الجزء 1 · صفحة 7
«الضياء المعنويّ شرح مقدمة الغزنويّ»
للإمام محمد بن أحمد بن محمد بن محمد بن سعيد العُمريّ
أبي البقاء الحنفيّ المشهور بابن الضياء
توفي سنة (854) هـ
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
الجزء 1 · صفحة 8
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، قال العبد الضعيف الفقير إلى رحمة ربه، الوفيّ أبو البقاء أحمد بن الضياء القرشيّ الحنفيّ، رزقه الله مناه، ومنحه ما عناه، وجعل في قلبه غناه: الحمد لله الَّذي رزقنا الهداية في البداية، ومنحنا العناية في النهاية، أحمده أن جعلنا سكان حرمه، وقطَّان محل أمنه وكرمه، وأشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، ربُّ البيت المحرم، والرُّكن المكرّم، وأشهد أنَّ مُحمَّدًا عبده ورسوله، الشفيع المعظم والإمام الأعظم، صلى الله عليه وعلى آله، ما طاف بالبيت العتيق طائف والتزم.
وبعد: فإنّ أصحاب الإمام الأعظم، المجتهد المقدم، النّعمان ... بن ثابت الكوفي -رضي الله عنه - كانوا أكثر من أن يدخلوا تحت الحدّ والرسم والخيال والوهم، مع ما لهم من كمال العلم والفهم، خصوصًا أصحاب التَّصانيف؛ فإنَّك لو أصغيت بأذنيك إلى سماع تصانيفهم، وفتحت عينيك لرؤية تآليفهم، لقلت إنهم هم ورثة الأنبياء المشهود لهم بالاصطفاء.
الجزء 1 · صفحة 9
. وممّن اقتفى آثارهم الحسنة، وسيرتهم المستحسنة، الإمام المدقق العلَّامة المحقق، أحمد بن مُحمَّد الغَزْنَوي، سَقى الله ضريحه، وروَّح روحه، فجمع مختصرًا نافعًا في العبادات مشهورًا بالمقدمة، جعلها أبوابًا مرتبة وفصولًا مترتبة، أودع فيها من المسائل الغامضة الصعاب، متحريًا فيها الصَّواب، مقدمًا في أول الفصول والأبواب، دليل ما ترجم عليه الباب من الكتاب والخبر المشهور، عن الَّذي أنزلت عليه سُورة النور، صلوات الله عليه إلى يوم النَّشور، وتلقاها علماء الأُمَّة بالقبول، وارتضاها أرباب المنقول والمعقول، فجاءت في هذا الباب غاية، وفي العجب العجيب آية، يدل تأليفها على حسن باع من صنفها في الاطلاع، فالتمس مني طائفة من إخواني أن أضع عليها شرحًا، يزيد ألفاظها فرائد، ومعانيها فوائد، ممّا سمعت فوعيت وجمعت فأوعيت، فأجبتهم إلى ذلك.
وإنّما تصديت لشرحها؛ لأنّ أحدًا قبلي لم يكشف قناعها مثلي، فليس الخبر كالمعاينة، وقد أودعت فيه فوائد جمة، وشواهد هي لجامحات المعاني أزِمّة، مُعزيًا أحاديثها إلى مخرِّجها من الأئمة وما لم أطلع عليه سكت عنه، فمهما استطرد إليه الكلام، وفيته حقه، ومهما تعلق به، ملَّكته رقه، فقد يتسلسل الاستطراد والقلم معه، ويتشعب للبحث فلا أدعه يجد دعة ولا بدع، فالمسائل بعضها ببعض مشتبك والمباحث لا يزال نافرها ... في شرك الذهن مرتبك؛ فإن الخروج من فن إلى فن أقدر على البحث وأسلط، والانتقال من نوع إلى نوع أنشط للمطالعة وأبسط.
لا يُصْلِحُ النفسَ إذ كانت مدبرةً ... إلّا التنقلُ من حالٍ إلى حالِ
الجزء 1 · صفحة 10
نعم، خشيت الإطالة فاقتصرت على الزُبد من كلّ فن واختصرت، وملت إلى الأقوال المختارة وانتصرت، اللَّهم إلّا فيما ندر وخان هذا الشّرط وغدر، ولا ينبغي للنَّاظر في هذا الشَّرح أن يسأم من شيء يجده مبسوطًا واضحًا، فإنّي أقصد بذلك إن شاء الله تعالى الإيضاح والتّيسير، والنَّصيحة لمطالعه، وإعانته وإغنائه عن مراجعة غيره في بيانه، وهذا مقصود الشروح، فمن استطال شيئًا من هذا وشبهه، فهو بعيد من الإتقان، مباعد للفلاح، فليُعزّ نفسه بسوء حاله، وليرجع عمّا ارتكبه من قبيح فِعاله، ولا ينبغي لطالب التنقيح والتحقيق والإتقان والتدقيق، أن يلتفت إلى سآمة ذوي البطالة، وأصحاب الغباوة والملالة، بل يفرح بما يجده من العلم مبسوطًا، وما يصادفه من القواعد والمشكلات واضحًا مضبوطًا، ويحمدالله الكريم على تيسيره، ويدعو لجامعه السَّاعي في تنقيحه وتقريره، وقد جمعتُ هذا الشَّرح وأنا في هموم قد علم الله ترادف بعوثها، وانسكاب غمائم غيثها وغيوثها، فكيف تعلق ... الذهن بذيل مسألة، وكيف يتعقل بحثًا وقد غمَّه غمُّه وَلَهُ ولهٌ، فليعذر الواقف على الخطأ، وليتحقق السبب في عدم نوم القطا، ولمّا اجتمع فيه الضياء والبهاء والسَّناء، وتطابق فيه الحسن والمعنى، سميته الضياء المعنوي شرح مقدمة الغَزْنويّ، ومن الله تعالى أستمد الإعانة على الإبانة، وأسأله التوفيق إلى التحقيق، لا هدى إلّا بنوره، ولا بيان لمتكلم إن لم يوره، عليه توكلت وإليه أنيب.
وقبل الشروع في ذلك، أقدم الكلام على ترجمة المصنف رحمه الله، هو أحمد بن مُحمَّد بن سعيد الغَزْنويُّ، معيد ... .
الجزء 1 · صفحة 11
درس الإمام الكاسانيصاحب "البدائع"، تفقّه على أحمد بن يوسف الحسيني، وانتفع به جماعة من الفقهاء وتفقهوا به، وصنف في الأصول والفقه كتبًا حسنة مفيدة، منها كتاب "روضة اختلاف العلماء"، وهذه المقدمة المختصرة المشهورة، وكتاب "في أصول الفقه"، وكتاب في أصول الدين ووسمه بـ"روضة المتكلمين"، واختصره ووسمه بـ"المنتقى من روضة المتكلمين"، توفي بحلب بعد سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة، ودفن بمقابر الفقهاء الحنفية قِبَل مقام إبراهيم الخليل عليه السَّلام، كذا ذكره محيي الدِّين عبدالقادر في طبقات الحنفية.
... قال رحمه الله تعالى: (الحمد) هو: الثَّناء باللسان على ذي العلم على الفضائل والفواضل، والشكر: الثَّناء باللسان أو القلب أو بقية الجوارح على الفواضل، والفضائل: جمع فضيلة وهي: الصِّفة الكاملة في الشَّخص، والفواضل: جمع فاضلة وهي: النِّعمة الصَّادرة منه إليك؛ فعلى هذا التعريف يكون بين الحمد والشكر عموم وخصوص من وجه.
وقال العلَّامة قطب الدِّين الرَّازي في "شرح المطالع": الحمد ليس عبارة عن قول القائل الحمد لله؛ بل هو فعل يشعر بتعظيم المنعم بسبب كونه منعمًا، وذلك الفعل إمَّا فعل القلب أعني اعتقاد اتصافه بصفات الكمال والجلال، أو فعل اللسان أعني ذكر ألفاظ دالة على كون ذلك المنعم ... موصوفًا بصفات الكمال، أو فعل الجوارح، وهو الإتيان بأفعال دالة على ذلك، والشكر: كذلك، ليس هو قول القائل: الشكر لله؛ بل صرف العبد جميع ما أنعم الله - تعالى - عليه من السمع والبصر وغيرهما إلى ما خُلق لأجله، كصرف النظر إلى مطالعة مصنوعاته والسمع إلى تلقي مأموراته، والاجتناب عن منهياته، وعلى هذا يكون الحمد أعم من الشكر مطلقًا لعمومه النِّعم الواصلة إلى الحامد وغيره، واختصاص الشكر بما يصل إلى الشَّاكر.
الجزء 1 · صفحة 12
قال الزّمخشريُّ: وهو بالقلب واللسان والجوارح يريد التنويع؛ لأنّ الشكر لا يكون إلّا بمجموع الثلاثة، ثم استدل على ذلك بقوله:
أفادتكم النّعماء مني ثلاثة يدي ولِساني والضمير المحجبا
قال السُّبكي في "شرح التَّلخيص": وفيه نظر؛ لأنّ البيت لا تعرُّض فيه؛ لأنّ شيئًا من ذلك يسمى شكرًا فضلًا عن كلِّ واحد. انتهى.
قال شيخُنا الشَّيخ عز الدِّين بن جماعة: قلت: وفي هذا شيء وذلك؛ لأنّ البيت فيه دلالة على ذلك، من جهة أنه جعل ذلك في مقابلة النّعماء وجزاءً له، ومن لازم ذلك أن يكون شكرًا؛ لأن من المتعارف أنّ الشكر ما كان كذلك، وحينئذٍ يكون فيه دلالة على ذلك، لا بصريح العبارة وختامها وأولها؛ بل بلازمها وأوسطها ودلالتها. انتهى.
(لله) الجلالة الشريفة اسم علم لذات واجب الوجود، وإن شئت قلت: اسم للذات المستجمعة لسائر الصِّفات، فترتُّب الحمد على هذا مشعر بذلك المنادي من سائر الصِّفات، قلت: والكلام في اسم الجلالة من كونه منقولًا أو مرتجلًا مشتقًّا أو غيره علمًا أو غيره، ليس ممّا يهمنا الآن، ويجب على الشَّخص أن يكون ذاكرًا لنعم الله - تعالى - عليه؛ فإنَّه أدْعى للقيام بالشكر، وشكر المنعم واجب بالشّرع عند أهل السُّنة والجماعة، وعند المعتزلة بالعقل.
الجزء 1 · صفحة 13
وقوله تعالى {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2)} (الفاتحة: 2) تعليم للعباد، والحمد وإن كان على النِّعمة. ولا يكون إلّا بعد معرفة تلك النِّعمة؛ لكن أقسام النِّعم خارجة عن التحديد والإحصاء كما قال تعالى {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (18)} (النحل: 18)، ولنذكر مثالًا واحدًا وهو أنّ العاقل يجب أن يتفكر في ذاته من كونه مؤلفًا من نفس وبدن، ولا شكَّ أنَّ أقلهما فضيلة هو البدن، ثمّ إنّ أصحاب التشريح وجدوا قريبًا من خمسة آلاف نوع من المنافع والمصالح الَّتي دبَّرها الله تعالى في خلق بدن الإنسان، ومن وقف على هذه الأقسام في كتب التشريح علم أنّ نسبة هذا القدر المعلوم إلى ما لم يعلم كنسبة القطرة إلى البحر المحيط.
وعند هذا يظهر أن أقسام حكمة الله تعالى في خلق الإنسان تشتمل على ألوف من المسائل، وإذا ضُمَّ إلى هذا، آثار حكمة الله تعالى في خلق العرش والكرسي والسَّماوات والنيّرات من الثَّوابت وغيرها، وتخصيص كلٍّ منها بقدرٍ مخصوص، وحيّز مخصوص، وفي خلق الأُمَّهات والمواليد، علمَ أنّ هذا المجموع مشتمل على ألف ألف مسألة أو أكثر تقريبًا، ثمّ إنَّه - تعالى - نبَّه على أنّ أكثرها مخلوق لمنفعة الإنسان، حيث قال {وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ} (الجاثية: 13).
وحينئذٍ يظهر أنّ قوله تعالى (الحمد لله)، مشتمل على مائة ألف ألف مسألة أو أكثر تقريبًا، فليقدِّر العبد قدر هذه النّعم، ويشكر الله تعالى على ذلك، وأشار إلى ذلك المصنف -رحمه الله - بقوله (الذي عمّ البلاد بنعمته وإرفاده)، أي: إعطائه وإعانته من باب عطف الخاص على العام.
الجزء 1 · صفحة 14
(وخص العباد بهدايته)، أي: بخلق الاهتداء فيهم، والهدى من الله تعالى: خلق الاهتداء في العبد، والإضلال: خلق الضَّلالة في العبد، وقالت المعتزلة: الهدى من الله تعالى ... بيان طريق الصَّواب لا خلق فعل الاهتداء، والإضلال تسمية العبد ضالًّا هكذا ذكره المشايخ، والمشهور أنّ الهداية عند المعتزلة هي الدَّلالة الموصلة إلى المطلوب، وعندنا الدَّلالة على طريق توصل إلى المطلوب سواءً حصل الوصول والاهتداء أو لم يحصل، كذا قاله سعد الدين في "شرح العقائد"، والدَّليل على قول أهل السنة قوله تعالى: {لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ} (القصص:56).
ولو كان الهدى بيان طريق الصّواب لما صحّ النفي عن نبينا ?؛ لأنّه يبين الطّريق لنا، أحبَّ أو أبغض، وقوله تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكَ (البقرة: 272) وقوله ?: «اللهم اهدِ قومي»، مع أنّه بيّن الطَّريق ودعاهم إلى الاهتداء، ثمّ الاهتداء قد يضاف إلى الرسول والقرآن لقوله: لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (52)} (الشورى: 52) وقوله: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ} (الإسراء: 9) مجازًا بطريق التَّسبيب؛ لأنّه لا يمكن حمله على خلق فعل الاهتداء، كما إنّ الإضلال قد يُضاف إلى الشيطان والأصنام لقوله:
{وَلَأُضِلَّنَّهُمْ} (النساء: 119)، ولقوله: {رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ} (إبراهيم: 36) مجازًا بطريق التسبيب؛ لأنه لا يمكن حمله على خلق فعل الضَّلال.
(وإرشاده) من الرُّشد: وهو خلاف الغيِّ، قلت: وهل الهداية والإرشاد بمعنى واحد؟ فيكون العطف للتفسير، أو الإرشاد أخص من الهداية؟ أعمُّ مطلقًا محل بحث وتأمل.
قلت: في كلامه من قاعدة علم البديع الطّباق، وحَدُّه: أن يؤتى بمعنيين متقابلين، وهو بين عمّ وخصٍّ، والبلاد والعباد.
الجزء 1 · صفحة 15
(وخلق النّهار بأنواره واللَّيل بسواده) الخلق: اختراع الشَّيء على غير مثال سبق، وفيه من قاعدة علم البديع الطِّباق بين النَّهار واللَّيل، والأنوار والسَّواد، قال الله تعالى: اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً} (الإسراء: 12) وقال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ} (الفرقان: 62)، قال في التَّفسير: جعل أحدهما أبيض والآخر أسود، (والغيم) وهو السَّحاب (والسَّحاب بإرعاده) عطف السحاب على الغيم عطف تفسير والرَّعد: هو الصَّوت الَّذي يُسمع من السَّحاب، والبرق: هو النَّار التي يخرج منه، وقيل: الرَّعد مَلك يسوق السّحاب، والبرق لمعانُ سوطٍ من نارٍ يزجرُ به المَلك السَّحاب، وروي أنَّ المَلك إذا اشتدَّ غضبه على السَّحاب طار من فيه النَّار وهي الصَّواعق، ومذهب الحكماء: أنَّ الشَّمس إذا أشرقت على أرضٍ يابسة تحللت منها أجزاء نارية تخالطها أجزاء أرضية، يُسمى المركَّب منها دخانًا، ويختلط بالبخار، ويتصاعدان معًا إلى الطّبقة الباردة، فينعقد البخار سحابًا، وينحبس الدخان فيه، ويطلب الصُّعود إن بقي على طبيعته، والنُّزول إنْ ثقل، وكيف كان يمزق السَّحاب تمزيقًا عنيفًا فيحدث منه الرَّعد، ثُمَّ قد يحصل شدة حركة ومحاكة فيحدث منه البرق إن كان لطيفًا، والصَّاعقة إن كان غليظًا.
الجزء 1 · صفحة 16
قال الفاضل الطيبي: الصَّحيح الَّذي عليه التَّعويل، هو ما روينا عن التّرمذي عن ابن عبَّاس رضي الله عنهما أنه قال: أقبلت يهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فَقَالوا: يا أبا القَاسم، أَخْبِرْنا عن الرَّعْدِ ما هو؟ قَالَ: «مَلَكٌ مِنَ المَلَائِكَةِ مُوَكَّلٌ بِالسَّحَابِ مَعَهُ مَخَارِيقُ مِنْ نَارٍ يَسُوقُ بِهَا السَّحَابَ حَيْثُ شَاءَ اللَّهُ» فَقَالُوا: فَمَا هَذَا الصَّوْتُ الَّذِي نَسْمَعُ؟ قَالَ: «زَجْرَةٌ بِالسَّحَابِ إِذَا زَجَرَهُ حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى حَيْثُ أُمر» قَالُوا: صَدَقْتَ.
الجزء 1 · صفحة 17
(القادر على الإيجاد والإعدام) الإيجاد: الإحداث، والقادر: هو الَّذي يصح منه الفعل والترك، واتفق أهل الحقِّ على أنه تعالى قادر على جميع المقدورات، وأنَّ جميع الحوادث واقعٌ بقدرته تعالى، (القاهر) الغالب (بسطوته) هي المرة الواحدة من السَّطو، وهو القهر بالبطش، والجمع سطوات. (نواصي الأنام) جمع ناصية، أي: رقاب الخلق، (مصور الأجنّة في ظلم الأرحام) مصوّر، أي: جاعلها ذات صورة، قال الله تعالى: {فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ} (آل عمران: 6)، أي: ... من الصور المختلفة من الذكورة والأنوثة، وأشار - تعالى - إلى شرح التَّصوير في سورتي الحج والمؤمنون، فقال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ} (الحج: 5) وقال تعالى: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (12) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (13) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (14)} (المؤمنون: 12 - 14).
وفي الحديث «إن الله يخلق عظام الجنين وغضاريفه من منيّ الرجل، ولحمه وشحمه وسائر ذلك من منيّ المرأة».
وفيه دليل على أنَّ الولد يكون من ماء الرَّجل والمرأة، وهو صريح قوله تعالى {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى} (الحجرات: 13).
الجزء 1 · صفحة 18
والأجنَّة: جمع جنين وهو الولد ما دام في الرَّحم، والظَّلم: جمع ظلمة، والأرحام: جمع رحم، فإن قلت: ما المراد بظلم الأرحام وهو جمع وأقله ثلاث ظلمات؟ الجواب: الظَّلمات الثَّلاث المذكورة في القرآن ظلمة البطن وظلمة الرَّحم وظلمة المشيمة، وقيل ظلمة المشيمة وظلمة الرَّحم وظلمة اللَّيل، وقيل ظلمة صلب الرَّجل ... وظلمة بطن المرأة وظلمة الرَّحم، قال الله تعالى: {يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ} (الزمر 6).
(ومخرج الظَّلام من الضِّياء، والضِّياء من الظّلام)، أي: مخرج اللَّيل من النهار، والنهار من اللَّيل، قال الله تعالى: {وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ} (يس: 37)، أي: نكشط ونخرج منه النَّهار فيجيء بالظلمة، قالوا: لأنَّ ضوء النَّهار متداخل في الهواء، فإذا خرج منه أظلم، يوضحه {فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (37)} (يس: 37)، أي: داخلون في الظُّلمة، (القديم في الأزل قبل الزَّمان وساعاته)، أي: الزّمان القديم ما لا أول لوجوده، وقيل ما لم يُسبقْ بالغير، وقيل ما لميُسبق بالعدم، والله تعالى موصوف بالقدم الذاتي؛ لأنَّه واجب لذاته، وكل ما هو واجب لذاته يجب أن يكون قديمًا؛ لأنه لو كان حادثًا لكان محتاجًا إلى محدث، فيكون ممكنًا وهو باطل.
والله تعالى منزَّه عن الزَّمان وإلّا يلزم أن يكون مَوردًا للحوادث، وهو محال على الله تعالى، والزّمان فيه أربعة مذاهب: فقيل: هو موجود قائم بنفسه ليس بجسم ولا جسماني، وقيل: إنهفلك معدل النهار؛ فعلى هذين القولين هو جوهر، وقيل أنه حركة معدل النهار، وقيل أنه مقدار الحركة وهو اختيار المتأخرين، فعلى هذين القولين هو عَرَض (الباقي على الأبد بعد فناء الكون ومحدثاته).
الجزء 1 · صفحة 19
أي: محدثات الكون، يحتاج هنا إلى تفسير البقاء والفناء والحادث والكون، أمّا البقاء: فهو بقاءان بقاء الجوهر وهو الموجود في زمنين فأكثر، وبقاء الله تعالى وهو الوجود السَّرمدي، وأمّا الفناء: فهو ضِدُّ البقاء، والله تعالى قديم لا يجوز عليه الفناء؛ لأن كلّ ما ثبت قدمه استحال عدمه، وأمّا الحادث: فهو ضِدُّ القديم، وحدُّه: ما لوجوده أول أو المسبوق بالعدم أو المسبوق بالغير، وأمّا الكون: فهو الوجود العيني، والشيء له أربعة وجودات، وجود في الأعيان، ووجود في الأذهان، ووجود في اللسان، ووجود في البنان، والأول هو الحقيقي.
(العالم بإعلان عبده وأسراره وخفياته) اعلم أنَّ المذهب الحقَّ والاعتقاد السَّليم أنه تعالى عالم بذاته وصفاته وبالكليّات والجزئيّات على الوجه الكلّي وعلى الوجه الجزئيِّ، خلافًا للفلاسفة والمعتزلة، وحدُّ العلم فينا: صفة توجب تمييزًا لا يحتمل النقيض، وهو قسمان: ضروري: وهو ما يحصل من غير كسب، ونظري: وهو ما يحصل بالكسب، وعلم الله تعالى ... لا يوصف بواحد منهما، اعلم أنه يجوز أن يُقرأ بأسراره بفتح الهمزة جمع سر؛ ليطابق خفياته، ويجوز أنْ يُقرأ إسراره بكسر الهمزة وهو مفرد؛ ليطابق إعلان بكسر الهمزة.
و ... اعلم أنَّ قوله "العالم بإعلان عبده وأسراره وخفياته" إشارة إلى قوله تعالى: {وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (7)} (طه: 7) أي: وإن ترفع صوتك به فإنَّه يعلم السِّر وهو ما حدثت به نفسك ولم يظهر، وأخفى: ما خطر ولم تحدث به نفسك، وقيل السِّر ما يُسر من النَّاس وأخفى ... الوسوسة، ومن علم أنَّ الله تعالى يعلم ما يُبديه و ما يُخفيه منعه ذلك عمّا لا ينبغي.
(السّميع الذي ... خافي قول عبده عنده كمناداته) الذي يسمع دبيب النّمل على الصّخرة الصمّاء، وخفي جريان الماء.
يا من يرى ما في الضَّمير ويسمع ... أنت المعدُّ لكلِّ ما يتوقع
الجزء 1 · صفحة 20
(الحكيم) الصُّنع، والحكيم الَّذي منع ... الخلل أن يتطرق إليه (الذي جعل العلم زينًا للعلماء)، كما قال صلى الله عليه وسلم في حديث طويل في صفة العلم إنَّه الزَّين عند الأخلّاءِ.
وسراجًا للمتعلمين في ظلمة الظَّلماء (وهداية للمهتدين كالنُّجوم في جوِّ السَّماء) في الحديث: (العلم حياة القلوب من الجهل ومصابيح الأبصار من الظُّلم)، وعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ مثل العلماء في الأرض كمثل النجوم يهتدى بها في ظلمات البر والبحر، فإذا انطمست النجوم أوشك أنْ تضل الهداة» رواه الإمام أحمد.
الجزء 1 · صفحة 21
(وسلاحًا على القاصدين والأعداء) وقد جُمعتْ هذه الصِّفات وأُخِذتْ من حديث طويل عن معاذ بن جبل - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ؛ فَإنّ تعليمَه لِلَّهِ خَشْيَة، وَطَلَبَه عِبادة، ومُذاكَرَتَهُ تسبيح، والْبَحْثَ عنه جهادٌ، وتعليمَه لِمَنْ لا يَعْلَمُه صَدَقَة، وَبَذْلَه لِأَهْلِهِ قُرْبَة، لِأَنَّهُ مَعَالِمُ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَمَنَارُ سُبلِ أهْلِ الْجَنَّةِ وَهُوَ الْأُنْسُ فِي الْوَحْشَةِ والصَّاحِبُ فِي الْغُرْبَةِ والْمُحَدِّثُ فِي الْخَلْوَةِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى السَّرَّاءِ والضَّرَّاءِ، والسِّلَاحُ عَلَى الْأَعْدَاءِ، وَالزّيْنُ عِنْدَ الأخِلَّاءِ، يَرْفَعُ اللَّهُ بِهِ أَقْوَامًا فَيَجْعَلُهُمْ فِي الْخَيْرِ قَادَةً وَأئِمَّة يُقْتَصُّ آثَارُهُمْ، وَيُقْتَدَى بِأفْعَالِهِمْ وَيُنْتَهَى إِلَى رَأْيِهِمْ، تَرْغَبُ الْمَلَائِكَة فِي خُلَّتِهِمْ وَبِأجْنِحَتِهَا تَمْسَحُهُمْ، يَسْتَغْفِرُ لَهُمْ كُلُّ رَطْبٍ وَيَابِسٍ، وَحِيتَانُ الْبَحْرِ وَهَوَامه وَسِبَاعُ الْبَرِّ وَأَنْعَامُهُ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ حَيَاةُ الْقُلُوبِ مِنَ الْجَهْلِ وَمَصَابِيحُ الْأَبْصَارِ مِنَ الظُّلَمِ، يَبْلُغُ الْعَبْدُ بِالْعِلْمِ مَنَازِلَ الْأَخْيَارِ وَالدَّرَجَاتِ الْعُلَا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَالتَّفَكُّرُ فِيهِ يَعْدِلُ الصِّيَامَ وَمُدَارَسَتُهُ تَعْدِلُ الْقِيَامَ، بِهِ تُوصَلُ الْأَرْحَامُ وَبِهِ يُعْرَفُ الْحَلَالُ مِنَ الْحَرَامِ، وَهُوَ إِمَامٌ وَالْعَمَلُ تَابِعُهُ يُلْهَمُهُ السُّعَدَاءُ وَيُحْرَمُهُ الْأَشْقِيَاءُ» رواه ابن عبدالبرّ في كتاب العلم.
الجزء 1 · صفحة 22
(فصاروا) العلماء في الدِّين (في الدِّين) حدّه: وضع إلهي يسوق الله إليه عباده (ينابيع الحكم) جمع حكمة: وهي مصدر من الإحكام وهو الإتقان في قول أو عمل، وكتاب الله - تعالى - حكمة، وسنة نبيّه ? حكمة، وكذلك العلم حكمة، والعقل والفهم حكمة، والينابيع جمع ينبوع وهو عين الماء، استعير للعلم والحكمة، (وفي الشريعة) أي: وصاروا في الشريعة: هي الطَّريقة الظَّاهرة في الدّين، يقال شريعة محمَّد صلى الله عليه وسلم، كما يقال شرع محمَّد.
(مصابيح الظلم) جمع مصباح: وهو السِّراج، والنَّاس كلّهم في ظلمة الجهل، والعلماء بينهم سُرج ومصابيح، تُضيء بهم الطَّرق إلى الله تعالى، يهتدون بها في ظلمات الجهل. (ضاعف الله لهم الحسنات) كثَّر الله حسناتهم جمع حسنة (ورفع لهم في جنَّاته الدَّرجات)، أي: رفع للعلماء الدَّرجات، قلت: في كلامه إشارة وتلميح إلى قوله تعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} (المجادلة: 11).
قال ابن عباس رضي الله عنهما: "للعلماء درجات فوق المؤمنين بسبعمائة درجة، ما بين الدرجتين مسيرة خمسمائة عام"، والدَّرجات هي الطَّبقات من المراتب.
الجزء 1 · صفحة 23
واعلم أنَّه يقال في الجنَّة درجات، وفي النَّار دركات، فإنْ قلت ما معنى جمع الجنَّة؟ الجواب: أنّ الجنَّة اسم لدار الثواب كلها، وهي مشتملة على جنان كثيرة، مرتبة مراتب على حسب استحقاق العاملين، لكل طبقةٍ منهم جنَّات من تلك الجنان. روي عن ابن عبَّاسٍ رضي الله عنهما: "الجِنان سبعٌ: دار الجلال، ودار السَّلام، وجنَّة عدن، وجنَّة المأوى، وجنَّة الخُلْدِ، وجنَّة الفردوس، وجنَّة النَّعيم"، وفي كلِّ واحدة منها مراتب ودرجات متفاوتة بحسب أعمال العاملين (كما أخبر في كتابه عالم السِّر والخفيّات) في قوله عالم السِّر والخفيَّات تلميحإلى قوله تعالى: {فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى} (طه: 7)، {وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} (المجادلة: 11)، أي: بقوله: (والذَّين أوتوا العلم).
(أحمده وهو بالحمد) الواو للحال، (جدير) حقيق، في تقديم المجرور دلالة على الاختصاص، (وأستنصره) أسأله سبحانه النصر على الأعداء الكافرين، (وهو نعم المولى ونعم النَّصير)، فيه إشارة وتلميح إلى قوله تعالى {أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (286)} (البقرة: 286) أي: أنت سيدنا ونحن عبيدك، فمن حق المولى أنْ ينصر عبيدَه.
وقوله: وهو نعم المولى ونعم النَّصير مقتبس من قوله تعالى: {وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (40)} (الأنفال: 40)، مولاكم أي: ناصركم ومعينكم فثقوا بولايته ونصرته.
(وأشهد أن لا إله إلّا الله وحده المنزه عن الشركاء والأضداد).
الجزء 1 · صفحة 24
فبعض الكفار جعل لله شريكًا، فعبد مع الله غيره، وبعضهم جعل له ضِدًّا أو ندًّا كالأصنام وغيرها تعالى الله عن ذلك، ولا يقال النِّد إلّا للمثل المخالف المناوئ؛ فإنْ قلت: إنَّ الكفار لا يعتقدون أنَّ الأصنام أنداد لله تعالى بل اعتقادهم أنَّهم شفعاؤُهم عند الله، فلِمَ سمّاهم أندادًا بقوله: {فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22)} (البقرة:22)، الجواب: أنَّهم لمّا عظَّموا الأصنام، وسَمَّوها آلهة، وكانوا في مظنَّة أن يجعلوها قادرة على مناوأته ومخالفته، أشْبهتْ حالهم حال من اعتقد أنَّها قادرة على المخالفة، (المتعالي عن الأزواج والأولاد)، خلافًا لما زَعمت الكفَّار أنَّ الله سبحانه وتعالى زوج ومريم زوجه وعيسى ابنه، وأنَّ الملائكة بنات الله، تعالى الله عمّا يقول الظَّالمون علوًا كبيرًا، فهو سبحانه القديم الأزل الواحد الأحد الفرد الصَّمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد.
قال فيه:
يقول العبد ومستغن إلهي عن ... نساء وأولاد إناث أو رجال
كذا عن كلِّ ذي عون ونصر ... تفرد ذو الجلالة والتعالي
وللقاضي عبدالوهّاب كتاب نفيس سمّاه "الجوهرة في المذاهب العشرة" يشير فيه إلى تسع طوائف أشركت بالله غيره، وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عَنْهُمَا، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: قَالَ الله: «كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَشَتَمَنِي، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، فَأمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ فَزَعَمَ أَنّي لا أقْدِرُ أن أعِيدَهُ كما كان، وأمّا شَتْمُهُ إِيَّايَ، فَقَوْلُهُ لِي وَلَدٌ، فَسُبْحَانِي أَنْ أتّخِذَ صَاحِبَةً أوْ وَلَدًا» رواه البخاريُّ.
الجزء 1 · صفحة 25
واعلم أنَّ كلَّ مقالة صرَّحت بعبادة غير الله أو معه كمقالة الدّهرية، وسائر فرق أصحاب الاثنين من الدَّيصانيّة والمانويّة، وأشباههم من الصَّابئين والنَّصارى والمجوس، والذين أشركوا بعبادة الأوثان والملائكة والشَّياطين والشَّمس والنَّجوم والنَّار من مشركي العرب، وأهل الهند، والصين والسودان وغيرهم ممّن لا يرجع إلى كتاب، وكذلك القرامطة، فهي كفر بإجماع الأمة.
(وأشهد أن مُحمَّدًا عبده ورسوله أرسله بأسدّ الطريق والمذاهب) أسدَّ بالسين المهملة، أفعل التّفضيل، أي: أصوبها وأقومها، والمذاهب جمع مذهب، ومذهب الرَّجل سيرته، ومذهبه في الدّين اعتقاده.
(واختاره من صفوة) أي: خلاصة و خيرة (النُّجباء) الكرماء جمع نجيب وهو الكريم البيِّن النَّجابة، (والنَّجائب) جمع نجيبة وهي الكريمة البيِّنة النَّجابة؛ يعني أنه ? كريم الطَّرفين آبائه وأمهاته إلى آدم عليه الصَّلاة والسَّلام، (وابتعثه) أي: بعثه بالرِّسالة (من أطهر المنابت) ... (والمناصب) أي: الأصول جمع منصب بكسر الصّاد.
عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ? «لما خلق الله آدم أهبطني في صلبه إلى الأرض، وجعلني في صلب نوح في السفينة وقذفني في النار في صلب إبراهيم، ثم لم يزل ينقلني في الأصلاب الكريمة إلى الأرحام الطاهرة حتى أخرجني من أبوين لم يلتقيا على سفاح قط»، وإلى هذا أشار العبَّاس بن عبدالمطلب فيه بقوله:
مِنْ قَبْلِهَا طِبْتَ فِي الظلالِ وَفِي ... مُسْتَوْدَعٍ حَيْثُ يُخْصَفُ الْوَرَقُ
ثُمَّ هَبَطْتَ الْبِلَادَ لَا بَشَرٌ ... أنْتَ ولا مُضْغَةٌ وَلَا عَلقُ
بَلْ نُطْفَة تَرْكَبُ السَّفِينَ وَقَدْ ... أَلجَمَ نَسْرًا وَأهَلَهُ الْغَرَقُ
تُنْقَلُ مِنْ صَالِبٍ إلى رَحِمٍ ... إذا مَضَى عَالِمٌ بَدَا طَبَق
الجزء 1 · صفحة 26
(من شجرة مرّة بن كعب بن لؤي بن غالب) إشارة إلى نسبه الطَّاهر من الشَّجرة المباركة الزَّكية، وهو مُحمَّد بن عبدالله بن عبدالمطلب بن هاشم بن عبد مناف، بن قصي بن كِلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك، بن النَّضر بن كنانة بن خُزيمة بن مُدركة، بن إلياس بن مُضر بن نِزار بن معد بن عدنان، ولا يختلف النسابون إلى عدنان ثم يختلفون فيما بعده، وقد عدَّ بعضهم بين معِد وإسماعيل أربعين أبًا (صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه).
اعلم أنَّ المراد من الآل إن كان أهل البيت المشار إليهم بقوله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (33)} (الأحزاب: 33).
فعطف قوله ... وأصحابه تعميم بعد التخصيص؛ وإن كان الأتقياء فعطف الأصحاب من قبيل عطف الخاص على العام؛ لأنَّ الأتقياء يدخل فيهم كل مؤمن تقي.
(وأزواجه) جمع زوج وهنَّ زوجاته صلى الله عليه وسلم، والصَّلاة على آل النَّبي ? وأصحابه وأزواجه جائزةبطريق التَّبع (صلاة دائمة باقية ما استنار البيت العتيق (بزوَّاره)، أي: زائريه.
(والرّكن) الأسود وهو الحجر الأسود (بورَّاده) جمع وارد (وسلَّم وكرَّم)، أي: و سلَّمه وكرَّمه.
(أمّا بعد)، أي: أمّا بعد حمد الله تعالى والصَّلاة والسَّلام على نبيّه ? (فإنّي لما رأيت قصور همّ النَّاس في طلب العلم، واشتغالهم) أي: ورأيت اشتغالهم (بما لا يعنيهم).
وحدُّ: ما لا يعني، هو: ما لو تركت لم يفت به ثواب، ولم ينجَبر به ضرر، يُحكى أنَّ أبا يوسف رحمه الله تعالى دخل على هارون الرشيد، وعنده رجلان يتناظران في الكلام، فقال الرشيد: احكم بينهما يا أبا يوسف. فقال: يا أمير المؤمنين، أنا لا أشتغل بما لا يعنيني، فاستحسن الخليفة ذلك، وأمر له بعشرة آلاف درهم، وأمر بأن يكتب في الدَّواوين أنَّ أبا يوسف أخذ عشرة آلاف درهم بترك ما لا يعنيه. كذا في "المضمرات".
الجزء 1 · صفحة 27
(وإعراضهم) أي: ورأيت إعراضهم (عمَّا يقربهم إلى مرضاة خالقهم وبارئهم ومبدئهم) الباري هو الخالق، والفرق بينهما أنّ الخالق في كلامهم هو المقدِّر ويخلقون إفكًا، أي يقدِّرون كذبًا، فتبارك الله أحسن الخالقين؛ المقدِّرين.
والباري هو الَّذي خلق الخلق بريًا من الاضطراب، وعدم التناسب متميزًا بعضه من بعض، بالأشْكال المختلفة، والصور المتباينة، ولهذا المعنى اختصّ في الغالب بالحيوان كما قيل: فلق الحبَّة وبرأ النَّسمة لا يستعمل في الجمادات إلّا في النَّادر؛ لأنّ المعنى الَّذي ذكرناه في الحيوان أظهرُ وأكثر، والمُبدي هو المخرجُ الخلقَ من العدم إلى الوجود (وما لا بدَّ لهم منه) أي: وإعراضهم عمّا لا بدّ لهم منه.
(حداني) هذا جواب لمّا، أي: ساقني مأخوذ من حدو الإبل (ذلك) فاعل حداني (أن أجمع لهم) أي: على أن أجمع لهم، وإنّما عُدِّي حدا بـ"على" لتضمينه حمل وعلى أنْ أجمع في محلِّ الحال؛ بمعنى "مع"، ويجوز أن يكون المراد معناه الحقيقي باعتبار جعل نفسه مستعليًا استعلاء معنويًّا على جمع المختصر لكونه محققًا عنده.
(مختصرًا) موجز المباني كثير المعاني (نافعًا في العبادات) متعلق بمختصر، أي: مختصرًا مصنفًا في أبواب العبادات، أي: ... بعض العبادات، وهي الصلوات، والزكاة، والصوم، دون ... المعاملات.
(حجمه)، أي: ملمسه تحت يدك (صغير) (وعلمه كبير)، بالباء الموحدة لتناسب الصغير، ومعناه كثير، إشارة إلى إيجاز ألفاظه وكثرة علومه (ونفعه غزير)، أي: كثير.
(يستبصر به المبتدي) يحصل للمبتدئ، أي: النَّاشئ في الصناعة الطالب للعلم بصيرةً في هذا الفن، ويعرف به المطلوب (ويستذكر به المنتهي) الاستذكار الدراسة للحفظ، أي: يتذكر به المنتهي في هذا الفن، أي: العالم.
الجزء 1 · صفحة 28
(ذكرت فيه) في المختصر (المهم) الأمر السَّديد، المحتاج إليه (الَّذي لا يستغني عنه المكلف) المسلم البالغ العاقل (وبيَّنت فيه) في المختصر، أي: أوضحت فيه (الفرائض) من كل باب من أبواب الصلاة، والزكاة، والصوم (والواجبات والسُّنن والآداب) وسيأتي الفرق بين الفرض والواجب والسنن والآداب إن شاء الله تعالى.
(ليكون) هذا المجموع المتصف بهذه الصِّفات المذكورة، وهو تعليل لقوله أنْ أجمع (عونًا ... على طاعة خالقه ورازقه)، أي: خالق العبد ورازقه، أي: معينًا على عبادة الله تعالى (ومقربًا) وليكون هذا المجموع مقربًا ... (إلى رضاه ورحمته) إلى رضا الله تعالى ورحمته (أسأل الباري) أطلب إلى الخالق (جلَّت) عظمت (قدرته) هذه الجملة معترضة (أن يجعل ما قصدته ونويته).
قلت: وممّا يحتاج إليه الفرق بين القصد والنية، ولعلّ النيّة أخصّ من القصد؛ لأنّ النيّة قصد مخصوص فيكون من عطف الأخصّ على الأعمّ (خالصًا لوجهه) لوجه الله تعالى لا رياء فيه ولا سمعة (ومقربًا من رحمته) من ثوابه وجنَّته، ومباعدًا من سخطه (بطَوله) بقوته (وفضله، إنَّه على كلِّ شيءٍ قدير) فاعل لما يشاء على قدر ما تقتضيه الحكمة، لا زائدًا ولا ناقصًا ونسأله التوبة والمغفرة والنجاة من الشيطان.
باب فضل طلب العلم
الباب لغةً: المعروف، واصطلاحًا: الموصل إلى المقصود، وقد يُعرَّف بأنَّه: طائفة من المسائل الفقهية، اعتبرت مستقلة غير مترجمة بالكتاب شملت أشخاصًا أو لم تشمل، فقوله: طائفة كالجنس، وقوله: من المسائل الفقهية احترازًا عن غيرها، وقوله: مستقلة، أي: مع قطع النَّظر عن تبعيتها للغير، أو تبعية غيرها إيَّاها؛ ليدخل فيه هذا الباب، فإنَّه تابع للصَّلاة ويدخل فيه باب الصَّلاة؛ فإنَّه يستتبع الطّهارة، وقد اعتبرا مستقلين، وقوله شملت أشخاصًا أو لم تشمل؛ لدفع قول من يقول الكتاب اسم لجنس يدخل تحته أنواع من الحكم، وكلّ نوعٍ يسمى بالباب.
الجزء 1 · صفحة 29
والباب: اسم لنوع يشتمل على أشخاص تسمى فصولًا، فإنّ الباب قد يكون كذلك، وقد لا يكون، فإنّ كثيرًا من الأبواب لم يذكر فيه فصل.
اعلم أنَّه رتّب هذه المقدمة على ثمانية أبواب، منها ما هو مشتمل على فصول:
الباب الأول: في فضل طلب العلم، وفيه أربعة فصول: فصل في مناقب الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه، فصل فيما يتعلق بالإيمان والتَّوحيد، فصل في المياه، فصل في التَّقدير.
الباب الثاني: في فضل الاستنجاء، وفيه خمسة فصول: فصل في كمية الاستنجاء، فصل في كيفية الاستنجاء، فصل في الاستنجاء في الصَّحراء، فصل في استنجاء المرأة، فصل في الفرق بين الاستنجاء والاستبراء والاستنقاء.
الباب الثالث: في فضل السِّواك، وفيه فصل في كيفية السِّواك.
الباب الرابع: في فضل الوضوء، وفيه ستة فصول: فصل في كيفية الوضوء، فصل في نواقض الوضوء، فصل في الاغتسال، فصل في كيفية الاغتسال، فصل في التيمّم، فصل في المسح على الخفين.
الباب الخامس: في فضل صلاة الفرض، وفيه ستة عشر فصلًا: فصل في عدد الرَّكعات، فصل في النَّيّة، فصل في صفة الصَّلاة، فصل في صلاة المرأة، فصل في الاستحباب، فصل في المنهيات، فصل في القراءة، فصل في قدر القراءة، فصل في الوتر، فصل في الترتيب، فصل في سجود السَّهو، فصل في سجود التَّلاوة، فصل في صلاة المسافر، فصل في صلاة الجمعة، فصل في صلاة العيدين، فصل في صلاة الجَنازة.
الباب السادس: في فضل الزّكاة وفيه ثلاثة فصول: فصل في الزَّكاة، فصل في صدقة الفطر، وفصل في معرفة أحوال بيت المال.
الباب السابع: في فضل شهر رمضان، وفيه ثمانية فصول: فصل في عدد الصيام، فصل في النيّة، فصل في الصَّوم، فصل في النسيان، فصل في العَمد، فصل في القيء، فصل في العذر، فصل في مسائل متفرقة.
الجزء 1 · صفحة 30
الباب الثامن: في العمل بالعلم، (اعلم وفقك الله وإيِّانا أنَّ العلم حسن) والجهل قبيح (وأحسن العلوم وأجلُّها بعد معرفة الله تعالى وتوحيده) في قوله "بعد معرفة الله تعالى وتوحيده" إشارة إلى أنَّ علم التَّوحيد أجلّ من علم الفقه وغيره من العلوم على الإطلاق، وأنَّه أشرف من غيره؛ لأنَّه يجب أن يُعرف المعبود ثم يعبد، وكيف يعبد من لا يَعرِفه بأسمائه وصفاته وما يجب له، وما يستحيل في نعته.
(علم الفقه وهو علم الشَّريعة والدِّين) المأخوذ من كتاب الله تعالى وسُنّة رسوله صلى الله عليه وسلم، دون غيره من العلوم الباطلة المحرمة كالتَّنجيم والسِّحر
والرَّمل وهو: الخط والطَّرق بالحصا ونحوه، والكهانة وعلم الفلسفة والطبايعيين، فكلها محرمة نص عليه العلماء.
واعلم أنّ الفقه: هو الفهم، واصطلح بعد ذلك الفقهاء وأصحاب الأصول على تخصيص الفقه بإدراك الأحكام الشَّرعية العملية بالاستدلال على أعيانها، واعلم أنّ العلوم تعود إلى ثلاثة: أحدها: علم التَّوحيد الَّذي هو أول واجب على المكلفين، وهو أنْ تعلم أنَّ لك إلهًا عالمًا قادرًا حيًّا متكلمًا ليس كمثله شيء، وهو السَّميع البصير.
الجزء 1 · صفحة 31
وهو الله الَّذي لا إله إلّا هو وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت، بيده الخير وهو على كل شيء قدير، أرسل نبيّه مُحمَّدًا ? إلى الإنس والجن كافة، وهو خاتم الأنبياء لا نبيّ بعده، وهو الصّادق فيما جاء به عن الله، وفيما ورد على لسانه من الأمور صلى الله عليه وسلم، ثم أنزل عليه القرآن الَّذي هو أكبر معجزة وبرهان، وهو كلام الله القديم، وصراطه المستقيم، الَّذي عجز الخلق عن الإتيان بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا، وهو المكتوب في المصاحف من أول "الحمد لله ربّ العالمين" إلى آخر "قل أعوذ برب النَّاس".
الجزء 1 · صفحة 32
الثاني: علم الأحكام الباطنة: وهي عبادات القلب وهي اكتساب واجتناب، فالاكتساب مثل معرفة الله تعالى على ما ورد في الكتاب والسُّنة، ومعرفة صدق رسله، والتزام التَّقوى والتَّوكل والإخلاص والصَّبر وشبه ذلك، والاجتناب مثل ترك الحسد والغضب والرِّياء والعُجب والكِبْر، وترك اعتقاد ما يخالف الشَّرع، الثالث: علم الشَّريعة الظَاهرة وهي: اكتساب واجتناب أيضًا، فالاكتساب مثل النُّطق بالشَّهادتين، وفعل الطهارة والصَّلاة والصّوم، وما جرى هذا المجرى، والاجتناب مثل اجتناب الزّنى والغصب والسَّرقة، فمن ذلك ما هو متعين على كلّ أحد، كعلم التَّوحيد وصدق الرُّسل والتَّصديق بما جاء به القرآن، والتزام التَّقوى، ونحو ذلك من عبادات القلب المكتسبة، وما يحتاج إليه لإقامة الفروض، كالوضوء والصَّلاة والصَّوم وغيرها وكالزَّكاة لمن له مال زكوي، وكمن يبيع ويتّجر يتعيَّن عليه معرفة أحكام التِّجارة، وما يصح من المعاملات ونحو ذلك من المهمات، وأمّا علم القلب وهو معرفة أمراضه المحرمة كالغضب والحقد والحسد والكِبْر والرِّياء، فمن رزق قلبًا سليمًا منها كفاه ذلك، ومن لم يسلم وتمكن من تطهير قلبه من غير معرفة أسبابها وحدودها وعلاجها، وجب تطهيره، وإن لم يتمكن إلّا بتعلُّم تعيَّن ذلك، مثال علاجها أن تعالج الغضب عند هيجانه بأن تعلم ثواب كظم الغيظ، وتذكر قوله لموسى: «من ذكرني حين يغضب ذكرته حين أغضب ولم أمحقه فيمن أمحق» وقوله له أيضًا: «أتحبُّ أمانًا من غضبي؟ قال: نعم، قال: لا تغضب على من تحت يدك»، ثم يخوف نفسه من عقاب الله تعالى، ويعلم أنَّه أقدر عليه، ويحذر نفسه عاقبة الانتقام، فإنّ العدوّ مستمر لمعاداته، فتصير العداوة طويلة، ويتفكر في قبح صورة غيره عند الغضب؛ فيقيس نفسه عليه، ويعلم أنَّه يشبه السَّبع الضَّاري إذا استعمله، ومتى استعمل الحلم والعفو أشبه الأنبياء والأولياء، ثم يتعوذ من الشَّيطان الرّجيم ويقول: اللَّهم
الجزء 1 · صفحة 33
ربَّ النَّبي مُحمَّد اغفر لي ذنبي، وأذهب ... غيظ قلبي، وأعذني من مضلات الفتن، ويتوضأ ويتحول عن مكانه، وليجلس إن كان قائمًا، وليضطجع إن كان جالسًا، ... ثم بعدها يتعيَّن عليك العلم، فتعلم العلم النَّافع أفضل من النَّوافل ومن سائر العلوم، قال بعضهم: والعلم النَّافع هو ما يزيد في خوفك من الله تعالى، وفي بصيرتك بعيوبك، وفي معرفتك بعبادة ربك، وفي رغبتك في آخرتك، ويقلل رغبتك في الدُّنيا، ويقصِّر أملك، ويفتح بصيرتك بآفات عملك؛ لتتحرز منها، ويطلعك على مكايد الشَّيطان وتلبيسه على العلماء السُّوء، حتى أكلوا الدُّنيا بالدِّين، واتخذوا علمهم وُصلة إلى أبواب السّلاطين، وأكل مال الوقف والمساكين، وصرف همتهم إلى طلب الجاه، والمنزلة في قلوب المخلوقين، واضطرهم إلى المراء، والمنافسة وما يغضب ربَّ العالمين، قال ... : وكلُّ علم لا يدعوك من الدّنيا إلى الآخرة فالجهل أعود عليكمنه، فإن فرغت من هذا العلم النَّافع، وأصلحت نفسك باطنًا وظاهرًا، فلا بأس باشتغالك بعلم المذهب في الفقه، ثمّ قال ... : كما إن الشَّرعيات تفضل غيرها من العلوم، فالعلم الَّذي يتعلق بحقائق الشَّريعات يفضل ويزيد على الأحكام الظّاهرات، فالفقيهيحكم على الظاهر بالصحة والفساد، ورواة العلم الَّذي يتعرف به كون العبادة مقبولة أو مردودة، ونحو ذلك من علوم أهل الباطن والمكاشفات، انتهى.
الجزء 1 · صفحة 34
{يُؤْتِي الْحِكْمَةَ} (البقرة: 269) يوفّق علم الفقه والعمل به، والحكيم عند الله سبحانه وتعالى هو العالم العامل، {مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا} (البقرة: 269) في تنكير الخير ووصفه بالكثرة دليل على عظمه، (قال الكلبي رحمه الله) هو: مُحمَّد بن السّائب بن بشر أبو النَّضر الكلبيُّ الكوفي صاحب التَّفسير وعلم النَّسب، كان إمامًا في هذين العِلمين، وكان من أصحاب عبدالله بن سبأ الذي يقول: إنَّ علي بن أبي طالب رضي الله عنه لم يمت، وأنَّه راجع إلى الدُّنيا، روى عنه سُفيان الثوري ومحمد بن إسحاق، شهد أبوه وجدّه وقعة الجمل وصفّين مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه، توفي سنة ست وأربعين ومائة، والكلبي نِسْبة إلى كلب ابن وبرة، وهي قبيلة كبيرة من قضاعة، (يعني) بالحكمة (الفقه)، وقال (مجاهد) بن جبر الإمام أبو الحجاج المكي صاحب التفسير: عرض القرآن على ابن عبَّاس ثلاثين مرة، توفي سنة ثلاث ومائة عن نيف وثمانين سنة (أراد بها) بالحكمة (الإصابة في القول والفقه) بالنَّصب عطف على الإصابة، أي: وأراد بها الفقه (والفهم) وهو: إدراك الشيء.
الجزء 1 · صفحة 35
واعلم أن الإدراك جنس تحته أربعة أنواع تعقل وتخيل وتوهم وإحساس، وقال الله تعالى: {وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ} (النساء: 113) الخطاب لمحمد صلى الله عليه وسلم، الكتاب القرآن، {وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ} (النساء: 113) من خفيات الأمور وضمائر القلوب، أو من أمور الدِّين والشَّرائع، (قيل) أي: قال بعض المفسرين: (أراد بالحكمة القضاء) بالوحي (والمواعظ) قال النووي: رحمه الله في "شرح مسلم": "وأمّا الحكمة: ففيها أقوال كثيرة مضطربة، قد اقتصر كلّ من قائلها على بعض صفات الحكمة، وقد صفا لنا منها أنَّ الحكمة: عبارة عن العلم المتَّصف بالأحكام المشتمل على المعرفة بالله تعالى المصحوب بنفاذ البصيرة، وتهذيب النَّفس، وتحقيق الحق بالعمل به والصَّد عن اتباع الهوى والباطل، والحكيم: من له ذلك" انتهى.
(وقال الله تعالى) ومنهم أي: من المؤمنين { ... مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً} (البقرة: 201) أي: الجنة {وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} (البقرة: 201)، (قال الحسن البصري) إمام أهل البصرة وحبر زمانه، ولد بسنتين بقيتا من خلافة عمر رضي الله تعالى عنه، وسمع خطبة عثمان رضي الله عنه وشهد يوم الدار، قال ابن سعد في "الطبقات": كان جامعًا عالمًا رفيعًا فقيهًا حجة مأمونًا عابدًا ناسكًا كثير العلم فصيحًا، جميلًا وسيمًا رحمه الله تعالى، توفي سنة عشر ومائة، أبوه مولى زيد بن ثابت الأنصاري، وأمه خيرة مولاة أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وربَّما غابت في حاجة فيبكي فتعطيه أم سلمة رضي الله عنها ثديها، تعلله به إلى أن تجيء أمّه فدرّ عليه ثديها فشربه، فيرون أنَّ تلك الحكمة والفصاحة من بركة ذلك.
الجزء 1 · صفحة 36
قال القشيري: "لمَّا كانت اللَّيلة التي توفي فيها الحسن، رأى بعض أصحابه في النَّوم كأن أبواب السَّماء قد فتحت، وكأنَّ مناديًا ينادي الآن الحسن قد قدم على الله تعالى وهو عنه راضٍ. (أراد بها) أي: بحسنة الدنيا (العلم) النَّافع (والعبادة) وعن علي رضي الله عنه: "الحسنة في الدنيا المرأة الصَّالحة وفي الآخرة الحور، وقنا عذاب النَّار، قال: امرأة السُّوء".
(وقال الله تعالى: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً} (التوبة: 122) المعنى أنَّ نفير الكافة عن أوطانهم لطلب العلم والخير بصدق نيّة وغرض صحيح غير ممكن، وإنْ أمكن فرضًا فواجب على كلِّ ذلك، وإذا كان نفير الكلِّ على ذلك غير ممكن {فَلَوْلَا} (التوبة: 122) فهلّا {نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ} (التوبة: 122) جماعة كثيرة {مِنْهُمْ طَائِفَةٌ} (التوبة: 122) جماعة يسيرة {لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ} (التوبة: 122) إن لم يكن لهم غرض سوى إنذار قومهم {إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (122)} (التوبة: 122) ليحذروا عقاب الله تعالى لعلمهم أمره ونهيه.
الجزء 1 · صفحة 37
(وقال الله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ} (النمل: 15) ابنه {عِلْمًا} أي: طائفة من العلم أو علمًا سنيًّا عزيزًا فعملا به وعلماه وعرفا حق النعمة فيه والفضيلة، {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً} (التوبة: 122). {وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (15)} (النمل: 15) والكثير المفضل عليه لم يؤت علمًا، أو من لم يؤت مثل علمهما، وفيه أنَّهما فضّلا على كثير وفضل عليهما كثير، وفي الآية دليل على شرف العلم وأنافة محله وتقدّمُ حملته وأهله، وأنَّ نعمة العلم من أجلِّ النّعم وأجزل القِسم، وأنَّ من أوتيه فقد أوتي ... فضلًا على كثير من عباد الله، قال الزَّمخشريُّ: وما سمّاهم رسول الله ? ورثة الأنبياء إلّا لمداناتهم لهم في الشّرف والمنزلة؛ لأنّهم القوّام بما بعثوا من أجله، وفيها أنّه يلزمهم لهذه النّعمة الفاضلة لوازم، منها أن يحمدوا الله تعالى على ما أوتوه من فضلهم على غيرهم، وفيها التَّذكير بالتَّواضع، وأن يعتقد العالم أنَّه إن فُضِّل على كثير فقد فُضِّل عليه مثلهم، وما أحسن قول عمر رضي الله عنه: "كلُّ النَّاسِ أفقه من عُمر"!
قال الله تعالى: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ} (المجادلة: 11)، أي: يرفع الله المؤمنين بامتثال أوامره وأوامر رسوله {وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} (المجادلة: 11) والعاملينمنهم خاصة {دَرَجَاتٍ} (المجادلة: 11).
مطلب فضل العالم على المؤمن الجاهل
الجزء 1 · صفحة 38
عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه أنَّه كان إذا قرأها قال: يا أيُّها النَّاس افهموا هذه الآية لترغِّبكم في العلم، قال الزمخشريُّ في "الكشاف": وعن النبي ?: «بين العالم والعابد مائة درجة، بين كلِّ درجتين حضر الجواد المضمر سبعين سنة» ، قال الشَّيخ وليّ الدّين العراقيُّ: رواه أبو يعلى الموصلي في مسنده، وابن عدي في الكاملمن حديث أبي هريرة، وفيه عبدالله بن محرز ضعيف، وحضر الفرس عدوه؛ فإن قلت: ما المراد بالدّرجات؟ هل هو على الحقيقة وهي المنازل، أو المجاز وهي الرّفعة؟ الجواب: يحتمل أنّ هذا على ظاهره، وأنّ الدّرجات المنازل الَّتي بعضها أرفع من بعض في الظّاهر، وهذه صفة منازل ... الجنَّة كما جاء في الأثر أنَّهم يتراءون كالكوكب الدُّري، ويحتمل أن المراد المجاز، وهو الرِّفعة من كثرة النَّعيم وعظيم الإحسان، ممّا لميخطر على قلب بشر، وإنّ أنواع ما أنعم الله عليه به من البِّر والكرامة يتفاضل تفاضلًا كثيرًا، ويكون تباعده في الفضل كما بين السّماء والأرض في البعد، والاحتمال الأول أظهر، قال الزَّمخشريُّ: وعنه عليه الصَّلاة والسَّلام: «فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب» ، قال الشَّيخ وليُّ الدِّين العراقيُّ: رواه أصحاب السُّنن الأربعة من حديث أبي الدَّرداء.
قال الزّمخشري: وعنه ?: «يشفع يوم القيامة ثلاثة، الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء» قال الشَّيخ وليُّ الدِّين العراقيُّ: رواه ابن ماجة من حديث عثمان بن عفان، وفيه عنبسة بن عبدالرحمن القرشي وهو ضعيف.
الجزء 1 · صفحة 39
قال الزَّمخشري فأعظم بمرتبة، هي واسطة بين النبوّة والشَّهادة بشهادة رسول الله ?، وقال صلى الله عليه وسلم: «أوحى الله إلى إبراهيم: يا إبراهيم، إني عليم أحب كل عليم» ذكره ابن عبدالبر في العلم بغير إسناد، وعن بعض الحكماء: ليت شعري أي شيء أدرك من فاته العلم، وأي شيء فات من أدرك العلم، وعن الأحنف: كاد العلماء يكونون أربابًا، وكلُّ غرّ لم يوطد بعلم فإلى ذل مصيره، وعن (الزهري) الزبيري: "العلم ذكر فلا يحبه إلّا ذكور الرِّجال"،
وقال الله تعالى {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} (الزمر: 9)، قال الزَّمخشري: أراد بالذين يعلمون العاملين من علماء الدِّيانة؛ كأنَّه جعل من لا يعمل غير عالم، وفيه ازدراء عظيم بالذين يقتنون العلم ثم لا يقنتون، ويتفننون فيها ثم يفتنون بالدُّنيا، فهم عند الله جهلة.
(وقد نزلت في فضل العلم آيات كثيرة أعرضنا عن ذكرها لئلّا يطول الكتاب) فيفوت الغرض المطلوب وهو الاختصار، ولمَّا فرغ من ذكر الآيات الدَّالة على فضيلة العلم على غيره أخذ في ذكر الأحاديث والآثار الدَّالة على ذلك، وما حُكي عن السَّلف في ذلك، فقال:
الجزء 1 · صفحة 40
(وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم): من حديث عبدالله بن مسعود رضي الله عنه «إذا أراد الله بعبد خيرًا فقهه في الدِّين وألهمه رشده» رواه البزَّار والطبراني في الكبير بإسناد لا بأس به، وفي حديث آخر «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدِّين»، رواه البخاري ومسلم وابن ماجة، وقوله فقَّهه في الدِّين، أي: جعله عالمًا بأحكام الشَّريعة ذا بصيرة فيه، فيصير قلبه ينبوع العلم؛ ليستخرج بفهمه المعاني الكثيرة من اللفظ الموجز، وقال الحكيم الترمذي: (والفقه هو انكشاف الغطاء عن الأمور، فإذا عبدالله بما أمر ونهى بعد أن فهمه وعقله، وانكشف له الغطاء عن تدبيره فيما أمر ونهى، فهي العبادة الخالصة المحضة، وذلك أن الذي يؤمر بالشيء فلا يرى زين ذلك الأمر، وينهى عن الشيء فلا يرى شينه، هو في عمى من أمره، فإذا رأى زين ما أمر به وشين ما نهى عنه عمل على بصيرة، وكان قلبه عليه أقوى ونفسه به أسخى، وحمد على ذلك وشكر والذي يعمى عن ذلك فهو جامد القلب كسلان الجوارح).
الجزء 1 · صفحة 41
واعلم أنَّ الإنسان إذا أخذ حظًّا وافرًا من الفقه ينبغي ألّا يقتصر عليه؛ ولكن ينظر في علم الزهد، وفي كلام الحكماء، وشمائل الصّالحين؛ فإنّ الإنسان إذا تعلم الفقه ولم ينظر في الزُّهد والحكم قسا قلبه، والقلب القاسي بعيد من الله تعالى، واعلم أنَّ في هذا الحديث بحثين؛ البحث الأول: الإرادة المذكورة هل هي على بابها أم تكون في المستقبل أو تكون بمعنى الماضي؟ محل احتمال؛ فإنْ كانت بمعنى الماضي: فمعناه ما سبق من حكمه عزّ وجل وقدره، وإن كانت للمستقبل: وهو أولى لأنَّ اللفظ يحمل على صيغته في المستقبل؛ فتكون الإرادة في العاقبة؛ ولهذا افترق المؤمنون على طائفتين، فطائفة غلب عليها الخوف من السَّابقة، وطائفة غلب عليها الخوف من الخاتمة، وبينهما فرق من طريق المشاهدة وعدمها، وهي أنَّ السَّابقة لا يعلمها أحد إلّا الله - عزّ وجلّ - ومن شاء اطلاعه عليها بالإخبار له فلا يقع بالسابقة علم إلّا عند معاينة الخاتمة لأنها تدل عليها؛ إذ هي تتضمنها بخلاف الخاتمة؛ لأنَّها مشاهدة مدركة حين يقضي الله بها يعاينها بعض النَّاس، ولهذا قال ?: «من مات على خير عمله فارجوا له خيرًا»، وقد نطق الكتاب والحديث بهما، فقال تعالى في السَّابقة: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى} ، (الأنبياء: 101) وفي الخاتمة: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ} (إبراهيم: 27) فالتَّثبيت في الحياة الدُّنيا عند الموت، وفي الآخرة عند سؤال الملكين في القبر، وقال ?: في السَّابقة لأبي هريرة «جفَّ القلم بما أنت لاقٍ فاقتصر على ذلك أو ذر»، وفي الخاتمة إنَّما الأعمال بخواتيمها.
الجزء 1 · صفحة 42
البحث الثاني: في الخير، هل المراد به العموم من خير الدُّنيا والآخرة، أو الخصوص وهو الجنَّة؟ محل احتمال! والأول أولى، وقال ?: «من تفقه في دين الله كفاه الله مؤونة دينه ودنياه»، كما قال في حديث آخر: «كفاه الله همه ورزقه من حيث لا يحتسب».
واعلم أنَّ هذا الحديث يؤيد المعنى المراد من الخبر، وهو العموم المذكور آنفًا.
وقال ?: «من سلك طريقًا يطلب فيه علمًا» ، إنما نكّر علمًا ليتناول كلَّ نوع من أنواع علوم الدين، ويندرج تحته قليل العلم وكثيره، («سهل الله له طريقًا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع».
فإنْ قلت: ما المراد بوضع الأجنحة؟ هل هو حقيقة في فرش الجناح لطالب العلم أو مجاز؟ وما المراد به؟ وما علاقته؟ وهل المراد بالملائكة على العموم أو ملائكة مخصوصون؟ ومن هم؟ وهل وضع الأجنحة لطالب العلم في الدُّنيا أو في الآخرة أو فيهما؟ الجواب: يحتمل أنَّه أراد به فرش الأجنحة حقيقة تواضعًا لطالب العلم، حيث يبذل وسعه في ابتغاء مرضاة الله، لا سيما إذا وجدت سائر أحواله مشاكلة لطلب العلم، ويحتمل أنَّه أراد به مجازًا عن تليين الجانب والانقياد والفيء عليه بالرحمة والانعطاف، وذلك مثل قوله سبحانه: {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ} (الإسراء: 24)، ويحتمل أنَّ المراد من الملائكة العموم، ويحتمل أنَّ المراد الخصوص وهم الكرام الكاتبون، ويحتمل أن يكون صنيعهم هذا في الدُّنيا، ويحتمل أن يكون ... في الآخرة، ويحتمل أن يكون في الدارين جميعًا، و في كلِّ ذلك توقير الملائكة طلاب العلم ، والاستشعار في أنفسهم تعظيمًا لهم والنظر إليهم بعين المهابة والجلال، فضرب المثل بما ضرب تحقيقًا لتلك المعاني، قوله: رضًا بما يصنع، أي: تواضعًا لطالب العلم بسبب صنعه، ويحتمل أن يكون المراد منه ابتغاء مرضاته.
الجزء 1 · صفحة 43
«وإنّ العالم ليستغفر له من في السَّماوات ومن في الأرض، والحيتان في جوف الماء،» وأي: منصب يزيد على منصب من تشتغل الملائكة في السَّماوات والأرض بالاستغفار له، فهو مشغول بنفسه، وهم مشغولون بالاستغفار له.
فإن قلت: ما المراد باستغفارهم؟ هل هو على الحقيقة أو على المجاز؟ وما المراد بالمجاز؟ وما وجه الحكمة فيه؟ الجواب: يحتمل أن يكون استغفار هذه الأصناف المذكورة من الخلائق بعضه على الحقيقة، بأنْ ألهَمَ الحيتان وغيرها من أنواع الحيوانات الاستغفار للعلماء، وبعضه على المجاز وهو أن يكتب الله له بعدد كل حيوان من الأنواع المذكورة كالحيتان وغيرها مغفرة، ووجه الحكمة فيه أنَّ صلاح العالم بالعلم ، وما من شيء من الأصناف المذكورة من الخلائق بعضه على الحقيقة وبعضه على المجاز، وهو أن يكتب له بكل حيوان مغفرة إلّا وله مصلحة معقودة ... بالعلم، وقد كان أبو ذرّ رضي الله عنه يقول: "تركنا محمدٌ ? وما من طائر يحرك جناحيه في السَّماء إلّا وقد أذكرنا منه علمًا"، فكتب الله على كلِّ نوع منها لطالب العلم استغفارًا جزاء له بعلمه المعقود به صلاحها"، وليس هنا محل استيعاب مصالحهاالمعقود بالعلم، ولنكتفِبما أشرنا إليه، «وإنَّ فضل العالم»، أي: العامل بعلمه «على العابد» غير العالم «كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب».
وقال أبو أمامة الباهلي رضي الله عنه ذكر لرسول الله ? رجلان، أحدهما عابد والآخر عالم:، فقال رسول الله ?: «فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم» ، ثم قال رسول الله ?: «إنَّ الله تعالى وملائكته وأهل السَّماوات والأرض حتى النَّملة في جحرها وحتى الحوت في البحر يصلون على معلمي النَّاس الخير» رواه الترمِذي وقال: حديث صحيح، قوله رجلان أحدهما عابد والآخر عالم، يريد رجلين يكون أحدهما كذا والآخر كذا على سبيل التَّمثيل، ولم يرد رجلين بأعيانهما، والله أعلم.
الجزء 1 · صفحة 44
فانظر كيف نزل العلم مقارنًا لدرجة النبوّة، وكيف حطّ رتبة العمل المجرد عن العلم، وإن كان العابد لا يخلو عن علم بالعبادة الَّتي يواظب عليها، ولولاه لم تكن عبادة.
الزُّهد بلا علم كالقوس بلا وتر، وإنّ العلماء ورثة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ومعلوم أنَّه لا رتبة فوق النبوة، ولا شرف فوق شرف الوراثة لتلك النبوة، وقد روي عن ابن عبّاس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ?: «من جاء أجله وهو يطلب العلم لقي الله تعالى ولم يكن بينه وبين النبيّين إلّا درجة النبوة» رواه الطبراني في الأوسط.
(وإنّ الأنبياء لم يورِّثوا درهمًا ولا دينارًا) لقول عائشة رضي الله تعالى عنها: «ما ترك رسول الله ? عند موته دينارًا ولا درهمًا، ولا شاة ولا بعيرًا، ولا أوصى بشيء»، وعن عمرو بن الحارث أخي جويرية رضي الله عنها قال: «ما ترك رسول الله ?عند موته درهمًا ولا دينارًا ولا عبدًا ولا أمة ولا شيئًا إلّا بغلته البيضاء وسلاحه وأرضًا جعلها صدقة» رواه البخاري ومسلم.
قال العلماء: والحكمة في أنّ الأنبياء عليهم السَّلام لا يورثون؛ أنَّه لا يؤتمن أن يكون في الورثة من يتمنى موته فيهلك، لئلّا يظن به الرغبة في الدُّنيا لورّاثهم؛ فيهلك الظانّ وينفر النَّاس عنهم (وإنَّما ورَّثوا)، أي: خلفوا بعدهم (العلم) ينتفع به أمتهم دنيا وآخرة، فهم أعمّ نفعًا من المال المخلّف، وبهذا صار العلماء ورثة الأنبياء، (فمن أخذه) أخذ العلم (أخذ بحظ) بنصيب من النبوة (وافر) كامل، روى هذا الحديث أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وابن حبان في صحيحه، والبيهقي.
الجزء 1 · صفحة 45
(وقال ?: «من أحبّ أن ينظر إلى عتقاء الله من النار فلينظر إلى المتعلمين») الآخذين من العلم عن العلماء («فوالَّذي نفس مُحمَّد) ? (بيده) كان ? إذا اجتهد في اليمين قال: لا والّذي نفس أبي القاسم بيده (ما من متعلم) من زائدة، أي: ليس متعلم (يختلف إلى باب العالم يتردد إليه لطلب العلم (إلّا كتب الله له) للمتعلم (بكلِّ قدم)، أي: خطوة يخطوها إلى باب العالم لقصد طلب العلم (عبادة سنة») كما روي عن رسول الله ? قال: «قليل العلم خير من كثير العبادة، وكفى بالمرء فقهًا إذا عبد الله تعالى، وكفى بالمرء جهلًا إذا أعجب برأيه» رواه الطبراني في الأوسط. وروي عن أبي ذرّ وأبي هريرة رضي الله عنهما أنَّهما قالا: ... : «لباب يتعلمه الرَّجل أحب من ألف ركعة تطوّعًا» رواه البزَّار والطبراني في الأوسط إلّا أنَّه قال: «خير له من ألف ركعة».
(وبنى الله له) أمر بأن يبنى له بكلِّ قدم يخطوها إلى باب العالم مدينة في الجنَّة، ويمشي على الأرض والأرض تستغفر له، ويمسي ويصبح مغفورًا لذنبه، وشهدت الملائكة: هؤلاء المتعلمون عتقاء الله من النَّار.
وقال النبي ?: «من طلب العلم لغير الله لم يخرج من الدُّنيا» لم يمت .... «حتى يأتي عليه العلم فيكون لله تعالى» فببركة العلم يحصل له في آخر عمره الإخلاص لله تعالى، ويختم له بخير.
ومن طلب العلم مخلصًا لله تعالى ابتغاء مرضاته، وطلبًا لثوابه؛ فهو كالصائم نهاره والقائم ليله فلم يزل في عبادة ليله ونهاره، وأن بابًا من العلم، أي: فنًّا من فنون العلم يتعلمه الرَّجل خير من أن لو كان له أبو قُبيس جبل من جبال مكة، أقرب جبل في الأرض إلى الكعبة، وهو أحد أخشبيها ذهبًا، فأنفقه في سبيل الله يحتمل أن يكون على العموم في وجوه الخير، ويحتمل أن يكون مخصوصًا بالجهاد، والأول أصحّ المعنى، تعلم مسألة من العلم النَّافع والعمل بها أفضل عند الله تعالى من إنفاق جبل ذهبًا في سبيل الله.
الجزء 1 · صفحة 46
(وقال الحسن البصري: رحمه الله «مداد العلماء يوزن يوم القيامة بدم الشَّهداء) فيرجح مداد العلماء ، فظهر بهذا فضل العلماء على الشَّهداء، ولك أن تقول ما السرّ في فصل المؤلف بين الأحاديث الواردة في فضل طلب العلم بما حكاه عن الحسن البصري وغيره؟ وما النَّكتة في ذلك، وكان ينبغي له أن يسرد الأحاديث كلها على نسق واحد، ثم يذكر ما جاء عن العلماء في فضل طلب العلم؟
وكانوا يقولون العلماء سُرج الأزمنة، كل عالم مصباح زمانه يستضيء به أهل عصره قال الحسن البصري: لولا العلماء لصار النَّاس مثل البهائم، أي: أن العلماء بتعليمهم النَّاس يخرجون من حدِّ البهيمية إلى حدِّ الإنسانية.
وقال النبي ?: «إذا كان يوم القيامة يقول الله تعالى للعابدين والمجاهدين: ادخلوا الجنَّة فيقول العلماء: بفضل علمنا) لا بغيره (تعبَّدوا) تعبد العابدون (وجاهدوا) وجاهد المجاهدون (فيقول الله) عز وجل: للعلماء (أنتم عندي كبعض ملائكتي) مقربون مكرمون (اشفعوا تشفعوا فيشفعون ثم يدخلون الجنَّة)» قال بعضهم: وهذا إنَّما يكون بالعلم المتعدي بالتعليم لا العلم اللازم الَّذي لا يتعدى، وقال النبي ?: «ما عُبد الله تعالى بشيء أفضل من فقه في الدِّين، ولفقيهٌ واحد أشدّ على الشَّيطان من ألف عابد لكلِّ شيء عماد وعماد الدّين الفقه» رواه الدارقطني والبيهقي.
الجزء 1 · صفحة 47
(وعن أبي الدرداء رضي الله عنه) هو عُويمِر بن زيد الأنصاريّ الخزرجيّ الصَّحابيّ، أسلم بعد بدر، وكان حكيم هذه الأمة، ولي قضاء دمشق، مات في سنة اثنتين وثلاثين (أنَّه قال: "الْعَالِمُ وَالْمُتَعَلّم فِي الْأَجْرِ سَوَاءٌ، وإِنَّمَا الناسُ رَجُلَانِ: عَالِمٌ وَمُتَعَلّمٌ ولا خَيْرَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ"، وعنه أيضًا: "العالم والمتعلم شريكان في الخير وسائر النَّاس همج لا خير فيهم" (وإنّ النَّاس يبعثون على ما ماتوا عليه، يبعث العالم عالمًا، ويبعث الجاهل جاهلًا)، كما ثبت في الصَّحيحين عن رسول الله ? قال: «والَّذي نفس مُحمَّد بيده لا يُكْلم أحد في سبيل الله تعالى، والله أعلم بمن يُكْلم في سبيله، إلّا جاء يوم القيامة وجُرحه يبعث دمًا، اللون لون دم والعرف عرف مسك»، رواه البخاري ومسلم.
وعن عبدالله بن عمرو أنَّه قال: يا رسولَ الله، أخبرني عن الجهاد والغزو. فقال: «يا عبدَالله إن قتلت صابرًا محتسبًا بعثت صابرًا محتسبًا، وإن قتلت مرائيًا مكاثرًا بعثت مرائيًا مكاثرًا على أي حالة قاتلت أو قُتلت بعثك الله بتلك الحال»، رواه أبو داود.
وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ?: «من مات سكرانًا فإنَّه يعاين ملك الموت سكرانًا، ويعاين منكر ونكير سكرانًا، ويُبعث يوم القيامة سكرانًا إلى خندق بأوسط جهنَّم يسمى السَّكران، فيه عين تجري ماؤه دمًا لا يكون له طعامًا ولا شرابًا إلَّا منه».
وعن جابر رضي الله تعالى عنه قال: «إنَّ المؤذنين والملبين يخرجون يوم القيامة من قبورهم يؤذن المؤذن ويلبي الملبي»، ذكره الحليمي في "كتاب المنهاج"، وقال بعضهم: ومن النَّاس من يحشر بفتنته الدُّنيوية فقوممفتونون بالعود معتكفون عليه دهرهم، فعند قيام
الجزء 1 · صفحة 48
أحدهم من قبره يأخذه بيمينه فيطرحه من يده، ويقول سحقًا لك شغلتني عن ذكر الله، فيعود إليه ويقول أنا صاحبك حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين، وكذلك يبعث السكران سكرانًا، والزامر زامرًا وكلّ أحد على الحال الَّذي صَدَّه عن سبيل الله.
قال: ومثله الحديث الَّذي روي في الصَّحيح أنَّ شارب الخمر يحشر والكُوز معلق في عنقه والقدح بيده وهو أنتن من كلِّ جيفة على الأرض، يلعنه ... كل من يمر به من الخلق، قال الغزالي أيضًا في هذا الكتاب: فإذا استوى كلّ أحد قاعدًا على قبره فمنهم العريان والمكسوّ والأسود والأبيض، ومنهم من يكون كالمصباح الضعيف، ومنهم من يكون كالشمس لا يزال كلّ واحد منهم مطرقًا برأسه، لا يدري ما يفعل به ألف عام، حتى تقوم من الغرب نار لها دوي تساق، فيدهش لها رؤوس الخليقة إنسًا وجنًّا وطيرًا ووحشًا؛ فيأتي كل واحد من المخاطبين عمله، ويقول له قُم فانهض إلى المحشر، من كان له حينئذٍ عمل جيد، شُخص له عمله بغلًا، ومنهم من يُشخص عمله حمارًا، ومنهم من يُشخص له كبشًا، تارة يحمله، وتارة يلقيه، ويُجعل لكل واحد نور شُعاعي بين يديه، وعن يمينه مثله، يسري بين يديه في الظلمات، وهو قوله تعالى: {يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ} (الحديد: 12)، وليس عن شمائلهم نور بل ظلمة حالكة، لا يستطيع البصر نفاذها، يحار فيها الكفار ويتردد المرتابون، والمؤمن ينظر إلى قوة حلكتها، وشدة حندسها، ويحمد الله تعالى على ما أعطاه من النُّور المهتدى به في تلك الشدة.
(وقال النبي ? لعلي رضي الله عنه: «يا علي، كن عالمًا أو متعلمًا) من عالم (أو مستمعًا عالمًا، أي: مستمعًا من عالم يسأل عن أمر دينه ودنياه (ولا تكن الرابع فتهلك) بالنَّصب بإضمار أن بعد الفاء في جواب النَّهي.
الجزء 1 · صفحة 49
(قال علي رضي الله عنه: ومن الرابع يا رسول الله؟ قال: الَّذي لا يعلم ولا يتعلم ولا يسأل العلماء عن أمر دينه ولا دنياه، ألا إنَّه هو الهالك ثلاث مرات»)، أي: قال: ألا إنَّه هو الهالك ألا إنَّه هو الهالك ألا إنَّه هو الهالك. واعلم أنَّه لا يتم لعالم علمه حتى يكون عاملًا بمقتضاه معرضًا عن حب دنياه، هاربًا عمّا يصده عن الله إلّا ما لا بدّ له أن يتولاه، قال ?: «لا يكون العالم عالمًا حتى يكون بالعلم عاملًا» وقال: «إنَّما العالم من عمل بعلمه» وقال: «من ازداد علمًا ولم يزدد هدى لم يزدد من الله إلّا بعدًا» وقال: العلماء رجلان: رجل عالم أخذ بعلمه فهذا ناجٍ، ورجل تارك لعلمه فهذا هالك، وإن أهل النَّار ليتأذون من ريح العالم التارك لعلمه.
الجزء 1 · صفحة 50
وقال الفُضيل:"إذا كان العالم راغبًا في الدنيا حريصًا عليها فإنَّ مجالسته تزيد الجاهل جهلًا والفاجر فجورًا"، قال بعضهم: والنَّاس في طلب العلم على ثلاثة أحوال: رجل طلبه للهداية ليتخذه زادًا إلى الميعاد، ولم يقصد به إلّا وجه الله تعالى فهو من الفائزين، وهو الَّذي أثنى عليه سيد المرسلين بقوله ?: «لَفقيه واحد أشد على الشَّيطان من ألف عابد» ، وهو الذي يستغفر له من في السَّماوات والأرض حتى الحيتان في البحر كما ورد في الحديث، ورجل طلبه ليستعين به على حياته العاجلة، وينال به العزَّ والجاه، وهو مع ذلك مستشعر في نفسه ضعف حاله وخسة قصده فهذا إن مات قبل التوبة خيف عليه، وإن وفق لها قبل الأجل، وأضاف إلى العلم العمل وتدارك ما فرط التحق بالفائزين، ورجل اتخذ علمه ذريعة إلى التكاثر بالمال والتفاخر بالجاه، يدخل بعلمه كل مدخل ليقضي من دنياه وطره، ويظهر أنَّه عند الله تعالى بمكان، لاتسامه بسمة العلماء بالزَّي والمنطق مع تكالبه على الدنيا ظاهرًا وباطنًا، فهذا من الهالكين المغرورين وهذا هو العالم السُّوء الَّذي حذر منه سيد المرسلين ?، نسأل الله تعالى أن يوفقنا لطاعته ويجنبنا معصيته بمنّه وكرمه.
(قال الفقير إلى رحمة الله:) هو المصنف رحمه الله (فإذا كان للعلم هذه الفضيلة وللعلماء هذه المنزلة) التي هي منزلة بين النبوة والشَّهادة (فيجب على كل عاقل أن يتفقه ويتعلم) من عطف العام على الخاص لأنَّ العلم يعم الفقه وغيره (لينال هذه الفضيلة ويصل إلى هذه المنزلة فقد أمر النبي ? بطلبه)، أي: بطلب العلم (حيث قال: «اطلبوا العلم ولو») كان العلم («بالصين») بلد عظيم من البلدان.
الجزء 1 · صفحة 51
(«فإنَّ طلب العلم فريضة على كلِّ مسلم») رواه ابن ماجه وغيره، أي: هو فرض عين لا فرض كفاية، واختلف النَّاس في العلم الذي هو فرض على كلِّ مسلم على أكثر من عشرين قولًا، وكل قوم نزّل الفريضة على العلم الذي هو بصدده؛ فقال المتكلمون: هو علم الكلام؛ إذ به يدرك التَّوحيد ويعلم ذات الله تعالى وصفاته، وقال الفقهاء: هو علم الفقه؛ إذ به تعرف العبادات والحلال والحرام وما يحرم من المعاملات وما يحل، وعنوا به ما يحتاج إليه الآحاد دون الوقائع النَّادرة، وقال المفسرون والمحدثون: هو علم الكتاب والسُّنة؛ إذ بهما يتوصل إلى العلوم كلها، وقالت الصُّوفية: المراد به علمهم ... ، فقال بعضهم: هو علم العبد بحاله ومقامه من الله -عز وجل - وقال بعضهم هو العلم بالإخلاص وآفات النَّفس وتمييز لمة الملك من لمة الشَّيطان، وقال بعضهم: هو علم الباطن والَّذي ينبغي أن يقطع به ما نذكره، وهو أنَّ العلم ينقسم إلى علم معاملة وعلم مكاشفة، وليس المراد بهذا العلم إلّا علم المعاملة، فالمعاملة الَّتي كلف العبد العاقل إيَّاها ثلاث؛ اعتقاد وفعل وترك، فإذا بلغ الرَّجل العاقل بالاحتلام أو السِّن ضَحْوة نهار مثلًا فأول واجب عليه تعلم كلمتي الشَّهادة وفهم معناها، وهو قول لا إله إلّا الله مُحمَّد رسول الله، وليس يجب عليه أن يحصل كشف ذلك لنفسه بالنظر والبحث وتحرير الأدلة، بل يكفيه أن يصدق به ويعتقده جزمًا من غير اختلاج ريب واضطراب نفس، وذلك قد يحصل بمجرد التَّقليد والسَّماع من غير بحث وبرهان، فإذا فعل ذلك فقد أدى واجب الوقت.
الجزء 1 · صفحة 52
وكأنَّ العلم الَّذي هو فرض عليه في الوقت تعلم الكلمتين وفهمهما، وليس يلزمه أمر وراء هذا في الوقت، بدليل أنَّه لو مات عقب ذلك مات مُطيعًا لله - عز وجل - غير عاصٍ، وإنَّما يجب غير ذلك بعارض يعرض وليس شخص ذلك ضروريًّا في حق كلِّ شخص، بل يتصور الانفكاك عنه، وتلك العوارض إمَّا أن يكون في الفعل وإمَّا في الترك وإمَّا في الاعتقاد؛ أمّا الفعل: فبأن يعيش من ضحوة النَّهار إلى وقت الظهر ، فيتجدد عليه بدخول وقت الظهر تعلم الطهارة والصَّلاة ، وهكذا في بقية الصَّلوات.
فإن عاش إلى رمضان تجدد بسببه وجوب تعلم الصَّوم، وهو أن يعلم أن وقته من الصُّبح إلى غروب الشَّمس، وأنَّ الواجب فيه النيّة والإمساك عن الأكل والشُّرب والوقاع، وأنَّ ذلك يتمادى إلى رؤية الهلال. فإن تجدد له مال، أو كان له مال عند بلوغه، لزمه تعلم ما يجب عليه من الزَّكاة، ولكن لا يلزمه في الحال إنَّما يلزمه عند تمام الحول من وقت ... إسلامه، فإن لم يملك إلّا الإبل، لم يلزمه تعلم زكاة الغنم، وكذلك في سائر الأصناف، وهكذاالتَّدريج في علم سائر الأعمال الَّتي هي فرض عين. وأمَّا التَّرك: فيجب علم ذلك بحسب ما يتجدد له من الحال؛ ولذلك يختلف بحال الشَّخص؛ إذ لا يجب على الأبكم تعلم ما يحرم من الكلام، و لا على الأعمى تعلم ما يحرم من النَّظر، ولا على البدوي تعلم ما يحل الجلوس فيه من المساكن، فذلك أيضًا واجب بحسب ما يقتضيه الحال، فما يعلم أنَّه ينفك عنه لا يجب تعلمه و ما هو ملابس له يجب تنبيهه عليه.
كما لو كان عبدُ الإنسان لابسًا للحرير، أو جالسًا في غصب، أو ناظرًا إلى غير مَحْرَم فيجب تعريفه ذلك، وما ليس ملابسًا له ولكنَّه بصدد التَّعرض له على القرب، فيجب تعليمه حتى إذا كان في بلد يتعاطى فيه شرب الخمر وأكل لحم الخنزير فيجب تعليمه ذلك وتنبيهه عليه وما وجب تعليمه وجب عليه تعلمه.
الجزء 1 · صفحة 53
وأمّا الاعتقادات: فيجب علمها بحسب الخواطر، فإنْ خطر له شك في المعاني الَّتي تدل عليها كلمتا الشهادة فيجب تعلم ما يتوصل به إلى إزالة الشَّك، فإن لم يخطر له ذلك، ومات قبل أن يعتقد أنَّ الله تبارك وتعالى قديم وأنَّه موجود، وأنَّه ليس محلًّا للحوادث، إلى غير ذلك ممّا يذكر في المعتقدات، فقد مات على الإسلام إجماعًا، هذه الجملة كلها للغزالي رضي الله عنه.
وفي "فتاوى الحجة" اعلم أن حفظ القرآن مقدار ما تجوز به الصَّلاة فرض عين على المسلمين؛ لأنَّ الله تعالى قال: {فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} (المزمل: 20)، وحفظ جميع القرآن يعني فرض على سبيل الكفاية على الأمة، حتى لو حفظه واحد من المسلمين ما بين المشرق والمغرب خرج الكل من العهدة.
(وقال معاذ بن جبل رضي الله عنه): هو من الصَّحابة، ومن نجبائهم، ومن الأنصار والخزرج ، وممّن كان يفتي على عهد رسول الله ? من أصحابه وعدتهم أربعة عشر، وهم: (أبو بكر) ، (عمر) ، (عثمان) ، (علي) ، (عبدالرحمن) بن عوف، (أبيّ) بن كعب، (عبدالله) بن مسعود، (معاذ) بن جبل، (عمّار) بن ياسر، حذيفة ، (زيد) بن ثابت، (سلمان) ، (أبو الدرداء) ، (أبو موسى) الأشعري، رضي الله عنهم. ذكرهم ابن الجوزي في "التلقيح" ومعاذ بن جبل بعثه النَّبي ? قاضيًا إلى اليمن، يعلم النَّاس القرآن وشرائع الإسلام ويقضي بينهم، وجعل إليه قبض الصَّدقات من العمال الذين باليمن، استشهد بالطاعون سنة ثماني عشرة، وله ست وثلاثون سنة (تعلموا العلم فإنّ تعلمه حسنة وطلبه عبادة) لله تعالى (ومذاكرته تسبيح والبحث عنه جهاد)؛ لأنَّ فيه جهاد النفس وإعمال الفكر والقريحة.
الجزء 1 · صفحة 54
(وتعليمه من لا يعلمه صدقة) على المتعلم (وبذله لأهله قربة) إلى الله تعالى، فيه الثواب؛ (لأنّ العلم منار أهل الجنَّة وهو المؤنس في الوحشة) في القبور (والصّاحب في) بلاد (الغربة والمحدث في الخلوة والدّليل على السرّاء) حال اليسر (والمعين على الضرّاء) حال العسر (والزَّين عند الأخلاء، والسلاح على الأعداء والهادي إلى الرَّشاد) الفلاح (والظهير) المعين (عند الموت، والقرين) المقارن الصَّاحب (في القبر، والشَّفيع في القيامة والقائد إلى الجنَّة، يرفع الله به) بالعلم (أقوامًا فيجعلهم للخير قادة) جمع قائد، أي: قائدين للخير (وفي الدِّين أئمة يقتفى آثارهم) تتبع آثارهم (واقتدى بأفعالهم ويُلهمه الله تعالى) الإلهام إلقاء المسألة في القلب (السّعداء) في الدارين (ويحرمه) من أحرمه إذا منعه، أي: يمنعه (الأشقياء) في الدّارين، هذا الحديث وقفه المصنف كما يرى، ورواه ابن عبدالبر في كتاب العلم مرفوعًا إلى النبي ? وقال: هو حديث حسن، ولكن ليس له إسناد قوي، قال: وقد رويناه من طرق شتى موقوفًا ورفعه غريب جدًّا. انتهى.
(نسألُ اللهَ تعالى أن يرزقنا العلم والفهم ويبلغنا منازل الأبرار) جمع برّ أو بارّ وهم المطيعون أو الذين لا يؤذون الذرّ ولا يضمرون الشَّر (ويحشرنا في زمرتهم) جماعتهم (ويدخلنا في شفاعتهم بفضله وكرمه، إنَّه خير مأمول، مرجو وأكرم مسؤول).
فصل في مناقب أبي حنيفة رضي الله عنه
لمّا فرغ من بيان فضيلة طلب فريضة العلم، شرع في ذكر مناقب إمام المذهب، وطراز الأمّة المذهَّب، ويعرِّف الفصل: بأنَّه طائفة من المسائل الفقهية، تغيَّرت أحكامها بالنَّسبة إلى ما قبلها، غير مترجمة بالكتاب والباب؛ فإن وصل إلى ما بعده نوّن وإلّا فلا.
الجزء 1 · صفحة 55
اعلم أنَّ هذا الفصل معقود لتاريخ ولادة أبي حنيفة ووفاته، ومعاصرته للصَّحابة، وذكر الأحاديث الواردة في فضله، وما ورد عن الأئمة العلماء في الثناء عليه، وذكر ما روي في أمانته، وما روي في خبره مع المنصور، وما روي عنه في الأصول الَّتي بنى عليها مذهبه، وما روي من وقاره وعقله، وما روي في محنته بحسد النَّاس له ، وما روي من تهجده باللَّيل، وقيامه وقراءته وتضرعه، وذكر السَّبب الَّذي قوي به على الطَّاعة، وهو الدّعاء المرتب على حروف المعجم، وغير ذلك.
الجزء 1 · صفحة 56
(قال أحمد بن الصَّلت) بن المغلس، أبو العبَّاس الحماني: وقيل أحمد بن محمد بن الصَّلت، وهو ابن أخي جبارة ابن المغلس الفقيه، تفقَّه على بشر بن الوليد الكندي، وحدث عن أبي نعيْم الفضل بن دُكين وغيره، (سمعت أبَا نعيم) الفضل بن دُكين الحافظ محدث الكوفة، قال أحمد بن حنبل: كان يقظان في الحديث عارفًا، و قام في أمر الامتحان ما لمْ يقم غيره، عافاه الله تعالى، وكان أعلم من (وكيع (بالرَّجال وأنسابهم، وكان وكيع أفقه منه، وقال غيره، لمّا امتحنوه قال: والله عنقي أهون من زري هذا، ثم قطع زره ورماه، مات سنة تسع عشرة ومائتين،، يقول: (ولد أبو حنيفة رضي الله عنه سنة ثمانين) من الهجرة النبوية وهو الصَّحيح، وقيل: سنة إحدى وستين وقيل ثلاث وستين (ومات سنة مائة وخمسين) وهذا بالإجماع، كذا قاله محيي الدِّين عبدالقادر في طبقات الحنفية، وقال النَّووي في "تهذيب الأسماء واللغات": هذا هو المشهور الَّذي قاله الجمهور، ورُوي عن يحيى بن معين رواية غريبة أنَّه توفي سنة إحدى وخمسين، وعن مكي بن إبراهيم أنَّه توفي سنة ثلاث وخمسين، واختلفوا في أي شهور منها، فقيل مات أبو حنيفة رحمه الله وهو ابن سبعين سنة في شعبان سنة خمسين ومائة، وقيل في رجب من السَّنة المذكورة، وقيل في النَّصف من شوال من السنة المذكورة، وكان أبو حنيفة رحمه الله يحيي اللَّيل بركعة يقرأ فيها القرآن، وحُفظ عليه أنَّه ختم القرآن في الموضع الَّذي توفي فيه سبعة آلاف مرة، روي أنَّ المنصورسقاه السُّمّ فمات شهيدًا رحمه الله سمّه لقيامه مع إبراهيم (وعاش سبعين سنة) هذا على القول المشهور أنَّه ولد سنة ثمانين ومات سنة خمسين ومائة (وكانت ولادته في عصر الصَّحابة رضي الله عنهم) الصَّحابي: مسلم، ... رأى النبي ? أو رآه صلى الله عليه وسلم.
الجزء 1 · صفحة 57
قلت: وممّن أدركه أبو حنيفة رضي الله عنه من الصَّحابة بالسِّن، وكان في زمنه عبدالله بن الحارث بن نوفل بن الحارث ... بن عبدالمطلب الهاشمي ابن أخت معاوية، وعقبة بن المنذر السُّلمي، واثلة بن الأسْقع الليثي أحد فقراء الصُّفة، وعبدالله بن عامر بن ربيعة العنزي، وعبدالله بن أبي أوفى، وهو آخر الصَّحابة رضي الله عنهم موتًا بالكوفة، وآخر من شهد بيعة الرَّضوان، الذِّين رضي الله عنهم بنص القرآن، ولا يدخل أحد منهم النَّار بنص السُّنّة، وعبدالله بن الحارث بن جزء الزُّبيدي آخر الصَّحابة موتًا بمصر، وعُتبة بن عبد السُّلمي، والمقداد بن ... معد كرب الكندي، وعبدالله بن بشر المازني، وعبدالله بن ثعلبة العذري المدني، والسّائب بن يزيد الكندي، وسهل بن سعد السّاعدي الأنصاري وهو آخر من مات بالمدينة من الصَّحابة، وأنس بن مالك الأنصاري خادم النبي صلى الله عليه وسلم، وعبدالرَّحمن بن يزيد بن حارثة الأنصاري المدني، محمود بن لبيد الأنصاري، ومحمود بن الربيع الأنصاري الخزرجي ، وأبو أمامة الباهلي، وأبو الطّفيل عامر بن واثلة الكناني وهو آخر من رأى النبي ? في الدُّنيا، فهؤلاء ثمانية عشر نفرًا من الصَّحابة، أدركهم أبو حنيفة رضي الله عنه وعنهم بالسِّن وعاصرهم، وروى عن بعضهم، وربّما أدرك غيرهم من الصَّحابة ممّن لم أظفر به والله أعلم.
(وتَفقه في زمن التَّابعين وأدرك الصَّحابة وروى عنهم) قال محيي الدِّين عبدالقادر: في "الطبقات" ادّعى بعضهم أنه سمع ثمانية من الصَّحابة رضي الله عنهم، وقد جمعهم غير واحد في جُزْء، وروينا هذا الْجُزْء عن بعض مشايخنا وقد جمعت أنا جزءًا في بيان استحالة ذلك من بعضهم، وهذا طريق الإنصاف، ذكرت في هذا الْجُزْء من سَمعه من الصَّحابة ومن رآه، وذكر عن الْخَطِيب أنه رأى أنس بن مالك، ورددت قَول من قال أنه ما رآه، وبينت ذَلِك بَيانًا شافيًا والْحَمْد لله، انتهى.
الجزء 1 · صفحة 58
وقال عبدالقادر: في ترجمة أحمد بن الصَّلت روى عن مُحمَّد بن محمد بن سماعة قال: حدثنا أبو يوسف القاضي قال: سمعت أبا حنيفة رضي الله عنه يقول: حججت مع أبي سنة ستّ وتسعين ولي ست عشرة سنة، فلمّا دخلت المسجد الحرام فإذا أنا بشيخ قد اجتمع النَّاس عليه، فقلت لأبي: من هذا الشيخ؟ قال: هذا رجل من أصحاب النبي ? يقال له عبدالله بن جزء الزُّبيدي، قلت: أي شيء عنده؟ قال: أحاديث سمعها من النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت لأبي: قدمني إليه فتقدم بين يدي، وجعل يفرج عني الناس حتى دنوت منه فسمعته يقول: قال رسول الله ?: «مَنْ تَفَقَّهَ فِي دِينِ اللَّهِ كَفَاهُ اللَّهُ هَمَّهُ وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْث لا يَحْتَسِبُ» انتهى. وحدث أحمد بن الصَّلت عن بشر بن الوليد عن أبي يوسف عن أبي حنيفة قال: سمعت أنس بن مالك يقول: سمعت رسول ? يقول: (الدَّال على الخير كفاعله، والله يحب إغاثة اللَّهفان).
الجزء 1 · صفحة 59
(وناظر التَّابعين وكان منهم) أي: من التَّابعين (رضي الله عنهم أجمعين). حُكي: أنَّ ... زين العابدين مُحمَّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وعنهم، لقي أبا حنيفة رضي الله عنه فقال: يا أبا حنيفة، بلغني أنَّك تضع مسائل بالقياس، وتترك أحاديث جدّي صلى الله عليه وسلم؟ فقال أبو حنيفة: يا ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم إني سائل منك ثلاث مسائل فأجبني، إحداها: الصَّلاة أفضل وأعظم شأنًا أم الصَّوم؟ قال: الصَّلاة، قال: لو كان قولنا بالقياس لقلنا إن المرأة إذا طهرت من الحيض تقضي الصَّلاة ولا تقضي الصوم؛ ولكنا نقول تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة تباعًا للخبر، الثانية: المنيّ أنجس وأقذر أم البول؟ قال: البول، فقال أبو حنيفة: لو كان قولنا بالقياس مخالفًا للنصوص لكان الغسل من البول أقيس، ولكنا قلنا بوجوب الغسل من المنيّ دون البول عملًا بالآية، والخبر الثالث: المرأة أضعف وأعجز أم الرَّجل؟ فقال مُحمَّد بن علي بن الحسين: المرأة أضعف وأعجز، فقال أبو حنيفة: لو كان قولنا بالقياس دون الكتاب والأخبار، لكان التَّضعيف في الميراث للمرأة الضَّعيفة أليق، ولكن نقول كما قال الله تعالى: {لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} (النساء: 11)
الجزء 1 · صفحة 60
فعلى هذا مذهبنا بنيْناه على كتاب الله تعالى وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، ثم على أقاويل الصَّحابة رضي الله عنهم، ثم على إجماع الأمة، فإن لم نجد شيئًا من هذه الأشياء نقول بالاجتهاد والقياس؛ فأكرمه مُحمَّد بن علي وألطف له واعتذر منه، وترك قول المخالفين والمعاندين فيه. وعن إسماعيل بن حمّاد بن أبي حنيفة قال: لمّا وُلد ثابت والد جدّي أبي حنيفة، ذهب به أبوه إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - رضي الله عنه وعنهم - وهو صغير، فدعا له بالبركة والذرية ولذريته، ونحن نرجو من الله تعالى أن يكون الله تعالى قد استجاب ذلك من علي بن أبي طالب رضي الله عنه فينا. وعن هشام بن مهران قال: رأى أبو حنيفة في النَّوم كأنَّه ينبش قبر النبي صلى الله عليه وسلم، فبعث من يسأل له محمد ابن سيرين، فقال مُحمَّد بن سيرين: من صاحب هذه الرؤيا؟ فلم يجب عنها، ثم سأله الثانية، فقال مثل ذلك، ثم سأله الثالثة، فقال: صاحب هذه الرؤيا يثور علمًا لم يسبقه إليه أحد قبله.
الجزء 1 · صفحة 61
ورُوي أنّ الأعمش سُئل عن مسألة؛ فقال لأبي حنيفة: أفته يا نعمان، فأفتاه أبو حنيفة، فقال له الأعمش: من أين قلت هذا؟ فقال: لحديث أنت حدثتناه. ثم ذكر له الحديث، فقال له الأعمش: أنتم الأطباء ونحن الصيادلة. وعن عبدالعزيز الداروردي، ابن أبي سلمة قال: رأيت أبا حنيفة ومالكًا بعد صلاة العشاء الآخرة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهما يتذاكران ويتدارسان، حتى إذا وقف أحدهما على القول الَّذي قال به، أمسك الآخر من غير تعنيف ولا تخطئة حتى يصلياالغداة في مجلسهما ذلك. وعن (محمد بن أبي رجاء) أحمد بن أبي رجاء قال: قال: سَمِعْتُ أبي، يقول: "رَأيْتُ مُحَمَّدَ بنَ الْحَسَنِ فِي الْمَنَامِ فَقُلْتُ: إِلامَ صِرْتَ؟ قالَ: غُفِرَ لِي ثم قِيلَ لِي: لَمْ نَجْعَلْ هذا الْعِلْمَ فِيكَ إِلَّا وَنَحْنُ نُرِيدُ أنْ نَغْفِرَ لَكَ. قَالَ: قُلْتُ: وما فَعَلَ أبُو يُوسُفَ؟ قَالَ: فَوْقَنَا بِدَرَجَةٍ قُلْتُ: وَأبُو حَنِيفَةَ؟ قَالَ: فِي أعْلَى عِلِّيّينَ".
واعلم أنَّه روى عن أبي حنيفة الجمّ الغفير، وذكر في كتاب "التعليم" أنّه روى عن أبي حنيفة ونقل مذهبه نحو من أربعة آلاف نفر، ولا بدَّ أن يكون لكلِّ واحد منهم أصحاب.
(وروى أبو هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله ? أنَّه قال: إن في أمتي رجلًا اسمه النُّعمان) بن ثابت بن كاوس بن هرمز بن مرزبان، نسبه الحافظ أبو إسحاق بن إبراهيم الصريفيني رحمه الله إلى يعقوب النبي عليه السَّلام، ابن إسحاق بن إبراهيم عليهما الصَّلاة والسَّلام، ونسبه مذكور في "طبقات" عبدالقادر إلى إبراهيم إلى آدم عليهما الصَّلاة والسَّلام، قال إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة: أنا إسماعيل بن حماد بن ... نعمان بن ثابت بن النعمان بن المرزبان، من أبناء فارس الأحرار، والله ما وقع علينا رق قطّ.
الجزء 1 · صفحة 62
قال والنُّعمان بن المرزبان: أبو ثابت هو الَّذي أهدى إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه الفالوذج في يوم النَّيروز، فقال: نَورِزُونا كل يوم، وقيل كان ذلك في المهرجان، فقال: مهرجونا كل يوم.
(وكنيته أبو حنيفة هو سراج أمتي هو سراج أمتي هو سراج أمتي) ، وروي عن الإمام الزاهد محمد بن إسحاق السراجي، أخبرنا الإمام أبو حفص عمر بن أحمد الكرابيسي بسنده إلى أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يكون في أمتي رجل يقال له أبو حنيفة هو سراج أمتي يوم القيامة).
ويروى من طريق أخرى عن الشيخ أبي زيد الحسيني بن حسن، قال: أخبرنا محمد بن سعيد المروزي بسنده إلى أبي هريرة عن رسول الله ? أنه قال: (سيجيء في أمتي رجل اسمه نعمان بن ثابت وكنيته أبو حنيفة هو سراج أمتي، يحيي الله دينه على يديه)، ومن طريق أخرى عن الإمام برهان الدين أبي الحسن علي بن الحسين الغزنوي، بسنده إلى أبي هريرة عن النبي ? أنه قال: (إن في أمتي رجلًا - وفي حديث النضري يكون في أمتي رجل - اسمه النعمان وكنيته أبو حنيفة هو سراج أمتي هو سراج أمتي)، فهذا الحديث روي بطريق مختلفة، ورواة مختلفة، ومتونٍ مختلفة، عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ فهذا يدل على أنَّ له أصلًا صحيحًا، وإن كان بعض المحدثين ينكرونه، وبعضهم يدعون وضعه، حتى قال ابن الجوزي: في "الموضوعات" قال الخطيب: هذا الحديث موضوع، وربما يكون هذا من باب التعصب.
(وروى أنس بن مالك رضي الله عنه عن رسول الله ? أنَّه قال: سيأتي من بعدي رجل يقال له النَّعمان بن ثابت ويكنى أبا حنيفة، لَيُحيِيَنّ دينَ الله وسنتي على يديه).
الجزء 1 · صفحة 63
وروي عن الإمام الزاهد محمد بن إسحاق السراجي الخوارزمي عن الإمام عمر بن أحمد الكرابيسي بسنده إلى أبان بن أبي عياش، عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يكون في أمتي رجل يقال له النعمان بن ثابت، ويكنى بأبي حنيفة، يحيي دين الله وسنتي).
ومن طريق أخرى عن الشيخ أبي المعالي الفضل بن سهل بن بشر الحلبي، أخبرني الحافظ أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب، أجازه بسنده إلى أبان عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (سيأتي من بعدي رجل يقال له النعمان، ويكنى أبا حنيفة، ليحيين دين الله وسنتي على يديه)، ومن طريق أخرى عن السيد الإمام الفضل بن محمد الزيادي، بسنده إلى أبان عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يكون في أمتي رجل يقال له النعمان بن ثابت، ويكنى بأبي حنيفة، يحيي الله على يديه سنتي في الإسلام)، ومن طريق أخرى عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يظهر من بعدي رجل يعرف بأبي حنيفة، يحيي الله سنتي على يديه)، ومن طريق أخرى عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ?: (يكون في آخر الزَّمان رجل يكنى بأبي حنيفة، هو خير هذه الأمة). فهذا الحديث قد روي بطرق مختلفة، وهو دليل على صحته، والله أعلم. وقال الخطيب: هذا الحديث باطل موضوع، كذا ذكره ابن الجوزي في "الموضوعات" وهذا أيضًا ربما يكون من باب التعصب.
(وقال خلف بن أيوب:) من أصحاب محمد بن الحسنوزفر، له مسائل منها مسألة الصدقة على السَّائل في المسجد، قال: لا أقبل شهادة من تصدق عليه، وتفقه على أبي يوسف أيضًا، وأخذ الزهد عن إبراهيم بن أدهم وصحبه مدة، مات في سنة خمس ومائتين (صار العلم من الله إلى مُحمَّد ? ثمّ صار العلم من محمد ? إلى الصحابة، ثم صار العلم من الصحابة إلى التابعين، ثم صار إلى أبي حنيفة وأصحابه، فمن شاء فليرض ومن شاء فليسخط).
الجزء 1 · صفحة 64
وقال الحسن بن سليمان في تفسير الحديث: لا تقوم السَّاعة) هذه الجملة بدل من الحديث (حتى يظهر العلم، قال:) الحسن بن سليمان (هو)، أي: المراد بالعلم (علم أبي حنيفة رضي الله عنه).
(وقال (أبو عبيدة) أبو عبيد سمعت الشافعي رضي الله عنه يقول: من أراد أن يعرف الفقه فليلزم أبا حنيفة وأصحابه، وقال أيضًا فإنّ: (النَّاس كلُّهم عيال أبي حنيفة في الفقه) أي: عيال على أبي حنيفة، أي: معولهمعليه. (وقال أحمد بن الصبّاح) سمعت الشافعي رضي الله عنه قال: قلت لمالك بن أنس رضي الله عنه: هل رأيت أبا حنيفة؟ قال: نعم رأيت رجلًا لو كلمك في هذه السارية أن يجعلها ذهبًا لقام بحجته).
الجزء 1 · صفحة 65
(وقال فضيل بن عياض) الزاهد، شيخ الحجاز، أحد الأعلام الَّذي قال فيه ابن المبارك: ما بقي على ظهر الأرض أفضل من فُضيل بن عياض، تُوفي بمكة سنة سبع وثمانين ومائة، وقبره بمكة ظاهر معروف اليوم، (كان أبو حنيفة رضي الله عنه رجلًا فقيهًا معروفًا بالفقه مشهورًا بالورع). وممّا يُحكى عن ورعه ما روى ابن المبارك، قال: أراد أبو حنيفة أن يشتري جارية؛ فمكث عشرين سنة يختار ويشاور من أي سبي يشتري، وعن علي بن حفص البزَّار: كان حفص بن عبدالرَّحمن شريك أبي حنيفة، وكان أبو حنيفة يجهز عليه فبعث إليه دفعة متاعًا، وأعلمه أن في ثوب كذا عيبًا فإذا بعته فبيّن، فباع حفص المتاع ونسي أن يبين العيب ولم يعلم ممّن باعه، فلمّا علم أبو حنيفة بذلك تصدق بثمن المتاع كله. ووقع لأبي حنيفة رضي الله عنه مثل هذه القصة مع شريك له في التَّجارة يقال له بشير؛ فأمره أبو حنيفة أن يبين العيب فباع ولم يبين العيب، فتصدق أبو حنيفة بجميع ما أصاب من الأصل والربح، وكان نصيبه ثلاثين ألف درهم (واسع المال) وكان كلُّ مال يفيده لا يدع منه شيئًا إلّا أخرجه، ويروى أنه قال: ما ملكت أكثر من أربعة آلاف درهم منذ أكثر من أربعين سنة إلّا أخرجته، وإنَّما أمسكها لقول علي رضي الله عنه أربعة آلاف فما دونها نفقة، ولولا أنّي أخاف أن ألجأ إلى هؤلاء ما تركت منها درهمًا واحدًا (معروفًا بالإفضال على كلِّ من يطيف به)، أي: الإحسان وإيصال البِّر إلى كلِّ من يصل إليه.
الجزء 1 · صفحة 66
عن قيس بن الرَّبيع قال: كان أبو حنيفة يبعث بالبضائع إلى بغداد فيشتري بها الأمتعة، ويحملها إلى الكوفة، ويجمع الأرباح منها عنده من سنة إلى سنة؛ فيشتري بها حوائج أشياخ المحدثين وأقواتهم وكسوتهم وجميع حوائجهم، ثم يدفع باقي الدنانير والأرباح إليهم، ثم يقول إليهم: أنفقوا في حوائجكم، ولا تحمدوا إلّا الله، فإني ما أعطيتكم من مالي شيئًا، ولكن من فضل الله عليّ فيكم، وهذه أرباح بضائعكم، فإنَّه هو والله ما يجريه الله لكم على يدي، فما في رزق الله حق لغيره.
ويروى أنه وهب لمعلم ولده حمّادخمسمائة درهم لمّا حفظّه سورة الحمد، وقال أبو يوسف كان أبو حنيفة شديد البِّر بكل من عرف، وكان يهب للرَّجل الخمسين دينارًا أو أكثر، فإذا شكره بحضرة قوم غمّه ذلك، وقال: تشكر وإنَّما هو رزق ساقه الله إليك، قال رسول الله ?: «ما أوتيتكم شيئًا ولا أمنعكموه، وإنما أنا خازن أضع حيث أمرت» وقال مسعر: كان أبو حنيفة إذا اشترى لعياله شيئًا أنفق على شيوخ العلماء مثل ما أنفق على عياله، وإذا اكتسى ثوبًا فعل مثل ذلك، وإذا جاءت الفاكهة والرطب وكل شيء يريد أن يشتريه لنفسه ولعياله، لا يفعل ذلك حتى يشتري لشيوخالعلماء مثله ثم يشتري بعد ذلك لعياله، (صبورًا على تعليم العلم) ، قال شريك: كان أبو حنيفة يصبر على من يعلمه، وإن كان فقيرًا أغناه وأجرى عليه وعلى عياله حتى يتعلم؛ فإذا تعلم قال له: قد وصلت إلى الغنى الأكبر بمعرفة الحلال و الحرام، وكان كثير الفعل قليل المجادلة للنَّاس، قليل المحادثة لهم (حسن اللَّيل) عن أبي يوسف بينا أنا أمشي مع أبي حنيفة؛ إذ سمع الصّبيان يصيحون، هذا أبو حنيفة الذي لا ينام اللَّيل، فقال: يا أبا يوسف، أما ترى ما يقول هؤلاء الصّبيان؟ فللّه علي ألّا أضع جنبي لفراش حتى ألقى الله تعالى،).
الجزء 1 · صفحة 67
وعن عبدالعزيز بن أبي رواد قال: (مَا رَأَيْت أَصْبر على الطّواف وَالصَّلاة والفتيا بِمَكَّة من أبي حنيفَة إِنَّمَا كَانَ كل اللَّيْل وَالنَّهَار فِي طلب الْآخِرَة لنَفسِهِ والنجاة للميعاد، صبورًا على تَعْلِيم من يَجِيئهُ وَيطْلب العلم، لقد شاهدته عشر لَيَال فَمَا رَأَيْته نَام بِاللَّيْلِ وَلَا هدأ سَاعَة من نَهَار من طواف أوْ صَلَاة أوْ تَعْلِيم علم) ، وكان أبو حنيفة رضي الله عنه يسمى الوتد لكثرة صلاته، وكذلك الشَّافعي رضي الله عنه كان من الأوتاد (كثير الصَّمت قليل الكلام حين ترد عليه مسألة في حرام أو حلال، وكان يحسن للنَّاس ويدل على الحق هاربًا من مال السلطان، وكان إذا وردت عليه مسألة فيها حديث صحيح اتّبعه، وإن كان عن الصَّحابة والتابعين)، أي: ولو كان عن الصَّحابة والتَّابعين فهذا يدلك أن أصحابنا أكثر اتّباعا للسنة من غيرهم، وذلك أنَّهم اتبعوا السَّلف في قبول المرسل؛ فإن السَّلف رحمهم الله لم يزالوا على قبوله.
الجزء 1 · صفحة 68
قال محيي الدين عبدالقادر صاحب "الطبقات": ومن نسب أصحابنا إلى مخالفة السنّة والعمل بالحديث الضعيف فقد غلط، وسبب الغلط في ذلك أن المتأخرين اصطلحوا على تقسيم الحديث إلى أنواع: صحيح وحسن وضعيف ومرسل ومنقطع ومعضل، إلى غير ذلك من الأنواع المعروفة في علم الحديث، وردوا من ذلك المرسل وما بعده ممّا ذكرنا، وأمَّا المتقدمون من السَّلف فلم يردوا من ذلك شيئًا، ولا فرق عندهم بين المرسل والصحيح والحسن، ويطلقون المرسل على المنقطع وعلى المعضل، فإذا رأى مخالفنا أنّا احتججنا بأحاديث مرسلة أطلق عليها أنها ضعيفة على اصطلاحه، ونسبنا إلى العمل بالحديث الضَّعيف، ولم يزل أصحابنا المتقدمون يعتنون في كتبهم بذكر الأدلة من السنة، والبحث عنها، وتبين الصحيح من الضَّعيف، كالطَّحاوي وأبي بكر الرَّازي والقدوري وغيرهم، وإنَّما قصر في ذلك المتأخرون من أصحابنا لاعتمادهم على ما تقرر عندهم من متقدميهم، فنسبوا إلى هجر السُّنة، ولا يحل لأحد أن ينسب أصحابنا إلى ذلك، ثُم إنَّ المخالفين يعيبون على أصحابنا ما هم واقعون فيه، فلقد أكثر الإمام أبو إسحاق في "المهذب" وإمام الحرمين في "النهاية" وغيرهما من ذكر الاستدلال بالأحاديث الضعيفة، وقد بين ذلك البيهقي من متقدميهم، ثُمَّ النَّووي، ثُمَّ المنذري من متأخريهم؛ بل في مواضع عدة يصرح إمام الحرمين عن حديث ضعيف بأنَّه صحيح، ويُغلطه الشَّيخ تقي الدين بن الصَّلاح والنَّووي وغيرهما، وأصحابنا لم يفعلوا ذلك، وإنَّما استدلوا بالحديث المرسل معتقدين أنَّه كالمسند، متبعين في ذلك السَّلف رحمهم الله، وقال عبدالقادر في آخر "الطبقات": مذهب الأصحاب تقديم الخبر على القياس وهذا هو الصحيح، وكتبهم ناطقة بذلك، ولا عبرة بقول من نقل عنهم خلاف ذلك، فقد قال أصحابنا بحديث القهقهة المشهور، وأوجبوا الوضوء من القهقهة، والقهقهة ليست بحدث في القياس، وإنَّما تركنا القياس بالخبر، وأيضًا لم يوجبوا الوضوء
الجزء 1 · صفحة 69
على من قهقه في صلاة الجنازة وسجود التَّلاوة؛ لأنَّ النَّص لم يرد إلّا في صلاة ذات ركوع وسجود، فاقتصرنا على مورد النَّص.
ومن هذا الباب إذا أكل الصَّائم أو شرب أو جامع ناسيًا لم يفطر، والقياس الفطر لوجود ما يضاد الصَّوم، وهو قول مالك، لكن أصحابنا تركوا هذا القياس لحديث تمِّم على صومك، ومن هذا الباب الوضوء بنبيذ التمر: وهو الرقيق السيال على الأعضاء، عن أبي حنيفة رحمه الله تعالى ثلاث روايات، في رواية قال: يتوضأ به لحديث ليلة الجن، ولم يجوّز أصحابنا الاغتسال به؛ لأنَّ النَّص ورد في الوضوء فيقتصر عليه، والرواية الثانية قال أبو حنيفة: التيمّم أحب إلي منه، والرواية الثالثة: أنه رجع عن الوضوء به وهو الصحيح، انتهى كلامه. (وإلّا)، أي: وإن لم يكن فيها حديث ولا قول عن الصَّحابة والتَّابعين (قاس فأحسن القياس)
الجزء 1 · صفحة 70
(وقال مليح بن وكيع) ابن الجراح: كان والده وكيع من أصحاب أبي حنيفة وممن يفتي بقوله (سمعت أبي) وكيع بن الجراح (يقول: كان والله أبو حنيفة عظيم الأمانة). وممّا روي في أمانته، ما حكي عن خارجة بن مصعب قال: خرجت إلى الحج، وخلفت جارية لي عند أبي حنيفة، وكنت قد أقمت بمكة نحوًا من أربعة أشهر، فلمّا قدمت قلت لأبي حنيفة: كيف وجدت خدمة هذه الجارية وخلقها؟ فقال لي: من قرأ القرآن وحفظ على النَّاس الحلال والحرام و احتاج إلى أن يصون نفسه عن الفتنة، والله ما رأيت جاريتك منذ خرجت إلى أن رجعت، قال: فسألت الجارية عنه وعن أخلاقه في منزله، فقالت: ما رأيت ولا سمعت مثله، ما رأيته نام على فراش منذ دخلت عليه، ولا رأيته اغتسل في ليل ولا نهار من جنابة، ولقد كان يوم الجمعة يخرج فيصلي صلاة الصبح ثم يدخل إلى منزله فيصلي صلاة الضحى صلاة خفيفة، وذلك أنه كان يبكر إلى الجامع، فيغتسل غسل الجمعة، ويمس شيئًا من دهن، ثم يمضي إلى الصلاة، وما رأيته يفطر بالنهار قط، وكان يأكل آخر الليل، ثم يرقد رقدة خفيفة، ثم يخرج إلى الصلاة.
وعن وكيع بن الجراح قال: (كنت عند أبي حنيفة رحمه الله فأتت امرأة بثوب خزّ، فقالت له: بعه لي، فقال بكم؟ قالت: بمائة، قال: هو خير من مائة، حتى قال: كم تقولين؟ فزادت مائة، حتى قالت: أربعمائة، قال: هو خير، قالت: تهزأ بي؟ قال: هاتي رجلًا. فجاءت برجل فاشتراه بخمسمائة درهم).
وعن جعفر بن عون العمري قال: (أتت امرأة أبا حنيفة تطلب منه ثوب خزّ، فأخرج لها ثوبًا، قالت: إني امرأة ضعيفة وإنها أمانة؛ فبعني هذا الثوب بما يقوم عليك. قال: خذيه بأربعة دراهم. قالت: لا تسخر بي وأنا عجوز كبيرة. قال: إني اشتريت ثوبين فبعت أحدهما برأس المال إلّا أربعة دراهم، وبقي هذا يقوم علي أربعة دراهم).
الجزء 1 · صفحة 71
(وكان الله في قلبه جليلًا كبيرًا عظيمًا، وكان يؤثر رضا ربه على كل شيء، ولو أخذته السيوف في الله لاحتمل) أن يقول الحق حيث ما كان، لا يخاف في الله لومة لائم (رحمه الله ورضي عنه هذا دعاء من وكيع لأبي حنيفة) ، (فلقد كان) أبو حنيفة رضي الله عنه (منهم)، أي: من الأبرار.
(الحسن بن حريث) (وقال الحسين بن حريث: (بضم الحاء والثاء المثلثة، وحريث: أحد الأئمة الكبار والفقهاء من أصحاب أبي حنيفة رحمه الله ببخارى، كان كبيرًا مشارًا إليه في زمن البخاري صاحب الصحيح.
(سمعت النضر بن شُميل) المازني البصري النحوي شيخ مرو يقول: كان الناس نيامًا عن الفقه حتى أيقظهم أبو حنيفة رضي الله عنه بما فتقه استنبطه من الفقه (وبيّنه) أظهره (ولخّصه) شرحه.
(وقال الربيع بن يونس: دخل أبو حنيفة يومًا على المنصور الخليفة) المنصور: هو أبو جعفر عبدالله بن محمد بن علي بن عبدالله بن عبَّاس الهاشمي العبَّاسي، كانت خلافته اثنتين وعشرين سنة، وكانت أمه بربرية وكان طويلًا مهيبًا أسمر، خفيف اللحية، رحب الجبهة، وفيه جبروت وظلم، مات في ذي الحجة بمكة سنة ثمان وخمسين ومائة، وله ثلاث وستون سنة، وهو جدّ هارون الرشيد، (وعنده) أبو منصور (عيسى بن موسى) العابد الزاهد، (فقال) عيسى بن موسى (للمنصور: هذا)، أي: أبو حنيفة (عالم الدنيا اليوم، فقال له): لأبي حنيفة (المنصور: يا نعمان، عمّن أخذت العلم؟ قال: أخذت عن أصحاب عمر) ابن الخطاب رضي الله عنه (عن عمر رضي الله عنه) لأنه أخذ العلم عن حمّاد عن إبراهيم عن عمر بن الخطاب.
و (أخذت) عن أصحاب علي (ابن أبي طالب رضي الله عنه) عن علي (رضي الله عنه) و (أخذت) عن أصحاب عبدالله بن مسعود (رضي الله عنه) عن عبدالله بن مسعود، قال له المنصور: لقد استوثقت (وتمام هذا: ماشيت يا أبا حنيفة الطيبين المباركين.
الجزء 1 · صفحة 72
قلت: ووقع لأبي حنيفة مع المنصور وقائع كثيرة قصد فيها إهلاكه، فسلمه الله تعالى، وراوده المنصور على أن يليَ القضاء فلم يقبل؛ فضُرب مائة سوط وحبس ومات في الحبس على قول، وأراده ابن أبي هبيرة على بيت المال فأبى فضربه عشرين سوطًا.
) وقال نعيم بن حماد (الخزاعي المروزي: الفرضي الحافظ أحد علماء الأثر صنف التصانيف، وامتُحن بخلق القرآن فلم يجب، فحبس وقيد ومات في الحبس رحمه الله تعالى سنة تسع وعشرين ومائتين.
) سمعت عبدالله بن المبارك) الإمام العالم الفقيه الحافظ الزاهد ذو المناقب صنف التصانيف الكثيرة، وحديثه نحو من عشرين ألف حديث، قال الإمام أحمد بن حنبل: لم يكن في زمان ابن المبارك أطلب للعلم منه، وكانت له تجارة واسعة، وكان ينفق على الفقراء في السنة مائة ألف درهم، وكان يحج سنة ويغزو سنة، وكان أستاذه تاجرًا فتعلم منه، وكان أبوه تركيًّا وأمه خوارزمية، وقال عبدالرحمن بن مهدي: كان ابنالمبارك أعلم من سفيان الثوري.
قال الذهبي في "العبر": كان رأسًا في العلم، رأسًا في العمل ، رأسًا في الذكاء، رأسًا في الشجاعة والجهاد، رأسًا في الكرم، مات سنة إحدى وثمانين ومائة، وقبره بهيت ظاهر يزار رحمه الله.
(يقول: قال أبو حنيفة رضي الله عنه: إذا جاء الحديث) (الثابت) (عن النبي ? فعلى الرأس والعين (أي: أخذنا به ولا نعدل عنه) وإن كان) الحديث ثابتًا (عن أصحاب النبي ? أخذنا من قولهم)، أي: أخذنا ... بعض أقوالهم (ولم نخرج من قولهم)، أي: لم نخرج عن أقاويلهم (فإذا كان) الحديث (عن التابعين زاحمناهم) اجتهدت وزاحمتهم في الفتوى، وانفردت بالقول بالاستنباط من الكتاب والسنة.
وكان أبو حنيفة رضي الله عنه شديد الفحص عن النَّاسخ من الحديث والمنسوخ، فيعمل بالحديث إذا ثبت عنده عن النبي ? وعن أصحابه، وكان عارفًا بحديث أهل الكوفة، وفقه أهل الكوفة وكان حافظًا لفعل رسول الله ? الأخير الذي قبض عليه ممّا وصل إلى أهل بلده،
الجزء 1 · صفحة 73
(وقال علي بن عاصم: "لو وزن عقل أبي حنيفة رحمه الله بنصف عقل أهل الأرض لرجح بهم". وقال عبدالله بن المبارك قلت لسُفيان الثوري رحمه الله): هو الإمام العالم أبو عبدالله سُفيان بن سعيد الثوري الكوفي الفقيه، سيد أهل زمانه علمًا وعملًا من تابعي التَّابعين، وهو أحد أصحاب المذاهب المتبوعة.
وقال ابن المبارك: كتبت عن ألف ومائة شيخ ما فيهم أفضل من سُفيان، وقال شعبة ويحيى بن معين وغيرهما: سُفيان أمير المؤمنين في الحديث، وكان سُفيان كثير الحطّ على المنصور لظلمه، فهمّ به وأراد قتله فما أمهله الله.
وعن عبدالرزاق قال: كنت جالسًا عند الكعبة فجاء رجل فقال: يا أبا حنيفة، ألا أعجبك من الثوري، رأيته يلبي على الصَّفا، قال: اذهب ويحك فالزمه فإنَّه لا يلبي على الصَّفا إلّا بعلم.
وقال عبدالرحمن بن مهدي: لمّا مات سُفيان أخرجناه باللَّيل من أجل السّلطان فحملناه باللَّيل فما أنكرنا اللَّيل من النَّهار.
الجزء 1 · صفحة 74
وقال يحيى بن سعيد: رأيت الثوري فيما يرى النائم فنظرت إلى صدره، فإذا في صدره مكتوب في موضعين "فسيكفيكهم الله"، وقال عبدالرحمن بن مهدي: لمّا أن غسلت سُفيان الثوري وجدت في جسده مكتوب "فسيكفيكهم الله" ، وعن عثمان بن زائدة قال: رأيت في النَّوم كأني أدخلت الجنَّة، فإذا سُفيان يطير من شجرة إلى شجرة وهو يقول: تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوًّا في الأرض ولا فسادًا والعاقبة للمتقين، وقال صخر بن راشد) رأيت عبدالله بن المبارك في منامي بعد موته، فقلت: أليس قد مت؟ قال: بلى، قلت: فما صنع بك ربك؟ قال: غفر لي مغفرة أحاطت بكل ذنب، قال: قلت: فسُفيان الثوري؟ قال: بخ بخ، ذلك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيّين والصّدّيقين والشَّهداء والصَّالحين وحسن أولئك رفيقًا، وقال الحسن بن السماك) رأيت سُفيان الثوري فيما يرى النائم، كأنَّه على عرش يهادى بين السَّماء والأرض، فقلت: يا أبا عبدالله، ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي، قلت: فهل كان ثَمّ شيء تكرهه؟ قال: نعم، الإشارة بالأصابع، أي: هذا سُفيان الثوري، وكان من شدة تفكره يبول الدَّم، وقال يوسف بن أسباط: قال لي سُفيان ونحن في المسجد الحرام: يا يوسف، ناولني المطهرة أتوضأ، فناولته فأخذها بيمينه ووضع يساره على خده، ونمت فاستيقظت وقد طلع الفجر فنظرت إليه؛ فإذا المطهرة في يده على حالها، فقلت: يا أبا عبدالله، قد طلع الفجر، قال: لم أزل منذ ناولتني المطهرة أتفكر في الآخرة إلى هذه السَّاعة.
الجزء 1 · صفحة 75
وعن علي بن الفُضيل قال: رأيت سُفيان الثوري ساجدًا حول البيت فطفت سبعة أسابيع قبل أن يرفع رأسه، وقال القاسم بن الحكم: جاء رجل شيخ أبيض الرَّأس واللحية حتى قام على قبره وهو يدفن، فقال: يا سُفيان، أمنت ممّا كنت تخاف، وقدمت على الله تعالى الذي كنت تعبده سبحانه وتعالى، والله ما يسرنا أن يلي حسابنا غدًا أحد غير الله تعالى، ثم لم يُرَ وكانوا يرونه الخَضْر عليه السَّلام، وقال قُبيصة: رأيت الثوري في المنام، فقلت له: ما فعل الله تعالى بك؟ قال:
نظرت إلى ربي كفاحًا فقال لي هنيئًا رضاي عنك يا ابن سعيد
فقد كنت قوامًا إذا أظلم الدجى بعبرة مشتاق وقلب عميد
فدونك فاختر أي قصر أردته وزرني فإني منك غير بعيد
"ويُروى أنَّه رؤي في المنام، فقيل له: ما فعل الله بك؟ قال: أول قدم وضعته على الصّراط والثانية في الجنَّة" هنيئًا له رضي الله عنه وأرضاه، وأحوال الثوري والثناء عليه أكثر من أن تحُصى وأوضح من أن تشهر، ولد سنة سبع وتسعين، وتوفي سنة ستين ومائة وهو ابن ثلاث وستين سنة.
(يا أبَا عبدالله ما أبعد أبا حنيفة من الغِيبة) فسرهارسول الله عليه وسلم بأنَّها ذكرك أخاك بما يكره، قيل: يا رسول الله، إن كان في أخي ما أقول، قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته. وسيأتي الكلام على الغيبة وما يباح منها وما لا يباح، في فضل الوضوء إن شاء الله تعالى (ما سمعته يغتاب عدوًّا له قط)، أي: يذكره في غيبته بما يكره (قال:) سُفيان الثوري (هو) أبو حنيفة رضي الله عنه (أعقل من أن يسلط على حسناته ما يذهب بها).
الجزء 1 · صفحة 76
(وقال) عبدالله (ابن داود:) الإمام أبو عبدالرحمن الهمذاني الكوفي الحافظ الزاهد كان من أعبد أهل زمانه رضي الله عنه توفي بالكوفة في شوال سنة ثلاث عشرة ومائتين، وقد نيف على التسعين، (لا يتكلم في أبي حنيفة رضي الله عنه) يقع في حقه ويغتابه (إلّا رجلان إمّا حاسد لعلمه أو جاهل بالعلم لا يعرف قدر حملته).
(وقال عبدالله بن المبارك) رأيت الحسن بن عمارة الكوفي الفقيه قاضي بغداد، توفي سنة ثلاث وخمسين ومائة (آخذًا بركاب أبي حنيفة رحمه الله، وهو يقول: والله ما أدركنا أحدًا تكلم في الفقه أبلغ ولا أصبر) على المتعلمين (ولا أحضر جوابًا منك) يا أبا حنيفة (وإنك لسيد من تكلم فيه في وقتك) من معاصريك (غير مدافع) حال كونك غير منازع ولا معارض ولا مردود كلامك (وما يتكلمون فيك)، أي: أعدائك في الدين ... (إلّا حسدًا).
عن عبدالله بن محمد الهمذاني قال: خاصم رجل إلى ابن شبرمة في شيء فقضى عليه، فأتى المقضيّ عليه أبا حنيفة فأخبره بذلك، فقال له أبو حنيفة: هذا خطأ، وكتب له في ذلك كتابًا يخبر فيه بالذي كان ينبغي لابن شبرمة أن يحكم له بذلك، فأتى الرّجل بذلك ابن شبرمة فقرأه عليه بحضرة ابن أبي ليلى ولم يعلم كل واحد منهما من هو فاستحسناه جميعًا.
وقالا له: من كتب هذا؟ فقال لهما الرجل: أبو حنيفة. فوصلا ذلك بالوقيعة فيه، فبلغ أبا حنيفة فقال:
إِنْ يَحْسدُونِي فَإِنّي غَيْرُ لائِمِهِمْ قَبلي مِنَ النَّاسِ أهْل الْفَضْلِ قَدْ حسدوا
فَدَامَ لِي ولهُمْ مَا بِي وَمَا بِهِمُ ومات أكثرنا غيظًا لما يجدوا
(وقال علي بن يزيد الصيداني): أحد الرواة عن أبي حنيفة، قال الإمام أحمد: كتبت عنه، (رأيت أبا حنيفة ختم القرآن في شهر رمضان ستين ختمة، ختمة بالليل وختمة بالنَّهار) ، وختم ختمتين ليلة الفطر ويوم الفطر، جملة ذلك اثنتان وستون ختمة، وفي غير شهر رمضان يختم القرآن في كلِّ يوم وليلة ختمة.
الجزء 1 · صفحة 77
(وقال أسد بن عمرو:) الفقيه الكوفي صاحب الإمام أبي حنيفة وأحد الأعلام تفقه في الدين على أبي حنيفة، وروى عنه الإمام أحمد، ولي قضاء بغداد بعد أبي يوسف، فأنكر من بصره شيئًا فردّ عليهم القمطر، واعتزل القضاء، وهو أول من كتب كُتب أبي حنيفة رحمه الله، وكان أصحاب أبي حنيفة الذين دونوا الكتب أربعين رجلًا، وكان في العشرة المتقدمين: أبو يوسف، وزفر، وداود الطائي، وأسد بن عمرو هذا، ويوسف بن خالد السمتي، ويحيى بن زكريا بن أبي زائدة، وهو الذي كان يكتبها لهم ثلاثين سنة، توفي سنة تسعين ومائة. (سمعت أبا حنيفة رضي الله عنه يقول: ما بقي في القرآن سورة إلّا وقد قرأتها في وتري) ،
(وقال أبو الجويرية) بتخفيف الياء من أصحاب أبي حنيفة (لقد صحبت حماد بن أبي سليمان) الكوفي الفقيه أحد أئمة الفقهاء، سمع أنس بن مالك، وروى عنه سُفيان الثوري وشُعبة وأبو حنيفة، وبه تفقه وعليه تخرَّج وانتفع، وأخذ حماد بعد ذلك عنه، ومات في حياته سنة عشرين ومائة، (وعلقمة بن مرثد) الكوفي الحضرمي، روى عنه سُفيان الثوري وشُعبة وآخرون، روى عن طارق بن شهاب وله صحبة، مات في سنة عشرين ومائة، (ومحارب بن دثار) بكسر الدال والثاء المثلثة، السُّدوسي قاضي الكوفة، روى عن ابن عمر وجابر و الأسود، وروى عنه شعبة والسفيانان ، وهو من بقية العلماء والزهاد، (وعون بن عبدالله) ابن عتبة الهذلي الزاهد الفقيه، أخو الفقيه عبيدالله، مات في حدود سنة عشرين ومائة، (وصحبت أبا حنيفة فما في القوم) العلماء المذكورين (أحسن ليلًا من أبي حنيفة) في تهجده في الليل وقيامه وقراءته وتضرعه (ولقد صحبته) أي: أبا حنيفة (ستة أشهر فما منها ليلة وضع جنبه فيها على الأرض).
الجزء 1 · صفحة 78
(وقال مسعر بن كدام:) الحافظ أبو سلمة الهلالي الكوفي أحد الأعلام، روى عن أبي حنيفة، روى عنه السفيانان ، قال إبراهيم بن سعد: كان شعبة وسُفيان إذا اختلفا في شيء، قال: اذهب بنا إلى الميزان مسعر بن كدام، وقال شعبة: كنا نسميه المصحف لإتقانه، مات سنة خمس وخمسين ومائة، (أتيت أبا حنيفة في مسجده فرأيته يصلي الغداة) صلاة الفجر (ثم يجلس للناس في العلم) في مذاكرة العلم (إلى أن يصلي الظهر ثم يجلس) للناس في مذاكرة العلم (إلى العصر، فإذا صلى العصر جلس إلى المغرب، فإذا صلى المغرب جلس إلى أن يصلي العشاء، ثم دخل البيت، فقلت في نفسي: هذا الرجل في هذا الشغل) الاشتغال بالعلم نهاره كله (متى يتفرغ للعبادة لأتعاهدنه، فلمّا هدأ الناس) بالهمزة، أي: سكنوا وأخذوا مضاجعهم، (خرج) أبو حنيفة (إلى المسجد فانتصب) قائمًا (للصلاة) يصلي الليل كله (إلى أن طلع الفجر، فلما أصبح دخل منزله ولبس ثيابه وخرج) في ذلك الوقت الذي خرج فيه وقد تهيأ وسرح لحيته (إلى المسجد وصلى الغداة فجلس للناس إلى الظهر) في مذاكرة العلم (ثم) جلس (إلى العصر) (ثم) جلس (إلى المغرب) (ثم) جلس (إلى العشاء) (فلمّا صلى العشاء دخل البيت، فقلت في نفسي: إن الرجل قد ينشط) هذه (الليلة) للقيام لأتعاهدن الليلة الثانية (فتعاهدته، فلمّا هدأ الناس خرج إلى المسجد، فانتصب للصلاة (ففعل كفعله في الليلة الأولى، فلمّا أصبح دخل منزله ولبس ثيابه وخرج إلى الصلاة ففعل كفعله في يوميه،) الأولين (حتى إذا صلى العشاء، فقلت في نفسي: إن الرجل قد ينشط الليلة والليلتين) لأتعاهدنه الليلة الثالثة (فتعاهدته ففعل كفعله في ليلتيه الأوليين (فلمّا أصبح جلس كذلك، فقلت في نفسي لألزمنه إلى أن يموت أو أموت، قال: فلازمته في مسجده) ، قال الراوي: وكان مسعر يظهر عداوة أبي حنيفة، ويحث على الوقيعة فيه، قال: فانصرف ليلة فمرّ بأبي حنيفة وهو ساجد، فوضع على ثوبه حصيات من حيث لا يعلم وخرج، وكان
الجزء 1 · صفحة 79
أبو حنيفة يقول: يجب على الفقيه أن يأخذ نفسه من عمله بشيء لا يراه الناس واجبًا، وكان يقول إذا خالط القلب النوم وجب الوضوء، فخرج مسعر ثم رجع وقد أذن لصلاة الصبح، فوجد أبا حنيفة على حاله يبكي ويدعو، ثم قام فركع ركعتي الفجر وابتهل حتى أقيمت الصلاة، فصلى الغداة على وضوء أول الليل، فلمّا أصبح أخذ مسعر بيد جماعة من أصحابه وصار إليه، وقال: أنا تائب إلى الله تعالى من ذكري لك فاجعلني في حلّ، فقال أبو حنيفة: كل من اغتابني من أهل الجهل فهو في حلّ، ومن اغتابني من أهل العلم فهو في حرج حتى يتوب؛ فإن غيبة العلماء تبقى شيئًا في الخلق، وأمّا أنا فقد جعلتك في حلّ، فكيف يطلب الله إياك بما نهاك عنه في كتابه وسنة نبيه؟ قال: وكانا بعد ذلك متواخيين حتى ماتارحمهما الله تعالى.
(قال ابن أبي معاذ: بلغني أن مسعرًا) المذكور (مات في مسجد أبي حنيفة في سجوده) يعني بعد ذلك أخذ مسعر في العبادة والاجتهاد حتى مات ساجدًا (رضي الله عنه رضا الأبرار).
(وقال حفص بن غياث:) بن طلق الإمام أبو عمرو النخعي قاضي الكوفة وقاضي بغداد، توفي سنة أربع وتسعين ومائة، وكان يقال ختم القضاء بحفص بن غياث.
قال حفص: والله ما وليت القضاء حتى حلت لي الميتة (صلى أبو حنيفة رضي الله عنه صلاة الفجر بوضوء العشاء الآخرة أربعين سنة، فقلت له:) لأبي حنيفة (ما الذي قوّاك)، أي: ما السبب الذي جعلك قويًّا (على ما أرى من طاعة الله تعالى)؟
الجزء 1 · صفحة 80
(قال:) أبو حنيفة رضي الله عنه: إني دعوت ... الله تعالى بأسمائه على حروف ... با تا ثا)، أي: حروف المعجم كلها، التسعة والعشرين (وهي)، أي: حروف المعجم مجتمعة بكمالها (في آية واحدة من كتاب الله تعالى) غير مرتبة ترتيب حروف المعجم بل اشتملت عليها، قلت: وقد اجتمعت حروف المعجم بكمالها في آية أخرى في آل عمران {ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا} (آل عمران: 154 (الآية، وليس في القرآن آيتان كل آية حوت حروف المعجم غيرهما، نفعنا الله تعالى بهما وبالقرآن العظيم (قوله تعالى:) بالجرّ بدلًا من آية (محمد رسول الله إلى آخر السورة) سورة إنا فتحنا (أولها)، أي: أول حروف المعجم في الآية (ميم) ... من محمد (وآخرها صاد) من الصالحات (من دعا الله بها) أي: بهذه الأسماء من أمة محمد ? (استجيب له) ، (فسألته) أي: أبا حنيفة (أن يعلمنيها)، أي: الأسماء التي يدعي بها المرتبة على حروف المعجم من ترتيب الآية المذكورة (فأملاها) أبو حنيفة (على نسق الآية) على ترتيب نظمالآية، يعني (محمد رسول الله) قلت وهذه الآية للنماء والبركة والشدة والقوة والحراسة من كل آفة للرجال والنساء والأطفال، ومن أكثر من قراءتها وجبت له إجابة الدعوة، والخروج من الضيق إلى السعة، ويكون له أعوان ينصرونه ويعينونه على الخير ويرزق خير الدنيا والآخرة، قاله اليافعي: في الدرّ النظيم.
طلب دعاء الإمام الأعظم
هذا أول: دعاء أبي حنيفة (م)، أي: الدُّعاء بأسماء الله تعالى الحُسنى الَّتي أول كلماتها حروف الميم (اللَّهم أنت منّان) الكثير المنّ والإنعام، اعلم أن المنّ مشترك يقال على الإحسان، ويقال على اتباع العطية بذكرها ليعطى بدلها، وإطلاق المنّان على الله تعالى باعتبار الأول لا غير.
الجزء 1 · صفحة 81
وفي الحديث عن علي رضي الله عنه، أنه قال: الحنّان: الذي يحلم على من عصاه، والمنّان: الذي يبدأ بالعطاء قبل السؤال، (مجيب): وهو الذي يقابل الدعاء والسؤال بالقبول والعطاء، وهو اسم فاعل من أجاب يجيب، (مؤمن): قيل هو الذي لا تخاف ظلمه، وقيل الذي أمن أولياؤه عذابه، فهو من الأمان ضد الخوف، وقيل المصدق عباده المؤمنين يوم القيامة، فهو من الإيمان والتَّصديق، (مهيمن): قيل هو الرَّقيب، وقيل الشاهد، وقيل القائم بأمور الخلق، وقيل أصله مؤمن فأبدلت الهاء من الهمزة، وهو مفيعل من الأمان.
(ملك): مشتق من الملك، بضم الميم معناه ذو الملك، والفرق بين المُلك بالضم والملِك بالكسر أن المُلك يعمّ والملِك يخص، وليس المراد بالعموم والخصوص المعنيين المنطقيين؛ فإنَّهما على العكس من ذلك؛ لأنّ المِلك يكون للمَلِك والمالك، والملُك بالضم لا يكون إلّا للملك ، فالمِلك بالكسر أعمّ؛ بل المراد بالعموم عموم التصرف وكثرة التَّوابع والتعلقات، فإنَّ الملُك أكثر بسطة وسلطنة من المالك، يعضده ما روي عن الزمخشري أنَّه قال في بيانه: (الملِك بالكسر عبارة عن القدرة الشَّرعية على شيء، والملك بالضم عبارة عن القدرة الحسية العامة، تقول مالك البيت ولا تقول ملك البيت، وإذا قلت هذا مُلك فلان يدخل فيه ما يملكه وما لا يملكه، وإذا قلت مِلك فلان لا يدخل فيه إلّا ما يملكه) ، (متكبر): ذو الكبرياء، وقيل المتعالي عن صفات الخلق، وقيل المتكبر على غناء خلقه، والتاء فيه للتفرد والتخصيص، لا ... التعاطي والتكلف.
الجزء 1 · صفحة 82
(مصور): وهو الذي صور جميع الموجودات وزينها؛ فأعطى كل شيء منها صورة خاصة وهيئة مفردة، يتميز بها على اختلافها وكثرتها، (مليّ): قادر، (معطي مانع) ، المانع: قد يكون بمعنى الحافظ، وقد يكون في مقابلة المعطي، وهو المراد هنا، وحقيقة المنع في اللغة: الإمساك، والباري تعالى قد يمسك عمّا شاء من المخلوقات ما شاء من المهلكات، ويحفظها من أنواع الردى، إمَّا حفظًا مؤقتًا وإمّا مؤبدًا إلّا من الموت في وقته في دار الفناء، فإنه عز وجل المتوحّد بالبقاء، ومن القسم الثاني: وهو المنع الذي في مقابلة العطاء، قوله صلى الله عليه وسلم: "اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت" والمنع على قسمين: دنيوي وأخروي، والدنيوي أيضًا على قسمين: أحدهما: منع يكون في ضمنه عطاء، وهو كل منع فيه تفرغ قلب صاحبه لذكر الله تعالى وعبادته، فهذا المنع هو عين العطاء، وظهور كمال فضله وشرفه يوم كشف الغطاء، والثاني: منع يكون في ضمنه منع أعظم منه في البلاء، وهو أيضًا على قسمين: أحدهما: منع من سبب من أسباب الدُّنيا تقطعت نفس صاحبه عليه حسرة وأسفًا؛ فرأى المنع منه نقمة، ولم يره عطاء ونعمة، فهذا ممنوع الخيرين في الدَّارين، والثاني منهما: منع التَّوحيد والطّاعة للإله الواحد، كل شقي ممنوع السعادة ملحد جاحد فهذا هو المنع الحقيقي، وهو في الحقيقة أصل المنع الأخروي الذي في ضمنه الشَّقاوة الأبدية والعذاب الأكبر، نعوذ بالله من كلّ بلية.
الجزء 1 · صفحة 83
(مالك) المالك الأعظم والملك الأعظم هو الله تعالى وهو ملك الملوك ومالكهم، قال الله تعالى: (ملك يوم الدين) ، وقُرئ مالك بالألف، وكلاهما من الملك إلّا أنّ مَلِك عام الملك ومالك خاص الملك، (مليك): عزيز الملك واسعه لا شيء أعز منه، (متعال): هو الذي جلَّ عن إفك المفترين وعلا شأنه، وقيل جلَّ عن كل ... وصف وثناء، وهو متفاعل من العلو، (مسبح): منزه مقدس مبرأ من النقائص، (ماجد): المجد: الشرف الواسع، ورجل ماجد مفضال كثير الخير شريف، (محيي مميت) يطلقان في وضع اللسان على معان متقابلة، منها: الهدى والضلال لما في الهُدى من النُّور الَّذي يحيا به قلب أحبّه الله، وما في الضَّلال من الظّلمة الَّتي يموت بها قلب أبغضه الله تعالى، ومن ذلك قوله تعالى: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا} (الأنعام: 122) ، ومنها العلم والجهل اللَّذان هما حياة لأنفس العلماء وموت لأنفس الجهال، ومنها العزّ والذل اللذان فيهما حياة للأعزاء وموت للأذلاء، بل قد يختار الموت الحقيقي على مقاساة الذل والهوان (كما قال الإمام الشافعي) رضي الله تعالى عنه:
فَمَوْتُ الفتى خيْرٌ له مِنْ حياتِهِ بِدَارِ هَوَانٍ بين واشٍ وَحَاسِدِ
في أبيات أولها:
تغرب عن الأوطان في طلب العلا وسافر ففي الأسفار خمس فوائد
تفرج همّ واكتساب معيشة وعلم وآداب وصحبة ماجد
فإن قيل في الأسفار ذلّ وغربة وقطع فيافٍ وارتكاب شدائد
الجزء 1 · صفحة 84
فموت الفتى البيت الأول المتقدم، ومنها الغنى والفقر، قال بعض العلماء علماء الظاهر إنَّ الغنى حياة والفقر موت، واعتُرض عليه؛ أنَّه ليس كما قال؛ بل الصواب إنَّ في ذلك مذهبين مختلفين، وإنَّ ذلك يختلف ... بحسب اختلاف الأحوال، فالجواب فيه على التفصيل: فالموت عند بني الدنيا الفقر والحياة الغنى وهو الفخر عندهم الذي به مجدهم، وأمّا بنو الأخرى الأكياس الطيبو الأنفاس الذين هم الناس، فالحياة والرَّاحة والفخر الباقي على الدهر إنَّما هو عندهم في الفقر والموت في الغنى، ويؤيده ما روي في الأثر (إياكم ومجالسة الموتى) ثم فسر الموتى بالأغنياء ، ومنها الخصب والجدب، ومنها قوله تعالى {فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى} (الروم: 50) كذلك يحيي القلوب الجدبة بوابل غيث الجذبة فتضحى مخضرة خصبة، ومنها اليقظة والنَّوم فالنَّوم يُسمى الموت الأصغر، وقد سماه الله تعالى توفّيًا في قوله تعالى {وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ} (الأنعام: 60) الآية، وكذلك سماه رسول الله ? موتًا، في قوله: الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا ، ومنها الوجود والعدم، ومنها قوله تعالى: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ} ومنها ربط النَّفس بالجسد وفصلها عنه، وهو الموت الحقيقي الأكبر المتولي أمره ملك الموت عند انتهاء الأجل بإذن الله عز وجل، وإليه الإشارة بقوله تعالى في آخر الآية {ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (28)} (البقرة: 28) ، (معزّ مذلّ) معناهما: ظاهر، وكلما يوجده الحق تعالى من القبض والبسط والخفض والرَّفع والعطاء والمنع والتَّفريق والجمع والإغناء والإفقار والإعزاز والإذلال، فهو مندرج تحت قوله تعالى {كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (29)} (الرحمن: 29) وذكر بعض العلماء
الجزء 1 · صفحة 85
كلامًا مختصرًا؛ أن العز ينقسم إلى دنيوي وأخروي، فالأخروي حقيقي، وأمّا الدنيوي فينقسم إلى حقيقي ومجازي، فالمجازي: لا يستحق أن يسمى عزًّا؛ إذ هو على الحقيقة عين الذل كمن عزّه بالجاه والسطوة على الكل أو بأسباب الدنيا التي تضمحل، والعز الحقيقي: هو أن يعز الله تعالى عبده بمعرفته وطاعته ويصطفيه لولايته، ويكون تحت كنفه ورعايته.
والذل في الدنيا ينقسم أيضًا إلى حقيقي ومجازي؛ فالذل الحقيقي: أن يحرم العبد العزّ الحقيقي الذي هو الموالاة من الله تعالى وطاعة العبد لمولاه، والذلّ المجازي: أن يخلو العبد من العزّ المجازي الذي هو جاه الدنيا الدنية، فيكون ممّن قال فيه النبي ?: "ربّ أشعث مدفوع بالأبواب لو أقسم على الله لأبره".
(مقتدر) قادر مبين (أسألك رضوانك) رضاك، والرضوان بكسر الراء وضمها لغتان قرأ بهما في السَّبع، (والجنَّة) وأسألك الجنَّة.
الجزء 1 · صفحة 86
(ح) الدعاء بأسماء الله تعالى التي أول كلماتها حرفالحاء المهملة، (اللهم أنت حيّ) مشتق من الحياة، وليس في الوجود موجود له الحياة من ذاته لذاته إلّا الله وحده، فصفة الحياة له ذاتية ولغيره عرضية تُسلب عن جسمه فيموت من الملائكة وسائر الحيوانات ونفوسهم، وإن بقيت حيّة مدة، فبإبقاء الله تعالى لها مع جواز رفع الحياة عنها، و بقاء الحق تعالى واجب من ذاته لذاته أبداكما تفرد بالوجود كذلك أزلًا، (حنَّان) بتشديد النون الرحيم بعباده، فعّال من الرحمة للمبالغة، (حييّ) بياءين الأولى مخففة والثانية مشددة، بوزن فعيل من الحياء، أي: يحب الحياء، (حليم) صفة موضوعة للمبالغة، مشتقة من الحلم، والحليم: هو الذي لا يستخفه شيء من عصيان العباد، ولا يستفزه الغضب، ولكنَّهجعل لكل شيء مقدارًا فهو منتهٍ إليه، (حميد) المحمود على كلِّ حال، فعيل بمعنى مفعول؛ لأنه تعالى محمود في ذاته من ذاته، ومحمود من عباده بثنائهم عليه ومدحهم له، وقيل يكون أيضًا بمعنى الحامد؛ لأنَّه تعالى حامد لنفسه ومثنٍ على ذاته؛ لاستحقاقه ذلك إذ هو أهل الثناء والحمد الخالص لاتصافه بالكمال، وتقدسه عن النَّقائص وحامد عباده بحمدهم إياه، واتباع طاعته، ورضاه بما وفقهم له من عبادته وتقواه.
(حكيم): حكيم وصف مبالغة بمعنى الحاكم، فهو فعيل بمعنى فاعل، أو هو الَّذي يحكم الأشياء ويتقنها، فهو فعيل بمعنى مفعل، وقيل الحكيم ذو الحكمة، والحكمة عبارة عن معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم، ويقال لمن يحسن دقائق الصناعات ويتقنها حكيم. (حق): هو الموجود حقيقة، المتحقق كونه ووجوده وإلهيته، وقيل معناه المحق، أي: ذو الحق في حكمه وفعله وفي مقابلته الباطل الذي لا وزن له عند الله تعالى، وإليه أشار تعالى بقوله: {وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ} يونس: 82.