الجزء 1 · صفحة 7
البناية شرح الهداية
للإمام بدر الدين محمود العيني الحنفي
توفي سنة (855هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للبحوث للدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
الكتاب مكون من ثلاثين رسالة دكتوراه ناقص الخامس والرابع عشر والسادس والعشرون والثامن والعشرون
الجزء 1 · صفحة 8
................................................................
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي شرح صدورنا بأنوار الهداية، وأطلعنا على غوامض العلوم بمعراج الدراية، حتى أطلعنا على أسرارها المكنونة من البداية إلى النهاية، وفجَّر لنا من ينابيع الحكمة بما فيه الكفاية، حتى وقفنا بها على أسرار الفقه بمظانِّ الغاية، ونجانا به عن الوقوع في مهاوي الضلالة ومَهَامَة الغواية، والصلاة والسلام على المُستأثر بالفضائل الجمُّة بحُسن العناية، محمد المبعوث إلى خيرالأُمم ليرعاهم بجميل الرعاية، ويخرجهم من ظلمة الرَيب وسوء العَمَاية، وعلى آله وصحبه الذين شيدوا قواعد الدين بحُسن البناية، واجتهدوا في حماية الشريعة المطهرة بأتمِّ الحماية، وعلى علماء الدراية والرواية، ما ذَرَّ كوكب بعبابه، ونبع النخلة بأنشابه، وبعد:
فإنَّ العبدَ الفقيرَ إلى ربّْه الغنيّ أبا محمد، محمود بن أحمد العيني، عامله ربُّه ووالديه بلُطفه الخفيّ يقول: إنَّ كتاب الهداية قد تباهجت به علماء السلف، وتفاخرت به فضلاء الخلف، حتى صارَ عُمدة َ المدرسين في مدارسهم، وفُخرَة َ المُصَدِّرين َ في مَجالسهم، فلم يزالوا مُشتغلين به في كل زمان، ويتدارسونه في كل مكان، وذلك لكونه حاوياً لكنز الدقائق، وحاويا ً لرمز الحقائق، ومشتملاً على مختار الفتوى، ووافيا ً بخلاصة أسرار الفَحَاوِى، وكافيا ً في إحاطة الحادثات، وشافيا ً في أجوبة ِالواقعات، مؤصلا ً على قواعد عجيبة، ومفصلا ً على فوائد غريبة، ومؤسسا ًعلى أًصول متينة، وفصول رصينة، ومسائلَ غزيرة، ودلائلَ كثيرة، وترتيبٍ أنيق، وتركيبٍ حقيق، فلذلك قد تصدى جماعة ٌمن الفضلاء، وطائفةٌ من النبلاء لشرحه بالإيضاح، وإظهار ما فيه من الأسرار بالإفصاح، فمنهم من طوَّل وأمَلّ، ومنهم من قَصَّرَ وأخلّ، ومنهم من أظهر الفضيلة بكثرةِ الأسئلةِ والاعتراضات، ومنهم من اقتصر على مواضع من المشكلات، ومع هذا لم يعطه أحد منهم حقَّه، ولم يذكر شيئا ً يوافق خلقه، على أنَّ الفضل لهم في هذا الباب؛ لسبقهم في كل شئ وفي شرح هذا الكتاب، ولم أذكر ذلك للبخس في حقهم أصلا ً لأني لم ألحقهم في ذلك علما ً وفضلاً، ولكني رأيت مبنى هذا
الجزء 1 · صفحة 9
....................................................................
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الفن على الكتاب والسنَّة الظاهرة ثم على الاجماع والقياسات الظاهرة، على انّه لا يُعدل عن النصًّين عند الإمكان، بالنص الوارد عن صاحب هذا الشأن، وكيف
يُترك ذلك وقد أُخذ عنه الدين، ثمَّ عن الصحابة المهديين، وقد قال الله تعالى: {وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع} {وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول}
وقال صلى الله عليه وسلم: «اصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم».
وترك الخبر الصحيح العاري عن العوارض، والذهاب الى الرأي في الفرائض، عملٌ ليس عليه أمر الرسول-صلى الله عليه وسلم-، ولا يرضى به من له المعقول والمنقول، ولم يقصِّر فيه الصدر الاول، وعملوا به في الوجه الأكمل، وإنما التقصير فيه من أكثر الخلف، الذين قصروا في التمهيد، وآفتهم في ذلك هو التساهل لاكتفائهم بالتقليد، ألا ترى إلى أكثر شُراح هذا الكتاب وغيرهم من شُرَّاح غيره في هذا الباب، قد ملاؤا تصانيفهم بقولهم " لأنَّ "، وحشوها بإنما ولكنَّ، وإنما يَحسُنُ هذا بعد التأسيس بالخبر، والترصيص بالأثر، على أنَّ بعضهم ذكر في معرض الاستدلال في الفصول أخباراً ليس لها أصلٌ من الاصول، وقيل هذا الأكذب على الرسول-صلى الله عليه وسلم-، وقد روينا من طريق البخاري وغيره عن أنس رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ تَعمَّد عَلَيَّ كذبا فليتبوأ مقعده مِنَ النار».
.................................. قال الحافظ ابو بكر البزار: هذا حديث متواتر مقطوع به، لا يوجد له مشابهٌ في طُرقه، وقال ابن دحية: قد أخرج من نحو أربع مائة طريق.
ويقال: رواه مائتان من الصحابة، ولا يُعرف حديث ٌ أجمع على روايته العشرة سواه.
وقد ندبني جماعة من الإخوان، وطائفة من خُلَّص الأخدان، إلى أن أغوص في هذا البحر الزاخر، وأستخرج من دُرِّه الزَّاهر، فأجبت بأنَّ بضاعتي قليلة في هذا الشأن، وباعي قصير في هذا الميدان، وقد قَصُرَت أيدي الإشتغال في هذا الزمان، وكلَّت هِممُ أهله إلى التوجه الى إبراز المعاني وإظهار البيان، حتى صار الفضل مطموس المعالم، مخفوض الدعائم، مَعفُو الرسوم، مُندَرس الصُوى، مُنتكث المرائر، مُنتقض القُوى، حتى أشرف درسه على الدُروس وأشفى، ولم يبقَ من أهله إلا قليلون عجفى، لتأخر أهله وكساد سوقهم، وتقدّم أهل الجهل وانتصابهم على سوقهم، حتى لم يبق لأهل عندهم مَقال، ولا لحلبتهم في ميادينهم مجال، فتأخروا إلى أن صاروا نسياًً منسياًً، وأخذوا من الامكنة مكانا ً قصيا ً، فهذا هو عذري في التاخير، وتأخري عن الجواب بالتحرير، ومع هذا لم يرتدعوا عن سؤالهم، ولم أجد بُداً من تحقيق آمالهم، ولم يُقبل اعتذاري بأنواع العلل، ولا اعتلالي بسوف ولعلّ، ولا مُواعدتي بضرب أخماس لأسداس، وذلك لعلمي بأنَّ دون مرامهم خَرطُ القتاد
................................................ والأخذ بزمام شئ صعب القياد، ومع ذلك قالوا أنت لهذا ابو عُذرة، وكفؤا ًلامره، ومقتضبٌ لحلوه ومَرّْه، فقلتُ حينئذِ صار أمركم عليَّ حتماً لازماً، وشروعي فيما طلبتم فرضاً قائماً، فوجهت ركابي نحومطالبهم، وتوجهت تِلقاء مَدين مَئاربهم، وشرعت فيه متوكلاً على العزيز الوهاب، ومُمعنا ًفي الاستدلال بالأحاديث الصحاح في هذا الباب، ومعرضاً عما ذكروا من الأخبار الجريحة، آتياً عوضها من الأخبار الصحيحة، ومُشيراً إلى ما وقع من لبعضهم من السهو في باب الأخبار، مورداً في ذلك ما روي من الثقات الأخيار، بحيث صار ما رسخته مقصداً لكل واردٍ من كل أوب، ومطلباً لكل من يشدُ الرحال من كل صوب، ويصدر من يرد حافلاً ومن يروم مذهباً من المذاهب يرجعُ حاملاً، وكيف وفيه شفاءٌ لكلِ عليل ورِيٌّ شافٍ لكل غليل، فما نحن نشرع فيه مسمى بكتاب البناية في شرح الهداية، معتمداً على الله الوهاب، الميسر لكل صعاب، ثم أني أروي هذا الكتاب بأربعة طرق:
الأولى: ما أخبرني به شيخي وسيدي، وعلامة الدهر، وآية العصر، حلال المشكلات، كشَّاف المعضلات، الشيخ شرف الدين أبو الروح، عيسى بن خاص السمراوي، رحمه الله، بعضه بقرآءة الشيخ الفاضل، خواجا أحمد الرومي عليه، في مدرسته، بمدينة عينتاب، في حدود عام ثمانين وسبعمائة والباقي بالاجازة بحق روايته عن شيخيه الامامين العلامتين، شمس الدين النكسري، وتاج الدين الكردي، بحق روايتهماعن الشيخ الإمام العلامة حسام الدين حسين السغناقي، عن الشيخ العلامة حافظ الدين محمد بن محمد بن نصر البخاري
الجزء 1 · صفحة 10
............................................................
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عن الشيخ العلامة شمس الدين محمد بن عبد الستار بن محمد العمادي الكردري، عن المصنف.
الثانية: ما أخبرني به شيخي العلامة جمال الدين يوسف بن موسى الشهير بالملطي رحمه الله بعضه بقراءة شمس الدين بن أمين الدولة، والباقي إجازة في حدود سنة اثنين وثمانين وسبعمائة بمدرسته بحلب يحق روايته عن شيخه العلامة، قوام الدين أمير كاتب بن أمير عمر الأُتراري الاتقاني، عن شيخه برهان الدين، أحمد بن أسعد بن محمد الخُريفعني البخاري، عن شيخه حميد الدين الضريرعلي بن محمد البخاري، وشيخه حافظ الدين المذكور، عن شمس الائمة الكردي، عن المصنف.
الجزء 1 · صفحة 11
............................................................
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الثالثة: ما اخبرني به الامام العلامة العلاء السيرافي - رحمه الله - بقراءة الشيخ سراج الدين عمر، في المدرسة الظاهرية البرقوقية بالديار المصرية في حدود سنة ثمانية وثمانين وسبعمائة، من أول الكتاب إلى آخر كتاب النكاح، والباقي بالاجازة بحق روايته قراءة على شيخه العلامة السيد الشريف جلال، أحد شُراح الكتاب عن حسام الدين السغناقي - رحمه الله -
الرابعة: ما أخبرني به الشيخ الامام، جلال الدين الشبري المقرئ، إجازة ً في حدود سنة تسعة وثمانين وسبعمائة بحق روايته قراءة على شيخه الامام، قوام الدين الاترازي، أحد شُرّاح الكتاب. ...
الجزء 1 · صفحة 12
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ش: ابتدأ الكتاب بالبسملة أولاً، ثم ثنى بالحمدلة اقتداءً بالكتاب العزيز المُستفتَح هكذا، وعملاً بقوله - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -: «كلُّ أمرٍ ذي بال لا يُبدأ فيه بذكر الله وبسم الله الرحمن الرحيم فهو أقطع» رواه الحافظ عبد القادر الرهاوي في أربعينه: وفي رواية أبي داود والنسائي: «كلُّ كلامٍ لا يُبدأ فيه بالحمدُ لله فهو أجذَم» وفي رواية ابن ماجه: «كلُّ أمرٍ ذي بال لا يُبدأ فيه بالحمدِ أقطع»، ورواه أبو عوانة وابن حبان في صحيحيهما.
الجزء 1 · صفحة 13
.....................................................................
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ.
وقال ابن الصلاح: «ورجاله رجال الصحيح سوى قُرَّة بن عبد الرحمن فإنَّه ممن تفرد به مسلم بالتخريج له، قال: وهو حديث حسن، بل صحيح».
ومعنى: " أقطَع ": قليل البركة، وكذلك: " أجذَم " بالجيم من جَذِم بكسر الذال المعجمة، يجذَم بفتحها.
فإن قلتَ: إنَّ بين النصين تعارضاً ظاهراً، والابتداء بأحدهما مُفوت الابتداء بالآخر.
قلتُ: يمكن الجمع بأن يُقدَّم أحدهما على الآخر، فيقع الابتداء بالمُقدَّم حقيقةً، وبالآخرِ بالإضافة إلى ما سواه، فعُمل بالكتاب الوارد بتقديم التسمية، والإجماع المنعقد عليه، فلذلك ترك العاطف لئلا يُشعر بالتبعية فيُخلَّ بالتسوية.
الجزء 1 · صفحة 14
.....................................................................
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ....
فإن قلتَ: في قولك: " اقتداءً بالكتاب العزيز المُستفتح هكذا " نظرٌ من وجهين: أحدهما: أنَّه إنَّما يتجه الابتداء بالحمد ان لو لم يكتب في الأول البسملة، وكيف لا، وحال المسلم ينافي قصداً تركَ البسملة؟.
والآخر: أنَّ الكتاب العزيز لم يُستفتح بالحمدلة؛ لأنَّ الترتيب فيه إمَّا بالنظر إلى النزول على النبي - عليه السلام - أو بالنظر إلى الترتيب العثماني، فإن كان الأول فلا نُسلِّم أنَّه استُفتح بالحمد بل بسورة العلق والمدَّثر على الاختلاف، [وإن كان الثاني فهو مُسْتَفتحٌ بالبسملة لابالحمدلة].
قلتُ: المراد من القول:" اقتداءً بالكتاب العزيز المُستفتح هكذا "بالنظر إلى ما تقرر
عليه استفتاحُ الكتاب، فكان مطابقاً لترتيبه في الابتداء بالبسملة [والثني بالحمدلة].
" والباء " في [بسم الله] للاستعانة، وهي الداخلة عل آلة الفعل، نحو: كتبتُ بالقلم، ونجرتُ بالقدوم؛ لأنَّ الفعل لا يتأتى على الوجه الأكمل إلا بها، لأنَّ المؤمن لمَّا اعتقد أنَّ فعله لا يجئ معتداً به في الشَّرع، ولا موافقاً في السنة حتى يُصَدَّر بذكر الله وإلا كان فعلاً كلا فعل، فلذلك جعل فعله مفعولا [بسم لله] [كما يَفعلُ الكاتب بالقلم].
[ويجوز أن يتعلق " باقرأ " تعلق الدُهن بالإنبات]
الجزء 1 · صفحة 15
......................................................................
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ..
في قَوْله تَعَالَى: (? ?) على معنى متبركاً باسم الله واقرأ، وكذلك قول الداعي للعرس: بالرفاء والبنين، وهذا الوجه أقرب وأحسن.
وعرفت أنَّ الفعل الذي سَلط الباء على الاسم محذوف، حُذف لدلالة الحال عليه، والمعنى: [بسم الله أقرأ أو أتلو]، لأنَّ الذي يتلو التسمية مقروء، كما أنَّ المسافر إذا حلَّ أو ارتحل قال: بسم الله والبركات، كان المعنى: بسم الله أحلّ وبسم الله أرتحل، وكذلك الذابح، وكلُّ فاعل يَبدأُ في فعله باسم الله كان مضمراً بما جعل التسمية [مبتدأ له].
واعلم أنَّ الظرف أعني " باسم الله " في الوجه الأول على الإلغاء، وفي الوجه الثاني على الاستقرار ومحله منصوب على الحال، والعامل هو الفعل المحذوف، وإذا قدَّرنا: ابتدائي بسم الله كان محلها الرفع، والباء على هذا متعلِّقة بالخبر المحذوف الذي هو نائب عنه كأنه قيل: ابتدائي ثابت أو مستقر بسم الله ونحو ذلك.
فإن قلتَ: لم لا تعلقه بابتدائي؟.
قلتُ: لا يجوز ذلك؛ لأنَّه مصدر، فلو تعلقت به لدخلت في صفاته وبقي المبتدأ بلا خبر، وذلك أنَّ المصدر إذا كان بمعنى: " أن فعل " و " أن يفعل " احتاج إلى صلة. ونقل بعضهم عن البصريين أنَّ تقديره: [ابتدائي] بسم الله، ولا يجوز أن يتعلق الباء في هذا
الجزء 1 · صفحة 16
.......................................................................
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ.
الوجه بأبدأ؛ لأنَّه في صلة ما [وما تعلق] بالموصول لا يجوز أن يكون خبراً، فتكون الباء متعلقة بمحذوف وهو خبره.
وعن الكسائي أنَّ الباء زائدة؛ لأنَّ الباء لا تعلق بشيء، وموضع اسم وقع تقديره: وأوَّل ما أبدأ به اسم الله.
وزيادة الباء في خبر المبتدأ عزيزةٌ جداً لا تكاد توجد إلا ما حُكي عن الأخفش: أنَّ الباء في قَوْله تَعَالَى: {جزاء سيّئة بمثلها} والتقدير: مثلها، بدليل قَوْله تَعَالَى في موضع آخر: {وجزاؤا سيئة سيئة مثلها}
والصواب أنَّ الباء هاهنا مُتعلقة بمحذوف، والتقدير: جزاءُ سيئةٍ واقعٌ بمثلها. ويجوز أن يتعلق بجزاء والخبر محذوف التقدير: وجزاء سيئةٍ بمثلها واقع أو حاصل، وما نقل عنه ضعيف عند المحققين.
الجزء 1 · صفحة 17
.......................................................................
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ....
واعلم أنَّ الأولى أن يقدر المحذوف متأخراً قصداً إلى اختصاص الابتداء باسم الله؛ وذلك لأنَّ الكفار كانوا يبدءون بأسماء آلهتهم، فيقولون: باسم اللات، باسم العزى، وذلك أولى للموحِّد، كما في قَوْله تَعَالَى: {إياك نعبد} حيث صَرَّحَ بتقديم الاسم إرادة الاختصاص، وهذا بخلاف: {إقرأ باسم ربك}، فإنَّ هناك تقديم الفعل أوقع؛ لأنَّها أوَّل سورة نزلت، فكان الأمر بالقراءة أهم.
وللباء أحد عشر معنى:
الإلصاق: نحو: مررت بزيد. أي التصق مروري بمكان يقرب منه زيد. [وقد يقال: إنَّ هذه الباء مُكملة للفعل، ومنه: حلفت بالله، ويقال: معنى الإلصاق] لا يفارقها في كل الأحوال. والتعدية: وتسمى باء الفعل أيضا: نحو: ذهبتُ بزيدٍ. والاستعانة: وقد مر. والسببية: نحو {إنكم ظللتم أنفسكم باتخاذكم}، {فكلاّ أخذنا بذنبه}. والمصاحبة: نحو: {اهبط بسلم} أي: معه. والظرفية: نحو: {نجيناهم بسحر} والبدل: كقول الحماسي: فليت لي بهم قَوماً إذا ركبوا. والمقابلة: وهي الداخلة على الأعواض: كاشتريته بألف، والمجاوزة: كعن، فقيل: تختص بالسؤال نحو: {فسئل به خبيرا} وقيل: لا تختص به.
والاستعلاء: نحو: {من إن تأمنه بقنطار}.
الجزء 1 · صفحة 18
.......................................................................
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ .......
والتبعيض: أثبته الأصمعي، والفارسي، وابن مالك. قيل: والكوفيون جعلوا منه: {عينا يشرب بها عباد الله} ومنه {وامسحوا برؤسكم} والقسم: وهي أصل أحرفه. والغاية: نحو: {وقد أحسن به}، أي إليَّ، والتوكيد: وهي الزائدة، فتكون في الفاعل: {وكفى بالله شهيدا}، وتكون في المفعول نحو: {ولا تلقوا أيديكم إلى التهلكة} وتكون في المبتدأ، نحو: بحسبك درهم، و خرجت فإذا بزيد، ونحو ذلك.
وقد قيل: إنَّ الباء في {وكفى بالله} ليست لغواً، ويجوز أن يكون الفاعل
الجزء 1 · صفحة 19
.......................................................................
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ........... كافٍ يُقدرُ بعد كفى، ويكون {بالله} صفة له قائمة مقامه، ويجوز أن يكون الفاعل مضمراً يُفسَرهُ المنصوب بعده، أعنى: شهيداً، كما تقول: نعم رجلاً زيداً، أو زيد رجلاً،
قال هذا القائل: ولو كانت الباء زائدة هناك لكان القياس أن يلحق الفعل عليها علامة التأنيث في قَوْله تَعَالَى: {كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا}؛ لأنَّه للنفس، وهو ما يغلب عليه التأنيث.
وقد قال بعضهم: إنَّ الباء تكون للتجريد، نحو: " لقيت بزيد بحراً "على الالغاء، وإنَّما سُمي تجريداً؛ لأنَّك إذا قلت: لقيتُ بزيدٍ بحراً، كأنَّك قلتَ: لقيتُ زيداً وهو جوادٌ فجرّدته.
فإن قلتَ: الحرف مبني، وحق البناء السكون.
قلتُ: ليتأتى الابتداء بها.
فإن قلتَ: حق الحرف الواحد الفتح لخفته، نحو واو العطف وفائه، وسين الاستقبال، وغيرها.
قلتُ: لأنَّهم شبَّهوا حركتها بحركة معمولها فكسروها.
فإن قلتَ: الكاف تجرّ، وهي مع ذلك مفتوحة.
قلتُ: الكاف تدل على معنيين: معنى الاسم، ومعنى الحرف، فبالأولى أن تُحرك بأخفِّ الحركات.
وحُكي عن أبي علي بن عيسى أنَّ الباء إنَّما حركته ليتوصل إلى النطق بها، ولو فُتحت أو ضُمت لجاز أيضاً، وبعض العرب يفتح هذه الباء، وهي لغة قليلة.
ولفظة " الاسم" أحد الأسماء العشرة التي بنوا أوائلها على السكون، فإذا نطقوا بها مبتدئين زادوا همزة؛ لئلا يقع الابتداء بالساكن. وهو من الأسماء المحذوفة الأعجاز، كيد ودم.
الجزء 1 · صفحة 20
.......................................................................
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ... وأصله: سِمْوٌ، واشتقاقه من السُمُو عند البصريين. وقال الكوفيون مشتق: من وَسَمَ يَسِمُ سِمَةً.
[وقالت البصرية]: «لو كان كذلك لقالوا في تصغيره: وُسَيْم، وفي جمعه: أوْسَام، فلما قالوا: سُمَيٌّ وأسماء دل على أنَّ أصله: سِمْوٌ، ويقال: إِسْمٌ وسِمٌ بالكسر فيهما، وأُسْمٌ وسُمٌ بالضم فيهما».
وقال المبرد: «سمعت العرب تقول: إِسْمُه، وأُسْمُه، ويِسْمه، وسِمُه وسَمَاهُ».
وإنَّما سقطت همزة " اسم " في اللفظ؛ لأنَّها همزة وصل، كما في: إبن وامرؤ، ونحوهما وسقطت في الخط أيضا لكثرة الاستعمال.
ولفظة: " الله " اسم علم للباري جل جلاله، والمختار أنَّه ليس بمشتق، وهو قول الخليل وسيبويه وأكثر الأصوليين والفقهاء، وذلك لأنَّه لو كان مشتقاً لكان معناه معنى كليا لا يمنع نفسُ مفهومه من وقوع الشركة، وحينئذ لا يكون قولنا: " إلا الله " موجبا للتوحيد المحض.
وحيث أجمع العقلاء
الجزء 1 · صفحة 21
.......................................................................
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ........ على أنَّ هذا توحيدٌ محض علمنا أنَّه اسم علم موضوع لتلك الذات المعيَّنة، وليست من الألفاظ المشتقة كما ذهب إليه سيبويه وآخرون، ثم اختلفوا في اشتقاقه: فقيل: من ألَه يألَه بفتح العين فيهما إلاهة بالكسر أي عبادة.
والإله على وزن فِعَال بمعنى مفعول، أي مألوه أي معبود. ثم لمَّا كان اسماً لعظيم ليس كمثله شيء أرادوا تفخيمه بالتعريف الذي هو " أل "؛ لأنَّهم أفردوه لهذا الاسم دون غيره، فقالوا: الإله، واستثقلوا الهمزة في كلمة يكثر استعمالهم فيها فحذفوها ثم ادغموا اللام في اللام، فصار الاسم كما نزل به القرآن.
وقيل: من ألِهَ يألَه بالكسر في الماضي والفتح في الحاضر ألها بفتح الفاء والعين أي سَكَناً، إنَّما سُمِّي الله إلها لسكون الخلق إليه في جميع حوائجهم.
وقيل: من وَلَهَ: أي تحير، إنَّما سُمِّي به لتحير الخلق في كُنْهِ عظمته.
وقيل: من تأله: أي تَضرَّع يتأله تألها، إنَّما سُمِّي به لتضرع الخلق إليه.
وقيل: من لاه يلوه: أي احتجب، انَّما سُمِّي به لأنَّه احتجب عن إدراك الأبصار، وإحاطة الأفكار. قال الشاعر:
لاهٍ ربي عن الخلائق طُراً خالق الخلق لا يُرى ويرانا
فإن قلتَ: لِمَ قَرَنَ لفظة الاسم بلفظ الله دون سائر أسمائه؟.
قلتُ: لأنَّه إسمُ الذات، مُستجمعٌ لجميعِ الصفاتِ العُلى والأسماءِ الحُسنى، فلذلك جُعِل أَمامَ سائرِ الأسماء، وخصت به كلمة الإخلاص، ووقعت به الشهادة فصار شعار الإيمان. وهو اسمٌ ممنوع لم يُسَمَّ به أحدٌ، وقد قَبضَ الله عنه الألسن، فلم يُدْعَ به شيءٌ سواه. وقد كان يتعاطاه المشركون اسماُ لبعض أصنامهم فصرفه الله إلى اللات صيانةً لحق هذا الاسم وذباً عنه، وكذلك الجواب في " الحمد لله " فافهم.
الحمد لله
ـ
"الرَّحمَن": فَعْلان من رَحِمَ، كغَضبان من غَضِبَ.
و "الرَّحِيم": فَعِيل منه.
وفي " رحمان " من المُبالغة ما ليس في الرحيم، فلذلك قالوا: رحمان الدنيا والآخرة، ورحيم الدنيا. والزيادة في البناء زيادة في المعنى.
واتصاف الله بالرحمة ومعناها العطف والحُنُو، مَجازٌ عن إنعامه على عباده، وذكر الرحيم بعد الرحمن من قبَيل التعميم والرديف، وذلك لأنَّه لمَّا قال: الرحمن، تناول جلائل
النِعَم، ودقائقها، ثمَّ أردفه بالرحيم ليتناول ما دَقَّ منها وما لَطُف، وهما مجروران بالوصفية، وهما من الصفات المادحة بمجرد الثناء والتعظيم.
وقد اختُلف في صَرفِ رحمان ومنعه، فمن شَرَط في المنع انتِفاء فعلانه منعه، ومن شرط وجود فعلى صرفه على ما عرفت في موضعه م: (الحمد لله) ش: الحمد: هو الثناءُ على الجميل الاختياري نعمةً كانت أو غيرها، باللسانِ وحده. يقال: " حمدتُه على إنعامه وعلى شَجاعته.
والشُكر: هو الثناء على النعمة وحدها باللسان وغيره من الجوارح، قال الشاعر:
أفادتكم النَعماء مني ثلاثة يدي ولساني والضمير المُحَجَّبا
فبينهما عمومٌ من وجه.
والمدحُ: هو الثناءُ على الجميل اختيارياً أولا باللسان [وحده، فيقال: حمدتُ الله وشكرتُه، ولا يقال: مَدحتُه، فهو أعمُّ منهما مِنْ وجه.
وقيل: الحمد: هو الثناء باللسان] على قصد التعظيم سواء تعلق بالنعمة أو بغيرها.
والشُكر: فعلٌ يُنبئ عن تعظيم المُنعِم لكونه مُنعِماً سواءٌ كان باللسان أو بالجنان أو بالأركان. فمورد الحمد لا يكون إلا باللسان، ومتعلقه يكون النعمة و غيرها، ومتعلق الشكر
الجزء 1 · صفحة 22
.......................................................................
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ.لا يكون إلا النعمة ومورده يكون اللسان وغيره، فالحمد أعمُّ من الشكر باعتبار المتعلق، وأخصُّ باعتبار المورد، والشكر بالعكس.
وقال الزمخشري: «الحمد والمدح {أخوان، فالحمد على النعمة [وغيرها، والشكر على النعمة] خاصة بالقلب واللسان والجوارح، والحمد باللسان وحده، وهو إحدى شعب الشكر، والحمد نقيضه الذم، والشكر} نقيضه الكفران».
قلتُ: معنى قوله: أخوان: أي مشتركان في المعنى الأصلي، وهو الثناء لاشتراكهما في الحروف الأصول، غير أن َّكلا منهما يدل على معنى يختص هو به على حسب الاختلاف في اللفظ، وذلك من وجوه:
الأول: أنَّ المدح قد يحصل للحي ولغيره، فإنَّ من رأى لؤلؤةً في غايةِ الحُسن يمدحها ولا يحمدها، فثبتَ أنَّ المدح أعمُّ من الحمد.
الثاني: أنَّ الحمد يكون قبل الإحسان وبعده، والمدح لا يكون إلا بعده.
والثالث: أنَّ المدح قد يكون منهياً عنه، قال - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «احثوا التراب في وجوه المداحين»، والحمد مطلق.
والرابع: المدح عبارة عن القول الدال على كونه مختصاً بنوع من أنواع الفضائل، والحمد هو القول الدال على كونه مختصا بفضيلة معينة، وهي فضيلة الإنعام والإحسان.
ثم اعلم أنَّ معنى الحمد والشكر الحقيقي في العرف، أنَّ الحمد ليس عبارة عن قول القائل: الحمد لله، بل هو فعل يُشْعِرُ بتعظيم المُنْعِم بسبب كونه منعماً مطلقاً، بمعنى أعم من أن
الجزء 1 · صفحة 23
......................................................................
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ .........
يكون مُنعِماً للحامد أو لغيره، وذلك الفعل إمَّا فعل القلب، أعني الاعتقاد باتصافه بصفات الكمال، أو فعل اللسان، أعني ذكر ما يدل عليه من القرائن والأمارات التي تدل على أنَّ المحمود يتصف بالصفات الكاملة، أو فعل الجوارح، وهو الإتيان بأفعال دالة على اتصافه بصفات الكمال والجمال، وأنَّ الشكر ليس قول القائل: الشكر لله، بل صرفه جميع ما أنعم الله عليه من السمع والبصر وغيرهما إلى ما خلق وأعطاه لأجله، كصرفه النظر إلى
مطالعة مصنوعاته ليتوصل منها إلى تصور صانعها، والسمع إلى تلقي ما ينبئ عن مرضاته والاجتناب عن منهياته.
واعلم أنَّ الألف واللام موضوعة: إمِّا للعهد الخارجي أو الذهني، وإمِّا لاستغراق الجنس، وإمَّا لتعريف الطبيعة، لكن العهد هو الأصل، ثم الاستغراق، ثم تعريف الطبيعة؛ لأنَّ اللفظ الذي يدخل عليه اللام دالٌ على الماهية بدون اللام فحمل اللام على الفائدةِ الجديدةِ أولى مِنْ حمله على تعريف الطبيعة.
والفائدة الجديدة هذه: إمَّا تعريف العهد أو استغراقُ الجنس، وتعريف العهد أولى من الاستغراق؛ لأنَّه إنَّما ذكر بعض أفراد الجنس خارجاً وذهناً، فحَمل اللام على ذلك البعض المذكور أولى من حمله على جميع الأفراد؛ لأنَّ البعض متيقن، والكل محتمل.
وبين هذا اختلفوا إذا دخلت على المفرد أو الجمع فقالت عامة أهل الأصول والعربية: تفيد الاستغراقَ فيهما جميعا إلا إذا كان معهوداً.
الجزء 1 · صفحة 24
.....................................................................
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ .... وعن أبي علي الفارسي: «أنَّه لمطلق الجنس فيهما، لا للاستغراق»، وهذا أحد قولي أبي هاشم المعتزلي، وقوله الآخر: «أنَّه في المفرد لمطلق الجنس، وفي الجمع لمطلق الجمع لا للاستغراق إلا بدليلٍ آخر».
فإذا كان كذلك فقيل: الألف واللام في الحمد للجنس، أي حقيقة الحمد لله كما في " أرسلها العراك " ومعناه الإشارة إلى ما يعرفه كل واحد مِنْ أنَّ الحمد ما هو، والعراك ما هو، من بين أجناس الأفعال.
وقيل: لاستغراق الجنس. أي: الحمد كله لله تعالى.
وقالت المعتزلة: للعهد؛ لأنَّهم يَرَوْنَ أنَّ خلقَ أفعال العباد مضاف إليهم، فيكون تقديره: المحامد التي تتعلق بالأعيان دون الأعراض لله تعالى.
والأصحُّ أنَّ هذه مسألة ابتدائية للخلاف في معنى اللام لا بنائه على الخلاف في خلق الأفعال، فإنَّهم قالوا: الحمد ما يعرفه كل واحد منهم بحسب الإسم واللام عندهم لمطلق الجنس.
فإن قلتَ: فعلى قول من يقول: إنَّ اللام لاستغراق الجنس يكون المعنى جميع المحامد [التي تتعلق بالأعيان والأعراض لله تعالى، فيكون الله تعالى هو المستحق لجميع المحامد] لا غير، فكيف يصح قولهم: حمدتُ فلاناً على شجاعته.
الجزء 1 · صفحة 25
الذي
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قلتُ: هو في الحقيقة، راجعٌ إلى الله تعالى؛ لأنَّ حَمدَ المخلوق على صفةٍ أو فعلٍ حَمدٌ للخالقِ في الحقيقة.
ثم الحمد مرفوع بالابتداء، وخبره قوله: " لله "، وأصله النصب؛ لأنَّ أصله: نحمد الحمد لله، فلما حذف " نحمد " عدل عن النصب إلى الرفع، ليدل على ثبات المعنى؛ لأنَّه حينئذٍ يصير الكلامُ جُملةً اسميةً، وهي راسخةُ القدم بخلاف الفعلية الدالة على التجدد والحدوث، وأيضاً في الفعلية يكون الحمد مقيداً بقائله وليس الأمر كذلك، بل الله محمودٌ قبل حَمدِ الحامدين وقبل شُكرِ الشاكرين، سواء حَمده عَبيده أو لم يحمَدوه، فهو مَحمودٌ مِنَ الأزل إلى الأبد بحمده القديم وكلامه القديم.
م: (الذي) ش: اسمٌ موصولٌ مع صلته في محل الخبر؛ لأنَّه صفة الله.
واخلفوا فيما يَعملُ في الصفة: فذهب جماعة، منهم سيبويه والمازني وابن كيسان والزجاج، «إلى أنَّ العامل فيها هو العامل في الموصوف». وذهب الأخفش: «إلى أنَّ العامل في الصفة كونها صفةً، وأنَّ الوصف يجري على ما قبله وليس معه لفظٌ عَمِلَ فيه، وإنَّما يعمل فيه كونه وصفاً، فذلك هو الذي يَرفعه ويَنصبه ويجرّه، كما أنَّ المبتدأ اسمٌ رفعه الابتداء، والابتداءُ معنى عمل فيه ليس لفظاً، فكذلك هذا».
فإن قلتَ: لم بُنِي "الذي" على السكون؟
الجزء 1 · صفحة 26
أعلى معالم العلم وأعلامه
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـ
قلتُ: لأنه يُشبه الحرف من حيث أنَّه لا يستقلُّ بنفسه.
فإن قلتَ: لِمَ أُعرب في حال التثنية؟
قلتُ: بالتثنية يزول الشبه، إذ لا مثنى في الحروف فيعود إلى أصل استحقاقه في الإعراب.
ومنهم من يشدد ياءه ويخفضونه أيضاً من غير وجهٍ، لاستطالتهم إيَّاه مع صلته، فقالوا: " أَلَلذْ " بحذف الياء، ثم " أَلَذْ " بحذف الحركة، ثم حذفوه رأساً واجتزؤا عنه باللام، وذلك في نحو: الضاربُ إياه زيدٌ، واسمُ الفاعل هاهنا في معنى الفعل ومعناه الذي ضرب إياه.
م: (أعلى) ش: ماضٍ من الإعلاء، وثلاثيه: علا يَعلُو. يقول: علا في المكان يَعلُو عُلُوَّاً، وعلِي بالكسر، في الشرف، يَعْلَى علاء بالفتح، ويقال أيضاً: علا بالفتح يَعلُو علاء.
م: (معالم العلم) ش: كلام إضافي، مفعول أعلى، والجملة صلة الموصول، وهو جَمعُ مَعلم بفتح الميم وهو موضع العَلم، والمعنى رفعُ مواضع [دركِ العلوم]، وأراد بها أصول الشرع، لكونها مدارك العلم الشرعي.
وقيل: أراد بها العلماء على معنى أنَّهم مواضع أخذ العلوم، وأمَّا إعلاءُ الله إياهم فظاهر، قال الله تعالى: {يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات}، حيث خصَّهم بالذكر ثانيا بعد دخولهم في قوله: {الذين آمنوا} إظهارا لزيادة درجاتهم عنده.
م: (وأعلامه) ش: عطف على المعالم، وهو جمع عَلَم بفتحتين وهو الجبل، وأراد به العلماء تشبيهاً لهم بالجبال، لكونها أوتاد الأرض.
الجزء 1 · صفحة 27
......................................................................
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ .... وجه الاستعارة: أنَّ الجبال تمنع الأرض من التحرك والتمايل، فكذلك العلماء بين ظهراني الأمة، ينزلون منهم منزلتها، لكونهم يمنعونهم عن المَيل إلى الزَيغ والفساد، ويعني قيام أمورهم وانتظام أقوالهم على منهاج العدل في الشرع يكون منهم، ويقال: المراد من الأعلام اسباب الأحكام الشرعية وشروطها. فعلى هذا يكون جمع علم، يعني ما يُعلم به الشيء، وإعلاءُ الله إياها ظاهرٌ حيث جعلها موجبةً في حق العباد، وشرفها على غيرها.
ومِنْ جُملة محاسن هذا التركيب أنَّه مشتملٌ على ما يلحق الجِناس، وهو شيئان:
أحدهما: أنْ يَجمعَ اللفظينِ الاشتقاقُ، نحو قوله: {فأقم وجهك للدين القيم} فإنَّ أقم والقيم يرجعان في الاشتقاق إلى القيام.
والثاني: أنْ يجمعهما ما يشبه الاشتقاق وليس به، نحو قَوْله تَعَالَى: {قال إني لعملكم من القالين} فإن "قال" و" القالِين" يشبه أن يكونا راجِعَين في الاشتقاق إلى أصلٍ واحدٍ، وليس كذلك، فقوله أعلى مع غيره من قبيل الثاني، والثلاثة الأُخر من قبيل الأول، فإنَّ المَعالم والمَعلم والأعلام كلها ترجع إلى أصلٍ واحدٍ.
والعِلم في اللغة: بمعنى المعرفة نقيضُ الجَهل، عَلمتُ الشيء أعلَمُه علماً: عرفته.
وفي الاصطلاح ما ذكره الشيخ أبو منصور الماتريدي - رَحِمَهُ اللَّهُ -:
الجزء 1 · صفحة 28
وأظهر شعائر الشرع وأحكامه
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـ
«العلم صفة يتجلى بها المذكور لمن قامت هي به».
ويقال: العلمُ إدراك النفس لمعنى الشيء، إذ كلُّ من وُجِدَ له إدراك المعنى وُجِدَ له العِلم [من حيث إنَّه وُجد له ذلك الإدراك، وكل من عُدم له ذلك الإدراك عُدم له العِلم] من هذه الحيثية.
قلت: حاصل هذا أنَّه ليس للعلم ماهية سوى إدراكُ النفس لمعنى الشيء. وقد قالت طائفة، منهم الغزالي والرازي: «بعدم جواز تعريفه؛ لأنَّ غير العلم يعرف به، فلو عُرفَ بغيره يلزم الدور».
ويمنع ذلك بأنَّ جهة توقف غير العلم عليه من حيث إنَّه [إدراك له، وتوقفه على غيره لا من جهة أن ذلك الغير إدراكٌ له، بل من جهة أنَّه] صفة مميزة له عما سواه.
م: (وأظهر) ش: عطف على " أعلى " من الإظهار، وهو من ظهر الشيء بالفتح ظهوراً تبَيَّن. م: (شعائر الشرع وأحكامه) ش: الشعائر مفعول أظهر، وهو جمعُ شِعَارة، وقال الأصمعي: جمع شَعيرة، وإليه مال الشراح، والأولى هو الأول؛ لأنَّ الشعيرة واحدة الشعير الذي هو من الحبوب؛ والشعيرة أيضا: البَدَنة تهدى. والشعارة كلُّ ما جُعل علماً لطاعة الله تعالى.
الجزء 1 · صفحة 29
....................................................................
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ..
قال الجوهري: «الشعائر: أفعالُ الحج، وكل ما جُعلَ علماً لطاعة الله [عز وجل]».
ويقال: المراد بها: ما كان أداؤه على سبيل الاشتهار، كأداء الصلاة بالجماعة، وصلاة الجمعة والعيدين، والأذان، وغير ذلك مما كان فيه اشتهار.
وقوله: " الشرع " يحتمل معانياً:
الاول: أن يكون بمعنى المشروع فيتناول الأسباب والأحكام الشرعية.
والثاني: أن يكون بمعنى الشارع، ويكون من قبيل إقامة المَظهر موضع المُضمر.
الثالث: أن يكون بمعنى الشريعة، يقال: شرع محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، كما يقال: " شريعته ".
فإن قلتَ: ما هذه الإضافة في " شعائر الشرع "؟.
قلتُ: للبيان، من قبيل قولهم: خاتم فضة، وثوب خزّ.
فإن قلتَ: كيف يكون من هذا القبيل؛ لأنَّ الثوب هو عين الخزّ، والخاتم هو عين الفضة، وليست الشعائر هي عين الشرع؟.
قلتُ: الشرعُ بمعنى المَشروع، والشعائرعلى التفسير الذي ذكرنا هي عين المشروع.
فإن قلتَ: أليست هذه الإضافة إضافة الشيء إلى نفسه؟.
قلتُ: لا؛ لتغاير اللفظين؛ ولأنَّ " الشعائر " قبل الإضافة يحتمل أن تكون شعائرغير المشروع، كالثوب والخاتم قبل الإضافة، فبالإضافة نقطع الاحتمال. وفيه من صنعة البديع
وبعث رسلاً
السجع، وهو: تواطؤ الفاصلتين في النثر على حرف واحد، وهما الكلمتان اللتان هما عجزا القرينتين، والفاصلة في النثر كالقافية في النظم.
فإن قلتَ: أيُّ سجعٍ هو من أقسامه؟
قلتُ: سجعٌ متوازٍ وهو: أن لا تختلف الفاصلتان في الوزن، ولكن لا يكون جميع ما في القرينة ولا أكثره بمثل ما يقابله من الأخرى نحو: {فيها سرور مرفوعة} {وأكواب موضوعة} لاختلاف سرر وأكواب في الوزن والتَقْفِية.
م: (وبَعَثَ) ش: جملة من الفعل والفاعل، وهو الضمير المستتر فيه الذي يرجع إلى " الله "، عطف على قوله: " وأظهر ". يقال: بَعث يَبعَث بَعثاً، وبعثه وابتعثه بمعني: اي أرسله فانبَعَث، وبَعَثَ الناقة: أي []. وبعثه من منامه أي أهَّبه. وبعث الموتى: نَشَرَهم ليوم البعث. وانبعث في السير: أي اسرَعَ.
م: (رُسلاً) ش: مفعول بَعَثَ، وهو جمع رسول من أرسلتُ فلاناً في رسالةٍ، فهو مُرسَلٌ ورسول. فالمرسل اسم مفعول، والرسول صفة مشبهة. وقد يجيء الرسول بمعنى الرسالة.
قال الأشعر الجعفي:
ألا أبلِغ أبا عمر رسولاً ... بأنِّي عن فَتَاحتكم غنيُّ
أي رسالةً.
الجزء 1 · صفحة 31
وأنبياء
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وصيغة فَعُول يستوي فيها الواحد والجمع، والمذكر والمؤنث مثل عدو وصديق، قال الله تعلى: {إنا رسول رب العالمين} ولم يقل انَّا رُسُل؛ لأنَّ فَعُولاً وفَعِيلاً تستوي فيها هذه الأشياء.
م: (وأنبياء) ش: عطف على رسلا، وهو جمع نبي: فعيل بمعنى فاعل من النبأ، وهو الخبر، [يقال نبأ وانباء اي خبر واصله نبئ بالهمزة الا انهم تركوها كما في الذرية والبرية]، إلا أنَّ أهل مكة - شرفها الله - يهمزون هذه الحروف، ولا يهمزون في غيرها، وكذلك في أنبياء أن يقال: أنبيئاء بالهمزتين، لكن الهمزة لمَّا أبدلت وألزمت الإبدال جُمٍع جَمع ما
أصلُ لامه حرف علة، كعيد وأعياد. ويجمع النبي أيضا على نُبَآء بضم النون، قال العباس بن مرداس السلمي:
يا خاتمَ النُبَآء إنَّك مُرسَلٌ ... بالخير، كُلُّ هُدى السبيل هُداكا
ثم الفرق بين الرسول والنبي: أنَّ «الرسول: من بُعث لتبليغ الوحي ومعه كتاب، والنبي: من بُعث لتبليغ الوحي مطلقاً، سواء كان بكتاب أو بلا كتاب، كيوشع - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، فكان النبي [عليه السلام] أعمَّ من الرسول»: كذا قال الشيخ قوام الدين الأُتراري في " شرحه "، وهو قد تبع في ذلك صاحب " النهاية " حيث قال: «الرسول: هو النبي الذي معه كتاب، كموسى - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، والنبي: هو الذي ينبئ عن الله وإن لم يكن معه كتاب كيوشع - عَلَيْهِ السَّلَامُ -
الجزء 1 · صفحة 32
......................................................................
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ......
ومن هذا قال النبي - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل»، ولم يَقل: " كرسل بني إسرائيل"».
وتعقبهما الشيخ أكمل الدين - رَحِمَهُ اللَّهُ - وفرق بينهما هكذا، ثم قال: «وهو الظاهر».
كل هذا لا يخلو عن مناقشة، وذلك لأنَّه يلزم على تفسيرهم أن يخرج جماعة من الرسل عن كونهم رسلاً، كآدم ونوح وسليمان، ونحوهم - صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ -، فإنَّهم رسلٌ بلا خلاف، ولم ينزل عليهم كتاب كما نزل على موسى و عيسى.
والصحيح ههنا أنَّ الرسول من نَزَلَ عليه الكتاب، أو أتى إليه ملك، والنبي من يوقفه الله تعالى على الأحكام، أو تبع رسولاً آخر، ولهذا قال - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل»، فالعجب من الشيخ أكمل الدين مع ادعائه التحقيق في مصنفاته كيف رضي بالتفسير المذكور، ثم قال: وهو الظاهر؟! ومع هذا فهو ليس بظاهر على ما لا يخفى
الجزء 1 · صفحة 33
صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
م: (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ) ش: هذه جملة إخبارية في الصورة، ولكنها إنشائية في المعنى؛ لأنَّ المعنى: اللهم صلِّ عليهم صلواتك. وهو جمع صلوة، وهي في اللغة: الدعاء.
قال الأعشى:
وقابلها الريح [في دَنِّها ... وصلى على دَنِّها وارتَسَمْ]
وهو اسم وُضع موضع المصدر، يقال: صَلّيت صلوةً، ولا يقال: تصليةً. ومعناها من الله: الرحمة، ومن الملائكة: الاستغفار، ومن المؤمنين: الدعاء. ومعناها الشرعي في حق النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: اللهم عظمه في الدنيا بإعلاء كلمته، وإحياءِ شريعته، وفي الآخرة برفع درجته، وتشفيعه في أمته، هكذا سمعت من الأساتذة الكبار. وأمَّا في حق غيره من الأنبياء فمعناها ما ذكرنا، من الله: الرحمة، إلى آخره.
قوله: " أجمعين ": جمع " أجمع "، وهو من ألفاظ التأكيد المعنوي وهي: النفس، والعين، وكلاهما، وكلتاهما، والكل، وأجمع، وأكتع، وأبتع، وأبصع. ولا يؤكّد بكل وأجمع إلا شيء ذو أجزاء يصح افتراقها [حِسّاً، نحو: زيد وعمر وبكر وغيرهم، أو حكماً، نحو: اشتريت العبد كله أجمع، فإنَّ العبد، وإن لَمْ يكن له أجزاء يصح افتراقها حساً لكن له أجزاء يصح افتراقها] حُكماً؛ لأنَّه يجوز أن يكون المشترى منه ربعه، أو ثلثه، أو نصفه، أو ثلثيه.
واعتُرض على المُصنِّف - رَحِمَهُ اللَّهُ - بأنَّه ترك ذكر محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، مع كونه الأصل المحتاج إلى ذكره؛ لأنَّهم ذكروا أنَّ مما لا بد منه في أوائل المصنفات. الابتداء بالبسملة، ثم بالحمدلة، ثم بالصلاة على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بصريح اسمه، والمصنف خالف المصنفين أصحاب التصانيف والرسائل
الجزء 1 · صفحة 34
........................................................................
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ .......
فأجاب عنه الشيخ أكمل الدين بأنَّ المراد بالرسل والأنبياء محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، لكن جمعه تعظيما له وإجلالا لقدره.
قال الشيخ قوام الدين: «كان ينبغي أن يصلي على محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قصداً بذكر اسمه وصفاته؛ لأنَّ الله تعالى قد رفع ذكره، قال تعالى: {ورفعنا لك ذكرا} والغالب أنَّه سهى، ولكلِّ جواد كبوة، ولكلِّ عالِم هفوة».
قلتُ: كل منهما أبْعَد. أمَّا الأول فلأن لفظة " أجمعين " ترد عليه؛ لأنَّه أكَّده بها، فالتأكيد يقطع احتمال المجاز، وإطلاق الجمع وإرادة الواحد مجاز. ونصره بعضهم بأن قوله: " أجمعين " باعتبار صورة اللفظ او الصيغة، ورُدَّ عليه بأن أجمعين تاكيد معنوي فينافي أن يختص قوله: " رسلا وأنبياء " بطائفة معينة منهم.
وأما الثاني: فإنَّه نسبَه إلى السهو، وهو ليس بجواب، بل الجواب هاهنا بوجهين:
أحدهما: أنَّ المصنف - رَحِمَهُ اللَّهُ - قصد من ذلك المبالغة، والبلاغة في ذلك لِما فيه ذكره - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مرتين؛ لأنَّه دخل أولاً في قوله " رسلاً "؛ لأنَّه من جملة المرسلين بل سيدهم وأشرفهم، وأفضلهم ثم دخل ثانيا في قوله: " وأنبياء "؛ لأنَّ كل مرسل نبي فيكون ذكره مرتين وإن كان ضمناً، أبلغُ من ذكره مرةً واحدةً صريحاً، والتضمين أبلغ من التصريح؛ لأنَّ الاعتماد في الصريح على اللفظ، والدلالة منه، وفي التضمين على الفعل، والدلالة من جهته، وبين الدليلين والدلالتين فرق كبير.
والثاني: ما سَنَحَ في خاطري من الأنوار الإلهية في الجواب القاطع الذي ليس وراءه شيء، وهو أنَّ المصنف إنَّما لم يصرح باسم النبي - عليه السلام - في الصلوة عليه بل
أضمره ليكون ذلك من باب الإضمار والإبهام، وهو طريق من طرق البلاغة؛ لأنَّ فيه إشارة إلى علو شأنه، وارتفاع قدره، وتفخيم فضله على ما لا يخفى على أحد، لما فيه من الشهادة على أنَّه المشهور الذي لا يشتبه، والمبَيَّنُ الذي لا يلتبس
الجزء 1 · صفحة 35
.........................................................................
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ..........كما أضمره الله تعالى في قوله: {تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض}، حيث صرح أولاً بما يدل على موسى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - بقوله: {منهم من كلم الله}) ولا شك باشتهارموسى- عَلَيْهِ السَّلَامُ - بالتكليم، ثم صرَّح باسم عيسى- عليه السلام - بقوله: {وآتينا عيسى ابن مريم البينات}، وذِكْرُ النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بينهم بطريق الإبهام والإضمار بقوله: {ورفع بعضهم درجات} إشارةٌ إلى ما ذكرنا.
وعليه قول حُطيئة حين سُئِلَ: من أشعر الناس؟ فقال: زهير
والنابغة، ثم قال: ولو شئت لذكرت الثالث، أراد به نفسه، ولو قال: لذكرت نفسي، أو قال: زهير والنابغة وأنا، لم يقع كلامه مؤذناً لتعظيمه بل كان فيه نوع نقص على ما لا يخفى.
الجزء 1 · صفحة 36
إلى سُبُل الحق هادين
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـ
م: (إلى سُبُل الحق) ش: متعلق بقوله " هادين "، وإنَّما أخره لإقامة السجع. والسُبُل بضمتين جمع سبيل، وهو الطريق، يذكَّر ويؤنث، قال تعالى: {قل هذه سبيلي} فأنث، وقال: {وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا} فذكر، ويصح في الجمع تسكين الياء أيضاً، والحق خلاف الباطل، قاله الجوهري.
قلتُ: الحق يستعمل في معاني:
أحدها: النزول، يقال: حَقَّ يَحِقُّ، إذا نزل.
والثاني: الوجوب، يقال: حَقٌ عليه: إذا وجب.
والثالث: الصدق والصواب، يقال: قوله حقٌ: أي صدق وصواب.
ومعناه في الاصطلاح: الحق ما [علت حُجَتُه] وأظهر التمويه في غيره.
م: (هادين) ش: نُصِبَ على أنَّه صفة لقوله: " رسلاً وأنبياء " وقيل: نصب على الحال [من رسلا وليس بصحيح؛ لأنَّ الحال من النكرة لا يصح إلا بتقديم ذي الحال على الحال]. وقد عُلِمَ أنَّ حق الحال أن يكون نكرة، وحق ذي الحال أن يكون معرفة، للفرق بينهما وبين الصفة والموصوف، وقيل: لأنَّ الحال هو الخبر في الحقيقة، والخبر حقه التنكير.
[فان قلت شرط التمييز ايضا ان يكون نكرة فلا يجوز ان يقال: طابَ زيدٌ النفسَ، فما الفرق بينه وبين الحال؟]
قلت: هما يتفقان في هذا، ولكنهما يفترقان من وجوه:
الأول: أنَّ الحال ما يحتمل الأوصاف فيميز بأحد الأوصاف، والتمييز ما يحتمل الأجناس [فيميز بأحد الأجناس].
الجزء 1 · صفحة 37
........................................................................
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ...الثاني: أنَّ الحال لا ينقسم إلى ما يجئُ عن المفرد، والجملة والتمييز ينقسم إلى ذلك، ففي الجملة نحو: طاب زيد نفساً، فالإبهام في الاسناد، وعن المفرد نحو: عندي راقود خلا، فالإبهام في راقود.
والثالث: أنَّ " نفساً " ليس هي " زيداً " [في المثال المذكور، وإنَّما هي شيء منه، وراكباً في قولك: جاءني زيد راكباً هو زيد] كله.
والرابع: التقدير في المثال المذكور، طابت نفسه، فالفعل للنفس وليس لزيد، وفي: جاءني زيد راكبا، ً الفعل لزيد، وراكباً تبع له.
وقوله: " هادين ": من الهداية، وهي الدلالة الموصلة إلى البُغية. وأصله أن يتعدى باللام أو بإلى، كقوله تعالى: {إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم}، {وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم}، وأما قوله تعالى: {إهدنا الصراط المستقيم} فجار مجرى، وقَوْله تَعَالَى: وأختار موسى قومه سبعين رجلا}). وقال الجوهري: «يقال: هداه الله للدين هُدى. وقَوْله تَعَالَى: {أولم يهد لهم}، قال أبو عمرو بن العلاء: أو لم يبين لهم. وهديتَه الطريق والبيتَ هدايةً: أي عرفته، هذه لغة أهل الحجاز، وغيرهم يقول: هديته إلى الطريق وإلى الدار، حكاها الأخفش، وهدى واهتدى بمعنى».
الجزء 1 · صفحة 38
وأخلفهم علماء
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقال الكاكي في شرحه: «هداه إلى الطريق: [إذا أعلمه أنَّ الطريق] في ناحية كذا، وهداه للطريق: إذا ذهب به إلى رأس الطريق، وهداه الطريق: اذا [ذهب به إلى المقصد]، وذلك لا يتحقق إلا من الله تعالى، وهداه إلى الطريق، أعلمه أنَّ الطريق في ناحية كذا، وهي وظيفة الرسل - عَلَيْهِم السَّلَامُ - وهداه للطريق، ذهب به وأوصله إلى رأس الطريق».
واعترض عليه الشيخ قوام الدين - رَحِمَهُ اللَّهُ - «بأنَّ هذا الفرق غير صحيح، لعدمه في سائر قوانين اللغة».
قلتُ: هذا اعتراض صادرٌ من غير تأمل، وذلك لأنَّ الفرق المذكور إنَّما هو بحسب الاستعمال، والفارق ما ادَّعى أنَّ ذلك بحسب اللغة وإن ادَّعى ذلك فلا يمنع؛ لأنَّ الذي ذكره هو حاصل المعنى اللغوي.
م: (وأخلفهم علماء) ش: عطف على قوله: " وبعث رسلا "، وهي جملة من الفعل والفاعل، وهو الضمير المستتر فيه الذي يرجع إلى الله تعالى.
ولأخلف مفعولان: أحدهما: الضمير، أعني: هم، والآخر هو قوله " علماء ". والمعنى: جعل العلماء خلفاء الأنبياء - عَلَيْهِمْ السَّلَامُ - وورثتهم.
وقال الشيخ قوام الدين الأُتراري- رَحِمَهُ اللَّهُ -: «وأخلفهم علماء: من قولهم: اخلفت الثوب: أصلحته وجعلت موضع الخلفان خلفاناً».
وهذا التفسير غير مَرضي بل التفسير الصحيح ما ذكرناه؛ لأنَّ مراده بيان أنَّ العلماء خلفاء عن الأنبياء في بيان الشرائع، فحينئذٍ لا يفسر قوله: وأخلفهم إلا من قولهم: أخلف زيدٌ
الجزء 1 · صفحة 39
إلى سُنَن سَنَنهم داعين
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عمراً: إذا جعله خليفة؛ لأنّ اخلفتُ الثوب: إذا أصلحته. يقال: خَلَفَ فلانٌ فلاناً: إذا كان خليفته، وخَلَفَه في قومه خلافة، ومنه قَوْله تَعَالَى: {وقال موسى لأخيه هارون اخلفي في قومي} وأخلفه غيره: إذا جعله خليفة له، وكذلك استخلفه.
م: (إلى سَنَن سُنَنهم داعين) ش: الجار والمجرور يتعلق بـ" داعين ". والسَنَن بفتح السين والنون: مفرد بمعنى الطريقة. يقال: استقام فلان على سنن واحد. ويقال: امض [على سنَنَك و سُنتك] أي على وجهك، وتنح عن سنن الجبل: أي عن وجهه. وقوله: " سننهم " بضم السين وفتح النون جمع سنة وهي الطريقة المسلوكة المرضية.
وقال الجوهري: «السُنَّة: السيرة، قال الهُذَلي يخاطب أبا ذؤيب:
فلا تجزعنَّ من سُنَّة أنت سيرتَها ... وأوَّل راضٍ سُنةً من يُسيرها».
وبين السَنن والسُنن تجنيس محرف، وهو من جملة محاسن الكلام.
وقال الشيخ قوام الدين: «فلو قال بضم السين في الموضعين ليكون تجنيساً تاماً لكان أحسن، إلا أنَّ الرواية بالمفتوح خاصة؛ لأنَّ المضموم في معناه قليل الاستعمال».
قلتُ: الذي ذكره أولى وأبلغ؛ لأنَّ باختلاف الحركات تحصل زيادة رونق في الكلام، وأنواع التجنيس كلها من محاسن الكلام ولم يرجح منها شيء على غيره.
الجزء 1 · صفحة 40
يسلكون فيما لم يؤثر عنهم
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـ
والتجنيس التام: أن يتفق اللفظان في أنواع الحروف وهيئاتها نحو الحركات والسكنات، وفي ترتيبها مع تقديم بعض الحروف على بعض وتأخيره عنه، وإن اختلفا في هيئة الحروف فقط سمي التجنيس محَّرفاً.
قوله: " داعين " جمع داعٍ: من دعوت فلاناً: إذا صحبته واستدعيته. ويستعمل باللام وعلى وإلى، نحو: دعوت الله له، ودعوته عليه، ودعوته إلى الطعام، وهو من هذا القبيل، وقوله: " داعين وهادين " من الصفات المادحة.
فإن قلتَ: أليس يجوز أن يكونا من الصفات الكاشفة؟
قلتُ: لا؛ لأنَّ في الصفات الكاشفة يكون الموصوف فيه نوع غموض فيكون الوصف حينئذٍ كاشفاً لذلك الغموض، بخلاف الصفات المادحة، وهذه الصفة ليس في موصوفها ذلك على مالا يخفى، كما في " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ " وبينهما تجنيس متواز ٍ.
م: (يسلكون) ش: تحتمل أموراً ثلاثة:
الأول: أن تكون صفةً للعلماء.
الثاني: أن تكون حالاً عنهم.
فإن قلتَ: النكرة لا يقع عنها الحال.
قلتُ: النكرة الموصوفة كالمعرفة يقع عنها الحال متأخرة، وهاهنا قد اتصف العلماء بقوله: داعين.
الثالث: أن تكون استبياناً، كأنَّ قائلاً يقول: كيف دعوتَهم إلى سَنَن سُنَنهم؟ فقال: يسلكون م: (فيما لم يؤثر عنهم) ش: فإن قلتَ: ما موضع هذه الجملة في الأحوال الثلاث؟
قلتُ: أمَّا في الأول فالنصب؛ لأنَّ الموصوف منصوب على المفعولية، وأمَّا في الثاني فالنصب على الحالية، وأمَّا في الثالث فلا محل لها من الإعراب، اللهم إلا إذا قدرنا مبتدأ
الجزء 1 · صفحة 41
مسلك الاجتهاد
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
محذوفا نحو: هم يسلكون، فحينئذ يكون موضع " يسلكون " من الإعراب رفعاً على الخبرية، وقد علم أنَّ الجملة لا تكتسي شيئاً من الإعراب إلا إذا وقعت موقع المفرد، فحينئذٍ يكتسي إعرابه محلاً.
ويسلكون: من سلكتُ الشيء في الشيء فانسلك، أي أدخلته فيه فدخل، ومصدره: سلك بفتح اللام. وأمَّا السلك بكسر السين وسكون اللام فهو الخيط. والمعنى هاهنا: يدخلون فيما لم يؤثر عنهم أي عن الأنبياء - عَلَيْهِمْ السَّلَامُ -، وهو على صيغة المجهول أي فيما لم يرو عنهم. وأصله من أثَرْتُ الحديث أثره أثرا: إذا ذكرته عن غيرك، ومنه: " حديث مأثور ": أي ينقله خلف عن سلف. قال الأعشى:
إنَّ الذي فيه تماريتما ... بَيِّنٌ للسامع والآثرِ
والأصل فيه الهمزة، وقد تلين للتخفيف.
وكلمة " ما ": موصولة، و " لم يؤثر " صلتها.
م: (مسلك الاجتهاد) ش: كلامٌ إضافي منصوب على المفعولية: أي: طريق الاجتهاد. وهو اسم مكان من سلك.
والاجتهاد: بذل الوسع والمجهود. وكذلك التجاهد، وأصله من الجَهْد وهو الطاقة، وكذلك الجُهْد بضم الجيم. ويقال: الجُهد بالضم: المشقة. والاجتهاد، عند الفقهاء: استفراغ الفقيه وسعه لتحصيل الظن بحكم شرعي.
وقيل الاجتهاد: بذل المجهود لنيل المقصود، وفيه إشارة إلى أنَّهم لا يخرجون عن المأثور عن الأنبياء - عَلَيْهِمْ السَّلَامُ - ويتبعونهم فيه، ولا يعدلون إلى الاجتهاد إلا فيما لم يُرو عنهم، فحينئذٍ يأخذون في ذلك طريق الاجتهاد، وهو أيضاً في نفس الأمر عمل بالأثر كما في «قضية معاذ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّه قال: لما بعثني النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى اليمن قال لي: " كيف تقضي إن عرض قضاء؟ "، قال: قلت: أقضي بما في كتاب الله عز وجل، قال: " فإن لم يكن في كتاب الله؟ "، قال: قلت: بما قضى به رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، قال: فإن لم يكن قضى به الرسول؟ "، قال: قلت: أجتهد رأيي ولا آلو
الجزء 1 · صفحة 42
مسترشدين منه في ذلك، وهو ولي الإرشاد وخص أوائل المستنبطين بالتوفيق
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قال: فضرب صدري وقال: " الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله» أخرجه البيهقي وغيره.
م: (مسترشدين منه في ذلك) ش: نصب على الحال من الضمير الذي في " يسلكون ": أي حال كونهم طالبين الُرشد منه، أي من الله - عز وجل -، وذلك إشارةً إلى قوله: " بما لم يؤثر عنهم ".
والرُّشد: خلاف الغَيّ، يقال: رَشَدَ بالفتح يَرشُد بالضم رُشْداً بضم الراء وسكون الشين، ورشِدَ بالكسر يرشُد بالضم، رَشَداً بفتحتين لغةٌ فيه. والإرشاد إفعال منه، يقال أرشده إرشاداً إذا دله على الخير.
م: (وهو وليُّ الإرشاد) ش: أي: الله تعالى هو المُرشد والإرشاد بيده، وهو وليُّه، والوليّ: بمعنى الصاحب، وأصله: وَلِي على وزن فَعِيل، من وَلِيَ الرجل الأمرَ يَلِيه ولايةً: إذا تَقلَّدَه، والوَليُ: القُرب والدُنو. وهذه الجملة الاسمية في محل النصب على الحال، وقد عُلم أنَّها إذا وقعت حالاً لا بد فيها من الواو إلا ما ندر، نحو: كلمته فُوه إلى فِيَّ.
م: (وخصَّ أوائل المُستنبطين بالتوفيق) ش: خصَّ، جملة من الفعل والفاعل وهو الضمير المستتر فيه الذي يرجع إلى " الله " عُطِفَ على قوله: " أعلى معالم العلم " من خَصه بالشيء خصوصاً وخصوصيةً وخِصِّيصي، واختصه بكذا، أي خصَّه به، والأوائل جمع " أوَّل "، وهو نقيض الآخر، وأصله: أوْألٌ على وزن أفعل مهموز الأوسط، قلبت الهمزة واواً وأدغمت الواو في الواو.
الجزء 1 · صفحة 43
........................................................................
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ..........
وقال بعضهم: أصله: وَوْألٌ على وزن فَوعَل، قلبت الواو الأولى همزة، وإنما لم يُجمَع على أوَاوِل لاستثقالهم اجتماع الواوين بينهما ألف الجمع.
قوله: المستنبطين، من الاستنباط وهو الاستخراج، وأصله من نَبِط الماءُ يَنبُط ويَنبِط نُبُوطاً، نَبَعَ. وانبط الحَفَّار: بَلَغَ الماء.
وعند الأصول، الاستنباط: استخراج الوصف [المؤثر من النص او الإجماع لإبانة الحُكم في موضع آخر لوجود ذلك الوصف] فيه.
وقال الشيخ قوام الدين وغيره: «المراد من " أوائل المستنبطين ": هو أبو حنيفة نعمانُ بن ثابت الكوفي، وصاحباه أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم الأنصاري، ومحمد بن الحسن الشيباني - رَحِمَهُمُ اللَّهُ -، فإنَّهم الذين مهَّدوا قواعد المسائل حتى قيل: إنَّ ما وضعه أصحابنا من المسائل الفقهية هو ألفُ ألفٍ ومائةُ ألفٍ وسبعونَ الفاً ونيف مسألة».
[وقال الخطيب موفق بن أحمد المكي في مناقب أبي حنيفة عن مالك بن أنس وقد قيل له: كم قال أبو حنيفة في الإسلام؟ قال: ستين ألفاً، يعني مسائل.]
ثم قال الخطيب: «ذكر الثقة أنَّ أبا حنيفة قال في الفقه ثلاثة ًوثمانينَ ألفاً وثمانيةً وثلاثين أصلاً في العبادات، وخمسة وأربعين أصلاً في المعاملات». وقال غيره: إنَّ أبا حنيفة وضع ثلاثمائة أصل، كلُ أصل يُخَرج منه عدةٌ من الفروع.
الجزء 1 · صفحة 44
حتى وضعوا مسائل من كُلِّ جلي ودقيق.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وذهاب قوام الدين وغيره في قوله: " أوائل المستنبطين " إلى أنَّ المُراد منه أبو حنيفة وصاحباه؛ نظراً إلى أنَّ هذا الكتاب في بيان مذهب أبي حنيفة، فلذلك خَصصوه بهذا، ولكن لا يلزم من ذلك التخصيص بل الظاهر أنَّ المراد فقهاء الصحابة والتابعين أو سائر المجتهدين من الفقهاء المتقدمين؛ لعموم الكلام.
قوله: بالتوفيق، يتعلق بقوله " خصَّ "، وهو حُسْنُ عناية الله لعبده.
وقال بعض أهل الكلام: «التوفيق: خلق الله قدرة الطاعة، والخذلان: خلق قدرة المعصية».
م: (حتى وضعوا مسائل من كُلِّ جلي ودقيق) ش: حتى: للغاية بمعنى إلى، والمسائل: جمع مسألة، وهو موضع السؤال، كذا قال بعضهم، وليس كذلك، بل المسألة مصدر.
قال الصاغاني: «سألته الشيء، وسألته عن الشيء، سؤالاً ومسألة».
قوله: " من كل جلي " كلمة " من " للبيان، وموضعها النصب على الوصفية، تقديره مسائل جَليّة ودقيقة. والجليّ: الظاهر، وهو نقيض الخفي، وأراد به المسائل القياسية لظهور إدراكها.
وقال صاحب " النهاية ": «نظيرها إذا وقعت البعرة في البئر، فيه قياس واستحسان. فالقياس: أن تُفسِد الماء لوقوع النجاسة في الماء القليل، هذا دليلٌ ظاهرٌ دركه، والاستحسان:
الجزء 1 · صفحة 45
غير أنَّ الحوادث متعاقبة الوقوع
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أن لا يفسد؛ لأنَّ آبار الفلوات ليس لها رؤوس حاجزة، والمواشي تبعر حولها، وتلقيها الريح فيها، فجُعل القليل عفواً للضرورة، ولا ضرورة في الكثير، وهذا دليل خفيٌّ دَركه».
قلتُ: تخصيص الجلي بالمسائل القياسية فيه نظر؛ لأنَّه قد تكون مسألةٌ قياسيةٌ في غاية الدقة، ومسألةٌ استحسانيةٌ في غاية الجلاء والظهور.
قوله: " ودقيق ": من دق الشيء يدق دقةً: أي صار دقيقاً، وهو خلاف الغليظ. والدُقاق بالضم والدِق بالكسر مثل الدقيق.
م: (غير أنَّ الحوادث متعاقبة الوقوع) ش: هذا استثناء من قوله " حتى وضعوا " ومضاف إلى قوله " أنَّ الحوادث ". وهو اسم ملازم للإضافة في المعنى، ويجوز أن تقطع عنها لفظاً إنْ فُهِمَ معناه، ويستعمل في الكلام على وجهين:
أحدهما: وهو الاصل فيه، أن يكون صفة للنكرة، نحو قَوْله تَعَالَى: {نعمل صالحاً غير الذي كنا نعمل}، أو لمعرفة قريبة منها، نحو: {صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم}.
والثاني: أن يكون استثناءً، فيعربُ بإعراب الاسم الثاني إلا في ذلك الكلام، تقول: جاءني القوم غير زيدٍ بالنصب، وما جاءني من رجلٍ غير زيد، بالنصب والرفع، وهو هاهنا من هذا القبيل.
(والحوادث) جمع حادثة، وأراد بها المسائل الواقعة بين الناس.
وقوله: (متعاقبة الوقوع): كلام إضافي مرفوع؛ لأنَّه خبر أن.
واعلم أنَّ هذا الاستثناء جواب عن سؤال مقدر، تقديره أن يقال: إذا كان أوائل المستنبطين وضعوا مسائل من كل جلي ودقيق، فأي حاجة تدعو إلى الاستنباط والتصنيف بعدهم؟ فأجاب بقوله: " غير أنَّ الحوادث " إلى آخره، تقديره أنَّه قال: نعم، وإن كان الأمر كذلك لكن الحوادث متعاقبة الوقوع: أي يقع شيء منها عقيب شيء، فلا تنقطع.
الجزء 1 · صفحة 46
والنوازل يضيق عنها نطاق الموضوع
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
والنوازل تنزل ساعة فساعة، فلا يستوعب جمعها نطاق موضوعات الأوائل؛ فاحتيج إلى وضع آخر على حسب حادثة تحدث ونازلة تنزل.
فحاصل الكلام هذا إشارةً إلى وجه شروعه في تصنيف هذا الكتاب، والكلام مع أنَّه قد جرى منه وعدٌ بالشرح في مَبدأ البداية فلا يجوز خلفه في الديانة.
م: (والنوازل يضيق عنها نطاق الموضوع)
ش: " النوازل ": بالنصب، عطف على قوله " أنَّ الحوادث "، تقديره: وأنَّ النوازل، وهو جمع نازلة، وهي الأمور الواقعة بين الناس.
قوله: " يضيق ": فعل، وقوله: " نطاق الموضوع " كلامٌ إضافي فاعله. والنِطاق بكسر النون هو المنطقة.
وقول الجوهري: «النطاق: شُقَّةٌ تلبسها المرأة وتشد وسطها، ثم تُرسل الأعلى على الأسفل إلى الركبة، والأسفل يجرُّ على الأرض، وليس لها حُجْزة ولا نَيْفَق ولا ساقان، والجمع نُطُق، وكان يقال لأسماء - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - ذات النطاقين»
وأراد بالموضوع ما وضعه الأوائل من التي استنبطوها. وانَّ والألف واللام فيه بدل من المضاف إليه، تقديره: نطاق موضوع الأوائل من المستنبطين.
وبين قوله " الوقوع " و " الموضوع " سجع مطرف، وفي قوله: " نطاق الموضوع " استعارة تخييلية؛ لأنَّ الموضوع لا نطاق له وإنَّما استعير النطاق للأجوبة المنقولة عن السلف في الفتاوى.
وفي قوله: " يضيق عنها " استعارة ترشيحيّة، وأراد بضيق النطاق عدم كفاية موضوعهم لجميع الحوادث.
الجزء 1 · صفحة 47
واقتناص الشوارد بالاقتباس
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
م: (واقتناص الشوارد بالاقتباس من الموارد) ش: هذه جملة مستقلة بذاتها، وليس لها موقع من الإعراب، لعدم وقوعها موقع المفرد، وتعلقها بما قبلها كأنَّها جواب عن سؤال ينشأ عن الكلام المتقدم، تقديره أن يقال: لمَّا كانت الحوادث كَثُرَ وقوعها، والنوازل تضيق عنها موضوعات الأوائل فكيف ينكشف ما كان شارداً منها وما لم يوقف عليه من النصوص؟
فأجاب بقوله: " [واقتناص الشوارد] بالاقتباس من الموارد "، يعني: اكتساب النوازل من الحوادث التي يعسر دركها، ويحتاج فيها إلى الاستنباط بالاقتباس، والأخذ من موارد النصوص، [يعني: بالإطلاع] على الأوصاف المؤثرة، وفيه إشارةٌ [أيضاً إلى أنَّه قادرٌ على الاستنباط فيما لم يُرو عن السلف، ولم يؤثر عنهم لكونه مطلعاً على مناط الحكم.]
" الاقتناص ": من اقتنص: إذا اصطاد وكذلك قَنَصَ ومصدره قَنْصٌ بالسكون. وأمَّا القَنَص بتحريك النون، فهو الصيد، وكذلك القَنِيص.
والشوارد: جمع شاردة، [من شَرَدَ البعير يَشرُد شُروداً وشراداً فهو شَاردٌ وشَرُود]، والجمع شَرَدٌ [مثل خدم وخادم]. والاقتباس: من اقتبستُ [منه علماً اي استفدته، وكذلك اقتبست منه] ناراً، أي أخذتُ منه قبساً وهو شُعلةٌ من نار، وكذلك المِقباسُ، يقال: قَبَستُ منه ناراً أقبَسُ قَبْساً فأقبَسَني أي: أعطاني منه قَبَساً.
الجزء 1 · صفحة 48
من الموارد، والاعتبار بالأمثال من صنعة الرجال
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(والموارد): جمع مَوْرِد، من وَرَدَ فلان وروداً: حَضَرَ. وأراد بها موارد النصوص من الكتاب والسنة.
وهذا التركيب مشتملٌ على أنواع من محاسن البديع:
الأول: فيه استعارة تخييلية، واستعارة ترشيحية. [التخييلة في قوله: " الشوارد "، حيث شبه الحوادث بالوحش الشارد على وجه التخييل. والترشيحية] في قوله: " اقتناص "، حيث أورد صفة ملائمة للمستعار منه وهو الاقتناص على سبيل الترشيح.
الثاني: فيه جِناس لاحق بين قوله: " الشوارد " و " الموارد " نحو قَوْله تَعَالَى: {ويل لكل همزة لمزة} وقوله: {وإذا جاءهم امر من الأمن} وقوله تعالى: {ذلكم بما كنتم تفرحون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تمرحون} كل هذا جناس لاحق.
الثالث: فيه سَجع ترصيع، نحو قول الحريري: «فهو يطبع الأسجاع بجواهر لفظه، ويقرع الأسماع بزواجر وعظه».
م: (والاعتبار بالأمثال من صنعة الرجال) ش: الاعتبار مبتدأ، وخبره: من صنعة الرجال، والجملة معطوفة على ما قبلها، وهي جواب عن سؤال ينشأ من الجملة المتقدمة، تقديره أن يقال: إذا كان اقتناص الشوارد، والنوادر من الأحكام لا يكون إلا بالاقتباس من موارد النصوص يكون ذلك أمراً عظيماً؛ لا يقدرعلى ذلك إلا السلف المشهورون بالاستنباط وإدراك المعاني الخفية، فأجاب عنه بقوله: " والاعتبار بالأمثال من صنعة الرجال "، يعني إظهار الأحكام بالقياس من صنعة الرجال الكاملين فيه، والسلف كانوا رجالاً كاملين، ونحن
الجزء 1 · صفحة 49
وبالوقوف على المآخذ يعضُّ عليها بالنواجذ.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أيضاً رجال يَسوغُ لنا الاعتبار بالأمثال، كما ساغ لهم ذلك. وهذا كقول أبي حنيفة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - في حق التابعين: هم رجالٌ ونحن رجال نزاحمهم كما يزاحموننا.
وهذا في الحقيقة اعتذار عن شروعه في التصنيف. " والاعتبار": مصدر من اعتبرتُ الشيء: إذا رددته إلى نظيره.
" والأمثال ": جمع مِثل بكسر الميم، كالأشباه جمع شِبْه، وأراد بها المقيس عليه. وفيه من المحاسن اشتماله على سجع مطرّف، وهو ما يختلف فيه الفاصلتان، نحو قَوْله تَعَالَى: ما لكم لا ترجون لله وقاراً}، {قد خلقكم أطواراً} وإن لم يختلفا فهو سجعُ ترصيع.
م: (وبالوقوف على المآخذ يعض عليها بالنواجذ) ش: وبالوقوف عطف على قوله بالأمثال، والتقدير: قياس الأحكام على نظائرها من صنعة الرجال الكاملين، وبالوقوف على مآخذ الأحكام من: وقفت الدابة تقفُ وقوفاً، ووقفتها انا متعدى ولا يتعدى.
وقوله: " يُعضُّ عليها ": جملة فعلية وقعت حالاً من المآخذ. وقد عرف أنَّ الجملة الفعلية إذا وقعت حالاً وكان فعلها مضارعاً مثبتاً لا يحتاج إلى الواو، بل يجوز نحو: جاء الأمير تُقادُ الجنائب بين يديه. وأشار بهذا التركيب إلى صعوبة الوقوف على مآخذ الأحكام، وأنَّه من صنعة الرجال الكاملين لا من صفة كلِّ احدٍ.
وقال الشيخ قوام الدين: «قوله: " بالوقوف " إلى آخره: جواب عن سؤال مقدر، بأن يقال: نعم، إنَّ موضوعات المتقدمين لا تكفي جميع الحوادث، لوقوعها متجددة. وهذا المعنى يقتضي التصنيف والاستنباط، ولكن هل فيك تلك الصلاحية حتى اجترأت على التصنيف؟
الجزء 1 · صفحة 50
........................................................................
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ...........
فأجاب عنه وقال: نعم؛ لأنَّ السلف لم يقع صنيعهم على ما عليه من الحُسن والإحكام إلا باعتبار وقوفهم على مآخذ الأحكام، فنحن نشاركهم في هذا المعنى».
قلتُ: هذا كلام بعيد جداً لا يقتضيه معنى التركيب، ولا يوافق مراد المصنف على ما لا يخفى على الفطن. والظاهر أنَّ المراد من هذا الكلام والذي قبله أنَّه أراد بهذا هضم نفسه عن رتبة التصنيف؛ لأنَّ ذلك بالاعتبار بالأمثال، وبالوقوف على مآخذ الأحكام، ولكن لمَّا جرى الوعد منه في [مبدأ " بداية] المبتدي " بشرح " بكفاية المنتهى "، على ما صرَّح به في المتن شرع فيه لأجل وفائه بوعده، وإن كان لا يرى نفسه من رجال هذا الميدان. وأشار بهذا إلى أنَّ مآخذ الأحكام والوقوف عليها لا يحصل إلا بمعاناة الشدة في ذلك، وهو معنى قوله: " يعضُّ عليها "، [أي على " المآخذ "] بالنواجذ. [والعض بالنواجذ كناية عن الإحكام والإتقان بعد نَصَبٍ عَرِيض، والشخص إذا أراد شدة الأخذ يعضُّ بالنواجذ،] وهي بالذال المعجمة، جمع ناجذ، وهو آخر الأضراس، وللإنسان أربعة نواجذ، في أقصى الأسنان بعد الأرحاء، ويسمى: ضِرس الحُلْم؛ لأنَّه ينبت بعد البلوغ وكمال العقل. ويقال: ضَحِكَ حتى بدت نواجذه: إذا استغرق فيه. وفيه من السجع المطرف، وقد بيناه فيما مضى.
الجزء 1 · صفحة 51
وقد جرى علي الوعد في مبدأ بداية المبتدي " أن أشرحها، بتوفيق الله تعالى، شرحاً أرسمه " بكفاية المنتهى "
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
م: (وقد جرى علي الوعد في مبدأ " بداية المبتدي " أن أشرحها بتوفيق الله - تعالى - شرحاً أرسمه بكفاية المنتهي) ش: أصل جرى من الجريان، يقال: جرى الماء وغيره جَرْياً وجَرَياناً، وأجريته أنا. ولمَّا ضَمَّن جرى هاهنا معنى وَرَد، َ عُدِّيَ بعلى، وهو فعل ماض وفاعله " الوعد ". وكلمة " قد " فيه للتحقيق، والمَبدأ بفتح الميم موضع البَدْء، والبِداية، بكسر الباء، مصدر بَدَأ، يقال بَدأت بالشيء بَدْءاً: ابتدأتُ به، وبَدأتُ الشيء: فَعَلتُه. والمُبتَدئ: فاعل من الإبتداء. قوله: " أن أشرحها ": أي: بأن أشرحها، وهو متعلق بالوعد. و " وأن ": مصدرية. والتقدير: وقد جرى علي الوعد للأصحاب بأن أشرح " بِدَايةَ المُبتَدي ". الباء في " بتوفيق الله " يَتعلّق بأشرحها، ومحلها النصب على الحال، تقديره: متلبساً بتوفيق الله - تعالى -: وهو تيسيره علي ذلك.
قوله: " شرحاً " نصب على المصدرية.
قوله: " أرسمُه ": جملة من الفعل والفاعل والمفعول، في محل النصب على أنَّها صفةُ " لشرحاً ": من رَسَم الشيء: إذا عَلَّم عليه. ورسم عليه: إذا كتب. والمعنى هاهنا: أُسَمِّيه. فإن قلت: الواو في " وقد جرى " ما هي؟
قلتُ: يجوز أن تكون عاطفة عطف جملة [على جملة]، ويجوز أن تكون حالية.
فإن قلتَ: كيف وجه ذلك في الموضعين؟
قلت: أمَّا في الأول، فتكون فيه إشارة إلى هضم نفسه، وإلى أنَّه غير أهل للتصنيف؛ لأنَّ الاعتبار بالأمثال والوقوف على المآخذ من صفة الرجال الكاملين، وهو ليس منهم، ولكن
الجزء 1 · صفحة 52
........................................................................
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ .لمَّا جرى عليه الوعد في مبدأ " بداية المبتدي " شرع فيه حال كون الوعد يُسَوِّغُ بعض المساغ، لئلا يكون ممن إذا وعد أخلف، فيدخل تحت الوعيد.
وأما في الثاني: ففيه إشارة إلى أنَّ فيه صلاحية للتصنيف، وأنَّه من أهله، وأنَّه حصل له الوقوف على المأخذ بالإتقان، كما حصل لهم، فحينئذٍ جاز له الاعتبار. والحال أنَّه قد جرى عليه الوعد، وهو مما يُسَوِّغُ بعض المساغ، يعني منفرداً عن صلاحية الواعد للإتيان بالموعود فكيف مع الصلاحية؟.
واعترض الشيخ قوام الدين في هذا المقام، فقال: «قال بعض الشارحين فيه بيان أنَّ المصنف لم تتأهل نفسه للشرح».
ثم قال: «يعني أنَّ المانع، وهوعدم الصلاحية، متحققٌ، إلا أنَّ الوعد يحرض عليه، [ولولاه لامتنعتُ]».
ثم قال: «قوله هذا كلامّ صادرٌ لا عن تفُّكر وتبصُّر؛ لأنَّ سياق كلام المصنف في قوله: " غير أنَّ الحوادث " يُنَفِّرُ عن ذاك أو يأباه، الا يُرى إلى ما نادى بأعلى صوته في قوله: " والاعتبار بالأمثال من صنعة الرجال " مثبتاً صلاحيته مُدعياً كماله، فإذا حَقَقت ما بَيَّنتُه قُبَيل هذا عرفت مَزلَّ قدم الشارح».
الجزء 1 · صفحة 53
فشَرَعتُ فيه والوعدُ يُسَوِّغُ بعض المَساغ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
قلتُ: أراد بهذا الحط على صاحب " النهاية وتاج الشريعة "، وكلامه هو صادر عن غير تَفَكُّر؛ لأنَّ قوله: " غير أنَّ الحوادث " فكيف ينفر عن ذاك؟ وأيُّ دليل من أنواع الدلالات يدل عليه؟ لأنَّه الذي يقتضيه فحوى التركيب ومعنى الترتيب، الوجهين اللذين ذكرناهما، ولا
ترجيح لأحدهما على الآخر، بل الوجه الذي ذهب إليه صاحب " النهاية وتاج الشريعة "، لدلالة القرائن عليه، فافهم.
م: (فشَرَعتُ فيه) ش: أي في الشرح المسمى " بكفاية المنتهي ". والفاء فيه للسببية، وذلك لأنَّ وعده كان سَبباً لشروعه فيه.
م: (والوعد يُسَوِّغُ بعض المَسَاغ) ش: يُسَوِّغ، أي يُجَوِّز. يقال: سَاغَ له ما فعل: أي جَازَ له ذلك. وأنا سَوَّغته له، أي: جَوّزته. والمَساغ بفتح الميم، مصدر ميمي بمعنى التَسويغ أي التجويز. والجملة وقعت حالاً من التاء في " شرعتُ ".
فإن قلتَ: الجملة الحالية [تحتاج إلى ضمير يرجع إلى ذي الحال.
قلتُ: يجوز إخلاء الجملة الحالية] عن الضمير إذا أجريت مجرى الظرف لانعقاد الشبه بينهما حينئذٍ، نحو قولك: أتيتك والجيش قادم، والمعنى: أتيتك هذا الوقت. والظرف لا يفتقر إلى ضميرٍ عائدٍ منه إلى ما تَقَدَّمه، فكذا ما جري مجراه. وكذلك حكم الجملة الواقعة خبراً عن ضمير الشأن على ما تقرر في موضعه.
قوله: " بعض المساغ ": كلام إضافي منصوب بقوله: " يُسَوِّغ ".
الجزء 1 · صفحة 54
........................................................................
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ....وقال الشيخ قوام الدين: «و" بعض المساغ " منصوب على أنَّه مفعول مطلق، مثل قوله تعلى: {والله أنبتكم من الأرض نباتاً} فقرن بالفعل غير مصدره كما في الآية».
قلتُ: ليس الأمر كذلك من وجهين:
الأول: أنَّه يلزم، على ما ذكره، أن تكون لفظة " بعض " في حكم المطروح، وليس كذلك. بل هو مقصود بالذكر؛ لأنَّه أشار [به إلى أنَّ الوعد بالتبرع غيرُ مُوجب؛ وانَّما هو يجوز حيناً، والمصنف أشار] إلى ذلك بقوله: وتحقيقه أنَّ موعدي بعض الجائزات والممكنات، فمن الجائز وقوع بعض الممكنات [وإن لم تقع كلها عادةً فيجوز أَنْ يقع موعودي؛ لأنَّه بعض الممكنات] لا كلها، فلأجل هذا شرعت في الشرح رجاء أن يكون موعودي من ذلك البعض الواقع في الواقع. فإذا كان كذلك كيف يكون انتصاب " بعض المساغ " على أنَّه مفعول مطلق؟ بل هو منصوب على أنَّه مفعول به. ومع هذا يلزم على تقديره هذا أن يُقرأ يَسُوغ بالتخفيف دون التشديد.
الوجه الثاني: أنَّ تمثيله بالآية غير صحيح؛ لأنَّ نباتاً وقع مفعولاً لقوله أنبتكم على معنى " إنباتاً " وليس وقع ههنا لفظ المساغ، مفعولاً لقوله: " يسوغ "، وإنَّما المفعول ههنا لفظة " بعض " على ما ذكرنا، والمفعول ههنا مفعول به، والذي في الآية مفعول مطلق فكيف تتحقق المماثلة بينهما؟!.
الجزء 1 · صفحة 55
وحين أكاد أتكئ عنه اتكاء الفراغ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
م: (وحين أكاد أتكئ عنه اتكاء الفراغ) ش: بين هذا الكلام وبين ما قبله من السجع المطرف، ولهذا قدم لفظة " عنه "؛ لأجل السجع، وإلا فحقه أن يقال: أتكئ اتكاء الفراغ عنه.
[قوله: " أكاد ": من أفعال المقاربة، يقال، كاد يفعل كذا يكاد كَودَاً ومكادةً أي قَارَبَ ولم يفعل.] ولها اسم وخبر، إلا أنَّ خبرها يجب أن يكون فعلاً مضارعاً متأولاً باسم الفاعل، نحو: كادَ زيدٌ يَخرجُ، الأصل: كادَ زيدٌ خارجاً. ويستعمل بغير " أن "، وربما يُستعمل استعمال عسى [في إثبات " أن " بعدها. قال الشاعر:
قد كادَ من طول البلى أنْ يُمحَّصا
وقد يستعمل عسى] بغير "أن" تشبهاً بكاد. قال الشاعر:
عسى الكربُ الذي أمسيت فيه ... يكون وراءه فرجٌ قريبُ
قوله: " أتكئ عنه ": أي عن الشرح. يقال: إتكأ على الشيء فهو مُتكئٌ، والمَوضِعُ مُتكَأ.
وقال صاحب " النهاية ": «عُدِّىَ الإتكَاءُ بعن، وإن كان هو يُعَدَّى بعلى، لتضمين معنى الفراغ، كما في قَوْله تَعَالَى: {فصرهن إليك} على تضمين معنى الإمالة.
وتبعه على ذلك صاحب " الدراية "».
الجزء 1 · صفحة 56
تبينت فيه نبذاً من الإطناب، وخشيت أن يُهجر لأجله الكتاب
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقال الشيخ قوام الدين: «فيه نظر؛ لأنَّه حينئذٍ يكون معناه: أفرغُ عنه فراغَ الفَراغ، وهو كما ترى فاسدٌ من العبارة. وصِحَّتُه عندي أنَّه من باب التقديم والتأخير، أي: أتكئُ إتكاءَ الفراغ عنه، أي عن الشرح وهو " الكفاية "» وتبعه على ذلك الشيخ أكمل الدين.
ويمكن أن يقال: التضمين صحيح، والفراغ يكون بمعنى الفارغ، لما يقال: رجلٌ عدلٌ بمعنى عَادل، للمبالغة، فلا يلزم ما ذكر من المحذور.
م: (تبينتُ فيه نبذاً من الإطناب وخشيتُ أن يُهجر لأجله الكتاب) ش: أي: علمت فيه، هكذا فسره الشُرَّاح. وأصل معناه. الظهور. يقال: بانَ الشيءُ بياناً: اتضح فهو بَيِّن، [وكذلك أبانَ الشيء فهو مُبِين]. وأبَنتُه أنا أي: أوضحته، واستبان الشيء: ظهر. وتَبينتُه أنا، يتعدى هذه الثلاثة ولا تتعدى. والتبيين: الإيضاح، [والتبيين ايضاً] الوضوح. وفي المثل: قد بَيَّن [الصبحُ لذي عينين] أي: تبين.
قوله: " فيه ": أي في الشرح المذكور.
قوله: " نَبْذاً ": بفتح النون، وسكون الباء الموحدة، وفي آخره ذال معجمة، أي: شيئاً يسيراً. يقال: أصابَ الأرضَ نبذٌ من مطر، أي: شيئاً يسيراً.
والإطناب: من أطنب في الكلام: إذا بالغ فيه.
وفي الاصطلاح: الإطناب: أداءُ المقصود بأكثر من العبارة المتعارف بها.
قوله: " أن يهجر ": أي: يُترك، قال الجوهري: «هُجِرَ، أي: تُرِكَ.»
قوله: " لأجله ": أي لأجل الإطناب.
وقوله: " تَبيَّنت " عامل في قوله " حين ". وقوله " أتكئ ": جملة خبر " كاد ". وقوله: " اتكاء الفراغ ": كلام إضافي منصوب على المصدرية.
الجزء 1 · صفحة 57
فصرفت العنان والعناية إلى شرحٍ آخر موسومٍ بالهداية، أجمعُ فيه بتوفيق الله تعالى
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقوله: " نبذاً " مفعول تبينتُ، وقوله: " أن يُهجَر " في محل النصب على المفعولية، و "أن" مصدرية. و التقدير" خشيتُ هجرَ الكتاب " أي: تركه لأجل الإطناب.
م: (فصرفتُ العِنان والعناية) ش: الفاء للسببية. و " صرفت " من الصرف، وهو الرَدْ. يقال: صرف الله عنك الأذى، أي: ردَّه. والمعنى هاهنا وجهت. و" العِنان " بالكسر مفعول " صرفت "، وهو في الأصل، عِنان الفرس، ولكن أراد به هاهنا عِنان خاطره.
" والعِناية ": اسم من عَنى يعني، من باب ضَرَبَ يضرِبُ. يقال: عَنَيتُ بالقول كذا، أي: أردتُ.
ويقال عَنِيَ عَنْياً ومعناً ومعنياً، وعَنَى يَعْنُو عنواً وعنياً، معناه: خَضَعَ. والمعنى هاهنا: عناية القلب. ويقال: أراد بالعنان: الظاهر، وبالعناية: الباطن، ويقال: أراد بالعنان العلم، وبالعناية القلب.
م: (إلى شرحٍ آخرَ موسومٍِ بالهداية) ش: إلى متعلق بقوله " صرفت ". و " آخر ": على وزن أفعل غير منصرف للصفة ووزن الفعل. " موسوم ": أي مسمى. وهذا بالجر صفةٌ لشرح.
و" موسوم " من وَسَمَ يَسِمُ وَسْماً وسِمَةً: [إذا أثرت فيه بشيء]. والهداية في الأصل مصدر، ولكن جُعلت هاهنا عملا للكتاب.
م: (أجمعُ فيه) ش: أي في شرح آخر، الذي سماه " الهداية "، وهو جملة من الفعل والفاعل وهو الضمير المستتر فيه، ومحلها النصب على الحال من الضمير الذي في " صرفت"، وهو من الأحوال المقدرة.
م: (بتوفيق الله تعالى) ش: أي تيسيره وعونه.
الجزء 1 · صفحة 58
بين عيون الرواية، ومتون الدراية، تاركاً للزوائد في كل باب، معرضاً عن هذا النوع من الإسهاب، مع ما أنَّه يشتمل على أصول ينسحب عليها فصول
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
م: (بين عيون الرواية ومتون الدراية) ش: العامل في " بين " أجمع. و" العيون " جمع عين الشيء، أي: خياره، وأراد به ما نَقَلَ العلماء من المسائل المختارة. " والرواية ": مصدر: روى. " والمتون ": جمع متن الشيء، أي: قوَّته. ومنه سمي الظَهْرُ متناً؛ لأنَّ بالظهر قوة البدن وقوامه. يقال: متن (الشيء متنا)، وبالضم متانة فهو متين: إذا صَلُب، " والدارية ": مصدر دَرَى، وأراد ما يُستَنبَطُ من العلوم. والحاصل أنَّ عيون الرواية هي التي اختارها العلماء، ومتون الدراية المعاني المؤثرة والنكات اللطيفة.
م: (تاركاً للزوائد في كلِّ باب، معرضاً عن هذا النوع من الإسهاب) ش: " تاركاً ": حال من الضمير الذي في " أجمع "، وكذلك " معرضاً ": حال، إما من [المتداخلة] أو من المترادفة، والمراد من " الزوائد " الفروع الأخرى التي ذكرها غيره، وأشار بقوله: " عن هذا النوع من الإسهاب [" إلى ما وقع في " كفاية المنتهي " من الإسهاب] أي: الإكثار في الكلام.
يقال: أسهب الرجل: إذا أكثر من الكلام، فهو مُسهَب بفتح الهاء، ولا يقال بكسرها وهو نادرٌ وخارج عن القانون. وأسهَبَ الفرس: اتسع في الجري وسبق. وبين " الباب " و " الإسهاب " جناس أيضا كما بين الرواية والدراية.
م: (مع ما أنَّه يشتمل على أصول تنسحب عليها فصول) ش: كلمة " مع " للمصاحبة. " وما " مصدرية.
فإن قلتَ: " مع " اسم أو حرف؟.
قلتُ: اسم، بدليل دخول التنوين عليها في قولك " معاً "، وتسكين عينها لغة تميم، وربيعة، بلا ضرورة خلافاً لسيبويه، وتستعمل مضافةً، وتكون ظرفاً، ولها حينئذٍ ثلاثةُ معانٍ:
الجزء 1 · صفحة 59
وأسال الله أن يوفقني لإتمامها، ويختم لي بالسعادة بعد اختتامها حتى إنَّ مَنْ سَمَت همَّته إلى مزيد الوقوف يرغب في الأطول والأكبر
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أحدهما: موضع الاجتماع، ولهذا يخبر بها عن الذوات، نحو: {والله معكم}.
والثانية: مرادفة عند.
والثالثة: زمانية، نحو: جئتك مع العصر.
وهاهنا على المعنى الأول، والتقدير: مع شمول الذي أجمعه على أصول تنسحب عليها فصول من الفروع.
ويشمُل، بفتح الميم، من شملهم الأمر: إذا عمَّهم،
" والأصول ": جمع أصل، وهو ما يبنى عليه غيره.
وينسحب: من سحبت ذيلي فانسحب، أي: جررته فانجر.
" والفصول ": جمع فصل، وهو في اللغة: القطع، يقال: فصلت بين الشيئين: إذا فرقت بينهما. وأراد بالفصل هاهنا، الحاجز بين الحكمين في الفروع التي يوردها في كتابه. وبين الأصول والفصول جناس.
م: (وأسأل الله أن يوفقني لإتمامها، ويختم لي بالسعادة بعد اختتامها) ش: أسأل الله، جملة دعائية ولا محل لها من الإعراب. و " أن يوفقني ": في محل النصب على المفعولية. و " أنْ " مصدرية، والتقدير: أسأل الله التوفيق، وقد مر تفسيره مرةً.
قوله: " ويختم " عطف على " أنْ يوفقني ". و " بعد ": نصب على الظرفية، والعامل فيه قوله: " يختم " وفيه من السجع والتزيين للكلام.
م: (حتى إنَّ من سَمَتْ هِمَّتُه إلى مزيد الوقوف يرغب في الأطول والأكبر) ش: حتى للغاية في الأصل، ولكن هاهنا فيها معنى التعليل، وليست للجر بدليل " إنَّ " بعدها بالكسر، ولو كانت للجر لفتحت همزة " إنَّ "؛ لأن القاعدة: أن حرف الجر إذا دخلت على"إنَّ" فتحت همزتها
الجزء 1 · صفحة 60
ومن أعجله الوقت عنه يقتصر على الأقصر والأصغر،
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نحو: {ذلك بأن الله هو الحق}.
فإن قلتَ: [حتى هذه] ترتبط بماذا؟ قلت: بقوله: " فصرفت العنان والعناية "، ويجوز أن يرتبط بقوله: " تاركا للزوائد، في كل باب مُعرضا عن هذا النوع من الإسهاب "، وذكر هاهنا شيئين: تركه للزوائد، وإعراضه عن التطويل، وذكر في مقابلتهما شيئين: الرغبة في الأطول والأكبر، والاقتصار على الأقصر والأصغر. وأشار إلى أنَّ من كانت همته عالية يرغب في الفصل الأول، ومن كانت همته قاصرة يقتصر على الفصل الثاني.
قوله: " سَمَتْ ": أي: عَلَتْ، من السمو وهو العلو. والهِّمة، بكسر الهاء: ما يهم فيه الرجل بقلبه وقالبه. وجاء الفتح في الهاء.
قوله: " مزيد الوقوف ": أي زيادة الوقوف على [الأسماء الكثيرة] من الفروع.
قوله: " يرغب ": من رغب في الشيء: إذا أراده، رغبةً ورغباناً بالتحريك، وارتغب فيه مثله. ورغب عن الشيء: إذا لم يُرِدْهُ. ومحل " يرغب " الرفع؛ لأنَّه خبر لقوله " مَنْ سَمَت " والأطول يقابله القصير، والأكبر يقابله الصغير، والأشياء تتبين بضدها.
م: (ومن أعجله الوقت عنه يقتصر على الأقصر والأصغر) ش: أعجله بمعنى عجَّله أي: استحثه عنه أي عن مريد الوقوف. وفيه من محاسن الكلام اشتماله على الطِباق، ويسمى المطابقة: وهي الجمع بين المتضادين، يعني معنيين متقابلين في الجملة، فإنَّ ذِكْرَ الأطول وذكر ما يقابله وهو الأقصر، وذِكْر الأكبر وذكر ما يقابله وهو الأصغر من هذا الباب. وفيه من المحاسن اشتماله على السَجع. وفيه أيضا إسنادٌ مجازي، وهو إسناد" أعجل" إلى الوقت، وهو مجازٌ عقلي، كما في قوله: " قيام الليل وصيام النهار ". وأشار بهذا الكلام إلى أنَّ طُلاب العلم على قسمين: أحدهما: من همَّته عالية لا يقنع بالقليل منه، والآخر: من هِمَّته قاصرة يقنع باليسير منه
الجزء 1 · صفحة 61
وللناس فيما يعشقون مذاهب، والفن خير كله.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ويجوز أن تكون هذه القسمة من جهة سَعَةِ الوقت وضيقه على ما لا يخفى.
م: (وللناس فيما يعشقون مذاهب والفن خير كله) ش: هذا شطر بيت وقبله: " ومن عادتي حب الديار لأهلها " وهو من قصيدة بائية من الطويل قالها أبو فراس واسمه هَمَّام، وقيل هُمَيم بالتصغير [ابن غالب التميمي]، وفَرَزْدَقْ لقبه لُقِّبَ به؛ لأنَّه كان جَهْم الوجه، والفَرَزْدَقْ في الأصل قِطَعُ العجين واحدتها فَرَزْدَقَة، وقيل لٌقِّب به لغِلَظِه وقصره شُبِّه بالفَتِيتَة التي تشربها النساء وهي الفرزدقة، والأول أصح؛ لأنَّه أصابه جُدري في وجهه ثم برأ منه فبقي وجهه جهماً مُتغضباً، توفي بالبصرة سنة عشر ومائة، وأشار بهذا البيت أنَّ الناس لهم أهواء مختلفة، ولهم فيما يميلون إليه مذاهب وطرق مختلفة في كل فنٍ من الفنون، ولهذا أشار إليه بعد ذلك بقوله:
م: (والفنُّ خيرٌ كلّه) ش: أراد به إنَّ كلَّ فنٍ من أي فنٍ كان الذي يميل إليه الشخص هو خير عنده في زعمه، وإن كان غيرَ خيرٍ [عند غيره؛ لأنَّا ذكرنا أنَّ الناس لهم أهواء مختلفة وهي فنون، وكلها خير] بالنسبة إلى ما في زَعْمِ أصحابها، ألا ترى كيف قال الفرزدق ومن عادتي حُبُ الديار لأهلها حيث جعل حُبَ الديار لأجل أصحابها فَناً له وعادة، وذلك خير له بالنسبة إلى ما في زعمه، وإن كان ذلك غيرَ خيرٍ عندَ غيره، وقالت الشراح هاهنا: إنَّه لما قال من سمت همته إلى مزيد الوقوف إلى آخره، حرَّض بعد ذلك بقوله: والفن خير كله، فكأنه قال علم الفقه كله خير، فإن شئت فارغب في الأطول والأكبر كشفاً وتأصيلاً، وإن شئت فارغب في الأقصر والأصغر حفظاً وتحصيلاً، أو معناه: [جنس العلم حسنٌ] فارغب في ذا أو في ذاك، أو معناه جنس العلم حسن فارغب في أي نوع شئت.
الجزء 1 · صفحة 62
...........................................................ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قلتُ: الذي دعاهم إلى هذا كونهم جعلوا قوله: " والفن خير كله " مرتبطاً بقوله: " من سمت همته إلى آخره " والذي يظهر لي أنَّه مرتبط بشطر البيت الذي ذكره فكأنه يحرض بذلك إلى تحصيل فن من الفنون؛ لأنَّ الفنون كلها خير، ولكنَّ القرينة الحالية والمقالية دَلَّت على أنَّ مراده تحريضه وترغيبه في فن مخصوص وهو علم الفقه؛ لأنَّه في صدد بيانه فافهم.
ثم الفن واحد الفنون: وهي الأنواع، [والأفانين: الأساليب]، وهي أجناس الكلام وطرقه، وقوله " خَيْر " بفتح الخاء وسكون الياء ويجوز فيه تشديد الياء يقال: رجل خَيْروخَيِّر وكذلك امرأة خَيْر وخَيِّرة، وهذا لا يراد به أفعل فإن أريد به أفعل التفضيل يقال: فلانٌ خَيْرُ الناس وفلانة خَيْرُ الناس وهؤلاء خَيْرُ الناس فلا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث.
قوله " كله " من ألفاظ التأكيد المعنوية فلا يؤكد به إلا المعرفة وقال الأخفش والكوفيون: يؤكد به النكرة أيضاً إذا كانت محدودة ويجب إضافتها إلى اسمٍ مضمرٍ راجعٍ إلى المؤكد نحو قَوْله تَعَالَى: {فسجد الملائكة كلهم أجمعون} فإذا أضيفت إلى المعرفة كانت لعموم الأفراد، وإذا أضيفت إلى النكرة كانت لعموم الأجزاء، فعلى هذا إذا قلت كل زمان مأكولٍ يصح؛ لأنَّ المعنى: كلُّ فردٍ من أفراد الزمان مأكول، {وإذا قلت: كلُّ الزمان مأكول، لا يصح، [لأنَّ المعنى: كلُّ فردٍ من أجزاء الزمان مأكول،} وهذا لا يصح] كما ترى،
الجزء 1 · صفحة 63
ثم سألني بعض إخواني أن أملي عليهم المجموع الثاني
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وعن هذا قالت النحاة: كل اسمٍ موضوع لاستغراق أفراد النكرة [نحو: {كل نفس ذائقة الموت} والمعرف كالمجموع نحو {وكلهم آتيه} وأجزاء المفرد المعرَّف] نحو: كلُّ زيدٍ حسنٌ، فإذا قلت: أكلتُ كلَّ رغيفٍ لزيد، كانت لعموم الأفراد فإذا أضفت الرغيف إلى زيد صارت لعموم أجزاء فرد واحد، وقوله: " الفن " مبتدأ، وخبره قوله " خير "، وقوله " كله " تأكيد للفن والمعنى كلُّ فردٍ من أفراد الفن خير والألف واللام فيه اما للجنس فالمعنى أي فنٍ كان من الفنون، واما للعهد فالمعنى فن الفقه أي علم الفقه كله خير.
م: (ثم سألني بعض إخواني أن أملي عليهم المجموع الثاني) ش: " بعض إخواني " [كلام إضافي] مرفوع؛ لأنَّه فاعل سألني، وهو جمع أخ وأراد به الأخ في الدين، وإنَّما قال: " بعض إخواني "؛ لأنَّه لا يمكن أن يكون السؤال من إخوانه كلهم؛ لأنَّ المؤمنين شرقاً وغرباً إخوانه في الدين، قال الله تعالى: {إنما المؤمنون إخوة} قوله: " أن أملي عليهم " من الإملاء يقال أمليت الكتاب أملي وأمللته لغتان جيدتان جاء بهما القرآن، وكلمة " أن " مصدرية تقديره سألني بعض إخواني إملاء المجموع الثاني عليهم، والمراد " الهداية " فكأنَّه بعد صرف العناية إليه لم يشرع فيه حتى سأله بعض إخوانه الإملاء عليهم، رُوي أنَّه بقي في تصنيفه ثلاثة عشر سنة، فكأنَّه كان يملي عليهم في أثناء تلك المدة، [وكان يصوم في تلك المدة]
الجزء 1 · صفحة 64
فافتتحته مستعيناً بالله تعالى في تحرير ما أقاوله متضرعاً إليه في التيسير لما أحاوله
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ولا يفطر أصلاً، وكان لا يُطلِع على صومه أحداً حتى إنَّ خادمه كان يأتي إليه بطعام وكان يقول له ضع واذهب أنت فإذا مضى كان يُطعمه أحداً من الطلبة وغيرهم، فببركة هذا الزهد صار كتابه مقبولاً بين [العامة والخاصة] وبلغ حيث ما بلغ الإسلام.
م: (فافتتحته مستعيناً بالله في تحرير ما أقاوله) ش: [الفاء فيه تصلح] أن تكون للسببية، ومستعيناً حال من الضمير المرفوع في افتتحته، قوله: " في تحرير ما أقاوله " أي في تخليص ما أقاوله وتقويمِه، والمقاولة القول من الجانبين، يقال: [قاوله في كذا]، وأشار بهذا إلى زيادة مقاساةٍ في القول؛ لأنَّها من باب المفاعلة.
م: (متضرعاً إليه في التيسير لما أحاوله) ش: إليه أي إلى الله تعالى، و " متضرعاً " حال مثل " مستعيناً "، ويجوز أن تكون في الأحوال المتداخلة، و " التضرع " طلب الحاجة على وجه المسكنة، يقال: ضَرَعَ الرَجلُ ضَرَاعَةً، أي خَضَعَ وذَلّ، وأضرَعَه غيره، وتضرَّعَ إلى الله ابتهل، قوله: لِمَا أحاوله: من المحاولة، يقال: حاولت الشيء إذا أردته، ويقال المحاولة طلب الشيء حيلةً، ومنه الحديث: «اللهم بك أحاول»
الجزء 1 · صفحة 65
إنَّه المُيسر لكلِّ عَسير وهو على ما يشاء قدير وبالإجابة جدير.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أي بنصرك، وتوفيقك أدفع عني كيد العدوّ وأطلب الوثوب إليهم. وفيه من محاسن الكلام حُسنُ الأسجاع المذكورة، وفيها الازدواج بين قوله " أقاوله " و " أحاوله "، وفيها المبالغة في البيان بالتفصيل بعد الإجمال، ليكون إشارة إلى عِلمين، فالعِلمان خيرٌ من علمٍ واحد، وذلك في قوله: " في التيسير لما أحاوله "، [حيث لم يقل في تيسير ما أحاوله] بالإضافة إشارةً إلى ما ذكرنا
وقصداً للمبالغة، بخلاف قوله: " في تحرير ما أقاوله " حيث ذكره بالإضافة؛ لأنَّ المبالغة حاصلةٌ من صيغة المقاولة
فإن قلتَ: فكذلك المبالغة حاصلةٌ في صيغة المحاولة.
قلتُ: لا نُسلِّم ذلك؛ لأنَّ المفاعلة فيه ليست على بابها كما في قَوْله تَعَالَى: {وسارعوا} بمعنى أسرعوا، وسافر الرجل بمعنى سفر.
م: (إنَّه المُسير لكلِّ عَسير وهو على ما يشاء قدير وبالإجابة جدير) ش: أي إنَّ الله عزَّ وجل هو المُيسر لكلِّ أمرٍ صعب. قوله "وهو" مبتدأ وخبره قوله " قدير، قوله [" جدير " خبر مبتدأ محذوف تقديره " وهو بالإجابة جدير ": أي لائق، يقال فلان] جدير بكذا أي خَليق، وأنت جدير أن تفعل كذا، والجمع جُدَرَاء و جَديرون، وفيه حُسن التعليل، وهو قوله: " إنَّه المُيسر " لأنَّه وقع موقع التعليل، يعني إنَّما افتتحت إملاء " الهداية " مستعينا بالله، لأنَّه المُيسر لكلِّ عَسير.
الجزء 1 · صفحة 66
كتاب الطهارات
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
م: (كتاب الطهارات) ش: الكِتَاب والكتابة في اللغة جَمعُ الحروف من الكَتْب وهو الجَمع، تقول منه: كَتَبْتُ البَغلة إذا جمعتُ بين شَفريها بحلقةٍ أو سَيرٍ، من كَتَبَ يكتُبُ من باب نَصَرَ ينصُر، ويكتِب من باب ضَرَبَ يضرِب، كَتْبَاً وكتاباً وكتابةً، وكتبتُ القِربة إذا خَرزْتُها فهي كَتيبٌ، والكُتْبة بالضم الخرزة، والكَتيبة الجيش، وتكَتَّبَت الخيل اي تَجَمَّعَت، والكتابة: تصويراللفظ بحروف هجائية؛ لأنَّ فيها جمع الحروف والكلمات، والكتاب: الفرض والحكم والقدر.
قال النابغة الجعدي:
ياابنة عمي كتابُ الله أخرجني ... عنكم وهل أمنعنَّ الله ما فعلا
ويقال: أراد بالكتاب هاهنا المكتوب مجازاً، كالحِساب بمعنى المحسوب، ويقال في تعريف الكتاب: طائفةٌ من المسائل الفقهية اعتُبرت مُستقلةً، شملت أنواعاً أو لم تشمل، فقوله: " طائفة " كالجنس، وقوله: " من المسائل الفقهية " فصلٌ اخرج به غيرها، وقوله: " اعتُبرت مُستقلة " أي مع قطع النظر عن تبعيتها للغير أو تبعيِّة غيرها إياها، ليدخل فيه هذا الكتاب، فإنه تابع للصلاة ويدخل كتاب الصلاة فإنَّه مستتبع للطهارة، وقد اعتبرا مستقلين. أمَّا كتاب الطهارة فلكونه المفتاح، وأمَّا كتاب الصلاة فلكونه المقصود الأصلي
الجزء 1 · صفحة 67
............................................................ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ..فظهر من هذا أنَّ اعتبار الاستقلال قد يكون لانقطاعه عن غيره ذاتاً، ككتاب " اللقطة " عن كتاب " الآبق "، وكتاب " المفقود " وانقطاعهما عن كتاب الصلاة والزكاة، وقد يكون لمعنى يورث ذلك كانقطاع الصرف عن " البيوع "، و " الرضاع " عن " النكاح " و " الطهارة " عن " الصلاة " كما ذكرنا.
وقوله: " شملت أنواعاً أو لم تشمل " لدفع قول من يقول: الكتاب جنس يدخل تحته أنواع من الحكم، وكل نوع يسمى بالباب، والبابُ اسمٌ لنوع يشتمل على أشخاص يسمى فصولاً فإنَّ الكتاب قد يكون كذلك، وقد لا يكون، فإنَّ من الكتب ما لم يُذكر فيه لا باب ولا فصول، ككتاب " اللقطة واللقيط " و " الآبق " وغيرهما على ما سيأتي إن شاء الله تعالى، فلو لم يذكر ذلك ربما تُوهِّم ذلك، فذكره دفعاً لذلك.
الطهارة: في اللغة النظافة، وفي الاصطلاح: عبارة عن صفة تحصل لمُزيل الحدث او الخبث عما تُعَلَّقُ به الصلاة سواء كان طبعاً أو شرعاً.
فإن قلتَ: ذِكرُ " أو" في الحدود لا يجوز.
قلتُ: "أو" هاهنا ليست بمانعةِ الجمع، فلا تضرُّ الحدّ، وإنَّما قال: "عما تُعَلَّقُ به الصلاة" ليتناول المكان، فإنَّ طهارته شرط على ما سيأتي.
وقال صاحب " الدراية ": «الطهارة لغةً: النظافة، وشرعاً: نظافة الأعضاء الثلاثة ومسح الرأس».
قلتُ: هذا تعريف غير صحيح؛ لأنَّ الطهارة أعمُّ من الوضوء والتعريف المذكور لا يُطلق إلا على الوضوء، والوضوء نوع من أنواع الطهارة، وهي على وزن فَعُول بضم الفاء من الوَضاءة وهي الحُسن.
قال الجوهري: «الوضاءة الحُسن والنظافة، تقول منه: وَضُوءَ الرجل، أي صار وَضيئاً، وتوضأت للصلاة، ولا تقول توضيت، وبعضهم يقول ذلك.
الجزء 1 · صفحة 68
............................................................ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ..والوَضوء بالفتح: الماء الذي يُتوضأ به، والوَضوء أيضاً مصدر من توضأت للصلاة، مثل الوَلوع والقَبول. وقال اليزيدي: الوُضوء: بالضم المصدر، وحكي عن أبي عمرو بن
العلاء القَبول بالفتح مصدر لم أسمع غيره، وذكرالاخفش في قَوْله تَعَالَى: {وقودها الناس والحجارة} فقال: الوَقود بالفتح هو الحَطَب، والوُقود بالضم الإيقاد وهو الفعل، قال: ومثل ذلك الوَضوء وهو الماء، والوُضوء وهو الفعل، ثم قال: وزعموا أنَّهما لغتان بمعنى واحد، تقول الوَقود والوُقود، ويجوز أن يعني بهما الحَطَب ويجوز أن يعني بهما الفعل، وقال غيره: القَبول والوَلوع مفتوحان وهما مصدران شاذَّان وما سواهما من المصادر فمبنيٌ على الضم».
وفي اصطلاح الشريعة، الوضوء: هو غسل الأعضاء الثلاثة ومسح الرأس، أويقال: هو عبارة عن غسل أعضاء مخصوصة، ومسحٍ مخصوص.
فإن قلتَ: لِمَ اختار لفظ الجَمع في الطهارات دون المفرد، كما ذكره غيره؟.
قلتُ: للتصريح بإرادة أنواع الطهارة؛ لأنَّه لو ذكرها بلفظ الإفراد لكان فَهم الأنواع بسبيل الاحتمال لا القطع؛ لأنَّ الجنس واقع على الأدنى مع احتمال الكل.
فإن قلتَ: إذا دخلت الألف واللام في الجَمع تبطل الجمعية وتكون للجنس أيضاً فأيُّ فائدةٍ في جمعها حينئذٍ.
قلتُ: هذا فيه خلاف على ما تقرر في موضعه فيجوز أن يكون المصنف أراد به مُطلق الجَمع كما هو مذهب البعض في اللام إذا دخلت في الجمع.
الجزء 1 · صفحة 69
............................................................ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ..فإن قلتَ: الطهارة مصدر فلا يُثنى ولا يُجمع، قلتُ: إذا أريد به النوع يجوز أن يجمع، فإن قلتَ: فلم لم يجمع الصلاة والزكاة ونحوهما،
قلتُ: هذا لا يتمشى فيهما، أمَّا الصلاة فلأنها متحدة أنواعها؛ لأنَّها عبارةٌ عن الأركان المعهودة، وأمَّا الزكاة فإنَّها عبارة عن إيتاء الربع من العشر وهو واحد، بخلاف الطهارة، فإنَّ
أنواعها مختلفة كما ترى من اختلاف طهارة الحدث، والخَبث، والطهارة بالتيمم، ولا يَرِدُ علينا صلاة الجنازة؛ لأنَّها ليست بصلاة حقيقة لأنَّها دعاء، ولهذا جازت ركوباً قياساً لا استحساناً، وتجوز بالتيمم عند وجود الماء حتى إن الشعبي لم يشترط فيها الطهارة أصلا.
وقوله: " كتاب الطهارات " كلامٌ إضافيٌ مرفوعٌ على أنَّه خبر مبتدأ محذوف أي: هذا كتاب الطهارات، ويجوز أن يكون مبتدأ محذوف الخبر أي كتاب الطهارات هذا، ويجوز أن يُنصب الكتاب على تقدير هاك كتاب الطهارات، أو خُذه، أو نحو ذلك.
فإن قلتَ: ما هذه الإضافة؟
قلتُ: إضافة معنوية بمعنى في أي هذا كتاب؟ في الطهارات أي في بيانها؛ لأنَّ الكتاب ليس في نفس الطهارات، ويجوز أن تكون بمعنى اللام للاختصاص وإنَّما قدَّم العبادات على غيرها من المعاملات والزواجر لكونها أهم؛ لأنَّ العبادة هي التي تحقق معنى العُبودية وما خُلق الثَّقلان إلا لهذا، قال الله تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون}.
فإن قلتَ: لِمَ قدَّم الصلاة على غيرها من العبادات؟
قلتُ: لأنَّها ثانية الإيمان في الكتاب والسنة، ولأنَّها عِمَادُ الدِّين، والبيت لا يقوم إلا على الأعمدة.
فإن قلتَ: الأصلُ في العبادات الإيمان، فكان ينبغي أن يُقدم.
الجزء 1 · صفحة 70
............................................................ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ .قلتُ: هو متعلق بعلم الكلام، وهو علم مستقل بذاته فذكره هنالك أولى، وتقديم الطهارة على الصلاة؛ لأنَّها شرط الصلاة، وشرط الشيء يسبقه وحكمه يعقبه، والشرط: ما يتوقف
على وجوده الشيء ولا يكون منه، فبالضرورة يكون سابقاً على المشروط طبعاً، فقدم عليه أيضا وضعا ليوافق الوضع الطبع، وتقديمها على سائر الشروط كاستقبال القبلة وستر العورة ونحوهما لأنَّها لا تسقط بالأعذار بخلاف غيرها، ولأنَّ الله تعالى استقصى في بيانها ما لم يستقص في غيرها فكان التقديم بها أهم، وإنَّما قدَّم بيان الوضوء الذي هو طهارة صغرى على الغسل الذي هو طهارة كبرى، إمَّا اقتداء بالكتاب العزيز، فإنَّه ذكر على هذا الترتيب، وإمَّا باعتبار شِدَّة الاحتياج إلى علم الوضوء باعتبار كثرة دَورانه.
فإن قلتَ: ما سبب الوضوء؟
قلت: عند الظاهرية القيام إلى الصلاة لظاهر النص، وهذا باطلٌ؛ لأنَّه يقتضي وجوب الطهارة بعد القيام إلى الصلاة؛ لأنَّه جعل القيام إليها شرطاً لفعل الطهارة، وحكم الجزاء أن يتأخر عن الشرط، ألا ترى أنَّ من قال لامرأته: إن دخلت الدار فأنت طالق، إنَّما يقع الطلاق بعد الدخول، وهذا لا خلاف فيه بين أهل اللغة؛ لأنَّه مُقتضى اللفظ، وحقيقته فعلى هذا كل من قام إلى الصلاة فعليه أن يتوضأ.
قلتُ: هذا باطل «لأنَّ النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يتوضأ لكلِّ صلاة فلمَّا كان يومُ الفتحِ صلى خمسَ صلواتٍ بوضوءٍ واحد، فقال له عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: رأيتُك اليوم
الجزء 1 · صفحة 71
............................................................ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ....تفعل شيئاً لم تكن تفعله، فقال- عَلَيْهِ السَّلَامُ -: " عمداً فعلتُ، كيلا تُحرجوا» والحديث أخرجه مسلم من طريق سليمان بن بريدة عن أبيه «أنَّ النبي- عليه السلام - صلى الصلوات يومَ الفتحِ بوضوءِ واحدٍ ومسحَ على خفيه، فقال له عمر- رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لقد صنعتَ اليوم شيئاً لم تكن تصنعه، فقال: عمداً صنعتُه يا عمر».
ورواه الترمذي أيضاً، ولفظه: «كان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يتوضأ لكلِّ صلاة، فلمَّا كان عام الفتح صلى الصلوات كلها بوضوءٍ واحد ... الحديث»، وأخرجه الطحاوي نحو رواية مسلم، فدلَّ هذا على أنَّ القيام إلى الصلاة غيرُ موجب للطهارة إذ لم يُجدد النبي- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - طهارةً لكلِّ صلاة، فثبت بذلك أنَّ في الآية مُقدَّراً يتعلق به إيجابُ الوضوء وهو: إذا قمتم إلى الصلاة من مضاجعكم.
وروى الطحاوي في " معاني الآثار "، وأبو بكر الرازي في" الأحكام"، والطبراني في " الكبير " من طريق جابر، عن عبد الله بن محمد، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن عبد الله بن علقمة، عن أبيه قال: «كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا أجنب أو أهرَقَ الماء إنَّما نُكلِّمه فلا يُكلِّمنا ونُسلِّم عليه فلا يَردُّ علينا .. حتى نزل قَوْله تَعَالَى:
الجزء 1 · صفحة 72
............................................................ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ...{يأيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة}»، فدلَّ هذا الحديث على أنَّ الآية نزلت في إيجاب الوضوء من الحدث عند القيام إلى الصلاة، وأنَّ التقدير في الآية في إذا قمتم إلى الصلاة "وأنتم مُحدثون".
فإن قلت: حديث جابر الجعفي غير ثابت، فلا يتم به الاستدلال.
قلت: لا نُسلِّم ذلك؛ لأنَّ سفيان يقول: كان جابر ورعاً في الحديث، ما رأيت في الحديث أورعَ منه.
وعن شعبة: هو صدوق في الحديث.
وقال [أهل الطرد]: «هذا الحديثُ مطلقاً للدوران وجوداً وعدماً، وهو أيضاً باطلٌ؛ لأنَّا نعلم أنَّ الدوران دليل الغلبة، ولئن سلمنا لكن لا نسلم أنَّ الدوران وجوداً موجود؛ لأنَّه قد يوجد الحديث ولا يجب الوضوء ما لم تجب الصلاة بالبلوغ ودخول الوقت».
وعندنا هو الصلاة بدليل الإضافة إليها، وهي أمارةُ السَببية لكن شرطه الحدث؛ لأنَّه تعالى ذكر التيمم معلقاً بالحدث، والنص في البدل نص في الأصل؛ لأنَّه لا يُفارقه بشرطه وسببه، هكذا ذكره الشيخ حافظ الدين النسفي - رَحِمَهُ اللَّهُ -، واعترض عليه الشيخ قوام الدين، وقال: «لا نُسلِّم أنَّ البدل لا يُفارق الأصل بشرطه وسببه، وقد فارقه في النية، وهي شرط في التيمم دون الوضوء».
الجزء 1 · صفحة 73
............................................................ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ..قلتُ: هو عين النية؛ لأنَّ التيمم في اللغة عبارة عن القصد، قال الشاعر:
وما أدري إذا يمَّمتُ أرضاً ... أُريدُ الخير أيَّهما يَسَلني
أي: إذا قصدت والقصد هو عين النية، فإذا كان كذلك كيف يطلق على النية أنَّها شرط التيمم، والحال أنَّ شرط الشيء خارج عن ذاته، فإذا سقط الاعتراض المذكور.
فإن قلتَ: قد صرَّح بذكر الحدث في الغسل والتيمم دون الوضوء فعلم بذلك أنَّ الحدث هو سبب الوضوء.
قلتُ: السبب الصلاة، وشرطه الحدث، لما ذكرنا، ولقوله تعالى: {إذا قمتم}، أي من مضاجعكم وهو كناية عن النوم، وهو الحدث، وأمَّا التصريح بذِكر الحَدَث في الغسل والتيمم دون الوضوء، فليُعلم أنَّ الوضوء يكون سُنةً وفَرضاً، والحدثُ شرط في الفرض دون السُنة؛ لأنَّ الوضوء على الوضوء نورٌ على نور، والغسل على الغسل، والتيمم على التيمم ليس كذلك، وهو المشهور فيهما عند الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ -.
قال المُتولي من الشافعية: في موجب الوضوء ثلاثة أوجه:
أحدها: الحدث، فلولاه لا يجب.
الثاني: القيام إلى الصلاة؛ لأنَّه لا يتعين عليه قبله.
الثالث: وهو الصحيح عند المتولي وغيره أنَّه يجب بهما.
ثم الحدث يحل جميع البدن في وجه كالجنابة حتى منع من مس المصحف بظهره وبطنه، والاكتفاء بغسل الأعضاء الأربعة تخفيف، وفي وجه يختص بالأربعة وعدم جواز المس لعدم طهارة جميع البدن بالنجاسة الحقيقية، وفي الأصحِّ اختلاف عندهم، فقال الشافعي: العموم، وقال النووي وغيره: الاختصاص. ورجحه النووي.
فإن قلتَ: ما الحكمة في تخصيص الأعضاء الأربعة في الوضوء؟
الجزء 1 · صفحة 74
............................................................ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ .........قتُ: لأنَّ الله تعالى لما نهى آدم - عَلَيْهِ السَّلَامُ - في الجنة عن قُربان تلك الشجرة وتناولها صارت هذه الأعضاء الأربعة مذنبة فمن الرجلين المشي، ومن اليدين البطش، ومن الوجه التوجه اليها، فلما عَلم آدم - عليه السلام - بذلك، وضع يده على أُمِّ رأسه لِمَا اصابه من الغَمّ وسقط عنه الحُلِي والحُلَل، فعيَّن الله هذه الاعضاء الاربعة ليزول عنه ما اقترفت هذه الاعضاء.
فإن قلتَ: كان ينبغي أن تجب المضمضة أيضاً؛ لأنَّ الفم حصل منه ما حصل.
قلتُ: آدم - عَلَيْهِ السَّلَامُ - ما كان ممنوعاً من الأكل، وإنَّما كان ممنوعاً من القُربان إليها بقوله: {ولا تقربا هذه اشجرة} ولم يحصل من الفم القربان بخلاف الأعضاء المذكورة، وقيل فعل الفم كان بعد حصول ما حصل من آدم، فلم يكن له ذنب، وقيل: إنَّما لم يجب غسل الفم لأنَّ مطهر الأبدان قد طهره، وهو قوله باللسان: " لا إله إلا الله محمد رسول الله "، وطهارة جميع الأعضاء بالفم واللسان، ألا ترى أنَّ الكافر إذا لم يقل ذلك سمي نجساً، بقَوْلِهِ تَعَالَى: {إنما المشركون نجس}.
فإن قلتَ: ما الحكمة في تخصيص الأعضاء الثلاثة بالغسل والرأس بالمسح.
قلتُ: الرأس لم يحصل منه شيء في قضية القُربان فلم يُعيَّن له الغسل، ولذا اختصَّ بالمسح باليد المقترفة إليه، وذلك كما ذكرنا أنَّه وضع يده على رأسه لِمَا أصابه من الغم.
الجزء 1 · صفحة 75
قال الله تعالى: {يأيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم}.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
وقيل: إنَّما اختص هذه الأعضاء الأربعة، أمَّا الوجه فلأنَّه أحسن الأعضاء، وأمَّا اليدان فلأنَّ سائر الحيوانات ليست لها يدٌ باطشة، ولا آخذة، بل أخذها الأشياء بفمها حتى لا تُميز بين
الخبيث والطيب، وأمَّا الرِجلان فلأنَّ الله تعالى خلق بني آم مستوية وخَلَقَ سائر الحيوانات منكوسةً فأُمِرَ بغسل هذه الأعضاء شُكراَ لما صَنع، وأمَّا الرأس فقد رُفع عنه السيف والجزية ببركة الإسلام، فاكتفى بالمسح شكراً على ذلك.
وقيل: لمَّا كانت الصلاة مقام المناجاة ومحل القُرب أمرهم بتطهير هذه الأعضاء [العظيمة وقيل: إنَّما أمر بغسل هذه الأعضاء] الثلاثة لما ارتكبوا بها من الحرام؛ لأنَّ مُباشرة العبد لا تكون إلا بهذه الأعضاء، وأمَّا الرأس فلأنَّه مَجمع الحواس، فكذلك خُصَّ أيضاً بالتطهير، واكتفي فيه بالمسح لأنَّ الغسل ربما يَضره.
وقيل: إنَّ العبد إذا شرع في الخدمة يجب أن يجدد نظافته وأيسرها تنقية الأعضاء التي تنكشف كثيراً لتحصل بها نظافة القلب إذ تنظيف الظاهر يوجب تنظيف الباطن.
م: (قال الله تعالى: {يأيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم} ش: الآية الكريمة، مَقُولُ القول، وافتتح الكتاب بالآية المذكورة لكونها أصلاً في استنباط مسائل هذا الباب، أو لأجل التبرك في افتتاح الكتاب بأية من الكتاب، وإن كان حقُّ الدليل أن يؤخَر عن المدلول؛ لأنَّ الأصل في الدعوى تقديم المدعي، وهي مفتتَحة بالنداء الذي هو نوع من
الجزء 1 · صفحة 76
............................................................ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ .أنواع الطلب؛ لأنَّه طلب إقبال المخاطب بحرف [نائب مناب] أدعو وهي كلمة، "يا" حرفُ نداءٍ للبعيد حقيقة أو حُكماً، وقد ينادى بها القريب توكيداً، وقيل: هي مشتركةٌ بين [البعيد والقريب]، وقيل بينهما وبين المتوسط، وهي أكثر حروف النداء استعمالاً ولهذا لا يُقَدَّرُ عند الحَذف سواها نحو: {يوسف أعرض عن هذا} ولا ينادى باسم الله والاسم المستغاث وايها وأيتها ولا المندوب الا " بها " أو " بوا "، وقول من قال إنَّ " يا " مشتركة بين البعيد و القريب هو الأصح؛ لأنَّ أصحاب اللغة ذكروا أنَّ " يا " حرفٌ ينادى به القريب والبعيد.
فإن قلتَ: ما تقول في قول الداعي يا الله، قال الله تعالى: {ونحن أقرب إليه من حبل الوريد}.
قلتُ: هذا استقصار منه لنفسه، واستبعادٌ عن مظان القبول لعمله.
و" أي " اسمٌ لخمسةِ معانٍ:
الأول: للشرط، نحو: {أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى}).
الثاني: الاستفهام، نحو: {أيكم زادته هذه إيماناً}.
الثالث: يكون موصولاً، نحو: {لنزعن من كل شيعة أيهم أشد} والتقدير: لننزعنَّ الذي هو أشد، نصَّ عليه سيبويه.
الجزء 1 · صفحة 77
............................................................ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ .......الرابع: يكون صفة للنكرة، نحو: زيدٌ رجلٌ أيُّ رجلٍ، أي كاملٌ في صفات الرجال، وحالاً للمعرفة نحو: مررتُ بعبدِ الله أيُّ رجلٍ.
الخامس: يكون وصلةً [الى نداءِ] ما فيه " ال " نحو يا أيها الرجل ومنه قَوْله تَعَالَى: {يأيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة}، وزعم الاخفش: أنَّ " أيّاً " هذه هي الموصولة، حُذِفَ صَدرُ صلتها وهو العائد، والمعنى: يا مَنْ هو الرجل، وكذلك التقدير هاهنا على قوله: يا مَنْ هُم الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة.
و "ها" تستعمل على ثلاثة أوجه:
الأول: أن يكون اسماً لفعلٍ نحو: " هَه " تقول للمذكر " هَاءَ " بالفتح و " هَاءِ " للمؤنث بالكسر، وهاؤما، وهاؤنَّ، وهاؤم، قال الله تعالى: {هآؤم اقرؤا كتابيه}.
الثاني: تكون ضميراً للمؤنث نحو: ضَرَبَها وغلامَها.
الثالث: تكون للتنبيه فتدخل على أربعة:
الأول: الإشارة نحو: هذا.
الثاني: ضمير الرفع المُخبَرِ عنه باسم إشارة [نحو: أنتم، أولاء].
الجزء 1 · صفحة 78
............................................................ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ...الثالث: اسم الله تعالى في القَسَم عند حذف الحرف نحو: "هاء" الله بقطع الهمزة ووصلها وكلاهما مع إثبات ألفها وحذفها.
الرابع: نعت " أي " في النداء نحو: يا أيها الرجل، وهي في هذا واجبة للتنبيه على أنَّه المقصود بالنداء ومنه قَوْله تَعَالَى: {يأيها الذين}.
و"الذين "اسم موصول موضوع للجمع [وليس هو جمع] الذي؛ لأن " الذي " عامٌ لذي العلم وغيره، و" الذين " تختص بذوي العلم، ولا يكون الجمع أخصُّ من مفرده، فعن هذا قول قوام الدين في شرحه: «إنَّ "الذين" جمع "الذي" صادر من غير تحقيق».
ثم "الذين" لا تخلو إمَّا أن تكون صفة لأي، أو يكون موصوفهاً محذوفاً، تقديره: يا أيها الناس الذين آمنوا، أو: يا أيها القوم الذين آمنوا، ونحو ذلك؛ لأنَّ الموصولات وُضِعَتْ وصلةً إلى المعارف بالجُمَل و " أي " ليس بمعرفة فلا يكون "الذين" صفةً له.
فإن قلتَ: كيف يكون "الذين" صفة " لأي " وصفة " أي " هو المقدر من الناس أو القوم؟ قلتُ: المجموع كُله هو صفةُ " أي " لا المقدر وحده، ولا الموصول وحده، فعن هذا سقط اعتراض الشيخ قوام الدين - رَحِمَهُ اللَّهُ - على الشيخ حافظ الدين النسفي في قوله: " الذين آمنوا صفة لأي " فأنَّه ليس كذلك لأنَّ صفة " أي " هو المُقدر من القوم أو الناس، ثم " آمنوا " صفة لتلك الصفة المقدرة " لأي " بواسطة " الذين.
الجزء 1 · صفحة 79
............................................................ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ...قوله " آمنوا " فعل ماض للجمع المذكر الغائبين من: أمن يؤمن إيماناً، وهي جملة من الفعل والفاعل وقعَت صلةً للموصول ولا محل لها من الإعراب؛ لأنَّها لم تقع موقع المفرد، وهي فعل الشرط.
وقوله: {فاغسلوا} جواب الشرط فلذلك دخلت الفاء، ثم اعلم أنَّ القياس في قوله" آمَنُوا" أن يقال" آمنتم" لأنَّ من حق المنادى بكونه مخاطباً أنْ يُعَبَّر عنه بالضمير فيقال: يا إياك، يا أنت، إذ مقتضى الحال في المخاطب أنْ يُعَبَّر عنه بضميره، لكن لمَّا كان النداء لطلب الإقبال ليخاطَب بعده بالمقصود، والمنادى ذاهلٌ عن كونه مخاطباً نزّل منزلة الغائب فعبر عنه بالمظهر الذي هو للغائب ليكون أقصى لحق البيان ولمَّا جاء الاختلاف بقوله: آمنوا وآمنتم ذهب بعضهم إلى أنَّ هذا من قبيل الالتفات؛ لأنَّ "آمنوا" معاينة و"امنتم" مخاطبة، وممن قال ذلك الشيخ حافظ الدين النسفي في " المستصفى شرح النافع ".
وشنَّع عليه الشيخ قوام الدين في شرحه، ونسبه في ذلك إلى الغلط، وقال: «ليس الأمر كذلك؛ لأنّ الإلتفات لا يكون إلا فيما إذا كان حق الكلام بالغيبة وذكر بالخطاب أو بالعكس ولم يقع الكلام في الآية إلا في الموضع الذي اقتضاه».
قلتُ: على تقدير كلام النسفي صحيح، والحَطُّ عليه مردود، يُفهم ذلك من التقرير الذي سبق، بل الصحيح أنَّ منع الالتفات هاهنا مبنى على أنَّ " آمَنُوا " صلةُ " الذين " والموصولات غيب، والضمير الذي يكون راجعاً من الصلة إلى الموصول لا يكون [إلا
الجزء 1 · صفحة 80
............................................................ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ...غائباً]، ولكن الجُملة كلها أعني قوله: {يأيها الذين آمنوا} في حكم الخطاب لأنَّه مُنادى فوجب أن يكون ما بعده خطاباً، فكان قوله" قمتم" بالخطاب واقعاً في محله، مُخَرجاً على مقتضى ظاهره، فلا يكون من الالتفات؛ لأنَّه انتقالٌ من صيغة إلى صيغة أخرى سواء [كان من] الضمائر بعضها إلى بعض، أو من غيرها.
وذهب بعضهم بناءً على ما ذكر من أنَّ قوله: {يأيها الذين آمنوا} في حُكم الخطاب إلى أنَّ الغائبين إنَّما يدخلون تحت الخِطاب بالدلالة أو بالإجماع.
وقال بعضهم: إنَّما قال:" آمَنُوا" دون آمنتم ليدخل تحته كلُّ من آمن إلى يوم القيامة، ولو قال: آمنتم لاختصَّ بمن كانوا في عصر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.
ثم اعلم أنَّ تقييد الفعل بحرف الشرط في أكثر التراكيب يكون لاعتباراتٍ شتى لا يُعرف ذلك إلا بمعرفة أدواتِ الشرط التي هي: إنْ، وأما، وإذا، وإذاما، وإذ، واذما، ومتى، ومتى ما، وأين، وأينما، وحيث، وحيثما، ومَنْ، وما، ومهما، وأيّ، وأنّى، ولو، وصاحب المعاني لا يتكلم إلا في: إذا، وإنْ، ولو، لكثرة دورانها مع تعلُّق اعتباراتٍ لطيفةٍ بها، أمَّا: إنْ، وإذا فللشرط في الاستقبال يعني: لتعليق الفعل في الزمان المستقبل، لكن أصل " إنْ " عَدَم الجزم بوقوع الشرط: يعني: عدم جزم القائل بوقوع شرطها، ولا لا وقوعه،
الجزء 1 · صفحة 81
............................................................ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ .بل بتجويز كل منهما لكونه غير محقَق الوقوع كما في " إنْ طلعت الشمس " واللاوقوع كما في " إنْ طارَ إنسانٌ " ونحو:
" إنْ يُكرمني أُكرِمك" إذا لم يُعلم القائل أنه يُكرمه أم لا.
وأصل" إذا " الجزم، أي جزم القائل بوقوع الشرط تحقيقاً وخطاباً كقولك: إذا جاء مُحبِّي، فإنَّ مجيئه ليس قطعياً تحقيقاً كطلوع الشمس، بل تقديراً باعتبارٍ خطابي أي ظني وهو أنَّ المُحبَّ يزور المُحب.
فإذا تمهَّد هذا فنقول ذكر في الآية الكريمة " بإذا " دون " إنْ ".
وذكر في آية الغسل " بإنْ " دون " إذا "، وذلك لأنَّه لما كان القيام إلى الصلاة من الأمور الملازمة والأشياء الغالبة بالنسبة إلى حال المؤمن ذكره " بإذا " التي تدخل على أمرٍ كائنٍ أو مُنتظرٍ لا محالةَ بخلاف الجَنابة فإنها بالنسبة إلى القيامِ إلى الصلاةِ قليلةُ جداً، وهي من الأشياء المترددة الوجود والأمورالعارضة، فلذلك خُصّت " بإنْ ".
فإن قلتَ: ما تقول في قولهم: إنْ مات فلان.
قلتُ: هذا لجهالةِ وقتِ الموتِ لا في وقوعه فلا يقدح ذلك، واعلم أنَّ هاهنا إرادة الفعل بالفعل؛ لأنَّ معنى قوله: إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ، إذا أردتم القيام إلى الصلاة وأنتم محدثون
فاغسلوا كما في قَوْله تَعَالَى: {فإذا قرأت القرآن فاستعذ} التقدير: فإذا اردت قراءة القرآن فاستعذ بالله.
قال الزمخشري - رَحِمَهُ اللَّهُ -: «فإن قلتَ: لِمَ جاز أن يُعبَّرعن إرادة الفعل بالفعل. قلتُ: لأنَّ الفعل يوجَد بقدرة الفاعل عليه وإرادته له، وهي قصده إليه وخُلوص داعيته، فلما
الجزء 1 · صفحة 82
............................................................ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ .....عبَّر عن القدرة على الفعل بالفعل في قولهم: الإنسان لا يطير، والأعمى لا يُبصر أي لا يقدر على الطيران والإبصار؛ وذلك لأنَّ الفعل مُسبَّب عن القدرة والإرادة، فأقيم المُسَبَّب مقام السبَب للملابسةِ بينهما ولإيجاز الكلام».
فإن قلتَ: ما الحكمة في إضمارِ الحَدث؟
قلتُ: كراهة أن يفتتح آية الطهارة بذكر الحدث، كما في قَوْله تَعَالَى: {هدى للمتقين} [حيث لم يقل: هدى للضالين] الصائرين للتقوى بعد الضلال، كراهة أنْ يفتح أُولى الزهراوين بذكر الضلالة.
قوله: " إِلَى الصَّلَاةِ " الصلاة على وزن فَعلة من صلَّى، كالزكاة من زكَّى، واشتقاقها من الصَلا: وهو العَظم الذي عليه الإليتان؛ لأنَّ المُصَلي يحرك صَلوَيهِ في الركوع والسجود.
وقيل للتالي من خيل السباق المُصَلِّي؛ لأنَّ رأسه يلي صَلوَي السابق، ويقال: الصلاة الدعاء، ومنه قول الأعشى في وصف الخمر:
وقابلها الريح في دنِّها ... وصلَّى على دنِّها وارتَسَمْ
أي: دعا لها بالسلامة والبركة.
وأمَّا في الشرع: فهي عبارة عن الأفعال المعهودة والأركان المعلومة.
فإن قلتَ: كيف يكون المعنى في الوجهين؟
الجزء 1 · صفحة 83
............................................................ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ قلتُ: على الوجه الأول: تكون لفظة الصلاة من الأسماء المُغيَّرة شرعاً، وعلى الوجه الثاني: تكون من الأسماء المنقولة شرعاً لوجود المعنى اللغوي مع زيادتها فيها شرعاً، وفي النقل المعنى اللغوي مَرعىٌّ، وفي التغيير يكون باقياً، ولكنه زِيد عليها شيء آخر.
وكلمة " إلى " تأتي لثمانية معانٍ:
الأول: إنتهاء الغاية الزمانية، نحو: {أتموا الصيام إلى اليل}، والمكانية نحو: {من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى}.
الثاني: المعيِّة، نحو: {من أنصاري إلى الله}.
الثالث: التبيين، وهي المبينة لفاعلية مجرورها بعدما يفيد حُباً أو بُغضاً من فعل تعجب أو اسم تفضيل نحو {رب السجن أحب إليّ}.
الرابع: بمعنى اللام، نحو: {الأمر إليك}.
الخامس: بمعنى في نحو: {ليجمعنكم إلى يوم القيامة}.
السادس: الابتداء كقوله:
الجزء 1 · صفحة 84
............................................................ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ...........
تَقول وقد عَاليتُ بالكُور فوقها ... ايُسقى فلا يُروى إليَّ ابنُ أحمرا
السابع: بمعنى عند، نحو: اشهى إليَّ من الرحيق السلسبيل، أي عندي.
الثامن: التوكيد، وهي الزائدة، أثبت ذلك الفراء [مستدلاً بقراءة] بعضهم: {أفئدة من الناس تهوى إليعم} بفتح الواو.
وقوله: {إلى الصلاة} يتناول سائر الصلوات من الفروض والنوافل؛ لأنَّ الصلاة اسمٌ لجنس، فاقتضى أن يكون من شرط الصلاة الطهارة، أيَّ صلاةٍ كانت، واستدلت بظاهر الآية طائفة أنَّ الوضوء لا يجزئ إلا بعد دخول وقت الصلاة، وكذلك التيمم، وهو فاسد؛ لأنَّه لم يقيد في النص دخول وقت الصلاة، ويؤيد ما ذكرناه ما رواه النسائي وغيره من حديث أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّ رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «من اغتسل يوم
الجمعة غسل الجنابة وراح فكأنَّما قرَّب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنَّما قرَّب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنَّما قرَّب كبشاً، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنَّما قرَّب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرَّب بيضة، فإذا خرج
الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر»، فهذا نص جلي على جواز الوضوء للصلاة قبل دخول وقتها؛ لأن الإمام يوم الجمعة لا بد ضرورةً من أن يخرج قبل الوقت أو بعده وأي الأمرين كان فتَطَهُّر هذا الرائح من أول النهار كان قبلَ وقت الجمعة بلا شك.
الجزء 1 · صفحة 85
............................................................ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ .....قوله: {فاغسلوا} يقتضي إيجاب الغسل: وهو اسمٌ لإمرار الماء على الموضع إذا لم يكن هناك نجاسة، فإن كانت فغسلها إزالتها بإمرار الماء أو ما يقوم مقامه، وليس عليه دَلْكُ الموضع بيده، وإنَّما عليه إمرار الماء حتى يجري على الموضع.
وقال أبو بكر الرازي - رَحِمَهُ اللَّهُ - «وقد اختُلف في ذلك على ثلاثة أوجه:
فقال مالك بن أنس: عليه إمرار الماء ودَلْكُ الموضع به وإلا لم يكن غاسلاً.
وقال أصحابنا وعامة الفقهاء: عليه إجراء الماء عليه وليس عليه دلكُه به. وروى هشام عن أبي يوسف أنَّه إنِْ مَسَحَ الموضع بالماء كما يمسح بالدُهن أجزأه».
وفي " التُحفة " الغسل: «تسييل الماء على الموضع، والمسح: إمراره عليه».
فقد فَسَّرَ المَسح بما فَسَّرَ الرازي الغسل به.
الجزء 1 · صفحة 86
............................................................ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ..............وفي " البدائع ": «لو استعمل [الماء من] غير إسالةٍ كالتدهين به لا يجوز في ظاهر الرواية، وعن أبي يوسف أنَّه يجوز وعلى هذا لو توضأ بالثلج ولم يَقطر منه شيء لا يجوز، ولو قطر قطرتان أو ثلاث جاز لوجود الإسالة».
وفي " الذخيرة ": «تأويل ما روي عن أبي يوسف انه سَالَ مِنَ العضو قطرة أو قطرتان ولم يتدارك».
وفي " الأحكام " لابن بزيزة ": «صفة الغسل في الأعضاء المغسولة أن يلقى العضو بالماء [لا أنْ] يُبلله».
وقال أبو يوسف: إذا مسح الأعضاء كمسح الدهن يجوز. وقال بعض التابعين: ما عهدناهم يلطِمون وجهوهم بالماء. وجماعة العلماء على خلاف ما قاله أبو يوسف؛ لأنَّ تلك الهيئة التي قال بها لا يسميها العرب غسلاً البتة.
الجزء 1 · صفحة 87
............................................................ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ...قوله: {وجوهكم} جمع وجه، وحكى الفرَّاء: [حيّ الوجوه، وحيّ الأجوه]، وقال ابن السكيت: ويفعلون ذلك كثيراً في الواو إذا انضمت.
والوجه في اللغة مأخوذ من المواجهة وهي المقابلة، وحدُّه في الطول من مبتدأ سَطحِ الجبهة إلى مُنتهى اللحيين وهما عظما الحنك ويسميان الفكين وعليهما منابت الأسنان السفلى، ومن الأذن إلى الأذن في العرض.
وقال أبو بكر الرازي [والأقطع: «حده من قصاص الشعر إلى أسفل الذقن إلى شحمة الأذن، حكى ذلك أبو الحسن الكرخي عن أبي سعيد البردعي، وقال الرازي]: