على طهارةٍ ناقصة وإن برِئ قبل الحدَثِ، فَغسل موضِعَه ثم أحدَث فله أن يمسحَ على خُفَّيه؛ لأنَّ الحدَث طَرَأ على طهارةٍ كاملة وإن أحدثَ قبلَ غَسْلِ موضع الجِراحة بعد البُرْءِ فلا يمسَحُ بل يتوضَّأ ويغسلُ رِجليه؛ لأنَّ الحدَث طرأ على طهارة ناقصة.
«الزيادات»: ثم المَسْحُ على الجَبيرة كالغَسْلِ لِما تحْتَها حتى لو كان بإحدى رِجْليه جراحة ٌ وعليها جَبيرة، فتوضَّأ ومسحَ عليها وغسلَ الأُخرى، ثم لبسَ الخُفَّ في الصَّحيحةِ لا يجوزُ المسْحُ على الخُفِّ؛ لأنَّ المسْحَ على الجَبيرةِ كالغَسْلِ لِما تحتها.
والجمْعُ بين الغَسلِ والمَسحِ لا يجوزُ في الرِّجْلين؛ لأنَّ فرْضَ الطهارةِ فيها يثبتُ بخطابٍ واحدٍ: إِمّا المسحُ أو الغَسْل.
وقيل: عند أبي حنيفةَ - رحِمَه الله - يجوزُ المسح؛ لأنَّه لا يرى المسْحَ على الجَبيرة فرضاً.
ولو كان المسحُ على الجَبيرة يضرُّه، فتركَه فمسَحَ على الخُفِّ جاز.
ولو مسحَ على الجَبيرة، وغسلَ الرِّجْلَ الصحيحة َ ولبسَ الخُفَّ جازَ له المسْحُ على الخُفَّين.
ومن قُطِعَتْ إحدى رِجْلَيْه، وبقيَ من ظَهْرِ رِجْلهِ المقطوعةِ قدْرُ ثلاثةِ أصابعَ فغسَلَها ولبِسَ خُفَّيه ثم أحدَث يمسحُ عليهما وإن بقىَ أقل من ذلك لا يمسح.
وكذلك لو قُطعت إحداهما من المَفْصِل لم يمسَحْ عليها إلا أن يكونَ القَطْعُ فوْقَ الكعبَيْن، حينئذٍ يمسحُ على الصحيحةِ والله أعلمُ بالصواب.
كتابُ الصَّلاة
الصَّلاة تجب في جُزْءٍ مطلق من الوقت، وللمكلَّف خيارُ تَعْيينهِ بالأداء، وإن لم يؤدِّ حتى يضيقَ الوقتُ تعيَّن ذلك الوقتُ للوجوبِ حتى يأثمَ بالتأخيرِ عنه، وهو الصحيحُ من المذهب.
وإنْ بقيَ من الوقتِ مقدارُ التحريمةِ تجبُ عليه الصَّلاةُ حتى لو طهُرتِ الحائضُ، وبلغَ الصبيّ، وأسلم الكافر، وأفاق المجنون والمُغْمى عليه، وأقام المسافر، وسافرَ المقيمُ في آخرِ الوقت يلزمُهم الفرضُ ويتغير.
ولو اعترضَت هذه العوارضُ، ... في آخرِ الوقتِ لم يجبِ الفرض.
صبيٌّ صلَّى العِشاءَ، ثم نام واحتلَم وانتبَه قبل طلوعِ الفجرِ يَقْضي العشاء، ولو لم ينتبه حتى طلعَ الفجر قيل: يقضي وقيل: لا يقضي.
أركانُ الصَّلاة ستة: القيامُ، والقراءة، والركوع، والسجود، والانتقال من ركنٍ إلى ركنٍ، والقعدةُ الأخيرة.
وشروطُها سِتّة: الطهارةُ بأنواعها، وسَتْرُ العَوْرة، واستقبالُ القبلة، والوقتُ والنيةُ، والتكبيرة الأولى.
وواجباتها ثمانية: الجمْعُ بين الفاتحةِ والسورة في الأُوليَيْن، والجهْرُ بالقراءة فيما يُجهر، والمخافتةُ فيما يُخافَتُ، وتعديلُ الأركانِ على قولِ أبي حنيفة - رحمه الله -ومراعاةُ الترتيبِ فيما شُرِعَ مُكرَّراً من الأركان، كالسجدةِ، والقَعْدةِ الأولى، وقراءةُ التشهّد في القعدتَيْن، والقنوتُ في الوتر، وتكبيراتُ العيدين.
بابُ
مواقيتِ الصَّلاة
وقتُ الفجرِ حين يطلعُ الفجرُ الصَّادقُ وهو المعترضُ في الأفُقِ إلى طلوعِ الشمس.
الفجرُ فَجران: فجرٌ كاذبٌ، وهو أن يرتفعَ البياضُ طولاً كذنَب السِّرحان ثم ينكتمُ فيعقبُه الظلام.
وفجرٌ صادق: وهو البياضُ المنتشرُ المستطيرُ في الأفق، فبطلوعِ الكاذبِ لا يخرجُ وقتُ العشاء، ولا يحرُم السحور، وبطلوعِ الصادقِ يدخلُ وقتُ الفجرِ ويحرمُ السحور.
وأوّلُ وقتِ الظهرِ حين تزولُ الشمس، وآخرُه إذا صار ظلُّ كلِّ شئٍ مِثْلَيْه سوى فيءِ الزوالِ عند أبي حنيفة، وعندَهما: إذا صارَ ظلُّ كلِّ شيء مثله سوى فيءِ الزوال خرج وقتُ الظهرِ ودخل وقتُ العصر.
وآخرُ وقتِ العصرِ حين تغرُبُ الشمس.
ووقتُ المغربِ من حين تغربُ الشمس إلى أن يغيبَ الشَّفَقُ وهو البياضُ عند أبي حنيفة - رحمه الله -، وعندَهما الحُمرةُ وهو روايةٌ عن أبي حنيفة - رحمه الله -
ووقتُ العِشاءِ من حين يغيبُ الشفقُ إلى طلوعِ الفجر.
السماءُ إذا كانت مُصْحيةًفالإسفارُ بالفجرِ أفضَل.
والتغليسُ للحاجِّ بالمزدلفةِ أفضَلُ.
ويُبْرِدُ بالظُّهرِ في الصيفِ، (ويُعجِّلُ في الشتاء).
ويؤخِّرُ العَصْرَ (ما دامت الشمسُ بيضاءَ) نقية ً في الشتاءِ والصيف ويُكره تأخيرُ العصرِ) إلى أن تتغَيَّر الشمس بحُمرةٍ أو صُفرةٍ، قال مشايخنا: التأخيرُ إلى هذا الوقتِ مكروه، فأما الأداءُ فغيرُ مكروه؛ لأنه مأمورٌ به والمُعتَبرُ التغيُّر في قُرْصِ الشمسِ لا في الضَّوْءِ الذي يكونُ على الحِيطان.
ويُعجِّلُ المغرِبَ في الأوقاتِ كُلِّها، ويُكرهُ تأخيرُه إلى وقتِ اشتباكِ النجوم.
ويؤخِّرُ العشاءَ إلى ثُلُثِ الليلِ في الشتاء، ويُعَجِّلُ في الصَّيف، وتأخيرُه إلى نصفِ الليلِ مُباح، وإلى ما بعد النصفِ مكروهٌ بلا عُذْر.
وإن كانتِ السماءُ مُتغيِّمة ً يُعجِّلُ العصْرَ والعشاءَ، ويؤخِّرُ ما عداهما.
ولا يجمَعُ بين صلاتَيْن في وقتٍ واحدٍ ما خلا بعرفة َ ومُزدلفة َ.
ووقتُ الوِتْرِ ... هو وقتُ العشاءِ عند أبي حنيفة - رحمه الله - إلا أنه لا يجوزُ تقديمُه على العشاء، وعندهما وقتُه بعدَ العشاء ويُستحبُّ أن يوتِرَ في آخرِ الليل إن كان يثقُ من نفسه باليقَظة، وإلا فيُوترُ في أوَّلِ الليل.
ووقتُ الجُمعةِ، ووقتُ الظهرِ وقتٌ واحد.
ووقتُ صلاةِ العيدَيْن من طلوعِ الشمسِ إلى زوالِها.
فصل
الأوقات التي تكره فيها الصلاة
الأوقاتُ المكروهةُ سبعة: ثلاثةٌ منها يُكرَه فيها جميعُ الصلوات والسَّجدات: عند طلوعِ الشمس، والاستواء، والغروب، إلا عَصْرَ يَوْمِه.
وعند أبي يوسفَ - رحمه الله -: أنه جوَّز التطوعَ وقْتَ الزوالِ يوْمَ الجمعة.
وقيل في صلاةِ الجنازة: الأفضَلُ أن يُؤدِّيها ولا يؤخِّرها؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «ثلاثٌ لا يؤخَّرن: الجِنازةُ إذا حَضَرت».
ولو شرعَ في النفلِ في هذه الأوقاتِ فالأفضَلُ أن يَقْطَعَها، ولو قطعَها لزِمَه القضاءُ ويقضيها في وقتٍ مباح، ولو قضاها في وقتٍ مكروهٍ جازَ وقد أساء.
وكذلك في سجدةِ التلاوة والصَّلاةِ المنذورةِ، الأفضَلُ أن يقطعَها ويُؤدِّيها في وقتٍ مباحٍ
ووقتانِ يُكرهُ فيهما التطوعُ: الصَّلاةُ المنذورة وركعتا الطواف وقضاءُ التطوعِ الذي أفسدَه ولا يُكره غيرُهما.
وهما: ما بعدَ طلوعِ الفجرِ إلى طلوعِ الشمس، وبعد العصر إلى غروبِ الشمس.
طلعت الشمسُ في خلالِ صلاةِ الفجر فسدَتْ، ولو غربَتْ الشمسُ في خلالِ العصرِ لا تفسدُ؛ لانَّ بالغروبِ دخلَ وقتٌ مُستحَبٌّ، وبالطلوعِ دخلَ وقتٌ مكروه.
وثلاثةُ أوقاتٍ يُكرهُ التطوعُ فيها لا غير: بعدَ الغروبِ حتى يصلِّي المغرب، ووقت الخطبةِ يومَ الجمعة، وقبل صلاةِ العيد وحالةَ الخطبة والله أعلم بالصواب.
بابُ الأذان
الأذان سُنة ٌ مؤكدة، وأصلُه ما رويَ عن رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - أنه لما أُسْرِيَ به إلى بيتِ المَقْدِس فأذَّن جبريلُ وأقام شَفْعاً. كما هو مذهبُنا فقدَّم النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وصلى خلفَه الملائكة وأرواح الأنبياء عليهم السلام حتى قال محمد - رحمه الله -: لو امتَنع أهلُ بلدةٍ على تركٍ الأذان لقاتلناهم، وقال أبو يوسف - رحمه الله -: لو امتَنع أهلُ بلدةٍ من إقامةِ الفرائض قاتلتهم، ولو امتنع واحدٌ ضربتُه، وفي السننِ نَحْوَ صلاةِ العيدِ وصلاة الجماعة فإنِّي أضربهم ولا أقاتلُهم.
ويختمُ الأذان َ بقوله: لا إله إلا الله، ولا ترجيعَ فيه. والإقامة ُ مَثْنى مثنى ويُثوِّبُ في الفجرِ خاصةً، وهو قوله: الصَّلاة ُ خيرٌ من النوم في الأذان بعد الصَّلاةِ والفلاح.
وتثويبُ كلِّ بلدةٍ على ما يتعارفُه أهلُها، إما بالتنحنحِ أو بقولِ المؤذن الصَّلاةَ الصَّلاةَ، واستحسنَ المتأخرون في زماننا التثويبَ في كلِّ صلاة، وقال أبو يوسف - رحمه الله -: لا بأسَ بالتثويبِ لمن اشتغل بإصلاحِ عامَّةِ المسلمين مثلَ الأمير، والقاضي، والمُفتي في جميعِ الصَّلاة، وهو أن يقول لهم المؤذِّن عند الباب: السَّلامُ عليكم الصَّلاةَ مرتين يرحمُكم الله.
والسنةُ أن يترسَّلَ في الأذان، ويَحْدُرَ في الإقامة، والترسُّلُ أن يفصلَ بين الكلمتين، والحَدْرُ أن يصِلَ بينهما، ويُرتِّبَ بين كلماتِ الأذان والإقامة كما شُرِعَ حتى لو قدَّم شيئاً فيهما ترك المقدم والفّ.
ويستقبلُ القبلةَ في الأذانِ والإقامة، وإذا انتهى إلى الصَّلاةِ والفلاحِ حوَّلَ وجْهَه يَمْنةً ويَسْرةً، ولا يحوِّلَ قدمَيْه إلا إذا كان على المنارةِ فلا بأسَ بأن يستديرَ في صومعتِه ليُخرجَ رأسَه من نواحيها.
ويجعلُ إصبعَيه في أُذنيه وإن تركَ لم يضرَّه ويرفَعُ صوتَه، ولا يُجْهِدُ نَفْسَه، ولا يتكلَّمُ في أذانهِ وإقامتهِ، ولا يردُّ السَّلام، ولا يُكره أن يتطوَّع في مئذنته.
ولو جعلَ الأذانَ إقامةً لا يستقبل، ولو جعلَ الإقامةَ أذاناً يستقبل؛ لأنَّ في الإقامةِ التغييرُ وقعَ في أوَّلِها إلى آخرِها وفي الأذانِ وقع التغييرُ في آخرِه؛ لأنَّه أتى بالترسيلِ في كله.
ويفصِلُ بين الأذانِ والإقامةِ بتطوُّعٍ أو قعدةٍ.
ولا يجلسُ في المغربِ بين الأذانِ والإقامة، ويفصلُ بينهما بالسكوتِ مقدارَ قراءةِ ثلاثِ آياتٍ عند أبي حنيفة - رحِمَه الله - وعندَهما يجلسُ جَلسةً خفيفةً.
وإن وصل بين الأذانِ والإقامةِ يُكره.
ويُستحبُّ أن يكونَ المؤذِّنُ على وضوءِ وإن أذَّنَ المُحْدِثُ لا يُكْره، وإن أذَّنَ الجُنبُ يكره ويُعاد كما في قراءةِ القرآن.
وإقامةُ الجُنُبِ والمُحْدِثِ مَكْروهة ولا تعاد؛ لأنَّ تكرارَ الأذانِ مشروعٌ دون تكرار الإقامة.
ويُستحبُّ إعادةُ أذانِ أربعةِ نفرٍ: الجُنُبِ، والمرأةِ والسكرانِ، والمجنون.
وأذانُ الصبيِّ المراهقِ جائز.
والصبيُّ الذي لا يعقلُ، والمعتوهُ يُعادُ أذانُهما.
ويُكره أذانُ الأعمى، والمرأةِ للرجال، ويكرهُ الأذانُ قاعداً، وإن أذَّن لنفسهِ قاعداً فلا بأس به
ويجوزُ للمسافرِ أن يؤذِّنَ راكباً حيث كان وجهُهُ، ويَنْزلَ للإقامة، وفي الحضرِ يُكرَهُ أن يؤذِّنَ راكباً.
ويُكره للمسافر ترْكُ الإقامة، ولا يُكرهُ تركُ الأذان.
المنفردُ في المِصْرِ لو اكتفى بأذانِ الناسِ وإقامتِهم لا يُكره، وإن أذَّن وأقام فحَسَن.
والمسافرُ لو صلَّى وَحْدَه وتركَ الإقامةَ يُكْره.
ومَنْ قضى فائتة ً يَقْضيها بأذانٍ وإقامةٍ جَمْعاً كان أو فرداً، وإن أذَّن للأولى واقتصر على الإقامةِ للبواقي فهو جائز.
ولا بأسَ بأن يؤذِّنَ رجلٌ ويُقيمَ غيرُه.
غُشِيَ على المُقيم، أو أحدثَ فتوضَّأ وعادَ يبتدئ.
أذَّن ثم ارتدَّ يُستحَبُّ الإعادة.
ويجوزُ أذانُ العبد، والأعرابي، وولدِ الزِّنا والأفضلُ أن يكونَ المؤذِّنُ صالحاً تقيَّاً عالماً بالسنةِ وأوقاتِ الصَّلاة مواظباً على ذلك، ويُكْرَه أن يكون المؤذِّنُ فاجراً، وأن يأخُذَ على الأذان أجراً.
والأذانُ في الصلواتِ المكتوبات، ولا أذانَ في غيرها.
وفي الجُمعة أذانٌ وإقامة، ويؤذِّنُ إذا صعِدَ الإمامُ المنبرَ، ويُقيمُ إذا نزلَ، وهو المعتبَرُ.
ولا أذانَ ولا إقامةَ للنساءِ والعبيدِ، وكلِّ مَنْ لا جماعة عليه.
ويُعادُ الأذانُ قبل الوقتِ في الصلوات كلِّها، وعند أبي يوسفَ - رحمه الله - لا يُعادُ في الفجرِ خاصةً.
ويُكرهُ تَكرارُ الجماعةِ بأذانٍ وإقامةٍ في مسجدٍ واحدٍ بعد ما صلَّى فيه أهلهُ أو بعضُ أهله ولا بأسَ بذلك بعدما صلى فيه غير أهلِهِ بالجماعة.
ولا بأسَ إذا صلى بواحدٍ أو اثنين في ناحيةٍ بغيرِ أذانٍ وإقامةٍ، وكذا في المساجد التي على شوارع الطرق وليس لها أهلٌ معروف.
رجلٌ له مسجدٌ في مَحلَّته، فحضرَ مسجدَ الجامعِ لكثرةِ جماعتهِ فالصَّلاةُ في مسجدهِ أفضَلُ وإن قلَّ أهلُه.
وذكر في «الفتاوى»: مسجدانِ أحدُهما أقدمُ بناءً من الآخَر يصلِّي في أقدمِهما، وإن استويا صلَّى في أقربِهما إلى منزله، وإن استويا فهو مُخيَّرٌ فإن كان هو فقيهاً يذهبُ إلى الذي قومُه أقَلُّ لتكثُر الناسُ بذهابِه إليه.
ويجبُ على السَّامعين عند الأذانِ والإقامةِ الإجابة، وهو أن يقولَ مثْلَ ما قال المؤذن، إلا أنه يقولُ مكانَ قولهِ: حيَّ على الصَّلاة: لا حولَ ولا قوَّةَ إلا بالله العلي العظيم، ومكان قوله: حيَّ على الفلاح: ما شاء الله كانَ وما لم يشأ لم يكن، وكذا يقولُ متى قال المؤذِّن الصَّلاة خير من النوم: صدقْتَ وبالحقِّ نطقْتَ.
ولا يتكلَّمُ السَّامعُ في حالِ الأذان والإقامة، ولا يقرأُ القرآن، ولا يُسلِّم، ولا يردُّ السَّلام، ولا يشتغل بشيءٍ من الأعمال سوى الإجابة، ولو كان في قراءةِ القرآنِ يقطعُ القِراءة ويسمَعُ الأذان، والله أعلم بالصواب.
بابُ
سَتْرِ العورة
«المبسوط»: سَتْرُ العورةِ شرطٌ لصحةِ الصَّلاة؛ لقوله تعالى: {خذوا زينتكم عند كل لمسجد} أي: عند كلِّ صلاة.
والمستحبُّ أن يصلِّيَ في ثلاثةِ أثوابٍ: قميصٍ، وإزارٍ، وعمامةٍ، أو رداء.
والجائزُ أن يُصلِّي في ثوبٍ واحدٍ متوشِّحاً به.
والمكروهُ أن يُصلِّيَ في سَراويلَ واحدٍ، ولو صلَّى في قميصٍ واحد رقيقٍ يصفّ ما تحته لا يجوز.
والمستحبُّ في حقِّ المرأة ثلاثةُ أثواب: إزار، ودِرع، وخِمار، وإن صلَّتْ في ثوبٍ واحدٍ متوشحةً به لا يجوز، إلا إذا سَتَرَتبالثوب الواحد رأسَها وجميعَ جسدِها.
والشعرُ النازلُ الصحيحُ أنه عورة.
الأمَةُ إذا صلَّت مكشوفةَ الرأسِ جاز.
مُراهقةٌ صلَّت بغيرِ وضوء، أو عُريانةً تؤمَرُ بالإعادة، وإن صَلَّت بغيرِ قناعٍ فصلاتُها تامةٌ استحساناً.
أمَةٌ صلَّت بغيرِ قناعٍ فأعتقَتْفي صلاتِها، فإن سترَتْ بعملٍ يسيرٍ من ساعتِها جازتْ صلاتُها وإلا فلا.
وكذلك إذا وقعَ عن المُصلِّي ثوبُه، فأخذ من ساعتِه وسترَ عورتَه لا تفسدُ صلاته؛ للضرورة.
امرأةٌ صلَّت ورُبعُ ساقِها مكشوفٌ أو نحوُه تعيدُ الصَّلاةَ عندهما، وعند أبي يوسف - رحمه الله -: لا تُعيد حتى يكونَ الأكثرُ من النصفِ مكشوفاً؛ لأنَّ قليلَ الانكشافِ معفوٌ للضرورة؛ لأنَّ ثيابَ الفقراءِ لا تخلو عن قليل خَرْق، والكثيرُ لا، وهما قَدَّروا الكثيرَ بالربعِ احتياطاً كما في الحلقِ في حقِّ المحرم، وأبو يوسفَ - رحمه الله - قدَّره بالزيادةِ على النصف.
وكذلك في العورةِ الغليظةِ وهما السَّوءتان يُعتبرُ رُبعُ عضوٍ منهما، والذكرُ يُعتبرُ بإنفرادِه وكذلك الأنثيان.
«النوادر»: والركبةُ عُضوٌ على حِدةٍ.
وثَدْيُ المرأةِ إن كانت ناهدةً فهي تَبَعٌ للصدر، وإن كانت مُنكسرةً فهي أصْلٌ بنفسِها فيُعتبرُ منها رُبُعٌ على حِدَةٍ.
وإن انكشَف ما بين سُرَّتِه وعانتِه قَدْرَ رُبعِ جميعِ البدَن تفسدُ صلاته.
أمَةٌ صلَّت بغيرِ قناعٍ فرَعُفَتْ ثم اعتقَتْ فتوضَّأت، ثم تقنَّعَتْ وعادَتْ إلى الصَّلاة جازت صلاتُها وإن عادت ثم تقنَّعت فسدَتْ.
ولو صلَّى بغيرِ إزارٍ وهو محلولُ الجيبِ، وكان لو نظر رأىَ عورةَ نفسِه من زِيقه جازَتْ صلاته والله أعلم.
بابُ
استقبالِ القبلة
استقبالُ القبلةِ من شرائطِ الصَّلاة، ويتوجَّهُ إلى عَيْنِ الكعبةِ إن كان بحَضْرتِها، ويتوجَّهُ إلى جهتِها إن كان غائباً عنها.
ولو كان في الصحراءِ والسماءُ مُصحيةٌ لا يتحرَّى.
وكذا لو دخل مسجداً لا محرابَ فيه وبحضرتهِ أهلُه لا يُجزيه التحرِّي بل يسألهم، فإن سألهم فلم يخبروه فتحرَّى وصلى جاز، وإن تبيَّن أنه أخطأ.
ولا يجوزُ ترْكُ التوجُّهِ إلى القبلةِ مع العلمِ بها إلا عند العَجْز، نحو أن يخافَ على نفسه من عدوٍ أو سَبُعٍ لو استقبلَ القبلة، أو مريض لا يجدُ من يُحَوِّلُه إلى القبلة، أو كان على خشبةٍ في البحرِ يخافُ لو انحرفَ إلى القبلة يغرقُ غالباً، أو كان في المفازةِ في ليلةٍ مظلمةٍ ولا يجد علامة يستدلُّ بها على القِبلة ولا من يسألُ عنه فعليه أن يُصلِّي بالتحرِّي إلى أيِّ جهةٍ شاء.
ثم القبلةُ موضعُ الكعبةِ والهواءِ من هناك إلى السماءِ دون البناء، ألا ترى أنه لو صلى إليها بعد زوالِ البناء عنها جاز.
ولو صلَّى على جبلٍ مرتفعٍ على الكعبة جاز، وإن لم يكُنْ متوجِّهاً إلى البناء.
ولو صلى متوجِّهاً إلى الحَطيمِ لم يجُزْ.
وعن أبي يوسفَ - رحِمَه الله -: رجلٌ صلَّى ركعةً بالتحرِّي، وآخرُ يعرِفُ أنه مُخطئٌ ثم أبصر القبلةَ فتحوَّل إليها فاقتدى به ذلك الرجل لا يجزيه.
وكذا الأعمى إذا صلَّى ركعةً على غيرِ القبلةِ فجاءَ رجلٌ وأقامَه إلى القِبلة واقتدى به لا يصحُّ اقتداؤه.
وتجوزُ صلاةُ الأعمى إذا لم يجدْ وقتَ الافتتاحِ إنساناًيسأُله، فإنْ وجدَ لا يجوزُ والله أعلم.
بابُ
النيةِ والتحريمة
النيةُ شرطٌ لصحَّةِ الصَّلاة وهي إرادةُ الصَّلاة والنيةُ بالقلبِ فَرْضٌ، وذِكْرُها باللسانِ سُنَّة
والنفلُ يكفيه نيةُ أصلِ الصَّلاة، والفرضُ لا يجوزُ إلا بنيةِ فَرْضِ الوقت، أو ظُهْرِ الوقت، أو عصرِ الوقتِ ونحوه.
وفي القضاءِ ينوي قضاءَ فَرْضِ كذا.
وينوي صلاةَ الجُمعةِ، والعيدين، والجنازة، ولو نوى في الجمعة فَرْضَ الوقتِ يجوز.
ولو نوى الظُّهرَ مع الإمام فإذا هي الجُمعة، أو على العكس لا يجوزُ؛ لأنهما فَرْضان مختلفان قَدراً ووضعاً وشرطاً، فَيمْنعُ صحَّةَ الإقتداء، وإن نوى صلاةَ الإمام ولا يَدْري أنها الظهر أو غيرها فوافق صلاتُه صلاةَ الإمام جاز.
والمُقتدي ينوي فَرْضَ الوقتِ والاقتداءَ بالإمامِ فيه، وينوي الشروعَ في صلاةِ الإمام، أو ينوي الاقتداءَ بالإمامِ لا غيرُ يجوز.
وإن نوى صلاةَ الإمام قيل: يُجزيه، وقيل: لا يُجزيه، والأحوطُ أن يُكَبِّرَ تكبيرةً مخالطةً للنية.
ولو قَدَّم النيةَ على التحريمة، رُوي عن محمدٍ - رحمه الله -: انه يجوزُ إذا لم يشتغل بعد النيَّة بعملٍ آخر، وعن أبي يوسفَ - رحمه الله -أنه لا يجوز تقديمُ النيَّة إلا في الصَّوم.
ولو نوى الفرضيَّةَ بعد التكبيرِ لا يجوزُ، ويكونُ التكبيرُ للتطوع.
ولو نوى بعد قوله: الله قبل قوله: أكبر لا يُجْزئه عند أبي حنيفةَ - رحمه الله -، وعندَهما يجوز.
ونيَّةُ الكعبةِ شرطٌ عند بعضهم، وعند بعضِهم ليسَ بشَرْطٍ وهو الأظهر؛ لأنَّ القيام لما تعيَّنَ للصلاةِ بالنيةِ تعيَّنَ الاستقبالُ للصَّلاةِ ضرورةًوالله أعلم.
فصل
فيما يصح الافتتاح به ومالا يصح
ولا يصحُّ افتتاحُ الصَّلاةِ إلا بالتكبير، أو بالتهليلِ، أو بالتسبيح ونحوه، وعند أبي يوسف - رحمه الله -: لا يصحُّ إلا بلفظِ التكبير.
ويصحُّ الافتتاحُ بقوله: الله، أو الرحمن أو الرحيم عند أبي حنيفةَ - رحمه الله -؛ لأنَّ الواجبَ فعلُ التعظيمِ باللسانِ كعملِ سائرِ الجوارح، ومعنى التعظيم يحصلُ بكلِّ اسمٍ متجرِّد عن الصفة. وعند محمد - رحمه الله -: لا يصحُّ إلا بذكْرِ الاسمِ والصفة فيقول: أجل، أو أعظم؛ لأنَّ معنى التعظيم لا يتمُّ إلا بذكْرِ الاسم والصفة.
ولو افتتح: باللهمَّ اغفِرْ لي لا يصحُّ؛ لأنَّه ليس بتعظيمٍ خالصٍ بل هو مَشوبٌ بحاجةِ العبد. وبقولهِ: اللهم، فالأصحَّ أنه يصح؛ لأنَّ معناه: يا الله والميمُ المشدَّدُ خَلَفٌ عن النداء.
ويجوزُ التكبيرُ بالفارسية، وكذلك قراءةُ القرآنِ في الصَّلاة عند أبي حنيفةَ - رحمه الله -. وعندَهما لا يجوزُ إلا إذا كان لا يُحسنُ العربيَّةوذكرَ أبو بكرٍ الرازي أنه رجعَ إلى قولهِما في القراءة وعليه الاعتماد.
ويجوزُ الأذانُ بالفارسية إذا علِمَ الناسُ أنه أذان.
وفي التشهُّدِ عن أبي حنيفةَ - رحمه الله - روايتان.
وفي التلبيةِ عن أبي يوسفَ - رحمه الله - روايتان، والأصحُّ أنه يَصيرُ مُحْرِماً بأيِّ لسانٍ لبَّى.
ولا يصحُّ الافتتاح إلّا في حالةِ القيام، ولو حنى ظَهْرَه ثم كبَّر، إنْ كانَ إلى القيامِ أقربَ يصحُّ، وإن كان إلى الركوعِ أقربَ لا يصحُّ.
ولو أدرك الإمامَ وهو راكعٌ وهو يريدُ تكبيرةَ الركوعِ جازَتْ صلاته.
ويجوزُ افتتاحُ الصَّلاةِ التطوعِ قاعداً مع القدرة على القيام.
رجلٌ كبَّر قبلَ إمامهِ لا يصحُّ إقتداؤه، ولا يدخلُ في صلاةِ نفسهِ إن نوى الإقتداءَ به، وإن لم ينوِ يدخلُ عن أبي حنيفة - رحمه الله -.
لو افتتحَ المؤتَمُّ بقوله: الله، قبل أن يقولَ الإمام لم يدخُلْ في صلاته، ودخلَ في صلاةِ نفسه قبل شروعِ الإمام.
والأفضلُ أن يُكبِّر مع تكبيرةِ الإمام عند أبي حنيفة - رحِمَه الله -، وعندهما بعد تكبيرةِ الإمام.
والأفضلُ أن يُسلِّمَ بعد سلامِ الإمام بالإجماعِ؛ لأنَّ السَّلامَ خروجٌ عن العبادة فالأفضلُ فيه الإبطاءُ، والتكبيرُ شروعٌ فيها فالأفضلُ فيه المسارعة.
ولو مدَّ الإمامُ التكبير، وجزَم رجلٌ خَلْفَه ففرغَ قبل فراغِ الإمام أجزأه خلافاً لأبي يوسف - رحمه الله -.
ولو كبَّر المؤتمَّ ولم يعلم أنه كبَّر قبل الإمام أو بعده يُجزيه، إلا إذا كان أكبرَ رأيه أنه كبَّر قبله فلا يُجْزيه.
والسنَّة أن يَحْذفَ التكبيرَ ولا يُطوّلَه، ويرفعَ يَدْيه حذاءَ أُذنيه حتى يُحاذيَ بإبهاميه شَحْمتي أُذنَيْه مقارنَاً للتكبير، ويجعل باطنَ كفَّيه مستقبلَ القبلةِ ناشراً أصابع يديه ولا يفرِّج بين أصابعهِ تفريجاً، وهكذا في تكبيرةِ القنوت، وفي تكبيرةِ الافتتاح في صلاة الجنازة وتكبيرات العيدين.
وترفَعُ المرأةُ حِذاءَ ثَدْييها.
والسنةُ أن يقومَ الإمامُ والقومُ إذا قال المؤذن: حيَّ على الفلاح، وإن لم يكن الإمامُ حاضراً، أو كان الإمامُ هو المؤذِّن لا يقومون حتى يصل إليهم، وكل صفٍّ ينتهي إليه الإمام يقومون، ولو كان الإمام يدخلُ قُدَّام المسجد فكما رأوه يقومون.
والمؤذِّنُ بالخِيار: إنْ شاءَ أتمَّ الإقامةَ في مكانِه، وإن شاءَ أتمَّها ماشياً، وإذا قال المُقيم: قد قامتِ الصَّلاةُ يكبِّرُ الإمامُ عندها تصديقاً فيما أخبرَ بالتكبير وقال أبو يوسف ـ رحمه الله -: لا يُكَبِّرُ حتى يفرغَ المُقيم.
بابُ
القراءةِ في الصَّلاة
أصلُه قوله - صلى الله عليه وسلم -: «القراءةُ في الأوليَيْن وليست في الأخريين» أي: تنوبُ عنها كما يقال: لسان الأمير، وقولُه - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّما جُعلَ الإمامُ إماماً ليؤتَمَّ به، فلا تختلفوا عليه، فإذا كبَّر فكَبِّروا، وإذا قرأ فأنصِتوا وإذا قال: ولا الضالين، فقولوا: آمين، وإذا قال: سمِعَ الله لمَنْ حَمِده، فقولوا: ربنا لك الحمد».
والقراءةُ أنواعٌ: فَرضٌ، وواجبٌ، ومستحبٌّ، ومكروه.
أما الفرضُ فالقراءةُ في الصَّلاةِ فَرْضٌ في الأُوليَيْن، حتى لو تركَها في الأوليين قضاها في الأُخريَيْن ولا قراءةَ على المُقتدي، بل هو مأمورٌ بالاستماع والإنصات.
وقراءةُ الفاتحةِ على التعيينِ ليس بفَرْض.
وقدْرُ فرضِ القراءةِ آيةٌ قصيرةٌ عند أبي حنيفة ـ رحمه الله ـ، وعندَهما ثلاثُ آياتٍ قصارٍ أو آيةٌ طويلةٌ تَعْدلُها.
والقراءةُ في كلِّ ركعةٍ من التطوعِ فرضٌ، وكذلك في كلِّ ركعةٍ من الوتر.
وأما الواجبُ فقراءةُ الفاتحةِ والسورةِ في الأوليَيْن واجبة، وقراءةُ الفاتحةِ وحدَها في الأُخريَيْن سنة، ولو سَبَّح فيها ولم يقرأ لم يكن مُسيئاً، وإن سكَت فيهما عمداً يكون مُسيئاً، وإن كان ساهياً لم يلزمْهُ سجدتا السهوِ في ظاهرِ الرواية.
ويَجهرُ بالقراءةِ في موضعِ الجهر، ويُسِرَّ في موضعِ الإسرار، وهو واجبٌ في حقِّ الإمام، وإن كانَ وَحْدَه فهو مُخيَّرٌ بين الجَهْر والإسرار في صلاةٍ يَجْهَرُ فيها، والجهْرُ أفضَل، وفي صلاةٍ لا يجهَرُ فيها، لا يجهَرُ والمخافتَةُله فيها سنة.
والمتطوِّعُ في النهارِ يُخافتُ في القراءةِ، وفي الليلِ مُخَيَّرٌ بين الجَهْرِ والمُخافتَة.
وأدنى الجَهْر عند الكَرْخيِّ أن يُسمِعَ نفْسَه، وأدنى المُخافتةِ تحصيلُ الحروف، وعند غيرِه: أدنى الجهرِ أن يُسمِعَ غيره، وأدنى المخافتةِ أن يسمعَ نَفْسَه وهو الأصحُّ.
ويُسْتَحبُّ أن يقرأَ في الفجرِ بأربعينَ آية أو ستين آيةً سوى الفاتحة ويقرأ مقدارَ ما لايؤدِّي إلى تنفيرِ الناس عن الجماعة.
ويقرأ في الظهر نحو ذلك أو دونَه.
وفي العصرِ والعشاءِ عشرينَ آية.
وفي المغربِ بالفاتحةِ وسورةٍ قصيرةٍ.
وفي السفر في حالةِ الأمنِ يقرأُ في الفجرِ نحْوَ سورة الانشقاق والبروج، وفي حالة الضرورة يقرأ أيَّة سورة شاءَ.
وفي العصر والعشاءِ دون ذلك.
وفي المغربِ بالقصارِ جداً.
وليس في الوِتْرِ شيءٌ مُقدَّر.
والسنةُ أن يقرأَ في كلِّ ركعةٍ سورةً تامةً، ولو قرأ سورةً في الركعتين فالأصوبُ أن لا يُكره، وإن جمعَ بين السورتَيْن في ركعة واحدة فلا بأس به.
ويطوِّلُ الأولى من الفجر على الثانية دونَ سائرِ الصلوات عندَهما، وعند محمد ـ رحمه الله ـ يطوِّلُ في الأولى في جميعِ الصلوات وبه أخذَ مشايخُنا، قالوا: لو طوَّلَ القراءةَ في الركعةِ الأولى لكي يدركَ الناسُ ركعتَه فلا بأسَ به وإنما يُكره التفاوتُ بثلاثِ آياتٍ فصاعداً لا بما دونَها.
قرأ في صلاتهِ من التوراة لا يجوز، إلا إذا قرأ ما يُوافقُ معناهُ معنى القرآن وأراد قراءةَ القرآن جازَ عند أبي حنيفة ـ رحِمَه الله ـ خلافاً لهما وإن لم يُردْ لا يجوزُ بالإجماع ... ويكرَه أن يقرأ الفاتحة وحدها أو قرأ معها آية قصيرةً.
وقال أكثرُ مشايخنا: يُكره أن يقرأَ في كلِّ ركعة آخرَ سورةٍ على حِدَهٍ وعن محمدٍ ـ رحمه الله ـ: انه لا بأسَ بأن يقرأَ من وسطِ السورةِ أو آخرِها، ولو قرأ في الركعتين آخرَ سورةٍ لا يكره.
افتتحَ سورةً في الصَّلاة يُكَرهُ أن يَتركَها ويقرأَ سورةًأخرى، وكذلك أن ينتقل من آية إلى آيةٍ؛ لأنه منهيٌ عنه.
ولو قرأ في ركعةٍ سورةً وقرأَ في الثانية سورةً أخرى فوقَ تلك السورة فهي مكروه،
ولو قرأ قل أعوذ برب الناس في الأولى ينبغي أن يقرأها ثانياً في الثانية.
ويُكره أن يتَّخذَ شيئاً من القرآن لشيءٍ من الصَّلاة حَتماً إلا إذا تَيسَّر عليه ذلك أو تبرَّك بقراءةِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - عالماً أنه وغيرُه سواءٌ فلا بأس.
كبَّر في الصَّلاةِ للركوعِ، ثم بدا له أن يزيدَ في القراءة لا بأسَ به ما لم يركَعْ، والله أعلم.
بابُ
ما يفعلُهُ المصلِّي بعد الافتتاح
وإذا افتتحَ وضعَ يمينَه على يسارِه تحتَ السُّرَّة.
والمرأةُ تضعُ يدَيْها على صَدْرِها.
ويقبضُ بكَفِّه اليُمنى رُسْغَه اليُسرى كلَّما فرغَ من التكبيرِ، وفي صلاةِ الجنازة، وعند القنوت، رُويَ عن أبي يوسف ومحمد - رحمَهم الله - أنه يضَعُهما وذكرَ الطحاوي والكرخي عن أصحابنا أنَّه يُرسلُهما وهو اختيارُ مشايخِ خراسان.
وفي القيامِ بين الركوعِ والسجود، وبين تكبيراتِ العيدَيْن يُرسلُهما.
ثم يقول: سبحانَك اللهم وبحمدِك إلى آخره، وزاد محمد - رحمه الله - في كتابِ الحج: وجلَّ ثناؤك، ولا يزيدُ عليه.
ولا يُستحَبُّ أن يقولَ: وجَّهْتُ وَجْهي قبلَ التكبير، وقيل: يُستحَبُّ.
ويتعوَّذ ُ إنْ كان إماماً أو منفرداً، ولا يتعوَّذ ُ إن كان مُقتدياً عندَهما خلافاً لأبي يوسف - رحمه الله -.
وكذا المسبوقُ إذا قامَ إلى القضاء والإمامُ في صلاةِ يتعوَّذ ُ في ابتداء القراءة، وعند أبي يوسفَ يتعوَّذُ عند الثناء، بناءً على أنَّ عندَه التعوذُ تبعاً للثناءِ؛ لأنه من جنِسه، وعندَهما تبعاً للقراءةِ؛ لأنه شُرِعَ لافتتاحِ القراءةِ بالنص.
ويخفي بالتعوذ، والتسمية، والتأمين، وربنا لك الحمد، والتشهد.
وروى الجصَّاص عن محمدٍ - رحمه الله - أنه قال: التسمية ُ آية ٌ من القرآن نزلت للفصلِ بين السورِ، والابتداءِ بها تبرُّكاً، وليست من الفاتحة، ولا مِن رأسِ كل سورة ولا يكفرُ جاحدُها؛ لأنه ثبت كونُها من القرآن بدليل فيه شبهه، ويحرم قراءتُها على الجُنبِ والحائضِ إن أراد به قراءةَ القرآن احتياطاً، ولا تجوزُ الصَّلاة بقراءتها بالشك.
ولا يأتي بالتسميةِ في الركعةِ الثانية في روايةٍ عن أبي حنيفة - رحمه الله -، وفي روايةٍ عنه: يأتي بها في كلِّ ركعةٍ وهو قولُهما، وهو الأصحَّولا يأتي بها عند رأسِ كلِّ سورةٍ عندهما وعند محمدٍ - رحِمَه الله -: يأتي بها إن أسرَّ بالقراءةِ ... ذكرها على رأس كل سورة، وإن جهر لم يذكرها والله أعلم.
باب الركوع
ويكبِّرُ عند الركوعِ ولا يرفَعُ يدَيْه، ويضعُ يدَيْه على رُكبتَيْه، ويفرِّجُ بين أصابعهِ، ويبسطُ ظهرَه، ولا ينكِّسُ رأسَه ولا يرفَعُه، ويقولُ في ركوعه: سبحانَ ربي العظيم ثلاثاً وذلك أدناه، وإن زاد فهو أفضَلُ.
ولا يطوِّلُ على القومِ إذا كان إماماً، فإذا اطمأنَّ راكعاً رفع رأسَه فيقول: سمِعَ الله لمَنْ حَمِدَه، ويقولُ مَنْ خلفه: ربنا لك الحمْدُ، أو: اللهمَّ ربَّنا لك الحمد.
ثم عندَ أبي حنيفةَ ـ رحمه الله -: لا يجمَعُ الإمامُ ولا القومُ بين الذِّكْرين وعندَهما يجمعُ الإمامُ دونَ القوم وهو روايةٌ عن أبي حنيفةَ - رحِمَه الله -، والمنفرد يجمَعُ بينهما.
والطمأنينةُ في كلِّ حالةٍ: قائماً، أو راكعاً، أو ساجداً، ليسَتْ بفَرْض، خلافاً لأبي يوسف - رحمه الله -، وعلى هذا القومةُ التي بعدَ الركوعِ، والقعْدةُ التي بين السجدتَيْن.
والطمأنينةُ في الركنِ واجبةٌ عندهما، ذكره الكَرْخيّ وفي الانتقال سنة، وإذا طأطأ رأسه قليلاً وكانَ إلى تمامِ الركوع أقربَ منه إلى القيامِ أجزأه، وإن كانَ إلى القيامِ أقربَ لم يُجْزِه والله أعلم.
بابُ السجود
والسجودُ على الجبهةِ والأنفِ فَرْض، وعلى الباقي سُنَّة. وإن سجدَ على أنفهِ دونَ جبهتهِ جازَ وقد أساءَ عند أبي حنيفة - رحمه الله -، وعندَهما: لا يجوزُ إلا إذا كانَ بجبهته عِلَّة، ولو سجدَ على جبهتهِ وحدَها جاز ولم يُساء.
والسجودُ على الخَدَّين والذَّقنِ لا يجوزُ وإن كانَ بُعذرٍ لأنَّ السجودَ عليها لم يُعدَّ تعظيماً في المشاهدة.
ويُكبِّر للسجودِ ويضَعُ ركبتَيْه في السجود قبل يدَيْه، ويضعُ يدَيْه في السجود حذاءَ أُذنيه ويُوجِّه أصابعَ رِجْليه نحْوَ القِبلة، ويعتمدُ على راحتَيْه ويُبدي ضَبُعَيْه، ويعتدلُ في سجودِه ولا يفترشُ ذراعيه، ويُجافي بَطْنَه عن الأرضِ وعن الفخِذ.
والمرأةُ تفترش ذِراعَيها وتلصِق بطنَها بفخِذَيْها.
ويقولُ في سجوده: سبحانَ ربِّي الأعلى ثلاثاً وذلك أدناه، ولو سبَّحَ مرَّةً كُرِه، ثم يرفعُ رأسَه مكبِّراً حتى يطمئنَّ قاعداً، ثم يُكبر وينحطُّ للسجدةِ الثانية، ويفعلُ في الثانية مثل ما فعل في الأولى، وإن لم يستقمْ قاعِداً حتى سجدَ ثانياً فالأصحُّ أنه يجوز؛ لأنَّ السجودَ وضْعُ الجبهةِ على الأرضِ وقد حصل.
«الفتاوى» ولو سجدَ على كورِ عمامته، أو طرفِ ثوبهِ جاز.
وفي «الفتاوى» لو سجدَ على كُمِّه لنَفْي الترابِ عن وَجْهِه جاز، ويُكره، ولنفي الترابِ عن عمامته لا يُكره.
«النوادر»: ولو سجدَ على الحشيشِ والقُطن إن وجد حَجْمَه وتمكَّنَ منه جازَ وإلا فلا.
ولو سجدَ على الثلجِ؛ إن لبَّدَه جاز، وإن لم يُلبِّده لا يجوز.
ولو سجدَ على الأرزِّ، والذرةِ، والجَاوَرْس لا يجوز.
ولو سجدَ على الحِنطة، والشعيرِ يجوز.
ولو سجدَ على السريرِ والعِرْزال جاز.
ولو سجدَ على العَجَلةِ وهي على الأرض جازَ، وعلى البقرة لا يجوز.
ولو سجدَ على ظَهْر مُصَلٍّ جاز إذا لم يجدْ موضِعاً آخر، ولو سجدَ على ظهرِ غيرِ المُصلي لا يجوزُ؛ لانعدام الضرورة.
«المنتقى»: ولو سجدَ على فخِذِه بغيرِ عُذرٍ لا يجوزُ، وبعذرٍ يَجوز، ولو سجدَ على رُكبته بعذرٍ لا يجوزُ؛ لأنَّه يكفيه الإيماء.
ولو سجدَ على ظهرِ ميت وعليه لَبدٌ ولم يجدْ حَجْمَه جاز، وإن وجدَ لا يجوز.
«الفتاوى»: ولو سجدَ وهو نائمٌ أعادَ السجدة.
ولو نامَ في ركوعِه أو سجودِه لا يُعيد؛ لأنَّ الوضعَ والرفعَ حصلَ باختيارِه، وفي الأول لا.
ولو قرأ النائمُ في صلاتِه فالأصحُّ أنه لا يجوز؛ لأنَّ الاختيارَ شرط أداءِ العبادة ولم يوجَد.
والنائم في الصَّلاة لو قرأ أو ركعَ أو سجد فسدتْ صلاته؛ لأنَّه زاد ركعةً لا يعتد بها.
ولو تكلم النائمُ في صلاتهِ فسدت ولو قَهقه في صلاتِه لا ينتقضُ وضوؤه والله أعلم بالصواب.
بابُ القِعْدَة
القِعْدةُ الأخيرةُ فَرضٌ، وقراءةُ التشهدِ فيها واجبةٌ، ومقدارُ فرضِ القعدةِ مقدارُ قراءة التشهد، حتى لو فرغَ المُقتدي عن التشهد قبل فراغِ الإمامِ فتكلَّم فصلاته تامةٌ.
والقعدةُ الأولى سُنَّةٌ عند الطحاوي والكرخي، وعند المتأخرين واجبةٌ حتى لو تركها ساهياً يلزمُه سجودُ السهو، وقراءةُ التشهدِ فيها سُنةٌ عند بعضهم، وعند بعضهم واجبة وهو الأصحُّ لأنَّ محمداً أوجبَ بتركِ التشهدِ ساهياً سجودَ السهو ولا يجبُ إلا بترك الواجب.
والسنةُ في القَعْدتَيْن أن يفترشَ رِجْلَه اليُسرى ويجلسَ عليها، وينصبَ اليُمنى نصباً ويوجِّه أصابعَهما نحو القبلة.
والمرأة تقعدُ كأسترِ ما يكون لها فتجلُس متورِّكةً.
ويضَعُ يدَيْه على رُكبتَيْه ويُفرِّقُ بين أصابعه، وعن محمدٍ - رحمه الله -: أنه يضَعُ يدَيْه على فَخِذَيه.
وللمتطوعِ أن يقعُدَ في صلاتِه حالةَ التطوع كيف شاء: متربِّعاً أو مُحتبياً أو منتصباً، ثم قال محمدٌ - رحمه الله -: يحلُّ القِعْدةَ عند الركوع، وقال أبو يوسف - رحمه الله -: يحلُّها عند السجود، وفي حالة التشهُّدِ يقعدُ كما يقعدُ في المكتوبةِ ثم يتشهد.
والتشهدُ أن يقول التحيات لله بالواوات إلى قوله: عبده ورسوله وهو تشهُّدُ عامةِ الصحابة ثم قيل: لا يُشير بالمُسبِّحة عند قوله: أشهد أن لا اله إلا الله، والأصحُّ أنه يُشيرُ ولا يزيدُ على هذا في القعدة الأولى ويزيدُ في الثانية من الصَّلاةِ على النبي - صلى الله عليه وسلم - وما شاء من الدعاء.
ويُقدِّم الصَّلاة وهي سُنَّة، وعند الشافعي فَرْض.
وفي خارج الصَّلاة قال الكرخي: تجبُ في العمر مرَّةً؛ لأنَّ الأمرَ بالفعلِ لا يقتضي التكرار وقال الطحاوي: يجبُ عليه عند سماعِه في كل مرَّةٍ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «أربع من الجفاء ذكر من جملتها ومن سمع باسمي ولم يصلِ عليَّ».
ولا يصلِّي على غيرِ النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا أنه يُصَلِّي على آله متى ذكره على إثره.
ويُسلِّم عن يمينهِ وعن يسارِه. ويكونُ أوَّلُهما أرفَعَ وآخِرُهما أخفضَ، ولفظُ السَّلام واجبٌ وليس بُركن، وعند الشافعي ركن.
ولو سلَّم أوَّلاً عن يساره فإنه يُسلِّمُ عن يمينه ولا يُعيد عن يساره.
ولو سَلَّم تلقاءَ وَجْههِ يُعيدُ عن يَساره.
ويَنوي بكل تسليمةٍ مَنْ في تلك الجهةِ من الحفظةِ والحاضرين، والمنفرد ينوي الحفظَةَ لا غير، والمقتدي ينوي الإمامَ أيضاً والله أعلم إن كان في الأيمن أو الأيسر ينويه في ذلك الجانب، وإن كان بحذائهِ فعن أبي يوسف - رحمه الله - أنه ينويه في الأيمن، وروى الحسنُ عن أبي حنيفة - رحمه الله -: ينويه فيهما
ثم قَدَّم ذِكْرَ بني آدمَ على الحفَظةِ في «الجامع الصغير» وأخَّره في «المبسوط» وهذا لا يدلُّ على تقديمِ المقدَّم على المؤخر؛ لأنَّ الواو للجمعِ لا للترتيب.
ثم قالت المعتزلة: جملةُ الملائكةِ أفضلُ من جملةِ بني آدم؛ لأنَّ عندهم صاحبَ الكبيرة خارجٌ عن الإيمان وقلَّ ما يسلمُ مؤمنٌ عنها، وقال بعضُ أهل السنة: جملةُ بني آدمَ أفضَلُ من جملةِ الملائكة؛ لأنه مبتلىً بالإيمان عن غيبٍ وفي معرضِ الشدائدِ والمحن.
والمختارُ عندنا: أنَّ خواصَّ بني آدم وهم المُرسلون أفضَلُ من جملةِ الملائكة.
وعوامَّ بني آدمَ الأتقياءُ أفضَلُ من عوامِّ الملائكة.
وخواصُّ الملائكةِ أفضَلُ من عوامِّ بني آدم.
بابُ
ما يُستحَبُّ في الصَّلاةِ وما يُكْرَه فيها
وينبغي للمُصلِّي أن يكونَ منتهى نظره إلى موضعِ سجودِه في قيامه، وفي ركوعِه إلى أصابعِ رجْليه، وفي سجودِه إلى طرفِ أنفه، وفي قعودِه إلى حِجْرِه، ولا يلتفتُ في صلاتِه، ولا يعبَثُ بشيءٍ من جَسدهِ أو ثيابه.
ولا يُفرقعُ أصابعَه ولا يُشبِّكها، ولا يضعُ يَدْيه على خاصرته.
ولا يتمطّى ولا يتثاءب، فإنْ غلبَه شيٌ من ذلك، كَظَمَ ما استطاع، فإن لم يستطعْ فليضَعْ يدَهُ على فمِه.
ويُكره تغطيةُ الفم، ويُكره أن يكفَّ ثوبَه، ويكره أن يُغمِضَ عينيه.
ويُكره عَقْصُ الشعرِ. وهو أن يشدَّ ظفيرتَيْه حولَ رأسهِ كما يفعلُه النساء، أو يجمعَ شَعْرَه فيعقدَه في مؤخَّرِ رأسه.
ويُكره الاعتجار وهو أن يكوِّرَ عِمامَته ويتركَ وَسْطَ رأسهِ مكشوفاً كهيئةِ الأشرار، وقيل: أن يتنقبَ بعمامتِه فيُغطِّيَ أنفَه وهو مكروه.
ويُكره السَّدْلُ في الصَّلاةِ، وهو أن يجعلَ ثوبَه على رأسهِ وكَتفَيْه ثم يرسلَ أطرافَه من جوانبه
ويُكره لُبْسَةُ الصَّماءِ وهو أن يجمَعَ طرفَي ثوبِه ويُخرجَهما تحتَ إحدى يدَيْه على إحدى كتفيه.
ويُكره للمصلِّي أن يعتمدَ على شيءٍ وأن يتربَّع إلا من عُذرٍ.
ولا يُقعي، قال الكرخي: الإقعاءُ أن ينصِبَ قدمَيْه ويقعُدَ على عَقبيه واضعاً يَدْيه على الأرض، وقال الطحاوي: الإقعاءُ أن يقعُدَ على أليتيه وينصب فخِذَيه ويضمَّ رُكبتَيْه إلى صدره ويضعَ يدَيْه على الأرض، وهذا أشبَهُ بإقعاءِ الكلب.
ويُكره أن يطوِّل ركعةً من التطوع على الأُخرى في القراءة.
ويُكره للمأمومِ أن يسبقَ الإمامَ بالركوعِ والسجود، وأن يرفعَ رأسَه فيهما قبل الإمام،
ولا يُكره مَسْحُ جبهتِه من التراب في وَسطِ الصَّلاة، وفي رواية: يُكره إلا للأذى وهو الأصحُّ، ولا يُكره بعد الفراغِ قبلَ السَّلام، والتركُ أفضل.
رجلٌ صلَّى منفرداً تطوعاً، فمرَّ بذكْرِ النار، فاستعاذَ، وبذكر الجنة فسأل يُستحَبُّ، ويُكْرَه ذلك في المكتوبة.
ويُكره عدُّ الآي، والتسبيحُ في الصَّلاة، وفي صلاةِ التسبيح عدُّ إشارةٍ لا بأصابعه، وعن أبي يوسف ومحمد - رحِمَهم الله - لا بأسَ به لمراعاةِ سُنةِ القراءة.
ويُكره أن يُصلِّي وهو آخذٌ بيدَيْه أو فمِه شيئاً.
«النوادر»: الإمامُ إذا سمعَ خَفْقَ النِّعال في الركوع وطَوَّله ليدرك الجائييُكره له ذلك، وذكر في «الفتاوى»: إن عرَفَ الإمام الجائي يُكره، وإن لم يعرفْ لا يُكره؛ لأنَّ فيه إعانةً.
ولا يبزقُ ولا يتمخَّط على حيطانِ المسجد، ولا على البواري، فإن فعلَ فعليه أن يرفعَه.
ويكره أن يمسحَ الطينَ من مَداسِه بحائطِ المسجدِ أو بأسطوانته، وإن مسحَ بترابٍ مجموعٍ في المسجدِ أو بخشَبةٍ موضوعةٍ فيه لا بأسَ به، وبترابٍ منبسطٍ يُكره والله أعلم بالصواب.
بابُ
ما يُكرهُ أن يفعلَه في الصَّلاةِ أو قُبَيْلَها ومالا يُكره
ويُكره أن يدخُلَ في الصَّلاةِ وبه بَوْلٌ أو غائط، وإن كان الاهتمامُ يشغَلُه عن الصَّلاة قطعها
ويُستحبُّ إذا دخلَ المسجدَ والإمامُ راكعٌ أن يأتي الصفَّ وعليه السكينةُ والوقار.
ويُكره أن يكبَّر خلْفَ الصف ثم يلحق به حتى لو قالوا: لو مشى خُطوتَيْن فسدَتْ صلاته، وقدَّر بعضُهم بموضعِ سجودهِ.
ويُكره الصَّلاةُ خلفَ الصفوفِ وَحْدَه إلا أن لا يجدَ فُرجةً في الصف فلا يُكره.
ويُكره أن يكونَ الإمامُ على الدكان والقومُ على الأرض، أو على عكسِه في ظاهر الرواية، وذكر الطحاوي: لا بأسَ بأن يكون مكانُ القومِ أرفعَ، وقدّر لارتفاع مكان القوم بما دون القامة، وإن كان بعضُ القومِ مع الإمام فالأصحُّ أنه لا يُكره، وكذا عند ضيقِ المكان لا بأس به ولا بأسَ بأن يقومَ الإمامُ في المسجد وسجودُه في الطاق، ويُكره أن يقومَ في الطاقِ؛ لأنه يشبه اختلافَ المكان.
ويُكره أن يكونَ المحرابُ حمَّاماً، أو قبراً، أو مُخْرَجاً أو مزبلةً، أو طريقاً؛ لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه «نهى عن الصَّلاة في سبعةِ مواطن: في المجزرة، والمقبرة، والمزبلة، والحمام، وقارعة الطريق، ومعاطن الإبل، وفوق ظهر بيت الله تعالى».
ولو كان بينه وبين النجاسةِ حائلٌ لا يُكْره.
«الفتاوى»: لو صلَّى في الحمَّام: إنْ كان فيه تماثيلُ يُكْره، وإن لم يكُن والموضعُ طاهرٌ لا يكره.
وقراءةُ القرآنِ في الحمَّامِ مع رَفْعِ صوتِه يُكره، وبدونهِ فلا.
وإذا ابتُليَ بين الصَّلاةِ في الطريقِ وبينَ الأرض يُصلِّي على الطريق إلا إذا لم تكن الأرضُ مزروعةً وهي لمسلمٍ يصلِّي فيها، وإن كانت لكافرٍ يُصلِّي على الطريق
ويكره التماثيلُ في قِبْلةِ المسجدِ إلا مقطوعةَ الرأس، وقَطْعُ الرأس أن يُمْحى رأسه بخيط يخاط عليه، حتى لا يبقى للرأس أثرٌ أصلاً أو يُطلى وَجْهُه بالمُغْرةِ، أو الطينِ الأحمر ويُكره إذا خيط بين الرأس والجسد.
وكذا لو توجَّه في صلاتهِ إلى تَنُّورٍ فيه نارٌ تتوقَّد، أو إلى كانونٍ فيه نار يُكْره.
ولو توجَّه إلى قنديلٍ أو سراجٍ لم يُكره؛ لأنه لا يُعبد.
وإن كانَ التمثالُ مؤخَّر الظَّهْرِ، أو عن يمينهِ أو يسارِه أو فوقَ رأسهِ لا يُكره في روايةِ «الأصل»، وفي روايةِ «الجامع الصغير»: يكره.
ويكره في اللباسِ والبساطِ غير أنه (إذا صلى) على البساطِ أيسَرُ، وعلى الوسادةِ إن كانت قائمةً يُكره، وإنْ كانت مفروشة لا يُكره، وإن كان التمثالُ صغيراً كصورةِ نقشِ الخاتَم لا يُكره.
رجلٌ في يدهِ تصاويرُ وهو يؤمُّ الناس لا تُكْرَهُ إمامته.
ولا بأسَ بقتلِ الحيةِ والعقربِ في الصَّلاة إذا تمكَّن من قتلِ الحيَّةِ بضربة واحدة، وبمعالجةٍ كبيرةٍ تفسدُ صلاته، ولو لم يخَفْ أن تؤذيه يُكْرَهُ قتلُها.
وذكر في «النوادر»: قال محمدٌ - رحمه الله -: قَتْلُ القَمْلةِ في الصَّلاة أحبُّ إليَّ من دَفْنِها، وقال أبو حنيفة - رحمه الله -: يدفنُها ولا يقتلُها، وقال أبو يوسف - رحمه الله -: يكره كلاهما.
وينبغي للمصلِّي أن يدرأَ المارَّ بين يديه بالتسبيحِ، أو بالإشارةِ لا بالمعالجةِ وإذا أشار وسَبَّح كُرِه.
ويُكره للمارِّ أن يمرَّ بين يدي المُصلي، ويأثمُ به.
ومَنْ صلَّى في الصحراءِ غَرَزَ بين يدَيْه عوداً مقدارَ ذراعٍ ويجتزئُ بكونهِ بين يدي الإمام، والخطَّ ليس بشيء، ويقربُ من السترةِ ولا بأسَ بتركِ السترة إذا أمِنَ من المرور، ومقدارُ ما يُكره المرورُ بين يَدي المصلي موضعُ سجوده، ولا يُكره فيما وراءه وهو الأصحُّ.
وكذا لو مَرَّ عن بُعْدٍ في المسجدِ الجامع فالأصحُّ أنه لا يُكره.
ولو كان يُصلِّي على الدُّكان فإن كان أعضاءُ المار تُحاذي أعضاءَ المصلِّي يُكره وإلا فلا والله أعلم.
بابُ
التطوُّعِ قبْلَ الفرضِ وبعده
ركعتا الفجر سُنةٌ مؤكدة ولا يجوزُ أداؤها إلا بعد طلوعِ الفجر، ولو شَكَّ في طلوع الفجر لا يجوز، ولو صلَّى مرتَيْن بعد طلوعِ الفجر فالسنةُ أحدُهما، ويكره الكلامُ بعد انشقاقِ الفجر الأخير إلا بخير.
والتطوّعُ قبلَ الظُّهرِ أربعٌ، يسلِّمُ في آخرِهنَّ، وهي سُنَّةٌ وبعده ركعتان.
ولا يجوزُ تَرْكُ سُنَّةِ الفجرِ والظهرِ إذا صلَّى وحْدَه وهو الصحيحُ؛ لأنَّه وردَ الوعيدُ بتركها.
فإنْ تطوَّع قبلَ العصرِ بأربعٍ فحَسَنٌ، وبعد المغربِ ركعتان، وبعد العشاءِ ركعتان وذكر الكرخي: وأربع بعد العشاء.
والتطوُّعُ قبلَ الجمعةِ أربعٌ وبعدها أربعٌ، وفي رواية كتاب الصَّلاة: ست ويصلِّي أربعاً ثم ركعتين.
والسننُ إذا فاتَتْ عن وقتِها لم يقضِها إلا ركعتي الفجر إذا فاتتا مع الفرضِ يقضيهما بعد طلوعِ الشمس إلى وقتِ الزوالِ ثم يسقط، وإذا فاتتا بدونِ الفرضِ لا يَقْضي عندَهما، خلافاً لمحمدٍ ـ رحمه الله -.
وفي سُنَّةِ الظهر، فالأصحُّ أنَّه يَقْضي، ثم قال محمد: يبدأُ بالأربعِ قبل الظهر، وعندَهما يبدأ بالركعتين ثم عندَهما ينوي القضاءَ، وعند أبي حنيفة - رحمه الله -: لا ينوي، ولا يُقضى بعد الوقت.
وكل صلاةٍ بعدَها سنةٌ يُكْره له القعودُ بَعْدَها بل يشتغلُ بالسنة، ولا يتطوَّعُ في مكان الفرض.
وكذا السُّنَّة للقوم أن يكثروا الصفوف.
وكلُّ صلاةٍ لا سُنَّةَ بعدها: إنْ شاءَ الإمامُ استقبلَ القومَ إلا إذا كان بحِذاهُ مَنْ يُصلِّي فلا يستقبل، وإن شاء انحرفَ، والمستحبُّ أن ينحرفَ إلى يمينِ القِبلةِ وكذلك يستحبُّ أن يتطوَّعَ في يمينِ القبلة إذا أراد، ويمينُ القبلة ما بحذاءِ يسارِ المستقبلِ للقوم.
بابُ
التطوعِ المطلق
والتطوعُ ركعتان، أو أربعٌ أو ستٌّ، أو ثمانيةٍ بتسليمةٍ واحدة، والزيادةُ على الثمان قيل: يكره، وقيل: لا يُكره.
والأربعُ في الليلِ والنهارِ أفضَلُ عند أبي حنيفة - رحمه الله -، وعندهما: مَثْنى مثنى أفضل.
وذكر في «زيادات الزيادات»: أَنَّ مَنْ نذَرَ أن يُصلِّي أربعاً بتسليمةٍ واحدة فصلاَّها بتسليمتين لم يَجُزْ، ولو نذرَ أن يُصلِّي بتسليمتَيْن فصلاّها بتسليمةٍ واحدةٍ جاز؛ لأنَّ التابع أشقَّ وأفضَلُ، فيكون ثوابُهُ أجزل.
ولو صلّى أربعاً تطوعاً ولم يقعُد في الثانية جازَ استحساناً، وقال محمدٌ - رحمه الله -: إنه لا يجوزُ قياساً، ولو قام إلى الثالثةِ من غيرِ قعدةٍ قيل: لا يعودُ إلى القعدة والأصحُّ أنه يعودُ إليها ما لم يُقِّيْدها بالسجدة.
ويجوزُ التطوعُ قاعداً مع القدرةِ على القيام ولو افتتحَ قاعداً ثم أتمَّها قائماً جازَ ولا يُكره.
ولو افتتح قائماً فأتمَّها قاعداً أجزأه عند أبي حنيفة بعُذْرٍ أوْ لا، وعندهما: لا يجوزُ إلا بعذر.
وكذا لو توكَّأ على شيءٍ من غيرِ عُذْرٍ يُكره في الفَريضة، ولا يُكره في التطوعِ وعندهما: يُكره.
ويُكرهُ التطوعُ بالجماعةِ ما خلا قيامَ رمضان، وصلاةَ الكسوف.
ولو أفسدَ التطوُّعَ يلزَمُه القضاء.
ومَن افتتحَ أربعاً تطوعاً فأفسدَها في الأوليين قضى ركعتَيْن عندهما، وعند أبي يوسف -رحمهم الله -: أربعاً، ثم عند محمدٍ - رحمه الله -: التحريمةُ تنقطعُ بتركِ القراءة، وعندهما لا تنقطع لكن عند أبي يوسف - رحمه الله - تبقى صحيحةً وعند أبي حنيفة - رحمه الله -تفسد بترك القراءةِ فيها. والشروعُ بتحريمةٍ فاسدةٍ لا يصحُّ، ويصحُّ بالقراءةِ في أحداهما حتى لو قرأ في الأوليين لا غيرُ قضى الآخريين إذا قعدَ قَدْرَ التشهدِ في الثانية، وإن لم يقعُد قضى الأربع كما لو أحدثَ في الأخريين ولو قعدَ في الأُخريين لا غيرُ، قضى الأوليَيْن بالإجماع، ويكون الأخريان صلاةً عند أبي يوسف - رحمه الله - وعندهما: لا
ولو قرأ في إحدى الأوليَيْن وإحدى الأُخْرَيَيْن قضى أربعاً عندهما، وعند محمد ... قَضى ركعتين.
ولو قرأ في إحدى الأوليين لا غيرُ: فعندهما: يقضي الأربع، وعند محمد: يقضي ركعتين.
ولو قرأ في إحدى الأُخريَيْن لا غير قضى الأربع عند أبي يوسف ـ رحمه الله -، وعندهما قضى الأولين.
ولو قرأ في الأوليين وإحدى الأخريين، أو قرأ في الأخريين وإحدى الأوليين قضى الشَّفْعَ الذي ترك القراءة في أحدهما بالإجماع.
ولو اقتدى بالإمامِ في الأخريَيْن وصلاَّهما معه قَضى الأوليين.
ولو اقتدى المتطوعُ بمُصلِّي الظهرِ في أوَّلهِ أو آخرِه ثم تركَ قضى أربعاً.
«النوادر»: ولو اقتدى المتطوعُ بمصلِّي الظهر ثم ذكر أنه لم يُصَلِّ الظهر قَطَعَها، واستأنفَ التكبيرةَ للظهرِ ولا قضاءَ عليه؛ لأن الصَّلاة واحدة.
امرأةٌ افتتحت الصَّلاةَ نافلةً ثم حاضَتْ يلزَمُها ركعتان.
ولو صلى ركعةً تطوعاً ثم طلع الفجرُ كان الإتمامُ أفضل؛ لأنه لم يتعمَّد والله أعلم بالصواب.
بابُ
الصَّلاة بالجماعة
الجماعةُ سُنَّةٌ مؤكدةٌ لا يُرخَّصُ لأحدٍ في تَرْكِها إلا بعُذر، حتى لو تركَها أهلُ مصرٍ يؤمرون بها فإن ائتمروا لا يحلُّ مقاتلتهم.
والسنة أن يخفف الإمام الصَّلاة عن تمام.
وأقلُّ الجماعةِ في غيرِ الجمعة أن يكون واحداً مع الإمام، وإن كان معه امرأةٌ أو صبيٌّ يعقلُ كانت جماعةً.
ولا جماعةَ على النساء، ولا يباحُ للشوابِّ منهن الخروجُ إلى الصلواتِ كلِّها، ولا بأسَ للعجائزِ أن يشهَدْنَ المغربَوالعشاءَ والفجر والجمعةَ، دونَ غيرها عند أبي حنيفة - رحمه الله -، وعندهما يشهدنَ جميعَ الصلوات، والمتأخِّرون كرهوا ذلك كلَّه للنساء كلّهن للفتنةِ.
ومن فاتته الجماعةُ جَمع بأهله.
فصل
من تجوز إمامته ومن لا تجوز
وكلُّ مَنْ هو أهلٌ للصلاةِ المكتوبةِ فهو أهلٌ للإمامة حتى تجوزَ إمامةُ العبد، وولد الزنا، والأعرابيِّ، والأعمى، والفاسق، وغيرُهم أفضَل، ولا يُصلِّي خلْفَ من كان معروفاً بأكل الربا.
«المنتقى»: ولا تجوزُ الصَّلاةُ خلْفَ مبتدعٍ، وذي هوى يُكفِّره كالقَدَرِيَّة، والجَبْرِيَّة، والجَهْمِيَّة، والروافضة، والمشبهة ونحوها وإن كان هوىً لا يكفِّره يجوز ويُكره.
والصَّلاةُ خَلْفَ شَفْعويِّ المذهبِ جائزةٌ إذا كان يحتاطُ في موضعِ الخلاف بأن كانَ لا يميلُ
عن القبلة، ويُجَدِّدُ الوضوءَ عند الفَصْد، والحِجامة.
ويغسلُ ثوبَه من المنيِّ، ولا يقطعُ وِتْره ونحو ذلك، إلا أن يكون شاكَّاً في إيمانه.
ولم يجوِّز المتأخرون الاقتداءَ به، فإنه روى مكحولٌ النسفي عن أبي حنيفة -رحمه الله-: أنه من رفعَ يدَيْه عند الركوعِ، وعند رفعِ الرأسِ منه تفسدُ صلاته.
ولا تجوزُ إمامةُ الصبيِّ العاقلِ في الفرائض، وكذا في التراويحِ والنوافل، عند عامة مشايخِنا وهو الصحيحُ، وقيل تجوز.
ولا تجوزُ إمامةُ الرجلِ المرأة حتى ينوى إمامتَها، وفي صلاةِ الجمعةِ والعيدين قيل كذلك، وقيل: يصحُّ بدون النية.
ويكره أن يَؤمَّ النساءَ وحدَهُنَّحتى في موضعِ خلوةٍ كالمنزلِ إلا مع رحمٍ مَحْرَمٍ منهن، ولا يُكره في غيرِ موضعِ الخلوةِ كالمسجدِ، والصحراء.
ولا يؤمُّ الرجلُ الرجلَ في بيته بغيرِ إذنه، وروي عن محمدٍ - رحمه الله -: أنه لا بأس به وهو الأصحُّ؛ لأن صاحبَ البيتِ أذِنَ له ظاهراً.
والأولى بالإمامةِ الأعلمُ بالسنةِ إذا كان يُحسنُ منَ القراءةِ ما تجوزُ به الصَّلاة، ثم أقرؤهم، ثم أورعُهم، ثم أكبرُهم سِناً، ثم أحسنُهم خُلقاً، ثم أحسنُهم نَسباً ثم أصبَحُهم وجهاً والله أعلم.
بابُ
مَقامِ الإمامِ والمأموم
ويتقدَّمُ الإمامُ القومَ، وإن لم يتقدَّمْ جازَتْ صلاته وقد أساء، وكذا لو تقدَّم وقامَ في ميمنةِ الصف أو ميسرته.
ولو كان معه اثنانِ قاما خَلْفَه، ولو قام وَسْطَهما قيل: لا يُكره، وقيل: يُكره.
وإن كان معه واحدٌ يقفُ على يمينه، ولو وقفَ على يَساره جاز وقد أساء، ولو قام خلفه جاز ولم يذكُرِ الإساءة.
وإن كان معه رجلٌ وامرأة أقامَه على يمينِه وأقامَها خلفه.
وإن كان رجلان وامرأة أقام الرجلَيْن خلفه، وأقامَها خلفهما.
ولو قامَ المؤتمُّ أمامَ الإمامِ لا يصحُّ اقتداؤهُ.
ويلي الإمامَ أفضَلُهم.
وإذا اجتمعَ في الجماعةِ الرجالُ والنساءُ والصِّبيَان والخنَاثى يقوم أولاً الرجالُ، ثم الصبيان، ثم الخُنْثى المشكل، ثم النساء الكبار ثم الصبيات.
وإمامةُ النساء وجماعتَهنَّ منسوخة مكروهة، فإنْ صلَّيْنَ جماعةً تقومُ إمامتهن وسط الصف، وإن تقدَّمت جاز.
العاري يصلَّي قاعداً بإيماء، فإن صلَّوا قياماً بركوع وسجود جازت صلاتهم، وإن كانوا جماعة صَلَّوا فُرادى، وإن صلوا جماعةً يقعد الإمامُ وَسْطَ الصف.
امرأةٌ اقتدَتْ بالإمام وقد نوى إمامتَها، فقامَتْ بجنبِه، فسدَتْ صلاةُ الكل، ولو قامَتْ في الصفِّ فسدَتْ صلاةُ جميعِ مَنْ عن يمينِها ويسارها وخلْفَها ولا تفسدُ صلاتها.
وإن كنَّ صفاً تاماً فسدَتْ صلاةُ الصفوفِ كلِّها التي خلفهنَّ استحساناً.
فإن كُنَّ ثلاثاً فسدَتْ صلاة واحدٍ عن يمينهن وواحدٍ عن يسارهن، وثلاثةٍ خلفهُنَّ إلى آخرِ الصفوف.
وأصله قولُ عمرَ - رضي الله عنه - موقوفاً عليه ومرفوعاً إلى رسول الله: - صلى الله عليه وسلم - «مَنْ كان بينه وبين الإمام طريق أو نهر أو صفٌ من نساءٍ فليس هو مع الإمام».
ولو كانتا اثنتين فسدَتْ صلاةُ اثنين خلفهما وواحدٍ عن يمينِ إحداهُما وواحد عن يسار الأخرى؛ لأن الأثنين ليسا بجمع صححٍ فلم يكن لهما حكم الصف.
وذكر الجرجاني في «آحاده»: لو كبَّرت في الصفِّ الأول وركعَتْ في الصفِّ الثاني وسجدَتْ في الصفِّ الثالث فسدَتْ صلاةُ مَنْ عن يمينِها ويسارِها وخلْفَها في كلِّ صفٍ.
ثم شرائطُ المُحاذاة ثلاثة: وهي أن يكونَ في صلاةٍ مشتركةٍ مطلقةٍ وقد استويا في البقعة، والمرأةُ من أهل الشهوةِ، حتى لو كانت المرأةُ صغيرةً أو كان أحدُهما على الدكانِ، أو كان في صلاةِ الجنازة فلا محاذاةَ بينهما، ولا محاذاةَ أيضا إذا كان بينهما حائلٌ أدناه مثل مؤخرة الرَّحْل أو مُقدِّمته.
وذكر في «الفتاوى»: إن كُنَّ النساءُ فوق الحائطِ، والرجلُ تحتهنَّ بحذائِهن فإن كان الحائطُ قَدْرَ قامةٍ فهو سُترةٌ، وإن كان أقلَّ فليس بسُترةٍ وتفسدُ صلاتهم، والأوَّلُ أصحُّ.
ومُحاذاةُ المراهقةِ تُفْسدُ الصَّلاةَ كالمرأة؛ لأنَّ المراهقةَ من أهلِ الشهوة والمحاذاةُ في التطوع تفسدُ صلاتَها.
ولو تحاذيا في قضاءِ ما سبقا به لم تفسُدْ صلاته.
ولو كانا لاحقين فتحاذيا في القضاء فسدَتْ صلاته، ولو حاذَتْه في الذهابِ للوضوءِ أو الرجوع عنهُ لم تفسُدْ صلاتُه.
«الفتاوى»: قومٌ صلَّوا على ظهرِ ظُلَّةِ المسجدِ وتحْتَهم أو قُدَّامَهم نساءٌ لا يُجزيهم صلاتهم، وإن كُنَّ بحذائِهم من تحتِهم أجزأهم.
باب
ما يمنعُ صحَّةَ الاقتداءِ ومالا يمنع
أصلُه أنَّ بناءَ الناقصِ على الكاملِ يجوز، وبناءُ الكاملِ على الناقصِ لا يجوز؛ لأن تقدير النقصانِ بناءُ الموجودِ على المعدوم وإنَّه مُحالٌ.
ولا تجوزُ إمامةُ العُرْيانِ للابسين إلا بسَتْر، ولا صاحبُ العُذرِ الدائمِ للأصحاء، ولا الأميِّ للقارئ ولا الأخرسِ للناطق، ولا يؤمَّ الأخرسُ الأميَّ، ذكَره الكرخي؛ لأنَّ الأميَّ يُتوهَّمُ منه القراءة بالتعليمِ، ومن الأخرس لا ولا يؤمُّ المُوماءُ مَنْ يركعُ ويسجد.
وتجوزُ إمامةُ هؤلاء أمثالَهم، ويجوزُ اقتداءُ القاعدِ والموماءِ بالقائمِ ويجوزُ اقتداءُ القائمِ بالقاعدِ عندَهما خلافاً لمحمدٍ - رحمه الله -.
وتجوزُ إمامةُ الماسحِ على الخُفَّين والجَبيرة الغاسِلَيْن.
وإمامةُ الخُنثى المشكلِ لمِثْلهِ لا تَجوز، وإمامةُ الخُنثى للنساءِ جائزةٌ إنْ تقدَّمهُنَّ وإن قام وَسطهن فسدَتْ صلاتُهنَّ.
أُمِّيٌّ أمَّ أُمِّيين وقارئين فسدَتْ صلاتُهم جميعاً عند أبي حنيفة - رحمه الله -، وعندَهما صلاةُ القارئين خاصةً فاسدةً.
ولو صلَّى أُمِّيٌّ بجنبِ القارئ قيل: فسدَتْ صلاةُ الأميِّ، وقيل: لا تفسد.
وذكر الكرخي: لو اقتدى القارئُ بالأميِّ ولم ينوِ الأميُّ إمامَته لم تفسُدْ صلاته، وقيل: تفسد بغيرِ نيَّةِ الإمامة.
أُميٌّ تعلَّمَ سورةً في خلالِ صلاته فسدَتْ صلاتُه، ولو اقتدى بالقارئ ثم تعلَّمَ سورةً قيل: لا تفسدُ صلاتُه وعند عامةِ مشايخِنا تفسد.
ولو استخلفَ القارئُ أميَّاً فسدَتْ صلاةُ الكلِّ، فلو قرأ في الأُوليَيْن ثم استخلفَ أميَّاً في الأُخريين فسدَتْ صلاتُهم.
أُميٌّ مسبوقٌ كان إمامُهُ قارئاً لا تفسدُ صلاته إذا سلَّم استحساناً، وكذلك الحُكمُ في الأخرس.
فصلٌ
أصلُه أن كلَّ ما يوجبُ اشتباهَ حالِ الإمامِ عليه يمنَعُ صحَّة الإقتداءِ وإلا فلا.
رجلٌ بينه وبين الإمامِ حائطٌ قَصيرٌ مِثْلَ قامةِ الرجل جازَتْ صلاته، وإن كان كبيراً لا تجوز، فإن كان على الحائطِ الكبير بابٌ مفتوحٌ يصحُّ الاقتداءُ.
وإن كان البابُ مسدوداً فالأصحُّ أنه لا يصحُّ الاقتداءُ وإن كان عليه مشبَّكٌ فالأصحُّ أنه يصحُّ الاقتداء؛ لأنَّ الاشتباهَ يزولُ بِمْثلِ هذا.
وإنْ كان الإمامُ على سطحِ المسجدِ، والقومُ على الأرضِ أو على عَكْسه فالأصحُّ أنه إن كان لا يشتبهُ حالُ الإمامِ عليه يصحُّ الإقتداءُ، وإلا فلا.
ولو كان على سطحِ دار بجنبِ المسجدِ لا يصحُّ اقتداؤه إلا إذا كان على رأس حائطِ المسجد.
ولو اقتدى بالإمامِ في الصحراءِ وبينهما قدرُ صَفَّيْنِ فصاعِداً لا يصحُّ الاقتداءُ ودونَه يصحُّ.
(ولو اقتدى في المسجدِ الجامعِ بالإمامِ عن بُعْدٍ صَحَّ إذا لم يَشتبه عليه حالُ الإمام
ولو اقتدى بالإمامِ في الصحراء) وبينهما طريقٌ عامٌّ، أو نهر عظيمٌ لم تجُزْ صلاته.
وإن كان الطريقُ والنهر خاصّاً تجوز.
ومقدارُ طريق العام قيل: ما يمرُّ فيه العامة.
وما يمرُّ فيه الواحد والاثنان فهو طريق خاص.
وقيل: ما يمرُّ فيه العَجلةُ وحِمْلُ البعير، ومقدارُ النهرِ العظيمِ ما يجري فيه السفنُ وهو الأصحُّ.
ولو كان على النهرِ جسرٌ وعليه صَفٌّ، أو على الطريق صَفٌّ متصلٌ بالصفوف صَحَّ، وإن كان اثنان لا يصحُّ عند محمد، وعند أبي يوسف: يصحُّ.
بابُ
اختلافِ فَرْضِ الإمامِ والمأموم
أصلُه أنَّ اتحادَ الصَّلاتين شرطٌ لصحَّةِ الإقتداء؛ لأنه متى اختلفَ الفرضانِ فتَحْريمةُ الإمام لم تنعقدْ لصلاةِ المُقتدي، فلا يجوزُ البناءُ على صلاتِه.
وصلاةُ المُقتدي تُبتَنَى على صلاةِ الإمام صحةً وفساداً ونقصاناً، وكما لا تنتقض صلاتُه بسَهْوِ الإمام؛ ولهذا لا يصحُّ الإقتداءُ بمَنْ ليس من أهل الإمامةِ للصلاةِ كالمرأة والجُنُبِ والكافر.
ولا يصحُّ اقتداءُ مصلِّي الظهرِ بمصلِّي العصر، ومصلِّي ظُهْرِ يَوْمِه بمُصلِّي ظهرِ أمسه، ولا اقتداءُ المفترضِ بالمتنفِّل.
ولو كانت صلاةً واحدةً فاتَتْهما من يوم واحدٍ صَحَّ اقتداءُ أحدِهما بالآخر؛ لأنَّ صلاتَهما مُتَّحدةٌ.
ويصحُّ اقتداءُ المتنفِّلِ بالمُفترض؛ لأنَّ تحريمةَ الفرضِ اشتملَتْ على الأصلِ والوصف، والنفلُ يتأدَّى بأصلِ التحريمةِ، فجازَ بناءُ تحريمةِ النفلِ على تحريمةِ الفرض، فأمَّا تحريمةُ النفلِ اشتملَت على الأصل دونَ الوصف، والفرضُ لا يتأدَّى بأصلِ التحريمة.
اقتدى أحدُ المسبوقَيْن بالآخَر لا تجوزُ صلاةُ المتمِّ، وكذا المُقيمان صَلَّيا خَلْفَ المُسافرِ وقاما إلى القضاء.
«النوادر»: ولا يصحُّ اقتداءُ الناذرِ بالناذر إلا إذا نذرَ الصَّلاة والآخَرُ نذر بتلك الصَّلاة التي نذَرها الأوَّل فاقتدى أحدُهما بالآخَرِ صَحَّ.
وكذا لو أفسدَ كلُ واحدٍ منهما تطوُّعهُ، ثم اقتدى أحدُهما بالآخرِ في القَضاءِ لا يصحُّ، ولو اشتركا في نافلةٍ وأفسداها ثم اقتدى أحدُهما بالآخَرِ صَحَّ.
ويصح اقتداءُ الحالفِ بالحالف، ولا يصحُّ اقتداءُ الناذرِ بالحالف.
ويصحُّ اقتداءُ الحالفِ بالناذر؛ لأنَّ بالحَلِفِ الصَّلاةُ ما وجبَتْ لعينِها بل لغيرِها وهو بحق البر فبقيت نفلاً في نفسِها فتكونُ بمنزلةِ المتطوعِ اقتدى بالمفترض، وفي النذر الصَّلاة وجبَتْ لعينِها فتكون بمنزلةِ اقتداءِ المفترضِ بالمتنفِّل، والصَّلاةُ المنذورة وجبَتْ بالتزامهِ وله ولايةٌ على نفسه دون غيرِه، فبقيت نفلاً في حقِّ غيره فيكونُ اقتداءُ الناذرِ بالناذرِ بمنزلةِ اقتداءِ المفترضِ بالمتنفل.
وذكر الجرجاني في «آحاده»: رجلٌ نوى الظهرَ مع الإمامِ فإذا هي الجُمعة، أو على عكسه لا يجوز.
ولو اقتدى أحدُ المسبوقَيْن بالآخَر، لا تجوزُ صلاةُ المؤتمِّ، وكذلك المُقيمان صلَّيا خَلْفَ المسافر وقاما إلى القضاء.
«النوادر»: لو نوى المقتدي أن ينفردَ بصلاتِه، فركعَ أو سجدَ فسدَتْ صلاتُه عند أبي حنيفة - رحِمَه الله -، خلافاً لهما.
ولو نوى المؤتَمُّ أن يأتمَّ بغيرِ إمامِه وكَبَّر فسدَتْ صلاتُه.
رجلان افتتحا الصَّلاة معاً، ونوى كلُ واحدٍ منهما أن يكونَ إماماً لصاحبه فصلاتُهما تامة، ولو نوى كلُّ واحدٍ أن يأتمَّ بصاحبِه فصلاتُهما فاسدة، ولو أمَّ أحدُهما صاحبَه فلم يدرِيا أيَّهما الإمام، يقرءان جميعاً ويركعانِ ويسجُدانِ معاً، وإن تخالفا بينَهما فصلاتُهما فاسدة والله أعلم.
بابُ
حكمِ اللاحقِ والمسبوق
المسبوقُ مَنْ سَبقه الإمامُ بشيءٍ من صلاته، واللاحقُ مَنْ أدرك أوَّل صلاتهِ مع الإمامِ وعَجَزَ عن إتيانِ الباقي بالنوم أو بمزاحمةِ الناسِ حتى عجزَ عن الركوع والسجود، أو سبقَه الحدَثُ ونحوه.
والمسبوقُ يصلِّي أولاً ما أدركَ مع الإمامِ ثم يصلِّي ما سبقه.
واللاحقُ يقضي ما فاتَه مع الإمامِ ثم يُتابعهُ إنْ أدركه، ولو قضى على عَكْسِه جازَتْ صلاتُه
واللاحقُ لا يقرأُ فيما يقضي، والمسبوقُ يقرأ (فيما يقضي) مِثْلَ ما قرأَ إمامُه: الفاتحةَ والسورة، ولا ينفعُه قراءتُه خلْفَ إمامهِ، ولا قراءةُ الإمامِ فيما أدركَ معه.
أدركَ مع الإمامِ ثالثةَ المغربِ، قضى الأولى والثانية بقراءةٍ، ويجلسُ في كلِّ ركعةٍ ثم يقضي المسبوقُ أوَّلَ صلاتهِ حُكْما عندَهما، وعند محمدٍ - رحمه الله -: آخِرَ صلاته إلا في حقِّ القراءةِ، والقنوت حتى يستفتحَ المسبوقُ فيما يقضي عندَهما، وعند محمد: يستفتحُ للحال.
ولا يظهَرُ الخلافُ في القراءةِ والقنوتِ حتى لو أدركَ ثالثةَ الوترِ قنَتَ مع الإمامِ ولا يقنُتُ فيما يقضي بالإجماع.
مسبوقٌ بركعةٍ، ولاحقٌ في ركعتين بأنْ نامَ فيها، ومُدرِكٌ في ركعةٍ بأن انتبهَ فيها، يصلِّي أولاً لاحقاً ثم مدركاً ثم مسبوقاً، ولو لم يفعلْ هكذا جازَتْ صلاتُه؛ بناءً على أنَّ الترتيبَ في أفعال الصَّلاة ليس بشرط عندنا.
المسبوقُ في أيِّ حالٍ أدرك الإمامَ يتابعُه ولا يأتي بالثناءِ ويتابعُه في التشهُّد ولا يتابعُه في الدعوات بل يسكتُ وهو الأصحُّ.
ولو أدرك الإمامَ في الركوعِ وشاركَه فيه صارَ مُدركاً للركعةِ، وكذا لو أدرك الإمامَ في القيام ولم يركعْ معه حتى رفَع رأسه ثم يركع.
ولو كبَّر والإمامُ راكعٌ، ووقفَ حتى رفعَ الإمامُ رأسَه لم يدركِ الركعة؛ لأنَّ الإقتداءَ مشاركةٌ في الفعلِ ولم توجَد المشاركةُ في أكثرِ الركعة.
ولو أتى الإمامَ وهو ساجدٌ فكبَّر يتبعُه في السجدةِ، فإنْ لم يشاركه فيها حتى رفع الإمامُ رأسَه يتبعُه في السجدة الثانية ما لم يركَعِ الركعةَ الأخرى إلا إذا خافَ فَوْتَ الركوعِ الثاني، فإنه لا يأتي بالسجدةِ الثانية ولا يأتي بالسجدةِ الأولى، وإن لم يخَفْ فوت الركوع،
ولو أتى بالركوعِ وتابعَ الإمامَ في السجدتَيْن لا تفسدُ صلاتُه.
مُصَلٍّ رفع رأسَه من الركوعِ فقرأ فاقتدى به رجلٌ، ثم عَلِمَ أنه كان قرأها ثم ركعَ ثانياً لم يدركِ المسبوقُ هذه الركعة.
ولو أطالَ الإمامُ السجودَ، فرفعَ المقتدي رأسَه فسجدَ ثانياً، تكون عن الأولى إلا إذا نوى الثانيةَ لا غير، تكون عن الثانية فإنْ شاركه الإمامُ فيها جاز.
وكذا لو ركع قبل رَفْعِ الإمامِ رأسَه عن الثانيةِ، فإن شاركَه الإمام فيها جاز وكذا لو ركع قبل إمامهِ فأدركَه فيه.
ورُويَ عن أبي حنيفةَ - رحمه الله -: لو سجدَ المُقتدي قبْلَ رفعِ الإمامِ رأسَه من الركوعِ ثم أدركَ الإمامَ فيها لا يُجزئه، وعن أبي يوسف - رحمه الله -: أنه يُجْزئه.
ولو أطال المؤتمُّ السجودَ، فسجدَ الإمامُ الثانية، فرفعَ المؤتمُّ رأسَه فظنَّ أنَّ الإمامَ في السجدة الأولى فسجدَ ثانياً يكونُ عن الثانية، وإن نوى الأولى لا غيرُ.
المقتدي يركَعُ مع الإمامِ ويسجدُ سجدةً قبْلَه وأخرى معه هكذا فعلَ في ركعتَيْن فعليه أن يسجُدَ سجدتَيْن إلا أن ينويَ إحدَاهما من الركعةِ الثانية قضاءً عن الأولى فعَليه سجدةٌ واحدة.
باب
مخالفة المقتدي إمامه وما يلزمه موافقته
«المبسوط»: أصله أن الاقتداءَ في موضع الانفراد وإن كان في ركنٍ واحدٍ يُفسد الصَّلاة؛ لأن الاقتداءَ متابعةٌ والانفراد أصالةٌ وبينهما مضادة، والمتابعة تحقق في ركن واحدٍ فبطلت الأصالة. والانفرادُ في موضعِ الاقتداءِ لا يفسد الصَّلاة إلا بركعة تامة؛ لأنَّ المتابعةَ لا تفوتُ بالانفراد بركن واحدٍ؛ لأنه يأتي بعد الإمام ما فاته مع الإمام كلاحق، وكان المفسدُ للصَّلاةِ شروعَه في صلاة أخرى.
ولو قضى المسبوقُ ما فاته قبل أن يقعُدَ الإمام قَدْرَ التشهد لم يجز.
وذكر في «النوادر»: إنْ قرأ بعد ما قعد الإمامُ قَدْرَ التشهُّدِ ما تجوزُ به الصَّلاة، أو كان مسبوقاً بثلاثِ ركعاتٍ فقامَ بعد قعودِ الإمامِ، أجزأه وإلّا فلا.
ولو أنَّ المقتدي رفعَ رأسَه من الركوع والسجود قبل الإمام ينبغي أن يعود متابعةً لإمامه.
ولو كبَّر المسبوقُ ينوي الاستقبال، يخرجُ من صلاته.
وكذا لو كان في المكتوبةِ، فكبَّر ينوي النافلة، أو كان في النافلةِ فكبَّر ينوي المكتوبة، أو في الظُّهرِ فكبَّر ينوي الجمعة، أو على عَكْسِه يخرجُ عن الأولى.
ولو شكَّ المُصلِّي في تكبيرةِ الافتتاحِ، فأعادَ التكبيرَ ثم علِمَ أنه كَبَّر لا يكونُ قطعاً لصلاته.
«النوادر»: وإذا صَلَّى من المغربِ ركعةً، فظنَّ أنه لم يُكبِّر فكبَّر ثانياً، وصلى ثلاثاً فصلاتُه جائزة.
وإذا صلَّى ركعتَيْن، ثم كبَّر ثانياً وصلى ثلاثاً فسدت صلاته.
وكذا في ذوات الأربع صلى ركعةً ثم كبر وصلَّى أربعاً فسدت، وإن صلى ركعتين ثم استأنف جازت.
ولو قعد الإمامُ في الثانية وقام المقتدي يعود ويقعد وإن فاته الركوع، وكذا لو قام الإمامُ إلى الثالثة، ولم يُتمَّ المأمومُ تشهُّدَه يُتمَّه، وكذا إن فاتَه الركوع، ولم يُسلِّمِ الإمامُ، أو تكلَّم في آخرِ صلاته، والمُقتدي لم يقرأ التشهُّدَ قرأه، وإن أحدثَ عمداً لم يقرأه.
ولو قام خلْفَ إمامهِ حين افتتح، وترك الإمامُ سجدةً من الركعة الأولى، وقضاها في الثانية ولم يقعد فيها، ثم انتبه وعلم بذلك، فإنه يسجدُ تلك السجدةَ في محلِّها من الركعة الأولى، ولا يقعد تحقيقاً للمتابعة.
ولو نام خلْفَ إمامِه، فانتبه وقد سجدَ الإمامُ سجدةَ تلاوةٍ، فظنَّ أنه ركعَ وسجدَ، فركع هذا الرجلُ وسجدَ يريدُ إتباعَ الإمامِ، لا تفسدُ صلاتُه، وإن سجدَ أخرى فسدت.
بابُ
الرجلِ يدركُ الفريضةَ في جماعة
«المبسوط»: أصلُه أنَّ نَقْضَ القُربةِ للإكمالِ جائز؛ لأنه إكمالُ معنىً كهَدْمِ المسجدِ لإصلاحه.
والصَّلاةُ بالجماعةِ أفضَلُ وثوابُه أجزلُ بسبعٍ وعشرين درجة على صلاةِ الفردِ فجاز القطعُ لإحرازِها وإكمالها.
أصاب جَبْهتَه شوكٌ في سجودِه، فرفعَ ثم وضعَ، لم يجعل سجدتين فكذا هذه.
رجلٌ صلّى ركعةً من الفجر، ثم أُقيمت قطعَها ما لم يُقيِّد الثانيةَ بسجدة فإن قَيَّدها بسجدةٍ أتمَّها وخرج.
وفي الظهرِ يقطَعُها ما لم يُقيِّد الأولى بسجدة وإن قَيَّدها بسجدةٍ أضافَ إليها ركعةً أخرى، ثم يُسلِّمُ وتكونُ الركعتانِ تطوعاً، ويدخل معهم في الفريضة.
ولو قامَ إلى الثالثةِ وركعَ قطعَها قائماً بتسليمةٍ واحدةٍ، وهو الصحيح.
ولو سجدَ في الثالثةِ أتمَّها، ويدخلُ معهم تطوعاً، وكذلك في العصر وفي العشاءِ غير أنه لا يدخلُ معهم تطوُّعاً في العصر، وفي المغربِ يقطَعُها ما لم يُقِّيد الثالثةَ بسجدة، فإنْ قَيَّدها بسجدةٍ أتمَّها، ولا يدخلُ معهم، فإن فعل لزِمَه أربعٌ وهو مسيء.
وفي سُنَّةِ الظهرِ لا يقطَعُها، وهو الأصحُّ؛ لأنَّ هذا القطعَ ليس لإكمالها فبقي إبطالاً حقيقةً، وإبطالُ القُربةِ حرامٌ بالنص، فإن قطعَها قضى ركعتين، وعلى قياسِ قول أبي يوسفَ - رحمه الله -: يقضي أربعاً وفي التطوُّعِ إذا أقيمت المكتوبةُ أتمَّ الشفعَ الذي فيه ولا يزيدُ عليه.
ولا يتطوَّعُ إذا أخذَ المؤذنُ في الإقامةِ إلا ركعتي الفجرِ فإنه يُصلِّيها إذا كان يرجو إدراكَ ركعةٍ من الفجر بجماعةٍ وإن خشيَ أن تفوته الركعتان دخل مع الإمام، وإن كان يرجو إدراكَ القعدةِ، قيل: يُصلِّي ركعتي الفجر عندهما خلافاً لمحمد.
ثم الأفضلُ أن يُصلِّي ركعتي الفجر وسائرَ السننِ في المنزل، ثم يؤدِّي خارجَ المسجد عند بابه، فإن تعذَّر يُصلِّيها خلْفَ ساريةٍ ثم خلْفَ الصف من غيرِ حائل.
وأشدُّ الكراهة أن يُصلِّيها مخالطَ الصفِّ مخالفاً للجماعة ثم أشدُّ الكراهةِ أن يُصلِّيهما خلْفَ الصف من غيرِ حائلٍ بينه وبين الصف.
رجلٌ دخل مسجداً قد أُذِّن فيه، يُكْرهُ له أن يخرجَ حتى يصلِّي، فإن كان رجلاً مؤذناً أو إمامَ مسجدٍ ويتفرَّقُ الجماعةُ بسببِ غَيْبته فلا بأسَ بالخروج، فإن كان قد صلى مرةً، وفي الظُّهرِ والعشاءِ لا بأسَ بالخروج ما لم يأخذِ المؤذِّنُ في الإقامة، فإن أخذ في الإقامةِ لم يخرجْ حتى يصلِّيها تطوُّعاً، وفي غيرِها يخرج، وإن مكثَ ولم يدخلْ معهم يُكره، والله أعلم بالصواب.
بابُ
قضاءِ المتروكِ في صلاته
القيامُ والركوع، والقعدةُ، بعد فواتهِ لا يُقْضى؛ لأنه يشرع قربةً بإنفراده.
والقراءة، والسجدةُ الصُّلْبِيةُ وسجدة التلاوة تُقْضى مادام في صلاته.
ولو تركَ القراءةَ في الأُوليَيْن يَقْضيها في الأُخريَيْن.
ولو ترك الفاتحةَ في الأوليَيْن، إن شاءَ قرأها في الأخريَيْن ولم يكن قضاء.
وإن ترك السورةَ في الأوليَيْن يَقْضيهما في الأُخريَيْن ويجهَرُ بهما وهو الأصحُّ.
ولو ترك القراءةَ في إحدى ركعتي الفجر، أو في الأوليَيْن من المغرب تفسدُ صلاته.
ولو تركَ السورةَ فذكرها قبلَ السجودِ عاد وقرأها، وكذا لو تركَ الفاتحةَ فذكرها قبل السجودِ قرأها ويُعيدُ السورة.
ولو تركَ القُنوتَ في الركوعِ لا يعود، وعند أبي حنيفةَ - رحمَه الله -: أنه يعود، ومتى عاد إلى واحدٍ من هذه الأشياء يعيدُ ركوعَه.
ولو ذكرَ في ركوعه أو سجودهِ سجدةً صُلبية أو تلاوة يقضيها، ولا يعيد ركوعَه، ولكن يُستحبُّ أن يُعيد؛ لأنَّ جميعَ وقتِ الصَّلاة لأدائها فلا حاجةَ إلى رفضِ ركوعه فلا يرتفضُ بخلافِ الأول؛ لأنَّ العوْدَ إلى إقامةِ تلك الواجبات يوجبُ ارتفاضَ الركوع؛ لأنَّ محلَّ أدائِها قبلَ الركوعِ فارتفضَ الركوعُ ليلتحقَ الواجباتُ بمحلها.
ولو نهضَ إلى الثانية أن استتمَّ قائماً لا يعود، وإن لم يستتمَّ يعود.
ولو ترك قراءةَ التشهُّدِ الأول وقام لا يعود، وفي التشهُّدِ الأخِيرِ يعود.
مريضٌ صلى قائماً، فقرأ في حالِ التشهد، فالقراءةُ تقوم مقامَ القيامِ ولا يعيدُ التشهد، وإن قرأَ في حالِ التشهُّدِ الأخير يعودُ إلى التشهدِ كما في الصحيح.
ولو قام إلى الثالثةِ من الوترِ ولم يقعُدْ لا يعود.
ولو تركَ القنوتَ قبل أن يستتمَّ راكعاً في الثالثة يعود ويقنُت.
ولو تركَ سجدةً من ركعةٍ قضاها وحدَها قبل السَّلام وتمَّتْ صلاته.
ولو ذكرَ سجدتَيْن من ركعتين بدأ بالأولى، وكذلك إن كانت إحداهُما تلاوة.
ولو تركَ سجدتَيْن من الفجرِ سجدَ سجدتين أولاً، ويقعدُ بعدَهما يقضي ركعةً ويتشهد؛ لأنه محتملٌ أنه تركَهما من ركعتين فيلزَمُه قضاؤها لا غير، ويحتمل أنه تركَهما من ركعةٍ واحدة ولا تكون الركعةُ معتدةً في صلاتِه لوقوعها قبل السجودِ، فلزمَه قضاءُ ركعةٍ، ويجمَعُ بينهما احتياطاً. وتقديمُ الركعةِ على السجدة يُفْسدُ الصَّلاة لو كان عليه سجدتان؛ لأنه اختلطَ النافلةُ بالمكتوبة قبل إتمامِها فيؤخرها.
ولو تركَ ثلاثَ سجداتٍ سجدَ ثلاثَ سجدات ويتشهَّدُ ثم يصلِّي ركعةً، ويتشهد
ولو ترك سجدةً من ركعةٍ، ثم سجدَ سجدةَ تلاوةٍ عليه لم يُجْزِه عن الصُّلبيةِ.
ولو ظن أنَّ عليه سجدةَ تلاوةٍ فسجدَ، وليسَتْ عليه أجزأته عن الصُّلْبية إذا لم يتخلَّلْ بينهما ركعةٌ تامةٌ كالسجدةِ في الرابعة، وكذا لو سلَّم وعليه سَهْوٌ فسجدَ ثم تذكَّر أنه ترك سجدةً صُلبيةً يُجزيه عن الصلبية إذا لم يتخلَّل بينهما بركعة إلا في روايةٍ عن أبي يوسفَ - رحمه الله -، وكذا لو ذكر قبل الخروجِ من المسجد سجدةً صُلبيةً عاد إلى صلاتِه وسجدَه.
وإن خرجَ من المسجدِ يَسْتقبلُ.
ولو سجدَ في ركعةٍ ولم يركَعْ لم يعتَدَّ بها، ولو ركع ولم يسجُدْ ثم سجدَ في ركعة ولم يركَعْ كانت ركعةً واحدةً؛ لأنَّ السجدةَ التحقَتْ وانضمَّتْ إلى القيامِ الأول وركوعِه ولم يسجُدْ في الأولى والثانية، وسجدَ في الثالثة ولم يركَعْ صار مُصلِّياً ركعةً واحدةً، والمعتدُّ به هو الركوعُ الثاني دونَ الأولِ على رواية، وعلى رواية: المُعتَدُّ به هو الركوعُ الأول.
وذكر في «النوادر»: لو تَشهَّد في الثانية وقام، ثم تذكَّر أنه ترك سجدةً من الأولى فسجدَها لم يُعِدِ التشهُّد؛ لأنه يكون قضاءً، وإن كانت السجدةُ في الثانية أعادَ التشهُّد، وكذا لو تركَ سجدةً من الأولى وأُخرى من الثانية يسجدهما، ويُعيدُ التشهد؛ لأنَّ إحداهما تكون أداءً فيَرتفضُ القيامُ والتشهُّد، فحصلَ الأداءُ في محلِّه.
ولو ركعَ مع الإمامِ ولم يقدِرْ على السجود، فركعَ مع الإمام ثانياً، ثم سجد أربعاً لهما يكونُ السجدتانِ منهما للركوع الأول ويعيد الركعة الثانية كلها.
ولو تركَ القراءة في الأولى وتركَ السجدةَ في الثانية، وتركَ الركوعَ في الثالثة، وتركَ سجدةً في الرابعة، فعليه قضاءُ سجدتَيْن وركعة؛ لأنه صلَّى ثلاثَ ركعاتٍ بغيرِ سجدتَيْن من ركعتَيْن فقد يُقِّيدُ كلَّ ركعةٍ بسجدةٍ فوقعَتْ معتداً بها فيقضي سجدتين منهما لها وركعةً إتماماً لصلاته.
بابُ
قضاءِ الفائتة
«المبسوط»: أصلُه قوله - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ تذكَّرَ صلاةً وهو يُصلِّي مع الإمام فليصلِّ التي هو فيها، ثم ليقضِ التي تذكَّر، ثم ليُعِدِ التي صَلَّى مع الإمام»، مراعاةُ الترتيبِ بين الفائتةِ والوقتيةِ شرطٌ حتى لا يجوزَ أداءُ الوقتيةِ قبلَ قضاءِ الفائتة.
ويسقطُ الترتيبُ عند النسيان، وضيقِ الوقت، وكَثْرةِ الفوائت، وحَدُّ الكثرة في ظاهر الرواية فواتُ سِتِّ صلواتٍ عن وقتها.
ولو كان على رجلٍ فوائتُ قديمةٌ لا يضُمُّ القديمةَ إلى الحديثة، ويجعلُ القديمةَ كأن لم تكن، وهو اختيارُ مشايخنا؛ زجراً له عن التهاون.
ويسقطُ الترتيبُ أيضاً في القضاء حتى إنَّ من ترك صلواتِ شهرٍ، ثم قضى ثلاثين فجراً، ثم قضى ثلاثين ظهراً، هكذا صَحَّ، ومتى سقط الترتيبُ لم يُعِدْ في أصحِّ الروايات حتى لو تركَ صلواتِ شهرٍ فقضاها إلا صلاةً، ثم صلَّى الوقتيةَ وهو ذاكرٌ لها جاز.
رجلٌ لم يُصَلِّ الفجرَ، وصلَّى بعدَها أربعَ صلواتٍ من كلِّ يوم شهراً، أو صلَّى الفجرَ شهراً ولم يُصلِّ سائرَ الصلوات فالأصحُّ أنه يُجزيه الصلواتُ الأربعُ من كل يوم إلا في اليومِ الأول، ويُجزيه كلُّ فجرٍ إلا الفجرَ الثاني.
لأنَّ الترتيبَ متى سقطَ لا يعود.
ولو صلَّى الفجرَ وهو ذاكرٌ أنه لم يُوتِرْ فهي فاسدةٌ عند أبي حنيفة - رحمه الله - وعندَهما جائزة.
ولو تذكر فائتةً في تطوُّعه لم يفسُدْ تطوعه، ومن ترك صلاةً واحدةً ثم صلَّى شهراً وهو ذاكرٌ لها أعادها خاصةً عند أبي حنيفةَ - رحمه الله -، وعندَهما يُعيدها ويوماً وليلة.
وكذا لو ترك خمْسَ صلواتٍ، ثم صلَّى السَّادسةَ فهي موقوفة حتى لو أدَّى السَّابعةَ جازت، ولم يُعِدِ السَّادسةَ عند أبي حنيفة - رحمَه الله ـ، وعندَهما يُعيدها.
ولو صلَّى العصرَ وهو ذاكرٌ أنه لم يُصَلِّ الظهر، وهو يظنُّ أنه يُجزيه يُعيدها، ولو أعادَ الظُّهْرَ ولم يُعِدِ العصرَ وصلَّى المغربَ أعادَ العصرَ ولم يُعِدِ المَغْرب.
«النوادر»: لو صلَّى الظهرَ على ظنِّ أنه متوضِّئ، ثم توضأ وصلَّى العصر ثم تَبيَّن يُعيدُ الظهرَ خاصةً.
وعند محمدٍ - رحمه الله -: لو تركَ صلاةَ يومٍ وليلة، وقضى من الغدِ مع كل صلاةٍ صلاةً، فالفوائتُ كلُّها صحيحةٌ قدَّمها أو أخَّرها، والوقتيةُ إن قدَّمها فهي فاسدةٌ كلُّها، وإنْ أخَّرها فهي فاسدةٌ إلا العشاءَ الأخيرة.
ولو افتتح العصرَ وهو ذاكرٌ أنه لم يُصَلِّ الظهرَ، ويخافُ أنه لو قضى الظهرَ لوقعَ العصرُ في وقتٍ مكروه، فالأصحُّ أنه يسقطُ الترتيب؛ لأنَّ الأداءَ في وقتٍ مكروهٍ منهيٌّ عنه، فيكونُ في تقديمِ الفائتة نقصانُ الوقتيةِ، فيكونُ حراماً.
ولو افتتحَ الصَّلاة في وقتٍ مُستحَبٍّ وهو ذاكرٌ للفائتةِ وأطالَ حتى ضاقَ الوقتُ لا يُجزيه المؤدّى وهو الصحيح.
ولو صلى ركعةً من العصرِ، ثم غربَتِ الشمسُ فتذكَّر أنَّ الظهرَ عليه يُتمُّ عَصْرَه ويُجزيه والله أعلم.
بابُ
الشكِّ في الفوائت
رجل ... تركَ الظُّهرَ والعصرَ من يومَيْن، ولا يَدْري أيتهما أوَّل، تحرَّى على أكثرِ رأيه فإنْ لم يكن له رأيٌ يعيدُ إحدَاهما مرتين، يبدأ بالظهرِ ثم بالعصرِ ثم بالظهرِ عند أبي حنيفةَ - رحمه الله -، وقالا: لا نأمرُهُ إلا بالتحري.
ولو شكَّ في ثلاثِ صلواتٍ: الظهرِ من يوم، والعصرِ من يوم، والمغربِ من يوم، وكذا لو فاتَته أربعُ صلواتٍ من أربعةِ أيَّام، فالأصحُّ أنه يسقطُ الترتيب؛ لأن قضاءَ هذه الصلوات يؤدِّي إلى فواتِ الوَقْتية عن وقتِها؛ وذلك لا يجوز.
ولو تركَ صلاةً واحدةً من يومٍ وليلة، وسجدةً من صلاةٍ ولا يَدْري أيَّ صلاةٍ هي، أعاد صلاةَ يومٍ وليلةٍ احتياطاً.
وكذا لو نسي صلاتَيْن من يومَيْن ولا يدري أيتهما أعادَ صلاةَ يومين.
«النوادر»: رجلٌ صلَّى الغَداةَ، ثم توضَّأ ثانياً، وصلَّى الظُّهر، ثم تذكَّر أنه تركَ مَسْحَ الرأسِ من إحدى الطَّهارتَيْن، ولا يدري من أيَّتهما تركَ، فإن كان أحدثَ بين الطهارتَيْن، فإنه يُعيدُ الفجرَ والظهرَ جميعاً احتياطاً، وإن لم يُحدثْ فيما بينهما يعيدُ الفجرَ دونَ الظهر؛ لأنه صلى الظُّهْرَ على طهارتَيْن.
ولو شكَّ في الظهر: أنه هل صلَّى الفجرَ أم لا فلما فرَغ تبيَّن أنه لم يُصَلِّ الفجرَ يُعيدُ الفجرَ ثم الظهرَ كالمُتيمم إذا رأى في صلاتِه سراباً.
ولو شكَّ في صلاة: أصلاها أم لا؟ فإن كان في الوقت يعيدها وبعد الوقتِ لا يعيدُها.
ولو صلَّى خَمْسَ صلواتٍ ثم علِمَ أنه لم يقرأْ في الأوليَيْن من إحداهن ولا يَدْري أيَّتهنَّ لا يُعيدُ إلا الفجرَ والمغربَ.
ولو شكَّ في إتمامِ صلاتِه، فأخبرَه عَدْلانِ: أنك لم تُتمِّم الصَّلاة تجبُ الإعادة، وبقولِ الواحدِ لا تجبُ الإعادة استحساناً؛ لأنَّ هذه شهادةٌ على الغيرِ بلزومِ حُكمِها للغير دون المخبر.
رجلٌ أمَّ قوماً شهرَيْن أو أكثر ثم قال: كان في ثوبي قَذَرٌ يُعيدون الصَّلاةَ إلا أن يكون ماجناً.
مسلمٌ صلَّى الفجرَ ثم ارتدَّ والعياذُ بالله، ثم أسلمَ في الوقت، أو حَجَّ حِجَّةَ الإسلام، ثم ارتدَّ، ثم أسلمَ فعليه إعادتُه.
ولو أسلم المرتدُّ لا يلزَمُه قضاءُ ما تركَ من العباداتِ في حالِ رِدَّتِه.
ومَنْ أسلم في دارِ الحرب، ولم يُصَلِّ مُدةً لجَهْله بوجوبِها ثم خرجَ لم يؤمَرْ بالإعادة، ولو كانَ في دارِ الإسلام يؤمَر بالإعادة، فإنْ بلَّغه رجلٌ في دارِ الحرب يلزمُه الواجب، والله أعلمُ بالصواب.
بابُ
سجودِ السهو
«المبسوط»: سجودُ السهوِ واجبٌ في ظاهرِ الرواية، فلا يجبُ إلا بتركِ الواجبِ أو بتغييرهِ ساهياً، أو بالزيادةِ والنقصانِ فيها، ولا يجبُ بتركِه ولا بتغييرِه متعمِّداً لأنها شُرِعَتْ لجَبْرِ النُّقصانِ نظراً للمعذورِ لا للمتعمد.
ولو قعدَ فيما يُقام، أو قام فيما يُقعد، أو قَدَّم السورةَ في الأوليَيْن على الفاتحة، أو تركَها في الأوليَيْن، أو إحداهما، أو أخَّر القراءةَ عن الأوليَيْن، أو تركَ القنوتَ، أو قراءةَ التشهد، أو تكبيراتِ العيدَيْن، أو زادَ سجدةً، أو ركوعاً، أو نَحْوَ ذلك لزِمَه سجدتا السهو.
ولا يجبُ بتْركِ السنةِ ساهياً ولو نهضَ في الثانيةِ ساهياً ولم يستتمَّ قائماً، أو قامَ على رُكبتَيْه لينهضَ قبل أن يقعُد للتشهُّدِ قعدَ وسجدَ للسهو.
ولو خافتَ الإمامُ فيما يجهَر، أو جهَر فيما يُخافت لزِمَه السهو، وروى الحسَنُ عن أبي حنيفة ... - رحمَه الله -: إذا جهرَ أو خافتَ مقدارَ ما تجوزُ به الصَّلاة يلزَمُه السهوُ وإلّا فلا، وهو الأوجه، وإن كان وَحْدَه لم يلزَمْه السهو.
ولو شكَّ في شيءٍ من صلاتهِ فتفكَّر، واستيقن لا يلزَمُه السهو إلا إذا طالَ تفكُّرهُ حتى شغَله عن فِعْلِه فأخَّره كالسَّلامِ وغيرهِ يلزَمُه السهو.
ولو تذكَّر في آخرِ صلاتِه سجدةَ تلاوةٍ، وجبَتْ عليه فيها، أو سلَّم ساهياً عنها يلزَمُه السهو، وفي روايةِ «النوادر»: لا يلزَمُه.
«المنتقى»: لو قرأْ "الحمد" في الأوليَيْن مرتَيْن، أو قرأ أكثرَها ثم عادَ فيها ساهياً يلزَمُه السهو.
ولو قرأْ "الحمْدَ" في الأُخريَيْن مرتَيْن لا يلزَمُه السهو.
ولو قرأ "الحَمْد" في الأوليَيْن، ثم السورةَ ثم "الحَمْد" لا يلزَمُه السهو، وصارَ كأنه قرأ سورةً طويلةً.
ولو قرأ بعضَ السورة، ثم تذكَّر أنه لم يقرأ "الفاتحة" فإنه يقرأُ "الفاتحة" ثم السورةَ ويلزَمُه السَّهو، ولو قرأ أكثرَ الفاتحةِ ونسيَ بَقيَّتها لا يلزَمُه السهو.
ولو تركَ الأكثرَ منها يلزَمُه.
ولو قرأ في الأُخريَيْن "الفاتحة" والسورةَ لا يلزَمُه السهوُ وهو الأصحُّ.
ولو قرأ في ركوعِه أو سجودِه أو تشهُّده، فبدأَ بالقراءةِ ثم بالتشهُّد يلزَمُه السهو، هذا إذا بدأ بالقراءة ثم التشهد وإن بدأ بالتشهدِ ثم بالقراءة فلا سَهْوَ عليه.
ولو تَشهَّد في ركوعِه أو سُجوده لا يلزَمُه السهو، وعن محمدٍ - رحمه الله -: لو تشهَّدَ في قيامِه قبل قراءةِ الفاتحةِ لا يلزَمُه السهوُ، وبعدها يلزَمُه.
ولو تشهَّد في الأُخريَيْن لا يلزَمُه.
ولو تشهَّدَ مرتَيْن لا يلزَمُه السهو.
ولو تركَ بعضَ قراءةِ التشهُّدِ يلزمه.
ولو نسي قراءةَ التشهدِ في القعدةِ الأخيرةِ ثم تذكَّر قبل السلام، فقرأ فعن أبي يوسفَ - رحمه الله - روايتان إحداهما: إنه يلزَمُه السهو، والأخرى: لا يلزمُه.
فصلٌ
فيما يتابع المقتدي إمامة في السهو ومالا يتابعه
ولو سها الإمامُ يجبُ على المُقتدي أيضا، ولو سها المُقتدي لا يجبُ عليه.
اللاحقُ لا يسجدُ لسهوهِ فيما يقضي، والمسبوقُ يسجدُ لسَهْوهِ فيما يقضي.
ولو سها إمامُه سجدَ المسبوقُ معهُ ولا يُسلِّم، كانَ معهُ حالةَ السهوِ أو لم يكن، ولا يُعيدُ في آخرِ صلاته، فإن لم يسجُدْ حتى قضى ما فاتَه سجدَها استحساناً.
ولو سها فيما يقضي كَفاه سجدتان.
وإن سجدَ مع الإمام ثم سها فيما يقضي يلزمُه ثانياً، واللاحقُ إذا سجدَ للسهوِ مع الإمام لا يُعتَدَّ به، ويسجدُ في آخر صلاته.
ولو أدرك الإمامَ في السجدتَيْن أو في إحداهما سجد معه ولم يقضِ الأولى، وكذلك لو دخلَ بعد ما سجدَهما الإمامُ لم يَقْضِهما.
ولو ترك الإمامُ سجودَ السهوِ فلا سجودَ على المأموم.
ولو سها الإمامُ، ثم قدَّم مسبوقاً أتمَّها إلا السَّلام فإنه يُقدِّمُ رجلاً أدرك أوَّل الصَّلاة فيُسلِّم ويسجدُ للسَّهو وسجد معه المسبوق.
فإن لم يكن فيهم من أدرك أوَّلَ الصَّلاة، قامَ كلُّ واحدٍ إلى قضاءِ ما سُبِقَ به، ويسجدُ كلُّ واحدٍ لسهوهِ في آخرِ صلاته.
أحدث الإمام وقد سها، فسها خليفتُه أيضاً كَفاه سجدتان، ولو سها الثاني لا غير لزِمَه السجود ويسجدُ للسهوِ بعد السَّلام ولو سجدَ قبله لا يعيد.
ورُويَ عن أصحابِنا أنه يُعيدُ، ويُسلِّم تسليمةً واحدةً عن يَمينه وهو الأصوب، وقيل: يُسلِّم تسليمتَيْن، وينبغي أن لا يَنْحرفَ في هذا السلام، ثم يُكبِّر ويخِرَّ ساجداً.
ويُسبِّحُ في سجودهِ ثلاثاً ثم يرفَعُ رأسه ويفعلُ ثانياً كذلك ثم يتشهَّد ويأتي بالدعاء في التشهد الثاني لا في الأوَّل، وقال الطحاوي: يدعو في التشهُّدَيْن.
ولو سها مراراً كفاهُ سَجْدتان.
ولو سها بعد ما سلَّم تسليمةً واحدةً، أو في سجودِ الثاني فإنْ شَكَّ فيه فتحرَّى لم تجبِ السجدة.
ولو أحدَث الإمام وقد سها فسها خليفته أيضا كفاه سجدتان.
ولو سها الثاني لا غير لزمَه السجود.
ولو سَلَّم وعليه سَهْوٌ ففعلَ ما يقطعُ الصَّلاة لم يسجد.
وسلامُ السَّاهي لا يقطعُ التحريمةَ، ويسجدُ للسهو، وسلامُ العَمْدِ يقطع.
مصلِّي الظهرِ، سلَّم على ظَنِّ أنه أتمَّها فتذكَّر بعد ما انحرفَ عن القبلة قبل الخروج من المسجد، بنى.
ولو صلَّى العشاءَ ركعتَيْن، فظنَّ أنها ترويحة فسلَّم، أو صَلَّى الظهرَ ركعتَيْن فظنَّ أنها الجمعة فسلَّم، يتمُّ صلاته عندَهما خلافاً لمحمد.
ولو سلَّم وهو ذاكرٌ لسجدةِ التلاوة، أو قرأ التشهُّد ناسياً للصُّلبيَّة تفسدُ صلاته، وكذا لو سَلَّم وعليه سجدةٌ صُلبيةٌ وقراءةُ التشهدِ وهو ذاكرٌ لأحدِهما ناسٍ للأُخرى سلَّم واقتدى به.
رجلٌ ظنَّ أنَّه في الصَّلاة، ثم تذكَّر الإمامُ سجدةَ التلاوة، أو قراءةَ التشهد، فتكلَّم الإمامُ فهو مُقتدٍ به، ولو تذكَّر سَهْواً عليه فسجدَ له، فالداخلُ مقتدٍ به، وإن لم يسجُدْ فلا، وقال محمدٌ ... - رحِمَه الله -: هو مُقْتدٍ به بكل حالٍ بناءً على أنَّ سلامَ من عليه السهوُ يُخرجُه عن حُرمة الصَّلاة خروجاً موقوفاً عندهما، وعند محمدٍ - رحمه الله -: لا يُخرجُه؛ حتى لو قَهْقه أو نوى المسافرُ الإقامةَ قبل أن يعودَ إلى السُّجودِ لا ينتقضُ الوضوء، ولا يتغيَّرُ فَرْضُه، ويسقطُ عنه السجود خلافاً لمحمدٍ - رحمه الله -، وإن سجدَ لسهوٍ، ثم نوى الإقامةَ يتمُّها أربعاً ويسجُدُ في آخرِها للسهو.
مُصلِّي الظهرِ، سَلَّم على ظنِّ أنه أتمَّها، فتذكَّر بعد ما انحرفَ عن القبلة قبل الخروجِ من المسجدِ يبني إلا في روايةٍ عن محمد - رحمه الله -؛ لأنه سلَّم على عزيمةِ الإتمام لا على عزيمةِ التركِ والرفضِ، فيكونُ سلامُه سَهْواً فلا يقطعُ التحريمةَ، بقيَ مجرَّدُ الانحرافِ من غيرِ قصدٍ، وذلك لا يُنافي الصَّلاةَ، فعلى هذا المُصلِّي لو حَوَّلَ وَجْهَه عن القبلةِ لا تفسدُ صلاتُه.
مسبوقٌ بثلاثِ ركعات، ولاحقٌ بركعةٍ وعلى إمامِه سَهْوٌ، فسلَّم الإمامُ وسجدَ، فإنه يقضي ركعةً بغيرِ قراءة، ويتشهَّدُ ويسجد للسهوِ؛ لأن ذلك موضعُ سجودِ الإمامِ، ثم يصلِّي ركعةً بقراءةٍ ويقعدُ ثم ركعتَيْن إحداهما بقراءةٍ.
ولو كان لاحقاً في ثلاث ومسبوقاً في ركعة سجد للسهوِ بعد الثالثة.
ولو سَلَّم المسبوقُ مع الإمامِ ساهياً مقارِناً له لا يلزَمُه السهوُ وإن سَلَّم بعْدَه يلزَمُه.
بابُ
مَنْ يعودُ إلى السَّهوِ ومَنْ لا يعود
وينبغي للمسبوقِ أن يمكُثَ ساعةً بعد سلامِ الإمام ثم يقومَ للقضاء.
ولو قامَ للقضاءِ، ثم تذكَّر الإمامُ سجدةَ السَّهوِ، فعادَ إليها فعليه أن يعودَ وإِنْ لم يُقَيِّدِ الركعةَ بالسَّجدة، وإن لم يَعُدْ لا تفسدُ صلاته، ولو قيَّدها بالسجدةِ لا يعود، ولو عادَ فسدَتْ صلاته.
وإن ذكرَ الإمامُ سجدةَ تلاوةٍ فعادَ يعود، وإن لم يعُدْ لم تفسد صلاته وإن قَيَّدَ ركعته بالسَّجدة بعد عَوْدِ الإمامِ إلى السَّجدة فسدَتْ صلاتُه، ولو قيَّدها بالسجدةِ قبل عَوْدِ الإمامِ، ثم عاد فإن تابَعه فسدَتْ صلاتُه وإن لم يُتابِعْه جازَتْ في عامَّةِ الروايات، ولا يأتي بالسجدةِ في آخرِ الصَّلاة؛ لأن ارتفاضَ القَعْدة بعَوْدِ الإمامِ إلى السجدة بعد انقطاعِ المتابعة فلا يظهرُ الارتفاضُ في حقِّ المقتدي بل بَقيَتْ مُعتَداً بها في حَقِّه كما لو سَلَّم وتفرَّقَ القومُ أو تكلَّموا، ثم ذكرَ سجدةَ التلاوةِ فسجدَها لم تفسُدْ صلاتُهم.
ولو تذكَّر الإمامُ سجدةً صُلْبيةً ولم يُقيِّد المسبوقُ الركعةَ بالسجدةِ يعود، وإن لم يعُدْ فسدَتْ صلاته، ولو قَيَّد تفسُدُ عاد أو لم يعد.
وإِنْ سجدَ الإمامُ للسهوِ في صلاةِ الخوف يسجدُ معه الطائفةُ التي معه، والطائفةُ الثانيةُ حالَ الفراغِ عن قضاءِ ما عليه.
وإنْ صلَّى الظهرَ خَمْساً، وقعدَ في الرابعةِ قَدْرَ التشهد، فإنْ تذكَّر قبل أن يُقيِّد الخامسةَ بالسجدةِ يعودُ إلى القَعْدة، وإن قَيَّدها لا يعودُ، ويضيفُ إليها ركعةً أخرى ويسجدُ للسهو في آخرِ صلاته والركعتانِ له تطوع، فإنْ شرعَ معه رجلٌ في السَّادسة يُصلِّي ركعتين عند أبي يوسفَ - رحمه الله -، وعند محمدٍ - رحمه الله -: يُصلِّي ستاً وهو الأصحُّ، فإن قطعَ المقتدي هذا النفل، قال محمد: لا شيءَ عليه، وقال أبو يوسف ـ رحمه الله -: يلزمُه قضاءُ ركعتَيْن وهو الأصحّ.
وهاتانِ الركعتانِ لا تُجزيان عن سُنَّة الظهر؛ لأنها ناقصة وكذلك في العصرِ والعشاء إلا أنَّ في العصر لا يُضيفُ إليها ركعةً أخرى عند بعضِهم، وروى هشام عن محمد - رحمَهم الله: أنه لا بأسَ به، ولو لم يقعُد في الرابعةِ إن لم يقيِّد الخامسةَ بالسجدةٍ يعود، وإنْ قَيَّدها فسدَتْ لكن كما وضعَ الجبهةَ عند أبي حنيفةوأبي يوسف ـ رحمَه الله ـ، وعند محمدٍ ـ رحمهم الله ـ: إذا رفعَ حتى لو سبَقه الحدَثُ في هذه السجدة بطلتْ صلاتُه عند أبي يوسف، وجازَتْ عند محمدٍ -رحمهم الله - فيتوضَّأ ويَبْني وهو المختار؛ لأنه لو تَمَّ قبل الرفعِ لا ينقضُه الحدَثُ أصلاً كما لو سبقَه الحدَثُ بعد الرفعِ ومع الحدَثِ لا يتحقَّقُ الرفعُ، فلا تتمُّ السجدةُ فلم ينتقلْ عن الفرض.
ومتى فسدَ الفرضُ انقلبَ الكلُّ تطوُّعاً عندَهما، وعند محمدٍ - رحمهم الله -: بطلَ أصلاً بناءً على أنَّ الفريضةَ متى فسدَتْ لا تنقطعالتحريمة عندهما خلافاً لمحمد - رحمهم الله -.
«المنتقى»:العَوْدُ إلى قراءةِ التشهُّدِ لا يرفضُ التشهد؛ لأنَّ محلَّها القعدةُ بخلافِ العوْدِ إلى سجدةِ التلاوة؛ لأنَّ محلَّها قبل القَعْدةِ فتُرتفضُ لتُلحَقَ بمَحلِّها.
ولو تابعَ المسبوقُ إمامَه في سجدتَي السهوِ، ثم تبيَّنَ أنه لم يكُنْ على الإمامِ سَهْوٌ، لم تفسُدْ صلاتُه؛ لأن كثيراً ما يقَعُ لجَهلةِ الأئمةِ فسقط اعتبارُ المُفْسِد هاهنا للضرورةِ وإن عَلم فسدت.
ولو قام الإمامُ إلى الخامسةِ فتابعَه المسبوق، إن كانَ الإمامُ قَعدَ في الرابعةِ قَدْرَ التشهُّدِ فسدتْ صلاةُ المسبوق وإن لم يقعد فلا تفسد.
إمامٌ لم يقعُدْ في الرابعةِ من الظهر، وقامَ إلى الخامسة وركعَ وتابعَه القومُ، ثم عادَ الإمامُ إلى القَعْدةِ، ولم يعلمِ القومُ حتى سَجدوا سجدةً لا تفسدُ صلاتُهم.
مسافرٌ صلَّى ركعتَيْن وقعد، ثم قام ساهياً فاقتدى به رجلٌ، ثم قطعَ الإمامُ صلاتَه قبل أن يركعَ ويسجُدَ فلا شيءَ على المُقتدي، وإن عاد إلى القَعْدةِ وسلَّم يلزمُه ركعتان والله أعلم.
بابُ
المُصلِّي إذا شكَّ فيما صلَّى
«المبسوط»: رجلٌ صلَّى، فلم يَدْرِ أثلاثاً صلَّى أم أربعاً؟ وذلك أوَّلَ ما سها يستقبل. وإن لقيهُ ذلك غير مرَّة تحرى ولا يستقبل.
فإنْ لم يكن له رأيٌ بنى على الأقلِّ، فجعلَها ثلاثاً ثم يقعُد في الموضعِ الذي يتوهَّم أنه آخِرُ صلاتِه ثم يضمُّ إليها ركعةً أخرى احتياطاً.
وإذا شكَّ بعد الفراغِ من الصَّلاة أنَّه صلَّى ثلاثاً أم أربعاً لا شيءَ عليه، ويجعَلُ كأنه صلَّى أربعاً؛ حملاً لأمرِه على الصلاح.
ولو شَكَّ في الفجرِ في القيامِ بين الأولى والثانية، يتمُّ الركعةَ ويقعدُ ثم يأتي بركعةٍ أُخرى احتياطاً.
ولو شكَّ أنه صلَّى ثِنتين، أو ثلاثاً، أو في ذواتِ الأربع أنه صلَّى أربعاً أو خمساً، فإنْ كان قائماً يقعدُ، ثم يُصلِّي ركعةً أخرى، وإن كان قاعداً يتحرَّى، فإن رأى أنها ثانيةٌ يُجزيه، وإن رأى أنها ثالثةٌ يتحرَّى أنه هلْ قعدَ على رأسِ الثانية؟ إن رأى أنه قعدَ يُجزيه، وإن لم يكُنْ له رأيٌ تفسُد؛ لجوازِ أنه تركَ القَعْدَة في الثانية.
ولو شكَّ في أركانِ الحجِّ، قال عامةُ مشايخنا: أنه يؤدِّي ثانياً؛ لأنَّ تكرارَ الركنِ والزيادةَ عليه لا تُفسدُ الحجَّ، وزيادةُ الركعةِ تُفسدُ الصَّلاة، فكان التحرِّي في بابِ الصَّلاة أحوط.
ولو شكَّ في صلاةٍ صلّاها قبلَ ذلك، فتفكَّر وطالَ تفكُّره، في رواية: لا سجدةَ عليه، وفي رواية: يلزَمُه السجدة.
رجلٌ صلَّى من الظهرِ ركعةً، ثم شكَّ أنَّها من العصر، ثم عَلِم لا سجدةَ عليه.
بابُ
سجدةِ التلاوة
سجدةُ التلاوةِ، واجبةٌ على التراخي. ويسجدُ في أربعةَ عشَرَ موضعاً: المص، والرعد، والنحل، وسبحان، ومريم، والحج في الأوَّل، والفرقان، والنمل، وألم تنزيل، وص، وحم السجدة والنجم، وإذا السماء انشقت، واقرأ.
وتجبُ بالسَّماعِ ممَّنْ تلاها وإن كان كافراً، أو صَبيَّاً عاقلاً، أو حائضاً، أو نفساء، أو جنباً، أو مُحْدِثاً، حتى لو قرأها مجنون أو طُوطِيّ أو نائم لا تجبُ على من سمعها، ولو قرأها سكرانُ تجبُ عليه وعلى مَنْ سَمِعَها.
ومَنْ لا تجبُ عليه الصَّلاةُ ولا قضاؤها كالحائضِ والنُّفَساءِ والكافرِ والمجنونِ والصبيِّ فلا سُجودَ عليه والجنبُ والمُحْدِثُ يجبُ عليهما.
ويُشترطُ لأدائِها جميعُ شرائطِ الصَّلاة من: طهارةِ الأحداثِ والأنجاسِ بدنَاً ومكاناً وثياباً، وسَتْرِ العورةِ، واستقبالِ القِبْلةِ ونحوِها.
وكلُّ ما يُفسدُ الصَّلاةَ من الكلامِ والحدَثِ العَمْدِ يفسدُ السجدة، وإن سبقَه الحدَثُ فيها توضَّأ وأعادها، ويُكبِّرُ رافعاً وساجداً ويُسبِّح فيها، ولا يُسلِّمُ بعْدَها، ويقولُ في سجودِه: سبحانَ ربِّيَ الأعلى ثلاثاً، وذلك أدناه، ولا يرفعُ السَّامعُ رأسَه قبل التالي.
ويُكرَهُ له ترْكُ آيةِ السجدةِ من سورةٍ يقرأُها، ولو قرأَ آيةَ السجدةِ من وسطِ السورةِ فالمستحبُّ أن يقرأَ معها آيات.
ويُكرهُ للإمامِ أن يقرأَها في صلاةٍ يُخافتُ فيها، ولو قرأَها يسجدُ القومُ معه وإن لم يَسمعوها،
ولو تلاها بالفارسية تجبُ على التالي والسَّامع جميعاً، فَهِمَ أو لم يفهم إذا أخبر له بالسجدة بالإجماع.
ولو تلاها بالعربيةِ تجبُ فهِمَ أو لم يفْهَمْ.
ولو قرأَ آيةَ السجدةِ بالهجاءِ لم تجب عليه السجدة، ولو فعل ذلك في الصَّلاة لم تفسد
ولو تلاها في صلاتهِ، إن شاءَركع وإن شاء يسجد ثم قام فقرأ، وعن أبي حنيفة - رحمه الله -: السجودُ أفضل.
ويتأدّى بالسجدةِ الصُّلْبيّة وينوي بها أداءَ سجدةِ التلاوة، ولو لم يَنْوِ لا يُجزيه نصَّ عليه في «النوادر».
ولو نوى في الركوع، قيل: يجوزُ وقيل: لا يجوز، وإن سجدَها لا يفتقرُ إلى النية ثم يقوم، ويُستحبُّ أن يقرأَ آياتٍ ثم يركع.
وروى الحسنُ عن أبي حنيفةَ - رحمه الله -: إن كانتِ السجدةُ في آخرِ السورة مثل الأعراف والنجمِ أو قريباً منه مثْلَ بني إسرائيل، وانشقت فركعَ أجزأه، وإن خرجَ إلى سورةٍ أخرى لم يُجْزِه.
وعن أبي يوسفَ: إذا قرأ بعد آيةِ السجدة ثلاثَ آياتٍ فصاعداً لم يُجْزِ الركوعُ بها، وإن كانَ أقلَّ من ذلك أجزأه. وهذه تدلُّ على أنه لا يجوزُ الركوعُ بها إلا بالنيةِ؛ إذ لو جاز بدونِ النيةِ لما فاتَتْ عن وقتها.
ولو تلاها مُقْتَدٍ لم تجبْ عليه، ولا على مَنْ هو معه في صلاته، وقال محمد - رحمه الله ـ: تجبُ عليه وعلى مَنْ يسمع إذا سَلَّم، ولو سمِعَ من المقتدي مَنْ لا يُصلِّي معه يلزَمُه السجدة وهو الصحيح.
ولو سمِعَها مُصَلٍّ من غيره يلزَمُه إذا سَلَّم.
ولو سجدَها في صلاتِه لم تُجْزِ، ولا تفسدُ صلاته، ولو سمِعَها رجلٌ من إمامٍ ثم دخلَ في صلاته سجدَها مع الإمام، وإن دخلَ بعدما سجدَ سقطَتْ عنه.
رجلٌ قرأ آيةَ السجدةِ في مجلسٍ واحدٍ مراراً، يكفيه سجدةٌ واحدة استحساناً، ولو قرأها في مجالسَ، أو قرأ آياتِ السجدةِ في مجلسٍ واحد تجبُ بعدَدِ ما قرأ، وإن تبدَّل مجلسُ التالي دونَ السَّامعِ أو على عكْسِه تكرَّر الوجوبُ على مَنْ تبدَّل مَجْلسُه دونَ منِ اتَّحد.
ولو تلاها فسجدَ، ثم أطال الجلوسَ أو القراءةَ فأعادها، أو أكلَ لُقمةً، أو شرِبَ شَرْبةً، أو نام قاعداً، أو نَحْوَه لم تجِبْ ثانياً.
وإن أكلَ كثيراً، أو نامَ مُضطجعاً، أو باعَ ونَحْوَه تجبُ ثانياً استحساناً.
وإن مشى خُطوَتَيْن لا تجبُ ثانياً.
وذكر في «المنتقى»: لو تحوَّلَ عَرْضُ المسجدِ أو طولُه لا يسجدُ ثانياً، وكذلك لو تلاها في المسجدِ ثم أعادَها في ناحيةٍ أخرى.
ولو قرأها على الدابةِ مراراً وهي تسيرُ في غيرِ الصَّلاة يسجدُ لكلِّ مرَّة، وفي الصَّلاة لا تجبُ إلا مرة.
ولو كان معه آخَرُ يسوقُ الدابةَ فعلى السائقِ لكلِّ تلاوةٍ سمِعَها سَجدة.
ولو قرأها في السفينةِ وهي تَجْري يكفيه سجدةٌ واحدة.
ولو كان على شَجرة، فتلا آية سجدةٍ على غُصنٍ ثُمَّ تحوَّلَ إلى غصنٍ آخرَ وأعادها، أو كان على دوَّارة الكُدس أو كان يُسدِّي الكِرْباسَ فالأصحُّ أنه يلزَمُه بكلِّ تلاوةٍ سجدة.
رجلٌ قرأها على الدابة، ثم نزل فقرأَها، أو قرأَها ثم ركبَ فقرأها لا يلزَمُه ثانياً، ولو سارتِ الدابةُ ثم نزل فتلاها أُخرى، يلزَمُه أخرى.
ولو قرأها على الدابةِ فنزل ثم ركبَ فسجدَ على الدابة يجوز، وكذلك لو تلاها في وقتٍ مكروهٍ، فسجدَ فيه أو في وقتٍ مكروهٍ آخرَ جاز.
سجدة الشكر
قال أبو حنيفةَ - رحِمَه الله -: لا أرى سجدةَ الشكرِ واجبة، والسجدةُ المفردةُ مكروهةٌ عندَهما، وعند محمدٍ - رحمه الله -: مسنونة.
وما يتلوها خارجَ الصَّلاة لا يَقْضيها في الصَّلاة، والصَّلاتيةُ لا تُؤدَّى خارجَ الصَّلاة.
ولو قرأها فسجدَ، ثم افتتح الصَّلاةَ مكانها ثم قرأ ثانياً فعليه سجدةٌ أخرى، فإن كان لم يسجُد الأولى فعليه سجدةٌ واحدةٌ حتى لو لم يؤدِّها في الصَّلاةِ سقطت.
ولو تلاها في صلاةٍ بعد ما سمِعَها من غيرهِ فعليه سجدةٌ واحدة.
ولو تلاها أوَّلاً ثم سمِعَها فعليه سجدةٌ واحدة.
رجلٌ قرأَ آيةَ السجدةِ في ركعة، ثم أحدثَ وانصرفَ وتوضَّأ، ثم عادَ وسمِعَها من غيرهِ عليه سَجْدتان.
ولو تلاها في ركعةٍ فسجدَها، ثم أعادها في تلك الركعةِ لا تجبُ ثانياً، وكذلك لو أعادَها في الركعةِ الثانية عند أبي يوسفَ، وعند محمدٍ: تجب.
ولو قرأها الإمامُ في ركعةٍ وسجد، ثم أحدثَ في الركعةِ الثانية، وقدَّم رجُلاً جاءَ ساعَتئذٍ فقرأها ثانياً سجدَ اتفاقاً وسجدَها القومُ معه بحُكمِ المتابعة.
ولو تلاها في الصَّلاةِ فسجدَ ثم سلَّم وتكلَّم، ثم قرأها ثانياً عليه سجدةٌ أخرى، وذكر في «النوادر»: لا سجدةَ عليه، ولم يذكرِ التَّكلمَ، وبه يَختلفُ الحكمُ وهو الصحيح.
ولو تلاها في ركعةٍ على الدابة، ثم سارتِ الدابةُ فأعادها، لا تجبُ ثانياً، ولو سمِعَها المصلِّي الراكب من رجلٍ، ثم سارت الدابةُ ثم سمِعَها ثانياً عليه سجدةٌ واحدة، وذكر في «المنتقى»: عليه سجدتان، وهو الصحيح.
ولو كان كلُّ واحدٍ منهما على دابةٍ يُصلِّي، فقرأها كلُّ واحدٍ مراراً فعلى كل واحدٍ بتلاوة سجدة وبتلاوة صاحبه بعدد ما تلا.
رجلٌ قرأ آيةَ السجدةِ فسجدَها، وسمِعَها المصلِّي فسجدَ معه، وأرادَ اتّباعَه فسدَتْ صلاتُه، ولا تُجزيه السجدةُ عمَّا يسمع؛ لأنها ناقصةٌوالله أعلم بالصواب.
بابُ
الحَدثِ في الصَّلاة
«المبسوط»: أصلُه قولُه - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ قاءَ أو رَعُفَ في صلاتِه فلينصرفْ وليتوضأْ وليبنِ على صلاتِه ما لم يتكلَّم» مَنْ سبقَه الحدَثُ في الصَّلاة توضَّأَ وبَنى، وإن استقبلَ فهو أفضَل.
وإنْ تعمَّدَ الحدَث، أو قهقهه، أو أُغْمِيَ عليه، أو جُنَّ، أو نامَ في صلاتِه فاحتلمَ أو نظرَ إلى امرأةٍ فانزل استقبل.
ولو خاف إن يسبقه الحدَثُ، فانصرفَ ثم سبقَه الحدَثُ لا يبني، وإن اغترفَ من إناءٍ بنى، وإن استقى ماءً لوضوئه أو خَرَزَ دَلْوَه، وانتهى إلى نهرٍ فجاوزَ نهراً آخَر، ونحوه فسدَتْ صلاته، وعن محمدٍ - رحمه الله ـ: أنه يستنجي من تحتِ ثيابه إذا احتاج إليه.
وكذا لو أتى سائرَ سُننِ الوضوءِ يَبْني، وإن كشفَ عَوْرَته لا يَبْني.
ولو توضَّأ ورجعَ فتذكر أنه لم يمسَحْ رأسه، فمسحَ يُجزيه.
ولو أحدثَ فأصاب منه بَدنه أو ثوبَه كثيراً يتوضَّأ ويغسلُ ويبني.
ولو أصابَ ثوبَه نجاسةٌ لحدَثٍ سبقَه، وأصابَه نجاسةٌ لحدَثٍ آخرَ، فغسلَ التي أصابته لحدَثٍ آخر فسدَتْ صلاتُه، سواءُ كانتا في محلَّين، أو في محلٍّ واحدٍ.
ولو انتضحَ البولَ على بدَنِ المُصلِّي أكثرَ من قَدْرِ الدرهم لا يَبْني عندهما خلافاً لأبي يوسفَ - رحِمَه الله -.
ولو انتضحَ البولَ على ثوبِه، فإن كان عليه ثَوْبان طرَحَ النَّجِسَ منهما من ساعته، فصلَّى مع الآخر، وإن لم يكن معه إلا ثوبٌ واحد يستقبلُ عندَهما خلافاً لأبي يوسفَ - رحِمَه الله -.
وكذا لو وقعَ عن المصلِّي ثوبُه، وأخذَه وستَر من ساعتِه لا يفسدُ وإن مكثَ عُرياناً، إن عَجَزَ عن رَفْعِ الثوبِ لا يفسدُ، ما لم يؤدِّ رُكناً من الصَّلاة مع الكشف، وإن قدرَ على رَفْعِه فسدَتْ عندَهما خلافاً لأبي يوسف.
وكذا المُقْتدي إذا زحمَه القومُ حتى وقَع في صفِّ النساء، وقُدَّامَ الإمام أو في مكانٍ نجسٍ، فمكثَ إن لم يمكنْه التحوّلُ إلى مكانِه لا تفسدُ صلاتُه وإن أمكنَه التحوّلُ ولم يتحوَّلْ فسدَتْ خلافاً له.
ولو أصابَ المُصلِّيَ حدَثٌ بغيرِ فِعْلِه بأن أصابَته بُنْدُقَةٌ فشجَّتْهُ ونحوُه، لا يبني عندَهما، خلافاً لأبي يوسف.
ولو وقع عليه مَدَرةٌ من سطح، أو الكُمَّثْرى أو السَّفرجَل من شَجرةٍ فشجَّتْهُ أو أصابَه حَشيشٌ فأدماه قيل: على هذا الخلاف، وقيل: يبني.
ولو سبقَه الحدَثُ فتوضَّأ، إنْ كان إماماً أو مُنفرداً يتخيَّر: إنْ شاءَ أتمَّ صلاتَه في بيته، وإن شاءَ عادَ إلى مُصَلّاه.
وقيل: الأفضَلُ أن يعودَ إلى مُصلَّاه.
وقيل: الإتمامُ في بيته أفضَلُ، ولو عادَ لا تفسدُ صلاتُه في ظاهرِ الرواية.
وإن كان مُقتدياً إنْ عَلِمَ أنَّ إمامَه قد فرغَ فكذلك، وإن لم يفرُغ الإمامُ فعليه أن يعودَ إلى مكانه.
ولو صلَّى في بيتِه تفسدُ صلاته، وإذا عاد يَقْضي ما فاته أولاً، ثم يدخُل مع الإمام؛ لأنه لاحقٌ ولو فعلَ شيئاً مما يُفسدُ الصَّلاةَ يقطعُ البناء؛ لأنه ينافي التحريمة.
رجلٌ أحدَثَ في الركوعِ أو السجود، فتوضَّأ إن لم يُعِدْ فسدَتْ صلاته؛ لأنه لا يتمُّ إلا بالانتقال، والانتقالُ لا يصحُّ مع الحدَث إلا عندَ أبي يوسفَ ـ رحِمَه الله ـ.
ولو سبقَه الحدَثُ، فأدَّى شيئاً من صلاتِه مع الحدَثِ، أو مكَثَ على مكانِه بنيَّة الصَّلاة قَدْرَ ما يؤدِّي رُكناً منها فسدَتْ، وإن لم يَنْوِ بمُقامِه الصَّلاةَ لم تفْسُدْ.
«المنتقى»: وإن نوى فسدَتْ وعن أبي يوسفَ ـ رحِمَه الله ـ: لو أحدَثَ في سجودِه فرفَع رأسَه فكَبَّر يريدُ به إتمامَ السجودِ أو لا نيَّةَ له فسدَتْ صلاته وإن لم يُرِدْ به إتمامَ السجودِ لم تفسُدْ.
ولو ذهبَ ليتوضَّأ، فسبَّح في ذلك الوقتِ لم تفسُدْ صلاتُه، ولو قرأ فالصحيحُ أنه تفسُد إنْ قرأ ذاهباً أو جائياً.
لأنه إن قرأ ذاهباً فقد أدَّى ركناً من الصَّلاة، وإن قرأ جائياً فقد أدى ركناً مع المشي وإنه منافٍ للصلاة.
ولو أحدثَ وذهبَ ليتوضَّأ، فانقضى وقْتُ مَسْحِه في خلالِ وضوئِه يستقبلُ الصَّلاة.
وكذا المستحاضةُ إذا أحدثَتْ في الصَّلاةِ ثم ذهبَ الوقت، كالمُتيمِّم إذا أحدَث في صلاتِه فوجدَ الماءَ في الذهابِ للوُضوء والله أعلمُ وأحكم.
بابُ
القَهْقهةِ في الصَّلاة
ولو قَهْقه الإمامُ أو أحدَث عَمْداً بعد التشهُّدِ وخلْفَه مسبوقٌ تفسدُ صلاةُ المسبوقِ عند أبي حنيفةَ - رحِمَه الله -، وعندَهما: لا تفسدُ.
إمامٌ سبقَه الحدَثُ، فقدَّمَ مسبوقاً، فقَهْقه الثاني بعد التشهُّدِ، وبقيَ له الثالثة، فسدَتْ صلاتُه لا صلاةُ القومِ.
والإمامُ الأولُ إن كان صلَّى مع الثاني وقد فرغَ من صلاتِه وإن لم يفرُغْ تفسدُ صلاتُه في الروايةِ الصحيحة؛ لأن عليه البناءَ فصارَ بمنزلة المسبوق.
«النوادر»: ولو سلَّم الإمامُ بعد التشهدِ ثم قَهْقه القومُ فسدَ وضوئهم عندَهما، وعند محمد: لا يفسدُ بناءً على أنَّ المقتدي يخرجُ عن صلاةِ الإمام بسلامِ الإمام عنده، وعندَهما لا يخرج؛ ليمكنه إقامةُ هذا الواجبِ وهو السلام ولو كان عليه قراءةُ تشهدٍ أو سجدة تلاوة لا يخرج.
وفي الكلامِ روايتان عن أبي حنيفةَ - رحِمَه الله - فعلى هذا لو سلَّم الإمامُ أو تكلَّم فعلى القومِ أن يُسلِّموا ولو أحدثَ أو قهقه فليس عليهم أن يُسلِّموا.
بابُ الاستخلاف
الاستخلافُ جائزٌ في الصَّلاةِ عند سَبقِ الحدَثِ لإصلاحِ صلاةِ القوم كالاستخلافِ في الإمامة الكبرى.
إمامٌ سبقَه الحدَثُ، فقدَّم رجُلاً من القوم جازَ ويبقى على إمامته ما لم يخرُجْ من المسجد، أو يقوم الخليفةُ مقامه، أو ينوي الإمامةَ عند استخلافه حتى لو وجد الماءَ في آخرِ المسجدِ وتوضَّأَ به، وعادَ إلى مكانه فأتمَّ جاز.
ولو اقتدى به إنسانٌ جاء ساعتئذٍ قبلَ الوضوءِ صحَّ، ولو كان مسافراً فنوى الإقامةَ يتغيَّرُ فرضُه وفرضُ القومِ أربعاً.
وإذا خرجَ من المسجدِ من غيرِ استخلافٍ فسدَتْ صلاةُ القوم؛ لأنه لم يَبْقَ لهم إمامٌ في المسجد، والإقتداءُ بدون الإمامِ لا يُتصَوَّر ولا تفسدُ صلاةُ الإمامِ الأوَّلِ في ظاهرِ الرواية؛ لأنه منفردٌ في حَقِّ نفسِه.
ولو قَدَّم الإمامُ واحداً من آخرِ الصفوف، وخرجَ من المسجدِ قبل قيامِ الثاني مَقامه، فإنْ نوى الثاني الإمامةَ من ساعتهِ لا تفسدُ صلاتُهم وتحوَّلت الإمامةُ إليه، وإن لم يَنْوِ فسدَتْ، ولو قَدَّم رجلاً جاءَ ساعتئذٍ قبل أن يقتديَ به، فإنْ تقدَّم وكبَّر بنيةِ صلاة الإمام الأول صَحَّ، ولو كبَّر بنيَّةِ صلاةِ نفسه جازَتْ صلاتُه وفسدَتْ صلاةُ القوم، وأما صلاةُ الأول قيل: تفسدُ.
وقيل: لا تفسد؛ لأنه خرجَ من المسجدِ من غيرِ استخلاف.
وإن كانت الصفوفُ متصلةً خارجَ المسجد، فَقَدَّمَ رجلاً من الصفوفِ الخارجة فسدَتْ صلاةُ القومِ عندَهما خلافاً لمحمدٍ - رحِمَه الله -؛ لأنَّ خارجَ المسجدِ إنما أُعْطيَ له حكمُ المسجدِ في حَقِّ جوازِ الإقتداءِ لضرورةِ ضيقِ المسجدِ حتى لو كانَ في المسجدِ سعةٌ لا يصح اقتداؤهم به، فلا يظهَرُ ذلك في حَقِّ جوازِ الاستخلافِ لعدم الضرورةِ فإنه يمكنُه الاستخلافُ من الصفوفِ الداخلةِ.
وكذا لو كبَّر الإمامُ يومَ الجُمعةِ وَحْدَه في المسجد، وكبَّر القومُ خارجَ المسجد مُتَّصلة صفوفُهم به لا تنعقدُ الجمعة؛ لاختلافِ المكان وإن كان يُصلِّي في غيرِ المسجد، فأحدثَ الإمامُ فما دامَ في الصفوفِ يصحُّ استخلافه وإلا فلا.
وإن مشى قُدَّامَه وليس بين يديه بناءٌ، ولا سُتْرةٌ لم تفسُدْ صلاتُهم حتى يتجاوزَ من بين يَدْيه مقدارَ الصفوفِ الذي خلفه.
فإن كان قُدَّامَه حائطٌ أو سترة فجاوزَها فسدَتْ صلاتهم، وهذه المسائلُ مرويةٌ عن أبي يوسفَ - رحِمَه الله - في «النوادر».
ولو صلَّى في البيت صار الخروجُ من البيتِ كالخروجِ من المسجد.
وإن كان خلْفه واحدٌ صارَ إماماً، وإن لم يُقَدِّمه.
وإن كان خَلْفَه ممَّن لا يصلحُ للخلافة فالأصحُّ أنه تفسدُ صلاةُ المُقتدي دونَ إمامه؛ لأنّه لم تتحوَّل الإمامة عنه.
فإنْ أحدثَ الثاني ومعه آخرُ صارَ الثالث إماماً، فإن كان أحدَث الثالث فخرج قبل رجوعِهما أو رجوعِ أحدِهما فسدَتْ صلاةُ الأوَّل والثاني.
ولو دخلَ أحدُهما المسجدَ ثم خرجَ الثالثُ جازَتْ صلاتُهم، ولو دخلَ الأول والثاني فلم يُقَدِّمْ أحدَهما حتى خرجَ الثالث فسدَتْ صلاتُهما إلا إذا قامَ أحدُهما مَقامه وأتمَّ به الآخَرُ قبل خروجِ الثالث جازَتْ صلاتهما.
ولو أحدثَ الإمامُ وخَلْفَه متطوِّعٌ وحْدَه قيل: تفسدُ صلاةُ الإمامِ وقيل: لا تفسدُ؛ لأنه لم يقصدِ الإقتداءَ به.
ولو أمَّ برجلٍ فأحدَثا معاً، وخرجا من المسجدِ فصلاةُ الإمامِ تامة، وصلاةُ المقتدي فاسدة.
ولو قَدَّم الإمامُ رجلاً مُحْدِثاً، أو صبياً، أو امرأةً فسدَتْ صلاتُهم جميعاً.
ولو تقدمت امرأةٌ منهن ولم يُقدِّمها هو، روى الحسَنُ عن أبي حنيفة - رحِمَه الله -: أنه تفسدُ صلاةُ الإمامُ، وذكر محمَّدٌ في «النوادر»: الصَّلاةُ لا تفسدُ وهو الأصحُّ؛ لأنه متى استخلفَها لم يصِرْ مقتدياً بها، فلا يلزَمُه الفسادُ بدونِ التزامِه.
ولو قَدَّم القومُ رجلاً قبلَ خروجِ الإمامِ من المسجد جاز، وبعد خُروجِه لا يجوز.
ولو قَدَّم القومُ رجلَيْن متعاقبَيْن جازَتْ صلاةُ الطائفةِ السابقةِ وفسدَتْ صلاةُ الطائفةِ الثانية.
وإن استُخْلِفَ الطائفتانِ معاً جازَتْ صلاةُ أكثرِ الطائفتَيْن، وفسدَتْ صلاةُ الأقل، وإن استوت الطائفتان فسدَتْ صلاتهم، ولو تَقدَّم واحدٌ منهم من غيرِ أن قدَّمه أحدٌ جاز.
ولو تَقدَّم رجلانِ للخلافة، فأيُّهما سبقَ إلى مقامِ الإمامِ فهو الخليفة، وإن تقدما معاً فأيُّهما اقتدى به القومُ فهو الإمام، وإن اقتدى بعضُهم بهذا وبعضُهم بهذا فصلاةُ الأكثرِ جائزة، وصلاةُ الأقلِّ فاسدة، وإن استوَوْا فصلاةُ الكلِّ فاسدة.
ولو قَدَّم الإمامُ رجلاً، وقَدَّم القومُ آخرَ متعاقباً، فالسابقُ أوْلى، وإن كان معاً فخليفةُ الإمامِ أولى.
ولو أُحْصِرَ الإمامُ في القراءة، فتأخَّر وقَدَّم رجلاً، جازَ عند أبي حنيفةَ - رحمه الله -، وعندهما: لا يجوز، وقيل: لو أحصرَ بعد ما قرأ مقدارَ ما تجوزُ به الصَّلاةُ لا يجوز استخلافه، ولو استخلفَ فسدَتْ صلاتُه.
ولو أحدَث الإمامُ، فقَدَّم الإمامُ مسبوقاً ينبغي أن لا يتقدم، وإن تَقدَّم أتمَّ صلاةَ الإمام وتأخَّر، وقَدَّم رجلاً أدرك أوَّل الصَّلاة ليسلمَ بهم وقضى المسبوق ما فاته.
ولو قَدَّم لاحقاً ينبغي أن لا يتقدَّم، فإنْ قَدَّمه يتأخَّر ويُقدِّم رجلاً، فإن تقدَّم أشارَ إليهم بأن لا يَتَّبعوه فيما يَقْضي، ثم يَتَّبعوه.