النهاية في شرح الهداية
للإمام حسام الدين حسين بن علي بن حجاج السغناقي
(ت 714 هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
جارٍ تحميل الكتاب…
النهاية في شرح الهداية
للإمام حسام الدين حسين بن علي بن حجاج السغناقي
(ت 714 هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
..
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بسم الله الرحمن الرحيم
وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم
الحمدُ لله الذي أعلى معالمَ العلومِ، ودرجَ أهاليها، وجاوزَ برتِبِهم قمّة الجوزاء وأعاليها، وفلقَ ما غسقَ من ظُلمِ العضل ببيانٍ على ألسِنةِ العلماء يتوقد من الشُعل، وإيضاحٍ يحاكي الزهرَ وينفتح به الغلق، ويجدّد بأن يزبر معه بالتبر على صحائف الحَدَق، والصلاة على محمد المُعجز بالتنزيل لدهماء المصاقع، وعلى آله وأصحابه حماة الدين وكماة الوقائع، وبعد:
فإنّ إيضاح ما انغلق من كتب السلف من أهمّ الأمورِ وأشرفِ الخصال في هذه الأزمنة والدهور؛ إذ الأساتذةُ الذين لهم خبرٌ بمكامن حقائقها، واطلاعٌ بدرك دقائقها، قد أُكرموا بالوصال، إلى مثوباتِ ذي الجلال، ثمّ من بينِ كتبِ المتقدّمين والمتأخرين، وخلال مصنفات المتبقرين والمتبصّرين نجمت الهداية هاديةً لأصول الرواية، ومتون الدراية مع قصرِ اللفظِ وإنباء المعاني، وفِقَر الفقه، واضح المباني، وطلعت مشرقةً مبرّزة، ولكن نطقت مغلقةً معجزة معضيلة بأصولٍ تفر منها.
الفروع المفنّنة مجلحمةً بقوانين تنسل منها المعاني المكننة على وجه يكلّ عن ذكر محامدها أنامل التحرير، وتضيقُ عن وصف معاليها أدراج الأضابير، ومن جرّائه غدت مشوّقة للقلوب مرغّبة أطيب مضغةٍ صيحانية مصلبة وآضت بإعجازها صليب الضَرْزمة، وهي مع ذلك حول الصلّيّان الزَّمْزَمة، وإن أقبلت الطائفة بالتقليد عالية على المَمْحوص أصوص عليها صُوص على إثبات دفائِنها وتنقيح خزائنها من غير كدح في التنفير وكدٍ في التقرير نكصت حالة للذِّفرى، وذاهبة في اليَهْيرّى، وما فاهت إلا جاءت بالضلال بن السَّبَهْلل، والسُمَيْهي بن العَقَنْقل، وها أنا قد تصدّيت بنثر جواهرها التي جازها السمع زَوِيراً، وغدوتُ حين حزمت أعدى من الشنفرى، وكان ذلك غبّ اقتراح المختلفين وانكبابة المحكمين، ولو لم يكن فيه سوى ما وصاني الإمام الهمام السيف الهُذام مِطْعام الضيفان مِهداء الإخوان العالم العامل الفاضل الكامل ألمَعي الطبيعة لَوْذَعيّ القريحة قاضي القضاة رئيس الهداة علاء الدين محمد بن أحمد بن عمر الساغرجي -جلاه الله بما زانه وصانه عما شانه- بترتيب حواشيها وتنميق مفاتيح إغلاق فيها لكفى بذلك وجوب الإئتمار، وينابيع بالأنّهمار؛ إذ وصيّته محقوقة الإيفاء معزومة الإصغاء فإنه - سلمه الله - توسّل لوصول الكتب بعد الفقدان ويأس مصادَفَتها عند تطاول النُشدان، فأوجست في قُرونتي رهبة أن أكون بين الرصد كمبتغي الصيد في عريشة الأسد، وسألتُ الله توفيق حوز نسخة تُصَفى وتُنَقى لا حلواً يشترط، ولا مراً فيُعفى فبرزَت بحمدِ الله كافية بإبراز محاسن الهداية مقصوداً، وتنظيم جواهر قلائد الجامع الصغير، والقدوري منضوداً، فمن ظفر بها استصحبَ ما هو أشبه الأنورين أو أزهر واستغنى عن جر سبعين دفتراً أو أكثر؛ إذ هي انتزعت من المظان التي صيغ جوهر الهداية منها وافتلذ سماعها من نسخ المباسيط، والأسرار والجامعَيْن ودليلي الإيضاح، والمحيط اللامعين، والفتاوى الموثوق بها، والفوائد الموموق لها، وأورد فيها ما يساعد مسائلها ويضاهيها وما يضادّها ويناوئها؛ ليزداد الإيضاح والإنباء إذ بالضد تتبيّن الأشياء وما أورد فيها لم يخلُ من الأنواع المثلية، وهدانا النقائص المقعثة إما من أصلٍ وثيق ذُكر نقلٌ فيه، وإما منقول من أستاذ سُمع من فيه، وإما مسطور من جليّ ينتخبهُ الفكر ويصطفيه فإنّ ما أُثبت من نكات نظرية ومن سنان أسْؤلَة سَمْهَرية إلا بعد أن سُبِكَت في بوتقة التخليص والتحرير، وما رقمت غير أنها أصيَبت في كانون التفكير وطالما عنيت بتنقيح دلائلها ومُنيتُ بتوضيح مسائلها، وامتدّ ما راجعتُ فيها، وروجع إليّ ورددته، ورُدّ علي حتى تراءى لي هو مما يثلج به صدور الأنام وألقى مراسيه بذي رمرام، ثمّ تبيّنتُ أن غيره بالأولويّة سبق وضل الدّريص نفقة فطنته وعَبْهَلته ثم صحّحته، ثم غربلته ثالثاً ورابعاً حتى تجلّى بارعاً ورائعاً، وبلغ إليّ أن ترتضيه العقول وتنتقيه الأصول، وكنت على كذا سجيس الأوجس في أرفع الأحوال، والأوكس مزجياً ريعان العمر وعنفوان الدهر قيد ربع المائة من السنين بأصحابٍ كانوا في التدقيق منتهين وفينات الأساتذة على أطيب الأحوال منسوجة والأمر سلكى ليس بمخلوجة، وكان في جدة الهبان، وسمة الشقدان وبالوقت التقي الثريان، والحواشي المتذاكية في مثل هذه الحال كادت تزول وأذنت بالذيول، ولا يتأتى الظفر بشيءٍ منها فكيف بالجميع، وإن طولب من الأصيل الى الصديغ فألجأتني هذه الضرورة إلى الإقدام على جمع أشتات تلك الفوائد وفرائد قلائد النواهد بحيث لو تصفحتها لم يُظفَر إلا بضربٍ من البيان يُشار، وعلمٍ من التبيان يُختار فلما انتهيت في كشف مشكلات الهداية وروايتها، واستيضاح معضلات درايتها سميتها النهاية في شرح الهداية، ألا من فاز بهما فقد فاز بأدلّة كتب الفقه أجمع، وصار أذكى القوم وأصمع، وانتقل من ذلّ السؤال والابتذال إلى عز الاستبدال والاستقلال واستغنى بهما عن هذا النوع شرحاً ومشروحاً، وصادف باب الخير مفتوحاً فإنه قد طابق قدٌ بسجل وباءت غرار بكحل ثمّ رواية الهداية بلغتني من مصنفها الإمام البارع المتقن الورع الموقن مفتي البشر سيف النظر ملجأ العلماء أستاذ الفقهاء رئيس أهل السنة والجماعة عمدة أهل التقوى والنزاهة، شيخ الإسلام والمسلمين افتخار علماء العالمين برهان الدين أبي الحسن علي بن أبي بكر بن عبد الجليل بن الجليل بن أبي بكر الفرغاني الراشداني -رحمه الله- بالاستنادين، أحدهما: الشيخ العالم الربّاني العامل الصمداني ناصب لواء الشرع، مؤسس قواعد الأصل والفرع، فخر الحاج والحرمين إمام أهل الخافقين السالك كل سبل العبادات، الناسك بعبادة أهل السعادات، مولانا حافظ الدين محمد بن محمد بن نصر البخاري - رضي الله عنه - وأثابه الجنة فإني سمعتها منه بمرو في المدرسة البدريّة ومسجدها الميمونية ببخارها ومحتدها بقراءة الإمام العالم ناصر السنة قامع البدعة زين الدين السمناقي -سلّمه الله- من أولها الى آخرها، وشيخي هذا -رحمه الله - يروي عن علامة العالم أستاذ بني آدم محي مراسم الفقه على الحقيقة مدرك الأدلّة الدقيقة مولانا شمس الدين عبد الستار بن محمد بن العمادي الكردري، وهو يروي عن المصنف -رحمه الله- والثاني: هو الأول زماناً، الأستاذ العالم الزاهد المتقن العابد الفارع، أعلى فلك الدقائق الباحث عن أقصى الحقائق، بحيث لا يداني أحدٌ شأوه البعيد، ولا يقارب [8 - ب] شأنه السعيد حيث نبذ أمر الدنيا وراء ظهره، وتلقى أمر العقبى عاملاً قدام صدره، فلو أخذ بالبيان كأنه السماء المدرار، والفُلك الدوار، مولانا فخر الدين محمد بن محمد بن الياس المايمرغي تغمده الله بالرحمة والرضوان، فإني سمعت منه كتاب الهداية من أولها الى آخرها ببخارى في مسجد مرو بكلاباذ تجاه مدرسة المقتدي، ومحرفة المبتدي بعضها بقراءة فقيه الأمة، ناصر السنة، الإمام العالم قوام الدين الصغنافي سلمه الله مرةً ثم جميعها بقراءة الإمام السعيد الشهيد السابق في أنواع العلوم الفائق في فتح المكنون، والمكتوم شمس الدين الحافظي الجندي -رحمه الله- ثانياً، وهذا الإسناد يروى عن العلامة مولانا شمس الدين الكردري هذا -أيضاً-، وهو عن المصنف رَحِمه الله, فشرعتُ فيه مستوفقاً من الملك الغفور والكريم الشكور.
قال المرغيناني: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَعْلَى مَعَالِمَ الْعِلْمِ وَأَعْلامَهُ).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله -رحمه الله-: ((الحمد لله)) إنما ذكر بهذا اللفظ دون الشكر لله، أو المدح لله، أو أحمد الله، أو احمدوا الله، أو غيرها من الألفاظ تبركاً بمفتتح كتاب الله تعالى، وتأسيّا به، وإنما ذكر في كتاب الله هكذا، والله أعلم لما في الحمد من التصريح بالثناء، والاعتراف بدوام النعمة بخلاف الشكر والمدح، فإنه (لا اعتراف فيه بدوام النعمة)، ولما فيه من تعليم لفظ الحمد مع تعريض الاستغناء، أي: الحمد لله وإن لم يحمدوه، ولو قال: احمدوا الله لم يُفِد هذين المعنيين.
قوله-رحمه الله-: ((أعلى معالم العلم وإعلامه)) في هذه الجملة رعاية صنعة ما يقرب من الاشتقاق وصنعة الاشفاق، فإن أعلى مع غيره من قبيل الأول: والثلاثة الأُخَر من قبيل الآخِر، فمن نظير الأول قوله تعالى: {قال إني لعملكم من القالين} ومن نظير الثاني: قوله تعالى: {سأل سائل بعذاب واقع}، وقوله: {إذا وقعت الواقعة} ثم المَعْلم موضع العلم، أي: رفع مواضع درك العلوم قيل المراد منها: العلماء، وقيل المراد منها الأصول التي توقف بها على الأحكام من نحو الجواز والفساد والحلّ والحرمة، وهي الكتاب والسنة والإجماع والقياس، وهذا أوجه بدليل عطف إعلامه عليها؛ إذ المراد من الإعلام الأسباب الشرعية نحو دلوك الشمس، وملك النصاب، وشهود الشهر، وشرف المكان للصلاة والزكاة.
والصوم والحج، وذلك؛ لأن العلم هو الإمارة، والأسباب الشرعية إمارات لوجوب الأحكام في الحقيقة لما أن الوجوب في الحقيقة مضاف إلى إيجاب الله تعالى وهو غيبٌ عنا، والله تعالى برحمته أقام الدلالات الظاهرة من دلوك الشمس وغيره عَلَماً على إيجابه الغيبي تيسيراً للعباد، ثمّ سببيّة هذه الأشياء ثابتة بتلك الأصول فكأنه قال أعلى أصول العلم (وأعلى الأشياء الثابتة بتلك الأصول)، ثم لو كان المراد من المعالم العلماء فإعلاؤهم ظاهر قال الله تعالى: {يرفع الله الذين آمنوا والذين أوتوا العلم درجات والله بما تعملون خبير}، حيث خصّهم بالذكر ثانياً بعد دخولهم في ذكر الذين آمنوا إظهاراً لزيادة درجاتهم عنده، ولو كان المراد منها الأصول -وهو الظاهر- فإعلاؤها ظاهرٌ -أيضاً- حيثُ أوجب علينا الاتباع والائتمار بها لقوله: {واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم} وقوله: {وما آتاكم الرسول فخذوه}، وقوله: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين}، وقوله: {فاعتبروا يا أولي الأبصار} وكذلك إعلاء هذه الأسباب ظاهر؛ لما أنه تعالى لمّا جعلها موجبة ظاهراً في حقّ العباد كان ذلك لشرف لها على سائر الأوقات, والأموال والأماكن.
قال المرغيناني: (وَأَظْهَرَ شَعَائِرَ الشَّرْعِ وَأَحْكَامَهُ).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ((وأظهر شعائر الشرع))، الشعائر جمع شعيرة، وهي ما جُعل علماً على طاعة الله تعالى, قيل: المراد منها ما يؤدّى على سبيل الاشتهار؛ كصلاة الجمعة، والعيدين، والخطبة، وجَمعيّ العرفات، والمزدلفة، والقياس في الشعائر الهمز كما في الصحائف، والرسائل بخلاف المعايش، والمشايخ فإنهما بياءٍ خالصة لما عرف، والمراد من الشرع المشروع, إذ لو كان المراد به الشارع لقال: شعائره، والمشروع بإطلاقه يتناول الأسباب والأحكام الشرعية فكانت الإضافة إضافة بيان، كخاتم فضة, لجواز إضافة الأحكام إلى غير الشرع كالنحو وغيره، وكان هذا من المصنف رعاية المناسبة بين التحميد والتصنيف على ما قيل ذكر التحميد متضمناً مضمون التأليف من شرط صحة التصنيف.
قوله: ((وأحكامه)) الحكم الأثر الثابت بالشيء نحو الجواز والفساد، وبعث رسلاً وأنبياء وغاير بينهما بالعطف، لأنّ الرسول هو النبي الذي [9 - أ] معه كتاب كموسى - عليه السلام -، والنبي هو الذي ينبئ عن الله وإن لم يكن معه كتاب كيوشع - عليه السلام - كذا في الكشاف، وعن هذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل»، ولم يقل كرسل بني إسرائيل، هادين وراعين صفتان لأنبياء وعلماء لا حالان لما أن إيقاع الحال عن النكرة لا يحسن إلا عند تقديمها على ذي الحال؛ ولأن الحال يقتضي التزلزل والصفة تقتضي التقرر، اللهمّ إلا أن يكون الحال مؤكّدة لكن ليس هذا موضع المؤكدة فكانت مبالغة المدح في إيقاعها صفة لاقتضائها اللزوم ولم تؤثر من أثر الحديث.
قال المرغيناني: (وَبَعَثَ رُسُلا وَأَنْبِيَاءَ - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ - إلَى سُبُلِ الْحَقِّ هَادِينَ، وَأَخْلَفَهُمْ عُلَمَاءَ إلَى سُنَنِ سُنَنِهِمْ دَاعِينَ، يَسْلُكُونَ فِيمَا لَمْ يُؤْثَرْ عَنْهُمْ مَسْلَكَ الاجْتِهَادِ، مُسْتَرْشِدِينَ مِنْهُ فِي ذَلِكَ وَهُوَ وَلِيُّ الإِرْشَادِ، وَخَصَّ أَوَائِلَ الْمُسْتَنْبِطِينَ بِالتَّوْفِيقِ حَتَّى وَضَعُوا مَسَائِلَ مِنْ كُلِّ جَلِيٍّ وَدَقِيقٍ غَيْرَ أَنَّ الْحَوَادِثَ مُتَعَاقِبَةُ الْوُقُوعِ، وَالنَّوَازِلُ يَضِيقُ عَنْهَا نِطَاقُ الْمَوْضُوعِ، وَاقْتِنَاصُ الشَّوَارِدِ بِالاقْتِبَاسِ مِنْ الْمَوَارِدِ).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ((وخصّ أوائل المستنبطين)) أراد بذلك - والله أعلم - أبا حنيفة وأصحابه - رضي الله عنهم - اذ هم الذين شقّوا غبار استنباط المسائل ووضعها وهم الذين تولّوا تمهيد قواعد المسائل الشرعية وتبيينها، والمرّاصون لأرهاص القواعد الدينيّة فكلّ من صنف كتباً بعدهم أو وضع مسألة فهو مغترف من بحار علومهم، ومتجرّع من عمّان أصولهم، وبانٍ على ما أصّلوه، وتالٍ على ما أسّسوه، فلهم الدرجة العليا، والرتبة القصوى رزقنا الله شفاعتهم آمين يا ربّ العالمين، من كلّ جليّ، أي: من كلّ ظاهر دركه يعني بالمسائل القياسيّة، ودقيق، أي: خفيّ دركه يعني بالمسائل الإستحسانيّة نظيرها ما اذا وقعت البعرة في البئر فيه قياس واستحسان، فالقياس أن يفسد الماء لوقوع النجاسة في الماء القليل وهذا دليلٌ ظاهر درّكه والاستحسان أن لا يفسد لأنّ آبار الفلوات ليست لها رؤوس حاجزة، والمواشي تبعر حولها وتلقيها الريح فيها فجعل القليلَ عفواً للضرورة ولا ضرورةَ في الكثير وهذا دليل خفيٌ دركه.
قوله: ((غير أنّ الحوادث)) وقع استثناء عما قبله فلذلك انتصب وهو جواب عما يرد شبهة على الكلام الأول؛ فإنّه لما ذكر أن أوائل المستنبطين وضعوا المسائل من كلّ جليٍّ ودقيق كانت المسائل كلها موضوعة {لأنّ المسألة لا تخلو إما إن كانت مما هو جليّ دركه أو دقيقٌ دركه كانت المسائل كلها موضوعة} فلأيّ معنى تصدّى من بعدهم من المستنبطين، والمصنّفين للاستنباط والتصنيف حتى تصدّيت أنت -أيضاً- لإنشاء هذا الكتاب أليس يكفي موضوعاتهم؟ فأجاب عنه، وقال: نعم كذلك، إلا أنّ النوازل تنزل ساعةً بعد ساعة، والحوادث تحدثُ حيناً غبَّ حين فلا تستوعَب جميعها نطاقٌ الموضوعات، ولا تحوز كلها حزام المنصوصات، فاحتيج الى وضعٍ آخر على حسب حادثةٍ تحدث لكن مقتفياً على آثارهم، ومقتَبساً من أنوارهم فإنه لولا سمتهم في وضع المسائل لما اهتدوا إليه، ولولا هداهم في تنقيح الدلائل لما اقتدروا عليه، وكانوا في الحقيقة هم المتولين بوضع المسائل كلها بعضاً بمباشرتهم، وبعضها بتبيين طرقها، فكان لهم الأجر السّنيّ، والذكر العلي النطاق والمنطقة، كمر الموضوع، أي: موضوعات أوائل المستنبطين، الاقتناص: الاصطياد والقنصُ بالتسكين مصدر قنصه، أي: صاده، الشاردة، أي: الآبدة وهي النافرة من الشّراد، والشرود من حدّ ضرب، القبس شعلة من نار، يقال: اقتبستُ منه نار أو اقتبست منه علما -أيضاً- {أي: استفدته}، الموارد: جمع مورودات؛ فإنه لما استعار الشوارد للأحكام المستخرجة من الأصول بالاستنباط بجامع سبب الوصول الى المقصود استعار الموارد للأصول باعتبار محل الوصول؛ ولأنّ بين الماء والعلم من المناسبة اذ الأول سبب حياة الأشباح والثاني سبب حياة الأرواح فكان فيه ترشيح الاستعارة كقوله تعالى: {أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم} فإنه لما استعار الاشتراء لاختيار الضلال بترك الهدى رتّب عليه عدم الربح الذي هو أحد نتائج البيع.
قال المرغيناني: (وَالاعْتِبَارُ بِالأَمْثَالِ مِنْ صَنْعَةِ الرِّجَالِ، وَبِالْوُقُوفِ عَلَى الْمَأْخُوذِ يُعَضُّ عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ((والاعتبار بالأمثال من صنعة الرجال)) أي: وقياس الأحكام على نظائرها بالعلل المؤثرة من صنيع الكاملين في الرجولية الجامعين لما يكون في الرجال من مرضيّات الخصال لا من صنيع كلّ واحد، وجعل من عداهم كأنه ناقص في الرجولية، ثم ذكر صعوبة الوقوف على المآخذ بقوله: يعضّ عليها بالنواجذ، النواجذ: أربع للإنسان في أقصى الأسنان من كل جانب واحدة فوقاً وتحتاً، وتسمى أضراس الحلم تنبت بعد البلوغ، يقال عضّ على ناجذه إذا صبرَ وتصلّب، ومنه قول عمر - رضي الله عنه -: (ما ولى أحدٌ الآجام على قرابته، وقرى في غيبته، ولن يلي الناس كقرشي عضّ على ناجذه)، أي؛ يعض [9 - ب] على المآخذ بالنواجذ، أي: استنباط الحكم من الموارد أمرٌ صعب لا يَهتدي إليه أحدٌ إلا بتوفيق الله تعالى، فيجب أن يوجد التصلب والاهتمام في حقه، فلذلك وصف أصحابه بكمال الرجوليّة.
قال المرغيناني: (وَقَدْ جَرَى عَلَيَّ الْوَعْدِ فِي مَبْدَأ بِدَايَةِ الْمُبْتَدِي أَنْ أَشْرَحَهَا بِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعَالَى شَرْحًا أَرْسُمُهُ بِكِفَايَةِ الْمُنْتَهِي، فَشَرَعْت فِيهِ وَالْوَعْدُ يُسَوِّغُ بَعْضَ الْمَسَاغِ).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ((والوعد يسوّغ بعض المساغ))، أي: يجوز بعض التجويز لا كلّه، ووجهه أنّي شرعتُ في شرح البداية الذي هو موسوم بكفاية المنتهى بسبب وعد جدي على حال شروع تصنيف بداية المبتدي، وقد تصدّى عليّ حالتان متنافيتان حال إرادة ابتداء الشروع في الشرح احداهما تقتضي الإنجاز وهي أن الخلف في الوعد مذموم شرعاً، وهو من علامات النفاق, "إذا وعد أخلف، واذا اؤتمن خان، وإذا حدّث كذب.".
والثانية تقتضي الامتناع، وهي أنّ التصنيف شيءٌ عظيم الشأن بعيد الشأو، عميق القعر لا يسلم فيه كلّ سابح، ولا يرضى كلّ أحد أن يصير مستهدفاً لرشق الطاعنين، والأصل في المتعارضين العمل بقدر الامكان؛ إذ في ترجيح أحدهما إبطال الآخر لا محالة، فكان هذا من المصنف -رحمه الله- هضيم النفس، ورؤية انحطاط رتبته، ثم قوله: والوعد يسوّغ بعض المساغ محلّ النصب على أنه جملة حالية من التاء في فشرعتُ من غير ضمير راجع منها إليه كما في قولك أتيتك والجيش قادم أتكئ عنه عدى الإتكاء بعن، وإن كان هو يعدي بعلى لتضمين معنى الفراغ, كما في قولِهِ تعالى: {فصرهن إليك} على تضمين معنى الإمالة، تبيّنتُ أي: علمتُ يقال في رأسه نبذ من شيب، وأصاب الأرض نبذٌ من مطر، أي: شيءٌ يسير عين الشيء خياره، ومتن الشيء بالضم متانة، فهو متين، أي: صلب وقوي، ويقال رجلٌ متن، أي: صلب وقوي، والمراد من الدراية؛ هو المعاني المؤثرة، والنكاة المتينة التي لا تنتقض.
قال المرغيناني: (وَحِينَ أَكَادُ أَتَّكِي عَنْهُ اتِّكَاءَ الْفَرَاغِ، تَبَيَّنْتُ فِيهِ نُبَذًا مِنْ الْإِطْنَابِ وَخَشِيت أَنْ يُهْجَرَ لِأَجْلِهِ الْكِتَابُ، فَصَرَفْت الْعِنَانَ وَالْعِنَايَةَ إلَى شَرْحِ آخَرِ مَوْسُومٍ بِالْهِدَايَةِ، أَجْمَعُ فِيهِ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ تَعَالَى بَيْنَ عُيُونِ الرِّوَايَةِ وَمُتُونِ الدِّرَايَةِ، تَارِكًا لِلزَّوَائِدِ فِي كُلِّ بَابٍ، مُعْرِضًا عَنْ هَذَا النَّوْعِ مِنْ الإِسْهَابِ، مَعَ مَا أَنَّهُ يَشْتَمِلُ عَلَى أُصُولٍ يَنْسَحِبُ عَلَيْهَا فُصُولٌ، وَأَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُوَفِّقَنِي لإِتْمَامِهَا، وَيَخْتِمَ لِي بِالسَّعَادَةِ بَعْدَ اخْتِتَامِهَا، حَتَّى أنَّ مَنْ سَمَتْ هِمَّتُهُ إلَى مَزِيدِ الْوُقُوفِ يَرْغَبُ فِي الأَطْوَلِ وَالأَكْبَرِ، وَمَنْ أَعْجَلَهُ الْوَقْتُ عَنْهُ يَقْتَصِرُ عَلَى الأَقْصَرِ وَالأَصْغَرِ).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله -رحمه الله-: ((مع أنه يشتمل على أصول ينسحب عليها فصول)) فيه دفعٌ لوهم من عسى بهم أنه لما ترك الزوائد في كلّ باب وأعرض عن الإسهاب حينئذٍ لعلّه لم يأت بأصول ذات فوائد، فقال مع كونه محذوف الزوائد هو مشحون بالفوائد، هذا كما أصّل في فساد البيع بالشرط, وهو كلّ شرط يخالف مقتضى العقد، وفيه نفعٌ لأحدِ المتعاقدين أو للمعقود عليه، وهو من أهل الاستحقاق يفسد البيع، وإلا فلا, ففي كلّ قيد منه احتراز عما يضادّه، وجمعٌ لما يوافقه، وكذلك قال في مسألة المحاذاة أن تكون الصلاة مشتركة وأن تكون مطلقة، وأن تكون المرأة من أجل الشهوة، وأن لا يكون بينهما حائل وأمثالها كثيرة يُعثَر عليها في أثناء كلماته.
قوله: لإتمامهما واختتامهما، وفي بعض النسخ لإتمامها واختتامها، والتثنية راجعة إلى الشرحين، المزيد مصدر كالزيادة.
قال المرغيناني: (وَلِلنَّاسِ فِيمَا يَعْشَقُونَ مَذَاهِبُ وَالْفَنُّ خَيْرٌ كُلُّهُ.
ثُمَّ سَأَلَنِي بَعْضُ إخْوَانِي أَنْ أُمْلِيَ عَلَيْهِمْ الْمَجْمُوعَ الثَّانِيَ، فَافْتَتَحْتُهُ مُسْتَعِينًا بِاَللَّهِ تَعَالَى فِي تَحْرِيرِ مَا أُقَاوِلُهُ مُتَضَرِّعًا إلَيْهِ فِي التَّيْسِيرِ لِمَا أُحَاوِلُهُ، إنَّهُ الْمُيَسِّرُ لِكُلِّ عَسِيرٍ وَهُوَ عَلَى مَا يَشَاءُ قَدِيرٌ وَبِالإِجَابَةِ جَدِيرٌ، وَحَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله -رحمه الله-: ((وللناس فيما يعشقون)) الشعر لأبي فراس أوله:
عليّ لربع العامرية وقفةٌ ......... لتملي على الشوق والدمع كاتب
ومن عادتي حب الديار لأهلها ..... وللناس فيما يعشقون مذاهب
والياء في ليملي ساكنة؛ لضرورة الشعر المقاولةِ القولَ، ولكن فيها زيادة مزاولة ومقاساة ليست في القول؛ لأنّها من باب المغالبة والمباراة، والفعل متى غولب فيه جاء أبلغ وأحكم مما إذا زاوله وحده لزيادة قوة الداعي إليه، المحاولة: طلب الشيء بحيلة، ومنه الحديث: ((اللهمّ بك أحاول وبك أصاول)) روي أنه - عليه السلام - كان يقول هذا الدعاء عند لقاء العدو، أي: بنصرتك وتوفيقك أدفع عني كيد العدو، وأطلب الوثوب عليهم، ومن إنشاء الإمام عماد الدين ابن شيخ الإسلام صاحب الهداية - رحمهما الله- في حقّ الهداية:
كتاب الهداية يُهدي الهدى ..... الى حافظيه ويجلو العمى
فلازمه واحفظه ياذا الحجى .... فمن ناله نال أقصى المنى
الفصل الأول: كتاب الطهارات
كان شيخي الأستاذ الكبير البارع النحرير, أستاذ علماء الخافقين, مفخر الحاج والحرمين مولانا حافظ الدين محمد بن محمد بن نصر البخاري - رضي الله عنه - وأثابه الجنة, كثيراً ما يقول: عند ابتداء كتاب من كتب المشروعات: الأصل المذكور في أصول الفقه، وهو أن مشروعات الشرائع على أربعة أنواع: حقوق الله خالصة، وحقوق العباد خالصة، وما اجتمع فيه الحقان وحق الله فيه غالب كحد القذف، وما اجتمع فيه الحقان وحق العبد فيه غالب كالقصاص.
وأما حق الله تعالى على الخلوص فثمانية عشر: عبادات خالصة: كالأيمان، والصلاة وغيرهما، وعقوبات كاملة: كالحدود، وعقوبات قاصرة: كحرمان الإرث بالقتل، وحق دائر بين العبادة والعقوبة: كالكفارة، وعبادة فيها معنى المؤنة: كصدقة الفطر، ومؤنة فيها معنى قربة: كالعشر، ومؤنة فيها معنى العقوبة: كالخراج، وحق قائم بنفسه من غير سابقة سبب يوجبه: كخمس الغنائم والمعادن.
وأما حقوق العباد فكثيرة منها: المعاملات المالية؛ كالبيع، وغير المالية: كالنكاح والطلاق، ثم اختص الإيمان بالله وما يتلوه بأصول الدين، فبقيت الأحكام الأُخر، وهي التي نحن فيها، ثم قدمت من بينها الصلاة لما أنها أقوى أركان الإسلام بعد الإيمان بالله تعالى، قال الله تعالى: {فإن تابوا وأقاموا الصلاة}.
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((الصلاة عماد الدين))، ومن أراد نصب خيمة بدأ بنصب العماد وهي أعلى معالم الدين ما خلت شريعة المرسلين عنها، قال الإمام شمس الأئمة السرخسي ناقلًا عن أستاذه شمس الأئمة الحلواني -رحمهما الله- يقول في تأويل قوله تعالى: {وأقم الصلاة لذكري} أي: لأنّي ذكرتها في كل كتاب منزل على لسان كل نبي مرسل، وفي اسمِ الصلاة ما يدلّ على أنّها ثانية للإيمان؛ لأنّ المصلي هو التالي للسابق في الحلية قال القائل:
ولا بد لي من أن أكون مصليًا إذا كنت أرضى أن يكون لك السبق
ثم قدمت الطهارة؛ لأنّها شرط الصلاة، والشرط مقدم على المشروط، لتوقف حكم المشروط على وجود الشرط، ثم اختصّت الطهارة بالبداية من بين سائر الشروط؛ لأنّها أهم من غيرها؛ لأنّها لا تسقط بعذر من الأعذار، ثم ذكر الطهارة بلفظ الجمع، ولم يوحّد كما وحّد الصلاة والزكاة؛ لما أن لام التعريف إذا دخلت على الجمع تبطل معنى الجمعية؛ لما عرف في: أن لا أتزوج النساء، ولا اشتري العبيد وكان لفظ الجمع والفرد، (ولكن بقي سؤال اختصاص من جهة الرجحان بأن يقال لمَ لمْ يعكس الأمر باعتبار الجمع فزال الإشكال، ولا يشكل على قولنا هذا، وهو لام التعريف إذا دخلت على الجمع تبطل معنى الجمعية.
قال المرغيناني: (قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجهوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين}.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله رحِمهُ الله: قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا} الآية كان من حقه أن يُؤَخّر الآية عن قوله ففرض الطهارة؛ لأنّ حجّة المدّعي على ما ادّعاه إنّما يكون بعد الدعوى لا محالة وكما أخّرَ في غير هذا الموضع من قوله: المعاني الناقضة للوضوء ما يخرج من السبيلين لقوله تعالى: {أو جاء أحد} الآية وغيره إنما فعل ذلك تبييناً للأصل، وهو أنّ الأصلَ لثبوت الأحكامِ بالأصولِ الثلاثة أو الأربعة، وكان من حقّ الوضع أن يكونَ في المواضع كلها كذلك لما أنّ الفرعَ بعد ثبوت الأصل؛ لأنّه مبنيٌ عليه، والأصلُ وإن ترك استعماله لا يخرج عن كونه أصلا، لكن يبقى سؤال جهة الاختصاص بهذا الموضع لإجراء الأصل.
قلنا: هي للتبرّك بالافتتاح بكلام الله تعالى قوله تعالى: {إذا قمتم إلى الصلاة}، أي إذا أردتُم القيام إلى الصلاة كما في قول الشاعر:
إذا طحنت فابتدى بالميمنة ..................
فإن قلت: لم جاز أن يعبر عن إرادة الفعل بالفعل؟ قلت: لأنّ الفعل يوجد بقدرةِ الفاعل، وإرادته له وقصده إليه، فكما عبر عن القدرة على الفعل بالفعل في قولهم: الإنسان لا يطير، والأعمى لا يبصر، أي: لا يقدر على الطيران والإبصار، ومنه قوله تعالى: {نعيده وعداً علينا إنا كنا فاعلين}، أي: إنّا كنا قادرين على الإعادة، كذلك عبر عن إرادة الفعل بالفعل؛ وذلك لأنّ الفعل مسبّب عن القدرة والإرادة على الخصوص، إذ لا يوجد الفعل بدونهما، فأقيم المسبب مقام السبب للملابسة بينهما، ولإيجاز الكلام عند عدم اللبس، كذا في الكشاف، ثم ظاهر الآية يوجب الوضوء على كل قائم إلى الصلاة، سواء كان محدثًا أو غير محدث، فعليه أصحاب الظواهر فقالوا: الوضوء سببه القيام إلى الصلاة، فكل من قام إليها فعليه أن يتوضأ، فأما المذهب عند جمهور الفقهاء فمعناه إذا قمتم إلى الصلاة من منامكم أو أنتم محدثون، وما قاله أصحاب الظواهر فاسد لما روي: ((أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يتوضأ لكل صلاة، فلما كان يوم الفتح صلى الخمس بوضوء واحدٍ فقال عمر - رضي الله عنه -: رأيتك اليوم فعلت شيئاً لم تكن تفعله من قبل، فقال: عمدًا فعلت يا عمر كيلا تحرجوا)) وقول مذهبهم يوجب أن من جلس فتوضأ ثم قام إلى الصلاة يلزمه وضوء آخر، فلا يزال كذلك مشغولاً بالوضوء لا يتفرّغ للصّلاة، وفساد هذا لا يخفي على أحد، كذا ذكره في المبسوط إمام الدنيا، وملاك الحديا، سيّما على أهل الفتيا شمس الأئمة أبو بكر محمد بن أبي سهل السرخسي تغمّده الله بالرحمة والرضوان، وأسكنه في فراديس الجنان.
فإن قلت: هذا زيادة تقييد لإطلاق الكتاب بخبر الواحد، وأنتم تأبون ذلك كما أبيتم زيادة تعيين الفاتحة على القراءة، وزيادة الطهارة على الطواف بخبر الواحد.
قلت: بين الزيادتين فرق، وهو أنَّ هذه الزيادة لو لم تكن فيما نحن فيه يلزم منه فساد بيَّن وحرجٌ ظاهر على ما ذكرنا، وقد نفاه الشارع بقوله تعالى: {وما جعل عليكم في الدين من حرج}، وحجته لا يتناقض فكانت الزيادة ثابتة بالنص الذي ينفي الحرج، وخبر الواحد وقع موافقاً له، وهذا كمن أثبت زيادة (أفطر) في قوله تعالى: {فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر} أي: فأفطر؛ لأنّه لو لم يضمر قوله: فأفطر، كان الحكم عائداً على موضوعِهِ بالنقص؛ لأنّه حينئذٍ كان الصوم واجباً على المريض والمسافر يومان ليوم واحدٍ وما جوّز الشرع تأخير الصوم منهما إلا لنفي الحرج عنهما لقيام العذر بهما فعلى ذلك التقدير يكون التكليف عليهما أشّد من التكليف على الصحيح المقيم؛ ولهذا ذكر الله تعالى عقيبه: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} بخلاف قوله تعالى: {فاقرءوا ما تيسر من القرآن} وقوله تعالى: {وليطوفوا بالبيت العتيق} حيث لا يلزم القبحُ والفسادُ على تقدير ترك الزيادة بل فيه تقدير قوله تعالى: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} مع أنّ الاطلاق والإبهام قد يكونان مقصودين لما عرف، أو نقول: اشتراط الحدث لوجوب الوضوء بسبب إرادة القيام إلى الصلاة ثابت هنا بدلالة النص وصيغته، أما الدلالة فإنه ذكر التيمّم بالتراب الذي هو بدل عن الماء معلقاً بالحدث، وكذلك ذكر الغسل معلقاً بالحدث، وهو أعظم الطهرين فقال تعالى: {وإن كنتم جنباً فاطهروا}، وقال: {وإن كنتم مرضى} الآية، والنص في البدل نص في الأصل، وإنما يخالف البدل الأصل بحاله، وهو الكيفية والكمية لا بسببه، فكانا متحدين في عمل السبب.
وأما الصيغة، فقوله تعالى: {إذا قمتم إلى الصلاة} أي: من مضاجِعِكم؛ لأنّ القيام المطلق كان عن غير القيام مطلقاً، وهو الاضطجاع، وهو كناية عن النوم، والنوم دليل الحدث، كما في قوله تعالى: {أو جاء أحد منكم من الغائط} وهو كناية عن التمكن في المكانِ المطمئنِّ للاستتار، والتمكن فيه دليلُ الحدث، وإنّما اختير هذا النظم -والله أعلم؛ لأنّ الوضوء مطهّر وضعاً، فدلّ على قيامِ النجاسة فاستُغنيَ عن ذكره بخلاف التيمم، والصلاة سبب الوضوء والحدث شرطه، فلم يذكر الحدث صريحاً؛ ليعلم أنّه سنّة وفرضٌ، فكان الحدثُ شرطاً لكونِه فرضاً، لا لكونهِ سنة، فأمّا الغسلُ فلا يسنّ لكل صلاة, بل فرض فلم يشرع إلا مقروناً بالحدث.
ولا يقال: إنّ الغسلَ سنة للجمعة فيثبت التنوّع فيه؛ لأنّا نقول المدعى: إنه لا يسنّ لكل صلاة فلم يتجه نقضاً أو نقول: كونه سنّةٌ لصلاة الجمعة غير مسلّم؛ لأنّ الغسل عند البعض للنوم لا للصلاة، وهذا ما اختاره فخر الإسلام البزدوي -رحمه الله- وذكر في الكشاف.
فإن قلت: هل يكون الأمر شاملًا للمحدثين وغيرهم (لهؤلاء على وجه الإيجاب) ولهؤلاء على وجه الندب؟
قلت: لا؛ لأنّ تناول الكلمة لمعنيين مختلفين من باب الألغاز والتعميّة ثم قول من قال: قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة} من قبيل صنعة الالتفات مما لا يكاد يصحّ، بيان ذلك هو أنّ يا حرف نداء يقتضي الخطاب يستوي فيه نداء البعيد والقريب، وأي منادى مبهم، وهو يقتضي المضاف إليه، قيل: لأنّ أصله أوي؛ لأنّ أيّاً أبدا بعض ما يضاف إليه وبعض الشيء يأوي إلى كله، إلا أن الواو قلبت ياء لسبق الواو السّاكنة على الياء، ولاستيجابه الإضافة عوّضوا عنه كلمة التنبيه مقحمة.
وقوله: الذين على وجهين: أما إن كان صفته ولفظ الجمع باعتبار إبهام، أي: وهو يوصف بالاسم الذي فيه الألف واللام، كما في يا أيّها الرجل، وأصل الذي: (لذي) على زنة سجي وعمي، ثم أدخل حرف التعريف عليه، فكان هو بمنزلة اسم الجنس بحرف التعريف في كونه صفةً له، كذا في الإقليد، وأما إن كان موصوف الذين محذوفاً؛ لأنّ الذي وضع وصلةً إلى المعارف بالحمل وأي ليس بمعرّفة، فلا يكون الذين صفةً له، بل كان تقديره يا أيها الناس الذين آمنوا، أو يا أيها الرجال الذين، أو يا أيها المؤمنون الذين، والموصولات كلها غيب يلزم أن يكون صلتها، وهي آمنوا مغايبة -أيضاً-، وفاقاً لها حتى احتيج إلى التأويل في قول علي - رضي الله عنه -:
أَنَا الَّذِى سَمَّتْنِ أُمِّى حَيْدَرَهْ ...............
في وروده على خلاف القياس ذكره في الفائق.
وقوله: إذا قمتم بالخطاب في مَحزّهِ، ومقطعه -أيضاً- لاقتضاء حرف النداء إيّاه؛ إذ لا يمكن أن يقال: يا فلان، إذا فعل مكان فعلت، لتنافر جزء الكلام، فكانَ كلّ واحدٍ من الغيبة والخطاب في مظانه، بحيث لا يمكن العدول عنه لئلا يخرج عن سنن العربية ووضعها، والالتفات إنّما يكون في موضع حقه الغيبة، فذكره بالخطاب أو على العكس، أو منهما إلى نفس المتكلم، أو على العكس، فأمّا في موضع لا يجوز غير ما ذكره في الغيبة والخطاب فلا؛ لأنّ في ذلك خروجاً عن وضع العربية، ألا يرى أنّه كيف لم يتخلف هذه الطريقة في اثنين وثمانين موضعاً في كتاب الله تعالى، كما في قول الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا}، وقوله: {يا أيها الذين آمنوا استعينوا}، وكذلك في خطاب الكفار {يا أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم}، وكذلك في أخبار الله تعالى عن خطاب الكفار لعنهم الله لنبيّنا - عليه السلام -: {يا أيها الذي نزل عليك الذكر إنك لمجنون} ولمكان الالتفات لمّا تناسقت مواقعها كلها على موضوعٍ واحد، بل تغايرت لإجراء الكلام على الأصل، ألا ترى كيف أجري على الأصل قوله تعالى: {فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين} والتفت في قوله تعالى: {حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم} فكذلك أجري على الأصل في سور الحمد من قوله تعالى: {الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور} .. الآية، {الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب} .. الآية، والتفت في الفاتحة بقوله تعالى: {إياك نعبد}، وما أدعوه من المعنى الداعي إلى الالتفات في قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة} من تناول الغائبين إلى يوم القيامة بذكر الغيبة، والحاضرين بذكر الخطاب على وجه التصريح منقوض بقوله: {يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون}؛ إذ لا نبيَّ بعد نبيّنا - عليه السلام - حتى يتناول ذكر الغيبة، والله أعلم بصحته.
قال المرغيناني: (فَفَرْضُ الطَّهَارَةِ: غَسْلُ الأَعْضَاءِ الثَّلاثَةِ، وَمَسْحُ الرَّأْسِ بِهَذَا النَّصِّ).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ((ففرض الطهارة))، الفاء -هنا- لتعقيب الجملة عن الجملة على وجه البيان، فإن هذا الحكم استفيد من هذه الآية، ولكن في بعض الكميات والكيفيّات نوع أشكال حتى وقع الخلاف فيها فشرع في بيانه:
والفرض: التقدير، وههنا، بمعنى المفروض، كقولِهِ تعالى: {هذا خلق الله فأروني} أي: مخلوقة والإضافة للبيان؛ لأنّ الفروض قد تكون من الطهارة ومن غيرها ثم يحتاج ههنا إلى بيان نفس الطهارة لغةً وشرعاً وبيان سببها، وشرطها، وركنها، وحكمها.
أما تفسيرها لغةً: النظافة، وخلافها الدّنس. وتفسيرها شرعاً: وشرعا النظافة المخصوصة المتنوعة إلى وضوء، وغسل وتيمم، وغسل البدن والثوب ونحوه ا وخلافها الحدث.
وسببُ وجوبِها: الصلاة؛ لأنّها تنسب إليها ويقوم بها وهي شرط الصّلاة.
فإن قلت: لمّا كانت الصلاة سبباً لها كانت الطهارة حكماً للصلاة؛ إذ المراد من السبب العلة فكيف يكون الشيء الواحد حكما لشيء وشرطاً له وبينها منافاة؛ إذ الشرط يقتضي التقدّم والحكم يقتضي التأخر.
قلت: الصلاة سبب للطهارة من حيث الوجوب، أي: وجوب الطّهارة عند وجود الحدث بسبب وجوب الصلاة، وإلا فلا يجب، والطهارة شرط للصلاة من حيث الجواز، أي: إنما تجوز الصّلاة عند وجود الطهارة، والجواز غير الوجوب, فلم يكن الحكم والشرط بنسبة واحدة، فيجوز كالصوم للاعتكاف الواجب؛ فإن سببَ وجوب ذلك الصوم وجوب الاعتكاف، ثم الصّوم شرط جواز الاعتكاف؛ لأنّه إنّما يجوز الاعتكاف عند وجود الصوم، وشرط وجوب الطهارة الحدث ومن المحال أن يكون الحدث سبباً؛ ألا ترى أنه إزالة حدث، وتبديل فلا يصلح سبباً لها، فلو كان سبباً لاجتمع معها، وتقدر كالصوم مع شهود الشهر، والصلاة مع دلوك الوقت, وركنها غسل الأعضاء الثلاثة مع مسح الرأس؛ لأنّ ركن الشيء ما يقوم به ذلك الشيء؛ وقيام الطهارة بهذا وحكمها استباحة الصلاة؛ لأنّ الحكم الأثر الثابت بالشيء، وهذا الأثر إنما حصل بالطهارة.
قال المرغيناني: (وَالْغَسْلُ هُوَ الإِسَالَةُ, وَالْمَسْحُ هُوَ الإِصَابَةُ. وَحَدُّ الْوَجْهِ مِنْ قِصَاصِ الشَّعْرِ إلَى أَسْفَلِ الذَّقَنِ وَإِلَى شَحْمَتَيْ الأُذُنِ؛ لأَنَّ الْمُوَاجَهَةَ تَقَعُ بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنْهَا (وَالْمِرْفَقَانِ وَالْكَعْبَانِ يَدْخُلانِ فِي الْغَسْلِ) عِنْدَنَا خِلافًا لِزُفَرَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، هُوَ يَقُولُ: الْغَايَةُ لَا تَدْخُلُ تَحْتَ الْمُغَيَّا كَاللَّيْلِ فِي بَابِ الصَّوْمِ).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: والغسل هو الإسالة، والمسح هو الإصابة، إنما فسّرهما هو؛ لأنّ الفاء في: ففرض الطهارة, لما كان فاء تفسير للآية المتلوّة، وفي الآية ذكر الغسل والمسح، فسّرهما تتميماً للمرام وإبانة للكلام؛ أو لأنّ في هذا التفسير إشارة إلى ردّ قول الشافعي، حيث يشترط هو في سنة مسح الرأس التثليث بمياهٍ مختلفة، وكان فيه تقريب للمسح من الغسل، والشارع أوجب المسح لا الغسل فكان مردوداً، ولهذا صرّح هذه الإشارة في جوابه بقوله: ولأنّ المفروض هو المسح وبالتكرار يصير غسلاً، وفي الديوان قصاص الشعر بفتح القاف، وقصاصه بضمها، بمعنى وهو منتهاه في الرأس وغايته، وهو مشتقٌ منها، أي: من المواجهة، وليس لأحد أن يقول: لا يشتق الثلاثي من المنشعبة، فإن هذا رذلٌ من القول؛ لأنّ معنى الاشتقاق أن ينتظم الصيغتين فصاعداً معنىً واحد، وفي هذا لا توقيت بأن يكون المشتق منه ثلاثياً، وقد شحن صاحب الكشاف الفائق بذكر اشتقاق الثلاثي من المنشعبة، فقال: الدَّبْر وهو النحل مشتق من التدبير؛ لأنّ أمره على عتقه، وقال -أيضاً-: الحمّ مشتقّ من تحميم للمطلّقة، وهو أن تمتع بثواب أو نحوه، وقال: الجن من الاجتنان عن العيون، وفي الكشاف: اليمّ من التيمم؛ لأن الناس يقصدونه للاستنجاء؛ وهذا لأنّ غرضهم من ذلك الاشتقاق بيان حقيقة معنى تلك الكلمة, فجاز أن يكون المنشعبة أشهر وأقرب للفهم من الثلاثي؛ لكثرة استعماله, كما في الدبّر مع التدبير، فصح ذكر الاشتقاق لإيضاح معناه وإن لم تكن المنشعبة أصلاً له.
قال المرغيناني: (وَلَنَا أَنَّ هَذِهِ الْغَايَةَ لإِسْقَاطِ مَا وَرَاءَهَا إذْ لَوْلاهَا لَاسْتَوْعَبَتْ الْوَظِيفَةُ الْكُلَّ، وَفِي بَابِ الصَّوْمِ لِمَدَّ الْحُكْمِ إلَيْهَا إذْ الاسْمُ يُطْلَقُ عَلَى الإِمْسَاكِ سَاعَةً).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ((ولنا أن هذه الغاية لإسقاط ما وراءها)) إلى آخره، والأصل في هذا أنّ الغاية قد تذكر لمدّ الحكم إليها، وقد تذكّر لقصر الحكم عما وراءها، وإنما يتبيّن ذلك بالنظر في صدر الكلام إن كان صدر الكلام لا يتناول الغاية وما وراءها، لو اقتصر على ذلك الصدر يعلم أن ذكر الغاية لإثبات الحكم ومدّه إليها, فيجعل غاية الإثبات فلا يدخل تحت الإثبات، ومتى كان صدر الكلام يتناول الغاية وما وراءها لو اقتصر عليه، يعلم أن ذكر الغاية لقصر الحكم عليه، فيجعل غاية الإسقاط فصار في معنى الاستثناء, فبقي الحكم الأول ثابتاً في الغاية بصدر الكلام، كأنه لم يذكر الغاية, والذي نحن فيه من قبيل هذا؛ لأنّ قوله تعالى: {وأيديكم} يتناول كل اليد من رؤوس الأصابع إلى الإبط، فصار ذكر المرفق بحرف الغاية لإخراج ما وراء المرفق من أن يكون داخلاً تحت حكم الإسقاط، فبقي حكم الغسل ثابتاً في المرفق بصدر الكلام، وأمّا الصوم فهو من قبيل الأوّل؛ لأنّه يتناول الإمساك ساعة لغةً وشرعاً حتى لو حلف لا يصوم فصام ساعةً حنث، فلا يدخل محل الغاية تحت حكم الصدر؛ لأنّ هذه الغاية لمدّ الحكم لما قلنا.
فإن قيل: دعوى غاية الإسقاط إنما تصح لو كانت الغاية غاية لليد، بل هي غاية غسل اليد؛ لأنّ المأمور به مقصوداً هو الغسل، والغاية تكون لبيان المأمور به؛ ولأنّ المقصود من الكلام هو الفعل لا محل الفعل؛ لأنّه تبع؛ ولأنّ ذكر اليد وإرادة الكف غالب في الشرع وفي العرف، أمّا الشرع فكآية السرقة.
وأمّا العرف فإنه إذا قيل عند الطعام: اغسل يديك أو غسل فلان يده، لا يراد بها إلا الكف، فلا يثبت الزيادة عليها إلا بذكر الغاية، فحينئذٍ كانت هذه الغاية غاية مدّ الحكم كما في الصوم.
قلّنا: دعوى غاية مدّ الغسل ساقطة -أيضاً- بفهم الصحابة - رضي الله عنهم - ذلك إلى الآباط في آية التيّمم في الابتداء، وهم أهل لسان, وكان ذكر الغاية لإخراج ما وراءه فبقي المرفق داخله كما ذكرنا، ولما اشتبهت حال هذه الغاية باعتبارات من الغايات مّا يدخل ويكون حرف إلى فيه بمعنى مع كما قال الله تعالى: {ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم} ومن الغايات ما لا يدخل وهو ظاهر، كان هذا مجملاً في كتاب الله تعالى فبيّنه نبيّه - صلى الله عليه وسلم - بفعله, فإنه توضّأ وأدار الماء على مرافقه، ولم ينقل عنه ترك غسل المرافق في شيء من الوضوء، فلو كان ذلك جائزاً لفعله مرّة تعليماً للجواز، كذا ذكر هذين الجوابين في المبسوط.
ولأنّ الله تعالى لمّا أمرنا بالغسل إلى المرافق صرنا مأمورين بغسل الكف والذراع، ثم المرفق ليس بعضو مقصود، بل هو ملتقى عظم العضد والذراع، فلما وجب غسل جزء الذراع من المرفق وجب --أيضاً-- غسل جزء العضد؛ لأنّه لا يمكن الفصل بينهما غسلاً إلا بالحرج؛ والحرج مدفوع، وهذا كما قيل لك في الركبة: إنها من العورة، والأصل في العورة ما بين الركبة إلى السرّة، وبذلك وردت الأخبار، والركبة ملتقى عظم الفخذ والسّاق، فلمّا حرم منها جزء الفخذ حرم جزء السّاق؛ لأنّه لا يتجزأ نظراً إليها، كذا في الأسرار.
قال المرغيناني: (وَالْكَعْبُ هُوَ الْعَظْمُ النَّاتِئُ هُوَ الصَّحِيحُ وَمِنْهُ الْكَاعِبُ).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله رحِمهُ الله: ((الصحيح))، احتراز عمّا رواه هشام عن محمد رَحِمه الله أنه قال: إنه المفصل الذي في وسط القدم عند معقد الشراك، قال: لأنّ الكعب اسم للمفصل، ومنه كعوب الرمح، والذي في وسط القدم مفصل، وهو المتيقن به, وهذا سهو من هشام لم يرد محمد رَحِمه الله تفسير الكعب بهذا في الطهارة، وإنما أراد به في المُحْرِم إذا لم يجد نعلين أنه يقطع خفيه أسفل من الكعبين، فأمّا في الطهارة فلا شك أنه العظم الناتئ المتصل بعظم الساق، وفي قوله - عليه السلام -: ((الصقوا الكعاب بالكعاب))، كذا في المبسوط، ومنه الكاعب: الجارية حين يبدو ثديها للنهود ذكره في الصحاح.
قال المرغيناني: (وَالْمَفْرُوضُ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ مِقْدَارُ النَّاصِيَةِ وَهُوَ رُبْعُ الرَّأْسِ، لِمَا رَوَى الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ (أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - أَتَى سُبَاطَةَ قَوْمٍ فَبَالَ وَتَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى نَاصِيَتِهِ وَخُفَّيْهِ) وَالْكِتَابُ مُجْمَلٌ فَالْتَحَقَ بَيَانًا بِهِ، وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى الشَّافِعِيِّ فِي التَّقْدِيرِ بِثَلاثِ شَعْرَاتٍ، وَعَلَى مَالِكٍ فِي اشْتِرَاطِ الاسْتِيعَابِ).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: والمفروض في مسح الرأس، أي المقدّر على وجه الفرضية مقدار الناصية.
فإن قيل: الفرض هو الذي يوجب العلم اعتقاداً باعتبار أنه ثابت بدليل مقطوع به، ولهذا يكفر جاحده، وشيء من هذه الثلاثة من وجوب العلم، وكون الدليل مقطوعاً به، وكفر الجاحد غير ثابت هنا في حق المقدار، فكيف يكون فرضاً؟.
قلنا: إن لم يكن ثابتاً في حق المقدار، لكن الثلاثة كّلها ثابتة في حق أصل المسح، فسمّي المقدار باسم أصل المسح إطلاقاً لاسم المتضمِّن على المتضمَّن؛ لأنّ المقدار تفسير هذا المسح والمفسّر متناول للتفسير، وإلا لا يكون تفسيراً له، أو نقول الفرض على نوعين: قطعّي، وهو ما ذكرت، وظنّي وهو الفرض على زعم المجتهد، كإيجاب الطهارة بالفصد والحجامة عند أصحابنا فإنهم يقولون: يفترض عليه الطهارة عند إرادة الصلاة، أو نقول: يطلق اسم الفرض على الوجوب كما يطلق اسم الوجوب على الفرض في قوله: الزكاة واجبة، والحج واجب، اتساعاً لالتقائهما في معنى اللزوم على البدن، السّباطة، والكساحة، والكناسّة كلها بمعنى، وبالفارسية روفته خانه يعنى المكان الذي ألقي القوم الكناسة فيه، وكان فيه إطلاق اسم الحال على المحل، وإنما لم يقتصر على إيراد الحديث بقوله: مسح على ناصيته مع كفايته للمدّعي؛ لأنّ نقل الحديث بما يتلوه من الحكاية يوجب صحته ووكادته.
فإن قيل: المدّعى مقدار الناصية وهو غير معين فإقام الدليل على المعيّن وهو الناصية فما وجهه؟
قلنا: ثبت بالحديث، الناصية، وعلم التعيين بالكتاب بإطلاق اسم الرأس فلو أثبتنا التعيين بالسنة يلزم نسخ إطلاق الكتاب بخبر الواحد، وهذا لا يجوز. فإن قيل: لا نسلم بأن الكتاب مجمل، والمجمل ما لا يمكن العمل به, وهنا العمل بهذا النصّ ممكن وهو القليل.
قلنا: الكلام في ذلك القليل الذي هو شعرة، أو شعرتان ليس بكافٍ للمسح؛ لأنّ ذلك القليل فإنه غير معلوم لما أنّ القليل يوجد بغسل الوجه ومع ذلك لا ينوب عن المسح مع إنّ النيّة ليست بشرط عندنا فعلم أنه مجمل، فكان فعل النبيّ - عليه السلام - مبينًا لذلك المجمل، قال الشيخُ رحِمه الله في قوله: ومسح على ناصيته وخفيه في أحدهما: بيان الشرع وفي الآخر: نصب الشرع فإن في قوله: ومسح على ناصيته بياناً لقوله تعالى: {وامسحوا برءوسكم} وفي قوله: وخفّيه، نصب شرعية المسح على الخف، إذ المذهب الصحيح في شرعّية المسح على الخف أنها إنما تثبت بالسنة لا بالكتاب, ثم مسألة مسح الرأس في المقدار خمسة: قولان من أصحابنا، وقول الشافعي، وقول مالك، وقول الحسن البصري رحمهم الله، وقال الحسن: المفروض أكثر الرأس فاستدل مالك بفعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإنه: ((مسح بيديه كلتيهما أقبل بهما وأدبر)) وبه أستدل الحسن إلا أنه قال: الأكثر يقوم مقام الكل، ولكنا نقول: إن فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يدل على الركنّية لأدائه إلى زيادة النصّ، وإنما كان ذلك لإكمال الفضيلة ولا يجوز اعتبار الممسوح بالمغسول؛ لأن المسح بني على التخفيف، وفي كتاب الله تعالى ما يدل على التبعيض في المسح لإيصال الفعل إلى محل المسح بحرف الباء.
وعن هذا قال الشافعي: يتأدى بأدنى ما يتناوله الاسم، قيل: هو ثلاث شعرات؛ لأنّه هو المتيقن.
ولكنا نقول: من مسح برأسه ثلاث شعرات لا يقال: إنه مسح برأسه عادةً، وفي الآية ما يدل على البعض، وذلك البعض ليس هذا الذي يقول بآلة الاستعمال فبقي ذلك البعض مجملاً، فالتحق فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - بياناً له.
قال المرغيناني: (وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: قَدَّرَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا بِثَلَاثِ أَصَابِعَ مِنْ أَصَابِعِ الْيَدِ لِأَنَّهَا أَكْثَرُ مَا هُوَ الْأَصْلُ فِي آلَةِ الْمَسْحِ).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله رحِمهُ الله: وفي بعض الروايات قدّره أصحابنا بثلاثة أصابع، وهو رواية عن محمد ذكرها ابن رستم رحمهما الله في نوادره، إنه إذا وضع ثلاث أصابع ولم يمدّها جاء في قول محمد رَحِمه الله: في الرأس والخف جميعاً، وهو الذي ذكرنا من أحد قولي أصحابنا، ولم يجز في قول أبي حنيفة وأبي يوسف رحِمهُ الله حتى يمدّها بقدر ما يصيب البلّة ربع رأسه، وهو القول الخامس من الأقوال الخمسة.
فهما: اعتبرا الممسوح عليه، ومحمد: أعتبر الممسوح به، وهو الآلة وهو عشرة أصابع ربعها إصبعان ونصف، إلا إنّ الإصبع الواحد لا يتجزئ فجعل المفروض قدر ثلاث أصابع.
فالحاصل أنّ علماءنا -رحمهم الله- اتفقوا في اعتبار الربع، لكن أبا حنيفة وأبا يوسف اعتبرا ربع المحلّ، ومحمد اعتبر ربع الآلة، ويُرجّح ما قالا؛ لما أن المذكور في النص هو الرأس، فالاعتبار بما هو المذكور أولى.
قال المرغيناني: (وَسُنَنُ الطَّهَارَةِ غَسْلُ الْيَدَيْنِ قَبْلَ إدْخَالِهِمَا الْإِنَاءَ إذَا اسْتَيْقَظَ الْمُتَوَضِّئُ مِنْ نَوْمِهِ) لِقَوْلِهِ -عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ- ((إذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَنَامِهِ فَلا يَغْمِسَنَّ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلاثًا فَإِنَّهُ لا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ))
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: وسنن الطهارة، الإضافة للبيان كما مرّ في فرض الطهارة، ثم ذكر الإناء -ههنا- وقع على عادتهم، فإنهم كانوا يتوضّؤون من الأنوار، ثم لم تتغير سنيّنه تقديم غسل اليدين في عرفنا، وإن لم يكن ذلك الموجب لما أنّ السنة لما وقعت سنة في الابتداء، لمعنى يبقى السنة، وإن لم يبق ذلك المعنى؛ لأنّ الأحكام إّنما يحتاج إلى أسبابها حقيقة في ابتداء وجودها، لا في بقائها؛ لأنّ الأسباب تبقى حكماً، وإن لم تبق حقيقة؛ لأنّ للشارع ولاية الإيجاد والإعدام، فجعل الأسباب الشرعية بمنزلة الجواهر في بقائها حكماً، وهذا كالرّمل في باب الحج، وبقاء الملك بعد الشرى في المشتري وغيرهما.
قال المرغيناني: (وَلأَنَّ الْيَدَ آلَةُ التَّطْهِيرِ فَتُسَنُّ الْبُدَاءَةُ بِتَنْظِيفِهَا، وَهَذَا الْغَسْلُ إلَى الرُّسْغِ لِوُقُوعِ الْكِفَايَةِ بِهِ فِي التَّنْظِيفِ.
وَتَسْمِيَةُ اللَّهِ تَعَالَى فِي ابْتِدَاءِ الْوُضُوءِ لِقَوْلِهِ -عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلَامُ- ((لا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يُسَمِّ اللَّهَ)) وَالْمُرَادُ بِهِ نَفْيُ الْفَضِيلَةِ).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ((ولأن اليد آلة التطهير)) هذه النكتة وإن دلت على وجوب غسل اليد ابتداءً باعتبارٍ أن ما لا يتوسل إلى الواجب يجب كوجوبه، لكن طهارة العضو حقيقة، وحكماً تدل على عدم الوجوب، الرسغ منتهي الكفّ عند المفصل.
قوله: وتسمية الله تعالى، قال الأستاذ مولانا فخر الدين المايمرغي -رحمه الله: (المنقول من السلف في التسمية في الوضوء بسم الله العظيم والحمد لله على الإسلام).
فإن قيل: قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((لا وضوء لمن لم يسمّ))، نظير قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب))، في كونِه خبرَ الواحد اختلاف، فكيف حكمهما من السنة والوجوب؟.
قلنا: لا نسلم إنهما نظيران في كونهما خبرَ الواحد، بل خبر الفاتحة أشهر من خبر التسمية، كذا قاله الأستاذ فخر الدين رحمه الله: وكذا جعل خبر الفاتحة البزدوي -رحمه الله- في طريقته من الأخبار المشهورة، فقدّر مرتبة الحكم على حسب مرتبة العلّة.
والوجه فيه: أن يقال: إنّ الوجوب إنما ثبت بمواظبة النبي - صلى الله عليه وسلم - على الفعل من غير تركه فقد ثبت مواظبة النبي - صلى الله عليه وسلم - في حق الفاتحة، ولم يثبت في حق التسمية, فقد ذكر الإمام أبو جعفر الطحاوي -رَحِمه الله- في شرح الآثار فقال: ((حدثنا علي بن معبد إلى أن قال عن حصين بن أبي ساسان عَنِ الْمُهَاجِرِ بْنِ قُنْفُدٍ أَنَّهُ سَلَّمَ عَلَى رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وَهُوَ يَتَوَضَّأُ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ وُضُوئِهِ قَالَ: ((إِنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَرُدَّ عَلَيْكَ إِلا أَنِّي كَرِهْتُ أَنْ أَذْكُرَ اللهَ إِلا عَلَى طَهَارَةٍ)).
فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - كَرِهَ أَنْ يَذْكُرَ اللهَ إِلا عَلَى طَهَارَةٍ، وَرَدَّ السَّلامَ بَعْدَ الْوُضُوءِ الَّذِي صَارَ بِهِ مُتَطَهِّرًا.
فَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ أَنَّهُ قَدْ تَوَضَّأَ قَبْلَ أَنْ يَذْكُرَ اسْمَ اللهِ. وبهذا يعلم أنّ قَوْلُهُ: ((لا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يُسَمِّ)) نظير قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((لَيْسَ الْمِسْكِينُ الَّذِي تَرُدُّهُ التَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ وَاللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ)) فَلَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ بِمِسْكِينٍ خَارِجٍ مِنْ حَدِّ الْمَسْكَنَةِ كُلِّهَا حَتَّى تَحْرُمَ عَلَيْهِ الصَّدَقَةُ. وَإِنَّمَا أَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ بِالْمِسْكِينِ الْمُتَكَامِلِ.
وفي المبسوط علّم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الأعرابي الوضوء ولم يذكر التسمية، وتبين بهذا أن المراد من قوله - عليه السلام -: ((لا وضوء لمن لم يسمّ))، نفي الكمال لا نفي الجواز، وكما قال في حديث آخر: ((من توضأ وسمى كان طهوراً لجميع بدنه؛ ومن توضأ فلم يسمّ كان طهوراً لأعضاء وضوءه))، وهذا بخلاف التسمية على الذبيحة، فإنما أمرنا بها إظهاراً لمخالفة المشركين؛ لأنّهم كانوا يسمون آلهتهم عند الذبح فكان الترك مفسداً، وههنا أمرنا بالتسمية تكميلاً للثواب لا مخالفة للمشركين فإنهم كانوا لا يتوضؤون، فلم يكن الترك مفسداً أبداً فلما كانت هي لتكميل الثواب قال: والأصح أنها مستحبّة؛ وذلك لأنّ الوضوءَ فعل مشروع من الأفعال، والمستحبّ من سائر الأفعال ابتداؤه بذكر الله تعالى، فكذلك في الوضوء.
قال المرغيناني: (وَالأَصَحُّ أَنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ وَإِنْ سَمَّاهَا فِي الْكِتَابِ سُنَّةً، وَيُسَمِّي قَبْلَ الاسْتِنْجَاءِ وَبَعْدَهُ هُوَ الصَّحِيحُ).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله -رحِمهُ الله-: ((وإن سمّاها في الكتاب سنة))، أي: في مختصر القدوري؛ لأنّ لفظ المبسوط بلفظ الاستحباب، ثمّ ذكر في مبسوط شيخ الإسلام رحمه الله وجه ظاهر الرواية: إن السنة ما فعله رسول الله - عليه السلام - على المواظبة، والنقل على المواظبة لم يشتهر من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ألا ترى أنّ عثمان وعليّاً رضي الله عنهما حكيا وضوء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم ينقل عنهما التسمية، وما روي أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يسمي؛ لا لأنّه سنة مخصوصة في الوضوء، ولكن فعل من الأفعال، والمستحب في جميع الأفعال البداية بذكر الله على ما قال - صلى الله عليه وسلم -: ((كل أمر ذي بال لم يبدأ فيه باسم الله فهو أقطع)).
قوله: وهو الصحيح، هذا احتراز عن قولين آخرين:
قال بعضهم: يسميّ قبل الاستنجاء, لما أن الاستنجاء سنة من سنن الوضوء، فيسميّ قبله ليقع جميع أفعال الوضوء فرضها وسننها بالتسمية، وإنما لم يورد -هاهنا- ذكر الاستنجاء لما سيجئ.
وقال بعضهم: يسميّ بعد الاستنجاء؛ لأنّ قبله حال كشف العورة، وذكرُ الله تعالى حال كشف العورة غير مستحبّ؛ تعظيماً لاسم الله تعالى، كذا في مبسوط شيخ الإسلام، وفتاوي قاضي خان، ثم قال في فتاوي قاضي خان والأصح أنه يسمي مرّتين، والاختلاف في التسمية نظير الاختلاف في غسل اليد. قال بعضهم: يغسل يديه قبل الاستنجاء. وقال بعضهم: بل يغسلها بعد الاستنجاء، والأصح أنه يغسلهما مرتين قبله وبعده.
قال المرغيناني: (وَالسِّوَاكُ) لأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ - كَانَ يُوَاظِبُ عَلَيْهِ وَعِنْدَ فَقْدِهِ يُعَالِجُ بِالأُصْبُعِ لأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ - فَعَلَ كَذَلِكَ، وَالأَصَحُّ أَنَّهُ مُسْتَحَبُّ.
قَالَ (وَالْمَضْمَضَةُ وَالاسْتِنْشَاقُ) لأَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ - فَعَلَهُمَا عَلَى الْمُوَاظَبَةِ. وَكَيْفِيَّتُهُ أَنْ يُمَضْمِضَ ثَلاثًا يَأْخُذُ لِكُلِّ مَرَّةٍ مَاءً جَدِيدًا ثُمَّ يَسْتَنْشِقَ كَذَلِكَ هُوَ الْمَحْكِيُّ مِنْ وُضُوءٍه - صلى الله عليه وسلم -).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: والسواك, أي: استعمال السواك على حذف المضاف لا من الإلباس لما أن السواك والمسواك واحد، وهو اسم للخشبة المتعيّنة للاستياك، وليست الخشبة بسنّة.
قوله: كان يواظب عليه، أي: مع تركه -أحياناً- بدليل أنه - صلى الله عليه وسلم - علّم الإعرابيّ الوضوء، ولم ينقل فيه تعليم السواك، ثم وقت الاستياك هو وقت المضمضة؛ لأنّه ذكر في مبسوط شيخ الإسلام رَحمهُ الله، ومن السنة حال المضمضة أن يستاك.
قوله: لأنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - فعلهما على المواظبة، ولا يقال المواظبة تدل على الوجوب حتى قال أهل الحديث: هما فرضان في غسل الجنابة والوضوء، استدلالاً بالمواظبة؛ لأنّا نقول: فإنه - صلى الله عليه وسلم - كان يواظب في العبادات على ما فيه تحصيل الكمال، كما كان يواظب على الأركان، وفي كتاب الله تعالى أمرٌ بتطهير أعضاءٍ مخصوصة، والزيادة على النص لا تجوز إلا بما يثبت به النسخ، وعلّم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الأعرابي الوضوء ولم يذكرهما فيه، مع إنّ ابن عباس رضي الله عنهما صرّح بقوله: هما فرضان في الجنابة، سنتان في الوضوء، كذا في المبسوط.
وكيفيته أن يتمضمض إلى آخره، وإنّما فسر كيفيتها لقول الشافعي - رضي الله عنهم -: فإنّ عنده الأفضل أن يتمضمض ويستنشق بكف واحد بماءٍ واحدٍ، لما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ((يتمضمض ويستنشق بكفٍّ واحد))، وله -عندنا- تأويلان أنّه لم يستعن في المضمضة والاستنشاق باليدين, كما فعل في غسل الوجه، والثاني أنه فعلهما باليد اليمنى ردّاً على قول من قال: يستعمل في الاستنشاق اليد اليسرى؛ لأنّ الأنف موضع الأذى، كموضع الاستنجاء كذا في المبسوط.
قال المرغيناني: (وَمَسْحُ الأُذُنَيْنِ) وَهُوَ سُنَّةٌ بِمَاءِ الرَّأْسِ عِنْدَنَا خِلافًا لِلشَّافِعِيِّ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ - ((الأُذُنَانِ مِنْ الرَّأْسِ)) وَالْمُرَادُ بَيَانُ الْحُكْمِ دُونَ الْخِلْقَةِ).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: خلافاً للشافعي يتعلق بقوله: بماء الرأس، لا بقوله: وهو سنة، فإنّ عنده مسح الأذنين سنة -أيضاً-، ولكن بماء جديد وانتصاب قوله: خلافاً, جاز أن يكون على المفعول المطلق بضمان فعله، أي: قولنا هذا يخالف، خلافاً للشافعي، أو هذا المذكور في معنى يخالف، وكان مصدراً مؤكداً لمضمون الجملة، كقوله لفلان: عليّ ألف درهم عرفا، وقوله تعالى: {وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب صنع الله}.
واستدل الشافعي -رحمه الله- بما روى أبو أمامة الباهلي - رضي الله عنه - (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخذ لأذنيه ماءً جديداً)؛ ولأنّ الأذن مع الرأس كالفم والأنف مع الوجه، ثم يأخذ للمضمضة والاستنشاق ماءً جديداً ما يقيم به فرض غسل الوجه فهذا مثله.
ولنا حديث ابن عباس رضي الله عنهما أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - مسح برأسه وإذنيه بماءٍ واحدٍ، وقال: ((الإذنان من الرأس))، فأما أن يكون المراد منه بيان الخلقة، وهو مشاهد ولا يحتاج فيه إلى بيانه, أو يكون المراد: أنهما ممسوحتان، كالرأس وهذا بعيد؛ لأنّ اتفاق العضوين في الفرض لا يوجب إضافة أحدهما إلى الآخر، فعرفنا أنهما ممسوحان بالماء الذي يمسح به الرأس, وتأويل ما رواه؛ أنه لم يبق في كفه بلّة، فلهذا أخذ ماءً جديداً.
وأمّا الجواب عن المعنى؛ فإن المضمضة والاستنشاق مقدمان على غسل الوجه، فإذا أقامهما بماءٍ واحدٍ يكون المفروض تبعاً للمسنون، وذلك لا يجوز، وههنا، إذا أقامهما بماءٍ واحدٍ يكون المسنون تبعاً للمفروض، وذلك مستقيم، فإن قيل: لم لا يجعل الحديث بياناً على أن وظيفتهما المسح لا الغسل من غير إثبات التبعيّة، فكان الحديث بياناً أنهما من الممسوح. قلنا: لا يلزم من كون وظيفة الشيء المسح كونه من الرأس كالخف. فإن قيل: السنة إكمال الفرض في محله، والإذنان ليستا بمحل مسح الرأس، ولهذا لا يسقط فرض مسح الرأس بمسحهما.
ولنا قضية هذا الحديث يوجب أن يسقط، ولكن لم يسقط لاعتراض معنى آخر, وهو استلزام نسخ الكتاب بخبر الواحد, ولا يشترط لإقامة السنة محل الفرض, كما في المضمضة والاستنشاق.
قال المرغيناني: (وَتَخْلِيلُ اللِّحْيَةِ) لأَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ - أَمَرَهُ جِبْرِيلُ - عليه السلام - بِذَلِكَ، وَقِيلَ هُوَ سُنَّةٌ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - جَائِزٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، لأَنَّ السُّنَّةَ إكْمَالُ الْفَرْضِ فِي مَحَلِّهِ وَالدَّاخِلُ لَيْسَ بِمَحَلِّ الْفَرْضِ.
قَالَ (وَتَخْلِيلُ الأَصَابِعِ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ - ((خَلِّلُوا أَصَابِعَكُمْ كَيْ لا تَتَخَلَّلَهَا نَارُ جَهَنَّمَ)) وَلأَنَّهُ إكْمَالُ الْفَرْضِ فِي مَحَلِّهِ).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: وتخليل اللحية؛ لأنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - أمره جبريل - عليه السلام - بذلك، والأمر يقتضي الوجوب، ولكن أمر الوضوء في الآية خاص ظاهر لا يحتمل الخفاء.
فلو قلنا: بوجوب تخليل اللحية بهذا الأمر يلزم الزيادة على كتاب الله -تعالى- بخبر الواحد، وهي تجري مجرى النسخ، فلذلك انحطت درجة مقتضى الأمر من الوجوب إلى السنة، وذكر في فتاوى قاضي خان: ((ولا يسن تخليل اللحية في قول أبي حنيفة رحِمهُ الله، ويستحب أن يمسح ثلث اللحية أو ربعها، وفي بعض الروايات يمسح كلها، وهو الأصح، ويغسل الموضع المتكشف بين العذار والأذن في قول محمد، وهو رواية عن أبي حنيفة، فإن أمر الماء على شعر الذقن، ثم حلقه لا يجب عليه غسل الذقن، وذكر في الإيضاح، وأما تخليل اللحية فليس مسنون عند أبي حنيفة ومحمد وقال أبو يوسف هو مسنون)).
قوله رحِمهُ الله: جائز عند أبي حنيفة ومحمد, أي: لا يبدع فاعله كما يبدع ماسح الحلقوم ثم قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((خللوا أصابعكم))، إنما لم يعد الوجوب، مع أنّه أمرٌ مقرون بالوعيد على التارك لما أنّ آية الوضوء خاص ليس بمحتملٍ للبيان؛ لأنّه بين في نفسه، فحينئذ يكون الزيادة عليه بطريق النسخ لا بطريق البيان، وخبر الواحد لا يصلح لذلك قال الشيخُ رحِمه الله في قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((خللوا أصابعكم))، دليلٌ على أنّ وظيفةَ الرجل الغسل دون المسح، فكان حجة على الروافض.
قال المرغيناني: (وَتَكْرَارُ الْغَسْلِ إلَى الثَّلاثِ) (لأَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ - تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً وَقَالَ: ((هَذَا وُضُوءٌ لا يَقْبَلُ اللَّهُ تَعَالَى الصَّلَاةَ إلا بِهِ))، وَتَوَضَّأَ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ وَقَالَ: ((هَذَا وُضُوءُ مَنْ يُضَاعِفُ اللَّهُ لَهُ الأَجْرَ مَرَّتَيْنِ))، وَتَوَضَّأَ ثَلاثًا ثَلاثًا وَقَالَ: ((هَذَا وُضُوئِي وَوُضُوءُ الأَنْبِيَاءِ مَنْ قَبْلِي، فَمَنْ زَادَ عَلَى هَذَا أَوْ نَقَصَ فَقَدْ تَعَدَّى وَظَلَمَ». وَالْوَعِيدُ لِعَدَمِ رُؤْيَتِهِ سُنَّةٌ)).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ((فمن زاد على هذا أو نقص)) ذكر في المبسوط أي: زاد على أعضاء الوضوء أو نقص عنها أو زاد على الحد المحدود أو نقص عند أو زاد على الثلاث متعمداً, أن كمال السنة لا يحصل بالثلاث، فأما إذا زاد لطمأنينة القلب عند الشك أو بنية وضوء آخر فلا بأس به، فإنّ الوضوء على الوضوء نور على نور، وقد أُمِر بترك ما يريبه إلى ما يريبه، ثم لفظ تعدى يرجع إلى الزيادة؛ لأنّه مجاوزة عن الحد, قال تعالى: {ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه} ولفظ ظلم يرجع إلى النقصان قال الله تعالى: {ولم تظلم منه شيئاً}، أي لم ينقص وتفسير النية في الوضوء: أن ينوي إزالة الحدث أو إقامة الصلاة.
قال المرغيناني: (وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُتَوَضِّئِ أَنْ يَنْوِيَ الطَّهَارَةَ) فَالنِّيَّةُ فِي الْوُضُوءِ سُنَّةٌ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ فَرْضٌ؛ لأَنَّهُ عِبَادَةٌ فَلا تَصِحُّ بِدُونِ النِّيَّةِ كَالتَّيَمُّمِ. وَلَنَا أَنَّهُ لا يَقَعُ قُرْبَةً إلا بِالنِّيَّةِ، وَلَكِنَّهُ يَقَعُ مِفْتَاحًا لِلصَّلاةِ لِوُقُوعِهِ طَهَارَةً بِاسْتِعْمَالِ الْمُطَهِّرِ، بِخِلافِ التَّيَمُّمِ لأَنَّ التُّرَابَ غَيْرُ مُطَهِّرٍ إلا فِي حَالِ إرَادَةِ الصَّلاةِ، أَوْ هُوَ يُنْبِئُ عَنْ الْقَصْدِ (وَيَسْتَوْعِبُ رَأْسَهُ بِالْمَسْحِ) وَهُوَ سُنَّةٌ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: السُّنَّةُ التَّثْلِيثُ بِمِيَاهٍ مُخْتَلِفَةٍ اعْتِبَارًا بِالْمَغْسُولِ).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ((لأنّه عبادة))؛ لأنّ العبادة اسم لنوع فعل ابتلي الآدمي بفعله تعظيماً لله -تعالى- مختاراً لطاعته على خلاف هوى نفسه, كذا قاله الشيخُ، رحِمه الله, وهذا موجود في الوضوء فكان عبادة، والنية شرط صحة العبادة لقوله تعالى: {وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين}، جعل الإخلاص، وهو النية، حال للعابدين والأحوال شروط.
ولنا أنه لا يقع قربة إلا بالنية، هذا قول بموجب العلة، حيث التزم ما ألزمه الشافعي، يعني: أنّ الوضوء بدون النية لا يقع قربة، وهذا مسلم إلا أنّ الكلام فيما وراءه, وهو أنّ استعمال الماء في أعضاء الوضوء، هل يوجب الطهارة بدون النية أم لا؟ فقلنا بأنّه يوجب، وذلك؛ لأنّ أعضاء الوضوء محكومة بالنجاسة في حق الصلاة، حيث أمر بالتطهير لحقها، وهو لا يتحقق بدون النجاسة؛ إذ تطهير الطاهر محال، والماء طهور بطبعه، فإذا لاقى النجس طهره قصد المستعمل الطهارة أو لا, كالماء للإرواء, والطعام للإشباع؛ لأنّ استعمال آلة التطهير في محل قابل للتطهير يفيد الطهارة لا محالة، فإذا ثبتت الطهارة في أعضاء الوضوء بهذا الطريق كان مفتاحاً للصلاة وإن لم ينوِ؛ لأنّه شرط للصلاة كسائر الشروط، والشروط يراعى وجودها، لا وجودها قصداً، ولكن بعدما وجد له ما وجد له ذلك بخلاف التيمم؛ لأن التراب لم يعقل مطهراً فلا يكون مزيلا للحدث أصلا فلم يبق فيه إلا معنى التعبد وذلك لا يحصل بدون النية.
فإن قيل: في الوضوء مسح والمسح غير مطهر بنفسه وضعاً؟ قلنا: الماء مطهر بنفسه لا بفعلنا إلا أنه إذا قلّ حتى لم يكن شيئا لا ضَعُف عن التطهير للنجاسة الحقيقية؛ لأنّ تطهيرها في إزالة عينها، وفيما نحن فيه النجاسة ضعيفة؛ لأنّه حكم دون العين، فاستغنى عن الإزالة لإفادة الطهر فصار البلل كالسائل الذي يقدر على الإزالة.
في إفادة الطهر، كذا في الأسرار، والأوجه فيه أن يقال أن آية الوضوء ظاهرة المعنى في وجوب الغسل والمسح, وليس فيها ما يدل على النية، فكان اشتراط النية زيادة على النص، وذلك لا يجوز بالقياس وخبر الواحد بخلاف التيمم؛ فإنه عبارة عن القصد لغة، قال الله تعالى: {ولا تيمموا الخبيث} أي: ولا تقصدوا، وإن كان اشتراط النية فيه ثابتا بالعبارة.
فإن قلت: لا نسلم بأنّه ليس في الآية ما يدلّ على النيّة، بل فيها دليل على اشتراط النية وذلك؛ لأنّ وجوب حكم الغسل خرج مخرج الجزاء للشرط فَيتقيّد به، فحينئذ يكون تقديره: فاغسلوا هذه الأعضاء للقيام إلى الصلاة, ولا نعني بالنية سوى أنه غسل هذه الأعضاء؛ للقيام إلى الصلاة فكان هذا نظير قوله تعالى: {ومن قتل مؤمناً خطا فتحرير رقبة مؤمنة}، فيشترط التحرير بنية هذه الكفارة, وإلا فلا يجوز لتعلق الجزاء بالشرط فكذا هذا.
قلت: هذا مسلّم فيما كان ذلك حكماً غير شرط لحكمٍ آخر، وأما إذا كان هذا الحكم شرطاً لحكمٍ آخر لا يشترط النية في هذا الشرط؛ لأنّ الشرط يراعى وجوده لا وجوده قصداً، كما في قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله}، لما كان السعي شرطاً لأداء الجمعة لا يشترط النية في السعي أن يكون السعي لأجلِ الجمعة, حتى أنه إذا سعى بغير قصد أداء الجمعة وحضر الجمعة فأدى، يجوز.
واستيعاب الرأس بالمسح في الوضوء سنة عند الشافعي أيضا كذا في الخلاصة الغزالية، إلا أنّ الخلاف بيننا وبينه في التثليث بعد الاستيعاب، وكيفيته أن يبلّ كفّيْه وأصابع يديه، ويضع بطون ثلاث أصابع من كلّ كف على مقدم الرأس, ويعزل السبابتين والإبهامين ويجافي الكفين ويجرهما إلى مؤخر الرأس، ثم يمسح القودين بالكفين، ويجرهما إلى مقدم الرأس، ويمسح ظاهر الأذنين بباطن الإبهامين، وباطن الأذنين بباطن السبابتين، ويمسح رقبته بظهر اليدين حتى يصير ماسحاً ببلل لم يصير مستعملاً, كذا علّمنا عيانا الأستاذ الشفيق مولانا فخر الدين المايمرغي، إلا أنّ الرواية منصوصة في المبسوط على أنّ الماء لا يعطي له حكم الماء المستعمل حال الاستعمال فقال: ألا يرى أنّ في المسنون يستوعب الحكم جميع الرأس، كما في المغسولات فكما أن في المغسولات الماء في العضو لا يصير مستعملاً، فكذلك في حكم عامة السنة في الممسوح، ولكن يجب أن يستعمل فيه ثلاث أصابع اليد في الاستيعاب؛ ليقوم الأكثر مقام الكل حتى أنه لو مسح بأصبعيه بجوانبها الأربعة لا يجوز في الأصح لعدم استعمال أكثر الأصابع.
قال المرغيناني: (وَلَنَا أَنَّ أَنَسًا - رضي الله عنه - تَوَضَّأَ ثَلاثًا ثَلاثًا وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَاحِدَةً وَقَالَ: هَذَا وُضُوءُ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -) وَاَلَّذِي يُرْوَى مِنْ التَّثْلِيثِ مَحْمُولٌ عَلَيْهِ بِمَاءٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ مَشْرُوعٌ عَلَى مَا رَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَلأَنَّ الْمَفْرُوضَ هُوَ الْمَسْحُ وَبِالتَّكْرَارِ يَصِيرُ غُسْلا، وَلا يَكُونُ مَسْنُونًا فَصَارَ كَمَسْحِ الْخُفِّ، بِخِلافِ الْغُسْلِ لأَنَّهُ لا يَضُرُّهُ التَّكْرَارُ).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ((والذي يروى فيه من التثليث)) هو ما روى عن عثمان، وعلي رضي الله عنهما أنّهما حكيا وضوء رسول الله - عليه السلام - فغسلا ثلاثًا ثلاثا ومسحا بالرأس ثلاثا.
قلنا: المشهور عنهما أنّهما غسلا ثلاثًا ثلاثا, ومسحا بالرأس مرة واحدة, ولئن ثبت ما روى فنوفّق بالحمل على أنّ التكرار ثلاثا إنما كان للاستيعاب بماء واحد، وما روى أنّه مسح مرة واحدة محمول على أنه استوعب الكل بالمرة الواحدة , كذا في مبسوط شيخ الإسلام , ولا يقال: رُوِيَ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - توضأ ثلاثًاً ثلاثاً فكان ماسحاً رأسه ثلاثا، لأنّا نقول ثبت ذلك بمقتضى قوله: ثلاثاً ثلاثا، وعدم التثليث ثبت بصريح قوله أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - مسح برأسه مرة واحدة والصريح أقوى.
قال المرغيناني: (وَيُرَتِّبُ الْوُضُوءَ فَيَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ تَعَالَى بِذَكَرِهِ وَبِالْمَيَامِنِ) فَالتَّرْتِيبُ فِي الْوُضُوءِ سُنَّةٌ عِنْدَنَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: فَرْضٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} الآيَةَ، وَالْفَاءُ لِلتَّعْقِيبِ. وَلَنَا أَنَّ الْمَذْكُورَ فِيهَا حَرْفُ الْوَاوِ وَهِيَ لِمُطْلَقِ الْجَمْعِ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ اللُّغَةِ فَتَقْتَضِي إعْقَابَ غَسْلِ جُمْلَةِ الأَعْضَاءِ وَالْبُدَاءَةُ بِالْمَيَامِنِ فَضِيلَةٌ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ - ((إنَّ اللَّه تَعَالَى يُحِبُّ التَّيَامُنَ فِي كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى التَّنَعُّلِ وَالتَّرَجُّلِ))
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله رحِمهُ الله: فيبدأ تفسير الترتيب. قوله: ((والفاء للتعقيب)) , أي: مع الوصل؛ لأنّه لو لم يدرج الوصل لا يثبت ما ادعاه بهذا؛ لأنّ غسل جميع الأعضاء يحصل عقيب القيام إلى الصلاة إذا حصل بعد القيام، وإن لم يكن مرتباً فأما إذا كان الفاء للتعقيب مع الوصل اقتضى لزوم وصل غسل الوجه بالقيام إلى الصلاة, فلو قدّم غير الوجه عليه يبطل الوصل، فلا يجوز تقديم غيره عليه، ثم غيره معطوف عليه بحرف الواو، وذلك يوجب الترتيب، كما في قوله تعالى: {اركعوا واسجدوا}، أو نقول: لما ثبت وجوب ترتيب غسل الوجه على القيام بمقتضى الفاء -على ما ذكرنا- بدون الفصل بشيءٍ آخر ثبت الترتيب في سائر الأعضاء -أيضاً- لعدمِ القائل بالفصل؛ فأنّ كلّ قائل بترتب غسل الوجه على القيام قائل بترتيب سائر الأعضاء عليه، وكل من لم يقل ذلك لم يقل هذا، ولكنا نقول العمل بمقتضى الفاء, وهو التعقيب ممكن على معنى أعقاب غسل جملة الأعضاء عن القيام إلى الصلاة لا أعقاب غسل الوجه عينا بلا فصل؛ فإن المراد غسل هذه الأعضاء عقيب القيام إلى الصلاة، كما لو قال رجل لآخر: إذا دخلت السوق فاشتر لي لحما وخبزا وبقلا، فإنّه لا يفيد هذا تقديما وتأخيرا، وإن علق شراء اللحم بكلمة بالفاء، بل يصير كأنّه قال فاشتر لي هذه الأشياء، وهو لا يوجب الترتيب، فكذا هذا والواو لمطلق الجمع من غير تعرض لترتيب، ولا مقارنة، فقلنا به؛ لما أنّ في هذا الوجه عملا بالسنة ودلالة الإجماع والمعقول.
أمّا السنة فهي ما ذكر أبو داود السجستاني في سننه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تيمم فبدأ بذراعيه قبل وجهه والخلاف فيهما واحد، وروى أنه - عليه السلام - نسي مسح رأسه في وضوء، فتذكر بعد فراغه فمسحه ببلل في كفه.
وأما دلالةُ الإجماع فإنّه لو انغمس في الماء بنية الوضوء أجزأه اتفاقاً، وإن لم يوجد الترتيب، وأما المعقول فإنهم وضعوا كل حرف دالاً على معنى مخصوص ثم إنهم وضعوا الفاء للترتيب مع الوصل، وثمَّ للترتيب مع التراخي، ومع للقرآن فلو قلنا: بأنّ الواو يوجب الترتيب، أو القرآن كان تكرارا، ولو قلنا: بأنّه يوجب الجمع مطلقا من غير تعرّض بأحدهما في أصل الوضع كان كل واحد منهما موضوعاً لمعنى خاص، وهو الأصل؛ إذ الترادف والاشتراك خلاف الأصل، والقاطع للشغب هو جواز استعمال الواو في موضع لا يتصور الترتيب، كما في قولك اشترك زيد وعمرو، ولا يجوز -ههنا- استعمال الفاء فما نشاء جواز استعمال الواو هناك، وعدم جواز استعمال الفاء -هنا- إلا لأنّ الواو لا يقتضي الترتيب، والفاء يقتضيه، ثم كما لا يجوز استعمال الفاء، فكان الواو كذلك لا يجوز استعمال الواو مكان الفاء حتى إن من قال لامرأته: إن دخلتِ الدار فأنت طالق تطلق في الحال، ولا يتعلق ولو كان موجب الواو الترتيب لكان هو بمنزلة الفاء في صحة التعليق، ثم الترتيب بين الركوع والسجود ما عرفناه بسبب الواو في قوله: {اركعوا واسجدوا}، إذ النصوص فيه متعارضة فإنه قال: واسجدي واركعي وإنّما عرفناه بفعل النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ إذ الصلاة مجملة فصارَ فعله بياناً، وقد أورد على الشيخُ -رحِمه الله- قوله تعالى: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات} فاعتبار العمل الصالح إنّما يكون إذا كان مرتّباً على الإيمان، فعلم بهذا أنّ الواو للترتيب، قال - رضي الله عنه - وأثابه الجنة: ترتيب اعتبار العمل الصالح على الإيمان لم يعلم باعتبار الواو في هذه الآية، بل بآية أخرى، وهي قوله: {فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه}، جعلَ الإيمانَ شرطاً للعمل الصالح، والشرط مقدم على المشروط -أبدا- فلذلك ترتب العمل الصالح على الإيمان لا باعتبار الواو، والتنقل نعلين درباي كردن والترجل سرشانة كردن، ومنه حديث الفائق ((نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الترجل إلا غبا)) ترجل الرجل إذا رجل شعره، كقولك تطيب: إذا طيب نفسه، وترجيله تسريحه وتغذيته بالإدهان وتقويمه، وفي مبسوط شيخ الإسلام -رَحمهُ الله: (ومن الناس من زعم أن المراد بالترجل نزع الخفين عن الرِّجل، ولكن ذاك خطأ محض؛ لأنّ السنة في النزع أن يبدأ باليسار، وإنّما أراد به ترجل الشعر، فإنّه أراد الرجل أن يرجل شعر رأسه ولحيته، فعليهما أن يبدأ باليمين ثم باليسار؛ لأن لليمنى فضلها على اليسار).
فصل
في نواقض الوضوء
قال المرغيناني: (الْمَعَانِي النَّاقِضَةُ لِلْوُضُوءِ كُلُّ مَا يَخْرُجُ مِنْ السَّبِيلَيْنِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ} وَقِيلَ لِرَسُولِ - صلى الله عليه وسلم -: مَا الْحَدَثُ؟ قَالَ: ((مَا يَخْرُجُ مِنْ السَّبِيلَيْنِ)) وَكَلِمَةُ مَا عَامَّةٌ فَتَتَنَاوَلُ الْمُعْتَادَ وَغَيْرَهُ، وَالدَّمُ وَالْقَيْحُ إذَا خَرَجَا مِنْ الْبَدَنِ فَتَجَاوَزَا إلَى مَوْضِعٍ يَلْحَقُهُ حُكْمُ التَّطْهِيرِ).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لما فرغ من بيان الوضوء، فرضه، وسنته، ومستحبه بدأ بما ينافيه من العوارض تالي الأصل، ثم ذكر أولاً العارض الذي يثبت بالنص عبارة، وهو ما يخرج من السبيلين لأصالته ثم ذكر العارض الذي بمعنى النص اجتهاداً، وهو الدم والقيح لفرعيته، النواقض: جمع ناقضة والنقض متى أضيف إلى الجسام يراد به إبطال تاليفها، ومتى أضيف إلى المعاني يراد به إخراجه عما هو مطلوب، والمطلوب -هنا- من الوضوء استباحة الصلاة، الوضاءة الحسن والنظافة، نقول: منه وضوء الرجل، أي: صار وضئا، وقال بعضهم: الوَضوء بالفتح الماء الذي يتوضأ به، وهو -أيضا- المصدر من توضأت للصلاة، مثل الولوغ والقبول، وقال الأخفش: الوُضوء بالضم المصدر، وبالفتح الماء، ومثل الوقود بالفتح الحطب، وبالضم الإيقاد، وهو الفعل.
قوله: كل ما يخرج من السبيلين أي: خروج كل ما يخرج منهما؛ ليكون الخبر موافقا للمبتدأ؛ ولأنّ المبتدأ لفظ المعاني، فوجب أن يكون خبره -أيضاً- المعاني، وهي الخروج؛ ولأنّ المراد من المعاني العلل، والعلّة: وصف يحلّ بالمحل، فيتغير به حال المحل. ثم ذكر في المدخل ما هو المخصوص من هذا العموم، فقال: كل ما يخرج من السبيلين سوى الريح الخارج من القبل والذكر، وهو صحيح؛ لأنّ الوضوء منهما غير واجب إلا في رواية عن محمد، ذكرها الإمام التمرتاشي في الجامع الصغير.
قوله: يتناول المعتاد وغيره، فيه نفي لقول مالك، فإن غير المعتاد كدم الاستحاضة لا ينتقض الطهارة عنده، كذا في المبسوط.
قوله: إذا خرجا من البدن شَرَط الخروج؛ لأنّ نفسَ النجاسة غير ناقضة ما لم توصف بالخروج، إذ لو كانت نفسها ناقضة لما حصلت الطهارة لشخص ما، والمراد من البدن: بدن الحي حتى إذا خرجت النجاسة من بدن الميت بعد غسله لا يعاد غسل الميت، بل يغسل ذلك الموضع لا غير، فتجاوز شرط التجاوز إلى موضع؛ لأنّ الخروج إنّما يتحقق بالتجاوز، فكان هذا احترازاً عما يبدو ولم يتجاوز؛ لأنّ ذلك لا يسمى خارجا، وإنما ذكر هذا، وإن كان هو مستفاداً من قوله: حرجا، لما أن زفر -رَحِمه الله- ظنّ البادي خارجا، حتى أورد ما لم يسل نقضا، لقولنا: الخارج النجس من غير السبيلين ناقض للوضوء، حكم التطهير أي: حكم هو تطهير، والمراد أنه يجب تطهيره في الجملة، كما في الجنابة حتى لو سال الدم من الرأس إلى قصبة الأنف انتقض الوضوء، بخلاف البول؛ إذا نزل إلى قصبة الذكر ولم يظهر؛ لأنّ هناك النجاسة لم تصل إلى موضع يلحقه حكم التطهير، وفي الأنف وصلت النجاسة إلى موضع يلحقه حكم التطهير، فإن الاستنشاق في الجنابة فرض، وفي الوضوء سنة، كذا ذكر في المبسوط، وعن هذا قلنا: إذا كان في عينه قرحة ووصل الدم منها إلى جانب آخر من عينه لا ينتقض وضوءه؛ لأنّه لم يصل إلى موضع يجب غسله في الجملة أمرٌ تعبدي، التعبّد: بندكي كرفتن أي؛ تعبدنا الله تعالى، وكلفنا بغسل الأعضاء الأربعة عند وجود الحدث من السبيلين من غير أن ندركه بالعفو، إذ العقل يقتضي وجوب غسل موضع إصابته النجاسة، فأمر الوضوء على عكس هذا، فإنّ النجاسة تخرج من غير السبيلين، وأنت تغسل الوجه واليد، فكان هذا إما غير مدرك بالعقل، فيقتصر على مورد النص، وهو خروج النجاسة من السبيلين، هذا هو المعنى المذكور في الكتاب، ووجه آخر: وهو أن القياس يقتضي وجوب غسل كل الأعضاء، كما في المني بل بالطريق الأولى؛ لأنّ الغائط نجس من المني؛ لأن في المني اختلافًا في نجاسته، ولما وجب غسل كل الأعضاء في المني؛ لأن يحنث في الغائط بالطريق الأولى، فالاقتصار على الأعضاء الأربعة بعد هذا كان أمرا تعبديا.
ولنا: قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((الوضوء من كل دم سائل)).
قلت: هذا مبتدأ، وخبره ما اقتضاه الجار والمجرور، وهو مستحب أو سنة أو واجب، فما الوجه في يقين الواجب. قلت: فيه وجهان أحدهما: أنّ هذا إخبار، والإخبار آكد من الأمر في اقتضاء الوجوب؛ لما أنّ الإخبار يقتضي وجود الخبر لا محالة من غير اختيار، لئلا يلزم الكذب في الأخبار، فعدل عن وجوب الوجود لئلا يلزم الخير إلى آكد الوجوب؛ ليكون داعيا إلى الوجود، فكان الإخبار أقوى في اقتضاء الوجوب، ولو كان أمرا لكان الوضوء واجبا فكذا في الأخبار.
والثاني: أنه وصف الدم بالسيلان والدم السائل نجس نجاسة غليظة، كالغائط، فكان ملحقا به بدلالة النص؛ لأنّهما لا يتفاوتان في أنّ كل واحد منهما خارج نجس من بدن الإنسان، وهذا كقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((لا قود إلا بالسيف))، فألحق به الخنجر؛ لأنّهما لا يتفاوتان في إزهاق الروح مع تمزيق الجلد، قال المطرزي: ((رعف سال رعافه وفتح العين هو الفصيح)) اه.
فوجه التمسك بالحديث ظاهر وهو أنه - عليه السلام - أمر بالانصراف والمضي على صلاته بعد الشروع واجب لئلا يلزم إبطال العمل فلا يلزم ترك هذا الواجب إلا بأمر أوجب منه وهو عدم إمكان المضي، وإن يكون ذلك ههنا إلا بانتقاض الوضوء.
فإن قلت: لا نسلم بأن عدم إمكان المضي منحصر على انتقاض الطهارة، بل فيه وجهٌ آخر وهو إصابة نجاسة الرعاف بيديه أو ثوبه، فجاز أن يكونَ أمر الانصراف واقعا لغسل النجاسة الحقيقية لا للحدث.
قلت: لا يصح هذا لوجهين، أحدهما: الاستدلال بلفظ الوضوء، فإن مطلقه في متعارف لسان الشرع واقع على ما اختلفنا فيه، فلا ينصرف إلى ما عليه حقيقة اللغة من الغسل، إلا بدلالة كالصلاة والحج، فإن مطلقهما ينصرف إلى ما هو المعهود في الشرع لا إلى ما عليه حقيقة اللغة من الدعاء والقصد، ولا يقال: قد ورد في لسان الشرع غير الوضوء المعهود في الشرع من غسل الفم، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: هكذا الوضوء من القيء؛ لأنّا نقول: إن النبي - عليه السلام - أخرج ذلك على طريق المشاكلة لجواب سائل في قوله: والا تتوضأ وضوءك للصلاة كقوله تعالى: {صِبْغَةَ اللَّهِ}، والمراد منها: دين الله، لكنها مخرجة على طريق المشاكلة لما عرف.
والثاني: الاستدلال بالبناء فإنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - جوّز البناء في هذا الانصراف عن الصلاة لغسل النجاسة الحقيقية يوجب فساد الصلاة، ويمنع البناء بالاتفاق، مع أن في رواية عائشة رضي الله عنها: ((من قاء أو رعف أو أمذى في صلاته فلينصرف وليتوضأ)) وعن المذي: لا يجب إلا الوضوء الشرعي، كذا في الأسرار.
فإن قلت: البناء الذي هو معطوف غير واجب، فكذا الانصراف والتوضئ ينبغي أن يكونا غير واجبين؛ ليتناسب أحكام المعطوفات.
قلت: القران في النظم لا يوجب القران في الحكم لما عرف، وقد وجدنا عطف الأمر الذي يقتضي الوجوب على الأمر الذي يقتضي الإباحة في قوله تعالى: {كلوا من رزق ربكم واشكروا له}، فأمر الأكل للإباحة، وأمر الشكر للوجوب، وجواز عكسه أولى، إذا فيه اتباع الضعيف للقوي, ولأن الدليل قد قام على أن البناء غير واجب، لما أن في البناء إتمام الصلاة مع وجود المنافي، مع أنه مختلف فيه، وفي الاستئناف إتمام الصلاة بدون المنافي، وفي جوازها اتفاق، فكان أولى بالجواز، وإذا أول الدليل على أن أحد الأوامر يدل على عدم الوجوب؛ لقيام الدليل لا يلزم حمل سائر الأوامر على عدم الوجوب، بل الدليل دلَّ على الوجوب على ما ذكرنا.
قال المرغيناني: (وَالْقَيْءُ مِلْءَ الْفَمِ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: الْخَارِجُ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ لِمَا رُوِيَ (أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - قَاءَ فَلَمْ يَتَوَضَّأْ)، وَلِأَنَّ غَسْلَ غَيْرِ مَوْضِعِ الْإِصَابَةِ أَمْرٌ تَعَبُّدِيٌّ فَيُقْتَصَرُ عَلَى مَوْرِدِ الشَّرْعِ وَهُوَ الْمَخْرَجُ الْمُعْتَادُ، وَلَنَا قَوْلُهُ - صلى الله عليه وسلم - ((الْوُضُوءُ مِنْ كُلِّ دَمٍ سَائِلٍ)) وَقَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - ((مَنْ قَاءَ أَوْ رَعَفَ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَنْصَرِفْ وَلْيَتَوَضَّأْ وَلِيَبْنِ عَلَى صَلَاتِهِ مَا لَمْ يَتَكَلَّمْ))، وَلِأَنَّ خُرُوجَ النَّجَاسَةِ مُؤَثِّرٌ فِي زَوَالِ الطَّهَارَةِ، وَهَذَا الْقَدْرُ فِي الْأَصْلِ مَعْقُولٌ، وَالِاقْتِصَارُ عَلَى الْأَعْضَاءِ الْأَرْبَعَةِ غَيْرُ مَعْقُولٍ لَكِنَّهُ يَتَعَدَّى ضَرُورَةَ تَعَدِّي الْأَوَّلِ).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله -رحِمهُ الله: ((ولأن خروج النجاسة مؤثر في زوال الطهارة))؛ لأنّ النجاسة مع الطهارة متنافيان فكان وجود أحداهما مؤثر في زوال الأخرى لا محالة؛ كالحركة والسكون، وهذا أمر معقول، ثم خروج النجاسة من البدن يقتضي غسل كل الأعضاء لوجهين، أحدهما: أنّ النجاسة لما تجاوزت إلى الموضع الذي يلحقه حكم التطهير وجب تطهير ذلك الموضع بالإجماع -عندنا- حال ازدياد قدر الدرهم، وعند الخصم وإن قل، ثم وجوب التطهير في البدن باعتبار ما يكون منه لا يحتمل الوصف بالتجزئ؛ إذ هو يسمى محدثاً، وهذه الصفة أعني كونه محدثاً يشمله من قرنه إلى قدمه, وذلك لأنّ الصفة وإن قامت بمحلٍ واحدٍ معيّن يتصف كل البدن بتلك الصفة كالعلم والعمى والبصر, فكذلك موضع الخروج لما اتصف بصفة النجاسة كان كل البدن موصوفاً بها, فحينئذ يوجب قيام هذه الصفة تطهير جميع الأعضاء، فبعد ذلك الاقتصار على الأعضاء الأربعة كان أمرا غير معقول.
والثاني: أنه لما خرج النجاسة من موضع وجب غسل ذلك الموضع لما ذكرنا، ولِما أنّ قيام من قام بين يدي من هو واجب التعظيم الذي يعلم الظاهر والباطن مستصحبًا لما يستقذر قبيح جدًا، وإذا وجب غسل ذلك الموضع وجب غسل الباقي لا إزالة النجاسة، لكن لأنّ غسل بعض البدن دون البعض يخل بالزينة، فيجب غسل كل البدن تحقيقاً لمعنى التزين، ثم الاقتصار على الأعضاء الأربعة بعد هذا كان أمراً غير معقول، أي: غير مدرك بالعقول، لكنّه يتعدى ضرورة تعدي الأول، أي: لكن الاقتصار الذي هو غير معقول يتعدى ضرورة تعدي القدر المعقول الذي هو زوال الطهارة عند حلول النجاسة كشف هذا هو أن القياس عبارة عن إبانة، مثل: حكم احد المذكورين بمثل علته {في الآخر، أو هو عبارة عن تقدير الفرع بالأصل في الحكم وكلُّ واحدٍ منهما يقتضي أن يكون الفرع مماثل للأصل لا مخالفاً له حتى} أنه لو تغير حكم النص في نفسه كما في مَسْألة الإطعام، أو تغير حكمه في الفرع، كما في ظهار الذمي الذي لا يصح القياس، ثم -ههنا- أعني الخارج من السبيلين، الحكم في الأصل مشتمل على معنيين، أمر معقول أصالة: وهو زوال الطهارة عند حلول النجاسة، وغير معقول تبعاً وضمناً: وهو الاقتصار على الأعضاء الأربعة؛ لأنّه ثبت مرتّباً عليه، فكان تبعاً فيجب أن يثبت الحكم في الفرع، وهو الخارج النجس من غير السبيلين على وفاق ذلك مشتملاً على معنيين -أيضاً- أمر معقول وغير معقول؛ لئلا يلزم تغير حكم النص في نفسه، أو في الفرع، ثم الحكم الذي هو غير معقول، وإن كان لا يتعدى قصداً كإيجاب الطهارة بالقهقهة في الصلاة، لكن يتعدى إذا كان ثابتاً في ضمن معقول ضرورة تعدي ذلك الحكم المعقول؛ لأنّ الاعتبار للمتضمِّن لا للمتضمَّن، كالوكالة الثابتة في ضمان الرهن؛ ولأنّ تعدية ما هو معقول واجب، وما ليس بمعقول ليس بممتنع التعدية؛ إذ هو ثابت في ضمن حكم شيء آخر فيُعدّى بتعديته، كاستواء الجيد مع الرديء في باب الربا، وهو غير معقول؛ إذ التسوية بين الموجود والمعدوم، ولهذا أجري على وفق القياس في بيع المريض، وبيع الوصي مال الصغير، حيث لم يسقط اعتبار الجودة، وإن كانت في الأموال الربوية، وأنه تعدى إلى غير المنصوص عليه من المكيلات والموزونات؛ كالجص، والنورة، والحديد. ضرورة تعدي أمر معقول، وهو حرمة الفضل بعد المساواة صورةً ومعنى بالقدر والجنس؛ إذ المساواة لا تتحقق مع بقاء التفرقة بين الجيد والرديء، وإن وجدت المساواة بالقدر والجنس، فإن قلت لو كانت النجاسة تستدعي الطهارة من الوجه الذي ذكرت لانتقضت طهارته عند إصابة الخمر بدنه، وإن لم يخرج منه شيء من حيث إن وجوب التطهير لا يحتمل الوصف بالتجزئ.
قلت: هذه معارضة في موضع الإجماع, فإنّ الإجماع منعقد في عدم انتقاض الطهارة هناك؛ ولأنّ صفةَ الانتقاض إنّما تتحقق عند تحقق صفة كونه محدثاً، وصفة كونه محدثاً إنما تلزمه أن لو كانت النجاسة خارجة منه في الأصل, وهو الخارج من السبيلين، فانتفى الملزوم لانتفاء اللازم، والوجه لنا -أيضاً- لإثبات المذهب هو أن الحدث اسم للخارج النجس وذلك لأنّ الحدث اسم لمجرد الحادث، إلا أنه تغير في الشرع إلى كونه حادثاً خارجاً بوصف كونه نجسًا، أما الخروج فلقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((الوضوء مما يخرج))، وأمّا كونُه نجسًا فلأنّ الإجماع منعقدٌ على أنّ الخارج إذا كان ظاهر، كالبزاق والمخاط لا ينتقض به الطهارة؛ ولأنّ حكم الانتقاض في السبيلين لا يخلو إما أن يكون متعلقًا بالمخرج المعتاد أو بالخارج المعتاد أو بهما جميعاً أو بمطلق الخارج النجس من بدن الإنسان، ولا سبيل إلى الأول؛ لأنّه حينئذ يلزم أن يكون الآدمي منتقض الطهارة أبداً؛ لأنّ المَخرج لا يفارقه، ولا سبيل إلى الثاني لانتقاض الطهارة بالخارج الذي هو غير معتاد، كالدودة الساقطة من الدبر، ودم الاستحاضة، ولا يجوز أن يكون متعلقًا بهما لما أن الرواية منصوصة بأنّ الإنسان إذا طعن في السرة فخرج البول أو العذرة انتقضت بهما الطهارة عند الشافعي، وتعلق المخرج معدوم، فإذا انتفت الأوجه الثلاثة تعين الوجه الرابع، وهو الخارج النجس من بدن الإنسان، وفي هذا لا يتفاوت حكم الخارج النجس من السبيلين، وحكم الخارج النجس من غير السبيلين.
فإن قلت: هذه طريقة يأباها الإمام السّرخسيّ رحِمهُ الله في الاحتجاج, ذكره في فصل الاحتجاج بما ليس بحجة من أصول الفقه؟ قلت: وإن أباها هو فقد تلقاها الإمام الجصاص من السلف والإمام ظهير الدين المرغيناني من الخَلف -رحمهما الله- بالقبول وكفى بهما قدوة وذكر في الأسرار.
فإن قيل: هذه طهارة حكمية تعبّدنا بها بدلالة أنها يجب لا في موضع النجاسة.
قلنا: إن معنى العبادة فيها تبع، فإن الله تعالى قال: {ليطهركم}، ولم يقل ليتعبدكم بها، وسميت طهارة، ووضوءً فوجبت شرعًا, تعظيمًا لشأن القيام إلى الله تعالى, فكان ينبغي أن يغتسل كما في المني؛ لأنّ الشرط أن يقومَ بنفسِه طاهراً إلى الله تعالى، وقد لزمه حكم النجاسة بخروج النجس، إلا أنّ الله تعالى قصر الوجوب على الظواهر من الأعضاء تيسيراً علينا؛ لأنّه مما يكثر فبقي فيما لا يكثر على أصل القياس، وقال فخر الإسلام رَحمهُ الله في الجامع الصغير: ((هذا الفصل من خصال أهل السنة والجماعة، وأمّا من لم يتوضأ من ذلك فيبتدع، ومذهبنا مذهب العشرة الذين بُشّروا بالجنة، وعلى ذلك المسلمون)).
قال الميرغناني: (غَيْرَ أَنَّ الْخُرُوجَ إنَّمَا يَتَحَقَّقُ بِالسَّيَلانِ إلَى مَوْضِعٍ يَلْحَقُهُ حُكْمُ التَّطْهِيرِ، وَبِمِلْءِ الْفَمِ فِي الْقَيْءِ لأَنَّ بِزَوَالِ الْقِشْرَةِ تَظْهَرُ النَّجَاسَةُ فِي مَحَلِّهَا فَتَكُونُ بَادِيَةً لا خَارِجَةً، بِخِلافِ السَّبِيلَيْنِ؛ لأَنَّ ذَلِكَ الْوَضْعَ لَيْسَ بِمَوْضِعِ النَّجَاسَةِ فَيُسْتَدَلُّ بِالظُّهُورِ عَلَى الِانْتِقَالِ وَالْخُرُوجِ، وَمِلْءُ الْفَمِ أَنْ يَكُونَ بِحَالٍ لَا يُمْكِنُ ضَبْطُهُ إلا بِتَكَلُّفٍ لأَنَّهُ يَخْرُجُ ظَاهِرًا فَاعْتُبِرَ خَارِجًا. وَقَالَ زُفَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: قَلِيلُ الْقَيْءِ وَكَثِيرُهُ سَوَاءٌ)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ((غير أن الخروج)) هذا استثناء عن النكتة الأولى جوابا بالسؤال مقدّر، بأن قيل: ألحقتم الخارج من غير السبيلين بالخارج من السبيلين مع وجود المفارقة بينهما من حيث، إن القليل ناقض في السبيلين وغير ناقض في غير السبيلين، فكيف يصح الإلحاق به.
فأجاب عنه وقال: نعم، كذلك إلا أنّ القليل الظاهر في السبيلين موصوف بالخروج؛ لأنّ الخروج عبارة عن الانتقال من محل باطن إلى محل ظاهر، كذا في الأسرار؛ فلذلك استدلّ بالظهور على الخروج في السبيلين؛ لأنّ موضع الظهور في السبيلين ليس بمحل النجاسة، فبالظهور يعلم أنه قد انتقل من محله، فيتحقق الخروج لوجود حده، وأما في غير السبيلين فلا يعلم الخروج بمجرد الظهور, فأنّ تحت كل جلدة رطوبة، فإذا انقشرت الجلدة ظهرت الرطوبة غير منتقلة من مكانها، فلذلك لم يستدل بالظهور على الخروج فلا تنتقض الطهارة ما لم يوجد السيلان الذي هو محقق للخروج.
قوله -رحِمهُ الله: ((وبملئ الفم)) معطوف على قوله بالسيلان، أي؛ يتحقّق الخروج بملئ الفم في القيء، وإنّما اختلف الحكم في القيء بين ملئ الفم وبين ما دونه؛ لأنّ الفم تجاذب فيه دليلان، أحدهما: يقتضي كونه ظاهراً، والآخر: يقتضي كونه باطناً حقيقة وحكما. أما الحقيقة فإنّه إذا فتح فاه يظهر، وإذا ضمه يبطن، وأما الحكم فإنّ الصائم إذا أخذ الماء بفيه ثم مجه لا يفسد صومه، كما إذا سال الماء على ظاهر جلده فكان ظاهراً، وإذا ابتلع ريقه لا يفسد صومه -أيضاً- كما إذا انتقل من زاوية بطنه إلى الزاوية الأخرى، فكان باطناً فوفرنا على الدليلين حكمهما.
فقلنا: إذا كثر ينقض؛ لأنّه يخرج غالباً اعتباراً بالظاهر، وإذا قلّ لا ينتقض، فيصير تبعاً للريق اعتباراً بالباطن، وفي المبسوط: القياس أن القيء ينبغي أن لا يكون حدثاً؛ لأنّ الحدث اسم للخارج نجس يخرج بقوة نفسه، والقيء مُخَرَّجٌ لا خارج، فإن من طبع الأشياء السيالة أنها لا سبيل إلى فوق إلا بدافع أو جاذب جذبها كالدم الظاهر على رأس الجرح فمسحه بخرقة، ولكنا تركنا القياس بالآثار عند ملء الفم فبقي ما دونه على أصل القياس، ولأنّ في القليل بلوى فإن من ملأ معدته من الطعام إذا ركع أو سجد في الصلاة يعلوه شيء إلى حلقه، فجعل القليل عفواً أو حد ملء الفم أن يعمه إمساكه، أو يمنعه من الكلام.
وقيل: أن يزيد على نصف محتوى الفم قوله - عليه السلام -: ((ليس في القطرة والقطرتين من الدم وضوء إلا أن يكون سائلا))، القطرةُ والقطرتان عبارة عن قلّة الدم الذي لم يوجد منه السيلان، والدليل عليه قوله - صلى الله عليه وسلم -: إلا أن يكون سائلا فإنّ حال السيلان سابقة على حال القطر، فإنّه إذا ازداد السيلان بازدياد الدم واجتمع في موضع وحصل له صلاحية ازدياد السيلان يحصل القطر، وإذا كان كذلك فلو كانت القطرة على حقيقتها لا يصح استثناء حالة السيلان منها؛ لأنّ استثناء الشيء بمنزلة غايته، ولا يجوز تقدم الغاية على المغيّا؛ لأنّ الغاية تعقب المغيا أبدا فكذلك حالة القطر يعقب حالة السيلان على ما ذكرنا فلا يجوز أن يتعقب حال السيلان حال القطر لذلك، وهذا كما أن يقول الرجل لامرأته وهي خارج الدار: إذا قعدت وسط الدار فلست بطالق، إلا إذا دخلت تلك الدار أو أُدخِلت فإنه لا يصح؛ لأنّ حال الدخول والإدخال سابقة على حال القعود، ولذلك فلو قلت: على وزنه ليس في اللقمة واللقمتين من أكل الخبز اختيارًا قطع الصلاة إلا أن يكون المصلي أدخل في فمه لا يصح.
فإن قلت: جاز أن يكون المراد منه قطر الدم من رأس الجرح من غير أن يسيل إلى موضع يلحقه حكم التطهير. قلت: هذا قول خارق للإجماع فلا يصح؛ لأنّ كل من قال بانتقاض الطهارة بالسيلان قال بانتقاضها في هذه الصورة التي أوردت، فإنّ عندنا إذا ظهر الدم على رأس الجرح فمسحه قبل أن يسيل وهو بحال لو تركه سال فعليه الوضوء، وعند الخصم لا ينقض السيلان ولا القطر، وأما القائل بالانتقاض بالسيلان وبعدم الانتقاض بالقطر فمعدوم، فكان المؤوّل بهذا التأويل قائلا يقول: لم يقل به أحدٌ من العلماء؟ فكان باطلاً لدلالة إجماعهم على بطلأنّه, أو دسعه, أي: دفعة من القيء، وهي المرة من الدسع (نسحار بر آوردن شتر) من حدّ منع، وإذا تعارضت الأخبار يحمل؛ لأنّ الأصل في الأدلة الإعمال دون الإهمال، وفي الحمل الإعمال، فكان الحمل واجبًا، ثم الدليل الحمل على ما ذكر، وهو حمل في النبي - صلى الله عليه وسلم - على ما دون ملء الفم لما أنّ ملء الفم يبيحه كثرة الأكل، وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك بمعزل، والفرق بين المسلكين، أي: بين الفم والسبيلين، أي: قدمنا وجه الفرق فيما ذكرنا في مسألة الدم من أنّ القليل غير ناقض في غير السبيلين، وفي السبيلين ناقض، فعند أبي يوسف -رحِمهُ الله- يعتبر اتّحاد المجلس؛ لأنّ اتحاد المجلس أثرًا في جمع المتفرقات, ولهذا تتّحد الأقوال المتفرقة في النكاح، والبيع وسائر العقود باتحاد المجلس، وكذلك التلاوات المتعددة لآية السجدة, يتعدد بتعدد المجلس ويتحد باتحاده, وعند محمد -رَحِمه الله- الاعتبار لاتحاد السبب؛ لأنّ الحكم يثبت على حسب ثبوت السبب من الصحة والفساد, فكذلك لاتحاد السبب أثرٌ -أيضاً- في اتحاد الحكم, حتى إنّ الإنسانَ إذا جرح آخر جراحات منها قبل تحلل البرء، ويتّحد الموجب، ومتى تحلل البرء يختلف الموجب، وكذلك لو اشترى عبداً وقبضه فحم عنده، وقد كان يحم عند البائع، ولم يعلم به المشتري أنه إن حمّ عند المشتري في الوقت الذي كان يحمّ عند البائع كان له أن يرد، وإن حم عند المشتري في غير ذلك الوقت ليس له أن يرد، وكذلك لو غصب جارية مجموعة فزالت حماها ثم حمت فردها إن قال أهل الطب: أن الثاني في عين الأول لقيام السبب الداعي إليه لم يضمن، وإن قالوا غير الأول ضمن النقصان, وفي التفاريق الاختلاف بينهما على عكس هذا, فكان الاعتبار في هذه المسائل باتحاد السبب واختلافه.
قال المرغيناني: (وَكَذَا لا يُشْتَرَطُ السَّيَلانُ عِنْدَهُ اعْتِبَارًا بِالْمَخْرَجِ الْمُعْتَادِ، وَلِإِطْلَاقِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - ((الْقَلَسُ حَدَثٌ)). وَلَنَا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ - ((لَيْسَ فِي الْقَطْرَةِ وَالْقَطْرَتَيْنِ مِنْ الدَّمِ وُضُوءٌ إلا أَنْ يَكُونَ سَائِلا)) وَقَوْلُ عَلِيٍّ - رضي الله عنه - حِينَ عَدَّ الأَحْدَاثَ جُمْلَةً: (أَوْ دَسْعَةً تَمْلأُ الْفَمَ) وَإِذَا تَعَارَضَتْ الأَخْبَارُ يُحْمَلُ مَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَلَى الْقَلِيلِ، وَمَا رَوَاهُ زُفَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَلَى الْكَثِيرِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَسْلَكَيْنِ قَدْ بَيَّنَّاهُ.
وَلَوْ قَاءَ مُتَفَرِّقًا بِحَيْثُ لَوْ جُمِعَ يَمْلأُ الْفَمَ، فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يُعْتَبَرُ اتِّحَادُ الْمَجْلِسِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يُعْتَبَرُ اتِّحَادُ السَّبَبِ وَهُوَ الْغَثَيَانُ، ثُمَّ مَا لا يَكُونُ حَدَثًا لَا يَكُونُ نَجَسًا، يُرْوَى ذَلِكَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -، وَهُوَ الصَّحِيحُ لأَنَّهُ لَيْسَ بِنَجَسٍ حُكْمًا حَيْثُ لَمْ تَنْتَقِضْ بِهِ الطَّهَارَةُ، وَهَذَا إذَا قَاءَ مُرَّةً أَوْ طَعَامًا أَوْ مَاءً).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ((وهو الصحيح)) احتراز عن قول محمد -رَحِمه الله- فإنه نجس عنده والذي ذكره في الكتاب قول أبي يوسف -رحِمهُ الله- خاصة حتى إذا أخذ ذلك بقطنه فألقي في الماء لا يتنجس الماء عند أبي يوسف، ويتنجس عند محمد، ثم بعض مشايخنا أخذوا بقول محمد احتياطاً وبعضهم أخذوا بقول أبي يوسف، وهو اختيار المصنف -رَحِمه الله- دفعاً للناس خصوصاً [7 - ب] في حق أصحاب الفروج.
قال المرغيناني: (فَإِنْ قَاءَ بَلْغَمًا فَغَيْرُ نَاقِضٍ) عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - نَاقِضٌ إذَا كَانَ مِلْءَ الْفَمِ، وَالْخِلافُ فِي الْمُرْتَقِي مِنْ الْجَوْفِ. أَمَّا النَّازِلُ مِنْ الرَّأْسِ فَغَيْرُ نَاقِضٍ بِالِاتِّفَاقِ؛ لِأَنَّ الرَّأْسَ لَيْسَ بِمَوْضِعِ النَّجَاسَةِ.
لأَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّهُ نَجِسٌ بِالْمُجَاوَرَةِ، وَلَهُمَا أَنَّهُ لَزِجٌ لا تَتَخَلَّلُهُ النَّجَاسَةُ وَمَا يَتَّصِلُ بِهِ قَلِيلٌ وَالْقَلِيلُ فِي الْقَيْءِ غَيْرُ نَاقِضٍ)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ((فإن قاء بلغماً .. )) إلى آخره قال الإمام المحبوبي -رحمه الله- في الجامع الصغير هذا الاختلاف يرجع إلى اختلافهم أنّ البلغم طاهر أم نجس، عندهما طاهر، وعند أبي يوسف نجس وحكمه عن الإمام أبي منصور الماتريدي -رحمه الله- قال: (ليس هذا اختلاف حجة بل هو اختلاف صورة؛ فتصوّر لأبي حنيفة ومحمد أن البلغم يهيج من جانب الفم، فأجاب أنه طاهر، وتصور لأبي يوسف أنه يهيج من البطن ويعلو منه فأجاب أنه نجس)، وفي المبسوط: فأبو يوسف يقول: البلغم إحدى الطبائع الأربع فكان نجسًا كالمرة والصفراء، وقالا: البلغم بزاق والبزاق طاهر، ومعنى هذا أنّ الرطوبة في أعلى الحلق بزق، فيكون بزاقًا وفي أسفله ثخين، فيكون بلغمًا، وبهذا يتبين أنّ خروجه ليس من المعدة بل من أسفل الحلق، وهو ليس بموضع النجاسة، والبلغم هو النخامة، وقال - صلى الله عليه وسلم - لعمار - رضي الله عنه -: ((ما نخامتك و دموع عينيك والماء الذي في ركوتك إلا سواء))، ولهما أنه لزج لا يتخلله النجاسة.
فإن قيل: يتبعض هذا البلغم يقع في النجاسة ثم يرفع بحكم بنجاسته.
قلنا: لا رواية في هذه المَسْألة، ولئن سلم فالفرق بينهما أن البلغم ما دام في الباطن يزداد ثخانته، فيزداد لزجه، فإذا انفصل عن الباطن يقل ثخانته فيقل لزجه، فإذا قل لزجه ازدادت رقته، فلرقّته جاز أن يقبل النجاسة، بخلاف ما إذا كان في باطنه، وكان الطحاوي يميل إلى قول أبي يوسف، حتى روي عنه أنه كان يكره الإنسان أن يأخذ البلغم بطرف ردائه ويصلي معه، كذا في الفوائد الظهيرية.
قال المرغيناني: (وَلَوْ قَاءَ دَمًا وَهُوَ عَلَقٌ يُعْتَبَرُ فِيهِ مِلْءُ الْفَمِ لأَنَّهُ سَوْدَاءُ مُحْتَرِقَةٌ وَإِنْ كَانَ مَائِعًا فَكَذَلِكَ عِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ - اعْتِبَارًا بِسَائِرِ أَنْوَاعِهِ، وَعِنْدَهُمَا إنْ سَالَ بِقُوَّةِ نَفْسِهِ يَنْتَقِضُ الْوُضُوءُ وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا لأَنَّ الْمَعِدَةَ لَيْسَتْ بِمَحَلِّ الدَّمِ فَيَكُونُ مِنْ قُرْحَةٍ فِي الْجَوْفِ وَلَوْ نَزَلَ مِنْ الرَّأْسِ إلَى مَا لانَ مِنْ الأَنْفِ نَقَضَ بِالاتِّفَاقِ لِوُصُولِهِ إلَى مَوْضِعٍ يَلْحَقُهُ حُكْمُ التَّطْهِيرِ فَيَتَحَقَّقُ الْخُرُوجُ).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ((ولو قاء دما وهو علق)) أي: قاء دماً غليظاً غير سائل بدليل ما ذكر بعده، وإن كان مائعًا، والدليل عليه -أيضًا- ما ذكره شمس الأئمة السّرخسيّ -رحِمهُ الله- في الجامع الصغير، فأما إذا كان الدم منجمدًا كالعلق لم ينتقض الوضوء حتى يملأ الفم؛ لأن ذلك ليس بدم، وإنما هي مرة سوداء, وبهذا -أيضاً- يُعلم أن موصوف السوداء أو المرة في قوله؛ لأنّه سوداء محترقة، ثم السوداء المحترقة يخرج من المعدة، وما يخرج منها لا يكون حدثًاً ما لم يكن ملأ الفم.
قوله: فكذلك عند محمد أي: يعتبر فيه مِلء الفم -أيضاً-، وقول أبي يوسف في هذه المَسْألة مضطرب, منهم من يجعله مع أبي حنيفة، ومنهم من يجعله مع محمد، كذا في مبسوط شيخ الإسلام رَحمهُ الله.
قوله: اعتباراً بسائر أنواعه، القئ خمسة؛ الطعام، والماء، والمرّة، والصفراء، والسوداء. كذا ذكره الإمام المحبوبي، وعندهما: إن سأل بقوة نفسه بأن كان الدم غالبًا، وإن كان قليلًا بأن لم يكن ملء الفم، وفي الأصل بزقًا فخرج منه دم فالحكم الثابت -وإن استويا- أحب إلي أن يتوضأ أخذاً بالثقة.
قال المرغيناني: (وَالنَّوْمُ مُضْطَجِعًا)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ((والنوم مضطجعاً)) , وفي المبسوط: ((أما نوم المضطجع فناقض للوضوء وفيه طريقان: أحدهما: أن عينه حدث بالسنة المروية فيه؛ لأنّ كونه طاهرًا ثابت بيقين ولا يزال اليقين إلّا بيقين مثله، وخروج شيء منه ليس بيقين، فعرفنا أنّ عينه حدث. والثاني: أن الحدث مما لا يخلو عنه النائم -عادة- فإن نوم المضطجع يستحكم، فيستر في به مفاصله إليه أشار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في قوله: {العينان وكاء السه، إذا نامت العينان استطلق الوكاء}، وما هو ثابت عادة كالمتيقن به وكان أبو موسى الأشعري - رضي الله عنه - يقول: لا ينتقض الوضوء بالنوم مضطجعًا حتى يعلم بخروج شيء منه، فكان إذا نام أجلس عنده من يحفظه، فإذا انتبه سأله، فإن أخبره بظهور شيء منه أعاد الوضوء)).
وفي الأسرار: (قال علماؤنا - رحمهم الله: النوم (لا يكون حدثاً في حال من أحوال الصلاة، وكذلك ما عدا خارج الصلاة إلا أن يكون متورّكاً؛ لأنّ التورّك جلسته تكشف عن مخرج الحدث) غير أنّ اليقظة تمنعه حكماً، نام وزال قوة منعه والمسكة كانت زائلة بالجلسة تحقق الاستطلاق)، وفي الذخيرة: ((النوم مضطجعًا إنما يكون حدثًا إذا كان الاضطجاع على غيره، أما إذا كان الاضطجاع على نفسه لا يكون حدثًا، حتى أنّ من نام واضعًا أليته على عقبيه وصار شبه المنكب على وجهه واضعًا بطنه على فخذيه لا ينتقض وضوءه)) هكذا ذكر في صلاة الأثر عن محمد رَحِمه الله. قلت: جعل المنكب [18 - أ] على وجهه واضعًا بطنه على فخذيه من أنواع الاضطجاع لا يصح، لما أنّ المضطجع هو الذي وضع جنبيه على الأرض، لا أن يضع بطنه على فخذيه والله أعلم.
قال المرغيناني: (أَوْ مُتَّكِئًا أَوْ مُسْتَنِدًا إلَى شَيْءٍ)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ((أو متكئاً)) أي: على أحد وِركيه, فهو حينئذ بمعنى المتورّك المذكور في الأسرار والإيضاح، الإتكاء: افتعال من وكاء, معتل الفاء مهموز اللام مقدر لا مستعمل فأبدل التاء في اتكاء من الواو في أو تكاء؛ لأن التاء إبدل من الواو في باب الافتعال وغيره نحو: اتعد.
قوله: ((أو مستندا إلى شيء)) , وهو مما اختاره الطحاوي, لا من أصل رواية المبسوط؛ فإنه ذكر في المبسوط، فإن كان القاعد مستندًا إلى شيء فنام, قال الطحاوي: ((إن كان بحال لو أزيل سنده عنه سقط انتقض الوضوء لزوال الاستمساك، والمروي عن أبي حنيفة -رحِمهُ الله- أنه لا ينتقض وضوءه على كل حال؛ لأنّ مقعده مستقر على الأرض، فيأمن من خروج شيء منه، فإن نام قاعدا فسقط، روى عن أبي حنيفة قال: إن انتبه قبل أن يصل جنبه إلى الأرض لم ينتقض وضوءه؛ لأنه لم يوجد شيء من النوم مضطجعا، وهو الحدث، بخلاف ما إذا انتبه بعد السقوط))؛ لأنه وجد شيء من النوم حالة الاضطجاع، وروي عن أبي يوسف -رحِمهُ الله- أنه قال: لو تعمد النوم في حالة السجود ينتقض وضوءه، وإن غلبته عيناه لم ينتقض وجه ظاهر الرواية، لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((إذا نام العبد في سجوده يباهي الله -تعالى- به ملائكته، فيقول: أنظروا إلى عبدي روحه عندي، وجسده في طاعتي))، وإنما يكون جسده في الطاعة إذا بقي وضوءه، وجعل هذا الحديث في الأسرار من المشاهير، ولأنّ الاستمساك باق فإنّه لو زال لزال على أحد شقيه.
قال المرغيناني: (لَوْ أُزِيلَ عَنْهُ لَسَقَطَ لأَنَّ الاضْطِجَاعَ سَبَبٌ لاسْتِرْخَاءِ الْمَفَاصِلِ فَلا يَعْرَى عَنْ خُرُوجِ شَيْءٍ عَادَةً، وَالثَّابِتُ عَادَةً كَالْمُتَيَقَّنِ بِهِ، وَالاتِّكَاءُ يُزِيلُ مَسْكَةَ الْيَقَظَةِ لِزَوَالِ الْمَقْعَدِ عَنْ الأَرْضِ، وَيَبْلُغُ الاسْتِرْخَاءُ غَايَتَهُ بِهَذَا النَّوْعِ مِنْ الاسْتِنَادِ، غَيْرَ أَنَّ السَّنَدَ يَمْنَعُهُ مِنْ السُّقُوطِ، بِخِلَافِ النَّوْمِ حَالَةَ الْقِيَامِ وَالْقُعُودِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فِي الصَّلاةِ وَغَيْرِهَا هُوَ الصَّحِيحُ).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ((إلى شيء لو أزيل لسقط)) متعلق بقوله مستنداً لا غير بدلالة تفصيله فيما بعده، حيث ذكر وجه كون الاستناد ناقضا بقوله: ويبلغ الاسترخاء غايته بهذا النوع من الاستناد غير أنّ السند يمنعه من السقوط.
قوله: يزيل مسكة اليقظة، أي: يزيل التماسك الذي يكون لليقظان.
قوله: بخلاف حالة القيام والقعود والركوع هذا عندنا، وقال الشافعي -رحِمهُ الله: إذا نام قاعداً أو راكعاً أو ساجداً فإنه ينتقض الوضوء قولاً واحداً، فإذا نام قاعدًا مستويًا وإليتاه على الأرض نحله فيه قولان: فإذا على أحد قولي الشافعي -رحِمهُ الله- نفس النوم حدث على أي صفة ما نام، وفي قوله: نفس النوم حدثاً إلا أن تكون مسكته زائلة عن مستوى جلوسه، كذا في مبسوط شيخ الإسلام -رَحمهُ الله.
قوله: في الصلاة وغيرها، إنّما قيد بهذا؛ لأنّه إذا نام على هيئة السجود أو قائمًا أو قاعدا أو راكعًا خارج الصلاة ففيه اختلاف المشايخ، وذكر ابن شجاع: إنما لا يكون حدثًا في هذه الأحوال في الصلاة. فأما خارج الصلاة يكون حدثًا, وفي ظاهر الرواية: لا فرق بينهما لبقاء الاستمساك، وعن علي بن أبي موسى القمي -رحمه الله- قال: لا أعرف في هذه المسألة رواية منصوصة عن أصحابنا المتقدمين، ولكن على قياس مذاهبهم ينبغي أن يقال: إذا نام ساجدًا على الصفة التي هي سنة السجود بأن كان رافعًا بطنه عن الأرض مجافيًا لمرفقيه عن جنبيه لا يكون حدثًا، ولو نام قاعدًا ووضع أليته على عقبيه وصار شبه المنكب على وجهه، قال أبو يوسف -رحِمهُ الله: عليه الوضوء, كذا في المبسوطين.
قال المرغيناني: (لأَنَّ بَعْضَ الاسْتِمْسَاكِ بَاقٍ، إذْ لَوْ زَالَ لَسَقَطَ فَلَمْ يَتِمَّ الاسْتِرْخَاءُ، وَالأَصْلُ فِيهِ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ - ((لا وُضُوءَ عَلَى مَنْ نَامَ قَائِمًا أَوْ قَاعِدًا أَوْ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا، إنَّمَا الْوُضُوءُ عَلَى مَنْ نَامَ مُضْطَجِعًا، فَإِنَّهُ إذَا نَامَ مُضْطَجِعًا اسْتَرْخَتْ مَفَاصِلُهُ))
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ((فلم يتم الاسترخاء)) فلما لم يتم الاسترخاء لم يكن النوم في هذه الأقوال سبباً لخروج الحدث غالباً، فلا يقام مقامه، وذلك لأن السبب إنما يقوم مقام المسبب تقديراً، إذا كان فغلب وجود المسبب بذلك السبب، فأما إذا لم يغلب فلا؛ لأنّه حينئذ يقع الشك في وجود الحدث والوضوء كان ثابتًا بيقين فلا يزال بالشك.
قوله -رحِمهُ الله: استرخت مفاصله، أي: بلغ الاسترخاء غايته؛ لأنّ أصل الاسترخاء يوجد فيمن نام.
قلنا: فحينئذ يتناقض آخر الحديث بأوّله، وذكر التمسك في الأسرار ومبسوط شيخ الإسلام بهذا الحديث؛ لأنّه أوجه، فقال: فنص النفي حجة؛ لأنّه نفى الوضوء على من نام راكعًا أو ساجدًا أو قائمًا، فمن أوجب فقد خالف النص. وقوله: إنما حجة؛ لأنّها لإثبات المذكورة ونفي ما عداه. والتعليل: هو استرخاء المفاصل حجة؛ لأنه - عليه السلام - لم يرد به أصل الاسترخاء، وإنما أراد به النهاية في الاسترخاء؛ لأنّ أصل الاسترخاء يوجد في حالة الركوع والسجود والقيام؛ لأنّ أصل الاسترخاء يوجد بالنوم، والنوم موجود في هذه الأحوال، فلو حملنا عليه يلزم التناقض.
قال المرغيناني: (وَالْغَلَبَةُ عَلَى الْعَقْلِ بِالإِغْمَاءِ وَالْجُنُونِ لأَنَّهُ فَوْقَ النَّوْمِ مُضْطَجِعًا فِي الاسْتِرْخَاءِ، وَالإِغْمَاءِ حَدَثٌ فِي الأَحْوَالِ كُلِّهَا، وَهُوَ الْقِيَاسُ فِي النَّوْمِ إلا أَنَّا عَرَفْنَاهُ بِالأَثَرِ، وَالإِغْمَاءُ فَوْقَهُ فَلَا يُقَاسَ عَلَيْهِ)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ((والجنون)) برفع النون بالعطف على: (والغلبة)؛ لأنّ العقل في الإغماء يكون مغلوبا، وفي الجنون يكون مسلوبا, وفي المبسوط: ((ولأن الإغماء في غفلة المرء عن نفسه فوق النوم مضطجعاً فإنّ هناك إذا نبه انتبه -وههنا- لا ينتبه، وكذلك الإغماء بقطع الصلاة)).
قوله: وهو القياس في النوم، أي: كون النوم حدثاً في حال القيام، والركوع والسجود هو القياس, لزوال المقعد عن الأرض، ووجود أصل الاسترخاء، ولكن تركنا هذا القياس في النوم بالحديث الذي روي، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((لا وضوء على من نام قائماً))، الحديث، والحالُ أنّ الإغماء فوق النوم في الغفلة على ما ذكرنا, فلذلك لا يقاس الإغماء على النوم في حق عدم انتقاض الوضوء في أحوال القيام والقعود الركوع والسجود، فإنّه لما كان الإغماء فوق النوم لم يكن ورود الحديث ورودا في الإغماء، للمفارقة بينهما، فإنه لم يكن أدنى الغفلة ناقضا لا يلزم أن لا يكون أعلاها ناقضا, بل يكون لوجود المعنى الذي هو به اختص دون الأدنى, فلذلك لم يفترق الحكم في قليل الإغماء وكثيره, وكذلك السكر يكون ناقضاً كالإغماء.
قال المرغيناني: (وَالْقَهْقَهَةُ فِي كُلِّ صَلاةٍ ذَاتِ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ وَالْقِيَاسُ أَنَّهَا لا تَنْقُضُ. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لأَنَّهُ لَيْسَ بِخَارِجٍ نَجَسٍ، وَلِهَذَا لَمْ يَكُنْ حَدَثًا فِي صَلاةِ الْجِنَازَةِ وَسَجْدَةِ التِّلاوَةِ وَخَارِجِ الصَّلاةِ. وَلَنَا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ - ((أَلا مَنْ ضَحِكَ مِنْكُمْ قَهْقَهَةً فَلْيُعِدْ الْوُضُوءَ وَالصَّلاةَ جَمِيعًا)) وَبِمِثْلِهِ يُتْرَكُ الْقِيَاسُ وَالأَثَرُ وَرَدَ فِي صَلاةِ مُطْلَقَةٍ فَيُقْتَصَرُ عَلَيْهَا. وَالْقَهْقَهَةُ مَا يَكُونُ مَسْمُوعًا لَهُ وَلِجِيرَانِهِ، وَالضَّحِكُ مَا يَكُونُ مَسْمُوعًا لَهُ دُونَ جِيرَانِهِ وَهُوَ عَلَى مَا قِيلَ يُفْسِدُ الصَّلاةَ دُونَ الْوُضُوءِ).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ((وبمثله يترك القياس)) أي: وبمثل هذا الحديث الذي عمل به الصحابة والتابعون وكان راويه من المعروفين بالفقه والتقدم في الاجتهاد كأبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - يترك القياس، وقال في الأسرار: ((والمشهور ما روى أبو العالية، ورواه مسندًا إلى أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - أن رجلًا دخل المسجد وفي بصره سوء، فمر على بئر عليها خصفة إلى أن ذكر حديث الضحك)) ثم قال: ورواه أيضًا أسامة بن زيد - رضي الله عنه - عن أبيه, فهو وإن ورد بخلاف القياس لكن لما ثبت برواية العلماء المشهورين وعمل به الصحابة والتابعون وجب القياس به، وذُكر في مبسوط شيخ الإسلام -رَحمهُ الله, روى أبو حنيفة عن منصور بن زادان عن الحسن
عن معبد الجهني أن النبي - صلى الله عليه وسلم - (كان يصلي وأصحابه خلفه, فجاء أعرابي في بصره سوء أي ضعف فوقع في ركية فضحك بعض أصحابه) الحديث ثم قال: فإن قيل: التعلق بهذا لا يصح؛ لأنّه روي أنه وقع في ركية، ولم يكن في مسجد رسول الله ركية.
جوابه: ليس في خبر الجهني أنه كان يصلي في المسجد، فيجوز أن يقال: بأنّه كان يصلي في غير المسجد، وفي الموضع الذي يصلي فيه ركية.
فإن قيل: هذا الخبر لا يصح, فإنه لا يتوهم على أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الضحك في الصلاة، والذين كانوا يصلون خلفه كانوا أصحابه.
جوابه: إنه كان يصلي خلفه الصحابة وغيرهم من المنافقين والعراب الجهال، ألا يرى أنّ أعرابياً دخل المسجد فدعا وقال: اللهم ارحمني ومحمدًا ولا ترحم معنا أحدًا، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((لقد حجرت واسعًا ثم مال إلى ناحية من المسجد، فبال فيه، فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأن يصب عليه ذنوب من ماء)).
وأما التبسم فلا ينقضه، لحديث جرير بن عبد الله قال: (ما رآني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا تبسم ولو في الصلاة)، وأما قهقهة النائم في الصلاة، فقد ذكر فخر الإسلام -رَحمهُ الله- في العوارض: "والصحيح أنه لا يكون حدثا ولا يفسد صلاته؛ لأنّ القهقهة جُعِلت حدثاً لقبحها في موضع المناجاة" وسقط ذلك بالنوم ولا يفسد الصلاة -أيضًا-؛ لأنّ النوم يبطل حكم الكلام، وذكر في المحيط: "القهقهة من النائم في الصلاة لا ينقض الوضوء،" هكذا في بعض الكتب، قال: شداد، قال أبو حنيفة: يفسد صلاته ولا يفسد وضوءه, هكذا أفتى الفقيه عبد الواحد، وقال الحاكم أبو محمد الكفيني: فسدت صلاته ووضوءه -جميعًا- وبه أخذ عامة المتأخرين احتياطًا، والقهقهة من الصبي في حالة الصلاة لا ينتقض الوضوء.
قال المرغيناني: (وَالدَّابَّةُ تَخْرُجُ مِنْ الدُّبُرِ نَاقِضَةٌ، فَإِنْ خَرَجَتْ مِنْ رَأْسِ الْجُرْحِ أَوْ سَقَطَ اللَّحْمُ لا تَنْقُضُ) وَالْمُرَادُ بِالدَّابَّةِ الدُّودَةُ وَهَذَا لأَنَّ النَّجَسَ مَا عَلَيْهَا وَذَلِكَ قَلِيلٌ وَهُوَ حَدَثٌ فِي السَّبِيلَيْنِ دُونَ غَيْرِهِمَا).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ((والمراد من الدابة الدودة)) قيل: أنما فسّر الدابة بالدودة؛ لأنّ الدابة اسم لما يدب على وجه الأرض، فلو لم يفسرها لها لكان لقائل المراد بالدابة هي التي يدخل من الذبان في الجرح ثم يخرج، فأما التي تنشأ [19 - أ] فيه كان نشوءها فخروجها كخروج الدم، فينتقض بها الوضوء في غير السبيلين، كما إذا خرجت من السبيلين-وهذا وجه- ولكني وجدت بخط ثقة، إنما فسرها بها لما أنه لو طار الذباب في الدبر ودخل ثم خرج لا ينتقض الوضوء، وهذا أوجه لما أنه ذكر الإمام شمس الأئمة السّرخسيّ -رحِمهُ الله- في المبسوط خروجها من الدبر من غير ذكر الجرح، ففسرها -أيضًا- بالدودة ويؤيد صحة هذا التفسير: ما ذكره شمس الأئمة السرخسي في تعليل هذه المَسْألة بعلتين في الجامع الصغير بعدما ذكر خروجها من الجرح فقال: بخلاف الدابة التي تخرج من الدبر لأنّها استحالت من العذرة فخروجها كخروج العذرة؛ ولأنّ الدابة التي من الدبر لا تخلو عن قليل بلة إلى آخره. فبالنظر إلى العلة الأولى يجب أن لا ينتقض الوضوء بالدابة التي تدخل الدبر ثم تخرج؛ لأنّها لم تستحل من العذرة، وكذا بالنظر إلى العلة الثابتة -أيضا- لأنّه قيّد بالبلة، ويحتمل أن تخرج بغير بلة، والدليل عليه ما ذكر في المحيط أنه أدخل العود في دبره، وطرفه بيده ثم أخرجه يعتبر فيه البلة إن لم يكن البلة فلا وضوء عليه.
قوله رحِمهُ الله: ((لأن النجس ما عليها))، فإن قيل: قد قال فيما تقدم، ثم ما لا يكون حدثاً لا يكون نجسا -وهو الصحيح- ثم قال: هنا بنجاسة ما عليها، وهو ليس بحدث في غير السبيلين فكيف يستقيم؟
قلنا: لعله ذكر بناء على قول محمد -رَحِمه الله- على ما حكينا، كذا في الفوائد الظهيرية، وجاز أن يكون معناه أن النجس لو كان لكان ما عليها من البلة، والبلة بانفرادها حدث في السبيلين فكذا مع غيرها، بخلاف الدودة التي تخرج من الجرح؛ لأنّها وإن كانت لا تخلو عن قليل بلة لكن قليل البلة بانفراده ليس بحدث في غير السبيلين، ويعبّر عن هذا بعبارة أخرى، ويقال: إن البلة -ههنا- خرجت راكبة، ولو خرجت راحلة أن خرجت من الجرح لا ينتقض، لما أنها لا تخرج، بل يظهر وإن خرجت من الدبر ينتقض؛ لأنّ الظهور فيه كافٍ, كذا حكى الإمام شمس الأئمة السرخسي عن الخليل بن أحمد -رحمهم الله.
قال المرغيناني: (فَأَشْبَهَ الْجُشَاءَ وَالْفُسَاءَ، بِخِلافِ الرِّيحِ الْخَارِجَةِ مِنْ قُبُلِ الْمَرْأَةِ وَذَكَرِ الرَّجُلِ؛ لأَنَّهَا لا تَنْبَعِثُ عَنْ مَحَلِّ النَّجَاسَةِ حَتَّى لَوْ كَانَتْ مُفْضَاةً يُسْتَحَبُّ لَهَا الْوُضُوءُ لاحْتِمَالِ خُرُوجِهَا مِنْ الدُّبُرِ؛ فَإِنْ قُشِرَتْ نَفْطَةٌ فَسَالَ مِنْهَا مَاءٌ أَوْ صَدِيدٌ أَوْ غَيْرُهُ إنْ سَالَ عَنْ رَأْسِ الْجُرْحِ نَقَضَ، وَإِنْ لَمْ يَسِلْ لا يَنْقُضُ، وَقَالَ زُفَرُ - رَحِمَهُ اللَّهُ - يَنْقُضُ فِي الْوَجْهَيْنِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - لا يَنْقُضُ فِي الْوَجْهَيْنِ، وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْخَارِجِ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ، وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ نَجِسَةٌ, لأَنَّ الدَّمَ يَنْضَجُ فَيَصِيرُ قَيْحًا ثُمَّ يَزْدَادُ نُضْجًا فَيَصِيرُ صَدِيدًا ثُمَّ يَصِيرُ مَاءً).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ((فأشبه الجشاء والفساء)) لف ونشر، أي؛ القليل على الدودة من غير السبيلين أشبه الجشاء، ومن السبيلين أشبه الفساء، وقال الإمام التمرتاشي -رحِمه الله: (واختلف أن الريح عينها نجس بسبب مرورها على النجاسة وثمرتها يظهر فيما لو خرج منه الريح وعليه سراويل مبتلة، هل تنجس؟ من قال: أن عينها نَجَسٌ بتنجس السراويل، ومن قال: بأنّ عينها طاهر، إلا أنها تنجّست بمجاورة النجاسة إيّاها بقول لا تتنجس السراويل، كما لو مرت الريح بنجاسة، ثم مرّت تلك الريح على ثوب مبتل فإنها لا يتنجس).
قوله: لاحتمال خروجها من الدبر، وفائدة الاحتمال يظهر في مسألة أخرى -أيضًا- وهي أنّ القضاة إذا طلقها زوجها ثلاثا، وتزوجت بزوج آخر, ودخل بها الزوج الثاني لا تحلّ للأول ما لم تحيل؛ لاحتمال أنّ الوطئ كان في دبرها لا في قبلها, كذا في الفوائد الظهيرية.
فإن قلت: على تعليل الاحتمال ينبغي أن يجب عليها الوضوء احتياطا؟
قلت: كونها متوضئة كان ثابتا بيقين, واليقين لا يزول إلا بيقين مثله، فلا يجب الوضوء لكون الأوّل ثابتاً بيقين كالمتوضئ إذا شك أنّه أحدث أم لا؟ لا يجب الوضوء.
قال المرغيناني: (هَذَا إذَا قَشَرَهَا فَخَرَجَ بِنَفْسِهِ، أَمَّا إذَا عَصَرَهَا فَخَرَجَ بِعَصْرِهِ لا يَنْقُضُ لأَنَّهُ مُخْرَجٌ وَلَيْسَ بِخَارِجٍ).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله -رحِمهُ الله-: فخرج بعصره لا ينتقض وفي فتاوى العتابي وأحاله إلى النوازل عصرت القرحة، فخرج منها شيء كثير، ولو لم يعصرها لا يخرج شيء نقض الوضوء، وكذا ذكر في العتاب والذخيرة، ولكن قال في الذخيرة: وفيه نظر، وفي فتاوى الظهيرية مثل ما ذكر في الهداية.
فصل في الغسل
قال المرغيناني: (وَفَرْضُ الْغُسْلِ الْمَضْمَضَةُ وَالاسْتِنْشَاقُ وَغَسْلُ سَائِرِ الْبَدَنِ) وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - هُمَا سُنَّتَانِ فِيهِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ - ((عَشْرٌ مِنْ الْفِطْرَةِ)) أَيْ مِنْ السُّنَّةِ وَذَكَرَ مِنْهَا الْمَضْمَضَةَ وَالاسْتِنْشَاقَ وَلِهَذَا كَانَا سُنَّتَيْنِ فِي الْوُضُوءِ وَلَنَا قَوْله تَعَالَى {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا} وَهُوَ أَمْرٌ بِتَطْهِيرِ جَمِيعِ الْبَدَنِ، إلا أَنَّ مَا يَتَعَذَّرُ إيصَالُ الْمَاءِ إلَيْهِ خَارِجٌ عَنْ النَّصِّ بِخِلافِ الْوُضُوءِ لأَنَّ الْوَاجِبَ فِيهِ غَسْلُ الْوَجْهِ وَالْمُوَاجِهَةُ فِيهِمَا مُنْعَدِمَةٌ، وَالْمُرَادُ بِمَا رُوِيَ حَالَةَ الْحَدَثِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ - ((إنَّهُمَا فَرْضَانِ فِي الْجَنَابَةِ سُنَّتَانِ فِي الْوُضُوءِ)).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قدم الوضوء على الغسل؛ إما اقتداءً بكتاب الله تعالى فإنه ذكر فيه على هذا الترتيب في قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة} .. الآية، أو باعتبار شدة الاحتياج إلى علم الوضوء باعتبار كثرة وروده حتى إن الله ذكر الوضوء بكلمة إذا، فإنها تذكر في الأمور الكافة، وذكر الجنابة بكلمة إن، فإنها تذكر في الأمور المترددة، أو لأنّ محل الوضوء بعض البدن، ومحل الغسل كل البدن، والبعض قبل الكل، أو لأن الوضوء وظيفة الحدث الأصغر، والغسل وظيفة الحدث الأكبر، والأصغر مقدمة للأكبر, ثم ترتيب الغسل عليه باعتبار أنهما طهارتان تعلقتا بالبدن قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((عشر من الفطرة))، قيل: خمس منها في الرأس، وخمس في البدن، فالتي في الرأس: الفرق، والسواك، والمضمضة، والاستنشاق، وقص الشارب. والتي في الجسد: الختان، وحلق العانة، ونتف الإبط، وتقلم الأظفار، والاستنجاء بالماء كذا ذكره الإمام المحبوبي في شرح الجامع الصغير.
قوله: إلا أن ما يتعذر إيصال الماء إليه خارج كداخل العينين لما في غسلهما من الضرر والأذى، ولهذا سقط غسلهما عن حقيقة النجاسة بهذا، فأما المضمضة والاستنشاق فيمكن من غير مشقة حتى افترض غسلهما عن النجاسة الحقيقية، فيفترض في الجنابة، كذا في مبسوط شيخ الإسلام.
قوله: لأن الواجب فيه غسل الوجه , ذكر في الأسرار فاعتباره بالوجه ساقط؛ لأنّ الوجه اسم لما يواجه الناظر إليه، وباطن الفم لا يواجهه الإنسان ألا ترى أنه لا يجب غسل ما تحت الشعر في الحدث الأصغر -وههنا- يجب، وكذلك الحدث الأصغر لا يحل بالرجل في الخف، وهذا يحل فعلم أن ذلك مقصودها على الظواهر، وهذا يعم الظاهر والباطن لغلظه، إلا مالا يمكن غسله، فيسقط ولا يقال: فقد يقال اغتسل فلان ولم يمضمض، فعلم أن الاغتسال يتم بدونه، لأنّا نقول كما يقال ذلك يقال -أيضا- اغتسل، وإن بقيت منه لمعة لما أن الوصف يطلق بالأعم منه مجازا.
قال المرغيناني: (وَسُنَّتُهُ: أَنْ يَبْدَأَ الْمُغْتَسِلُ فَيَغْسِلَ يَدَيْهِ وَفَرْجَهُ وَيُزِيلَ نَجَاسَةً إنْ كَانَتْ عَلَى بَدَنِهِ، ثُمَّ يَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلاةِ إلا رِجْلَيْهِ، ثُمَّ يُفِيضُ الْمَاءَ عَلَى رَأْسِهِ وَسَائِرِ جَسَدِهِ ثَلاثًا، ثُمَّ يَنْتَحِي عَنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ فَيَغْسِلَ رِجْلَيْهِ) هَكَذَا حَكَتْ مَيْمُونَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - اغْتِسَالَ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَإِنَّمَا يُؤَخِّرُ غَسْلَ رِجْلَيْهِ لأَنَّهُمَا فِي مُسْتَنْقَعِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ فَلا يُفِيدُ الْغَسْلُ حَتَّى لَوْ كَانَ عَلَى لَوْحٍ لا يُؤَخِّرُ، وَإِنَّمَا يَبْدَأُ بِإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ الْحَقِيقِيَّةِ كَيْ لا تَزْدَادَ بِإِصَابَةِ الْمَاءِ).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ((ويزيل النجاسة)) قيل: والأصح أن يقال: ويزيل نجاسته؛ لأنّ حرف التعريف لا يخلو، إما أن يراد به العهد والجنس. لا يجوز الأول؛ لأنّ قوله إن كانت بكلمة الشك يأباه؛ لأنّ العهدَ يقتضي التقرير، أما ذكرًا وأما علمًا، ولا يجوز الثاني؛ لأن كون النجاسات كلها في بدنه محال، وأقلّ النجاسة التي ليس دونها أقل، وهو الجزء الذي لا يتجزأ غير مراد -أيضًا؛ لأنه علّل ذلك في الكتاب، بقوله: كيلا يزداد بإصابة الماء، وهذا القليل الذي ذكرناه لا يزداد عنه إصابة الماء، لما أنه ذكر الإمام التمرتاشي -رحِمه الله- في الجامع الصغير فقال: وفي التفاريق عن أبي عصمة -رحمه الله- لو أصابه النجاسة مثل رؤوس الإبر، ثم أصاب ذلك الموضع ماء لم يتنجس والله أعلم.
قلت: إلا أنّ الرواية بالألف واللام، فتثبت في النسخ فوجهه أن يحمل الألف واللام على تحسين النظم من غير اعتبار تعريف الجنس، وتعريف العهد فكان مبقي على معنى التنكير، نحو: قوله تعالى: {كمثل الحمار يحمل أسفاراً}، وقوله تعالى: {وآية لهم الأرض الميتة أحييناها} حيث وصفهما بالجملة الفعلية لبقائهما على معنى التنكير، فكان من قبيل قول القائل:
ولقد أمرُّ على اللئيم يسبني ................
ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، وهذا احتراز عما روى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة -رَحمهُ الله- أنّ الجُنب يتوضأ ولا يمسح رأسه؛ لأنه لا فائدة في المسح لوجود إسالة الماء من بعد، وذلك يعدم معنى المسح، بخلاف سائر الأعضاء؛ لأنّ التسييل هو الموجود، فلم يكن التسييل من بعد مقدّما له، ولأنه وظيفة الرأس نظير وظيفة الرجل وجوبًا وسقوطًا، كما في الوضوء والتيمم، ثم سقطت وظيفة الرجل في الوضوء عن الجنابة، فكذا تسقط وظيفة الرأس، والصحيح ظاهر الرواية، فإن تقديم الوضوء على الإفاضة على جميع البدن يقع سنة؛ لما روى (أن النبي - صلى الله عليه وسلم - توضأ وضوءه للصلاة إلا رجليه) والوضوء للصلاة يشمل الغسل والمسح جميعًا، ولم يسقط وظيفة الرجل بل تأخرت؛ لأنّ التقديم لا يفيد لما ذكر في المتن، والمسح يفيد، كذا في مبسوط شيخ الإسلام. ومن العلماء من قال البداية في الوضوء واجبة، ومنهم من فصل بين ما إذا أجنب وهو محدث أو طاهر، فقال: إذا كان محدثًا يلزمه الوضوء؛ لأنّ قبل الجنابة كان قد لزمه الوضوء فلا يسقط بالجنابة. ولنا قوله تعالى: {وإن كنتم جنباً}، والإطهار بغسل جميع البدن؛ ولأنّ مبنى الأسباب الموجبة للطهارة على التداخل، ألا ترى أنّ الحائض إذا اجنبت يكفيها غسل واحد، كذا في المبسوط، ومن العلماء من أوجب الوضوء بعد إضافة الماء قياسًا على غسل الرجلين، كذا في المبسوطين , وكان قوله في الكتاب: وإنما يُؤَخّر غسل رجليه إلى آخره جواباً برواية الحسن عن أبي حنيفة وجوباً بالقياس من أوجبَ تأخير الوضوء عن إفاضتِه الماء على ما ذكرنا.
قال المرغيناني: (وَلَيْسَ عَلَى الْمَرْأَةِ أَنْ تَنْقُضَ ضَفَائِرَهَا فِي الْغُسْلِ إذَا بَلَغَ الْمَاءُ أُصُولَ الشَّعْرِ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ - لأُمِّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - ((أَمَا يَكْفِيكِ إذَا بَلَغَ الْمَاءُ أُصُولَ شَعْرِكِ)) وَلَيْسَ عَلَيْهَا بَلُّ ذَوَائِبِهَا هُوَ الصَّحِيحُ، بِخِلافِ اللِّحْيَةِ لأَنَّهُ لا حَرَجَ فِي إيصَالِ الْمَاءِ إلَى أَثْنَائِهَا).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: لقوله - عليه السلام - لأم سلمة رضي الله عنها أول الحديث، فإنّ أم سلمة قالت: يا رسول إني امرأة أشد ضفر رأسي أفانقضها إذا اغتسلت فقال - صلى الله عليه وسلم -: ((لا، يكفيك أن تفيضي الماء على رأسك وسائر جسدك ثلاثا))، وبلغ عائشة أن ابن عمرو كان يأمر المرأة تنقض رأسها في الاغتسال، فقالت: لقد كلفهن شططا إلا بأمر بجز نواصيهن). كذا في المبسوط.
قوله: هو الصحيح، احتراز عن قول بعضِهم، فإنّهم قالوا: إنها تبل ذوائبها ثلاثا مع كل بلة عصره، والأصح أن ذلك ليس بواجب لما فيه من الحرج.
قال المرغيناني: وَالْمَعَانِي الْمُوجِبَةُ لِلْغُسْلِ إنْزَالُ الْمَنِيِّ عَلَى وَجْهِ الدَّفْقِ وَالشَّهْوَةِ مِنْ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ حَالَةَ النَّوْمِ وَالْيَقِظَةِ, وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - خُرُوجُ الْمَنِيِّ كَيْفَمَا كَانَ يُوجِبُ الْغُسْلَ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ - ((الْمَاءُ مِنْ الْمَاءِ)) أَيْ الْغُسْلُ مِنْ الْمَنِيِّ، وَلَنَا: أَنَّ الأَمْرَ بِالتَّطْهِيرِ يَتَنَاوَلُ الْجُنُبَ، وَالْجَنَابَةُ فِي اللُّغَةِ خُرُوجُ الْمَنِيِّ عَلَى وَجْهِ الشَّهْوَةِ، يُقَالُ أَجْنَبَ الرَّجُلُ إذَا قَضَى شَهْوَتَهُ مِنْ الْمَرْأَةِ، وَالْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى خُرُوجِ الْمَنِيِّ عَنْ شَهْوَةٍ، ثُمَّ الْمُعْتَبَرُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ -رَحِمَهُمَا اللَّهُ- انْفِصَالُهُ عَنْ مَكَانِهِ عَلَى وَجْهِ الشَّهْوَةِ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - ظُهُورُهُ أَيْضًا اعْتِبَارًا لِلْخُرُوجِ بِالْمُزَايَلَةِ إذْ الْغُسْلُ يَتَعَلَّقُ بِهِمَا)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ((والمعاني الموجبة للغسل أنزال المني إلى آخره)).
قلت: هذه معان موجبة للجنابة لا للغسل على المذهب الصحيح من علمائنا -رحمهم الله- فإنها تنقضه فكيف يوجبه، وذكر في مبسوط شيخ الإسلام سبب وجوب الاغتسال إرادة ما لا يحل فعله، بسبب الجنابة عند عامة المشايخ، وعند بعضهم السبب الجنابة، وهذا الخلاف مثل الخلاف الذي بينّا في الوضوء إنزال المني على وجه الدفق والشهوة، هذا اللفظ بإطلاقه مستقيم لأبي يوسف -رحِمهُ الله- حيث شرط لوجوب الغسل خروج المني على وجه الدفق والشهوة، وأما عندهما فلا يستقيم؛ لأنهما جعلا سبب الاغتسال خروج المني عن شهوة، ولم يجعل الدفق شرطًا حتى قالا بوجوب الغسل فيما إذا زال المني عن مكانه عن شهوة، وإن خرج من غير دفق كذا في مبسوط شيخ الإسلام والمختلفات.
قوله: وعند الشافعي -رحمه الله- خروج المني كيف ما كان حتى إنّ المني إذا خرج منه لا بسبب الشهوة لكن لعارض آخر؛ فإن حملَ حملاً ثقيلاً أو سقط من السطح فخرج منه المني يصير جنبًا.
واحتج في ذلك بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((الماء من الماء))، فحجتنا في ذلك أن الله تعالى علق وجوب الاغتسال بالجنابة لا بخروج المني، بقوله: {وإن كنتم جنباً فاطهروا} وإنما يقال: أجنب الرجل في اللغة إذا قضى شهوته من امراته، إلا أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - لما أوجب عن الاحتلام سقط اعتبار المرأة، وبقي قدر ما يكون في الاحتلام من قضاء الشهوة ويدلّ عليه ما روي في بعض ألفاظ أم سليم رضي الله عنها (أنها لما سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - عن المرأة ترى في منامها مثل ما يرى الرجل فقال: أتجد لذلك لذة؟ فقالت: نعم، قال: فلتغتسل) وإنّما يكون من الرجل خروج المني إذا كان عن شهوة، ولأنّه إذا خرج عن غير شهوة لا يعلم أنّه مني أو رطوبة، وقد قيل: إن المني دم في الأصل، لكنه يبيَض بتصعيد الشهوة حتى إذا كبر وفترت الشهوة خرج أحمر، فعلى هذا لا يتصوّر خروجه أبيض بغير شهوة، فيدلّ على أنّه ليس بمني، وأما قوله - صلى الله عليه وسلم - ((الماء من الماء)) فمحمول على ما إذا كان على سبيل الدفق والشهوة، بدليل ما بينّا كذا في مبسوط شيخ الإسلام.
قال المرغيناني: (وَلَهُمَا أَنَّهُ مَتَى وَجَبَ مِنْ وَجْهٍ فَالاحْتِيَاطُ فِي الإِيجَابِ).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ولهما أنّه منى وجب من وجه، فالاحتياط في الإيجاب يعني؛ أنّ الخروج على وجه الشهوة قد وجد، وإنّما عدم الدفق لا غير, فباعتبار ما وجد تحت الاغتسال، وباعتبار ما عدم لا يجب، فيترجّح جانب الوجوب احتياطاً لأمرِ العبادة، كذا في مبسوط شيخ الإسلام.
فإن قلت: يشكل على هذا حكم الريح الخارجة من المفضاة؛ لأنّه على هذا التعليل ينبغي أن يجب عليها الوضوء بأن يقال: إنها لو خرجت من القبل لا يجب، ولو خرجت من الدبر يجب ترجيح جانب الوجوب احتياطًا، لأمر العبادة، ولم يقل -هناك- كذلك، بل قيل بالاستحباب.
قلت: جاء الشك -هناك- من الأصل، فتعارض الدليل الذي هو موجب مع الدليل الذي هو غير موجب، لتساويهما في القوة فتساقطا فعملنا بالأصل الذي كان ثابتاً لها بيقين - وهو الطهارة- كما قلنا في حالتيّ نجاسة الماء وطهارته، وأما -هنا- جاء دليل عدم الوجوب من الوصف، وهو الدفق، ودليل الوجوب من الأصل, وهو نفس وجود الماء مع الشهوة, فكان في إيجاب الاغتسال ترجيح لجانب الأصل على جانب الوصف، وهو صحيح؛ لأنّ دليل الوجوب قد سبق -هنا- وهو مزايلة المني عن مكانه على سبيل الشهوة، وخروجه من العضو لا على سبيل الدفق بقاء ذلك, والسبق من إثبات الترجيح, فيرجح جانب الوجوب لذلك، وأما هناك فاقترن الدليلان على سبيل المدافعة، فلا يثبت الحكم الحادث لتدافعهما، بل يبقى ما كان على ما كان.
قال المرغيناني: (وَالْتِقَاءُ الْخِتَانَيْنِ مِنْ غَيْرِ إنْزَالٍ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ -: ((إذَا الْتَقَى الْخِتَانَانِ وَتَوَارَتْ الْحَشَفَةُ وَجَبَ الْغُسْلُ، أَنْزَلَ أَوْ لَمْ يُنْزِلْ)).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ((والتقاء الختانين)) أي: مع تواري الحشفة فإنّ نفس ملاقاة الفرج الفرج من غير التواري لا يوجب الغسل، لكن يوجب الوضوء عندهما خلافا، لمحمد، رَحِمه الله, فكان ذكر غيبوبة الحشفة في الحديث [20 - ب] لقوله: ((إذا التقى الختانان وغابت الحشفة)) لإزالة ذلك الوهم، وهو وهم نفس ملاقاة الختانين من غير تواد بطريق إطلاق اسم الشيء على ما تعرب من ذلك الشيء، والختان: موضع القطع من الذكر والانثى وذكر الختانين بناء على عادتهم أنهم يختنون النساء, والحشفة: ما فوق الختان من الذكر. فالحاصل أنّ الجنابة إنما سميت بشيئين لا غير: أحدهما: انفصال المني عن شهوة. والثاني: الإيلاج في الآدمي, نصّ على هذا في المحيط، وفيه -أيضًا- ولو أتى امرأته وهي بكر، فلا غسل ما لم ينزل؛ لأنّ ببقاء البكارة يعلم أنه لم يوجد الإيلاج، ولكن إذا جومعت البكر فيما دون الفرج فحبلت فعليها الغسل، لوجود الإنزال؛ لأنّه لا حبل بدونه , وإنزالها يوجب الغسل، لما روينا من حديث اللذة.
ثم قوله: من غير إنزال، لرد قول: من يشترط الإنزال مع إلتقاء الختانين لا للشرط؛ لأنّ أحدهما إذا كان كافياً لإيجاب الغسل كان عند انضمامها أولى، وذكر في المبسوط: ((وإذا التقى الختانان وغابت الحشفة وجب الغسل؛ أنزل، أو لم ينزل، أو لم يترك. وهو قول المهاجرين عمر وعلي وابن مسعود - رضي الله عنهم -، فأما الأنصار كأبي بن كعب، وحذيفة وزيد بن ثابت - رضي الله عنهم - قالوا: لا يجب الاغتسال بالإكسال ما لم ينزل، وبه أخذ سليمان الأعمش لظاهر قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((الماء من الماء)). ولنا: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((إذا التقى الختانان وجب الغسل أنزل أو لم ينزل))، والأصح أن يقول: (أن عمر - رضي الله عنه - لم يسوّغ للأنصار هذا الاجتهاد، حتى قال لزيد: أي عدو نفسه ما هذه الفتوى التي تقشعت عنك، فقال: سمعت عمومتي من الأنصار يقولون ذلك، فجمعهم عمر وسألهم وقالوا: كنا نفعل هذا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا نغتسل فقال: أو كان يعلم به رسول الله فقالوا: لا، فقال ليس بشيء، وبعث إلى عائشة -رضي الله عنها- فسألها، فقالت: فعلت ذلك مع رسول الله فاغتسلنا، فقال: عمر لزيد: لئن عدت إلى هذا لأدبتك).
قال المرغيناني: (وَلأَنَّهُ سَبَبُ الإِنْزَالِ وَنَفْسُهُ يَتَغَيَّبُ عَنْ بَصَرِهِ وَقَدْ يَخْفَى عَلَيْهِ لِقِلَّتِهِ فَيُقَامُ مَقَامَهُ، وَكَذَا الْإِيلاجُ فِي الدُّبُرِ لِكَمَالِ السَّبَبِيَّةِ).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: لكمال السببية حتى عن الفسقة رجحوا قضاء الشهوة من الدبر على قضاء الشهوة من القبل، ومنه قوله تعالى خبرا عن قوم لوط - صلى الله عليه وسلم - قالوا: {قال لقد علمت ما لنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد}، وقد ذكر الشيخ الإمام أبو بكر محمد بن يوسف المرغاسوني في نوادر الصلاة عن محمد -رَحِمه الله: إذا حاذى الأمرد رجل تفسد صلاة غير الأمرد؛ لأنّه يخطر بباله الشهوة بهذه المحاذاة فكان الصبي فيه كالمرأة، وإليه أشار رسول الله - عليه السلام - في قوله: ((لا تجالسوا أبناء الأغنياء فإن لهم شهوة كشهوة النساء))، وفي ظاهر الرواية لا تفسد، لا لاعتبار عدم الشهوة, بل باعتبار أنّ الفساد بمحاذاة المرأة الرجل حكم ثبت بالسنة، بخلاف القياس، فلا يتعدى إلى محاذاة غير المرأة، حتى لو إن عجوزًا يتنفر عنها الرجال أو حاذت رجلًا فسدت صلاته مع عدم الشهوة، وكذلك لو حاذت امرأة ابنها أو أباها فسدت صلاة الرجل، ومعلوم أن المسلم لا يشتهي أمه, كذا ذكره الإمام المحبوبي في مسائل متفرقة من صلاة الجامع الصغير.
قال المرغيناني: (وَيَجِبُ عَلَى الْمَفْعُولِ بِهِ احْتِيَاطًا، بِخِلافِ الْبَهِيمَةِ وَمَا دُونَ الْفَرْجِ لأَنَّ السَّبَبِيَّةَ نَاقِصَةٌ.
وَالْحَيْضُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {: حَتَّى يَطْهُرْنَ} بِالتَّشْدِيدِ وَكَذَا النِّفَاسُ لِلإِجْمَاعِ).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: احتياطا هو علة وجوب الغسل؛ لأنّ الغسل مستحب؛ لأنّ وجوب الغسل بدون الإنزال فيه على قولهما ظاهر؛ لأنّهما سويّا السبيلين في الحد، وفي هذا أولى، وكذلك.
قوله: وما دون الفرج، أراد بالفرج: القبل والدبر. فكان ما دونه غيرهما من بدن المرأة كالتفخيذ.
قوله: والحيض، أي: الخروج من الحيض؛ لأنّ الحيض ما دام باقيًا لا يجب الغسل لعدم الفائدة، فوجّه التمسّك بقوله تعالى: {حتى يطهرن}، في حق وجوب الاغتسال في حق الصلاة هو أن الشارع غيّى حرمة القربان إلى غاية الاغتسال، فينبغي أن يجب عليها الاغتسال بعد الخروج عن الحيض، ليحلّ القربان؛ لئلا تكون الحرمة مؤثرة؛ إذ فيه نقض ما شرعه، بقوله: {فأتوا حرثكم}، وبقوله: {فالآن باشروهن}، ثمّ لما صار الاغتسال شرطًا لحلّ القربان بهذه الآية مع أنّ وجود طهارة المرأة ليس بشرط لحلّ القربان سوى الحيض والنفاس في صورة من الصور، فلأن يشترط الاغتسال لحلّ قربان الصلاة والحال أنّ الطهارة عن جميعِ النجاساتِ الحقيقيّة والحكميّة شرط دائم للصلاة بالطريق الأوْلى، ومما يوضح أن هذا الحكم أعني وجوب الاغتسال للصلاة بعد الخروج عن الحيض ثابت بطريق الدلالة على وجهِ الأولويّة وجوبه عليها للصلاة بالخروج عن الحيض بتمام العشرة، وما دونها بخلاف حرمة القربان، فإنّ امتداد الحرمة هناك إلى الاغتسال إذا انقطع الدم لأقلّ من عشرة أيام، وأمّا إذا انقطع دمُها لتمام العشرة أو مضى عليها وقت صلاة بعد الانقطاع لأقلّ من عشرةِ أيام يحلّ القربان لاختصاص الصلاة بالطهارة، وعدم اختصاص القربان بها, حتى جاز وطئ منكوحته، وهي جنب أو محدث أو بأعضائها نجاسته، وكان هذا نظير اشتراط الطهارة عن الحيض والنفاس في حق الصّوم والصّلاة, فإنّه لما كان اشتراط الطهارة عنها في حقّ الصلاة على وفقِ القياس لما ذكرنا أثر ذلك في حقّ الأداء والقضاء حتى سقطت الصلاة أصلاً، ولما كان اشتراطها عنها في حق الصوم على خلاف القياس أثر ذلك في حق الأداء دون القضاء ليثبت المدلول بقدر دليله.
وذكر بعض أهل النظر في التمسك بالآية فقالوا: النصُّ ينفي القربان قبل الاغتسال، ويلزم من هذا وجوب الاغتسال؛ لأنّه لولا وجوب الاغتسال لما انتفى القربان قبل الاغتسال, لأنّ حلّ القربان ثابت في جملة صور عدم وجوب الاغتسال وحلّ الصلاة بدون الاغتسال.
قال المرغيناني: (وَسَنَّ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - الْغُسْلَ لِلْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ وَعَرَفَةَ وَالإِحْرَامِ نَصَّ عَلَى السُّنِّيَّةِ، وَقِيلَ هَذِهِ الأَرْبَعَةُ مُسْتَحَبَّةٌ، وَسَمَّى مُحَمَّدٌ الْغُسْلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ حَسَنًا فِي الأَصْلِ. وَقَالَ مَالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: هُوَ وَاجِبٌ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ - «مَنْ أَتَى الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ». وَلَنَا قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ - ((مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَبِهَا وَنِعْمَتْ، وَمَنْ اغْتَسَلَ فَهُوَ أَفْضَلُ)) وَبِهَذَا يُحْمَلُ مَا رَوَاهُ عَلَى الاسْتِحْبَابِ أَوْ عَلَى النَّسْخِ، ثُمَّ هَذَا الْغُسْلُ لِلصَّلَاةِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - هُوَ الصَّحِيحُ لِزِيَادَةِ فَضِيلَتِهَا عَلَى الْوَقْتِ وَاخْتِصَاصِ الطَّهَارَةِ بِهَا، وَفِيهِ خِلَافُ الْحَسَنِ، وَالْعِيدَانِ بِمَنْزِلَةِ الْجُمُعَةِ لأَنَّ فِيهِمَا الاجْتِمَاعُ فَيُسْتَحَبُّ الاغْتِسَالُ دَفْعًا لِلتَّأَذِّي بِالرَّائِحَةِ).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((فبها ونعمت)) الباء متعلقة بفعل مضمر، أي: فبهذه الخصلة أو الفعلة يعني الوضوء ينال الفضل، ونعمت, أي: نعمت الخصلة هي، فحذف المخصوص بالمدح. وسئل عنه الأصمعي -رحمه الله- فقال: أظنّه يريد فبالسنّة أخذ، كذا في الفائق.
قوله: ((أو على النسخ)) فدليلُ النسخ ما ذكر في المبسوط، وهو ما روى عن عائشة وابن عباس - رضي الله عنهم - قالا: (كان الناس عمال أنفسهم، وكانوا يلبسون الصوف ويعرقون فيه، والمسجد قريب السقف فكان يتأذى بعضهم برائحة البعض، فأمروا بالاغتسال)، لهذا ثمّ انتسخ هذا حين لبسوا غير الصوف وتركوا العمل بأيديهم. ثم اختلف أبو يوسف، والحسن بن زياد أنّ الاغتسال يوم الجمعة للصلاة أم لليوم؟ فقال الحسن: لليوم إظهاراً لفضيلته، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((سيّد الأيام يوم الجمعة)). وقال أبو يوسف: للصلاة؛ لأنّها مؤدّاة بجمع عظيم فلها من الفضيلة ليس لغيرها.
وفائدة: الاختلاف فيما إذا اغتسل يوم الجمعة ثم أحدث وتوضأ وصلى الجمعة عند أبي يوسف لا يكون مقيماً للسنة.
(وعند الحسن يكون مقيماً).
وفي مبسوط شيخ الإسلام: إذا اغتسل من الجنابة قبل طلوع الفجر ثم لم يحدث حتى صلى الجمعة بذلك الاغتسال فإنّ على قول محمد ينال فضل الاغتسال، وعلى قول أبي يوسف لا ينال ذكر فيه محمداً مكان الحسن بن زياد، والاغتسال في الحاصل أحد عشر نوعاً خمسة منها فريضة: الاغتسال من التقاء الختانين، ومن إنزال الماء، ومن الاحتلام، ومن الحيض، والنفاس، وأربعة منها سنة: الاغتسال يوم الجمعة، ويوم عرفة، وعند الإحرام، والعيدين وواحد واجب وهو غسل الميت، وآخر مستحب وهو الكافر إذا أسلم يستحب له أن يغتسل به أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من جاءه يريد الإسلام، وهذا إذا لم يكن جنباً فإن كان أجنب ولم يغتسل حتى أسلم فقد قال بعض مشايخنا: لا يلزمه الاغتسال؛ لأنّ الكفار لا يخاطبون بالشرائع، والأصح أنه يلزمه؛ لأنّ بقاء صفة الجنابة بعد إسلامه كبقاء صفة الحدث في وجوب الوضوء كذا في المبسوط، وذكر في مبسوط شيخ الإسلام أنّ اغتسال يوم الجمعة وعند العيدين مستحب.
ومن المشايخ من قال: أراد بقوله فأحدث الناس هذا التثويب (أي نفس التثويب) فإن التثويب الأول: الصلاة خير من النوم، ثم إن التابعين وأهل الكوفة أحدثوا هذا التثويب وهو قوله حي على الفلاح مرتين بين الآذان والإقامة (حي الصلاة حي على الفلاح مرتين حسن وهذا هو التثويب المحدث ولم يبين التثويب القديم وذكر في الأصل كان التثويب الأول في صلاة الفجر بعد الأذان الصلاة خير من النوم فأحدث الناس هذا التثويب وهو حسن ولم يبين المحدث بعض مشايخنا قالوا: أراد محمد رحمه الله بقوله في الأصل فأحدث الناس هذا التثويب أنهم أحدثوا مكان التثويب لا نفس التثويب فإن التثويب الأول في صلاة الفجر الصلاة خير من النوم بعد الأذان فالناس جعلوها في الأذان ولكن هذا مشكل؛ فإن محمد رحمه الله أضاف الأحداث إلى الناس وإدخال هذا التثويب في الأذان عن مضاف إلى الناس بل هو مضاف إلى بلال فإنه هو الذي أدخل هذا التثويب في الأذان ولكن بأمر رسول الله عليه السلام على ما روينا.
ومن المشايخ من قال أراد بقوله فأحدث الناس هذا التثويب أي نفس التثويب فإن التثويب الأول الصلاة خير من النوم ثم أن التابعين وأهل الكوفة قد أحدثوا هذا التثويب وهو قول حي على الصلاة حي على الفلاح مرتين بين الأذان والإقامة) ولفظ الجامع الصغير يدل على هذا فإن لفظه التثويب الذي يثوب الناس في الفجر بين الأذان والإقامة حي على الصلاة حي على الفلاح مرتين حسن وهذا هو التثويب المحدث وروي عن أبي حنيفة رضي الله عنه أيضا ما يدل على صحة هذا القول؛ فإنه روي عنه أن التثويب الأول كان في صلاة الصبح ولم يكن في غيرها وكان ذلك الصلاة خير من النوم فأحدث الناس حي على الصلاة حي على الفلاح مرتين وهو حسن، كذا في المحيط، وذكر في الجامع الصغير لقاضي خان رحمه الله والتثويب القديم الصلاة خير من النوم في رواية الثلجي وأبي يوسف عن أصحابنا رحمهم الله في نفس الأذان والأصح أنه كان بعد الأذان لأن التثويب عبارة عن الرجوع والعود فالعود إنما يكون بعد الفراغ لما ذكرنا إشارة إلى قوله لأنه وقت نوم وغفلة.
قوله: ((والمتأخرون استحسنوه)) أي: استحسنوا التثويب المحدث الذي أحدثه علماء الكوفة وهو قوله: حي على الصلاة، حي على الفلاح، بين الأذان والإقامة في صلاة الفجر، ولكن لم يشترطوا عين ذلك اللفظ الذي هو حي على الصلاة، بل ذكروا ما تعارفوه من قولهم: الصلاة أو قامت قامت بين الأذان والإقامة في جميع الصلوات.
قلت: على هذا التقدير كان استحسان المتأخرين إحداثًا بعد إحداث فإنّ التثويب الأصلي كان الصلاة خير من النوم لا غير في أذان الفجر أو بعد أذان الفجر فأحدث علماء الكوفة حي على الصلاة حي على الفلاح بين الأذان والإقامة لكن في صلاة الفجر خاصة مع إبقاء الأول، وأحدث المتأخرون التثويب بين الأذان والإقامة على حسب ما تعارفوه في جميع الصلوات سوى صلاة المغرب مع إبقاء الأول وهو قوله الصلاة خير من النوم في أذان الفجر.
قوله: قال أبو يوسف -رحِمهُ الله-: لا أرى بأسا بأن يقول المؤذن للأمير إلى آخره، وفي المبسوط: وروى عن أبي يوسف -رحِمهُ الله- لو أنه لا بأس بأن يخص الأمير بالتثويب فيأتي فيقول السلام عليك أيها الأمير ورحمة الله وبركاته حي على الصلاة مرتين حي على الفلاح مرتين الصلاة يرحمك الله؛ لأن الأمراء لهم زيادة اهتمام بإشغال المسلمين ورغبة في الصلاة بالجماعة [63 - أ] فلا بأس بأن يخصوا بالتثويب.
وقد رُوِى أنّ عمر - رضي الله عنه - لما كثر اشتغاله نصب من يحفظ عليه صلاته، غير أن محمدًا كره هذا وقال أما لأبي يوسف رحِمهُ الله حيث خص الأمراء بالذكر والتثويب لما أن عمر - رضي الله عنه - حين حج أتاه مؤذن مكة يؤذنه بالصلاة فانتهره وقال: ألم يكن في أذانك ما يكفينا.
وفي الجامع الصغير لقاضي خان: وإنما قال أبو يوسف ذلك في أمراء زمانه؛ لأنّهم كانوا مشغولين بالنظر في أمور الرعية فاستحسن زيادة الإعلام في حقهم ولا كذلك أمراء زماننا.
قوله: سواسية أي سواء يقول هما في هذا الأمر سواء، وإن شئت سواءان، وهم سواء للجميع وهم أسوأه وهم سواء أي أشباه على غير قياس مثل ثمانية كذا في الصحاح وعلى هذا القاضي والمفتي ومن يعمل للعامة لاشتغالهم بصالح المسلمين فأما إذا اشتغلوا بغير ذلك فلا إلا على سبيل الأمر بالمعروف، وقيل: لا ينبغي لأحد ان يقول لمن فوقه في العلم والجاه حان وقت الصلاة سوى المؤذن يعني أن له أن يقول ذلك؛ لأنّه استفصال كذا ذكره التمرتاشي ويجلس بين الأذان والإقامة إلا في المغرب، قال شمس الأئمة السّرخسيّ رَحِمه الله في شرح الجامع الصغير: أما في سائر الصلوات فلا خلاف أنه يكره للمؤذن أن يصل الإقامة بالأذان؛ لأن المقصود من الأذان إعلام الناس بدخول الوقت ليتأهبوا للصلاة بالطهارة ثم يحضروا المسجد لإقامة الصلاة ولا يحصل هذا المقصود إذا وصل الإقامة بالأذان ثم يفصل بينهما بالتطوع في الصلوات التي يتطوع قبل الفريضة مسنونا كان أو مستحبا لقوله - عليه السلام - بين كل أذانين صلاة ثلاثا، وقال للثالثة لمن شاء، والشافعي رحمه الله أخذ بظاهر الحديث فقال: يفصل بين الأذان والإقامة في صلاة المغرب بركعتين خفيفتين كما في سائر الصلاة.
وحاصل المذهب أن العلماء اتفقوا على أنه لا يصل الإقامة بالأذان في المغرب بل يفصل بينهما لكنهم اختلفوا في مقدار الفصل فعند أبي حنيفة رَحِمه الله المستحب أن يفصل بينهما بسكتة يسكت قائما ساعة ثم يقيم ومقدار السكتة عنده قدر ما يتمكن فيه من قراءة ثلاث آيات قصارا وآية طويلة، ورُوي عنه مقدار ما يخطوا ثلاث خطوات وعندهما يفصل بينهما بجلسة خفيفة مقدار الجلسة بين الخطبتين، وذكر الإمام الحَلَواني رَحمَه الله الخلاف في الأفضلية حتى أن عند أبي حنيفة: إن جلس جاز، والأفضل أن لا يجلس، وعندهما: على العكس ذكره الإمام التمرتاشي.
قوله: ((والفرق قد ذكرناه)) إشارة إلى قوله: إنّ التأخير مكروه بخلاف سائر الصلوات فإن التأخير فيها ليس بمكروه والاشتغال بالركعتين يؤدي إلى التأخير فلذلك لا يفصل بينهما وعن هذا قلنا أيضا ولا يتنفل بعد الغروب قبل الفرض لما فيه من تأخير المغرب.
وذكر الإمام المحبوبي رَحِمه الله والمراد من قوله - عليه السلام -: ((بين كل أذانين صلاة ما سوى المغرب))، ألا ترى أنه فسره في بعض الروايات فقال بين كل أذانين صلاة إلا المغرب.
قوله: (((وإن المستحب) كون المؤذن عالما بالسنة)) أي: بالأحكام الشرعية؛ لأن للأذان سنناً وآدابًا فلابد من العلم بها، وفي المبسوط: (أن الأذان ذكر معظم فيختار له من يكون محترمًا في الناس يتبرك به ولهذا قال: أحب إلي أن يكون المؤذن عالمًا بالسنة)، وفيه الحديث أن النبي - عليه السلام - قال: ((يؤمكم أقرأكم ويؤذن لكم خياركم))، وفي الفائق قال عمر - رضي الله عنه - لو أطيق الأذان مع الخليفي لأذنت) يعني مع الخلافة وقال المحبوبي ناقلًا عن شمس الأئمة السرخسي بعدما ذكر قول أبي يوسف: رأيت أبا حنيفة رَحِمه الله يؤذن، وهذا إشارة إلى أنه كان يباشر الأذان والإقامة بنفسه وهو الأحسن أن يكون المؤذن عالمًا إمامًا في الصلاة بخلاف ما يقوله بعض المتأخرين أن الأحسن للإمام أن يفوض الأذان والإقامة إلى غيره فإن النبي - عليه السلام - ما كان يباشر الأذان والإقامة بنفسه وقد كان إمامًا لهم في الصلاة قال شمس الأئمّة رَحِمه الله هذا و في حقنًا أذان الإمام بنفسه أولى لأنّ المؤذن يدعو إلى الله فمن يكون أعلى درجة منا فهو أولى الناس به فقد أذن رسول الله - عليه السلام - وأقام في بعض الأوقات حتى روي عن عقبة بن عامر قال: كنت مع رسول الله - عليه السلام - في سفر فلما زالت الشمس أذن وأقام وصلى الظهر.
قوله: ((وهو حجة على الشافعي رحمه الله في اكتفائه بالإقامة)) قال شيخ الإسلام: [63 - ب] رحمه الله هذا أحد قولي الشافعي.
وقال في قول: لا يؤذنون ولا يقيمون احتج بما روي أن رسول الله - عليه السلام - حين شغلهم الكفار عن أربع صلوات قضاهنّ بغير أذان و إقامة، وفي ليلة التعريس اكتفى بالإقامة؛ ولأنّ الأذان شرع لإعلام الناس بدخول الوقت وللدعاء إلى الاجتماع وكلا الأمرين لا يحتاج إليه في الفائتة؛ لأنّهم إن كانوا متفرقين فالدعاء إلى الاجتماع لا يفيد؛ لأنّهم لا يعرفون أنه للفائتة.
ولنا: ما روي من حديث ليلة التعريس: (أمر بلالاً - رضي الله عنه - بأن يؤذن، فأذّن وصلينا ركعتين ثم اقام فصلينا صلاة الفجر) وكذلك روى أصحاب الإملاء عن أبي يوسف -رحِمهُ الله- بإسناده إلى رسول الله - عليه السلام - حين شغلهم الكفار قضاهن بأذان وإقامة.
شرع للإعلام والدعاء إلى الاجتماع.
قلنا: شرع لهذا وشرع أيضًا لتحصيل الثواب بذكر هذه الكلمات ألا ترى أن المنفرد الأفضل له أن يؤذن ويقيم والمسافر كذلك وهو لا يحتاج إلى إعلام آخر بالوقت ولا إلى دعاء أحد ومع هذا يأتي لتحصيل الثواب بهذه الكلمات، وقال في المبسوط: هذا لا يتفاوت بين أن يكون واحدًا أو جماعة.
قوله رَحِمه الله: ((وكان مخيراً في الباقي إن شاء أذن وأقام وإن شاء اقتصر على الإقامة)).
فإن قلت: هذا التخيير يشكل على أصلنا المذكور في أصول الفقه وهو أن الرفق إذا كان متعينا في أحد الجانبين لا يخير العبد بينهما كما في قصر صلاة المسافر، وهنا الرفق متعين في الإقامة ومع ذلك أثبت التخيير ولا يتخلص منه بزيادة ثواب الآخرة في الجمع بينهما؛ لأن ذلك موجود في صلاة المسافر بزيادة الركعتين تطوعا.
قلت: ذلك في الشيئين الواجبين لا في السنن والتطوعات، وقد ذكر تمامه في الوافي في فصل العزيمة والرخصة.
قوله: ((وعن محمد رَحِمه الله انه يقام لما بعدها)) أي: من غير اختيار بين الجمع بينهما وبين أفراد الإقامة وفي التحفة، وروى في غير رواية الأصول عن محمد إذا فاتت صلوات يقضي الأولى بأذان وإقامة والبواقي بالإقامة دون الأذان، وحكي عن أبي بكر الرازي رحمه الله أنه قال: يجوز أن يكون ما قال محمد قولهم جميعًا، والمذكور في الكتاب محمول على الصلاة الواحدة فيرتفع الخلاف بين أصحابنا.
قوله: ((ووجه الفرق على إحدى الروايتين)) أي: الفرق بين عدم كراهة الأذان بغير الوضوء وكراهته بالجنابة، وأما على الرواية التي تكره الأذان بغير الوضوء فلا يحتاج إلى الفرق وأوضح الفرق في المحيط وقال: (إن للأذان شبهًا بالصلاة إلا أنه ليس بصلاة على الحقيقة ولو كان صلاة على الحقيقة لا يجوز مع الحدث والجنابة، فإذا كان مشبهًا بالصلاة قلنا: يكره مع الجنابة اعتبارًا لجانب الشبه، ولا يكره مع الحدث اعتبار لجانب الحقيقة وإنما لم يعكس لأنا لو اعتبرنا في الحدث جانب الشبه يلزمنا اعتباره في الجنابة بالطريق الأولى؛ لأن الجنابة أغلظ الحدثين فحينئذ يتعطل جانب الحقيقة).
وأما وجه مشابهته بالصلاة من حيث إن جوازهما يتعلق بالوقت ومن حيث إن استقبال القبلة يشترط فيهما، وأما وجه كراهة الأذان بغير الوضوء وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة رَحِمه الله فهو أن المؤذن يدعو الناس إلى التأهب للصلاة فإذا لم يكن هو متأهبًا لها دخل تحت قوله تعالى: {أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم} والجنب أحب إلي أن يعيد، وذكر في شرح الطحاوي يستحب إعادة اذان أربعة الجنب والمرأة والسكران والمجنون ذكر الجنب والمرأة في الجامع الصغير، وذكر السكران والمجنون في كتاب الصلاة، وذكر الإمام المحبوبي رَحِمه الله قال: المرأة تؤذن أحبّ إلي أن يعاد وإن صلوا أجزأهم؛ لأنّ أذان النساء لم يكن في المتقدمين فكان من جملة المحدثات ولما لم يفوض على واحدة منهن الأذان حين كن يحضرن الجماعات فبعد انتساخ ذلك أولى ولأن المؤذن مندوب إلى أن يشهر نفسه ويرفع صوته حتى يستحب أن يعلو المنارة أو أعلى المواضع عند الأذان والمرأة منهية عن رفع الصوت؛ لأن في صوتها فتنة ولهذا جعل النبي - عليه السلام - التسبيح للرجال والتصفيق للنساء، وكذلك منهية عن تشهير النفس بأن يكون في بيتها وراء الحجاب فلهذا يستحب إعادة أذانها [64 - أ] حين وقع لا على وجه المسنون.
قوله: ((لأنّ تكرار الأذان مشروع)) أي: في الجملة، كما في الجمعة وإن لم يعد أجزأه يعني في الصلاة وإنما فسّر بهذا الآن في الإيضاح قال: ويحتمل أن يكون المراد من الجواز أصل الأذان؛ لأن رفع الصوت زائدٌ في الباب، وفي المبسوط: (و ليس على النساء أذان ولا إقامة؛ لأنّهما سنتا الصلاة بالجماعة، وجماعتهن منسوخة، وكذلك إن صلين بالجماعة صلين بغير أذان ولا إقامة؛ لحديث رائطة رضي الله عنها قالت: كنا جماعة من النساء أمتنا عائشة رضي الله عنها بلا أذان ولا إقامة،
وقيل: الوقت تجهيل ولأن المؤذن مؤتمن قال - صلى الله عليه وسلم -: «الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن اللهم أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين»، وفي الأذان قبل الوقت إظهار الخيانة فيما أوتمن فيه ولو جاز الأذان قبل الوقت لأذن عند الصبح خمس مرات بخمس صلوات ولا يجوزه، أحد كذا في المبسوط.
قوله: والحجة على الكل أي على أبي يوسف والشافعي وأهل الحرمين فلما كان هذا الحديث وهو قوله - عليه السلام -: «لا تؤذّن حتى تستبين» لك حجة على هذا المجموع الذي ذكرت لم يشغل بجواب ما تمسكا بتوارث أهل الحرمين؛ لأن تقييده بالكل تنبيه منه على أنهما أجيبا بهذا الحديث عما تمسكا بتوارث أهل الحرمين فكان حجة أيضا على أهل الحرمين،
وروى عن الحسن البصري -رحمه الله- كان إذا سمع من يؤذن قبل طلوع الفجر قال: «علوج فراغ لا يصلون إلا في الوقت لو أدركهم عمر - رضي الله عنه - لأدّبهم».
فإن قيل: جاء في الحديث: «لا يغرنكم أذان بلال فعلم بهذا أنه كان يؤذن قبل الوقت».
قلنا: فهو حجة، لنا حيث لم يعتبر النبي - عليه السلام - أذانه وأمر للناس بأن لا يعتبروا مثل اعتبارهم بالأذان في الوقت وقال: «لا يغرنكم أذان بلال فإنه يؤذن ليرجع قائمكم ويتسحر صائمكم ويقوم نائمكم فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن ام مكتوم وكان هو - رضي الله عنه - أعمى لا يؤذن حتى يسمع الناس يقولون أصبحت أصبحت».
فإن قلت: قال في المبسوط البصير أحبّ إلي أن يؤذن من الأعمي فكيف جعله النبي - عليه السلام - مؤذنا وغيره أحب منه.
قلت: إنما يكون غيره أولى؛ لأنّ غيره اعلم بمواقيت الصلاة وكان مع ابن أم مكتوم من يحفظ عليه أوقات الصلاة ومتى كان مع الأعمى من يحفظ عليه أوقات الصلاة يكون حينئذ تأذنيه وتأذين البصير سواء كذا ذكره شيخ الإسلام رَحِمه الله، وقد ذكر في المبسوط فأما أذان بلال فقد أنكر عليه رسول الله - عليه السلام - الأذان بالليل، وأمره أن ينادي على نفسه إلا أن العبد قد نام فكان يبكي ويطوف حول المدينة، شعر:
ليت بلالاً لم تلده أمه وابتل من نصح دم جبينه
وإنما قال ذلك لكثرة معاتبة رسول الله - عليه السلام - إياه.
قوله رَحِمه الله: ((لابني أبي مليكة)) ذكر هذا الحديث في المبسوط بخطاب غيرهما وقال روى عن النبي - عليه السلام - أنه قال لمالك ابن الحويرث وابن عم له: ((إذا سافرتما فأذنا وأقيما وليؤمكما أكثركما قرآنا)).
وكذا ذكر في الجامع الصغير لفخر الإسلام والإمام المحبوبي ما يوافق المبسوط ولكن ذكر فخر الإسلام في آخره وليؤمكما أكبركما سنا ثم قال في المبسوط: (وقال - صلى الله عليه وسلم -: «من أذن في أرض قفر وأقام صلى بصلاته ما بين الخافقين من الملائكة، ومن صلى بغير أذان وإقامة لم يصل معه إلا ملكاه».
قوله: جاز لقول ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه صلى بعلقمة والأسود بغير أذان ولا إقامة، وقال: يكفينا أذان الحي وإقامتهم ولأنّ مؤذن الحي نائب عن أهل المحلة في الأذان والإقامة؛ لأنّهم هم الذين نصبوه للأذان والإقامة، فكان أذانه وإقامته كأذان الكل وإقامتهم، وعن هذا وقع الفرق بين هذا وبين المسافر إذا صلى وحده وترك الإقامة، فإنه يكره له ذلك لما أن المقيم إن صلى بغير أذان وإقامة من حيث الحقيقة صلى بأذان وإقامة من حيث الاعتبار والحكم لأن أذان الحي أذان له حيث يجب الحضور بأذانه فلا يكره ترك الأذان والإقامة، فأما المسافر صلى بغير أذان وإقامة حقيقة وحكما فيكره لأنّه صار تاركًا للصلاة بجماعة حقيقة وتشبيها، وترك الصلاة بجماعة مكروه فكذا ترك التشبه يكون مكروهًا كما في الصوم متى عجز عن الصوم وقدر على التشبيه كره إذا [64 - ب] ترك ذلك فكذا هذا، كذا في مبسوط شيخ الإسلام رَحِمه الله، وذكر الإمام التمرتاشي رَحِمه الله: فإن كان له مسجد حي لا يكره ترك الإقامة؛ لأنّ إقامة المسجد وقعت له، إلا إذا لم يكن أقيم [في تلك (المحلة في ذلك) المسجد فإنّ كان قد أقيم]، ذكر الإمام السّرخسيّ -رَحِمه الله: (إن أذن هو وأقام فحسن وكذا إن أقام ولم يؤذن).
وفي التفاريق وله أن يصلي في بيته بلا أذان ولا إقامة إن شاء، وإن كانوا جماعة.
فعن أبي يوسف رحِمهُ الله أساؤا في ترك ذلك، وفي الجامع الكرخي لا يرخص في ترك أحديهما، وأما بيان ما يجب على السامعين عند الأذان، فيقول يجب عليهم الإجابة على ما روى عن النبي: «أربع من الجفاء وذكر من جملتها ومن سمع الأذان والإقامة ولم يجب» والإجابة أن يقول مثل ما قاله المؤذن إلا قوله حي على الصلاة وحي على الفلاح فإنه يقول مقام ذلك لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم؛ لأن إعادة ذلك تشبه بالاستهزاء، وكذلك إذا قال المؤذن الصلاة خير من النوم يقول: صدقت وبررت، وكذا ينبغي للسامع أن لا يتكلم في حالة الأذان والإقامة ولا يشتغل بشيْء من الأعمال سوى الإجابة كذا في التحفة، وفي التفاريق إذا كان في المسجد أكثر من مؤذن أذنوا واحداً بعد واحد فالحرمة للأول، وسئل ظهير الدين عمن سمع الأذان في وقت واحد من الجهات ماذا يجب عليه قال إجابة أذان مسجده بالفعل، وعن الحلواني لو أجاب باللسان ولم يمش إلى المسجد لا يكون مجيبا ولو كان في المسجد ولم يجب لا يكون آثما، وفي العيون: قارئ سمع الأذان، فالأفضل له أن يمسك ويسمع النداء به ورد الأثر، وفي فوائد الرستغفني -رحمه الله-: لو سمع وهو في المسجد يمضي في قراءته ولو كان في بيته فكذلك إن لم يكن أذان مسجده، كذا ذكره الإمام التمرتاشي.
والله أعلم.
بَابُ شُرُوطِ الصَّلَاةِ الَّتِي تَتَقَدَّمُهَا
قدم ذكر الشرط على الصلاة؛ لأنّ شرط الشيء هو ما يتوقف وجود ذلك الشيء عليه سواء كان ذلك في العلة أو في الحكم؛ لأن علة وجوب الصلاة إنما يتوقف علّيتها على وجود العقل والبلوغ وكذلك الصلاة وهي الحكم إنما يتوقف صحتها على وجود هذه الشرائط المذكورة ثم قدم الوقت وما ينضاف إليه من بينها لما أنه كما هو شرط فهو علة الوجوب أيضًا فكان له زيادة قوة على سائر الشروط.
فإن قلت: ما معنى تقييد هذه الشروط بقوله: شروط الصلاة التي يتقدمها أي يتقدم على الصلاة فأي شرط للصلاة هو لا يتقدم عليها حتى يكون هو محترزًا به عنه؟
قلت: الشروط في أنفسها تتنوع إلى أنواع ثلاثة شروط عقلية كوجود الألم واللذة مع الحياة.
((وجعليه)) أي: جعلها العباد شرطًا، وإلا هو في نفسه ليس بشرط، كوقوع الطلاق عند دخول الدار مع التعليق وشرعية، وهي التي نحن فيها، كالصلاة مع الطهارة، وقيّد بهذا القيد شيئًا على أن المراد بها هذه الشروط الشرعية المختصة بالصلاة التي يتقدم هي على الصلاة لا غيرها من الشروط التي تقع عليها اسم الشروط من العقلية والجعلية، كذا وجدت بخط ثقة، أو نقول: جاز أن يكون هذا احترازاً عن سائر شروط الصلاة التي لا يتقدمها كالقعدة الأخيرة، قيل: إنها فرض وليس بركن أصلي بل هي شرط الخروج من الصلاة كالتحريمة فإنها شرط الدخول في الصلاة وليست بركن، كذا ذكره شيخ الإسلام رَحِمه الله، وكترتيب أفعال الصلاة فيما لم يشرع مكررًا في الركعة، كترتيب الركوع على القراءة والسجود على الركوع؛ فإن رعايته شرط جواز الصلاة حتى لو قدم الركوع على القراءة لا يجوز لتركه شرط جواز الصلاة بعد الشروع، وكذلك مراعاة مقام الإمام على المقتدي وعدم تذكر فايته قبلها وهو صاحب ترتيب وعدم محاذاة المرأة في صلاة مشتركة فإن هذه الأشياء شروط جواز الصلاة التي لا تتقدمها حتى لو تقدم المقتدي على إمامه أو تذكر المصلي فائتة قبلها أو حاذته امرأة تفسد صلاته، والأوجه فيه أن يقول إن هذه صفة مقدرة لا مميزة؛ لأن مقصوده ذكر شروط الصلاة التي تقع اسم شروط الصلاة عليها مطلقًا وهي هذه الأشياء المذكورة لا غيرها ومثل هذا يوجد في كلام الله تعالى حيث يقيد الشيء بالصفة والتقييد غير مراد بل المراد ذكر مطلق الصفة الثانية فيه كقوله تعالى: {يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك} قوله: {اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ}، وإحلال بنات خالات النبي - عليه السلام - له غير موقوف على المهاجرة معه، وكذلك قوله تعالى: {يحكم بها النبيون الذين أسلموا} وقوله تعالى: {ولكن تعمى القلوب التي في الصدور}، حيث لا يوجد نبي غير مسلم، ولا قلوب ليست في الصدور، وقوله تعالى: {يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد} والمراد: ستر العورة لأجل الصلاة لا لأجل الناس فالناس في الأسواق أكثر منهم في المساجد فلو كان للناس لقال عند كل سوق فكان معناه خذوا ما يواري عورتكم من الثوب الذي يحصل به الزينة وهي ستر العورة عند كل صلاة؛ لأن أحذ الزينة عينها وهي مصدر لا يمكن إلا بهذا الطريق مجازًا فكان في قوله: خذوا زينتكم إطلاق اسم الحال على المحل، وفي قوله: عند كل مسجد إطلاق اسم المحل، وفي قوله: عند كل مسجد إطلاق اسم المحل على الحال.
فإن قيل: الآية وردت في شأن الطواف كذا روي عن ابن عباس رضي الله عنهما لا في حق الصلاة فلا يكون حجة في وجوب الستر في حق الصلاة؟
قلنا: العبرة لعموم اللفظ لا بخصوص السبب وهنا عموم في اللفظ؛ لأنّه قال عند كل مسجد فقد أمر بأخذ الزينة عند كل مسجد وهذا مما يمنع القصر على المسجد الواحد وهو المسجد الحرام.
فإن قلت: الآية إذا وردت في سبب تثبيت الحكم فيما سواه على حسب حكم ذلك السبب وإن عم لفظه كما في قوله تعالى: {والذين يظاهرون من نسائهم}، {والذين يرمون} وغيرهما وههنا تناولت الحكم الذي وردت في حقه بطريق الوجوب لا بطريق الافتراض حتى إن الطواف عريانا يقع معتدًا فكان يجب أن يكون في حق الصلاة كذلك،
قلت: الأمر محمل على الافتراض إلا إذا قام الدليل على عدم الافتراض، وقد قام الدليل في حق الطواف على أن الفرضية ساقطة بالإجماع فحمل في حقه على الوجوب ولا دليل في حق الصلاة فيبقى الأمر بأخذ الزينة فرضًا في حق الصلاة والسنة قامت محققة للفرضية في حق الصلاة على ما روي عن أم سلمة إنها سألت رسول الله - عليه السلام - فقالت: هل تصلي المرأة بدرع وخمار إذا لم يكن عليها إزارٌ؟ فقال: «نعم، إذا كان الدرع سابغاً يغطي ظهور قدميها» كذا ذكره شيخ الإسلام.
قلت: ونظير هذا أي: النص، إذا ورد في حكم مخصوص يثبت فيما وراءه أكثر مما ورد في المنصوص لقيام الدليل على ذلك حديث السبايا وهو قوله - عليه السلام - في سبايا أوطاس: «ألا لا توطئوا الحبالى»، الحديث فإنه يثبت حرمة التقبيل والمس بشهوة في غير المسببة إلى أن ينقضي مدة الاستبراء ولا يوجب في المسببة، وإن كان ورود في حق المسببات لمعنى دل على ذلك وهو عدم احتمال وقوع الدواعي في غير الملك؛ لأنّه لو ظهر بها حبل لا يصح بها دعوة الحربي بخلاف المشتراة حيث يحرم الدواعي لاحتمال وقوعها في غير الملك على اعتبار ظهور الحبل ودعوة البائع على ما يأتي في كتاب الكراهية إن شاء الله تعالى.
قوله: وبهذا تبين أن السرة ليست بعورة خلافا لما يقوله الشافعي رحمه الله وذكر في المبسوط خلاف أبي عصمة المروزي وقال: هو أنه كان أحد حدّي العورة فيكون من العورة كالركبة بل أولى؛ لأنّها في معنى الاشتهاء فوق الركبة.
وحجتنا في ذلك ما روي عن ابن عمر - رضي الله عنه - أنه كان إذا اتزر أبدى عن سرته، وقال أبو هريرة للحسن رحمه الله: أرني الموضع الذي كان يقبله رسول الله - عليه السلام - منك فأبدى عن سرته فقبّله أبو هريرة)، ويأتي تمام هذه المَسْألة مع فروعها في كتاب الكراهية إن شاء الله تعالى.
قوله: ((والركبة من العورة)) وذكر في الجامع الصغير لقاضي خان رَحمَه الله: واختلفوا في الركبة مع الفخذ منهم من جعل كل واحد منهما عضو على حدة، ومنهم من جعل الركبة مع الفخذ عضوًا واحدًا فيعتبر حينئذ انكشاف ربع الكل، فيختلف التحريج حينئذ في: "من" أنها بيانية أو تبعيضية.
قال المصنف في التجنيس: ثم الركبة إلى آخر الفخذ عضو واحد حتى لو صلى والركبتان مكشوفتان والفخذ مغطى جازت صلاته؛ لأن نفس الركبة من الفخذ أقل من الربع.
قال رَحِمه الله: وقد قيل أنها بانفرادها عضو ولكن الأول أصح؛ لأنّه ليس بعضو على حدة في الحقيقة بل هي ملتقى عظم الفخذ والساق وإنما حرم النظر إليها من الرجال لتعذر التمييز.
قوله: وكلمة إلى تحملها على كلمة مع كقوله تعالى: {ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم}، أي: مع أموالكم، وكقوله تعالى: {من أنصاري إلى الله} أي: مع الله، وبدن الحرة كلها عورة.
قوله: ((كلها)) تأكيد البدن وتأنيثه لتأنيث المضاف إليه كما في قولهم ذهبت بعض أصابعه وقوله فهي كله بعد قوله كل لفظة.
قوله: ((وكفّيها)) إشارة إلى أن ظهر الكف عورة.
قوله: ((وهذا تنصيص على أنّ القدم عورة)) لما أنّه أثبت أولًا كون جميع بدن المرأة عورة، ثم استثنى منه الوجه والكف لا غير فبقي ما وراءهما تحت المستثنى منه والعدم ما وراءهما فكان من جملة المستثنى منه، والمستثنى منه مبقى على أصل العورة فكان القدم أيضًا مبقى على أصل العورة لا محالة ثم لما وقع عند المصنف رَحِمه الله أن القدم ليس بعورة ذكر مَسْألة الجامع الصغير بكلمة الفاء بقوله: فإن صُلّيت، ليكون الفاء وما دخل هو عليه تفسيرًا لما ذكر قبله وهو قوله،
ويروى أنها ليست بعورة فوجه كونه تفسيرًا هو ما ذكره فخر المشايخ رحمه الله في الجامع الصغير فقال: ودلّت هذه المَسْألة على أن القدم ليس بعورة؛ لأنّه جوز الصلاة مع كشف ما دون ربع الساق فكانت القدم مكشوفة لا محالة وجعل هذا رواية عن أبي حنيفة رَحِمه الله في استحسان المبسوط فقال: (وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه يباح النظر إلى قدمها أيضًا، وهكذا ذكر الطحاوي رَحِمه الله؛ لأنّها كما تبتلى بإبداء وجهها في المعاملة مع الرجال وإبداء كفها والأعطاء تبتلى بإبداء قدميها إذا مشيت حافية أو منتعلة فربما لا تجد الخف في كل وقت).
قلت: وحاصله أنّ للمرأة موضعين مما يحل النظر إليه للرجال:
أحدهما: هو ما يحل النظر إليه لذوي محارمها دون الأجانب وهو مواضع الزينة الباطنة كالرأس والصدر وغيرهما.
الثاني: هو ما يحل النظر إليه للأجانب والمحارم وهو مواضع الزينة الظاهرة كالوجه واليد.
وفي بعض الروايات القدم ثم الذي يجب عليها الستر في حق الصلاة هو الذي يجب عليها الستر في حق الأجانب دون المحارم؛ لأنّه يجب عليها ستر مواضع في حق الصلاة ما لا يجب سترها في حق المحارم.
فإن قلت: من أين وقعت هذه المفارقة في حق الصلاة مع أن القياس يقتضي أن ينعكس الحكم لما أنها قد تصلي في موضع ليس معها أحد من الرجال وعورتها في حق نفسها ليست بعورة حتى حل لها النظر إليها؟
قلت: إنما كان كذلك؛ لأن المرأة من قرنها إلى قدمها عورة رجوعًا إلى قوله - عليه السلام -: «المرأة عورة مستورة»، فاسم المرأة تقع على جملتها فبالنظر إلى هذا كان يجب عليها أن تستر جميع بدنها عن محارمها أيضًا ولكن لم يجب عليها ستر المواضع المخصوصة عنهم بسبب الحرج إذ لو أمرناها بالتستر عنهم وهم أولادها وآباؤها وأخواتها، وهي في ثياب مهنتها في بيتها عادة، وهم قوامون على أمرها في بيتها، يؤدي إلى الحرج لا محالة، وأيد هذا المعنى قوله تعالى: (ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن)، الآية فبقيت فيما سواه على ما تقتضيه قوله - عليه السلام -: «المرأة عورة مستورة»، وأولى ما بطلت الزينة من الأحوال: حالة الصلاة؛ لأنّها مناجاة الرب، وقال شيخ الإسلام: فإن ستر العورة فرض عند القيام بين يدي الناس فعند القيام إلى الله تعالى أولى؛ وذلك لأنّه قد يفترض في القيام بين يدي الله ما لا يفترض في القيام بين يدي الناس وهو الطهارة عن النجاسة الحقيقية والحكمية، فلأن يفترض في القيام بين يدي الله تعالى ما يفترض في القيام بين يدي الناس أولى، يوضحه ما روي عن علي - رضي الله عنه - أنه قال المرأة إذا صلت فلتحتفز فلتنتضم وروي عن رسول الله - عليه السلام - أنه قال: «صلاة المرأة في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها، وصلاتها في بيتها في صحن دارها»، فثبت أن ما كان أستر لها فهو أفضل والقول بالأفضل بهذا الحديث مع وجوب الاحتفار بحديث علي - رضي الله عنه - في حق الصلاة إنما يكون في حق الموضع الذي لا يجب ستره من أحد كالوجه والكف، فلزم من هذا وجوب ستر ما يجب عليها في الصلاة في حق الأجانب ضرورة، فكان في معنى قوله تعالى: {ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها}، وذكر الإمام التمرتاشي رحِمه الله، وفي التهذيب كل عضو هو عورة منها فإذا انفصل عنها هل يجوز النظر إليه فيه وجهان أصحهما لا يجوز، والثاني: يجوز كما يجوز النظر إلى دمها وريقها كذا الذكر المقطوع من الرجل وشعر عانته إذا حلق هل يجوز النظر إليه فيه وجهان ثم قوله فإن صلت وثلث ساقها أو ربعها مكشوف تعيد الصلاة.
فإن قيل: لماذا جمع محمد رَحِمه الله بين الثلث والربع وذكر الربع يغني عن ذكر الثلث؟
قلنا: الجواب من وجهين أحدهما: إن محمدا لم يثبت القول في الربع بالكثرة؛ لأنّه لم يرو عن النبي - عليه السلام - على أن الربع كثير وقد روي في الثلث كما قال في الوصية: ((والثلث كثير))، ولكن قد دلّ الدليل على كون الربع كثير كما في حلق الرأس ومسحه فردد بين الثلث والربع كيلا يكون قاطعا فيما له تردد، والثاني: أن أبا حنيفة رَحِمه الله سئل عن هذه المَسْألة على هذا الوجه، فأوردها محمد في الكتاب كذلك، كذا فلي الفوائد الظهيرية.
قوله: ((لأن الشيء إنما يوصف بالكثرة إذا كان ما يقابله أقل منه)) يعني وصف الشيء بأنّه كثير لا بد أن يوصف ما (يقابله ويضاده) بأنّه قليل ولا يلزم المحال؛ لأنّه لو لم يكن ما يقابله قليلًا بنسبته كان كثيرًا لعدم الواسطة بينهما فحينئذ يكون الشيء الواحد بالنسبة إلى شيء واحد قليلًا وكثيرًا وهو محال.
فإن قلت: يشكل على هذا قوله تعالى {يضل به كثيراُ ويهدي به كثيراً}، وكذلك قوله تعالى: {ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض} إلى أن قال: {وكثير من الناس} أي: يسجد له كثير من الناس ثم قال: {وكثير حق عليه العذاب} أي بسبب أنه لم يسجد لله تعالى كثير من الناس وجب عليه العذاب فقد ذكر لكل واحد من المتقابلين اسم الكثرة ومعلوم أن الضلال إذا وصفوا بالكثرة على هذا التفسير لا يوصف غير الضلال وهم المهديون بالكثرة في مقابلتها وإلا يلزم أن يكون أن ما يقع به الكثرة وهو الواحد الزائد مثلًا أو أكثر مضلًا ومهديًا في حالة واحدة وهو محال.
قلت: إنما سمّي كل واحد من الفريقين بالكثرة بالنظر إلى أنفسهم لا بالنظر إلى ما يقابلهم فإنا لو خلينا ومجرد النظر إلى نفس المهديين مع قطع بالنظر من أهل الضلال لا شك أن المهديين يرون شملًا كثيرًا وجمًا غفيرًا وكذلك أهل الضلال ومثله قوله تعالى: {وأرسلناه إلى مئة ألف أو يزيدون} وكلمة أو للشك في الأخبار ولا يجوز ذلك من عالم الجزئيات والكليات ولكن وجهه ما ذكرنا وهو أن من رآه لقال إن هذا القوم في الكثرة مائة ألف أو يزيدون أو نقول بما قاله صاحب الكشاف: أن أهل الضلال كثير حقيقة وأهل الهدى كثير مرتبة وعظمه:
أن الكرام كثير في البلاد وأن قلوا كما غيرهم قل وإن كثروا
فكانت نسبة الكثرة إلى كل واحد من الطائفتين لمعنى على حدة فلا يتنافيان حينئذ.
قوله رَحِمه الله: ((إذ هما من أسماء المقابلة)) وذكر في المبسوط القلة والكثرة من الأسماء المشتركة فإنّ الشيء إذا قوبل بما هو أكثر منه يكون قليلًا وإذا قوبل بما هو أقل منه يكون كثيرًا فكلتا العبارتين صحيحتان لما أن القليل إنما استحق اسم القليل باعتبار المقابل وإلا ليس له هذا الاسم فكذا الكثير فكانت القلة والكثرة من أسماء المقابلة، وكذلك الشيء الواحد لما أطلق على معنيين مختلفين باعتبار ما يقابله كان اسمًا مشتركًا بينهما.
[ ... ]، فاعتبر الخروج عن حد القلة هذا دليل الإعادة؛ لما أن النصف لما خرج عن حد القلة كان داخلا تحت الكثرة؛ لأنّه لا واسطة بينهما، وإنما قلنا: إنه خرج عن حد القلة؛ لأن القليل هو ما يقابله كثير ومقابل النصف ليس بكثير فكان هو كثيرًا في نفسه من هذا الوجه فلزمها الإعادة، أو عدم الدخول في ضده هذا دليل عدم الإعادة أي النصف غير داخل في ضد القليل وهو الكثير فكان قليلًا، وإنما قلنا: إنه غير داخل في حد الكثير هو ما يقابله قليل ومقابل النصف ليس بقليل فكان هو قليلًا في نفسه فلا يلزمها الإعادة.
قوله: ((ومن رأى وجه غيره يخبر عن رؤيته)) يقول: رأيت زيدًا مثلًا وإن لم ير إلا أحد جوانبه الأربعة أي أحد جوانب ذلك الغير؛ لأن الإنسان ذو أطراف أربعة فكان الوجه أحد الجوانب الأربعة وإلى هذا أشار في الفوائد الظهيرية.
قوله: ((يعني على هذا الاختلاف)) الذي تقدم آنفًا وهو انكشاف ربع العورة مانع عندهما وعند أبي يوسف انكشاف النصف في رواية وانكشاف ما فوقه في جميع الروايات.
قوله: ((هو الصحيح)) احتراز عن اختيار الصدر الشهيد وغيره؛ فإنه ذكر في الجامع الصغير: أنّ المراد بالشعر ما على الرأس، وأما المسترسل هل هي عورة ففيه روايتان.
وذكر المصنف في التجنيس ما يوافق ما ذكر في الهداية فقال: المرأة إذا صلّت وشعرها ما تحت الأذنين مكشوف قدر الربع لا يجوز صلاتها؛ لأنّ في كون المسترسل من شعرها عورة روايتين.
واختار الفقيه أبو الليث -رحمه الله- هذه الرواية وهي أنه عورة احتياطًا؛ لأن تلك الرواية اقتضت أن يجوز للأجنبي النظر إلى صدغ الأجنبية وطرف ناصيتها كما ذهب إليه عبد الله البلخي -رحمه الله- وهذا أمر يؤدي إلى الفتنة فكان الاحتياط في الأخذ بهذه الرواية وذكر الإمام المحبوبي -رَحِمه الله- في الجامع الصغير.
وأما الشعر المسترسل هل هو عورة في رواية المنتقى ليس بعورة حتى قال فيه لو انكشف شيء من شعر المرأة أسفل من الأذنين جازت صلاتها وإن كان أكثر من الثلث أو الربع وهذا لأنّه لا يوازي الرأس فلا يكون حكمه حكم الرأس لكن مع هذا يحرم النظر إليه لا لأنّه عورة بل لأن النظر عن شهوة إلى شعورهن فتنة فكالنظر إلى وجه المرأة الشابة أو إلى شعور الإماء عن شهوة حرام إليه أشار النبي - عليه السلام - في قوله: «من نظر إلى امرأة أجنبية عن شهوة صب في عينيه الآنك يوم القيامة».
ولهذا المعنى قال مشايخنا: تمنع المرأة الشابة عن كشف وجهها بين الرجال في زماننا هذا في رواية المنتقى وفي رواية أخرى هو عورة وبه أخذ الفقيه أبو الليث للفتوى.
قوله: ((وإنما وضع غسله)) جواب إشكال يرد على قوله: هو الصحيح، بأن يقال: لو كان الشعر النازل من الرأس عورة على ما زعمت إنما كان باعتبار أنه من بدنها (وبدنها عورة) وليس هو من بدنها بدليل سقوط غسله عنها في الجنابة فقال: سقوط غسله لا باعتبار أنه ليس من بدنها بل هو من بدنها لأنّه متصل به خلقة ولكن سقوط غسله باعتبار الجرح والعورة الغليظة هي القبل والدبر على هذا الاختلاف الذي ذكر من أن الاعتبار في الانكشاف للربع أو للنصف والذكر يعتبر بانفراده حتى لو انكشف ربع الذكر يمنع جواز الصلاة عند أبي حنيفة، ومحمد وعند أبي يوسف الاعتبار لانكشاف النصف وما فوقه على ما ذكر وبمجموع هذا ينتفي ما ذكره الكرخي من اعتباره قدر الدرهم في العورة الغليظة، وفي المحيط: (وذكر الكرخي في كتابه أن يعتبر في السوءتين قدر الدرهم وفيما عدا ذلك الربع).
وإنما قال ذلك لأنّ العورة نوعان غليظة وخفيفة كالنجاسة ثم في النجاسة الغليظة يعتبر الدرهم وفي الخفيفة يعتبر الربع، فكذا العورة ولكن هذا وهم من الكرخي؛ لأنّه قصد به التغليظ في العورة الغليظة وهذا في الحقيقة تخفيف؛ لأنّه اعتبر في الدبر قدر الدرهم والدبر لا يكون أكثر من قدر الدرهم فهذا يقتضي جواز الصلاة وأن كان جميع الدبر مكشوفا، وهذا تناقض وهذا معنى ما ذكر فخر الإسلام رَحِمه الله.
وأما العورة الغليظة فقد قدر في ذلك بعض مشايخنا بما زاد على قدر الدرهم احتياطًا، وهذا احتياط يرجع إلى المناقضة؛ لأن موضع الحدث جملته أقل من الزائد على قدر الدرهم.
وحاصله: أن تقسيم العورة بالغليظة والخفيفة أنما يستقيم على اختيار الكرخي، وأما على اختيار عامة العلماء فلا فائدة في تقسيمها إذا في كل منها يعتبر انكشاف الربع مانعًا عندهما خلافًا لأبي يوسف فإن عنده يعتبر انكشاف النصف سوى أن ذلك العضو إن كان صغيرًا كان ربعه صغيرًا أيضًا وإن كان كبيرًا كان ربعه كبيرًا، فمن ثم جوز تقسيمها بالغليظة والخفيفة،
وكذا الانثيان، هذا هو الصحيح، اختلفوا في الخصيتين:
قال بعضهم: الخصيتان مع الذكر عضو واحد؛ لأنّهما تبع للذكر فيعتبران مع الذكر حتى يعتبر الربع من المجموع.
وقال بعضهم: الخصيتان عضو على حدة ألا يرى أنّ الخصيتين في الديّة اعتبر عضوًا على حدة ولم يجعل تبعا لغيره فكذا في حكم العورة وجعل فخر الإسلام والمحبوبي رحمهما الله هذا القول وهو الانفراد أولى كما هو المذكور في الهداية وذكر شيخ الإسلام هذا كله عند علمائنا، وعند الشافعي -رحمه الله- القليل والكثير في ذلك سواء أي في المنع عن جواز الصلاة فكان الخلاف في هذا كالخلاف في قليل النجاسة.
قوله: ((وما كان عورةَ من الرجل)) بالنصب فهو عورة من الأمة، وكذلك المدبّرة، وأم الولد، والمكاتبة ومن كان في رقبتها شيء من الرق فهي في معنى الأمة كذا في شرح الطحاوي في ثبات مهنتا المهنة بفتح الميم وكسرها الخدمة والابتذال من مهن القوم خدمهم، وأنكر الأصمعي الكسر، كذا في الصحاح في حق جميع الرجال أي سوى مولاها.
قوله: وإن كان الظاهر أقل من الربع وفي المبسوط: وإذا كان الثوب كله مملوءًا دمًا أو كان الظاهر منه دون ربعه فعند أبي حنيفة، وأبي يوسف رحِمهُما الله: يتخيّر بين أن يصلي عريانًا وبين أن يصلي فيه وهو الأفضل، وقال محمد -رَحِمه الله- لا يجزئه الصلاة إلا فيه؛ لأن الصلاة في الثوب النجس أقرب إلى الجواز من الصلاة عريانًا فإن القليل من النجاسة لا يمنع الجواز، وكذلك الكثير في قول بعض العلماء، قال عطاء -رحمه الله- من صلى وفي ثوبه سبعون قطرة من دم جازت صلاته ولم يقل أحد بجواز الصلاة عريانًا في حالة الاختيار ولأنّه لو صلى عريانًا كان تاركًا كالفرائض منها ستر العورة ومنها القيام والركوع والسجود، وإذا صلى فيه كان تاركًا فرضًا واحدًا وهو طهارة الثوب فهذا الجانب أهون، وقالت عائشة رضي الله عنها: «ما خير رسول الله - عليه السلام - بين شيئين إلا اختار أهونهما»، فمن ابتلي ببليّتين فعليه أن يختار أهونهما، وفي الأسرار إن خطاب التطهير ساقط عند عدم الماء فصار هنا الثوب وليس عليه خطاب التطهير وثوب طاهر بمنزلة ولأن ربع الثوب لو كان طاهراً لم يجز إلا أن يصلي فيه فكذلك ههنا؛ لأن نجاسة ثلاثة أرباعه في إفساد الصلاة فيه ونجاسة الكل سواء حالة الاختيار وهما سواء أيضًا حالة الاضطرار في أن لا يفسدها، إلا إنا نقول أنّ خطاب الستر بسبب النجاسة ساقط في حق الصلاة؛ لأن الله تعالى ما خاطب بالستر للصلاة إلا بالطاهر ولما سقط الخطاب بالستر عنه صار حال العري كحال الستر باعتبار أن خطاب الستر عنه ساقط فحينئذ صار عري العورة كعري الوجه في حق سقوط الخطاب بالستر فلما استوي الجانبان من غير تفاوت بينهما كان مخيرًا بينهما، وأما إذا كان ربع الثوب طاهرًا فقد توجه عليه الخطاب بقدر الطاهر عن سقط بقدر النجس فرجحنا جهة الوجوب؛ لأن الباب باب العبادات وإنما قدروا بالربع؛ لأنّه حد للكثير الفاحش في باب العورة والنجاسة الخفيفة وقول محمد أحسن، كذا في الأسرار.
قوله: ((لأن كل واحد منهما مانع جواز الصلاة حالة الاختيار ويستويان في حق المقدار فيستويان في حق الصلاة)) أي: انكشاف العورة والنجاسة يستويان في حق المقدار أي إن كل مقدار من النجاسة هو مانع لجواز الصلاة وذلك المقدار من انكشاف العورة مانع أيضًا لجواز الصلاة وما لا فلا.
وذكر المصنف -رَحِمه الله- في الزيادات أن القليل من كل واحد منهما غير مانع والكثير مانع فلما كان كذلك ثبت المساواة بينهما من غير رجحان لأحدهما على الآخر في المانعية فيختار أيهما شاء أو نقول ويستويان في حق المقدار، أي: في مقدار الربع؛ فإن المانع في النجاسة الخفيفة مقدر بالربع وكذلك المانع في العورة الخفيفة مقدر بالربع خصوصًا على اختيار الكرخي فلما استويا في المانعية في المقدار استوى اختيار المصلي أيضًا في أن يصلي فيه أو يصلي عريانا.
فإن قلت: قوله: ويستويان معطوف على فعل مقدر مثله مثنى فاعله، وقوله: فيستويان في حق الصلاة نتيجته فكان تقديره لأنّهما أي: انكشاف والنجاسة تمنعان جواز الصلاة حالة الاختيار ويستويان في المقدار يعني أنهما يستويان في الموضعين في المنع وفي المقدار فيجب أن يستويا أيضًا في حق الصلاة في ذلك الثوب أي في حق إثبات الاختيار بأن يصلي به لابسًا أو بدونه عريانا.
قوله: وترك الشيء إلى خلف لا يكون تركا هذا جواب عن قوله في الصلاة عريانًا ترك الفروض.
قلت: هذا الجواب الذي قالا له وقوله أيضًا بترك الفروض إنما يستقيمان على تقدير أن يصلي العاري قاعدًا وأما لو صلى قائمًا حيث يجوز له الصلاة قائمًا فلا يستقيمان وإلى هذا أشار شيخ الإسلام -رَحِمه الله- في المبسوط فقال: (إذا صلى قائمًا بالركوع والسجود عندنا يجوز فلا يصير تاركًا للفرائض الثلاث وإنما يصير تاركًا لفرض واحد وهو الستر وإذا ترك فرضًا واحدًا فقد أقام فرضًا بإزائه وهو ترك استعمال النجاسة فكان هذر ترك فرض بإزاء أتيان بفرض آخر فيتخير).
فإن قلت: لا مساواة بين الفرضين فلا يتخيّر، فإن فرضه ستر العورة أقوى من فرضيّة ترك استعمال النجاسة ظهر ذلك بمسألتين أحداهما ما ذكره الإمام التمرتاشي [في باب المريض] من الجامع الصغير.
قال الإمام البقالي: فإن كان على بدن المصلي نجاسة لا يمكنه غسلها إلا بإظهار عورته يصلي مع النجاسة [67 - ب] لأنّ إظهار العورة منهيٌ عنه، والغسل مأمورًا به، والأمر والنهي إذا اجتمعا كان النهي أولى، والثانية هي ما ذكر في شرح الأقطع أن الستر آكد لأنّه يجب للصلاة ولغيرها ويلزمه بتركه في الطواف دم ولا يوجد ذلك في النجاسة.
قلت: إنه إذا صلى قاعدًا أتى ببعض الستر وما قام مقام الأركان وترك استعمال النجاسة، وإذا صلى قائمًا فقد استعمل النجاسة وأتى بالأركان فيستويان فيتخير، وما ذكرته من وكادة فرضية الستر ساقط بسبب أن خطاب الستر في حق الصلاة إنما هو في الستر بالطاهر لا بالنجس فصارت نفس خطاب الستر بالنجس ساقط على ما ذكرنا من إشارة الأسرار إلى هذا فكيف يثبت الوكادة بعد سقوط نفس الخطاب؛ لما ان المؤكد تبع للمؤكد فلما لم يثبت نفس الخطاب وهي الأصل لا يثبت الوكادة وهي التبع ولكن مع ذلك اظهرنا أثر صورة الوكادة في حق الأفضلية لا في حق الجواز.
قوله: ((والأفضلية لعدم اختصاص الستر بالصلاة واختصاص الطهارة بها)) يعني: لما لم يختص الستر بالصلاة لأنّه يكون الستر للصلاة وللناس كان نفعه أعم فكان الستر أولى بخلاف الطهارة فإنها للصلاة لا غير.
فإن قلت: جعل في مثل هذه النكتة في غسل يوم الجمعة جانب الاختصاص أولى وههنا جعل جانب عدم الاختصاص أولى فما وجهه؟
قلت: جانب عدم الاختصاص هناك لم يتضمن النفع العام وهو الموجب للترجيح هنا ولا شك أن الاختصاص يوجب الترجيح إذا لم يتضمن ما يعارضه مما يوجب الترجيح وههنا جانب عدم الاختصاص وهو الستر عارض الاختصاص وهو الطهارة في شيء يقتضي استواءَهما وهو اقتضاء الصلاة الستر والطهارة، ثم ترجح جانب الستر بما هو سالم له وهو حصول الستر للناس لأن ذلك واجب في حقهم كوجوبه في حق الصلاة.
قوله: ((ولم يجد ثوبا صلى عريانا قاعدا يومئ إيماءً))، فإن قلت: قال النبي - عليه السلام - لعمران بن حصين - رضي الله عنه -: «صل فإن لم تستطع فقاعداً» ولا شك أنّ هذا الحديث يقتضي الترتيب حيث لا يجوز صلاة الفرض قاعدًا لمن يستطيع القيام، ثم هذا الرجل مستطيع على القيام حسًا وشرعًا.
أما حسًا فظاهر؛ لأنّ الكلام في صحيح البدن.
وأما شرعًا فإنه يجوز له الصلاة قائمًا عاريًا بالاتفاق فيجب أن لا يجوز له الصلاة قاعدًا بحكم هذا الحديث وهو مذهب زفر، والشافعي رحمهما الله.
قلت: القياس ما قلته إلا أنا عرفنا جواز صلاته قاعدًا بالأثر فإنه روى عن ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم فإنّهما قالا: العاري يصلي قاعدًا بالإيماء، وروى عن أنس ابن مالك - رضي الله عنه - أنه قال: «أن أصحاب رسول الله - عليه السلام - ركبوا في السفينة فانكسرت بهم السفينة فخرجوا من البحر عراة فصلوا قعودًا بإيماء»، وهذا قول روي عنهم ولم يرو عن أقرانهم خلاف ذلك فحل محل الإجماع، وأما الحديث قلنا: هذا غير مستطيع على القيام حكمًا؛ لأنّه لا يمكنه ستر ما قدر على ستره إلا بترك الركوع والسجود والقيام فكان عاجزًا عن القيام حكمًا، كذا في مبسوط شيخ الإسلام.
قوله: إلا ان الأول أفضل وهو الصلاة قاعدًا أفضل من الصلاة قائمًا لأن في القعود ستر العورة الغليظة وفرضية ستر العورة أكد من فرضيه الركوع والسجود بدليل أن النافلة تصلى على الدابة بإيماء فلا يجوز الصلاة بدون ستر العورة حالة القدرة بحال.
فإن قلت: هذه المعاني الثلاثة وهي المعنيان المذكوران في الهداية بقوله: لأنّ الستر وجب لحق الصلاة وحق الناس؛ ولأنّه لا خلف له والإيماء خلف عن الأركان وهذا المعنى الذي ذكرته يقتضي أن لا يجوز الصلاة بدون الستر الذي يحصل بالقعود فلم جوّزت الصلاة قائمًا عاريًا مع أن الآثار التي ذكرتها تقتضي أيضًا انحصار الجواز على القعود لأنّه ليس فيها دلالة الجواز في القيام.
قلت: لأنّ ترك الأركان وترك الستر لما استويا في منع الجواز حالة القدرة استويا في اقتضاء الجواز عند الإتيان بأحدهما وترك الآخر؛ لأنّه لا يمكن الإتيان بأحدهما إلا عند ترك الآخر فاستويا في الميل إلى أحدهما فلا يسقط فرضية أحدهما، بفرضية الآخر ولأنّه لما لم يأت بجميع فرضية الستر لم يعتبر ذلك القدر من الستر بمقابلة ترك الركوع والسجود؛ وذلك لأنّه لم يقدر على [68 / أ] ستر جميع العروة إنّما قدر بالقعود على ستر بعض الغليظة فلا يترك اختيار ترك الأركان بمقابلة مثل ذلك الستر ولكن قدر ذلك الستر يصلح لترجيح جانب الستر لأن الستر وإن قل كان هو أولى بالاعتبار من الأركان لما ذكر من المعاني، وأما الآثار فهي بيان للأفضلية لا لإثبات الفرضية بدليل ما ذكرنا.
قوله: ((وينوي الصلاة التي تدخل فيها)) قال شمس الأئمة السّرخسيّ رَحِمه الله: (النية معرفة القلب، أي: صلاة يصلي)،
وقال شيخ الإسلام -رَحِمه الله-: قال محمد -رحمه الله-: وإذا أراد الرجل الدخول في الصلاة كبر، وإنما أراد بقوله: أراد، أي: نوى والإرادة هي النية لأنّها عمل القلب كالنية وفيه دليل أن النية لا تتأدّى باللسان لأنّه شرط الإرادة والإرادة عمل القلب لا عمل اللسان فإن عمل اللسان يسمى كلامًا لا إرادة والنية بالقلب فرض لقوله تعالى: فادعوا الله مخلصين له الدين، وأما ما ذكره باللسان مع نية القلب سنة كذا ذكره شيخ الإسلام، وفي فتاوى قاضي خان: الكلام ههنا في مواضع:
الأول: في أصل النية.
والثاني: في وقتها.
والثالث: في كيفيتها.
أما أصلُها فإن قصد بقلبه وذكر بلسانه كان أفضل، وعند الشافعي لا بد من الذكر باللسان.
وأما وقتها فأجمع أصحابنا على أن الأفضل أن يكون مقارنة للشروع ولا يكون شارعا بنية متأخرة، وعن الكرخي أنه يجوز بنية متأخرة عن التحريمة، واختلفوا على قوله أنه إلى متى يجوز.
قال بعضهم: إلى انتهاء الثناء.
وقال بعضهم إلى التعوذ.
وقال بعضهم: إلى أن يركع.
وقال بعضهم: إلى أن يرفع راسه من الركوع فإن نوى قبل الشروع روى عن محمد أن لو نوى عند الوضوء أنه يصلي الظهر أو العصر مع الإمام ولم يشتغل بعد النية بما ليس من جنس الصلاة إلا أنه لما انتهى إلى مكان الصلاة لم يحضره النية جازت صلاته بتلك النية.
وأما كيفيتها فلا يخلو إما أن يكون منفردًا أو مقتديًا وكل ذلك على وجهين:
أما أن يكون مفترضًا أو متنفلًا مؤديًا أو قاضيًا فالمتنفل يجوز بنية الصلاة وكذلك التراويح وسائر السنن عند مشايخنا إلى آخره.
وفي شرح الطحاوي: فالأفضل أن يشتغل قلبه بالنية ولسانه بالذكر ويده بالرفع.
قوله: ((ولا معتبر بالمتأخرة منها عنه)) أي بالمتأخرة من النية عن التكبير فإن قوله: المتأخرة صفة مطلقة فكان قوله منها للبيان وقوله عنه صلة للمتأخرة وهذا نفي لقول الكرخي على ما ذكرنا، وذكر شيخ الإسلام ولا شك أن النية متى وجدت مقارنة للشروع فإنه يجزئه؛ لأن النية إنما شرعت لتعيين العمل للعبادة من أوله إلى آخره، وإنما يتعين العمل لها هكذا إذا كانت النية مقارنة للشروع.
فأما إذا كانت النيّة متأخرة عن التكبير فإنه لا يجزئه؛ لأنّ ابتداء الشروع شرع بالقيام، والقيام لا يتعين للعبادة متى خلا عن النية؛ لأن الباقي من الأفعال بناء على أول الجزء من القيام وأول الجزء من القيام وقع من غير نية متى تأخرت النية عن التكبيرة فلم يجز بخلاف الصوم فإنه يجوز بنية متأخرة عن الشروع؛ لأن وقت الشروع في الصوم وقت سهو وغفلة لأنّه وقت نوم فلو شرطت النية وقت الشروع وهو وقت انفجار الصبح لضاق الأمر على الناس فلهذه الضرورة بنية متقدمة ومتأخرة.
فأما ههنا وقت الشروع وقت انتباه ويقظة فأمكنه تحصيل النية حال الشروع بلا حرج فلا يتأدى بنية متأخرة؛ لأن ما أداه قبل النية لم يتعين للعبادة وبدون ما مضى لا يتم الباقي وإن تعين الباقي للعبادة بالنية فلهذا لا يجوز إلا رواية عن الكرخي فإنه قال: يجزئه متى نوى قبل الثناء؛ لأن الثناء من توابع التكبيرة فكانه نوى عند التكبيرة وهي من جنسه.
قوله: وكذا إن كانت سنة في الصحيح وذكر المصنف في التجنيس وفي السنن بكيفية مطلق النية على ظاهر الرواية، وهو اختيار عامة المشايخ، والاحتياط في السنن أن ينوي الصلاة متابعة لرسول الله، وذكر شيخ الإسلام إنما ينصرف مطلق اسم الصلاة إلى التطوع لوجهين:
أحدهما: أن النقل [68 - ب] أدنى فكان متعيّنًا والزيادة مشكوك فيها فلا يثبت ولأن التطوع مشروع الوقت وغيره يوجد بعارض فصرف الاسم إلى مشروع الوقت أولى لأن مشروع الوقت من غيره بمنزلة الحقيقة من المجاز، والكلام لحقيقته وصار هذا كمن نوى الصوم خارج رمضان، وإن كانت فرضا فلا بد من تعيين فرض كالظهر مثلًا هذا إذا قرن بلفظ الظهر اليوم أو الوقت إذا كان في الوقت بأنّ قال ظهر اليوم أو ظهر الوقت أو فرض الوقت فأما إذا نوى الظهر أو الفجر أو غيرهما ولم ينو ظهر الوقت فمنهم من يقول: لا يجزئه؛ لأنّه ربما كان عليه ظهر صلاة فائتة فلا يتعين فرض الوقت بهذا الاسم.
ومنهم من يقول: يجزئه لأنّ ظهر الوقت مشروع في الوقت والفائتة ليس بمشروع الوقت بل إنما يوجد بعارض فمطلقه ينصرف إلى ظهر الوقت، ولو قال نويت الفرض لا يكفيه أيضًا لأن الفرائض متنوعة ظهر وعصر وغيرهما فلا بد من التعيين فيجب أن ينوي فرض الوقت ثم إذا نوى فرض الوقت أو ظهر الوقت ولم ينو أعداد الركعات جاز لأنّه لما نوى الظهر فقد نوى عدد الركعات هذا إذا كان يصلي في الوقت.
وإن كان يصلي بعدما خرج الوقت وهو لا يعلم بخروج الوقت فنوى فرض الوقت (لا يجوز؛ لأنّ بعد خروج وقت الظهر فرض الوقت) يكون هو العصر فإذا نوى فرض الوقت كان ناويًا العصر وصلاة الظهر لا يجوز بنية، والأولى أن ينوي ظهر اليوم فإنه يجوز سواء كان الوقت خارجًا أو باقيًا، كذا في المحيط ومبسوط شيخ الإسلام.
وإن كان مقتديًا بغيره ينوي الصلاة ومتابعته، وفي شرح الطحاوي ولو نوى صلاة الإمام أجزأه وقام مقام نيتين، وذكر شيخ الإسلام على خلاف هذا وقال: فأما إذا قال نويت صلاة الإمام فهذا لا يكفي لصحة الاقتداء؛ لأن هذا تعيين لصلاة الإمام وليس باقتدائه فكأنه يقول أصلي الصلاة التي يصليها الإمام فكان هذا تعيينًا لما يصليها الإمام لا اقتداء بالإمام ومنهم من يقول: متى انتظر تكبير الإمام ثم كبر بعده كفاه عن نية الاقتداء؛ لأنّ انتظاره لتكبير الإمام قصد منه للاقتداء إلا أن الصحيح ما ذكرنا أن الانتظار متردد قد يكون للاقتداء وقد يكون بحكم العادة فما لم يقصد الاقتداء بالإمام (لا يصير) مقتديًا بمجرد الانتظار قالوا: وإن أراد تسهيل الأمر على نفسه يقول شرعت في صلاة الإمام فيكفيه ذلك ويكون نية للاقتداء به ولما يصليه الإمام، وفي فتاوى قاضي خان، والأحسن أن يقول: نويت أن أصلي مع الإمام ما يصلي الإمام.
قوله: ((لأنّه يلزمه فساد الصلاة)) (من جهته أي يلزم المقتدي فساد الصلاة) من جهة الإمام فلا بد من التزام الاقتداء حتى لو ظهر ضرر الفساد كان ضررًا ملتزمًا وهذا كما يشترط للإمام نية إمامة النساء لهذا المعنى لوجود وهم الفساد من اقتدائهن بسبب المحاذاة.
قوله: ومن كان غائبًا ففرضه إصابة جهتها هو الصحيح فاحترز بذكر الصحيح عن قول الشيخ أبي عبدالله الجرجاني -رحمه الله-، وذكر في المحيط: ومن كان غائبًا عن الكعبة ففرضه جهة الكعبة لا عينها، وهذا قول الشيخ أبي الحسن الكرخي والشيخ أبي بكر الرازي لأنّه ليس في وسعه سوى هذا والتكليف بحسب الوسع وعلى قول الشيخ أبي عبد الله الجرجاني من كان غائبًا عنها ففرضه عينها لأنّه لا فصل في النص، وثمرة الاختلاف تظهر في اشتراط نية عين الكعبة فعلى أبي عبد الله يشترط، وعلى قول أبي الحسن، وأبي بكر لا يشترط، وهذا لأن عند أبي عبد الله لما كانت إصابته عينها فرضًا ولا يمكنه إصابة عينها حال عينيه عندهما إلا من حيث النية شرط نية عينها، وعندهما لما كان الشرط إصابة جهتها لمن كان غائبًا وذلك يحصل من غير نية العين فلا حاجة إلى اشتراط نية العين، وأما نية الكعبة بعد ما توجه إليها هل يشترط أم لا وكان الشيخ أبو بكر محمد بن الفضل يقول: بأنّه يشترط، وكان الشيخ أبو بكر بن حامد -رحمه الله- يقول: بأنّه لا يشترط لجواز الصلاة، وذكر المصنف في التجنيس، ونية الكعبة ليست بشرط في الصحيح من الجواب؛ لأن استقبال البيت شرط من الشرائط فلا يشترط فيه النية كالوضوء، وبعض المشايخ يقول: إن كان يصلي إلى المحراب فكما قال الحامدي [69 / أ]: وإن كان في الصحراء فكما قال الفضلي وذكر الزندويستي في نظمه أن الكعبة قبله من يصلي في المسجد الحرام، والمسجد الحرام قبله أهل مكة من يصلي في بيته أو في البطحاء ومكة وقبلة أهل الحرم والحرم قبلة أهل العالم، وقيل: مكة وسط الدنيا فقبلة أهل المشرق إلى المغرب عندنا، وقبلة أهل المغرب إلى المشرق وقبلة أهل المدينة إلى يمين من توجه إلى المغرب، وقبل أهل الحجاز إلى يسار من توجه إلى المغرب ومن كان خائفًا يصلي إلى أي جهة قدر بأن اختفى من العدو أو غيره ويخاف إنه إذا تحرك واستقبل القبلة أن يشعر به العدو جاز له أن يصلي قاعدًا أو قائمًا بالإيماء أو مضطجعًا حيث ما كان وجهه، وكذا لو كان مريضًا لا يمكنه أن يحول وجهه إلى القبلة وليس بحضرته أحد يوجهه.
وكذا إذا انكسرت السفينة وبقي على لوح وخاف أنه لو استقبل القبلة يسقط في الماء يباح له في هذه الصورة أن يصلي حيث ما كان وجهه، كذا في المحيط، وليس بحضرته من يسأله عنها اجتهد وإنما قيد بهذا؛ لأنّه لو كان أحد يخيره أن القبلة هكذا وهو مع ذلك يعمل باجتهاده على خلاف خبره لا يجوز لأن الاستخبار فوق التحري على ما ذكر ههنا ولكن هذا إذا كان المخبر من أهل ذلك الموضع وهو يعلم جهة القبلة، واما إذا كان لا يعلم فهو والمتحري سواء فلا يترك تحريه بخبره.
وفي التجنيس: رجل بالمفازة فاشتبهت عليه القبلة فأخبره رجلان أنّ القبلة إلى هذا الجانب ووقع اجتهاده إلى جانب آخر فإنّ لم يكونا من أهل ذلك الموضع وهما مسافران مثله لم يلتفت إلى قولهما لأنّهما يقولان بالاجتهاد فلا يترك اجتهاده باجتهاد غيره.
قوله -رَحِمه الله-: وليس في وسعه إلا التوجه إلى جهة التحري، فإن قلت: هذا التعليل لا يكون جوابًا لما ذكره الشافعي فإن له أن يقول: سلمنا أن التكليف مقيّد بالوسع لكن هذا حال العمل فإن له أن يعمل حال توجه الخطاب بالفعل بما في وسعه، ولا يأثم بما فعل عند ظهور الخطأ فأما إذا ظهر خطأه يقينا فكان فعله كلا فعل في حق وجوب الإعادة كما إذا صلى في ثوب باجتهاده على أنه طاهر ثم تبين أنه نجس وكما إذا توضأ بماء في الأواني بالتحري بأنّه طاهر ثم تبين أنه نجس وكما إذا حكم الحاكم باجتهاده في حكم ثم وجد نصًا بخلافه فعليه الإعادة في هذه المَسْألة الثلاث لظهور خطأه بيقين مع جواز العمل (بما في وسعه عند توجه الخطاب بالعمل) بذلك، والذي نحن بصدده من قبيل هذا لأنّه لما كان مستديرًا للقبلة في صلاته ظهر خطأه بيقين فكان من جنس هذه المسائل حتى إنه لو ظهر أنه كان على يمين القبلة أو عن يسارها فأنا أساعدكم فيه لأنّه لم يظهر خطأه بيقين.
قلت: في هذا التعليل جواب له وهذا لأن التكليف بالشيء الذي غاب عنه علمه حقيقة على نوعين:
أحدهما: ما غاب عنه علمه حقيقة ولكن لو استقصى في طلبه يمكن درك حقيقته أو يمكن العمل به على وجه لا يبقى فيه شبهة.
والثاني: هو ما انقطع علمه حقيقة عن جنس الأنس ولا يدرك حقيقته أحد منهم وإن استقصاه فمن الأول: ما ذكرته من المسائل وذلك لأن القاضي لما قضى باجتهاده ثم روى له نص بخلافه كان الجهل به جاء من تقصيره في الطلب فإنّه لو طلب لإصابة فصار كالذي اجتهد في المصر وأخطأ المحراب.
وكذلك المصلى في ثوب أمر بإصابة الطاهر حقيقة لأن في وسعه غسل ذلك بماء ثم استصحابه مع نفسه وإنما خفي عليه لنسيانه الطاهر منهما، وكذلك في ماء الوضوء كان في وسعه استخباره ممن له العلم بحقيقة نجاسته، وإن لم يكن هو في وسعه كان في وسعة إراقته والتيمم الذي يخلفه لا شبهة فيه.
وأما علم جهة الكعبة فمن النوع الثاني وذلك لأن مبنى علم جهة الكعبة للغائب عن الكعبة على النجم لا على خبر الناس؛ فإن المخبر لو أخبر إنما يخبره عن النجم أيضًا ثم كل منهما عجز عن الاستدلال بالنجم لعارض الغيم وذلك من الله تعالى فسقط به خطاب الله تعالى لما لم يعط قدره إزالته إياه فلم يعمل فيما مضى وإن ظهر خطأه يقينا كنص نزل بعد العمل بخلافه أو نزل ولم يبلغه لا بتقصير منه كما في ابتداء حرمة الخمر وفيه نزل قوله تعالى: {ليس على الذين أمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا}، ومن نظير النوعين جهل الذمي بالشرائع بعد الإسلام زمانًا وجهل الحربي بها بعد الإسلام في دار الحرب حيث يجب على الذمي قضاء ما مضى؛ لأنّ الجهل كان لسبب تقصيره في الطلب؛ لأن دار الإسلام دار العلم بالشرائع فلم يعذر في القضاء بخلاف الحربي الذي أسلم حيث لا يجب عليه قضاء ما مضى؛ لأنّ الولايات منقطعة فلم يكن جهله بها بسبب تقصيره فعذر في القضاء بعد العلم هذا حاصل ما ذكر في الأسرار، فلما كان الأمر كذلك كان قول المصنف -رَحِمه الله-: والتكليف مقيد بالوسع راجعًا إلى الوسع الذي لو بالغ في الجهد لأصابه لأنّه محلى بالألف واللام فكان مستغرقًا لجميع ما ينطلق عليه اسم الوسع فلما لم يكن له وسع ما في الذي نحن بصدده صار كنصٍّ نزل بعد الفعل، وكإسلام الحربي وذلك لا يوجب الإعادة فكذا هذا أو نقول في الفرق بينهما أن النجاسة وأمثالها من قبيل ما لا يحتمل الانتقال من محل إلى محل فلم يجز له العمل إلا بظاهر ما أدى إليه تحريه فإذا ظهر ما هو أقوى منه أبطله؛ لأنّه غير قابل للانتقال حتى يقال إنه كان في ذلك الوقت طاهرًا ثم تنجس بعده باليقين بل هو حين صلى كان ذلك الثوب موصوفًا بالنجاسة، وكذلك في حكم القاضي بالاجتهاد وفيه نص بخلافه، وأما القبلة فهي من قبيل ما يحتمل الانتقال ألا يرى أنها انتقلت من بيت المقدس إلى الكعبة ومن عين الكعبة إلى الجهة إذا بعد من مكة ومن جهة الكعبة إلى سائر الجهات إذا كان راكبًا فإنه يصلي حيث ما توجهت إليه راحلته فبعد ما صلى إلى جهة بالتحري إذا تحول رأيه ينتقل فرض التوجه إلى تلك الجهة أيضًا فكان تبدل الرأي فيه بمنزلة النسخ فيعمل به في المستقبل ولا يظهر به بطلان ما مضى كما في النسخ الحقيقي؛ لأن الشرط أن يكون مبتلى في التوجه عند القيام إلى الصلاة وهو المقصود من الأمر بالتوجه إلى الكعبة لأن الله تعالى لا جهة له حتى يتوجه إليه وإنما يتحقق هذا إذا صلى إلى الجهة التي وقع عليه تحريه.
قوله رَحِمه الله: ((ومن علم منهم)) أي: من القوم المقتدين بهذا الإمام وهذا القيد هو علم المقتدين حال كونهم مأمومين ليس بلازم في حق فساد صلاتهم فإنه لو علم حال الإمام قبل الاقتداء فالحكم كذلك وإن كان حال الإمام في وقت الاقتداء على حال الصحة فإنّه ذكر المصنّف رَحِمه الله في التجنيس: رجل تحري القبلة فأخطأ فدخل في الصلاة وهو لا يعلم ثم علم وحول وجهه إلى القبلة ثم دخل رجل في صلاته وقد علم حاله الأولى لا يجوز صلاة الداخل؛ لأنّه دخل في صلاته، وعلم أن الإمام كان على الخطأ في أول صلاته ولو علم من أول صلاته أن الإمام على الخطأ ودخل في صلاته لم يجز، فكذا هذا، وفيه خلاف أبي يوسف، وذكر في الإيضاح: قال أبو حنيفة ومحمد رَحِمهما الله إذا أدى اجتهاده إلى جهة فصلى إلى غيرها فصلاته فاسدة، وإن علم أنه أصاب القبلة وقال أبو يوسف يجوز إذا أصاب لأنّ المقصود قد حصل كما في الأواني إذا تحرى فتوضأ بغير ما أدى إليه اجتهاده (ثم تبين أنه كان مصيبًا وهما يقولان بأن الجهة التي أدى إليها اجتهاده) هي القبلة في هذه الحالة لأنّه لا وسع له إلا هذا فكان التكليف به لا غير وبتركه صار إعراضًا عن القبلة بخلاف الأواني لأن ما استعمل لم ينزل منزلة الطاهر ألا يرى أنه يلزمه الإعادة وإن توضأ بما أدى إليه اجتهاده إذا ظهر خطأه. والله أعلم.
بَابُ صِفَةِ الصَّلاةِ
لما فرغ من ذكر التوابع المتقدمة التي هي مقدمة على الصلاة وجودًا لكونها شروطًا وأسبابًا ومقدمة عليها أيضًا ذكرًا ليكون الذكر على وفاق الوجود شرع ببيان المتبوع وكيفيته وهو الصلاة وصفاتها فقال: باب صفة الصلاة هذا من قبيل إضافة الجزء إلى الكل؛ لأنّ كل صفة من هذه الصفات جزء الصلاة إذ هذه الأوصاف أوصاف ذاتية لما أن عند تمام هذه الأوصاف يتم الصلاة فجاز أن يوصف العرض بالصفات الذاتية كاللونية والعرضية واستحالة البقاء فيقال: السواد عرض ولون ومستحيل البقاء وإنما لا يوصف بصفات زائدة على الذات كالبقاء والحياة والقدرة مع أن الأفعال الشرعية لها حكم الجواهر فلذلك يوصف بالصحة والفساد والجواز والبطلان والفسخ والإقالة والانتقال والبقاء والجزء والكل، وكذلك جعل الله تعالى هذه الأفعال الشرعية بفضله سبب استحبابأ جنان لا تفنى، واستحقاق حسان لا تضنى، واستصحاب جيران لا تحنى.
وفي الصحاح: (وصفت الشيء وصفًا وصفة فالهاء عوض من الواو)، كالوعظ، والعظة، والوعد، والعدة، ولكن هما يتفاوتان في اصطلاح أهل الكلام، فقال الإمام سيف الحق أبو المعين رحمه الله في الاسم والمسمى، فزعمت المعتزلة، والأشعرية بأن الوصف والصفة لفظان ينبئان عن معنى واحد وهما من قبيل الأسماء المترادفة كلفظ الأسد والليث وأصحابنا يقولون: إن الوصف هو كلام الواصف، والصفة هي المعنى القائم بذات الموصوف فقول القائل: زيد عالم، وصف لزيد، لا صفة له وعلمه القائم به صفته لا وصفه وحاصله أن قيام الوصف بالواصف وقيام الصفة بالموصوف.
قوله: ((فرائض الصلاة ستة)) والقياس أن يقال: ستٌّ؛ لأنّ الفرائض جمع فريضة وهي مؤنثة لكنه قال على تأويل الفروض كقوله: ولا أرض أبقل إبقالها، على تأويل المكان ثم ذكرها بلفظ الفرائض دون غيرها لما أنها أعم من لفظ الأركان والشروط إذ لفظ الفرائض يتناولهما فإن الأربعة منها وهي القيام، والقراءة، والركوع، والسجود أركان أصلية والتحريمة شرط جواز الصلاة والقعدة الأخيرة فهي وإن كانت فرضًا إلا أنها ليست بركن أصلي في الصلاة، بدليل أنها لم تشرع في الركعة الأولى، وإنما شرعت هي شرطًا للتحليل، كذا في مبسوط شيخ الإسلام رَحمهُ الله وذكر في التحفة: للصلاة فرائض وواجبات وسنن وآداب.
أما الفرائض فاثنتا عشرة ستة من الشرائط وستة من نفس الصلاة، فأما الستة التي من الشرائط، فالطهارة وستر العورة واستقبال القبلة والوقت والنية والتحريمة وهي تكبيرة الافتتاح.
وأما الستة التي هي من نفس الصلاة فالقيام والقراءة والركوع والسجود والانتقال من ركن إلى ركن والقعدة الأخيرة إلا أنّ الأربعة الأولى من الأركان دون الاثنين الباقيين حتى إن من حلف لا يصلي فقيد الركعة بالسجدة يحنث وإن لم يوجد القعدة ولو أتى بما دون الركعة لا يحنث.
والحاصل أن ثبوت الشيء يفتقر إلى ستة أشياء، العين: وهي عبارة عن ماهية الشيء، والركن وهو عبارة عن جزء الماهية، والحكم وهو الأثر الثابت بالشيء والمحل والشرط والسبب فالعين هنا الصلاة، والأركان القيام والقراءة والركوع والسجود والمحل الآدمي المكلف والشرط ما تقدم من الطهارة وغيرها والحكم الجواز في الدنيا والثواب في الآخرة والسبب الأوقات والكلام في التحريمة بأنها ركن أو شرط يأتي بعيد هذا.
قوله: {وربك فكبر}، أي واختص ربك بالتكبير، وهو الوصف بالكبرياء، وأن يقال الله أكبر، وروي أنه لما نزل قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: الله أكبر، فكبرت خديجة رضي الله عنها وفرحت وأيقنت أنه الوحي فإن سورة المدثر أول سورة نزلت ودخلت الفاء لمعنى الشرط (أي أي شرط كان) كأنه قيل: وأيا ما كان فلا تدع تكبيرة، كذا في الكشاف.
والتكبير للشروع لا بد منه لأنه يريد الشروع في الصلاة والشروع في الصلاة جعل بالتكبير عرف ذلك بالكتاب والسنة وإجماع الأمة.
أما الكتاب فقوله تعالى: {وذكر اسم ربه فصلى} نزلت هذه الآية في التكبيرة الأولى ولقوله تعالى: {وربك فكبر} والمراد به الصلاة؛ لأنّه لا يجب خارج الصلاة وعليه إجماع أهل التفسير.
وأما السنة فلما روي عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهما عن النبي - عليه السلام - أنه قال: «مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم»، وروي عنه أنه قال: «لا يقبل الله صلاة امرئ حتى يضع الطهور مواضعه ويستقبل القبلة ويقول الله أكبر» وعليه إجماع الأمة فإن أبا بكر الأصم وسفيان بن عيينة والحسن وكثيرًا من أصحابهم أن خالفونا في القراءة أنها ركن في الصلاة أو سنة فقد وافقونا في التكبيرة الأولى أنها فرض لا بد منه؛ لأنّه جعل شرطًا للشروع شرعًا كالطهارة فلا بد منه، كذا في مبسوط شيخ الإسلام وذكر شمس الأئمة السّرخسيّ رحِمهُ الله، وأما التكبير فلا بد منه للشروع في الصلاة إلا على قول أبي بكر الأصم، وإسماعيل بن علية فإنهما يقولان يصير شارعًا بمجرد النية والأذكار عندهما كالتكبير والقراءة زينة الصلاة وليست من الواجبات قالا لأنّ مبنى الصلاة على الأفعال لا على الأذكار ألا ترى أن العاجز عن الأذكار القادر على الأفعال يلزمه الصلاة بخلاف العكس ولنا قوله تعالى: {وذكر اسم ربه فصلى}، أي: ذكر الله تعالى عند افتتاح الصلاة، وظاهر قوله تعالى: {وأقم الصلاة لذكري} يتبين أن المقصود ذكر الله تعالى على وجه التعظيم فيبعد أن يقال ما هو المقصود لا يكون واجبًا؛ فإن الصلاة تعظيم الله تعالى بجميع الأعضاء وأشرف الأعضاء اللسان فلا بدّ من أن يتعلق به شيء من أركان الصلاة، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «تحريمها التكبير»، فدلّ أن بدونه لا يصير شارعًا وتحريمة الصلاة يتناول اللسان ألا ترى أن الكلام في الصلاة مفسد للصلاة فلو لم يتناوله التحريمة لم يكن مفسدًا كالنظر بالعين ومبنى الصلاة على الأفعال دون الكف فكل ما يتناوله التحريمة يتعلق به شيء من أركان الصلاة قوله تعالى: {فاقرؤا ما تيسر من القرآن} قال علماؤنا رحمهم الله: القراءةُ ركنٌ في الصلاة أصلي، وقال بعضهم ممن لا تبع له: ليست بركن وحاصل ذلك أن مسألة القراءة فخمسة على ما يجئ في آخر باب النوافل بفصل على حدة.
قوله: ((والقعدة في آخر الصلاة)) لأن القادر على الفعل دون القول يخاطب بالصلاة دون القادر على القول بلا فعل ولأنه يسقط عن المقتدي إذا أدرك الإمام في الركوع بالإجماع وركن الصلاة لا يسقط بالإقتداء ولنا قوله تعالى: {فاقروا ما تيسر من القرآن} وهو إنما نزل في شأن الصلاة بدليل صدر الأية وسياقها؛ ولأنها لا تجب في غير الصلاة فثبت أنه في الصلاة وأنه بمنزلة قوله: {اركعوا واسجدوا وقوموا لله قانتين} فأركان الصلاة شرعت في كتاب الله تعالى متفرقة، وجمعها رسول الله عليه وسلم، وضرب من الفقه يدل عليه فإن الكلام قاطع للصلاة، فلولا أن اللسان يناوله عقد الصلاة واستحق عليه إذا ركن منها وإلا لما تصور من ذلك ما يقطع الصلاة ألا ترى أنه لما لم يتعلق بالعين لم يكن النظر قاطعاً وكذلك الأذان ولما تعلق بالبدن جملة من قيام وقعود وركوع وسجود واستقبال كان عمل البدن بخلاف هذا قاطعاً والصوم لما تأده بالكف عن شهوة البطن والفرج لم يتعلق النقض إلا بإقتضائهما على سبيل المضادة، ومحيض المراة إنما تفسد الصوم بزوال شرطه كما يفسد هنا بالحدث، وإصابة النجاسة المانعة، ولا معنى أن يقال قد تعلق باللسان التعظيم بالتكبير؛ لأنا نقول: أنه شرط وعقد على الأداء، وليس بركن، والجواب عما قالوه دليل على أن القول على الأداء دون الفعل في ديته الوجوب، فلا يدل على السقوط أصلاً، كذا في الأسرار، وذكر في المبسوط، ثم المذهب عندنا أن فرض القرأءة في الركعتين من كل صلاة. وكان الحسن البصري يقول في ركعة، وكان مالك يقول في ثلاث ركعات، والشافعي يقول في كل ركعة واستدل الحسن بقوله عليه السلام: (لا صلاة إلا بالقراءة) وهذا يقتضي فرضية القراءة لا تكرار فإن الكل صلاة واحدة وهذا ضعيف فإنه لم ينقل عن النبي عليه السلام الإكتفاء بالقراءة في ركعة واحدة في شيء من الصلوات، ولو جاز ذلك لفعله تعليمًا للجواز، والفاتحة سميت مثاني؛ لأنها تبني في كل صلاة، أي: يقرأء مرتين، واحتج الشافعي وقال: أجمعنا على فرضية القرأءة في كل ركعة من التطوع، والفرض أقوى من التطوع، فثبتت الفرضية في كل ركعة بالطريق الأولى، وبكذا قال مالك، إلا أنه قال: أقيم القرأءة في أكثر الركعات مقامها في الجميع تيسيرًا، ولنا إجماع الصحابة فإن أبا بكر الصديق رضي الله عنه كان يقرأ في الآخريين زمن رسول الله عليه السلام على جهة الثناء وعن علي وابن مسعود رضي الله عنهم، كان الشيخان في الآخريين وكنا عن غيرهما وكفى بإجماعهم حجة، ولأن القراءة في الآخريين ذكر يخافت بها في حال فلا يكون ركن الثناء الإفتتاح وتأثيره أن مبنى الأركان على الشهرة والظهور، ولو كانت القراءة في الآحريين ركنا لما خالفت الأوليين في الصفة كسائر الأركان وكل شفع من التطوع صلاة على حدة بخلاف الفرض حتى أن فساد الشفع الثاني في التطوع لا يفسد الشفع الأول وباقي الأحكام يأتي في القرأءة ولا خلاف لأحد في فرضية القيام والركوع والسجود لأن مبنى الصلاة على الأفعال التي تدل على التعظيم.
قوله: ((والقعدة في آخر الصلاة)) وذكر في الإيضاح: فأما القعدة الأخيرة فمن جملة الفروض وليست من الأركان والفرض بين الركن والفرض فركن الشيء ما يفسر به ذلك الشيء وتفسير الصلاة لا يقع بالقعدة فإنما يقع بالقيام والقراءة [71 - أ] والركوع والسجود ودرجة القراءة في الركنية أحط من غيرها ولهذا لو حلف لا يصلي فقام وقرأ وركع وسجد يحنث في يمينه ولو كانت القعدة من جملة الأركان لتوقف الحنث عليها فإن الحنث في اليمين لا يتحقق إلا بعد وجود ذلك الشيء وكان الفقه في انعدام الركنية في القعدة أن الصلاة فعل هو تعظيم وأصل التعظيم في القيام ويزداد بالركوع ويتناهى بالسجود، فأما القعدة فللخروج من الصلاة فكانت معتبرة لغيرها لا لعينها فلم يكن من جملة الأركان وإنما فصلنا بينها وبين القعدة الأولى لأنّ النبي - عليه السلام - فصل بينهما فأنّه - عليه السلام - روي أنه قام إلى الثالثة فسبح به فلم يرجع وقام إلى الخامسة فسبح به فرجع فدل ذلك على اختلاف حكمهما.
وذكر في الأسرار في حق فرضية القعدة الأخيرة فقال: قد ثبت باتفاق الأخبار أن النبي - عليه السلام - ما سلم إلا بعد القعدة الأخيرة (فقال: قد ثبت باتفاق الأخبار أن النبي - عليه السلام - ما سلم إلا بعد القعدة الأخيرة) والأمر بالصلاة في كتاب الله تعالى مجمل فيكون فعله بيانًا لما لم يثبت بالكتاب بخلاف القراءة يعني لم يجعل مواظبة النبي - عليه السلام - على قراءة الفاتحة بيانًا لمجمل الكتاب لما أن الآية ظاهرة في حق القراءة مستغنية عن بيان رسول الله - عليه السلام - فكان فعله ومواظبته على قراءة الفاتحة زيادة على كتاب الله تعالى لو اقتضى الفرضية وأنه نسخ وليس ببيان، فلذلك حمل فعله هناك على بيان الكمال؛ لأن الآية لم تتعرض له.
قوله: ((إذا قلت هذا أو فعلت فقد تمت صلاتك)) علق التمام بالفعل قرأ أو لم يقرأ؛ لأن معناه إذا قلت وأنت قاعد أو قعدت ولم يقل شيئًا لأن قراءة التشهد بدون فعل القعود لا يتصور فصار الفعل أصلًا دون القول، كذا وجدت بخط الأستاذ مولانا فخر الدين رحمه الله يعني أن إتمام الصلاة فرض بالدليل الذي يوجب فرضية الصلاة لأن الصلاة لا تكون بدون التمام وترك الإتمام بعد الشروع إبطال للعمل وهو مزجور عنه بقوله تعالى: {ولا تبطلوا أعمالكم} والتمام معلق بفعل القعدة.
فكانت القعدة فرضًا لا محالة؛ لأن الواجب الذي لا يتم إلا بشيْء كان ذلك الشيء واجبًا وعن هذا قال أبو حنيفة -رحمه الله- أن الخروج من الصلاة بصنع المصلي فرض لأن إتمامها فرض والإتمام لا يكون إلا ما يضاد فعل الصلاة فكان الخروج بصنعه من الصلاة فرضًا أيضًا لضرورة فرضية الإتمام.
فإن قلت: الاستدلال على الفرضية بمثل هذا التعليل إنما يصح أن لو كان ذلك التعليل مستفادًا من النص الذي توجب الفرضية وخبر الواحد بعبارته لا يوجب الفرضية فكيف الاستدلال به ألا ترى إلى قوله - عليه السلام -: «خللوا أصابعكم كيلا يتخللها نار جهنم»، الأمر في نفسه موجب للفرضية فكيف إذا كان مقرونًا بالوعيد عند الترك ومع ذلك لم يوجب فرضية تخليل الأصابع لكونه خبر الواحد وكذلك قوله - عليه السلام -: «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب»، فكيف أوجب هذا الخبر الفرضية وهو في نفسه خبر الواحد.
قلت: هذا الخبر ليس كخبر تخليل الأصابع وغيره، فإن هذا خبر تلقته الأمة بالقبول ولا خلاف لأحد في ثبوته، لكن بقي الكلام في دلالته على الفرضية والدلالة هي ما ذكره شيخ الإسلام رَحمهُ الله فقال: والقعدة الأخيرة صارت فرضًا بالإجماع بقوله - عليه السلام -: «إذا قلت هذا أو فعلت هذا فقد تمت صلاتك»، ثم استدل على نفي فرضية قراءة التشهد بهذا الحديث فقال: فقد علق النبي - عليه السلام - التمام بأحد الأمرين واجتمعنا على أن التمام تعلق بالقعدة فإنه لو تركها لم يجزه فلا يتعلق بالثاني ليتحقق التخيير فإن موجب التخيير بين شيئين الإتيان بأحدهما ولأن خبر الواحد إذا كان متلقى بالقبول جاز إثبات الركنية به فأولى أن يجوز إثبات الفرضية به لأن درجة الركنية أعلى من درجة الفرضية وهو ثبوت ركنية الوقوف بعرفات فإنها إنما يثبت بقوله - عليه السلام -: «الحج عرفة»، والوقوف معظم أركان الحج، كذا ذكره الإمام المحبوبي -رَحِمه الله- في مناسك الجامع الصغير، والأوجه فيه أن يقول لما كان هذا الخبر وقع بيانًا لمجمل قوله تعالى: {وأن أقيموا الصلاة} على ما ذكر في الاسرار لم يكن هو مستبدًا بنفسه في إثبات الفرضية بل الفرضية ثبتت بالكتاب والخبر لحقه بيانًا لمجمله بخلاف خبر الفاتحة والتخليل لأن أمر القراءة وأمر الوضوء غير مجملين فحينئذ لا يكون إثبات الفرضية بهما إلا على طريق النسخ وليس بخبر الواحد ذلك ولكن له البيان للمجمل كما في قدر مسح الرأس.
قوله -رحِمهُ الله-: ((وفيها واجبات كقراءة الفاتحة)) إلى آخره ذكر في مبسوط شيخ الإسلام رَحمهُ الله والتحفة وللصلاة واجبات وسنن وآداب فواجبات الصلاة ثمانية والثمانية مذكورة في الكتاب ثم المراد من واجبات الصلاة هو أن يجوز الصلاة بدونها، ويجب سجدتا السهو بتركها ساهيًا والسنن هي ما فعله رسول الله - عليه السلام - على طريق المواظبة ولم يتركها إلا بعذر نحو الثناء والتعوذ وتكبيرات الركوع والسجود والآداب كل ما فعله رسول الله - عليه السلام - مرة أو مرتين ولم يواظب عليه كزيادة التسبيحات في الركوع والسجود على الثلاثة، والزيادة على القراءة المسنونة، والواجبات شرعت إكمالًا للفرائض فتكون حصنًا لها والسنن شرعت لإكمال الواجبات فيكون حصنًا لها والآداب شرعت لإكمال السنن (فيكون حصنًا لها) ومراعاة الترتيب فيما شرع مكررًا من الأفعال وهي السجدة الثانية فإنها واجبة أي مراعاة الترتيب حتى أن من ترك السجدة الثانية من الركعة الأولى ساهيًا وقام وصلى تمام صلاته ثم تذكر، فإن عليه أن يسجد السجدة المتروكة ويسجد للسهو لترك الترتيب كذا في التحفة، قوله فيما شرع مكررًا أي في ركعة احترازًا عما شرع غير مكرر فيها كالركوع فإن الركوع بعد السجود لا يقع معتدًا به بالإجماع.
فإن قلت: لِم لم يذكر قراءة التشهد في القعدة الأولى ههنا وهي واجبة أيضًا؟ كذا ذكره في باب سجود السهو في الكتاب وكذا ذكر في المبسوطين أيضًا ولمَ لمْ يذكر تعديل الأركان أيضًا ههنا مع أن ذلك واجب أيضًا عند أبي حنيفة ومحمد، كذا في مبسوط شيخ الإسلام والتحفة وأي شيء أقام مقامه حتى كمل العدد ثمانية.
قلت: المصنف -رَحِمه الله- لم يلتزم ذكر جميع الواجبات بل أري نظائر الواجبات بقوله وفيها واجبات كقراءة الفاتحة إلى آخره ولكن كمل مع ذلك عدد الثمانية فيما ذكر وإنما لم يزد على الثمانية ما ذكره شيخ الإسلام في المبسوط مع أنه ذكر قراءة التشهد في القعدة الأولى لما أنه جعل قراءة التشهد في القعدتين واجبًا واحدًا ثم المعنى في تركه ههنا لما أن قراءة التشهد في القعدة الأولى عند بعضهم سنة لا واجب منهم الإمام الاستروشني، ولكن الأصح أنها واجبة كذا ذكر في عامة النسخ فجاز أن يقع اختيار المصنف هنا على قول ذلك البعض وهو اختيار صاحب التحفة أيضًا، وفي باب سجود السهو على قول عامة المشايخ ومثل هذا يوجد من صاحب الكشاف، ومن الإمام السجاوندي في وقوفه.
وأما تعديل الأركان فمتناول للطمأنينة في الانتقال من ركن إلى ركن وللطمأنينة في الركوع والسجود، وأما الأولى فهي الطمأنينة في الانتقال فسنة لا واجب بالاتفاق.
وأما الثانية وهي الطمأنينة في الركوع والسجود فمختلف فيها، وكان أبو الحسن الكرخي -رحمه الله- يقول: إنه واجب على قول أبي حنيفة - رضي الله عنه - حتى لو تركها ساهيًا كان عليه السهو وكان الشيخ أبو عبد الله الجرجاني يقول: بأنّها سنة حتى لو تركها ساهيًا على قوله لا سهو عليه، كذا في مبسوط شيخ الإسلام، فعلى هذا كان ترك ذكرها للاختلاف في وجوبها ثم غير صاحب الهداية جعل قراءة الفاتحة والسورتين في الركعتين الأوليين واجبًا واحدًا واورد تعديل الأركان من إحدى الواجبات، وصاحب الهداية قدّ ضم السورة واجبًا على حدة مع ترك ذكر تعديل الأركان فصارت الواجبات ثمانية مع الاختلاف في المعدود.
قوله: ((هذا هو الصحيح)) هذا احتراز عن جواب القياس في تكبيرات العيد وقنوت الوتر فإن فيهما القياس والاستحسان، ولكن الصحيح جواب الاستحسان، وفي المبسوط في باب السهو: (وإن سها عن قراءة التشهد في القعدة الأولى أو تكبيرات العيد أو قنوت الوتر (ففي القياس) لا يسجد للسهو؛ لأن هذه الأذكار سنة فبتركها لا يتمكن كثير نقصان في الصلاة كما إذا ترك الثناء والتعوذ وهذا لأن مبنى الصلاة على الأفعال دون الأذكار وسجود السهو عرف بفعل رسول الله عليه السلام، وما نقل ذلك عنه إلا في الأفعال.
وجه الاستحسان أن هذه الستة تضاف إلى جميع الصلوات يقال: تكبيرات العيد وقنوت الوتر وتشهد الصلاة فبتركها يتمكن النقصان والتغير في الصلاة فأما ثناء الافتتاح فغير مضاف إلى الصلاة فبتركه لا يتمكن النقصان في الصلاة).
قوله: (لما أنه ثبت وجوبها بالسنة) فكان فيه إطلاق اسم السبب وهو السنة على المسبب وهو الواجب.
[ ... ] (وإذا شرع في الصلاة كبر) أي: وإذا أراد الشروع؛ لأن تكبيرة التحريمة ليست بعد الشروع، بل الشروع يتحقق بها وهذا كقوله تعالى: {فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله} والدليل على هذا الإدراج ما ذكره محمد -رَحِمه الله- بالتصريح في أول المبسوط بقوله: وإذا أراد الرجل الدخول في الصلاة كبر.
قوله: حتى إن من تحرم للفرض كان له أن يؤدي بها التطوع فإن التكبير للافتتاح لما صار شرطًا عندنا جاز أداء النفل بتحريمة الفرض كما لو تطهر للفرض فأدى بها التطوع جاز كذا هذا، وعند الشافعي لا يتأدى النفل بتحريمة الفرض لأنّها ركن عنده.
فإن قلت: تعيين المسألة في بناء النفل على الفرض دون غيره من بناء الفرض على تحريمة الفرض أو النفل على النفل أو الفرض على النفل في الكتاب وعامة النسخ من مبسوط شيخ الإسلام، وفتاوى قاضي خان، والإيضاح، والتحفة، والمحيط: يشير إلى أنه لا يجوز في غيره وكونها شرطا يقتضي الجواز في الكل كما في الطهارة للصلاة فما وجهه؟
قلت: قد ذكر في فتاوى القاضي الإمام ظهير الدين رحمه الله أما بناء الفرض على تكبير الفرض قيل: لا يجوز وقال القاضي الإمام صدر الإسلام -رحمه الله- يجوز؛ فإن أبا اليسر قال في مبسوطه: لو شرع في الظهر وأتمها ولم يسلم وبنى عليه عصرًا فاتت عنه أجزاه عندنا ولكن ذكر القاضي الإمام أبو زيد -رحمه الله- في الأسرار: جواز بناء النفل على النفل فعلم جواز بناء الفرض على فرض آخر فقال في جواب الشافعي في هذه المسألة والفرض وأن انقضى فهو حرام بعد ذلك فجاء بشرط الصلاة فإن لم يكن ثبت للنفل ابتداءً كما يتأدى النفل بطهارة الفرض، وكذلك الفرض إلا إن فرضًا آخر لا يتأدى به ههنا؛ لأنّه مع كونه شرطًا فهو عقد على الأداء كعقد الإجارة على أداء عمل في مقابلته أجر والعقد على الفرض يتضمن النفل؛ لأنّه صلاة مثل النفل وزيادة فمن حيث إنه صلاة، فالباب واحد فيجوز الزيادة ما شاء كمن شرع في النفل ينوي ركعتين فله أن يزيد ما شاء إلا أنه يكره له ذلك، أي: بناء النفل على تحريمة الفرض لترك التحلل عن الفرض بالوجه المشروع وهو التسليم كما يكره له ذلك إذا تكلم ولم يسلم، وكذلك ذكر فخر الإسلام -رَحمهُ الله- في أول الجامع الصغير في مسألة السهو أن بناء الفرض على فرض آخر لا يجوز فقال: ولو كان على رجل فوائت فصلى الظهر ثم قام منه إلى العصر من غير تكبيرة الافتتاح لم يصر شارعًا في العصر؛ لأنّ إحرامَ الظهر لا ينتظم العصر كما ينتظم النفل.
قلت: بقي بناء حكم بناء الفرض على النفل ولم أجد فيه رواية ولكن يجب ان لا يجوز أما على ما اختاره صاحب الأسرار وفخر الإسلام فظاهر لأنّه لما لم يجز بناء الفرض على تحريمة فرض آخر وهو مثله فلأن لا يجوز بناء الفرض على ما دونه أولى وأما على اختيار صدر الإسلام فإنّه إنما جوز بناء المثل على المثل فهو لا يدل على تجويزه بناء الأقوى على الأدنى ثم المعنى أيضًا تدل على عدم الجواز؛ لأن الشيء يستتبع مثله أو دونه، ولا يستتبع ما هو أقوى منه وفي بناء الفرض على النفل جعل النفل مستتبعًا للفرض لأن المبنى تبع للمبني عليه وذلك لا يجوز.
فإن قلت: الحاقهم بالطهارة يقتضي أن يجوز في الكل؛ لأن الشرط يشترط وجوده لا وجوده قصدًا كما في الطهارة ولبس الثوب.
قلت: يجيب عنه بما أجاب عنه وذلك لا يجوز فإن قلت بما أجاب عنه صاحب الأسرار وهو قوله؛ لأنّه مع كونه شرطًا فهو عقد على الأداء إلى آخره فصار هذا عين نظير الحاقهم الصوم للاعتكاف بالطهارة في كونه شرطًا فمن حيث إنه شرط إذا صادف بدء الاعتكاف شهر رمضان يجوز بصومه ومن حيث إن الصوم عبادة مقصودة في نفسه شرط وجوده قصدًا عند عدم مصادفة نذر الاعتكاف بشهر رمضان ولم يكتف بنفس الوجود وإن كان شرطًا لصحة الاعتكاف فكذلك ههنا لما كانت التحريمة عقدًا على الأداء كعقد الإجارة والبيع لا يكون عقدًا على فعل آخر ولكن لما كان المبني أدنى حالًا من المبني عليه عملنا بجهة الشرطية وفي غيره بمعنى العقد بخلاف الطهارة فإنها شرط محض ليست فيها شائبة كونها مقصودة فلذلك جازت الصلاة بأي طهارة كانت للنفل [72 - ب] أو للفرض أولًا لفرض.
قوله: ((هو يقول يشترط لها ما يشترط لسائر الأركان)) من الطهارة وستر العورة واستقبال القبلة والنية والوقت ولأن هذا ذكر مفروض شرع في حالة القيام فيكون ركنًا في الصلاة قياسًا على القراءة، واحتج أصحابنا رحمهم الله بظاهر قوله تعالى: {وذكر اسم ربه} نزلت هذه الآية في التكبيرة فقد عطف الصلاة عليها ولو كانت التكبيرة ركنًا في الصلاة كانت من الصلاة فلا يستقيم عطف الصلاة عليها حينئذ لأنّ الشيء يعطف على غيره لا على نفسه لا يقال زيد وزيد وإنما يقال: زيد وعمرو، ولأن التكبيرة الأولى لو كانت ركنًا في الصلاة لكانت تكرر فرضًا في كل ركعة كالركوع والسجود أو يتكرر في الثانية كالقراءة.
فإن قيل: يشكل بالقراءة فإنها ركن بالإجماع ومع ذلك لا يتكرر في كل ركعة على مذهبكم حيث لا يتكرر في الثالثة والرابعة فرضًا.
قلنا: لما كانت القراءة ركنًا تكررت في الركعة الثانية بالإجماع وفي كل ركعة على أصلك والتكبير لم يتكرر فرضًا في الثانية بالإجماع ثم إنما لم يتكرر القراءة في الثالثة والرابعة فرضًا عندنا لأنّها مع كونها ركنًا في الصلاة ليست بركن أصلي وإنما هي ركن زائد لأنّها قول ومبنى الصلاة على الأفعال دون الأقوال، بدليل أن العاجز عن القول، والقادر على الفعل يخاطب بالصلاة لا على العكس وبدليل أنها تسقط لخوف فوت الركعة والقيام لا يسقط ولما انحطت درجتها عن درجة سائر الأركان.
قلنا: لكونها ركنًا تكررت في الركعة الثانية كالقيام وغيره ولكونها ليست بركن من وجه لم يتكرر في الثالثة والرابعة.
وأما قوله بأنّها ذكر كالقراءة فالجواب ما بيّنا أنها لما شرعت ركنًا في الأولى تكررت فرضاً في الثانية وهذه لم تتكرر فرضًا في الثانية وأما اشتراط سائر الأركان فإنها ما شرطت للتحريمة نفسها وإنما شرطت للقيام الذي هو ركن لكن التحريمة متصلة بالقيام فاشترطت هي للقيام المتصل بالتحريمة لا للتحريمة نفسها ولهذا لما انفصل الأداء عن الإحرام في باب الحج لم يشترط لصحة الإحرام سائر شرائط الأركان؛ فإن الوقت شرط لأداء سائر الأركان ولا يشترط للإحرام عندنا والاختلاف فيهما على نسق واحد كذا في مبسوط شيخ الإسلام -رَحمهُ الله-.
قوله: ((وهو سنة)) أي: رفع اليدين عند التكبير سنة فإنّ النبي - عليه السلام - واظب عليه.
فإن قلت: المواظبة دليل الوجوب فكيف استدل بها على السنة؟.
قلت: لا نسلم بل مطلق المواظبة دليل على السنة، ولا تثبت السنة بدون المواظبة، ذكر هذا اللفظ في هذا الكتاب في آخر باب إدراك الفريضة وقال ولا سنة دون المواظبة، والمواظبة إنما يكون دليل الوجوب إذا كانت من غير ترك، ألا ترى أن المصنف رَحِمه الله لما أحتاج إلى إثبات واجبية الفاتحة والقنوت والتشهد كيف أكد مواظبة النبي - عليه السلام - بغير ترك في باب سجود السهو فقال فإنّه - عليه السلام - واظب عليها من غير تركها ثم ثبت الترك ههنا مع المواظبة، فإن شمس الأئمة السّرخسيّ رحِمهُ الله قال في تعليل هذه المسألة: (لأن النبي - عليه السلام - علّم الأعرابي الصلاة ولم يذكر رفع اليد؛ لأنه ذكر الواجبات وواظب على رفع اليد عند التكبير فدل أنه سنة).
قوله: ((والأصح أنه يرفع أولا ثم يكبر)) اختلف المتأخرون في أفضلية وقت الرفع، فاختار شيخ الإسلام وقاضي خان، وصاحب التحفة المقارنة، واختار شمس الأئمة السرخسي وصاحب الهداية تقديم الرفع على التكبير، وقال شيخ الإسلام -رَحمهُ الله- ثم يرفع يديه مقارنا للتكبيرة لأنّه سنة للتكبيرة، فإنه شرع في التكبيرة لزيادة الإعلام، فيكون تبعًا لها كالجهر بها، وإذا كان الرفع في سنة التكبيرة كان تبعًا لها، وإنما يتحقق التبعية إذا وجد الرفع مع التكبيرة، فيجب أن يكون الرفع مقارنًا لها، كتكبيرات الركوع والسجود والقيام، فإن من سنتها المقارنة فكذا هذا،
وههنا حكاية: حكي أن رجلًا سأل أبا يوسف القاضي -رحمه الله- فقال: بأي شيء يفتتح بالفرض أم بالسنة، فذهب قلبه إلى التكبيرة، فقال: بالفرض، فقال السائل: أخطأت فقال بالسنة وذهب قلبه إلى رفع اليد، فقال السائل: أخطأت إنما يفتح الصلاة بهما جميعا، فهما على أنه مقرون بالتكبيرة، لا يتقدم أحدهما صاحبه، وقال: (شمس الأئمة السرخسي): والذي عليه أكثر مشايخنا أنه يرفع يديه أولًا، فإذا استقرتا في موضع المحاذاة كبر؛ لأن في فعله وقوله معنى النفي والإثبات، فإنه يرفع اليد بنفي الكبرياء عن غير الله تعالى وبالتكبير شبهًا لله تعالى فيكون النفي مقدمًا على الإثبات كما في كلمة الشهادة ولا يتكلف للتفريق بين الأصابع عند رفع اليد، والذي روي: (أن النبي - عليه السلام - كبر ناشراً أصابعه) معناه ناشرًا عن طيها بأن لم يجعله مشتًا بضم الأصابع إلى الكف.
وقال شيخ الإسلام: فمن الناس من ظن أنه أراد بنشر الأصابع أن يفرج بين الأصابع تفريجًا وهو غلط ولكن أراد به النشر عن الطي، كما يكون في الثوب أي: لا يرفع يديه مضمومتين بل يرفعهما منصوبتين؛ حتى تكون الأصابع مع الكف مستقبل القبلة، وقال الفقيه أبو جعفر الهندواني -رحمه الله- إذا رفع يديه لا يضم أصابعه كل الضم ولا يفرج كلّ التفريج بل يتركهما على ما عليه (أصابعه بين الضم والتفريج).
قال المرغيناني: (وَلَيْسَ فِي الْمَذْيِ وَالْوَدْيِ غُسْلٌ وَفِيهِمَا الْوُضُوءُ)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قوله: ((وليس في المذي والودي غسل وفيهما الوضوء)) فإن قيل: ما معنى قول محمد في الكتاب في الودي الوضوء، ولا يتصور انتقاض الطهارة بالودي؛ لأنّه إنما يخرج على أثر البول، وبالبول قد وجب الوضوء.
قلنا: إنما ذكره ليبيّن أن الواجب به انتقاض الطهارة لا الاغتسال لو تصور انتقاض الطهارة هكذا ذكر السؤال.
والجواب في مبسوط شيخ الإسلام رَحمهُ الله، أو نقول: إن وجوب الوضوء بالبول لا ينافي وجوبه بالودي [21 - ب] بل يجب به -أيضاً- حتى إذا حلف لا يتوضأ من الرعاف فبالَ ثم رعف ثم توضأ فإنّه يحنث في يمينه، فعلم أن كل واحد موجب للوضوء إلا أنه يكتفي بالوضوء مرةً عن الكل، وله نظائر في الشرع أو نقول: إن فائدته تظهر في حق سلس البول فإنه إذا توضأ للبول ثم أودى حال بقاء الوقت تنقض طهارته.
والله تعالى أعلم بالصّواب.
باب
الماء الذي يجوز به الوضوء
لما ذكر الوضوء والغسل وتقسيمهما من الفرض والسنة والاستحباب وموجبهما وما ينقضهما احتاج إلى ذكر الأدلة التي هما يحصلان بها بطريق الأصالة وهي الماء المطلق.
قال الشيخُ -رحِمه الله-: لم يذكر الماء في آية الوضوء في قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة} فكيف لقب هذا الباب بالماء الذي يجوز به الوضوء، ثم قال -رحِمه الله: أن لم يذكر في آية الوضوء ذكره في آية التيمم وهو خلفه، فكأنّ ذكرَهُ فيها ذكرا في الأصل فصار كأنه قال: فاغسلوا بالماء وجوهكم، أو هو مذكور في الأصل بمقتضى الغسل إذ الغسل المطلق ينصرف إلى الماء.
قوله: ((الطهارة من الأحداث)) ذكر الأحداث لا للتخصيص؛ لأنّه لما كان الماء مزيلاً للحدث كان مزيلاً للنجس الحقيقي بالطريق الأولى لما يذكر لكن لمّا سبق ذكر الوضوء والغسل ذكر الآلة التي هما يحصلان به وليس ذلك إلا بإزالة الأحداث ثم وجه التمسك بقوله تعالى: {وأنزلنا من السماء ماء طهورا} في حق ماء السماء والأودية ظاهر، وأما في حق ماء العيون والآبار فأما أن أصل المياه كلها من السماء لقوله تعالى: {أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع} أو يصرف وجه تمسّك الآية إلى ماء السماء ويصرف وجه تمسك قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((الماء طهور إلى غيره))، و قال الشيخُ -رحِمه الله-: كون الماء مطهراً لغيره؛ لا لأنّ الطهور بمعنى المطهّر، بل علم ذلك بسبب العدول عن صيغة الطاهر إلى صيغة الطهور التي هي للمبالغة في ذلك الفعل كالغفور والشكور فيهما مبالغة ما ليس في الغافر والشاكر، ولن يكون تلك المبالغة في طهارة الماء إلا باعتبار أنه يطهر غيره؛ لأنّ في نفس الطهارة كلتا الصيغتين سيان فلا بد من معنى زائد في الطهور ليس هو في الطاهر، ولا ذلك إلا بالتطهير لا أنّ الطهور جاء بمعنى المطهّر؛ لأنّه من طهر الشيء وهو لازم فلا يستفاد منه التعدي لا ينجسه شيء أي شيء نجس.
قوله: بما اعتصر بالعصر على أنها موصولة، وإن كان يصح معنى الممدود؛ لأنّ المنقول هو الموصولة؛ ولأنّ في الممدود وهم جواز التوضئ بما انعصر هو بنفسه وليس الأمر كذلك.
قوله: ((والوظيفة في هذه الأعضاء تعبّدية)) هذا جواب إشكال يرد على قوله: والحكم عند فقد الماء المطلق منقول إلى (التيمم بأن يقال سلّمنا بأن الماء الذي اعتصر من الشجر والثمر ليس بماءٍ مطلق ولكن هو في معنى الماء المطلق من حيث إزالة النجاسة) الحكمية فيلحق هو به كما ألحقه أبو حنيفة وأبو يوسف بالماء المطلق في إزالة النجاسة الحقيقية فيجب أن يكون في الحكمية كذلك فأجاب عنه، وقال: إنّ شرط صحّة القياس أن لا يكون حكم الأصل معدولًا به عن القياس، وأنه معدول عنه؛ وذلك لأنّ النص جعل الماء مطهراً للحدث غير معقول المعنى؛ لأنّه لا عين للنجاسة في الأعضاء ليزال فإذا لم تكن الإزالة ههنا معقولة لم يتعدّ إلى سائر المزيلات؛ لأنّه لا إزالة حقيقة فيقتصر على مورد الشرع بخلاف النجاسة الحقيقية فإن جواز استعمال الماء المطلق فيها؛ بسبب الإزالة لا غير وتوجد الإزالة بسائر المائعات الطاهرة فيجوز بها كما يجوز بالماء المطلق؛ لأن إزالة النجاسة الحقيقية بالماء المطلق معقول المعنى فتعدى إلى غيره من المائعات بجامع الإزالة الحسّية.
قوله: ((وفي الكتاب)) أي في مختصر القدوري.
والفاء في " فأخرجه " لتفسير قوله: غلب الباقلي إذا شددّت اللام قصرت، وإن خففت مددت الواحدة باقلاّه، و باقلاّؤه، كذا في الصحاح ما يغير بالطبخ عني بالتغيير الثخونة حتى إذا طبخ ولم يثخن بعد بل رقّة الماء باقية فيه جاز الوضوء به ذكره الناطفي كذا في فتاوى قاضي خان.
قوله: ((كالأشربة والخل))، إن كان المراد من الأشربةِ الأشربة المتخذة من الشجر كشراب الديباس والحمّاض، ومن الخل الخلِ الخالص كانا من نظير المعتصر من الشجر والثمر، وكان ماء الباقلي والمرق نظير الماء الذي غلب عليه غيره فكان من صنعة اللفّ والنّشر، وإن كان المراد من الأشربة: الحلواء المخلوط بالماء كالدبس والشهد المخلوط به، ومن الخل: الخل المخلوط بالماء كانت الأربعة كلها نظير الماء الذي غلب عليه غيره.
وقيل: القسم الأوّل من المياه مقابل بالرقيق؛ لأنّه لا قيد فيهما.
والقسم الثاني: في مقابل بالمكاتب باعتبار نقصان ما هو الأصل فيهما من الملك وماهية الماء،
والقسم الثالث: مقابل بالمدبّر إذ الملك فيه كامل والرق ناقص بدليل حل الوطئ والاستخدام، فكذلك في الماء الذي خالطه شيء طاهر مغلوب يتناوله مطلق الماء باعتبار غلبة الماء فيه فجاز التوضؤ به -أيضاً-.
ثم في قوله: (فغيّر أحد أوصافه) إشارة إلى أنه إذا غير الاثنين أو الثلاثة من الأوصاف لا يجوز التوضؤ به.
وإن كان المغيّر شيئاً طاهراً، لكن المنقول من الأساتذة: إنه يجوز، حتى أن أوراق الشجر وقت الخريف يقع في الحياض فيتغير ماؤها من حيث اللّون والطعم والرائحة، ثم إنهم يتوضئون منها من غير نكير، و لكن ذكر في أول تتمة الفتاوى ما يوافق إشارة المذكور في الكتاب، فقيل: وسئل الفقيه أحمد بن إبراهيم الميداني رحمه الله عن الماء الذي يتغير لونه لكثرة الأوراق الواقعة فيه حتى يطهر لون الأوراق في الكف إذا رفع الماء منه هل يجوز التوضؤ منه؟.
قال: لا، ولكن يجوز شربه وغسل الأشياء به و أما (جواز شربه وغسل الأشياء به؛ فلأنّه طاهر وأما) عدم جواز التوضؤ به؛ لأنّه لما غلب عليه لون الأوراق صار ماءً مقيّداً كماء الباقلي وغيره.
قلت: لما تغيّر لون الماء ههنا بوقوع الأوراق الكثيرة لابدّ أن يتغير طعمه -أيضاً- فحينئذ كان الوصفان من الماء زائلين فصار موافقاً لما أشار إليه الكتاب، وإلا يلزم المخالفة بينهما وبين رواية الكتاب ورواية فتاوى قاضي خان التي يجئ بُعَيد هذا.
قوله: ((كماء المد)) هو واحد المدود وهو السّيل، وإنّما خص بالذكر؛ لأنّه يجئ بغثاءٍ ونحوه كذا في المغرب، وذكر في فتاوى قاضي خان: إذا طبخ بالماء ما يقصد به المبالغة في التنظيف كالسدر والحرض فإن تغيّر لونه ولكن لم يذهب وقته يجوز به التوضؤ وإن صار ثخيناً مثل السويق لا يجوز به التوضئ، ولو توضأ بماء السيل يجوز وإن خالطه التراب إذا كان الماء غالباً رقيقاً فراتاً كان أو أجاجًا، وإذا كان ثخيناً كالطين لا يجوز به التوضؤ.
فقال: ((هو الصحيح)) احترازاً عن قول محمد فإنه يعتبر الغلبة بتغير اللون والطعم والريح كذا في فتاوى قاضي خان.
قوله: ((وكل ماء))، المراد منه غير الماء الجاري، وغير ما هو في معنى الماء الجاري، كالحوض الكبير الذي هو عشر في عشر.
قوله: قليلاً كانت النجاسة أو كثيراً ترك علامة التأنيث بعدما جعل القليل والكثير صفة النجاسة مع أنّ كلّ واحد منهما فعيل بمعنى فاعل، وفي مثله يفرق بين المذكر والمؤنث بالتاء كسميع وسميعة وعليم وعليمة؛ لأنّ فعيلاً بمعنى فاعل قد يشبّه بفعيل بمعنى مفعول كقولهم: ملحف جديد، ومنه قوله {إن رحمة الله قريب من المحسنين}، في أحد الوجوه، ثم وجه التمسّك بقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((لا يبولنّ أحدكم في الماء الدائم)).
أنّ مطلق النهي يوجب التحريم وفساد الفعل من غير فصل بين دائم ودائم، وبين ما يتغير إلا أن يكون في حكم الماء الجاري بأن لا يخلص بعضه إلى بعض بدلالة تقييد الدائم.
فإن قيل: جاز أن يكون النهي للأدب أو للتنزيه.
قلنا: مطلق النهي يقتضي الحرمة مع عرائهِ عن التأكيد، فكيف إذا كان مؤكداً بالنون الثقيلة؛ و لأنّه لو كان كذلك لما قيّده بالدائم، فإن الجاري يشاركه في ذلك المعنى؛ لأنّ البول في الدائم كما هو ليس بأدب، كذلك البول في الماء الجاري ليس بأدب -أيضاً- فلا يبقى حينئذ لتقييد الدائم فائدة.
قوله: ((ورد في بئر بضاعة))، الباء في بضاعة تكسر وتضم كذا في الصحاح، وفي المغرب بالكسر لا غير، عن العودي وهي بئر قديمة بالمدينة، وفي المبسوط: (إن بئر بضاعة كان ماء جارياً يسقي منه خمسة بساتين).
فإن قلت: العبرة عندنا لعموم اللفظ لا لخصوص السبب، فكيف اختص عموم قوله - صلى الله عليه وسلم -: «الماء طهور لا ينجسه شيء»، بسببه الذي كان ورد الحديث في حقه وهو بئر بضاعة.
قلت: إنما لا يخص عموم اللفظ بسببه، إذا لم يرد ما يخصصه (مثله في القوّة، وقد ورد هنا ما يخصّصه) وهو يساويه [22 - ب] في القوة وهو حديث المستيقظ، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يبولنّ أحدكم ... »، وإنّما خصّصناه بهذين الحديثين دفعاً للتناقض؛ وذلك لأنّ الحديثين إذا وردا متعارضين وجهل تاريخهما يجعل كأنّهما وردا معاً، ثم بعد ذلك إن أمكن العمل بهما يحمل كل واحد منهما على موضع يحمل وإن لم يمكن الحمل يطلب الترجيح، وإن لم يمكن الترجيح يتهاتدان، وههنا أمكن العمل بهما بشهادة نقلة الأحاديث على ما قلنا، فعملنا كذلك لهذا فكان هذا من باب الحمل لدفع التناقض لا من باب التخصيص بالسبب؛ ولأنّا ما خصّصناه ببئر بضاعة -أيضاً- بل عدينا حكمه من بئر بضاعة إلى ما هو في معناها من الماء الجاري وترك عموم ظاهر الحديث لدفع التناقض والتعارض.
وقال الشافعي رحِمهُ الله: يجوز إن كان الماء قلّتين.
وقال الشافعي رحمه الله: ((إذا كان الماء بقدر القلّتين لا يتنجس بوقوع النجاسة فيه حتى يتغير أحدُ أوصافه، والقلّة اسم لجرة تحمل من اليمن يسع فيها قربتان وشيء، فالقلّتان خمس قرب كل قربة خمسون منّاً فتكون جملته مائتين وخمسين منّاً، واستدل بهذا الحديث)).
قلنا: هذا ضعيف، فقد قال الشافعي في كتابه: بلغني بإسناد لا يحضرني من ذكره، ومثل هذا دون المرسل.
وقد تكلم الناس في القلّة، فقيل: إنها القامة.
وقيل: إنها رأس الجبل فيكون معناه إذا بلغ ماء الوادي قامتين أو رأس الجبلين ومثل هذا يكون بحراً وبه نقول، كذا في المبسوط، وقد ذكر شيخ الإسلام -رَحمهُ الله- في المبسوط فقال: قلنا: لا يصح التعلق بهذا الحديث؛ لأنّ في سنده ضعفاً، وفي متنه اضطراباً، والقلة في نفسها مجهولة.
وقوله: لا يحتمل خبثاً يحتمل معنيين مختلفين لا يُدري أيهما هو المراد والاعتماد على مثل هذا الحديث لا يصح كيف وقد ظهر العمل من الصحابة بخلافه في ماء البئر.
أمّا في سنده ضعف فإنه قال ابن المديني: إسناد محمد بن إسماعيل البخاري رحمه الله حديث القلتين مما لا يثبت، وهكذا ذكر أبو داود فقال: لا يصح لواحد من الفريقين خبر صحيح في تقدير الماء، وفي متنه اضطراب فإنه قال: في بعضها إذا بلغ الماء قلتين أو ثلاثا، وفي بعضها قال: إذا بلغ أربعين قلة؛ هكذا رواه جابر، (وأخذ به) إبراهيم النخعي والقلة في نفسها مجهولة؛ لأنّها تذكر ويراد بها قامة الرجل وتذكر ويراد بها رأس الجبل وتذكر ويراد بها الجرّة، والتعيين بقلال هجر لا يثبت بقول جريج؛ لأنّ جريجًا ممن لا يقلد فبقي محتملاً، وكذلك قوله: لا يحتمل خبثاً محتمّل يحمّل ما قاله الشافعي رحمه الله أي لا تقبل النجاسة ويدفعها ومحتمّل أي: إذا قل الماء حتى انتهى إلى القلتين فإنه لا يحتمل خبثاً أي يضعف عن احتمال الخبث كما يقال: فلان لا يحتمل الضرب أي ضعيف لا يحتمله فيتوجع، وإذا كان كذلك لم يصح التعلق بهذا الحديث فكان الاعتماد على ما رويناه من الأحاديث المشهورة ثم نقول: أراد بالقلة قامة الرجل لا الجرة؛ لأنّه ذكر القلة لتقدير الماء في الحياض، والماء في الحياض إنما يقدر بالقامة لا بالجرار.
قوله: ((والغدير العظيم الذي لا يتحرك المراد من تحرك أحد طرفيه)) هو أن يتحرك بالارتفاع والانخفاض ساعة تحريكه.
وقال في فتاوى قاضي خان: ((واختلفوا في حد الحوض الكبير: قال بعضهم: إن كان الحوض بحال لو اغتسل إنسان في جانب لا يضطرب الطرف الذي يقابله أي لا يرتفع ولا ينخفض فهو كبير.
قال مشايخنا: وإنما يعتبر تحرك الجانب من الجانب الآخر من ساعته لا بعد المكث لا يعتبر حباب الماء فإن الماء وإن كثر يعلوه ويتحرك)).
وحاصل هذا ما ذكره شيخ الإسلام فقال: يجب أن يعلم أن العلماء اتفقوا على أن النجاسة متى وقعت في ماءٍ راكدٍ قليلٍ فإنه يتنجّس.
ولكن اختلفوا بعد هذا في حدّ الكثرة والقلة، قال مالك: إذا كان الماء بحال لو وقع فيه النجاسة تغير لونه أو طعمه أو ريحه كان قليلاً، وإن لم يتغير شيء منه كان كثيراً.
وقال الشافعي رحِمهُ الله: ((إن كان دون القلتين كان قليلاً يتنجس بوقوع النجاسة تغيّر أو لم يتغيّر، وإن كان قلّتين فصاعداً كان كثيراً)).
وقال علماؤنا رحمهم الله: الماء إذا كان بحيث يخلص بعضه إلى بعض أي يصل كان قليلاً، وإن كان لا يخلص كان كثيراً لا ينجس بوقوع النجاسة فيه إلا أن يتغير لونه أو طعمه أو ريحه كالماء الجاري.
و لكن اختلفوا بعد هذا أنه بأيّ سبب يعرف خلوص النجاسة إلى الجانب الآخر فقد اتفقت الروايات عن علمائنا الثلاثة أن الخلوص يعتبر بالتحريك فإنه إذا حرّك طرفاً منه إن لم يتحرّك الجانب الآخر فهو مما لا يخلص بعضه إلى بعض، وإن تحرّك فهو مما يخلص بعضه إلى بعض إلا أنهم اختلفوا في سبب التحريك: فقد روى أبو يوسف عن أبي حنيفة: أنه يعتبر التحريك بالاغتسال إن اغتسل انسان في جانب منه اغتسالاً وسطاً إن لم يتحرك الجانب الآخر فهو مما لا يخلص بعضه إلى بعض، (وإن تحرك) فهو مما يخلص وبه أخذ أبو يوسف؛ وهذا لأنّ التحريك بالاغتسال يكون أحوط من التحريك بالوضوء؛ لأن التحريك بالاغتسال أشدّ من التحريك بالتوضؤ فيه؛ ولأن حاجة الإنسان إلى الغسل في المياه الجارية والحياض أكثر من حاجته إلى الوضوء فإن الوضوء يكون في البيوت عادة.
وقد روى أبو يوسف عن أبي حنيفة في رواية أنه يعتبر التحريك باليد لا غير؛ لأنّ التحريك يكون بالاغتسال وبالتوضؤ وبغسل اليد إلا أنّ التحريك بغسل اليد أخفّ، فكان الاعتبار به أولى توسعة على الناس.
وروي عن محمد نفسه أنه قال: يعتبر التحريك بالوضوء دون الاغتسال؛ لأن مبني الماء في حكم النجاسة على الخفة، فإن القياس أن يتنجّس، وإن كثر الماء إلا أنه أسقط حكم النجاسة عن بعض المياه تخفيفاً، فاعتبر التحريك الوسط وهو التحريك بالوضوء؛ لأنّه بين الاغتسال وغسل اليد، فعلم بهذا أن الروايات اتفقت عن أصحابنا المتقدمين رحمهم الله يعتبر الخلوص بالتحريك لكن اختلفوا في السبب الذي يقع به التحريك. والمتأخرون من أصحابنا اعتبروا الخلوص بشيْء آخر فقد روي عن محمد بن سلام أنه اعتبر الخلوص بالكدرة فقال: إن كان الماء بحال لو اغتسل فيه وتكدر الجانب الذي اغتسل فيه بسبب الاغتسال إن وصلت الكدرة إلى الجانب الآخر فهو مما يخلص بعضه إلى بعض، وإن لم يصل فهو مما لا يخلص.
وحكى عن الشيخ الإمام إسماعيل الزاهد عن عيسى بن السمرقندي عن أبي حفص الكبير صاحب محمد بن الحسن -رحمهم الله- أنه اعتبر الخلوص بالصبغ، فقال: يلقى زعفران في جانب منه فإن أثر الزعفران في الجانب الآخر كان مما يخلص بعضه إلى بعض، وإن لم يوثر فهو مما لا يخلص.
ومنهم من اعتبر الخلوص بالمساحة، روي نصر بن يحيى عن أبي سليمان الجوزجاني -رحمهم الله-: أنه اعتبر الخلوص بالمساحة إن كان عشراً في عشر فهو مما لا يخلص، وإن كان أقل فهو مما يخلص، هذا حاصل ما ذكره شيخ الإسلام رَحمهُ الله في مبسوطه.
وعن محمد رَحِمه الله في النوادر أنه سئل عن هذه المَسْألة فقال: إن كان مثل مسجدي هذا فهو مما لا يخلص بعضه إلى بعض، فلمّا قام مسح مسجده فكان ثمانياً في ثمان في رواية وعشرًا في عشر في رواية، وعامّة المشايخ أخذوا بقول أبي سليمان الجوزجاني ثم الحوض الكبير الذي لا يخلص بعضه إلى بعض متى وقعت فيه نجاسة حتى لم يتنجس جميعه هل يتنجس شيء منه؟.
فهذا على وجهين: إن كانت النجاسة مرئية لا يتوضأ من الجانب الذي وقعت فيه النجاسة، وقال بعضهم: يتنجس مما حول النجاسة بمقدار حوض صغير، وما رواه طاهرٌ وإن كانت غير مرئية بأن بال فيه إنسان، أو اغتسل فيه، حيث حكي عن مشايخ العراق: لا فرق بين النجاسة المرئية وغيرها.
ومشايخ بخارى وبلخ فرقوا بين المرئية وغيرها؛ فقالوا في غير المرئية: يتوضأ من الجانب الذي وقعت فيه النجاسة بخلاف المرئية ويبتنى على هذا ما إذا اغسل وجهه في حوض كبير فسقط غسالة وجهه في الماء فرفع الماء من موضع الوقوع قبل التحريك قالوا على قول أبي يوسف لا يجوز ما لم يحرك الماءٍ وبه قال أبو جعفر الاستروشني رحمه الله وغيره من مشايخ بخارى جوزوا ذلك وتوسعوا فيه لعموم البلوي، كذا في المحيط ثم اختلفت ألفاظ الكتب في تعيين الذراع فجعل الصحيح هنا ذراع الكرباس، وجعل الصحيح في فتاوى قاضي خان رَحِمه الله ذراع المساحة وقال: لأن ذراع المساحة أليق بالممسوحات، وفي المحيط: ((والأصح أن يعتبر في كل زمان ومكان ذراعهم ولم يتعرض للكرباس والمساحة ثم ذراع الكرباس أقصر من ذراع المساحة)).
وقد ذكر الشيخ الإمام ظهير الدين إسحق بن أبي بكر الولوالجي رحمه الله في الفصل الأول من
كتاب الصلاة من فتاواه فقال: ((فالمعتبر فيه ذراع الكرباس دون المساحة وهي سبع مشتات ليس فوق كل مشت إصبع قائمة وذراع المساحة سبع مشتات فوق كل مشت أصبع قائمة؛ فالأوّل أليق بالتوسعة)) وذكر [23 - ب] هو -رحمه الله- قبل هذا إنما اعتبر عدد العشر دون غيره من الأعداد؛ لأنّ العشرة أدنى ما ينتهي إليه نوع عدد نفس سائلة أي: دم سائل ذكر الدنانير بلفظ الجمع دون غيره؛ لأن فيه أنواعاً شتى، كذا قاله الشيخُ رحِمه الله. ولنا: قوله - صلى الله عليه وسلم - وهو فيما رواه سلمان الفارسي - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن إناء فيه طعام أو شراب يموت فيه ما ليس له دم سائل قال - صلى الله عليه وسلم -: «هو الحلال أكله وشربه والوضوء به»، كذا في المبسوطين.
قوله: حتى حلّ المذكي لانعدام الدم فيه، فإن قلت: إثبات الحلّ نزول الدم منقوض طرداً وعكساً، أمّا الطرد ففي صورة ذبح المجوسي فإنه زال الدم ولم يحلّ المذكي، وإما العكس ففي صورة ذبح المسلم الشاة بالتسمية التي هي معلوم حياتها يقيناً ولم يسل الدم بعارض بأن أكلت ورق العناب فإنها تحل مع أنّ الدم لم يزل؟.
قلت: أمّا ذبيحة المجوسي فإنّها ملحقة بالمنخنقة لعدم أهلية الذابح؛ لأنّ صاحب الشرع أخرجه عن كونه أهلاً للذبح بقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((سنّوا بهم سنة أهل الكتاب غير ناكحي نسائهم ولا أكلي ذبائحهم))، والحكم تعلق بالسبب المريق؛ وهو الذكاة الشرعية لا بنفس الإراقة فسقطت الإراقة فيه ودار الحكم مع سببها تيسيراً علينا كما في السفر مع المشقة والنوم مع الحدث، وأمّا ذبيحة المسلم فلأهلية الذابح واستعمال آلة الذبح جعل الدم كأنه سال شرعاً لإتيانه بما هو المأمور به شرعاً وربما لا يريق بعارضٍ كما ذكرت فلا يعتبر العوارض إذ هي لا تدخل تحت القواعد فكان الاعتبار للأصل وهو الإراقة من الأهل كما أنّ الأصل في السفر هو المشقة عادةً وربما لا توجد المشقة لعارضٍ فلا يعتبر العارض فيجعل كأن المشقة قد وجدت حتى عمل عملَ السفر الذي وجدت فيه المشقة في إثبات الرخصة كذلك ههنا.
قوله: ((ولأن المنجس اختلاط الدم المسفوح بأجزائه عند الموت)) ولهذا قلنا: إن المصلى إذا استصحب فأرةً أو عصفورةً حيّةً لم تفسد صلاته ولو كانت نجسةً لفسدت ولو ماتت حتف أنفها فاستصحبها فسدت، والسمكة لو استصحبها في صلاته لا تفسد صلاته ميتةً كانت أو حيّةً؛ لأنّه لا دم لها.
ولا يقال: إنّ الدموي من الحيوانات كما يشمل على الدم بعد الموت، فكذلك يشتمل على الدم قبل الموت فلو كان المنجس هو الدم لكان الدموي من الحيوانات نجساً على تقديري الموت والحياة؛ لأنّا نقول الدموي من الحيوانات قبل الموت وإن كان يشتمل على الدم ولكن الذي يشتمل عليه قبل الموت في معدنه ومظانه، والدماء بعد الموت تنصبّ عن مجاريها فلا يبقى في معادنها فيتنجس اللحم بنشر به إيانا، ولهذا لو قطعت العروق بعد الموت لا تسيل منها الدم كذا في الفوائد الظهيريّة.
قال: ((وموت ما يعيش في الماء فيه)) قوله: في الماء ظرف العيش وقوله فيه ظرف الموت.
قوله: ((لمّا مرّ)) إشارة إلى قوله: لأنّ التحريم لا بطريق الكرامة يعني أنّ الضفدع والسرطان لمّا حرم أكلهما مع صلاحيتها دل على نجاستهما.
قوله: ((كبيضة حال محها دماً)) أي: تغير صفرتها دماً يعني لو صلى وفي كمّه تلك البيضة تجوز الصلاة معها؛ لأنّ النجاسة في محلها بخلاف ما إذا صلى وفي كمّه قارورة وفيها دم لا تجوز صلاته؛ لأنّ النجاسة ليست في معدتها.
قوله: ((ولأنّه لا دم فيها)) وجعل شمس الأئمة السّرخسيّ رحِمهُ الله هذا التعليل أصح فقال: والثاني أنّه ليس لهذه الحيوانات دم سائل فإن ما يسيل منها إذا شمس يبيض والدم إذا شمس يسود، وهذا الحرف أصح؛ لأنّه كما لا يفسد الماء بموت هذه الحيوانات فيه لا يفسد غير الماء كالخل والعصير ويستوي إن يقطع أو لم يقطع إلا على قول أبي يوسف رحِمهُ الله، فإنه يقول: إذا قطع في الماء أفسده بناءً على قوله أن دمه نجس وهو ضعيف؛ فأنّه لا دم في السمك إنما هو ماءٌ آجن ولو كان فيه دم فهو مأكول فلا يكون نجساً كالكبد والطحال.
وأشار الطحاوي إلى أن الطافي من السمك في الماء يفسده، وهو غلط منه فليس الطافي أكثر فساداً من أنه غير مأكول فهو كالضفدع والسرطان.
وعن محمد -رَحِمه الله-: إنّ الضفدع إذا تفتت في الماء كرهت [24 - أ] شربه لا لنجاسته؛ لكن لأن أجزاء الضفدع فيه والضفدع غير مأكول، كذا في المبسوط.
قوله: ((والضفدع البّري والبحريّ سواء)) وإنما يعرف الضفدع المائي من البري أنّ المائي ما يكون بين أصابعه سترة دون البرّي كذا في الفتاوى الظهيرية.
قوله: قيل غير السمك يفسده، وهو قول نصير بن يحيى ومحمد بن سلمة وأبي معاذ البلخي وأبي مطيع -رحمهم الله-، وقيل: لا يفسده، وهو قول أبي عبد الله البلخي، ومحمد، بن مقاتل كذا في المحيط، ولكن هذا القول وهو قول أبي عبد الله البلخي أصحّ لما ذكرنا من اختيار شمس الأئمة -رحِمهُ الله- وهو اختيار صاحب الهداية -أيضاً- حيث قال: هو الأصح.
قوله: ((والماء المستعمل لا يطهر الأحداث)) والكلام ههنا في مواضع:
أحدها: في حكم الماء المستعمل.
والثاني: في سببه.
والثالث: في وقت أخذه حكم الاستعمال فبدأ ببيان حكمه، فقال: والماء المستعمل لا يطهر الأحداث، وإنما قيّد بالأحداث لما أنّه يطهر الأنجاس فيما روى محمد عن أبي حنيفة رَحِمهما الله الطهور ما يطهر غيره مرّة بعد أخرى، وقد ذكرنا في أوّل هذا الباب أنّ إفادة تطهير الغير إنما يعلم بالعدول عن صيغة الطاهر إلى صيغة الطهور لا باعتبار الوضع، وللشافعي في الماء المستعمل أقوالٌ ثلاثة أظهر أقاويله كما قاله محمد: إنه طاهر غير طهور، وقال في قول: طاهر ومطهّر، وقال في قول: إن كان المستعمل محدثاً فهو طاهر غير طهور، وإن كان متوضيّاً فهو طاهر و طهور، وهو قول زفر رحمه الله.
وقال مالك رحمه الله: طاهر وطهور، إلا أنه أحبّ إليّ أن يتوضأ بغيره لما أنّ عنده إذا وقعت في الماء نجاسة حقيقية ولم يتغيّر طعمه ولا لونه ولا ريحه لم ينجس.
قوله: ((عملاً بالشبهين)) وكان هذا كسؤر الحمار لما تعارضت الأدلة بعضها يوجب الطهارة، وبعضها يوجب النجاسة، خرج من أن يكون طهوراً ويبقى طاهراً بخلاف ما إذا لم يكن محدثاً؛ لأنّه لم يتحوّل إلى الماء شيءٌ لا من حيث الحقيقة ولا من حيث الحكم، فكان هذا وغسل ثوب طاهر سواء، فوجه قول محمد ما روي عن سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه -: «أنه مرض فتوضأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصبّ الغسالة عليه فأفاق»، وكذا في حق جابر - رضي الله عنه - ولو كان نجساً لما استشفى له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إنّ الله تعالى لم يجعل شفاءكم فيما حرّم عليكم»، ولأنّه طاهر لاقى طاهراً فلا ينجس، قياساً على ما غسل به ثوباً طاهراً؛ لأنّه لم يتحوّل إلى الماء نجاسة؛ لأنّه لا نجاسة على أعضائه إلا أنّه أقيم به قربه فزال عنه صفة الطهورية ألا ترى أنّ مال الصدقة لمّا أقيم به القربة تغيّر صفته فزال عنه الطيب حتى لم يحل لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولكن بقى حلالاً في نفسه حتى حل لغير رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فكذا تغيّر صفة الماء عندي بإقامة القربة حتى لو غسل أعضاء الوضوء متبرّداً لا بنيّة القربة، فإن الماء يبقى طهوراً عندي.
وأمّا وجه ما روى أبو يوسف رحمه الله عن أبي حنيفة رحمه الله فيما روى أبو هريرة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ((لا يبولنّ أحدكم في الماء الدائم، ولا يغتسلّن فيه من الجنابة))، فالنبيّ - صلى الله عليه وسلم - سوَّى بين النجاسة الحكمية والحقيقية فإنه كما نهى عن البول، كذلك نهى عن الاغتسال دلّ أنّ الاغتسال فيه يوجب النجاسة كالبول، والدليل عليه أنّ الجنب إذا اغتسل يؤخر غسل رجليه كيلا يتنجس رجليه ثانياً بالماء المستعمل فلو كان الماء المستعمل طاهراً لما أخروا لأنّهم أجمعوا أنّ المسافر إذا خاف العطش حل له التيمم ولا يؤمر بالتوضئ وجمع الغسالة للشرب. ولو كان لا يتنجّس لأمر بالتوضئ به ثم يجمع الغسالة للشرب مع عدته في ذلك الموضع، والمعنى أنّ الحدث في منع الصلاة فوق النجاسة الحقيقية، فإنّ اليسير من الحدث مانع عن الصلاة ومن الحقيقية لا، هذا كله في مبسوط شيخ الإسلام.
وذكر الطحاوي أنه إذا تبرد بالماء صار الماء مستعملاً وهذا غلطٌ منه، إلا أن يكون تأويله أنه إن كان محدثاً فيزول الحدث باستعمال الماء وإن كان قصده التقرب فحينئذ يصير مستعملاً كذا في المبسوط؛ ولأنّه ما أزيلت به النجاسة الحكمية؛ لأنّ عضو الجنب والمحدث له حكم النجاسة في الشرع حتى منع من جواز الصلاة فلذلك أطلق اسم التطهير بقوله: {ولكن يريد ليطهركم} {وإن كنتم جنبا فاطهروا} عبارة عن إزالة النجاسة وقد أزيلت تلك النجاسة بالماء فانتقل حكم النجاسة إليه كما في الحقيقية.
فإن قيل: بالأعضاء حكم نجاسة، والحكم لا يقبل التحوّل إلى الماء.
قلنا: لو لم يلحق بالعين في حق الإزالة لما ثبت حكم الإزالة، ولما تغيّر صفة الماء كما في الثوب الطاهر وقد تغيّر بالإجماع أو بالدلائل التي قلنا، فثبت أنه تحوّل إليه ما كان بالعضو حكماً ولا يثبت ذلك إلا أن يعتبر ذلك الحكم بعين حله.
فإن قيل: هذا إنّما يتحقق في المحدث والجنب، فأمّا المتوضئ إذا توضأ ثانياً بنيّة القربة فلا؛ لأنّه لم يكن بأعضائه من النجاسة الحكمية حتى تزول من أعضائه وينتقل إلى الماء.
قلنا: لما نوي القربة فقد ازداد به طهارة على طهارة ونوراً على نور على ما جاءت به الأخبار، وأن يكون طهارة جديدة حكماً إلا بإزالة النجاسة حكماً فصارت الطهارة على الطهارة وعلى الحدث سواء حكماً كذا في الأسرار.
وفي رواية الحسن عن أبي حنيفة رَحمهُ الله التقدير فيه بالدرهم كما في النجاسة العينية، ولكنه بعيد فإن في البلوى تأثيراً في تخفيف النجاسة، ومعنى البلوى في الماء المستعمل ظاهرٌ فإنّ صون الثياب عنه غير ممكن وهو مختلف في نجاسته فلذلك خف حكمه، كذا في المبسوط.
وقال في المحيط: (واختلفوا في طهارة الماء المستعمل قال محمد: هو طاهر وهو رواية عن أبي حنيفة رحِمهُ الله، وعليه الفتوى).
قوله: والماء المستعمل هو ما أزيل به حدث بأن يتوضأ متبرّداً وهو محدث وهذا هو بيان السّبب أو استعمل في البدن على وجه القربة بأن يتوضأ وهو طاهر بنية الطهارة.
قوله: وقيل: ((هو قول أبي حنيفة رحمه الله -أيضاً-)) وذكر في مبسوط شيخ الإسلام قالوا: يجب أن يكون قول أبي حنيفة كقول أبي يوسف، وقد دلّت مسائل على ما ذكرنا نقلت عنهم، قال في كتاب الحسن،" قال أبو حنيفة: إنْ غمسَ رجل جنب أو غير متوضئ يديه إلى المرفقين أو إحدى رجليه في ماء في إجانة لم يجز أن يتوضأ منه؛ لأنّه سقط فرضه عنه.
وذكر أبو يوسف في نوادر المعلّى رجل في يده قذر فأخذ الماء بفمه فصّبه على يده فغسلها لم يطّهرها؛ لأنّه قد صار الماء مستعملاً حين أخذ الماء بفمه وهو جنب.
وعنده الماء المستعمل نجس، وقال محمد في صلاة الأثر: طهر اليد إذا لم يرد به المضمضة وجاز به عن الوضوء.
قوله: ((لأن الاستعمال بانتقال نجاسة الآثام)) والإثم قذر؛ لقوله - عليه السلام -: ((من أصاب من هذه القاذورات فليستتر بستر الله تعالى))؛ ولأنّه شعبة من الكفر وهو أقوى النجاسات، وأبو يوسف يقول: إسقاط الفرض مؤثر -أيضاً-؛ وذلك لأنّ تغيّر الماء عندهما لزوال نجاسة حكمية إلى الماء وقد زالت في الحالين إلى الماء نجاسة حكمية من الوجه الذي بينّا فأوجب ذلك فساد الماء كما لو تحوّل الى الماء نجاسة حقيقية.
وعند محمد تغيّر الماء ليس من حيث إنه زال إلى الماء شيء لكن من حيث إنه أقام به القربة، فمتى صار مقيماً للقربة تغير صفة الماء، وإلا بقي طهوراً كما كان.
قوله: ((ومتى يصير مستعملاً)) هذا هو بيان وقت أخذه حكم الاستعمال.
قوله: ((كما زايل العضو)) الكاف ههنا للمفاجأة لا للتشبيه، كما تقول كما خرجت من البيت رأيت زيداً أي فاجأت ساعة خروجي ساعة رؤية زيد، أي: يصير الماء مستعملاً مفاجئاً وقت زواله عن العضو وقت الاستعمال من غير توقف إلى وقت الاستقرار في موضع، كما هو زعم بعضهم، وذكر في المحيط: (إنّ الماء إنما يأخذ حكم الاستعمال إذا زايل البدن والاجتماع في مكان ليس بشرط هذا هو مذهب أصحابنا رحمهم الله) وقال: وما ذكر في شرح الطحاوي إنّ الماء إنما يأخذ حكم الاستعمال إذا زايل البدن وأستقر في مكان فذاك قول سفيان الثوري وإبراهيم النخعي وبعض مشايخ بلخ وهو اختيار الطحاوي، وبه كان يفتي ظهر الدين المرغيناني، أمّا مذهب أصحابنا ما ذكرنا، وعن هذا قلنا: إنّ من نسي مسح رأسه فأخذ ماء من لحيته ومسح به رأسه لا يجوز.
وفي نظم الزندويستي: إنّ عند مشايخ بخارى يصير الماء مستعملاً، وإن كان في الهواء حتى قالوا: لو أصاب ثوبه يتنجّس، وفي الفتاوى الظهيريّة اتفق علماؤنا في أن الماء الذي تأدت به القربة ما دام متردداً في العضو لا يعطى له حكم الاستعمال، فإذا زايل العضو ولم يصل إلى الأرض ولا إلى موضع يستقر فيه بل هو [25 - أ] في الهواء إذا نزل على عضو إنسان وجرى فيه لم يصر متوضئا، وقال أبو سهل الكبير: وبه يقول أصحاب العسرة ببخارى أن الماء لا يصير مستعملاً ما لم يستقر في مكان (من الأرض) أو إناءٍ.
قوله: ((والجنب إذا انغمس لطلب الدلو)) أي: الجنب الذي ليس في بدنه نجاسة من المني وغيره فيه إشارة إلى أنه لو انغمس للاغتسال للصلاة يفسد الماء عند الكل، وهو شرط عنده، أي: في الماء الذي ليس بجارٍ ولا هو في حكم الجاري حتى إنه لا يشترطه في الماء الجاري والحياض الكبيرة.
وقال أبو يوسف: العضو لا يطهّر إلا بصب الماء عليه، وروي عنه أن الثوب لا يطهر إلا بالصب -أيضاً-، وهو قول الشافعيّ، فوجهه أنّ القياس يأبى التطهير بالغسل؛ فأنّ الماء يتنجس بأوّل الملاقاة فلا يحصل به التطهير، وإنما حكمنا بالطهارة ضرورة إنّ الشرع كلفنا بالتطهير والتكليف يعتمد القدرة، وسمّي الماء طهوراً وذلك يقتضي حصول الطهارة به، والضرورة تندفع بطريق الصبّ فلا ضرورة إلى طريق آخر مع أنّ الماء حالة الصبّ بمنزلة ماء جار، وفي غير حالة الصبّ راكد والماء الراكد أضعف من الماء الجاري، ووجه الرواية التي فرق أبو يوسف رحمه الله بين الثوب والبدن: إنّ غسل الثياب بطريق الصبّ لا يتحقق إلا بكلفة ومشقة؛ لأنّها تغسلها النساء عادة، وكل امرأة لا تجد خادماً يصبّ الماء عليها ولا ماءً جارياً، أمّا غسل البدن يتحقق بطريق الصبّ من غير كلفة.
ولأبي حنيفة ومحمد رَحِمهما الله وهو الاستحسان؛ إنّ الثوب يخرج من الماء الثالث طاهراً لأجل البلوى والضرورة، فإن الماء الجاري لا يوجد في كل مكان والثوب قد يكون ثقيلاً لا تقدر المرأة على حمله ليصبّ عليه الماء فتعصره فتبتلي بالغسل في الاجانات ثم الماء للطافته يتداخل في أجزاء الثوب فتخرج النجاسة أولاً ثم يخرج الماء على أثره بالعصر فلهذا حكم بطهارته، والمياه كلها نجسة لتحوّل النجاسة من الثوب إلى الماء.
فإن قيل: البلّة الباقية في الثوب بعد العصر جزء من الماء الثالث، والماء الثالث نجسٌ فكيف كانت هذه البلّة طاهرة؟.
قلنا: لمعنى البلوى فإنه لا يمكن عصر الثوب على وجه لا يبقى فيه بلّه وما لا يستطاع التحرز عنه فهو عفو، ثم هذه البلّة لا تماس النجاسة فإن النجاسة خرجت من الثوب ثم الماء خرج بالعصر فما بقي من البلة لم تماس النجاسة ألا ترى أنه لو كان مكان النجاسة لون في الثوب يتحوّل ذلك اللون إلى الماء، ولا يبقى شيء منه في الثوب لبقاء البلّة، فهذا كذلك كذا في جامعي شمس الأئمّة، وقاضي خان رَحِمهما الله.
قوله: لعدم الأمرين، وهما: إسقاط الفرض ونية القربة، ثم إنما قدم قول أبي يوسف ولم يوسّطه كما هو حقه لزيادة احتياجه إلى البيان بسبب ترك أصله، وذكر شيخ الإسلام في مبسوطه أن أبا يوسف ترك أصله في هذه المَسْألة فإنه كان يجب أن ينجس الماء على مذهبه كما قال أبو حنيفة رحمه الله لأنّ الماء يصير مستعملاً عنده بسقوط الفرض وقد سقط الفرض، وإن لم ينو فكأنه إنما ترك أصله في هذه المَسْألة لضرورة الحاجة إلى طلب الدلو فلم يسقط الفرض كيلا يصير الماء نجساً فيفسد البئر، ويوجد لهذا نظير وهو ما روي عن أبي يوسف أنه قال: إذا أدخل الجنب أو المحدث يده في الأناء ليفترق الماء لا يزول الحدث عن يده كيلا يفسد الماء للحاجة إلى الاغتراف فكذا هذا.
وأمّا محمد مرّ على أصله؛ لأنّ الماء إنما يصير مستعملاً عنده بإقامة القربة ولم يوجد ولكن طهر الرجل؛ لأنّ نية القربة ليست بشرط لثبوت الطهارة؛ لأن الماء بطبعه طهور من غير نيّة، وكذلك أبو حنيفة مرّ على أصله وقال: صار الماء مستعملاً بإسقاط الفرض وإن لم توجد نيّة القربة لما ذكرنا أنّ النية ليست بشرط لسقوط الفرض، وإذا سقط الفرض صار الماء مستعملاً عنده فيتنجّس الرجل.
وذكر الإمام المحبوبي -رَحِمه الله-: لما لم يشترط النية لسقوط الفرض عند أبي حنيفة رحِمهُ الله صار الماء مستعملاً فيتنجس الرجل لكن نجاسة الماء النجس لا نجاسة الجنابة عند بعض أصحابنا حتى يجوز له قراءة القرآن ودخول المسجد.
قال الصّدر الشهيد رحمه الله: والصحيح أنه نجس نجاسة الجنابة؛ لأنّه بأوّل الملاقاة صار الماء مستعملاً فعند أبي يوسف الرجل بحاله جنب والماء بحالة طاهر؛ لأنّه لو حكم بطهارة الرجل (صار الماء مستعملاً بأوّل الملاقاة والمستعمل عنده نجس فلا يطهر به الرجل)، وإذا لم يطهّر ينتقض الحكم بالاستعمال فيودّي إلى الدور فيقال من الابتداء الماء طاهر بحاله والرجل جنب بحاله احترازاً عن الدّور [25 - ب] قال القدوري: كان شيخنا أبو عبد الله الجرجاني رحمهما الله يقول: الصحيح عندي من مذهب أصحابنا إنّ إزالة الحدث يوجب استعمال الماء ولا معنى لهذا الخلاف إذ لا نصّ منهم على هذا الوجه، يعني أن الماء إنما يكون مستعملاً عند أبي يوسف بأحد أمرين إسقاط الفرض ونيّة القربة، وعند محمد بنية القربة، ولا يجوز أن يؤخذ هذا الاختلاف من مسألة البئر ويمكن تخريجها على القولين من غير إثبات الخلاف، قال الكرخي رحمه الله: ((ويمكن تخريجها بأن يقال: إن محمداً إنما لم يحكم بنجاسة البئر لمكان الضرورة كما قلنا في الجنب أو المحدث إذا أدخل يده في الإناء للاغتراف لا يصير الماء مستعملاً بلا خلاف لمكان الضرورة؛ لأنّ الإنسان عسى لا يجد إناء صغيراً، ولا يمكنه صب الماء على يده من الإناء الكبير فيضطر إلى الإدخال وقامت اليد مقام الإناء الصغير، ولم يعتبر أبو يوسف تلك الضرورة في البئر فوقع الاختلاف، -وههنا- لا ضرورة ويثبت حكم الاستعمال عند إسقاط الفرض بلا خلاف، ولا يصح الاستدلال بمسألة البئر على إثبات الخلاف -ههنا- لوجود الفارق على ما ذكرنا، كذا في المحيط، و الفوائد الظهيريّة.
قلت: فحصل من الأقوال الثلاثة المنقولة عن أبي حنيفة رحمه الله أنّه على
القول الأوّل: لا يجوز الصلاة ولا قراءة القرآن.
وعلى القول الثاني: يجوز قراءة القرآن ولا يجوز الصّلاة.
وعلى القول الثالث: يجوز كلاهما وتسمى هذه المسألة مسألة: جحط، الجيم عبارة عن نجاسة كل واحد من الرجل والماء أنهما نجسان، والحاء عن إبقاء حال كل واحد منها على ما كان والطاء عن طهارة كل واحد منهما وترتيب الأحكام على ترتيب العلماء الثلاثة.
قوله: ((وكل إهاب دبغ فقد طهر جازت الصلاة فيه والوضوء منه)) تتعلق هذه المَسْألة بمواضع ثلاثة: بمَسْألة الصيد لمناسبة طهارة جلد الصيد بالدباع، وبمَسْألة الصلاة لمناسبة جواز الصلاة فيه، وبمَسْألة الطهارة لمناسبة جواز الوضوء منه، فكذلك ذكرها في هذه المواضع في المبسوط، وأشبع بيانها في باب الحدث منه إلا جلد الخنزير والأدميّ، التقديم دليل التعظيم في موضع العظيم كقوله تعالى: {والسابقون السابقون أولئك المقربون} وأمّا في موضع الإهانة، فالتعظيم في تأخيره كقوله تعالى: {لهدمت صوامع وبيع ومساجد} وهو بعمومه حجه على مالك؛ لأنّ النكرة إذا اتصفت بصفة عامّة يتعممّ كقولهم: أي عبيدي ضربك فهو حرٌّ، يُعتق كلهم إذا ضربوه، تقديره أي إهاب مدبوغ فهو طاهر، ثم عند مالك لا يجوز الصلاة على جلد الميتة ولا الانتفاع به، وإن كان مدبوغاً إلا في الجامد من هذه الأشياء.
وقال بعض النّاس: إن كان جلد ما يؤكل لحمه يطهر بالدباغ لحديث ميمونة رضي الله عنها وهو ما روى عن رسول الله - عليه السلام -: «أنه مرّ بشاة لميمونة فقال: هلا انتفعتم بإهابها» فقيل: إنها ميتة، فقال: «إنما حرّم من الميتة أكلها»، وإن كان جلد ما لا يوكل لحمه لا يطهر بالدباغ لقوله تعالى: {حرمت عليكم الميتة} وجعل هذا القول قول الشافعي في مبسوط شمس الأئمة السّرخسيّ واستدل مالك بحديث عبد الله بن حكيم الليثي - رضي الله عنه - قال: «أتانا كتاب رسول الله - عليه السلام - قبل موته سبعة أيام، وفي رواية بشهر أو شهرين وكان فيه: «لا ينتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب»، وقلنا: الإهاب اسم للجلد الذي لم يدبغ كذا قاله الأصمعي، والدليل عليه -أيضاً- ما روى عن عائشة رضي الله عنها: (أنها كانت تخطب وتمدح أباها، فقالت: رحم الله أبا بكر قرر الرؤوس على كواهلها والدماء في أهبها)، كذا في مبسوط شيخ الإسلام وذكر في الفائق إنما سمي أهاباً؛ لأنّه أهبه للحي وبناء للحماية له على جسده كما يقال له المسك لا مساكة ما رواه فإذا دبغ سمي أديماً أو صرماً أو جراباً فحينئذ لا معارضة بين الحديثين، إذ التعارض يقتضي اتحاد المحل مع اتحاد حالته واختلاف الحالة ينفي التعارض وإن كان أصلهما واحداً كحرمة الخمر وحل الخل.
قوله -رحِمهُ الله-: ((وحجة على الشافعي في جلد الكلب)) وليس في تخصيص الكلب زيادة فائدة لما أنّ عنده كل ما لا يوكل لحمه لا يطهر جلده بالدباغة، وقاس بجلد الخنزير والآدمي.
ولنا عموم الحديث المذكور في الكتاب، وما طهر من لباس الناس كجلد الثعلب والفنك والسمور ونحوها في الصلاة وغيرها من غير نكير منكرٍ يدل على طهارته بالدباغ كذا ذكر في باب الحدث من [26 - أ] المبسوط، ولكن ذكر في الأسرار ما يوافق لتخصيص الهداية حيث قال بطهارة جلود السباع بالدباغ سوى الكلب والخنزير عند الشافعي على ما يجئ في بيان الأشياء.
قوله رحمه الله: ((وليس الكلب بنجس العين)) هذه مَسْألة اختلفت فيها روايات المبسوط ذكر في باب الحدث منه وجلد الكلب يطهر عندنا بالدباغ.
وقال الحسن بن زياد: (لا يطهر وهو قول الشافعي؛ لأنّ عين الكلب نجس عندهما، ولكنا نقول الانتفاع به مباح في حالة الاختيار فلو كان عينه نجساً لما أبيح الانتفاع به).
قلت: في هذا اللفظ تنصيصٌ على أنّ الكلب ليس بنجس العين عندنا ثم ذكر في أوائل باب الوضوء والغسل منه في بيان مَسْألة سؤر الكلب فقال: الصحيح من المذهب عندنا إن عين الكلب نجسٌ، إليه يشير محمد في الكتاب في قوله: وليس الميت بأنجس من الكلب والخنزير، ثم قال: وبعض مشايخنا يقولون: عينه ليس بنجس، ويستدلون عليه بطهارة جلده بالدباغة، وذكر -أيضاً- في كتاب الصيد منه في مَسْألة بيع الكلب في التعليل فقال: وبهذا يتبين أنه ليس بنجس العين، وذكر في الإيضاح اختلاف الرواية فيه.
وفي مبسوط شيخ الإسلام: وأمّا جلد الكلب فعن أصحابنا فيه روايتان: في رواية يطهر بالدباغ، وفي رواية لا يطهر، وهو الظاهر من المذهب.
وفي فتاوى قاضي خان: إذا وقع في البئر كلب أو خنزير ومات أو لم يمت أصاب الماء فم الواقع أو لم يصب ينزح ماء البئر كله، أمّا الخنزير؛ فلأن عينه نجس، والكلب كذلك، ولهذا لو ابتل الكلب وانتفض وأصاب ثوباً أكثر من قدر الدرهم أفسده.
وفي المحيط: (الكلب إذا وقع في الماء فأخرج حيّاً إن أصاب فمه الماء يجب نزح جميع الماء، وإن لم يصب فمه الماء فعلى قولهما يجب نزح جميع الماء وعن أبي حنيفة رضي الله عنه لا بأس به، وقال: وهذا إشارة إلى أنّ عين الكلب ليس بنجس).
قوله: ((ألا يرى أنه ينتفع به حراسةً واصطياداً)) فإن قلت: يشكل هذا بالسّرقين فإنه نجس العين ثم إنه ينتفع به إيقاداً و تقوية للزراعة.
قلت: قال شيخي رَحِمه الله: هذا انتفاع بالاستهلاك فهو جائز في نجس العين كالاقتراب من الخمر للإراقة.
قوله: بخلاف الخنزير وفي مبسوط شيخ الإسلام: من مشايخنا من قال: إنّما لا يطهُر جلد الخنزير بالدبغ؛ لأنّه لا يندفع؛ لأنّ شعره ينبت من لحمه، ولو تصوّر دبغه لطهر، وقال بعضهم: لا يطهر وإن اندبغ؛ لأنّه محرّم العين شرعاً، وفي المبسوط: وأمّا جلد الخنزير فقد روى عن أبي يوسف أنه يطهر بالدباغ -أيضاً-، وفي ظاهر الرواية: أنه لا يحتمل الدباغة؛ فإن له جلوداً مترادفة بعضها فوق بعض كما للآدمي، وإنما لا يطهر لعدم احتماله المطهّر وهو الدباغ؛ ولأن عينه نجس وجلده من عينه منصرف إليه لقربه.
فإن قلت: المضاف والمضاف إليه إذا كان كل واحد منها صالحاً لرجوع الضمير إليه يرجع إلى المضاف لا إلى المضاف إليه كما تقول: رأيت ابن زيد فكلمته، بخلاف قوله تعالى: {واشكروا نعمة الله إن كنتم إياه تعبدون} إذ العبادة لا يتصور للنعمة، وما نحن بصدده من قبيل ابن زيد لوجود صلاحيّة رجوع الضمير إلى كل واحد من اللحم والخنزير قلت: يجوز رجوع الضمير إلى المضاف إليه مع وجود الصلاحية إلى المضاف كما في قوله تعالى: {والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه} قال في الكشاف: يجوز أن يرجع الضمير في ميثاقه إلى العهد أو إلى الله، وهذا نصّ منه على ما ادّعيت، وكذلك قال في قوله تعالى: {وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم} قرئ بياء المذكر وتاء المؤنث رجعا إلى اللبوس والصنعة فلما جاز كلاهما جوازاً شائعاً رجع إلى الخنزير هنا لكونه أشمل وأحوط ثم ما يمنع النتن والفساد فهو دباغ وإن كان تشميساً وهذا عندنا.
وعند الشافعي لا يكون دباغاً إلا بما يزيل الدسومات النجسة عنه، وذلك باستعمال الشب والقرظ (والعفص) ودليلنا فيه: أنّ المقصود إخراجه من أن يكون صالحاً لمنفعة الأكل وقد حصل ذلك، كذا في المبسوط.
وذكر في الخلاصة حتى إنّ جلد الميتة إذا يبس ثم وقع في الماء القليل لا يفسده، وما يطهر جلده بالدباغ يطهر بالذكاة هذا اختيار بعض المشايخ، وعند بعضهم: إنما يطهر جلد الحيوان بالذكاة إذا لم يكن سؤرة نجساً، وذكر في فتاوى قاضي خان رحمه الله في فصل النجاسة التي يصيب الثوب (وما يطهر جلده بالدباغ يطهر لحمه بالذكاة ذكره شمس الأئمة الحلواني رحمه الله).
قيل: يشترط أن يكون الذكاةُ من أهلها في محلها، وهو ما بين اللّبة واللحيين، وقد سمّي بحيث لو كان مأكولاً يحل أكله بتلك الذكاة.
قوله: ((لأنّها تعمل عمل الدباغ في إزالة الرطوبات)) أي: فيما إذا وجدت إزالة الرطوبات بالذكاة الشرعية بأن كانت من الأهل بالتسمية حينئذ يجعل الذكاة إزالة للرطوبات النجسة، وأمّا إذا كان الذابحُ مجوسيّاً، لا يجعل الإزالة الحاصلة من ذبحه إزالة؛ لأنّ فعله إماتة في الشرع لا ذبح، وحكم الموت إذا ثبت له لا بدّ من الدباغ كذا في الإيضاح.
قوله: ((وكذلك يطهر لحمها)) في هذه الرواية نوع ضعف، لما أنّ حرمة أكل اللحم فيما سوى الآدمي ولم يتعلق به حق العباد دليل النجاسة وأيّد هذا المعنى ما ذُكر في الأسرار في مَسْألة أنّ جلود السّباع يطهر بالذكاة عندنا خلافاً للشافعي رحمه الله ثم قال فإن قيل: الجلد يكون متصلاً باللحم واللحم نجس فلا يطهر بالذكوة، فكيف يكون الجلد طاهراً؟.
قلنا: من مشايخنا من يقول: اللّحم طاهر وإن لم يحلّ الأكل، ومنهم من يقول: نجسٌ وهو الصحيح عندنا لما مرّ أنّ الحرمة في مثله (المراد بالمثل هو أن يكون صالحا للأكل) تدل على النجاسة، ولكنّا نقول: بين اللحم والجلد جلدة رقيقة تمنع مماسّة اللحم الجلد الغليظ فلا ينجس، وكذلك من تعليل شمس الأئمة في طهارة جلد المذبوغ بقوله: إن المقصود إخراجه من أن يكون صالحاً لمنفعة الأكل وقد حصل، يعرف به أن لحمه لم يطهر لما أنه لم يخرج عن صلاحية منفعة الأكل حقيقة وكذلك ذكر الناطفي رحمه الله: إذا صلى ومعه من لحم السباع كالثعلب ونحوه أكثر من قدر الدرهم لا يجوز صلاته، وإن كان مذبوحاً، ((وعن الفقيه أبي جعفر إذا صلى ومعه لحم سباع الوحش قد ذبح لا تجوز صلاته، ولو وقع في الماء أفسده)) كذا في فتاوى قاضي خان.
قوله رحِمهُ الله: ((وقال الشافعي: نجسٌ)) وذكر في المبسوط: وهذا الاختلاف بناء على أنّ لا حياة للشعر والعظم عندنا، وقال الشافعي: فيهما حياة، وقال مالك: في العظم حياة دون الشعر، واستدلوا بقوله تعالى: {قال من يحيي العظام وهي رمييم}، ولأنّه ينمو (نماء ذي) الروح فيحله الموت ويتنجس به، ومالك يقول: العظم يتألم ويظهر ذلك في السنّ بخلاف الشعر.
قلنا: إنه بيان من الحيّ فلا يتألم به ويجوز الانتفاع به وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: ((ما أبين من الحيّ فهو ميت))، فلو كان فيه حياة لما جاز الانتفاع به، ولا نقول: إنّ العظم يتألم بل ما هو متصل به من اللحم يتألم وبين الناس كلام في السنّ أنه عظم أو طرف عصب يابس فإن العظم لا يحدث في البدن بعد الولادة، وتأويل قوله تعالى: {من يحيي العظام}: النفوس وفي العصب روايتان: في إحدى الروايتين فيه حياة لما فيه من الحركة ويتنجس بالموت ألا ترى أنه يتألم الحيّ بقطعه بخلاف العظم فإن قطع قرن البقرة لا يؤلمها فدل أنه ليس في العظم حياة فلا يتنجس بالموت وإليه أشار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين مرّ بشاة ملقاةٍ لميمونة، فقال: هلا انتفعتم بإهابها! فقيل: إنها ميتة، فقال: «إنما حرم من الميتة أكلها»، وهذا نصّ على أنّ ما لا يدخل تحتَ مصلحة الأكل لا يتنجس بالموتِ وعلى هذا شعر الآدمي طاهر عندنا، خلافاً الشافعي رحمه الله فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - «حين حلق رأسه قسم شعره بين أصحابه» فلو كان نجساً لما جوز لهم التبرك به، ولكن لا ينتفع به لحرمته، والذي قيل: إذا طحن سن الآدمي مع الحنطة لم يؤكل فذلك لحرمة الآدمي لا لنجاسته.
وفي مبسوط شيخ الإسلام في تعليل هذه المَسْألة إنّ لهذا عيناً لو انفصل منه حالة الحياة [حكم بطهارته وإذا انفصل منه بعد الموت كذلك حكم لطهارته قياساً على البيضة والولد وتبين بالانفصال حالة الحياة] حتى لم يصر ميتة أنه لا روح في هذه الأشياء، إذ لو كان فيه روح لكان إذا أبين من الأصل حال حياة الأصل لصار ميتة كاللحم ولم يصر ميتة، علمنا أنه لا روح في هذه الأشياء.
والجواب عن تعلقهم بقوله تعالى: {حرمت عليكم الميتة} هو ما قال شيخي رَحِمه الله الميتة اسم لما فارقه الروح من غير ذكاة مما له مذبح، ولم يكن لهذه الأشياء روح حتى يزيلها فلا تدخل تحت التحريم.
وقال -أيضاً- في مبسوط شيخ الإسلام: وأمّا قوله: جزء ومتصل بذي روح ينمو بنمائه قلنا: لا نسلم أنه ينمو بنمائه ألا ترى أنّه ينمو مع نقصان الأصل فإن الأصل إذا مرض وأخذ في النقصان فإن الشعر يزداد وينمو فلم يستقيم ذلك القول، ثم ذلك -أيضاً- لا يدل على أنّ فيه حياة كالنبات والشجر؛ ولأنّ فيه ضرورة وبلوى فإنّه متى حلق الرأس أو مشط اللحية لا بد من أن يتناثر بعض شعوره فيلتزق به فلو منع ذلك جواز الصلاة لضاق الأمر على الناس، والدليل على أنّ فيه ضرورة ما حكي أنّ ضيفاً نزل على الشافعي رحمه الله فرفع فضة ليشتري له الباقلي الرطب فاشترى ثم حلق رأسه ثم قام فصلى فقال له الضيف أليس إن هذا على مذهبك لا يجوز؟.
فقال: نعم، لكن إذا اضطررنا في شيءٍ انحططنا إلى قول أهل العراق فثبت أنّ فيه ضرورة.
قوله: ((إذ الموت زوال الحياة)) قال شيخي رَحِمه الله: وهذا تعريف يلازمه المسمى لا بنفس المسمى، بل الموت أمر وجوديّ، يلزم منه زوال الحياة، قال الله تعالى: {الموت والحياة} وما يدخل تحت الخلق فهو أمر وجودي. والله أعلم.
فَصْلٌ فِي الْبِئْرِ
لما ذكر حكم الماء القليل بأنّه يتنجس كله عند وقوع النجاسة فيه حتى يراق كله، ورد عليه حكم ماء البئر نقضا في أنّه لا ينزح كله في بعض الصور، استدعى هو ذكر ماء البئر بفصل على حدة مرتباً عليه؛ لأن كونه من الماء القليل يقتضي أن يكون متصلاً به من غير فصل و لكن مخالفته في الحكم يقتضي أن يكون منفصلاً عنه، فوصله بفصل على حدة رعاية للمعنيين؛ وذلك لأنّ ماء البئر مخصوص بأحكام يخالف بها حكم الماء القليل فإن حكمه يتفاوت بتفاوت الواقع ويطهر بإزالة بعضه في بعض الصور إتباعاً للآثار، وعن هذا قالوا مسائل الآبار مبنية على إتباع الآثار، وإلا ففيه قياسان إذا وقعت فيه النجاسة إما أن يطم البئر طماً ولا ينتفع به أبداً لاختلاط النجاسة بالأوحال والجدران كما قاله بشر المريسي، وإمّا أن لا ينجس أبداً كالماء الجاري؛ لأنّه كلما يؤخذ من أعلاه ينبع من أسفله، فصار كحوض الحمام إذا كان يصب من جانب ويؤخذ من جانب؛ حتى لا يتنجس بإدخال اليد النجسة فيه إذا كانت الحالة هذه، ولهذا نقل عن محمد أنه قال: اجتمع رأيي ورأي أبي يوسف إنّ ماء البئر في حكم الماء الجاري ألا إنا تركنا القياس واتّبعنا الآثار.
وعند الشافعي رحمه الله يستخرج الفأرة ويبقى الماء طاهراً لما أن المذهب عنده أنّ الماء إذا بلغ قلّتين لا يحمل خبثاً وماء البئر أكثر من قلتين فلا يتنجس لهذا، وبعض الجهال من أصحاب الشافعي يطعنون في هذا فيقولون: ما أكيس دلو أبي حنيفة رحمه الله حيث ميزّ الماء النجس من الطاهر، قال شمس الأئمّة رَحِمه الله هذا في الحقيقية طعن في السّلف لما أنّ طهارة البئر ينزح بعض الدلاء قول السلف من الصحابة والتابعين فيقال لهم ما أكيس قرعة الشافعي حيث ميزت الحرَّ من الرقيق، وكذلك قال الشافعي في البينات إذا تعارضت تميّز المحق من المبطل بالقرعة وقرعته تلك أكيس من دلونا كذا في الظهيرية.
قوله رحِمهُ الله: ((نزحت)) أي: البئر أي ماؤها بحذف المضاف لعدم الإلباس لما أنّ عين البئر لا يمكن نزحها وبنزح النجاسة لا يتم جواب المسألة فتعيّن ما قلنا، والتأنيث باعتبار الإسناد الظاهري، ولأنّ قوله: وكان نزح ما فيها من الماء، دليل على ما قلنا، فكان هذا من قبيل إطلاق اسم المحل على الحال لقولهم جري النهر.
قوله: وكان نزح ما فيها طهارة لها إشارة إلى أنها تطهر بمجرد النزح من غير توقف إلى غسل الأحجار ونقل الأوحال.
قوله: ((إنّ آبار الفلوات ليس لها رؤوس حاجزة)) فيه إشارة إلى أن حكم آبار الأمصار على خلاف هذا، وهذا أحدُ وجهَي الاستحسان الذي ذكره الإمام المحبوبي -رَحِمه الله- فقال: إنّ الاستحسان على وجهين، أحدهما: الضرورة؛ لأنّ آبار الفلوات ليست لها رؤوس حاجزة والإبل والغنم تنزل حولها وتبعر، والرياح يلقيها في البئر فلا يمكن الاحتراز عنها، فلو حكمنا بنجاسة الماء أدى إلى الحرج، فعلى هذه العلة لا يفرق بين الرطب واليابس، والصحيح والمنكسر والبعر والروث، ولكن يفرّق بين آبار الفلوات وبين آبار الأمصار. قال شيخ الإسلام في المبسوط: فأمّا إذا كان في الأمصار اختلف مشايخنا فيه، قال بعضهم: يتنجسٍ إذا وقع فيها بعرة أو بعرتان؛ لأنّها لا تخلو عن حائل بتابوت أو حائط [27 - ب] فلا تتحقق فيها الضرورة، وقال بعضهم: لا يتنجس اعتباراً للوجه الآخر من الاستحسان وهو إن البعرة شيءٌ صلب وعلى ظاهرها رطوبة الأمعاء لا يتداخل الماء في أجزائها فعلى هذا العلة قيل: إن وقع نصف البعرة تفسده؛ لأن النصف منه غير مستمسك فيتداخل النجاسة في أجزائه ويمتزج به بخلاف البعر الكامل؛ لأنّه صلب مستمسك لا يتداخل النجاسة في أجزائه فلا ينجسه، وهذا كالفأرة والحيّة والهرّة إذا وقعت في البئر وأخرجت كذلك حية لا تنجسه وذنب الفأرة إذا وقع فيها ينجسّها قال شيخ الإسلام: والصحيح إن الكل والنصف سواء ولا ينجسه، وذكر الحاكم الشهيد في كتاب الإشارة فقال: إن كان رطباً يتنجس، وإن كان يابساً لا يتنجس؛ لأنّ الرطب لا يبعث بالريح لثقله ولصوقه بالأرض ولا ضرورة واليابس ينبعث بالريح لخفته.
وحكي عن الشيخ الإمام أبي بكر محمد بن الفضل: أنّ ماء البئر لا يتنجس بالرطب واليابس جميعاً وهكذا حكى عن شمس الأئمة السّرخسيّ -رحِمهُ الله- حيث سوّي بينهما لتحقق الضرورة، وقال الإمام التمرتاشي: واختلف في آبار البيوت: فمنهم من قال: يفسده؛ لأنّ الضرورة معدومة، والأصح التسوية أي لا تفسد، واختلف المشايخ في روث الحمار واخثاء البقر إذا وقع في البئر هل ينجسه؟.
ذكر شمس الأئمة السرخسي رحمه الله في شرح هذا الكتاب، وفي المبسوط: (إنّ في روث الحمار والفرس القليل والكثير سواء)؛ لأنّه ليس له صلابة فيتداخل الماء في أجزائه فيتنجس، وكذا المتفتت من البعر في ظاهر الرواية إلا أنه روي عن أبي يوسف رحِمهُ الله: قال القليل من الروث عفو، وهو الأوجه كذا ذكره الإمام المحبوبي، وذكر في المبسوط وعن أبي يوسف في تبنة أو تبنتين من الأرواث يقع في البئر استحسن أن لا يفسد ولا أحفظه عن أبي حنيفة وهو الأصح؛ لقيام البلوى.
قلت: بهذه الروايات يعلم أن قوله ولا فرق بين الرطب واليابس والصحيح والمنكسر والروث والخثي والبعر في كل منه خلاف ثم البعرة للبعير، والشاة من بَعَر أي ألقى البعر من حد منع، والروث للفرس والحمار من راث الفرس من حد نصر، والخثي بكسر الخاء واحد الإخثاء للبقر خثياً من حد ضرب، كذا في الصحاح وغيره.
واختلف في الكثير منه قيل: أن يغطى وجه ربع الماء، وقيل: وجه أكثره، وقيل: أن لا يخلو دلو من بعرة وهو الصحيح كذا في المبسوط، وذكر الإمام التمرتاشي: ذكر البعرتين إشارة إلى أن الثلاث كثير.
قوله: ((يرمي البعر ويشرب اللبن)) يعني: لا ينجس هذا إذا رميت من ساعته ولم يبق لها لون هكذا ذكره شيخ الإسلام رَحمهُ الله في المبسوط، مقيّداً بقوله: لا ينجس إذا رميت من ساعته ولم يبق لها لون لعموم البلوي والضرورة؛ لأنّ من عادتها أنها تبعر عند الحلب وللضرورة أثر في إسقاط حكم النجاسة.
قوله: ((خرء الحمام والعصفور)) طاهر عندنا، وقال الشافعي: نجس، والقياس ما قاله الشافعي ولكن استحسن علماؤنا لحديث بن مسعود - رضي الله عنه - فإنه خرئت عليه حمامة فمسحه بإصبعه، وكذلك ابن عمر رضي الله عنهما درق عليه طائر فمسحه بحصاة وصلى ولم يغسله؛ ولأنّ الحمام تركت في المسجد حتى في المسجد الحرام، مع علم الناس بما يكون منها.
وأصله حديث أبي أمامة الباهلي - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - شكر الحمامة فقال: «إنها أوكدت على باب الغار حتى سلمت فجازاها الله تعالى بأن جعل المساجد مأواها»، فهو دليل طهارة ما يكون منها، وخُرء ما لا يؤكل لحمه من الطيور ذكر في الجامع الصغير أنه يجوز الصلاة فيه، وإن كان أكثر من قدر الدرهم في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد رحمه الله: لا يجوز، فهو بمنزلة خرء ما لا يؤكل لحمه من السباع.
واختلف مشايخنا في قول أبي حنيفة وأبي يوسف، فمنهم من قال: هو نجس عندهما، لكن التقدير فيه بالكثير الفاحش لمعنى البلوى، والأصح أنه طاهر عندهما فإن في الخرء لا فرق بين مأكول اللحم وغير مأكول اللحم في النجاسة ثم خروء ما يؤكل لحمه من الطيور طاهر فكذلك خرء مالا يوكل لحمه، كذا في المبسوط؛ و لأنّها تذرق من الهواء و لا يمكن الاحتراز عنه وما لا يمكن الاحتراز عنه ساقط الاعتبار كما في خرء ما لا يؤكل لحمه وليس كخرء الدجاج والبط؛ لأنّها مما لا يذرق من الهواء فيمكن الاحتراز عنه؛ ولأنّ لخرئهما رائحة منتنة فيكون [28 - أ] نجساً كالأرواث.
وذكر شيخ الإسلام في مبسوطه اختلاف المشايخ في خرء الحمام والعصفور أيضاً في نجاسته وطهارته مع اتفاقهم على سقوط حكم النجاسة لكن عند البعض السقوط من الأصل للطهارة وعند آخرين للضرورة.
وأمّا قول الشافعي رحمه الله أنه استحال إلى فساد فيشكل بالمني على مذهبه ثم الاستحالة إلى فساد لا يوجب النجاسة لا محالة فإن سائر الأطعمة إذا فسدت لا ينجس فدل أن التغير إلى الفساد لا يوجب النجاسة على أنه ان كان نجساً قد سقطت نجاسته للضرورة.
وعند محمد بن الحسن: بول ما يؤكل لحمه طاهر، حتى لو وقع في الماء القليل لا يوجب تنجيسه، ويجوز التوضئ به، إلا أن يكون البول غالباً فحينئذٍ لا يجوز التوضئ به كما لو وقع فيه لبن واللبن غالب على الماء.
وعندهما يتنجس وإن وقعت فيها قطرة؛ لأنّ القطرة في الماء تكون كثيراً، وإذا أصاب الثوب وكان كثيراً فاحشاً لا تجوز الصلاة معه وعند محمد رَحِمه الله يجوز واحتجّ محمد رَحِمه الله في المَسْألة بما روي: «أن قوماً من عرينة أتوا المدينة فاجتووها - أي لم يوافقهم المدينة- فاصفرت ألوانهم وانتفخت بطونهم فأمرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: بأن يخرجوا إلى إبل الصدقة ويشربوا من (أبوالها وألبأنّها) فخرجوا وشربوا من أبوالها وألبأنّها وصحّوا ثم ارتدوا ومالوا إلى الرعاة وقتلوهم واستاقوا الإبل، فبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في إثرهم قوماً فأخذوا فقطع أيديهم وأرجلهم وسمر أعينهم وتركهم في شدّة الحرّ حتى ماتوا، قال الراوي وهو أنس بن مالك رضي الله عنه: حتى رأيت بعضهم يكدم الأرض بفيه من شدة العطش» فرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمرهم بشربها، ولو كان نجساً لما أمرهم بذلك؛ لأنّه لو كان نجساً كان حراماً، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «إنّ الله لم يجعل شفاءكم فيما حرّم عليكم»، فالاعتماد لمحمد رَحِمه الله في المَسْألة على هذا الحديث والقياس في المَسْألة ما قاله أبو حنيفة وأبو يوسف رحِمهُما الله: إلا أنه ترك القياس بهذا الحديث، كذا في مبسوط شيخ الإسلام رَحمهُ الله.
قوله رحمه الله: ((أمر العرنيين)): عُرَنة: واد بحذاء عرفات، وبتصغيرها سميت عرينة وهي قبيلة ينسب إليها العرنيون، وإنما سقطت (ياء التصغير) عند النسبة إليها حيث لم يقل العرينين لما أن ياء أي فعيلة وفيعلة تسقطان عند النسبة قياساً مطردًا فيقال: حنفي، ومدني، وجهني، وعقلي في حنيفة، ومدينة، وجهينة، وعقيلة، وكذلك في عرينة، كذا في المُغرب وغيره.
قوله: فإن عامّة عذاب القبر منه، قال الشيخ: وجه مناسبة عذاب القبر مع ترك استنزاه البول هو أنّ القبر أول منزل من منازل الآخرة، والطهارة أوّل منزل من منازل الصلاة، والصلاة أوّل ما يحاسب به العبد يوم القيامة كما جاء في الحديث فكانت الطهارة أوّل ما يعذّب بتركها في أوّل منزل من منازل الآخرة، وليس ذلك إلا القبر ثم إنه - صلى الله عليه وسلم - ذكر أنّ عذاب القبر من ترك استنزاه البول ولم يفصل بين بول ما يؤكل لحمه وبين ما لا يؤكل لحمه علم أنّ جميع الأبوال نجس، وذكر في المبسوط لما ابتلي سعد بن معاذ بضغطة القبر سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن سببه قال: «إنه كان لا يستنزه البول» ولم يرد به بول نفسه، فإن من لا يستنزه منه، لا تجوز صلاته، وإنما أراد أبوال الإبل عند معالجتها فأمّا حديث أنس - رضي الله عنه - فقد ذكر قتادة عن أنس أنه رخص لهم في شرب ألبان الإبل ولم يذكر الأبوال، وإنما ذكره في حديث حميد عن أنس فإذا دار بين أن يكون حجة وبين أن لا يكون سقط الاحتجاج به، ثم قال خصّهم رسول الله بذلك؛ لأنّه عرف من طريق الوحي إنّ شفاءهم فيه، ولا يوجد مثله في زماننا، ويباح تناول المحرّم إذا علم حصول الشفاء به يقينًا، ألا ترى أن من اضطر إلى ميتة فإنه يباح له أن يتناول منها مقدار سدّ الرمق لعلمه يقيناً، كما خصّ الزبير بلبس الحرير لحكة كانت به وهي مجاز عن العمل؛ فإنه كان كثير القمل أو يحمل على أنه كان في ابتداء الإسلام ثم صار منسوخاً.
قوله: ((ولأنّه يستحيل إلى نتن وفساد)) وإنما قيّد بالنتن والفساد احترازاً عما لا نتن فيه لما أن ما يحيله الطبع على نوعين: نوع ما يحيله الطبع إلى فساد وهو نجس كالدماء والغائط، والثاني: ما يحيله الطبع إلى صلاح، وهو ليس بنجس كالبيضة والعسل واللبن وهذا [28 - ب] هو القياس الصحيح كذا في الأسرار، وذكر الإمام المحبوبي في جواب محمد أن كون اللحم طاهراً لا يدل على طهارة البول ألا ترى أن لحم الآدمي طاهر وحرمة الأكل لكرامته وبوله نجس.
قوله: تحل للقصة وهي ما ذكرنا من حديث العرنيين.
قوله: ((وَإِنْ مَاتَتْ فِيهَا فَأْرَةٌ أَوْ عُصْفُورَةٌ))، وحاصله أن الحيوان الواقع في البئر لا يخلو من أوجه ثلاثة: إما أن تكون فأرة ونحوها أو دجاجة ونحوها أو شاة ونحوها، ولا يخلو: إمّا أن يخرج حيّاً أو ميتاً، وبعد الموت لا يخلو: إمّا أن يكون منتفخاً أو لا، أمّا إذا استخرج حيّاً في الفصول كلها لا يوجب التنجيس إلا الكلب والخنزير هكذا ذكر في العيون، وعن أبي يوسف أنه قال الكلب إذا وقع في البئر ثم خرج منها فانتفض فأصاب ثوب إنسان من ذلك الماء أكثر من قدر الدرهم لا تجوز الصلاة به، وأمّا في غير الكلب والخنزير إذا استخرج حيّاً فإنه لا ينزح شيء من الماء وهذا إذا لم يصب فمه الماء، أمّا إذا أصاب فمه إن كان سؤره طاهراً فالماء طاهر وإن كان سؤره نجساً فالماء نجس وإن كان سؤره مكروهاً فالماء مكروه، ويستحب أن ينزح منها عشر دلاء، فإن كان مشكوكاً ينزح ماء البئر كله كذا في شرح الطحاوي.
قلت: فبإطلاق قوله، وأمّا في غير الكلب والخنزير إذا استخرج حيّاً لا ينزح شيء يعلم أن الواقع وإن كان ذئباً أو ثعلباً أو غيرهما من السّباع سوى الكلب والخنزير لا ينجس البئر إذا أخرج حيّاً ولم يصب فمه الماء، وكذلك يعلم أنّ في الكلب والخنزير لا يشترط إصابة الفم في تنجيس الماء كله، ولكن ذكر في المحيط وفتاوى قاضي خان أنّ سائر السباع بمنزلة الكلب [حتى إذا وقع سبع من السباع وأخرج حيًا ولم يصب فمه الماء ينزح ماء البئر كله بمنزلة الكلب]، وأُلحق الكافر بالكلب، في المحيط سام أبرص من كبار الوزغة.
قوله: ((يعني بعد إخراج الفأرة))؛ لأنّ سبب نجاسة البئر حصول الفأرة الميتة فيها فلا يمكن الحكم بالطهارة مع بقاء السبب الموجب للنجاسة؛ فإن أخرجت الفأرة ثم نزح منها عشرون دلواً وهو يقطر منها لم يضرها؛ ذلك لأنّ النزح على وجه لا يقطر شيء منه فيها متعذر، وما لا يستطاع الامتناع منه يكون عفواً لقوله تعالى: {لا يكلف الله نفساً إلا وسعها} ولو صب الدلو الأخير في بئر أخرى فعليهم أن ينزحوا دلواً مثلها كما لو صبّ في البئر الأولى؛ لأنّ حال البئر الثانية بعدما حصل هذا فيها كحال البئر الأولى حين كان هذا الدلو فيها، وإن صبّ الدلو الأولى منها في بئر طاهرة كان عليهم أن ينزحوا منها عشرين دلواً لما ذكرنا كذا في المبسوط.
وعن أبي يوسف ينزح عشرين إلى الثلاثين في الفأرة الواحدة وكذلك إلى الأربع فإن كانت خمساً ينزح منها أربعون دلواً إلى التسع وإن كانت عشرًا فالجميع ينزح كذا في الفتاوى الظهيرية.
قوله رحِمهُ الله: ((والعشرون بطريق الإيجاب والثلاثون بطريق الاستحباب)) وهذا الوضع لمعنيين ذكرهما شيخ الإسلام رَحمهُ الله في مبسوطه:
أحدهما: أنّ السنة جاءت في رواية أنس ابن مالك - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال في الفأرة إذا وقعت في البئر فماتت فيها أنه «يُنزح منها عشرون دلواً أو ثلاثون»، هكذا رواه أبو علي الحافظ السمرقندي رحمه الله بإسناده واو لأحد الشيئين، فكان الأقل ثابتاً يقينًا وهو معنى الوجوب، والأكثر يؤتي به لئلا يترك اللفظ المروي وإن كان مستغني عنه في العمل وهو معنى الاستحباب.
والثاني: أنّ الرواية اختلفت فيه اختلافاً كثيراً فروى ميسرة عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - في الفأرة تموت في البئر ينزح منها دلاء، وفي رواية: سبع دلاء، وفي رواية عشرون، وفي رواية ثلاثون، وروى يوسف بن ماهك عن ابن عباس في الفأرة أربعون فإذا بعضهم أوجب في الفأرة عشرين، وبعضهم أوجب أقل من عشرين، وبعضهم أكثر من عشرين، فأخذ علماؤنا رحمهم الله بالعشرين؛ لأنّه الوسط بين القليل والكثير، وكان هو واجباً لتعينه وما وراه استحباباً.
قوله: ((ولو نزح بدلو عظيم مرة مقدار عشرين دلواً جاز)) وكان الحسن بن زياد يقول: لا يطهر بهذا؛ لأن عند تكرار النزح ينبع الماء من أسفلها ويؤخذ من أعلاها، فيكون في حكم الماء الجاري، وهذا لا [29 - أ] يحصل بنزح دلو عظيم منها.
ونحن نقول: لما قدّر الشرع الدلاء بقدر خاص عرفنا أن المعتبر القدر المنزوح، وأنّ معنى الجريان ساقط؛ لأنّ ذلك يحصل بدون النزح، كذا في المبسوط.
قوله: ((لانتشار البلة في أجزاء الماء))؛ لأنه عند الانتفاخ ينفصل منها بلّة نجسة وتلك البلّة نجاسة مائعة بمنزلة قطرة من خمر أو بول يقع في البئر، ولهذا قال محمد رَحِمه الله: إذا وقع في البئر ذنب فأرة فإنه ينزح جميع الماء؛ لأنّ موضع القطع لا ينفك عن نجاسة مائعة بخلاف ما إذا خرجت قبل الانتفاخ؛ لأن شيئاً من أجزائها لم يبق في الماء؛ لأنّه لم يزايل من أجزائها شيء إلى الماء فالنجاسة بسبب المجاورة فإذا لم يبق من أجزائها لم يبق الماء نجساً، وإنما أثبتنا الطهارة شرعاً والتطهير شرعاً ينزح عشرين دلواً كذا في المبسوطين.
قوله: ((وإن كانت البئر مَعِيناً))، وفي الصحاح يقال: (حفرت حتى عِنْتُ أي بلغت العيون والماء معين ومعيون، وعان الماء والدمع عيناناً بالتحريك أي سال، على هذا تكون الميم زائدة والفعل من حد ضرب، وفيه أيضا في فصل الميم أمعنت الأرض أي رويت، وماء معين أي جار و على هذا كانت الميم أصلية، ولكن ذكر فيه -أيضاً- بعد هذا، ويقال: هو مفعول من عنت الماء اذا استنبطته، وجعل الميم أصليّة في الديوان حتى أورده في باب فعيل من السّالم، وفي تاج المصادر (المعانة: روان سدن آب من حدّ شرف)، وفي المغرب: والقياس أن يقال: معينه؛ لأن البئر مؤنثة، وإنما ذكرها حملاً على اللفظ أو توهم أنه فعيل بمعنى مفعول).
قوله: أخرجوا مقدار ما كان فيها هذا هو المروي عن أبي يوسف رحِمهُ الله، وأمّا المرويّ عن أبي حنيفة رحِمهُ الله أنه إذا نزح منها مائة دلو يكفي، وهذا وهو بناء على آبار الكوفة لقلة الماء فيها، وعن محمد في النوادر أنه ينزح ثلاثمائة دلو ومائتا دلو وإنما أجاب بناء على كثرة الماء في آبار بغداد، كذا في المبسوط، كما هو دابة في حبس الغريم وحد التقادم وانقطاع حق الحضانة وقوله: وهذا أشبه بالفقه أي بالمعنى المستنبط من الكتاب أو السنة وهذا كذلك من ميثاق الله تعالى اعتبر قول رجلين عدلين في قوله: {فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم}، وكذلك في الشهادة في قوله: {وأشهدوا ذوي عدل منكم}، وإنما اشترطت البصارة لها في الماء؛ لأن الأحكام إنما يستفاد ممن له علم بها أصله قوله تعالى: {فأسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} حتى يتحققوا، (التحقق: درست شدن درست دانستن)، والقياس ما قالا؛ لأنّه على يقين من طهارة البئر فيما مضى، وفي شكل من النجاسة في الحال واليقين لا يزال بالشكل كما في رؤية النجاسة على ثوبه حيث لا يلزمه على إعادة شيءٍ من الصلوات لهذا، وكان أبو يوسف يقول أوّلاً بقول أبي حنيفة رحِمهُ الله حتى رأى طائراً في منقاره فأرة ميتة فألقاها في بئر فرجع إلى هذا القول، وقال: لا يعيد شيئاً من الصلوات بالشكل، وأبو حنيفة يقول: طهر لموت الفأرة سبب وهو وقوعها في البئر فيحال بموتها عليه كمن جرح إنساناً فلم يزل المجروح صاحب فراش حتى مات يحال بموته على تلك الجراحة؛ لأنّه هو الظاهر من السبب، ثم الانتفاخ دليل تقادم العهد، وأدنى حد التقادم في هذا ثلاثة أيام ألا ترى أن من دفن قبل أن يصلي عليه يصلي على قبره إلى ثلاثة أيام ولا يصلي بعد ذلك؛ لأنّه ينفسخ في هذه المدة، وقولهما: إن في نجاسة البئر فيما مضى شكا، قلنا: زال هذا الشك بيقين النجاسة في الحال فوجب اعتباره والقول بالاحتياط فيه فيما مضى وإن كانت غير منتفخة يعيد صلاة يوم وليلة عنده؛ لأنّ أقل المقادير في باب الصلاة يوم وليلة، فقدرناه به احتياطاً.
والله أعلم.
فَصْلٌ فِي الأَسْآرِ
(فصل في الأسآر) لما ذكر أحكام ماء البئر للمناسبة الذي ذكرناها بما قبله وكانت تلك الأحكام مبنية على وقوع أنفس الحيوانات فيها وهي كلها استدعي ذلك ذكر الأحكام المتعلقة بجزئها وهو السؤر إذ الجزء أبداً يتبع الكل، السور بقية الماء التي يبقيها الشارب في الإناء ثم عمّ استعماله فيه وفي الطعام، والجمع الآسار والفعل منه أسار أي أبقي مما شرب، والنعت منه سأر على غير القياس؛ لأنّ قياسه مسئير ونظيره أجبره فهو جبار، وذكر في شرح الطحاوي: الآسار على خمسة أنحاء سؤر طاهر متفق على طهارته وسؤر نجس متفق على نجاسته، وسؤر مكروه، وسؤر مشكوك، وسؤر مختلف فيه، وهو سؤر سباع الوحوش سوى الكلب والخنزير كالأسد والذئب والفهد وغيرها نجس عندنا خلافاً للشافعي رحمه الله.
قوله: وعرق كل شيء معتبر بسؤره، فإن قلت: كان من حق الكلام أن تقول: وسؤر كل شيء معتبر بعرقه؛ لأنّ الكلام في السؤر لا في العرق فيجب أن يجعل السؤر مقيساً لا مقيساً عليه.
قلت: نعم كذلك ألا إنّهما لما كانا متولدين من أصل واحد لا مفاضلة لأحدهما على الآخر كان كل واحد منهما بنسبة الآخر مقيساً ومقيساً عليه.
وذكر في الإيضاح هكذا فاتبعه صاحب الهداية فيه.
فإن قلت: هذا الذي ذكره من الأصل ينتقض بعرق الحمار؛ لأنّه مخالف لسؤره فإن عرقه طاهر غير مشكوك وسؤره مشكوك.
قلت: الأصل يقتضي أن يكون الأمر على ما ذكره إلا إنه خصّ ذلك بالنص وهو ركوب النبي - عليه السلام - الحمار معرورياً فلم تعمل العلة عند وجود النص لفقدان شرط عملها أو نقول الأصل مستمر على ما ذكره غير منقوض بما ذكرت؛ لأن الشك في طهوريته؛ لأن في طهارته لما عرف.
قوله: لأنّهما أي: اللعاب والعرق، ذكَرَ ضميرَ اللعابِ وإن لم يذكر اللعاب قبله لما أن السؤر هو ما خالطه اللعاب وكان ذكر السؤر ذكراً له فصلح لذكر ضميره كقوله تعالى: {ولو يؤأخذ الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة} كان ذكر الناس ذكرًا للأرض؛ لأن الناس على وجه الأرض فصلح لذكر ضميرها، وسؤر الآدمي طاهر لما روي أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - أُتى بعسٍ من لبن فشرب بعضه وناول الباقي أعرابيّاً كان عن يمينه فشربه ثم ناوله أبا بكر - رضي الله عنه - فشربه؛ ولأن عين الآدمي طاهر وإنما لا يؤكل لكرامته لا لنجاسته، وكذلك سؤر الحائض والجنب لما روى أن عائشة رضي الله عنها شربت من إناء في حال حيضها فوضع رسول الله - رضي الله عنه - فمه على موضع فمها وشرب، وروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من شرب من سؤر أخيه كتب له عشر حسنات»، وفي رواية: «سبعون حسنة»؛ ولأن ما لا في الماء من الجنب شفتاه أو إحدى شفتيه وشفتاه طاهرتان حقيقة؛ لأنّه لا نجاسة على أعضائه من حيث الحقيقة على ما بينا، والنجاسة الحكمية على قول محمد لا يغير صفة الماء إلا إذا لم يقصد به إقامة القربة ولم يقصد به ههنا إقامة القربة إنما قصد به الشرب فلا يتغير صفة الماء على مذهبه، وعلى قولهما النجاسة الحكمية، وإن كانت توجب تنجيس الماء إذا أسقط به فرضاً، وقد أسقط (به فرضًا، وإن قصد به الشرب إلا أنه لم ينجس ههنا نفياً للحرج كما سقط) اعتبار النجاسة في إدخال اليد وإن سقط به الفرض عن اليد لما للناس فيه من الضرورة كذا في مبسوط شيخ الإسلام، وبهذا خرج الجواب عن شبهة ترد على سؤر الجنب بأن يقال: ينبغي أن يكون سؤر الجنب نجساً على قول أبي يوسف رحِمهُ الله لوجود سقوط الفرض عن فمه بشربه إلا أن الجواب ما ذكره شيخ الإسلام من مكان الضرورة، وأمّا سؤر الكافر فطاهر -أيضاً- عندنا، وبعض أصحاب الظواهر يكرهون ذلك لقوله تعالى: {آمنوا إنما المشركون نجس} ولكنّا نقول: المراد من حيث الاعتقاد بدليل ما روى أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - أنزل وفد ثقيف في المسجد وكانوا مشركين ولو كان عين المشركين نجساً لما أنزلهم في المسجد كذا في المبسوط، فلما ينجس الإناء فالماء أولى فكانت نجاسة سؤر الكلب حكماً ثابتاً بدلالة الإجماع؛ لأن الإجماع لما انعقد على وجوب غسل الإناء بولوغه، ولهذا الإجماع دلالة على نجاسة الماء؛ لأنّ لسان الكلب لم يلاق الإناء وإنما لاقى الماء، ولما ورد الشرع بتنجيس الإناء مع أنّ لسان الكلب لم يلاق الإناء فلان يرد بتنجيس الماء ولسان الكلب لا فاه كان أولى.
فإن قلت: قوله - صلى الله عليه وسلم -: «يغسل الإناء من ولوغ الكلب ثلاثًا» جاز أن يكون المراد به لحسه الإناء فحينئذ كان لسانه ملاقياً للإناء فلا يتم هذا الاستدلال الثابت بالأولوية.
قلت: الكلام على حقيقته ما لم يقم الدليل على مجازه فإنّ حقيقة الولوغ واقعة على شرب الكلب المائعات بأطراف لسانه ذكره في الصحاح وفي تاج المصادر: (الولوغ خون وآب خوردن سباع بسر ذيان) من حد منع فكان محمولاً على حقيقة الولوغ وهي الشرب فيتمّ الاستدلال.
قوله: ((والأمر الوارد بالسبع محمول على الابتداء)) فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يشدّد في أمر الكلاب في الابتداء منعاً لهم من الاقتناء على ما روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من اقتنى كلباً إلا لماشية أو صيد نقص من أجره كل يوم قيراط»، والدليل عليه أنه قال: «وعفروا الثامنة بالتراب»، والتعفير ليس بواجب بالاتفاق، كذا في الفوائد الظهيرية.، فإن قيل: جاز أن يكون المراد بغسل الإناء التعبد لا التنجس.
قلنا: هذا لا يصح فإنّ الجمادات لا يلحقها حكم العبادات؛ ولأنّه لو كان تعبداً لوجب غسل غير موضع النجاسة كما في الحدث، وبالإجماع هذا الغسل يجب في موضع الإصابة كما في سائر النجاسات علمنا أنه وجب لإزالة النجاسة، لا للتعبد، كذا في المبسوطين.
قوله: ((خلافاً للشافعي رحمه الله)) وحاصله أن سؤر ما لا يؤكل لحمه من السباع كالأسد والفهد والنمر عندنا نجس، وقال الشافعي: طاهر لحديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل فقيل: ((أنتوضأ بما أفضلت الحمر؟ فقال: نعم، وبما أفضلت السباع كلها)).
وفي حديث جابر أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن الحياض التي بين مكة والمدينة وما ينوبها من السباع فقال لها: ((ما ولغت في بطونها وما بقي فهو لنا شراب وطهور))، ولأنّ عينها طاهر بدليل جواز الانتفاع بها في حالة الاختيار.
وأما حديث عمر، وعمرو بن العاص رضي الله عنهما ورداً حوضاً فقال عمرو بن العاص: يا صاحب الحوض أترد السباع ماءكم هذا؟ فقال عمر: يا صاحب الحوض لا تخبرنا)، ولولا أنهما كانا يريان التنجيس بورودهما وإلا لم يكن لسؤال عمرو ولا لنهي عمر معنى في المَسْألة أنها سؤر سباع يمكن الاحتراز عنه فكان نجساً قياساً على الخنزير وتأويل الحديثين: أنه كان ذلك في الابتداء قبل تحريم لحم السباع أو السؤار وقع في الحياض الكبار وبه نقول أن مثلها لا يتنجس كذا في المبسوطين، وذكر محمد نجاسة سؤر السباع ولم يبين أن نجاسته خفيفة حتى يعتبر فيه الكثير أو غليظة حتى يعتبر فيه أكثر من قدر الدرهم، وقد روى عن أبي حنيفة في غير رواية الأصول أنه نجسٌ نجاسة غليظة، وروى عن أبي يوسف أن سؤر ما لا يؤكل لحمه من السباع كبول ما يؤكل لحمه وعلل فقال: لأنّ الناس قد اختلفوا في سؤر ما لا يؤكل لحمه من السباع كما اختلفوا في بول ما يؤكل لحمه فأوجب اختلافهم تخفيفاً في نجاسته كما في بول ما يؤكل لحمه، كذا في مبسوط شيخ الإسلام.
قوله رحِمهُ الله: ((وسؤر الهرة مكروه))، قال شمس الأئمّة رَحِمه الله في المبسوط، هذا لفظ الجامع الصغير، وامّا لفظ كتاب الصلاة قال: وإن توضأ بغيره أحبّ اليّ، وذكر شيخ الإسلام، وروى عن أبي يوسف رحِمهُ الله أنه قال: لا بأس بالتوضئ به وهو قول الشافعي، واحتجا في ذلك بحديثين:
أحدهما: ما رواه محمد في كتاب الصيد: (أنّ النبي - عليه السلام - كان يصغي الإناء للهرة ويشرب ما بقي ويتوضأ منه)، و روى أبو يوسف هذا الحديث وقال: كيف أكره مع هذا الحديث، وروى عن عائشة رضي الله عنها: (أنها كانت تصلي وفي بيتها قصعه من هريسة فجاءت هرة وأكلت منها فلما فرغت من صلاتها دعت جارات لها فكن يتحامين من موضع فمها فمدت يدها وأخذت موضع فمها وأكلت وقالت: سمعت رسول الله - عليه السلام - يقول: «الهرة ليست بنجسة إنما هي من الطوافين والطوافات عليكم فمالكن لا تأكلن»؛ ولأنّها نوع بهيمة يجوز اقتناؤها (على الاطلاق فلا يكره التوضؤ بسؤرها قياساً على الإبل يعني به يباح اقتناؤها) لا لغرض بخلاف الكلب فإنه لا يباح اقتناؤه من غير غرض على ما مر من لفظ الحديث.
ولنا حديث ابن عمر: «يغسل الإناء من ولوغ الهرة مرّة» وهو إشارة إلى الكراهة وعن أبي هريرة أن النبي - عليه السلام - قال: «الهرة سبع»، فهذا الحديث يدل على النجاسة، وحديث عائشة يدل على الطهارة فأثبتنا حكم الكراهة عملا بهما، وكان الطحاوي رَحِمه الله يقول: كراهة سؤرها كحرمة لحمها وهذا يدل على أنه إلى التحريم أقرب، وقال الكرخي: كراهة سؤرها؛ لأنّها تتناول الجيف فلا يخلو فمها عن نجاسة عادة، وهذا يدل على أنّ الكراهة كراهة تنزيه، وهو الأصح والأقرب إلى موافقة الأثر، وأمّا قوله: يجوز اقتناءها على الإطلاق قلنا: جواز اقتنائها على الاطلاق دليل على طهارته، ونحن ما أوجبنا الكراهة لنجاستها بل لتوهم النجاسة على فمها كما كرهنا الماء الذي أدخل الصبي يده.
وذكر فخر الإسلام رَحمهُ الله في الجامع الصغير دليل الكراهة في سؤر الهرة إجماعهم في الفأرة والحية أن سؤرهما يكره، وإنما أخذ حكمهما من الهرة فلا يصح أن يفارق حكم الفرع الأصل؛ ولأنّها تأكل الفأر في العادات فيتنجس فمها غير أن الغسل متعذر فسقطت نجاستها وبقيت الكراهة، والحديث محمول على أنها لم تأكل الفأرة ومما يجب حفظه أن الهرة إذا لحست عضواً لم ينبغي أن يستهان به فيصلى من غير غسل؛ لأنّ ذلك مكروه وذكر شمس الأئمّة رَحِمه الله في الجامع الصغير وبهذا يتبين جهل العوام أنهم يتركون الهرة لتدخل تحت لحافهم وتلحسهم ولا يغسلون ذلك الموضع وذلك مكروه عند أبي حنيفة رحِمهُ الله ويضعون الطعام بين يدي الهرة فتأكل بعضه فيرفع الجاهل ذلك ويأكله وذلك مكروه ويظنه أنه أكرم الخبز.
قوله: ((والاستثناء على مذهب أبي حنيفة وأبي يوسف رحمه الله)) يعني به قوله: إلا إذا مكثت ساعة لا يبقى فمها نجساً عندهما؛ لأنّهما يجوزان إزالة النجاسة بالمائعات الطاهرة ولكن الصب شرط عند أبي يوسف للتطهير في العضو وسقط ههنا للضرورة كما سقط اشتراط الصب في غسل الثوب في الإجانة بالاتفاق للضرورة على أظهر القولين منه.
قوله: ((ولو كانت محبوسة بحيث لا يصل منقارها)) وإنما قيد بهذا؛ لأن هذا أحد وجهي كونها محبوسة وقال شيخ الإسلام في المبسوط: وإن كانت محبوسة فإنه يجوز التوضئ به ولا يكره؛ لأنّه ليس على منقارها نجاسة لا من حيث الحقيقة ولا من حيث الاعتبار؛ أمّا من حيث الحقيقة فظاهر، وكذلك من حيث الاعتبار؛ لأنّها إذا كانت محبوسة فإنها لا تجد عذرات غيرها حتى تجول فيها، وإنما تجد عذرات نفسها وهي لا تجول في عذرات نفسها.
والثاني: هو ما حكي عن الإمام الحاكم عبد الرحمن -رحمه الله- أنه قال: لم يرد بكونها محبوسة أن تكون محبوسة في بيتها؛ لأنّها وإن كانت محبوسة في بيتها؛ لأنّها تجول في عذرات نفسها، فلا يؤمن من أن يكون على منقارها قذر فيكره التوضئ بسؤرها كما لو كانت مخلاة وإنما أراد بكونها محبوسة أن تحبس في بيت لتسمن للأكل، فيكون رأسها وعلفها وماؤها خارج البيت فلا يمكنها أن تجول في عذرات نفسها.
قوله: ((وكذا سؤر سباع الطير)) هو معطوف على قوله وسؤر الدجاجة المخلاة ليكون داخلاً في حكم الكراهة ثم حكم الكراهة في سؤر سباع الطير جواب الاستحسان، وأمّا في جواب القياس فهو نجس؛ لأن سؤر ما لا يؤكل لحمه من سباع الطير معتبر بسؤر ما لا يؤكل لحمه من سباع الوحش ولكن استحسنا، فقلنا: بأنّه طاهر مكروه؛ لأنّها تشرب بمنقارها ومنقارها عظم جاف بخلاف سباع الوحش؛ فإنها تشرب بلسانها ولسانها رطب بلعابها؛ ولأن في سباع الطير يتحقق البلوى؛ وأنها تنقض من الهواء فتشرب فلا يمكن صون الأواني عنها خصوصاً في الصحاري بخلاف سباع الوحش، كذا في المبسوط.
وذكر الإمام التمرتاشي - رحِمه الله - ضباع الطير تشرب بمنقارها وهو عظم جاف طاهر لكن تناولها الجيف غالبٌ فأورثت الكراهة فإن توضأ به عند عدم الماء المطلق جاز من غير كراهة، وذكر في المحيط: وكان أبو يوسف اعتبر الكراهة لتوهم اتصال النجاسة بمنقارها لا لوصول لعابها إلى الماء، و قال: إذا لم يكن على منقارها نجاسة لا يكره التوضئ بسؤرها واستحسن المتأخرون رواية أبي يوسف وأفتوا بها.
قوله: ((والتنبيه على العلة في الهرة))، أي: وبقي التنبيه على العلة التي كانت في الهرة يعني: أن النبي - عليه السلام - علل بسقوط نجاسة سؤر الهرة بعلة الطواف بقوله: «أنها من الطوافين والطوافات عليكم»، دفعا للحرج، فكان مقتضي ذلك التعليل أن يوجد الحكم المرتب على تلك العلة أينما وجدت تلك العلة، فقد وجدت تلك العلة وهي الطواف في سواكن البيوت بعينها بل أزيد منها فيثبت ذلك الحكم المرتب عليها -أيضاً- وهو سقوط النجاسة في سؤر سواكن البيوت كما في الهرة، وكان الشيخ رَحِمه الله يقول: في هذا الله تعالى علل لسقوط وجوب الاستئذان بعلة الطواف في قوله: {ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن طوافوان عليكم بعضكم على بعض}، ثم استدل النبي - عليه السلام - بتعليل الله تعالى فيه على سقوط نجاسة سؤر الهرة بعلة الطواف -أيضاً- بقوله: ((إنها من الطوافين))، ثم استدل أبو حنيفة رحِمهُ الله بتعليل النبي - صلى الله عليه وسلم - في سؤر الهرة على سقوط نجاسة سؤر سواكن البيوت بعلة الطواف -أيضاً-.
قوله: ((وسؤر الحمار والبغل مشكوك فيه))، وقال الشافعي رحِمهُ الله: هو طاهر وطهور؛ لأنّه جعل سؤر كل حيوان ينتفع بجلده طهوراً فلذلك جعل سؤر السباع كالنمر والفهد سوى الكلب والخنزير طاهراً وطهوراً للانتفاع بجلده، كذا في الأسرار.
وكان أبو طاهر الدبّاس رحمه الله ينكر هذا ويقول: لا يجوز أن يكون شيئاً من حكم الشرع مشكوكاً فيه، ولكن معناه محتاط فيه فلا يجوز أن يتوضأ به في حالة الاختيار وإذا لم يجد غيره يجمع بينه وبين اليتيم احتياطاً، كذا في المبسوط.
قوله: ((لأنّه لو وجد الماء لا يجب عليه غسل رأسه)) أي: بعد ما مسح رأسه بسؤر الحمار وجد ماء مطلقاً لا يجب عليه غسل رأسه فلو كان الشك في طهارته لوجب وإنما عين مسح الرأس دون غيره من الأعضاء؛ لأن غيره من الأعضاء يطهر بصب الماء عليه حقيقة وحكماً.
قوله: ((وهو الأصح)) والضمير راجع إلى قوله: وقيل: الشك في طهوريته، ثم لما كان الشك في طهوريته على الأصح كان بقاءه على الطهارة بلا شك شاك، ثم عطف عليه لبنه وعرقه بكونهما طاهرين مطلقاً هذا في العرق بحكم الروايات الظاهرة صحيح، وامّا في اللبن فغير صحيح لما أنّ الرواية في الكتب المعتبرة نجاسة لبن الحمار أو تسوية النجاسة والطهارة فيه بذكر الروايتين ولم يرجح جانب الطهارة أحد إلا في رواية غير طاهرة عن محمد فذكر شمس الأئمة السّرخسيّ في المبسوط في تقليل سؤر الحمار فقال: ((وكذلك اعتبار سؤره بعرقه يدل على طهارته، واعتباره بلبنه يدل على نجاسته)) اه.
وجعل لبنه نجساً كما ترى وذكر في المحيط: ولبن الأتان نجس في ظاهر الرواية، وروى عن محمد أنه طاهر ولا يؤكل، وذكر الإمام التمرتاشي فقال: وعن البزدوي يعتبر فيه الكثير الفاحش هو الصحيح وعن عين الأئمّة الصحيح أنه نجس نجاسة غليظة؛ لأنّه حرام بالإجماع، وذكر في فتاوى قاضي خان: (وفي طهارة لبن الأتان روايتان، وأمّا في عرقه فعن أبي حنيفة رحِمهُ الله في عرق الحمار ثلاث روايات في رواية قال: هو طاهر، وفي رواية قال: هو نجس نجاسة خفيفة، وفي رواية أخرى قال: هو نجس نجاسة غليظة، وذكر القدوري: إنّ عرق الحمار طاهر في الروايات المشهورة كذا في المحيط).
قوله: ((ويروى نص محمد على طهارته)) وهو ما روى عن محمد أنه قال: أربع لو غمس فيه الثوب لم ينجس وهي: سؤر الحمار، والماء المستعمل، ولبن الأتان، وبول ما يؤكل لحمه، كذا في مبسوط شيخ الإسلام.
قوله: وسبب الشك تعارض الأدلة في إباحته وحرمته أو اختلاف الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين ذكر شيخ الإسلام في مبسوطه أن يكون كل واحد منهما سبب الشك فقال: ثم اختلف مشايخنا في سبب الإشكال في سؤر الحمار فمنهم من قال: السبب الموجب للإشكال اختلاف الصحابة - رضي الله عنهم - فأنه روى عن عبد الله بن عمر: إنه كان يكره التوضئ بسؤر الحمار والبغل، وروى عن عبد الله بن عباس: أنه قال: لا بأس بالتوضئ به ولم يترجح أحد القولين على الآخر، فأوجب ذلك إشكالاً فيه ثم قال: ولكن هذا لا يقوى؛ لأن الاختلاف في طهارة الماء، ونجاسته لا يوجب الاشكال كما في إناء متى أخبر عدل أنه طاهر وأخبر آخر أنه نجس فإن الماء لا يصير مشكلاً وإن اختلفا في طهارة الماء ونجاسته، وقد استوى الخبران فكذا ههنا، ومنهم من يقول: بأنّ الموجب للإشكال إشكال لحمه فإن اللعاب متولد من اللحم فيكون حكمه حكم اللحم ولحمه مشكك فإنه في بعض الأخبار حرّم أكله، وفي بعضها أباح أكله، فأوجب إشكالاً فلما صار لحمه مشكلاً كان اللعاب بمنزلته ثم قال: ولكن هذا لا يصح؛ لأنّه لا إشكال في حرمة اللحم فإن لحمه حرام بلا إشكال؛ لأنّه اجتمع ما توجب حرمة أكله وما توجب الإباحة فترجح جانب الحرمة على الإباحة كما إذا أخبره عدل أن هذا اللحم ذبيحة مجوسي وأخبره آخر أنه ذبيحة مسلم وهما عدلان، فإنه لا يحل أكله بخلاف الماء إذا اختلف فيه اثنان أحدهما أخبر بنجاسته، والآخر بطهارته، فإنه يحكم بطهارة الماء ولا فرق بينهما من حيث المعنى، فإنه في الموضعين جميعاً تعارض الخبران فيبقى ما كان ثابتاً قبل الخبر على ما كان، ففي الماء قبل الخبر إباحة شرب الماء وطهارته فلما تعارض الدليلان تساقطاً بقي الماء طاهراً كما كان في الأصل، وفي باب اللحم تساقط الدليلان -أيضاً- بالتعارض بقي ما كان ثابتاً قبل الذبح، والثابت قبل الذبح حرمه الأكل؛ لأنّه إنما يحل أكله فيما يؤكل لحمه بالذبح شرعاً وإذا لم يثبت السبب المبيح لوقوع التعارض في سبب الإباحة بقي حراماً كما كان وفي الحمار، إنما يثبت حرمة الأكل بهذا الطريق؛ لأنّه تعارض [31 - ب] الدليل الموجب للحل والدليل الموجب للحرمة؛ لأنّه إنْ كان مباح الأكل كان الذبح في محله فيوجب الإباحة، وإن كان غير مأكول اللحم كان الذبح في غير محلّه فلا يوجب الإباحة فقد وقع التعارض في السبب المبيح للأكل فلم يثبت، فإذا لم تثبت شرط إباحة الأكل للتعارض بقي حراماً؛ لأن الحرمة كانت هي الثابتة قبل الذبح وإذا حرّم أكل لحمة بلا إشكال يكون لعابه نجساً بلا إشكال (وإن كان لعابه نجسا بلا إشكال) وقد وقع في الماء فينجسه بلا إشكال إلا أنه لم يوجب نجاسة الماء لما فيه من الضرورة والبلوى، فكان الأصح في التمسك بدليل الشك هو التردد في الضرورة؛ وذلك لأن الحمار يربط في الدور والأفنية فيشرب من الأواني وللضرورة والبلوى أثر في إسقاط النجاسة كما في الهرة والفأرة إلا أن الضرورة في الحمار متقاعدة عن الضرورة في الهرة والفأرة؛ لأنّها تدخل مضايق البيت بخلاف الحمار، ولو لم تكن الضرورة ثابتة أصلاً كما في سؤر الكلب وسائر السباع لوجب الحكم بنجاسة سؤره بلا إشكال، ولو كانت الضرورة مثل ضرورة الهرة لوجب الحكم بإسقاط النجاسة وبقائه طاهراً فثبتت الضرورة من وجه ولم يثبت من وجه فقد استوى ما يوجب الطهارة والنجاسة فتساقطا للتعارض، فوجب المصير إلى ما كان ثابتاً قبل التعارض والثابت قبله شيئان الطهارة في جانب الماء، والنجاسة في جانب اللعاب؛ فأن اللعاب متولد من اللحم ولحمه نجس فكان اللعاب نجساً، وليس أحدهما بأولى من الآخر، فبقي الأمر مشكلا نجساً من وجه طاهراً من وجه، وكان إشكال سؤره عند علمائنا بهذا الطريق لا لإشكال لحمه ولا لاختلاف الصحابة في سؤره، قلت: وبهذا التقرير يخرج الجواب عما يرد في هذه [المَسْألة من] الأسألة: 3
قوله: ((ولأنّه تبع للخف استعمالاً)) أي من حيث المشي والقيام والقعود والانخفاض والارتفاع فإنه أين ما دار الخف باستعمال اللابس في هذه الوجوه ويدور معه الجرموق فكان تبعًا للخف في الاستعمال فكذلك في الفرض فإن الخف كما هو وقاية للرجل كذا تبعًا لها فكذلك الجرموق وقاية للخف كان تبعًا له وكلاهما تبع للرجل وكذلك في عرض الاستدفاع ودفع الأذى عن الرجل كلاهما معا للرجل فلا يفرد الجرموق بحكم على حدة.
قوله: ((فصار كخف ذي طاقين)) فإن قيل: لو كان الجرموق مع الخف بمنزلة خف ذي طاقين ينبغي أن لا يجب المسح على الخفين عند نزع الجرموقين كما في خف ذي طاقين إذا مسح عليه ثم نزع أحد طاقيه فإنه لا يجب المسح على ما ظهر تحته وكذلك إذا مسح على خفه فقشر جلد ظاهر الخفين، وكذلك إذا كان الخف مشعراً فمسح على ظاهر الشعر ثم حلق الشعر فإنه لا يلزمه إعادة المسح وههنا يجب إعادة المسح فعلم أنه ليس بمنزلة خف ذي طاقين. [42 - أ].
قلنا: الجرموق ليس بتبع للخف من كل وجه بل كل واحد أصل بنفسه وإنما جعلناه تبعًا للخف من حيث الغرض والاستعمال فاعتبرنا بتعبئته عند وجودهما وإنما يكون ذك عند قيام الممسوح على حاله فإذا زال الممسوح فقد زالت التبعية حقيقة وحكما فيحل الحدث بما تحته فيجب إعادة المسح، وأما الخف ذو الطاقين فكل واحد من الطاقين متصل بالآخر من كل وجه فيصير أن يحكم الاتصال كالشعر مع بشرة الرأس فكان المسح على أحد الطاقين مسحا على ما تحته من حيث الحكم فكان الممسوح على حاله حكما وإن زال الطاق الممسوح وهو بدل عن الرجل لا عن الخف.
فإن قيل: أليس أنه لو نزع الجرموقين يلزمه المسح على الخفين فلا يجب غسل القدمين ولو كان الجرموق بدلا عن الرجل لوجب غسل القدمين عند نزعهما كما في نزع الخفين.
قلنا: عدم سريان الحدث إلى الرجلين لا لأن الجرموق كان بدلًا عن الخف، بل لأن الخف لم يكن محلا للمسح حال قيام الجرموق عليه لما بينا، وإنما صار الخف محلًا للمسح بعد نزع الجرموقين؛ لأن الحدث ما لم يحل بالخف لا يعتبر الخف بدلًا عن الرجل؛ لأنّه لا حاجة إلى البدل قبل حلول الحدث فقبل حلول الحدث على الخف لا يعتبر محلًا وإذا لم يكن محلا لم يكن الجرموق بدلًا عنه، كذا في مبسوط شيخ الإسلام.
ولا يجوز المسح على الجوربين المسح على ثلاثة أوجه:
في وجه: يجوز المسح بالاتفاق وهو ما إذا كانا ثخينين منعلين.
وفي وجه: لا يجوز بالاتفاق وهو أن يكونا غير ثخينين وغير منعلين.
وفي وجه: اختلفوا فيه وهو أن يكونا ثخينين غير منعلين، كذا في شرح الطحاوي.
وقال الشافعي رحمه الله: لا يجوز المسح على الجوارب وإن كانت منعلة كذا في الأسرار يقال: أنعل الخف ونعله جعل له نعلاً وجورب منعل وهو الذي وضع على أسفله جلدة كالنعل للقدم سفت الثوب دق حتى رأيت ما وراءه من باب ضرب، ومنه إذا كانا ثخينين لا شفاف ونفي الشفوف تأكيد للثخانة وأما ينشفان فخطأ، و كذا في المغرب قال المؤلف: وكتب بخطه يعني خطأ رواية لا لغة كذا وجدت بخط الإمام تاج الدين الزرنوخي رحمه الله وذلك لأنّه ذكر في المغرب في باب النون نشف الماء أخذه من أرض أو غدير يخرقه من باب ضرب ومنه كان للنبي - صلى الله عليه وسلم - خرقة ينشف بها إذا توضأ، وبهذا صح قوله في غسل الميت ثم ينشفه بثوب أي ينشف ماءه حتى يجف.
والقفاز: بالضم والتشديد يعمل لليدين يحشى بالقطن ويكون له أزرار يزر على الساعدين من البرد، تلبسه المرأة في يديها، كذا في الصحاح.
والمسح على العمامة والقلنسوة لا يجوز وقال بعض أصحاب الحديث.
وقيل: إنه أحد قولي الشافعي فإنه يجزئه احتج المخالف بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - (بعث سرية فأمرهم أن يمسحوا على المشاوذ والتساخين)، والمشاوذ هي العمائم، والتساخين هي الخفاف، والدليل عليه لو سجد على كور العمامة فإنه يجزئه، فكان وضع العمامة كوضع الجبهة هناك فكذا هنا.
وأما عامة العلماء احتجوا فيه فظاهر قوله تعالى: {وامسحوا برءوسكم} قال: الله تعالى أمر بمسح الرأس ولم يمسح الرأس إنما مسح على العمامة، ألا يرى أن من خلف لا يمسح رأس فلان فمسح على عمامته لا يحنث فيكون الأمر بالمسح باقياً عليه لما أن العمامة ليست من الرأس؛ ولأنّه ثبت في الرأس نوع رخصة وهو المسح فلا يثبت أخرى، وتأويل الحديث أن رسول الله - عليه السلام - خص به تلك السرية لعذر بهم فقد كان يخص بعض أصحابنا بأشياء كما أجاز لعبد الرحمن لبس الحرير وخص خزيمة شهادته وحذه كذا في المبسوطين.
ويجوز المسح على الجبائر، وفي فتاوى قاضي خان إنما يجوز المسح على الجبائر إذا كان يضره المسح على الجراحة، وأما إذا كان لا يضره المسح على الجراحة لا يجوز له المسح على الجباير، وفي المحيط ذكر هذا القيد عن أبي علي الحسن بن الخضر النسفي رحمه الله ثم قال: كان يقول ينبغي أن يحفظ هذا فإن الناس عنه غافلون ويكتفي بالمسح على أكثرها قال شيخ الإسلام في مبسوطه: (إذا مسح على بعض الجباير دون البعض هل يجزئه أم لا؟ لم يذكر هذا في ظاهر الرواية).
وقد ذكر في إملاء الحسن بن زياد قال: إن مسح على الأكثر أجزأه وإن مسح على النصف أو أقل منه لا يجزئه وفرق بين هذا وبين مسح الرأس والمسح [42 - ب] على الخفين حيث لا يشترط فيهما الأكثر وإنما كان كذلك؛ لأن مسح الرأس إنما يثبت شرعه بالكتاب والكتاب أوجب مسح البعض لما بينا من أن الباء دخلت في المحل فأوجب تبعيضه والمسح على الخفين أما أن يقال: إنه ثبت بالكتاب عطفًا على الرأس فكان حكم المعطوف عليه حكم المعطوف أو هو مشروع بالسنة، والسنة أوجبت مسح البعض فأما المسح على الجبائر فإنما ثبت بحديث علي - رضي الله عنه - وليس فيه ما ينبئ عن المسح عن البعض إلا أن القليل سقط اعتباره دفعا للحرج وأقيم الأكثر مقامه، وقال في تتمة الفتاوى: والمسح على الجباير يخالف المسح على الخفين في ثلاثة أحكام:
أحدها: جواز المسح عليها وإن شدها على غير وضوء.
والثاني: أن المسح على الخفين ينتقض بانقضاء مدة المسح ومسح الجبيرة لا ينتقض إلا بالحدث كالغسل.
والثالث: ماسح الخف إذا خلع أحد خفيه يلزمه غسل الرجلين وإذا سقطت الجبائر لا عن برء لا يلزمه الغسل أصلًا.
قوله رَحِمه الله: ((والمسح عليها كالغسل لما تحتها ما دام العذر باقيًا)) حتى لو مسح على جبيرة إحدى الرجلين لا يجوز المسح على خف الرجل الأخرى لئلا يكون جامعًا بين الغسل حكما وبين المسح، ولذلك لم يبطل بالسقوط.
وذكر في شرح الطحاوي: فإنما يتبين هذا بمسائل ذكرها في الزيادات منها أن الرجل إذا كانت أحد رجليه مجروحة والأخرى صحيحة فغسل رجله الصحيحة ولبس عليها الخف وربط الجباير على الأخرى ومسح عليها ثم أحدث بعد ذلك وتوضأ فإنه يمسح على الجباير ولا يمسح على خفه ولو أنه إذا غسل رجله الصحيحة وربط على الأخرى الجباير ومسح عليها ثم لبس الخفين ثم أحدث فإنه يمسح عليهما؛ لأن إحداهما مغسولة والأخرى مغسولة حكمًا.
قوله -رَحِمه الله-: لأنّه قدر على الأصل قبل حصوله المقصود بالبدل فصار هذا كالمتيمم وجدد الماء في خلال الصلاة فإنه يستقبل بهذا المعنى.
فإن قيل: يشكل على هذا ما إذا صلى ركعة أو ركعتين بالتحري ثم تبينت جهة الكعبة فإنه يبني ولا يستقبل مع أن جهة التحري بدل عن جهة الكعبة.
قلنا: ذلك بطريق النسخ لما قبله لما أن أصله كان بطريق النسخ فيبقى في حق التحري كذلك والنسخ يظهر في حق القائم لا في حق الغائب فلذلك يبني ولا يستقبل، والله اعلم.
بَابُ الْحَيْضِ وَالِاسْتِحَاضَةِ
لما قدم ذكر الأحداث التي يكثر وقوعها من الأصغر والأكبر والأحكام المتعلقة بها أصلًا وخلفا لما أن الأهم هو المقدم إذ ما كثر وقوعه كان أهم معرفته رتب عليه ذكر الأحداث التي تقل وقوعها بالنسبة إليها، وهو باب الحيض وباب النفاس ولهذا المعنى قدم الحيض على النفاس وليس لأحد أن يقول: إن تأخير باب الحيض باعتبار أنه طهارة عن الأنجاس لما أن إزالة النجاسة يبيح الدخول في الصلاة وقراءة القرآن وغيرهما بالوضوء عند الأصغر بالاغتسال عند الأكبر وهذا لا يبيحه علم أن هذا ليس بإزالة النجاسة الحقيقة ولا يصح أيضًا تسمية النجاسة باعتبار أن الدم نجس نجاسة غليظة، لما أن البول والغائط يشار كأنه في هذا الحكم والطهارة عنهما طهارة عن الأحداث فكذا الطهارة عن الحيض يجب أن يكون طهارة عن الحدث؛ ولأن الأحكام المذكورة في هذا الباب هي الأحكام المختصة بالأحداث لا بالأنجاس كحرمة قراءة القرآن والطواف ودخول المسجد وغيرها اعلم أن معرفة مسائل الحيض من أعظم الواجبات؛ لأنّ عظم منزلة العلم بالشيء بحسب منزلة ضرر الجهل به وضرر الجهل بمسائل الحيض أشد من ضرر الجهل بغيرها وذلك؛ لأن المرأة إذا لم تعلم ذلك ربما تترك الصلاة والصوم في وقت الوجوب ويأتي بهما في وقت وجوب الترك وكلاهما أمر حرام وضرر عظيم؛ ولأن ضرر هذا الجهل يختص ويتعدى بخلاف الجهل فيما سواه أما المختص فهو ما ذكرنا، وأما المتعدي فهو غشيان الرجل في حالة الحيض وذلك حرام بالنص والاعتقاد بحله كفر، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من أتى امرأته الحائض فقد كفر بما أنزل على محمد»، أي: مستحلًا.
وحكي أن هارون الرشيد تزوج من بنات الأشراف [43 - أ] ولها جهاز عظيم ما لا يعد ولا يحصى فلما زفت إليه ودخل هو معها في الفراش وهم بها دميت في تلك الحال، فقالت: يا أمير المؤمنين (أتى أمر الله فلا تستعجلوه) فقال الخليفة: والله ما سمعت منك خير من الدنيا وما فيها، تم الكلام ههنا في عشرة مواضع في تفسير الحيض لغة وفي تفسيره شريعة وسببه وركنه وشرطه وقدره وألوانه وأوانه ووقت ثبوته والأحكام المتعلقة به.
أما تفسيره لغة: فهو عبارة عن الدم الخارج، ومنه يقال: حاضت السمرة حيضًا وهي شجرة تسيل منها كالدم، ويقال: امرأة حائض وحائضة أيضًا.
عن الفراء وانشد كحائضة يزنى بها غير طاهر وهو في الشريعة اسم لدم مخصوص وهو أن يكون ممتدًا خارجاً من موضع مخصوص وهو القبل الذي هو موضع الولادة، وقيل: هو عبارة عن الدم الذي ينقضه رحم المرأة السليمة عن الداء والصغر وقال: السليمة عن الداء احتراز عن الاستحاضة والنفاس.
وأما سببه: في الابتداء فقد قيل أن أمنا حواء حين تناولت من شجرة الخلد فابتلاها الله بذلك وبقي هو في بنانها إلى يوم التناد وبذلك السبب.
وأما ركنه فامتداد ورود الدم من قبل المرأة؛ لأن ركن الشيء ما يقوم به ذلك الشيء فالحيض يقوم به.
وأما شرطه فيقدم نصاب الطهر حقيقة أو حكمًا وفراغ الرحم عن الحبل الذي يتنفس بوضعه لأن الحامل لا تختص وإنما قيد بقوله بنفس؛ لأنّه إذا سقط منها شيء لم يستبن خلقه فما رأت قبل ذلك يكون حيضا؛ لأنّه لا يعلم أنه حبل بل هو لحم من الباطن فلا تسقط الصلاة بالشك، وأما قدره فنوعان: الأقل والأكثر، وأما قدره الأول وقد اختلف فيه العلماء عن خمسة أقوال:
فعندنا أقل مدة الحيض ثلاثة أيام ولياليها.
وقال ابن سماعة -رحمه الله - عن أبي يوسف رحِمهُ الله يومان والأكثر من اليوم الثالث لما أن الأكثر من اليوم الثالث يقام مقام الكل لمعنى وهو أن الدم من المرأة لا يسيل على الولاء؛ لأن ذلك يضنيها ويجحفها لكنه يسيل تارة وينقطع أخرى.
وروى الحسن عن أبي حنيفة رَحِمه الله ثلاثة أيام بما يتخللها من الليالي وذلك ليلتان؛ لأن في الآثار ذكر التقدير بالأيام يجعلنا الثلاثة من الأيام أصلًا وما يتخللها من الليالي وذلك ليلتان يتبعها ضرورة.
وقال مالك: بقدر ما يوجد ولو بساعة؛ لأنّ هذا نوع حدث فلا يتقدر أقله بشيْء كسائر الأحداث أقربها دم النفاس لكنا نقول في الفرق بينهما أن دم النفاس يخرج عقيب خروج الولد فيستدل بما تقدمه علمًا أنه من الرحم فجعلنا العلامة فيه الامتداد ليستدل به على أنه ليس بدم عرق.
وقدر الشافعي بيوم وليلة تحرزًا عن الكسر فقال: لما استوعب السيلان جميع الساعات عرفنا أنه من الرحم فلا حاجة إلى الاستظهار بشيْء آخر.
واحتج أصحابنا بما روى أبو أمامة الباهلي - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أقل الحيض ثلاثة أيام وأكثره عشرة أيام»، وهو مروي عن عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عباس، وعثمان ابن أبي العاص، وأنس ابن مالك - رضي الله عنهم -، والمقادير لا تعرف قياسًا فما نقل عنهم كالمروي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم ذكر الأيام يستتبع الليالي كما في قصة زكريا - عليه السلام - حيث قال الله تعالى في موضع ثلاثة أيام، وفي موضع ثلاث ليال والقصة واحدة، فلو لم يستبع إحديهما الأخرى ما بإزائها من عدد الأيام والليالي لما صح ذكر العدد مقدرًا بهذا وأما قدره الأكثر فعشرة أيام ولياليها عندنا، وقال الشافعي خمسة عشر يومًا، وهو قول أبي حنيفة رَحمهُ الله الأول لقوله - صلى الله عليه وسلم - في نقصان دين المرأة بعقد) أحداهن شطر عمرها لا تصوم ولا تصلي) والمراد زمان الحيض وذلك خمسة عشر يوماً ولكنا نقول ليس المراد حقيقة الشطر؛ لأنّ في عمرها زمان الصغر ومدة الحبل وزمان الإياس ولا تحيض في شيء من ذلك فعرفنا أن المراد ما يقارب الشطر حيضًا وإذا قدرنا العشرة بهذه الآثار فقد جعلنا ما يقارب الشطر حيضًا.
وأما ألوانه فستة: السواد والحمرة والصفرة والكدرة والخضرة والتربية، أما السواد فغير مشكل أنه حيض لقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((دم الحيض أسود [43 - ب] عبيط محتدم)) الغبيط: الطري المحتدم شديد الحمرة إلى السواد كأنه نار يحتدم أي يلتهب والحمرة كذلك فهو اللون الأصلي للدم إلا أن عند غلبة السوداء يضرب إلى السواد وعند غلبة الصفراء يرق فيضرب إلى الصفرة ويتبين ذلك لمن اقتصر والصفرة كذلك حيض فإنها من أوان الدم إذا رق وقيل هي كصفرة السن أو كصفرة القز، وأما الكدرة فلونها كلون الماء الكدرة وهي حيض في قول أبي حنيفة ومحمد رحِمَهما الله سواءً رأت في أول أيامها أو في آخر أيامها، وقال أبو يوسف إن رأت الكدرة في أول أيامها لم يكن حيضًا، وإن رأت في آخر أيامها يكون حيضًا قال: لأن الكدرة من كل شيء يتبع صافية، فإذا تقدمها دم أمكن جعل الكدرة حيضًا تبعًا، وأما إذا لم يتقدمها دم فلو جعلناها حيضًا كانت مقصودة لا تبعًا لأن الكدرة مشتبه اللون فيشتبه حكمها أيضًا فإن كانت في حالة الطهر فهي طهر وإن كانت في حالة الحيض فهي حيض لأن الأصل في المشتبه هو الرجوع إلى المحكم وإلى الأصل فإن تقدم الطهر كان الأصل هو الطهر فكان هو طهرًا أيضًا، وإن تقدم الحيض كان الأصل هو الحيض فكان هو حيضًا أيضًا وهما يقولان ما يكون حيضًا إذا رأته المرأة في آخر أيامها يكون حيضًا إذا رأته في أول أيامها كالسواد والحمرة؛ لأن جميع مدة الحيض في حكم واحد ولأن المتكدر فيه هو الشيء المختلط بأجزاء الدم، ثم أجزاء الدم إذا فرجت بانفرادها يكون حيضًا فكذلك إذا خرجت مع شيء آخر وما قاله أبو يوسف فيما إذا كان الثقب في أعلى الطرف فأما إذا كان الثقب في أسفله فالكدرة تسبق خروجها الصافي وههنا الثقب من الأسفل فجعلنا الكدرة حيضاً ابتداء، كان شيخي رَحِمه الله يقول: إنّ من خاصية الطبيعة أنها تدفع الكدر أولا وهو محسوس في الاقتصاد والتغوط، وأما الخضرة فقد أنكر بعض مشايخنا وجودها حتى قال أبو نصر بن سلام رحمه الله حين سئل عن الخضرة كأنها أكلت فصيلًا على طريق الاستبعاد وذكر أبو علي الدقاق الخضرة نوع من الكدرة.
والجواب فيها على الاختلاف الذي بينا، وأما التربية فهي ما يكون كونه كلون التراب وهي نوع من الكدرة وقد روى عن أم عطية رضي الله عنها وكانت غزت مع رسول الله - عليه السلام - ثنتي عشرة غزوة قالت: كنا نعد التربية حيضا التربية على النسبة إلى الترب بمعنى التراب وروي الترئتة بوزن التريعة والترئية بوزن الترعية وهي لون خفي يستر أقل من صفرة وكدرة وقيل: من الرية لأنّها على لونها وكل ذلك من الحيض لقوله تعالى: {ويسألونك عن المحيض قل هو أذى}، وجميع هذه الألوان في حكم الأذى سواء، وروى أن النساء كن يبعثن الكراسف إلى عائشة رضي الله عنها لتنظر إليها فإذا رأت كدرة قالت: لا حتى ترين القصَّة البيضاء قيل هي شيء يخرج من أقبال النساء بعد انقطاع الدم شبه الخيط الأبيض وقيل: حتى يخرج الخرقة كالجص الأبيض فإن القصة هي الحيض وفي الحيض العمادي ويعتبر اللون حين ترفع الخرقة وهي طريق لأبعد ما تحف؛ لأن اللون يتغير بالأسباب.
وأما أوانه فيقول: الصغيرة جداً إذا رأت الدم لا يكون حيضاً، واختلفوا في أدنى مدة يحكم ببلوغها إذا رأت الدم فيها قال أبو نصر ابن سلام رحمه الله: بنت ست سنين إذا رأت الدم وتمادى بها ثلاثة أيام، وبعضهم قدره بسبع سنين، ومحمد بن مقاتل بتسع سنين، وأبو علي الدقاق بثنتي عشرة سنة، وأكثر المشايخ على ما قاله محمد بن مقاتل، وأما إذا رأت الدم في حالة الكبر، ذكر محمد في نوادر الصلاة أنه يكون حيضا ولم يرو عن أصحابنا المتقدمين خلاف ذلك ومحمد بن مقاتل والزعفراني قالا: إذا حكم بإياسها ثم رأت الدم لا يكون حيضًا، وقال محمد بن إبراهيم الميداني إذا رأت دما سائلًا كما كانت ترى قبل ذلك في أيام حيضها يكون حيضًا والبلة اليسيرة من بين الرحم لا يكون حيضًا.
واختلفوا في حد الإياس والاعتماد على خمس وخمسين سنة وإليه ذهب أكثر المتأخرين، وأما وقت ثبوته فيقول حكم الحيض والنفاس لا يثبت إلا بالبروز، وعن محمد إنها إذا حست بالبروز ثبت حكم الحيض والنفاس، أما حكم الاستحاضة فلا يثبت إلا بالبروز وفي ظاهر الرواية لا يثبت عند محمد [44 - أ] رَحِمه الله حكم الحيض والنفاس أيضًا إلا بالبروز وثمرة الاختلاف يظهر فيما إذا توضأت المرأة ووضعت الكرسف ثم احسّت أن الدم نزل من الرحم إلى الكرسف قبل غروب الشمس ثم رفعت بالكرسف بعد غروب الشمس الصوم تام عندهما وعند محمد يقضي الصوم ثم البروز إنما يعلم بمجاورته موضع البكارة اعتبارًا بنواقض الوضوء والاحتشاء يسن للثيب ويستحب للبكر حالة الحيض، وأما في حالة الطهر فيستحب للثيب دون البكر ولوصلنا بغير كرسف جاز.
وأما أحكامه فاثنا عشر: ثمانية يشترك فيها الحيض والنفاس وأربعة مختصة بالحيض دون النفاس، فأما الثمانية فترك الصلاة لا إلى قضاء وترك الصوم إلى قضاء وحرمة الدخول في المسجد وحمرة الطواف بالبيت وحرمة قراءة القرآن وحرمة مس المصحف وحرمة جماعها، والثامن وجوب الغسل عند انقطاع الحيض.
وأما الأربعة المخصوصة فانقضاء العدة والاستبراء والحكم ببلوغها والفصل بين طلاقي السنة، فالسبعة الأولى ببروز الدم عندهما وبالإحساس عند محمد على ما ذكرنا، والثامن وهو الحكم ببلوغها يتعلق بنصاب الحيض لكن يستند إلى ابتدائه والأربعة الباقية يتعلق بانقضائه وهي وجوب الاغتسال مع الثلاثة من الأربعة المخصوصة.
هذا الذي ذكرت من أصول معرفة معتمد عليها كصحاح اللغة والمغرب فيما فيه اللغة والمبسوط ونسخ الحيض فيما يتعلق به من الأحكام الشرعية وقدمته ليكون الوسائل المضبوطة معلومة قبل المقاصد.
قوله رَحِمه الله: ((وتقضي الصوم ولا تقضي الصلاة))؛ لما روي (أن امرأة قالت لعائشة رضي الله عنها: ما بال إحدانا تقضي صيام أيام الحيض ولا تقضي الصلاة فقالت: أحرورية أنت كنا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نقضي صيام أيام الحيض ولا نقضي الصلاة) وأنكرت عليها السؤال لشهرة الحال (ونسبتها إلى حروراء وهي قرية كان أهلها يسألون سؤال التعنّت في الدين)، كذا في المبسوط، والمعنى فيه: أن اشتراط الطهارة عن الحيض والنفاس في حق الصوم ثبت نصاً بخلاف القياس بدليل تحققه وشرعيته من الحنث والمحدث حسب تحققه من الظاهر فلذلك أثر في الأداء دون القضاء واشتراط الطهارة عنهما في حق الصلاة فثبت على وفق القياس، فلذلك أثر في حق الأداء والقضاء؛ لأن النص الذي هو معقول المعنى يتعدى من موضعه إلى غير موضعه بخلاف النص الذي لا يعقل معناه فإن حكمه ينحصر في الموضع الذي ورد فيه النص.
فإن قلت: وجوب القضاء يقتضي سابقه وجوب الأداء، حتى إن حكماً من الحكام لما لم يجب قضاء فكيف يحلف هذا في حق الصوم هنا حيث لم يجب أداء ووجب قضاء.
قلت: هذه نهايات في الأحكام فينتهي إلى ما أنهانا إليه الشرع مع أن المعنى الفقهي يساعد؛ لأن يكون الحكم على هذه الصفة لما قلنا من المعنى، وهو أن اشتراط الطهارة عن الحيض والنفاس لما ثبت نصا بخلاف القياس في الصوم صار كأن الوجوب متحقق في حق الحائض فصح بناء القضاء على الوجوب التقديري الذي في الداء واشتراط الطهارة في حق الصلاة لما بينا على وفق القياس وليس في وسع المرأة اكتساب صفة الطهارة عنهما بخلاف الجنابة والحدث لم يكن جعل الوجوب تقديرا حالة الأداء ثم لو قلنا مع ذلك بوجوب القضاء والحال أن أداء الصلاة لم يكن واجبا عليها لا تحقيقًا ولا تقديرًا يلزم بناء الحكم على المعدوم؛ لأن بناء وجوب القضاء على وجوب الأداء إذ القضاء خلف الأداء فمتى لم يجب الأصل لا يجب الخلف فكان صحة بناء قضاء الصوم هنا على الوجوب التقديري في الأداء نظير صحة بناء النافلة على الصلاة المظنونة وعدم صحة قضاء الصلاة هنا نظير عدم صحة اقتداء البالغين على الصبي في التراويح لما أن عدم الضمان في المظنونة بعارض ظن يخص الإمام جعل الضمان موجودًا، تقديرًا، بخلاف صلاة الصبي فإن عدم الضمان فيه أصلي لأصالة الصبي فلم يجعل موجودا تقديرًا فلم يصح البناء؛ لذلك عند عامة المشايخ وإلى هذا المعنى أشار فخر الإسلام رَحِمه الله في عوارض أصول الفقه، وأما قوله: والحيض يسقط عن الحائض الصلاة والإسقاط يقتضي سابقة الثبوت فواقع على اختيار بعض المشايخ منهم القاضي أبو زيد رحمه الله فإنه ذكر في التقويم وقال: لا خلاف أن الآدمي يخلق وهو أهل لإيجاب الحقوق عليه كلها فإنه علق وعليه عشر أرضه وخراجها بالإجماع وعليه الزكاة على قول أهل الحجاز وإنما اختلفوا فيما سقط عنه بعذر الصبي كما سقط عن الحائض الصلاة بعذر الحيض لا لأنّها ليست بأهل للإيجاب عليها فإن الصوم لزمها بل لدفع الحرج.
قوله رَحِمه الله: وهو بإطلاقه حجة على الشافعي في إباحته الدخول على وجه العبور والمرور، وقال في المبسوط: (مسافر بمسجد فيه عين ماءٍ وهو جنب ولا يجد غيره فإنه يتيمم لدخول المسجد؛ لأن الجنابة تمنعه من دخول المسجد على كل حال عندنا سواء كان قصده المكث فيه أو الاجتياز، وعند الشافعي له أن يدخله مجتازًا لظاهر قوله تعالى: {ولا جنباً إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا}) ولكن أهل التفسير قالوا: إلا ههنا بمعنى ولا أي ولا عابري سبيل وهذا محتمل فيبقى المنع لقوله: ولا تقربوا وهو عاجز عن الماء قبل دخول المسجد فيتيمم ثم يدخل المسجد فيستقي منه، وذكر شيخ الإسلام في مبسوطه فقال: وأما علماؤنا فقد أثبتوا حرمة دخول المسجد للجنب بالسنة والسنة لم تفصل بين الدخول للمرور وبين الدخول للمقام فيه فإنه روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «سدّوا الأبواب فإني لا أحلها لجنب ولا لحائض».
ولأن حرمة الدخول بسبب الجنابة وهي موجودة حالة المرور كما هي موجودة حالة القرار فتوجب الحرمة في الحالين كما في مس المصحف؛ لما يثبت الحرمة بسبب الجنابة أو الحدث يستوي بين الأخذ للإمساك وبين الأخذ لتناول غيره؛ لأنّه قاس في الحالين، وأما تعلقه بالآية.
قلنا: المراد به حقيقة الصلاة؛ لأن الصلاة في الحقيقة اسم لفعل الصلاة لا لمكانها وهي ذكرت وأريد بها المكان كان مجازا، والكلام لحقيقته حتى يقوم الدليل على مجازه وقوله: إلا عابري سبيل أي: إلا مسافرين والمسافر يسمى عابراً فيكون معناه إلا مسافرين فإنه يباح لهم الصلاة قبل الاغتسال بالتيمم.
قوله رَحِمه الله: ((وهو حجة على مالك في الحائض))؛ فإنه يجوز للحائض قراءة القرآن دون الجنب قال: لأن الجنب قادر على تحصيل صفة الطهارة بالاغتسال فيلزمه تقديمه على القراءة والحائض عاجزة عن ذلك، وكان لها أن تقرأ.
ولنا حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ينهى الحائض والجنب عن قراءة القرآن، ثم عجزها عن تحصيل صفة الطهارة يدل على تغلظ بابها من الحدث فلا يدل على إطلاق القراءة لها، وذكر الطحاوي -رَحِمه الله-: إنها إنما تمنع عن قراءة آية تامة ولا تمنع عن قراءة ما دون ذلك؛ لأن للمتعلق بالقرآن حكمان جواز الصلاة ومنع الحائض عن قراءته ثم في حق أحد الحكمين يفصل بين الآية وما دونها فكذلك في الحكم الآخر، وقال الكرخي: يمنع عن قراءة ما دون الآية أيضا على قصد قراءة القرآن كما تمنع عن قراءة الآية التامة؛ لأن الكل قرآن، كذا في المبسوط.
وذكر في الجامع من الحيض لنجم الدين الزاهدي، وأطلق الطحاوي ما دون الآية للحائض والنفساء والجنب وهو رواية ابن سماعة عن أبي حنيفة وعليه الأكثر، ولكن المصنّف رَحِمه الله ذكر في التجنيس: ويستوي في القراءة الآية وما دونها هو الصحيح يعني في الحرمة ولكن هذا إذا قصدت القراءة كما ذكرنا فإن لم يقصدها نحو أن يقرأ الحمد لله شكراً للنعمة فلا بأس به وإذا حاضت المعلمة فينبغي لها أن تعلم الصبيان كلمة كلمة ويقطع بين الكلمتين على قول الكرخي، وعلى قول الطحاوي تعلم نصف آية ويقطع ثم تعلم نصف آية ولا يكره لها التهجي بالقرآن، وكذا لا يكره قراءة دعاء القنوت اللهم إنا نستعينك، كذا في المحيط، وذكر الحلواني عن أبي حنيفة لا بأس للجنب أن يقرأ الفاتحة على وجه الدعاء، قال الهندواني: لا أفتي بهذا وإن روى عنه.
وفي العيون: لا بأس للجنب أن يقرأ الفاتحة على سنن الدعاء أو شيئًا من الآيات التي فيها معنى الدعاء وهذا إشارة إلى أنه يتغير بقصده حكمها، كذا ذكر الإمام التمرتاشي رحِمه الله، وذكر أيضا وحرمة قراءة الآية إن كانت طويلة فظاهر، وإن كانت قصيرة يجري مثلها في اللسان من غير قصد، كقوله: ثم نظر وقوله: لم يلد، ولم يحرم.
قوله رَحِمه الله: ((وليس لهم مس المصحف إلا بغلافه)) وكذلك ليس لهم من اللوح المكتوب عليه آية تامة من القرآن لقوله تعالى: {لا يمسه إلا المطهرون}، وهذا وإن قيل في تأويله لا ينزله إلا السفرة الكرام البررة فظاهره يفيد منع غير الظاهر من مسه، كذا في المبسوطين.
قوله: هو الصحيح، واختلفوا فيما إذا كان المصحف مجلداً فمنهم من قال: لا بأس بأخذه؛ لأن المس يلاقي جلده، قال شمس الأئمة السّرخسيّ -رَحِمه الله-: الأصح أنه يمنع منها إذا كان الجلد ملصقا به؛ لأن الجلد متصل به فكان تبعاً، كذا ذكره الإمام المحبوبي -رَحِمه الله- و في التحفة قيل المكروه من المكتوب لا مواضع البياض ذكره الإمام التمرتاشي.
قوله: ((وغلافه ما كان متجافياً عنه)) أي: ما كان متباعدًا عن المصحف بأن يكون شيئًا ثالثا بين الماس والممسوس ولا يكون تبعًا لأحدهما كالكم في حق الماس والجلد المشرز في حق الممسوس وعن هذا قالوا: لا بأس بأن يحمل خرجاً فيه مصحف، وقال بعضهم: يكره، وزاد بعضهم فيه أيضا حتى قال: يكره أخذ زمام الإبل التي عليها المصحف قاصدًا حمل المصحف.
ولكن ما قالوه بعيد حتى لو أجبت الحاج في المفارة لا يلزمه أن يلقى هميان الدنانير التي كتب عليه اسم الله، كذا ذكره الإمام المحبوبي، وذكره أيضًا ولا يستحب مس كتب الفقه؛ لأنّها لا يخلو عن آيات القرآن ولا بأس مسَّه بالكم بالاتفاق لعموم البلوى.
قوله: ((ويكره مسه بالكم وهو الصحيح)) وفي المحيط قال بعض مشايخنا: يكره للحائض مس المصحف بالكم وعامتهم على أنه لا يكره، وفي الجامع الصغير للإمام التمرتاشي وقيل: لو مسّه بالكم جاز، وعن محمد رَحِمه الله فيه روايتان، وفي شرح عتاب: الكم تبع للحامل ألا يرى أنه لو بسط كمه على النجاسة وسجد عليه لا يجوز، وكذا لا يجوز، وكذا لو قام متخففًا أو متنعلًا على النجاسة، وكذا لو حلف لا يجلس على الأرض فجلس على ثيابه على الأرض يحنث، وفي الإيضاح يمنع الكافر عن مسه عند أبي يوسف رحِمهُ الله وإن اغتسل، وفي الفوائد الظهيرية: والنظر الى المصحف لا يكره للجنب والحائض؛ لأن الجنابة لا تحل العين ألا يرى أنه لا يفترض إيصال الماء إليها، وأما مس ما فيه ذكر الله تعالى سوى القرآن فقد أطلقه عامة مشايخنا وكرهه بعضهم.
قوله: ((ولا بأس بدفع المصحف إلى الصبيان)) أي: لا بأس بأن يعطي الصبيان المصاحف وإن كان الصبيان محدثين، وإنما ذكر هذه المَسْألة مع أن الصبيان غير مخاطبين بشيْء من التكليفات لشبهة ترد وهي إن لم يكن الصبيان مخاطبين بالتكليفات ولكن الدافع البالغ إلى الصبي المحدث يجب أن يكون مكلفا بأن لا يدفع المصحف إليه كما هو مكلف بأن لا يلبس الذكر من الصبيان الحرير وأن لا يسقي الخمر وإن لا يوجه الطفل الصغير إلى جهة القبلة عند قضاء حاجة الطفل الصغير، وليس معنى الكلام ولا بأس للمحدث البالغ بدفع المصحف إلى الصبيان لما أن ذلك الدفع مكروه، وإن كان قليلًا من المدة لما ذكرت من الرواية الني ذكرها شيخ الإسلام رَحِمه الله في تعليل حرمة دخول الجنب المسجد على وجه العبور في قوله: كما في مس المصحف، لما بينت الحرمة بسبب الجنابة أو الحدث يسوي بين الأخذ للإمساك وبين الأخذ لتناول غيره؛ ولأن ذكر الجمع في قوله حرجًا عليهم راجع إلى لفظ الصبيان؛ لأن لفظ الصبيان مذكور ولفظ الدافعين غير مذكور؛ ولأن الإمام المحبوبي رَحِمه الله صرح بهذا فقال: وأما مس الصبيان المصاحف والأرواح في المكتب وغيره فلا بأس به؛ لأنّهم لا يخاطبون بالطهارة وإن أمروا به تخلقا واعتيادا ثم قال: ولا يقال البالغ مخاطب بأن لا يتناوله المصحف مع العلم بحاله كما يخاطب بأن لا يسبقه الخمر وأن لا يلبس الذكور من الصبيان الحرير؛ وهذا لأن حكم مس المصحف مع الحدث أخف من حكم شرب الخمر ولبس الحرير مع التعلّق بالأمر الديني وهو حفظ القرآن.
قوله: ((وفي الأمر بالتطهير حرجًا)) عليهم ولم يقل سقط الأمر عنهم؛ لأنّهم غير مكلفين لما أن عموم قوله تعالى: {فادخلوها خالدين} يتناولهم ويتناول دافعهم ثم أن الصبيان لو لم يخاطبوا يجب أن يخاطب أوليائهم كما في الباس الحرير وبهذا التعليل استدل من كره ذلك، فقال فخر الإسلام رَحِمه الله في الجامع الصغير، ومن مشايخنا من كره تعليم الصبي بأن يدفع إليه مصحف أو لوح عليه كلام الله وعن هذا القول احترز بقوله في الكتاب وهذا هو الصحيح.
قوله: ((وإذا انقطع دم الحيض لأقل من عشرة أيام لم يحل وطئها حتى تغتسل)) هذا إذا انقطع دمها فيما دون العشرة عند تمام عادتها، وأما إذا كان الانقطاع أقل من عادتها وأقل من العشرة فيكره وطئها، وإن اغتسلت على ما يجيء بعد هذا في قوله: ولو كان انقطع الدم دون عادتها.
وقال في المحيط: (وإن كانت معتادة وانقطع الدم فيما دون العادة ولكن بعدما يعني ثلاثة أيام اغتسلت أو مضى عليها الوقت كره للزوج قربانها وكره لها التزوج بزوج آخر حتى يأتي عادتها ويغتسل ولو كانت أيام حيضها دون العشرة فانقطع الدم على رأس عادتها أخرت الاغتسال إلى آخر الوقت.
قال الفقيه أبو جعفر: تأخير الاغتسال في هذه الصورة على سبيل الاستحباب دون الإيجاب وفيما إذا انقطع الدم فيما دون عادتها وباقي المَسْألة بحالها فتأخير الاغتسال بطريق الإيجاب).
قوله: ((أو يمضي عليها وقت صلاة كامل)) فإن قلت: قوله كامل إن كان صفة لوقت يجب أن يكون مرفوعا وإن كان صفة لصلاة يجب أن يقال كاملة فما وجهه.
قلت: هو صفة لوقت وانجراره للحوار كما في: جحر ضب خربٍ، كذا قال شيخي رَحِمه الله، ثم المراد من كمال الوقت هنا: أن يقع موجباً الصلاة عليها بأن يقع هذا الانقطاع في آخر وقت [يتمكن هي أن تغتسل وتحرم للصلاة كما إن مضى كمال الوقت عليها وهي منقطع الحيض موجب للصلاة فكذا آخر وقت] الصلاة موجب عليها الصلاة، وأما مضي كمال الوقت على معنى أنه انقطع دمها في أول الوقت ودام الانقطاع حتى مضى الوقت فليس بمشروط لكونها من الطاهرات في حق حل القربان ووجوب الصلاة، وقد ذكر في حيض الإمام نجم الدين الخوارزمي في هذا الموضع، أو يمضي عليها أدنى وقت الصلاة وهو ما يسع الاغتسال والتحريمة ليتأكد الانقطاع المحتمل بحكم من احكام الطاهرات.
قوله: وإن انقطع الدم لعشرة أيام حلّ وطئها قبل الغسل وحل الوطء ليس بمتوقف، ههنا إلى انقطاع الدم ولكن ذكره بمقابلة قوله: أولاً، وإذا انقطع دم الحيض لأقل من عشرة أيام فإنّ الانقطاع والغسل شرط هناك لحل الوطء وليس بشرط ههنا ثم ذكر ههنا تفاوت حل الوطئ في الصورتين، ولم يذكر تفاوت وجوب الصلاة عليها عند ادراك جزء من وقت الصلاة.
وحاصله أنّه يشترط يمكن الاغتسال والتحريمة في الوقت في الصورة الأولى وهي ما دون العشرة دون الخيرة وهي تمام العشرة، وقال في المبسوط: (وإذا طهرت من الحيض وعليها من الوقت تغتسل فيه كان عليها قضاء تلك الصلاة وإن كان عليها من الوقت ما لا يستطيع أن يغتسل فيه فليس عليها قضاء تلك الصلاة وهذا إذا كان أيامها دون العشرة فأما إذا كان أيامها عشرة فانقطع الدم وعليها من الوقت شيء قليل أو كثير فعليها قضاء تلك الصلاة؛ لأنّه إذا كان أيامها عشرة فبمجرد انقطاع الدم تيقنا بخروجها من الحيض فإذا أدركت جزءاً من الوقت يلزمها قضاء تلك الصلاة سواء تمكنت فيه الاغتسال أو لم يتمكن، وأما إذا كانت أيامها دون العشرة فمدة الاغتسال من جملة حيضها ولما كان كذلك).
قلنا: إذا ادركت من الوقت مقدار ما يمكنها أن تغتسل فيه ويفتح الصلاة وقد ادركت جزءًا من الوقت بعد الطهارة فعليها قضاء تلك الصلاة وإلا فلا كذا في المبسوط.
ثم حل القربان قبل الاغتسال عند الانقطاع لتمام العشرة مذهبنا خلافًا لزفر والشافعي فإنهما يشترطان الاغتسال في الصورتين فخلاف زفر مذكور في المبسوط وخلاف الشافعي رحمه الله مذكور في نسخ الحيض والمنظومة والطهر إذا تخلل بين الدمين إلى آخره، روى محمد عن أبي حنيفة رَحمهُما الله أن الشرط أن يكون الدم محيطًا بطرفي العشرة وإذا كان كذلك لم يكن الطهر المتحلل فاصلًا بين الدمين وإلا كان فاضلًا وعلى هذه الرواية لا يجوز بداية الحيض ولا ختمة بالطهر قال: لأنّ الطهر ضد الحيض، ولا يبدأ الشيء بما يضاده ولا يختم به ولكن المتخلل بين الطرفين بجعل تبعًا لهما كما قلنا في الزكاة أن كمال النصاب في أول الحول وآخره شرط لوجوب الزكاة ونقصانه في خلال الحول لا يضر وبيان هذا في المسائل:
مبتدأة لو رأت: يوما دماً وثمانية طهرًا، ويوماً دماً فالعشرة كلها دم لإحاطة الدم بطرفي العشرة ولو رأت يوماً دماً وتسعة طهراً ويوماً دماً لم يكن شيء منه حيضًا، كذا في المبسوط.
قوله: ((وعن أبي يوسف رحِمهُ الله إلى آخره)) الأصل عند أبي يوسف وهو قول أبي حنيفة الآخر أنّ الطهر المتخلل بين الدمين إذا كان أقل من خمسة عشرة يوما لا يصير فاصلًا بل يجعل كالدم المتوالي ومن أصله أّنه يجوز بداية الحيض بالطهر ويجوز ختمه به بشرط أن يكون قبله وبعده دم وإن كان بعده دم ولم يكن قبله دم يجوز حتم الحيض بالطهر ولا يجوز بدايته وإن كان قبله دم ولم يكن بعده دم يجوز بداية الحيض بالطهر ولا يجوز ختمه به ومن أصله أن يجعل زمانا هو طهر كله حيضًا بإحاطة الدمين [46 - أ] به حجته في ذلك أن الطهر الذي هو من دون خمسة عشر لا يصلح للفصل بين الحيضتين وكذلك للفصل بين الدمين؛ لأن أقل مدة الطهر الصحيح خمسة عشر يوما فما دونه فاسد وبين صفة الصحة والفساد منافاة والفساد لا يتعلق به أحكام الصحيح شرعا كالدم المتوالي وبيانه من المسائل مبتدأة رأت يوما دما وأربعة عشر طهرًا ويومًا دمًا فالعشرة من أول ما رأت عنده حيض يحكم ببلوغها به وكذلك إذا رأت يوما دما وتسعة طهرًا ويومًا دمًا وعند محمد -رَحِمه الله- لا يكون ينبئ منه حيضًا ويأتي ما هو الأصل عنده واحتج محمد في الكتاب فقال الدم المرئي في اليوم الحادي عشر لما كان استحاضة كان بمنزلة الرعاف فلو جاز أن يجعل أيام الطهر حيضا بالدم الذي هو ليس بحيض لجاز بالرعاف؛ ولأن ذلك الدم ليس بحيض بنفسه فكيف يجعل باعتباره زمان الطهر حيضًا.
وقال أبو يوسف رحِمهُ الله: إنه خارج من الفرج فلا يكون كالرعاف ثم قال قد يجوز أن يجعل الزمان الذي هو حيض كله صورة طهرا حكما فكذلك يجوز أن يجعل الزمان الذي هو طهر كله صورة حيضًا بإحاطة الدمين به وإذا كان جواز هذا في جميع المدة ثبت في أولها وآخرها بالطريق الأولى لكن إذا وجد شرطه وهو أن يكون قبله وبعده دم ليكون الدم محيطًا بالطهر، وبيان هذا الأصل من المسائل على قوله في امرأة عادتها في أول كل شهر خمسة فرأت أيامها بيوم يومًا دما ثم طهرت خمستها ثم رأت يوما دما فعنده خمستها حيض إذا جاوز المرئي عشرة لإحاطة الدمين بزمان عادتها وإن لم تر فيه شيئا، وأما إذا لم تجاوز العشرة فيكون جميع ذلك حيضًا وكذلك لو رأت قبل خمستها يوما دما ثم طهرت أول يوم من خمستها ثم رأت ثلاثة دمًا ثم طهرت آخر يوم من خمستها ثم استمر بها الدم فحيضها خمستها عنده وإن كان ابتداء الخمسة وضمنها بالطهر لوجود الدم قبله وبعده، والأصل عند محمد رَحِمه الله وهو الأصح وعليه الفتوى أن [الطهر] المتخلل بين الدمين إذا كان دون ثلاثة لا يصير فاصلًا وهذا بالاتفاق فإذا بلغ الطهر ثلاثة أيام أو أكثر نظر فإن استوى بالطهر في أيام الحيض أو كان الدم غالبا لا يصير فاصلًا أيضًا وإن كان الطهر غالبًا يصير فاصلًا فحينئذ ينظر أن لم يكن أن يجعل واحد منهما بانفراده حيضًا لا يكون شيء منه حيضا وإن أمكن أن يجعل أحدهما بانفراده حيضا أن المتقدم أو المتأخر يجعل ذلك حيضًا وإن أمكن أن يجعل كل واحد منهما حيضًا بانفراده بجعل الحيض أسرعهما إمكانًا، ولا يكون كلاهما حيضًا إذ لم يتخللهما حيضًا إذ لم يتخللهما طهر تام، وهو لا يجوز بداية الحيض ولا ختمه به سواء كان قبله أو بعده دم او لم يكن ولا يجعل زمان الطهر زمان الحيض بإحاطة الدمين؛ لأن الطهر معتبر بالحيض فكما أن ما دون الثلاث من الحيض لا حكم له ويجعل هو كحالة الطهر فكذلك ما دون الثلاث من الطهر لا حكم له فيجعل كالدم المتوالي وإذا بلغ ثلاثًا فصاعدًا فإن كان الدم غالبًا لمغلوب لا يظهر في مقابلة الغالب فإن كانا سواء فكذلك؛ لما أن اعتبار الدم يوجب حرمة الصوم والصلاة، واعتبار الطهر يوجب حل ذلك، وإذا استوى الحلال والحرام تغلب الحرام، كما في التحري في الأواني إذا كانت الغلبة للنجاسة، أو كانا سواء لا يجوز والتحري، فهذا مثله.
بيان هذا: مبتدئةٌ رأت يوما دما ويومين طهراً، أو يومًا دماً، فالأربعة حيض؛ لأنّ الطهر المتخلل دون الثلاث ولو رأت يوما دمًا وثلاثة طهرًا ويومًا دما لم يكن شيء منها حيضًا؛ لأنّ الطهر وهو ثلاثة أيام غالب على الدمين وإن رأت يوما دمًا وثلاثة طهرًا ويومين دمًا فالستة كلها حيض؛ لأن الدم استوى بالطهر فغلب الدم، وإن رأت ثلاثة دمًا وخمسة طهرًا ويومًا دمًا فحيضها الثلاثة الأولى؛ لأن الطهر غالب فصار فاصلًا والمتقدم بانفراده ممكن أن يجعل حيضًا فجعلناه حيضا ولو رأت يوما دمًا وخمسة طهراً وثلاثة دمًا فحيضها الثلاثة الأخيرة لما بينا، ولو رأت ثلاثة دما وستة طهرًا وثلاثة دما فحيضها الثلاثة الأولى؛ لأنّه أسرعهما إمكانًا.
فإن قيل: قد استوى الدم بالطهر ههنا فلماذا لم يجعل كالدم المتوالي؟.
قلنا: استواء الدم بالطهر إنما يعتبر في مدة الحيض وأكثر الحيض عشرة والمرئي في العشرة ثلاثة دم وستة طهر ويوم دم فكان الطهر غالبًا فلهذا صار فاصلًا، وأقل الطهر خمسة عشر يوما وفي هذا لا خلاف بيننا وبين الشافعي، وقال عطاء -رَحِمه الله- أقله تسعة عشر يوماً، قال: لأنّه يشمل الشهر على الحيض والطهر عادة وقد يكون الشهر تسعة وعشرين يوما فإذا كان أكثر الحيض عشرة بقي الطهر تسعة عشر يومًا.
ولنا: إن مدة الطهر نظير مدة الإقامة من حيث إنها تعيد ما كان سقط من الصوم والصلاة وقد ثبت بالأخبار أن أقل مدة الإقامة خمسة عشر يومًا، فكذلك أقل مدة الطهر، ولهذا قدرنا أقل مدة الحيض بثلاثة أيام اعتبارًا بأقل مدة السفر، فإن كل واحد منهما يؤثر في الصوم والصلاة، كذا في المبسوط.
ولا غاية لأكثره، معناه ما دامت ترى الطهر تصلي وتصوم وإن استغرق عمرها، وذكر في حيض الخوارزمي الطهر نوعان: كامل وناقص، فالكامل نوعان: صحيح وفاسد، أما الكامل فهو ما ذكرنا، وأما الناقص: فهو ما لا يبلغ خمسة عشر يومًا ثم الصحيح من الكامل هو ما (لا يشوبه) دم تؤمر فيه بالصلاة، والفاسد: بخلافه مثاله: مبتدئة رأت ثلاثة دمًا وخمسة عشر طهرًا ثم استمر (بها الدم فحيضها ثلاثة وطهرها خمسة عشر يومًا وهو صحيح لخلوصه ولو رأت ثلاثة دمًا وخمسة عشر طهراً ويومًا دمًا وخمسة عشر طهرًا ثم استمر) فطهرها بقية الشهر سبعة وعشرون لفساد كل واحد من الطهرين لثبوت دم الاستحاضة به.
قوله: ((فلا يتقدر بتقدير إلا إذا استمر بها الدم)) صورته: امرأة بلغت فرأت ثلاثة دمًا وسنة أو سنتين طهرًا ثم استمر بها الدم، قال أبو عصمة سعد بن معاذ المروزي -رحمه الله-: طهرها ما رأت وحيضها ثلاثة أيام، وقال محمد بن إبراهيم الميداني: طهرها ستة أشهر إلا ساعة؛ لأن أقل المدة التي يرتفع الحيض فيها ستة أشهر وهو أقل مدة الحبل إلا أن ما عليه الأصل أن مدة الطهر أقل من مدة الحبل فنقصنا منه شيئًا يسيرًا وهو الساعة، وذكر في المحيط بيان هذا فقال: مبتدأة رأت عشرة دمًا وستة طهرًا ثم استمر بها الدم، قال أبو عصمة: حيضها وطهرها ما رأت حتى إن عدتها تقتضي إذا طلقها زوجها بثلاث سنين وثلاثين يومًا، وقال الإمام الميداني: إن عدتها تنقضي بتسعة عشر شهراً إلا ثلاث ساعات لجواز أن يكون وقوع الطلاق عليها في حالة الحيض فيحتاج إلى ثلاثة أطهار كل طهر ستة أشهر إلا ساعة وكل حيض عشر أيام، وقيل: طهرها أربعة أشهر إلا ساعة؛ لأنّه أقل مدة استبانة الخلق ونقصنا ساعة لما قلنا، والحاكم الشهيد قدره بشهرين، قال الإمام برهان الدين عمر بن علي ابن أبي بكر -رحمه الله-: والفتوى على قول الحاكم الشهيد؛ لأنّه أيسر على المفتى والنساء.
قوله: ((ولأن الزائد على العادة يجانس ما زاد على العشرة فيلحق به)) وهذا لأن المقدر العادي مثل المقدر الشرعي ألا ترى أنها إذا بلغت واستمر بها الدم فيجعل عشرة وعشرين، وكذلك إذا رأت حالة البلوغ ثلاثة أيام ثم استمر بها الدم في المرة الثانية يجعل حيضها من كل شهر ثلاثة أيام، وقال الإمام شمس الأئمة السّرخسيّ -رَحِمه الله- في المبسوط: (لأن الحيض لا يكون أكثر من عشرة فتيقنا فيما زاد على العشرة أنه استحاضة، وتيقنا في أيامها بالحيض و بقي التردد فيما زاد عليه إلى تمام العشرة فإن ألحقناه بما قبله كان حيضًا، وإن ألحقناه بما بعده كان استحاضة فلا تترك الصلاة فيه بالشك) اه.
لأن وجوب الصلاة كان ثابتًا بيقين فلا يترك إلا بيقين مثله وكان إلحاقه بما بعده أولى؛ لأنّه ما طهر إلا في الوقت الذي ظهر فيه الاستحاضة متصلًا به هذا الذي ذكره في المعتادة بما دون العشرة فجاوز الدم في المرة الثانية من العشرة، وأما إذا كانت المرأة معتادة بما دون العشرة بأن كانت عادتها أيام مثل فرأت في المرة الثانية في اليوم السادس أيضًا دما فقد اختلف المشايخ فيه قال أئمة بلخ: إنها تؤمر بالاغتسال والصلاة؛ لأن حال الزيادة متردد بين الحيض والاستحاضة فلا يترك الصلاة مع التردد؛ ولأن هذه الزيادة لا تكون حيضا إلا بشرط وهو الانقطاع قبل أن يجاوز العشرة، وذلك موهوم فلا يترك الصلاة باعتبار شرط هو موهوم، وكان محمد بن إبراهيم الميداني رحمه الله يقول: لا تؤمر الاغتسال والصلاة وهو الأصح؛ لأنا عرفنا حائضاً بيقين وفي خروجها في الحيض شك ودليل بقائها حائضاً ظاهر وهو رؤية الدم وهذه الزيادة لا يكون استحاضة إلا بشرط الاستمرار حتى تجاوز العشرة وذلك الشرط غير ثابت في الحال فتيقناها حائضًا، و لا تؤمر بالاغتسال والصلاة حتى يتبين أمرها فإن جاوز العشرة فحينئذ تؤمر بقضاء ما تركت من الصلوات بعد أيام عادتها واعتبر هذه المدة بالمبتدأة ولا تؤمر [47 - أ] بالاغتسال والصلاة مع رؤية الدم ما لم يجاوز العشرة في كتاب الحيض للإمام عماد الدين أبي بكر النسفي رحمه الله وقال شيخ الإسلام في مبسوطه: وقال الشافعي بأن المرأة إذا استحاضت ولها أيام معلومة في الحيض فإنها تميز باللون فيما زاد على أيامها فإن كان أسود غبيطاً أو أحمر خالصا يجعلها حيضا ولا عبرة للأيام وإن لم يكن اسود كان دم الاستحاضة وإن لم يكن التميز باللون بأن لم يكن أسود خالصا أو أحمر خالصا بل يشبه هذا وهذا حينئذ يعتبر بالأيام.
قوله: ((وإن ابتدأت مع البلوغ مستحاضة)) قال الشيخ رَحِمه الله: وإن ابتديت بضم التاء بدلالة قوله هي مبتدأة، ولم يقل مبتدئة، وكذلك الاستحاضة أيضًا يستعمل على بناء المفعول كجُنّ، وأغمي لما أنه لا اختيار لها، وفي الصحاح استحيضت المرأة أي استمر بها الدم بعد أيامها.
قوله: مستحاضة بالنصب على الحال المقدرة كقوله تعالى: {فادخلوها خالدين} أي: مقدرين الخلود والخلود ليس حالة الدخول، وإنما يثبت تقديرًا حالة الدخول كما في قوله: مررت بزيد بالصقر صائدا غداً أي مقدر الاصطياد في الغد، وكذلك ههنا لم يثبت الاستحاضة حال ابتداء رؤيتها الدم وإنما يثبت بالزيادة على العشرة ولكن يعلم عند زيادته على العشرة أنها مقدرة كانت الاستحاضة عند ابتداء رؤيتها الدم.
والله اعلم.
فَصْل
والمستحاضة، ومن به سلس البول، لما ذكر المستحاضة للمعنى الذي ذكرنا من أن الدماء المختصة بالنساء ثلاثة: حيض واستحاضة ونفاس، ذكر أيضًا من هو في حكم المستحاضة وهو من به سلس البول، والرعاف الدائم والجرح الذي لا يرقأ، فقدم ذكر الحيض لما قلنا، إنه أكثر وقوعاً فكان أمس حاجة إلى معرفة أحكامه ثم قدم الاستحاضة على النفاس أما لأن الاستحاضة موقوفة إلى عارضة فردة وهي خلاف ما تراه الحائض من الدم والنفاس موقوف إلى عارضتين وهما خروج الولد وخروج الدم والواحد قبل الاثنين أو لأن الاستحاضة أكثر وقوعًا باعتبار كثرة أسبابها فإنّها تكون مستحاضة كما إذا رأت الدم حالة الحبل أو زاد الدم على العشرة أو زاد على معروفتها وجاوز العشرة أو رأت ما دون الثلاث أو رأت قبل تمام الطهر أو رأت قبل أن تبلغ تسع سنين على ما عليه العامة، كذا في نسخ الحيض بخلاف النفاس فإن سببه شيء واحد ثم المصنف فسر المستحاضة في آخر هذا الفصل بقوله والمستحاضة هي التي لم يمض عليها وقت صلاة إلا والحدث الذي ابتليت به يوجد فيه قيل، والصحيح فيه أن يقال المستحاضة هي من لايح وقت الوضوء أو بعده في الوقت عن الحدث الذي ابتليت بدوامه وذلك لأنّه يرد على قول الأول ما إذا رأت الدم في أول الوقت ثم انقطع فتوضأت ودام الانقطاع حتى خرج الوقت لا ينتقض طهارتها، ولو كان تفسير الاستحاضة ما قيل في الوجه الأول لا ينتقض طهارتها؛ لأنّ طهارة المستحاضة ينتقض بخروج الوقت ولا بد من العناية في التفسير الأول بأن يقال: المراد من وجود الحدث في وقت الصلاة هو أن يوجد في الوضوء في وقت الصلاة (أو بعد الوضوء في وقت) يوضح هذا المعنى ما ذكره شمس الأئمة السّرخسيّ رَحِمه الله في الجامع الكبير، وقال: (إذا توضأت المستحاضة في وقت العصر والدم منقطع، وصلت ركعتين ثم دخل وقت المغرب ثم سأل الدم فعليها أن يتوضأ وتبني على صلاتها؛ لأن انتقاض الطهارة كان بالحدث لا بخروج الوقت ولم يوجد منها أداء شيء من الصلاة بعد الحدث فجاز لها أن تبني وهذا لأن خروج الوقت عينه ليس بحدث، ولكن الطهارة تنتقض عند خروج الوقت بسيلان مقارن للطهارة أو موجود بعده ولم يوجد فلا ينتقض بخروج الوقت)).
ثم قال: وحاصل هذا الكلام أن الناقض لطهارة المستحاضة شيئان سيلان الدم وخروج الوقت، ثم لو تجرد سيلان الدم عن خروج الوقت لم يكن ناقصاً فكذلك إذا تجرد خروج الوقت عن سيلان الدم؛ لأن الحكم المتعلق بعلة ذات وصفين ينعدم بانعدام أحد الوصفين يقال: شيء سلس أي سهل ورجل سلس أي: لين منقاد بين السلس والسلاسة وقد سلس البول إذا كان لا يستمسكه والرعاف الدم الذي يخرج من الأنف رقاء الدم سكن أي ودم الجرح الذي لا يسكن.
قوله -رَحِمه الله-: ((ما شاء وأمن الفرائض والنوافل)) وهذا ليس بمحضر فيهما بل كما يصلون الفرائض والنوافل فكذلك يصلون النذور والواجبات أيضا ما دام الوقت باقيًا عندنا.
وعند الشافعي رحمه الله: يتوضأ لكل صلاة مكتوبة، وقال مالك المستحاضة لا تتوضأ؛ لأن ما يناقض الوضوء يقارنه فلا فائدة في الاشتغال به، وقال بعض الناس: بأنّها تغتسل لكل صلاة، وكان إبراهيم النخعي رحمه الله يقول: تغتسل في آخر وقت الظهر، فتصلي الظهر في آخر الوقت والعصر في أول الوقت، بغسل واحدٍ، ثم تغتسل في آخر وقت المغرب فتصلي المغرب في آخر الوقت والعشاء في أول الوقت بغسل واحد، وكذلك في العشاء مع الفجر، وهذا الاختلاف بيننا وبين الشافعي في المستحاضة ومن به سلس البول، واستطلاق البطن، وانفلات الريح من الدبر، فأما في حق صاحب الجرح السائل والرعاف الدائم فالخلاف بيننا وبينه بوجه آخر لما أنه لا يرى الخارج من غير السبيلين حدثًا.
قوله: ((فلا يبقى بعد الفراغ منها)) أي: لا يبقى للمكتوبة، وأما يبقي طهارتها للنوافل عنده أيضاً؛ لأن حاجتها لم ترتفع في حق النوافل؛ لأنّها خبر موضوع في كل وقت ونظير هذا ما قال أبو حنيفة وأصحابه رحمهم الله فيمن حضرته جنازة وهو بحال لو اشتغل بالوضوء يفوته صلاة الجنازة فإنه يتيمم ويصلي فإن صلى وليس له جنازة أخرى انتقض تيممه، وإن كان هناك جنازة أخرى لم ينتقض تيممه فثبت بهذا أن وجود الماء عمل عند عدم الضرورة ولم يعمل عند الضرورة كذا ذكره الإمام المحبوبي؛ لأن اللام تستعار للوقت يقال: آيتك لصلاة الظهر، أي: وقتها، أو لأن الصلاة تذكر ويراد بها الوقت، قال شيخ الإمام: المراد بالصلاة المذكورة في الحديث: الوقت فإن الصلاة تذكر ويراد بها الوقت وذلك بالكتاب والسنة ومتعارف الناس، أما الكتاب فقوله تعالى: {فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة} أي أوقات الصلاة والسنة ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنه قال: (جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، أينما ادركتني الصلاة تيممت وصليت)، وأراد بذلك وقت الصلاة لا نفس الصلاة؛ لأن الصلاة بعلمه وفعله لا يسبقه ولا يتأخر عنه وكذلك يقال في مبتذل الكلام: أيتك صلاة الظهر أي: وقت صلاة الظهر فحملنا الصلاة المذكورة في الحديث على الوقت تحرزا عن التعارض وتوفيقًا بين الحديثين وإنما لم يعكس الحمل لما أن في هذا الحمل ترجيح المفسر على النص المحتمل وهو صحيح.
قوله: ((ولأن الوقت أقيم مقام الأداء تيسيراَ)) وقال شمس الأئمة في الجامع الصغير: ثم في تقدير طهارتها بالصلاة بعض الجهالة والحرج؛ لأن الناس يتفاوتون في أداء الصلاة فمنهم مطول بها ومنهم غير مطول فلم يمكن ضبطه فقدرنا طهارتها بالوقت دفعا للحرج؛ ولأن المواقيت في الأصل مشروعة ليتمكن المكلف من أداء الصلاة فيها.
قوله رحمه الله: ((وإذا خرج الوقت بطل وضوءهم)) واستأنفوا الوضوء لصلاة أخرى. فإن قلت: ما الفائدة في قوله: واستأنفوا الوضوء لصلاة أخرى إذ بطلان الوضوء يستلزم لاستئناف الوضوء لصلاة أخرى لا محالة؟.
قلت: قال شيخي رَحِمه الله في جوابه: جاز أن يبطل الوضوء لحق صلاة ولا يبطل لحق صلاة أخرى ولا يجب عليهم الاستئناف في حق تلك الصلاة كما قال الشافعي رحمه الله: ببطلان طهارة المستحاضة للمكتوبة بعد أداء المكتوبة وبقاء طهارتها للنوافل، وكذلك قوله في التيمم أيضَا وكما قال أصحابنا في حق التيمم لصلاة الجنازة في المصر تبعًا تيمم في حق جنازة أخرى لو حضرت هناك على وجه لو اشتغل بالوضوء تفوته صلاة الجنازة ويبطل في حق غيرها.
وقوله: ((وإذا خرج الوقت بطل وضوءهم)) إضافة بطلان الوضوء إلى خروج الوقت مجاز على ما يجئ بعد هذا بقوله أي: عنده بالحدث السابق أي إنما يظهر أثر الحدث السابق عند خروج الوقت فأضيف البطلان إلى الخروج مجازا فكان هذا نظير ما أسند النصب إلى الواو في المصباح في قوله: وأما ما ينصب المفرد فسبعة الواو بمعنى مع إلى آخره، ولا شك أن الناصب هو الفعل المتقدم لا الواو ولكن ذلك الفعل إنما يعمل ذلك عنده وجود هذا الواو فأسند النصب إليه لما عرف في أصول الفقه أن الشرط قد يقام مقام العلة في حق إضافة الأحكام إليه، وقال فخر الإسلام في الجامع الصغير والصحيح إنها لا ينتقض بدخول ولا خروج؛ لأن ذلك ليس بحدث وإنما ينقضها الحدث لكن الوقت مانع فإذا زال ظهر أثر الحدث فينسب إلى الخروج مجازًا ولا يعقل معنى النقض بنفس الوقت بحال؛ لأن ذلك ليس من صفات الإنسان فضلا عن الحدث.
قوله: ((بالحدث السابق))، حتى إن المستحاضة لا تمسح خفيها بعد خروج الوقت إذا كان الدم سائلا وقت الوضوء واللبس و عند أحدهما؛ لأن طهارتها إذا انتقضت بخروج الوقت يستند الانتقاض إلى السيلان السابق لا إلى الخروج؛ لأن خروج الوقت ليس بسبب لانتقاض الطهارة.
فإن قيل: لو استند الانتقاض إلى الحدث السابق عند خروج الوقت لوجب أن يقال: إذا شرعت في التطوع ثم خرج الوقت وجب أن لا يلزمها القضاء؛ لأنّها حينئذ يعلم انها شرعت بدون الطهارة؟.
قلنا: ليس هذا بطهور من كل وجه بل هو طهور من وجه اقتصاراً من وجه فأظهرنا الاقتصار في القضاء والظهور في حق المسح، كذا في الذخيرة.
قلت: إنما لم يعكس الاقتصار والطهور فيما ذكرناه ليكون عملًا بالاحتياط، وفي عكسه لا يكون عملا به تأمل ففهم، وفي الجامع الصغير لقاضي خان: أن انتقاض الطهارة بخروج الوقت يخالف انتقاض الطهارة بسبق الحدث من وجهين:
أحدهما: في منع البناء.
والثاني: في حق المسح إذا توضأ على السيلان ولبس الخف ثم أحدث حدثًا آخر له أن يمسح في الوقت لا خارج الوقت.
قوله: وبأيهما كان عند أبي يوسف، وذكر في الفوائد الظهيرية والمحققون من مشايخنا قالوا: على قول أبي يوسف لا ينتقض طهارتها بدخول بلا خروج وأما ينتقض بخروج بلا دخول كما هو قولهما ثم فيما إذا توضأت قبل الزوال ودخل وقت الطهر إنما يحتاج إلى الطهارة لأجل الظهر عنده لا لأن طهارتها انتقضت بدخول الوقت عنده ولكن لأن طهارتها طهارة ضرورية ولا ضرورة في تقديم الطهارة على الوقت.
قلت: كأنّه أراد به فخر الإسلام ومن تابعه فإنه -رحمه الله- هكذا ذكره في الجامع الصغير، وكذلك ذكر فخر الإسلام أيضًا في طرف زفر، وقال: فظن السائل أن فيه لم يجعل الخروج حدثًا بل جعل الدخول حدثًا وليس كذلك بل الصحيح من مذهبه أن شيئًا من ذلك ليس بحدث وإنما لم تنتقض الطهارة بطلوع الشمس؛ لأن قيام الوقت جعل عذرًا وقد بقيت شبهته حتى لو قضى صلاة الفجر قضى معها سنتها فكان كمال الخروج بدخول وقت آخر ولم يوجد شبهته فصلحت لبقاء حكم العذر تخفيفًا.
قلت: وبهذا التقرير يعلم أن العلماء الأربعة كلهم متفقون على أن الحدث السابق إنما يعمل عند خروج الوقت لا غير إلا أن عند أبي يوسف رحِمهُ الله تقديم الطهارة على الوقت غير معتبر لعدم الحاجة فيجب عليها الوضوء ثابتا بعد دخول الوقت، وعند زفر رَحِمه الله لم يوجد الخروج من كل وجه ما لم يدخل وقت مكتوبة أخرى على ما ذكر، فلذلك يجب عليها الوضوء بعد دخول الوقت عنده -أيضاً-.
قوله -رَحِمه الله-: ((ولا حاجة قبل الوقت فلا يعتبر)) أي: لا يعتبر الطهارة قبل الوقت، فإن قلت: فلما لم يعتبر الطهارة قبل الوقت عنده فكيف يوصف بالانتقاض عند دخول الوقت؟.
قلت: عدم الاعتبار قبل الوقت باعتبار أن الحاجة المتعلقة بأداء الوقتية منعدمة في حق تلك الطهارة لا أنها (غير معتبرة أصلاً، بل هي) معتبرة في حق النوافل وقضاء الفوائت فكانت طهارة في نفسها فينتقض بالدخول.
قوله رَحِمه الله: ((ليتمكن من الأداء كما دخل الوقت)) المكافي للمفاجأة لا للتشبيه أي ليفاجئ يمكن الأداء دخول الوقت فعندهما ليس له أن يصلى العصر أي عند أبي حنيفة ومحمد رحِمَهما الله وإنما خصهما بالذكر مع أن الحكم عندهم جميعا كذلك؛ لما أنّ الشبهة تأتي على قولهما؛ لأن عندهما له أن يقدم الطهارة على الوقت ولا ينتقض بالدخول ومع ذلك ليس له أن يصلي العصر بهذه الطهارة لما أن هذا دخول مشتمل للخروج؛ فإنه إن لم ينتقض طهارته من حيث الدخول لكن تنتقض من حيث الخروج.
قوله: ((والمستحاضة هي التي لا يمضي عليها وقت صلاة إلا والحدث الذي ابتليت به يوجد فيه)) وهذا ما ذكرناه من حد المستحاضة في حق الدوام والقضاء وأما في حق الابتداء فاستيعاب الوقت كله بالحدث شرط لتصير مستحاضة فإنه ذكر الإمام التمرتاشي -رَحِمه الله في الجامع الصغير المستحاضة من لا يجد وقت [48 - ب] صلاة بلا عذر ثم قال: هذا في حالة البقاء وفي الثبوت يشترط دوام السيلان من أول الوقت إلى آخره اعتبارًا بالسقوط فإنه لا يتم حتى ينقطع في الوقت كله. والله اعلم.
فَصْلٌ فِي النِّفَاسِ
قد ذكرنا مناسبة هذا الفصل بما قبله فيما تقدم، وفي المُعرب: النفاس مصدر من نفست المرأة بضم النون وفتحها إذا ولدت فهي نفساء وهن نفاس) اه.
وقول أبي بكر - رضي الله عنه - أن أسماء نفست أي: حاضت والضم فيه خطأ وكل هذا من النفس بسكون الفاء وهي الدم، وإنما سمي الدم بذلك؛ لأن النفس التي هي اسم لجملة الحيوان قوامها بالدم، وقولهم النفاس هو الدم الخارج عقيب الولد تسمية بالمصدر كالحيض سواء، وأما اشتقاقه من تنفس الرحم أو خروج النفس بمعنى الولد فليس بذاك.
قوله: ((والدم الذي تراه الحامل ابتداء أي: حالة الحبل وإن كان ممتدًا)) أي: وأن كان بلغ نصاب الحيض اعتبارًا بالنفاس يعني فيما إذا ولدت ولدين في بطن واحد فرأت الدم قبل خروج الولد الثاني فكانت هي حاملًا في حق الولد الثاني فإنه نفاس عندهما خلافًا لمحمد على ما يجئ والنفاس هو الدم الخارج من الرحم كالحيضة فيعلم بهذا أن ما يراه الحامل من الدم يتصور أن يكون من الرحم؛ ولأنّه يقول: إنه الحامل من ذوات الإقراء فإن المرأة إما صغيرة أو آيسة أو ذوات القرء والحامل ليست بصغيرة ولا آيسة؛ لأن ما ينافي الإقراء ينافي الحبل كالصغر والإياس وإذا ثبت أنها من ذوات الإقراء وقد رأت من الدم ما يمكن ان يجعل حيضا جعل حيضًا ومذهبنًا مذهب عائشة رضي الله عنها فإنها قالت: (الحامل لا تحيض).
ومثل هذا لا يعرف بالرأي فيحمل على انها قالت ذلك سماعًا؛ ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في سبايا أوطاس: «ألا توطأ الحبالى حتى يضعن ولا الحبالى حتى يستبرئن بحيضة»، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - جعل الحيض علما على تعرف براء الرحم وإنما يصير علما على البراءة إذا لم يجتمع مع الحبل وأما إذا تصور وجوده مع الحبل لا يكون الحيض علما على البراءة لجواز أن يكون حاملًا ولأن الحامل لا تحبل ومن لا يحبل لا يحيض دليله الصغيرة والآيسة ولأنا لو جعلنا دم الحامل حيضًا أدى إلى المحال؛ لأنّه يؤدي إلى الموالاة بين دم الحيض والنفاس فإنها إذا رأت الدم قبل الولادة وجعل حيضا فولدت أيضًا ورأت الدم صارت نفساء كان موالاة بين الدمين وهذا لا يجوز كما لا يجوز الموالاة بين دمي الحيض، كذا في المبسوطين.
ولهذا كان نفاسا بعد خروج بعض الولد فيما يروى عن أبي حنيفة ومحمد رحِمَهما الله وذكر شيخ الإسلام رَحِمه الله في مبسوطه أن هذا القول قول أبي حنيفة وأبي يوسف.
قلت: وهو الأوفق بالقياس على مذهبهما فقال: فأما الولد الواحد إذا خرج أقله وبقي الأكثر فيها وجبت عليها الصلاة فلا يحل لها أن تترك الصلاة حتى قالوا: يحفر لها حفيرة فلا تصير نفساء وإن خرج الدم؛ لأن النفاس ما يخرج عقيب الولادة، والولادة لا توجد إلا بخروج الولد ولم يوجد خروج الولد لا من حيث الحقيقة ولا من حيث الاعتبار فأما إذا خرج الأكثر فقالوا: على قياس قول أبي حنيفة وأبي يوسف يثبت النفاس، وعلى قول محمد وزفر لا يثبت؛ لأن النفاس عندهما إنما يثبت بوضع الحمل فما لم يوجد وضع الحمل كله لا يثبت النفاس وعلى قولهما يثبت؛ لأنّه معلق بولادة الولد وقد وجد ولادة الولد من حيث الاعتبار لما ان للأكثر حكم الكل، وكذا ذكر في المحيط فقال: (امرأة خرج بعض ولدها ورأت الدم هل تصير نفساء؟ اختلفت الروايات فيه، روى خلف ابن أيوب عن أبي يوسف وهو قول أبي حنيفة رَحِمهم الله: إنه معتبر فيه خروج أكثر الولد، وروى المعلى عن أبي حنيفة وأبي يوسف: إنه إذا خرج بعض الولد صارت به نفساء، ورويَ هشام عن محمد أنه لا تصير نفساء حتى يخرج الرأس ونصف البدن، أو الرجلان وأكثر من نصف البدن وعن محمد أنه لا يصير نفساء حتى يخرج جميع ولدها وهذا على أصله مستقيم فإن عنده النفاس معلق بوضع الحمل كله).
قوله -رَحِمه الله: ((والسقط الذي استبان بعض خلقه)) وحملته أن المرأة إذا أسقطت سقطًا فإن كان استبان شيء من خلقه كأصبع مثلًا فهي نفساء فيما رأت الدم وله حكم الولد التام وإن لم يستبين شيء من خلقه فلا نفاس لها ولكن إن أمكن جعل المرئي من الدم حيضًا بأن يتقدمه طهر تام يجعل حيضًا وإن لم يمكن جعله حيضًا فهو [49 - أ] استحاضة فإن رات دمًا قبل إسقاط السقط ورأت دما بعد إسقاط السقط، فإن كان السقط مستبين الخلق فما رأته قبل الإسقاط لا يكون حيضاً وهي نفساء فيما رأت بعد الإسقاط، وإن لم يكن السقط مستبين الخلق فما رأته قبل الإسقاط حيض إن أمكن جعله حيضا بأن وافق أيام عادتها أو كان مرئيًا عقيب طهر صحيح وإن كان السقط لا يدرى بأنّه كان مستبين الخلق أو لم يكن بأن أسقطت في المخرج واستمر فيها الدم وهي مبتدئة في النفاس وصاحبة عادة في الحيض والطهر كان عادتها في الحيض عشرة وفي الطهر عشرين فيقول على تقدير أن السقط مستبين الخلق هي نفساء ونفاسها يكون أربعين يوماً و على تقدير أن السقط لم يكن مستبين الخلق لا يكون نفساء ويكون عشرة أيام عقيب الإسقاط حيضاً إذا وافق عادتها أو كان ذلك عقيب طهر صحيح، فتترك هي الصلاة عقيب الإسقاط عشرة أيام بيقين ثم تغتسل وتصلى عشرين يوماً بالوضوء لوقت كل صلاة بالشك ثم تترك الصلاة (عشرة أيام) بيقين ثم تغتسل لتمام مدة النفاس والحيض ثم بعد ذلك يكون طهرها عشرين وحيضها عشرة وذلك دأبها كذا في المحيط.
قوله -رَحِمه الله-: ((وأقل النفاس لا حد له))، وفي المحيط: (وليس لقلته غاية على ظاهر رواية أصحابنا وعن أبي يوسف رحِمهُ الله: إنه قال أقل مدة النفاس مقدر بأحد عشر يومًا، وعن أبي حنيفة رَحِمه الله إنه قدره بخمسة وعشرين يوماً)
وذكر شيخ الإسلام في مبسوطه: (اتفق أصحابنا على أن أقل النفاس ما يوجد فإنها كما ولدت إذا رأت الدم ساعة ثم انقطع عنها الدم، فإنها تصوم وتصلي، وكان ما رأت نفاسا لا خلاف في هذا بين أصحابنا، إنما الخلاف فيما إذا وجب أقل النفاس في انقضاء العدة، بأن قال لها: إذا ولدتِ فأنتِ طالق فقالت: انقضت عدتي أي: مقدار يعتبر لأقل النفاس مع ثلاث حيض، عند أبي حنيفة رَحِمه الله يعتبر أقله بخمسة وعشرين يوماً، وعند أبي يوسف بأحد عشر، وعند محمد بساعة، وأما في حق الصوم والصلاة فأقله ما يوجد في المحيط: ولو ولدت ولداً ولم تر دماً فهي نفساء في رواية الحسن عن أبي يوسف وهو قول أبي حنيفة رَحِمه الله ثم رجع أبو يوسف وقال هي طاهرة وثمرة الخلاف تظهر في حق وجوب الغسل فأما الوضوء فواجب بالإجماع وأكثر المشايخ أخذوا بقول أبي حنيفة رَحِمه الله وبه كان يفتي الصدر الشهيد رحمه الله وبعضهم اخذوا بقول أبي يوسف رحِمهُ الله.
قوله رحِمهُ الله: ((فاغنى عن امتداد جعل علما عليه في الحيض)) أي عن امتداد دم مجهول علامه على خروج الدم من الرحم المستقر في الحيض إنما يشترط امتداد الدم بثلاثة أيام شرعا في باب الحيض ليعلم بذلك على أن ذلك الدم من الرحم وهو مخصوص في الحيض واما في باب النفاس قام دليل أقوى منه فيعلم بذلك الدليل على أن دم النفاس من الرحم وهو خروج الولد فلذلك لا يحتاج إلى الامتداد في النفاس فإن فم الرحم كان مفسدا بالولد فلما خرج الولد زال الانسداد وخرج الدم من الرحم فكان قوله: جعل علما جملة فعلية وقعت صفة للنكرة وهي عن امتداد فكان التقدير ما قلنا.
قوله: ((وأكثره أربعون يومًا)) وقال الشافعي -رحمه الله: ستون يوما، قال شيخ الإسلام: فمنهم من قال هذه المَسْألة بناء على أكثر مدة الحيض؛ لأنا أجمعنا على أن أكثر النفاس مقدر بأربعة أمثال أكثر الحيض إلا أن أكثر الحيض عندنا عشرة فأربعة أمثال أربعون، وعنده أكثر الحيض خمسة عشر يوماً فأربعة أمثاله ستون، ومنهم من تكلم في المَسْألة على سبيل الابتداء وإن ولدت ولدين في بطن فنفاسها من الولد الأول عند أبي حنيفة وأبي يوسف وإن كان بين الولدين أربعون يومَا وإنّما قيد بقوله: وإن كان بين الولدين أربعون يوماً احترازًا عن قول بعضهم، فإن المشايخ قد اختلفوا في قول أبي حنيفة -رَحِمه الله- فيما إذا كان بين الولدين أربعون يوماً، قال بعضهم: يجب عليها النفاس في هذه الصورة من الولد الثاني بالاتفاق، وقال بعضهم: لا يجب عليها النفاس أصلًا عند أبي حنيفة وأبي يوسف من الولد الثاني بل كما وضعت بالولد الثاني تغتسل وتصلى وهو الصحيح؛ لأن أكثر مدة النفاس أربعون يوماً وقد مضت هذه المدة فلا يجب النفاس بعدها وإلى هذا أشار في الجامع الصغير فإنه ذكر المَسْألة الأولى [49 - ب] ثم ذكر بعدها، وكذلك لو كان بين الولدين أربعون يومًا، وحكي أن أبا يوسف قال لأبي حنيفة رَحمهُ الله: أرأيت لو كان بين الولدين أربعون يومًا؟ قال: هذا لا يكون، قال أبو يوسف: وإن كان، قال: لا نفاس لها من الولد الثاني وإن رغم أنف أبي يوسف ولكنها تغتسل كما تضع الولد الثاني وتصلي وهو الصحيح كذا في المحيط، وبعضه مذكور في الجامع الصغير للإمام السّرخسيّ رَحِمه الله.
والعدة تعلقت بوضع حمل مضاف إليها وهو قوله تعالى: {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن}، وما بقي الولد موجودا في بطنها كان الحمل موجودًا وانقضاء الجل معلق في حقهن بوضع حملهن فكان معلقا بوضع الولد الخير ضرورة، والله اعلم.
وتطهيرها لما فرغ عن بيان النجاسة الحكمية وتطهيرها شرع في بيان النجاسة الحقيقة وتطهيرها إذ الطهارة عندهما شرط جواز الصلاة لكن النجاسة الحكمية أقوى في كونها نجاسة حتى إن قليلها يمنع جواز الصلاة بالاتفاق ولا يعذر بما لا يستطاع الاحتراز عنه بخلاف الحقيقية فإنّ القليل الذي لا يستطاع الاحتراز عنه معفو عند الشافعي، وعندنا قدر الدرهم وما دونه على ما يجئ بيانه؛ ولأن وجوب الطهارة عن الحكمية لا يسقط أصلًا بعذر ما اما أصلًا أو خلفًا بخلاف الحقيقية فلقوة الحكمية قدم بيانها.
الأنجاس: جمع النجس بفتحتين، وهو كل ما استقذرته، وهو في الأصل مصدر ثم استعمل في الاسم، قال الله تعالى: {إنما المشركون نجس} أي: ذوو نجس.
وقوله: ((وتطهيرها)) أي: وتطهير البدن أو الثوب أو المكان عن النجاسة، ولكن لما أضاف التطهير إلى ضمير الأنجاس أنثه وكانت هذه الإضافة نظير إسناد النزح إلى البئر في قوله: إذا وقعت في البئر نجاسة نزحت أي: البئر من حيث إن في كل منهما ذكر الشيء وأراده غيره، ولكن الفرق بينهما أن في الأول ذكر المحل وإرادة الحال، وههنا ذكر الحال وإرادة المحل، وإنما احتيج إلى هذا التأويل؛ لأن تطهير عين النجاسة محال ثم الكلام ههنا في مواضع في الدليل الذي يوجب التطهير وفي الألة التي يقع بها التطهير وفي بيان أنواع النجاسة وفي كيفية التطهير وفي القدر الذي يصير المحل به نجسًا وفيما متعذر التطهير فيه قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((حتيه واقرصيه))، الحت القشرة باليد أو العود والقرص بأطراف الأصابع كلاهما من باب طلب كذا في المغرب.
قوله: ((لأن استعمال في حالة الصلاة يشتمل الكل)) وهو البدن والثوب والمكان، فلما كان ورود عبارة النص في الثوب كان وروداً في الآخرين بطريق الدلالة والأولوية؛ وذلك لأن وجوب التطهير بسبب أن الصلاة مناجاة الرب وهو أعلى حالات العبد فيجب أن يكون في ذلك الوقت على أحسن حالاته شرعًا وعقلًا ثم وجب عليه شرعًا مع مساعدة العقل إياه تطهير الثوب مع تصور انفصاله عن المصلى فلأن يجب تطهير البدن والمكان بطريق الأولى؛ لأن انفصالهما عنه غير متصور ثم المعتبر في طهارة المكان تحت قدم المصلي حتى لو افتتح الصلاة وتحت قدمه أكثر من قدر الدرهم من النجاسة فصلاته فاسدة؛ لأنّه لا بد من القيام وذلك يكون بالقدم فأما إذا كان في موضع السجود ففي رواية محمد عن أبي حنيفة رَحِمه الله أنه لا يجوز؛ لأن السجود ركن كالقيام، وفي رواية أبي يوسف عن أبي حنيفة انه يجوز كذا في الإيضاح.
قوله: ويجوز تطهيرها بالماء وبكل مائع طاهر إلى آخره والعلة الطردية لمحمد رَحِمه الله في هذه المَسْألة أن هذا معنى يمنع جواز الصلاة فلا يزول بغير الماء قياساً على النجاسة الحكمية وهي الحدث.
واحتج أبو حنيفة وأبو يوسف بما روي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنه قال: (إنما يغسل الثوب من {خمس)، ولم يبين بالغسل} به فكان جميع ما يغسل به داخلًا [تحت] الحديث، وطرديتهما هي أن هذا مائع طاهر يزيل العين يزول به النجاسة الحقيقية قياسًا على الماء وهذا لأن المأخوذ عليه في النجاسة الحقيقية إزالة العين والأثر بدليل أنه لو قطع موضع النجاسة بالمقراض أجزأه وإزالة الحقيقي كما يحصل بالماء يحصل بالخل ولا يلزم على هذا الدهن واللبن وما لا ينعصر بالعصر؛ لأنّا قلنا: مائع طاهر يزيل النجاسة بأصلها واللبن والدهن مما لا يستأصل النجاسة بل يبقى أثر النجاسة؛ لأنّه مما لا ينعصر [50/أ] بالعصر فلا يتحقق بهما الإزالة.
وأما قوله بأنّ القياس أن لا يطهر بالماء إلا أنه سقط اعتبار القياس في حق الماء.
قلنا: المعنى الذي لأجله سقط القياس في حق الماء ذلك المعنى موجود في غيره من المائعات؛ وذلك لأنّه إنما سقط حكم القياس في الماء؛ لأن الماء يزيل عين النجاسة فلو تنجس الماء بأول الملاقاة حالة الاستعمال لم يفد الإزالة فائدتها؛ لأنه إن زال الأولى خلفه أخرى وهي نجاسة الماء فسقط اعتبار القياس ليفيد إزالة الماء، فائدته.
فكذا هنا سقط اعتبار القياس ليفيد إزالة هذه المائعات فائدتها هذا كما أن محمدا أسقط حكم القياس حال ورود النجاسة على الماء بان غسل الثوب النجس أو العضو النجس في إجانة وإن لم يصب الماء عليه صبا ليفيد إزالة الماء فائدته وإن كانت الضرورة تندفع بإسقاط النجاسة حال ورود الماء على النجاسة وذلك أقوى في التطهير لكونه في معنى الماء الجاري، فكذلك هذا كذا ذكره شيخ الإسلام -رَحِمه الله- في مبسوطه، وذكر الإمام التمرتاشي فقال: وفي شرح أبي ذر: يجوز إزالة النجاسة بالماء المستعمل.
قلت: جاز أن يكون هذا على رواية محمد عن أبي حنيفة رَحمهُما الله بأنّه طاهر غير طهور وبه أخذ محمد كذا ذكره الإمام المحبوبي -رَحِمه الله- ثم ذكر الإمام التمرتاشي -رَحِمه الله- فقال: وكذا يقول في دم يغسل بالبول أن نجاسة الدم قد زالت وحلت نجاسة البول حتى لو كان ذلك بول ما يؤكل لحمه رخصنا فيه ما لم يفحش ولو حلف ما فيه دم لم يحنث.
(ثم قال: وذكر السّرخسيّ -رَحِمه الله-: واختلف في زوال النجاسة ببول ما يؤكل لحمه، والأصح) أن التطهير بالنجس لا يكون لتضاد بين الوصفين، وفي المبسوط: وأما الطهارة عن الحدث فطهارة حكمية فيها معنى العبادة فلا يجوز إلا بما تعبدنا به وإنما تعبدنا بالماء؛ لأنّه أهون موجود لا يلحق الناس خرج في إفساده بالاستعمال بخلاف المائعات فإنها أموال يلحق الناس خرج في إفسادها وأبو يوسف فرق بهذا المعنى بين النجاسة على البدن وعلى الثوب فقال: ما كان على البدن فهو نظير الحدث الحكمي؛ لأن في تطهير البدن معنى العبادة بخلاف ما كان على الثوب.
قوله: ((فجفت فدلكه بالأرض جاز)) وفي المحيط: ذكر في الجامع الصغير و في النجاسة التي لها جرم إذا أصاب الخف والنعل وحكه أوحته بعد ما يبس أنه يطهر في قول أبي حنيفة وأبي يوسف وذكر في الأصل إذا مسحهما بالتراب يطهر، قال مشايخنا لولا المذكور في الجامع الصغير لكنا نقول لا يطهران ما لم يمسحها بالتراب؛ لأن المسح بالتراب له أثر في باب الطهارة، فإن محمدا قال في المسافر إذا أصاب يده نجاسة يمسحه بالتراب، وأما الحك فلا أثر له في باب الطهارة فالمذكور في الجامع الصغير بين أن للحك أثر -أيضاً-، وقال القدوري في شرحه ومعنى قول أبي حنيفة رَحِمه الله في هذه المَسْألة أن الخف أو النعل يطهر أي في حق جوار الصلاة معه أما لو أصابه الماء بعد ذلك يعود نجسا على إحدى الروايتين وأصل المسألة الأرض إذا ذهب أثر النجاسة عنها ثم أصابها الماء فإنه يعود حكم النجاسة على إحدى الروايتين.
قوله: ((وقال محمد لا يجوز وهو القياس)) أي: على الثوب أو البساط بجامع أن النجاسة تداخلت في أجزاء الخف كتداخلها في أجزاء الثوب حتى إنها تبقى متصلة بالخف بعد الجفوف وهو قول زفر أيضًا، وعن محمد إنه رجع عن هذا القول بالرأي لما رأى من كثرة السارقين في طرقهم كذا في المحيط، وقال أبو حنيفة وأبو يوسف يطهر بالمسح بالأرض استحسانا لما روى: «أن النبي - عليه السلام - خلع نعليه في الصلاة فخلع الناس نعالهم فلما فرغ من صلاته قال: اتاني جبريل - صلى الله عليه وسلم - وأخبرني أن فيهما أذىً فإذا أتى أحدكم المسجد فليقلب نعليه فإن رأى فيهما قذر فليمسحهما بالأرض».
فإن قيل: هذا الحديث ساقط فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يستقبل الصلاة؟.
قلنا: يحتمل أن الخطر مع النجاسة يزل حينئذ ويحتمل إنه كان أقل من قدر الدرهم كذا في المبسوط والأسرار، وفي الرطب، أي: الروث والعذرة والدم أصاب الخف وهي رطب بعد لا يطهر إلا بالغسل؛ لأن المسح بالأرض لا يزيلها إلا أنه روى عن أبي يوسف أنه قال: إذا مشى على الروث ثم مسح خفه على الأرض حتى لم يبق فيه أثر النجاسة ولا رائحتها ثم صلى فيه جازت صلاته واعتبر البلوى فيه قال شمس الأئمة السّرخسيّ رَحِمه الله وهو صحيح وعليه الفتوى للضرورة، كذا في الجامع الصغير للإمام المحبوبي.
وإطلاق ما يروى وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: «فإن كان بهما قذر فليمسحهما بالأرض فإن الأرض لهما طهورٌ»، من غير فصل بين الرطب واليابس.
فإن قلت: كما أن ما يروى لا يفصل بين الرطب واليابس فكذلك لا يفصل أيضًا بين النجاسة التي لها جرم وبين التي لا جرم لها فإن اسم العذر أو الأذى ينطلق عليهما ثم أنتم تفصلون بينهما والحديث لم يفصل.
قلت: بل فصل الحديث النجاسة التي لا جرم لها وأخرجها بالتعليل وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: «فإن الأرض لهما طهور»، أي يزيل نجاستها ونحن نعلم يقينا أن الخف إذا تشرب البول أو الخمر لا يزيله المسح ولا يخرجه عن أجزاء الجلد فكان إطلاق الحديث مصروفًا إلى القذر الذي يقبل الإزالة بالمسح، وهو القدر الذي له جرم حتى أن البول أو الخمر لو استجد بالرمل أو بالتراب فجف فإنه يطهر أيضا بالمسح على الأرض، وقال الإمام المحبوبي رَحِمه الله: إذا مشى الرجل على بول أو خمر ثم مشى على الرماد أو الرمل أو التراب فالتصق به وجف فمسحه بالأرض حتى تناثر أنه يطهر وما التصق به كالجرم لتلك النجاسة، قال شمس الأئمّة -رَحِمه الله- وهو صحيح فلا فرق بين أن يكون جرم للنجاسة منها أو من غيرها هكذا ذكر الفقيه أبو جعفر، والشيخ الإمام أبو بكر محمد بن الفضل عن أبي حنيفة وعن أبي يوسف مثل ذلك، إلا أنه لم يشترط الجفاف.
قوله: ((لأن الثوب لتخلخله يتداخله كثير من أجزاء النجاسة)) أي: لفرج خلاله وقولهم: أجزاء الثوب متخلخلة، أي: في خلالها فرج لرخاوتها وكونها مجوفة غير مكتنزة، كذا في المُغرب.
أجزأه فيه الفرك هذا جواب الاستحسان والقياس أن لا يطهر؛ لأنّه دم إلا انه نضيج ثخين فهو كسائر أنواع الدم لا يطهر إلا بالغسل لكن استحسن علماؤنا فقالوا: يطهر بالفرك للحديث المذكور في الكتاب وروى عن محمد أنه قال: إن كان المني غليظا فجف يطهر بالفرك وإن كان رقيقًا لا يطهر إلا بالغسل، وقال إذا أصاب المني ثوبًا ذا طاقين فالطاق الأعلى يطهر بالفرك والأسفل لا يطهر إلا بالغسل؛ لأنّه إنما يصيبه البلة دون الجرم، وهذه مَسْألة مشكلة فإن الفحل لا يمني حتى يمذي، والمذي بالتخفيف لا يطهر بالفرك إلا أنه جعل المذي في هذه الحالة مغلوبًا مستهلكًا بالمني فكان الحكم للمني دون المذي.
ثم حجة الشافعي في طهارة المني حديث ابن عباس قال: المني كالمخاط فامطه عنك ولو باذخره ولأنّه أصل خلقة للآدمي فكان طاهرًا كالتراب لاستحالة أن يقال أن الأنبياء صلوات الله عليهم خلقوا من شيء نجس.
ولنا قوله - صلى الله عليه وسلم -: لعمار بن ياسر: «إنما يغسل الثوب من خمسة: من البول، والغائط، والدم، والمني، والقئ»، فالاستدلال به انه أمره بغسل الثوب عن المني بكلمة إنما وهي لإثبات المذكور ونفي ما عداه وإثبات المذكور بنفي ما عداه يدل على التحقيق لا على الندب.
والثاني: أنه قرنه بالأشياء التي هي نجسة بالإجماع فكان حكمه كحكم ما قرن به؛ لأن القران في الجملة الناقصة وكونه أصل خلقة الآدمي لا ينفي صفة النجاسة كالمضغة والعلقة وتعلقه بحديث ابن عباس رحمه الله لا يصح؛ لأن ذلك موقوف عليه ولئن ثبت كونه مرفوعًا فنقول الحديث يشهد لنا من وجه؛ لأنه أمر بالإماطة والأمر للوجوب والتشبيه بالمخاط والبزاق وإن كان يشهد له فظاهر الأمر يشهد لنا فسقط الاحتجاج به كذا في المبسوطين، قال الفقيه أبو إسحاق الحافظ و المني اليابس إنما يطهر بالفرك إذا كان رأس الذكر طاهر وقت خروجه بأن كان بال واستنجى، وأما إذا لم يكن طاهرا لا يطهر قالوا: وهكذا روى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة رَحمهُما الله وكذلك إنما يطهر المصاب بالفرك إذا خرج المني قبل خروج المذي فأما إذا خرج المذي على رأس الإحليل ثم خرج المني لا يطهر الثوب بالفرك ثم إذا فرك المني اليابس عن الثوب وحكم بطهارة الثوب ثم أصاب الماء ذلك الثوب هل يعود نجساً فهو على الروايتين عن أبي حنيفة كذا في المحيط، وعن الفضلي رحمه الله إن مني المرأة لا يطهر بالفرك؛ لأنّه رقيق، واختلف فيما إذا كان للثوب طاق آخر فنفذت البلة إلى الطاق، والصحيح أنه يطهر بالفرك؛ لأنّه من أجزاء المني كذا ذكره التمرتاشي رَحِمه الله.
والنجاسة إذا أصابت المرأة، وفي المحيط: (السيف أو السكين إذا أصابه بول أو دم وذكر في الأصل أنه لا يطهر إلا بالغسل، وإن أصابه عذره إن كانت رطبة فكذلك الجواب وإن كانت يابسة طهرت بالحت عند أبي حنيفة وأبي يوسف وعند محمد لا يطهر إلا بالغسل، والكرخي [51/أ] ذكر في مختصره أن السيف يطهر بالمسح من غير فصل بين الرطب واليابس والعذرة والبول، وفي الفتاوي سئل أبو القاسم عمن ذبح الشاة بالسكين ثم مسح السكين على صوفها أو بما يذهب أثر الدم أنه يطهر).اه.
قوله: ((وإذا أصابت الأرض نجاسة فجفت بالشمس)) قيد اتفاقي لا شرطي حتى لو جفت بالظل فالحكم كذلك، ولهذا أطلق في المبسوط والإيضاح.
قوله: ((ولهذا لا يجوز به التيمم)) وذكر ابن كأمين النخعي عن أصحابنا: إنه يجوز التيمم به؛ لأنّه حكم بطهارة ذلك المكان حيث ذهب أثر النجاسة بدليل جواز الصلاة عليها كذا في المبسوط، ذكاة الأرض يبسها جعل في الأسرار، وهذا الحديث موقوفًا على عائشة رضي الله عنها ثم قال: والذكاة عبارة عن الطهارة كذكاة الشاة، وأما الحديث الذي روي عن النبي - عليه السلام - في هذا قوله - صلى الله عليه وسلم -: «أيما أرض جفت فقد ذكت»، وكذا أيضا في مبسوط شيخ الإسلام -رَحِمه الله-.
وفي المغرب: (وقول محمد بن الحنفية - رضي الله عنه -: ذكاة الأرض يبسها، أي: أنها إذا يبست من رطوبة النجاسة طهرت وطابت، كما بالذكاة تطهر الذبيحة وتطيب، ومنه: أيما أرض جفت فقد ذكت أي: طهرت ثم قال فيه: وهذا مما لم أجده في الأصول).
قوله: ((لأن طهارة الصعيد ثبتت شرطا بنص الكتاب فلا تتأدّى بما ثبت بالحديث)) يعني: أن اشتراط طهارة التراب في التيمم ثبت بعبادة قوله تعالى: {فتيمموا صعيداً طيباً} فلا يحصل تلك الطهارة المشروطة بالعبارة بالطهارة التي أثبتها خبر الواحد فإن فيه نوع معارضة لما ان القياس يأبى طهارة الأرض؛ لأن النجاسة لا تطهر بالجفاف كما في الثوب بخلاف اشتراط طهارة مكان المصلي فإن ذلك ثابت بدلالة النص لا بالعبارة فجاز أن يعارضه فأثبت بخبر الواحد.
فإن قلت: الحكم الثابت بدلالة النص كالحكم الثابت بعبارة النص في أن كل واحد منهما ثابت قطعا حتى يثبت الحدود والكفارات بدلالات النصوص فلما لم يجز معارضة خبر الواحد بعبارة الكتاب لا يجوز أيضا معارضته بدلالة الكتاب.
قلت: نعم، كذلك إلا ان اشتراط طهارة الصعيد ثبت بالعبارة التي لم يدخلها الخصوص فبقيت قطعية كما كانت فلا يجوز تخصيصه ابتداء بخبر الواحد، وأما اشتراط طهارة المكان ثبت بالدلالة التي دخلها الخصوص؛ لأن القليل الذي لا يمكن الاحتراز عنه مخصوص عنه بالإجماع وعندنا قدر الدرهم وما دونه مخصوص عنه فلم يبق قطعيا فجاز تخصيصه بعد ذلك بخبر الواحد كذا أفاد شيخي رَحِمه الله ولكن الفرق الصحيح بينهما أي بين عدم جواز التيمم بالأرض التي أصابتها النجاسة فجفت وذهب أثرها وبين جواز الصلاة عليها ما ذكره شيخ الإسلام رَحِمه الله في مبسوطه هو أن من عادة الأرض متى أصابتها نجاسة رطبة ينشف بعضها إلى نفسها فيدخل بعض اجزائها في باطنها ويبقى البعض على ظاهرها فتحرقها الشمس وسنيها الريح يذهب عنها ما دخل تحت الأرض يبقى فينقل النجاسة من هذا الوجه، وقليل النجاسة في الطهور يمنع التطهر به فلا يمنع أداء الصلاة كقطرة بول تقع في الماء يمنع التوضئ به ولو أصابت ثوبه يجوز الصلاة به إذا كانت قدر الدرهم إلا انهم جعلوا الحد الفاصل بين القليل والكثير بقاء الأثر وذهاب الأثر وذكر في الأسرار الفرق بوجه آخر وهو أن الطهور صفة زائدة على الطهارة فإن الخل طاهر وليس بطهور وكذلك سؤر الحمار طاهر وليس بطهور فكذلك هذه الأرض عندنا طاهرة وليست بطهور فالموضع موضع الإشكال كما في سؤر الحمار وبما قلنا: أثبتنا الطهارة حتى جازت الصلاة عليها وبما قاله الشافعي أزلنا الطهورية حتى لم يجز التيمم به عملا بالدليلين، وفي فتاوى قاضي خان: ((الخشب إذا أصابته النجاسة ثم أصابه المطر بعد ذلك كان بمنزلة الغسل كالأرض إذا أصابتها النجاسة ثم أصابه المطر بعد ذلك كان ذلك بمنزلة الغسل وإن لم يصيب المطر فالأرض يطهر بالجفاف إذا لم يبق أثر النجاسة)).
واختلفوا في الشجر والكلأ ما دام قائما على الأرض، يطهر بالجفاف وبعد ما قطع لا يطهر إلا بالغسل، وكذا الحصى حكمه حكم الارض، أما الأجرة إن كانت مفروشة فحكمها حكم الأرض يطهر بالجفاف، وإن كانت موضوعة تنقل وتحول إن كانت النجاسة على الجانب الذي جازت الصلاة عليها، وإن كانت النجاسة على الجانب الذي قام عليه المصلى لا يجوز صلاته.
قلت: اشترط في عامة المواضع [51 - ب] ذهاب الأثر مع الجفاف ولم يفسر الأثر هو ماذا جاز ان يكون المراد به ريح النجاسة ولونها بعد ذهاب بدونها فإنه ذكر في الخلاصة في النجاسة التي أصابت الأرض وهي رطب بعد فاراد تطهيرها أن يصبّ الماء عليها ويدلك بعد ذلك وينشف بصوف أو بخرقة إذا فعل ثلاثا طهرت وإن لم يفعل ذلك ولكن صبت عليها ماء كثيرًا حتى زالت النجاسة ولا يوجد في ذلك لون ولا ريح كان طاهرا.
قوله: ((و قدر الدرهم وما دونه)) إلى أن قال: ((جازت الصلاة معه)) وقال في الأسرار: وإن كانت النجاسة دونه لا يمنع جواز الصلاة ولكن يكره الصلاة معها، وقال الشافعي رحمه الله: قليلها وكثيرها سواء، تمنع أداء الصلاة إلا ما لا يأخذه العين؛ لأنّه لا يمكنه الامتناع عنه، نحو: الذبان النجسة يقعن عليه، ودم البراغيث سقط بحكم الضرورة وبقيت الزيادة معتبرة، وفي المبسوط: وقال الشافعي رحمه الله: (إذا كانت النجاسة بحيث يقع البصر عليها يمنع جواز الصلاة؛ لأن الطهارة من النجاسة العينية شرط جواز الصلاة فكما ان الشرط ينعدم بالقليل من الحدث وكثيره فكذلك ينعدم بالقليل من النجاسة وكثيرها).
وحجتنا: ما روى عمر - رضي الله عنه - انه سئل عن قليل النجاسة في الثوب قال: «إذا كان مثل ظفري هذا لا يمنع جواز الصلاة»؛ ولأن القليل من النجاسة لا يمكن التحرز عنها فإن الذبان يقعر على النجاسات ثم يقعن على ثياب المصلي، ولا بد من أن يكون على أجنحتهن وأرجلهن نجاسة فجعل القليل عفوا لهذا بخلاف الحدث فإنه لا يلوي في القليل منه والكثير ثم أن الصحابة - رضي الله عنهم - كانوا يكتفون بالاستنجاء بالأحجار وقل ما يتطيبون بالماء، والاستنجاء بالحجر لا يزيل النجاسة حتى لو جلس في الماء القليل يحسبه واكتفاؤهم به دليل على أن القليل من النجاسة عفو ولهذا قدرنا بالدرهم على سبيل الكناية عن موضع خروج الحدث هكذا قال النخعي رحمه الله، وقال: استقبحوا ذكر المقاعد في مجالسهم فكنوا عنه بالدرهم وكان النخعي يقول: إذا بلغ مقدار الدرهم يمنع جواز الصلاة وكان الشعبيّ رَحمه الله يقول: لا يمنع حتى يكون أكثر من قدر الدرهم فأخذنا بهذا؛ لأنّه أوسع.
قوله: ((وقدرناه بقدر الدرهم أخذا عن موضع الاستنجاء)) فوجه الأخذ عنه هو ما ذكره القاضي الإمام أبو زيد الدبوسي رحمه الله في الأسرار وهو الصحيح فقال روى عن النبي - عليه السلام - أنه قال: ((من اكتحل فليوتر ومن لا فلا حرج عليه ومن استجمر فليوتر ومن لا فلا حرج عليه))، والاستجمار وهو الاستنجاء فثبت أن الاستنجاء غير واجب بالحجارة ولا حرج في ذلك فعلم أنه سقط حكمه لقلة النجاسة وأن ذلك القدر عفو، ولأن الشافعي وافقنا أن الاستنجاء بالماء سنة غير واجب والحجارة لا تستأصل النجاسة عنه كما لو أصاب موضعًا آخر من بدنه فمسح بالحجارة لم تطهر فدل ضرورة أنه عفو لقلة المكان.
قوله رَحِمه الله: ((وقيل في التوفيق)) والقائل بالتوفيق الفقيه أبو جعفر رحمه الله وإنما احتاج إلى ذكر التوفيق؛ لأن محمداً -رحمه الله- ذكر الدرهم الكبير في النوادر واعتبره هناك من حيث العرض فقال: الدرهم الكبير ما يكون مثل عرض الكف وذكره في كتاب الصلاة واعتبره من حيث الوزن فقال أبو جعفر: توفيق بين ألفاظ محمد [فنقول]: إن في الرقيقة يعتبر الدرهم من حيث العرض، وفي الغليظة تعتبر من حيث الوزن، كذا في المحيط. والربع ملحق بالكل في بعض الأحكام كما في مسح الرأس وكما في المحرم وكما في العورة ولكن لم يتم معنى وجه التقدير وبهذا ويأتيك بعيد هذا مكشوفًا لعابه وموفورًا نصابه فارع سمعك وصلت بيعك.
قوله: ((كالذيل)) المراد بالذيل القدر الذي يفهم من قولهم فلان شموا الذيل كذا في الفوائد الظهيرية، وعن أبي يوسف شبر في شبر أي يكون شبرًا طولًا وشبرًا عرضًا فكأنه قدر ذلك بباطن الخف المراد بالباطن ما يلي الأرض منه؛ لأنّ حكم النجاسة التي لها جرم ساقط الاعتبار في حق الخفاف بدليل أنه يطهر بالمسح على قول أبي حنيفة وأبي يوسف -رحِمهُما الله -.
وفي رواية عن محمد رَحِمه الله: وبالمسح إن زال العين لا يزول الأثر والأثر مانع كما في الثوب ولما سقط حكم النجاسة في حق الخف وباطن الخفين يبلغ شبرًا في شبر قدر الكثير الفاحش به كما قدروا الدرهم بموضع الاستنجاء حتى سقط اعتبار ما على السبيل من النجاسة؛ لأن الأثر يبقى بعد الاستنجاء بالحجر، فكذا هذا قدر الكثير الفاحش بباطن الخفين وهو شبر في شبر، ومحمد رَحِمه الله اعتبر ربع الثوب نظر إلى هذا المعنى أيضًا إلا انه أخذ ذلك من باطن الخفين وظاهرهما فإن النجاسة يتلطخ بهما عند امتلاء الظرف بالأرواث هذا حاصل ما ذكره شيخ الإسلام في مبسوطه.
قوله: ((لمكان الاختلاف في نجاسته او لتعارض النصين على اختلاف الأصلين)) الأصل الأول: وهو الاختلاف في النجاسة أصل أبي يوسف رحِمهُ الله والأصل الثاني و هو تعارض النصين أصل أبي حنيفة رَحِمه الله وإنما أخر أصل أبي حنيفة رَحِمه الله رعاية لفواصل اللفاظ فإنها مما يراعى الا يرى أن الله تعالى كيف أخر خلق السموات عن خلق الأرض في سورة طه في قوله: {تنزيلاً ممن خلق الأرض والسماوات العلى} للفواصل وفي غيرها استمر ذكر خلق السموات قبل خلق الأرض من قوله: {الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض}، وقوله: {إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض}، وقوله: {الله الذي خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن} وغيرها التخفيف (في النجاسة) إنما ينشأ عند أبي حنيفة من يعارض النصين، وعند أبي يوسف إنما ينشأ ذلك من سوغ الاجتهاد وثمرة هذا الاختلاف يظهر في الأرواث فقال أبو يوسف ومحمد: لما ساغ الاجتهاد في الروث أوجب التخفيف؛ وذلك لأن مالكا يقول بأن البعر والروث وحثي البقر طاهر، وقال ابن أبي ليلى: السرقين ليس بشيْء قليله وكثيره لا يمنع، واحتجا في ذلك فإنه وقود أهل الحرمين فإنّهم يجمعونها ويطبخون بها القدر والخبز ولو كان نجسًا لما استعملوها الا يرى أنهم لم يستعملوا العذرة، وكذا روى: أن الشبان من الصحابة إذا نزلوا موضعاً في الغزوات كانوا يترامون بالجلة [الجلة بالفتح البعرة] ولو كانت نجسا لما فعلوا ذلك كما لم يفعلوا بالعذرة ووجه قول أبي يوسف ومحمد أيضًا في تخفيف نجاسة الروث أن في الماء رواث بلوى وضرورة خصوصًا لسايس الدواب وللبلوى تأثير في تخفيف حكم النجاسة ألا يرى أن لها تأثيراً في إسقاط النجاسة كما في سؤر الهرة إلا أن الضرورة في الأرواث دون الضرورة في سؤر الهرة، فأوجبنا التخفيف دون الإسقاط، كذا في مبسوط شيخ الإسلام.
قلت: فهذا يعلم ضعف تخصيص قول أبي يوسف أولاً، وضعف تخصيص فكان الاختلاف في النجاسة في إثبات التخفيف لما أن أبا يوسف ومحمدا كليهما يقولان به، ويقولان -أيضاً-: ثبوت التخفيف لعموم البلوى كما يقولان يسوغ الاجتهاد ولكنه تداركه آخر بقوله: وبهذا يثبت التخفيف عندهما؛ ولأن فيه ضرورة إلى آخره، وقال أبو حنيفة رَحِمه الله الروث منصوص على نجاسته في خبر ابن مسعود - رضي الله عنه - وهو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - طلب من ابن مسعود أحجار الاستنجاء ليلة الجن فأتاه بحجرين وروثه فأخذ الحجرين ورمى بالروثة وقال: «إنها ركس»، أي نجس ولم يعارضه نص آخر فيتغلظ نجاسته والبلوى لا يعتبر في موضع النص ألا يرى أن البلوى في بول الحمار أكثر؛ لأنه يترشش، فتصيب الثياب ومع ذلك لا يعفى عنه أكثر من قدر الدرهم؛ لأنّه منصوص على نجاسته وكذلك البلوى للآدمي في بوله أكثر ومع ذلك لا يعفى عنه أكثر من قدر الدرهم، وكذلك اختلاف العلماء لا يخرجها عن كونها غليظة؛ لأنه لما لم يرد نص بخلافه كان اختلاف العلماء بناء على الرأي، والرأي لا يعارض النص.
فإن قيل: إن أبي حنيفة قال: تحفة نجاسته بول ما يؤكل لحمه للضرورة والبلوى مع ورود النص بنجاسته وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: «استنزهوا البول».
قلنا: إنما قال ذلك أبو حنيفة بحديث العرنيين لا باعتبار الضرورة والبلوى حتى قال في الكتاب، وأما عند أبي حنيفة التخفيف لتعارض الآثار ثم إنهما فرقا بين بول ما لا يؤكل لحمه وبين روثه فأثبتنا الخفة في الروث ولم نثبتها في حق البول؛ لأن الضرورة إنما تتحقق في الروث وذلك؛ لأنّ صاحب الدواب متى سترها ربما يغفل عنها فيصيبه روثها من حيث لا يمكنه دفعها وهذا معدوم في البول؛ لأن الأرض تنشفه، ولأن اختلاط الناس في الأرواث أكثر، لأنّهم يتخذونها وقوداً ويعالجوها في اصطلاح الأرض على ما روى عن ابن المسَيّب رَحمَه الله أنه كان يقر أرضه ويقول: مكيل غر مكيل برٍ ولا كذلك الأبوال كذا في الفوائد الظهيرية، وفي المبسوط: (قيل لمحمد لم قلت بطهارة بول ما يؤكل لحمه ولم تقل بطهارة روثه؟.
قال: لما قلت بطهارة بوله أيحب شربه، ولو قلت بطهارة روثه لا يحب أكله، واحد لا يقول بهذا).
قوله: ((وقد أثرت في التخفيف مرة حتى يطهر بالمسح فتكفي مؤنتها)) يعني أثرت الضرورة في تخفيف الأرواث مرة حتى طهر الخف عنها بمجرد المسح من غير غسل كما يؤمر بالغسل في البول، فكفيت مؤنة الضرورة بذلك التخفيف، فلا يخفف في نجاستها ثانياً [فإن الحكم بالعذرة] إلحاقًا للروثة بالعذرة كذلك بالاتفاق.
فإن قلت: هذا التعليل الذي ذكر هنا مخالف للتعليل الذي ذكره في قدر القراءة وهو قوله؛ ولأن السفر أثر في إسقاط شطر الصلاة فلأن يؤثر في تخفيف القراءة أولى حيث استدل بوجود التخفيف مرة على تخفيفه ثانياً هناك وإياه هنا فما وجهه.
قلت: لا مخالفة بينهما من حيث المعنى بل كل واحد منهما في محزّه ومقطعه؛ وذلك لأن سقوط شطر الصلاة في السفر من قبيل رخصة الإسقاط والحكم في رخصة الإسقاط هو أن لا يبقى العزيمة مشروعة أصلًا كسقوط العينية في السلم، فلما كان كذلك كان الساقط كانه لم يكن أصلا، حتى لو أتى بالأربع كان الفرض هو الركعتين، لا الأربع فكان التخفيف في القراءة حينئذ كان ابتداء لا ثانيًا، ألا ترى أن المصنّف -رَحِمه الله- كيف راعى لفظ الإسقاط في الركعتين ولفظ التخفيف في قدر القراءة إشارة إلى ما قلنا؛ لأن التخفيف يدل على شرعية التثقيل فالحكم في قراءة الصلاة في السفر كذلك والإسقاط يدل على عدم شرعية الساقط بتلك الجهة والحكم في شطر الصلاة كذلك وأما ههنا فعمل بالضرورة والثابت بالضرورة يتقدر بقدر الضرورة فكفيت مؤنة الضرورة مرة، فلو قلنا: بالتخفيف مرة أخرى كانت تعديًا عن موضع الضرورة ورفعاً للابتلاء وهو خلاف موضوع التكاليف؛ لأنّ في التكليف مشقة لا محالة، ولأن العمل بتخفيف القراءة هناك عمل بالطريق الأولى؛ لأن كل شيء طهر تأثيره في الأصل كان إظهار تأثيره في الوصف أولى؛ لأن الوصف تابع الأصل فيثبت فيه ما ثبت في الأصل لا محالة فكان ذلك نظير ما ذكر أبو حنيفة رَحِمه الله في ترخص المسافر بصوم القضاء والكفارة؛ و لأن ذلك عمل بالطريق الأولى على ما عرف، وأما ههنا فالأولى أن لا يعمل بالضرورة في المرة الأولى فكيف في المرة الثانية بعد عمله في المرة الأولى فلا يتقايسان.
قوله: ((وزفر فرق بينهما)) فإن زفر رَحِمه الله قاس الخارج من أحد السبيلين بالخارج من السبيل الآخر، (والخارج من السبيل الآخر) وهو البول يختلف باختلاف كونه مأكول اللحم وغير مأكول اللحم فكذا الخارج من هذا السبيل، كذا في الفوائد الظهيرية.
قوله: ((وأما عند أبي حنيفة رَحِمه الله التخفيف لتعارض الآثار)) فإن قيل: تعارض الآثار إنما كان في بول ما يؤكل لحمه وهو حديث العرنيين مع قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((استنزهوا البول))، حتى لم يثبت التخفيف في بول الحمار لانعدام التعارض فيه؛ لأنّه بول غير مأكول اللحم ثم عند أبي حنيفة رَحِمه الله لا يؤكل لحم الفرس لما أن المراد من الكراهة كراهة التحريم فكيف يتحقق عنده تعارض الآثار فيه.
قلنا: نعم كذلك إلا أن حرمة الفرس عنده ما كانت لنجاسته بل كانت إبقاء للطهر تحاميًا عن تعليل مادة الجهاد فكان الفرس طاهر اللحم عنده حتى أن سؤره طاهر بالاتفاق فيتحقق تعارض الآثار في بوله كذا في الفوائد الظهيرية.
فإن قلت: التعارض إنما يتحقق إذا جهل التأريخ وقد قيل: إن حديث العرنيين دلالة التقدم لأن فيه المثلة وهي منسوخة فيدل على فسخ الباقي.
قلت: الدلالة دون العبارة، وفي عبارته فيرجح جانب العبادة فيتحقق التعارض أو نقول انتساخ المثلة لا يدل على انتساخ طهارة بول ما يؤكل لحمه؛ لأنّهما حكمان مختلفان فلا يلزم من انتساخ الآخر كما في صوم عاشوراء وتكرار صلاة الجنازة على حمزة على قول الشافعي يعرف بالتأمل.
قوله: ((وقد فعل في المقدار وهو الأصح)) وكذا في الجامع الصغير لقاضي خان فقال: والأصح أنه نجس ولكن شمس الأئمة السّرخسيّ رَحِمه الله اختار خلاف هذا ذكره في المبسوط فقال: والأصح أنه طاهر عندهما، وكذا ذكر شيخ الإسلام رَحِمه الله في مبسوطه فقال: "وأما خرؤ ما لا يؤكل لحمه من الطيور كالبازي والصقر فطاهر عند أبي حنيفة وأبي يوسف [53/أ]، وعلى قول محمد نجس"، وقد مر ذكر هذا وأجناسه في مسائل البئر.
واما دم السمك فليس بدم على التحقيق؛ ألا يرى أن يحل تناوله من غير ذكاة وما يسيل منه عند الشق فذاك ليس بدم إنما ذاك ماء أجن متغير ألا يرى أنه إذا شمس يبيض وسائر الدماء يسود بالشمس إلا على قول أبي يوسف فإن دمه نجس عنده وهو ضعيف كذا في المبسوط فإن انتضح عليه البول مثل رؤوس الإبر فذاك ليس بشيْء أي ليس بشيْء معتبر في النجاسة حتى يجب غسله يعني لا يجب غسله فيجوز الصلاة معه وإنما فسر بهذا؛ لأن ذلك موجود فكان شيئا حقيقة، ولكن تأويله ما قلنا وذلك؛ لأنّه لا يستطاع الامتناع عنه خصوصًا في مهب الريح وقد سئل ابن عباس عن ذلك فقال: إنا لنرجو من عفو الله أوسع من هذا ولأن الذبان يقع على النجاسة ثم يقعن على ثياب المصلي ولا بد من أن يكون على أرجلهن وأجنحتهن شيء من النجاسة واحد لا يستطيع الامتناع عنه ولا يستحسن لأحد استعداد ثوب لدخول الخلاء، وروى أن محمد بن علي زين العابدين رحمه الله تكلّف لذلك يعني استعد لبيت الخلاء ثوبًا ثم ترك وقال: لم يتكلف لهذا من هو خير مني- يعني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والخلفاء الراشدين - رضي الله عنهم -، وعن الحسن البصري: أن رجلًا سأله عن دم البق فقال له أين أنت قال: من الشام فقال لأصحابه انظروا إلى قلة حياء هذا الرجل فإنه من قوم أراقوا دم ابن رسول الله - عليه السلام - ثم جاءني يسألني عن دم البق، فعد الحسن هذا من سؤال التعمق وكره له التكلف لما فيه من حرج الناس، والأصل فيه قوله - صلى الله عليه وسلم -: «بعثتُ بالحنيفية السمحة السهلة ولم أبعث بالرهبانية الصعبة»، وعن الفقيه أبي جعفر الهندواني رحمه الله قال: قول محمد رَحِمه الله في الكتاب مثل رؤوس الإبر دليل على أن الجانب الآخر من الإبر معتبر وغيره من المشايخ قالوا: بل لا يعتبر الجانبان جميعا لدفع الحرج و في نوادر المعلى عن أبي يوسف رحِمهُ الله إذا انتضح من البول شيء يرى أثره لا بد من غسله وإن لم يغسل حتى صلى وهو بحال لو جمع كان أكثر من قدر الدرهم أعاد الصلاة كذا ذكره البقالي، كذا في الجامع الصغير للإمام المحبوبي -رَحِمه الله-.
قوله: ((وطهارته زوال عينه -إلى قوله -: إلا ان يبقى من أثره ما تشق إزالته)) فحينئذ يطهر بالغسل وإن بقي الأثر ثم الذي وقع عنه الاستثناء غير مذكور لفظا؛ لأن استثناء الأثر من العين لا يصح؛ لأنّه ليس من جنسه فكان تقديره وطهارته زوال عينه وأثره إلا أن يبقى من أثره والدليل على صحة هذا الإدراج ما ذكره الإمام شيخ الإسلام أبو بكر المعروف بخواهر زاده في باب البئر من المبسوط فقال: إن كانت النجاسة مرئية كالغائط والدم وغيره فإن طهارتها بزوال عينها وأثرها إلا أن يكون نجاسته لا يزول أثرها بالماء فإن ذلك لا يضر، إلا أنه هنا إشكال وهو أن حذف المستثنى منه في المثبت لا يجوز لا يقول ضربني إلا زيد لكنا نقول: إنما لا يجوز ذلك في المثبت عند عدم استقامة المعنى، وأما إذا استقام فيجوز كقولك: قرأت إلا يوم كذا؛ لأنّه لا يجوز أن يقرأ الأيام كلها إلا يوما بخلاف ضربني إلا زيد فإنه لا يستقيم أن يضربه كل أحد ويستثني زيدا كذا ذكره صاحب الكافية في شرحه وهذا من قبيل ما يستقيم فيه المعنى فإنك لو قلت: فطهارته زوال عينه وأثره في جميع الصور إلا في صورة يشق إزالة أثره فإنه يستقيم كما ترى.
ثم قيل في تفسير المشقة: هو أن يحتاج في قلعه إلى شيء آخر نحو الصابون والأشنان، وذكر شيخ الإسلام في مبسوطه إلا أن تكون نجاسته لا يزول أثرها بالماء فإن ذلك لا يضر، لما روي عن خولة بنت يسار أنها قالت: يا رسول الله إن لي ثوبا واحدا وإني احيض فيه فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «رشيه فاقرصيه ثم اغسليه بالماء»، فقالت: يا رسول الله أن يبقى له أثر فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يكفيك الماء فلا يضرك سائره»، ولأنّ الأثر إذا لم يزل بالماء كان في ذلك ضرورة وحكم النجاسة يسقط بالضرورة أو يقال: لا نجاسة في الأثر؛ لأن عبارة عن اللون والنجاسة ما كانت بسبب اللون وإنما كانت بسبب النتن والعين فكلا الأمرين قد زال، وذكر في المحيط وحكى عنه الفقيه أبي إسحاق الحافظ رحمه الله أنّ المرأة إذا خضبت يدها بحناء نجس أو الثوب إذا انصبغ بصبغ نجس [53 - ب] غسلت يدها وغسل الثوب إلى أن يصفوا أو يسيل منه ماء أبيض ثم يغسل بعد ذلك ثلاثا يحكم بطهارة يدها وبطهارة الثوب بالإجماع، وفيه كلام أي وفيه اختلاف المشايخ وكان الفقيه أبو (جعفر الطحاوي) يقول: بعد زوال عين النجاسة يغسل مرتين؛ لأنّه التحق بنجاسة غير مرئية غسلت مرة فتغسل مرتين، وقال بعضهم: بطهر وإن كان بمرة واحدة؛ لأن النجاسة كانت بسبب العين وقد تيقنا بزوال العين فيحكم بطهارته كما لو غسل ثلاثاً كذا في المبسوط وما ليس مرئي كالبول والخمر.
قوله: ((ويتأيد ذلك بحديث المستيقظ من منامه)) وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا فإنه لا يدري أين باتت يده»، فلما أمر بالغسل ثلاثا في النجاسة الموهومة ففي النجاسة المتحققة أولى، وعلى قول الشافعي رحمه الله العبرة لغلبة الرأي فيما سوى ولوغ الكلب حتى إن غلب على ظنه أنه طهر بالمرة الواحدة يكفيه ذلك لظاهر قوله - صلى الله عليه وسلم -: ((ثم اغسليه))، ولم يشترط فيه العدد ولكنا نقول عليه الرأي في العام الغالب لا يحصل إلا بالغسل ثلاثا وذلك يختلف فيه قلوب الناس فأقمنا السبب الظاهر مقامه ميسرًا كذا في المبسوط.
قوله: ثم لا بدّ من العصر في كل مرة في ظاهر الرواية، وعن محمد رَحِمه الله في غير رواية الأصول إذا غسل ثلث مرات وعصر في المرة الثالثة يطهر وفي غير رواية الأصول أيضًا انه يكفي بالغسل مرة، وذكر شمس الأئمة الحلواني وجهاً آخر في صلاة المستعني أن النجاسة إذا كانت بولا أو ماء نجسًا وصب الماء عليه كفاه ذلك، ويحكم بطهارة الثوب على قياس قول أبي يوسف فإنه روي عنه أن الجنب إذا اتزر في الحمام وصبت الماء على جسده حتى خرج عن الجنابة ثم صب الماء على الإزار يحكم بطهارة الإزار وإن لم يعصره، وقال في رواية أخرى: إذا صب الماء على الإزار وأمرّ الماء فوق الإزار يكفيه فهو أحسن وإن لم يفعل يجزئه، كذا في المحيط، والجامع الصغير للإمام التمرتاشي -رحِمه الله-.
(والله اعلم بالصواب).
فَصْلٌ فِي الِاسْتِنْجَاءِ
إعلم أنّ المصنف رَحِمه الله اتبع الإمام أبا الحسن القدوري رحمه الله في أنه لم يورد الاستنجاء عند ذكر سنن الوضوء في أول الكتاب مع أنه أقوى سنن الوضوء، وهو أيضا اتبع محمدا فيه في أنّه لم يورد ذكر الاستنجاء عند ذكر سنن الوضوء، فتكلم العلماء فيه، قال الإمام شيخ الإسلام أبو بكر المعروف بخواهر زاده رَحِمه الله: لم يذكر محمد رَحِمه الله أمر الاستنجاء، وأنه سنة الوضوء كسائر السنن بل هو أهم؛ لأنّه مشروع لإزالة النجاسة الحقيقية وسائر السنن مشروعة لإزالة النجاسة الحكمية التي لا تمنع جواز الصلاة؛ لأن الاستنجاء فرض عند بعض العلماء ثم ذكر السنن ولم يذكر الاستنجاء مع كونه أهم السنن من مشايخنا من قال: إنما لم يذكره امتثالاً بكتاب الله تعالى؛ فإن الله تعالى لم يذكره في الكتاب، إلا أن هذا لا يقوى؛ لأن المضمضة والاستنشاق لا ذكر لهما في القرآن، ومع هذا ذكرهما محمد في الكتاب، ومنهم من قال: إنما لم يذكره؛ لأن محمدًا أراد بهذا الوضوء الوضوء عن النوم لا عن البول والغائط، والاستنجاء في هذا الوضوء ليس بسنة، وإنما قلنا ذلك فإن الله تعالى بدأ بالوضوء عن النوم هكذا جاء عن بعض الصحابة فإنه كان يقرأ: يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم من مضاجعكم إلى الصلاة، والدليل على صحة هذا عطف المجئ من الغائط على آية الوضوء فلو كان المراد من آية الوضوء الوضوء عن الغائط كان تقديره: يا أيها الذين أمنوا إذا قمتم إلى الصلاة وانتم متغوطون فاغسلوا وجوهكم، ثم قال: أو جاء أحد منكم من الغائط وهذا مما لا يستقيم.
قلت: ثم لما لم يذكر هناك لهذا المعنى الذي ذكره ذكر عند ختم الطهارات وهو سنة الوضوء إشارة إلى أنه ضابط لتصنيفه ومتيقظ في تأليفه حيث ختمها بما بداها وإعلامًا بأن المقصود هو الطهارة الصغرى إذ هي مفتاح الدرجات الكبرى وفي المغرب يقال: نجى وأنجى إذا أحدث وأصله من النجوة وهي المكان المرتفع؛ لأنّه يستتر بها وقت قضاء الحاجة، ثم قالوا: استنجى إذا مسح موضع النجو، وهو ما يخرج من البطن أو غسله، وقيل: من نجا الجلد إذا قشره وجاز أن يكون السنن للطلب كاستخراج أي طلب النجو ليزيله، قال شيخ الإسلام: الاستنجاء نوعان:
استنجاء بالحجر والمدر.
واستنجاء بالماء.
فالاستنجاء بالحجارة وبما يقوم مقامها سنة؛ لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعله على سبيل المواظبة وكذلك الصحابة واتباع الماء أدب؛ لأنّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يستنجي بالماء مرة وتركه أخرى وهذا هو حد الأدب، وهكذا روى عن بعض الصحابة، قال مشايخنا: وإنما كان ذلك أدبا في الزمن الأول، فأما في زماننا فسنته هكذا، روى عن الحسن البصري أنه سئل عن الاستنجاء بالماء فقال: إنه سنة، قيل له: كيف يكون سنة، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - والخيار من الصحابة - رضي الله عنهم - تركوه كعمر وابن مسعود فقال لهم: كانوا يبعرونه بعد وأنتم تثلطونه ثلطا فصار في زماننا سنة كالاستنجاء بالحجر والمدر، ثم الاستنجاء بالأحجار سنة مؤكدة عندنا لو تركها وصلى بغير استنجاء أجزأته صلاته، وقال الشافعي رحمه الله: بأنّه فريضة لو تركه بالأحجار وبما يقوم مقامه لم تجز صلاته والمَسْألة في الحاصل فرع لمَسْألة أخرى وهي أن النجاسة إذا كانت قدر الدرهم أو أقل هل يفترض إزالتها لجواز الصلاة أولًا فعندنا لا يفترض، وعنده يفترض كما لو كانت هذه النجاسة على موضع آخر إلا أن في هذا الموضع، يطهر بالحجر والمدر وفي سائر المواضع لا يطهر إلا بالماء، فقد احتج هو في المَسْألة بظاهر قوله تعالى: {والرجز فاهجر} أي: النجاسة فاهجر، ولم يفصل بين القليل والكثير وكذلك في حديث أبي أيوب الأنصاري - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «وليستنج بثلاثة أحجار»، فقد أمر، والأمر على الوجوب ولأن هذه نجاسة يمنع جواز الصلاة إذا كانت كثيرة فيمنع إذا كانت قليلة؛ لأن ما يمنع جواز الصلاة يستوي فيه قليله وكثيره كما في الحكمية فإنه إذا غسل جميع أعضائه وبقي جسده لمعة لا يجزئه صلاته وإن كانت هي لأقل من الدرهم بل أولى؛ لأن الحقيقي فوق الحكمي ألا يرى أن الحكمي يزول بالتراب والحقيقي لا يزول فإذا كان قدر الدرهم في الحكمي مانعًا جواز الصلاة ففي الحقيقي أولى، وأما أصحابنا احتجوا في ذلك بما روى أبو هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من استجمر فليوتر من فعل فهو حسن ومن لا فلا حرج»، وأقل الوتر واحد في الحساب فقد نفى الحرج عمن ترك الاستنجاء أصلا فدل أنه لا يفترض ولأن ما عليه من النجاسة قدر الدرهم أو أقل فلا يفترض إزالتها من موضع الاستنجاء قياسًا على ما بقى من الأثر بعد الحجر وقياسًا على اليسير من الدم الذي لا يأخذه البصر، وأما الآية فهي محمولة على ما إذا كانت النجاسة أكثر من قدر الدرهم، وأما حديث أبي أيوب الأنصاري قلنا: المراد به الاستحباب بدليل ما روينا من حديث أبي هريرة، وأما قوله بأن كثير هذا يمنع فقليله كذلك قلنا: يشكل باليسير من الدم كدم البراغيث فإنه لا يمنع والكثير يمنع وليس كالطهارة الحكمية؛ لأنّه لا ضرورة فيها في القليل كما لا ضرورة في الكثير فإن إيصال الماء إلى جميع الأعضاء ممكن ألا يرى أنه لو ترك قدر ما لا يأخذه البصير إلا بتكلف لا يجزئه وههنا مثل يجزئه فدل أنّ القدمين بين الموضعين ثابت بالإجماع ثم الكلام في العدد وهو أنه إذا استنجى بحجر واحد وانقى ما ظهر من النجاسة فإنه يكون مقيما للسنة ويجزئه صلاته إذا ترك الثانية والثالثة، وقال الشافعي: الاستنجاء بثلاثة أحجار أو بحجر به ثلاثة أحرف فرض حتى لو تركه لم يجزئه صلاته وإن حصلت التنقية بالواحدة، كذا في مبسوط شيخ الإسلام.
قوله: ((ومن لا فلا حرج)) قال الأستاذ مولانا فخرالدين رحمه الله في التمسك بالحديث الشارع نفى الحرج عن تارك الاستنجاء، دل أنه ليس بواجب، ودل أيضًا على أن ترك الإيتار لا يضر؛ لأن ترك أصله لما لم يكن مانعًا فما ظنك في ترك وصفه فدل الحديث على انتفاء الجموع وغسله بالماء أفضل نزلت الآية في أهل قباء فقال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «بماذا أثنى الله عليكم فقالوا: إنا نتبع الحجارة بالماء»؛ ولأن الماء يزيل العين والأثر جميعا، والحجر إن كان يزيل العين لا يزيل الأثر، واستعمال ما هو مزيل للعين والأثر جميعا أولى من استعمال ما هو مزيل للعين دون الأثر.
قوله: ((إلا إذا كان موسوِساً)) بالكسر، ولا يقال بالفتح، ولكن موسوس له أو إليه أي يلقى إليه الوسوسة، وقال الليث: الوسوسة حديث النفس وإنما قيل: موسوس؛ لأنّه يحدث بما في ضميره كذا في المغرب فيقدر بالثلاث في حقه كما في نجاسة غير مرئية؛ لأن البول غير مرئي والغائط وإن كان مرئيا فالمستنجي لا يراه فكانت بمنزلة نجاسة غير مرئية ومنهم من قدر بسبع مرات اعتباراً بالحديث الذي ورد في ولوغ الكلب، كذا في مبسوط شيخ الإسلام رَحِمه الله، وصورة الاستنجاء مذكورة في فتاوى قاضي خان وغيرها. (والله اعلم).
الفصل الثاني
كتاب الصلاة
قد ذكرنا في صدر الكتاب وجه تقديم الصلاة على سائر المشروعات فيحتاج ههنا إلى أن نعرف تفسيرها لغة وشريعة وسبب وجوبها وركنها وشرطها وحكمها؛ لأنّ الشيء لا يعرف إلا باسمه، ولا يجب إلا بسببه ولا يوجد إلا بركنه ولا يصح شرعا إلا بشرط ولا يفعل إلا لحكمة.
أما تفسيرها لغة: فإنّها عبارة عن الدعاء والثناء قال الله تعالى: {إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه} ومنه الصلاة على الميت أي الدعاء له يقال في التحيات والصلوات أي الأثنية كلها لله تعالى، فدل أنها لغةً عبارة عن الدعاء والثناء إلا انها في الشريعة اسم لهذه الأفعال المعلومة من القيام والركوع والسجود لما فيها من الدعاء والثناء كما سميت الصلاة باسم الركوع والسجود لما فيها من الركوع والسجود قال الله تعالى: {يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين} والمراد منه الصلاة؛ لأن الركوع بانفراده غير مشروع، وأما سبب وجوبها أوقاتها وهي الفجر والظهر وغيرهما فالوجوب في الذمة شرعا علق بهذه الأوقات لا بالأمر والأمر طلب لأداء ما وجب في الذمة بسبب الوقت بدليل قوله تعالى: {أقم الصلاة لدلوك الشمس}؛ لأن اللام في مثل هذا الموضع إنما يذكر للتعليل كما قال - صلى الله عليه وسلم -: «صوموا لرؤيته»، وكما يقال تأهب للشتاء، وتطهر للصلاة، أي: لأجل الشتاء ولأجل الصلاة إلى آخر ما عرف في أصول الفقه.
وأما شرطها فستة: الطهارة وستر العورة واستقبال القبلة والوقت والنية والتكبيرة الأولى، وإنما قدمنا الشرط؛ لأن شرائط جواز الشيء تشرط وجودها قبل وجود ركنه كالشهادة في باب النكاح، حيث يشترط وجودها قبل وجود ركنه وهو الإيجاب والقبول وكالمالية في البيع.
وأما أركانها الأصلية فأربعة القيام والقراءة والركوع والسجود، واما القعدة الأخيرة فهي وإن كانت فرضا إلا انها ليست بركن أصلي في الصلاة على ما يجئ شرحها إن شاء الله تعالى.
وأما حكمها فنقول: حكمها شريعة إنما هو سقوط الواجب عن ذمته بالأداء في الدنيا ونيل ما وعد له في الآخرة من الثواب؛ لأن حكم الشيء هو ما يفعل لأجله والإنسان إنما يصلي ليسقط الواجب عن ذمته وينال ما وعد الله تعالى له في الآخرة من الثواب وإليه أشار النبي - صلى الله عليه وسلم - في قوله: «صلوا خمسكم، إلى أن قال: طيبة بها أنفسكم تدخلوا جنة ربكم»، هذا حاصل ما ذكره شيخ الإسلام رَحمهُ الله ثم ابتدأ ببيان المواقيت؛ لأن الكلام في بيان الصلاة وأوقات الصلوات أسبابها على ما ذكرنا والأسباب تتقدم على المسببات فلذلك قدم ذكر المواقيت ثم قدم من بينها وقت الفجر، ذكر في المبسوط: إنما بدأ ببيان وقت الفجر؛ لأنّه متفق عليه لم يختلفوا في اوله ولا في آخره.
قلت: أو لأنّه أول وقت صلاة وجبت بعد وقت النوم عادة والنوم أخ الموت فكان ابتداءها بأول وقت صلاة يخاطب المرء بأدائها أولى؛ لأن الخطاب إنما يكون على اليقظان لا على النائم.
قوله: ((إذا طلع الفجر الثاني))؛ لأن الفجر فجران: فجر كاذب تسميه العرب ذنب السرحان وهو: البياض الذي يبدو في السماء طولاً ويتعقبه ظلام، والفجر الصادق وهو البياض المنتشر في الأفق.
قوله: وآخر وقتها ما لم تطلع الشمس قال الشيخ رَحِمه الله ناقلا عن شيخه العلامة - رضي الله عنه -: هذا من قبيل إطلاق اسم الكل على الجزء؛ لأن قوله: ما لم تطلع الشمس يتناول جميع وقت الفجر من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، وليس ذلك بمراد بل المراد هو الوقت الذي قبيل طلوع الشمس وهو جزء من ذلك الوقت فعلم أنه من قبيل إطلاق اسم الكل على الجزء.
قوله: ((ثم قال في آخر الحديث: ما بين هذين الوقتين وقت لك ولأمتك))، فأول الحديث هو ما ذكره شيخ الإسلام في مبسوطه فقال: روى عبد الله بن عباس - رضي الله عنه - عن رسول الله - عليه السلام - أنه قال: «أمّنِي جبريل - عليه السلام - عند البيت مرتين وصلى في الظهر في اليوم الأول حين زالت الشمس وصار الفئ مثل الشراك، وصلى فيَّ العصر حين صار ظل كل شيء مثله، وصلى في المغرب حين غابت الشمس وصلى فيَّ العشاء حين غاب الشفق وصلى في الفجر حين طلع الفجر وصلى في الظهر في اليوم الثاني حين زالت الشمس وصار ظل كل شيء مثله وصلى في العصر حين صار ظل كل شيء مثليه وصلى في المغرب حين غربت الشمس لوقته بالأمس وصلى في العشاء حين مضى ثلث الليل أو قال: نصف الليل وصلى الفجر حين طلع الفجر وأسفر وكادت الشمس أن تطلع، ثم قال: يا محمّد هذا وقتك ووقت الأنبياء من قبلك والوقت ما بين هذين الوقتين» وروى سليمان بن بريدة الأسلمي - رضي الله عنه - أن رجلاً جاء إلى رسول الله - عليه السلام - فسأله عن مواقيت الصلاة فقال له: «أقم عندنا إلى أن قال صلى في اليوم الثاني المغرب حين كادت الشمس أن تغيب»، ثم قال: في آخر الحديث «الوقت ما بين هذين الوقتين».
فإن قيل: قوله: ما بين هذين الوقتين وقت لك يقتضي أن لا يكون الأول والآخر وقتا لتلك الفريضة؟.
قلنا: وجد البيان في حقهما بالفعل، فإنه - عليه السلام - صلى في أول الوقت وآخره ووجد البيان منه بالقول أيضا في حديث آخر ذكره في المبسوط وقال وفي حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال: رسول الله - عليه السلام -: «إن للصلاة أولاً وآخراً، وإن أول وقت الفجر حين تطلع الفجر وآخره حين تطلع الشمس»، وكذلك في غيره، ولأن إمامة جبريل - عليه السلام - لم يكن لنفي ما وراء وقت الإمامة عن وقت الصلاة بل لإثبات ما كان فيه ألا يرى أنه - عليه السلام - أم في اليوم الثاني حين أسفر الوقت يبقى بعده إلى طلوع الشمس وصلى العشاء في اليوم الثاني حين ذهب ثلث الليل والوقت يبقى بعده وهذا جواب لأبي حنيفة رَحِمه الله عن احتجاجهما بإمامة جبريل للظهر في اليوم الثاني حين صار ظل كل شيء مثله وفي الزوال هو الفئ الذي يكون للأشياء وقت الزوال وذلك يختلف باختلاف الأمكنة والأوقات، وقد قيل: لا بد أن يبقى لكل شيء فئ عند الزوال في كل موضع إلا بمكة والمدينة في أطول أيام السنة فلا يبقى بمكة ظل على الأرض وبالمدينة تأخذ الشمس الحيطان الأربعة وذلك الفئ الأصلي غير معتبر في التقدير بالظل يعني أن التقدير بالظل إنما يكون فيما سوى الفئ الأصلي الذي هو في الزوال وأصح ما قيل في معرفة الزوال قول محمد بن شجاع أنه يغرز خشبة في مكان مستوٍ ويجعل على مبلغ الظل منه علامة فما دام الظل ينتقص من الخط فهو قبل الزوال فإذا وقف لا يزداد ولا ينتقض فهو ساعة الزوال التي هي عبارة عن فيء الزوال وإذا أخذ الظل في الزيادة فقد علم أن الشمس قد زالت، كذا في المبسوط، لهما: إمامة جبريل - عليه السلام - في اليوم الأول في هذا الوقت، أي: إمامته للعصر في اليوم الأول حين صار ظل كل شيء مثله على ما ذكرنا في الحديث أن إمامته في اليوم الأول في حق الظهر حين زالت الشمس ولا خلاف فيه فكانت إمامة جبريل إنما يؤيد قولهما، إن لو كانت إمامته واقعة حين صار ظل كل شيء مثله ولم يكن ذلك في اليوم الأول فلا بد أن يكون إمامته مصروفة في اليوم الأول في حق العصر وقد كانت إمامته في حق العصر كذلك في اليوم الأول إلا أن الاختلاف في حق خروج الظهر ودخول وقت العصر واحد على ظاهر الرواية؛ لأنّه ليس بينهما وقت مهمل في ظاهر الرواية فكان ذكر دخول أول وقت العصر ذكرا لخروج وقت الظهر وذكر شيخ الإسلام ثم اختلافهم في آخر وقت الظهر اختلاف في أول وقت العصر؛ لأنّه ليس بين الوقتين وقت مهمل إلا في رواية رواها أسد بن عمرو عن أبي حنيفة وعلي بن الجعد رحمهم الله فأول وقت العصر عند أبي حنيفة حين صار ظل كل شيء مثليه، وعندهما حين صار ظل كل شيء مثليه سوى فئ الزوال.
فإن قلت: قوله: وآخر وقتها، أي وقت الظهر عند أبي حنيفة رَحِمه الله إذا صار ظل كل شيء مثليه كان وقت الظهر باقيًا عنده؛ لأن آخر الشيء من أجزاء ذلك الشيء كما في المنظومة والختم عصر آخر التشريق، واليوم الذي يختمان التكبير في عصره من أيام التشريق، وكذلك في قولهما وقالا: إذا صار الظل مثله يجب أن يكون وقت الظهر باقيا عندهما عند صيرورة ظل كل شيء مثله ورواية المنظومة يقتضي أن لا يبقى وقت الظهر على القولين على هذين التقديرين وهي قوله والعصر حين المرء يلقي ظله قد صار مثليه وقالا مثله فما التوفيق بينهما؟.
قلت: معنى قوله وآخر وقتها عند أبي حنيفة رَحِمه الله اختار ظل كل شيء مثليه أي آخر وقت الظهر الذي يتحقق عنده خروج وقت الظهر فكان هذا نظير فيما بعده بخطوط وآخر وقت المغرب حين يغيب الشفق ولا شك أن غيبوبة الشفق يتحقق الخروج والدليل على أن المراد هذا ما ذكره شيخ الإسلام رَحِمه الله فقال: واختلفوا في آخر وقت الظهر قال أبو حنيفة في ظاهر الرواية إذا صار ظل كل شيء مثليه سوى فئ الزوال خرج وقت الظهر ودخل وقت العصر وقال إذا صار كل شيء مثله خرج وقت الظهر ودخل وقت العصر وكذلك ذكر في شرح الطحاوي فقال أبو حنيفة رَحِمه الله إذا صار ظل كل شيء مثليه خرج وقت الظهر ودخل وقت العصر فقد أثبتنا الخروج في ذلك الوقت الذي أثبت هنا آخر الوقت علم بهذا أن المراد به ما ذكرنا أو نقول أراد بآخر الوقت هنا القرب من آخر الوقت الذي يتحقق عنده الخروج وبما ذكر في المنظومة حقيقة خروج وقت الظهر فكان لفظ الآخر بمنزلة لفظ الأجل؛ لأن كلا منهما اسم لتمام الشيء ثم يذكر الأجل ويراد به القرب ويذكر ويراد به الانقضاء، وقال في المبسوط في أثناء الكلام: وهو نظير قوله تعالى {فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن}، أي: قارب بلوغ أجلهن وقال تعالى: {فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن}، أي: ثم انقضاء عدتهن، ونظير هذا أيضا ما ذكر في الأسرار في حجتهما فقال: حجة الجماعة إمامة جبريل في اليوم الأول لصلاة العصر حين صار ظل كل شيء مثله وإمامته لصلاة الظهر في اليوم الثاني حين صار ظل كل شيء مثله ثم قال: هذا لا على طريق النسخ والتناقض وقد جاءه بعلمه أول الوقت وآخره لكن نقول صلى به العصر في اليوم الأول كما زاد على المثل والظهر في اليوم الثاني قبل أن يزيد، وبين الحالين تقارب لا يفرق إلا بمعيار، فنقل الراوي على حسب ما فهم، ولكن الحقيقة ما فسرناه، وذكر شيخ الإسلام رَحِمه الله فقال: قال مشايخنا رحمهم الله: والاحتياط ان يُؤَخّر الإنسان صلاة الظهر إلى أن يصير ظل كل شيء مثله، سوى في الزوال وأن لا يصلي حتى يصير ظل كل شيء مثليه حتى تكون الصلاتان في وقتهما بالإجماع، وذكر في الأسرار من حجة أبي حنيفة رَحِمه الله هي ما روي عن النبي - عليه السلام - أنه قال: «إن مثلكم ومثل الأمم من قبلكم مثل من استأجر أجيراً، فقال من يعمل لي من الفجر إلى الظهر بقيراط فعملت اليهود ثم قال: من يعمل لي من الظهر إلى العصر بقيراط فعملت النصارى ثم قال: من يعمل لي من العصر إلى المغرب بقيراطين فعملتم أنتم فكنتم أقل عملا أو أكثر أجراً» فضرب قصر المدة لقلة العمل مثلا فجاء من هذا أن مدة العصر أقصر وإنما يكون أقصر إذا كان الجواب على ما قاله أبو حنيفة ولأن الوقت شرع للأداء على ما ذكر في مَسْألة المستحاضة يتوضأ لوقت كل صلاة إلا أنّه شرع زائدا على فعل الداء توسعة وحاجة الظهر إلى الأداء أكثر؛ لأنّ قبلها أربع مؤقتة وبعدها ركعتان وليس ما بعد صلاة العصر وقبلها سنة مؤقتة ألا يرى أن وقت العشاء أمد من وقت المغرب؛ لأن الأداء في العشاء أكثر؛ لأنّها أربع وبعدها الوتر وكذلك الأخبار وردت بإبراد الظهر وهو بعد الثلثين فهذه استدلالات حسنة لكن النص الذي روينا فوق هذه: (أبردوا بالظهر) المعنى: ادخلوا الصلاة في البرد، أي: إذا سكنت فورة الحر وشدته، وفيح جهنم شدة حرها، وأول وقت العصر إذا خرج وقت الظهر على القولين هذا على ظاهر الرواية وهو رواية أبي يوسف عن أبي حنيفة رَحمهُ الله، وأما فيما رواه الحسن عن أبي حنيفة أنه إذا صار الظل قامته يخرج وقت الظهر ولا يدخل وقت العصر حتى يصير الظل قامتين، فكان بينهما وقت مهمل وهو الذي تسميه الناس بين الصلاتين كما أن بين الفجر والظهر وقتاً مهملاً، كذا في المبسوط.
قوله: ((وقال الشافعي رحمه الله مقدار ما يصلي فيه ثلاث ركعات)) فإن عند الشافعي وقت المغرب مقصود على الفراغ من الأداء الأول الوقت لإمامة جبريل - عليه السلام - في المغرب لأول الوقت في الليلتين جميعا، واحتج أصحابنا بما روى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن النبي - عليه السلام - قال: «ووقت المغرب ما لم يسقط نور الشفق» إلا أن التأخير عن أول المغرب مكروه فلذلك لم يُؤَخّر جبريل - عليه السلام - فإنّه جاء ليعلمه المباح من الأوقات، ألا تراه لم يُؤَخّر العصر إلى الغروب والوقت باقٍ إليه، ولا العشاء إلى الثلث وبعده وقت العشاء بالإجماع على أن المصير إلى ما روينا أولى؛ لأنّه كان بالمدينة وما رواه كان بمكة، كذا في الأسرار ومبسوط شيخ الإسلام رَحِمه الله.
قوله: ((لقوله - عليه السلام - الشفق هو الحمرة)) ولأنّ الحمرة هي الشفق المتعارف فيما بين أهل اللسان، وكذا روى عن الأصمعي والخليل بن أحمد؛ ولأن الغوارب ثلث الشمس والشفقان الحمرة والبياض كالطوالع التي هي من آثار الشمس ثلث الفجران والشمس ثم ما يتعلق بالطوالع من خروج الوقت ودخوله تعلق بأوسط الطوالع وهو الفجر الصادق فما تعلق وجوبه بالغوارب من دخول الوقت وخروجه وجب أن يتعلق بأوسطه، وأوسط الغوارب الحمرة واحتج أبو حنيفة - رضي الله عنه - بظاهر قوله تعالى: {أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل}، جاء في التفسير عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن الدلوك هو غروب الشمس فالله تعالى قد وقت المغرب إلى غسق الليل والغسق عبارة عن اجتماع الظلمة والظلمة لا يجتمع إلا بعد ذهاب البياض، وكذلك احتج بالحديث الذي رواه من اسوداد الأفق واسوداد الأفق لا يكون إلا بعد ذهاب البياض وأما قوله: بأن الشفق المعتاد هو الحمرة قلنا: ليس كذلك فإنهم كما يطلقون اسم الشفق عليها يطلقونه على البياض هكذا جاء عن المبرد وأحمد بن يحيى وضرب من الاستدلال من طريق اللغة والفقه يدل على أنه هو البياض أما اللغة فإن الشفق عبارة عن الرقة يقال: ثوب شفق أي رقيق النسج أورق من طول ما ليس والشفقة من رقة القلب والمحبة فالبياض أولى بهذا الاسم؛ لأن إجراء البياض أرق من أجزاء الحمرة، وأما الفقه فإن المغرب بمنزلة الفجر؛ لأنّها تقام في ساعة أثر نور الشمس دون عينها كالفجر ثم البياض المعترض في باب الفجر في حكم الحمرة فليكن كذلك في مسألتنا هذه ليكون صلاتان في وضح النهار مع قيام عين الشمس وصلاتان في أثرها وصلاتان في غسق الظلام العشاء والوتر فقولهما أوسع للناس وقول أبي حنيفة رَحِمه الله أحوط؛ لأن الأصل في باب الصلاة أن لا يثبت منها ولا شرط إلا بما فيه معين، كذا في الأسرار ومبسوط شيخ الإسلام.
قوله -رَحِمه الله-: ((وهو حجة على الشافعي رحمه الله في تقديره بذهاب ثلث الليل))، وفي مبسوط شيخ الإسلام ثم إذا غاب الشفق أجمعوا على أنه يدخل وقت العشاء، واختلفوا في أنه متى يخرج فعلى قول علمائنا لا يخرج وقت العشاء ما لم يطلع الفجر الثاني، وقال الشافعي رحمه الله في قول: بأنّه يخرج وقت العشاء متى مضى ثلث الليل، وقال في قول: متى مضى نصف الليل خرج وقت العشاء إلا أن يكون مسافراً فيمتد حينئذ إلى وقت طلوع الفجر الثاني.
واحتجّ هو بإمامة جبريل - عليه السلام -، فإنه صلى بالنبي - عليه السلام - العشاء في الليلة الثانية بعد ما مضى ثلث الليل، [ ... ] ما روينا من الحديث وأما تعلقه بإمامة جبريل.
قلنا: قد روي في إمامته أنه أخر العشاء في الليلة الثانية إلى النصف وإنما لم يُؤَخّر إلى النصف الثاني؛ لأن التأخير إليه مكروه ولأنّه وقت للمسافر إلى انفجار الصبح فكان وقتا للمقيم؛ لأن تأثير السفر في قصر الصلاة لا في زيادة الوقت، وذكر في شرح الأقطع وأن ما قبل طلوع الفجر وقت لمن بلغ أو أسلم فكان وقتا لغيرهما كما قبل نصف الليل.
قوله: ((وعند أبي حنيفة رَحِمه الله وقته وقت العشاء)) هذا احتراز عن قولهما فإن عندهما إنما يدخل وقت الوتر إذا صلى العشاء ثم نرد على ما ذكره من قول أبي حنيفة سؤال وهو أنه لو كان وقت الوتر وقت العشاء لجاز أداؤه قبل أن يصلي العشاء في وقت العشاء فأجاب عن هذا السؤال المقدر بقوله للترتيب أي عدم جواز تقديم الوتر على صلاة العشاء لأجل وجوب الترتيب عنده لا لأن وقت الوتر لم يدخل وهذا الاختلاف مبني على اختلاف آخر بينهما وهو أن الوتر فرض عملا عند أبي حنيفة رَحِمه الله والترتيب بين الفرائض واجب عند التذكير عندنا، وعندهما الوتر سنة فكان تبعا للعشاء، وفي مبسوط شيخ الإسلام: إذا أوتر قبل العشاء متعمداً كان عليه الإعادة بلا خلاف وإن أوتر ناسياً للعشاء أو صلى العشاء على غير وضوء ثم نام وقام وتوضأ وأوتر ثم يذكر أنه صلى العشاء على غير وضوء فعلى قول أبي حنيفة لا يعيد الوتر وعلى قولهما يعيد فإنّ على قولهما يعيد في الحالين؛ لأن الوتر عندهما سنة من سنة العشاء فشرع بعد العشاء تبعاً لها كركعتي العشاء فكما لا يجزئه ركعتا العشاء قبل العشاء سواء كان ساهياً للعشاء أو ذاكراً؛ لأنّه لم يدخل وقته بعد فكذلك الوتر، وأمّا على قول أبي حنيفة رَحِمه الله يعيد حالة التذكير ولا يعيد حالة النسيان لما ان الوتر الحق بالمغرب في حق العمل عنده ولو صلى المغرب وهو ذاكر للعصر لا يجزئه في سعة الوقت ولو كان ناسياً للعصر أجزاه فكذا هذا؛ لأنّه صلاها في وقتها؛ لأن وقتها وقت العشاء ثم أنهما يوافقان أبا حنيفة رَحِمه الله في وجوب القضاء فلو كانت سنة لما وجب القضاء كما في سائر السنن على ما يجئ بيانه. والله أعلم.
قوله: ((لما ذكر أصل الأوقات)) استدعى هو ذكر ما هو الكامل فيه حتى لو صلى فيه كان هو مؤدياً أصل الفريضة ومستجلباً زيادة الفضيلة على وجه الكمال وهو ذكر الأوقات المستحبة.
قوله رَحِمه الله: ((ويستحب الإسفار بالفجر)) فقال: أسفر الصبح أي أضاء ومنه أسفر بالصلاة إذا صلأها في الأسفار والباء للتعدية فالأفضل في صلاة الفجر الإسفار بها يبداء بالإسفار ويختم بالإسفار في ظاهر الرواية، وقال الطحاوي رَحِمه الله: يبداء بالتغليس ويختم بالإسفار ويجمع بينهما وهو ان يطول القراءة، وعند الشافعي (المستحب هو التغليس، وهذا الذي ذكرنا في السفر والحضر جميعاً في الأزمنة كلها إلا صلاة الفجر بمزدلفة للحاج فإن التغليس بها أفضل فلا ينبغي أن يُؤَخّر تأخيراً يقع له الشك في طلوع الشمس؛ لأن في ذلك فساد صلاته كذا في شرح الطحاوي، وقال الشافعي: يستحب التعجيل في كل صلاة المراد من التعجيل هو أن يكون الأداء في النصف الأول كذا في الأسرار، واستدل الشافعي بحديث عائشة رضي الله عنها قالت: «كانت النساء تنصرف من الصلاة مع رسول الله - عليه السلام - وهن متلفعات بمروطهن ما يعرفن من شدة الغلس»؛ ولأن في هذا إظهار المسارعة في أداء العبادة وهو مندوب إليه بقوله تعالى: {وسارعوا إلى مغفرة من ربكم}.
ولنا حديث رافع ابن خديج - رضي الله عنه - أن النبي - عليه السلام - قال: «اسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر»، ولأن في الإسفار تكثير الجماعة وفي التغليس تقليلها وما يؤدي إلى تكثير الجماعة كان أفضل؛ ولأن المكث في مكان الصلاة حتى تطلع الشمس مندوب إليه، قال - صلى الله عليه وسلم -: «من صلى الفجر ومكث حتى تطلع الشمس فكأنما اعتق أربع رقاب من ولد إسماعيل - عليه السلام -»، وإذا أسفر بها تمكن من احرازها هذه الفضيلة وعند التغليس قل ما يتمكن منه.
وأما حديث عائشة فالصحيح من الروايات إسفار رسول الله - عليه السلام - لصلاة الفجر فإن ثبت التغليس في وقت فلعذر الخروج إلى سفر أو كان ذلك حين تحضر النساء الصلاة بالجماعة ثم انتسخ ذلك حين أمرن بالقرار في البيوت، وأما الجواب عن تعلقه بالآية فقلنا: المسارعة إلى مغفرة الله إنما يكون في المسارعة إلى الشيء الذي هو أفضل عند الله من غيره وذلك في تكثير الجماعة لا في تقليلها ولكن لا يكون ذلك إلا في التنوير فكان في التنوير مسارعة إلى المغفرة، لا في التغليس، على أن الآية عامة فيحملها على بعض الصلوات بدليل ما روينا، كذا في المبسوطين والمعنى الفقهي فيه: أن تأخير الفجر إلى آخر الوقت مباح بالإجماع لا كراهة فيه، وتقليل الجماعة أمر مكروه، وكذلك إيقاع الناس في الحرج، والتغليس بالفجر يؤدي إلى أحد أمرين إما إزعاج الناس لأول الوقت وفيه حرج؛ لأنّه أمر بخلاف العادة، وأما تقليل الجماعة وهو فاسد، ألا يرى أن رسول الله - عليه السلام - نهى معاذاً عن التطويل في القراءة، وعلل له بتغيير الناس عن الجماعة، وطول القراءة في الصلاة في الأصل سنة فوق تعجيل الصلاة في أول الوقت، ثم ورد النهي عن تلك السنة مع قوتها ليلاً يؤدي إلى تقليل الجماعة، فلأن يكون منهيا عن أدناها لئلا يؤدي إلى تقليل الجماعة أولى، كذا في الأسرار، ثم حد التنوير ما قال شمس الأئمة الحلواني والقاضي الإمام أبو علي النسفي: أنه يبدأ الصلاة بعد انتشار البياض في وقت لو صلى الفجر بقراءة مسنونة ما بين أربعين آية إلى ستين آية أو اكثر وترتل القراءة فإذا فرغ من الصلاة لو ظهر له سهو في طهارته يمكنه أن يتوضأ ويعيد الصلاة قبل طلوع الشمس كما فعل أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، كذا في فتاوى قاضي خان رَحمَه الله.
قوله: ((والحجة عليه ما روينا)) إشارة إلى قوله: أسفروا بالفجر، وقوله: ((وما نرويه)) إشارة إلى قوله: وإذا كان في الصيف أبرد بها فإنه يدعي التعجيل في كل صلاة فكان الإبراد بالظهر حجة عليه.
وقال الشافعي رحمه الله في الظهر: إن كان يصلي وحده يعجلها بعد الزوال في كل وقت وإن كان يصلي بالجماعة يُؤَخّر يسيرا، واستدل بحديث خباب بن الأرت - رضي الله عنه - قال: «شكونا إلى رسول الله - عليه السلام - حر الرمضاء في مياهنا فلم يشكنا» أي لم يزل شكايتنا فدل على أنه كان يعجل الظهر.
وإنا نقول: تأويله أنهم طلبوا ترك الجماعة أصلاً بدليل أنهم إذا دخلوا المسجد لا يؤذيهم حر الرمضاء فكان شكواهم لأجل القعود عن الجماعة على أن معنى قوله فلم يشكنا أي لم يدعنا في الشكاية بل أزال شكوانا بأن أبرد بها.
ولنا في تأخير العصر حديث ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: «كان النبي - عليه السلام - يصلي العصر والشمس بيضاء نقية» وهذا منه بيان تأخير العصر، وقيل: سميت العصر لأنها تعصر أي تؤخر، ولأن في تأخير العصر تكثير النوافل لكراهتها بعد العصر، ولهذا كان التعجيل في المغرب أفضل؛ لأن أداء النافلة قبلها مكروه وتكثير النوافل أفضل من المبادرة إلى الأداء الأول الوقت، كذا في المبسوطين، والمعتبر الفرض وهو أن يصير بحال لا تحار فيه الأعين هو الصحيح، الحيرة: التحير، وفعلها من باب لبس وقولهم: يحنث، لا تحار فيه العين، أي: ذهب ضوءها فلا يتحير فيه البصر، وكذا في المغرب وقوله: هو الصحيح الضمير راجع إلى تغير القرص (لا تغير الضوء) وهذا احتراز عن قول سفيان وإبراهيم النخعي فإنهما يعتبران تغير الضوء الذي يقع في الجدران قال شمس الأئمة السّرخسيّ رحِمهُ الله: (أخذنا بقول الشعبيّ رَحمه الله وهو اعتبار تغير القرص؛ لأن تغير الضوء يحصل بعد الزوال).
وفي المحيط: (وبه كان يقول مشايخ بلخ والشيخ الإمام أبو بكر محمد بن الفضل رحمهم الله ثم تكلموا في معرفة التغير في القرص، قال بعضهم: إذا قامت الشمس للغروب قدر رمح أو رمحين لم يتغير وإذا صارت أقل من ذلك فقد تغيرت).
وقال بعضهم: يوضع طست ماء في صحراء، وينظر فيه فإن كان القرص يبدو للناظر فقد تغيرت، وقال بعضهم بما ذكر في الكتاب فكان تفسيره بقوله وهو أن يصير بحال لا تحار فيه الأعين احترازاً عن هذين التفسيرين، وكان قوله: هو الصحيح، احترازاً عن اعتبار بعضهم التغير في الضوء على ما حكينا ففي كل لفظ من ألفاظه رحمه الله لو فتشته تجد فيه فائدة جديدة وعائدة عتيدة جزاه الله عنا خيراً.
قوله: ((والتأخير إليه مكروه)) وقال بعض أصحابنا: التأخير إلى هذا الوقت مكروه فأما الفعل فغير مكروه؛ لأنّه مأمور بالفعل ولا يستقيم إثبات الكراهة للشيء مع الأمر به كذا في الإيضاح والمحيط إلا أن الإيضاح لم يذكر لفظ البعض بل قال وقال أصحابنا.
قوله: ويستحب تعجيل المغرب لأنّ تأخيرها مكروه.
فإن قلت: لا يلزم من انتفاء الكراهة يترك التأخير الذي هو عبارة عن التعجيل إثبات الاستحباب؛ لأن بينهما واسطة، وهي الإباحة، ألا يرى أنه لم يلزم من ترك تأخير العشاء إلى النصف الأخير الذي كان تأخيره إليه يوجب الكراهة ثبوت الاستحباب حيث أبيح التأخير إلى نصف الليل من غير ثبوت الاستحباب على ما يجئ بعيد هذا فكيف استدل هنا على ثبوت الاستحباب بكراهة التأخير؟.
قلت: الاستدلال على ثبوت المدعى بحكم الضد مستقيم فيما لا واسطة بينهما ولا يستقيم فيما فيه الواسطة وعن هذا افترق الاستدلال في حق المغرب والعشاء ألا ترى أنك لو قلت: هذا متحرك؛ لأنّه ليس بساكن يصح، ولو قلت: هذا أبيض؛ لأنّه ليس بأسود لا يصح لجواز أن يكون أصفر أو غيره، ثم وقت العشاء مقسم على ثلاثة لقيام الدليل على ذلك التقسيم فلذلك لم يلزم من انتفاء الكراهة ثبوت الاستحباب هناك، لتوسط الإباحة، وأما في المغرب فوقته مقسم على تعجيل وتأخير لا غير فثبت في إحداهما الاستحباب، وفي الآخر الكراهة لقيام الدليل على ذلك فيصح الاستدلال على ثبوت الاستحباب، بثبوت الكراهة في ضده لذلك ألا ترى أن جبريل - عليه السلام - أمَّ في يومين في وقت واحد وهو أول الوقت لكيلا يقع فعله في وقت الكراهة بالتأخير كما لم يؤم في النصف الأخير من العشاء ولذلك مع ان الوقت باقٍ.
قوله: ((لا تزال أمتي بخير ما عجلوا المغرب)) ما: ههنا توقيت للفعل، بمعنى المصدر أي: زمان تعجيلهم المغرب والتمسك به ظاهر؛ لأن تعجيل المغرب لما كان سبب ثبوت الخير بهم كان التعجيل مستحباً؛ لأنّه لا يراد من الاستحباب إلا الوصول إلى الخير وذكر في المبسوط وأخّر ابن عمر أداء المغرب يوما حتى بدا نجم فاعتق رقبة، وعمر - رضي الله عنه - رأي نجمين طالعين قبل أدائه المغرب فاعتق رقبتين، وفيه -أيضاً-: وكان عيسى ابن أبان رحمه الله يقول: الأولى تعجيلها للآثار، ولكن لا يكره التأخير مطلقاً، ألا يرى أن بعذر المرض والسفر يُؤَخّر المغرب ليجمع بينها وبين العشاء فعلاً، فلو كان المذهب كراهة التأخير لما أبيح ذلك بعذر المرض والسفر كما لا يباح تأخير العصر إلى أن يتغير الشمس، واستدل فيه بما روي أن النبي - عليه السلام - قرأ سورة الاعراف في صلاة المغرب ليلة وإنما يحمل ذلك على بيان امتداد الوقت وإباحة التأخير.
قلت: ذكر شمس الأئمة السّرخسيّ رَحِمه الله قوله هذا ودليله ولم يذكر جوابه ولم يرد قوله: توهم هذا أنه اختار وقوله ه ليس من دأبه رحمه الله أن يخلي القول المزيف ودليله عن الرد والجواب، والله اعلم.
قوله - عليه السلام -: (لولا أن أشق على أمتي لأخّرتُ العشاء): فإن قلت: كيف يثبت الاستحباب هنا والسنة في السواك مع أن لولا الامتناعية فيهما على نسق واحد إذ المانع فيهما وجود المشقة؟.
قلت: لا أسلم أنهما على نسق واحد؛ لأن الممتنع فيهما مختلف، إذ الممتنع في السواك الأمر فإنه لو لم يكن المشقة لأمر ولو أمر كان واجباً؛ لأن مطلق الأمر محمول على الوجوب فلما لم يكن الأمر باعتبار وجود المشقة يلزم ثبوت ما دون مقتضى الأمر وهو السنة والممتنع ههنا التأخير، ولو أخر لكان سنة؛ لأن مطلق أفعاله محمول على السنة إلا إذا قام الدليل على الوجوب فلما لم يُؤَخّر يثبت ما دون السنة وهو الاستحباب، على أن ذلك الحديث لا يرد على المصنف؛ لأنّه لم يتمسك في سنة السواك بذلك الحديث بل تمسك بمواظبة النبي - عليه السلام - ولم ينقل المواظبة على التأخير هنا فكان مستحباً بمقتضى هذا الحديث.
قوله: ((وقيل في الصيف تعجل كيلا يتقلل الجماعة)) كان من حق هذا القول أن يُؤَخّر عن التقاسيم أجمع من قوله وتأخير العشاء إلى ما قبل ثلث الليل.
قوله: ((والتأخير إلى نصف الليل)) وقوله: ((وإلى النصف الأخير مكروه)) (أو تقدم) هو على التقاسيم أجمع لما أن هذه التقاسيم في حق الشتاء لا في حق الصيف قال شيخ الإسلام: وتأخير العشاء إلى ثلث الليل أفضل عند علمائنا في الشتاء من التعجيل لأول الوقت وفي الصيف التعجيل أفضل من التأخير، وكذا ذكرها بالتفصيل بين الشتاء والصيف في فتاوى قاضي خان.
قلت: جاز أن يكون عند المصنف استحباب تعجيل العشاء في الصيف هو قول البعض ثم ذكر هذا القول بعد ذكر أحد الأقسام الثلاثة إنما كان لضرورة تقديم لفظ القدوري والدليل على صحة هذا ما ذكره المصنف في التجنيس فقال: قال بعض المشايخ ينبغي أن تؤخذ في الصيف بقولهما وفي الشتاء يؤخذ بقول أبي حنيفة والشافعي رحمه الله قولان قال في قول مثل قولنا وفي قول التعجيل فيه أفضل -أيضاً-.
واحتج الشافعي بما روي عن النبي - عليه السلام - أنه كان يصلي العشاء حين يسقط القمر الليلة الثالثة وذلك عند غيبوبة الشفق يكون.
ولنا ما ذكرنا من الحديث وأما تعلقه بذلك الحديث قلنا: يحتمل أنه إنما كان هذا في الصيف وعندنا في الصيف التعجيل أفضل ثم المعنى في اقتضاء هذا الترتيب الذي ذكره في الكتاب هو ان تأخير العشاء إلى ثلث الليل والتعجيل في أول الوقت هما سواء في أنهما لا يؤديان إلى تقليل الجماعة؛ لأن الناس في الغالب يجلسون إلى ثلث الليل أو أكثر في الشتاء ثم في التأخير إلى ثلث الليل قطع السمر المكروه، وفي التعجيل ارتكاب السمر بعده وهو مكروه فكان التأخير أولى؛ (لأن ترك التعجيل مباح والسمر بعد العشاء مكروه فصار التأخير أولى) من هذا الوجه لتضمنه إزالة الأمر المكروه مع أن التأخير في نفسه إلى هذا مباح.
وإنما قلنا: إنّ السمر و هو الحديث بالليل مكروه بعد العشاء لقوله - عليه السلام -: «لا سمر بعد العشاء»، والمعنى فيه أن يكون اختتام الصحيفة بالعبادة كما جعل ابتداء الصحيفة بالعبادة لينمحي ما حصل من الزلات فيما بين ذلك على ما قال الله تعالى: {إن الحسنات يذهبن السيئات}، كذا ذكره شيخ الإسلام رَحِمه الله.
وأما في الصيف التعجيل والتأخير في قطع السمر على السواء؛ لأنّهم ينامون كما يغيب الشفق وفي التعجيل تكثير الجماعة فكان التعجيل أفضل ثم التأخير من الثلث إلى النصف مباح في الشتاء ولمعارضة دليل الندب مع دليل الكراهة.
أما دليلُ الندب وهو قطع السمر بالكلية؛ لأن عند ذلك لا يوجد السمر بواحد من الناس وكان قوله وهو قطع السمر واحد عبارة عن المبالغة في قطع السمر؛ لأنّه لما انقطع السمر بواحد كان منقطعا باثنين وما فوقه أيضا فكان هذا نظير قوله: ما جاءني رجل، في اقتضاء العموم فلو كانت الرواية وهو قطع السمر بواحدة بالتاء كانت صفة للمرة أي بمرة واحدة أي بالكلية وهي للمبالغة أيضا.
وأما دليل الكراهة وهو أداؤه إلى تقليل الجماعة؛ لأنّه قلها يقوم الناس إلى نصف الليل فتعارضا فيثبت الإباحة والتأخير من النصف الأول إلى ما بعده مكروه لسلامة دليل الكراهة عن معارضة دليل الندب فكان دليل الكراهة موجود إلا غير فأثبت الكراهة لوجود دليلها بلا معارض وهو أداؤه إلى تقليل الجماعة؛ لأنّه ليس في هذا التأخير أعني التأخير إلى آخر النصف الأخير قطع السمر؛ لأن قطع السمر إنما يتحقق أن لو تصور السمر غالباً فيه أو مساوياً كما في الوقتين قبله، وفي النصف الأخير إلى آخر الليل لا يوجد السمر عادة غالباً ولا مساوياً فلا يتحقق قطع السمر لانعدام السمر أصلا فلم يوجد لذلك دليل الندب أصلاً حتى تعارض دليل الكراهة فبقي دليل الكراهة سالماً عن المعارض فلذلك يثبت الكراهة في التأخير إلى آخر النصف الأخير.
فإن قلت: يشكل على هذا تعجيل الفجر في أول الوقت وأنه مباح ذكره شيخ الإسلام في المبسوط وإن كان فيه دليل الكراهة وهو تقليل الجماعة سالماً عن معارضة دليل الندب؟.
قلت: لا أسلم أن دليل الكراهة سالم عن المعارض بل عارضه دليل أقوى منه وهو قوله تعالى: {وسارعوا إلى مغفرة من ربكم}، وقوله: {فاستبقوا الخيرات} ولا شكّ أنه لو لم يكن في التأخير معنى تكثير الجماعة كانت المسارعة إلى العبادة بعد وجود السبب مندوبا لصيانتها عن موانع (تعروها عسى) فان فيه تعارض دليل الندب وهو المسارعة إلى العبادة مع أن دليل الكراهة وهو تقليل الجماعة فثبتت الإباحة لذلك كما في تأخير العشاء من الثلث إلى النصف الأول، واما في التأخير من النصف إلى آخر النصف الأخير فمكروه لكون دليل الكراهة سالماً عن معارضة دليل الندب أصلاً؛ لأنّه ليس فيه المسارعة إلى العبادة ولا تكثير الجماعة ولا قطع السمر لانقطاعه قبله، بخلاف تعجيل الفجر فإن فيه المسارعة إلى العبادة فلذلك افترقا، هذا حاصل ما ذكره شيخ الإسلام رَحِمه الله.
قوله رَحِمه الله: ((ويستحب في الوتر لمن ألف صلاة الليل آخر الليل))، والمسموع آخر الليل بالنصب على الظرف لا بالرفع وهو أوفق -أيضاً- لرواية شرح الطحاوي وفتاوى قاضي خان فإن فيهما هذه الرواية مذكورة بكلمة في وأوفق اللفظ الحديث أيضا فيما بعده وهو قوله: فليوتر آخر الليل فكان قوله: آخر الليل على هذا التقدير ظرفا؛ لأن يوتر المدرج؛ لأن تقديره ويستحب في الوتر لمن يألف صلاة الليل أن يوتر آخر الليل قوله رَحِمه الله: وإذا كان يوم غيم.
قال شيخ الإسلام: وإذا كان اليوم يوم غيم فكل صلاة في اسمها عين فإنه يعجل كالعصر والعشاء والباقي يُؤَخّر أما الظهر فإنه يُؤَخّر لما ان تأخير مباح وإن كان تعجيلها في الشتاء أفضل والغيم في الغالب يكون في الشتاء إلا انه لو عجل في يوم الغيم كما عليه العادة في غيره من الأيام في الشتاء لا يؤمن من أن يقع قبل الوقت وانه لا يجوز فصار التأخير وهو مباح في الشتاء أولى لئلا يقع في عدم الجواز على تقدير، واما العصر فيعمل لئلا يقع في وقت اصفرار الشمس وهو مكروه على تقدير وإن كان فيه تقليل النوافل؛ لأن ترك النافلة مباح والأداء وقت اصفرار الشمس مكروه، ويُؤَخّر المغرب لأن في التعجيل لا يؤمر من أن يقع قبل الوقت؛ لأن وقتها قصير وذلك لا يجوز والتأخير بالعذر مباح كما في السفر ويعجل العشاء؛ لأن التأخير يؤدي إلى تقليل الجماعة ليلة الغيم وذلك لأنّه لو أخر العشاء يتكاسل الناس في الخروج إلى المسجد مترخصين بقوله - عليه السلام -: «إذا ابتلت النعال فالصلاة في الرحال»، فكان التعجيل يؤدي إلى تكثير الجماعة فكان أولى وإن كان سبباً إلى السمر بعد العشاء لما أن كراهة تقليل الجماعة أشد من كراهة السمر؛ لأن تقليل الجماعة لا يباح لوقت ما بغير عذر والسمر في غير هذا الوقت مباح، وأما الفجر فيُؤَخّر لوجهين أحدهما: إن ما بين التنوير وطلوع الشمس مدة مديدة فيؤمن من أن يقع الأداء وقت طلوع الشمس، والثاني إن لضوء الشمس علامة يعرف بها إن كان اليوم يوم غيم وكان هذا اليوم بمنزلة سائر الأيام في مراعاة تكثير الجماعة وطلب الأجر الموعود في الحديث وفي التأخير ذلك فكان أولى.
والله أعلم).
فَصْلٌ فِي الْأَوْقَاتِ الَّتِي تُكْرَهُ فِيهَا الصَّلَاةُ
لما ذكر الأوقات التي يستحب فيها الصلاة استدع ذلك ذكر ما يقابله من الأوقات التي يكره فيها الصلاة، ليتمكن المصلي من صلاته بدون كراهة تقع في صلاته من جانب الوقت، ثم تلقيب الفصل بما يكره مع أن فيه ذكر ما لا يجوز (فيه الصلاة) أيضا أما باعتبار الغالب أو باعتبار أن الكراهة أعم من عدم الجواز؛ لأن كل ما لا يجوز كانت الكراهة فيه ثابتة أيضًا، كما هي ثابتة في (المكروه، فكانت ثابتة في) الصورتين بخلاف العكس وهذه التسمية مثل تسمية باب البيع الفاسد في البيوع وإن انخرط فيه البيع الباطل والفاسد.
قال -رَحِمه الله-: ((لا يجوز الصلاة عند طلوع الشمس ولا عند قيامها في الظهيرة)).
فإن قلت: الصلاة محلى بالألف واللام فكان متناولا لجنس الصلاة، وهي الفرائض والنوافل فكان نظير قوله: لا يجوز الصلاة مع الحدث فعلى ذلك يجب أن لا يصح الشروع في هذه الأوقات لصلاة ما، وقد ذكر شمس الأئمة السّرخسيّ -رَحِمه الله- في أصول الفقه في حق صلاة التطوع في الأوقات المكروهة أنها تلزم بالشروع كما يلزم بالنذر من غير ذكر الخلاف وذكر الإمام التمرتاشي -رَحِمه الله- في مسائل متفرقة من الجامع الصغير قال أبو حنيفة رَحِمه الله وأبو يوسف فيمن شرع في الصلاة وقت الطلوع ثم أفسد يجب عليه القضاء والتمسك بوجهين بذكر الإفساد وأنه يستدعي سابقة الصحة وبإيجاب القضاء وهو أيضًا يتلو صحة الشروع؟
قلت: معنى قوله (لا يجوز) أي: ولا يجوز فعله شرعًا، فأما لو شرع يلزم كما يقول: لا يجوز مباشرة البيع الفاسد أما لو باشر وقبض المبيع يثبت الملك وليس هذا نظير الصلاة مع الحدث لما أن النهي عن الصلاة مع الحدث مستعار للنفي فكان من قبيل قوله: نهى النبي - عليه السلام - عن بيع الحر وهذا لما عرف من أصلنا أن النهي في الأفعال الشرعية يقتضي القبح لمعنى في غيره إلا إذا قام الدليل على أن النهي للقبح بمعنى في عينه كالنهي عن بيع المضامين والملاقيح ثم النهي عن الصلاة في الأوقات الثلاثة من قبيل نهي يفضي القبح لمعنى في غيره والنهي عن الصلاة مع الحدث من قبيل النهي الذي قام الدليل على أنه قبيح لمعنى في عينه، وقد استوفينا التفرقة وزيادة الكشف في الوافي.
ثم لما لم يجز الفرائض في هذه الأوقات الثلاثة لو شرع فيها ثم قهقه هل تنقض طهارته؟
قال في نوادر الصلاة من المبسوط: (لو طلعت الشمس وهو في خلال صلاة الفجر ثم قهقه قبل أن يسلم فليس عليه وضوء لصلاة أخرى)، أما على قول محمد رَحِمه الله فلأنّه صار خارجاً عن الصلاة بطلوع الشمس وهو إحدى الروايتين عن أبي حنيفة رَحِمه الله وفي الرواية الأخرى وان لم يصر خارجاً من أصل التحريمة فقد فسدت صلاته بطلوع الشمس؛ لأنّه لا يجوز أداء الفعل في هذا الوقت كما لا يجوز أداء الفرض فالضحك في هذه الحالة دون الضحك في صلاة الجنازة فلا يجعل حدثا، وعلى قياس قول أبي يوسف يلزمه الوضوء خصوصًا على الرواية التي رويت عنه أنه يصير حتى يطلع الشمس ثم تتم الفريضة فعلى هذه الرواية لا يشكل أن ضحكه صادف حرمة صلاة مطلقة فكان حدثا وحين [59 - أ] تتنصف للغروب يقال: ضافت الشمس وضيفت وتضيفت أي مالت للغروب.
قوله: ((لحديث عقبة قال: ثلاث أوقات نهانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نصلي فيها)) الحديث.
فإن قلت: التخصيص بالثلاث في العدد يفيد الانحصار عليه، وقد ذكر شمس الأئمة السّرخسيّ رَحِمه الله في ذكر شروط القياس، والخامس من الشرط أن لا يكون التعليل متضمنًا إبطال شيء من ألفاظ المنصوص فلذلك لا يجوز الزيادة على قوله - صلى الله عليه وسلم -: «خمسٌ من الفواسق تقتلن في الحل والحرم بسائر السباع»، بالتعليل وكذلك ذكر في الهداية فقال: والقياس على الفواسق ممتنع لما فيه من إبطال العدد المنصوص، وكذلك استدللنا على أكثر الحيض وأقله بذكر العدد المنصوص عليه ثم ألحق ههنا بالثلاثة المنصوصة أوقات يكره فيها الصلاة وقد ذكر في فتاوى قاضي خان: وتسعة أوقات لا يجوز فيها النفل، وتلك التسعة غير هذه الثلاثة فيلزم منه إبطال العدد لا محالة فما وجهه؟
قلت: إنما يلزم إبطال العدد المنصوص أن لو كان حكم المزيد مثل حكم المزيد عليه كما في إلحاق الشافعي سائر السباع بالخمسة المنصوصة، وفيما نحن فيه ليس كذلك فإن الثلاثة المنصوصة حكمها أن لا يجوز فيها الفرائض،
وكذا النوافل في بعض الروايات وأما التسعة الملحق بها فيجوز فيها قضاء الفائتة وصلاة الجنازة وسجدة التلاوة ولكن يكره فيها التنفل لمعنى قام في حق كل واحد من النوافل وكما أن هذه الأوقات الثلاثة مروية فكذلك روي أيضا عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا صلاة بعد الفجر حتى يطلع الشمس ولا بعد العصر حتى تغرب الشمس» ولكن أثر هذا النفي في حق النفل دون الفرض لما يجئ بيانه فلا يلزم بمثل هذا للإلحاق إبطال العدد المنصوص عليه.
قوله رَحِمه الله: ((والحديث بإطلاقه حجة على الشافعي في تخصيص الفرائض، والنوافل بمكة))،
وفي بعض نسخ الهداية لم يذكر الفرائض وفي بعضها لم يذكر النوافل والصحيح من الرواية أن يذكر الفرائض (والنوافل كما ذكرت).
فإن عند الشافعي رحمه الله يجوز الفرائض (في هذه) الأوقات في جميع الأمكنة دون النوافل، وفي مكة يجوز عنده الفرائض والنوافل فإن شمس الأئمة السّرخسيّ رَحِمه الله ذكر في المبسوط حديث عقبة بن عامر - رضي الله عنه - وغيره من الأحاديث ثم قال: والأمكنة في هذا النهي سواء عندنا لعموم الآثار، وقال الشافعي لا بأس بالصلاة في هذه الأوقات بمكة لحديث روي في النهي إلا بمكة ولم يثبت هذه الزيادة عندنا؛ لأنّها شاذة فلا يعارض المشاهير وعن أبي يوسف أنه قال: لا بأس بالصلاة وقت الزوال يوم الجمعة، وقد روى شاذا إلا يوم الجمعة وبه أخذ أبو يوسف، وقال للناس بلوى في تحية المسجد عند الزوال يوم الجمعة والآثار التي روينا توجب الكراهة في الكل ثم قال: وفي هذه الأوقات الثلاثة لا يؤدي الفرائض عندنا، وقال الشافعي النهي عن أداء النوافل فأما الفرائض فلا بأس بأدائها في هذه الأوقات لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فإن ذلك وقتها»، وهو مطلق.
ولنا: حديث ليلة التعريس: فإنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - لما نزل آخر الليل قال: «من يكلؤنا الليلة؟ قال بلال: أنا، فناموا فما أيقظهم إلا حر الشمس وفي رواية: انتبهوا وقد بدأ حاجب الشمس فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لبلال أين ما وعدتنا قال: ذهب بنفسي الذي ذهب بنفوسكم فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أرواحنا بيد الله وأمرهم وانتقلوا من ذلك الوادي ثم نزلوا، فأوتر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم أذن بلال فصلى ركعتي الفجر ثم أقام فصلى بهم الفجر» وإنما انتقلوا من ذلك الوادي؛ لأنّه تشأم به والأصح أنه أراد أن يرتفع الشمس فلو جاز قضاء المكتوبة في حال طلوع الشمس، لما أخر بعد الانتباه والآثار المروية في النهي عامة في جنس الصلوات.
قوله رَحِمه الله: ((ولا سجدة تلاوة))؛ لأنّها في معنى الصلاة (يعني لما كانت في معنى الصلاة) فكانت داخلة تحت النهي عن الصلاة في قوله: ثلاث أوقات نهانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يصلي فيها.
فإن قلت: لم يلحق سجدة التلاوة بالصلاة في قوله - صلى الله عليه وسلم -: «ألا من ضحك منكم قهقهة فليعد الوضوء والصلاة جميعا»، حتى لا ينتقض وضوءه بالقهقهة في سجدة التلاوة مع أنّ الصلاة محلى بالألف واللام وههنا غير محلى بهما فكيف تناولهما اسم الصلاة.
قلت: عدم الإلحاق هناك باعتبار أن اللام في قوله: فليعِد الوضوء والصلاة جميعا، للعهد؛ لأنّه إنما يعيد الصلاة والتي وجدت فيها القهقهة لا جنس الصلاة والصلاة المعهودة كانت ذات التحريمة والركوع والسجود فلا يتناول السجود مجردًا من غير تحريمة وأما ههنا النهي عن الصلاة في هذه الأوقات لكيلا تقع التشبه بالصلاة بمن يعبد الشمس وبالسجود يحصل التشبه بهم أيضًا فيكره السجود كذلك، كذا ذكره شمس الأئمة السّرخسيّ رَحِمه الله، وإذا كان كذلك فقد أداها كما وجبت يعني ولما كان السبب هو الجزء القائم من الوقت وذلك الجزء القائم من الوقت ناقص؛ لأنّه آخر وقت العصر؛ لأن الكلام فيه وهو وقت احمرار الشمس فكان أداء صلاة ذلك الوقت ناقصا أيضًا؛ لأن سبب الأداء هو الجزء القائم وهو ناقص فكانت نتيجة وهي الأداء ناقصاً أيضًا؛ لأن الحكم يثبت على حسب ثبوت السبب، وإذا كان كذلك يقضي حق السبب الناقص بالأداء الناقص؛ لأن ذلك كفاء حقه بخلاف غيرها من الصلوات حيث لا تؤدّى في ذلك الوقت؛ لأن تلك الصلوات وجبت كاملة فلا تؤدى في الوقت الناقص.
فإن قلت: هذا التقرير يقتضي أن يجوز قضاء العصر الفائتة في هذا الوقت؛ لأن السببية لما انتقلت إلى آخر الوقت وآخره في العصر ناقص فكانت متقررة في ذمته بصفة النقصان لنقصان سببه وهو آخر وقت العصر فكان قضاؤها في هذا الوقت قضاء للصلاة كما وجبت فينبغي أن يجوز كما لو أدى عصر يومه في ذلك الوقت والدليل على صحة هذا الإشكال هو أن من شرع في صلاة التطوع عند الزوال ثم أفسدها وقضاها عند الغروب أجزأه عندنا خلافا لزفر رَحِمه الله؛ لأنّه قضاها كما وجبت بصفة النقصان.
والرواية في نوادر صلاة المبسوط وكذلك في سجدة التلاوة لو قرأها وقت الزوال وقضاها وقت الغروب أو الطلوع أجزاه.
قلت: قد أجاب شيخ الإسلام رَحِمه الله في مبسوطه عن هذا الإشكال فقال: إنما يضيف الوجوب إلى آخر الوقت ما دام الوقت باقيًا ضرورة أن يكون الفعل أداء وإنما يتحقق هذه الضرورة ما دام الوقت باقيا؛ لأنّه لو لم يكن كذلك يلزم إما أن يتقدم الحكم على السبب؛ لأن بعض السبب ليس بسبب، وإما أن يتأخر الأداء بعد مضي الوقت فكان قضاء لا أداء فلذلك أضفنا الوجوب إلى الجزء القائم عند بقاء الوقت (وجعلنا ما مضى كانه ليس بسبب أصلا فأما إذا وجب الوقت) فقد زالت الضرورة فأضفنا الوجوب إلى الجزء الذي لا نقصان فيه وإذا أضيف إلى ما لا نقصان فيه كان ما وجب عليه كاملا فلا يتأدّى بالناقص فكذلك ههنا، وأما شروع التطوع في الوقت الناقص لم يكن له سبب كامل قبل الشروع حتى يضيف إلى ذلك السبب بعد الإفساد فكان قضاؤه في وقت آخر مثله كان قضاء الشيء كما وجب فيجوز كما لو مضى عليه وقت الشروع وهو وقت ناقص وكذلك في سجدة التلاوة فإنها ليست بقضاء بل هي أداء في كل وقت يؤديها؛ لأنّها ليست بمؤقتة ففي أي وقت يؤديها كان أداء في مثل ذلك الوقت الذي وجد سببها أو أكمل من ذلك الوقت فيجوز كما لو أداها في ذلك الوقت،
وذكر في الإيضاح: وإنما جاز أداء العصر؛ لأن معنى الكراهة يظهر في حق القضاء لا في حق الأداء؛ لأن الأداء أبدا يكون لحق الوقت القائم للحال ألا يرى أنه لو أدرك الصبي أو طهرت الحائض أو أسلم الكافر في هذا الوقت لزمهم فرض الوقت، وإنما الكراهة في التأخير إلى هذا الوقت ولهذا قلنا: لو غربت الشمس في خلال الصلاة أتمها؛ لأن ما وجد قبل الغروب وقع أداء ولا كراهة في الأداء وما بعد الغروب وقع قضاء ولا كراهة في وقت القضاء بخلاف طلوع الفجر حيث يفسد صلاته؛ لأن ما بعد الطلوع وقت القضاء وهو وقت مكروه فلا يتأدى به الواجب.
وفي المبسوط: ((وعن أبي يوسف رحِمهُ الله أن صلاة الفجر لا يفسد بطلوع الشمس ولكنه يصير حتى إذا ارتفعت الشمس أتم صلاته وكأنه استحسن هذا ليكون مؤديا بعض الصلاة في الوقت ولو أفسدها كان مؤديا جميع الصلاة خارج الوقت وأداء بعض الصلاة في الوقت أولى من أداء الكل خارج الوقت)).
قوله -رَحِمه الله-: ((والمراد بالنفي المذكور في صلاة الجنازة وسجدة التلاوة و هو الكراهة)) يعني به نفي عدم الجواز بخلاف الفرائض في هذه الأوقات الثلاثة سوى عصر يومه فإنّ قوله لا يجوز الصلاة عند طلوع الشمس إلى آخره في حق الفرائض مجري على حقيقة عدم الجواز.
أما التطوعات في هذه الأوقات الثلاثة فإنه إذا شرع فيها يجب عليه أن يقطعها ويقضيها في وقت آخر في ظاهر الرواية كذا في الإيضاح، وفتاوى قاضي خان وغيرهما لكن و ذكر في الإيضاح فالأفضل أن يقطع، وأما لو مضى على ذلك، فهل يخرج عما وجب عليه بالشروع؟ فقد ذكر في نوادر صلاة المبسوط: (يخرج به عما وجب عليه بالشروع فلا يجب عليه شيء سواه وكذلك لو قطعها واداها في وقت آخر مكروه مثله، يجوز عندنا، خلافا لزفر رَحِمه الله، وذكر في الزاد: أراد بقوله لا يجوز الصلاة عند طلوع الشمس إلى آخره قضاء الفرائض والواجبات الفائتة عن أوقاتها، كسجدة التلاوة التي وجبت بالتلاوة، وفي وقت غير مكروه أو الوتر الذي فات عن الوقت، فأما أداء التطوعات في هذه الأوقات يجوز مع الكراهة)، وكذلك ذكر في شرح الطحاوي.
وقال الكرخي: يجوز وأحب إلينا أن يعيد.
وفي المحيط: ولو أوجب على نفسه صلاة في هذه الأوقات، فالأفضل له أن يصلي في وقت مباح، ولو صلى في هذا الوقت سقط عنه، ثم ذكره -هنا- جواز صلاة الجنازة في هذه الأوقات مع الكراهة كما ترى.
وذكر في تحفة الفقهاء: (أنّ الأفضل في صلاة الجنازة أن يؤديها ولا يُؤَخّرها لقوله - عليه السلام -: «ثلاثة لا يُؤَخّرن منها الجنازة إذا حضرت»، وفيها أيضا: وكذا سجدة التلاوة، فإنّه إنما يكره في هذه الأوقات فيما إذا كانت التلاوة في غير هذه الأوقات، فأما لو تلا في وقت مكروه وسجدها فيه جاز من غير كراهة، ثم اختلفوا في قدر الوقت الذي يباح فيه الصلاة بعد الطلوع قالفي الأصل: إذا طلعت حتى ارتفعت قدر رمح أو رمحين يباح الصلاة، وكان الشيخ الجليل أبو بكر محمد بن الفضل رحمه الله يقول: ما دام الإنسان يقدر على النظر إلى قرص الشمس، فالشمس في الطلوع لا يباح فيه الصلاة، فإذا عجز عن النظر يباح فيه الصلاة، و قال الفقيه أبو جعفر السفكردري -رحمه الله-: لو يؤتى بطشت ويوضع في أرض مستوية فما دامت الشمس تقع في حيطانه فهي في الطلوع فلا تحل الصلاة، وإذا وقعت في وسطه قد طلعت وحلت الصلاة، كذا في المحيط.
قوله رَحِمه الله: ((ولا بأس بأن يصلي في هذين الوقتين الفوائت)).
فإن قلت: كم من كراهة ثبتت في حق الفرائض دون النوافل، كتكرار السورة في ركعة واحدة، والاعتماد على حائط أو أسطوانة من غير عذر والتربع، أما على وجه التكبر وهو على وفاق القياس أيضًا لأن ما له خطر في أمره وعظمة في شأنه تضاف عن وصمة النقصان وفي الكراهة ذلك وههنا انقلب الأمر فما وجهه؟
قلت: وجهه ما ذكر في الكتاب بقوله؛ لأن الكراهة كانت لحق الفرض إلى آخره، وتفسيره هو أن الفوائت في الأوقات الثلاثة إنما لا يجوز لمعنى في الأوقات، وهو أن الشمس إذا طلعت تطلع ومعها قرن الشيطان، فإذا ارتفعت فارقها (وإذا استوت قارنها فإذا زالت فارقها) وإذا دنت للغروب قارنها، وإذا غربت فارقها فلذلك أثر ذلك النقصان المتمكن في الوقت في حق الفرائض والنوافل.
وأما النهي الوارد في هذين الوقتين فلم يكن لمعنى اتصل بالوقت، وإنما نهى عن صلاة النفل لإقامة ما هو أولى من النفل، وهو مراعاة الوقت مشغولا بالفرض بما بقى من الوقت كأنه في الصلاة بعد مراعاة جعل الوقت مشغولا بالفرض أولى من إقامة النفل، فإذا صرفه إلى النفل وهو دون الفرض كره له.
فأما الوقت فخال عما يوجب النقصان، فلما نوى القضاء في هذين الوقتين فقد صرفه إلى مثله، فيجوز، ألا يرى أنه يؤدي فرض الوقت فيهما، فكذلك سائر الفرائض.
وأما ما ذكر من عدم كراهة الاعتماد على الحائط في التطوع وكراهته في الفرائض وغيره من المسائل، فلما أن النوافل غير مقدرة فدخلت الرخصة في أوصافها لئلا ينقطع عن أداء النوافل وهو خير موضوع مستدام، فلذلك جاز أداؤها قاعداً مع قدرته على القيام [60 - ب] بخلاف الفرائض، هذا حاصل ما ذكره شيخ الإسلام رَحِمه الله.
قوله رحِمهُ الله: ((لأنّه تعلق وجوبه بسبب من جهته)) أي: من جهة النادر ورجع إليه الضمير من غير سبق ذكره لما أن المنذور يدل عليه وقد سبق ذكر المنذور يعني لما كان وجوب المنذور بسبب من جهة الناذر لا من جهة الشرع جعل كالتطوع المبتدأ فيؤثر في المنذور أيضًا؛ لأنّه مثل التطوع المبتدأ من حيث أن كلا منهما من جهة العباد، بخلاف صلاة الجنازة وسجدة التلاوة.
قوله: ((وفي حق ركعتي الطواف)) إلى أن قال: ((لأن الوجوب لغيره وهو ختم الطواف)).
فإن قلت: ركعتا الطواف واجب عندنا على ما يجيء في كتاب الحج إن شاء الله تعالى، فوجوبه من جهة الشرع بعد الطواف كوجوب سجدة التلاوة بعد التلاوة، فينبغي أن يؤتي بهما كسجدة التلاوة في هذين الوقتين، وعذره بأن الوجوب لختم الطواف ينتقض بسجدة التلاوة، فإن وجوبها للتلاوة وهي فعله -أيضا- بل أولى لما أن التلاوة ليست من جنس الواجبات (والطواف من جنس الواجبات) بل من جنس الفرائض؟
قلت: نعم كذلك إلا أنّا عرفنا كراهة ركعتي الطواف في هذين الوقتين بالأثر وهو ما ذكر في المبسوط: ((روي أن عمر - رضي الله عنه - طاف بالبيت أسبوعا بعد صلاة الفجر، ثم خرج من مكة حتى إذا كان بذي طُوىً فطلعت الشمس صلى ركعتين فقال: ركعتان مكان ركعتين فقد أخر ركعتي الطواف إلى ما بعد طلوع الشمس))، هذا الذي ذكرنا في حق ركعتي الطواف مذهبنا، وعند الشافعي يجوز في هذين الوقتين ما له سبب كركعتي الفجر وركعتي الطواف وتحية المسجد، واستدل بقوله - عليه السلام -: «إذا دخل أحدكم المسجد فليحيه بركعتين»، مطلق وكذلك يروى في غيره من الأحاديث.
قلنا: ذلك كان قبل النهي؛ فإنّ حديث النهي ثبت برواية كبار الصحابة - رضي الله عنهم - في آخر الدهر، وذكر شيخ الإسلام في مبسوط أن الصلاة في الابتداء كانت مباحة وقت طلوع الشمس، ثم نهى من بعده، ويكره أن يتنفل بعد طلوع الفجر بأكثر من ركعتي الفجر، قال شيخ الإسلام رَحِمه الله: والنهي فيه عما سوى ركعتي الفجر لحق ركعتي الفجر لا لخلل في الوقت؛ فإن الوقت متعين كركعتي الفجر، حتى لو نوى تطوعا كان عن ركعتي الفجر، فقد منع عن تطوع آخر دونه، ليبقى جميع الوقت كالمشغول بركعتي الفجر مراعاة لحقه ولكن الفرض الآخر فوق ركعتي الفجر، فجاز أن يصرف الوقت إليه، بخلاف الأوقات الثلاثة، فإن النهي لخلل فيها، فحينئذٍ كان مشروع الوقت ناقصا، فلا يتأدى به الكامل، وذكر المصنّف رَحِمه الله في التجنيس من أراد أن يصلي تطوعا في آخر الليل فلما صلى ركعة طلع الفجر كان الإتمام أفضل؛ لأنّه وقع في صلاة التطوع بعد الفجر لا على قصد فكان الإتمام أفضل؛ لما فيه من تأخير المغرب، فإن المبادرة إلى أداء المغرب مستحب، فكان النهي لئلا يكون شاغلا عن أداء المغرب لا لمعنى في الوقت، فكان كالنهي عن التنفل في المسجد والقوم في الجماعة، وكذلك التنفل بعد خروج الإمام يكره لئلا يتشاغل عن سماع الخطبة لا لمعنى في الوقت كذا في الإيضاح.
وحاصله: أن الأوقات التي يكره فيها الصلاة اثنا عشر، فثلاثة منها يكره الصلاة فيها لمعنى في الوقت، وهي وقت الطلوع والغروب والاستواء، فلذلك يكره فيها جنس الصلوات فرضاً ونفلا، والبواقي لمعنى في غير الوقت، فلذلك أثر في النوافل، وما هو في معنى النوافل، كما في الفرائض وتلك البواقي تسعة هي: بعد طلوع الفجر، وبعد الفريضة قبل طلوع الشمس، وبعد صلاة العصر قبل التغير، وبعد غروب الشمس قبل صلاة المغرب، وعند الخطبة يوم الجمعة، وعند الإقامة يوم الجمعة، وعند خطبة العيدين، وعند خطبة الكسوف، وعند خطبة الاستسقاء، كذا في فتاوى قاضي خان، والتحفة، لكن لفظ التحفة بالكراهة، ولفظ فتاوى قاضي خان ب "لا يجوز".
والله أعلم.
باب الأذان
لما ذكر أوقات الصلاة التي هي أسباب وجوب الصلوات، وهي في الحقيقة إعلام للوجوب (لما أن) الوجوب في الحقيقة مضاف إلى إيجاب الله تعالى لكن ذلك غيب عنا، فأقام الله تعالى برأفته الكاملة ورحمته الشاملة الأسباب الطاهرة إعلاما على إيجابه العيني ذكر الأذان الذي [61 - أ] هو إعلام لتلك الأعلام متناسبًا من حيث الأعلام، وقدم ذكر الأوقات على ذكر الأذان لما أن في الأوقات معنى السببية في حق العباد، والسبب مقدم على العلامة لقوته ولأن الإعلام إخبار عن وجود العلم فلا بد للإخبار من سابقة وجود المخبر به، ولأن أثر الأول في حق الخواص؛ لأنّ العلماء هم الذين أدركوا أن الأوقات في الحقيقة إعلام، وأثر الثاني في حق العوام، والخاص مقدم؛ لأنّه ينبئ عن الانفراد أو لأنه جزوي أو لزيادة مرتبة العلماء فقدم ما اختص بهم.
ثم الكلام ههنا في مواضع في تفسيره لغة وشريعة وفي سببه وفي وصفه وفي كيفيته وفي سننه وفي المحل الذي شرع هو فيه وفي وقته وفيما يجب على السامعين عند الأذان.
أما الأول: فإن الأذان لغة الإعلام قال الله تعالى: {وأذان من الله ورسوله} أي: إعلام وقال الحارث ابن حلزة:
آذنتنا ببينها أسماء ........ رب ويمل منه الثواء
أي أعلمنا.
وفي الشريعة: عبارة عن إعلام مخصوص في أوقات مخصوصة.
وأما سببه: فعلى نوعين: سبب في الابتداء، وهو سبب الثبوت وسبب في البقاء، فأما سبب الثبوت فقد ذكره في المبسوط وهو ما روى أبو حنيفة رَحِمه الله عن علقمة بن مرثد عن ابن بريدة عن أبيه - رضي الله عنه - قال: «مرّ أنصاري بالنبي - عليه السلام - فرآه حزينا وكان الرجل ذا طعام فرجع إلى بيته واهتم لحزنه فلم يتناول الطعام ولكن نام فاتاه آت فقال: أتعلم حزن رسول الله - عليه السلام - فماذا هو من هذا الناقوس فمره فليعلم بلالا الأذان» وذكره إلى آخره والمشهور انه - صلى الله عليه وسلم - لما قدم المدينة كان يُؤَخّر الصلاة تارة ويعجلها أخرى فاستشار الصحابة في علامة يعرفون بها وقت أدائه الصلاة لكيلا يفوتهم الجماعة.
فقال بعضهم: ننصب راية حتى إذا رآها الناس آذن بعضهم بعضا فلم يعجبه ذلك، وأشار بعضهم بضرب الناقوس فكرهه لأجل النصارى، وبعضهم بالنفخ في الشبور فكرهه لأجل اليهود، وبعضهم بالإيقاد فكرهه لأجل المجوس فتفرقوا قبل ان يجتمعوا على شيء قال عبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاري - رضي الله عنه - فبتّ لا يأخذني النوم وكنت بين النائم واليقظان إذا رأيت شخصًا نزل من السماء وعليه ثوبان اخضران وفي يده شبه الناقوس. فقلت: اتبعني هذا فقال ما تصنع به فقلت: نضربه عند صلاتنا فقال: ألا أدلك على ما هو خير من هذا فقلت: نعم فقام على جذم حائط مستقبل القبلة فأذن ثم مكث هنيهة ثم قام فقال مثل مقالته الأولى وزاد في آخره قد قامت الصلاة مرتين فأتيت رسول الله - عليه السلام - وأخبرته بذلك فقال: رؤيا صادقة أو حق ألقها على بلال فإنه أمد صوتا منك فألقيتها عليه فقام على سطح أرملة كان اعلى سطوح بالمدينة وجعل يؤذن فجاء عمر - رضي الله عنه - في إزار وهو يهرول ويقول لقد طاف بي الليلة ما طاف بعبد الله إلا أنه قد سبقني فقال - صلى الله عليه وسلم - هذا أثبت.
ورُوي (أن سبعة من الصحابة رأوا تلك الرؤيا في ليلة واحدة) وكان أبو جعفر محمد بن علي رحمه الله ينكر هذا ويقول: تعمدون إلى ما هو من معالم الدين فيقولون ثبت بالرؤيا كلا ولكن النبي - عليه السلام - حين أسري به إلى المسجد الأقصى وجمع له النبيون صلوات الله عليهم أذن ملك وأقام وصلى بهم رسول الله - عليه السلام - وقيل: «نزل به جبريل - عليه السلام - على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى قال كثير بن مرة أذن جبريل في السماء فسمعه عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -» ولا منافاة بين هذه الأسباب فيجعل كل ذلك كذا في المبسوط.
وأما سببه في البقاء دخول وقت الصلاة المكتوبة.
وأما وصفه فقال بعضهم أنه يوصف بالوجوب لما روى عن محمد رَحِمه الله: لو أن أهل بلدة من بلاد الإسلام إذا تركوا الأذان والإقامة فإنه يجب القتال معهم، وإنما يقاتل على ترك الواجب دون السنة وعامة مشايخنا قالوا: إنهما سنتان مؤكدتان، كذا في التحفة، وذكر في المحيط: (قال أبو يوسف إذا امتنعوا عن إقامة الفرض نحو صلاة الجمعة وسائر الفرائض وأداء الزكاة يقاتلون ولو امتنع واحد ضربته).
وأما السنن نحو: صلاة العيد وصلاة الجماعة والأذان فإني آمرهم واضربهم ولا أقاتلهم ليقع التفرقة بين الفرائض والسنن ومحمد يقول: الأذان [61 - ب] وصلاة العيد ونحو ذلك، وإن كانت من السنن إلا أنها من أعلام الدين والإصرار على تركها استخفاق بالدين فيقاتلون على ذلك وقد نقل عن مكحول أنه قال: السنة سنتان سنة أخذها هدى وتركها لا بأس به وسنة أخذها هدى وتركها ضلالة كالأذان والإقامة وصلاة العيد والجماعة يقاتلون على الضلالة إلا أن الواحد إذا ترك ذلك يضرب ويحبس لتركه سنة مؤكدة ولا يقاتل؛ لأن فعله لا يؤدي إلى الاستخفاق بالدين، فوقع اختيار القدوري، وصاحب الهداية على ما عليه العامة فقالا: الأذان سنة للصلوات الخمس والجمعة، ثم جاز أن يكون تخصيص الجمعة لإزالة وهم من يهم بأن لا أذان لها كصلاة العيدين بجامع أنهما متعلقان بالإمام والمصر الجامع، وإلا فهي داخلة تحت الخمس أو لما تغير لها بعض الأوصاف من اوصاف الخمس جاز أن يتغير لأجلها صفة الأذان.
وأما بيان كيفيته فهو قوله وصفة الأذان معروفة إلى آخره، وذكر في المبسوط: (ثم تختلفون في الأذان في ثلاثة مواضع:
أحدها: في الترجيع فإنه ليس من سنة الأذان عندنا خلافا للشافعي، واحتج بحديث أبي محذورة - رضي الله عنه - وبقياس التكبير فكما أنه يأتي بلفظ التكبير أربع مرات فكذلك بكلمة الشهادتين).
ولنا: حديث عبد الله بن زيد - رضي الله عنه - فهو الأصل وليس فيه ذكر الترجيع؛ ولأن المقصود من الأذان قوله: حي على الصلاة حي على الفلاح ولا ترجيع في هاتين الكلمتين ففيما سواهما أولى.
وأما لفظه التكبير: فدليلنا فإن ذكر التكبير مرتين لما كان بصوتٍ واحد فهو كلمة واحدة، وأما حديث أبي محذورة قلنا: إن رسول الله - عليه السلام - أمر بالتكرار حالة التعليم ليحسن تعلمه وهو كان عادته فيما يعلم أصحابه فظن أنه أمره بالترجيع.
وذكر في الأسرار أن النبي - عليه السلام - أمره بذلك لحكمة رويت في قصته وهي أن أبا محذورة كان يبغض رسول الله قبل الإسلام أشد البغض فلما أسلم أمره رسول الله - عليه السلام - بالأذان فلما بلغ كلمات الشهادة خفض صوته حياء من قومه فدعاه رسول الله - عليه السلام - وعرك أذنه وقال له أرجع وامدد بها صوتك أما ليعلمه أنه لا حياء من الحق أو ليزيد محبة للرسول بتكرار كلمات الشهادة.
والثاني: في التكبير عندنا أربع تكبيرات بصوتين وعند مالك مرتين وهو رواية عن أبي يوسف قاسه بكلمة الشهادتين يأتي بهما مرتين.
ولنا: حديث عبد الله بن زيد، وحديث أبي محذورة في الأذان تسع عشر كلمة وأن يكون ذلك إذا كان التكبير فيه مرتين.
والثالث: أن آخر الأذان لا إله إلا الله وعلى قول أهل المدينة لا إله إلا الله والله أكبر فاعتبروا آخره بأوله والاعتماد في مثله على المشهور وهو حديث عبد الله بن زيد وعلى ما توارثه الناس إلى يومنا هذا.
قوله رَحِمه الله: لأن بلالًا - رضي الله عنه - قال: الصلاة خير من النوم حين وجد النبي - عليه السلام - راقدا رويَ «أن بلالا أذن لصلاة الفجر ثم جاء إلى باب حجرة عائشة رضي الله عنها فقال: الصلاة يا رسول الله فقالت عائشة: الرسول نائم، فقال بلال: الصلاة خير من النوم فلما أنتبه أخبرته عائشة رضي الله عنها بذلك فاستحسنه رسول الله - عليه السلام - وقال له: اجعله في أذانك» كذا في المبسوطين.
قوله رحِمَه الله: ((هو حجة على الشافعي رحمه الله في قوله: إنه فرادى)) واستدل هو بحديث أنس رضي الله عنه ان النبي - عليه السلام - أمر بلالًا أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة.
ولنا: حديث عبد الله بن زيد كما بينا، ومرّ علي - رضي الله عنه - بمؤذن يوتر الإقامة فقال: اشفعها لا أم لك ومعنى حديث أنس أنه عليه السلام أمر بلالًا أن يؤذن بصوتين ويقيم بصوت واحد بدليل أن في الإقامة قول قد قامت الصلاة وهو مشفوع كلمة يوتر صوتًا كذا في الأسرار والمبسوط.
وأما بيان سنته، فهو قوله: ويترسل في الأذان، ويحدد في الإقامة لما أن السنن فيه نوعان:
أحدهما: يرجع إلى نفس الأذان.
والثاني: يرجع إلى صفات المؤذن.
أما السنن التي ترجع إلى نفس الأذان هي أن يأتي بالأذان والإقامة جهرًا رافعًا بهما صوته إلا أن الإقامة أخفض منها،
ومنها أن يفصل بين كلمتي الأذان بسكتة ويطولها من غير تطريب وهو [62 - أ] المراد بالترسل مأخوذ من قولهم: على رسلك أي ابتداء وترسل في قراءته إذا تمهل فيها ويوقر ولا يفصل بين كلمتي الإقامة بل يجعلها كلامًا واحدًا وهو المراد بالحدر وهو السرعة، ومنها: أن يرتب بين كلمات الأذان والإقامة كما شرع حتى إذا قدم البعض وأخر البعض فالأفضل أن يعيد مراعاة للترتيب وأن يوالي بين كلمات الأذان والإقامة حتى لو ترك الموالاة فالسنة أن يعيد الأذان يأتي بهما مستقبل القبلة إلا في الصلاة والفلاح على ما يجئ.
وإما السنن التي ترجع إلى صفات المؤذن فينبغي أن يكون رجلًا عاقلًا صالحًا تقيًا عالمًا بالسنة بأوقات الصلاة؛ فإن أذان الصبي العاقل صحيح من غير كراهة في ظاهر الرواية ولكن أذان البالغ أفضل، وأما أذان الصبي الذي لا يعقل: لا يجوز، ويعاد، وكذا المجنون والسكران، كذا في التحفة.
ويحول وجهه للصلاة والفلاح ومن الناس من يقول إذا كان يصلي وحده لا يحول وجهه؛ لأنّه لا حاجة إلا الإعلام ههنا وهو قول شمس الأئمة الحَلَواني -رَحمَه الله-، والصحيح أنه يحول على كل حال؛ لأنّه صار سنة الأذان فيؤتي به على كل حال حتى قالوا في الذي يؤذن للمولود ينبغي أن يحول وجهه يمنة ويسرة عندنا بين الكلمتين، كذا في المحيط.
ثم لم يذكر في الكتاب أن تحويل الوجه في الحيلة مخصوص بالأذان دون الإقامة أو يأتي به فيهما وذكر الإمام التمرتاشي -رَحِمه- الله فقال: وفي البستان لا يحول في الإقامة إلا لأناس ينتظرون الإقامة.
قوله -رَحِمه الله-: ((لأنّه خطاب للقوم فيواجههم)) فإن قيل: لو كان تحويل الوجه يمينا وشمالًا لأجل خطاب القوم لحول وراءه أيضًا؛ لأن القوم كما يكونون فيهما كذلك يكونون في القدام والوراء فحينئذ يجب تحويل الوجه إلى الجهات الأربع؟
قلنا: إما قدامه فقد حصل ضرب من الإعلام بالتكبير والشهادتين في حق تلك الجهة ولا تحول وجهه وراء أيضًا؛ لما فيه من استدبار القبلة فيما هو دعاء إلى التوجه إليها فاكتفى فيه بنوع ما يحصل لهم من بلوغ الصوت عند تحويل وجهه يمينا وشمالا، كذا في الفوائد الظهيرية.
قوله: ((وإن لم يفعل فحسن)) أي: الأذان حسن لا ترك الفعل لأن ذلك الفعل وإن لم يكن من السنن الأصلية لكنه فعل أمر به النبي - عليه السلام - بلالًا فلا يليق أن يوصف تركه بالحسن ولكن لما لم يكن ذلك من السنن الأصلية لم يؤثر زوال ذلك الفعل في زوال الحسن والمتمكن في نفس الأذان الذي هو من سنن الهدى فكان معناه أن الأذان بذلك الفعل أحسن ويتركه حسن وإسناد الحسن إلى الأذان مذكور في الفوائد الظهيرية، قال الشيخ رَحِمه الله: نظير هذا ما قال النبي - عليه السلام - لعمار: ((إن عادوا فعُد)) أي: إن عادوا إلى الإكراه فعد إلى تخليص نفسك، لا لسبب النبي - عليه السلام -، يعني به نظيره من حيث إن العدول بالضمير من الظاهر إلى مدلول الظاهر لينوه المعنى في الرد إلى الظاهر.
قوله: لأنّها ليست بسنة أصلية؛ لأنّه لم يذكر في حديث عبد الله بن زيد وهو الأصل وإنما كان لإقامة سنة الصوت ألا يرى إلى قوله - عليه السلام - حين أمره علل فقال: «إنه أندى لصوتك».
قوله: ((وكره في سائر الصلوات)) لما روى أن عليا - رضي الله عنه - رأى مؤذنًا يثوب في العشاء فقال: اخرجوا هذا المبتدع من المسجد، ولحديث مجاهد قال: «دخلت مع ابن عمر رضي الله عنهما مسجدًا فصلى فيه الظهر فسمع المؤذن يثوب فغضب وقال قم حتى يخرج من عند هذا المبتدع فما كان التثويب على عهد رسول الله - عليه السلام - إلا في صلاة الفجر»؛ ولأنّ صلاة الفجر تؤدّى في حال نوم الناس ولهذا خصّت بالتطويل في القراءة، فخصت أيضًا بالتثويب في أذانها لكيلا يفوت الناس الجماعة وهذا المعنى لا يوجد في غيرها كذا في المبسوط.
قوله معناه العود إلى الإعلام أي معنى التثويب فجعل المطرزي أصل التثويب من الثوب الذي يلبسه الناس فقال: لأن الرجل كان إذا جاء مستصرخًا إلى آخر أي مستغيثا لمع بثوبه أي حركة رافعًا به يده ليراه المستغاث فيكون ذلك دعاء له وإنذارًا ثم كبر حتى سمي الدعاء تثويبًا فقيل ثوب الداعي، وقيل: هو ترديد الدعاء تفعيل من ثاب يثوب إذا رجع.
وفي المبسوط: أما معنى التثويب لغة فالرجوع ومنه سمي الثواب؛ لأن منفعة عمله تعود إليه ويقال ثاب إلى المريض نفسه إذا برأ فهو عود إلى الإعلام بعد الأعلام الأول، وهو على حسب [62 - ب] ما تعارفوه، والتثويب في كل بلدة على ما يتعارفونه إما بالتنحنح أو بقوله الصلاة الصلاة أو بقوله: قامت قامت؛ لأنّه للمبالغة في الإعلام، وإنما يحصل ذلك بما يتعارفونه كذا في المبسوط.
قوله رَحِمه الله: ((وهذا تثويب أحدثه علماء الكوفة)) إشارة إلى قوله: حي على الصلاة حي على الفلاح، مرتين بين الأذان والإقامة.
قلت: لم يذكر في الكتاب أن اسم الإحداث في هذا التثويب المقيد باعتبار تغيير اللفظ بأن كان في الأول لفظ في التثويب فجعل علماء الكوفة لفظا آخر مكان ذلك اللفظ أو باعتبار تغير المكان بأن كان في القديم في مكان فجعلوه في مكان آخر، وإشارة التثويب إلى قوله: حي على الصلاة حي على الفلاح مرتين بين الأذان والإقامة يحتملهما فذكر صاحب المحيط بيانه فقال: قال محمد رَحِمه الله في الجامع الصغير: التثويب الذي يثوب الناس في الفجر بين الأذان والإقامة حي على الصلاة حي على الفلاح مرتين حسن وهذا هو التثويب المحدث ولم يبين التثويب القديم وذكر في الأصل كان التثويب الأول في صلاة الفجر بعد الأذان الصلاة خير من النوم فأحدث الناس هذا التثويب وهو حسن، ولم يبين المحدث بعض مشايخنا قالوا: أراد محمد -رَحِمه الله- بقوله في الأصل فأحدث الناس هذا التثويب أنهم أحدثوا مكان التثويب لا نفس التثويب فإن التثويب الأول في صلاة الفجر الصلاة خير من النوم بعد الأذان فالناس جعلوها في الأذان ولكن هذا مشكل فإن محمدا رحمه الله أضاف الإحداث إلى الناس وإدخال هذا التثويب في الأذان عن مضاف إلى الناس بل هو مضاف إلى بلال فإنه هو الذي أدخل هذا التثويب في الأذان ولكن بأمر رسول الله - عليه السلام - على ما روينا،
ومن المشايخ من قال: أراد بقوله فأحدث الناس هذا التثويب (أي نفس التثويب) فإن التثويب الأول: الصلاة خير من النوم، ثم إن التابعين وأهل الكوفة أحدثوا هذا التثويب وهو قوله حي على الفلاح مرتين بين الآذان والإقامة (حي الصلاة حي على الفلاح مرتين حسن وهذا هو التثويب المحدث ولم يبين التثويب القديم وذكر في الأصل كان التثويب الأول في صلاة الفجر بعد الأذان الصلاة خير من النوم فأحدث الناس هذا التثويب وهو حسن ولم يبين المحدث بعض مشايخنا قالوا: أراد محمد رحمه الله بقوله في الأصل فأحدث الناس هذا التثويب أنهم أحدثوا مكان التثويب لا نفس التثويب فإن التثويب الأول في صلاة الفجر الصلاة خير من النوم بعد الأذان فالناس جعلوها في الأذان ولكن هذا مشكل؛ فإن محمد رحمه الله أضاف الأحداث إلى الناس وإدخال هذا التثويب في الأذان عن مضاف إلى الناس بل هو مضاف إلى بلال فإنه هو الذي أدخل هذا التثويب في الأذان ولكن بأمر رسول الله عليه السلام على ما روينا.
ومن المشايخ من قال أراد بقوله فأحدث الناس هذا التثويب أي نفس التثويب فإن التثويب الأول الصلاة خير من النوم ثم أن التابعين وأهل الكوفة قد أحدثوا هذا التثويب وهو قول حي على الصلاة حي على الفلاح مرتين بين الأذان والإقامة) ولفظ الجامع الصغير يدل على هذا فإن لفظه التثويب الذي يثوب الناس في الفجر بين الأذان والإقامة حي على الصلاة حي على الفلاح مرتين حسن وهذا هو التثويب المحدث وروي عن أبي حنيفة رضي الله عنه أيضا ما يدل على صحة هذا القول؛ فإنه روي عنه أن التثويب الأول كان في صلاة الصبح ولم يكن في غيرها وكان ذلك الصلاة خير من النوم فأحدث الناس حي على الصلاة حي على الفلاح مرتين وهو حسن، كذا في المحيط، وذكر في الجامع الصغير لقاضي خان رحمه الله والتثويب القديم الصلاة خير من النوم في رواية الثلجي وأبي يوسف عن أصحابنا رحمهم الله في نفس الأذان والأصح أنه كان بعد الأذان لأن التثويب عبارة عن الرجوع والعود فالعود إنما يكون بعد الفراغ لما ذكرنا إشارة إلى قوله لأنه وقت نوم وغفلة.
قوله: ((والمتأخرون استحسنوه)) أي: استحسنوا التثويب المحدث الذي أحدثه علماء الكوفة وهو قوله: حي على الصلاة، حي على الفلاح، بين الأذان والإقامة في صلاة الفجر، ولكن لم يشترطوا عين ذلك اللفظ الذي هو حي على الصلاة، بل ذكروا ما تعارفوه من قولهم: الصلاة أو قامت قامت بين الأذان والإقامة في جميع الصلوات.
قلت: على هذا التقدير كان استحسان المتأخرين إحداثًا بعد إحداث فإنّ التثويب الأصلي كان الصلاة خير من النوم لا غير في أذان الفجر أو بعد أذان الفجر فأحدث علماء الكوفة حي على الصلاة حي على الفلاح بين الأذان والإقامة لكن في صلاة الفجر خاصة مع إبقاء الأول، وأحدث المتأخرون التثويب بين الأذان والإقامة على حسب ما تعارفوه في جميع الصلوات سوى صلاة المغرب مع إبقاء الأول وهو قوله الصلاة خير من النوم في أذان الفجر.
قوله: قال أبو يوسف -رحِمهُ الله-: لا أرى بأسا بأن يقول المؤذن للأمير إلى آخره، وفي المبسوط: وروى عن أبي يوسف -رحِمهُ الله- لو أنه لا بأس بأن يخص الأمير بالتثويب فيأتي فيقول السلام عليك أيها الأمير ورحمة الله وبركاته حي على الصلاة مرتين حي على الفلاح مرتين الصلاة يرحمك الله؛ لأن الأمراء لهم زيادة اهتمام بإشغال المسلمين ورغبة في الصلاة بالجماعة [63 - أ] فلا بأس بأن يخصوا بالتثويب.
وقد رُوِى أنّ عمر - رضي الله عنه - لما كثر اشتغاله نصب من يحفظ عليه صلاته، غير أن محمدًا كره هذا وقال أما لأبي يوسف رحِمهُ الله حيث خص الأمراء بالذكر والتثويب لما أن عمر - رضي الله عنه - حين حج أتاه مؤذن مكة يؤذنه بالصلاة فانتهره وقال: ألم يكن في أذانك ما يكفينا.
وفي الجامع الصغير لقاضي خان: وإنما قال أبو يوسف ذلك في أمراء زمانه؛ لأنّهم كانوا مشغولين بالنظر في أمور الرعية فاستحسن زيادة الإعلام في حقهم ولا كذلك أمراء زماننا.
قوله: سواسية أي سواء يقول هما في هذا الأمر سواء، وإن شئت سواءان، وهم سواء للجميع وهم أسوأه وهم سواء أي أشباه على غير قياس مثل ثمانية كذا في الصحاح وعلى هذا القاضي والمفتي ومن يعمل للعامة لاشتغالهم بصالح المسلمين فأما إذا اشتغلوا بغير ذلك فلا إلا على سبيل الأمر بالمعروف، وقيل: لا ينبغي لأحد ان يقول لمن فوقه في العلم والجاه حان وقت الصلاة سوى المؤذن يعني أن له أن يقول ذلك؛ لأنّه استفصال كذا ذكره التمرتاشي ويجلس بين الأذان والإقامة إلا في المغرب، قال شمس الأئمة السّرخسيّ رَحِمه الله في شرح الجامع الصغير: أما في سائر الصلوات فلا خلاف أنه يكره للمؤذن أن يصل الإقامة بالأذان؛ لأن المقصود من الأذان إعلام الناس بدخول الوقت ليتأهبوا للصلاة بالطهارة ثم يحضروا المسجد لإقامة الصلاة ولا يحصل هذا المقصود إذا وصل الإقامة بالأذان ثم يفصل بينهما بالتطوع في الصلوات التي يتطوع قبل الفريضة مسنونا كان أو مستحبا لقوله - عليه السلام - بين كل أذانين صلاة ثلاثا، وقال للثالثة لمن شاء، والشافعي رحمه الله أخذ بظاهر الحديث فقال: يفصل بين الأذان والإقامة في صلاة المغرب بركعتين خفيفتين كما في سائر الصلاة.
وحاصل المذهب أن العلماء اتفقوا على أنه لا يصل الإقامة بالأذان في المغرب بل يفصل بينهما لكنهم اختلفوا في مقدار الفصل فعند أبي حنيفة رَحِمه الله المستحب أن يفصل بينهما بسكتة يسكت قائما ساعة ثم يقيم ومقدار السكتة عنده قدر ما يتمكن فيه من قراءة ثلاث آيات قصارا وآية طويلة، ورُوي عنه مقدار ما يخطوا ثلاث خطوات وعندهما يفصل بينهما بجلسة خفيفة مقدار الجلسة بين الخطبتين، وذكر الإمام الحَلَواني رَحمَه الله الخلاف في الأفضلية حتى أن عند أبي حنيفة: إن جلس جاز، والأفضل أن لا يجلس، وعندهما: على العكس ذكره الإمام التمرتاشي.
قوله: ((والفرق قد ذكرناه)) إشارة إلى قوله: إنّ التأخير مكروه بخلاف سائر الصلوات فإن التأخير فيها ليس بمكروه والاشتغال بالركعتين يؤدي إلى التأخير فلذلك لا يفصل بينهما وعن هذا قلنا أيضا ولا يتنفل بعد الغروب قبل الفرض لما فيه من تأخير المغرب.
وذكر الإمام المحبوبي رَحِمه الله والمراد من قوله - عليه السلام -: ((بين كل أذانين صلاة ما سوى المغرب))، ألا ترى أنه فسره في بعض الروايات فقال بين كل أذانين صلاة إلا المغرب.
قوله: (((وإن المستحب) كون المؤذن عالما بالسنة)) أي: بالأحكام الشرعية؛ لأن للأذان سنناً وآدابًا فلابد من العلم بها، وفي المبسوط: (أن الأذان ذكر معظم فيختار له من يكون محترمًا في الناس يتبرك به ولهذا قال: أحب إلي أن يكون المؤذن عالمًا بالسنة)، وفيه الحديث أن النبي - عليه السلام - قال: ((يؤمكم أقرأكم ويؤذن لكم خياركم))، وفي الفائق قال عمر - رضي الله عنه - لو أطيق الأذان مع الخليفي لأذنت) يعني مع الخلافة وقال المحبوبي ناقلًا عن شمس الأئمة السرخسي بعدما ذكر قول أبي يوسف: رأيت أبا حنيفة رَحِمه الله يؤذن، وهذا إشارة إلى أنه كان يباشر الأذان والإقامة بنفسه وهو الأحسن أن يكون المؤذن عالمًا إمامًا في الصلاة بخلاف ما يقوله بعض المتأخرين أن الأحسن للإمام أن يفوض الأذان والإقامة إلى غيره فإن النبي - عليه السلام - ما كان يباشر الأذان والإقامة بنفسه وقد كان إمامًا لهم في الصلاة قال شمس الأئمّة رَحِمه الله هذا و في حقنًا أذان الإمام بنفسه أولى لأنّ المؤذن يدعو إلى الله فمن يكون أعلى درجة منا فهو أولى الناس به فقد أذن رسول الله - عليه السلام - وأقام في بعض الأوقات حتى روي عن عقبة بن عامر قال: كنت مع رسول الله - عليه السلام - في سفر فلما زالت الشمس أذن وأقام وصلى الظهر.
قوله: ((وهو حجة على الشافعي رحمه الله في اكتفائه بالإقامة)) قال شيخ الإسلام: [63 - ب] رحمه الله هذا أحد قولي الشافعي.
وقال في قول: لا يؤذنون ولا يقيمون احتج بما روي أن رسول الله - عليه السلام - حين شغلهم الكفار عن أربع صلوات قضاهنّ بغير أذان و إقامة، وفي ليلة التعريس اكتفى بالإقامة؛ ولأنّ الأذان شرع لإعلام الناس بدخول الوقت وللدعاء إلى الاجتماع وكلا الأمرين لا يحتاج إليه في الفائتة؛ لأنّهم إن كانوا متفرقين فالدعاء إلى الاجتماع لا يفيد؛ لأنّهم لا يعرفون أنه للفائتة.
ولنا: ما روي من حديث ليلة التعريس: (أمر بلالاً - رضي الله عنه - بأن يؤذن، فأذّن وصلينا ركعتين ثم اقام فصلينا صلاة الفجر) وكذلك روى أصحاب الإملاء عن أبي يوسف -رحِمهُ الله- بإسناده إلى رسول الله - عليه السلام - حين شغلهم الكفار قضاهن بأذان وإقامة.
شرع للإعلام والدعاء إلى الاجتماع.
قلنا: شرع لهذا وشرع أيضًا لتحصيل الثواب بذكر هذه الكلمات ألا ترى أن المنفرد الأفضل له أن يؤذن ويقيم والمسافر كذلك وهو لا يحتاج إلى إعلام آخر بالوقت ولا إلى دعاء أحد ومع هذا يأتي لتحصيل الثواب بهذه الكلمات، وقال في المبسوط: هذا لا يتفاوت بين أن يكون واحدًا أو جماعة.
قوله رَحِمه الله: ((وكان مخيراً في الباقي إن شاء أذن وأقام وإن شاء اقتصر على الإقامة)).
فإن قلت: هذا التخيير يشكل على أصلنا المذكور في أصول الفقه وهو أن الرفق إذا كان متعينا في أحد الجانبين لا يخير العبد بينهما كما في قصر صلاة المسافر، وهنا الرفق متعين في الإقامة ومع ذلك أثبت التخيير ولا يتخلص منه بزيادة ثواب الآخرة في الجمع بينهما؛ لأن ذلك موجود في صلاة المسافر بزيادة الركعتين تطوعا.
قلت: ذلك في الشيئين الواجبين لا في السنن والتطوعات، وقد ذكر تمامه في الوافي في فصل العزيمة والرخصة.
قوله: ((وعن محمد رَحِمه الله انه يقام لما بعدها)) أي: من غير اختيار بين الجمع بينهما وبين أفراد الإقامة وفي التحفة، وروى في غير رواية الأصول عن محمد إذا فاتت صلوات يقضي الأولى بأذان وإقامة والبواقي بالإقامة دون الأذان، وحكي عن أبي بكر الرازي رحمه الله أنه قال: يجوز أن يكون ما قال محمد قولهم جميعًا، والمذكور في الكتاب محمول على الصلاة الواحدة فيرتفع الخلاف بين أصحابنا.
قوله: ((ووجه الفرق على إحدى الروايتين)) أي: الفرق بين عدم كراهة الأذان بغير الوضوء وكراهته بالجنابة، وأما على الرواية التي تكره الأذان بغير الوضوء فلا يحتاج إلى الفرق وأوضح الفرق في المحيط وقال: (إن للأذان شبهًا بالصلاة إلا أنه ليس بصلاة على الحقيقة ولو كان صلاة على الحقيقة لا يجوز مع الحدث والجنابة، فإذا كان مشبهًا بالصلاة قلنا: يكره مع الجنابة اعتبارًا لجانب الشبه، ولا يكره مع الحدث اعتبار لجانب الحقيقة وإنما لم يعكس لأنا لو اعتبرنا في الحدث جانب الشبه يلزمنا اعتباره في الجنابة بالطريق الأولى؛ لأن الجنابة أغلظ الحدثين فحينئذ يتعطل جانب الحقيقة).
وأما وجه مشابهته بالصلاة من حيث إن جوازهما يتعلق بالوقت ومن حيث إن استقبال القبلة يشترط فيهما، وأما وجه كراهة الأذان بغير الوضوء وهو رواية الحسن عن أبي حنيفة رَحِمه الله فهو أن المؤذن يدعو الناس إلى التأهب للصلاة فإذا لم يكن هو متأهبًا لها دخل تحت قوله تعالى: {أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم} والجنب أحب إلي أن يعيد، وذكر في شرح الطحاوي يستحب إعادة اذان أربعة الجنب والمرأة والسكران والمجنون ذكر الجنب والمرأة في الجامع الصغير، وذكر السكران والمجنون في كتاب الصلاة، وذكر الإمام المحبوبي رَحِمه الله قال: المرأة تؤذن أحبّ إلي أن يعاد وإن صلوا أجزأهم؛ لأنّ أذان النساء لم يكن في المتقدمين فكان من جملة المحدثات ولما لم يفوض على واحدة منهن الأذان حين كن يحضرن الجماعات فبعد انتساخ ذلك أولى ولأن المؤذن مندوب إلى أن يشهر نفسه ويرفع صوته حتى يستحب أن يعلو المنارة أو أعلى المواضع عند الأذان والمرأة منهية عن رفع الصوت؛ لأن في صوتها فتنة ولهذا جعل النبي - عليه السلام - التسبيح للرجال والتصفيق للنساء، وكذلك منهية عن تشهير النفس بأن يكون في بيتها وراء الحجاب فلهذا يستحب إعادة أذانها [64 - أ] حين وقع لا على وجه المسنون.
قوله: ((لأنّ تكرار الأذان مشروع)) أي: في الجملة، كما في الجمعة وإن لم يعد أجزأه يعني في الصلاة وإنما فسّر بهذا الآن في الإيضاح قال: ويحتمل أن يكون المراد من الجواز أصل الأذان؛ لأن رفع الصوت زائدٌ في الباب، وفي المبسوط: (و ليس على النساء أذان ولا إقامة؛ لأنّهما سنتا الصلاة بالجماعة، وجماعتهن منسوخة، وكذلك إن صلين بالجماعة صلين بغير أذان ولا إقامة؛ لحديث رائطة رضي الله عنها قالت: كنا جماعة من النساء أمتنا عائشة رضي الله عنها بلا أذان ولا إقامة،
وقيل: الوقت تجهيل ولأن المؤذن مؤتمن قال - صلى الله عليه وسلم -: «الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن اللهم أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين»، وفي الأذان قبل الوقت إظهار الخيانة فيما أوتمن فيه ولو جاز الأذان قبل الوقت لأذن عند الصبح خمس مرات بخمس صلوات ولا يجوزه، أحد كذا في المبسوط.
قوله: والحجة على الكل أي على أبي يوسف والشافعي وأهل الحرمين فلما كان هذا الحديث وهو قوله - عليه السلام -: «لا تؤذّن حتى تستبين» لك حجة على هذا المجموع الذي ذكرت لم يشغل بجواب ما تمسكا بتوارث أهل الحرمين؛ لأن تقييده بالكل تنبيه منه على أنهما أجيبا بهذا الحديث عما تمسكا بتوارث أهل الحرمين فكان حجة أيضا على أهل الحرمين،
وروى عن الحسن البصري -رحمه الله- كان إذا سمع من يؤذن قبل طلوع الفجر قال: «علوج فراغ لا يصلون إلا في الوقت لو أدركهم عمر - رضي الله عنه - لأدّبهم».
فإن قيل: جاء في الحديث: «لا يغرنكم أذان بلال فعلم بهذا أنه كان يؤذن قبل الوقت».
قلنا: فهو حجة، لنا حيث لم يعتبر النبي - عليه السلام - أذانه وأمر للناس بأن لا يعتبروا مثل اعتبارهم بالأذان في الوقت وقال: «لا يغرنكم أذان بلال فإنه يؤذن ليرجع قائمكم ويتسحر صائمكم ويقوم نائمكم فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن ام مكتوم وكان هو - رضي الله عنه - أعمى لا يؤذن حتى يسمع الناس يقولون أصبحت أصبحت».
فإن قلت: قال في المبسوط البصير أحبّ إلي أن يؤذن من الأعمي فكيف جعله النبي - عليه السلام - مؤذنا وغيره أحب منه.
قلت: إنما يكون غيره أولى؛ لأنّ غيره اعلم بمواقيت الصلاة وكان مع ابن أم مكتوم من يحفظ عليه أوقات الصلاة ومتى كان مع الأعمى من يحفظ عليه أوقات الصلاة يكون حينئذ تأذنيه وتأذين البصير سواء كذا ذكره شيخ الإسلام رَحِمه الله، وقد ذكر في المبسوط فأما أذان بلال فقد أنكر عليه رسول الله - عليه السلام - الأذان بالليل، وأمره أن ينادي على نفسه إلا أن العبد قد نام فكان يبكي ويطوف حول المدينة، شعر:
ليت بلالاً لم تلده أمه وابتل من نصح دم جبينه
وإنما قال ذلك لكثرة معاتبة رسول الله - عليه السلام - إياه.
قوله رَحِمه الله: ((لابني أبي مليكة)) ذكر هذا الحديث في المبسوط بخطاب غيرهما وقال روى عن النبي - عليه السلام - أنه قال لمالك ابن الحويرث وابن عم له: ((إذا سافرتما فأذنا وأقيما وليؤمكما أكثركما قرآنا)).
وكذا ذكر في الجامع الصغير لفخر الإسلام والإمام المحبوبي ما يوافق المبسوط ولكن ذكر فخر الإسلام في آخره وليؤمكما أكبركما سنا ثم قال في المبسوط: (وقال - صلى الله عليه وسلم -: «من أذن في أرض قفر وأقام صلى بصلاته ما بين الخافقين من الملائكة، ومن صلى بغير أذان وإقامة لم يصل معه إلا ملكاه».
قوله: جاز لقول ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه صلى بعلقمة والأسود بغير أذان ولا إقامة، وقال: يكفينا أذان الحي وإقامتهم ولأنّ مؤذن الحي نائب عن أهل المحلة في الأذان والإقامة؛ لأنّهم هم الذين نصبوه للأذان والإقامة، فكان أذانه وإقامته كأذان الكل وإقامتهم، وعن هذا وقع الفرق بين هذا وبين المسافر إذا صلى وحده وترك الإقامة، فإنه يكره له ذلك لما أن المقيم إن صلى بغير أذان وإقامة من حيث الحقيقة صلى بأذان وإقامة من حيث الاعتبار والحكم لأن أذان الحي أذان له حيث يجب الحضور بأذانه فلا يكره ترك الأذان والإقامة، فأما المسافر صلى بغير أذان وإقامة حقيقة وحكما فيكره لأنّه صار تاركًا للصلاة بجماعة حقيقة وتشبيها، وترك الصلاة بجماعة مكروه فكذا ترك التشبه يكون مكروهًا كما في الصوم متى عجز عن الصوم وقدر على التشبيه كره إذا [64 - ب] ترك ذلك فكذا هذا، كذا في مبسوط شيخ الإسلام رَحِمه الله، وذكر الإمام التمرتاشي رَحِمه الله: فإن كان له مسجد حي لا يكره ترك الإقامة؛ لأنّ إقامة المسجد وقعت له، إلا إذا لم يكن أقيم [في تلك (المحلة في ذلك) المسجد فإنّ كان قد أقيم]، ذكر الإمام السّرخسيّ -رَحِمه الله: (إن أذن هو وأقام فحسن وكذا إن أقام ولم يؤذن).
وفي التفاريق وله أن يصلي في بيته بلا أذان ولا إقامة إن شاء، وإن كانوا جماعة.
فعن أبي يوسف رحِمهُ الله أساؤا في ترك ذلك، وفي الجامع الكرخي لا يرخص في ترك أحديهما، وأما بيان ما يجب على السامعين عند الأذان، فيقول يجب عليهم الإجابة على ما روى عن النبي: «أربع من الجفاء وذكر من جملتها ومن سمع الأذان والإقامة ولم يجب» والإجابة أن يقول مثل ما قاله المؤذن إلا قوله حي على الصلاة وحي على الفلاح فإنه يقول مقام ذلك لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم؛ لأن إعادة ذلك تشبه بالاستهزاء، وكذلك إذا قال المؤذن الصلاة خير من النوم يقول: صدقت وبررت، وكذا ينبغي للسامع أن لا يتكلم في حالة الأذان والإقامة ولا يشتغل بشيْء من الأعمال سوى الإجابة كذا في التحفة، وفي التفاريق إذا كان في المسجد أكثر من مؤذن أذنوا واحداً بعد واحد فالحرمة للأول، وسئل ظهير الدين عمن سمع الأذان في وقت واحد من الجهات ماذا يجب عليه قال إجابة أذان مسجده بالفعل، وعن الحلواني لو أجاب باللسان ولم يمش إلى المسجد لا يكون مجيبا ولو كان في المسجد ولم يجب لا يكون آثما، وفي العيون: قارئ سمع الأذان، فالأفضل له أن يمسك ويسمع النداء به ورد الأثر، وفي فوائد الرستغفني -رحمه الله-: لو سمع وهو في المسجد يمضي في قراءته ولو كان في بيته فكذلك إن لم يكن أذان مسجده، كذا ذكره الإمام التمرتاشي.
والله أعلم.
بَابُ شُرُوطِ الصَّلَاةِ الَّتِي تَتَقَدَّمُهَا
قدم ذكر الشرط على الصلاة؛ لأنّ شرط الشيء هو ما يتوقف وجود ذلك الشيء عليه سواء كان ذلك في العلة أو في الحكم؛ لأن علة وجوب الصلاة إنما يتوقف علّيتها على وجود العقل والبلوغ وكذلك الصلاة وهي الحكم إنما يتوقف صحتها على وجود هذه الشرائط المذكورة ثم قدم الوقت وما ينضاف إليه من بينها لما أنه كما هو شرط فهو علة الوجوب أيضًا فكان له زيادة قوة على سائر الشروط.
فإن قلت: ما معنى تقييد هذه الشروط بقوله: شروط الصلاة التي يتقدمها أي يتقدم على الصلاة فأي شرط للصلاة هو لا يتقدم عليها حتى يكون هو محترزًا به عنه؟
قلت: الشروط في أنفسها تتنوع إلى أنواع ثلاثة شروط عقلية كوجود الألم واللذة مع الحياة.
((وجعليه)) أي: جعلها العباد شرطًا، وإلا هو في نفسه ليس بشرط، كوقوع الطلاق عند دخول الدار مع التعليق وشرعية، وهي التي نحن فيها، كالصلاة مع الطهارة، وقيّد بهذا القيد شيئًا على أن المراد بها هذه الشروط الشرعية المختصة بالصلاة التي يتقدم هي على الصلاة لا غيرها من الشروط التي تقع عليها اسم الشروط من العقلية والجعلية، كذا وجدت بخط ثقة، أو نقول: جاز أن يكون هذا احترازاً عن سائر شروط الصلاة التي لا يتقدمها كالقعدة الأخيرة، قيل: إنها فرض وليس بركن أصلي بل هي شرط الخروج من الصلاة كالتحريمة فإنها شرط الدخول في الصلاة وليست بركن، كذا ذكره شيخ الإسلام رَحِمه الله، وكترتيب أفعال الصلاة فيما لم يشرع مكررًا في الركعة، كترتيب الركوع على القراءة والسجود على الركوع؛ فإن رعايته شرط جواز الصلاة حتى لو قدم الركوع على القراءة لا يجوز لتركه شرط جواز الصلاة بعد الشروع، وكذلك مراعاة مقام الإمام على المقتدي وعدم تذكر فايته قبلها وهو صاحب ترتيب وعدم محاذاة المرأة في صلاة مشتركة فإن هذه الأشياء شروط جواز الصلاة التي لا تتقدمها حتى لو تقدم المقتدي على إمامه أو تذكر المصلي فائتة قبلها أو حاذته امرأة تفسد صلاته، والأوجه فيه أن يقول إن هذه صفة مقدرة لا مميزة؛ لأن مقصوده ذكر شروط الصلاة التي تقع اسم شروط الصلاة عليها مطلقًا وهي هذه الأشياء المذكورة لا غيرها ومثل هذا يوجد في كلام الله تعالى حيث يقيد الشيء بالصفة والتقييد غير مراد بل المراد ذكر مطلق الصفة الثانية فيه كقوله تعالى: {يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك} قوله: {اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ}، وإحلال بنات خالات النبي - عليه السلام - له غير موقوف على المهاجرة معه، وكذلك قوله تعالى: {يحكم بها النبيون الذين أسلموا} وقوله تعالى: {ولكن تعمى القلوب التي في الصدور}، حيث لا يوجد نبي غير مسلم، ولا قلوب ليست في الصدور، وقوله تعالى: {يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد} والمراد: ستر العورة لأجل الصلاة لا لأجل الناس فالناس في الأسواق أكثر منهم في المساجد فلو كان للناس لقال عند كل سوق فكان معناه خذوا ما يواري عورتكم من الثوب الذي يحصل به الزينة وهي ستر العورة عند كل صلاة؛ لأن أحذ الزينة عينها وهي مصدر لا يمكن إلا بهذا الطريق مجازًا فكان في قوله: خذوا زينتكم إطلاق اسم الحال على المحل، وفي قوله: عند كل مسجد إطلاق اسم المحل، وفي قوله: عند كل مسجد إطلاق اسم المحل على الحال.
فإن قيل: الآية وردت في شأن الطواف كذا روي عن ابن عباس رضي الله عنهما لا في حق الصلاة فلا يكون حجة في وجوب الستر في حق الصلاة؟
قلنا: العبرة لعموم اللفظ لا بخصوص السبب وهنا عموم في اللفظ؛ لأنّه قال عند كل مسجد فقد أمر بأخذ الزينة عند كل مسجد وهذا مما يمنع القصر على المسجد الواحد وهو المسجد الحرام.
فإن قلت: الآية إذا وردت في سبب تثبيت الحكم فيما سواه على حسب حكم ذلك السبب وإن عم لفظه كما في قوله تعالى: {والذين يظاهرون من نسائهم}، {والذين يرمون} وغيرهما وههنا تناولت الحكم الذي وردت في حقه بطريق الوجوب لا بطريق الافتراض حتى إن الطواف عريانا يقع معتدًا فكان يجب أن يكون في حق الصلاة كذلك،
قلت: الأمر محمل على الافتراض إلا إذا قام الدليل على عدم الافتراض، وقد قام الدليل في حق الطواف على أن الفرضية ساقطة بالإجماع فحمل في حقه على الوجوب ولا دليل في حق الصلاة فيبقى الأمر بأخذ الزينة فرضًا في حق الصلاة والسنة قامت محققة للفرضية في حق الصلاة على ما روي عن أم سلمة إنها سألت رسول الله - عليه السلام - فقالت: هل تصلي المرأة بدرع وخمار إذا لم يكن عليها إزارٌ؟ فقال: «نعم، إذا كان الدرع سابغاً يغطي ظهور قدميها» كذا ذكره شيخ الإسلام.
قلت: ونظير هذا أي: النص، إذا ورد في حكم مخصوص يثبت فيما وراءه أكثر مما ورد في المنصوص لقيام الدليل على ذلك حديث السبايا وهو قوله - عليه السلام - في سبايا أوطاس: «ألا لا توطئوا الحبالى»، الحديث فإنه يثبت حرمة التقبيل والمس بشهوة في غير المسببة إلى أن ينقضي مدة الاستبراء ولا يوجب في المسببة، وإن كان ورود في حق المسببات لمعنى دل على ذلك وهو عدم احتمال وقوع الدواعي في غير الملك؛ لأنّه لو ظهر بها حبل لا يصح بها دعوة الحربي بخلاف المشتراة حيث يحرم الدواعي لاحتمال وقوعها في غير الملك على اعتبار ظهور الحبل ودعوة البائع على ما يأتي في كتاب الكراهية إن شاء الله تعالى.
قوله: وبهذا تبين أن السرة ليست بعورة خلافا لما يقوله الشافعي رحمه الله وذكر في المبسوط خلاف أبي عصمة المروزي وقال: هو أنه كان أحد حدّي العورة فيكون من العورة كالركبة بل أولى؛ لأنّها في معنى الاشتهاء فوق الركبة.
وحجتنا في ذلك ما روي عن ابن عمر - رضي الله عنه - أنه كان إذا اتزر أبدى عن سرته، وقال أبو هريرة للحسن رحمه الله: أرني الموضع الذي كان يقبله رسول الله - عليه السلام - منك فأبدى عن سرته فقبّله أبو هريرة)، ويأتي تمام هذه المَسْألة مع فروعها في كتاب الكراهية إن شاء الله تعالى.
قوله: ((والركبة من العورة)) وذكر في الجامع الصغير لقاضي خان رَحمَه الله: واختلفوا في الركبة مع الفخذ منهم من جعل كل واحد منهما عضو على حدة، ومنهم من جعل الركبة مع الفخذ عضوًا واحدًا فيعتبر حينئذ انكشاف ربع الكل، فيختلف التحريج حينئذ في: "من" أنها بيانية أو تبعيضية.
قال المصنف في التجنيس: ثم الركبة إلى آخر الفخذ عضو واحد حتى لو صلى والركبتان مكشوفتان والفخذ مغطى جازت صلاته؛ لأن نفس الركبة من الفخذ أقل من الربع.
قال رَحِمه الله: وقد قيل أنها بانفرادها عضو ولكن الأول أصح؛ لأنّه ليس بعضو على حدة في الحقيقة بل هي ملتقى عظم الفخذ والساق وإنما حرم النظر إليها من الرجال لتعذر التمييز.
قوله: وكلمة إلى تحملها على كلمة مع كقوله تعالى: {ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم}، أي: مع أموالكم، وكقوله تعالى: {من أنصاري إلى الله} أي: مع الله، وبدن الحرة كلها عورة.
قوله: ((كلها)) تأكيد البدن وتأنيثه لتأنيث المضاف إليه كما في قولهم ذهبت بعض أصابعه وقوله فهي كله بعد قوله كل لفظة.
قوله: ((وكفّيها)) إشارة إلى أن ظهر الكف عورة.
قوله: ((وهذا تنصيص على أنّ القدم عورة)) لما أنّه أثبت أولًا كون جميع بدن المرأة عورة، ثم استثنى منه الوجه والكف لا غير فبقي ما وراءهما تحت المستثنى منه والعدم ما وراءهما فكان من جملة المستثنى منه، والمستثنى منه مبقى على أصل العورة فكان القدم أيضًا مبقى على أصل العورة لا محالة ثم لما وقع عند المصنف رَحِمه الله أن القدم ليس بعورة ذكر مَسْألة الجامع الصغير بكلمة الفاء بقوله: فإن صُلّيت، ليكون الفاء وما دخل هو عليه تفسيرًا لما ذكر قبله وهو قوله،
ويروى أنها ليست بعورة فوجه كونه تفسيرًا هو ما ذكره فخر المشايخ رحمه الله في الجامع الصغير فقال: ودلّت هذه المَسْألة على أن القدم ليس بعورة؛ لأنّه جوز الصلاة مع كشف ما دون ربع الساق فكانت القدم مكشوفة لا محالة وجعل هذا رواية عن أبي حنيفة رَحِمه الله في استحسان المبسوط فقال: (وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه يباح النظر إلى قدمها أيضًا، وهكذا ذكر الطحاوي رَحِمه الله؛ لأنّها كما تبتلى بإبداء وجهها في المعاملة مع الرجال وإبداء كفها والأعطاء تبتلى بإبداء قدميها إذا مشيت حافية أو منتعلة فربما لا تجد الخف في كل وقت).
قلت: وحاصله أنّ للمرأة موضعين مما يحل النظر إليه للرجال:
أحدهما: هو ما يحل النظر إليه لذوي محارمها دون الأجانب وهو مواضع الزينة الباطنة كالرأس والصدر وغيرهما.
الثاني: هو ما يحل النظر إليه للأجانب والمحارم وهو مواضع الزينة الظاهرة كالوجه واليد.
وفي بعض الروايات القدم ثم الذي يجب عليها الستر في حق الصلاة هو الذي يجب عليها الستر في حق الأجانب دون المحارم؛ لأنّه يجب عليها ستر مواضع في حق الصلاة ما لا يجب سترها في حق المحارم.
فإن قلت: من أين وقعت هذه المفارقة في حق الصلاة مع أن القياس يقتضي أن ينعكس الحكم لما أنها قد تصلي في موضع ليس معها أحد من الرجال وعورتها في حق نفسها ليست بعورة حتى حل لها النظر إليها؟
قلت: إنما كان كذلك؛ لأن المرأة من قرنها إلى قدمها عورة رجوعًا إلى قوله - عليه السلام -: «المرأة عورة مستورة»، فاسم المرأة تقع على جملتها فبالنظر إلى هذا كان يجب عليها أن تستر جميع بدنها عن محارمها أيضًا ولكن لم يجب عليها ستر المواضع المخصوصة عنهم بسبب الحرج إذ لو أمرناها بالتستر عنهم وهم أولادها وآباؤها وأخواتها، وهي في ثياب مهنتها في بيتها عادة، وهم قوامون على أمرها في بيتها، يؤدي إلى الحرج لا محالة، وأيد هذا المعنى قوله تعالى: (ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن)، الآية فبقيت فيما سواه على ما تقتضيه قوله - عليه السلام -: «المرأة عورة مستورة»، وأولى ما بطلت الزينة من الأحوال: حالة الصلاة؛ لأنّها مناجاة الرب، وقال شيخ الإسلام: فإن ستر العورة فرض عند القيام بين يدي الناس فعند القيام إلى الله تعالى أولى؛ وذلك لأنّه قد يفترض في القيام بين يدي الله ما لا يفترض في القيام بين يدي الناس وهو الطهارة عن النجاسة الحقيقية والحكمية، فلأن يفترض في القيام بين يدي الله تعالى ما يفترض في القيام بين يدي الناس أولى، يوضحه ما روي عن علي - رضي الله عنه - أنه قال المرأة إذا صلت فلتحتفز فلتنتضم وروي عن رسول الله - عليه السلام - أنه قال: «صلاة المرأة في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها، وصلاتها في بيتها في صحن دارها»، فثبت أن ما كان أستر لها فهو أفضل والقول بالأفضل بهذا الحديث مع وجوب الاحتفار بحديث علي - رضي الله عنه - في حق الصلاة إنما يكون في حق الموضع الذي لا يجب ستره من أحد كالوجه والكف، فلزم من هذا وجوب ستر ما يجب عليها في الصلاة في حق الأجانب ضرورة، فكان في معنى قوله تعالى: {ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها}، وذكر الإمام التمرتاشي رحِمه الله، وفي التهذيب كل عضو هو عورة منها فإذا انفصل عنها هل يجوز النظر إليه فيه وجهان أصحهما لا يجوز، والثاني: يجوز كما يجوز النظر إلى دمها وريقها كذا الذكر المقطوع من الرجل وشعر عانته إذا حلق هل يجوز النظر إليه فيه وجهان ثم قوله فإن صلت وثلث ساقها أو ربعها مكشوف تعيد الصلاة.
فإن قيل: لماذا جمع محمد رَحِمه الله بين الثلث والربع وذكر الربع يغني عن ذكر الثلث؟
قلنا: الجواب من وجهين أحدهما: إن محمدا لم يثبت القول في الربع بالكثرة؛ لأنّه لم يرو عن النبي - عليه السلام - على أن الربع كثير وقد روي في الثلث كما قال في الوصية: ((والثلث كثير))، ولكن قد دلّ الدليل على كون الربع كثير كما في حلق الرأس ومسحه فردد بين الثلث والربع كيلا يكون قاطعا فيما له تردد، والثاني: أن أبا حنيفة رَحِمه الله سئل عن هذه المَسْألة على هذا الوجه، فأوردها محمد في الكتاب كذلك، كذا فلي الفوائد الظهيرية.
قوله: ((لأن الشيء إنما يوصف بالكثرة إذا كان ما يقابله أقل منه)) يعني وصف الشيء بأنّه كثير لا بد أن يوصف ما (يقابله ويضاده) بأنّه قليل ولا يلزم المحال؛ لأنّه لو لم يكن ما يقابله قليلًا بنسبته كان كثيرًا لعدم الواسطة بينهما فحينئذ يكون الشيء الواحد بالنسبة إلى شيء واحد قليلًا وكثيرًا وهو محال.
فإن قلت: يشكل على هذا قوله تعالى {يضل به كثيراُ ويهدي به كثيراً}، وكذلك قوله تعالى: {ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض} إلى أن قال: {وكثير من الناس} أي: يسجد له كثير من الناس ثم قال: {وكثير حق عليه العذاب} أي بسبب أنه لم يسجد لله تعالى كثير من الناس وجب عليه العذاب فقد ذكر لكل واحد من المتقابلين اسم الكثرة ومعلوم أن الضلال إذا وصفوا بالكثرة على هذا التفسير لا يوصف غير الضلال وهم المهديون بالكثرة في مقابلتها وإلا يلزم أن يكون أن ما يقع به الكثرة وهو الواحد الزائد مثلًا أو أكثر مضلًا ومهديًا في حالة واحدة وهو محال.
قلت: إنما سمّي كل واحد من الفريقين بالكثرة بالنظر إلى أنفسهم لا بالنظر إلى ما يقابلهم فإنا لو خلينا ومجرد النظر إلى نفس المهديين مع قطع بالنظر من أهل الضلال لا شك أن المهديين يرون شملًا كثيرًا وجمًا غفيرًا وكذلك أهل الضلال ومثله قوله تعالى: {وأرسلناه إلى مئة ألف أو يزيدون} وكلمة أو للشك في الأخبار ولا يجوز ذلك من عالم الجزئيات والكليات ولكن وجهه ما ذكرنا وهو أن من رآه لقال إن هذا القوم في الكثرة مائة ألف أو يزيدون أو نقول بما قاله صاحب الكشاف: أن أهل الضلال كثير حقيقة وأهل الهدى كثير مرتبة وعظمه:
أن الكرام كثير في البلاد وأن قلوا كما غيرهم قل وإن كثروا
فكانت نسبة الكثرة إلى كل واحد من الطائفتين لمعنى على حدة فلا يتنافيان حينئذ.
قوله رَحِمه الله: ((إذ هما من أسماء المقابلة)) وذكر في المبسوط القلة والكثرة من الأسماء المشتركة فإنّ الشيء إذا قوبل بما هو أكثر منه يكون قليلًا وإذا قوبل بما هو أقل منه يكون كثيرًا فكلتا العبارتين صحيحتان لما أن القليل إنما استحق اسم القليل باعتبار المقابل وإلا ليس له هذا الاسم فكذا الكثير فكانت القلة والكثرة من أسماء المقابلة، وكذلك الشيء الواحد لما أطلق على معنيين مختلفين باعتبار ما يقابله كان اسمًا مشتركًا بينهما.
[ ... ]، فاعتبر الخروج عن حد القلة هذا دليل الإعادة؛ لما أن النصف لما خرج عن حد القلة كان داخلا تحت الكثرة؛ لأنّه لا واسطة بينهما، وإنما قلنا: إنه خرج عن حد القلة؛ لأن القليل هو ما يقابله كثير ومقابل النصف ليس بكثير فكان هو كثيرًا في نفسه من هذا الوجه فلزمها الإعادة، أو عدم الدخول في ضده هذا دليل عدم الإعادة أي النصف غير داخل في ضد القليل وهو الكثير فكان قليلًا، وإنما قلنا: إنه غير داخل في حد الكثير هو ما يقابله قليل ومقابل النصف ليس بقليل فكان هو قليلًا في نفسه فلا يلزمها الإعادة.
قوله: ((ومن رأى وجه غيره يخبر عن رؤيته)) يقول: رأيت زيدًا مثلًا وإن لم ير إلا أحد جوانبه الأربعة أي أحد جوانب ذلك الغير؛ لأن الإنسان ذو أطراف أربعة فكان الوجه أحد الجوانب الأربعة وإلى هذا أشار في الفوائد الظهيرية.
قوله: ((يعني على هذا الاختلاف)) الذي تقدم آنفًا وهو انكشاف ربع العورة مانع عندهما وعند أبي يوسف انكشاف النصف في رواية وانكشاف ما فوقه في جميع الروايات.
قوله: ((هو الصحيح)) احتراز عن اختيار الصدر الشهيد وغيره؛ فإنه ذكر في الجامع الصغير: أنّ المراد بالشعر ما على الرأس، وأما المسترسل هل هي عورة ففيه روايتان.
وذكر المصنف في التجنيس ما يوافق ما ذكر في الهداية فقال: المرأة إذا صلّت وشعرها ما تحت الأذنين مكشوف قدر الربع لا يجوز صلاتها؛ لأنّ في كون المسترسل من شعرها عورة روايتين.
واختار الفقيه أبو الليث -رحمه الله- هذه الرواية وهي أنه عورة احتياطًا؛ لأن تلك الرواية اقتضت أن يجوز للأجنبي النظر إلى صدغ الأجنبية وطرف ناصيتها كما ذهب إليه عبد الله البلخي -رحمه الله- وهذا أمر يؤدي إلى الفتنة فكان الاحتياط في الأخذ بهذه الرواية وذكر الإمام المحبوبي -رَحِمه الله- في الجامع الصغير.
وأما الشعر المسترسل هل هو عورة في رواية المنتقى ليس بعورة حتى قال فيه لو انكشف شيء من شعر المرأة أسفل من الأذنين جازت صلاتها وإن كان أكثر من الثلث أو الربع وهذا لأنّه لا يوازي الرأس فلا يكون حكمه حكم الرأس لكن مع هذا يحرم النظر إليه لا لأنّه عورة بل لأن النظر عن شهوة إلى شعورهن فتنة فكالنظر إلى وجه المرأة الشابة أو إلى شعور الإماء عن شهوة حرام إليه أشار النبي - عليه السلام - في قوله: «من نظر إلى امرأة أجنبية عن شهوة صب في عينيه الآنك يوم القيامة».
ولهذا المعنى قال مشايخنا: تمنع المرأة الشابة عن كشف وجهها بين الرجال في زماننا هذا في رواية المنتقى وفي رواية أخرى هو عورة وبه أخذ الفقيه أبو الليث للفتوى.
قوله: ((وإنما وضع غسله)) جواب إشكال يرد على قوله: هو الصحيح، بأن يقال: لو كان الشعر النازل من الرأس عورة على ما زعمت إنما كان باعتبار أنه من بدنها (وبدنها عورة) وليس هو من بدنها بدليل سقوط غسله عنها في الجنابة فقال: سقوط غسله لا باعتبار أنه ليس من بدنها بل هو من بدنها لأنّه متصل به خلقة ولكن سقوط غسله باعتبار الجرح والعورة الغليظة هي القبل والدبر على هذا الاختلاف الذي ذكر من أن الاعتبار في الانكشاف للربع أو للنصف والذكر يعتبر بانفراده حتى لو انكشف ربع الذكر يمنع جواز الصلاة عند أبي حنيفة، ومحمد وعند أبي يوسف الاعتبار لانكشاف النصف وما فوقه على ما ذكر وبمجموع هذا ينتفي ما ذكره الكرخي من اعتباره قدر الدرهم في العورة الغليظة، وفي المحيط: (وذكر الكرخي في كتابه أن يعتبر في السوءتين قدر الدرهم وفيما عدا ذلك الربع).
وإنما قال ذلك لأنّ العورة نوعان غليظة وخفيفة كالنجاسة ثم في النجاسة الغليظة يعتبر الدرهم وفي الخفيفة يعتبر الربع، فكذا العورة ولكن هذا وهم من الكرخي؛ لأنّه قصد به التغليظ في العورة الغليظة وهذا في الحقيقة تخفيف؛ لأنّه اعتبر في الدبر قدر الدرهم والدبر لا يكون أكثر من قدر الدرهم فهذا يقتضي جواز الصلاة وأن كان جميع الدبر مكشوفا، وهذا تناقض وهذا معنى ما ذكر فخر الإسلام رَحِمه الله.
وأما العورة الغليظة فقد قدر في ذلك بعض مشايخنا بما زاد على قدر الدرهم احتياطًا، وهذا احتياط يرجع إلى المناقضة؛ لأن موضع الحدث جملته أقل من الزائد على قدر الدرهم.
وحاصله: أن تقسيم العورة بالغليظة والخفيفة أنما يستقيم على اختيار الكرخي، وأما على اختيار عامة العلماء فلا فائدة في تقسيمها إذا في كل منها يعتبر انكشاف الربع مانعًا عندهما خلافًا لأبي يوسف فإن عنده يعتبر انكشاف النصف سوى أن ذلك العضو إن كان صغيرًا كان ربعه صغيرًا أيضًا وإن كان كبيرًا كان ربعه كبيرًا، فمن ثم جوز تقسيمها بالغليظة والخفيفة،
وكذا الانثيان، هذا هو الصحيح، اختلفوا في الخصيتين:
قال بعضهم: الخصيتان مع الذكر عضو واحد؛ لأنّهما تبع للذكر فيعتبران مع الذكر حتى يعتبر الربع من المجموع.
وقال بعضهم: الخصيتان عضو على حدة ألا يرى أنّ الخصيتين في الديّة اعتبر عضوًا على حدة ولم يجعل تبعا لغيره فكذا في حكم العورة وجعل فخر الإسلام والمحبوبي رحمهما الله هذا القول وهو الانفراد أولى كما هو المذكور في الهداية وذكر شيخ الإسلام هذا كله عند علمائنا، وعند الشافعي -رحمه الله- القليل والكثير في ذلك سواء أي في المنع عن جواز الصلاة فكان الخلاف في هذا كالخلاف في قليل النجاسة.
قوله: ((وما كان عورةَ من الرجل)) بالنصب فهو عورة من الأمة، وكذلك المدبّرة، وأم الولد، والمكاتبة ومن كان في رقبتها شيء من الرق فهي في معنى الأمة كذا في شرح الطحاوي في ثبات مهنتا المهنة بفتح الميم وكسرها الخدمة والابتذال من مهن القوم خدمهم، وأنكر الأصمعي الكسر، كذا في الصحاح في حق جميع الرجال أي سوى مولاها.
قوله: وإن كان الظاهر أقل من الربع وفي المبسوط: وإذا كان الثوب كله مملوءًا دمًا أو كان الظاهر منه دون ربعه فعند أبي حنيفة، وأبي يوسف رحِمهُما الله: يتخيّر بين أن يصلي عريانًا وبين أن يصلي فيه وهو الأفضل، وقال محمد -رَحِمه الله- لا يجزئه الصلاة إلا فيه؛ لأن الصلاة في الثوب النجس أقرب إلى الجواز من الصلاة عريانًا فإن القليل من النجاسة لا يمنع الجواز، وكذلك الكثير في قول بعض العلماء، قال عطاء -رحمه الله- من صلى وفي ثوبه سبعون قطرة من دم جازت صلاته ولم يقل أحد بجواز الصلاة عريانًا في حالة الاختيار ولأنّه لو صلى عريانًا كان تاركًا كالفرائض منها ستر العورة ومنها القيام والركوع والسجود، وإذا صلى فيه كان تاركًا فرضًا واحدًا وهو طهارة الثوب فهذا الجانب أهون، وقالت عائشة رضي الله عنها: «ما خير رسول الله - عليه السلام - بين شيئين إلا اختار أهونهما»، فمن ابتلي ببليّتين فعليه أن يختار أهونهما، وفي الأسرار إن خطاب التطهير ساقط عند عدم الماء فصار هنا الثوب وليس عليه خطاب التطهير وثوب طاهر بمنزلة ولأن ربع الثوب لو كان طاهراً لم يجز إلا أن يصلي فيه فكذلك ههنا؛ لأن نجاسة ثلاثة أرباعه في إفساد الصلاة فيه ونجاسة الكل سواء حالة الاختيار وهما سواء أيضًا حالة الاضطرار في أن لا يفسدها، إلا إنا نقول أنّ خطاب الستر بسبب النجاسة ساقط في حق الصلاة؛ لأن الله تعالى ما خاطب بالستر للصلاة إلا بالطاهر ولما سقط الخطاب بالستر عنه صار حال العري كحال الستر باعتبار أن خطاب الستر عنه ساقط فحينئذ صار عري العورة كعري الوجه في حق سقوط الخطاب بالستر فلما استوي الجانبان من غير تفاوت بينهما كان مخيرًا بينهما، وأما إذا كان ربع الثوب طاهرًا فقد توجه عليه الخطاب بقدر الطاهر عن سقط بقدر النجس فرجحنا جهة الوجوب؛ لأن الباب باب العبادات وإنما قدروا بالربع؛ لأنّه حد للكثير الفاحش في باب العورة والنجاسة الخفيفة وقول محمد أحسن، كذا في الأسرار.
قوله: ((لأن كل واحد منهما مانع جواز الصلاة حالة الاختيار ويستويان في حق المقدار فيستويان في حق الصلاة)) أي: انكشاف العورة والنجاسة يستويان في حق المقدار أي إن كل مقدار من النجاسة هو مانع لجواز الصلاة وذلك المقدار من انكشاف العورة مانع أيضًا لجواز الصلاة وما لا فلا.
وذكر المصنف -رَحِمه الله- في الزيادات أن القليل من كل واحد منهما غير مانع والكثير مانع فلما كان كذلك ثبت المساواة بينهما من غير رجحان لأحدهما على الآخر في المانعية فيختار أيهما شاء أو نقول ويستويان في حق المقدار، أي: في مقدار الربع؛ فإن المانع في النجاسة الخفيفة مقدر بالربع وكذلك المانع في العورة الخفيفة مقدر بالربع خصوصًا على اختيار الكرخي فلما استويا في المانعية في المقدار استوى اختيار المصلي أيضًا في أن يصلي فيه أو يصلي عريانا.
فإن قلت: قوله: ويستويان معطوف على فعل مقدر مثله مثنى فاعله، وقوله: فيستويان في حق الصلاة نتيجته فكان تقديره لأنّهما أي: انكشاف والنجاسة تمنعان جواز الصلاة حالة الاختيار ويستويان في المقدار يعني أنهما يستويان في الموضعين في المنع وفي المقدار فيجب أن يستويا أيضًا في حق الصلاة في ذلك الثوب أي في حق إثبات الاختيار بأن يصلي به لابسًا أو بدونه عريانا.
قوله: وترك الشيء إلى خلف لا يكون تركا هذا جواب عن قوله في الصلاة عريانًا ترك الفروض.
قلت: هذا الجواب الذي قالا له وقوله أيضًا بترك الفروض إنما يستقيمان على تقدير أن يصلي العاري قاعدًا وأما لو صلى قائمًا حيث يجوز له الصلاة قائمًا فلا يستقيمان وإلى هذا أشار شيخ الإسلام -رَحِمه الله- في المبسوط فقال: (إذا صلى قائمًا بالركوع والسجود عندنا يجوز فلا يصير تاركًا للفرائض الثلاث وإنما يصير تاركًا لفرض واحد وهو الستر وإذا ترك فرضًا واحدًا فقد أقام فرضًا بإزائه وهو ترك استعمال النجاسة فكان هذر ترك فرض بإزاء أتيان بفرض آخر فيتخير).
فإن قلت: لا مساواة بين الفرضين فلا يتخيّر، فإن فرضه ستر العورة أقوى من فرضيّة ترك استعمال النجاسة ظهر ذلك بمسألتين أحداهما ما ذكره الإمام التمرتاشي [في باب المريض] من الجامع الصغير.
قال الإمام البقالي: فإن كان على بدن المصلي نجاسة لا يمكنه غسلها إلا بإظهار عورته يصلي مع النجاسة [67 - ب] لأنّ إظهار العورة منهيٌ عنه، والغسل مأمورًا به، والأمر والنهي إذا اجتمعا كان النهي أولى، والثانية هي ما ذكر في شرح الأقطع أن الستر آكد لأنّه يجب للصلاة ولغيرها ويلزمه بتركه في الطواف دم ولا يوجد ذلك في النجاسة.
قلت: إنه إذا صلى قاعدًا أتى ببعض الستر وما قام مقام الأركان وترك استعمال النجاسة، وإذا صلى قائمًا فقد استعمل النجاسة وأتى بالأركان فيستويان فيتخير، وما ذكرته من وكادة فرضية الستر ساقط بسبب أن خطاب الستر في حق الصلاة إنما هو في الستر بالطاهر لا بالنجس فصارت نفس خطاب الستر بالنجس ساقط على ما ذكرنا من إشارة الأسرار إلى هذا فكيف يثبت الوكادة بعد سقوط نفس الخطاب؛ لما ان المؤكد تبع للمؤكد فلما لم يثبت نفس الخطاب وهي الأصل لا يثبت الوكادة وهي التبع ولكن مع ذلك اظهرنا أثر صورة الوكادة في حق الأفضلية لا في حق الجواز.
قوله: ((والأفضلية لعدم اختصاص الستر بالصلاة واختصاص الطهارة بها)) يعني: لما لم يختص الستر بالصلاة لأنّه يكون الستر للصلاة وللناس كان نفعه أعم فكان الستر أولى بخلاف الطهارة فإنها للصلاة لا غير.
فإن قلت: جعل في مثل هذه النكتة في غسل يوم الجمعة جانب الاختصاص أولى وههنا جعل جانب عدم الاختصاص أولى فما وجهه؟
قلت: جانب عدم الاختصاص هناك لم يتضمن النفع العام وهو الموجب للترجيح هنا ولا شك أن الاختصاص يوجب الترجيح إذا لم يتضمن ما يعارضه مما يوجب الترجيح وههنا جانب عدم الاختصاص وهو الستر عارض الاختصاص وهو الطهارة في شيء يقتضي استواءَهما وهو اقتضاء الصلاة الستر والطهارة، ثم ترجح جانب الستر بما هو سالم له وهو حصول الستر للناس لأن ذلك واجب في حقهم كوجوبه في حق الصلاة.
قوله: ((ولم يجد ثوبا صلى عريانا قاعدا يومئ إيماءً))، فإن قلت: قال النبي - عليه السلام - لعمران بن حصين - رضي الله عنه -: «صل فإن لم تستطع فقاعداً» ولا شك أنّ هذا الحديث يقتضي الترتيب حيث لا يجوز صلاة الفرض قاعدًا لمن يستطيع القيام، ثم هذا الرجل مستطيع على القيام حسًا وشرعًا.
أما حسًا فظاهر؛ لأنّ الكلام في صحيح البدن.
وأما شرعًا فإنه يجوز له الصلاة قائمًا عاريًا بالاتفاق فيجب أن لا يجوز له الصلاة قاعدًا بحكم هذا الحديث وهو مذهب زفر، والشافعي رحمهما الله.
قلت: القياس ما قلته إلا أنا عرفنا جواز صلاته قاعدًا بالأثر فإنه روى عن ابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم فإنّهما قالا: العاري يصلي قاعدًا بالإيماء، وروى عن أنس ابن مالك - رضي الله عنه - أنه قال: «أن أصحاب رسول الله - عليه السلام - ركبوا في السفينة فانكسرت بهم السفينة فخرجوا من البحر عراة فصلوا قعودًا بإيماء»، وهذا قول روي عنهم ولم يرو عن أقرانهم خلاف ذلك فحل محل الإجماع، وأما الحديث قلنا: هذا غير مستطيع على القيام حكمًا؛ لأنّه لا يمكنه ستر ما قدر على ستره إلا بترك الركوع والسجود والقيام فكان عاجزًا عن القيام حكمًا، كذا في مبسوط شيخ الإسلام.
قوله: إلا ان الأول أفضل وهو الصلاة قاعدًا أفضل من الصلاة قائمًا لأن في القعود ستر العورة الغليظة وفرضية ستر العورة أكد من فرضيه الركوع والسجود بدليل أن النافلة تصلى على الدابة بإيماء فلا يجوز الصلاة بدون ستر العورة حالة القدرة بحال.
فإن قلت: هذه المعاني الثلاثة وهي المعنيان المذكوران في الهداية بقوله: لأنّ الستر وجب لحق الصلاة وحق الناس؛ ولأنّه لا خلف له والإيماء خلف عن الأركان وهذا المعنى الذي ذكرته يقتضي أن لا يجوز الصلاة بدون الستر الذي يحصل بالقعود فلم جوّزت الصلاة قائمًا عاريًا مع أن الآثار التي ذكرتها تقتضي أيضًا انحصار الجواز على القعود لأنّه ليس فيها دلالة الجواز في القيام.
قلت: لأنّ ترك الأركان وترك الستر لما استويا في منع الجواز حالة القدرة استويا في اقتضاء الجواز عند الإتيان بأحدهما وترك الآخر؛ لأنّه لا يمكن الإتيان بأحدهما إلا عند ترك الآخر فاستويا في الميل إلى أحدهما فلا يسقط فرضية أحدهما، بفرضية الآخر ولأنّه لما لم يأت بجميع فرضية الستر لم يعتبر ذلك القدر من الستر بمقابلة ترك الركوع والسجود؛ وذلك لأنّه لم يقدر على [68 / أ] ستر جميع العروة إنّما قدر بالقعود على ستر بعض الغليظة فلا يترك اختيار ترك الأركان بمقابلة مثل ذلك الستر ولكن قدر ذلك الستر يصلح لترجيح جانب الستر لأن الستر وإن قل كان هو أولى بالاعتبار من الأركان لما ذكر من المعاني، وأما الآثار فهي بيان للأفضلية لا لإثبات الفرضية بدليل ما ذكرنا.
قوله: ((وينوي الصلاة التي تدخل فيها)) قال شمس الأئمة السّرخسيّ رَحِمه الله: (النية معرفة القلب، أي: صلاة يصلي)،
وقال شيخ الإسلام -رَحِمه الله-: قال محمد -رحمه الله-: وإذا أراد الرجل الدخول في الصلاة كبر، وإنما أراد بقوله: أراد، أي: نوى والإرادة هي النية لأنّها عمل القلب كالنية وفيه دليل أن النية لا تتأدّى باللسان لأنّه شرط الإرادة والإرادة عمل القلب لا عمل اللسان فإن عمل اللسان يسمى كلامًا لا إرادة والنية بالقلب فرض لقوله تعالى: فادعوا الله مخلصين له الدين، وأما ما ذكره باللسان مع نية القلب سنة كذا ذكره شيخ الإسلام، وفي فتاوى قاضي خان: الكلام ههنا في مواضع:
الأول: في أصل النية.
والثاني: في وقتها.
والثالث: في كيفيتها.
أما أصلُها فإن قصد بقلبه وذكر بلسانه كان أفضل، وعند الشافعي لا بد من الذكر باللسان.
وأما وقتها فأجمع أصحابنا على أن الأفضل أن يكون مقارنة للشروع ولا يكون شارعا بنية متأخرة، وعن الكرخي أنه يجوز بنية متأخرة عن التحريمة، واختلفوا على قوله أنه إلى متى يجوز.
قال بعضهم: إلى انتهاء الثناء.
وقال بعضهم إلى التعوذ.
وقال بعضهم: إلى أن يركع.
وقال بعضهم: إلى أن يرفع راسه من الركوع فإن نوى قبل الشروع روى عن محمد أن لو نوى عند الوضوء أنه يصلي الظهر أو العصر مع الإمام ولم يشتغل بعد النية بما ليس من جنس الصلاة إلا أنه لما انتهى إلى مكان الصلاة لم يحضره النية جازت صلاته بتلك النية.
وأما كيفيتها فلا يخلو إما أن يكون منفردًا أو مقتديًا وكل ذلك على وجهين:
أما أن يكون مفترضًا أو متنفلًا مؤديًا أو قاضيًا فالمتنفل يجوز بنية الصلاة وكذلك التراويح وسائر السنن عند مشايخنا إلى آخره.
وفي شرح الطحاوي: فالأفضل أن يشتغل قلبه بالنية ولسانه بالذكر ويده بالرفع.
قوله: ((ولا معتبر بالمتأخرة منها عنه)) أي بالمتأخرة من النية عن التكبير فإن قوله: المتأخرة صفة مطلقة فكان قوله منها للبيان وقوله عنه صلة للمتأخرة وهذا نفي لقول الكرخي على ما ذكرنا، وذكر شيخ الإسلام ولا شك أن النية متى وجدت مقارنة للشروع فإنه يجزئه؛ لأن النية إنما شرعت لتعيين العمل للعبادة من أوله إلى آخره، وإنما يتعين العمل لها هكذا إذا كانت النية مقارنة للشروع.
فأما إذا كانت النيّة متأخرة عن التكبير فإنه لا يجزئه؛ لأنّ ابتداء الشروع شرع بالقيام، والقيام لا يتعين للعبادة متى خلا عن النية؛ لأن الباقي من الأفعال بناء على أول الجزء من القيام وأول الجزء من القيام وقع من غير نية متى تأخرت النية عن التكبيرة فلم يجز بخلاف الصوم فإنه يجوز بنية متأخرة عن الشروع؛ لأن وقت الشروع في الصوم وقت سهو وغفلة لأنّه وقت نوم فلو شرطت النية وقت الشروع وهو وقت انفجار الصبح لضاق الأمر على الناس فلهذه الضرورة بنية متقدمة ومتأخرة.
فأما ههنا وقت الشروع وقت انتباه ويقظة فأمكنه تحصيل النية حال الشروع بلا حرج فلا يتأدى بنية متأخرة؛ لأن ما أداه قبل النية لم يتعين للعبادة وبدون ما مضى لا يتم الباقي وإن تعين الباقي للعبادة بالنية فلهذا لا يجوز إلا رواية عن الكرخي فإنه قال: يجزئه متى نوى قبل الثناء؛ لأن الثناء من توابع التكبيرة فكانه نوى عند التكبيرة وهي من جنسه.
قوله: وكذا إن كانت سنة في الصحيح وذكر المصنف في التجنيس وفي السنن بكيفية مطلق النية على ظاهر الرواية، وهو اختيار عامة المشايخ، والاحتياط في السنن أن ينوي الصلاة متابعة لرسول الله، وذكر شيخ الإسلام إنما ينصرف مطلق اسم الصلاة إلى التطوع لوجهين:
أحدهما: أن النقل [68 - ب] أدنى فكان متعيّنًا والزيادة مشكوك فيها فلا يثبت ولأن التطوع مشروع الوقت وغيره يوجد بعارض فصرف الاسم إلى مشروع الوقت أولى لأن مشروع الوقت من غيره بمنزلة الحقيقة من المجاز، والكلام لحقيقته وصار هذا كمن نوى الصوم خارج رمضان، وإن كانت فرضا فلا بد من تعيين فرض كالظهر مثلًا هذا إذا قرن بلفظ الظهر اليوم أو الوقت إذا كان في الوقت بأنّ قال ظهر اليوم أو ظهر الوقت أو فرض الوقت فأما إذا نوى الظهر أو الفجر أو غيرهما ولم ينو ظهر الوقت فمنهم من يقول: لا يجزئه؛ لأنّه ربما كان عليه ظهر صلاة فائتة فلا يتعين فرض الوقت بهذا الاسم.
ومنهم من يقول: يجزئه لأنّ ظهر الوقت مشروع في الوقت والفائتة ليس بمشروع الوقت بل إنما يوجد بعارض فمطلقه ينصرف إلى ظهر الوقت، ولو قال نويت الفرض لا يكفيه أيضًا لأن الفرائض متنوعة ظهر وعصر وغيرهما فلا بد من التعيين فيجب أن ينوي فرض الوقت ثم إذا نوى فرض الوقت أو ظهر الوقت ولم ينو أعداد الركعات جاز لأنّه لما نوى الظهر فقد نوى عدد الركعات هذا إذا كان يصلي في الوقت.
وإن كان يصلي بعدما خرج الوقت وهو لا يعلم بخروج الوقت فنوى فرض الوقت (لا يجوز؛ لأنّ بعد خروج وقت الظهر فرض الوقت) يكون هو العصر فإذا نوى فرض الوقت كان ناويًا العصر وصلاة الظهر لا يجوز بنية، والأولى أن ينوي ظهر اليوم فإنه يجوز سواء كان الوقت خارجًا أو باقيًا، كذا في المحيط ومبسوط شيخ الإسلام.
وإن كان مقتديًا بغيره ينوي الصلاة ومتابعته، وفي شرح الطحاوي ولو نوى صلاة الإمام أجزأه وقام مقام نيتين، وذكر شيخ الإسلام على خلاف هذا وقال: فأما إذا قال نويت صلاة الإمام فهذا لا يكفي لصحة الاقتداء؛ لأن هذا تعيين لصلاة الإمام وليس باقتدائه فكأنه يقول أصلي الصلاة التي يصليها الإمام فكان هذا تعيينًا لما يصليها الإمام لا اقتداء بالإمام ومنهم من يقول: متى انتظر تكبير الإمام ثم كبر بعده كفاه عن نية الاقتداء؛ لأنّ انتظاره لتكبير الإمام قصد منه للاقتداء إلا أن الصحيح ما ذكرنا أن الانتظار متردد قد يكون للاقتداء وقد يكون بحكم العادة فما لم يقصد الاقتداء بالإمام (لا يصير) مقتديًا بمجرد الانتظار قالوا: وإن أراد تسهيل الأمر على نفسه يقول شرعت في صلاة الإمام فيكفيه ذلك ويكون نية للاقتداء به ولما يصليه الإمام، وفي فتاوى قاضي خان، والأحسن أن يقول: نويت أن أصلي مع الإمام ما يصلي الإمام.
قوله: ((لأنّه يلزمه فساد الصلاة)) (من جهته أي يلزم المقتدي فساد الصلاة) من جهة الإمام فلا بد من التزام الاقتداء حتى لو ظهر ضرر الفساد كان ضررًا ملتزمًا وهذا كما يشترط للإمام نية إمامة النساء لهذا المعنى لوجود وهم الفساد من اقتدائهن بسبب المحاذاة.
قوله: ومن كان غائبًا ففرضه إصابة جهتها هو الصحيح فاحترز بذكر الصحيح عن قول الشيخ أبي عبدالله الجرجاني -رحمه الله-، وذكر في المحيط: ومن كان غائبًا عن الكعبة ففرضه جهة الكعبة لا عينها، وهذا قول الشيخ أبي الحسن الكرخي والشيخ أبي بكر الرازي لأنّه ليس في وسعه سوى هذا والتكليف بحسب الوسع وعلى قول الشيخ أبي عبد الله الجرجاني من كان غائبًا عنها ففرضه عينها لأنّه لا فصل في النص، وثمرة الاختلاف تظهر في اشتراط نية عين الكعبة فعلى أبي عبد الله يشترط، وعلى قول أبي الحسن، وأبي بكر لا يشترط، وهذا لأن عند أبي عبد الله لما كانت إصابته عينها فرضًا ولا يمكنه إصابة عينها حال عينيه عندهما إلا من حيث النية شرط نية عينها، وعندهما لما كان الشرط إصابة جهتها لمن كان غائبًا وذلك يحصل من غير نية العين فلا حاجة إلى اشتراط نية العين، وأما نية الكعبة بعد ما توجه إليها هل يشترط أم لا وكان الشيخ أبو بكر محمد بن الفضل يقول: بأنّه يشترط، وكان الشيخ أبو بكر بن حامد -رحمه الله- يقول: بأنّه لا يشترط لجواز الصلاة، وذكر المصنف في التجنيس، ونية الكعبة ليست بشرط في الصحيح من الجواب؛ لأن استقبال البيت شرط من الشرائط فلا يشترط فيه النية كالوضوء، وبعض المشايخ يقول: إن كان يصلي إلى المحراب فكما قال الحامدي [69 / أ]: وإن كان في الصحراء فكما قال الفضلي وذكر الزندويستي في نظمه أن الكعبة قبله من يصلي في المسجد الحرام، والمسجد الحرام قبله أهل مكة من يصلي في بيته أو في البطحاء ومكة وقبلة أهل الحرم والحرم قبلة أهل العالم، وقيل: مكة وسط الدنيا فقبلة أهل المشرق إلى المغرب عندنا، وقبلة أهل المغرب إلى المشرق وقبلة أهل المدينة إلى يمين من توجه إلى المغرب، وقبل أهل الحجاز إلى يسار من توجه إلى المغرب ومن كان خائفًا يصلي إلى أي جهة قدر بأن اختفى من العدو أو غيره ويخاف إنه إذا تحرك واستقبل القبلة أن يشعر به العدو جاز له أن يصلي قاعدًا أو قائمًا بالإيماء أو مضطجعًا حيث ما كان وجهه، وكذا لو كان مريضًا لا يمكنه أن يحول وجهه إلى القبلة وليس بحضرته أحد يوجهه.
وكذا إذا انكسرت السفينة وبقي على لوح وخاف أنه لو استقبل القبلة يسقط في الماء يباح له في هذه الصورة أن يصلي حيث ما كان وجهه، كذا في المحيط، وليس بحضرته من يسأله عنها اجتهد وإنما قيد بهذا؛ لأنّه لو كان أحد يخيره أن القبلة هكذا وهو مع ذلك يعمل باجتهاده على خلاف خبره لا يجوز لأن الاستخبار فوق التحري على ما ذكر ههنا ولكن هذا إذا كان المخبر من أهل ذلك الموضع وهو يعلم جهة القبلة، واما إذا كان لا يعلم فهو والمتحري سواء فلا يترك تحريه بخبره.
وفي التجنيس: رجل بالمفازة فاشتبهت عليه القبلة فأخبره رجلان أنّ القبلة إلى هذا الجانب ووقع اجتهاده إلى جانب آخر فإنّ لم يكونا من أهل ذلك الموضع وهما مسافران مثله لم يلتفت إلى قولهما لأنّهما يقولان بالاجتهاد فلا يترك اجتهاده باجتهاد غيره.
قوله -رَحِمه الله-: وليس في وسعه إلا التوجه إلى جهة التحري، فإن قلت: هذا التعليل لا يكون جوابًا لما ذكره الشافعي فإن له أن يقول: سلمنا أن التكليف مقيّد بالوسع لكن هذا حال العمل فإن له أن يعمل حال توجه الخطاب بالفعل بما في وسعه، ولا يأثم بما فعل عند ظهور الخطأ فأما إذا ظهر خطأه يقينا فكان فعله كلا فعل في حق وجوب الإعادة كما إذا صلى في ثوب باجتهاده على أنه طاهر ثم تبين أنه نجس وكما إذا توضأ بماء في الأواني بالتحري بأنّه طاهر ثم تبين أنه نجس وكما إذا حكم الحاكم باجتهاده في حكم ثم وجد نصًا بخلافه فعليه الإعادة في هذه المَسْألة الثلاث لظهور خطأه بيقين مع جواز العمل (بما في وسعه عند توجه الخطاب بالعمل) بذلك، والذي نحن بصدده من قبيل هذا لأنّه لما كان مستديرًا للقبلة في صلاته ظهر خطأه بيقين فكان من جنس هذه المسائل حتى إنه لو ظهر أنه كان على يمين القبلة أو عن يسارها فأنا أساعدكم فيه لأنّه لم يظهر خطأه بيقين.
قلت: في هذا التعليل جواب له وهذا لأن التكليف بالشيء الذي غاب عنه علمه حقيقة على نوعين:
أحدهما: ما غاب عنه علمه حقيقة ولكن لو استقصى في طلبه يمكن درك حقيقته أو يمكن العمل به على وجه لا يبقى فيه شبهة.
والثاني: هو ما انقطع علمه حقيقة عن جنس الأنس ولا يدرك حقيقته أحد منهم وإن استقصاه فمن الأول: ما ذكرته من المسائل وذلك لأن القاضي لما قضى باجتهاده ثم روى له نص بخلافه كان الجهل به جاء من تقصيره في الطلب فإنّه لو طلب لإصابة فصار كالذي اجتهد في المصر وأخطأ المحراب.
وكذلك المصلى في ثوب أمر بإصابة الطاهر حقيقة لأن في وسعه غسل ذلك بماء ثم استصحابه مع نفسه وإنما خفي عليه لنسيانه الطاهر منهما، وكذلك في ماء الوضوء كان في وسعه استخباره ممن له العلم بحقيقة نجاسته، وإن لم يكن هو في وسعه كان في وسعة إراقته والتيمم الذي يخلفه لا شبهة فيه.
وأما علم جهة الكعبة فمن النوع الثاني وذلك لأن مبنى علم جهة الكعبة للغائب عن الكعبة على النجم لا على خبر الناس؛ فإن المخبر لو أخبر إنما يخبره عن النجم أيضًا ثم كل منهما عجز عن الاستدلال بالنجم لعارض الغيم وذلك من الله تعالى فسقط به خطاب الله تعالى لما لم يعط قدره إزالته إياه فلم يعمل فيما مضى وإن ظهر خطأه يقينا كنص نزل بعد العمل بخلافه أو نزل ولم يبلغه لا بتقصير منه كما في ابتداء حرمة الخمر وفيه نزل قوله تعالى: {ليس على الذين أمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا}، ومن نظير النوعين جهل الذمي بالشرائع بعد الإسلام زمانًا وجهل الحربي بها بعد الإسلام في دار الحرب حيث يجب على الذمي قضاء ما مضى؛ لأنّ الجهل كان لسبب تقصيره في الطلب؛ لأن دار الإسلام دار العلم بالشرائع فلم يعذر في القضاء بخلاف الحربي الذي أسلم حيث لا يجب عليه قضاء ما مضى؛ لأنّ الولايات منقطعة فلم يكن جهله بها بسبب تقصيره فعذر في القضاء بعد العلم هذا حاصل ما ذكر في الأسرار، فلما كان الأمر كذلك كان قول المصنف -رَحِمه الله-: والتكليف مقيد بالوسع راجعًا إلى الوسع الذي لو بالغ في الجهد لأصابه لأنّه محلى بالألف واللام فكان مستغرقًا لجميع ما ينطلق عليه اسم الوسع فلما لم يكن له وسع ما في الذي نحن بصدده صار كنصٍّ نزل بعد الفعل، وكإسلام الحربي وذلك لا يوجب الإعادة فكذا هذا أو نقول في الفرق بينهما أن النجاسة وأمثالها من قبيل ما لا يحتمل الانتقال من محل إلى محل فلم يجز له العمل إلا بظاهر ما أدى إليه تحريه فإذا ظهر ما هو أقوى منه أبطله؛ لأنّه غير قابل للانتقال حتى يقال إنه كان في ذلك الوقت طاهرًا ثم تنجس بعده باليقين بل هو حين صلى كان ذلك الثوب موصوفًا بالنجاسة، وكذلك في حكم القاضي بالاجتهاد وفيه نص بخلافه، وأما القبلة فهي من قبيل ما يحتمل الانتقال ألا يرى أنها انتقلت من بيت المقدس إلى الكعبة ومن عين الكعبة إلى الجهة إذا بعد من مكة ومن جهة الكعبة إلى سائر الجهات إذا كان راكبًا فإنه يصلي حيث ما توجهت إليه راحلته فبعد ما صلى إلى جهة بالتحري إذا تحول رأيه ينتقل فرض التوجه إلى تلك الجهة أيضًا فكان تبدل الرأي فيه بمنزلة النسخ فيعمل به في المستقبل ولا يظهر به بطلان ما مضى كما في النسخ الحقيقي؛ لأن الشرط أن يكون مبتلى في التوجه عند القيام إلى الصلاة وهو المقصود من الأمر بالتوجه إلى الكعبة لأن الله تعالى لا جهة له حتى يتوجه إليه وإنما يتحقق هذا إذا صلى إلى الجهة التي وقع عليه تحريه.
قوله رَحِمه الله: ((ومن علم منهم)) أي: من القوم المقتدين بهذا الإمام وهذا القيد هو علم المقتدين حال كونهم مأمومين ليس بلازم في حق فساد صلاتهم فإنه لو علم حال الإمام قبل الاقتداء فالحكم كذلك وإن كان حال الإمام في وقت الاقتداء على حال الصحة فإنّه ذكر المصنّف رَحِمه الله في التجنيس: رجل تحري القبلة فأخطأ فدخل في الصلاة وهو لا يعلم ثم علم وحول وجهه إلى القبلة ثم دخل رجل في صلاته وقد علم حاله الأولى لا يجوز صلاة الداخل؛ لأنّه دخل في صلاته، وعلم أن الإمام كان على الخطأ في أول صلاته ولو علم من أول صلاته أن الإمام على الخطأ ودخل في صلاته لم يجز، فكذا هذا، وفيه خلاف أبي يوسف، وذكر في الإيضاح: قال أبو حنيفة ومحمد رَحِمهما الله إذا أدى اجتهاده إلى جهة فصلى إلى غيرها فصلاته فاسدة، وإن علم أنه أصاب القبلة وقال أبو يوسف يجوز إذا أصاب لأنّ المقصود قد حصل كما في الأواني إذا تحرى فتوضأ بغير ما أدى إليه اجتهاده (ثم تبين أنه كان مصيبًا وهما يقولان بأن الجهة التي أدى إليها اجتهاده) هي القبلة في هذه الحالة لأنّه لا وسع له إلا هذا فكان التكليف به لا غير وبتركه صار إعراضًا عن القبلة بخلاف الأواني لأن ما استعمل لم ينزل منزلة الطاهر ألا يرى أنه يلزمه الإعادة وإن توضأ بما أدى إليه اجتهاده إذا ظهر خطأه. والله أعلم.
بَابُ صِفَةِ الصَّلاةِ
لما فرغ من ذكر التوابع المتقدمة التي هي مقدمة على الصلاة وجودًا لكونها شروطًا وأسبابًا ومقدمة عليها أيضًا ذكرًا ليكون الذكر على وفاق الوجود شرع ببيان المتبوع وكيفيته وهو الصلاة وصفاتها فقال: باب صفة الصلاة هذا من قبيل إضافة الجزء إلى الكل؛ لأنّ كل صفة من هذه الصفات جزء الصلاة إذ هذه الأوصاف أوصاف ذاتية لما أن عند تمام هذه الأوصاف يتم الصلاة فجاز أن يوصف العرض بالصفات الذاتية كاللونية والعرضية واستحالة البقاء فيقال: السواد عرض ولون ومستحيل البقاء وإنما لا يوصف بصفات زائدة على الذات كالبقاء والحياة والقدرة مع أن الأفعال الشرعية لها حكم الجواهر فلذلك يوصف بالصحة والفساد والجواز والبطلان والفسخ والإقالة والانتقال والبقاء والجزء والكل، وكذلك جعل الله تعالى هذه الأفعال الشرعية بفضله سبب استحبابأ جنان لا تفنى، واستحقاق حسان لا تضنى، واستصحاب جيران لا تحنى.
وفي الصحاح: (وصفت الشيء وصفًا وصفة فالهاء عوض من الواو)، كالوعظ، والعظة، والوعد، والعدة، ولكن هما يتفاوتان في اصطلاح أهل الكلام، فقال الإمام سيف الحق أبو المعين رحمه الله في الاسم والمسمى، فزعمت المعتزلة، والأشعرية بأن الوصف والصفة لفظان ينبئان عن معنى واحد وهما من قبيل الأسماء المترادفة كلفظ الأسد والليث وأصحابنا يقولون: إن الوصف هو كلام الواصف، والصفة هي المعنى القائم بذات الموصوف فقول القائل: زيد عالم، وصف لزيد، لا صفة له وعلمه القائم به صفته لا وصفه وحاصله أن قيام الوصف بالواصف وقيام الصفة بالموصوف.
قوله: ((فرائض الصلاة ستة)) والقياس أن يقال: ستٌّ؛ لأنّ الفرائض جمع فريضة وهي مؤنثة لكنه قال على تأويل الفروض كقوله: ولا أرض أبقل إبقالها، على تأويل المكان ثم ذكرها بلفظ الفرائض دون غيرها لما أنها أعم من لفظ الأركان والشروط إذ لفظ الفرائض يتناولهما فإن الأربعة منها وهي القيام، والقراءة، والركوع، والسجود أركان أصلية والتحريمة شرط جواز الصلاة والقعدة الأخيرة فهي وإن كانت فرضًا إلا أنها ليست بركن أصلي في الصلاة، بدليل أنها لم تشرع في الركعة الأولى، وإنما شرعت هي شرطًا للتحليل، كذا في مبسوط شيخ الإسلام رَحمهُ الله وذكر في التحفة: للصلاة فرائض وواجبات وسنن وآداب.
أما الفرائض فاثنتا عشرة ستة من الشرائط وستة من نفس الصلاة، فأما الستة التي من الشرائط، فالطهارة وستر العورة واستقبال القبلة والوقت والنية والتحريمة وهي تكبيرة الافتتاح.
وأما الستة التي هي من نفس الصلاة فالقيام والقراءة والركوع والسجود والانتقال من ركن إلى ركن والقعدة الأخيرة إلا أنّ الأربعة الأولى من الأركان دون الاثنين الباقيين حتى إن من حلف لا يصلي فقيد الركعة بالسجدة يحنث وإن لم يوجد القعدة ولو أتى بما دون الركعة لا يحنث.
والحاصل أن ثبوت الشيء يفتقر إلى ستة أشياء، العين: وهي عبارة عن ماهية الشيء، والركن وهو عبارة عن جزء الماهية، والحكم وهو الأثر الثابت بالشيء والمحل والشرط والسبب فالعين هنا الصلاة، والأركان القيام والقراءة والركوع والسجود والمحل الآدمي المكلف والشرط ما تقدم من الطهارة وغيرها والحكم الجواز في الدنيا والثواب في الآخرة والسبب الأوقات والكلام في التحريمة بأنها ركن أو شرط يأتي بعيد هذا.
قوله: {وربك فكبر}، أي واختص ربك بالتكبير، وهو الوصف بالكبرياء، وأن يقال الله أكبر، وروي أنه لما نزل قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: الله أكبر، فكبرت خديجة رضي الله عنها وفرحت وأيقنت أنه الوحي فإن سورة المدثر أول سورة نزلت ودخلت الفاء لمعنى الشرط (أي أي شرط كان) كأنه قيل: وأيا ما كان فلا تدع تكبيرة، كذا في الكشاف.
والتكبير للشروع لا بد منه لأنه يريد الشروع في الصلاة والشروع في الصلاة جعل بالتكبير عرف ذلك بالكتاب والسنة وإجماع الأمة.
أما الكتاب فقوله تعالى: {وذكر اسم ربه فصلى} نزلت هذه الآية في التكبيرة الأولى ولقوله تعالى: {وربك فكبر} والمراد به الصلاة؛ لأنّه لا يجب خارج الصلاة وعليه إجماع أهل التفسير.
وأما السنة فلما روي عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهما عن النبي - عليه السلام - أنه قال: «مفتاح الصلاة الطهور وتحريمها التكبير وتحليلها التسليم»، وروي عنه أنه قال: «لا يقبل الله صلاة امرئ حتى يضع الطهور مواضعه ويستقبل القبلة ويقول الله أكبر» وعليه إجماع الأمة فإن أبا بكر الأصم وسفيان بن عيينة والحسن وكثيرًا من أصحابهم أن خالفونا في القراءة أنها ركن في الصلاة أو سنة فقد وافقونا في التكبيرة الأولى أنها فرض لا بد منه؛ لأنّه جعل شرطًا للشروع شرعًا كالطهارة فلا بد منه، كذا في مبسوط شيخ الإسلام وذكر شمس الأئمة السّرخسيّ رحِمهُ الله، وأما التكبير فلا بد منه للشروع في الصلاة إلا على قول أبي بكر الأصم، وإسماعيل بن علية فإنهما يقولان يصير شارعًا بمجرد النية والأذكار عندهما كالتكبير والقراءة زينة الصلاة وليست من الواجبات قالا لأنّ مبنى الصلاة على الأفعال لا على الأذكار ألا ترى أن العاجز عن الأذكار القادر على الأفعال يلزمه الصلاة بخلاف العكس ولنا قوله تعالى: {وذكر اسم ربه فصلى}، أي: ذكر الله تعالى عند افتتاح الصلاة، وظاهر قوله تعالى: {وأقم الصلاة لذكري} يتبين أن المقصود ذكر الله تعالى على وجه التعظيم فيبعد أن يقال ما هو المقصود لا يكون واجبًا؛ فإن الصلاة تعظيم الله تعالى بجميع الأعضاء وأشرف الأعضاء اللسان فلا بدّ من أن يتعلق به شيء من أركان الصلاة، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «تحريمها التكبير»، فدلّ أن بدونه لا يصير شارعًا وتحريمة الصلاة يتناول اللسان ألا ترى أن الكلام في الصلاة مفسد للصلاة فلو لم يتناوله التحريمة لم يكن مفسدًا كالنظر بالعين ومبنى الصلاة على الأفعال دون الكف فكل ما يتناوله التحريمة يتعلق به شيء من أركان الصلاة قوله تعالى: {فاقرؤا ما تيسر من القرآن} قال علماؤنا رحمهم الله: القراءةُ ركنٌ في الصلاة أصلي، وقال بعضهم ممن لا تبع له: ليست بركن وحاصل ذلك أن مسألة القراءة فخمسة على ما يجئ في آخر باب النوافل بفصل على حدة.
قوله: ((والقعدة في آخر الصلاة)) لأن القادر على الفعل دون القول يخاطب بالصلاة دون القادر على القول بلا فعل ولأنه يسقط عن المقتدي إذا أدرك الإمام في الركوع بالإجماع وركن الصلاة لا يسقط بالإقتداء ولنا قوله تعالى: {فاقروا ما تيسر من القرآن} وهو إنما نزل في شأن الصلاة بدليل صدر الأية وسياقها؛ ولأنها لا تجب في غير الصلاة فثبت أنه في الصلاة وأنه بمنزلة قوله: {اركعوا واسجدوا وقوموا لله قانتين} فأركان الصلاة شرعت في كتاب الله تعالى متفرقة، وجمعها رسول الله عليه وسلم، وضرب من الفقه يدل عليه فإن الكلام قاطع للصلاة، فلولا أن اللسان يناوله عقد الصلاة واستحق عليه إذا ركن منها وإلا لما تصور من ذلك ما يقطع الصلاة ألا ترى أنه لما لم يتعلق بالعين لم يكن النظر قاطعاً وكذلك الأذان ولما تعلق بالبدن جملة من قيام وقعود وركوع وسجود واستقبال كان عمل البدن بخلاف هذا قاطعاً والصوم لما تأده بالكف عن شهوة البطن والفرج لم يتعلق النقض إلا بإقتضائهما على سبيل المضادة، ومحيض المراة إنما تفسد الصوم بزوال شرطه كما يفسد هنا بالحدث، وإصابة النجاسة المانعة، ولا معنى أن يقال قد تعلق باللسان التعظيم بالتكبير؛ لأنا نقول: أنه شرط وعقد على الأداء، وليس بركن، والجواب عما قالوه دليل على أن القول على الأداء دون الفعل في ديته الوجوب، فلا يدل على السقوط أصلاً، كذا في الأسرار، وذكر في المبسوط، ثم المذهب عندنا أن فرض القرأءة في الركعتين من كل صلاة. وكان الحسن البصري يقول في ركعة، وكان مالك يقول في ثلاث ركعات، والشافعي يقول في كل ركعة واستدل الحسن بقوله عليه السلام: (لا صلاة إلا بالقراءة) وهذا يقتضي فرضية القراءة لا تكرار فإن الكل صلاة واحدة وهذا ضعيف فإنه لم ينقل عن النبي عليه السلام الإكتفاء بالقراءة في ركعة واحدة في شيء من الصلوات، ولو جاز ذلك لفعله تعليمًا للجواز، والفاتحة سميت مثاني؛ لأنها تبني في كل صلاة، أي: يقرأء مرتين، واحتج الشافعي وقال: أجمعنا على فرضية القرأءة في كل ركعة من التطوع، والفرض أقوى من التطوع، فثبتت الفرضية في كل ركعة بالطريق الأولى، وبكذا قال مالك، إلا أنه قال: أقيم القرأءة في أكثر الركعات مقامها في الجميع تيسيرًا، ولنا إجماع الصحابة فإن أبا بكر الصديق رضي الله عنه كان يقرأ في الآخريين زمن رسول الله عليه السلام على جهة الثناء وعن علي وابن مسعود رضي الله عنهم، كان الشيخان في الآخريين وكنا عن غيرهما وكفى بإجماعهم حجة، ولأن القراءة في الآخريين ذكر يخافت بها في حال فلا يكون ركن الثناء الإفتتاح وتأثيره أن مبنى الأركان على الشهرة والظهور، ولو كانت القراءة في الآحريين ركنا لما خالفت الأوليين في الصفة كسائر الأركان وكل شفع من التطوع صلاة على حدة بخلاف الفرض حتى أن فساد الشفع الثاني في التطوع لا يفسد الشفع الأول وباقي الأحكام يأتي في القرأءة ولا خلاف لأحد في فرضية القيام والركوع والسجود لأن مبنى الصلاة على الأفعال التي تدل على التعظيم.
قوله: ((والقعدة في آخر الصلاة)) وذكر في الإيضاح: فأما القعدة الأخيرة فمن جملة الفروض وليست من الأركان والفرض بين الركن والفرض فركن الشيء ما يفسر به ذلك الشيء وتفسير الصلاة لا يقع بالقعدة فإنما يقع بالقيام والقراءة [71 - أ] والركوع والسجود ودرجة القراءة في الركنية أحط من غيرها ولهذا لو حلف لا يصلي فقام وقرأ وركع وسجد يحنث في يمينه ولو كانت القعدة من جملة الأركان لتوقف الحنث عليها فإن الحنث في اليمين لا يتحقق إلا بعد وجود ذلك الشيء وكان الفقه في انعدام الركنية في القعدة أن الصلاة فعل هو تعظيم وأصل التعظيم في القيام ويزداد بالركوع ويتناهى بالسجود، فأما القعدة فللخروج من الصلاة فكانت معتبرة لغيرها لا لعينها فلم يكن من جملة الأركان وإنما فصلنا بينها وبين القعدة الأولى لأنّ النبي - عليه السلام - فصل بينهما فأنّه - عليه السلام - روي أنه قام إلى الثالثة فسبح به فلم يرجع وقام إلى الخامسة فسبح به فرجع فدل ذلك على اختلاف حكمهما.
وذكر في الأسرار في حق فرضية القعدة الأخيرة فقال: قد ثبت باتفاق الأخبار أن النبي - عليه السلام - ما سلم إلا بعد القعدة الأخيرة (فقال: قد ثبت باتفاق الأخبار أن النبي - عليه السلام - ما سلم إلا بعد القعدة الأخيرة) والأمر بالصلاة في كتاب الله تعالى مجمل فيكون فعله بيانًا لما لم يثبت بالكتاب بخلاف القراءة يعني لم يجعل مواظبة النبي - عليه السلام - على قراءة الفاتحة بيانًا لمجمل الكتاب لما أن الآية ظاهرة في حق القراءة مستغنية عن بيان رسول الله - عليه السلام - فكان فعله ومواظبته على قراءة الفاتحة زيادة على كتاب الله تعالى لو اقتضى الفرضية وأنه نسخ وليس ببيان، فلذلك حمل فعله هناك على بيان الكمال؛ لأن الآية لم تتعرض له.
قوله: ((إذا قلت هذا أو فعلت فقد تمت صلاتك)) علق التمام بالفعل قرأ أو لم يقرأ؛ لأن معناه إذا قلت وأنت قاعد أو قعدت ولم يقل شيئًا لأن قراءة التشهد بدون فعل القعود لا يتصور فصار الفعل أصلًا دون القول، كذا وجدت بخط الأستاذ مولانا فخر الدين رحمه الله يعني أن إتمام الصلاة فرض بالدليل الذي يوجب فرضية الصلاة لأن الصلاة لا تكون بدون التمام وترك الإتمام بعد الشروع إبطال للعمل وهو مزجور عنه بقوله تعالى: {ولا تبطلوا أعمالكم} والتمام معلق بفعل القعدة.
فكانت القعدة فرضًا لا محالة؛ لأن الواجب الذي لا يتم إلا بشيْء كان ذلك الشيء واجبًا وعن هذا قال أبو حنيفة -رحمه الله- أن الخروج من الصلاة بصنع المصلي فرض لأن إتمامها فرض والإتمام لا يكون إلا ما يضاد فعل الصلاة فكان الخروج بصنعه من الصلاة فرضًا أيضًا لضرورة فرضية الإتمام.
فإن قلت: الاستدلال على الفرضية بمثل هذا التعليل إنما يصح أن لو كان ذلك التعليل مستفادًا من النص الذي توجب الفرضية وخبر الواحد بعبارته لا يوجب الفرضية فكيف الاستدلال به ألا ترى إلى قوله - عليه السلام -: «خللوا أصابعكم كيلا يتخللها نار جهنم»، الأمر في نفسه موجب للفرضية فكيف إذا كان مقرونًا بالوعيد عند الترك ومع ذلك لم يوجب فرضية تخليل الأصابع لكونه خبر الواحد وكذلك قوله - عليه السلام -: «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب»، فكيف أوجب هذا الخبر الفرضية وهو في نفسه خبر الواحد.
قلت: هذا الخبر ليس كخبر تخليل الأصابع وغيره، فإن هذا خبر تلقته الأمة بالقبول ولا خلاف لأحد في ثبوته، لكن بقي الكلام في دلالته على الفرضية والدلالة هي ما ذكره شيخ الإسلام رَحمهُ الله فقال: والقعدة الأخيرة صارت فرضًا بالإجماع بقوله - عليه السلام -: «إذا قلت هذا أو فعلت هذا فقد تمت صلاتك»، ثم استدل على نفي فرضية قراءة التشهد بهذا الحديث فقال: فقد علق النبي - عليه السلام - التمام بأحد الأمرين واجتمعنا على أن التمام تعلق بالقعدة فإنه لو تركها لم يجزه فلا يتعلق بالثاني ليتحقق التخيير فإن موجب التخيير بين شيئين الإتيان بأحدهما ولأن خبر الواحد إذا كان متلقى بالقبول جاز إثبات الركنية به فأولى أن يجوز إثبات الفرضية به لأن درجة الركنية أعلى من درجة الفرضية وهو ثبوت ركنية الوقوف بعرفات فإنها إنما يثبت بقوله - عليه السلام -: «الحج عرفة»، والوقوف معظم أركان الحج، كذا ذكره الإمام المحبوبي -رَحِمه الله- في مناسك الجامع الصغير، والأوجه فيه أن يقول لما كان هذا الخبر وقع بيانًا لمجمل قوله تعالى: {وأن أقيموا الصلاة} على ما ذكر في الاسرار لم يكن هو مستبدًا بنفسه في إثبات الفرضية بل الفرضية ثبتت بالكتاب والخبر لحقه بيانًا لمجمله بخلاف خبر الفاتحة والتخليل لأن أمر القراءة وأمر الوضوء غير مجملين فحينئذ لا يكون إثبات الفرضية بهما إلا على طريق النسخ وليس بخبر الواحد ذلك ولكن له البيان للمجمل كما في قدر مسح الرأس.
قوله -رحِمهُ الله-: ((وفيها واجبات كقراءة الفاتحة)) إلى آخره ذكر في مبسوط شيخ الإسلام رَحمهُ الله والتحفة وللصلاة واجبات وسنن وآداب فواجبات الصلاة ثمانية والثمانية مذكورة في الكتاب ثم المراد من واجبات الصلاة هو أن يجوز الصلاة بدونها، ويجب سجدتا السهو بتركها ساهيًا والسنن هي ما فعله رسول الله - عليه السلام - على طريق المواظبة ولم يتركها إلا بعذر نحو الثناء والتعوذ وتكبيرات الركوع والسجود والآداب كل ما فعله رسول الله - عليه السلام - مرة أو مرتين ولم يواظب عليه كزيادة التسبيحات في الركوع والسجود على الثلاثة، والزيادة على القراءة المسنونة، والواجبات شرعت إكمالًا للفرائض فتكون حصنًا لها والسنن شرعت لإكمال الواجبات فيكون حصنًا لها والآداب شرعت لإكمال السنن (فيكون حصنًا لها) ومراعاة الترتيب فيما شرع مكررًا من الأفعال وهي السجدة الثانية فإنها واجبة أي مراعاة الترتيب حتى أن من ترك السجدة الثانية من الركعة الأولى ساهيًا وقام وصلى تمام صلاته ثم تذكر، فإن عليه أن يسجد السجدة المتروكة ويسجد للسهو لترك الترتيب كذا في التحفة، قوله فيما شرع مكررًا أي في ركعة احترازًا عما شرع غير مكرر فيها كالركوع فإن الركوع بعد السجود لا يقع معتدًا به بالإجماع.
فإن قلت: لِم لم يذكر قراءة التشهد في القعدة الأولى ههنا وهي واجبة أيضًا؟ كذا ذكره في باب سجود السهو في الكتاب وكذا ذكر في المبسوطين أيضًا ولمَ لمْ يذكر تعديل الأركان أيضًا ههنا مع أن ذلك واجب أيضًا عند أبي حنيفة ومحمد، كذا في مبسوط شيخ الإسلام والتحفة وأي شيء أقام مقامه حتى كمل العدد ثمانية.
قلت: المصنف -رَحِمه الله- لم يلتزم ذكر جميع الواجبات بل أري نظائر الواجبات بقوله وفيها واجبات كقراءة الفاتحة إلى آخره ولكن كمل مع ذلك عدد الثمانية فيما ذكر وإنما لم يزد على الثمانية ما ذكره شيخ الإسلام في المبسوط مع أنه ذكر قراءة التشهد في القعدة الأولى لما أنه جعل قراءة التشهد في القعدتين واجبًا واحدًا ثم المعنى في تركه ههنا لما أن قراءة التشهد في القعدة الأولى عند بعضهم سنة لا واجب منهم الإمام الاستروشني، ولكن الأصح أنها واجبة كذا ذكر في عامة النسخ فجاز أن يقع اختيار المصنف هنا على قول ذلك البعض وهو اختيار صاحب التحفة أيضًا، وفي باب سجود السهو على قول عامة المشايخ ومثل هذا يوجد من صاحب الكشاف، ومن الإمام السجاوندي في وقوفه.
وأما تعديل الأركان فمتناول للطمأنينة في الانتقال من ركن إلى ركن وللطمأنينة في الركوع والسجود، وأما الأولى فهي الطمأنينة في الانتقال فسنة لا واجب بالاتفاق.
وأما الثانية وهي الطمأنينة في الركوع والسجود فمختلف فيها، وكان أبو الحسن الكرخي -رحمه الله- يقول: إنه واجب على قول أبي حنيفة - رضي الله عنه - حتى لو تركها ساهيًا كان عليه السهو وكان الشيخ أبو عبد الله الجرجاني يقول: بأنّها سنة حتى لو تركها ساهيًا على قوله لا سهو عليه، كذا في مبسوط شيخ الإسلام، فعلى هذا كان ترك ذكرها للاختلاف في وجوبها ثم غير صاحب الهداية جعل قراءة الفاتحة والسورتين في الركعتين الأوليين واجبًا واحدًا واورد تعديل الأركان من إحدى الواجبات، وصاحب الهداية قدّ ضم السورة واجبًا على حدة مع ترك ذكر تعديل الأركان فصارت الواجبات ثمانية مع الاختلاف في المعدود.
قوله: ((هذا هو الصحيح)) هذا احتراز عن جواب القياس في تكبيرات العيد وقنوت الوتر فإن فيهما القياس والاستحسان، ولكن الصحيح جواب الاستحسان، وفي المبسوط في باب السهو: (وإن سها عن قراءة التشهد في القعدة الأولى أو تكبيرات العيد أو قنوت الوتر (ففي القياس) لا يسجد للسهو؛ لأن هذه الأذكار سنة فبتركها لا يتمكن كثير نقصان في الصلاة كما إذا ترك الثناء والتعوذ وهذا لأن مبنى الصلاة على الأفعال دون الأذكار وسجود السهو عرف بفعل رسول الله عليه السلام، وما نقل ذلك عنه إلا في الأفعال.
وجه الاستحسان أن هذه الستة تضاف إلى جميع الصلوات يقال: تكبيرات العيد وقنوت الوتر وتشهد الصلاة فبتركها يتمكن النقصان والتغير في الصلاة فأما ثناء الافتتاح فغير مضاف إلى الصلاة فبتركه لا يتمكن النقصان في الصلاة).
قوله: (لما أنه ثبت وجوبها بالسنة) فكان فيه إطلاق اسم السبب وهو السنة على المسبب وهو الواجب.
[ ... ] (وإذا شرع في الصلاة كبر) أي: وإذا أراد الشروع؛ لأن تكبيرة التحريمة ليست بعد الشروع، بل الشروع يتحقق بها وهذا كقوله تعالى: {فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله} والدليل على هذا الإدراج ما ذكره محمد -رَحِمه الله- بالتصريح في أول المبسوط بقوله: وإذا أراد الرجل الدخول في الصلاة كبر.
قوله: حتى إن من تحرم للفرض كان له أن يؤدي بها التطوع فإن التكبير للافتتاح لما صار شرطًا عندنا جاز أداء النفل بتحريمة الفرض كما لو تطهر للفرض فأدى بها التطوع جاز كذا هذا، وعند الشافعي لا يتأدى النفل بتحريمة الفرض لأنّها ركن عنده.
فإن قلت: تعيين المسألة في بناء النفل على الفرض دون غيره من بناء الفرض على تحريمة الفرض أو النفل على النفل أو الفرض على النفل في الكتاب وعامة النسخ من مبسوط شيخ الإسلام، وفتاوى قاضي خان، والإيضاح، والتحفة، والمحيط: يشير إلى أنه لا يجوز في غيره وكونها شرطا يقتضي الجواز في الكل كما في الطهارة للصلاة فما وجهه؟
قلت: قد ذكر في فتاوى القاضي الإمام ظهير الدين رحمه الله أما بناء الفرض على تكبير الفرض قيل: لا يجوز وقال القاضي الإمام صدر الإسلام -رحمه الله- يجوز؛ فإن أبا اليسر قال في مبسوطه: لو شرع في الظهر وأتمها ولم يسلم وبنى عليه عصرًا فاتت عنه أجزاه عندنا ولكن ذكر القاضي الإمام أبو زيد -رحمه الله- في الأسرار: جواز بناء النفل على النفل فعلم جواز بناء الفرض على فرض آخر فقال في جواب الشافعي في هذه المسألة والفرض وأن انقضى فهو حرام بعد ذلك فجاء بشرط الصلاة فإن لم يكن ثبت للنفل ابتداءً كما يتأدى النفل بطهارة الفرض، وكذلك الفرض إلا إن فرضًا آخر لا يتأدى به ههنا؛ لأنّه مع كونه شرطًا فهو عقد على الأداء كعقد الإجارة على أداء عمل في مقابلته أجر والعقد على الفرض يتضمن النفل؛ لأنّه صلاة مثل النفل وزيادة فمن حيث إنه صلاة، فالباب واحد فيجوز الزيادة ما شاء كمن شرع في النفل ينوي ركعتين فله أن يزيد ما شاء إلا أنه يكره له ذلك، أي: بناء النفل على تحريمة الفرض لترك التحلل عن الفرض بالوجه المشروع وهو التسليم كما يكره له ذلك إذا تكلم ولم يسلم، وكذلك ذكر فخر الإسلام -رَحمهُ الله- في أول الجامع الصغير في مسألة السهو أن بناء الفرض على فرض آخر لا يجوز فقال: ولو كان على رجل فوائت فصلى الظهر ثم قام منه إلى العصر من غير تكبيرة الافتتاح لم يصر شارعًا في العصر؛ لأنّ إحرامَ الظهر لا ينتظم العصر كما ينتظم النفل.
قلت: بقي بناء حكم بناء الفرض على النفل ولم أجد فيه رواية ولكن يجب ان لا يجوز أما على ما اختاره صاحب الأسرار وفخر الإسلام فظاهر لأنّه لما لم يجز بناء الفرض على تحريمة فرض آخر وهو مثله فلأن لا يجوز بناء الفرض على ما دونه أولى وأما على اختيار صدر الإسلام فإنّه إنما جوز بناء المثل على المثل فهو لا يدل على تجويزه بناء الأقوى على الأدنى ثم المعنى أيضًا تدل على عدم الجواز؛ لأن الشيء يستتبع مثله أو دونه، ولا يستتبع ما هو أقوى منه وفي بناء الفرض على النفل جعل النفل مستتبعًا للفرض لأن المبنى تبع للمبني عليه وذلك لا يجوز.
فإن قلت: الحاقهم بالطهارة يقتضي أن يجوز في الكل؛ لأن الشرط يشترط وجوده لا وجوده قصدًا كما في الطهارة ولبس الثوب.
قلت: يجيب عنه بما أجاب عنه وذلك لا يجوز فإن قلت بما أجاب عنه صاحب الأسرار وهو قوله؛ لأنّه مع كونه شرطًا فهو عقد على الأداء إلى آخره فصار هذا عين نظير الحاقهم الصوم للاعتكاف بالطهارة في كونه شرطًا فمن حيث إنه شرط إذا صادف بدء الاعتكاف شهر رمضان يجوز بصومه ومن حيث إن الصوم عبادة مقصودة في نفسه شرط وجوده قصدًا عند عدم مصادفة نذر الاعتكاف بشهر رمضان ولم يكتف بنفس الوجود وإن كان شرطًا لصحة الاعتكاف فكذلك ههنا لما كانت التحريمة عقدًا على الأداء كعقد الإجارة والبيع لا يكون عقدًا على فعل آخر ولكن لما كان المبني أدنى حالًا من المبني عليه عملنا بجهة الشرطية وفي غيره بمعنى العقد بخلاف الطهارة فإنها شرط محض ليست فيها شائبة كونها مقصودة فلذلك جازت الصلاة بأي طهارة كانت للنفل [72 - ب] أو للفرض أولًا لفرض.
قوله: ((هو يقول يشترط لها ما يشترط لسائر الأركان)) من الطهارة وستر العورة واستقبال القبلة والنية والوقت ولأن هذا ذكر مفروض شرع في حالة القيام فيكون ركنًا في الصلاة قياسًا على القراءة، واحتج أصحابنا رحمهم الله بظاهر قوله تعالى: {وذكر اسم ربه} نزلت هذه الآية في التكبيرة فقد عطف الصلاة عليها ولو كانت التكبيرة ركنًا في الصلاة كانت من الصلاة فلا يستقيم عطف الصلاة عليها حينئذ لأنّ الشيء يعطف على غيره لا على نفسه لا يقال زيد وزيد وإنما يقال: زيد وعمرو، ولأن التكبيرة الأولى لو كانت ركنًا في الصلاة لكانت تكرر فرضًا في كل ركعة كالركوع والسجود أو يتكرر في الثانية كالقراءة.
فإن قيل: يشكل بالقراءة فإنها ركن بالإجماع ومع ذلك لا يتكرر في كل ركعة على مذهبكم حيث لا يتكرر في الثالثة والرابعة فرضًا.
قلنا: لما كانت القراءة ركنًا تكررت في الركعة الثانية بالإجماع وفي كل ركعة على أصلك والتكبير لم يتكرر فرضًا في الثانية بالإجماع ثم إنما لم يتكرر القراءة في الثالثة والرابعة فرضًا عندنا لأنّها مع كونها ركنًا في الصلاة ليست بركن أصلي وإنما هي ركن زائد لأنّها قول ومبنى الصلاة على الأفعال دون الأقوال، بدليل أن العاجز عن القول، والقادر على الفعل يخاطب بالصلاة لا على العكس وبدليل أنها تسقط لخوف فوت الركعة والقيام لا يسقط ولما انحطت درجتها عن درجة سائر الأركان.
قلنا: لكونها ركنًا تكررت في الركعة الثانية كالقيام وغيره ولكونها ليست بركن من وجه لم يتكرر في الثالثة والرابعة.
وأما قوله بأنّها ذكر كالقراءة فالجواب ما بيّنا أنها لما شرعت ركنًا في الأولى تكررت فرضاً في الثانية وهذه لم تتكرر فرضًا في الثانية وأما اشتراط سائر الأركان فإنها ما شرطت للتحريمة نفسها وإنما شرطت للقيام الذي هو ركن لكن التحريمة متصلة بالقيام فاشترطت هي للقيام المتصل بالتحريمة لا للتحريمة نفسها ولهذا لما انفصل الأداء عن الإحرام في باب الحج لم يشترط لصحة الإحرام سائر شرائط الأركان؛ فإن الوقت شرط لأداء سائر الأركان ولا يشترط للإحرام عندنا والاختلاف فيهما على نسق واحد كذا في مبسوط شيخ الإسلام -رَحمهُ الله-.
قوله: ((وهو سنة)) أي: رفع اليدين عند التكبير سنة فإنّ النبي - عليه السلام - واظب عليه.
فإن قلت: المواظبة دليل الوجوب فكيف استدل بها على السنة؟.
قلت: لا نسلم بل مطلق المواظبة دليل على السنة، ولا تثبت السنة بدون المواظبة، ذكر هذا اللفظ في هذا الكتاب في آخر باب إدراك الفريضة وقال ولا سنة دون المواظبة، والمواظبة إنما يكون دليل الوجوب إذا كانت من غير ترك، ألا ترى أن المصنف رَحِمه الله لما أحتاج إلى إثبات واجبية الفاتحة والقنوت والتشهد كيف أكد مواظبة النبي - عليه السلام - بغير ترك في باب سجود السهو فقال فإنّه - عليه السلام - واظب عليها من غير تركها ثم ثبت الترك ههنا مع المواظبة، فإن شمس الأئمة السّرخسيّ رحِمهُ الله قال في تعليل هذه المسألة: (لأن النبي - عليه السلام - علّم الأعرابي الصلاة ولم يذكر رفع اليد؛ لأنه ذكر الواجبات وواظب على رفع اليد عند التكبير فدل أنه سنة).
قوله: ((والأصح أنه يرفع أولا ثم يكبر)) اختلف المتأخرون في أفضلية وقت الرفع، فاختار شيخ الإسلام وقاضي خان، وصاحب التحفة المقارنة، واختار شمس الأئمة السرخسي وصاحب الهداية تقديم الرفع على التكبير، وقال شيخ الإسلام -رَحمهُ الله- ثم يرفع يديه مقارنا للتكبيرة لأنّه سنة للتكبيرة، فإنه شرع في التكبيرة لزيادة الإعلام، فيكون تبعًا لها كالجهر بها، وإذا كان الرفع في سنة التكبيرة كان تبعًا لها، وإنما يتحقق التبعية إذا وجد الرفع مع التكبيرة، فيجب أن يكون الرفع مقارنًا لها، كتكبيرات الركوع والسجود والقيام، فإن من سنتها المقارنة فكذا هذا،
وههنا حكاية: حكي أن رجلًا سأل أبا يوسف القاضي -رحمه الله- فقال: بأي شيء يفتتح بالفرض أم بالسنة، فذهب قلبه إلى التكبيرة، فقال: بالفرض، فقال السائل: أخطأت فقال بالسنة وذهب قلبه إلى رفع اليد، فقال السائل: أخطأت إنما يفتح الصلاة بهما جميعا، فهما على أنه مقرون بالتكبيرة، لا يتقدم أحدهما صاحبه، وقال: (شمس الأئمة السرخسي): والذي عليه أكثر مشايخنا أنه يرفع يديه أولًا، فإذا استقرتا في موضع المحاذاة كبر؛ لأن في فعله وقوله معنى النفي والإثبات، فإنه يرفع اليد بنفي الكبرياء عن غير الله تعالى وبالتكبير شبهًا لله تعالى فيكون النفي مقدمًا على الإثبات كما في كلمة الشهادة ولا يتكلف للتفريق بين الأصابع عند رفع اليد، والذي روي: (أن النبي - عليه السلام - كبر ناشراً أصابعه) معناه ناشرًا عن طيها بأن لم يجعله مشتًا بضم الأصابع إلى الكف.
وقال شيخ الإسلام: فمن الناس من ظن أنه أراد بنشر الأصابع أن يفرج بين الأصابع تفريجًا وهو غلط ولكن أراد به النشر عن الطي، كما يكون في الثوب أي: لا يرفع يديه مضمومتين بل يرفعهما منصوبتين؛ حتى تكون الأصابع مع الكف مستقبل القبلة، وقال الفقيه أبو جعفر الهندواني -رحمه الله- إذا رفع يديه لا يضم أصابعه كل الضم ولا يفرج كلّ التفريج بل يتركهما على ما عليه (أصابعه بين الضم والتفريج).
قوله: ((ورفع اليد لإعلام الأصم)) قلت: كان يجب عليه أن يقول ورفع اليد لإعلام الأصم أيضًا بزيادة قوله أيضًا لدفع التناقض صورة لأنّه ذكر أولًا أن معنى رفع اليد نفي الكبرياء عن غير الله فلا يكون لغيره حتى يكون لتخصيصه فائدة وإنما يكون هو لغيره معه إذا كان له معنيان وهو النفي والإعلام وهو يحصل بذكر قوله أيضًا إلا أن المصنف اتبع شمس الأئمة السّرخسيّ وهو رحِمهُ الله، كذلك ذكره فإن دأبهم ترك التكليف وتفهيم المعاني والمعنيان يحصلان بما ذكروا فلا حاجة بعد ذلك إلى زيادة التكلف، وذكر شمس الأئمة السّرخسيّ رحِمهُ الله في هذه المسألة مذهبنا قول أبي موسى الأشعري، ومذهب الشافعي قول ابن عمر - رضي الله عنهم -، والمصير إلى ما قلنا أولى؛ لأن فيه إثبات الزيادة وتأويل حديثهم أنه كان عند العذر في زمان البرد حين كانت أيديهم تحت ثيابهم، وكان طاووس رحمه الله يقول برفع يديه فوق رأسه ولا نأخذ بهذا، كذا في المبسوط.
والمرأة ترفع حذاء منكبيها، هو الصحيح، هذا احتراز عن رواية الحسن بن زياد عن أبي حنيفة رحمه الله أنها ترفع يديها حذا أذنيها كالرجل بخلاف سائر الأفعال، فإنها تفعل في سائر الأفعال على أستر ما يكون لها، ألا ترى أن الرجل يفتح إبطيه عند السجود، والمرأة تضم وإنما يستوي حال المرأة هنا بحال الرجل؛ لأنّ رفع اليدين إنما يكون بكفيها، وكفها ليست بعورة فكانت هي في رفع اليدين والرجل سواء بخلاف سائر الأعضاء، ومنهم من يقول: ترفع يديها حذو منكبيها وهكذا ذكره محمد بن مقاتل في إملائه؛ لأن ذلك أستر لها وهذا لأن زيادة الرفع في الرجل إنما سنت؛ لأنّه يحتاج إلى الإعلام في الإمامة، والرفع إلى الأذنين أبلغ في الإعلام، فكان أولى له كالجهر بالتكبير، وأما المرأة تصلي وحدها فلا حاجة لها إلى الإعلام فسقط الرفع إلى الأذنين، ووجب الرفع إلى المنكبين، كذا في مبسوط شيخ الإسلام، وجعل القول الثاني هو الأصح صاحبُ المحيط كما في الهداية، قال بدل التكبير الله أجل إلى آخره ولو افتتح الصلاة بلا إله إلا الله أو بالحمد لله و سبحان الله، أو قال لا إله إلا الله أو قال تبارك الله يصير شارعًا في الصلاة عندهما وهو قول النخعي والحكم بن عيينة ويستوي أن كان يحسن التكبير أو لا يحسن وكذلك يستوي إن كان يعرف أن الصلاة تفتتح بالتكبير أو لا يعرف.
وقال أبو يوسف في الجامع الصغير: (إذا كان يحسن التكبير لم يجز إلا بأربعة ألفاظ منها الله كبير) والباقي مذكور في الكتاب ولم يفصل بين ما إذا كان يعلم أن الصلاة تفتتح بالتكبير [أو لا يعلم وذكر في كتاب الصلاة، وقال أبو يوسف رحمه الله إذا كان يحسن التكبير ويعلم أن الصلاة تفتتح بالتكبير] لا يصير شارعًا إلا بما ذكرنا من الألفاظ، فأما إذا كان لا يعرف الافتتاح بالتكبير يجزئه وإن كان يحسن التكبير وذكر فخر الإسلام -رَحمهُ الله- والصحيح ما ذكره ههنا أي في الجامع الصغير لأنّ الجهل لا يجعل عذرًا في دار الإسلام.
وروي عن أبي يوسف -رحمه الله- لو قال: (الله الكبار) يصير شارعًا لأنّ الكبار لغة في التكبير ثم أن محمدًا ذكر أنه إذا افتتح الصلاة بالتسبيح وغيره يصير شارعًا عندهما ولم يذكر أنه هل يكره ذلك عندهما قال بعضهم لا يكره وقال بعضهم يكره وهو الأصح كذا في المحيط، واحتج أبو يوسف ومن تابعه بقوله - عليه السلام -[73 - ب] «مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير».
فكان التكبير تفسيرًا لقوله: وتحريمها، فعلم أنه لا تحريم بغيره وجائز تعلّق الجواز بكلمة بعينها وإبانة لحرمة تلك الكلمة كما تعلق وجوب الحكم بلفظ الشهادة دون سائر الألفاظ بخصوصيته تثبت لذلك اللفظ في الإيجاب فكذلك التكبير في الثناء على الله تعالى فإنه يدل على العظم والقدم جميعًا يقال: فلان أكبر سنا من فلان، أي؛ أقدم ولهذا كان الافتتاح به أولى من غيره بالاتفاق ومن تأمل في معنى قوله - عليه السلام - فيما يؤثر عن ربه (جل جلاله): «الكبرياء ردائي والعظمة إزاري» اتضح له ما قلنا.
ولنا قوله تعالى: {وذكر اسم ربه فصلى} علق الصلاة بمطلق ذكر اسم الله تعالى فإن الفاء للتعليق إذا خرج جوابًا عن الخير وما ذاك إلا ذكر التحريمة فمن زاد قيد التكبير فقد نسخه أو يقول ذكر الذكر مطلقًا فيجوز التحرم بأي ذكر كان عملًا بعموم اللفظ وأما الشهادة فإنها خبر بنفسها ويمين أيضًا ولا يمين سواه من الخبر فلذلك لم يقم قوله: أعلم أو أتيقن مقامه وكذلك لو أخبر وحلف لأن اليمين ممتازة عن الخبر فلم يصيرًا شيئًا واحدًا بخلاف الشهادة فكان لها زيادة مزية على غيرها وعظمة الله تعالى ينبئ عن القدم والقهر والقدرة وكل صفة محمودة وكذلك الكبرياء والتكبير، كذا في الأسرار والفوائد الظهيرية والقاطع لشعب الخصوم هو ما ذكره شيخ الإسلام رَحمهُ الله وهو قوله: إنه افتتح الصلاة بذكر ما هو مأمور به فيجب أن يكون شارعًا في الصلاة، كما في قوله: الله أكبر، وإنما قلنا ذلك لأنا نفرض الكلام فيما إذا قال الرحمن أكبر أو الرحيم أكبر يصير شارعًا عندنا وعندهم لا يصير شارعًا، فنقول الرحمن والله سواء على ما قال الله تعالى: {قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى} فلما ثبت المساواة بين قوله (الله) وبين قوله (الرحمن) بالنص القطعي (وأكبر) في موضعه أيضًا من غير تغيير وجب أن يصير شارعًا بسبب أن هذا كان عين ما ورد به النص وهم لا يقولون به، وفي غيره يكون شارعًا أيضًا لعدم القائل بالفضل، وفي المبسوط إذا قال الله لا يصير شارعًا عند محمد رحمه الله؛ لأن تمام التعظيم بذكر الاسم والصفة وعند أبي حنيفة رحِمهُ الله يصير شارعًا لأن في هذا الاسم معنى التعظيم فإنّه مشتق من التأله وهو التحير، وحاصل اختلافهم راجع على ما ذكره شيخ الإسلام رَحمهُ الله وهو أن ركن التحريمة هو غير التكبير ركنًا أم الركن عمل اللسان عمل ثناء على الله، ومن كان عنده عين التكبير لم يجز إقامة غيره مقامه بالتعليل لأنّه نسخ كما لا يجوز إقامة الحد مقام الجهة في السجود ومن كان الركن عنده عمل اللسان صح التعليل وإقامة غيره مقام المنصوص والأولى أن يكون الركن فعل اللسان على سبيل التعظيم لأن مبنى الصلاة على أفعال تحل على أعضاء مخصوصة فلما كانت الركنية في فعل اللسان لم تحصل ذلك يفعل عضو آخر غيره، فأما ذكر الله سبب لتحصيل هذا الركن وما شرع سببًا لتحصيل الركن يجوز إقامة غيره مقامه باعتبار المعنى ألا ترى أن السجود إنما شرع بوضع الجبهة على الأرض على ما قال - عليه السلام -: «مكن جبهتك من الأرض»، ثم إذا وضع الجبهة على السرير أو ما يقوم مقام الأرض أجزأه؛ لأنّ الركن فعل محل الجبهة لا فعل محل الأرض وإنما الأرض سبب لتحصيل الفعل في الجبهة فجاز إقامة غير المنصوص (مقام المنصوص) باعتبار المعنى وهنا أيضًا الركن فعل يحل اللسان لا فعل يحل هذه الكلمة إنما ذكر هذه الكلمة سبب لتحصيل هذا الركن فيجوز إقامة غيره مقامه باعتبار المعنى.
قوله: ((وقال أبو يوسف رحمه الله إنّ أفعل وفعيلا في صفات الله تعالى سواء)) لأنّ تفسير الله أكبر الله كبير لا يراد بأكبر إثبات زيادة في صفات الله لأنّه لا يساويه أحد في أصل الكبرياء حتى يكون أفعل للزيادة كما يكون في أوصاف العباد فكان أفعل بمعنى فعيل بهذه الدلالة كذا في مبسوط شيخ الإسلام، وذكر في المُغرب: (الله أكبر، أي: أكبر من كل شيء) وتفسيرهم إياه بالكبير ضعيف، ولهما: إن التكبير هو التعظيم لغة، قال الله تعالى: {فلما رأينه أكبرنه}، أي: عظّمنه، {وربك فكبر}، أي: فعظم، والتعظيم حصل بقوله: الله أعظم وقالا: لا يجزئه إلا في الذبيحة فلو آمن بالفارسية كان مؤمنًا وكذلك لو سمي عند الذبح بالفارسية أو لبى عند الإحرام بالفارسية أو بأي لسان كان جاز في قولهم جميعًا سواء كان يحسن العربية أو لا يحسن كذا في شرح الطحاوي، والمبسوط وزاد على هذا الإمام التمرتاشي بقوله وكذا الشهادة عند الحكام، واللعان، والعقود، يصح بالإجماع، وكذا لو حلف لا يدعو فلانا فدعاه بالفارسية: يحنث، وحاصل الخلاف أن عند أبي حنيفة رحِمهُ الله يجوز، ويكره، وعندهما لا يجوز إذا كان لا يحسن العربية، فحينئذ يجوز عندهما أيضًا، وعند الشافعي رحمه الله لا يجوز القراءة بالفارسية أصلًا لكنه إن كان لا يحسن العربية فهو أمي يصلي بغير قراءة، فلو قرأ بالفارسية تفسد عنده لأنّها من كلام الناس، كذا في المبسوط.
وقال الإمام المحبوبي رحمه الله: الخلاف فيمن لا يتهم بشيء منه وقرأ في الصلاة كلمة بالفارسية، أو أكثر منها.
وأما لو اعتاد قراءة القرآن أو كتابة المصحف بالفارسية يمنع منه أشد، حتى إن واحدا من أهل الأهواء في زمان الشيخ الإمام الجليل أبي بكر محمد بن الفضل رحمه الله كتب فتوى وبعثها إليه أن الصبيان في زماننا شق عليهم التعلم بلغة العربية هل يجوز لنا أن نعلمهم بالفارسية فقال للمستفتي ارجع حتى نتأمل ثم استبحث من حاله فإذا هو كان معروفًا بفساد مذهبه فأعطى لواحد من خدامه سكينًا فقال له اقتله بهذا ومن أخذك به فقل إن فلانًا أمرني به ففعل فجاء شرطي إليه وقال: أن الأمير يدعوك فذهب الشيخ إليه فقص القصة وقال إن هذا كان يريد أن تبطل كتاب الله تعالى فخلع له الأمير وجازاه بالخير، ومشايخ بلخ رحمهم الله أخذوا في هذه المسألة بقولهم وهو مختار الفقيه أبي الليث رحمه الله، وكذا ذكر القاضي فخر الدين قاضي خان رحمه الله في الجامع الصغير،
وكان الشيخ أبو بكر محمد بن الفضل يقول: الخلاف فيما إذا جرى على لسانه من غير قصد أما من تعمّد ذلك يكون زنديقًا أو مجنونًا فالمجنون يداوى، والزنديق يقتل.
قوله: ((فمحمد مع أبي حنيفة في العربية)) حتى جوز الافتتاح بثناء عربي بأي لفظ كان بعد إن كان عربيًا ومع أبي يوسف في الفارسية فلم يجوز الافتتاح بالفارسية؛ لأن لغة العرب لها من المزية ما ليس لغيرها لقوله - عليه السلام -: «أنا عربي والقرآن عربي ولسان أهل الجنة عربي»، ذكره - صلى الله عليه وسلم - في معرض الأثرة وتفضيل لسان العرب على سائر الألسنة كذا في الفوائد الظهيرية وقالا القرآن معجز والإعجاز في النظم والمعنى فإذا قدر عليهما لا يتادّى الواجب إلا بهما فإذا عجز عن النظم أتى بما قدر عليه كمن عجز عن الركوع والسجود يصلي بالإيماء وأبو حنيفة رحِمهُ الله استدل بما روي أن الفرس كتبوا إلى سليمان - رضي الله عنه - أن يكتب لهم الفاتحة بالفارسية فكتب: بسم الله الرحمن الرحيم (بنام يزدان بخشا وند بخشا وندكر) فكانوا يقرأون ذلك في الصلاة حتى لانت ألسنتهم بالعربية وبعد ما كتب عرض على النبي - عليه السلام - ثم بعثه إليهم ولم ينكر عليه النبي، كذا في المبسوط.
ويجوز بأي لسان كان سوى الفارسية هو الصحيح هذا احتراز عن قول أبي سعيد البردعي رحمه الله فإنّه قال: إنما جوز أبو حنيفة رحمه الله القراءة بالفارسية دون غيرها من الألسنة لقرب الفارسية من العربية وقال الكرخي رحمه الله: والصحيح النقل إلى أي لغة كانت، كذا في الجامع الصغير للإمام المحبوبي، والتمرتاشي رحمهم الله.
قوله: ((والخلاف في الاعتداد)) أي: في أنه هل يقع محسوسا عن فرض القراءة أم لا، وقال في الجامع الصغير للإمام التمرتاشي: ولو لم يحسن العربية جاز بالإجماع.
وقال أبو اليسر: وهذا نص على أن من قرأ بالفارسية لا تفسد صلاته إنما الشأن في جواز الصلاة بها وكذا في الجامع الصغير لقاضي خان رحمه الله وهذا إذا قرأ بالفارسية كل لفظ بما هو بمعناه من غير أن يزيد فيه شيئا أما إذا قرأ على طريق التفسير يفسد بالإجماع كذا في المبسوط وغيره.
قوله: ((وفي الأذان يعتبر التعارف)) هذا جواب عن قولهما تقديرًا فإن لهما أن يقولا: لا يجوز القراءة بالفارسية، كما لا يجوز الأذان بالفارسية، فقال: عدم الجواز في الأذان لعدم التعارف فيه بالفارسية، لأنّه للإعلام، والإعلام لا يقع بها حتى لو وقع العرف فيه بالفارسية يجوز أيضًا، وذكر في المبسوط: (وروى الحسن عن أبي حنيفة لو أذن بالفارسية والناس يعلمون أنه أذان جاز وإن كانوا لا يعلمون ذلك لم يجز؛ لأنّ المقصود وهو الإعلام لم يحصل به).
وفي الأسرار: لا يلزم الأذان؛ فإنه لا يتأدى بلغة أخرى؛ لأنّ الركن ليس عمل الثناء على الله تعالى بدليل أنه لو تكلم به واخفاه لم يجز والثناء حاصل بعين الكلمة، ولكن الواجب إعلام الناس لحضور الصلاة، وهو إنما يحصل بكلمات معروفة لأن معناه: يا الله فتمحض ذكرًا فيجوز وهو قول أهل البصرة وعلى قول الكوفيين لا يصح لأن معناه يا الله آمنا أي: اقصدنا بالخير فكان مشوبا بالدعاء لا ثناء خالصا.
قوله: ((ويعتمد بيده اليمنى على اليسرى))، [في الديوان اعتمده أي قصد له الباء زائدة هنا في المفعول كما في قوله تعالى: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} أي: ويقصد وضع يده اليمنى على اليسرى.
قال شيخ الإسلام رَحمهُ الله يجب أن يعلم بأنّ في الاعتماد أربع مسائل:
أحداهما: أنه هل يضع يده اليمنى على اليسرى في الصلاة أم لا؟
والثانية: أنه كيف يضع؟
والثالثة: إنه أين يضع؟
والرابعة: أنه متى يضع؟
أما الأولى: فعلى قول علمائنا السنة: أن يعتمد بيده اليمنى على اليسرى وقال مالك بأنّه يرسل إرسالًا وإن شاء اعتمد فالإرسال عند مالك عزيمة والاعتماد رخصة، وفي المبسوط: وأصل الاعتماد سنة إلا على قول الأوزاعي فإنّه كان يقول يتخيّر المصلي بين الاعتماد والارسال فكان يقول: إنما أمروا بالاعتماد إشفاقًا عليهم لأنّهم كانوا يطولون القيام فكان ينزل الدم إلى رؤوس أناملهم إذا أرسلوا فقيل لهم: لو اعتمدتم لا حرج عليكم، والمذهب عند علمائنا أنه سنة واظب عليه رسول الله عليه السلام وقال: «إنا معاشر الأنبياء أمرنا ان نأخذ شمائلنا بأيماننا في الصلاة»، وقال علي - رضي الله عنه -: من السنة أن يضع المصلي يمينه على شماله تحت السرة في الصلاة.
وأما صفة الوضع، وهي المسألة الثانية، ففي الحديث المرفوع لفظ الأخذ، وفي حديث علي على لفظ الوضع، واستحسن كثير من مشايخنا الجمع بينهما بأن يضع باطن كفه اليمنى على ظاهر كفه اليسرى، ويحلق بالخنصر والإبهام على الرسغ ليكون عاملا بالحديثين.
وأما موضع الوضع، وهو المسالة الثالثة، فالأفضل عندنا تحت السرة، وعند الشافعي الأفضل أن يضع يديه على الصدر (لقوله تعالى: {فصل لربك وانحر} قيل: المراد وضع اليمين على الشمال على النحر وهو الصدر)، ولأنّه موضع نور الإيمان فحفظه بيده في الصلاة أولى من الإشارة إلى العورة بالوضع تحت السرة.
ولنا حديث علي - رضي الله عنه - كما روينا، والسنة إذا أطلقت تنصرف في الأغلب إلى سنة رسول الله - عليه السلام - ثم الوضع تحت السرة أبعد من التشبه بأهل الكتاب، وأقرب إلى ستر العورة، فكان أولى، والمراد بقوله تعالى: {وانحر}: نحر الأضحية بعد صلاة العيد، ولئِن كان المراد بالنحر الصدر، فمعناه ضع بالقرب من النحر، وذلك تحت السرة ثم في ظاهر المذهب الاعتماد سنة القيام، وروي عن محمد -رَحِمه الله- أنه سنة القراءة، ويتبين هذا في المصلي بعد التكبيرة وهي المسألة الرابعة، فعند محمد يرسل يديه في حالة الثناء، فإذا أخذ في القراءة اعتمد، وفي ظاهر الرواية كما يكلف يديه بعد التكبير يعتمد.
قوله: ((هو الصحيح)) احترازًا عن قول الإمام الزاهد أبي حفص الفضلي وعن قول أصحاب الفضلي، فقال أبو حفص: رحمه الله- السنة في صلاة الجنازة، وفي تكبيرات العيد، والقومة التي بين الركوع والسجود الارسال.
وقال أصحاب الفضلي منهم القاضي الإمام أبو علي النسفي، والحاكم عبد الرحمن الكاتب، والإمام الزاهد عبد الرحمن الخيزاخزي -رحمهم الله- السنة في هذه المواضع الاعتماد وقالوا: مذهب الروافض الارسال من أول الصلاة فنحن نعتمد مخالفة لهم وكان شمس الأئمة الحَلَواني رَحِمه الله يقول: كل قيام فيه ذكر مسنون فالسنة فيه الاعتماد كما في حالة الثناء والقنوت، وصلاة الجنازة وكل قيام ليس فيه ذكر مسنون كما في تكبيرات العيد، فالسنة فيه الارسال، وبه كان يفتى شمس الأئمة السرخسي رحمه الله والصدر الكبير برهان الأئمة والصدر الشهيد حسام الأئمّة رَحِمهم الله، كذا في المحيط، وذكر في فتاوى قاضي خان وكما فرغ من التكبير يضع يده اليمنى على اليسرى تحت السرة وكذلك في تكبيرات العيد وتكبيرات الجنازة والقنوت ويرسل في القومة بين الركوع والسجود وفي التجنيس المصلي إذا تحرم للصلاة ورفع يديه لا يرسلهما ثم يضع بل يضع يعني من غير إرسال لأن هذا قيام فيه ذكر مسنون بخلاف ما بين الركوع والسجود فإن المختار فيه هو الارسال لأنّه ليس فيه ذكر مسنون.
قوله: ((ثم يقول سبحانك اللهم وبحمدك))، سبحان: عَلَم للتسبيح لا يصرف ولا ينصرف إنما يكون منصوبا على المصدرية وقوله سبحانك اللهم وبحمدك معناه نسبحك بجميع آلائك وبحمدك كذا في المغرب.
فإن قلت: لو كان سبحان علما للتسبيح لما أضيف في قولهم سبحانك وسبحان الله إذ العلم لا يضاف اللهمّ إلا إنْ كان مأوّلاً بواحد من الجنس، قلت: قد ذُكر في الإقليد أن سبحان إنما يكون علمًا إذا لم يجئ مضافًا أما إذا أضيف فلا لأن العلم لا يضاف واستعماله مفردًا غير مضاف قليل.
وفي المبسوط: (جاء عن الضحاك رحمه الله في تفسير قوله تعالى: {وسبح بحمد ربك حين تقوم} أنّه قول المصلي عند الافتتاح سبحانك اللهم وبحمدك، وروي هذا الذكر عن رسول الله - عليه السلام - عمر، وعلي، وابن مسعود - رضي الله عنهم - أنه كان يقوله عند افتتاح الصلاة ولم يذكر جل ثناؤك لأنّه لم ينقل في المشاهير).
قوله: وعن أبي يوسف رحِمهُ الله أنه يضم إليه وجهت وجهي إلى آخره المراد من قوله إلى آخره ما يقول المصلي بعد الثناء في المعهود عنده، وهو قوله وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما انا من المشركين إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين، كذا في المبسوطين، وقال في مبسوط شيخ الإسلام ولا تغير شيئًا من ذلك إلى آخر الآية إلا أنا إذا انتهى إلى قوله وأنا من المسلمين يجب أن يغير و يقول: وأنا من المسلمين، ولو قال وأنا أول المسلمين اختلف المشايخ فيه منهم من يقول تفسد صلاته لأنّه كذب ومنهم من يقول لا تفسد لأنّه يحمل على أنه أراد به قراءة ما في القرآن لا الأنباء عن نفسه، وأبو يوسف يقول الأخبار وردت بهما فأجمع بينهما عملا بالأخبار كلها وجعل أبو يوسف البداية بالتسبيح أولى في بعض الروايات؛ لأن القرآن ورد به وهو قوله: {وسبح بحمد ربك حين تقوم}، وفي رواية يتخير إن شاء أتى قبل الثناء وإن شاء بعده، وما وراءه محمول على حالة التهجد بالليل والأمر فيه واسع، فأمّا في الفرائض فلا يزيد على ما اشتهر فيه الأثر، كذا في المبسوط، والأولى أن لا يأتي بالتوجه قبل التكبير لتتصل النية به، التوجه قوله: وجهت وجهي كعين أي لا يأتي بقوله وجهت وجهي بعد النية قبل التكبير لتتصل النية بالتكبير.
قوله: ((هو الصحيح)) احتراز عن قول بعض المتأخرين، فأنه يقولها قبل التكبير ومنهم الفقيه أبو الليث لأنّه أبلغ في العزيمة ولهذا لقن العوام من الناس هذا الذكر ليقوم مقام النية وليكون عملا بما روي في الأخبار، ومنهم من يقول لا يستحب ذلك لأنّه يؤدي إلى أن يطول مكثه في المحراب قائما مستقبل القبلة ولا يصلي وهذا مذموم شرعًا فإنه روي عن النبي - عليه السلام - أنه قال: «ما لي أراكم سامدين»، أي متحيرين كذا في مبسوط شيخ الإسلام رَحمهُ الله ويستعيذ بالله.
الكلام في التعوذ في فصول: أحدها: في أصله قال مالك لا يتعوذ في الصلاة؛ لما روي عن أنس - رضي الله عنه - قال: صليت خلف رسول الله - عليه السلام - وخلف أبي بكر، وعمر رضي الله عنهما وكانوا يفتتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين ولم يقل بالتعوذ لأنّه شرع لقطع وسوسة الشيطان وهو قد حصل بالصلاة لأنّه قائم بين يدي ربه فلا يكون للشيطان عليه سبيل، وعلماؤنا احتجوا بقوله تعالى: {فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله}، ولم يفصل، وقد روي علي - رضي الله عنه -: «أن رسول الله - عليه السلام - كان إذا قام إلى الصلاة كبر وسبح، وتعوذ بالله من الشيطان الرجيم»، والحاجة إلى قطع الوسوسة في الصلاة قائمة.
والثاني: في وقته قال علماؤنا يتعوذ بعد الثناء قبل القراءة، وقال بعض أصحاب الظواهر منهم حمزة المقرئ الزيات يتعوذ بعد القراءة لقوله تعالى: {فإذا قرات القرآن فاستعذ} ذكر بحرف الفاء وأنه للتعقيب، وهذا ليس بصحيح لأنّ الفاء للحال كما يقال: إذا دخلت على السلطان فتأهب أي؛ إذا أردت الدخول عليه فكذلك ههنا معناه إذا أردت قراءة القرآن فاستعذ بالله ولظاهر الآية قال عطاء الاستعاذة تجب عند كل قراءة القرآن في الصلاة وغيرها، وهو مخالف لإجماع السلف فقد كانوا مجمعين على أنه سنة.
والثالث: في لفظ التعوذ فاختيار أبي عمرو، وعاصم، وابن كثير رحمهم الله أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وزاد حفص من طريق هبيرة: أعوذ بالله العظيم السميع العليم من الشيطان الرجيم، واختيار حمزة الزيات: استعيذ بالله من الشيطان الرجيم، وهو قول ابن سيرين، وبكل ذلك ورد الأثر.
وقال شيخ الإسلام المختار في التعوذ ما قال الفقيه أبو جعفر الهندواني هو أن يقول: أستعيذ بالله من الشيطان الرجيم؛ لأنّه على موافقة الكتاب، وإن شاء قال: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم لأنّه قريب من الأول، ولأنّه نقل أن النبي - عليه السلام - كان لا يزيد على قوله أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ولأنّ قوله أن الله هو السميع العليم ثناء وبعد التعوذ محل القراءة لا محل الثناء، كذا في المبسوطين، ثم التعوذ تبع للثناء عند أبي يوسف لأنّه شرع بعد الثناء وأنه من جنسه لأنّه دعاء كالأول وتبع الشيء ما كان بعده فيجب أن يأتي المقتدي به، وعندهما هو تبع للقراءة لأنّه شرع لافتتاح القراءة فكان كالشرط لها وشرط الشيء ما يكون تابعا للمشروط، وإن كان سابقا عليه كالطهارة، وإذا كان تبعا للقراءة عندهما ولا قراءة على المقتدي، فكذا لا تعوذ عليه، وعند أبي يوسف يأتي به؛ لأنّه تبع للثناء، ويقرأ بسم الله الرحمن الرحيم معطوف على قوله ويستعيذ بالله.
قوله: ((هكذا نقل في المشاهير)) هذا احتراز عن قول مالك وما احتج به فإنه يقول لا يأتي المصلي بالتسمية لا سرًا ولا جهرا؛ لحديث عائشة رضي الله عنها أن النبي - عليه السلام - كان يفتتح القراءة بالحمد لله رب العالمين.
ولنا حديث أنس - رضي الله عنه - قال: صليت خلف النبي - عليه السلام - وخلف أبي بكر وعمر وكانوا يفتتحون ببسم الله الرحمن الرحيم وتأويل حديث عائشة رضي الله عنها أنه كان يخفي التسمية - وهو مذهبنا - وهو قول علي، وابن مسعود، وقال الشافعي يجهر بها الإمام في صلاة الجهر وهو قول ابن عباس وأبي هريرة رضي الله عنهما واستدل بحديث أبي هريرة أن النبي عليه السلام كان يجهر بالتسمية.
ولما صلى معاوية - رضي الله عنه - بالمدينة ولم يجهر بالتسمية أنكروا عليه فقالوا: أسرقت من الصلاة؟ أين التسمية؟ فدلّ أن الجهر بها كان معروفا عندهم.
ولنا حديث عبد الله بن المغفل رضي الله عنه أنه سمع ابنه يجهر بالتسمية في الصلاة فقال: إياك والحدث في الإسلام فإني صليت خلف رسول الله - عليه السلام - وخلف أبي بكر، وعمر وكانوا لا يجهرون بالتسمية، وهكذا روي عن أنس، وأما الاستدلال فمبني على أن التسمية مذكورة على سبيل الثناء دون قراءة القرآن وسبيل الثناء المخافتة على ما ذكر في مسألة التأمين.
والجواب عن أخبارهم أنها كانت في ابتداء الأمر فإنهم كانوا يجهرون بالثناء والقراءة حتى نزل قوله تعالى: {ادعوا ربكم تضرعاً وخفيه} أو جهر للتعليم كما شرع الجهر بالتكبير للإعلام كما روي عن عمر أنه جهر بالثناء بعد التكبير للتعليم.
وأما حديث معاوية، فإنه كان صحابيًا مثلهم، فلا يكون قولهم عليه حجة، ولأنّهم نكروا ترك قراءة التسمية لا الجهر، ولأنّهم انتظروا حتى فرغ ولم يأمروه بالإعادة، وعندكم تعاد، وتفسد الصلاة، وتفسد كما لو ركع قبل القراءة فيصير دليلًا على أنهم رأوه سنة، فيصير كالتعوذ، كذا في المبسوط والأسرار.
فإن قلت: خبر الإخفاء بالتسمية مما يعم به البلوى كحديث مس الذكر بل البلوى فيه أشد لأنّ الإنسان لا يمس ذكره في عموم أوقات كونه متطهرًا عادة ولو مسّ إنما يمس في أوقات مخصوصة وهي أوقات كونه منتقض الطهارة وحكم هذا الحديث لا يتناول تلك الحالة.
وأما الصلاة التي يجهر فيها القراءة ثلاث مرات بالجماعة في اليوم والليلة من غير تخلف فلو كان هذا الخبر ثابتًا في الصدر الأول لاشتهر ولو كان ثابتًا مشهورًا لما بقي الاختلاف في الصدر الأول ولما بقي الاختلاف فيه مع عموم البلوى في حكمه كان دليلًا على زيافة الحديث، كما في خبر الزكاة في حال الصبي بقوله - عليه السلام -: «ابتغوا في أموال اليتامى خيرًا كيلا تأكلها الصدقة» ثم بقبولكم خبر إخفاء التسمية وقعتم في الذي أبيتم.
قلت: قد ذكرنا تأويل الأحاديث التي تدلّ على ثبوت الجهر ويوجب الاختلاف بأنّه كان جهر ابن عباس وغيره قبل نزول قوله تعالى: {ادعوا ربكم تضرعاً وخفية}، ثم تركوا الجهر به ألا ترى أنهم كانوا يجهرون بالثناء والقراءة حتى نزل قوله تعالى: {ولا تجهر بصلاتك}، فتركوا بعده أو للتعليم على ما ذكرنا فلم يكن الاختلاف حينئذ في الصدر الأول وحديث عبد الله بن مغفل محكم في الباب غير محتمل للتأويل فكان هو أولى بالأخذ، وذكر شمس الأئمّة رَحِمه الله في أصول الفقه لم يعمل علماؤنا بخبر الجهر بالتسمية وخبر رفع اليدين عند الركوع وعند رفع الرأس من الركوع؛ لأنّه لم يشتهر النقل فيها مع حاجة الخاص والعام إلى معرفته، وفي المبسوط والمسألة في الحقيقة تنبني على أنّ التسمية ليست بآية من أول الفاتحة ولا من أوائل السور عندنا بل آية نزلت للفصل بين السور لا من أول السورة ولهذا كتبت بخط على حدة وهو اختيار أبي بكر الرازي حتى قال محمد: يكره للجنب والحائض قراءة التسمية على وجه قراءة القرآن، وقال الشافعي رحِمهُ الله: آية من أول الفاتحة قولًا واحدًا، وله في أوائل السور قولان.
قوله: ((ويسر بهما)) أسرّ الحديث: أخفاه أما يسر بهما بزيادة الباء فسهو كذا في المغرب.
قلنا: هو ومحمول على التعليم كما شرع الجهر بالتكبير للإعلام وقد روي أن عمر - رضي الله عنه - صلى حين أتاه وفد العراق وجهر بالثناء، وإنما جهر للتعليم المراد بالتعليم التعليم للسامعين على أنه يأتي بها، وعنه أنه يأتي بها احتياطًا وذكر أبو علي الدقاق أنه يقرأ قبل فاتحة الكتاب في كل ركعة قال وهو قول أصحابنا، ورواية أبي يوسف عن أبي حنيفة وقول أبي يوسف أحوط لأن العلماء اختلفوا في التسمية أنها هل هي من الفاتحة أم لا؟ وعليه إعادة الفاتحة في كل ركعة، فكان عليه إعادة التسمية في كل ركعة ليكون أبعد عن الاختلاف، كذا في المحيط.
قوله: ((ثم يقرأ فاتحة الكتاب وسورة))، قال شيخ الإسلام رَحمهُ الله في مبسوطه: (هذا يقتضي أن يقرأ سورة تامة في كل ركعة لأن بعض السور لا تسمى سورة، وهذا لما روي عن النبي عليه السلام أنه كان يقرأ في صلاته بفاتحة الكتاب وسورة حتى روى عبد الله بن مسعود أنه قال: أنا أعلم القرآئين بقراءة رسول الله - عليه السلام - في صلاته فقيل له: فسره، فقال: كان رسول الله - عليه السلام - يقرأ في صلاة الفجر في الركعة الأولى بفاتحة الكتاب وألم تنزيل السجدة وفي الركعة الثانية: تبارك الذي بيده الملك وربما كان يقرأ في الركعة الأولى من الفجر بالسماء ذات البروج، وفي الركعة الثانية بفاتحة الكتاب والسماء والطارق.
وكذلك فيه دليل على أنه لا يجمع بين السورتين في ركعة لأن السنة نقلت بسورة واحدة لا بالجمع بينهما وإن جمع فلا بأس، هكذا روى الحسن بن زياد.
قوله: خلافا للشافعي رحمه الله في الفاتحة.
وقال الشافعي يتعين الفاتحة ركنا حتى لو ترك حرفا منها في ركعة لا تجوز صلاته، وقال مالك (بفرضية قراءة) الفاتحة وسورة معها؛ لقوله - عليه السلام -: «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب وسورة معها»، و لكنا نوجب العمل بهذا الخبر حتى لا يأذن له بالاكتفاء بالفاتحة (في الأوليين) ولكن لا يثبت الركنية به لأن الركنية لا تثبت إلا بدليل مقطوع به وخبر الواحد موجب للعمل دون العلم فتعين الفاتحة واجبة حتى يكره له ترك قراءتها وتثبت الركنية بالنص، وكذلك يوجب ضمّ السورة بهذا الخبر لا الفرضية لأن ذلك زيادة على النص وهي نسخ فلا يثبت ذلك بالخبر الواحد)، كذا في المبسوط.
ولنا قوله تعالى: {فاقرؤا ما تيسر من القرآن}، فإن قيل: هذه الآية نزلت في حق صلاة الليل وقد انتسخت فرضية صلاة الليل فكيف جاز التمسك بها؟
قلنا: ما شرع ركنا لم يصر منسوخًا بدليل أنه لو شرع فيها يلزمه سائر الأركان ولأنّا مأمورون بحفظ القرآن لبقاء الأحكام والقرآن يحفظ لأجل القراءة والقراءة لا تفترض خارج الصلاة بالإجماع فتعيّنت في الصلاة ولأنّ اللسان عضو يبتغي منه التعظيم حالة الخدمة، وقد تعلق بكل عضو ركن لا يتأدى الصلاة بدونه فكذا هذا العضو يبتغي أن يتعلق به ركن أيضًا لا يتأدى إلا به، كذا في مبسوط شيخ الإسلام، والزيادة عليه بخبر الواحد لا يجوز.
فإن قيل: لم قلت بأنّه خبر الواحد بل هو خبر مشهور ولأن العلماء تلقته بالقبول فيجوز الزيادة بمثله؟
قلنا: إنما تجب الزيادة على الكتاب بالحديث المشهور إذا كان محكمًا، وأما إذا كان محتملًا فلا، وهذا الحديث محتمل لأن مثل هذا الكلام يذكر لنفي الجواز كما قال لا صلاة إلا بالطهور، ويذكر لنفي الفضيلة كما قال: «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد» ولما كان كذلك صار محتملًا، وبالمحتمل لا يجوز الزيادة على الكتاب كذا في طريقة الإمام البرغزي ومبسوط [76 - ب] شيخ الإسلام رَحمهُ الله.
وإذا قال الإمام ولا الضالين قال آمين، أي: قال الإمام آمين وبقولهما المؤتم أي: يقول كلمة آمين، المقتدي أيضًا، وإنما ذكر قال آمين لنفي شبهة القسمة التي اقتضاها ظاهر الحديث، وهو قوله - عليه السلام -: «إذا قال الإمام ولا الضالين فقولوا آمين»، كما هو مذهب مالك، وذكر في المبسوط: قال ويخفي الإمام التعوذ والتشهد والتسمية، وآمين واللهم ربنا لك الحمد، ثم قال: فقد طعنوا فيه وقالوا: من مذهب أبي حنيفة رحمه الله أن الإمام لا يقولها أصلًا، فكيف يستقيم جوابه أنه يخفي بها ولكنا نقول عرف أبو حنيفة أن بعض الأئمة لا يأخذون بقوله لحرمة قول علي وابن مسعود رضي الله عنهما، ففرع الجواب على قولهما أنه يخفي بها إذا كان يقولها كما فرغ مسائل المزارعة على قول من يرى جوازها، ويأتي هذا الكلام في هذا الفصل بأتم من هذا ولا متمسك لمالك في قوله - عليه السلام -: يعني في أنه لا يقولها الإمام فإن النبي - عليه السلام - أثبت أن الإمام يقولها بقوله: «فإن الإمام يقولها»، قلت: وفي قوله - عليه السلام -: ((فإن الإمام يقولها))، حجتان لنا:
أحداهما: على مالك بأن الإمام يقولها.
والثانية: على الشافعي بأنّه يخفيها الإمام لأنّه لو كان جهرًا لكان مسموعًا فحينئذ استغنى عن قوله فإن الإمام يقولها.
وفي مبسوط شيخ الإسلام: روي عن أبي حنيفة رحِمهُ الله أنه لا يقول الإمام آمين إنما يقول المأموم، وذلك لأنّ الإمام داعي والمأموم مستمع وإنما يؤمن المستمع لا الداعي كما في سائر الأدعية خارج الصلاة، والأصل في ذلك قوله تعالى حكاية عن موسى وهارون قال: {قد أجيب دعوتكما} وموسى - عليه السلام - كان يدعو وهارون عليه السلام كان يؤمن فكذلك ههنا الإمام داع والمأموم مستمع فيجب أن يؤمن المستمع لا الداع، وأما قوله - عليه السلام -: «إذا أمن الإمام فأمنوا»، سمى الإمام مؤمنًا باعتبار السبب والمسبب يجوز أن يسمي باسم المباشر كما يقال: بنى الأمير داره ثم على ظاهر مذهب علمائنا يؤمن الإمام ويخفي، وقال الشافعي رحمه الله: يجهر بها الإمام في الصلاة التي يجهر فيها بالقراءة والمأموم يخافت ذكر المزني هكذا في مختصره، كذا في مبسوط شيخ الإسلام وذكر في الخلاصة الغزالية ومن سنن الصلاة أن يجهر بالتأمين في الجهرية، ذكر قبل هذا إمامًا كان منفردًا وتعلق الشافعي رحمه الله في الجهر بقوله - عليه السلام -: «إذا أمّن الإمام فأمنوا»، فلو لم يكن تأمين الإمام مسموعًا لما صح تعليق تأمين القوم بتأمينه.
واحتج أصحابنا بأن التأمين دعاء فإن معناه اللهم أجب وقيل: معناه يا آمين استجب وهو اسم من أسماء الله تعالى، والدليل عليه قصة موسى وهارون عليهما السلام قال: {قد أجيب دعوتكما} وكان هارون يؤمن فدلّ أنه دعاء والسبيل في الأدعية المخافتة على ما قال تعالى: {ادعوا ربكم تضرعاً وخفية}.
وقال - عليه السلام -: «خير الدعاء الخفي، وخير الرزق ما يكفي»، وأما قوله بأنّه علق تأمينه بتأمين الإمام وإنما يعرف تأمين الإمام (إذا جهر.
قلنا: يعرف تأمين الإمام) من غير أن يجهر به الإمام لأنّه إذا قال: ولا الضالين فقد جاء أوان تأمين الإمام فيعرف تأمينه بهذا الطريق ومذهبنا مذهب عمر، وعلي، وعبد الله بن مسعود - رضي الله عنهم -، قال عبد الله ترك الناس الجهر بالتأمين وما تركوا إلا لعلمهم بالنسخ، كذا في الأسرار ومبسوط شيخ الإسلام، وإذا سمع المقتدي من الإمام ولا الضالين في صلاة لا تجهر فيها هل يؤمن؟
فعن بعض المشايخ أنه لا يؤمِّن، وعن الفقيه أبي جعفر أنه يؤمِّن، كذا في المحيط.
قوله رحِمهُ الله: ((وفي الجامع الصغير ويكبّر مع الانحطاط))، ومن آداب هذا الكتاب أنه إذا وقع نوع مخالفة بين رواية الجامع الصغير وبين رواية القدوري يصرح بذكر الجامع الصغير، ثم أن المخالفة ههنا هي أن الأول يقتضي التكبير في محض القيام كذلك قال بعض مشايخنا لأنّه أحد وجهي موجب الواو لأنّه قال ثم يكبر ويركع.
والثاني يقتضي مقارنة التكبير مع الانحطاط لا محالة لأن مع محكم في المقارنة وبه قال البعض أيضًا، وقال بعضهم ينبغي أن يكون ابتداء تكبيره عند أول الخرور والفراغ عند الاستواء للركوع لأنّ هذا تكبير الانتقال فيؤتى به مع الانتقال، كذا في المحيط.
المد والقصر فيه وجهان أي: لغتان والتشديد خطأ فاحش أي إقامة المشدد مقام آمين المخفف خطأ (في هذا الموضع) لا في نفسه فإنّه في نفسه لغة صحيحة بمعنى قاصدين كقوله تعالى: {ولا آمين البيت الحرام}.
قوله رحمه الله: ((كان يكبر عند كل خفض ورفع)) وقال بعض الناس بأنّه لا يكبر حال ما يركع وإنما يكبر حال ما يرفع رأسه من الركوع وهم بنو أمية ورووا فيه أن رسول الله - عليه السلام - فعل هكذا، ولأنّ التكبير حالة الانتقال ما شرع مقصودًا بنفسه وإنما شرع سنة للإعلام بدليل سنية الجهر به وإنما يحتاج إلى الإعلام حال رفع الرأس من الركوع والسجود لأن القوم لا يعاينون رفع الإمام رأسه من الركوع والسجود فيحتاج إلى الإعلام بالتكبير فأما في حالة الخفض فإنهم يعاينون خفضه فاستغنى عن الإعلام، ومنهم من يقول بأنّه يقولها في نفسه حالة الخفض ولا يجهر لأن التكبير ذكر مسنون والسبيل في الأذكار المخافتة إلا لعذر والعذر في تكبيرات حالة الرفع ليعلم القوم بالانتقال ولا حاجة في حالة الخفض فيخافت.
واحتجّ أصحابنا بما روي عن علي، وعبد الله بن مسعود وجماعة معهما: «أن رسول الله - عليه السلام - كبر في كل خفض ورفع» والمعنى أنّ الانتقال من ركن على ركن بمعنى الركن وذلك لأنّه لا يمكنه تحصيل ما بعده من الركن إلا بالانتقال عن الأول وما يتوسل إلى الفرض إلا به كان فرضًا فيجب ان يحله ذكر مسنون كما حل سائر الأركان وأما ما رووا من الحديث فتوقف فنقول أنه - عليه السلام - كان يكبر إلا أنه لم يسمعه الراوي وهو عبد الرحمن بن ابزي رحمه الله، وسمعه غيره أو ترجح فنقول المصير إلى ما روينا أولى لأنّه أثبت متنا وأيقن رواة، وأما من قال: الجهر لا يحتاج إليه في حالة الخفض.
قلنا: قد يحتاج إليه لأنّه قد يكون خلفه أعمى فلا يعاين خفض الإمام كما يسنّ الجهر بالتكبيرة الأولى مع رفع اليدين لهذا المعنى، وقد ذكرناه، كذا في مبسوط شيخ الإسلام.
قوله: ((لكونه استفهاماً)) فهذا يقتضي أن لا يثبت عنده كبرياء الله تعالى وعظمته وهو كفر وفي آخره لحن من حيث اللغة أي عدول عن سنن الصواب في اللغة لأن افعل التفضيل لا تحتمل المد لغة، حتى قال مشايخنا: لو أدخل المد بين الباء والراء في لفظ أكبر عند افتتاح الصلاة لا يصير شارعًا في الصلاة، بخلاف ما لو فعل المؤذن في آذانه حيث لا يجب إعادة الأذان، وإن كان خطأ منه؛ لأنّ أمر الأذان أوسع، كذا في الجامع الصغير للإمام المحبوبي، وهذا يحتمل بأن لفظ أوله وآخره راجع إلى لفظ أكبر بخلاف ما ذكر في كشف الغوامض، أي: لا يمد في كلمة الله، ولا في كلمة: أكبر، وفصل كلا منهما في الفوائد الظهيرية، وقال ويحذف التكبير لأن تطويل التكبير إما أن يكون مفسدًا وأما أن يكون خطأ؛ لأنّه إذا قال: الله أكبر بمد الهمزة أي همزة الله يفسد صلاته، ولو تعمد يكفر؛ لأنّه شك، وأما إذا مد آخره بأن خلل الألف بين اللام والهاء فهذا لا يضر؛ لأنّه إشباع، ولكن الحذف أولى، وأما إذا مد الهمزة من أكبر فيفسد أيضًا لمكان الشك وأما إذا مد الآخر بأن وسط الألف بين الباء والراء قال بعضهم: يفسد، وقال بعضهم: لا يفسد، ويجزم الراء من التكبير وإن كان أصله الرفع بالخبرية؛ لأنّه روي عن إبراهيم النخعي موقوفًا عليه ومرفوعًا إلى النبي - عليه السلام - أنه قال: ((الأذان جزم والإقامة جزم والتكبير جزم)) قال شمس الأئمة الحَلَواني -رَحِمه الله- وإن شاء فخم التكبير وهو أن يخرج اللام من أقصى مخرجه مما يلي الحلق ويكره قصر اللام.
قوله: ((ولا إلى الضم إلا في حالة السجود)) يتكلف لضمّ الأصابع في حالة السجود لأنّ اليد أقوى في الاعتماد عليها وتزداد قوته عند الضم وليقع رؤوس الأصابع مواجهة إلى القبلة وفيما وراء ذلك يترك على عادته فلا يتكلف لا للضم ولا للتفريج لأنّه لا حاجة إليها فلذلك يترك ما عليه العادة كذا في مبسوط شيخ الإسلام.
وذكر في المبسوط: وكان ابن مسعود رضي الله عنه وأصحابه يقولون بالتطبيق وصورته أن يضمّ إحدى الكفين إلى الأخرى ويرسلها بين فخذيه، ورأى سعد بن وقاص ابنًا له يطبق فنهاه فقال: رأيت عبد الله يفعل هكذا فقال رَحِمه الله ابن أم عبد كنا أمرنا بهذا ثم نهينا عنه، وفي حديث الأعرابي حين علمه النبي - عليه السلام - الصلاة قال: «ثم اركع وضع يديك على ركبتيك».
كان النبي - عليه السلام - إذا ركع بسطَ ظهره واعتدل حتى روت عائشة رضي الله عنها أنه يعتدل بحيث لو وضع على ظهره قدح من ماء لاستقر) نكست الشيء قلبته على رأسه ونكسته تنكيسًا والناكس المطأطي رأسه، وصوب رأسه أي خفضه، اقنع رأسه إذا رفعه، ومنه قوله تعالى: {مهطعين مقنعي رؤوسهم} كذا في الصحاح.
قوله: ((ولا يرفع رأسه ولا ينكسه)) معناه يسوي رأسه بعجزه لأنّه مأمور بالاعتدال (في الركوع) والاعتدال فيه أن يكون ظهره مستويًا من الجانبين لا يرفع عجزه أعلى من رأسه ولا رأسه أعلى من عجزه، كذا في المبسوطين، وذلك أدناه أي أدنى كمال الجمع وإنما قال أدناه لأن الزيادة على الثلاث مستحبة، وفي بعض النسخ أي: أدنى كمال الستة، ولكن الأول أولى لأنّه أوفق للفظ المبسوطين، فذكر في مبسوط شمس الأئمة السّرخسيّ رحِمهُ الله وذلك أدناه لم يرد بهذا اللفظ أدنى الجواز إنما المراد أدنى الكمال فإن الركوع والسجود يجوز بدون هذا الذكر إلا على قول أبي مطيع رحمه الله وفي مبسوط شيخ الإسلام يريد به أدناه يعني أدنى من حيث جمع العدد فإن أقل العدد ثلاثة، ثم أنظر كيف جمع المصنف رَحِمه الله بين هذين اللفظين حيث أخذ لفظ الكمال من مبسوط شمس الأئمة، ولفظ الجمع من مبسوط شيخ الإسلام فقال أدنى كمال الجمع وقد وجدت بخط الأستاذ مولانا فخر الدين رحمه الله إنما يحمله على أدنى كمال الجمع المسنون لا بيان الجمع الحقيقي لأنّه - عليه السلام - بعث لبيان الشرائع لا لبيان الحقائق ولم يرد) به أدنى الجواز ثابت بدونه.
فإن قلت: كيف يصرف الضمير إلى لفظ الجمع وهو غير مذكور؟
قلت: إن لم يذكر لفظًا فقد ذكر دلالة وهي سبق ذكر الثلاث فلما جاز صرف الضمير إلى معلوم غير مذكور أصلًا في قوله تعالى: {إنا أنزلناه في ليله القدر}، أي: القرآن لأن يجوز صرفه إلى معلوم ومذكور دلالة بالطريق الأولى فكان هذا نظير قوله - عليه السلام -: «من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت»، أي: فبالسنة ونعمت الخصلة ولم يذكر السنة ولا الخصلة لفظًا ولكن ذكرنا دلالة؛ لأن التوضؤ للصلاة طريقة مسلوكة وخصلة مرضية في الشريعة فكأنه ذكرهما ورد الضمير إليهما بدلالة التوضؤ عليهما فكذا هذا، وفي مبسوط شيخ الإسلام فإن سبح مرة واحدة روي عن محمد أنه قال يكره ذلك.
وقال أبو مطيع البلخي تلميذ أبي حنيفة رَحمهُما الله لو نقص من ثلاث في تسبيحات الركوع والسجود لم تجزئه صلاته، وذهب في ذلك إلى أنه ركن مشروع فكان نظير القيام فوجب أن يحله ذكر مفروض قياسًا على القيام وأصحابنا احتجوا بقوله: {اركعوا واسجدوا} فقد أمر بالركوع والسجود ولم يأمر بالتسبيحات فيهما فمتى شرطنا التسبيح للجواز فقد رفعنا جوازًا ثبت بالنص بخبر الواحد وهذا لا يجوز ولأنّه ذكر يخافت به على كل حال فيكون سنة كالتأمين والتعوذ وهذا لأن مبنى الفرائض على الشهرة والإعلان ومبنى التطوعات على الخفية والكتمان لقوله تعالى: {وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم}، وليس كالقراءة فإنه يجهر بها ولو زاد على الثلاث فذاك أفضل إلا أنّه إذا كان إمامًا لا ينبغي له أن يطول على وجه يمل القوم؛ لأنّه يصير سببًا للتنفير، وذلك مكروه، فإن معاذًا - رضي الله عنه - لما طوّل القراءة قال له رسول الله - عليه السلام -: أفتان أنت يا معاذ؟، وكان سفيان الثوري يقول: ينبغي للإمام أن يقولها خمسًا حتى يتمكن القوم أن يقولوا ثلاثًا، والشافعي يقول: يزيد في الركوع ما روي عن علي - رضي الله عنه -: «اللهم لك ركعت ولك خشعت ولك أسلمت وبك آمنت وعليك توكلت وفي السجود سجد وجهي للذي خلقه وشق سمعه وبصره فتبارك الله أحسن الخالقين»، وهذا محمول عندنا على التهجد بالليل، كذا في المبسوط.
قوله: ((ويقول المؤتم ربنا لك الحمد)) واختلفت الأخبار في التحميد في بعضها ربنا لك الحمد وفي بعضها ربنا ولك الحمد وفي بعضها اللهم ربنا لك الحمد (والأظهر ربنا لك الحمد) كذا في شرح الطحاوي أن النبي - عليه السلام - كان يجمع بين الذكرين مع أن غالب أحواله الإمامة ولأنا لا نجد شيئا من أذكار الصلاة يأتي بها المقتدي دون الإمام وقد يختص ببعض الأذكار كالقراءة هذه قسمة فإنها تنافي الشركة.
فإن قيل: أليس قال في هذا الحديث فإذا قال الإمام ولا الضالين فقولوا آمين ولم يقتض نفي المشاركة حتى يقولها [78 - أ] الإمام أيضًا؟
قلنا: ظاهر القسمة يقتضي نفي المشاركة إلا أن المشاركة تثبت ثمة بدليل آخر وهو ما روي عن النبي - عليه السلام - قال: «إذا أمن الإمام فأمنوا»، أو بقوله: «فإن الإمام يقولها».
فإن قلت: ما جواب أبي حنيفة رحمه الله لما روي عن ابن مسعود - رضي الله عنه -: خمس يخفيهن الإمام، وفي رواية أربعة يخفيهن الإمام منها: التحميد.
قلت: قال في الأسرار أنه غريب أو يقول حديث القسمة الذي ذكرنا يدل على أنه لا يأتي، وحديث ابن مسعود رضي الله عنه على أنه يأتي فبعيد ذلك أما أن يرجح أحدهما على الآخر أو يتركهما لعدم إمكان الترجيح فيعمل بالقياس.
فقلنا: الرجحان لحديث القسمة؛ لأنّه خبر مرفوع إلى النبي - عليه السلام - برواية أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه -، وذكر في مبسوط شيخ الإسلام.
فإن قيل: قد ذكر في كتاب الصلاة، ويخفي الإمام قراءة التشهد، والتعوذ، وآمين واللهم ربنا لك الحمد قال: نعم، فقد أجاب أن الإمام يأتي بالتحميد فهذا جعل رجوعًا منه عن القول الأول.
قلنا: هذا إنما يكن رجوعًا لأنّه حمل على أن هذا السؤال كان من محمد لأبي يوسف لا لأبي حنيفة فإذا كان كذلك كان الجواب جواب أبي يوسف، وجواب أبي يوسف كذلك وهذا لأنّ محمد بن الحسن قرأ أكثر الكتب على أبي يوسف إلا ما كان فيه اسم الكبير فإنه من تصنيف محمد؛ كمضاربة الكبير، ومزارعة الكبير، وما دون الكبير، وجامع الكبير والسير الكبير فإذا كان كذلك احتمل أن يكون هذا سؤالًا لأبي يوسف واحتمل أن يكون لأبي حنيفة فلا يثبت الرجوع بالشك هكذا أجاب عن هذا بعض مشايخنا.
ومنهم من يقول يريد بقوله يخفي التحميد أي على قياس قول من يقول أن الإمام يأتي بالتحميد كما قال في كتاب المزارعة هذا جائز على قول أبي حنيفة على قياس قول من أجاز المزارعة فكذا هذا يريد به أي على قياس قول من يأتي بالتحميد ولهذا لا يأتي المؤتم بالتسميع، عندنا خلافًا للشافعي.
وحاصله أن الإمام لا يجمع بين الذِّكرين عند أبي حنيفة بل يكتفي بالتسميع وعندهما يجمع الإمام بين الذكرين وفي اكتفاء المقتدي بالتحميد إجماع بين علمائنا، وقال الشافعي كل واحد من الإمام والمقتدي يجمع بين الذكرين في المبسوط، وعلى قول الشافعي كل مصل يجمع بين الذكرين، وهذا بعيد فإنّ الإمام يحث من خلفه على التحميد فلا معنى لمقابلة القوم إياه بالحث، بل ينبغي أن يشتغلوا بالتحميد والذي رواه محمول هذا إشارة إلى قوله لما روي أبو هريرة - رضي الله عنه - فكان إسناد الرواية إلى أبي هريرة فلذلك وحد الضمير ولم يقل روياه.
قوله: ((في الأصح)) احتراز عن القولين الآخرين المذكورين بعده أحدهما الاكتفاء بالتسميع، والثاني الاكتفاء بالتحميد، وقال شيخ الإسلام والأصح عند أبي حنيفة أن المنفرد يأتي بالتحميد لا غير، ثم ذكر أوجه الأقوال الثلاثة فقال: وجه الرواية التي يأتي بالتسميع وهي رواية بعض النوادر أن الإمام يأتي بالتسميع فكذا المنفرد لأنّه إمام في حق نفسه عليه القراءة كما على الإمام ووجه ما روى الحسن عن أبي حنيفة أنه يجمع بينهما لما أن المنفرد يأتي بالتسميع فلما أتى بالتسميع؛ لأنّه إمام في حق نفسه على ما ذكرنا وأنه حث على الحمد ولم يمثل به أحد كان عليه أن يجيب ومثل هذا من الحث والجواب يستقيم من الواحد بأن يحثّ الإنسان نفسه على طاعته ويأتي بها ووجه ما ذكر في الجامع الصغير أنه يأتي بالتحميد لا غير؛ لأنّه لا وجه إلى الجمع بينهما؛ لأنّه متى جمع بين الذكرين يقع الذكر الثاني في حالة الاعتدال، ولم يشرع لاعتدال الانتقال ذكر مسنون، كما في القعدة بين السجدتين فلا يجمع بينهما فيأتي بأحدهما وهو أن يأتي بالتحميد، وهذا أصح؛ لأن التسميع حث للغير على التحميد وليس معه أحد لحثّه على الحمد، فكان: ربنا لك الحمد، الذي هو يصلح للابتداء الحمد أولى في حقه بخلاف الإمام؛ لأنّه بالتسميع يحث غيره على الحمد وأنه صحيح منه لأن خلفه القوم فيحتاج إلى حثهم، وذكر في الجامع الصغير للمحبوبي وأشار إلى ما اختاره شيخ الإسلام في هذا الكتاب حيث قال يعقوب: سألت أبا حنيفة عن الرجل يرفع رأسه من الركوع في الفريضة أيقول: اللهم اغفر لي قال يقول ربنا لك الحمد وسكت، وكذلك يبين السجدتين يسكت ثم قد أحسن أبو حنيفة في هذه العبادة حيث لم ينه عن الاستغفار صريحًا ونهى عنه دلالة حيث أمر بالتحميد والسكوت بعده، وذكر فخر الإسلام في الجامع الصغير وأما المنفرد على الصحيح من الجواب فيه أن يجمع بينهما لأن الحديث قد صح أن النبي - عليه السلام - كان يجمع.
قوله: ((والإمام بالدلالة عليه آت به معنى))؛ لأن الدال على الخير كفاعله وهذا جواب عن تعليلهما وهو قوله ولأنّه حرص غيره فلا ينسى نفسه.
فإن قلت: مثل هذه الدلالة موجودة في حق المنفرد أيضًا فإنه يقول بالتسميع فيجب أن يكتفي هو بالتسميع أيضًا لهذا المعني كالإمام.
قلت: لا دليل على اكتفاء المنفرد بالتسميع من جهة الشارع بخلاف الإمام فإنه قام الدليل على ترك التحميد في حقه وهو قسمة الشارع فيترك التحميد، ولأن الدلالة من الإمام يقع في موقعها فيجعل كالفاعل فلا يكون ناسيًا نفسه فإن خلفه قومًا يعلمون بها ولا كذلك في حق المنفرد.
قوله: ((وأما الاستواء قائما فليس بفرض)) وكذلك الجلسة بين السجدتين والطمأنينة في الركوع والسجود وهذا عند أبي حنيفة ومحمد وقال أبو يوسف رحمه الله يفترض ذلك وهو قول الشافعي، وذكر شيخ الإسلام فإن لم يأت بالطمأنينة ولكن كما انحنى ظهره رفع رأسه وسجد فإنه يجزئه ويكون مسيئًا وهذا قول أبي حنيفة ومحمد خلافًا لأبي يوسف رحمه الله ولم يذكر هذا الخلاف في ظاهر الرواية وإنما ذكره المعلى في نوادره، وذكر في شرح الطحاوي والقومة التي بين الركوع والسجود ليست بفرض في ظاهر الرواية حتى لو تركها جازت صلاته، وعن أبي يوسف أنه فرض، و قال الفقيه أبو الليث لم يذكر الأختلاف في الكتاب ولكن تلقفنا من الفقيه أبي جعفر وكذلك لم يذكر في الأسرار خلاف أبي يوسف وإنما قال: قال علماؤنا الطمأنينة في الركوع والسجود وفي الانتقال من ركن إلى ركن ليس بركن وكذلك الاستواء بين السجدتين وبين الركوع والسجود، وقال الشافعي رحمه الله هو ركن ولقب المسألة أن تعديل الأركان هل هو ركن أم لا؟ حتى لو طأطأ رأسه قليلًا ثم رفع رأسه إن كان إلى الركوع أقرب منه إلى القيام جاز عن الركوع، وإن كان إلى القيام أقرب منه إلى تمام الركوع لم يجزه ثم الطمأنينة في الركوع والسجود سنة أم واجب على قول أبي حنيفة رحمه الله اختلف فيه المشايخ كان أبو الحسن الكرخي رحمه الله يقول إنه واجب على قول أبي حنيفة رحمه الله حتى لو تركه ساهيًا كان عليه السهو وكان الشيخ أبو عبد الله الجرجاني رحمه الله يقول بأنه سنة حتى لو تركه ساهيًا على قوله لا سهو عليه، كذا في مبسوط شيخ الإسلام وفيه أيضًا إنما اختلاف الكرخي والجرجاني في طمأنينة الركوع والسجود.
وأما في الطمأنينة المشروعة في الانتقال فاتفقا على أنها سنة وليست بواجبة على قول أبي حنيفة ومحمد رحمهما الله فوجه الجرجاني هو أن هذه طمأنينة مشروعة لأكمال ركن فيكون سنة لا واجبًا كالطمأنينة في الانتقال ووجه الكرخي رحمه الله هذه الطمأنينة مشروعة لإكمال ركن، مقصود بنفسه فيكون واجبًا قياسًا على القراءة بخلاف الانتقال لإنّه ليس بمقصود وإنما المقصود به غيره وهو إمكان أداء ركن آخر فقلت: بالفرق لتطهر التفاوت بين الطمأنينتين، وذكر في شرح الطحاوي في كيفية السجود والقيام منه فقال: (يجب أن يكون أول ما يقع على الأرض ركبتاه ثم يداه ثم وجهه).
وقال بعضهم: يضع أنفه ثم جبهته، وإذا أراد القيام رفع يديه أولا ثم ركبتيه، وإذا أرادت معرفة ذلك، فيقول إذا أراد أن يسجد يضع أولًا ما كان أقرب إلى السماء، هذا إذا كان الرجل حافيًا يمكنه، ولو كان ذا خف لا يمكنه وضع الركبتين أولًا فإنه يضع يديه أولًا، ويقدم اليمنى على اليسرى، وذكر شيخ الإسلام من حجة أبي يوسف ما روي عن النبي - عليه السلام - أنه قال: «لا يقبل الله صلاة من لم يقم صلبه في الركوع والسجود»، وهذا نص في الباب والمعنى في المسألة أن هذا ركن من أركان الصلاة، فوجب أن لا يتأدى هذا الركن بأدنى ما ينطلق عليه الاسم بل بزيادة وطمأنينة توجد بعده قياسًا على القيام والقراءة والقعدة الأخيرة ولأن الركوع ركن شرع فيه تسبيح فوجب أن يكون رفع الرأس عنه ركنًا قياسًا على السجدة فإنّه لما كان ركنًا شرع فيه تسبيح كان رفع الرأس عنه ركنًا فكذا هذا.
واحتج أبو حنيفة ومحمد رحِمَهما الله بأنّه أتى بما أمر الله تعالى به في كتابه فيجزئه قياسًا على ما لو اطمأن وذلك لأنّ الله تعالى أمره بالركوع والسجود وقد أتى بهما وإن لم يطمئن لأن الركوع عبارة عن الميل والانحناء من قولهم ركعت النخلة إذا مالت إلى الأرض والركوع يحصل بأدنى ما يكون من الانحناء، ولهذا يحنث متى كان حلف أن لا يركع إذا انحنى مع عدم الطمأنينة لأن الطمأنينة دوام على الانحناء والأمر بالفعل يوجب أصل الفعل ولا يوجب الدوام عليه كمن قال لآخر احن ظهرك فإنه كما انحنى يصير ممتثلًا لأمره وإن لم يدم عليه وكذلك السجود، ولا يجوز أن يقول لأحد أنه جعل الدوام ركنًا بالسنة لا بالكتاب لما أن السنة التي رويت فيه من أخبار الآحاد فلا يجوز بها نسخ الجواز الثابت بأصل الفعل بالكتاب.
وأما حديث الأعرابي فهو يشهد لنا، وذلك لأنّ النبي - عليه السلام - ترك الأعرابي حتى فرغ من صلاته ولو كان ما ترك من الطمأنينة ركنًا لفسدت صلاته فكان المضي بعد ذلك من الأعرابي عبثا فكان لا يحل للنبي - عليه السلام - أن يتركه وكان تركه دلالة منه أن صلاته جائزة إلا أنه ترك الإكمال فأمره بالإعادة زجرًا له عن هذه العادة، كما أمر بكسر الدنان زجرًا لهم عن عادة اعتادوها، والدليل عليه أنه قال في آخر الحديث وما نقصت من صلاتك فقد وصف صلاته بالنقصان وهو يقتضي وجود أصل الفعل وعلى أصله يكون موصوفًا بالفساد وهو خلاف الخبر فأما قوله لا يقبل الله صلاة من لا يقم صلبه فالمشهور من الحديث: «لا صلاة لمن لم يقم صلبه» وهو لنفي الفضيلة كما في قوله عليه السلام: «لا صلاة لجار المسجد»، ولئن ثبت فهو محمول على التهديد لا على التحقيق كما روي: «لا يقبل الله صلاة العبد الآبق»، وأما اعتباره بالقيام والركن في القيام عندنا بأدنى ما ينطلق عليه الاسم إنما التقدير بسبب القراءة ألا ترى أن القراءة متى سقطت كان نفس القيام يكفيه كما في الثالثة والرابعة وكمن أدرك الإمام في الركوع فكبر قائمًا وركع أجزأه، وأما القراءة فالركن عندنا أدنى ما ينطلق عليه اسم القرآن حقيقة وحكمًا وذلك آية واحدة، وأما ما دونه وإن كان قرآنًا حقيقة فليس بقرآن من حيث الحكم حتى حل قرآءته للجنب والحائض، وأما القعدة فإنما لم يكتف بأدنى ما ينطلق عليه اسم القعدة لأن الخروج يلاقي القعدة ويتصل بها فالجزء الذي يلاقيه القطع يخرج من أن يكون صلاة والباقي بعده مما لا ينطلق عليه اسم القعدة وإذا وجبت الزيادة قدرت بالتقدير الذي ورد به الشرع.
وأما في غيره من الأركان فالقطع لا يتصل به فيبقى القدر الذي وجد ركنًا ركوعًا وسجودًا والواجب عليه بحق الأمر أدنى (ما ينطلق عليه اسم الركوع والسجود وأما قوله ركن تضمن تسبيحًا كان رفع الرأس منه ركنًا كما في السجدة.
قلنا: في السجدة رفع الرأس ليس بركن وإنما الركن هو الانتقال لأنّه لا يمكنه أداء الثانية إلا به إلا أنه لا يمكنه الانتقال إلى الثانية إلا بعد رفع الرأس فلزمه رفع الرأس ضرورة إمكان الانتقال إلى غيره حتى لو أمكنه الانتقال من غير رفع الرأس بأن سجد على وسادة فأزيلت الوسادة حتى وقع جبهته على الأرض أجزأه وإن لم يوجد الرفع هكذا قاله الشيخ القدوري في التجريد، وأما في الركوع فالانتقال إلى السجود ممكن من غير رفع أصلًا فلا يجعل رفع الرأس عنه ركنًا.
قوله: ((وادعم على راحتيه)) أي: إتكأ واعتمد عليها وهو افتعال من دعمت الشيء دعمًا أي جعلته دعامة، ووضع وجهه بين كفيه ويديه حذا أذنيه للحديث ولأن آخر الركعة معتبر بأولها فكما يجعل رأسه بين يديه في أول الركعة عند التكبير فكذلك في آخره، كذا في المبسوط وسجد على أنفه وجبهته.
قلت: جاز أن يكون تقديم الأنف على الجبهة مع أن وضع الجبهة أقوى لأداء الفرض عند وضعها بإجماع العلماء الثلاثة بخلاف الأنف لاختيار ما ذكرنا من شرح الطحاوي بأنّه يضع أولًا على الأرض ما كان أقرب إلى الأرض عند السجود.
وذكر شيخ الإسلام فقد أجمعوا أن المستحب للمصلي إذا سجدَ أن تضع جبهته وأنفه على الأرض لما روي أن النبي - عليه السلام - كان إذا سجد وضع جبهته وأنفه على الأرض وقال: «صلوا كما رأيتموني أصلي»، ولأنّ السجود إنما يوجد بوضع الجبهة على الأرض أما الأرض فلا بد منه لغة لأن السجود لغة ينبئ عن الوضع على الأرض لقولهم: سجدت الناقة إذا وضعت جرابها على الأرض، وأما الوجه فيثبت محلًا للوضع بالكتاب والسنة.
أما الكتاب فقوله تعالى: {يخرون للأذقان سجدا} جاء في التفسير: المراد به: الوجه، ثم وضع جميع الوجه غير ممكن لأن الأنف والجبهة عظمان ناتئان يمنعان وضع جميع الوجه وإذا تعذر وضع الكل كان المامور به وضع البعض ثم وضع الجبهة والأنف أولى من وضع الخد لوجهين أحدهما أن الشرع عين الأنف والجبهة للوضع والثاني أن وضع الجبهة والأنف مما يتاتى مع استقبال القبلة ووضع الخد لا يتأتى إلا بالانحراف عن القبلة فتعيّنت الجبهة والأنف للسجود شرعًا ومعنى، ثم وإن كان يوجد الاستقبال للقبلة مع وضع الذقن لم يجعل وضعه سجدة شرعًا لأن السجود على الذقن لم يعرف تعظيمًا لما بينا والصلاة إنما شرعت بأفعال ظاهرة تعرف تعظيمًا فيما بيننا فلذلك لم يتأدى بالذقن وفي المبسوط فإنّ سجد على الجبهة دون الأنف جاز عندنا، وعند الشافعي لا يجوز، وإن سجد على الأنف دون الجبهة جاز عند أبي حنيفة ويكره ولم يجز عند أبي يوسف ومحمد، وهو رواية أسد بن عمرو عن أبي حنيفة وفي التجنيس ولو وضع جبهته على حجر صغيران وضع أكثر الجبهة على الأرض يجوز وإلا فلا وكان ينبغي أنه إذا وضع من الجبهة بمقدار الأنف أن يجوز عند أبي حنيفة رحمه الله كما إذا وضع الأنف إلا أنا نقول في الأنف إنّما يجوز لأنّه عضو كامل فصار كالجبهة أما هذا القدر من الجبهة فليس بعضو كامل ولا بأكثره فلا يجوز، وفي الإيضاح فأما السجود على اليدين والركبتين فليس بواجب عندنا، وقال زفر والشافعي: هو واجب لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «أمرت أن أسجد على سبعة أعضاء».
ولنا ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «مثل الذي يصلي وهو عاقص شعره كمثل الذي يصلي وهو مكتوف»، فالتمثيل يدل على نفي الكمال دون الجواز؛ لأن اختصاص اسم السجود يتعلق بالوجه فإنه بوضع الوجه يسمى ساجدًا.
قوله: ((لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «أمرت أن أسجد على سبعة أعضاء» وعد منها الجبهة))، أي على اليدين والركبتين والقدمين والجبهة.
فإن قلت: كيف يتم الاستدلال لهما بهذا الحديث مع أنه لو ترك وضع اليدين والركبتين جاز سجدته بالإجماع وهذه الأعضاء الأربعة من تلك السبعة فيستقيم لأبي حنيفة حينئذ أن يحتج عليهما بجواز ترك الجبهة بهذا الحديث كما جاز ترك هذه الأعضاء الأربعة لأن كلًا منهما في كونه مأمورًا به سواء فتنقلب القصة حينئذ.
قلت: إيراد الحديث لبيان أن هذه الأعضاء هي محال السجدة لا غيرها لا لبيان أن وضع هذه الأعضاء السبعة لازم لا محالة والأنف غير هذه الأعضاء المذكورة فيجب أن لا يتأدى الفرض بوضع الأنف مجردًا كما لو وضع مجردًا لأنّ نصّ الحديث لم يتناوله فلم يكن الأنف محلًا للسجدة ولذلك تعرض في الكتاب لتصريح الجبهة بقوله وعد منها الجبهة لا الأنف فكان نفيًا لمحلية الأنف للسجدة ليفيد التخصيص فائدته فلما لم يكن محلاً لا يقع الفرض بوضعه منفردًا.
ولذلك ذكر شيخ الإسلام في جواب هذا الحديث من طرف أبي حنيفة بقوله على أن في خبرهم وجوب السجدة على الجبهة وليس فيه نفي السجود على الأنف بل الأنف مسكوت عنه وفي خبرنا وجوب السجدة على الأنف والجبهة جميعًا فيجمع بينهما إذ العمل بهما ممكن أو نقول هما يقولان لأن المأمور به السجود وأنه يتحقق بوضع الوجه لغة لكن الكل غير مراد بالإجماع والباقي مجمل في حق الإرادة فالتحقق هذا الخبر بتصريح الجبهة بيانًا له فانحصر على وضع الجبهة لذلك.
قلنا: المراد منه بعض الوجه مطلقًا لا مجملًا إلا أن الخد والذقن خرجا بالإجماع؛ لأنّ التعظيم لم يشرع بوضعهما والمشهور في الخبر الوجه لا الجبهة فيكون الأنف مع الجبهة داخلين على السواء ولو اكتفى بالجبهة يجوز فكذا لو اكتفى بالأنف، ولأن الأنف لا يخلو إما أن يكون محلًا للفرض أو لا فلا يجوز أن لا يكون محلًا له لأن الفرض ينتقل إليه بالإجماع إذا كان بالجبهة عذر ولو كان غير محل لما صار محلًا عند العذر كالذقن هذا هو المعنى القاطع للشعب الذي ذكره شيخ الإسلام فقال إن المصلي متى عجز عن السجود بما عين محلا للسجود تسقط عنه السجود وينتقل فرض السجود إلى الإيماء كما إذا كان العذر بهما جميعًا فإنه يصلي بالإيماء فلو كانت الجبهة متعينة للسجود لا غير كان يجب أن يقال بأنّه إذا عجز عن وضع الجبهة تسقط وينتقل الحكم إلى الإيماء فلما وجب هناك وضع الأنف تعين كونه محلًا للسجود كالجبهة.
قوله: ((وأما وضع القدمين فقد ذكر القدوري .. )) أنه فريضة وعبارة لفظ مبسوط شيخ الإسلام يدل على أن ما سوى وضع الجبهة والأنف ليس بفرض وضعه في السجدة إذا أمكن له.
وفي المحيط: (إذا لم يضع المصلي ركبتيه على الأرض عند السجود لا يجزئه هكذا اختاره الفقيه أبو الليث لأنا أمرنا أن نسجد على الأعضاء السبعة)، وفتوى مشايخنا على أنه يجوز لأنّه لو كان موضع الركبتين نجسًا يجوز هكذا ذكره القدوري رحمه الله والفقيه أبو الليث رحمه الله لم يصحح هذه الرواية رجل يصلي على الأرض ويسجد على خرقة وضعها بين يديه ليقي به الحر لا بأس به وذكر عن أبي حنيفة رحِمهُ الله أنه فعل ذلك فمر به رجل وقال يا شيخ لا تفعل مثل هذا فإنه مكروه فقال له أبو حنيفة من أين أنت فقال من خوارزم فقال أبو حنيفة رحمة الله أكبر جاء التكبير من وراءي أي جاء التكبير أي: الإعلام على وجه الاستفهام يعني من الصف الآخر، ومراده أن علم الشريعة يحمل من ههنا إلى خوارزم لا من خوارزم إلى ههنا ثم قال له أبو حنيفة رحمه الله (أفي مساجدكم حشيش فقال نعم فقال له أبو حنيفة) فيجوز السجدة على الحشيش ولا يجوز على الخرقة وإذا سجد ورفع أصابع رجليه عن الأرض لا يجوز، كذا ذكره الكرخي والجصاص رحمهما الله، ولو وضع إحدى رجليه دون الأخرى في السجدة، ذكر في الخلاصة أنه يجوز ولم يذكر الكراهة وذكر في فتاوى قاضي خان رَحِمه الله الكراهة مع الجواز وعدم الجواز عند ترك وضع الرجلين، وذكر الإمام التمرتاشي رحِمه الله في باب مسائل متفرقة من الجامع الصغير لو لم يضع اليدين والقدمين جاز سجوده، وهذا موافق لما ذكره شيخ الإسلام وإن سجد على كور عمامته أو فاضل ثوبه جاز لأنّه حائل لا يمنع من السجود لأنّه لا يمنع حجم الأرض كالمصلي والبساط كور عمامته دورها من كار العمامة وكورها أدارها على رأسه وهذه العمامة عشرة أكوار وعشرون كورا.
قوله -رحِمهُ الله-: ((ويبدي ضبعيه)) ذكر في المُغرب: الضبع بالسكون لا غير العضد).
وفي مبسوط شيخ الإسلام اختلف اللغة في قوله: ضبعيه، وقال بعضهم: بجزم الباء، وقال بعضهم بالرفع وأنه لغتان، وآثر العتبي لفظة الرفع على الجزم ولكن ذكر في الصحاح والديوان مثل ما ذكر في المُغرب.
ويجافي بطنه أي: يباعد تتجافى جنوبهم أي تتباعد البهيمة ولد الشاة وهي بعد السخلة فإن السخلة أول ما تضعه أمه ثم يصير بهمة.
قوله: ((وإذا سجد أحدكم))، بالواو معطوف على قوله: ((إذا ركع أحدكم))؛ لأنّهما في حديث واحد، ثم يرفع رأسه ويكبر الرفع فرض لما أن السجدة الثانية فرض فلابد من رفع الرأس ليتحقق الانتقال إليها، والتكبير سنة لمواظبة النبي - عليه السلام - على ذلك.
قوله: ((لما روينا .. )) إشارة إلى قوله لأن النبي - عليه السلام - كان يكبر عند كل خفض ورفع وتكلموا في مقدار الرفع وبعض مشايخنا قالوا: إذا أزيل جبهته عن الأرض ثم أعادها جاز ذلك عن السجدتين.
وعن الحسن بن زياد ما هو قريب من هذا فإنه قال إذا رفع رأسه بقدر ما يجري فيه الريح يجوز، وقال محمد بن سلمة -رحمه الله- لا يكون عنهما ما لم يرفع جبهته مقدار ما يقع عند الناظر أنه رفع رأسه ليسجد أخرى فإن فعل ذلك جاز عن السجدتين وإلا يكون عن سجدة واحدة وفي القدوري أنه يكتفي بأدنى ما ينطلق عليه اسم الرفع كذا في المحيط وجعل شيخ الإسلام القول الأخير وهو المذكور في القدوري أصح وقال لأن الواجب هو الرفع فإذا وجد أدنى ما يتناوله اسم الرفع بأن رفع جبهته كان مؤديًا لهذا الركن كما في السجود حيث يعتبر فيه أدنى ما يتناوله الاسم بخلاف الركوع لأن الركوع هو الميل وانحناء الظهر وإذا وجد بعض الانحناء ولم يوجد البعض ترجح الأكثر منهما إن كان (إلى الركوع) أقرب فقد وجد الأكثر فترجح جانب الكثرة وصارت العبرة له وإن كان إلى القيام أقرب فقد عدم الأكثر فكانت العبرة لجانب العدم وإذا ترجح جانب العدم صار كأنّه لم يركع بخلاف السجود فإن السجود إنما يحصل بوضع الجبهة على الأرض والواجب وضع الجبهة على الأرض مرتين وقد وجد حين رفع رأسه أدنى ما يكون من الرفع وعند الشافعي رحمه الله لا يجوز ما لم يستوِ قاعدا، وقد ذكرناه فيتحقق الثانية، أي: السجدة الثانية ثم الركوع في كل قيام مرة والسجود مرتان أكثر مشايخنا قالوا: هذا توقيف واتباع للشرع من غير أن يعقل له معنى تحقيقًا للابتلاء ومن مشايخنا من يذكر لذلك حكمه هذا ما روي في الأخبار أن الله تعالى لما أخذ الميثاق من ذرية آدم - عليه السلام - حيث قال: {وإذا أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم} الآية أمرهم الله تعالى بالسجود تصديقًا لما قالوا، فسجد المسلمون كلهم وبقي الكفار فلما رفع المسلمون رؤوسهم رأوا الكفار لم يسجدوا فسجدوا ثانيًا شكرًا لما وفقهم الله تعالى على السجود الأول فصار المفروض سجدتين لهذا والركوع مرة، كذا ذكره شيخ الإسلام رحمه الله، وفي المبسوط: وقيل: إنما كان السجود مثنى ترغيمًا للشيطان فإنه أمر بسجدة فلم بفعل فنحن نسجد مرتين ترغيمًا له، وإليه أشار رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سجود السهو فقال: ((هما ترغيمتان للشيطان)) وقيل: في السجدة الأولى يشير إلى أنه خلق من الأرض وفي الثانية يشير إلى أنه يعاد إليها قال الله تعالى: {منها خلقناكم وفيها نعيدكم}.
قوله رحمه الله: ((فاستوى قائما على صدور قدميه ومعتمدًا بيديه على ركبتيه ولا يقعد)) أي: لا يجلس جلسة خفيفة فكان الخلاف بيننا وبين الشافعي في موضعين:
أحدهما: في اعتماد اليدين عندنا يعتمد بهما على ركبتيه وعنده لا يعتمد بهما على الأرض.
والثاني: في الجلسة وما رواه محمول على حالة الكبر فإنّ النبي - عليه السلام - فعله في حالة الضعف، ولهذا كان يقول لا تبادروني بالركوع والسجود فإني قد بدنت وما رويناه محمول على حالة القدرة فنوفّق بين الأخبار من هذا الوجه، أو نترك الأخبار كلها لتعارض بعضها بالبعض ويعمل بالقياس والقياس معنا وهو قوله في الكتاب؛ ولأن هذه قعدة استراحة وإنما قلنا إنها للاستراحة لأنّه لا يأتي للفصل فإن الفصل بالقعدة إنما شرع إما بين السجدتين أو بين الشفعين ولا حاجة إلى واحد من الفصلين هنا فلما لم يكن للفصل كان ما يأتي بها للاستراحة والقعدة التي هي للاستراحة لا للفصل لم يشرع في الصلاة لأن الانتقال انتقالان انتقال من القيام إلى السجود وانتقال من السجود إلى القيام ثم أجمعنا على أنه لا يقعد (في الانتقال) من القيام إلى السجود فكذا وجب أن لا يقعد في الانتقال من السجود إلى القيام اعتبارًا لأحد الانتقالين بالآخر ولأنّه اعتمد على غيره في صلاته من غير حاجة وعذر فيكون مسيئًا قياسًا على ما لو اتكأ على حائط أو عصا بخلاف ما لو اعتمد على ركبتيه لأنا قلنا على غيره، كذا في مبسوط شيخ الإسلام، وذكر شمس الأئمة الحلواني الخلاف في الأفضل حتى لو فعل كما هو مذهبنا لا بأس به عند الشافعي ولو فعل كما هو مذهبه لا بأس به عندنا، كذا في المحيط.
ولا يرفع يديه إلا في التكبيرة الأولى خلافا للشافعي، وقال الشافعي رحمه الله يرفع يديه عند الركوع وعند رفع الرأس من الركوع ومن الناس من يقول وعند السجود يرفع اليد أيضًا قالوا: قد صح أن النبي - عليه السلام - كان يرفع يديه عند كل تكبيرة، وفي المَسْألة حكاية فإن الأوزاعي لقي أبا حنيفة رَحمهُما الله في المسجد الحرام فقال: ما بال أهل العراق لا يرفعون أيديهم عند الركوع وعند رفع الرأس من الركوع؟ (وقد حدثني الزهري عن سالم عن ابن عمر أن النبي عليه السلام كان يرفع يديه عند الركوع وعند رفع الرأس منه).
فقال أبو حنيفة رحِمهُ الله: حدثني حماد عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنهم - أن النبي - عليه السلام - كان يرفع يديه عند تكبيرة الافتتاح ثم لا يعود، فقال الأوزاعي: عجباً من أبي حنيفة، أحدثه بحديث الزهري عن سالم وهو يحدثني عن حماد عن إبراهيم فرجح حديثه بعلو إسناده.
فقال أبو حنيفة: أما حماد فكان أفقه من الزهري، وإبراهيم كان أفقه من سالم، ولولا سبق بن عمر لقلت بأن علقمة أفقه منه، وأما عبد الله فعبد الله فرجح حديثه بفقه رواته، وهو المذهب أن الترجيح بفقه الرواة لا بعلو الإسناد، وفي مبسوط شيخ الإسلام بعد قوله فعبد الله فسكت الأوزاعي فالشافعي رحمهم الله اعتمد حديث ابن عمر وقال: تكبير الركوع يؤتى به في حالة القيام فيسن رفع اليد عنده كتكبير الافتتاح ألا ترى أنه محسوب عن تكبيرات العيد ورفع اليد منسوب في تكبيرات العيد، فكذا هذا.
ولنا أنّ الآثار لما اختلفت في فعل رسول الله - عليه السلام - يُتَحاكم إلى قوله وهو الحديث المشهور أن النبي - عليه السلام - قال: «لا ترفع الأيدي إلا في سبع مواطن ثلاثة في الصلاة وأربعة في الحج أما الثلاثة فتكبيرة الافتتاح وتكبيرات العيد وتكبيرة القنوت، وأما الأربعة فعند استلام الحجر وعند الصفا والمروة وفي الموقفين عند الجمرتين وعند المقامين» والمتنازع فيه خارج عن السبع، وحين رأى النبي - عليه السلام - أقوامًا يرفعون أيديهم في الصلاة عند الركوع (وعند رفع الرأس من الركوع) فقال: «ما لي أراكم رافعي أيديكم كأنها أذناب خيل شمس اسكتوا في الصلاة»، وفي رواية كفوا في الصلاة، والمعنى فيه أنّ هذا تكبير يؤتى به في حالة الانتقال فلا يسن رفع اليد عنده كتكبير السجود وفقهه ما بينا أنّ المقصود من رفع اليد إعلام الأصم الذي خلفه وهذا إنما يحتاج إليه في التكبيرات التي يؤتى بها في حالة الاستواء كتكبيرات الزوائد في العيدين وتكبيرات القنوت ولا حاجة إليه فيما يؤتي به في حالة الانتقال فإنّ الأصم يراه ينحط للركوع فلا حاجة إلى الاستدلال برفع اليد وذلك لأنّا لو خلينا والقياس لكنا نقول لا يرفع في شيء من التكبيرات في الصلاة، أي: تكبيرة كانت له لأنّه مما ينافي السكينة والوقار ومبنى الصلاة على السكينة والوقار وقال النبي - عليه السلام -: «اسكنوا في الصلاة»، (إلا أنا) تركنا القياس في تكبيرة الافتتاح والأعياد والقنوت، لاتفاق الأخبار والإجماع وما ثبت بخلاف القياس لا يقاس عليه غيره إلا إذا كان في معناه من كل وجه وليس ما ذكره في معنى تكبيرة الافتتاح لما ذكرنا من المعنى؛ ولأنّه متى رفع يديه في تكبيرة الانتقال صار هذا الذكر مقرونا بفعلين بالانتقال وبالرفع، وموضوع الصلاة أنه لا يقرن إلى كل ذكر مشروع في الصلاة إلا فعل واحد وهو القيام والركوع والسجود وكذلك لتكبير السجود لم يقرن إلا فعل واحد وهو الانتقال فيجب أن يكون في تكبير الركوع كذلك وكان القياس في تكبيرة الافتتاح كذلك إلا أنها خصّت باتفاق الأخبار فيه، وعن هذا قلنا لا يرفع يديه في تكبيرة الجنازة لأنّه متى رفع يديه يصير المقرون بذكر واحد فعلين الرفع والقيام كذا في المبسوطين.
فإن قلت: فقد حصر رفع اليد في الحديث بالمواضع السبعة فما وجه رفع اليد عند كل دعاء؟
قلت: بذكر جواب هذا في باب الوتر من هذا الكتاب إن شاء الله.
[ ... ] ((كذا نقل عن ابن الزبير)) فإن عبد الله ابن الزبير -رحمه الله- رأى رجلًا يصلي في المسجد الحرام وكان يرفع يديه عند الركوع وعند رفع الرأس من الركوع فلما فرغ من صلاته فقال له: لا تفعل فإن هذا شيء فعله النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم تركه) وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: إن العشرة الذين شهد لهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بالجنة لم يكونوا يرفعون أيديهم إلا عند افتتاح الصلاة وكذلك روي مجاهد عن ابن عمر رضي الله عنه خلاف ما رواه الشافعي عنه فقال: خدمت ابن عمر عشرين سنة فما رأيته يرفع يديه في شيء من صلاته إلا في التكبيرة الأولى [81 - ب] ثم عند تعارض الأخبار إما أن يرجح أو يوقف فتوقيفه أنه لم يذكر كيفية الرفع فكان محمولًا على أنه رفعه عن موضعه وكذلك الترجيح لما قلنا لأنه موافق للقياس، وما رواه مخالف له؛ ولأن راوي أخبارنا البدريون من أصحاب رسول الله - عليه السلام - الذين كانوا يلون النبي - عليه السلام - في الصلاة وعبد الله بن عمر ووائل بن حجر كانوا يقومون ببعد من النبي - عليه السلام - فكان الأخذ برواية من كان أقرب إلى النبي - عليه السلام - في الصلاة أولى، كذا في مبسوط شيخ الإسلام افترش رجله اليسرى إلى آخره.
وقال مالك: في القعدتين جميعاً المسنون أن يقعد متوركًا وذلك أن يخرج رجليه من جانب ويفضي باليتيه إلى الأرض، والشافعي يقول في القعدة الأولى مثل قولنا؛ لأنّها لا يطول وهو يحتاج إلى القيام والقعود بهذه الصفة أقرب إلى الاستعداد للقيام.
وفي القعدة الثانية يقول بقول مالك لأنّها تطول ولا يحتاج إلى القيام فينبغي أن يكون مستقرًا على الأرض.
ولنا حديث عائشة رضي الله عنها أنها وصفت قعود رسول الله عليه السلام بمثل ما قلنا، وكذلك وائل بن حجر وما روي بخلاف ذلك فهو محمول على حالة الكبر للعذر، ولأنّ القعود كما قلنا يكون أشق على البدن فكان أفضل الأعمال للحديث، وأما ما قاله الشافعي رحمه الله فنقول ما كان متكررًا من أفعال الصلاة لم يخالف الثانية الأولى في الصفة كسائر الأفعال من الركوع والسجود والقيام، كذا في المبسوط، ثم هل يشير بالمسبحة إذا انتهى إلى قوله: أشهد أن لا إله إلا الله أم لا فمن مشايخنا من يقول بأنّه لا يشير لأنّ في الإشارة زيادة رفع لا يحتاج إليها فيكون الترك أولى لأنّ مبنى الصلاة على السكينة والوقار.
وقال بعضهم يشير بالمسبحة وقد نص محمد بن الحسن رحمه الله على هذا في كتاب المشيخة حدثنا عن رسول الله عليه السلام أنه كان يفعل ذلك أي يشير ثم قال تصنع بصنيع رسول الله - عليه السلام - ونأخذ بفعله وهذا قول أبي حنيفة رحمه الله وقولنا ثم كيف يشير قال: يقبض أصبعه الخنصر والتي تليها ويحلق الوسطى مع الإبهام ويشير بسبابته هكذا روى الفقيه أبو جعفر الهندواني أن النبي - عليه السلام - كذا يشير وكأنه أراد بقبض الأصابع الأربعة وإقامة المسبحة لا غير لتحقيق معنى التأخير، كذا في مبسوط شيخ الإسلام.
قوله: ((والتشهد التحيات لله)) إلى آخره، أعلم أن الصحابة - رضي الله عنهم - اختلفوا في التشهد؛ لعمر تشهد، ولعلي تشهد، ولعبد الله بن عباس تشهد، ولعبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - تشهد، ولعائشة رضي الله عنها تشهد، ولجابر تشهد، ولغيرهم أيضًا فأخذ علماؤنا بتشهد عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -، وأخذ الشافعي بتشهد عبد الله بن عباس رضي الله عنهما وتشهده كما ذكر في الكتاب إلا أنه قال في آخره وأشهد أن محمدًا رسوله بدون عبده، وقال الشافعي: (الأخذ بما رواه ابن عباس أولى لوجوه أربعة:
أحدها: أن فيه زيادة كلمة وهي المباركات.
والثاني: أنه يوافق القرآن على ما قال الله تعالى: {تحية من عند الله مباركة طيبة}.
والثالث: أن ذكر السلام بغير الألف واللام وأكثر تسليمات القرآن مذكور بغير الألف واللام قال تعالى: {سلام عليكم طبتم} {قالوا سلاماُ قال سلام} {وسلام عليه} وأشرف الكلام ما وافق القرآن).
(والرابع: أنه متأخر عن خبر ابن مسعود؛ لأن ابن عباس كان صغير السن فكان ينقل ما تأخر من الشرع)، وأصحابنا رحمهم الله قالوا: الأخذ بتشهد ابن مسعود - رضي الله عنه - أولى بوجوه عشرة:
الأول: التعليم بأخذ اليد والأخذ بيده يوجب تأكيدا فيما يعلمه.
والثاني: الأمر.
والثالث: أنه علق به تمام الصلاة فدل على أن التمام لا يوجد بدونه.
والرابع: أن تشهد ابن مسعود أحسنها إسنادًا هكذا قاله أئمة الحديث.
والخامس: أن عامة الصحابة أخذوا بتشهده فإنه روي أن أبا بكر - رضي الله عنه - علم الناس على منبر رسول الله - عليه السلام - التشهد مثل ما قاله عبد الله بن مسعود هكذا رواه سلمان الفارسي وابن جابر ومعاوية - رضي الله عنهم -.
والسادس: أن فيما قلنا زيادة واو العطف فيصير كل كلام ثناء على حدة لأن المعطوف غير المعطوف عليه وبغير الواو يصير الكل ثناء واحدا بعضه صفة للبعض ألا ترى أن من قال والله والرحمن لا أفعل كذا ففعل لزمه كفارتان، ولو قال: والله الرحمن الرحيم لا أفعل كذا ففعل لزمه كفارة واحدة.
والسابع: الألف واللام فإنه أبلغ لأنّه يستغرق الجنس وسلام نكرة.
والثامن: تقديم اسم الله تعالى فإنه إذا قدم علم الممدوح في ابتداء الكلام ومتى أخر كان محتملًا وإزالة الاحتمال بأول الكلام كان أولى.
والتاسع: أن قوله التحيات عام يتناول كل قربة الصلاة وغيرها فإذا قال: الصلوات بغير واو صار تخصيصا وبيانا أراد به الصلوات لا غير ومتى ذكره مع الواو ويبقى الأول عامًا فيكون أبلغ في الثناء فكان أولى.
والعاشر: أن ما قلناه أوفق للقياس لأنّه ذكر ممتد مشروع في أحد طرفي الصلاة فيكون الواو من سننه كالاستفتاح اعتبارا بأحد الذكرين بالآخر.
أما قوله فيه زيادة كلمة؟
قلنا: لو ترجح بالزيادة لترجح تشهد جابر لأن فيه زيادة بسم الله الرحمن الرحيم، ولأن في خبرنا زيادة الواوات، وزيادة الألف واللام وزيادة كلمة في الشهادة وهي قوله: عبده.
وأما قوله: يوافق القرآن لأن فيه المباركات.
قلنا: موافقة القرآن لا يجعله أولى لأن قراءة القرآن يكره في القعدة فكيف يستحب ما يوافقه ولأن الله تعالى ذكر تحية مباركة في خطاب الآدميين وأذكار الصلاة كلما بعدت عن خطاب الآدميين كانت أولى وأما قوله فأكثر التسليمات بغير الألف واللام فأحد الجوابين ما ذكرنا.
والثاني: هو أن الله تعالى ذكر الألف واللام أيضًا قال تعالى: {والسلام على من اتبع الهدى} {والسلام علي يوم ولدت} وكذا السلام المحلل مشروع بالألف واللام.
وأما قوله أن خبرنا متأخر فغلط؛ لأنّه روى أبو وائل الأسدي عن عبد الله بن مسعود أنه قالظ: كنا إذا صلينا خلف رسول الله عليه السلام قلنا: السلام على الله فقضى رسول الله - عليه السلام - صلاته ذات يوم ثم اقبل علينا فقال: «لا تقولوا السلام على الله، فإن الله هو السلام، ولكن قولوا التحيات لله والصلوات إلى آخره»، ولأنّ أبا الحسن الكرخي روى في حديث ابن مسعود قال كنا نقول في أول الإسلام التحيات الطاهرات المباركات الزاكيات السلام على جبريل والملائكة، فدلّ أن خبره متأخر عما رواه ابن عباس، وقوله أن ابن عباس يروي آخر السنن لصغر سنه فغلط؛ لأن أحدًا لم يرجح رواية أصاغر الصحابة على أكابرهم؛ ولأنّ ابن مسعود - رضي الله عنه - إن تقدمت هجرته فقد دامت صحبته إلى أن قبض رسول الله - عليه السلام - فإذاً كيف ما دارت القصة فما قاله علماؤنا أولى.
وقد حكي أن أبا حنيفة رحمه الله كان جالسًا بين أصحابه فجاء أعرابي فدخل عليه فقال: يرحمك الله في الصلاة واو أم واوان فقال: واوان فقال: بارك الله عليك كما بارك في لا ولا فلم يعرف أحد سؤال السائل ولا جواب أبي حنيفة فسألوه عن ذلك فقال سألني في التشهد واوًا أم واوان فقلت واوان فدعا لي بالبركة كما بارك في الشجرة الزيتونة لا شرقية ولا غربية، كذا في المبسوط، وفي المبسوط: (وإنما أخذنا بتشهد ابن مسعود لحسن ضبطه ونقله فإنّ أبا حنيفة قال: أخذ حماد بيدي، وقال حماد: أخذ إبراهيم بيدي وقال إبراهيم أخذ علقمة بيدي وقال علقمة أخذ ابن مسعود بيدي، وقال ابن مسعود أخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيدي وعلمني التشهد كما يعلمني السورة من القرآن وكان يأخذ علينا بالواو والألف.
وقال علي ابن المديني لم يصح في التشهد إلا ما نقله أهل الكوفة عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -، وأما معنى التحيات فقد ذكر في المغرب أن معناها: أي: (كلمات التحايا والأدعية لله تعالى وفي ملائكته لأنّ هذا تحية له وتسليم عليه؛ فإن ذلك منهي عنه على ما قرأت أن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: كنا إذا صلينا خلف رسول الله - عليه السلام - قلنا: السلام على الله من عباده فقال - عليه السلام -: «لا تقولوا السلام على الله ولكن قولوا التحيات لله والصلوات إلى آخرها».
وقال شيخي رَحِمه الله: التحيات أي العبادات القولية قال الله تعالى: {وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها} والصلوات أي العبادات الفعلية لأنّها من تحريك الصلوين وكان بالفعل أولى والطيبات أي العبادات المالية قال الله تعالى: {كلوا من طيبات ما رزقكم} وهذا على مثال من يدخل على عظماء الملوك فإنّه تثنية أولًا ثم يخدم ثم يبذل المال.
قوله: ((لأنّ فيه و الأمر)) متصل بقوله: ((والأخذ بهذا أولى .. )) ولا يزيد على هذا في القعدة الأولى وهذا عندنا، وقال الشافعي رحِمهُ الله يزيد الصلاة على النبي - عليه السلام - فإنّ الصلاة عليه في القعدة الأولى سنة، قال الطحاوي: (قول من قال إنه سنة مخالف إجماع الناس واستدل بحديث أم سلمة أن النبي - عليه السلام - قال في كل ركعتين فتشهد وسلم على المرسلين.
ولنا ما روى أبو هريرة - رضي الله عنه -: «أن النبي - عليه السلام - كان إذا قعد في القعدة الأولى قام كأنه على الرضف» فكأنه وصف سرعة قيامه إلى الثالثة فكان دليلًا على أنه كان لا يأتي سوى التشهد وصرحت عائشة رضي الله عنها في روايتها أنه - عليه السلام - كان لا يزيد على التشهد في القعدة الأولى؛ ولأنّه دعاء فلا يسن في القعدة الأولى قياسًا على قوله: اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات، وتأويل حديث أم سلمة في التطوعات فإن كل شفع بين التطوع صلاة على حدة أو مراده سلام التشهد، كذا في المبسوطين.
قوله: لقول ابن مسعود رضي الله عنه علمني رسول الله - عليه السلام - إلى قوله بما شاء من لفظ الحديث.
قوله: ((وهذا بيان الأفضل هو الصحيح)) هذا احتراز عما روى الحسن عن أبي حنيفة أنّ القراءة في الأخريين واجبة حتى لو تركها ساهيًا يلزمه سجود السهو كذا ذكره شيخ الإسلام في المبسوط، والإمام المحبوبي في الجامع الصغير في باب القراءة وذكر في المحيط: وإن ترك القراءة والتسبيح في الأخريين لم يكن عليه حرج ولم يكن عليه سجدتا السهو إن كان ساهيًا لكن القراءة أفضل هذا هو الصحيح من الروايات، كذا ذكره القدوري في شرحه، وروى الحسن عن أبي حنيفة رحمه الله أنه لو سبح في كل ركعة يعني من الأخريين ثلاث تسبيحات أجزأه وقراءة الفاتحة أفضل وإن لم يقرأ ولم يسبح كان مسيئًا إن كان متعمدًا، وإن كان ساهيًا فعليه سجدتا السهو لأنّ القيام في الأخريين مقصود فيكره إخلاؤه عن الذكر والقراءة جميعًا كما في الركوع والسجود.
وعن أبي يوسف أنه قال: يسبح فيهما ولا يسكت إلا أنه إذا أراد أن يقرأ الفاتحة فليقرأ على جهة الثناء لا على جهة القراءة وبه أخذ بعض المتأخرين.
[ ... ] ضعفه الطحاوي وقال إن هذا من حديث عبد الحميد بن جعفر وهو ضعيف عند نقلة الحديث فقد ذكرنا تفسير التورك وجوابه.
قوله: وهو ليس بفرض عندنا خلافا للشافعي فيهما في قراءة التشهد والصلاة على النبي - عليه السلام - فإنهما فرضان عنده حتى إذا ترك قراءة التشهد أو قراءة الصلاة على النبي - عليه السلام - لا تجوز الصلاة عنده.
احتج الشافعي رحِمهُ الله في قراءة التشهد بحديث ابن مسعود - رضي الله عنه - أنه قال: كنا نقول قبل أن يفرض التشهد السلام على جبريل وميكائيل فقال النبي - عليه السلام -: «قولوا التحيات لله إلى أن قال في آخره، إذا قلت أو قضيت هذا فقد تمت صلاتك»، والاستدلال من ثلاثة أوجه:
أحدها: هو أنه قال قبل أن يفرض التشهد فقد اطلق اسم الفرض على التشهد.
ولأنّه قال له: قل: والأمر للوجوب.
والثالث: إنه علق التمام به فدل أنه لا يتم بدونه.
وأما أصحابنا احتجوا بما روي أن النبي - عليه السلام - قال لعبد الله بن مسعود رضي الله عنه بعدما علّمه التشهد إذا فعلت هذا أو قلت هذا فقد تمت صلاتك، فقد علق التمام بأحد الأمرين وأجمعنا على أن التمام يعلق بالقعدة فإنه لو تركها لم يجزه فلا يتعلق.
بالثاني: ليتحقق التخيير فإنّ موجب التخيير بين شيئين الإتيان بأحدهما، [والمعنى في المسألة هو أنّ هذا الذكر يخافت به في عموم الأحوال فلا يكون] فرضًا قياسًا على تسبيحات الركوع والسجود والقنوت و الوتر والتأمين والتسميع والتحميد، وهذا لما مرّ أنّ الفرائض تثبت على سبيل السمعة والإعلان والواجبات والتطوع يثبت على سبيل الخفية والكتمان بخلاف القراءة فإنه يجهر بها في أكثر الأوقات، ولأنّ التشهد لو كان فرضًا لم يكن مشروعًا [83 - أ] في فعل غير فرض كالقراءة وقد شرع التشهد في القعدة الأولى إلا أنه واجب وليس بفرض لأنّه شبه بالسورة فإنه قال يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة، وقراءة السورة واجبة وليست بفريضة فكذا التشهد.
وأما قوله قبل أن يفرض التشهد معناه قبل أن يُقدّر فالفرض في اللغة عبارة عن التقدير قال الله تعالى: {فنصف ما فرضتم}، أي قدرتم، وكذلك الأمر لأنّ أمره على سبيل التعليم والأمر على سبيل التعليم والتلقين لا يكون فرضًا ألا ترى أن قوله قل لم يفد الوجوب في بعض الكلمات لأن الواجب عندهم خمس كلمات وقد أوجبنا عن قولهم علق التمام به.
واحتج في الصلاة على النبي - عليه السلام - بظاهر قوله تعالى: {يا أيها الذين امنوا صلوا عليه} والأمر للوجوب ولا وجوب خارج الصلاة فدلّ على أنه واجب في الصلاة، وكذلك السلام بقوله: {وسلموا}، وأما أصحابنا احتجوا بما روينا أن النبي - عليه السلام - قال لابن مسعود بعد ما علمه التشهد إذا قلت هذا أو فعلت هذا فقد تمت صلاتك فقد علق بأحدهما فمن علق بالصلاة على النبي فقد خالف النص، وبالمعنى الذي ذكرنا أنه ذكر يخافت به في عموم الأحوال فيكون سنة قياسًا على تسبيحات الركوع والسجود.
وأما الجواب عن الآية أنه أمرنا بالصلاة على النبي - عليه السلام - وأنه للإيجاب ولكن ليس فيه أن الإيجاب في الصلاة أم خارج الصلاة فيحمل على خارج الصلاة، وعندنا الصلاة على النبي عليه السلام خارج الصلاة في العمر مرة واجب هكذا قاله الكرخي رحمه الله لأن الأمر بالفعل لا يقتضي التكرار، وفي المحيط: قال أبو الحسن الكرخي رحمه لله الصلاة على النبي عليه السلام واجبة على الإنسان في العمر مرّة إن شاء فعلها في الصلاة أو في غيرها،
وقال الطحاوي رحمه الله: لا بل الصلاة على النبي عليه السلام كلما سمع ذكر النبي - عليه السلام - خارج الصلاة واجب.
فإن قيل: أنا أحمل الآية عليهما؟.
قلنا: حمل الآية عليهما غير ممكن لأن الحالة غير مذكورة في الآية وإنما يثبت اقتضاء والمقتضى لا عموم له.
وأما قوله: {وسلموا} المراد منه سلموا لقضائه كذا في مبسوط شيخ الإسلام وجعل في التحفة قول الطحاوي أصح وهو وجوب الصلاة على النبي - عليه السلام - عند سماع اسمه في كل مرة واختار في المبسوط قول الكرخي رحمه الله.
ولنا حديث كعب بن عجرة قال: يا رسول عرفنا السلام عليك فكيف الصلاة عليك؟ قال: «قولوا اللهم صلي على محمد وعلى آل محمد» فهو لم يعلمهم حتى سألوه ولو كان من أركان الصلاة لبينه لهم قبل السؤال وحين علم الأعرابي أركان الصلاة لم يذكر الصلاة عليه ولأنّه صلاة على النبي فلا يكون ركنًا من أركان الصلاة كالصلاة على إبراهيم، وتأويل قوله - عليه السلام -: «لا صلاة لمن لم يصل علي في صلاته»، نفى الكلام لقوله - عليه السلام -: «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد»، وبه نقول والآية تدل على أنّ الصلاة واجبة عليه مرة فإن الأمر مطلقه لا يقتضي التكرار وبه نقول، وكان الطحاوي رحمه الله يقول: كلما سمع ذكر النبي - عليه السلام - أو ذكره بنفسه يجب عليه أن يصلي عليه، وهو قول مخالف للإجماع فعامة العلماء على أن ذلك مستحب وليس بواجب.
وفي المحيط: (قراءة التشهد ليست بفرض عندنا). وأما إذا قرأ البعض وترك البعض في ظاهر الرواية فكذلك يجوز صلاته لأنّه إذا ترك الكل يجوز ففي البعض أولى، وفي بعض الروايات لا يجوز صلاته عند محمد خلافًا لأبي يوسف رحمهما الله لأنّه إذا شرع في القراءة افترض عليه الإتمام فإذا ترك فقد ترك الفرض فتفسد صلاته وهو نظير من سلم ثم تذكر أن عليه سجدة تلاوة ولو ذهب ولم يسجدها فصلاته تامة، ولو خر ساجدًا ثم رفع رأسه وذهب فسدت صلاته ثم الكلام في كيفية الصلاة على النبي - عليه السلام - ذكر عيسى بن أبان في كتاب الحج على أهل المدينة أن محمدًا سئل عن الصلاة على النبي - عليه السلام - فقال: يقول: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد وهو موافق لحديث كعب ابن عجرة رحمه الله، وكان ابن عباس رضي الله عنهما، وأبو هريرة رضي الله عنه يصليان عليه على نحو ما بينا إلا أنهما كانا يزيدان وارحم محمدًا وآل محمدا كما رحمت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
وحكي عن محمد بن عبد الله بن عمر أنه كان يكره قول المصلي وارحم محمدًا وآل محمد وكان يقول هذا نوع ظن بتقصير الأنبياء عليهم السلام فإنّ أحداً لا يستحق الرحمة إلا بإتيان ما يلام عليه (ونحن أُمرنا بتعظيم الأنبياء وتوقيرهم، ولهذا إذا ذكر النبي - عليه السلام - لا يقال رَحِمه الله ولكن يصلي عليه) وهكذا ذكره شيخ الإسلام في المبسوط وقال: لأن في الدعاء بالترحم إنما يحسن منا لغير الأنبياء لأن في الدعاء بالترحم تقصيرًا للمدعو له، وذكر شمس الأئمة السّرخسيّ رحِمهُ الله في المبسوط أنه لا بأس به، لأن الأثر ورد به من طريق أبي هريرة رضي الله عنه ولا عتب على من اتبع الأثر ولأن أحدًا لا يستغني عن رحمة الله، وكان الشيخ أبو الحسن الرستغفني رحمه الله أيضًا يقول لا بأس به وكان يقول معنى قولنا: ارحم محمدا (ارحم أمة محمد فهو) راجع إلى الأمة هذا كمن جنى جناية والجاني أب شيخ كبير فإن أرادوا أن يقيموا العقوبة على الجاني فالناس يقولون للذي يعاقبه ارحم هذا الشيخ الكبير وذلك الرحم راجع إلى الابن الجاني حقيقة ويكون معناه ارحم هذا الشيخ بالرحم على ابنه الجاني كذا هذا، كذا في المحيط.
[ ... ] (ودعا بما يشبه ألفاظ القرآن)) وفي الإيضاح وقد فسره أصحابنا أن ما يشبه كلام الناس مما لا يستحيل سؤاله من غيره كقوله: أعطني كذا، وزوجني امرأة، وما لا يشبه كلام الناس ما يستحيل سؤاله من غيره كقوله: اغفر لي، وما أشبه ذلك، وفي المحيط: (وذكر في الجامع الصغير: ادعُ في الصلاة بكل شيء في القرآن)، وبنحوه نقل عن الشيخ الكبير أبي بكر محمد بن الفضل رحمه الله فإنه كان يقول كل دعاء في القرآن إذا دعا المصلي بذلك الدعاء لا يفسد صلاته وكان يقول إذا قال اللهم اغفر لوالدي لا تفسد صلاته لأنّه في القرآن، وكذا إذا قال اللهم اغفر لأبي ولو قال: اغفر لأخي، تفسد صلاته وكذلك لو قال اللهم اغفر لزيد، أو قال لعمرو تفسد صلاته؛ لأنّه ليس في القرآن، ولو قال: اللهم ارزقني من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها لا تفسد صلاته؛ لأن عينه في القرآن (ولو قال اللهم ارزقني بقلًا وعدسًا وبصلًا تفسد صلاته لأن عين هذا اللفظ ليس في القرآن) وكذا ذكره شيخ الإسلام.
قوله: ((والأدعية المأثورة)) و من الأدعية المأثورة (ما روي عن أبي بكر - رضي الله عنه - أنه قال لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - علمني يا رسول الله دعاء أدعوا به في صلاتي قال: «قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا وإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك إنك أنت الغفور الرحيم»، وكان ابن مسعود يدعو بكلمات منهن اللهم إني أسألك من الخير كله ما علمت منه وما لم أعلم، وأعوذ بك من الشر كله ما علمت منه وما لم أعلم، كذا في المبسوطين والمحيط.
قوله: ((ثم اختر من الدعاء أطيبه وأعجبه)) صح بتذكير الضمير في النسخ الموثوق بها، وكذا لفظ المبسوطين، وفي بعض نسخ الهداية: ثم اختر من الدعاء أطيبها وأعجبها بالتأنيث وليس بذاك، ولا يدعو بما يشبه كلام الناس تحرزًا عن الفساد أي تحرزًا عن فساد الجزء الملاقي لكلام الناس لا جميع الصلاة بالاتفاق لأنّه بعد التشهد فإنّ الأدعية التي تشبه كلام الناس إنما تفسد الصلاة إذا كانت قبل تمام فرائض الصلاة، (أما إذا كانت بعد التشهد فلا تفسد لما أن حقيقة) كلام الناس بعد التشهد لا تفسدها فكيف يفسد ما يشبهه وهذا عندهما ظاهر وكذا عند أبي حنيفة رحِمهُ الله؛ (لأن كلام الناس) صنع منه فيتم صلاته لوجود الصنع كذا وجدت بخط العلامة رحمه الله فكان هو بهذا الدعاء الذي يشبه كلام الناس خارجًا عن الصلاة لا مفسدًا للصلاة إذا كان بعد التشهد وأشار إلى هذا في شرح الطحاوي رحمه الله أيضًا، وقال شيخ الإسلام وهذا عندنا، وقال الشافعي رحمه الله كل ما ساغ الدعاء به خارج الصلاة لا يوجب فساد الصلاة.
واحتج بما روي عن النبي - عليه السلام - قال لابن مسعود: (ثم اختر من الدعاء ما أعجبه) ولم يفصل وروي أن النبي - عليه السلام - كان يقنت في صلاته الفجر ويقول: اللهم انج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، و ربيعة، والمستضعفين بمكة واشدد وطأتك على مضر واجعل لهم سنين كسني يوسف - عليه السلام - ولأنّا أجمعنا أن قوله اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات لا يوجب فساد الصلاة وإذا كان الدعاء بالمغفرة لجميع المؤمنين لا يوجب الفساد فلقوم بأعيانهم أولى أن لا يوجب وأصحابنا احتجوا بحديث الحكم بن معاوية السلمي رحمه الله أنه قال: (بينا نحن نصلي إذا عطس رجل فشمته فقلت: يرحمك الله. الحديث، إلى أن قال: «إن صلوتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، وإنما هو التسبيح والتهليل وقراءة القرآن» فكان ما سوى التسبيح والتهليل من الذكر منهيًا.
وأما تعلقه بحديث ابن مسعود قلنا: هو محمول على الدعاء الذي لا يشبه كلام الناس، وأما القنوت في صلاة الفجر كان هو محمولًا على حال إباحة الكلام فإن الكلام كان مباحًا في الابتداء ثم حرم الكلام من بعد، وأما قوله لو عم لا يوجب فساد الصلاة؟
قلنا: لأنّه حينئذ كان مشابهًا لما في القرآن وأما إذا خصّ فقال: اغفر لعمرو أو لزيد فهو غير موجود في القرآن فهو من كلام الناس ثم يسلم عن يمينه، وفي المبسوط ومن تحرم للصلاة فكأنه غاب عن الناس لا يكلمهم ولا يكلمونه، وعند التحليل كأنه رجع إليهم فيسلم، والتسليمتان قول جمهور العلماء وكبار الصحابة عمر وعلي وابن مسعود - رضي الله عنهم -، فكان مالك يقول: تسلم تسليمة واحدة تلقاء وجهه، وهكذا روت عائشة وسهل بن سعد الساعدي عن رسول الله - عليه السلام - إلا أن الأخذ برواية كبار الصحابة أولى فإنهم كانوا يرون رسول الله - عليه السلام - كما قال: «ليلني منكم أولي الأحلام والنهى».
فأما عائشة كانت تقف في صف النساء، وسهل بن سعد كان من جملة الصبيان فيحتمل أنهما لم يسمعا التسليمة الثانية على ما روي أن النبي - عليه السلام - كان يسلم الثانية أخفض من الأولى، ولأنّه سلم على أحد جانبيه فيسلم على الجانب الآخر لأنّ الجانبين في حق السلام عليه على السواء فكان فيما قلنا تعميم وفيما قالوا تخصيص للبعض دون البعض فكان التعميم أولى ألا ترى أنه في الدعاء بعد التشهد لا يخص البعض دون البعض كذا ذكره شيخ الإسلام.
وفي شرح الطحاوي: فالتسليمة الأولى للخروج من الصلاة والثانية للتسوية وترك الخفاء وينوي من عن يمينه من الرجال والنساء والحفظة وهذا لفظ الجامع الصغير، وأما رواية المبسوط فبتقديم الحفظة على الرجال أما النية فلأنّه يحيي السنة، فليكن بالنية قياسًا على سائر السنن، وهكذا يقول خارج الصلاة إذا سلم ينوي السنة، كذا ذكره شيخ الإسلام.
وقال شمس الأئمة: ينوي لأنّه يستقبلهم بوجهه ويخاطبهم بلسانه فينويهم بقلبه، فإن الكلام يصير عزيمة بالنية قال - صلى الله عليه وسلم -: ((إن الله وراء لسان كل متكلم فلينظر امرؤٌ ما يقول))، وقدّم ذكر الحفظة ههنا وأخره في الجامع الصغير حتى ظنّ بعض أصحابنا أن ما ذكر ههنا بناء على قول أبي حنيفة الأول في تفضيل الملائكة على البشر، وما ذكره في الجامع الصغير بناء على قوله الآخر في تفضيل البشر على الملائكة، وليس كما ظنوا فإنّ الواو لا يوجب الترتيب ومن سلم على جماعة لا يمكنه أن يرتب بالنية فيقدم الرجال على الصبيان ولكن مراده تعميم الفريقين بالنية وأكثر مشايخنا يخص بهذه النية من يشاركه (في الصلاة من الرجال والنساء فأما الحاكم الشهيد رحمه الله كان يقول: ينوي جميع الرجال والنساء من يشاركه) أو لا يشاركه ونية جميع الرجال والنساء عندنا في سلام التشهد، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا قال العبد السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أصاب كل عبد صالح من أهل السماء والأرض» فأما في سلام التحلل فيخاطب من بحضرته فيخصه بالنية.
قلت: وبهذا يعلم أن قوله في الكتاب وهو الصحيح احترازاً عن قول الحاكم الشهيد، وذكر صدر الإسلام في الجامع الصغير، وهذا شيء تركه جميع الناس لأنّه قل ما ينوي أحد شيئا.
قوله: ((ولا بد للمقتدي من نيّة إمامه)) وتخصيص الإمام بالذكر يؤيد قول من يقول أنه ينوي من يشاركه في الصلاة دون غيره كذا في الجامع الصغير لقاضي خان وفي المبسوط: (وكان ابن سيرين يقول: المقتدي يسلم ثلاث تسليمات إحداهن لرد سلام الإمام، وهذا ضعيف فإن مقصود الرجل حاصل بالتسليمتين إذ لا فرق في الجواب بين أن يقول عليكم السلام وبين أن يقول السلام عليكم).
قلت: هذه الرواية مما يحفظ بأن [84 - ب] جواب السلام لا يتفاوت بين تقديم السلام على عليكم وبين تأخيره عنه.
قوله: ((والإمام ينوي بالتسليمتين هو الصحيح)) هذا احترازاً عن قول بعضهم؛ فإنهم قالوا: ينوي الإمام في التسليمة الأولى والأصح أنه ينوي في التسليمتين كذا ذكره قاضي خان، وقال صدر الإسلام: ولم يذكر أن الإمام هل ينوي أم لا ويجب أن لا ينوي لأنّه يجهر بالسلام ويشير إليهم وهو فوق النية فلا حاجة إلى النية ولا ينوي في الملائكة عددًا محصورًا وذكر شيخ الإسلام رَحمهُ الله ثم ذكر أنه ينوي الحفظة ولم يذكر أنه كيف ينوي، واختلف فيه المشايخ: قال بعضهم: ينوي به كرام الكاتبين وهما اثنان واحد عن يمينه يكتب الحسنات وآخر عن يساره يكتب السيئات، ومنهم من قال ينوي جميع من معه من الملائكة؛ لأنّه اختلف الأخبار في عددهم فقد روي ابن عباس عن النبي - عليه السلام - أنه قال: «مع كل مؤمن خمس من الحفظة واحد عن يمينه يكتب الحسنات وآخر عن يساره يكتب السيئات وآخر أمامه يلقنه الخيرات وآخر وراءه يدفع عنه المكاره وآخر عند ناصيته يكتب ما يصلي على النبي - عليه السلام - ويبلغه إلى الرسول عليه السلام»، وفي بعض الأخبار مع كل مؤمن ستون ملكًا، وفي بعضها مائة وستون وإذا اختلفت الأخبار في عددهم فينويهم كما كانوا ولا ينوي عددًا مخصوصًا.
قوله: ((هو يتمسك بقوله - عليه السلام -: تحريمها التكبير)) وهو ما روى أبو سعيد الخدري - رضي الله عنه - عن النبي - عليه السلام - أنه قال: «مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم»، والألف واللام يدخلان لاستغراق الجنس أو لتعريف المعهود ولم يسبق ههنا معهود حتى ينصرف إليه فكان لاستغراق الجنس فقد جعل جميع أجناس التحلّل بالسلام، فمن أثبت بغيره فقد خالف النص.
واحتج أصحابنا بحديث ابن مسعود - رضي الله عنه - أن النبي - عليه السلام - لما علمه التشهد قال له: «إذا فعلت هذا أو قلت فقد تمت صلاتك فإن شئت أن تقوم فقم وإن شئت أن تقعد فاقعد» فالنبي - عليه السلام - حكم بتمام الصلاة قبل السلام وخيّره بين القعود والقيام وهذا ينفي بقاء واجب عليه وبما روي: (أنّ النبي - عليه السلام - صلى الظهر خمساً) ولم يرو أنه أعادها ولو كان أصابه لفظة السلام ركنًا لكان لا يجزئه صلاته إذا قيد الخامسة بالسجدة كما لو كان المتروك سجدة والمعنى في المسألة هو أنّ هذا ترك تسليمًا مشروعًا في الصلاة فتجزئه صلاته قياسًا على التسليمة الثانية وذلك لأنّها لما شرعت للخروج كان المقصود هو فعل الخروج والخروج كما يحصل بالسلام يحصل بكلام آخر إلا أن الخروج به يعتبر للإكمال لأنّه موافق للسنة كما قال أبو حنيفة رحمه الله في التحريم أنه يحصل بلفظ آخر، وإما تعلقه بحديث الخدري، قلنا: لا يصح التعلق به لأنّ مدار الحديث على عبد الله بن محمد بن عقيل وعلى أبي سفيان طريف بن شهاب السعدي، وكلاهما ضعيف الرواية عند نقله الحديث، ولئن قبلنا قلنا في الحديث أن التحليل يقع بالتسليم وليس فيه أنه لا يقع بغيره فهو مسكوت عنه فنقول بالتسليم يقع الخروج بالنص وبغيره بالقياس عليه كذا في مبسوط شيخ الإسلام.
قلت: هذا الذي ذكره رحمه الله يقع جواباً لما تعلّق باستغراق الجنس؛ لأن حرف الاستغراق دخل على التسليم لا على التحليل فحينئذ لا يكون معناه كل ما يقع التحليل إنما يقع بالتسليم بل يكون معناه أن لو كان للاستغراق كل ما كان للتسليم كان للتحليل وهذا لا ينفي أن يكون غيره محللًا ويظهر ذلك فيما قلنا في مدة السفر بقوله: ((والمسافر ثلاثة أيام ولياليها)).
قوله: ((والتخيير ينافي الفرضية))، فإن قلت: كيف ينافي الفرضية وقد تعلق بأحدهما وهو قراءة التشهد والقعود مقدار التشهد في قوله - عليه السلام -: «إذا قلت هذا أو فعلت هذا فقد تمت صلاتك»، وقد تعلّقت الفرضية بالقعود مقدار التشهد بالإجماع.
قلت: هذا غلط فاحش؛ بأن يراد بهذا التخيير المذكور في الكتاب ما قلته من التخيير من القراءة والقعود بمقدار التشهد بل المراد منه هو ما ذكرنا آنفا أنه مخيّر بين القعود والقيام وهو ما سبق ذكره في آخر حديث ابن مسعود أن شئت أن تقوم فقم وإن شئت أن تقعد فاقعد، وذلك لأنّ النبي - عليه السلام - أخبر بتمام صلاته قبل هذا التخيير فلا يكون عليه شيء من الفروض بعد التمام.
قوله: وبمثله لا تثبت الفرضية إشارة إلى قوله - عليه السلام -: ((وتحليلها التسليم)) وقد ذكر في الأسرار أنّ هذا الخبر من أخبار الآحاد فلا يثبت به الفرضية، ثم لم يذكر ههنا أنّ المقتدي متى يسلّم، فعن أبي حنيفة روايتان في رواية يسلّم مع الإمام فعلى هذه الرواية لا يحتاج إلى الفرق بين التسليم والتكبير، وفي رواية يسلّم بعد الإمام، والفرق بينهما على هذه الرواية هو أن في مقارنة التكبير سرعة العبادة فكان أولى، وفي مقارنة التسليم سرعة إلى الخروج عن العبادة فإن يبقى في حرمة الصلاة خير من أن يخرج من حرمة الصلاة.
وقال الفقيه أبو جعفر: أن المقتدي يصير خارجًا عن الصلاة بسلام الإمام (فيشترط أن) يسلم مع الإمام حتى يصير خارجًا بسلام نفسه فيكون مقيمًا للسنة، كذا في المحيط.
والله أعلم بالصواب.
النِّهاية في شرح الهداية
للإمام حسام الدّين حسين بن علي بن حجّاج السِّغناقي
(ت711هـ -1311م)
من أول «فصل في القراءة» إلى بداية «باب العيدين»
فصلٌ في القراءة
(وَيَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ فِي الْفَجْرِ، وَفِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ مِنْ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ، إنْ كَانَ إمَامًا، وَيَخْفِي فِي الْأُخْرَيَيْنِ) هَذَا هُوَ الْمَأْثُورُ الْمُتَوَارَثُ ....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فصلٌ في القراءة
لمّا فرغ من بيان صفة الصّلاة وكيفيّتها وبيان أركانها وفرائضها وسننها، ذكر أحكام القراءة التي هي ركنٌ من أركان الصّلاة بفصلٍ على حدة، دون سائر الأركان؛ لزيادة أحكامٍ تعلّقت بها دون سائر الأركان.
ثم ابتدأ بذكر الجهر دون ذكر القَدر، مع أنّ القياس يقتضي أن يذكر القدر أوّلاً؛ إذ القدر معنىً راجعٌ إلى الذات، والجهر والمخافتة معنىً راجع إلى الصّفة، والذات قبل الصّفة على ما عُرف في باب التّرجيح.
إلّا أنّ وجوب الجهر وهو المراد هنا من صفات الأداء الكامل، والقدر يشمل الكامل والقاصر، فكان الابتداء بذكر صفة تختصّ بالأداء الكامل الّذي هو الأصل في
....................................................................................................
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
شرعيّة الصّلاة أولى.
وفي «مبسوط شيخ الإسلام»: أنّ مراعاة الجهر فيما يجهر فيه والمخافتة فيما يخافت فيه في الصّلوات التّي تقام بجماعة واجبٌ بالسّنة وإجماع الأمّة ونوعٌ في المعنى.
أمّا السّنّة فلما روي عن عبداللّه بن مسعود ط أنّه قال: «ما أسمعَنا النّبيّه أسمعناكم وما سكت عنّا رسول الله ه سكتنا عنكم» يريد به ماجهر فيها بالقراءة جهرنا، وما خافت فيه خافتنا، وإجماع الأمّة من لدن رسول الله ه إلى يومنا هذا على الجهر فيما يجهر فيه والمخافتة فيما يخافت.
وكذلك القياس يقتضي أن يجهر بالقراءة في الصّلوات كلّها؛ لأنّ القراءة ركنٌ من أركان الصّلاة، فيجب إظهارها في الصّلوات كلّها كسائر الأركان، ولهذا كان رسول الله ه يجهر بالقراءة في الابتداء في الصّلوات كلّها.
(وَإِنْ كَانَ مُنْفَرِدًا فَهُوَ مُخَيَّرٌ، إنْ شَاءَ جَهَرَ وَأَسْمَعَ نَفْسَهُ) لِأَنَّهُ إمَامٌ فِي حَقِّ نَفْسِهِ (وَإِنْ شَاءَ خَافَتَ) لِأَنَّهُ لَيْسَ خَلْفَهُ مَنْ يَسْمَعُهُ، وَالْأَفْضَلُ هُوَ الْجَهْرُ لِيَكُونَ الْأَدَاءُ عَلَى هَيْئَةِ الْجَمَاعَةِ ....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إلّا أنّ الكفّار لمّا بلغوا به في القراءة، ويغلّطونه في الظّهر والعصر، فترك الجهر فيهما بهذا العذر، ثمّ هذا العذر وإن زال بكثرة المسلمين بقيت هذه السّنة.
وأمّا في المغرب والعشاء والفجر فالكفّار كانوا متفرّقين وأكثرهم كانوا نياماً، فجهر رسول اللهه بالقراءة في هذه الصّلوات، على ما عليه الأصل وبقيت كذلك؛ لأنّه حال فراغ النّاس من الاشتغال فيمكنهم استماع القرآن على وجهه.
وصلاة الجمعة يجهر فيها بالقراءة، وإن كانت صلاة النّهار عجماء؛ لأنّها إنّما فرضت بالمدينة وكانت الغلبة للمسلمين، فجهر رسول ه فيها بالقراءة فبقي كذلك سنّة، وكذلك في الأعياد.
قوله:: (إن شاء جهر وأسمع نفسه)، وإنّما ذكر قوله: وأسمع نفسه، لمعنيين: أحدهما لجواب سؤالٍ مقدّرٍ وهو أنّه لمّا قال: إن شاء جهر، فورد عليه أن يقال: يجب أن لا يجهر؛ لما
..........................................................................................................
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أنّ فائدة الجهر الإسماع وليس أحدٌ معه حتى يسمعه إيّاه.
فقال جواباً له بهذا: أي فائدة الجهر حاصلةٌ هاهنا أيضاً بقدرها، وهو أن يُسمع نفسه فيجهر لذلك ويأتي ما يؤيّد هذا المعنى من رواية «المحيط».
والثّاني؛ لبيان الحكم وهو ما ذكره فخر الإسلام في «مبسوطه»، وقال: فيجهر، لكن لا يجهر كلّ الجهر؛ لأنّه ليس معه أحدٌ يسمعه، بل يأتي بأدنى الجهر.
فكان معناه على هذا إن شاء جهر وأسمع نفسه ولا يسمع غيره، لما أنّ التّخصيص في الرّواية يدلّ على نفي ما عداه في الغالب، وذلك إنّما يحصل إذا لم يجهر كلّ الجهر.
(وَيُخْفِيهَا الْإِمَامُ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَإِنْ كَانَ بِعَرَفَةَ) لِقَوْلِهِ ه: «صَلَاةُ النَّهَارِ عَجْمَاءُ» أَيْ لَيْسَتْ فِيهَا قِرَاءَةٌ مَسْمُوعَةٌ، وَفِي عَرَفَةَ خِلَافُ مَالِكٍ:، وَالْحُجَّةُ عَلَيْهِ مَا رَوَيْنَاه ...
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فوجه التّخيير: أنّه لمّا لم يكن مقتدياً بآخر كان كالإمام فيجهر، ولمّا لم يقتد به أحدٌ لم يكن إماماً فيخافت، فلمّا تجاذب الطّرفان بين وجوب الجهر وعدمه ثبت التّخيير.
وذكر في «المحيط» بعد ما ذكر التّخيير للمنفرد في الجهر، والمخافتة فيما يجهر من الصّلاة: «فإن قيل شرعية الجهر جاءت للآية لحاجتهم إلى إسماع غيرهم، والمنفرد لا يحتاج إلى إسماع غيره فلا يُشرع الجهر في حقّه، قيل له: المنفرد إمامٌ في حقّ نفسه فيجهر لإسماع نفسه.
فإن قيل إذا اعتبر إماماً في حق نفسه لماذا جازت المخافتة في حقه؟
قيل له؛ لأنّ القراءة له دون غيره فكانت مخافتةً كجهره» ... .
قوله: (صلاة النّهارعجماء أي: ليست فيها قراءةٌ مسموعةٌ)، إنّما فسّره بهذا احترازاً عن قول ابن عباس ط وتفسيره فإنّه يقول: لا قراءة في هاتين الصّلاتين؛ لقوله ه: «صلاة النّهار عجماء» أي ليس فيها قراءةٌ.
(وَيَجْهَرُ فِي الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ) لِوُرُودِ النَّقْلِ الْمُسْتَفِيضِ بِالْجَهْرِ، وَفِي التَّطَوُّعِ بِالنَّهَارِ يُخَافِتُ وَفِي اللَّيْلِ يَتَخَيَّرُ .....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ولنا قوله ه: «لا صلاة إلا بالقراءة»، وقيل لخبّاب بن الأرتّط: «بم عرفتم قراءة رسول اللهه في صلاة الظّهر والعصر؟ قال: باضطراب لحيته».
وقال أبو قتادة ط: «كان رسول اللهه يُسمِعُنا الآية والآيتين في الظّهر أحياناً». وتأويل الحديث: أي ليس فيها قراءةٌ مسموعةٌ، كذا في «المبسوط».
قوله: (وفي الليل يتخيّر) لكن الجهر أفضل، كذا في «المبسوط».
اعْتِبَارًا بِالْفَرْضِ فِي حَقِّ الْمُنْفَرِدِ، وَهَذَا لِأَنَّهُ مُكَمِّلٌ لَهُ فَيَكُونُ تَبَعًا ......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قلت: وهذا الحكم هو أفضليّة الجهر يستفاد من قوله: (اعتباراً بالفرض في حقّ المنفرد)، وقد أثبت قبل هذا أفضليّة الجهر في المنفرد في الفرض ثمّ اعتبر هذا بذاك، فكان الحكم هنا ثابتاً بمثل الصّفة التي تثبت ذلك الحكم هناك، وكان الحكم هناك التخيير، مع أفضليّة الجهر فكذا هنا.
وكذلك التبعيّة تستدعي هذا أيضاً لما أنّ الحكم في المتبوع حكمٌ في التّبع فيما يصلح تبعاً له كالجنديّ يصير مقيماً في المفازة بإقامة إمامه في المصر.
وبقولنا فيما يصلح تبعاً له وقع الاحتراز عن حكم الجواز والفساد فإنّه إذا صلّى الأربع قبل الظّهر، ثمّ شرع في الظّهر وأفسدها لا يسري ذلك إلى فساد السّنة قبلها وإن كانت شرعيّتها لتكميل الفرض أيضاً؛ لما أنّ لكلّ واحدةٍ منهما تحريمةٌ مبتدأةٌ غير مبنيةٍ إحداهما على الأخرى.
................................................................................................
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقولنا غير مبنيّةٍ احترازاً عن صلاة المقتدي حيث تفسد بفساد صلاة الإمام وإن كانت لصلاة كلّ واحد منهما تحريمةٌ مبتدأة.
ثمّ ذكر لأفضليّة الجهر في التّطوّع بالّليل في «المبسوط» حديثاً وقال: «وإن شاء جهر وهو أفضل لما روي عن عائشة ك: «أنّ النّبيّ ه في تهجّده كان يؤنس اليقظان ولا يوقظ الوسنان».
ومرّ النّبيّ ه بأبي بكر ط وهو يتهجّد ويخفي بالقراءة وبعمر ط وهو يجهر بالقراءة وببلال ط وهو ينتقل من سورةٍ الى سورةٍ فلمّا أصبحوا سأل كلّ واحدٍ منهم عن حاله فقال أبو بكر ط: كنت أُسمع من أناجيه، وقال عمر ط: كنت أوقظ الوسنان، وأطرد الشّيطان، وقال بلالط: كنت أنتقل من بستانٍ الى بستانٍ، فقال لأبي بكر ط: ارفع من صوتك قليلاً، ولعمرط: اخفض من صوتك قليلاً ولبلال ط: إذا ابتدأت سورةً فأتمّها على نحوها»».
(مَنْ فَاتَتْهُ الْعِشَاءُ، فَصَلَّاهَا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، إنْ أَمَّ فِيهَا جَهَرَ) كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ قَضَى الْفَجْرَ غَدَاةَ لَيْلَةِ التَّعْرِيسِ بِجَمَاعَةٍ (وَإِنْ كَانَ وَحْدَهُ خَافَتَ حَتْمًا وَلَا يَتَخَيَّرُ هُوَ الصَّحِيحُ) لِأَنَّ الْجَهْرَ يَخْتَصُّ إمَّا بِالْجَمَاعَةِ حَتْمًا أَوْ بِالْوَقْتِ فِي حَقِّ الْمُنْفَرِدِ عَلَى وَجْهِ التَّخْيِيرِ وَلَمْ يُوجَدْ أَحَدُهُمَا .....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
و ليس في بعض النّسخ قوله «ومن فاتته العشاء» بعد قوله «فيكون تبعاً» الى قوله: «ومن قرأ في العشاء»، والصّواب ذكرها لما أن ذلك من أصل مسائل «الجامع الصغير» حيث قال فخر الإسلام في «الجامع الصغير»: هذه المسألة مسألة هذا الكتاب، والمصّنف / التزم ذكر مسائل «الجامع الصغير».
قوله: (وإن كان وحده خافت حتماً هو الصّحيح (.
قلت: قوله «هو الصّحيح» مخالفٌ لما ذكره شمس الأئمة السَّرَخْسِيّ وفخر الاسلام
(وَمَنْ قَرَأَ فِي الْعِشَاءِ فِي الْأُولَيَيْنِ السُّورَةَ، وَلَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ لَمْ يُعِدْ فِي الْأُخْرَيَيْنِ، وَإِنْ قَرَأَ الْفَاتِحَةَ وَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهَا، قَرَأَ فِي الْأُخْرَيَيْنِ الْفَاتِحَةَ وَالسُّورَةَ وَجَهَرَ) ....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقاضي خان والإمام التُّمُرْتاشِيّ والإمام المَحْبُوبيّ ما في شروحهم للجامع الصغير.
وذكر الإمام قاضي خان/: وإن صلّى وحده خافت؛ لأنّ الجهر سنّة الجماعة أو الأداء في الوقت فلا يجهر به بعد خروج الوقت، وقال بعضهم: يتخيّر بين الجهر والمخافتة، والجهر أفضل كما في الوقت وهو الصّحيح؛ لأنّ القضاء يكون على وفق الأداء.
وفي الأداء المنفرد يتخيّر بين الجهر والمخافتة، والجهر أفضل، فكذلك في القضاء، وكذلك ذكر فخر الإسلام / في هذه المسألة، وإن كان وحده خافت وليس ذلك بحتمٍ، بل له أن يجهر إن شاء والجهر أفضل.
قوله / (ومن قرأ في العشاء في الأوليين السّورة ولم يقرأ بفاتحة الكتاب لم يعد في الأخريين، وإن قرأ الفاتحة ولم يزد عليها قرأ في الأخريين الفاتحة والسّورة وجهر).
وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ (، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ/: لَا يَقْضِي وَاحِدَةً مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ إذَا فَاتَ عَنْ وَقْتِهِ لَا يُقْضَى إلَّا بِدَلِيلٍ، وَلَهُمَا وَهُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْوَجْهَيْنِ: أَنَّ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ شُرِعَتْ عَلَى وَجْهٍ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا السُّورَةُ .....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقال عيسى ابن أبان/: ينبغي أن يكون الجواب على العكس إذا ترك الفاتحة يقضيها في الأخريين وإن ترك السّورة لا يقضي، ووجه ذلك: أنّ قراءة الفاتحة واجبةٌ، وقراءة السّورة غير واجبةٍ، والواجب أولى بالقضاء.
وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة/: أنّه يقضيها، أمّا السّورة فلما يذكره، وأمّا الفاتحة فلما قال عيسى/، وعن أبي يوسف/: أنّه لا يقضي واحدةً منهما: أمّا الفاتحة فلما يذكر، وأمّا السّورة فلأنّها سنّة في الأوليين، وما كانت سنّةٌ في وقتها، كانت بدعةً في غير وقتها فلا تقضى.
وجه ظاهر الرّواية: أنّ قراءة الفاتحة واجبةً في الأوليين وكذا السّورة معها، حتى لو ترك
.....................................................................................................
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أحديهما ساهياً كان عليه السّهو، قضاها في الشّفع الثّاني أو لم يقضِ، وسجود السّهو لا يجب إلا بترك الواجب أو بتأخيره، إلّا أنّ الشّفع الثّاني محلٌّ لأداء الفاتحة.
فإن قرأ الفاتحة فيها مرّةً يكون أداءً ولا يكون قضاءً، وإن قرأها مرّتين كان بدعةً؛ لأنّ تكرار الفاتحة في قيامٍ واحدٍ غير مشروعٍ، فلأجل هذا لا يقضي الفاتحة بخلاف السّورة؛ لأنّ الشفع الثاني ليس بمحلٍ لأداء السّورة فجاز أن يكون محلاً للقضاء.
ولأنّ الفاتحة وجبت في الأوليين على وجهٍ يفتتح بها القراءة، وترتّب عليها السّورة، فلو قضى الفاتحة في الشفّع الثاني لا تُرتّب عليها السّورة، فلا يكون القضاء على وَفْقِ الأداء، أمّا لو قضى السّورة في الشّفع الثانّي كانت السّورة مرتبةً على الفاتحة فيكون القضاء على وفق الأداء.
ثمّ قوله/: «وجهر»، منهم من صرف قوله: وجهر إلى السّورة خاصّةً، وهكذا روى ابن سماعة/ عن أبي حنيفة وأبي يوسف (؛ لأنّه في الفاتحة مؤدٍّ فيراعي صفة آدائها وفي السّورة قاضٍ، فيجهر بالسّورة كما يجهر في الأداء، ولا يكون جمعاً بين الجهر والمخافتة في ركعةٍ واحدةٍ تقديراً؛ لأنّ القضاء يلتحق بمحلّ الأداء.
وروى هشام عن محمد: أنّه لا يجهر أصلاً؛ لأنّه لا يجهر بالفاتحة لما قلنا، فلو جهر بالسّورة كان جمعاً بين الجهر والمخافتة في ركعةٍ واحدةٍ صورةً وحقيقةً وذلك غير مشروعٍ.
وفي ظاهر الرّواية يجهر بها؛ لأنّ قراءة السّورة واجبةٌ، وقراءة الفاتحة في الشّفع الثاني
فَلَوْ قَضَاهَا فِي الْأُخْرَيَيْنِ تَتَرَتَّبُ الْفَاتِحَةُ عَلَى السُّورَةِ، وَهَذَا خِلَافُ الْمَوْضُوعِ، بِخِلَافِ مَا إذَا تَرَكَ السُّورَةَ لِأَنَّهُ أَمْكَنَ قَضَاؤُهَا عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ، ثُمَّ ذَكَرَ هَاهُنَا مَا يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ، وَفِي الْأَصْلِ بِلَفْظَةِ الِاسْتِحْبَابِ؛ لِأَنَّهَا إنْ كَانَتْ مُؤَخَّرَةً فَغَيْرُ مَوْصُولَةٍ بِالْفَاتِحَةِ فَلَمْ يُمْكِنْ مُرَاعَاةُ مَوْضُوعِهَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ (وَيَجْهَرُ بِهِمَا) هُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْجَهْرِ وَالْمُخَافَتَةِ فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ شَنِيعٌ ....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
صفة القراءة في قيامٍ واحدٍ، كذا في «الجامع الصغير» لقاضي خان/.
ولكن ذكر شيخ الاسلام / هذه المسألة في باب السّهو من «المبسوط» فقال: «الظاهر من الجواب: أن يجهر بالسّورة ويخافت بالفاتحة؛ لأنّ السّورة قضاءٌ، وقد فاتت بصفة الجهر فيقضي كذلك»، والفاتحة أداءٌ وقد شُرع أداؤها على سبيل المخافتة.
وكذا ذكر الإمام التُّمُرْتاشِيّ/ فقال: والصّحيح ما ذكره البلخيّ/ وهو جهر السّورة دون الفاتحة.
فحينئذٍ كان ما ذكره في «الكتاب»: «ويجهر بهما هو الصّحيح» مخالفٌ لرواية هذين الكتابين ورواية فخر الإسلام / أيضاً، وموافقاً لما ذكره الإمام قاضي خان ومبسوط شمس الأئمة السَّرَخْسِيّ.
قوله: (فلو قضاها في الأخريين لترتب الفاتحة على السّورة، وهذا خلاف الموضوع)
وَتَغْيِيرُ النَّفْلِ وَهُوَ الْفَاتِحَةُ أَوْلَى ...
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فإن قلت: لا يسلم بأنّ هذا الترتّب غير موضوعٍ؛ لأنّ المعنى من ترتّب الفاتحة على السّورة هنا هو أن يكون الفاتحة بعد السّورة على معنى أنّ السّورة تقع مقدمةً على الفاتحة لكون السّورة في الأوليين والفاتحة في الأخريين قضاءً
ومثل هذا مشروع أداءً، فيجب أن يكون مشروعاً قضاءً؛ لما أنّه لو لم يفت منه شيءٌ في الأوليين كان يقرأ الفاتحة في الأخريين، هو ترتيب الفاتحة على السّورة، وعلم أنّ مثل هذا الترتيب عين الموضوع لا غيره.
قلت: ترتيب الفاتحة على السّورة أداءً فيما ذكرته من الصّورة، لم يكن على وجه القراءة بل على وجه الدّعاء حتى ينوي القارىء في قراءة الفاتحة هناك نيّة الدّعاء.
كذا ذكره شيخ الإسلام /، والمراد من قضاء الفاتحة هنا قضاؤها على قراءة القرآن لا على وجه الدّعاء، وقراءة الفاتحة على وجه قراءة القرآن مرتّبةٌ على السّورة خلاف الموضوع.
قوله: (وتغيير النّفل وهو الفاتحة أولى)؛ لأنّها سنّةٌ في الأخريين والسّورة واجبةٌ؛
ثُمَّ الْمُخَافَتَةُ أَنْ يُسْمِعَ نَفْسَهُ، وَالْجَهْرُ أَنْ يُسْمِعَ غَيْرَهُ، وَهَذَا عِنْدَ الْفَقِيهِ أَبِي جَعْفَرٍ الْهِنْدُوَانِيِّ:؛ لِأَنَّ مُجَرَّدَ حَرَكَةِ اللِّسَانِ لَا يُسَمَّى قِرَاءَةً بِدُونِ الصَّوْتِ ...
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لكونها قضاءً، فكانت الفاتحة تبعاً للسّورة في هذه الصّورة فيجهر تبعاً للسّورة، وإن كانت لا تُجهر مقصودةً، وكم من شيءٍ يثبت ضمناً ولا يثبت قصداً كبيع الشرب والطريق.
وذكر فخرالإسلام / في «مبسوطه»: لم يذكر هاهنا كيفيّة القضاء في التّقديم والتّأخير، قال بعضهم: يقدّم السّورة على الفاتحة؛ لأنّها ملحقة بالقراءة في الأوليين فكان تقديم السّورة أولى، وقال بعضهم: يؤخّر، وهو الأشبه وأبعد من التّغيير، كذا وجدت بخطّ الأستاذ /.
(ثمّ المخافتة أن يسمع نفسه)، اختلفوا في حدّ وجود القراءة على ثلاثة أقوالٍ:
فالشيخ الإمام أبو بكر محمد بن الفضل البخاريّ/ والشيخ الفقيه أبو جعفر البلخيّ/ شرطا لوجود القراءة خروج صوت يصل إلى أذن.
وبشر المريسي: شَرَطَ لصحّة القراءة خروج الصّوت من الفم وإن لم يصل إلى أذنه
وَقَالَ الْكَرْخِيُّ: أَدْنَى الْجَهْرِ أَنْ يُسْمِعَ نَفْسَهُ، وَأَدْنَى الْمُخَافَتَةِ تَصْحِيحُ الْحُرُوفِ؛ لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ فِعْلُ اللِّسَانِ دُونَ الصِّمَاخِ ...
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ولكن بشرط أن يكون مسموعاً في الجملة حتّى لو أدنى أحدٌ صِماخ أذنه إلى فيه سمع كفى، وإن لم يسمع القارئ.
والإمام الكرخيّ/ لم يشترط السّماع أصلاً، واكتفى بتصحيح الحروف.
ثمّ المصلي لابدّ له من القراءة فإذا صحّح الحروف بلسانه ولم يُسمع نفسه لا تجوز صلاته عند الإمام أبي بكر والإمام أبي جعفر (وتجوز عند الكرخي/ واختار شيخ الإسلام وقاضي خان وصاحب «المحيط» (قول أبي بكر وأبي جعفر (.
وقال شمس الأئمة الحَلْوانِيّ /: الأصحّ أنّه لا يجزئه مالم يُسمع أذناه أو يُسمع من بقربه، واحتجّ الكرخيّ/ بأنّ الكلام فعل اللسان وذلك بإقامة الحروف لا بالسّماع، فإنّ السّماع فعل الأذنين، ألا ترى أنّه يقال للسامع سمع الكلام ولا يقال تكلم
......................................................................................................
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والدّليل عليه: أنّ الأصمّ يسمّى متكلماً وإن كان لا يسمع، فدلّ أنّ الكلام فعل اللسان فكان قراءةً، وإلى هذا أشار محمّد/ في «الكتاب» حيث قال: «وإن كان وحده وكان صلاة يجهر فيها بالقراءة قرأ في نفسه إن شاء، [وإن شاء جهر وأسمع نفسه»
ولو كان إسماع نفسه] داخلاً في القراءة لكان إسماع نفسه مستفاداً من قوله قرأ في نفسه فيكون قوله وأسمع نفسه تكراراً، فدلّ أنّ المراد قرأ في نفسه أي: أقام الحروف ولم يسمع نفسه.
واحتجّ من قال لا يجوز ما لم يسمع نفسه، بأنّ القراءة لم توجد، وهي ركن في الصّلاة فلا يجوز بدونها، وذلك؛ لأنّ القراءة كلامٌ، وهي عبارةٌ عمّا يُظهر المرء ما في الضّمر، ولهذا قيل اللسان ترجمان القلب، وذلك لا يكون إلا بصوتٍ مسموعٍ وحروفٍ مفهومةٍ.
فكما لا يوجد الكلام بدون الحروف وإن وجد صوتٌ مسموعٌ كألحان الطيور، فكذا لا يوجد بإقامة الحروف بلا صوتٍ، كالكتابة لاتسمّى كلاماً وإن وجد إقامة حروفٍ مفهمةٍ مظهرةٍ لما في الضمير؛ لأنّ الصّوت لم يوجد فهذا أولى.
أمّا قوله: أنّ الكلام فعل اللسان لا فعل الأذن، قلنا: نعم الكلام فعل اللسان لكن مع الصّوت وإقامة الحروف.
وَفِي لَفْظِ «الْكِتَابِ» إشَارَةٌ إلَى هَذَا، وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ كُلُّ مَا يَتَعَلَّقُ بِالنُّطْقِ، كَالطَّلَاقِ، وَالْعَتَاقِ
وَالِاسْتِثْنَاءِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ ....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وأمّا قوله: «في الكتاب إشارة إلى ما ادّعاه»، قلنا: ليس فيما قال محمدٌ / ما يدلّ على هذا، بل فيه دليلٌ على ما قلنا؛ لأنّه أراد بقوله: «وقرأ في نفسه» أن يُسمع نفسه لا غيره، وبقوله:
«وإن شاء جهر وأسمع نفسه» أن يُسمع نفسه وغيره.
فصار كأنّه قال المنفرد فيما يجهر فيها بالقراءة بالخيار، إن شاء أسمع نفسه لا غير، وإن شاء أسمع غيره وأسمع نفسه؛ لأنّ الجهر عبارةٌ عن إسماع الغير، فإذاً ما قاله محمّدٌ/ دليلٌ على أنّ الإسماع شرطٌ كذا في «مبسوط شيخ الإسلام» و «المحيط».
قوله: (وفي لفظ «الكتاب» إشارةٌ) وهي قوله: «إن شاء جهر وأسمع نفسه» وقد ذكرنا وجه الإشارة وجوابه، (وعلى هذا الأصل) أي وعلى هذا الاختلاف، قوله: (وغير ذلك) كالتّعليق وحكم التّسمية على الذبيحة ووجوب سجدة التلاوة وجواز الصّلاة كذا في «الجامع الصغير» لقاضي خان/.
(وَأَدْنَى مَا يُجْزِئُ مِنْ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ آيَةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ/، وَقَالَا: ثَلَاثُ آيَاتٍ قِصَارٍ َوْ آيَةٌ طَوِيلَةٌ) لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى قَارِئًا بِدُونِهِ فَأَشْبَة قِرَاءَةَ مَا دُونَ الْآيَةِ، وَلَهُ قَوْله تَعَالَى: {فَاقْرَؤُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ} [المزمل: 20] مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ ....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
[القراءة في الصّلاة في الحضر والسفر]
(وأدنى ما يجزئ من القراءة في الصّلاة إلى آخره ... )
اعلم أنّ القراءة في الحضر في الصّلاة على أقسامٍ: قسمٌ يتعلق به الجواز، وقسمٌ يخرج به عن حدّ الكراهة، وقسمٌ يدخل به في الاستحباب.
أمّا الأوّل: لو قرأ آيةً قصيرةً ولم يقرأ بفاتحة الكتاب جاز في قول أبي حنيفة / ويكره، وعندهما: لا يجوز، وإن قرأ الفاتحة ومعها سورةً قصيرةً أو ثلاث آياتٍ قصارٍ أو آيةً طويلةً جاز من غير كراهةٍ، والمستحبّ في الفجر في الرّكعتين أربعين آيةً سوى فاتحة الكتاب، كذا في الجامع الصغير لقاضي خان/.
ثمّ على قول أبي حنيفة/ إذا قرأ آيةً قصيرةً هي ثلاث كلماتٍ، أو كلمتين نحو قوله تعالى: {فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّر} [المدَّثر:19]، {ثُمَّ نَظَر} [المدَّثر:21] وما أشبه ذلك يجوز بلا خلاف بين المشايخ.
وأمّا إذا قرأ آيةً قصيرةً هي كلمةٌ واحدةٌ وهي قوله: {مُدْهَامَّتَان} [الرحمن:64] أو آيةً قصيرةً هي حرفٌ واحدٌ نحو قوله: «ق»، «ص»، «ن»، فإنّ هذه آياتٌ عند بعض القرّاء، اختلف المشايخ فيها.
......................................................................................................
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وإذا قرأ آيةً طويلةً في ركعتين نحو آية الكرسيّ وآية المداينة قرأ بعضها في ركعةٍ والبعض في ركعةٍ اختلف المشايخ فيه على قول أبي حنيفة/، قال بعضهم: لا يجوز؛ لأنّه ما قرأ آيةً تامّةً في كلّ ركعةٍ.
وعامّتهم على أنّه يجوز؛ لأنّ بعض هذه الآيات يزيد على ثلاث آياتٍ قصارٍ [أو يعدلها فلا تكون قراءته أدنى من قراءة ثلاث آياتٍ قصارٍ]، كذا في «المحيط».
ولو قرأ آيةً قصيرةً جداً مثل قوله تعالى:: {مُدْهَامَّتَان} [الرحمن:64] جازت صلاته في قول أبي حنيفة/، كذا ذكر مطلقاً من غير اختلاف المشايخ الإمام الإسبيجابي/ في «الجامع الصغير».
وذكر كذلك في «شرح الطحاوي» وقال: ما يتعلق به الجواز مقدار آيةٍ طويلةٍ أو قصيرةٍ جداً مثل قوله تعالى: {مُدْهَامَّتَان} [الرحمن:64] جازت صلاته، ويكره عند أبي حنيفة/.
...................................................................................................
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وفي «الخلاصة»: «لو قرأ آيةً قصيرةً ثلاث مراتٍ هل تجوز عندهما؟ قيل: يجوز وقال/: وسمعت من ثقةٍ أنّ فيه اختلاف المشايخ».
وذكر في «الأسرار»: وما قالاه احتياط؛ لأنّ قوله: {لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَد (3)} [الإخلاص:3]، {ثُمَّ نَظَر (21)} [المدَّثر:21] لا يتعارف قرآناً وهو قرآن حقيقةً.
فمن حيث الحقيقة حرمتا على الحائض والجنب، ومن حيث العرف لم تجوّز الصّلاة به، حتى يأتي بما يكون قرآناً حقيقةً وعرفاً، فالأمر المطلق لا ينصرف إلى ما لا يتعارف قرآنا، والاحتياط أمرٌ حسنٌ في العبادات.
وقال أبو حنيفة/: لا تقدير في الأوامر، والآية قرآنٌ حقيقةً وحكماً، أمّا حقيقةً فلا شك، وأمّا حكماً فإنّها تحرم قراءتها على الحائض والجنب، وأمّا ما دون الآية فليس لها حكم القرآن؛ ولهذا لا يحرم على الجنب والحائض قراءته هكذا ذكره الطحاوي/ كذا في
إلَّا أَنَّ مَا دُونَ الْآيَةِ خَارِجٌ، وَالْآيَةُ لَيْسَتْ فِي مَعْنَاهُ (وَفِي السَّفَرِ يَقْرَأُ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ) وَأَيِّ سُورَةٍ شَاءَ لِمَا رُوِيَ: «أَنَّ النَّبِيَّ ه قَرَأَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ فِي سَفَرِهِ بِالْمُعَوِّذَتَيْنِ» وَلِأَنَّ السَّفَرَ أَثَّرَ فِي إسْقَاطِ شَطْرِ الصَّلَاةِ، فَلَأَنْ يُؤَثِّرَ فِي تَخْفِيفِ الْقِرَاءَةِ أَوْلَى، وَهَذَا إذَا كَانَ عَلَى عَجَلَةٍ مِنْ السَّيْر ....
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
«المحيط» أيضاً.
وحاصل هذا الكلام يرجع إلى أصلٍ مذكورٍ في أصول الفقه: وهو أنّ الحقيقة المستعملة أولى من المجاز المتعارف عنده، وعندهما المجاز المتعارف أولى، وعلى هذا أيضاً مسألة الخطبة في الجمعة.
قوله: (ليست في معناه) الضمير راجعٌ إلى ما دون الآية أي ليست في معنى ما دون الآية؛ لوقوع الفرق بينهما في الحكم كما ذكرنا.
(ولأنّ السّفر الى آخره .... )
هذا التّعليل مخالفٌ لما ذكر في طرق تعليل أبي حنيفة/ في مسألة الأرواث في باب