تيسير المقاصد شرح نظم الفوائد
للعلامة حسن بن عمار الشرنبلالي الحنفي
توفي سنة (1069هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
جارٍ تحميل الكتاب…
تيسير المقاصد شرح نظم الفوائد
للعلامة حسن بن عمار الشرنبلالي الحنفي
توفي سنة (1069هـ)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه ثقتي ورجائي
الحمد لله الذي أسبغ علينا جزيل نعمه ومنته بتحقيق أحكام ملته وشريعته، واقتفاء آثار المصطفين من خلاصة خليقته، والصَّلاة والسلام على مولانا وسيدنا محمدٍ، سيد بريته وذخيرة الأتقياء وملاذ الأنبياء لمقام شفاعته، وعلى آله وأصحابه وذريته والتابعين بدوام إكرامه وهبته وبعد:
فيقول العبد الضعيف معنىً وحساً، الراجي فيض الرحمة إذا حلَّ رمساً أبو الإخلاص، حسن بن عمَّار بن علي الوفائي الشُرُنْبُلالي غفر الله له ذنوبه [ ..... ]، وكشف كروبه ووالديه ومشايخه وإخوانه والمسلمين وبلَّغه بمطلوبه. لمَّا كانت القصيدة الوهبانية الموسومة "بقيد الشرائد ونظم الفوائد" حاوية لعزيز النقل بديعة الحُسْنِ، نيرة الشكل، كشرحها لمؤلفها وصاحب البيت أدرى من الصحب والأهل، ولخَّصه الشيخ الإمام الحبر، النحرير، الهمام، عبد البر ابن شيخ الإسلام محمد بن الشِّحنة - رحمنا الله وإياهم وأكرمنا بما هو أهلُّه في أعالي غرف الجنة - بشرح سمَّاه: "تفصيل عقد الفوائد بتكميل قيد الشرائد". أُمِرْتُ بتلخيص ما به حل متنها، والكفاية للراغب في فنِّها، فشرعت فيه مستعيناً بالله خالق القوى والسَّداد، وبالغت في تلخيص كلامه وإيضاح المراد بلفظ ظاهر وجيز يدنيه جامع للمتشتت، يَسُرُّ الفقيه النَّبيه بزيادة فائدة وتنبيه. جعله الله خالصاً لوجهه الكريم وحفظنا وطالبه من شرِّ كل حاسد أثيم، ورقَّانا لمراتب السَّعادة بفضله إنَّه هو البَّر الرَّحيم، وسمَّيته "تيسير المقاصد شرح نظم الفوائد" وأسأل الله - سبحانه وتعالى - المنَّان بفضله أن ينفع به كما نفع بأصله، وأن يوفق لإتمامه، وييسر لاختتامه [ ..... ].
1. بُدَأَتُنَا بِالْحَمْدِ للهِ أَجْدَرُ
وَمَا لَيْسَ مَبْدُوَّاً بهِ فَهُوَ أَبْتَرُ
البداءة: مصدر ابتداء، ومتعلقه بالحمد لله، قال المطرزي: "هو كالقِراءة".
وصوَّب ابن برَّي: أنَّه كالقُلامة وهما على غير قياس. والقياس في مصدر بدأ: البداء، وهو فعل الشيء أو لا، وبدأت بالشيء: قدمته، وهو هنا مضاف إلى الفاعل، والنَّون فيه عن لسان المصنِّف ولسان غيره من المصنِّفين. وأجدر: أي: أحقُّ. وأولى: خبر المبتدأ. وليس: على بابه.
وفي قوله: وما ليس مبدؤاً به فهو أبتر، اقتباس لطيف إشارة إلى قوله - صلى الله عليه وسلم -: "كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ، لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِالْحَمْدِ لِله، فَهوَ أبْتَرُ". ولا يضرُّ في الخروج عن عهدة الحديث، وقوع لفظ بداءتنا سابقاً في اللفظ على الحمد؛ لأنَّه متقدم عليه في المعنى.
2. وَتسْلِيْمُنَا بَعْدَ الصَّلاة مُؤَكَّدَاً
عَلَى أحْمَدَ المُخْتََارِ فِي الذِّكْرِ يُنْشَرُ
التسليم: مصدر، وهو مبتدأ مضاف إلى الفاعل. ويجوز في (مؤكدَاً) وجهان: النصب على الحال، والرفع على الخبرية، ويكون في الذكر متعلقاً بقوله: ينشر، أي: يُتلى فلا ينقطع أبداً. وعلى الأول: يكن خبر تسليمنا وحسن تعبيره في التسليم بالمصدر؛ لأنَّه مأمور به في قوله تعالى: {وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [سورة الأحزاب جزء من آية: 56].
3. وَرِضْوَانُ رَبِّيْ والتَّحِيَّةُ دَائِمَاً
عَلَى الآلِ وَالأَصْحَابِ مَازِلْتُ أُكْثِرُ
الرِّضْوَان: بكسر الراء، وتميم وقيس يضمونها، ويجوز النَّصب فيه بأكثر، والرفع بالابتداء. وعلى الآل: الخبر. والتحية: عطف عليه نصباً أو رفعاً. والدوام: الثبات. والآل سيأتي الكلام على تفسيره في الوقف إن شاء الله تعالى. وفي الحديث: "آلي كل مؤمن تقي إلى يوم القيامة".
فيُرَاد هنا ليُعَمَّ فلا يختصُّ بمن حُرِّمَت عليهم الزكاة. والأصحاب: جمع صحب، وهو من رأى النَّبي أو رآه النَّبي - صلى الله عليه وسلم - مؤمناً ومات على ذلك هو الصحيح.
4. وبَعْدُ؛ فَفِيْ عِلْمِ الْفُرُوْعِ مَسَائِلٌ
غَرَائِبٌ فِيْ الكُتْبِ الضِّخَامِ وَتُسْفِرُ
بعدُ: ظرف زمان مبهم مضموم لقطعه عن الإضافة. وذكر حرف التعقيب دفعاً لتوهم الإضافة. وعلم الفروع: هو علم الفقه. ومسائلٌ: مصروفة للشعر. وتاء الكتب: الساكنة تخفيفاً. والضِّخام: جمع ضخم. تسفر: تكشف. سَمَّى الكتاب سِفْراً؛ لكشفه عن الحقائق.
5. عَلَى مَذْهَبِ النُّعْمَانِ ذِيْ الْعِلْمِ وَالْحِجَا الْـ
إِمَامِ الْعَظِيْمِ الشَّانِ فِيْمَا يُقَرَّرُ
قولُه: على مذهب، يتعلق بتسفر، أو بغيره محذوفاً، أو بمسائل وما بعده. والنُّعمان: هو الإمامُ الأعظمُ والمجتهدُ المُقَدَّمُ الأقدمُ أبو حنيفة صاحبُ الورعِ والزَّهادة، ورأس أهل الفقه والعبادة، وأجلُّ من حَظيَ بمراتب [ ... ] التابعين ذوي السيادة، قد أظهره الله حُجَّةً قائمةً قاصمة ظَهْرَ من أراد عناده لم يزل راقياً، رُقيِّ الذين أحسنوا الحسنى وزيادة، جعلنا الله ممَّن اقتدى به في الأولى والآخرة ونال مراده.
6. فَأفْرَدْتُ مَنْهَا مَا تَيَسَّرَ نَظْمُهُ
لَعَلِّيَ فِيْ نَيْلِ الْعُلَى أَتَبَحَّرُ
فأفردت: صُيِّرَت فرداً منها [ ..... ] أي: المسائل الموصوفة. وما: موصولة. وتيسر: تسهَّل نظمه الصلة والعائد. ولعلَّ: للترجي. والنيل: بلوغ المقصود. والعلى: جمع العليا المكان المُشرف على غيره وهو كناية عن العلوم الشرعية. والتبحر: التوسع، إشارة إلى قول الإمام الشافعي - رضي الله عنه -: "من أراد أن يتبحر في الفقه فهو عيال على أبي حنيفة، أو فلينظر في كتب أبي حنيفة" - رضي الله عنه -.
7. ولَمْ أذْكُرِ الْمَذْكُوْرَ فِيْ كُلِّ كُتْبِنَا
وَمَا كَانَ مِنْ قَيْدٍ مُفِيْدٍ سَأذْكُرُ
القيد: ما يمنع الاختلاط ويزيل الالتباس. والمفيد: هنا ما يحصل للإنسان زيادة علم.
وحاصل البيت: أنَّ الُمصنِّف ـ رحمه الله ـ لا يتعرض للمسائل المسطورة في جميع كتب الأصحاب فإنَّه لم يضع هذا للمبتدئ؛ لأنَّه رُبَّما خلط عليه وعَلَّمَهُ ما لا ينبغي له أن يعلمه، وإنَّما يُوجَد من مسائله في الكتب المعتمدة، فإنَّما نظَمه لزيادة قيد أغفل [ ..... ].
8. وَرُبَّ مَكَانٍ زِيْدَ فِيْهِ رِوَايَةٌ
فَأَوْضَحْتُ أْوْلَاهَا وَمَا هُوَ أَشْهَرُ
رُبَّ هنا: للتقليل. والمعنى: أنَّه إنَّما يذكر شيئاً من المسائل التي في الكتب المشهورة لرواية زائدة ذُكرَت في غيرها، أو لأنَّه لم يذكر فيها الراجح أو ظاهر المذهب أو الأولى، فهو يشير إلى ذلك بتقديمٍ أو تصريحٍ أو مفهومٍ كما سنقف عليه إن شاء الله تعالى.
9. وَأَسْطِّرُ فِيْ رُوْسِ الْمَسَائِلِ أَحْرُفَاً
تَعْرَّفُهَا مِنْ جَدْوَلٍ قَبْلُ أَسْطُرُ
وأسطرُ: أي: أكتب. وروس: جمع رأس. وتميم يتركون همزته كما في النظم. والجدول: هنا ما يُرسَم من أشكال تدلُّ على غيرها. فالضمير في (تعرفها) للمسائل. وقد ذكر الشَّارح العلامَّة ابن الشِّحنة جميع الكتب وصرًّح في كل بيت بما نقل عنه. وجملتها ستة وثلاثون كتاباً نفيسة معتمدة وهي: الجامع الكبير، والمبسوط، والهداية، والمحيط، والبدائع، والأحكام، والذخيرة، وأوقاف الخَصَّاف، وشرح أدب القاضي له، والسير الكبير، وعيون المسائل، وزلة القارئ، والخلاصة، والتتمة، وقاضي خان، والخاصي، والظهيرية، والقنية والمنية، والواقعات، وخزانة الأكمل، وروضة الناطفي، وفصول الاستروشني، والنتف، وشرح الطحاوي للاسبيجابي وشرحه للرازي، وشرح الكنز للزيلعي، والنهاية، ونهاية الكفاية، والغاية، والكافي، وشرح الفرائض، والحاوي القدسي، وشرح القدوري للزاهدي، والتجنيس والمزيد، والاختيار.
10. وَهَا أَنا فِيْ الْمَقْصُوْدِ أسْعَى بِعَوْنِهِ
وَقُدْرَتِهِ فَهُوَ الْمُعِيْنُ الْمُقْدِّرُ
ها: حرف تنبيه. وأنا: ضمير المتكلم. وهو: مبتدأ. وأسعى: أعمل خبره. وفي المقصود وبعونه: متعلقه. وبقدرته: عطف عليه. والعون على الأمر: هو الظهير. وفيه إشارة إلى مذهب أهل السنة: أنَّه لا مُعين ولا مُقدر سواه، وكل مقدور إليه يرجع خلافاً للمعتزلة في خلق الأعمال.
11. وَمَا أَنَا مِنْ كَيْدِ الْحَسُوْدِ بِآمِنٍ
وَلَاَ جَاهِلٍ يَزْرِيْ وَلا يَتَدَبَّرُ
الكيد: الخديعة والمكر. والحسود: فعول من الحسد فيه مبالغة في معنى الحاسد. وهو الذي يتمنى زوال نعمة المحسود وانتقالها إليه. والغبطة: تمني مثلها فقط، وهي جائزة لا الحسد.
والآمن: المطمئن. ولا جاهل: عطف على الحسود، يعني: ولا من كيد جاهل. ويزري: بفتح التحتية من زرى عليه إذا عابه واستهزأ به، أو أنكر عليه، ولم يعده شيئاً أو تهاون به. ويجوز ضمها من أزري. قال في القاموس: "لكنَّه قليل". وأزرى بأخيه: أدخل عليه عيباً أو أمراً، يريد أن يلبس عليه. ولا يتدبر: عطف عليه، أي: لا يتفكر في عواقب الأمور.
يشير بهذا إلى أنَّه أُبْتُلِىَ بما ابْتُلِيتَ بِهِ مِنْ حَسَدِ الحاسِدين وكيد المعاندين. والله المسئول أن يجعل كيدهم في نحرهم. وفي الأمثال المشهورة: الحسود لا يسود أبداً. ولله دَرُّ القائل:
هُمْ يَحْسُدُونِي وَشَرُّ النَّاسِ كُلِّهِمْ ... مَنْ عَاشَ فِي النَّاسِ يَوْمًا غَيْرَ مَحْسُودِ
فبعضهم استكثره عليه، وبعضهم قال: إنَّه مسبوق إليه وغير ذلك، وقد قيل في مثله حين ظهور حاشيتي على الدُّرر في سنة ثلاثين وألف، وإذا كانت العلوم مِنحاً الهيَّةٌ ومواهب اختصاصيَّة فغير مُستبعَد أن يُدَّخر لبعض المتأخرين ما عُسِر على كثير من المتقدمين. فأعاذنا الله من حسد يَسُدُّ باب الإنصاف ويردّ عن جميل الأوصاف، ومن شرِّ حاسد إذا حسد بمكر واعتساف.
12. وَيَمَّمْتُ وَجْهَ اللهِ فِيْ كُلِّ حَالَةٍ
وَمَنْ أُمَّهُ مُسْتَرْشِداً لَيْسَ يَخْسَرُ
التيمُّم: القصد. والحال: الصفة يُذكَر ويُؤنَث. والرُّشد: الصلاح. وإصابة الصواب: وهو ضد الغيِّ، والمعنى: أنَّه من أخلص في طلبه ونيته وصل لقصده وبغيته.
وقد ضمَّن قصيدته هذه نظم قاضي القضاة نجم الدين الطرسوسي، حين ظفر به بعد موته وكان لم يَسمح به لأحد، وقد جاءت دون قدر النِّصف منها، والله [ ... ] المسئول أن يجعل ما قصده وقصدناه خالصاً لوجه الكريم، وأن يُنعِم علينا بفضله العميم إنَّه هو الغفور الرحيم.
فصل من كتاب (الطهارة)
الفصل لغة: الحاجز بين الشيئين [ ..... ]. واصطلاحاً: طائفة من المسائل انقطع حكمها عمَّا قبلها وغير مترجمة بالباب. والكتاب لغة: بمعنى الكتب وهو الجمع. واصطلاحاً: طائفة من المسائل أُعتُبرَت مستقلة مطلقاً. والطهارة لغة: النظافة. وشرعاً: النظافة عن النَّجاسة الحكميَّة والحقيقية. وقُدِّمَت على الصَّلاة تقدُّم الشرط على المشروط.
13. فَسَادُ وُضُوْءٍ مَعْ صَّلاةِ يُقَرَّر
بِقَهْقَهَةٍ فَيهَا وَعَقْلٍ يُغَيَّرُ
14. وَمَعْ حَدَثِ الْعَمْدِ إحْتِلَامٌ وَنَوْمُهَا
لِيَعْقوْبَ عَمْدَاً فِيْ السُّجُوادِ وَيَنْدُرُ
الضمير في فيها ونومها: للصَّلاة. ويندر: الندور السقوط والخروج عن السجود. وفي البيتين خمس مسائل من "الغاية" كلٌ منها يبطل الوضوء، والصَّلاة معاً.
الأولى: القهقهة، وحقيقتها: ما يسمعه جاره، تبطل الوضوء والصَّلاة. قُيِّدَ بالقهقهة ليخرج الضحك: وهو ما يسمعه دون غيره، فتبطل به الصَّلاة لا الوضوء. والتبسم: إذاً لا يبطل شيئاً وشمل النَّائم والنَّاسي والمغتسل. وما قيل من أنَّ القهقهة حالة النَّوم لا تبطل شيئاً، أو تبطل الوضوء لا الصَّلاة كما قيل في النَّاسي. فكلُّه ضعيف وإن صُحِحَّ. فالنَّظم على قول الجمهور. وشمل المصلي حكماً، وهو من سبقه حدث فقهقهة في ذهابه للوضوء. ومن كان مغتسلاً فيلزمه الوضوء زجراً له، ولا يلزم منه تجزئ الطهارة، والتَّيمم، كالطهارة بالماء، والصَّلاة: هي الكاملة ذات الركوع والسجود ولو بالإيماء، فخرَّج صلاة الجنازة، وسجدة التلاوة، إذ القهقهة تبطلهما دون الوضوء.
الثانية: تغيِّر العقل في الصَّلاة، بالإغماء، أو الجنون، أو السُّكر، أو الغُشيِّ ولو قليلاً. قدَّم الإغماء وفصل بينه وبين الغُشيِّ؛ لأنَّه غيره عند الأطباء والفقهاء، إذ الإغماء امتلاء بطون الدِّماغ من بلغم بارد [ ..... ] غليظ. [والغُشيُّ: مَن امتلأ خانق، أو مؤذ بارد]، أو جوع شديد، أو وجع شديد، أو آفة في عضو شاركه، كالقلب والمعدة، وهو بفتح الغين وسكون الشين المعجمة. وفي بعض الرِّوايات بكسر الشين وتشديد الياء، وفي حدود المتكلمينَ الغينُ فيه مضمومة. وصورة السُّكر الناقض: أن يَدخُل في الصَّلاة صاحياً ثمَّ يطرأ عليه السُّكر، وكذا الجنون. وحدُّ السُّكر الناقض: أن يحصل في مِشيته خلل، هو الصحيح.
والمنقول عن شمس الأئمة. واختار الصدر الشهيد: أنَّه لا يُعرَف الرَّجل من المرأة كما هو حدُّه في الحدِّ.
الثالثة: تعمُّدُه الحدث في الصَّلاة قبل القعود قدر التشهد ولو بعده، بطلت الطهارة لا الصَّلاة.
الرابعة: الإنزال باحتلام، أو نظر، أو فكر يبطل الصَّلاة والطهارة. ولا يصحُّ البناء لمخالفته النَّص الوارد في الوضوء على خلاف القياس. وجعل الشَّارح الحيضَ مشاكلاً للاحتلام صحيح من حيث الحكم بالبطلان، غير أنَّه لا يَحسُن هنا؛ لأنَّ الكلام فيما يمكن العود بعد الحدث للصلاة بالطهارة، وهو منتف بعروض الحيض.
الخامسة: تعمُّد النَّوم في سجود الصَّلاة. قال المؤلف: "وهذا عند أبى يوسف خاصَّة، وأمَّا عندهما: تفسد الصَّلاة دون الوضوء".
قلت: يخالفه قول قاضيخان: "وإن تعمَّد النَّوم في سجوده تنتقض طهارته"، وتفسد صلاته، فتكون المسألة اتفاقية.
ثمَّ أقول: فائدة التقييد بالسجود احترازاً عن الركوع، قال قاضيخان: "فإن تعمَّد النَّوم في قيامه أو ركوعه لا تنقض طهارته في قولهم".
ثمَّ قال الشَّارح رحمه الله:
فرع غريب تصحيحه: قال العتَّابي في جوامع الفقه: "المباشرة الفاحشة تنقض عند أبي حنيفة وأبي يوسف، يعني: خِلافاً لمحمد، ثمَّ قال: ورُوِي عن أصحابنا: لا تنقض ما لم يظهر شيء، وهو الصحيح". فنظمته؛ لأنِّي لم أقف عليه في غيره، فقلت:
15. وَيُرْوَى عَنِ الأَصْحَابِ لَيْسَ بِنَاقِضٍ
مُبَاشَرَةٌ فَحْشَاً الصَّحِيْحُ الْمُحَرَّرُ [ ..... ] ...
16. وَغُسْلٌ عَلَى شَخْصٍ وَمَا ثمَّ سُتْرَهٌ
فَيَأْتِيْ بِهِ فِيْ الْقَوْمِ لَا يَتَأَخَّرُ
17. وَلَيْسَ كَالاسْتِنْجَاءِ وَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ
وَفِيْ امْرأَةٍ بَيْنَ الْرِّجَالِ تُؤَخِّرُ
الشخص: سواد الإنسان، ثمَّ استُعمِل في ذاته. وثمَّ: ظرف لا يَنصرف، بمعنى: هناك. والسِّترة: ما تستَّرت به مهما كان. والقوم: جماعة الرِّجال والنِّساء معاً، أو الرِّجال خاصةً، أو تدخله النِّساء تبعاً. والاستنجاء: طلب إزالة النَّجوِ، أي: النَّجاسة. وعُرِّف في الفقه: بأنَّه إزالة ما على السبيلين من النَّجاسة.
وقد اشتمل البيتان على أربع مسائل: رجل لم يجد مكاناً [خالياً] يغتسل بين القوم، ويختار الأستر، ولا يُؤخِر الغسل لرؤيتهم. وفي الاستنجاء يتركه، ولا يكشف عورته؛ لأنَّه يصير بالكشف فاسقاً، ويستنجي بالحجر لم يتجاوز النَّجس مخرجه بأكثر من قدر الدرهم، وإن تجاوزه يُفترَض غسله، وكذا لو أصاب طرف الإحليل بول أكثر من قدر الدرهم، فيحتال لإزالته بمحل لا يراه غيره.
والمرأة تؤخر الغسل إذا كانت بين الرجال، أو بين رجال ونساء، وإذا كانت بين النساء فقط، تأتي به كالرجل بين الرجال، وإذا كان الرجل بين النساء، قال الشيخ: لم أقف عليه فيه على نقل وقياسه التأخير؛ لأنَّه يُغتفَر في الجنس ما لا يُغتفَر فيه مع غيره، ولا يُقبَّح قبحه، فكذلك مع النساء والرجال. والفرق الظاهر جواز الصَّلاة مع الخَبثِ القليل مطلقاً، ومع الكثير للضرورة دون الحدث.
18. وصُحِّحَ كُرْهُ الْبَوْلِ فِيْ الْمَاءِ جَارِيَاً
وَلَوْ عَاد بِئْرٌ غَارَ قَدْ قِيْل تَطْهُرُ
صُحِحَّ: [مبني] للمجهول. والكره: مصدر كره، بمعنى: كره الشارع ذلك الفعل. والمكروه ضد المحبوب.
والجاري: ما يعدُّه النَّاس جارياً. وضمير (تطهر): للبئر، وهو إسناد مجازي إذ المراد ماؤها إطلاقاً للمحل على الحال. وفي البيت مسألتان:
الأولى: يُكرَه البولُ في الماء الجاري في الأصحِّ. وعن بعض أصحابنا أنَّه رخَّص فيه، وقيَّد بالجاري، فأفاد الكراهة أيضاً في الذي يكون عشراً في عشر. وحرمة البول في الماء القليل لتنجيسه.
الثانية: تنجَّست بئر، فغار ماؤها ثمَّ عاد، الصحيحُ أنَّه طاهر بمنزلة النزح، وكذا لو وقعت فيها فأرة، وغار قدر عشرين دلواً، طَهُرَ الباقي على خلاف فيه، والأرفق الطهارة.
والبيت يُفهَم أنَّ القول بطهارته مرجوح، وأنَّ الراجح ضدَّه وليس كذلك، واشتراط جفاف البئر قبل عود الماء غير ظاهر فيه؛ لأنَّه بمنزلة النَّزح لا يُشترَط للطهارة الجفَّاف.
والحكم بطهارة البئر، كالحكم بطهارة المنيِّ بفركه، ودباغة الجلد الحكميَّة، وذهاب أثر النَّجاسة بجفَّاف الأرض لا يعود شيء منها نجساً بإصابة الماء الطاهر في الأظهر [ ..... ].
19. وَتُنْزَحُ كُلُّ الْبِئْرِ بِالْشَّاةِ حَيَّةٌ
كَذَا مُحْدِثٍ أَوْ كَافِرٍ وَهُوَ أَنْظَرُ
فيه إشارة إلى الخلاف بوقوع ما ذُكِر في البئر، والذي يقوم عليه الدَّليل أنَّه لا تُنزَح البِئر بخروج الشاة ونحوها حيَّة ما لم يُتيقَّنُ نجاسةٌ معها حتى الكلب؛ لأنَّه ليس بنجس العين في الأصح، فإذا لم يُصَبُّ في الواقع [ ... ] الماء فهو طهور، وإذا وصل فماء سؤره طاهر فطاهر.
والمكروه يُستحَبُّ نزح عشرين دلواً، والمشكوك: يُنزَح كالنَّجَس، والمُحدِث إذا لم يرد الطَّهارة على قول محمد: طاهر. وطهور هو الصحيح. واختُلِفَ في الكافر إذا وقع فيها، قال بعضهم: يُنزَح كلُّه، وفي التحقيق: يُرجَع إلى مسألة البئر جحط، وأمَّا بعد موته فإذا لم يُغسَّل فوقع يفسد الماء، وبعد الغسل فيه اختلاف أيضاً، والاحتياط في كل ما تقدَّم معلوم، والإشارة إلى ذلك بقوله في النظم، وهو: أنظر، يعني: النَّزح، وأنَّه قيل غير ذلك.
تنبيه: أشرت بما إذا لم يَرِد المحدث الطهارة إلى أنَّه إذا أراد الطهارة أفسد البئر ولم يطهر. وما ذُكِرَ من أنَّ الاستعمال بالجزء الذي يُلاقي جسده دون باقي الماء فيَصير ذلك الجزء مُستهلَكاً في كثير، فهو مردود لسريان الاستعمال في الجميع حكماً، وليس كالغالب يُصَبُّ القليل من الماء المستعمل فيه.
20. وَلَوْ كَانَ عُمْقُ الْبِئْرِ عَشْرَاً فَصَاعِدَاً
فَقِيْلَ أَصَحُّ الْقَوْلِ مَا يَتَغَيَّرُ
العمق: بفتح العين المُهملة وضَمِّها وبِضمَتينِ: قعر البئر، ونحوها. وما: نافية. والذِّراع: مؤنثة.
اشتمل هذا البيت على فرع غريب جداً صورته: إذا كانت البئر لها عمق عشرة أذرع فصاعداً وليس لها عرض لا تَنْجُس بوقوع النَّجاسة، إذا لم تتغير بظهور أثر النَّجاسة في أصح الأقوال.
ذكره في "القنية" و"شرح التمرتاشي" و"الإيضاح". قال ابن الشِّحنة: "ولا يخفى أنَّ الأوجه التنجيس وقد حققَّناه في شرح الكنز".
21. وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إِلَّا نَبِيْذاً لِتَمْرَةٍ
تَوَضَّأَ مِنْهُ وَالتَّيَمُّمُ أَشْهَرُ
22. لِيَعْقُوْبَ وَأجْمَعْ عَنْهُ مِثْلَ مُحَمَّدٍ
وَلِلصَّدْرِ يُرْوَي وَالْتَّيَمُّمُ أَظْهَرُ
الضمير في (منه): للنبيذ. وفي قوله: ليعقوب: متعلقة قوله: والتيمُّم أشهر. والضمير في (عنه): ليعقوب. وفي يروي: للجمع. والصَّدر: أبو حنيفة. اشتمل البيتان على مسألةٍ صُورتُها: إذا لم يجد إلا نبيذ التمر والتُّراب، ففي المسألة أقوال:
فعن الإمام: يتوضأ منه، وهو المشهور عنه. فيُمنَع التيمُّم ويَبطل التيمُّم برؤية النَّبيذ، ولو في الصَّلاة.
وعن أبي يوسف: يتيمَّم ويترك النَّبيذ، وهو المشهور عنه. وعن محمد: الجمع بين الوضوء بنبيذ التمر والتيمُّم. ورُوي عن الإمام كل قول منَ الثلاثة أيضاً.
ورُويَ الجمع عن أبي يوسف، ولم يُروَى عن محمد غير الجمع. قال في التقريب:
"ولهذا قالوا: لا بُدَّ من النِّية في التوضؤ به. والأظهر: ترك النَّبيذ. ويتيمَّم في الصحيح مع وجود النَّبيذ. ولا يجوز الغسل بالنَّبيذ في الأصحِّ؛ لأنَّ الجنابة أغلظ الحدثين". وصُحِّح في "المبسوط": الجواز. وهذا إذا كان حُلواً ليس مُسكِراً، وأمَّا غير نبيذ التمر من سائر الأنبذة فلا يجوز الوضوء بها خلافاً للحسن بن صالح، والأوزاعي. وعلى الضَّابط الذي ذكره الزيلعي: يجوز ما دام الماء رقيقاً سيَّالاً بمخالطة جامد.
23. وَعُذْرُكَ شَرْطٌ ضَرْبَتَانِ وَنِيَّةٌ
والإسْلَامُ وَالْمَسْحُ الصَّعِيْدُ الْمُطَهَّرُ
وعذرك: مبتدأ. وشرط: خبره. وضربتان وما بعده: عطف على المبتدأ. وهمزة الإسلام: منقولة إلى الّلام رعاية للوزن. والصعيد: وجه الأرض.
اشتمل هذا البيت على شرائط التَّيمُّم وهي ست:
الأولى: العُذر، كفقد الماء والبرد.
والثانية: الضربتان واحدة للوجه والأخرى لليدين. وإذا مسح وجهه ويديه بتراب أصابه، كُفيَ عن الضربتين.
والثالثة: نية الطَّهارة، أو نية عبادة لا تصحُّ بدون الطهارة.
الرابع: الإسلام فلا يصحُّ تيمُّم كافر؛ لأنَّه عبادة لا تصحُّ منه نيتها.
الخامسة: استيعاب الأعضاء.
السادسة: الصَّعيد: الطَّهور، وهو الذي لم تصبه نجاسة. والأرض إذا أصابتها نجاسة وذهب أثرها لم يُجِز التيمُّم منها في أرجح الأقوال، وتصحُّ الصَّلاة عليها.
24. وَعَنْ زُفَرَ الإجْزَاءُ مِنْ دُوْنِ نِيَّةٍ
وَأحْمَدُ تَكْفِيْ ضَرْبَةٌ بَلْ وَأَجْدَرُ
وعن زفر: خبر مقدَّم، ومبتدأه الإجزاء، وهو مصدر أجزأ بمعنى: أغنى. وأحمد: فاعل فعل مُقدَّر، أي: وقال: أحمد بن حنبل. اشتمل البيت على أمرين:
أحدهما: أنَّ النية في التيمُّم ليست شرطاً لصحته عند زفر، فيجوز تيمُّم الكافر، وتارك النية كالوضوء.
والثاني: قال أحمد بن حنبل - رضي الله عنه -: تكفي ضربة واحدة في التيمُّم.
وقال ابن الشِّحنة: وعن محمد بن الحسن: لا بُدَّ من ثلاث ضربات، [الثالثة: منها للتخليل وبعضهم قالَ أربعُ ضربات]؛ ليتحقَّق الاستيعاب. وكلاهما مُخالفٌ للنَّص، والتَّخليل، والاستيعاب لا يتوقفان على ذلك.
25. وَيَعْقُوْبُ لِلإِسْلاَمِ قَدْ قَالَ: جَائِزٌ
وَيَجْزِيْهِ مِنْ بَعْدِهِ فَيُقَرَّرُ
الضمير في قوله (ويجزيه): للتيمُّم الواقع من الكافر للإسلام. وفي (بعده): للإسلام. وفي (يقرر): للتيمُّم.
اشتمل البيت على ذكر الشرط الرابع وهو الثالث ممَّا فيه الخلاف: وهو الإسلام. قال أبو يوسف: ليس بشرط؛ لأنَّ الكافر إذا نوى بالتيمُّم الإسلام جاز، ويُصلي به بعد الإسلام، وظاهر المذهب خلافه.
26. وَقَدْ قِيْلَ الاِسْتِيعَابُ ليْسَ بِشَرْطِهِ
وَيَعْقُوْبُ عِنْدَ الْعَجْزِ جَازَ التَّغَبُّرُ
27. وَجَوَّزَهُ مِنْ غَيْرِ عَجْزٍ مُحَمَّدٌ
وَقَالَ: كَفَى فِيْهِ الْغُبَارُ الْمُعَفِّرُ
لا يتزن البيت إلا بنقل همزة الاستيعاب إلى اللام، والضمير في شرطه: للتيمُّم. ويعقوب: فاعل فعل مقدر، وقال يعقوب: والمراد بالعجز: العجز عن استعمال التّراب، والتغبر: مصدر تغبَّر، أي: استعمل الغبار. وضمير (جوَّزه): للتغبر. وفي (فيه): للتيمُّم.
اشتمل البيتان على مسألتين:
الأولى: صورتها تيمَّم ولم يَستوعب الأعضاء بالمسح. روى الحسن: أنَّه لو ترك أقل من الرُّبَعِ يُجزِيه. ورُوي عن أبي حنيفة: أنَّ مسح الأكثر يكفي.
وفي "شرح الزاهدي": ترك ما دون الدرهم جاز. وظاهر الرِّواية لا بُدَّ من الاستيعاب، وصُحِّحَ كلٌ من ذلك.
والثانية: لو تيمَّم بغبار من ثوب ونحوه، فعن أبي يوسف فيه روايتان: رُوي عنه الإجزاء عند العجز عن التراب، كما لو كان في طين، أو في البحر، ولا يقدر على الاستعمال الماء. وروي عنه: عدم الجواز مطلقا. وفي رواية عنه: يتيمَّم ويُعيد. وقال محمد: "يجوز التيمُّم بالغبار مع القدرة على الصَّعيد". وهو المذهب المنصور. قال ابن الشِّحنة: "وسننه أربع: إقبال اليدين قبل وضعهما على التراب وإدبارهما ونفضهما وتفريج الأصابع".
28. وَقَدْ جَوَّزُوْا مَسْحَ الْجْبَائِرِ مُطْلَقَاً
إلَى وَقْتِ أَنَّ الْقَرْحَ وَالْجُرْحَ يُجْبَرُ
الضمير في جوَّزوا: لأئمتنا. والجبائر: جمع جبيرة، وهي: اسم لعيدان تُوضَع على العضو المكسور، وقد تُطلَق على الخرقة الموضوعة على القرح بالفتح والضم. والجرح بالضم حتى ينصلح. ومطلقاً: نعت بمصدر محذوف، أي: تجويزاً مطلقاً، ويجبر: ينصلح.
اشتمل البيت على مسألة صورتها: من به جراحات، أو قروح يضرُّه استعمال الماء، فوضع عليها جبيرة جاز له المسح عليها حتى تبرأ. وهل مسح جبيرته فرض، أو واجب، أو مستحب؟
قال في البدائع: "إنَّه مُستحب عند الإمام وواجب عندهما. وقال بعضهم: يجب وهو الصحيح، وليس بفرض. وإنْ ضرَّه المسح سقط عنه بالاتفاق للحرج".
قال ابن الشِّحنة: "ذكر الجلابيِّ في كتاب الصَّلاة: [أنَّ من به وجع في رأسه لا يستطيع مسحه] يسقط فرض المسح في حقه". وهي مهمة نظمتها فقلت:
29. وَيَسْقُطُ مَسْحُ الرَّأْسِ عَمَّنْ بِرَأْسِهِ
مِنَ الْدَّاءِ مَا إِنْ بَلَّهُ يَتَضَرَّرُ ...
30. وَحُبَّ وُضُوْءٌ قَدْرَ فَرْضٍ لِحَائِضٍ
مُسَبِّحَةً حَالَ الْتَّوَجُّهِ يُنْصَرُ
حُبٌّ: مرفوع بالابتداء. ووضوء: مجرور بالإضافة إليه. وينصر: الخبر، وهو مبني للمجهول. ويجوز بناء (حب) لما لم يُسمَّ فاعله. ورفع (وضوء) على أنَّه معموله. ومسبحه: حال من الحائض. والتسبيح: التنزيه.
في البيت مسألة صورتها: المرأة الحائض، يُستحَبُ لها أن تتوضأ لوقت كل صلاة، وتقعد على سجادتها تسبح وتهلل، ويُكتَبُ لها ثواب أحسن صلاة تصليها. وفائدته: دوام العبادةِ، كما قال خلف بن أيوب لابنه: "إذا كان أبو مطيع غائباً فاذهب إلى مجلسه، واجلس ساعة ليلاً تزول عنك عادة الاختلاف إلى الدروس، فكذا الحائض".
31. وَلَوْ طَهُرَتْ بَعْدَ الثّلَاثِ وَطُهِرَتْ
وَعَادَتُهَا لمْ تَمْضِ فَالْوَطْءَ يَذْكُرُ
32. كَرَاهَتَهُ بَعْضٌ ويَنْفِيْهِ بَعْضُهُم
وَبِالصَّوْمِ تَأْتِيْ وَالصَّلاة وَتَذْكُرُ
كراهته: مفعول يذكر في آخر البيت الأول، وهو تضمين عَدوِهِ مِنْ عيوب الشِّعر، يعني: القوافي، والضمير: للوطء. وضمير ينفيه: له أيضاً. وتأتي، وتذكر: لمن طَهُرت. اشتمل البيتان على مسألتين:
الأولى: صورتها: لو طهرت الحائض بعد ثلاثة أيام، وعادتها تزيد على ذلك، واغتسلت، يُكرَهُ لزوجها أو سيدها وطؤها كما في "المحيط" حتى تمضي عادتها احتياطاً. وبعضهم قال: "لا يُكرَه لزوجها وطؤها".
والثانية: أطبقوا على أنَّها تصوم، وتصلي، وتأتي بجميع ما يُمتنَع فعلُه على الحائض من العبادات أخذاً بالاحتياط فيها؛ لاحتمال عدم العود.
33. وَمَنْ طَهُرَتْ أَثْنَاءَ وَقْتِ صَلَاتِهَا
فَتَقْضِيْ وَفِي الْعَكَسِ الْقَضَا لَا يُقَرَّرُ
قال المُصنِّف: إنَّ (مَنْ): شرطية. والصحيح شمولها المؤنث. وأثناء: منصوب بنزع الخافض. والفاء في فتقضي: جواب الشرط. اشتمل البيت على ثلاث مسائل:
الأولى صورتها: إذا طَهُرت المرأة بعد دخول وقت الصَّلاة ثمَّ خرج الوقت ولم تُأدِّها وجب عليها القضاء. وهذا إذا بقي منه ما يسع الغسل والتحريمة، وقد انقضت عادتها لدون عشرة، أو طهرت بعد ثلاثة أيام قبل تمام عادتها. وأمَّا إذا طَهُرت لتمام عشرة لا يُعتبَر زمانُ إمكان الغسل وإنَّما يُعتبَر إمكانُ الافتتاح، وهذا مبنيٌ على أصلٍ، هو: أنَّ زمان الغُسل مِنَ الطُّهر في العشرة؛ لئلا تزيد الأيام على العشرة، وفيما إذا انقطع الدَّم فيما دون العشرة يكون زمان الغسل من زمان الحيض. والافتتاح مُقدَّر بقولها: (الله) عند الإمام، وبإضافة (أكبر) إليه عند أبي يوسف. والفتوى على قول الإمام.
الثانية: أنَّه يجب عليها الأداء وقد فُهِمَ ذلك من إيجاب القضاء؛ لأنَّه يجب بما يجب به الأداء عندنا على الصحيح.
الثالثة: صورتها: لو حاضت المرأة في وقت صلاة لا يجب عليها قضاء تلك الصَّلاة إذا طهرت من حيضها، سواء أدركها الحيض بعد ما شرعت فيها أو قبله، بقي من الوقت [ ... ] ما يسع أداء الصَّلاة أو لا، وأمَّا إذا شرعت متنفلة ثمَّ حاضت فإنَّه يجب عليها القضاء، وكذا إذا أوجبت في يوم صلاة على نفسها ثمَّ حاضت فيه يجب عليها قضاءها وكذا الصوم.
34. وَلَوْ طَهُرَ الْمَعْذُوْرُ ثَانِيَ وَقْتِه
أَعَادَ فَالاِسْتِيْعَابُ شَرْطٌ وَيُنْظَرُ
35. فَمَنْ كَانَ مُعْتَادَ الْخُرُوجِ بِلَيْلِهِ
فَيَقْضِيْ الْعِشَا فِيْ الْفجْرِ قَالُوا يُؤَخِّرُ
اشتمل البيتان على مسألتين:
الأولى: صورتها شخص رَعُفَ، أو سال من جرحه دم، ينتظر آخر الوقت، فإن لم ينقطع توضأ وصلَّى قبل خروج الوقت، ثمَّ إنِ انقطع قبل خروج الوقت الثالث توضأ وأعاد الصَّلاة وإلا فلا، والمراد أنَّ العُذر حصل في بعض الوقت.
واختُلِفَ في تفسير صاحب العُذر، وله ثلاثة شروط: شرط ابتداء، وشرط دوام، وشرط انقطاع، فالأول: الاستيعاب حقيقة أو حكماً وقتاً كاملاً لم يتمكن فيه من الطهارة والصَّلاة خالياً عن العذر. وشرط الدوام: وجوده بعد ذلك ولو مرة في كل وقت. وشرط انقطاعه: خلو وقت كامل عنه حقيقة.
الثانية: صورتها: شخص اعتاد السيلان بعد دخول وقت العشاء إلى طلوع الفجر ولا يسيل نهاراً، يقضي العشاء بعد الفجر ليؤدي الصَّلاة التي لزمته بطهارة كاملة، قال ابن وهبان: "وفيه نظر؛ لأنَّه لا يجوز تأخير الصَّلاة عن وقتها، والاحتياط في باب العبادات أولى من التقديم"، ولا يخلو حاله إمَّا أن يستوعبه العذر كمال [ ... ] وقت العشاء فهو معذور، ولا يجوز له تأخير العشاء للفجر فيصلي بطهارة المعذورين العشاء في وقتها، وإن لم يستوعبه فإنَّه ينتظر آخر الوقت، فإن صلَّى فيه يعيده في الوقت الثاني؛ لأنَّه صلَّى بغير طهارة، الأصحُّ هو منهم لوجود التمكن فيه.
36. وَقَدْ قِيْلَ فِيْ الْمَفْصُوْدِ مَا انْضَمَّ فَصْدُهُ
كمَنْ جُرحه مَا زَالَ بِالدَّم يَقْطُرُ
(ما) في قوله: ما انضم: نافية، أي: قصده مفتوح. اشتمل البيت على قولين في مسألة واحدة منطوقاً، ومفهوماً. فالمنطوق صورته: رجل افتصد، وفم فصده مفتوح، بحيث لو تركه سال، حكمه حكم أصحاب الأعذار.
وأقول: فيه تأمل؛ لأنَّ ظاهر قوله بحيث لو تركه أنَّه لم يتركه، ومع عدم تركه سائلاً يخرج عن كونه معذوراً، فكيف يُحكم بأنَّه ليس من أصحاب الأعذار، وقد حُكِمَ بأنَّه ليس من أصحاب الأعذار بقدرته على ردِّ عُذره بحبس الدَّم، وهو: المفهوم الذي بيَّنه بقوله: والمفهوم أنَّه يخرج عن كونه معذوراً بحبس الدَّم بنحو، قطنة. وتظهر الثَّمرة بلزوم تجديد الوضوء بخروج الوقت.
والمختار: أنَّ غير المستحاضة من ذوي الأعذار يخرج عن كونه معذوراً بقدرته على ردِّهِ بحشوٍ لم ينفذْ من الخِرقَةِ المحشُوَّة، وله أن يؤُم غيره؛ لأنَّ الدَّم في موضعه. وفي المُستحاضة روايتان في خروجها عن الاستحاضة بالحشو كذا في الشرح.
قلت: يرجح رواية عدم خروجها بالحشوِ، التَّعليلُ بأنَّ دم الجُرح في محله، فيمنع الحشو انتقاله عنه، وأمَّا دم الاستحاضة فليس في محل الحشوِ، بل ينتقل من الباطن إليه، وكذا الرُّعاف الدائم، كالاستحاضة فتأمل.
37. وَمَنْ أَبْصَرَتْ فِيْ الْعَادَةِ الدَّمَ ثمَّ لَمْ
تُصَلِّ وَجَاء السُّقْطُ وَهُوَ مُصَوَّرُ
38. فَتَقْضِىْ لِمَتْرُوكِ الصَّلاة كَصَومِهَا
ومُدَّتُهُ قُلْ أَرْبَعٌ هُنَّ أَشْهُرُ
السقطُ: مُثلث السين: الولد الذي لم يتكامل خلقه. وقوله: (وهو مصور): يعني السقط، وليس المراد كمال تصويره، بل إنَّه استبان بعض خلقه. (وفاء) فتقضى: جواب الشرط. والضمير في (كصومها): لمن أبصرت، ومدته، أي: مدة مجئ السقط.
اشتمل البيتان على مسألة صورتها: امرأة كانت تَرى الدَّم في أيام حيضِها ثُمَّ أسقطتْ سَقطاً مستبين الخلق، تقضي ما تركت من الصَّلاة أربعة أشهر، وما أفطرت من الصيام؛ لأنَّها كانت حُبلى منذ أربعة أشهر، وهو الأصح. وقال الحسن: "منذ ستة أشهر".
39. دَمُ القْلْبِ وَالْكَبِدِ الطِّحَالاتِ طَاهِرٌ
وَفِيْ الْقَلْبِ قَوْلٌ كَالمَرَارَةِ يُزْبَرُ
الكبد: بكسر الكاف وسكون [الباء] الموحدة ويجوز فتحها. ويُزبَر: مبني للمجهول، والزَّبرُ: الكتابة.
اشتمل البيت على أربع مسائل: صورتها: لو صلَّى ومعه دم كثير من قلب، أو كبد، أو طحال، صحَّت صلاته؛ لطهارتها، ولا تنجس طاهراً؛ لأنَّه ليس بمسفوح، وعن الفياضي: أنَّها نجسة.
الرابعة: المرارة والتشبيه بها مع عدم علم حكمها فيه تساهل؛ لأنَّ في القلب قولين: طهارته، ونجاسته، وفيها ثلاث أقوال: مُغلَّظة، مخففة، طاهرة. فَرع نَظَمهُ الشَّارح بقوله:
40. وَتَنْجُسُ بِالْغَلْي الدَّجَاجَةُ ذُكِّيَتْ
وَأَمعَاؤُهَا فِيْها وَلَيْسَت تُطَهَّر ...
صورتُها: الدَّجاجة المُذكاة إذا لم تُشَقَّ بطنها وتخرج أمعاؤها قبل غليها بالماء لنتف ريشها لا تطهر إذا غُليت بأمعائها، وهذا إذا بقيت في الماء حتى قاربت النَّضجَ، أو نضجت فلا يمكن طهارتها على قول محمد. وعلى أصل أبي يوسف: ينبغي أن تُغلَى في الماء الطاهر ثلاثاً، فتطهر كما في اللحم المطبوخ بنجس كخمر. وأمَّا إذا أُلقيت الدَّجاجة في الماء بقدر انحلال مسام الريش فلا يضرُّ، وتطهر بغسل سلخ جلدها. وسيأتي في كتاب الكراهية بأزيد من هذا إن شاء الله تعالى.
41. وَعِنْدَهُمَا عَيْنُ الْكِلَابِ نَجَاسَةٌ
وَطَاهِرَةٌ قَالَ الِإمَامُ الْمطَهَّرُ
ضمير التثنية: للصاحبين بقرينة مقابلته بقول الإمام.
اشتمل البيت على مسألة صورتها: إذا دخل الكلب في الماء، ثمَّ خرج، ونفض شعره، فأصاب ثوب إنسان، اختلف فيه: فعندهما: ينجس. وعند الإمام: لا ينجس. واختلف التَّصحيح؟ فاختار الفقيهُ أبو الليثِ قولهما، واختار الصَّدر الشهيدُ قولَ الإمام بالطهارة. وفي "التجنيس والمزيد": أنَّه لا يصحُّ.
42. وَلَوْ عَضَّ كَلْبٌ عُضْوَ شَخْصٍ مُلاعٍبَاً
تَنَجَّسَ وَالْغَضْبَانُ لَيْسَ يُؤَثَّرُ
العضو: بالضم والكسر كلُّ لحم وافر بعظمه. ملاعباً: حال من النكرة، وهو سائغ. ذكره سيبويه.
اشتمل البيت على مسألة صورتها: إذا عضَّ كلب عُضوَ إنسان فإنْ كان مُلاعباً له تنجَّس، وإن كان حال غضب الكلب لا ينجس؛ لأنَّه في الأول: يأخذ بشفتيه، وهما رطبتان بلعابه النَّجس، وفي الثاني: يأخذ بأسنانه وهي جافة، والغضب ينشف ريقه، واللعب يسيله. والمُختار: أنَّه يُنظَرُ فإن وُجد لعابه ولو في الغضب تنجَّس، وإلّا فلا.
43. وَفِيْ خُرْءِ دُوْدِ الْقَزَّ خَلْفٌ، وَمَاؤُهُ
فَمَا نَجَّسُوا وَالْبِزْرُ وَالْعَيْنُ أَطْهَرُ
اشتمل البيت على أربع مسائل:
الأولى: صورتها: لو أصابه من خَرْءِ دود القَزِّ أكثر من قدر الدرهم أيمْنَعُ صحة الصَّلاة؟ اختلف فيه المشايخ: منهم من جوَّز صلاته لطهارته، ومنهم من منع لقوله بنجاسته.
الثانية: ماؤه الذي يُوجَد فيها يُهلَك منه قبل إدراكه، ويُحتمَل أن يكون الماء الذي يُغلَى فيه عند حله حريراً وهو طاهر.
الثالثة: بِزْرُهُ.
الرابعة: عينه وإذا صار حباً وهما طاهران، فتجوز صلاة حاملهما.
44. وَفٍيْ الْغَائِطِ الإِنْقَاءُ لِلرِّيْحِ وَاجِبٌ
وَقَوْلَانِ عِنْدَ الْعَجزِ عَنْهُ يُقَرَّرُ
الغائط في الأصل: اسم للمكان المُطيَّن من الأرض الذي يُقصَد للحاجة، كنَّى به عن الخارج النجس من إطلاق المحل وإرادة الحال. والانقاء: مبتدأ. وللريح: متعلقة، وواجب الخبر. وفي الغائط متعلقة أو متعلق الانقاء أيضاً. وضمير (عنه): وهو متعلق العجز.
اشتمل البيت على مسألة صورتها: أنَّ الخارج من الإنسان يُشترَط زوال رائحته حتى يطهر المحل، والأصبع الذي أصابه حال الاستنجاء فما دام يقدر على إزالة الرائحة لا يطهر حتى تزول، فإن عجز لا يضرُّ.
وقال الاسبيجابي: "لا يطهر ما لم تُزَل الرائحة وإن بالغ". قال صاحب الفوائد: "والنَّاس عنه غافلون، وإذا استنجى بنحو حجر فالعرق الذي يسيل منه لا يَمنع جواز الصَّلاة ولو صار أكثر من قدر الدرهم، وإذا جلس في ماء تنجَّس في الصحيح".
فصل من كتاب (الصَّلاة)
هي لغة: الدعاء. وشرعاً: عبادة ذات ركوع وسجود، أو هي مأخوذة من المُصلِّي؛ لأنَّ المصلي يُحرك صلوبه. فعلى الأول هي منقولة، وعلى الثاني هي مُغَيَّرَةٌ. والفرق بين التغير والنقل: أنَّ في النقل لم يبق المعنى الذي وضعه الواضع مَرعياً، وفي التغيير يكون باقياً لكنَّه زيد عليه شيء آخر.
45. وَقَوْلُهُمُ الْوُسْطَى هِيْ الْعَصْرُ أَظْهرُ
وَفِيْ الصُّبْحِ وَالْفَرْضَيْنِ وَالْخَمْسُ يُذْكَرُ
46. وَوَاحِدَةٌ مِنْهَا وَظُهْرٌ ومَغْرِبٌ
عِشَاءٌ وَقِيْلَ الصُّبْحُ مَعَهَا يُجْبَرُ
47. وَفِيْ عُمْرَةٍ قَوْلٌ وَخَوْفٌ وَجُمْعَةٌ
وَقِيْلَ: جَمَاعَاتُ الْجَمِيْعِ وأَكْثَرُ
اشتملت الأبيات على ثلاثة عشر قولاً في الصَّلاة الوسطى المُحرَّضُ عليها في قوله تعالى: {حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى} [سورة البقرة جزء من آية: 238].
والأقوال كلها في "الغاية":
الأول: أنَّها العصر، وهو أرجح الأقوال عندنا.
الثاني: أنَّها الصُّبحُ؛ لأنَّها بين نهاريتين وليلتين.
الثالث: أنَّها العصر، والصُّبح معاً. إليه مال بعض المالكية.
الرابع: أنَّها الصلوات الخمس.
الخامس: أنَّها واحدة من الخمس مبهمة أُخْفِيَت كليلة القدر، وساعة الجمعة، واختاره ابن العربي.
السادس: أنَّها الظُّهر، رُوي عن نفر من الصحابة، وعن الإمام أبي حنيفة - رضي الله عنه -.
السابع: أنَّها المَغرب.
الثامن: أنَّها العِشاء وحدها.
التاسع: أنَّها هي والصُّبح معاً.
العاشر: أنَّها العُمْرَة. واستضعف المؤلف وجهه.
الحادي عشر: أنَّها صلاة الخوف؛ لمخالفتها بقيَّة الصَّلاة.
الثاني عشر: أنَّها الجمعة؛ لكثرة فضائلها وشروطها.
الثالث عشر: أنَّها الجماعة. وقول المصنف وأكثر يشير إلى ما زيد على ما نُصَّ عليه، وقد ألحقه ابن الشِّحنة بقوله:
48. وَفِيْ الْفِطْرِ وَالأَضْحَى الضُّحَى الْوَتْرَ جَمْعَةٌ
لِدِىْ يَومِها وَالظُّهْرُ فِيْ الْغَيْرِ قَرَّرُوا ...
49. وكَامِلَةٌ مَا بَيْنَ ثِنْتَيْنِ مِثْلُهَا
لِسَعْدٍ وَقَوْلٌ بِالتَّوَسُّط يُزْبَرُ ...
وذكر ابن الشِّحنة نظماً لوالده وشرحه بمؤلَف له وهو:
50. أَقْوَالُ أَهْلُ العِلْمِ فِيْ الْوُسْطَى أَتَتْ
عَشْرَاً وَتِسْعَاً فَاسْتَمِعْ قَوْلِيْ وَعِ ...
51. فَالْخَمْسُ مِنْهَا خَمْسَةٌ وَالعَصْرُ مَعْ
صُّبْحٍ وَقَيْلَ: إِلَى عِشَاءٍ فَاجْمَعْ ...
52. وَالْخمْسُ حَقَاً أَوْ بِإِحْدَى الْخَمْسِ أوْ
وَترْضَحِيْ أَضْحَىْ أَوْ الفِطْر أَدَّعِيْ ...
53. خَوْفٌ وَعُمْرَةُ الجَمَاعَةِ جُمْعَةٌ
أَوْ يُوْمِهَا وَالظُّهْرُ فِيْ الْغَيْرِ أَسْمَعُ ...
54. وَمِنَ الْغَرَائِبِ أَنَّهَا مُتَوَسِطٌ
وَالْعَصْرُ صُحِحَّ لِلْدَلِيلِ الأَمْنَعُ ...
وزاد عليه ولده فقال:
55. والسَّعْدُ كَامِلَةٌ يَقُوْلُ تَوَسَطَتْ
مَا بَيْنَ كَامِلَتَيْنِ فِيْمَا يَدَّعِي ...
56. وَتوَسُّطٌ شَرْطَاً وَرُكْنَاً وَقْتَهَا
وَعَلَيْهِ قَالُوْا: فِيْ الْمُحَافَظَةِ أَرْبعي ...
57. وَكَذَلِكَ قَالُوْا: فِيْ الْعِيْدِيْنِ فَهِيَ ذَا
عِشْرُوْنَ بَعْدَ ثَلَاثَةٍ يَا الْمَعِي ...
وأراد بالسعد: شيخه سعد الدين الديري، وأراد بالكاملتين والكاملة: أن تكون أبداً بحيث لا يحصل في شيء منها نقص، ولا قصور، بفوات واجب، أو سنَّة، أو مستحب، أو أدب، فتصير وسطى؛ لكمالها في نفسها بين كاملتين مثلها.
58. عَلَى طَاهِرِ الْمَبْسُوطِ صلَّى تَجُوزُ لاَ
كَثَوْبٍ قَصِيْرٍ أَيْ بِهِ يَتَغَيَّرُ
الضمير في (به): للمصلي الذي تضمنه صلَّى. وفي يتغير: للثوب القصير. اشتمل البيت على ثلاث مسائل:
الأولى: على صورتها: صلَّى على طَرَف طاهر من بساط طرفه الآخر نجس، جازت ولو تحرَّك بحركته.
الثانية والثالثة: لو صلَّى في ثوب قصير يتحرك بحركته، الطرف الملقيُّ النَّجس، لا تجوز صلاته، وإن لم يتحرك صحَّت صلاتُه.
59. وَإِنْ يَنْكشِفْ مِنْ كُلِّ عُضوٍ قَلٍيْلُهُ
وَفٍيْ الْجَمْعِ قَدْرُ الرُّبْعِ فَهِيَ تَضَرَّرُ
قليله: فاعل ينكشف مضاف إلى الضمير العائد على عضو. و (الفاء) في فهي: واجبة في جواب الشرط بالاسمية. وتضرر: أي: تفسد، وإحدى التائين محذوفة كما في نار تلظى.
صورة مسألة البيت: إذا صلَّى وقد انكشف من كل عضو هو عورة، ما مجموعه قدر رُبع أصغر عضو منها تفسد صلاته، وإذا لم يكن إلا على عضو واحد يُعتبَر ربعه فقط، فلا يجمع المتفرق بالأجزاء، كالأسداس، والأتساع. فلا يُنظَر لعضو لم ينكشف منه شيء، وما دون الرُّبع لا يمنع صحة الصَّلاة. و (أل) في الرُّبع: للعهدِ المعروف عند الفقهاء، أي: الرُّبع من أصغرِ ما بهِ الانكشافُ فلا حاجةَ إلى تغيير النَّظم.
60. وَبِالثَّوْبِ لَوْ صَلَّتْ قِيَامَاً وَبَائِنٌ
مِنَ الْعَوْرَةِ الرُّبْعُ اْلُقُعْوُد وَيُقَرَّرُ
اشتمل البيت على ثلاث مسائل:
الأولى: صورتها: لو كان الثوب قصيراً، فإن جلست سترها، وإن قامت ينكشف ربع عورة منها تصلي قاعدة.
الثانية: مفهومه لو انكشفت عورتها كلها بالقيام تصلي جالسة بالساتر.
الثالثة: لو انكشفت أقل من الربع بالقيام تصلي قائمة.
61. وَيُكْرَهُ فِيْ حَالِ الإِقَامَةِ مَشْيُهُ
وَلِلصَّدْرِ "بِاسْمِ اللهِ" يُكْفَى اْلُمُكَبِّرُ
قوله: (باسم الله) أي: يذكر اسم الله تعالى. ويكفي: مبنيٌّ للمجهول، وأراد بالمكبِّر: المُفتتح للصلاة. والتقدير: المكبِّرُ يكفيه باسم الله.
اشتمل البيت على مسألتين:
الأولى: صورتها: إذا مشى المؤذن في الإقامة كُره، وهو المَروي عن أبي يوسف. وعن الهنداويِّ: إذا بلغ قد قامت الصَّلاة، فهو بالخيار، إن شاء مشى، وإن شاء وقف، وبه أخذ أبو الليث. والأصح قول أبي يوسف.
الثانية: صورتها: لو افتتح المُصلي، فقال: بسم الله بدلاً منَ التكبيرِ صحَّ عند أبي حنيفة. وفي "الظهيرية": لا يَصحُّ، وهو [الصحيح]. وحمله الشَّارح على قول الصَّاحبين توفيقاً. وقد يُقال: إنَّه روايةٌ عن الإمام، وهو قوله: بسم الله، يصح، إن يُراد به هذا اللفظ، وإن يُراد به البسملة كلها من إطلاق البعض، وإرادة الكلِّ، وإذا افتتح الصَّلاة بذكرٍ خالص غيرِ لفظ التَّكبير، يصحُّ ويُكره. صحَّح الكراهية في "الذخيرة".
وذكر المُحقق ابن الهمام - رحمه الله -: "وجوبُ لفظ التَّكبير لافتتاحِ كلِّ صلاة سواءٌ العيد وغيره، فيسجد للسهو؛ لافتتاحه بغير التكبير ساهياً مُطلقاً". لكنْ يُرَدُّ عليه تصحيح السرخسي عدم كراهة الافتتاح بغير التكبير. ويؤيد كلام ابن الهمام ما ذكرهُ القدوري من كراهة الافتتاح بغير الله أكبر عند الإمام. وقدَّمنا تصحيحه عن "الذخيرة"، فهو عام في جميع الصلوات، وقد نظَمَ الشَّارح وجوب افتتاح العيد بالتكبير، كما في "السراج"، فقال:
62. وَفِيْ فَتْحِ عِيْدٍ نُوْجِبُ "اللهُ أَكْبَرُ"
فَيَسْجُدُ مَنْ يَسْهُوْ بغَيْرٍ يُكَبِّرُ ...
لكنْ فاته شمول الوجوب جميع الصَّلاة، كما قاله الكمال فغيَّرتُهُ، فقلت:
63. وَفِيْ فَتْحِ كُلٍ نُوْجِبُ "اللهُ أكبرُ"
فَيَسْجُدُ مَنْ يَسْهُو بِغَيْرٍ يُغَيَّرُ ...
فقولي: (كل) بدل عيد ليشمل جميع الصلوات. وقولي: (يغير) أحسن من قوله يكبر؛ لأنَّه لا يُحسن أن يُفسر غير التكبير بالتكبير.
تنبيه: هذا هو الحكم، غير أنَّه لا يَسجد لسهوٍ، ولا تلاوةٍ في جمعة وعيد، وكره جماعةٌ دفعاً للفتنة.
64. وَفِيْ غَيْرِ فَقْعَسْ صَمْعَجٍ لَسْتَ رَافْعَاً
يَدَيْكَ وَذَا فِيْ خَارِجِ الْكُمِّ أَجْدَرُ
اشتمل البيت على مسألتين:
الأولى: صورتها: أنَّه يُسَنُّ رفع الأيدي في ثمانية مواضع، نظمها ابن الفصيح في بيت على هذا الترتيب فقال:
65. فَتْحٌ قُنُوْتٌ عِيْدٌ اسْتَلِمِ الصَّفَا
مَعْ مَرْوَةٍ عَرَفَاتٌ الْجَمَرَاتُ ...
قلت: إلا أنَّه لا يشتمل جمع مزدلفة، وعينُ صمعج تشمل الجمعين، فلو قال بدل عرفات مع مروة جمعان والجمرات لشمل. وقد زدت في شرح مقدمتي على هذا موضعين يُسَنُ فيهما رفع اليدين عند رؤية البيت العتيق، وعند الفراغ من التسبيح، والتحميد، والتكبير، الوارد عقب كل صلاة مفروضة، فتكون المواضع أحد عشر موضعاً وقد نظمتها فقلت:
66. وَفِيْ فَقْعَسْ مَعَ صَمْعَجْ سِّنٌ رَفَعْنَا
تَشَهُدُنَا مَالَ ابْنُ مَسْعُوْدٍ أَنْصُرُ
فقولي: (مع) إشارة إلى زيادة الموضعين، ويُستغنَى عن الزِّيادة بالعين والميم في صمعج، وقد بسطت ذلك في رسالتي "در الكنوز" والله أعلم.
الثانية: صورتها ما لو كبَّر ولم يُخرج يديه حالة رفعهما لا يُكرَه، ولكنْ خارج الكُمَّينِ أولى وهو من الآداب نصَّ عليه في الكنز، واخترنا تشهد ابن مسعود، والشافعي تشهد ابن عباس.
67. وَإِنْ كَبَّرَ الإِنْسَانُ مِنْ غَيِّرَ نِيَّةٍ
سَهَى وَنَوى مِنْ بَعْدُ جَازَ التَّأَخُّرُ
68. إلَى وَقْتِ مَا يُثْنِيْ وَقِيْلَ: وَبَعْدَهُ
وَقِيْلَ: وَبَعْدَ الْحَمْدُ بَلْ قِيْلَ أْكْثُرُ
من بعد: أي: من بعد التَّكبير. اشتمل البيتانُ على فرع غريب مُخالف للقواعد فيه أربعة أقوال، صورته: شَخصٌ كبَّر وغفل عن نية ما يصليه ثمَّ نواه، اختلفوا في حُكمهِ، فقيل: يجوز تجديدُ النِّيةِ بقلبه إلى الثَّناء. وقيل: إلى [ما] بعد الثَّناء. وقيل: إلى ما بعد الفاتحة. وقيل: إلى الرُّكوع. والصَّحيحُ أنَّه لا اعتبار بالنِّية المُتأخرة عن التَّحريمة. ولذا لو قدَّمه مع الوضوء ولم يشتغل بغير المشي للصَّلاة، ثمَّ كبَّر، ولم تَحضرْهُ النَّية، كفته نيته السابقة عند الوضوء.
وقد أشار النَّاظم [ ..... ] إلى شروط التَّحريم، يَذكر هذا الشرط لتكون صحيحة فجمعتها بهذا النظم من بحره فقلت:
69. شُرُوْطٌ لِتَحْرِيمٍ حَظَيْتُ بِجَمْعِهَا
مُهَذَبَةٌ حُسْنَاً مَدَا الدَّهْرِ تَزْهُرُ ...
70. دُخُوْلٌ لِوَقْتٍ وَاعْتِقَادٌ دُخُولُه
وَسِتْرٌ وَطُهْرٌ وَالْقِيَامُ الْمُحَرَّرُ ...
71. وَنِيَةُ إِتِّبَاعِ الإِمَامِ وَنُطْقُهُ
وَتَعْيينُ فَرْضٍ أَوْ وُجُوْبٌ فَيُذْكَرُ ...
72. بِجُمْلَةٍ ذِكْرٌ خَالِصٌ عَنْ مُرَادِهِ
وَبَسْمَلَةٌ عُرْبَاً إِنْ هُوَ يَقْدِرُ ...
73. وَعَنْ تَرْكِ هَاوٍ أَوْ لِهَاءِ جَلَالَةٍ
وَعَنْ مَدِّ هَمْزَاتٍ وَبَاءَ بِأَكْبَرَ ...
74. وَعَنْ فَاصِلِ فِعْلٍ كَلَامٍ مُبَايِنٍ
وَعَنْ سَبْقِ تَكْبِيرٍ وَمِثْلِكَ يُعْذَرُ ...
75. فَدُوْنَكَ هَذَا مُسْتَقِيْمَاً لِقِبْلَةٍ
لَعَلَّكَ تَحْظَى بِالْقَبُوْلِ وَتَشْكُرُ ...
76. فَجُمْلَتُهَا الْعُشْرُوْنَ بَلْ زُيِدَ غَيْرُهَا
وَنَاظِمُهَا يَرْجُو الْجَوَادَ فَيَغْفُرُ ...
77. وَأَزْكَى صَلَاةٌ مَعْ سَلَامٍ لِمُصْطَفَى
ذَخِيرَةُ خَلْقِ اللهِ لِلْدِيْنِ يَنْصُرُ ...
فقولي: دخول الوقت: إشارة إلى المكتوبة، فخرجت النَّوافل غير الراتبة، واعتقاد دخوله؛ لأنَّه إذا شكَّ فيه لم يَجُزْ بما نوى ولو تبيَّن دخوله لانتقلت صلاته جائزة. واشتراط الستر: [أي ستر العورة مع القدرة عليه] للتحريمة احتياطاً؛ لأنَّها ركن في رواية كما قال محمد واختاره الطحاويُّ. [وقولنا: (وطهر): أي: طهرُ البدن، والثوب، والمكان، عن نجس لا يُعفَى عنه. ويَطهرُ النَّجس بالماء، والمائع المزيل كماء الورد، ويَطهر البدنُ عن حدث، وحيض، ونفاس، بالماء الطَّهور، والتيمم لعذر] والقيام في غير النفل، والمحرَّر منه أن يكون ناطقاً بالتَّحريمة حال القيام، أو قربه، فمن أدرك الإمام راكعاً فكبر منحنياً لم تصحَّ تحريمته. والنُّطق شرط، بل هو عين التَّحريمة، فمن همس بها، أو أجراها بقلبه لم تكن شيئاً، وكذا جميع أقوال الصَّلاة سوى النيَّة، كالثناء، والتعوذ، والبسملة، والقراءة، والتسبيح، والتشهد، والصَّلاة على النَّبي - صلى الله عليه وسلم -، وكذا الطلاق، والعتاق، واليمين، والنذر، ونحوها، وتعيين الواجب: شمل ركعتي الطواف، والعيدين، والوتر، والمنذور، وقضاء نفل أفسده.
وخرج بالواجب: النَّفل، فإنَّه يصح بمطلق النَّيةِ حتَّى التَّراويح عند عامةِ مشايخنا، وهو الصحيح.
وفي "قاضيخان": الصحيح تعيينها، فالاحتياط في التراويح تعيينها. والذكر الخالص أن لا يشمل محو الاستغفار، كقوله: اللهم اغفر لي، والبسملة، الصحيح أنَّه لا يصح الافتتاح بها كما في "العناية"، والعرب: المراد بها لغة العرب، فلا يصحُّ شروعه بالفارسية ولا قراءته بها في الأصحِّ من قولي الإمام الأعظم إن قدر على العربية. وعن ترك هاوٍ: والمراد بالهاوي: الألف الناشئ بالمدِّ الذي في اللام الثانية من الجلالة، فإن حذفه الحالف، أو الذابح، أو المكبر للصلاة، أو حذف الهاء من الجلالة، اختلف في انعقاد يمينه، وحلِّ ذبيحته، وصحة تحريمته، فلا يترك ذلك احتياطاً، وبمد همزة لا يكون شارعاً في الصَّلاة، وتَبطلُ الصَّلاةُ بحصولهِ في أثنائها لو حصلت بمعتبره، وبمدِّ الباء يكون جمعَ كِبْرٍ، وهو الطبل فيخرج عن معنى التكبير، أو هو اسم للحيض، أو اسم للشيطان، فثبت الشركة فيعدم التحريمة، والفعل الفاصل بين النيِّة والتحريمة، كما إذا نوى ثمَّ عبث بثيابه، أو بدنه كثيراً، أو أكل ما بين أسنانه وهو قدر الحُمصة، كالخارج، والشرب، والكلام، وإن لم يُفهَم، ومنه التنحنح بغير عُذْر فاصل أجنبي ليمنع صحة التحريمة. وأمَّا المشيُّ إلى المسجد بعد النيَّة والوضوء فليسا ما نعني. وسبقُ التكبير: يشمل سبْقَ الإمام به، فإذا كبَّر المقتدي وفرغ منه قبل فراغ الإمام لم يصح شروعه. وشمل تقديم التكبير على النيَّة فلا يصح الشروع، إذ لا تُعتبَر النيَّة المتأخرة عن التحريمة في ظاهر الرواية. واستقبال القبلة: شرطٌ؛ لانعقاد التحريمة مع القدرة على الاستقبال، فيسقط بالعُذْر كما في بعض الشروط، والله الموفق بمنه وكرمه. ثمَّ ألحقت جملة ما تصحُّ به الصَّلاة مع ما تقدَّم من شروط التحريمة، فقلت:
78. وَألْحَقْتُهَا مِنْ بَعْدِ ذَاكَ بِغَيْرِهَا
ثَلَاثَةَ عَشَرَ لِلْمُصَلِيْنَ تَظْهَرُ ...
79. قِيَامُكَ لِلْمفْرُوضِ مِقْدَارَ آيَةٍ
وَتَقْرَأُ فِيْ اثْنَتَيْنِ مِنْهُ تُخَيَّرُ ...
80. وَفِيْ رَكَعَاتِ النَّفْلِ وِالْوِتْرِ فَرْضُهَا
وَمَنْ كَانَ مُؤْتَمَاً فَمِنْ تِلْكَ يَحْظَرُ ...
81. وَبَعْدَ قِيْامٍ فَالرُّكوْعَ فَسَجْدَةٌ
وَثَانِيَةً قَدْ صُحَّ عَنْهَا تُؤَخَّرُ ...
82. عَلَى ظَهْرِ كَفٍّ أَوْ عَلَى فَضْلِ ثَوْبِهِ
إِذَا تَطْهُرُ الأَرْضُ الْجَوَازُ مُقَرَّرُ ...
83. سُجُوْدُكَ فِيْ عَالٍ بِظَهْرِ مُشَارِكٍ
لِسَجْدَتِهَا عِنْدَ ازْدِحَامِكَ يُغْفَرُ ...
84. أَدَاؤُكَ أَفْعَالَ الصَّلاة بِيَقْظَةٍ
وَتَمْييزُ مَفْرُوْضٍ عَلَيْكَ مُقَرَّرُ ...
85. وَيَخْتُمُ أَفْعَالَ الصَّلاة قُعُوْدُهُ
وَفِيْ صُنْعِهِ عَنْهَا الْخُرُوْجُ مُحَرَّرُ ...
فقولي: وألحقتها: ضمير لشروط التحريمة، أي: من بعد بيانها ألحق بياناً لغير التحريمة، وهو جملة ما تصحُّ به الصَّلاة بعد توفر شروط التحريمة الذي تقدَّم بيانها. فالقيام في الفروض من الصَّلاة قَدْرَ ما يقرأ الفرض، وأدناه آية، وكذا القيام في كل صلاة واجبة، ونفل، ولو جالساً.
وقولي: وتقرأ في اثنتين منه: ضمير للمفروض، فإنَّ فرض القراءة فيه ركعتان غير متعينين. فالتخيير؛ لإيقاع المفروض فيما يصحُّ فيه، وإن كان تعيين الأوليين واجباً للقراءة، فإنَّ المقام لبيان ما به فتصحُّ الصَّلاة، وفي ركعات النَّفل والوتر تُفترَض القراءة؛ لأنَّ كلَّ شفع صلاة على حِدَةٍ، والوتر شابه السنن، والمُؤتَم محجور عليه عن القراءة فتُكرَه، وقراءة الإمام له قراءه.
وقولي: وبعد قيام فالرُّكوع: إشارة إلى أنَّ ترتيب ما شرع في الرَّكعة غير مكرَّر فرض، فإذا ركع قبل القيام الذي تقدَّم بيانه لم يصحَّ، وكذا لو سجد قبل الرُّكوع ثمَّ ركع لم يُعتَدَّ به.
وقولي: فسجدة: المراد السجدة المعتبرة على التحقيق بوضع الجبهة، واليدين، والرُّكبتين، وباطن أصابع الرِّجلين، كما بينته بشرح المقدَّمة.
وقولي: وثانية قد صحَّ عنها تُؤخَّر: بيان لصحة الصَّلاة مع تأخير السجدة الثانية عن محلها؛ لأنَّ مراعاة ترتيبها واجبة. وفيه إشارة إلى افتراض الفصل بين السجدتين، وقدَّره إلى أقرب القعود في الأصحِّ.
وقولي: على ظهر كفِّه: إلى كفِّ نفسه، متعلق بقولي: فسجدة، فإنَّه إذا سجد عليه، أو على طرف ثوبه وكُور عمامته، يصحُّ إذا طَهُرَ محل وضعه. ويُكرَه إذا كان لغير عذر، وفيه إشارة إلى وجد أن حجم ما سجد عليه، إذ هو شرط له، وطهارة محل الوضع؛ لأنَّه السجود عليه.
وقولي: سجودك في عالٍ: أي: محلٍ عالٍ مرتفعٍ بيات، وإشارة إلى أنَّ مطلق الارتفاع لا يضرُّ على القدر اللازم للجواز، وهو مُقدَّر بنصف ذراع، فالزائد عليه لا يضرُّ لعُذْرِ الازدحام. واشترطنا يقظته حال أداء الأفعال، فمن نام قبل وجودها فوجدت وهو نائم لم تُعتبَر.
واشترطنا معرفة حقيقة ما في الصَّلاة من مفروض ليتميز عن غيره، كتميز ركعات الفرض عن ركعات سنَّته. وأمَّا تعيِّين ما اشتملت عليه الرَّكعات من فرض فليس شرطاً، فإذا اعتقد أنَّ بعضاً منها سنَّة وفرض صحَّت، أو اعتقد أنَّ جميع فعلها فرض صحت [ ... ]، بخلاف ما لو اعتقد سنيَّة الجميع، فلا تصحُّ. والقعود الأخير قدر التشهد فرض، شُرِّع لختم الأركان، فإذا تذكر بعده سجدة صلبيته بعيدة يعيدها، وكذا يبطل بسجوده سجدة تلاوة فيعيده. والخروج بصنع المُصلي فرض عند الإمام الأعظم، وهو المحرَّر عند المحققين من أئمتنا. وقد بسطنا الكلام عليه في رسالة سمَّيتها "المسائل البهية الزكية على الاثنى عشرية" والله الموفق بمنَّه وكرمه.
ويُغتفَر هذا؛ لأنَّه من مفردات هذا الجمع لا يُوجَد في غيره، فليُغْتَنَم ولْيَدْعُ مستفيده لجامعه ولذريته ولمشايخه وله بمثله.
86. وَإِنْ لَحَنَ الْقَارِيْ وَأَصْلَحَ بَعْدَهُ
إِذَا غَيَّرَ الْمَعْنَى الفَسَادُ مُقَرَّرُ
اشتمل البيت على أربع مسائل مِنْ زَلَّة القارئ:
[الأولى] صورتها: المُصلي إذا لحن في قراءته لحناً يُغَيِّر المعنى، كفتح لام الضالين، لا تجوز صلاته، وإن أعاده بعده على الصواب.
الثانية: إذا لحن ولم يُغَيِّر المعنى، كفتح (باء) نعبد، أو كسرها، لا تفسد.
الثالثة: لو أصلح بعد أن لحن لحناً لم يُغَيِّر المعنى، لا تفسد.
الرابعة: لو غيَّر المعنى أصلح، أو لم يُصلِح، تفسد، كما لو قرأ {وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ}] سورة البقرة جزء من آية: 122 [بنصب الميم ورفع الرب، {وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ}] سورة المؤمنون جزء من آية: 29 [بفتح الزاي، وهو قول المتقدمين، وهو المختار. واختلف المتأخرون في الفساد به، وفي "النوازل": لا تفسد، وبه يُفتَى.
87. وَفِيْ الظَّالِمِيْنَ الَفَاسِقِيْنَ بِعَكْسِهِ
وَيَعْقُوْبُ عَنْهُ الْقَوْلُ تَفْسُدُ أَظْهَرُ
اشتمل البيت على مسألة صورتها: لو أبدل كلمةً بكلمةٍ كلاهما في القرآن، كإبدال الظالمين بالفاسقين، والمتقين بالمحسنين، فإنَّه لا تفسد صلاته، أصلح، أو لم يُصلح بعده، وهو الأصحُّ، وإليه الإشارة بقوله: بعكسه، وهذا عند الإمام والثالث. وعند الثاني: تفسد. وإليه الإشارة بعجز البيت.
فرع مهم نظمه الشَّارح بقوله:
88. ذوَلَوْ أُبْدِلَتْ ضَادٌ بِظَاءٍ فَمُفْسِدٌ
وَمَنْ قَالَ صَحَّتْ فَهُوَ لِلْعُذْرِ يَعْذُرُ ...
صورتها: لو قرأ المغضوب بالظا، تفسد صلاتُه في [قول] الحاكم الشهيد، وغيره.
وقال محمد بن سلمه [و] الصفار: "لا تفسد. وقال القاضي أبو الحسن وأبو عاصم: إن تعمَّد فسدت، وإن جرى على لسانه أو لم يعرف التمييز لا تفسد". وهو أعدل الأقاويل والمختار.
89. وَلَوْ قَرَأَ الْمَكْتُوْبَ فِيْ الصُّحُفِ الأُوْلَى
إِذا كَانَ كَالتَّسْبِيْحِ لَيْسَ يُضَرَّرُ
المراد بالصُّحُفِ الأولى: التوراة، والإنجيل، والزبور. واسم (كان): ضمير عائد على المكتوب. اشتمل البيت على مسألتين:
الأولى صورتها: قرأ في صلاته من التوراة، والإنجيل، والزبور، ما كان تسبيحاً، أو تهليلاً، أو تحميداً، لا تفسد، ولا تجزئ عن القراءة، وإذا قصد القراءة أجزأه عنها على رواية اعتبار المعنى، والصحيح خلافه.
والثانية: إذا قرأ من الإنجيل، ونحو ما ليس ذكراً، بل قصة، تفسد.
90. كَذَاك تَهَجِّيْ الَذِّكْرِ لَيْسَ بِمُفْسِدٍ
وَلَمْ يُجْزيَا عَنْ وَاجِبِ الذِّكْرِ فَاذْكُرُ
اشتمل البيت على مسألتين:
الأولى: صورتها: كشخص قال في صلاته: (س ب ح أن ال ل هـ) بالتهجي، أو قال: (ا ع و ذ ب ال ل هـ م ن ال ش ي ط ا ن)، لا تفسد، كقراءة التسبيح من الصُّحُفِ الأولى.
وفي "البزازية" خلافه: قال تفسد بتهجيه قدر القراءة؛ لأنَّه كلام النَّاس، فلو قيل له: أطلقت امرأتك، فقال: (ن ع م)، أو قال لها: أنت (ط ا ل ق)، يقع؛ لتعلقه بدلالته الإيقاع.
الثانية: التَّهجيِّ، وقراءة الذكر من الصُّحُفِ الأولى، لا يجزيان عن فرض القراءة، فيلزمه القراءة بعدُ؛ لتصحَّ به الصَّلاة، وهو المراد بقوله: فاذكروا، أي: اقرؤا المفروض في الصَّلاة؛ لأنَّ التهجيِّ ليس قرآناً حتى لو تهجَّى آية السجدة، لا يجب سجودها.
91. والْإِيْمَاءُ لِخَوْفِ الْفَوْتِ مَعْ بَلْ أَرْضِهِ
مَنَجَّسَةٌ مِثْلَ الْتَّيَمُّمِ قَرَّرُ
اشتمل البيت على مسألتين:
الأولى: من لم يجد أرضاً طاهرة يابسة، يُصلي بالإيماء، لو خاف فوت الوقت.
الثانية: من خاف فوت الوقت لو توضأ، يتيمَّم ويُصلي، وهذا غير المختار لنصِّ القدوري على أنَّه لا يتيمَّم لخوف فوت الوقت.
92. وَلَوْ لَمْ يُبَسْمِلْ سَاهِيَاً كُلَّ رَكْعَةٍ
فَيَسْجُدُ إِذْ إِيْجَابُهَا قَالَ الْأَكْثَرُ
93. كَأَنْ زَادَ أُوْلَى القَعْدَتَيْنِ صَلَاتَهُ
عَلَى الْمُصْطَفَى وَالْآَلِ قَيَّدَ الْأَكْثَرُ
لا يدور البيت الأول إلا بنقل حركة (همزة) الأكثر إلى اللام. والضمير في (إيجابها): للبسملة المفهومة من السِّياق، و (الكاف) في البيت الثاني: تتعلق بمصدر محذوف عامله في البيت السَّابق، تقديره سجوداً مثل ما يسجد لو زاد. والآل: مفعول قيد، فاعله الأكبر.
اشتمل البيتان على أحكام أربعة، وفرع غريب:
الأول: صورته: المُصلي إذا ترك التسمية قبل الفاتحة ساهياً في ركعة، يلزمه سجود السهو؛ لِمَا صُحِّحَ من أنَّها تجب في كل ركعة. وهذا خلاف ما في "الهداية": أنَّها سنَّة.
الثاني: وجوب التسمية في كل ركعة على قول الأكثر، ولم يُسلَم له دعوى الأكثرية.
الثالث: لو تركها عمداً، لا يسجد، وهو مفهوم التقييد بالسهو.
الرابع: أنَّ الأقل لا يقول بالوجوب، وفيه نظر، إذ لم يعد التسمية في الواجبات إلا القليل.
والفرع الغريب: تعلُّق وجوب السجدة بزيادة الصَّلاة على النَّبي - صلى الله عليه وسلم - وآله، [وليس التحقيق إطلاق السجود بوجود الصَّلاة على النَّبي - صلى الله عليه وسلم - وآله]؛ بل لتأخير الواجب، وهو القيام للثالثة بعد وجود التشهد الأول في الفرض، سواء صلَّى أو سكت، ولذا قال محمد: "استقبح السهو لأجل الصَّلاة على النَّبي - صلى الله عليه وسلم -، وإطلاق ذلك ممَّا لا ينبغي، وليس الكراهة إلا لذات تأخير واجب القيام لا لما أتي به من الصَّلاة على النَّبي - صلى الله عليه وسلم -، واختار الإمام الأستاذ ظهير الدِّين المرغيناني: أنَّه لا يجب [سجود] السهو بقولهم: اللهم صلِّ على محمَّد، إنَّما المُعتبَرُ زيادة مقدار يؤدي فيه ركناً".
94. وَيُفْسِدُهَا بَعْدَ الْقِيَامِ قُعُودُهُ
وَمَنْ قَالَ: لَا. تَرْكُ التَّشَهُّدِ يُشْهَرُ
الضمير في (يفسدها): للصلاة. وقعود المصلي: أي: عوده إلى القعود، فاعل يفسدها. وبعد القيام: أي: عند التشهد الأول ظرفه. ومَن: موصولة.
اشتمل البيت على مسألة وأقوال مُتفرعة عنها.
صورتها: لو سهى المُصلي عن التشهد الأول، وقام للثالثة، ثمَّ عاد إليه، تفسد في الصحيح، ذكره الزيلعي. وقال ابن الهمام: "في النَّفس من ذلك التصحيح شيء؛ لأنَّ غاية الموجود زيادة قيام ما، وهو وإن كان لا يحلُّ فبالصحة لا يخل؛ لأنَّ زيادة ما دون الرَّكعة، لا يفسد".
ونقل ابن الشِّحنة: تصحيح عدم الفساد. وهو ما أشار إليه عجز البيت، وإذا لم تفسد بالعود، فالصحيح الذي عليه الأكثر أنَّه لا يتشهد، ويعود إلى القيام، وخُصَّ ذلك بالفرض، فيعود في النَّفل وإن قام لشفع، والأوجه أنَّه لا يعود. وفي الوتر، الصحيح أنَّه لا يعود.
95. وَلَا يَتْبَعُوا بَعْدَ الْقِيَامِ إِمامَهُمْ
إِذا عَادَ والأتْبَاعَ بَعْضٌ يُقَرَّرُ
ولا يَتْبَعوا: بـ (التَّحيَّة)، فهي للغائبين، أي: المأمومين دلَّ عليه. إمامهم: وهو مفعوله. وبعد القيام: ظرف ومخفوض به. والأتباع: مفعول يقرر مقدَّم عليه.
اشتمل البيت على حكم المأمومين في المسألة السابقة، إذا عاد إمامهم للقعود، والذي تركه ساهياً. وقد اختلف فيه، بعضهم قال: لا يعودون معه تحقيقاً للمخالفة. وغيره قال: يعودون معه. وفي ذلك حكم بصحة الصَّلاة مع العود بعد القيام على القولين.
96. وَسُنَّ بِتَأْكِيْدِ الْجَمَاعَةِ وَافْتَرِضْ
كِفَايَةً أَوْ عَيْنَاً، أَوَ اوْجِبْ فَيُؤْزَرُ
سقط تنوين (بتأكيد)؛ لالتقاء الساكنين. ولا يدور البيت إلا بنقل همزتي أو الأولى، وأوجب. والوزر: الإثم. والمعنى: أنَّه يأثم تاركها.
اشتمل البيت على أربعة أقوال في صفة الجماعة:
الأولى: أنَّها سنَّة مؤكدة، وهو قول الأكثر، ويقاتلون على تركها، وترك الآذان والإقامة إلا أن يتوبوا؛ لأنَّها من شعائر الإسلام. وقال محمد: "نضربهم ولا نقاتلهم".
الثاني: أنَّها فرض كفاية، وبه قال الطحاوي، والكرخي، وجماعة.
الثالثة: أنَّها فرض عين، نقله صاحب "القنية". وفي السِّغْنَاقِيُّ: "قال بعض النَّاس بأنَّها فريضة. ومنهم من قال: بأنَّها من فروض الكفاية. ومنهم من قال: من فروض الأعيان".
الرابع: أنَّها واجبة، نقله في "الملتقط" و"الكفاية". وفي "الغاية": "أنَّه قول عامَّة المشايخ، وإذا فاتته لا يجب عليه الطلب في مسجد آخر بلا خلاف بين أصحابنا".
وقد فات المصنف قول خامس: وهي أنَّها مستحبة، [قال في "جوامع الفقه": "وقيل: الجماعة مستحبة] والصحيح أنَّها واجبة [ ... ]، لا يجوز تركها إلا لعذر".
97. وَإِنْ يَسْكُتِ الْجِيْرَانُ لِلتَّركِ يَأْثمُ
وَتَارِكُهَا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ يُعَزَّرُ
اشتمل البيت على مسألتين فرعيتين على ما تقدَّم:
الأولى: صورتها: رجل ترك الصَّلاة مع الجماعة بلا عُذْرٍ، كمرضٍ، وبرْدٍ شديد، وظلمةٍ شديدةٍ، وخوفٍ وحبسٍ، يأثم الجيران بالسكوت عنه.
والثانية: يُعزَّر تاركها بلا عُذْرٍ. وعن نجم الأئمة: رجل يشتغل بتكرار الفقه ليلاً ونهاراً، ولا يحضر الجماعة، لا يُعْذَر، ولا يُعذَر الإمام والمؤذن والجيران بالسُّكوت عنه، ولا تُقبَل شهادتُه.
98. وَمَنْ لمْ يَجِدْ يَا صَاحِ فِيْ الصَّفِّ فُرْجَةٌ
تَفَرَّدَ خَلْفَ الصَّفِّ وَالآنَ يُعْذَرُ
99. وَقُلْ جَذْبُهُ مَعَهُ مِنَ الصَّفِّ آخِراً
أَتَى أَوْ إِلى حَالِ الرُّكُوعِ يُؤَخِّرُ
100. وَيَزْحَمُهُمْ إِنْ شَاءَ وَالْجَذْبُ جَائِزٌ
وَفِيْ عَصْرِنَا قِيْلَ: التَّأَخُّرُ أَنْصَرُ
صاح: ترخيم. صاحب الفرجة: بضم (الفاء)، المكان الخالي بين الشيئين، وهو مفعول يجد. وتفرد: جواب مَنْ. وآخراً: بفتح الخاء المعجمة، مفعول المصدر الذي هو جذبه، وهو مبتدأ مضاف إلى الضمير العائد إلى مَنْ وخبره إلى، وصرف آخر للضرورة. وإلى: يتعلق بقوله: يؤخر. وضمير يزاحم: يعود أولهما على مَن.
والثانية: على أهل الصَّف، وفي عصرنا، يتعلق بالتأخير، أو بـ انصروا. والتأخر: مبتدأ. وانصر: خبره.
اشتملت الأبيات على مسألة صورتها: إذا أتى رجلٌ إلى الصَّلاة فوجد الصَّفَّ مرصوصاً لا فرجة، فيه أقوال العلماء في ذلك مختلفة: منهم من قال: يقوم وحده ولا يجذب إليه أحداً [ ... ]. ومنهم من قال: يجذب واحداً من الصَّفِّ إلى نفسه فيقف إلى جنبه. والأصحُّ أنَّه ينتظر إلى الرُّكوع، فإن جاء رجلٌ وإلا جذب إليه رجلاً، أو دخل في الصَّفِّ، والقيام وحده أولى في زماننا لغلبة الجهل، فإذا جرَّه تفسد صلاتُه. وقيل: إن رأى من لا يتأذَّى بجذْبه لصداقة، ودَين زاحمه، أو عالماً جذبه. وفي قوله: يزحمهم إن شاء: إيماءٌ إلى أنَّه لا يضرُّهم تليين مناكبهم لدخوله، بل ورد به الأمر بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "أَقِيمُوا الصُّفُوفَ، وَحَاذُوا بَيْنَ الْمَنَاكِبِ، وَسُدُّوا الْخَلَلَ، وَلِينُوا فِي أَيْدِي إِخْوَانِكُم، لَا تَذَرُوا فُرُجَاتٍ الشَّيْطَانِ، مَنْ وَصَلَ صَفّاً وَصَلَهُ الله، وَمَنْ قَطَعَ صَفّاً قَطَعَهُ الله" وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "خِيَارُكُمْ أَلْيَنُكُمْ مَنَاكِبَ فِي الصَّلاة". وبهذا يُعلَم جهل المتمسك لمنع من يُزاحِم، وبه يندفع ما نُقِلَ عن كتاب يُسمَّى "المتجانس": من أنَّه إذا قيل لمُصلٍ تقدَّم فتقدَّم، أو دخل فرجة الصَّفِّ أحد، فتجانب المصلي توسعة له، فسدت صلاتُه؛ لأنَّه امتثل أمر غير الله في الصَّلاة، وينبغي أن يمكث ساعة، ثمَّ يتقدَّم برأيه انتهى.
لأنَّ امتثاله إنَّما هو لأمر سول الله - صلى الله عليه وسلم - فلا يضرُّ. وأمَّا إطالة الإمام الرُّكوع، فاختار الفقيه أبو الليث: فعله لمن لا يعرفه. وأبو حنيفة: منع منه مطلقاً؛ لأنَّه إشراك، أي: رياء، كذا في البحر وغيره، وقد نظمت ذلك فقلت:
101. كَفَسْحِ مُصَلِّ لِلْمُرِيْدِ زِحَامَهُ
بِسُنَّةِ خَيْرِ الْخَلْقِ فَيْها مُسَطَّرُ
102. فَحُكْمُ فَسَادٍ بِامْتِثَالٍ لأَمْرِهِ
ضَعِيْفٌ فَمَا ذِيْ التَّجَانُسِ يُهْدَرُ
103. لإِدْرَاكِ جَاءٍ للرُّكُوْعِ يُطِيْلُه
أَبَو اللَّيْثِ أَنْ لَا عِلْمَ وَالصَّدْرُ يَحْظُرُ
والصدر: الإمام [ ... ]- رحمه الله -[ ... ].
104. وَمنْ خَلْفَ لَحَّانٍ يُؤَدِّيْ صَلَاتَهُ
يُعِيْدُ عَلَى مَا يَنْبَغِيْ وَيُحَرَّرُ
صورة المسألة: أنَّ من صلَّى خلف من عادته اللحن في القراءة، ينبغي لهم إعادتها عِلْم يقين؛ لوجود اللحن منه في تلك الصَّلاة أو ليعلم، ويُمنَع ذلك الإمام من الإمامة؛ لإكثاره اللحن. وأمَّا من يسبقه اللحن أحياناً، لا يُعيد من صلَّى خلفه ولم يُعلَم منه لحن. وأمَّا من عَلِمَ اللحن، عليه الإعادة مطلقاً، ويعيد من أخبره بذلك وهو فقيه ثقة. وقوله: ويُحرَّر: أي: قراءته من اللحن.
105. وَالالْثَغُ إِنْ يُلْغِيْ مَعَ الأُمِّ آيَةٌ
ولَا لَثْغَ فِيْهَا إِنْ عَدَاهَا فَتُهْدَرُ
106. وَإِنْ لَمْ يَجِدْ يَسْكُتْ وَتَفْسُدُ إِنْ تَلَا
وَبِالْعَكْسِ قَوْلٌ فِيْ الدَّوَاوِيْنِ يُسْطَرُ
107. وِلِلصَّدْرِ فِيْ التَّصْحِيْحِ يُجْهِدُ عُمْرَهُ
وَفِيْ تَرْكِهِ الاِفْسَادُ وَهُوَ الْمُحَرَّرُ
قال ابن الشِّحنة: "قد أخلَّ ابن وهبان بنظم مسألة الألثغ وفيها أقوال".
وصورة المسألة: إذا كان الثغ، فيُبْدِل الراء غيناً مثلاً، عليه أن يجتهد ليُصَّحِحَّ النطق بها، فإن تركه تفسد صلاته، إلا أن يكون الدَّهر كلُّه في تصحيح ذلك، إلا أن يكون خلقه لا يستطيع تغييره، وإذا كان يمكنه أن يتخذ آيات من القرآن ليس فيها تلك الحروف يفعل، إلا الفاتحة؛ فإنَّه لا يترك قراءتها، فإن قرأ مع إمكان القراءة بغيرها، فالصحيح أنَّه لا تجوز صلاته؛ لأنَّه يتكلم بكلام النَّاس مع قدرته على أنَّه لا يتكلم. كذا في بعض نسخ "زلة القارئ".
أقول: استثناء الفاتحة غير متجه، فإنَّه إذا كان متكلماً بكلام النَّاس فهو مفسد، سواءٌ كان في الفاتحة، أو غيرها فتأمل، وفي بعضها: القياس أنَّه لا تجوز صلاته. وفي الاستحسان تجوز، وبالقياس نأخذ. وإن كان لا يجد، قيل: يسكت، ولو قرأ تفسد صلاته. وقيل: يقرأ، ولو سكت تفسد صلاته، ويختار ما هو أقل من تلك الحروف. ومنه: لو قرأ الهاء مكان الحاء للعجز عمداً، كقراءة الترك: الهمد لله الرهمن الرهيم، عليه أن يجتهد في تصحيح ذلك، وإذا تعذَّر إقامته لا يُقتدَى به، وتجوز صلاته للعذر، وكذا الذي لا يقدر على إخراج الفاء إلا بتكرار، أو يقف في غُرِّ موضعه لا يؤم [ ..... ].
108. وَقَدْ كَرَّهُوا بَعْدَ الْفَرَاغِ قُعُودَهُمْ
لِسُنَّةِ خَيْرِ الخَلْقِ فِيْمَا تَصَوَّرُ
الضمير في (كرَّهوا): للأصحاب. وفي قعودهم: للمصلين. وبعد الفراغ: يعني: من الصَّلاة ظرفه. ولام لسنَّة: تتعلق بقعودهم، وهي للتعليل، أي: لأجل سنَّة النَّبي - صلى الله عليه وسلم -. وحذفت تاء تصور: تخفيفاً.
صورة المسألة: كل فريضة بعدها سنَّة يُكرَه القعود بعدها، فيصلها بالسنَّة؛ لئلا يفصل بين السنَّة والمكتوبة. وذكر شمس الأئمة: جواز تأخير السنَّة للاشتغال بالدعاء والورد. والأمر فيه واسع، والكلام بعد الفرض قبل السنَّة لا يُسقطها، وينقص ثوابه. وقيل: يُسقط. وكذا كل عمل ينافي التحريمة أيضاً في الأصحِّ.
109. وَلَوْ حَنَفيٌ قَامَ خَلْفَ مُسَلِّمٍ بِشَفْعٍ
وَلَمْ يَتْبَعْ وَتَمَّ فَمُوْتِرُ
110. وَيُكْرَهُ فِيْ غَيْرِ الصِّيَامِ جَمَاعَةٌ
لَهَا، وَبِهِ قِيْلَ انْفِرَادُكُ أَجْدَرُ
111. وَيُجْزِئُ مَعْ مَنْ لَمْ يَقُلْ بِوُجُوْبِهِ
وَعَنْ بَعْضِهِمْ لَا، واَلْمُقَدَّمُ أَظْهَرُ
مُسلِّم: بكسر اللام المشددة. وجماعة: مفعول ما لم يُسمَّ فاعله. وضمير لها: لصلاة الوتر. وفي به: للصيام. وانفرادك: مبتدأ. وأجدر: خبر. والجملة مقول القول. وضمير يجزئ: للوتر. وكذا في وجوبه.
اشتملت الأبيات على مسائل متعلقة بصلاة الوتر:
الأولى: لو اقتدى حنفيٌّ في الوتر بشافعيٍّ أو غيره، ممَّن يُسلِّم على رأس الرَّكعتين صحَّ اقتداؤه، ولكن إذا سلَّم إمامُهم على رأسها، لا يُسلِم الحنفيُّ معه، ويُصلي معه بقيَّة الوتر؛ لأنَّ إمامه لم يخرج بالسَّلام عن صلاته عنده؛ ولأنَّه مجتهد فيه. وهذا غير الصحيح؛ لأنَّ الذي عليه الأكثر العبرة برأي المقتدي، فإنَّ الإمام بالسلام لم يبق في الصَّلاة، ولا بناء على المعدوم، وهو الأصحُّ.
الثانية: صورتها: تُكرَه الجماعةُ في الوتر خارج رمضان مع الصِّحة، ونفيُّ الجواز فيه، المراد: نفي الحِلِّ لا نفي الصِّحة. وفي "الفوائد الظهيرية": أنَّ المنع إنَّما هو عن الجماعة قصداً، فلا كراهة لو اقتدى شخص بمن يصليه كما في سائر السنن على سبيل الاتفاق، فما ذكره في الجماعة القاصدة لا العارضة.
الثالثة: أنَّ الأفضل في الوتر في الجماعة في رمضان، أو تأخيره، فيصليه منفرداً آخر الليل، وقد اختلف الترجيح فيه نظراً للجماعة، أو لختم تهجده به.
[الرابعة: صورتها: اقتدى الحنفيُّ بمن يرى سنَّته الوتر]، واختلف فيه، بعضهم قال: لا يصحُّ؛ لأنَّه اقتداء المفترض بالمتنفل. والمصنف اختار الصحة نظراً إلى أنَّ كلاً منهما ينوي الوتر، فلا يضرُّ الوصف للحقيقة، وهذا إذا لم يُسلِّم فيه على رأس ركعتين كما تقدَّم. وفي "التجنيس": يُنْظَرُ إن نوى الوتر وهو يراه سنة، أو تطوعاً، جاز الاقتداء به، وإنِ افتتح الوتر بنيَّة التطوع، أو السنَّة، لا يصح الاقتداء به؛ لأنَّه يصير اقتداء المفترض بالمتنفل، وهذا قول ثالث مُفصَّلٌ.
112. وَتَأْدِيَةُ الْمَنْذُوْرِ أَوْلَى وَبَعْضُهُمْ
إِذَا مَا تُرِيْدُ النَّفْلُ مِنْ قَبْلُ تَنْذُرُ
مسألة البيت صورتها: إذا أراد نافلة الأفضل له صلاتها كما هي نافلة، وبعضهم قال: الأفضل ينذرها ثمَّ يصليها، ثمَّ إذا نذر سنَّة الظهر وصلاها، قال بعضهم: تكون هي السنَّة، وقال بعضهم: لا يكون آتياً بالسنَّة، فعليه صلاة السنَّة غير المنذورة؛ لأنَّه التزم صلاة أخرى.
113. وَفِيْ كُلِّ شَفْعٍ فِيْ التَّراوِيْحِ يَبْتَدِي
بـ "سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ" حِيْنَ يُكَبِّرُ
صورة المسألة: من يُصلِّي التراويح يستفتح لكل شفع فيقول: سبحانك اللهم وبحمدك الخ كما في "قاضيخان"، وفي "الغاية": المختار أن لا يترك الصَّلاة على النَّبي - صلى الله عليه وسلم - في التشهد، ولا ثناء الاستفتاح؛ لأنَّ الصَّلاة فرض عند الشافعي، فيُحتاط الصِّحة بخلاف الدعوات إذا نقلت على القوم، فإنَّها يتركها؛ لأنَّها زائدة على أصل سنَّة الصَّلاة.
114. وَإِنْ شَكَّكَ الْمَسْبُوقُ فِيْ قَدْرِ مَا بَقِيْ
فَقلَّدَ مَنْ مَعَهُ الْفَسَادُ مُقَرَّرُ
صورة المسألة: سبق اثنان فقاما لقضاء ما سبقا به، وقلَّد أحدهما صاحبه في فعل ما بقي لشكِّ عنده، من غير أن يقتدي به، فسدت صلاتُه، وفي قاضيخان: "لا تفسد حيث لم يقتد به، كما إذا شكَّ الإمام أنَّها الثالثة، أو الرابعة، فانتظر قيام القوم، أو قعودهم، وبنى عليه جاز؛ لأنَّه طالب إمارة".
115. وَيَسْجُدُ تَالٍ لِلْقِرَاءَةِ مُطْلَقَاً
وَسَامِعُهَا فِيْ خَارِجٍ يتقرر
116. وَدَاخِلُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ تَابِعَاً أَتَى
بِهَا بَعْدُ وَالشَّيْبَانُ كُلَّا يُصَوِّرُ
اللام في (القراءة): للتعليل. والضمير في (سامعها): للسجدة. في خارج: أي: خارج الصَّلاة. وضمير (داخلها): للصلاة. وفي (بها): للسجدة.
اشتمل البيتان على مسائل تتعلَّق بسجود التلاوة، من صورها: أنَّ التالي لو كان محدثاً، أو جنباً، أو سكراناً، أو في الصَّلاة، أو خارجها، يلزمه سجود التلاوة إن لم يكن مقتدياً. وقال محمد: يأتي بها ومن سمعها بعد الفراغ منها، وهو الاحوط والأفضل. واختُلِفَ التصحيح في وجوبها على النَّائم وعدمه بتلاوتها إذا أخبر بها، وإذا سمعها من قصر جنونه، أو تلاها، فيؤديها بعد الإفاقة، وسماعها ممَّن هو في الصَّلاة موجب في الصحيح، وسماع المصلي ممَّن هو خارج وسواء سمع من مجنون، أو صبيٍّ، أو كافر، أو حائض. وسماعها من النَّائم والطير، اختلاف تصحيح، وسماع تلاوة المقتدي لا توجب شيئاً، وعند محمد: يسجدونها بعد الصَّلاة.
117. وَمِنْ تَرْكِهَا فَيْ الْحَالِ يَسْجُدُ سَاهِيَاً
وَيَلْزَمُهُ بِالنَّذْرِ، قِيْلَ: فَتُنْذَرُ
اشتمل [البيت] على مسألتين:
الأولى: صورتها: تلى المصلي آية سجدة، ونسي السجود لها حتى تذكرها في آخر صلاته فسجدها، يسجد للسهو بهذا التأخير؛ لأنَّها فوريَّة، بخلاف الخارجيَّة فإنَّ وظيفتها العمر على المختار، وقيل: يجب على الفور أيضاً.
الثانية: لو نذر سجدة التلاوة صحَّ، ولو قال: نذرت سجدة من غير تقييد بالتلاوة، قال أبو حنيفة: لا يصحُّ، خلافاً لأبي يوسف.
118. وَصَحَّ عَنِ النُّعْمَانِ مِثْلُ مُحَمَّدٍ
بِمِصْرٍ تُقَامُ الْجُمْعَتَانِ فَأَكْثَرُ
119. وَثِنْتَانِ كُلٌّ ثمَّ يَعْقُوْبُ شَارِطٌ
بِيْنِهِمَا نَهَرَاً وَالْمِصْرُ أَكْبَرُ
اشتمل البيتان على أقوال علمائنا في إقامة الجمعة في مواضع من المصر الواحد، وفيها أربع روايات:
الأولى: وهي أصحها عند الإمام محمد: جواز إقامة الجمعة في مواضع كثيرة من المصر، ومن مقتضاه سقوط اعتبار السبق.
الثانية: تُؤخَذ من مفهوم الأولى أنَّها لا تجوز في أكثر من جامعٍ، وهي الرواية الضعيفة.
الثالثة: أنَّها تجوز في موضعين فقط.
الرابعة: يُشترَط نهرٌ بين الموضعين، أو كبر المصر. وعن محمد: جوازها في ثلاث مواضع. وعلى غير الأصحِّ الجمعة لمن سبق، فإن صلَّوا معاً فسدت صلاتهم جميعاً، ولهذا الأمر الاحتياط بأربع ركعات بعد الجمعة، ينوى بصلاتها آخر ظهر أدرك وقته، وللعلامة الشيخ علي المقدسي في رسالة تُسمَّى: "نور الشمعة في ظهر الجمعة".
120. وَدُوْنَ صَلَاةٍ غُسْلُ بَاغٍ، وَقِيْلَ: لَا
يُغَسَّلُ كَالْقُطَّاعِ وَالْغُسْلُ أَنْظَرُ
اشتمل البيت على مسألتين صورتهما: إذا قُتِلَ الباغيُ، أو قاطعُ الطريقِ حالةَ محاربته، قيل: يُغسَّل ولا يُصلَّى عليه. وقيل: لا يُغسَّل أيضاً. ورجَّح المصنف غسله، وإن لم يُصلَّى عليه؛ لأنَّ الغسل سنَّة بني آدم، حتى إنَّه للكافر، وكذا البُغاة في الأرض بالفساد، وكالمكابر، والقاتل بالخنق غيلة، والعصبية، واللصوص ليلاً، وقاتل أحد أبويه عمداً، لا يُصلَّى عليهم وإن غُسِّلوا، وقاتل نفسه، فيه خلاف، وإذا أُخِذُوا، ثمَّ قتلوا، يُصلَّى عليهم.
121. وَصَلِّ عَلَى الْمُسْتَشْهِدِيْنَ بِدُوْنِهِ
وَذَيْنِ لِبَاقِي الْمُسْلِمِيْنَ فَقَرَّرُوا
فيه مسألتان:
الأولى: صورتها كل مسلم مُكلَّف طاهر، قُتِلَ بأي آلة في قتال أهل الحرب، أو قتال البُغاة، أو قُطَّاع الطريق، ولم يرتث، أو قتله مسلم ظلماً، عمداً، بمحدَّد، فإنَّه شهيد يُصلَّى عليه بلا غسل.
الثانية: أنَّ الغسل والصَّلاة عام لباقي المسلمين؛ لإكرامهم وطلب المغفرة لهم.
122. وَإِنْ أَشْكَلَ الْخُنْثَى وَمَاتَ فَيَمَّمُوا
وَقَدْ قَالَ فِيْ بَعْضِ الْكَوَارِ يُطَهَّرُ
اشتمل [البيت] على غسل الخنثى، وصورتها: شخصٌ له آلة الرِّجال والنِّساء، ولم يُتضَح حاله إذا مات، لا يحل لرجل ولا امرأة تغسله، وإن يمَّمَه رجل، أو امرأة، بخرقة على يده، وبدونها إن كان محرمه، وبغضِّ بصره عن ذراعيه كباقي جسده، وفي "التجنيس والمزيد": يُغسَّل في الكوار: وهو ثوب يتخلله الماء، ولا يشف ما تحته. ولا تُشترَى له أَمة لتغسله لعدم ملكه إياها بعد الموت، بخلاف ختانه، تُشترَى له ولو من بيت المال، ثمَّ يُرَدُّ ثمنُها بعد بيعها لبيت المال.
123. وَأَفْضَلُ مَنْ صَلَّى الْجَنَازَةَ آخِرَ
وَلَوْ حَضَرَتْ ثِنْتَانِ الافْرَادُ أَجْدَرُ
فيه مسألتان.:
الأولى: صورتها: أفضل صفوف الرِّجال في صلاة الجنازة آخرها، وفي غيرها أولها؛ للتواضع، فإنَّه أدْعى لقبول شفاعته.
الثانية: [صورتها]: إذا حضرت جنازات، فالانفراد لكلٍ بالصَّلاة عليه أفضل، وإن جمعها وصلَّى عليها مرَّة، جاز، ويجعلهم صفاً طولاً، بحيث يكون صدر كل قِدَّام الإمام، وإن شاء جعلهم صفاً عرضاً فيقوم عند أفضلهم، وإذا جعلهم بحذاء بعضهم طولاً، يُقدِّم الرِّجال ممَّا يلي الإمام، ثمَّ الصبيان، ثمَّ الخُناثى، ثمَّ النِّساء، ولو دُفنوا بقبر واحد، وضعوا على عكس هذا، فيكون أفضلهم إلى القبلة، وأكثرهم قرآنا وعلماً، يُقدَّم إليها والله أعلم.
فصل من كتاب (الزكاة)
124. وَصَاحِبُ دَيْنٍ حَلَّ وَالْخَصْمُ مُعْسِرُ
لَهُ أَخْذُهَا أَوْ لَمْ يَحُلَّ الْمُقَرَّرُ
125. أَقُوْلُ وَلَمْ يَقْدِرُ عَلَى مَا يَرُدُّهُ
إِلَى ما يَحُلُّ الْدَّيْنُ لَوْ كَانَ يُتْجِرُ
ضمير أخذها: للزكاة في الترجمة. وحلَّ: للدَّين والخصم. معسر: حال منه. وضمير (له): لصاحب الدَّين. في البيت الأول مسألتان:
الأولى: صورتها: رجل له مائتا درهم على إنسان، هل يحل له أخذ الزكاة إن كان من عليه الدَّين معسراً، أو غائباً، المختار أنَّه يحل، كابن السبيل، يأخذ بقدر حاجته. والأولى له الاستقراض، وما فضل بعد وصول يده لما له، يحل له أكله، والأولى التصدق به، ولا يأخذ من الصدقة إلا بقدر حاجته، بخلاف الفقير الأصلي؛ لأنَّه لإرادة دفع الفقر، يأخذ الزائد عن حاجته بدون سؤال، وإن كان موسراً مقراً، أو عليه بيِّنة، وحلَّ الأجل، إن تمكَّن من أخذ دَينه، لا تحل له الزكاة.
الثانية: من المحيط: "وتُؤخَذ بالمفهوم ممَّا تقدَّم". وصورتها: فقير له دَين مُؤجَّل، يحل له أخذ الزكاة.
126. وَمَنْ كَانَ ذَا مَالٍ حَرَامٍ فَكُلُّهُ
تَصَدَّقَ مَا فِيْهِ الزَّكَاةُ تُقَدَّرُ
127. وَيُجْزِئُ عِنْدَ الْبَعْضِ عَنْهَا بِنِيَّةٍ
وَتَقْدِيْمُ دَيْنٍ لِلْغَرِيْمِ مُقَرَّرُ
فكله: معمول تصدَّق بالفوقية، يعني: أعطى كل المال الحرام، وهو متعلق بتقدر. ويجزئ: يعني: المال الحرام عند البعض عنها، بشرط نيَّتها. فيهما مسائل:
الأولى: صورتها: ملك نصاباً من مال حرام، لا تلزمه الزكاة؛ لأنَّ الكل يلزمه تفريغ ذمته عنه بدفعه للفقراء، لا بنيَّة الثواب، إن لم يكن صاحب المال موجوداً ليدفع إليه.
الثانية: إذا لزمته زكاة مال حلال فأُدَّى زكاته من مال حرام، أُختلِف في اجزائه عن الزكاة، وقد يقال: إن كان للحرام مطالب أجزأ لتمكنه بالضمان، وان لم يكن له مطالب لا يجزئ؛ لأنَّه واجب التصدُّق بعينه.
الثالثة: صورتها: شخصٌ لزمه دَينان، أحدهما: دَين الزكاة، والآخر: لآدمي، وفي يده ما يفي بأحدهما، يقضي دَين الآدمي الغريم، ثمَّ يؤدي حقَّ المولى الكريم إن وجده.
128. وَلوْ إِنْ نُوِىَ الْمَفرُوْضُ مِنْهَا بِحَاكِمٍ
لِذيْ رَحِِمٍ قَوْلَانِ فِيْهَا وَيُؤْجَرُ
فيه مسألة: صورتها: غنيٌ فرض القاضي عليه نفقة قريب مُحرم فكساه وأطعمه، ينوي به الزكاة، قال أبو يوسف: يجوز. وقال محمد: يجوز في الكسوة، ولا يجوز في الإطعام؛ لأنَّ الإباحة لا تكفي، فإذا ملكه بالدفع إليه طعاماً قبل أكله، يُجزئ بطريق القيمة، كالكسوة، ولم يرد به ما فرضه القاضي. وفي "المجرَّد": أمره القاضي بنفقة قريب، أو لم يأمره، فنوى بما يُنفق عليهم زكاة ماله، أجزأه، ثمَّ قال: فرض القاضي عليه نفقة ذوي قرابة، فجعل يعطيهم من تلك النفقة، وينوى من زكاة ماله، فعلى قول أبي حنيفة: يجوز. وعلى قول محمد: لا يجوز. وإن نوى القرض والزكاة جميعاً عند محمد: لا يقع [عنها]. وعند أبي يوسف: يقع عنها. وعن الإسكاف: يجوز عن الزكاة والفرض جميعاً.
129. وَيُكْرَهُ أَنْ يُحْتَالَ فِيْهَا لِوَالِدٍ
وَنِيَّتُهُ فِيْ الأَخْذِ ظُلْمَاً تُؤَثِّرُ
الضمير في (يُحتال ونيته): للمزكي، وفيها: ضميره للزكاة. فيه مسألتان:
الأولى: صورتها: شخصٌ له أبوان مُعسران، فيَحتال في صرف زكاته إليهما، بأن صرفها لفقير، ليصرفها الفقير إليهما، كره.
والثانية: إذا نوى الزكاة بما أخذ منه ظلماً صحَّ، وسيأتي بسطه.
130. وَقَوْلاَنِ فِيْما لاَ يُرَى مِنْ سَوَائِمٍ
وَعِنْدَهُمَا فِيْه الزَّكَاةُ تُصَوَّرُ
صورتها: رجلٌ له نصاب سائمة عمي، فعن أبي حنيفة: روايتان في وجوب زكاتها. وعندهما: تجب زكاتها كما لو كان بعضها أعمى، وفي "الفتاوى": العبرة للغالب.
131. وَلَوْ دَفَعُوا أَلْفَاً لِشَخْصٍ لِمُعْسِرٍ
فَيَجْزِيْهِمُ لاَ حَيْثُ بِالْقَبْضِ يَأمُرُ
ضمير دفعوا: لمن وجبت عليهم الزكاة لمعسر، أي: لأجل يعطيها الشخص لمعسر. وضمير يأمر: للمعسر. فيه مسائل:
الأولى: صورتها: دفع جماعة ألف درهم من زكاتهم لشخص، ليدفعها لمعسر من دون أمره بالقبض له، أجزأتهم؛ لأنَّ القابض وكيل عنهم؛ لأنَّ العطاء حكم الأداء فيعقبه، لكنَّه يُكرَه لقربه من الدفع، كمن صلَّى قريباً من نجاسة. وعن أبي يوسف: لا بأس بدفع المائتان، ويُكرَه ممَّا فوقهما. وهذا ظاهر فيما أمره بالخلط صريحاً أو دلالة، وإلا فهو ضامن بالخلط فلا يجزيهما عن الزكاة.
الثانية: لو أمره الفقير بالقبض، فمن دفع قبل بلوغ المقبوض نصاباً أجزأه، وبعده لا؛ إلا أن يكون الفقير مديوناً لا يفضل له بعد قضاء دينه نصاب، أو ذا عيال لا يبلغ لكل واحد منهم نصاباً [والله - سبحانه وتعالى - أعلم].
132. وَإِبْرَاءُ رَبُّ الدَّيْنِ مِنْ بَعْدِ حَوْلِهِ
فَقَوْلاَنِ وَالْمَدْيُوْنُ بِالْمَالِ يَقْدِرُ
صورته: إبراء ربُّ الدَّين مديونه بعد الحول عنه، فإن كان المديون فقيراً، أو جهل حاله، لا يلزم ربُّ الدَّين زكاته؛ لأنَّه كالضمان، وإن كان المديون غنياً ففيه روايتان، وعن بعض المشايخ تصحيح رواية عدم الضمان [والله أعلم بكل حال].
133. وَفِيْ الدَّفْعِ قَبْلَ الْمَوْتِ لِلأَخِ خُلْفُهُمْ
وَإِخْرَاجُهَا جَهْرَاً مِنَ السِّرِّ أَجْدَرُ
فيه مسألتان:
صورة الأولى: دفع في مرض موته زكاته لوارثه، قال بعض المشايخ: صحَّ. وقال غيره: لا يصحّ. وقال آخر: إذا كانت تخرج من الثلث جاز ديانة، وللورثة ردُّه من حيث إنَّه وصية لوارث.
الثانية: صورتها: الأفضل الإعلان بأداء الزكاة والإخفاء في التطوعات. وعن بعضهم: الإخفاء أفضل في الجميع. ومنهم من قال: إنَّ الإجماع على أنَّ إظهار الفرض أولى من إخفائه.
134. وَإِنْ كَانَ فِيْ ضَعْفٍ وَيَسْتَغْرِقُ الَّذِيْ
لَه يُخْفِ خَوْفَ الْوَارِثِيْنَ وَيَسْتُرُ
135. كَذلِكَ خَوْفَ الظَّالِمِيْنَ مُفَضَّلٌ
لِلاخْفَا، وَفِيْ التَّفْسِيْرِ هَذَا مُسَطَّرُ
فيهما مسألتان:
الأولى: صورتها: مريض له مائتا درهم، وعليه دين زكاة قدرهما، يؤديهما سراً من الورثة؛ لأنَّه يسوغ للورثة الأخذ من الفقير بدفع المريض له ما زاد على الثلث منهما.
وفي "البزازية": مات مديونٌ وقصده الأداء، لا يُؤاخَذ به يوم القيامة؛ لعدم تحقق المطل.
الثانية: قال ابن الشِّحنة: "إنَّه لم يقف عليها منقولة في كتبنا" وهي تجري على قواعد المذهب، فنظمتها مضافاً لنظم المؤلف" لأنَّه نقلها عن التفسير.
136. وَإِنْ يَنْوِهَا جَازَتْ بِمَا هُوَ وَاهِبٌ
وَلَوْ يُكْرِهُ السُّلْطَانُ شَخْصَاً وَيَقْهَرُ
137. وَيَأْخُذُهُا يَجْزِيْهِ إِنْ يَلْقَ أَهْلَهَا
وَعَنْ بَعْضِهِم بِالْحَبْسِ لاَ غَيْرَ يُجْبَرُ
فيهما مسائل:
الأولى: صورتها: وهب مسكيناً درهماً، وسمَّاه هبة، ونواه من الزكاة أجزأه، وكذا لو سمَّاه قرضاً، يُجزيه عن الزكاة بنيتها، إذ لا يُشترَط علم الفقير بها، وهو الأصحُّ.
الثانية: صورتها: امتنع من أداء الزكاة فأخذها الإمام كرهاً، ووضعها موضعها، أجزأه؛ لأنَّ له ولاية أخذ الصدقات وصرفها. وقال أبو جعفر: "فإن لم يضعها موضعها، لا يبطل أخذه، وبه يُفتى في الأموال الظاهرة" انتهى. وإذا نوى بالأداء إلى السلطان الصدقة عليه صحَّ؛ لأنَّه فقير، والاحوط الأداء ثانياً، كما لو لم ينو، وهو الاختيار الصحيح، وأمَّا إذا صادره أو أخذ الجبايات أو المُكس ونوى الزكاة به، فالصحيح أنَّه لا يقع زكاة.
الثالثة: صورتها: امتنع من أداء الزكاة، لا تُؤْخَذُ منه جبراً، فيُحبَس، أو يُخوَّف حتى يؤديها عن اختيار.
138. وَأَقْرَضْتُ أَلْفَاً بَعْدَ مَا حَالَ حَوْلُهَا
فَمَاتَ الَّذِيْ أَقْرَضْتَهُ وَهُوَ مُفْقِرُ
139. فَيُرْوَى عَنِ الشَّيْبَانِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ
عَلَيْكَ زَكَاةُ الْحَوْلِ وَالأَصْلُ يُنْكَرُ
فيهما مسألة: صورتها: رجل له ألفٌ، حال عليها الحول، ثمَّ أقرضها الآخر، فمات مفلساً، لا زكاة على المُقرض، رواه بن سماعة عن محمد؛ لأنَّه لم يستهلكها ولم يخرجها عن حدِّ الزكاة بالإقراض، وفي ظاهر الأصول تجب الزكاة فيها؛ لأنَّ الإقراض تبرع فهو إتلاف، وهو المراد بالأصل في النظم، لا الإمام الأعظم.
140. وَمَا لِفَقِيْرٍ أَنْ يُطَالِبَهُ بِهَا
وَلاَ أَخْذُهَا مِنْ خَلْفِهِ فَيُخَسَّرُ
فيه ثلاث مسائل:
الأولى: صورتها: لو أخَّر الزكاة، ليس للفقير مطالبته بها.
الثانية: ليس للفقير أن يأخذها من ماله بغير علمه، وإن أخَّرها.
الثالثة: إذا أخذها الفقير بغير علمه، يسترد منه لو باقياً، ويضمنه لو هالكاً؛ لأنَّ الحقَّ ليس خاصَّاً لهذا الفقير بعينه قضاءً وديانةً، أمَّا لو لم يكن في قبيلة المزكي من هو أحوج من الفقير، يُرجَى أن يُحَلَّ له ذلك ديانةً.
141. وَمِنْ بَيْتِ مَالِ المُسْلِمِيْنَ دِيَانَةً
لِذِي الْحَظِّ جَازَ الأَخْذُ إِنْ هُوَ يَظْفَرُ
فيه مسألة: صورتها: إذا ظفر من له حظ في بيت المال، فله أن يأخذ ما ظفر به من المال الذي يستحق منه بقدر كفايته، وقد نظَم والد الشَّارح بيوت المال ومصارفها فقال:
142. بُيُوتُ الْمَالِ رَابِعَةٌ لِكُلِ
مَصَارِفِ بَيَّنَهَا الْعَالِمُوْنَ ...
143. فَأَوْلُهَا الْغَنَائِمُ والْكُنُوزُ
الْرِّكَازُ وَبَعْدَهَا الْمُتَّصَدِقُوْنَ ...
144. وَثَالِثُهَا خَرَّاجٌ مَعْ عُشُوْرٌ
وَجِالِيَةٌ يَلِيْهَا الْعَامِلُوْنَ ...
145. وَرَابِعُهَا الْضَوَائِعُ مِثْلَ مَا
لاَ يَكُوْنُ لَهُ أُنَاسٌ وَارِثُوْنَ ...
146. فَمَصْرِفُ الأَوَّلَيْنِ أَتَى بِنَصٍّ
وَثَالِثُهَا حَوَاهُ مُقَاتِلُوْنَ ...
147. وَرَابِعُهَا فَمَصْرِفُهُ جِهَاتٌ
تَسَاوَى النَّفْعُ فِيْهَا الْمُسْلِمُوْنَ ...
أقول: في إطلاق العُشْر وضمها للخراج مخالفة لما في الزيلعي وغيره؛ لأنَّه جعل العُشْر المأخوذ من أهل الذمَّة والحربيِّ، مُضاف للخراج، [ويُصرَف مصرف الخراج]. وأمَّا العُشْر المأخوذ من المسلمين فإنَّه يُضَّم إلى الزكاة، ويُصرَف لمن يجوز صرف الزكاة إليه؛ لأنَّ المأخوذ رُبُعُ العُشْرِ من المسلم، وهو زكاة المال المار به على العاشر، فيُصرَف لمصرف الزكاة.
وقوله: وثالثها: حواه مقاتلون: فيه قصور وإيهام، اختصاص المقاتلين بالخراج، والعشور، والجالية، ونحوها، وليس مراداً، فإنَّه يُصرَف لمصالح المسلمين، كسدِّ الثغور، وبناء القناطر، والجسور، وكفاية العلماء، والقضاة، والعمال، ورزق المقاتلة، وذراري الجميع.
وقوله: ورابعها: فمصرفه جهات تساوى النفع فيها المسلمون، مخالفٌ أيضاً لِمَا في "الهداية" و "الزيلعي والكنز"، وموافقٌ لما نقله ابن الضياء في "شرح الغزنوية"، حيث قال: وذكر البزدوي: "أنَّ ما أُخِذَ من تركة ميت لا وارث له، يُصرَف إلى المرضى، والزمني، واللقيط، وعمارة القناطر، والرباطات، والثغور، والمساجد، وما أشبه ذلك انتهى".
لأنَّ مصرف الذي تساوى فيه النفع للمسلمين من الخراجي ونحوه فتنبه لذلك. وقد نقلت تقسيم البيوت ومصارفها عن الكتب المشهورة "كالهداية" و"الزيلعي" و"البزازية" و"الظهيرية" و"الدرر والغرر" في رسالة عمارة الكعبة.
148. والأَفْضَلُ أَنْ تُعْطَى النَّوَائِبُ أُسْوَةً
وَفِيْ عَصْرِنَا قُلْ: رَدُّهَا عَنْكَ أَنْصَرُ
فيه مسألة: صورتها: الأفضل للمرء مشاركة أهل محلته في إعطاء النائبة؛ للتودِّد إلى الإخوان، قال شمس الأئمة: "هذا في الزمن الأول؛ لأنَّها إعانة على الطاعة، وفي زماننا أكثر النوائب ظلم، ودفع الظلم عن النفس خير له، وإن أراد الإعطاء فليعط عاجزاً عن دفع الظلم، والمال، إعانة له على دفع الظلم لينال الثواب". والنوائب: هي ما ينوب من جهة السلطان أو غيره من حقِّ أو باطل.
149. وَلَيْسَ لِكُلٍ أَنْ يُخَلِّصَ نَفْسَهُ
وَلاَ يُعْطِهِم مَالَ الْخَرَاجِ وَيقْدِرُ
150. وَغَازٍ كَذِيْ عِلْمٍ وَمُفْتٍ وَطَالِبٌ
وَوَاعِظٌ حَقٍّ وَالْمُعَلِّمُ يُعْذَرُ
فيهما مسألة: صورتها: إذا استخلص نفسه عن عهدة الخراج بشفاعة أو غيرها، لا يلزمه التصدق، ويُعذَر في صرفه لنفسه إذا كان مصرفاً له، كالمفتي، والمجاهد، والمعلم، والمتعلم، والمذكر الواعظ بحقِّ وعلمٍ، ولا يجوز لغيرهم؛ لأنَّه لمن يعود نفعه إلى المسلمين، فيُجَّهِز به غازياً، أو يدفعه إلى عالم، أو متعلم، والله أعلم.
فصل من كتاب (الصوم)
151. يُتَابِعُ صَوْمَ النَّذْرِ إِنْ هُوَ يَنْذُرُ
وَكَفَّارَةُ الْكُلِّ اعْتِكَافٌ يُقَرَّرُ
اشتمل على ما يلزم صومه متتابعاً، وهو ستة:
الأول: المنذور، والذي لم يُعَيِّن زمانه، كقوله: لله عليَّ صوم ثلاثة أيام، أو شهر، فيلزمه التتابع وبفطره يستأنف، وإذا عيَّن كقوله: هذا الشهر، لا يستأنف؛ لزوال عين المنذور، وإذا نذر صوم شهر، مثل: رمضان، إن أراد مثله في الوجوب، أو لا نيَّة، لهو أن يُفَرِقَ، وإن أراد في التتابع، لزمه التتابع.
الثاني: كفَّارة الظهار.
الثالث: كفَّارة القتل خطأ.
الرابع: كفَّارة اليمين.
الخامس: كفَّارة الفطر في رمضان، وبفطره فيها يستقبل، إلا في كفارة اليمين عندهما.
السادس: صوم الاعتكاف المنذر متتابعاً، أو مطلقاً عن التتابع، فيلزمه التتابع، إلا أن يُصَّرِحَ بعدم التتابع.
152. وَأِنْ يَنْوِ صَوْمَاً فِيْ الصَّلاة فَجَائِزٌ
وَمَا فَسَدَتْ فِيْ الْفَرْضِ وَالْنَّفْلِ يُزْبَرُ
صورته: شخصٌ نوى صوماً، وهو في أثناء الصَّلاة، صحت نيته، ولم تفسد صلاته؛ لأنَّه لم ينطق بمنافٍ، كما لو نوى الفطر صحَّت نيته، ولم يفسد صومه، أو قطع الصَّلاة لم تبطل بمجرد الإرادة.
153. وَمَنْ يَوْمَ شَكٍّ قَدْ غَدَا مُتَلَوِّمَاً
فَأَفْطَرَ سَهْوَاً ثمَّ مِنْ بَعْدُ يَظْهَرُ
154. فَيَنْوِيْهِ لاَ يَجْزِيْهِ وَالسَّهْوُ قَبْلَهَا
كَمَا بَعْدَهَا قَالُوا أَصَحُّ فَيُنْشَرُ
صورتها: أمسك يوم الشَّك متلوماً، أي: متردداً ليتبين الحال، فأكل ناسياً، ثمَّ ظهر أنَّ اليوم من رمضان، فنوى الصوم في وقته، ذكر في "الفتاوى": أنَّه يجوز. وفي "القنية": أنَّه الصحيح.
وقال السُّغْدِيُّ والبديع والصفار: لم يجزه، وكذا في "شرح الطحاوي".
155. وَلاِبْنِ زِيَادٍ قَوْلُ عَدْلٍ مُصَوِّمٌ
بِلاَ عِلَّةٍ وَاثْنَيْنِ فِيْ الْعِيْدِ يُذْكَرُ
فيه مسألتان:
الأولى: روى الحسن بن زياد عن الإمام: أنَّه يُقبَل على رؤية هلال رمضان شهادة واحد عدل، سواء كان بالسماء عِلَّة، أو لم يكن، وسواء كان في المصر، أو جاء من خارجه، وهي خلاف المشهور من المذهب، وإن صحَّح بعضهم قبول الذي جاء من خارج المصر في صحوٍ؛ لقلة الموانع ثمَّة؛ لأنَّ المذهب عدم قبول [شهادة] الفرد، والسماء مصحية مطلقاً، ولا بُدَّ من جَمْعٍ عظيم في الصحو.
الثانية: تُقبَل شهادة رجلين، أو رجلٍ وامرأتين في الفطر، سواء كان بالسَّماء علَّة، أو لم يكن، وفيه كما تقدَّم، والمذهب: أنَّه لا بُدَّ من جَمْعٍ عظيم إذا لم يكن بالسماء علَّة، كرمضان، [كان قول الحساب مختلف فيه، قال]:
156. وَقَوْلُ أُوْلِيْ التَّوْقِيْتِ لَيْسَ بِمُوْجِبٍ
وَقِيْلَ: نَعَمْ، وَالْبَعْضُ إِنْ كَانَ يَكْثُرُ
فيه ثلاثة أقوال لاعتبار قول المُنجمين، وهم: المؤقتون إذا قالوا أن الهلال يكون ليلة كذا، قال القاضي عبد الجبار: "لا بأس بالاعتماد على قولهم". وعن ابن مقاتل مثله: كان يسألهم ويُعتمَد على قولهم إذ اتفَّق عليه جماعة منهم. وقال السرخسي: "قولُ مَنْ قال بأنَّه يرجع إليهم بعيد". وقال الحلواني: "لا يُؤخَذ بقول المنجمين".
وقال مجد الأئمة الترجماني: "اتفَّق أصحاب أبي حنيفة والشافعي إلا النادر أنَّه لا اعتماد على قول المنجمين في هذا".
157. وَإِذْنُكَ لِلزَّوْجَاتِ فِيْ الصَّوْمِ مَانِعٌ
لِمَنْعِكَهَا عَنْهُ إِلَى حِيْنِ تُفْطِرُ
[فيه مسألة قيل] صورتها: أَذِنَ لامرأته بصوم التطوع، ليس له منعها عنه إلى أن تُفْطِرَ، فإن منعها، لا يصحُّ منعه؛ لأنَّها أهل للتمليك، وقد ملَّكها منفعة نفسها، فملكتها بخلاف المملوك، لكن يكون المولي مسيئاً بمنعه المملوك بعد الإذن له.
158. وَيُمْسِكُ مَنْ يُوْصَفُ بِأَهْلِيَّةِ الأَدَاْ
بِأَثْنَاًءِ يَوْمِ الْفِطْرِ لَيْسَ يُغَيَّرُ
اشتمل البيت على ضابط من يمسك في رمضان تشبهاً بالصائمين لفطره قبله، كحائض طهرت، ونفساء، ومجنون أفاق، ومريض برئ، وصغير بلغ، وكافر أسلم، ومسافر قدم. والإمساك واجب في المختار. وقيل: مستحب، والأظهر الوجوب.
159. دَمُ السِّنِّ فَالْمَغْلُوْبِ غَيْرُ مُفَطِّرٍ
وَغَالِبُ رِيْقٍ وَالْمُسَاوِيْ مُفَطِّرُ
صورته: إذا خرج دمٌ من أسنان الصائم ودخل حلقَّه، فإن كانت الغلبة للبصاق، لا يضرُّه إذا لم يجد طعم الدم، وإن ساوى، أو غلب الدم، بطل صومه بابتلاعه، وعليه القضاء بدون كفَّارة.
160. وَحُكْمُ الَّذِيْ مِنْ أَنْفِهِ مِثْلُ حُكْمِهِ
وَقَوْلَيْنِ فِيْ نَقْلِ الْمَحِيْضِ فَدَفْتِرُ
فيه مسألتان:
صورة الأولى: أنَّ الدم الذي يخرج من أنف الصائم، مثل الذي من أسنانه فيما تقدَّم، لو غالباً، أو مساوياً، يفسد دون المغلوب إذا قدر على مجِّه؛ لانتقاله من الباطن.
الثانية: صورتها: امرأة نوت أربع ركعات فرضاً، أو نفلاً، ثمَّ حاضت، لا قضاء عليها، قاله الخجندي. وفي شرح السرخسي: "عليها قضاء النفل، وفي صوم النفل روايتان". قال الشَّارح: "ولزوم القضاء هو الأصح"، وإذا جذب المخاط وقد قدر على مجِّها، فعند الشافعية: يفطر في أصح الوجهين، فيتجنبه احتياطاً ليتحرَّز عن المفسد عند المخالف.
161. وَفَاِتلُ خَيْطٍ بِالّْذِيْ بَلَّ رِيْقَهُ
إِذَا عَادَ لَمْ يُفْطِرْ وَقِيْلَ: يُفَطِّرُ
صورته: صائمٌ فتل خيطاً فبله ببزاقه، ثمَّ أدخله في فمه، ثمَّ أخرجه مراراً، لا يفسد، وإن بقي في الخيط عقد البزاق فابتلعه. وذكر الزندوشتي: أنَّه يفطر؛ لأنَّ إخراجه بمنزلة انقطاع البزاق المتدلي. والقول الأول بمنزلة ما إذا لم ينقطع عن فمه.
162. وَلَوْ ظَنَّ أَهْلُ البَرِّ بِالطَّبْلِ عِيْدَهُمْ
وَمَا صَحَّ فَلْيَقْضُوا فَقَطْ إِنْ هُمْ أَفْطَرُ
صورتها: سمع أهل الرساتيقصوت الطبل يوم الثلاثين، فظنَّوه عيداً وأفطروا، ثمَّ تبيَّن أنَّ الطبل لغيره، لا كفَّارة عليهم، وعليهم القضاء.
163. وَحُبْلَى تَظُنُّ الْحَيْضُ لَوْ أَفْطَرَتْ فَلاَ
تُكَفِّرُ فِيْمَا يَنْبَغِيْ أَوْ تُكَفِّرُ
صورتها: حامل رأت دماً فظنته حيضاً فأفطرت، اختلف في لزوم الكفَّارة عليها، وكذا إذا رأته من طهرت دون خمسة عشر يوماً فأفطرت، اختلف في لزوم الكفَّارة عليها، [ومثله سماع المدافع التي ضربت بالقلعة لأمر غير العيد، بالكفَّارة على من ظنَّ ضربها للعيد].
164. وَتَقْضِيْ فَقَطْ إِنْ أَفْطَرَتْ ثمَّ أَبْصَرَتْ
كَذَا الضَّعْفِ بَعْدَ الْفِطْرِ لاَ مَنْ يُسْفِرُ
فيه ثلاث مسائل:
الأولى: المرأة إذا تعمَّدت ما يوجب الكفَّارة، كالجماع، والأكل عمداً، ثمَّ حاضت.
والثانية: إذا طرأ المرض بعد ما يوجب الكفَّارة، سقطت الكفَّارة فيهما.
الثالثة: لو سافر بعدما أفطر بجماع ونحوه عمداً، تلزمه الكفَّارة، ولو أُكْرِه على السفر بعد لزوم الكفَّارة بوطئ ونحوه، روى الحسن عن أبي حنيفة: "سقوطها عنه. وعندهما: تجب الكفَّارة".
165. وَقَبْلُ غُرُوْبِ الشَّمْسِ أَفْطَرَ عِنْدَمَا
أَهَلَّ يَصُوْمُوا قِيْلَ: لَيْسَ يُكَفِّرُ
صورتها: رأى الهلال في آخر يوم وقت العصر، فظنَّ أنَّه يوم عيد، فأفطر متأولاً لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته".
أقول: كونه متأولاً الحديث مع الرؤية هو نصُّ بعضهم، وبعضهم لم يذكر كونه متأولاً، بل استند إلى مجرد النظر، فإنَّه تأويل كافٍ، فلا يُشترَط انضمام الحديث إليه، ووجهُّه ظاهر. اختُلِفَ في لزوم الكفَّارة والأكثر على الوجوب، وكذا لو رآه قبل الزوال، لا كفَّارة عليه؛ لأنَّه بتأويل. والمختار: أنَّه لليلة الماضية، سواءٌ كان قبل الزوال، أو بعده. وفي رواية: إن كان مجراه أمام الشمس والشمس تتلوه، فهو لليلة الماضية، وإن كان مجراه الشمس، فهو لليلة المستقبلة.
166. وَلَوْ أَكَلَ الإِنْسَانُ عَمْدَاً وَشُهْرَةٌ
وَلاَ عُذْرَ فِيْهِ قِيْلَ بِالْقَتْلِ يُؤْمَرُ
صورتها: تعمُّد من لا عذر له الأكل جهاراً، يُقتَل؛ لأنَّه مستهزئ بالدِّين، أو منكر لما ثبت منه بالضرورة، ولا خلاف في حِلِّ قتله والأمر به، فيشير المؤلف بقيل، ليس بلازم الضعف.
167. وَإِنْ يَتَذَكَّرْ صَوْمَهُ بَعْدَ مَضْغِهِ
فَيَبْلَعْ يُكَفِّرْ، وَالْقَضَاءُ مُقَرَّرُ
168. وَلَوْ أَنَّهُ بَعْدَ الْخُرُوْجِ يُعِيْدُهَا
وَيَبْلَعُهَا يَقْضِيْ فَقَطْ فَتَدَبَّرُ
فيهما مسألتان: الأولى: صورتها صائمٌ أخذ لقمة، فلمَّا مضغها ناسياً، تذكر فابتلعها، عليه القضاء والكفَّارة. والثانية: لو أخرجها من فمه بعد التذكر، ثمَّ أعادها فابتلعها، سقطت الكفَّارة؛ لأنَّها تعاف، وهو الأصح. وفيه إشارة إلى لزومها بلقمة نفسه عند بعضهم.
169. وَكَفَّارَةٌ مِنْ بَلْعْ رِيْقِ حَبِيْبِهِ
وَعَنْ بَعْضِهِمْ: لاَ، وَالْقَضَا لاَ يُغَيَّرُ
فيه مسألة: صورتها صائمٌ ابتلع بصاق حبيبه، عليه الكفَّارة، وقد أقتصر عليه في "الكنز".
لأنَّه لا يُعاف ويلتذ به. وقال أبو حامد: "لا كفَّارة عليه". قلت: وعلى كلام الكنز يتجه لزوم الكفَّارة بشرب الدُّخان الذي حدث؛ لأنَّه لا يُعاف، ويُلتذ به في زعمهم.
170. وَإِنْ أَجْهَدَ الإِنْسَانُ بِالشُّغْلِ نَفْسَهُ
فَأَفْطَرَ فِيْ التَّكْفِيْرِ قَوْلَيْنِ سَطَّرُ
صورتها: صائمٌ أتعب نفسه في عمل حتى أجهده العطش فأفطر، لزمته الكفَّارة. وقيل: لا تلزمه، وفيه أفتى البقالي. وهذا بخلاف الأَمَةُ إذا أجهدت نفسها؛ لأنَّها معذورة تحت قهر المولى، ولها أن تمتنع من ذلك، وكذا العبد.
171. وَإِفْطَارُنَا يَوْمَ الْخُرُوْجِ مُحَرَّمُ
إِلَى سَفَرٍ أَوْ كَالْقُدُوْمِ فَيُنْكَرُ
فيه مسألتان:
صورة الأولى: انشأ السفر بعد طلوع الفجر لا يحل له الفطر بعد ما أصبح صائماً، بخلاف ما لو مرض، وكذلك لو قَدِم من سفره، لا يجوز له الفطر، ولا كفَّارة بإفطاره فيهما للشبهة، بخلاف من رجع لوطنه لحاجة فأفطر؛ لأنَّه برجوعه لمنزله ارتفض السفر حتى لزمته الرباعية كاملة فيه.
172. وَإِفْطَارُ ذَيْ الأَعْذَارِ سِرٌّ كَحَائِضٍ
وَمَنْ عُذْرُهُ لَمْ يَخْفَ لَوْ شاَءَ يَجْهَرُ
فيه مسألتان: الأولى: إسرار الفطر لذي العُذْرِ الخفي، كالحيض لا تظهر فطرها. والثانية: ذو العُذْرِ الواضح، يُبَاح له إظهار فطره.
173. وَلَوْ يَمْنَعِ الصَّوْمُ الصَّلاة أَدَاءَهَا
قِيَامَاً يُصَلِّيْ قَاعِدَاً لَيْسَ يُفْطِرُ
صورته: رجلٌ إن صام رمضان بمرض، فيصلي قاعداً، وإن أفطر صلَّى قائماً، يصوم ويصلي قاعداً؛ لِيَخْرُجَ عن عهدة الواجبين "ظهيرية".
174. وَمَنْ صَامَ نَفْلاً ثمَّ يَنْذُرُ بَعْدَهُ اعْـ
ــتِكَافَاً بِذَاكَ الْيَوْمِ قَدْ قِيْلَ يُهْدَرُ
صورته: شرع في الصوم النَّفل، ثمَّ قال في بعض نهاره، أو بعد انقضائه: عليَّ اعتكاف هذا اليوم، لا اعتكاف عليه؛ لأنَّه لا يصحُّ إلا بالصَّوم، وقد انعقد صومه نفلاً، فتعذر جعله واجباً في قول أبي حنيفة. وقال أبو يوسف: "إن كان قبل الزوال، لزمه الاعتكاف بذلك الصوم، وإن لم يفعل عليه القضاء".
175. وَنَاذِرُ صَوْمِ السَّبْتِ سَبْعَاً يَصُوْمُهَا
وَتِسْعَاً يَصُوْمُ اثْنَيْنِ وَالْفَرْقُ نَيِّرُ
فيه مسألتان: صورة الأولى: نذر أن [يصوم] يوم السبت سبعة أيام، لزمه صوم سبعة أسبات؛ لأنَّ السبت في سبعة أيام لا يتكرر، فحمل كلامه على عدد الأسبات. والثانية: إذا نذر فقال: لله عليَّ أن أصوم السبت تسعة أيام، لزمه أن يصوم سبتين؛ لأنَّ السبت يتكرر في التسعة مرتين. قال الشَّارح: "وهذا إذا لم تكن له نيَّة، وإذا وجدت لزمه ما نوى". ففي البزازية: "لو قال لله عليَّ صوم جمعة، إن أراد أيام الجمعة، أو لا نيَّة له، لزمه سبعة أيام، وإن أراد يوم الجمعة لزمه فقط". [والله - سبحانه وتعالى - أعلم].
فصل من كتاب (الحج)
176. إِذَا جُزْتَ مِيْقَاتاً وَبِالْغَيْرِ تَعْبُرُ
وَأَحْرَمْتَ مِنْ ثَانِيْهِمَا لَسْتَ تُجْبَرُ
صورة المسألة: إذا جاوز ميقاتاً، وبعده أخَّر فاحرم من الثاني، فلا شيء عليه، والأولى إحرامه من الأول، كأهل المدينة لهم ذو الحليفة وبعده الجحفة.
177. وَقَدْ قِيْلَ فِيْ حَجِّ الْغَنِيِّ بِأَنَّهُ
يَزِيْدُ عَلَى حَجِّ الَّذِي هُوَ أَفْقَرُ
صورة المسألة: من لزمه الحجَّ أفضل من حجِّ من لم يلزمه؛ لأنَّ الأول ابتدأ فعله فرض، والثاني من مكة، والمراد بالفقير هنا: غير فقير الزكاة.
178. وَلاَ بأسَ فِيْ الإِحْرَامِ بِالْخَتْنِ وَالَّتِيْ
لَهَا مَحْرَمٌ بِالْفِسْقِ يُعْرَفُ [تُعْذَرُ]
فيه مسألتان:
صورة الأولى: يجوز للمحرم أن يختتن كما يحتجم، [ويفتصد، ويجبر الكسر، وينزع السن]؛ لأنه ليس من محظور الإحرام.
الثانية: وجود للمرأة محرماً فاسقاً، لا يُوجب عليها الذهاب للحجِّ، مع قدرتها على باقي الشروط.
179. وَإِنْ كَانَ فِيْ الإِحْرَامِ صَيْدٌ وَمَيْتَةٌ
فَيَعْقُوْبُ مِنْهُ الأَكْلُ حَيْثُ التَّضَرُّرُ
180. وَعِنْدَهُمَا مِنْهَا، وَلَحْمُ ابْنِ آدَمٍ
مَعَ الصَّيْدِ فِيْهِ يُؤْكَلُ الْمُتَأَخِّرُ
فيهما مسألتان:
الأولى: لو اضطر المُحرم فوجد صيداً وميتة، يأكل الميتة ويترك الصيد؛ لأنَّ ذبحه يصير ميتة، ففيه محظوران عند الإمام ومحمد وزفر خلافاً لأبي يوسف، وإن كان الصيد قد ذبحه محرم، يأكله دون الميتة في قول محمد. وإن وجد صيداً حياً، ومال إنسان، يذبح الصيد؛ لأنَّه حقُّ الله الغنيِّ، ومالُ المسلمِ حرامٌ يُمتنَع عنه لحاجة العبد.
الثانية: اضطر المحرم فوجد لحم إنسانٍ وصيداً، يذبح الصيد لمحض حقِّ الله، ويترك لحم الآدمي، ولحم الآدمي حرام لله، وللعبد.
181. مَعَ الرَّمَلِ التَّقْبِيْلُ سُنَّ لِطَائِفٍ
وَفِيْ رَكْعَتَيْهِ وَالتَّيَامُنُ يُذْكَرُ
182. وَيَحْتَمِلُ الأُوْلَى الْوُجُوْبَ كَقَوْلِهِمْ
بِهَاتَيْنِ إِذْ فِعْلُ النَّبي يُقَرَّرُ
فيهما أربع مسائل: فالرَّمَل في طواف بعده سعيٌ في الثلاثة الأشواط الأوَل، وتقبيل الحجر سنَّتان، ويحتمل الرَّمَل الوجوب كما سنذكر، وركعتا الطَّواف، والتيامن في الطواف، هما المرادتان بقوله: بهاتين. وقوله: وتحتمل الأولى، يعني: المبدوء بها، وهو الرَّمَل، يُحتمَل أنَّه واجب، كما قالوا بوجوب اعتماد الركعتين، والتيامن.
183. وَسُنَّ اعْتِمَارٌ وَافْتَرِضْهُ كِفَايَةً
وَأَكّدْ وَأَوْجِبْ وَالْجَمِيْعُ مُقَرَّرُ
فيه أربعة أقوال في صفة العمرة: سنَّةٌ، فرضُ كفايةٍ، سنَّةٌ مؤكدة، وواجبةٌ، كلُّ الأقوال مسطورة في كتب المذهب.
184. طَوَافٌ وَإِحْرَامٌ هُمَا الرُّكَنْ وَاشْتَرِطْ
وَسَعْيَاً وَأَوْجِبْ مِثْلَ حَلْقٍ يُقَصِّرُ
فيه ركن العمرة وشرطها: فالطَّواف ركنٌ، والمراد أكثره، وباقيه، وهو الثلاثة، والسعي والحلق، أو التقصير واجب. وأمَّا الإحرام، فالصحيح أنَّه شرط، وقيل: ركنٌ. وعن الحسن بن زياد: "أنَّه يجب طواف الوداع للعمرة كالحجِّ". وقوله: وأوجب بـ (الواو) كذا في النسخ، والأنسب فـ (أوجب) بالفاء.
185. وَمُعْتَمِرٌ مَا طَافَ بَلْ عَادَ مُحْرِمَاً
يُتِمُّ عَلَى إِحْرَامِهِ لاَ يُغَيِّرُ
صورته: لو رجع المعتمر ولم يطف للعمرة شيئاً، أو ترك أكثر الطَّواف، بقي محرماً أبداً، وليس له بدل، فيرجع إلى مكة ليطوف لها بدون إحرام جديد، ويسعى بعد الطَّواف، ولا عبرة بسعيه الأولى، لو فعله قبل طواف الأكثر؛ لأنَّ السعي بمنزلة السجود، والطَّواف بمنزلة الرُّكوع، وأمَّا ترك أقل الطَّواف، فيجب به دم.
186. وَتُرَبٌ وَأَحْجَارٌ وَمَاءٌ لِزَمْزَمٍ
مِنَ الْحَرَمِ الإِخْرَاجُ لاَ بَأسَ يُغْفَرُ
لا بأس بنقل التُّراب والأحجار التي من الحرم، وماء زمزم، وتراب من جوف البيت ملقى غير مؤد لحفر البيت، جائز أخذه للتبرك.
187. وَلاَ نَفْلَ بَعْدَ الْعَصْرِ فِيْ عَرَفَاتِهَا
وَقَدْ جُمِعَتْ وَالظُّهْرَ مَا يَتَغَيَّرُ
صورتها: تُكْرَه النافلةُ بعد الجمع، وإن كان في وقت الظهر؛ لصدقه على كونه بعد صلاة العصر، وكذا تُكْرَه السنَّة بين الجمعين، ويعيد الآذان والإقامة للعصر، لو تنفل بينهما.
188. وَأَوْصَى بِهِ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيْرِ أُجْرَةٍ
فَأَدْنَى أُجُوْرِ الرَّاكِبِيْنَ يُقَدَّرُ
صورتها: أوصى بالحجِّ عنه، وثلث ماله يكفي لحملٍ، ومصرفه ألف، وإذا لم يكن في محمل بل راكباً، فبدونه، فالأدنى هو اللازم.
189. وَمُوْصٍ بِأَلْفٍ حِجَّةٍ وَلِوَاحِدٍ
بأَلْفٍ وَأَلْفٌ لِلْمَسَاكِيْنْ تُنْشَرُ
190. وَأَلْفَانِ ثُلْثُ الْمَالِ فَالْحَجُّ أَلْفُهُ
يُكَمَّلُ مِنْ مَالِ الْمَسَاكِيْنِ تُجْدَرُ
[تجدر: تقطع] صورتها: أوصى بألف لرجلٍ، وألفٍ للمساكين، وحَجَّة الإسلام بألف، وثلث ماله ألفان، فيُعطى للحجَّة ألف مكملة من الموصي به للمساكين، فيكون للرَّجل ثلث الألفين كاملاً، وهو ستمائة وستة وستون وثلثان، ويبقى للمساكين ثلاث مائة وثلاثة وثلاثون وثلث.
191. وَقَدْ ضَمَّنُوا الْمَأْمُوْرَ إِنْ حَجَّ مَاشِيَاً
وَحِجَّتُهُ عَنْ نَفْسِهِ تَتَقَرَّرُ
صورته: أمر بالحجِّ راكباً، فمشى المأمور، فالحجُّ عن نفسه، ويضمن المال لمخالفته، ولا يسقط به حجُّ الفرض عن نفسه.
192. وَإِنْ يَكْتَرِيْ الْمَأْمُوْرِ فِيْ الْحَجِّ خَادِمَاً
وَلَيْسَ بِأَهْلٍ لِلْكَرِيْ فَهُوَ يَخْسَرُ
صورته: لو استأجر المأمور بالحجِّ خادماً لخدمته، يُنظَر إن كان ممَّن يخدم نفسه، ضمن الأجرة؛ لأنَّه ليس بمأذون فيه، وإن كان ممَّن لا يخدم نفسه، فهو في مال الأمر؛ لأنَّه مأذون فيه.
193. وَلاَ حَجَّ مِنْ (إِنِّيْ أَحُجُّ عَلَيْهِ) قُلْ
وَمَعْ (إِنْ دَخَلْتِ الدَّاْرَ) فَرْقٌ يُقَرَّرُ
فيه مسألتان:
صورة الأولى: لو قال: إن أحج، لا يلزمه شيء.
والثانية: لو قال إذا دخلت الدار، فأنا أحج، فدخل، لزمه؛ لأنَّه جعل الحجَّ جزاء، فيجب عند الشرط، كما لو قال المريض: إن عافاني الله من مرضي هذا، فعلي حجَّة، فإذا برئ، لزمه حجَّة، وإن لم يقل لله عليَّ؛ لأن أحج، لا يكون إلا لله [والله - سبحانه وتعالى - أعلم].
194. وَإِنْ حِجَّةُ الإِسْلاَمِ قال عَلَيَّ
مَرَّتَيْنِ فَلَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ وَيُهْدَرُ
صورتها: إذا قال لله عليَّ حجَّة الإسلام مرتين، لا يلزمه شيء؛ لأنَّه يريد التزام غير المشروع؛ لأنَّ حجَّة الإسلام لا تجب إلا مرة، ومثله الصَّلاة والصوم والله أعلم.
فصل من كتاب (النكاح)
195. وَفِيْ الْعَقْدِ بِالإِجْمَاعِ لاَ بُدَّ يَحْضُرُ
شُهُوْدُ خِطَابٍ وَالْولِيُّ الْمُصَدَّرُ
196. كَفَاءَتُهُ ثمَّ الْخُلُوُّ مَعَ الرِّضَا
صِدَاقٌ وَإِنْفَاقٌ عَلَى ذَيْنٍ يَقْدِرُ
فيهما صورة العقد الصحيح بالإجماع؛ لأنَّه لا بُدَّ فيه من سبعة شرائط: رضى المرأة الحُرَّة المكلَّفة، ورضى الوَليُّ الحُرُّ المُكَلَفُّ، وخلو ما بين الزوجين من حرمة مؤبدة ومؤقتة، والشهود، والكفاءة، والقدرة على المهر، والنفقة.
وتولي خطاب العقد من الزوجين، أو من ينوب عنهما من وليٍّ، أو وكيل، أو متكلف فضولي، أو ما يقوم مقام الخطاب من كتاب، أو رسول، وبسطه يطول.
197. وَمَنْ زُوِّجَتْ بَيْنَ النِّيَامِ فَجائِزٌ
وَمَنْ شَرَطَ الإِسْتِمَاعَ لاَ شَكَّ يُنْكِرُ
فيه مسألة: صورتها: تزوجت بحضرة نائمين، فيه اختلاف المشايخ، واختلف التصحيح في انعقاده، والأصح أنَّه لا بُدَّ من سماع الشاهدين، وفهمها معاً لفظ المتعاقدين، حتى إنَّه لا ينعقد بحضرة الأصمين.
198. وَلَوْ زَوَّجَ الْقَاضِيْ ابْنَةَ الْحَيِّ طِفْلَةً
يَجُوْزُ لِعَضْلٍ بَعْضُهُمْ لَيْسَ يَذْكُرُ
صورة المسألة: إذا زوَّج القاضي صغيرة مع وجود أبيها، فإن كان لمعضل، جاز. وبعضهم قال: يجوز بدون عَضَل. وهذا غير صحيح؛ لأنَّه مع العَضَل صحَّ؛ لرفع الظلم، وفيه إشارة إلى أنَّ غيره لا يزوجها، فلا ينتقل إلى قريب أبعد مع العَضَل، ولنا رسالة سمَّيتها: "كَشْفُ المُعْضَلِ فيما انْعَضَل"، تتضمن ما لو عَضَلها أبوها ولها جد، يزوجها القاضي لا الجد بالإجماع.
199. وَلَوْ زُوِّجَ الخُنْثَى صَغِيْراً بِمِثْلِهِ
يَصِحُّ وَفِيْ التَّغْيِيْرِ قَدْ قِيْلَ يُنْكَرُ
صورته: زوَّج خنثى مشكل بمشكل مثله في الصِّغَر، ثمَّ زال فوجد الزوج امرأة والزوجة رجلاً، فالنِّكاح جائز عند أبي بكر، وقال أبو الليث: لا يجوز. والتحرير أنَّه موقوف لا يُحكَم بالصِّحة، سواء عيَّن أحدهما زوجة، والآخر زوجاً، أو أطلق عن الوصف كقوله: زوجت هذا لهذا حتى يتبين، ويعلم محلية من جعل امرأة، فإذا لم يتبين احتمل ذكورتهما وأنوثتهما، فلا توارث لو ماتا، أو مات أحدهما قبل البيان.
200. وَبِالْعَقْدِ حَرِّمْ زَوْجَةَ الأَبِ لابْنِهِ
كَذَا العَكْسُ بِالإِجْمَاعِ قَالُوا يُقَرَّرُ
صورتهما: إذا عقد الأب على امرأة، أو الابن على امرأة حرمت على الآخر وهي جلية.
201. وَمَنْ هِيَ مَسَّتْ لاِبْنِ سِتٍّ بِشَهْوَةٍ
تُحَرِّمُهُ صِهْرَاً وَمَنْ هُوَ أَكْبَرُ
صورتها: امرأة مسَّت بشهوة ابن ست سنين، ثبتت الحرمة، فلا يحل لأبيه ولا لابنه تزوجها، وكذا العكس لو مسَّ الرجل صبية مشتهاة، ولم يتصل بِمَسِّه إنزال المني بنحو عبث قبل رفع يده عنها.
202. وَلاَ نَسَبٌ مِنْ دُوْنِ سِتَّةِ أَشْهُرٍ
وَزَوْجٌ لَهُ سِنٌ مِنَ الْعَشْرِ أَقْصَرُ
203. وَلاَ زَوْجَةِ الْمَنْعِيِّ عِنْدَ إِمَامِنَا
وَمَنْ تَدَّعِيْ التَّطْلِيْقَ وَالزَّوْجَ يُنْكِرُ
فيهما أربع مسائل:
الأولى: امرأة ولدت قبل ستة أشهر من العقد، لا يثبت الولد من الزوج.
والثانية: لو كان الزوج ابن عشر، أو أقل عند الوضع، لا يثبت منه، وإن ادَّعاه، ولا يبين مفهومه وهو لو كان أكثر من عشر، ولا يثبت إلا من راهق وهو ابن اثني عشر سنة.
الثالثة: امرأة بلغها موت زوجها فاعتدت، وتزوجت آخر، وولدت، ثمَّ جاء زوجها حياً، كان أبو حنيفة يقول: أولاً: الولد للأول، ثمَّ رجع، وقال: الولد للثاني وعليه الفتوى.
والرابعة: ادَّعت الزوجة طلاقه وهو ينكر، فاعتدت وتزوجت، فولدت، فهو للأول.
204. وَصِيٌّ وَجَدٌّ وَالِدٌ قُلْ وَحَاكِمٌ
صَدَاقَ إِمَاءِ الطِّفْلِ لاَ الْعَبْدِ يُسْطَرُ
صورته: إذا كان للصغير عبدٌ، لا يزوجه أحد، وإذا كانت له أمةٌ، يزوجها كل من الوصيِّ، والأب، والجد، والحاكم، على الترتيب في الولاية.
قلت: ولو قال: نكاح إماء الطفل، لكان أظهر من صداق.
205. وَيَعْقِدُ غَيْرُ الأَبِ وَالْجَدِّ طِفْلَهُ
بِعَقْدَيْنِ فِيْ ثَانِيْهِمَا لَيْسَ يُمْهَرُ
صورتها: صغيرٌ أو صغيرةٌ، له وليٌّ، ليس أباً، ولا جداً، يُحتاط في تزويجه، فيعقد مرة بمهر مسمَّى، ثمَّ يعقد ثانياً بلا تسمية مهر؛ لاحتمال الفساد، إذ لا يُزوَّج بغبن فاحش، سوى الأب والجد. وعندهما: لا يملك الأب ولا الجد أيضاً. فالاحتياط أن يعقد الأب والجد مرتين ثانيهما بدون مهر؛ للاحتياط. نبَّه عليه الشَّارح رحمه الله تعالى.
206. وَمَا صَحَّ مِنْ شَخْصٍ وَلَيْسَ بِقَادِرٍ
عَلَى الْمَهْرِ وَالإِنْفَاقِ وَالْعُرْسِ أَعْسَرُ
صورتها: صغيرةٌ زوجها غير أبيها وجدها، لمن لا يقدر على النفقة والمهر، لا يصحُّ العقد، ولو كانت معسرة.
207. وَإِنْ حُرْمَةٌ مِنْ جَانِبَيْنِ تَصُوِّرَتْ
فَلاَ جَمْعَ بَيْنَ الْمَرْأَتَيْنِ يُصَوَّرُ
208. لَوِ احْدَاهُمَا فَحْلاً وَعَنْ زُفَرٍ كَذَا
مَعَ ابْنِةِ زَوْجٍ كَان لِلعِرْسِ يُذْكَرُ
اشتملا على ضابط حرمة الجمع بين المرأتين، فلا يجوز الجمع بين امرأتين، أيتهما لو فرضت رجلاً، حَرُمَ عليه تزوجه بالأخرى. وقال زفر: بعدم الجواز إذا اتفقت في جانب كرجلٍ تزوج بنت رجلٍ وامرأةٍ كانت له غير أمها، والمتفق عليها، كالمرأة، وعمتها، أو خالتها ولو رضاعاً.
209. وَمَنْ يَدَّعِيْ بَعْدَ الْفِرَاقِ دُخُوْلَهَا
لَهَا قَوْلُهَا كَالْقَوْلِ لِلأَبِ يُنْكِرُ
فيه مسألتان:
الأولى: صورتها: امرأةٌ فارقها زوجها، فادَّعت أنَّه دخل بها، وهو ينكر، فالقول لها في استحقاقها كمال المهر، ولا يصحُّ له مراجعتها، مؤاخذة له بقوله.
الثانية: رجل زَوَّج بنته البكر البالغة، وأنكر الدخول وقال: إنَّها بكر بمنزلي؛ ليطالب الزوج بالمهر، وقال الزوج: دخلت بها ليكون الطلب لها، فالقول للأب، فإن طلب الزوج تحليف الأب، أختلف فيه. ذكر قاضيخان عن أبي يوسف: له تحليفه. وذكر الخصَّاف: أنَّه لا يحلف.
210. وَمَنْ زَادَ فِيْ الْمَهْرِ الَّذِيْ وَهَبَتْ لَهُ
فَخُلْفٌ فَإِنْ تَقْبَلْ يَصِحُّ التَّقَرُّرُ
فيه مسألتان:
الأولى: صورتها: امرأةٌ وهبت مهرها لزوجها، ثمَّ زاده، اختلف العلماء في صحة الزيادة، إذا لم يكن منها قبول لها.
الثانية: إذا قبلت الزيادة، صحَّت، والظاهر اشتراط قبولها في المجلس، وإذا جدَّد مهراً بعد أن وهبت مهرها، اختلف في صحته وعدمها.
211. وَإِنْ شَرَطَ الإِبْكَارَ لَيْسَ بِمُسْقِطٍ
مِنَ الْمَهْرِ شَيْئَاً حَيْثُ لاَ يَتَبَكَّرُ
212. فَلَوْ زَادَ مَهْرَ الْمِثْلِ قِبْلَ سُقُوطُهَا
وَمَا أَشْهَدُوا سِرَّاً بَلِ الْمَهْرُ أَجْدَرُ
فيهما ثلاث مسائل:
الأولى: تزوج امرأةً على أنَّها بكر، فوجدها غير بكر، فالمهر واجب بكماله؛ لأنَّ البكارة لا تصير مستحقة بالنِّكاح، ولكن ذكر العمادي: ينبغي أن يرجع بما زاد عن دستيمان، مثلها على قياس مسألة الجهاز عن أئمة خوارزم.
الثانية: صورتها: تزوَّجها بأزيد من مهر مثلها على أنَّها بكر، فإذا هي ثيب، لا تجب الزيادة. وفي الفوائد الظهيرية: "لا يستردُّ الزيادة كما لو شرط الجهاز العظيم للمهر المُسمَّى فقد ثبت الخلاف".
الثالثة: صورتها: تزوَّج امرأةً في السِّر على مهر، وفي العلانية بأكثر منه سمعة، أخذ بالعلانية إذا اختلفا، وادَّعى الزوج المواضعة، إلا أن يقيم الزوج بيِّنة على ما ادَّعاه، وإذا لم يعقد سراً وتواضعا على شيء، ثمَّ تزوجها علانية بأكثر من جنس المُسمَّى سراً، فعليه مهر السِّر، وإن سُمِّي في العلانية خلاف جنسه، لزم مهر المثل إنِ اتفقا على المواضعة، فإنِ اختلفا، فالمهر مهر العلانية، والله تعالى أعلم [ ..... ].
213. وَقَدْ أَوْجَبُوْا بِالْخَلْوَةِ الْمَهْرَ كُلَّهُ
أَوِ المِثْلَ إِنْ صَحَّتْ وَإِلاَّ فَيُشْطَرُ
صورتها: إذا طلَّق المرأة بعد الخلوة، فإن كانت صحيحة، وهي ليس معها مانع؛ كمرض، وحيض، وإحرام، وصوم فرض، يلزمه تمام المهر المُسمَّى، وإن لم يكن المهر مُسمَّى، يجب مهر المثل، وإذا لم تكن الخلوة صحيحة، يجب النِّصف، وهي شهيرة، وإنَّما ذكرت لما فرع عليها بقوله:
214. وَلَوْ صَدَّقَتْ أَنْ لَمْ يَطَأْ فَكَمَالُهُ
وَلَوْ مَنَعَتْهُ الْوَطْئَ فَالْخُلْفُ يُذْكَرُ
(الواو): عاطفة. وصورة المسألة: إن طلَّقها بعد الخلوة وصدقته في عدم الوطئ، لزمه كمال المهر، وإن منعته، اختلف المتأخرون في لزوم كمال المهر.
215. وَإِنْ عَلَّقَ التَّطْلِيْقَ قَبْلَ دُخُوْلِهِ
بِخَلْوَتِهَا فَالْنِّصْفُ لاَ يَتَغَيَّرُ
صورتها: علَّق طلاق غير المدخول بها بالخلوة بها، ثمَّ اختلى بها، يجب نصف المهر بالطلاق، ولا عدَّة عليها؛ لأنَّه لم يتمكن من الوطئ كما في "الخلاصة". وفي "البحر": تجب العدَّة في الخلوة الفاسدة على الصحيح. فتجب في هذه الصورة احتياطاً. وهذا بحث منه رحمه الله. وأقول: إنَّه غير مُسلَّم؛ لوضوح الفرق بين النِّكاح، قد زال بالمرَّة بتعليق الطلاق بخلوة، وبقاء النِّكاح مع فساد الخلوة؛ لأنَّه مُمَكَّنٌ من الوطئ ببقائه دون ذاك، فلا عدَّة عليها [ ..... ].
216. وَإِنْ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ لَيْسَ بِقَادِرٍ
فَلَمْ يَجِبِ التَّكْمِيْلُ إِنْ كَانَ يَصْغُرُ
فيه مسألة من مسائل الخلوة، صورتها: اختلى الصغير الذي لا يقدر على الجماع وهي صغيرة، لا يجب بها كمال المهر، وصورتها: إذا لم يطأها حتى بلغ فطلَّقها، وإذا كانت ممَّن تقدر على الجماع دونه. قال الشَّارح: اختلف فيه. والنظم مفيد أنَّه لا كمال ينفي قدرة أحدهما وهو ظاهر، حتى لو كان كبيراً، ولا يمكن جماعها، لا يجب كمال المهر بالخلوة، والله تعالى أعلم [ ..... ].
217. وَفِيْ النَّسَبِ الإِنْفَاقُ سُكْنَى وَعِدَّةٌ
وَحُرْمَةُ عَقْدِ الأُخْتِ قَالُوا تُؤَثِّرُ
218. وَوَقْتُ طَلاَقٍ ثمَّ تَزْوِيْجُ أَرْبَعِ
كَذَا أَمَةٌ عِنْدَ الإِمَامِ يُجَبِّرُ
219. وَإِنْ تَكُنْ بِنْتَاً ثمَّ يَعْقِدُ بَعْدَهَا
فَعُقْدَتُهَا كَالثَّيِّبَاتِ يُسَفَّرُ
في الأبيات أحكام الخلوة، وهي عشرة: كمال المهر، وتقدم مُسمَّىً كان، أو مهر المثل، وثبوت النسب، ووجوب نفقة العدَّة، والسُّكنى، والعدَّة، وحرمة نكاح من لا يحل جمعها معها، ومراعاة وقت الطلاق حتى لو طلَّقها حائضاً، وحرمة أربعة سواها في عدَّتها، وحرمة نكاح الأمة في عدتها، ولا يكفي سكوتها بتزويج وليها بعد انقضاء عدَّتها، وبقية الأحكام في قوله:
220. وَلَمْ يُوْجِبُوا تَحْرِيْمَ بِنْتٍ لَهَا بِهَا
وَلاَ حُرْمَةَ الْمِيْرَاثِ وَالْبَعْضُ يَذْكُرُ
221. وَإِحْصَانُهُ وَالْحِلُّ لِلْزَوْجِ قَبْلَهُ
وَإِسْقَاطُ حَقِّ الْحَبْسِ مَا يَتَقَرَّرُ
222. وَرَجْعَتُهَا ثمَّ الطِّلاَقُ بِعِدَّةٍ
لَهَا لَم يَقَعْ، أَوْ بَلْ يَقَعْ وَهُوَ أَجْدَرُ
223. وَذَا بَائِنٌ وَالْغُسْلُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ
وَعُنَّتُهُ تَبْقَى وَلَيْسَ يُكَفِّرُ
224. وَلاَ فَيْئَ فِيْ الإِيْلاَءِ قَالُوْا بِخَلْوَةٍ
وَتَبْقَى الْعِبَادَاتُ الَّتِيْ ثمَّ تَصْدُرُ
لمَّا بيَّن في الأبيات السابقة ما تقوم الخلوة فيه مقام الوطئ من الأحكام، ذكر في هذه الأبيات ما لا تقوم فيه مقام الوطئ، قال: وهي اثنا عشر حكماً:
الأول: لا تُحرَّم بناتها عليه بالخلوة الصحيحة بها، ولم يمسَّها بشهوة، وفيه خلاف ذكره الشَّارح، ولا ترثه إذا مات وهي في العدَّة. وبعضهم قال: ترثه. والإحصان لا يثبت بها، ولا تحل لمطلقها ثلاثاً قبله، ولها حبس نفسها للمهر، ولا يراجعها في العدَّة.
واختلف في وقوع الطلاق في عدَّتها، والأقرب للصواب وقوعه احتياطاً، وهو بائن ولا يجب الغسل بها، وبقاء خيارها في العنين ومن بمعناه، عند مُضيِّ السَنة، فلا يسقط بها، وعدم وجوب الكفَّارة عليه، لو اختلى بها في رمضان.
وأقول: صوم الفرض مانع من صحة الخلوة الصحيحة، فكيف يُعَدُّ نفيٌّ الكفَّارة من أحكام الخلوة الصحيحة، وكذا حكمه بعدم بطلان العبادات فيما بعد هذا، فليُتأمَّل، ولا تكون فيئاً في الإيلاء، فلا يحنث في يمينه به، ولا يَعْتَدُّ بها، حتى لو مضت مدَّة الإيلاء ولم يطأها، يقع البائن بالإيلاء.
الثاني عشر: أنَّ العبادات التي تصدر عن الزوج في الخلوة، إذا كانت ممَّا يبطل بالجماع، لا تبطل، وتكون صحيحة، كالإحرام، والصوم، والاعتكاف [ ..... ].
فصل من كتاب (الرِّضاع)
225. إِذَا عُدِمَ الإِرْضَاعُ فَالأُمُّ تُجْبَرُ
أَوْ الْمَالُ مِنْ طِفْلٍ أَبٍ وَهُوَ يَنْدُرُ
صورته: إذا لم توجد مرضعة، أو وجدت، ولا يأخذ الولد ثدياً غير أمِّه، ولم يكن للأب ولا للطفل مال، تُجبَرُ على الإرضاع في الصحيح؛ لأنَّها ذات ايسار باللبن، وعليه الفتوى، إحياءً للولد، كما إذا انقضت مدَّة إجارة الظئر، والولد لا يأخذ ثدي غيرها، تٌجبَر على إبقاء الإجارة للإرضاع.
226. وَمَنْ قَالَ: ذِيْ أُمِّيْ وَ أُخْتِيْ وَشِبْهَهُ
تَحِلُّ لَهُ لَوْ قَالَ: أَخْطَأْتُ، يُعْذَرُ
صورتها: رجلٌ أقرَّ أنَّ هذه المرأة أخته ونحوه من الرِّضاع، ثمَّ أراد أن يتزوَّجها بعد ذلك، وقال: أوهمت، أو أخطأت، أو نسيت، وصدَّقته المرأة، فهما مُصدَّقان، وله أن يتزوَّجها، وكذالك لو كانت هي المُقرَّة، ثمَّ قالت: أخطأت، وصدَّقها فتزوَّجها، صحَّ. وكذا لو تزوَّجها قبل أن تُكَذِّب نفسها، ولو قالت: هذا ابني رضاعاً وأصرت عليه، جاز له أن يتزوَّجها؛ لأنَّ الحرمة ليست إليها، قالوا: وبه يُفتى [والله تعالى أعلم].
227. وَمَنْ قَالَ فِيْ الْمَمْلُوْكِ نَجْلِيْ فَمُعْتِقٌ
كَإِقْرَارِهِ بِالْوَطْاءِ وَالْفَرْقُ يَعْسُرُ
فيه مسألتان: رجلٌ قال لمملوكه ذكراً كان، أو أنثى، هذا ولدي، أو ابني، أو بنتي، فإنَّه يُعتَّق في الحال، سواءٌ ثبت على ذلك، وقال: هو حقٌّ كما قُلْتِ، أو لم يُثبت، فقال: أوهمت، أو أخطأت، لا يُصدَّق.
الثانية: أقرَّ رجلٌ فقال لامرأته: كنت جامعت أمَّك قبل نكاحك، يُؤاخَذ به، ويُفرَّق بينهما، لكنْ لا يُصدَّقُ في حقِّ المهر، فيجب نصف المُسمَّى قبل الدخول، وكلَّه بعده. والإصرار على هذا الإقرار ليس بشرطٍ في القضاء، حتى لو أقرَّ بأنَّه جامع امرأته، أو لمسها بشهوة، ثمَّ رجع عن ذلك، وقال: كذبتُ، فالقاضي لا يُصدِّقه، لكن فيما بينه وبين الله تعالى إذا كان كاذباً فيما أقرَّ به، لا تُحرَمُ عليه امرأتُه، هكذا قيل. وفيه نظر؛ لأنَّ القضاء بالحرمة ينفذ ظاهراً وباطناً، فكيف تحل له فيما بينه وبين الله تعالى، نعم هذا إذا لم يُقضَ عليه بالحُرمة.
228. بِأُمِّ أَخٍ خَالٍ وَعَمٍّ وَأَنَّثُوا
وَنَافِلَةٍ مِنْهُ الزَّوَاجُ يُصَوَّرُ
229. وَأُخْتُ ابْنٍ أَوْ بِنْتٌ وَجَدَّةُ نَجْلِهِ
وَمِنْ نَسَبٍ صِرْفٍ فَمَا يُتَصَوَّرُ
فيهما المسائل التي يُتصوَّر حِلُّ النِّكاح فيها مع الرَّضاعة:
الأولى: صورتُها: أمُّ الأخ، أو الأخت رضاعاً، تَحِلُّ ولا تُحَلُّ في النَّسب؛ لأنَّها [إما] أُمَّه، أو موطؤة أبيه.
الثانية: تَحِلُّ أمّ خاله، أو خالته رضاعاً، ولا تُحَلُّ نسباً؛ لأنَّها إمَّا جدَّته، أو موطؤة جدِّه.
الثالثة: أمُّ عمِّه، أو عمَّته رضاعاً لا نسباً، كما قبلها.
الرابعة: أم نافلته رضاعاً لا نسباً؛ لأنَّها إمَّا بنته، أو حليلة ابنه.
الخامسة: أخت ابنه، أو بنته رضاعاً لا نسباً؛ لأنَّها إمَّا بنته، أو ربيبته، ويُتصوَّر تزوج أخت ابنه نسباً، بما لو ادَّعى الشركاء في أمة ولدها، ثبت منهم، ولكلٍ تزوَّج بنت شريكه، وهي أخت ابنه نسباً، ونظَمَها الشَّارح لغزاً وأجاب عنه.
السادسة: جدَّةُ ولده رضاعاً، ولا يُمكَّن نسباً؛ لأنَّها أمُّ أمِّه، أو أمُّ امرأته.
230. وَلَوْ كَانَ فِيْ طُعْمٍ فَمَا ضَرَّ غَالِبَاً
وَلَوْ لَمْ يَمَسَّ النَّارَ قَالَ الْمُصَدَّرُ
231. وَلَوْ مَسَّهَا كُلٌّ كَأَنْ غَلَبَ الدَّوَا
وَغَالِبُ دَرِّ الْمُرْضِعَاتِ الْمُؤَثِّرُ
232. وَأَثْبَتَهَا فِيْ كُلِّهِنَّ مُحَمَّدٌ
وَفِيْ حُقْنَةٍ قَدْ قَالَ أَيْضَاً يُؤْثِّرُ
فيها مسائل تتعلق بالحرمة الثابتة بالرِّضاع:
الأولى: صورتها: ثُرْدُ خُبْزٍ بلبَن امرأة، وهو يتقاطر عند الحمل، لا تثبت به الحرمة في الصحيح.
الثانية: لو طُبِخَ باللَبَن أرُزَّاً وغيره، لم يَحْرُم.
الثالثة: لو اختلط اللَبَن بالدَّواء الغالب، لا يَحَرِّم وإلا حُرِّمَ، والتغير بوجود الطعم واللون معاً عند أبي يوسف. وقال محمد: بأحدهما.
الرابعة: صورتها: خلط لَبَن امرأتين تعلَّق التحريم بأغلبهما عند أبي يوسف وزفر. وعن الإمام روايتان. والمتساوي يُحَرِّمُ منهما اتفاقاً.
الخامسة: الحقنة بلبن المرأة، لا يُحَرِّم في ظاهر الرواية. ورُوي عن محمد تحريمها.
233. وَفِي الأُذْنِ وَالإِحْلِيْلِ لَيْسَ مُؤَثِّرَاً
وَجَائِفَةٌ قَلْ بِاتِّفَاقٍ يُسَطَّرُ
فيه مسائل: الأولى: صورتها: أقطر لبن المرأة في أُذُنِه، لا يُحَرِّم، وكذلك في الاحليل، والجائفة، والآمة. وعن محمد: أنَّ الاحتقان والإقطار في الأُذُنِ، مُحَرِّم لحكاية الاتفاق على الصحيح.
234. وَلَوْ أَرْضَعَتْ بِكْرٌ صَبيَّاً بِدَرِّهَا
يُحَرَّمُ لاَ فَحْلٌ إِذا مَا يُدَرِّرُ
فيه مسألتان:
الأولى: لَبَنُ البِكْرِ يُحرَّم.
الثانية: لَبَنُ الرَّجُلِ لا يتعلَّق به حُرمة، ولَبَنُ الخنثى يُحَرِّم على مقتضى الفقه.
235. وَيُثْبِتُهَا أَيْضَاً سُعُوْطٌ وَنَحْوُهُ
وَلَوْ كَانَ بَعْدَ الْموْتِ مِنْها يُقَطَّر
فيه مسائل: صورتها: صُبَّ في أنف الصغير لَبَنُ المرأة، أو في حلقه، ولو بعد موتها، أو ارتضعته من الميتة حَرُمَ.
236. وَإِنْ أَنْكَرَتْ مَنْ أَرْضَعَتْ جَازَ لاِبْنِهَا
وَإِنْ لَقْمُ الثَّدِيِ فِي فَمْهِ يُشْهَرُ
صورتها: امرأةٌ أعطت ثديها بنتاً، واشتهر، ثمَّ قالت: لم يكن في ثدي لَبَن حين ألقمتها إياه، ولم يعلم ذلك إلا منها، جاز لابنها التزوُّج [بهذه الصبية، وكذا إذا لم يعلم] أَدَخَلَ اللبَن في حلق الرَّضيع أم لا، لم يُحَرِّم النِّكاح؛ لأنَّ في المانع شكاً.
237. وَمَنْ هِيْ تَسْتَغْنِيْ بِطُعْمٍ فَأُرْضِعَتْ
وَقَدْ فُطِمَتْ فَالْبَعْضُ ما يَتَأَثَّرُ
صورتها: فُطِمَ الرَّضيعُ قبل مُضيِّ مدَّة الرِّضاع، واكتفى بالطعام عن الرِّضاع، ثمَّ أُرْضِعَ، لا تثبت به الحُرمة، في رواية الحسن عن الإمام، وفي ظاهر الرواية، تثبت. وفي "الواقعات": الفتوى على ظاهر الرواية. ومدَّة الرِّضاع ثلاثون شهراً عند الإمام. وحولان عندهما. وثلاثة أحوال عند زفر.
تنبيه: الإرضاع بعد مُدَّته حرام؛ لأنَّه جزء الآدمي، والانتفاع به بغير ضرورة، حرام على الصحيح. وفي "التُّمُرْتاشي": وأجاز بعضهم التداوي به إن علم أنَّه يزول به الرَّمَد. والبعض لم يُجَوِّز شربه للتداوي، والله تعالى أعلم.
238. وَبَيْنَ ابْنَتَيْ شَخْصٍ رَضَاعَاً وَنِسْبَةٌ
فَلاَ تَجْمَعَنْ فَالدَّرُّ لِلْفَحْلِ يُنْشَرُ
صورتها: رجلٌ له بنت نسبية، وبنت رضاعية، بأن كان له زوجة أخرى لبنها منه فأرضعت بنتاً، لا يجوز لشخص الجمع بين البنتين؛ لأنَّهما أختان، وإذا لم يكن اللبَن منه وقد حبلت منه، أو لم تحبل فيبس اللبَن ثمَّ نزل؛ فأرضعت به صبياً، حُلَّ له بنت الزوج من غير المرضعة، وإذا كان لها لبن من زوج، ثمَّ تزوجت بآخر، فحبلت منه [فأرضعت صبياً]. قال أبو حنيفة: اللبَن للأول ما لم تلد من الثاني. وعن أبي يوسف روايتان: في رواية: إن عُرِفَ نزول اللبَن من الحبل الثاني، فالرِّضاع من الثاني، وينقطع حكم الأول. وفي أخرى: إذا حبلت ينقطع حكم الأول، وطريق معرفة ذلك إن كان اللبَن غليظاً فهو من الأول، وإن كان رقيقاً فهو من الثاني.
وحُكِيَ الخلافُ هكذا: إن زاد اللبَن بالحبل فهو ابنهما عندهما، وابن الأول عند أبي حنيفة، وكونه ابنه بزيادة اللبَن مطلقاً أنسب لقول محمد.
239. وَلَوْ مِنْ رَضَاعٍ مِنْ نِكَاحٍ بِشُبْهَةٍ
وَلَوْ مِنْ زِنَاً فَالْحُكْمُ لاَ يَتَغَيَّرُ
صورتها: أنَّ لَبَن الفحل ينشر الحُرمة على أصوله وفروعه، فلا يحلُّ لهم تزوج رضيعة لبَن من حبلت منه بزناً، أو من شبهة، وأمَّا حُرمة أولادها على الزاني فظاهر.
240. وَلَوْ شَهِدَ العَدْلاَنِ تَطْلِيْقَ زَوْجَةٍ
لَهَا أَوْبَةٌ ثمَّ الأَدَا يَتَعَذَّرُ
241. لَهَا مَنْعُهُ ثمَّ الزَّوَاجُ دِيَانَةً
بِغَيْرٍ وَقَالَ الْبَعْضُ: لاَ يُتَصَوَّرُ
صورتها: شهد عدلان، يعني: أخبرا المرأة بأنَّ زوجها طلَّقها ثلاثاً وهو يجحد، ثمَّ ماتا، أو غابا قبل ثبوته عند القاضي، لم يسعها المقام معه، وكذا لو شهدا على رضاعٍ بينهما، حلَّ لها الفرار عنه، والتزوج بغيره ديانة. وقال البعض: ليس لها ذلك إذا لم تَقْدِر على منعه عنها إلا بقتله بالدَّواء، اختلفوا فيه، والفتوى أنَّها لا تقتله.
فصل من كتاب (الطلاق)
242. خَصِيٌّ وَعِنِّيْنٌ وَجَبٌّ تُخَيَّرُ
بِهِ الْعِرْسُ وَالشَّكَّازُ ثمَّ الْمُسَحَّرُ
صورته: إذا وجدته المرأة خَصيَّاً: وهو من نزعت خصيتاه وبقى ذكره، أو عنيناً: وهو من لا يصل إلى النساء لمرض، أو كبر. أو مجبوباً: وهو مقطوع الآلة، أو شكَّاز: بفتح الشين المعجمة والكاف المشددة وبعد الألف زاي: وهو الذي إذا جذب المرأة أنزل قبل أن يخالطها، ثمَّ لا تنتشر آلته بعده لجماعها، أو مسحوراً: أخذ به عن النساء يُسمَّى في زماننا مربوطاً. فالحكم في الخمسة إذا خاصمته، يُؤجَّل سَنَةً من يوم الخصومة، فإن وصل إليها فيها وإلا فُرِّق، وفي المجبوب: يُفرَّق في الحال، إذ لا فائدة في تأجيله، وسيد الأمة يختار عنها، خلافاً لأبي يوسف.
243. وَلَيْسَ لَهَا التَّفْرِيْقُ مِنْ قَصْرِ آلةٍ
وَلاَ أَحَدَ الزَّوْجَيْنِ بِالْعَيْبِ خَيَّرُ
صورتها: وجدت ذكر زوجها قصير، لا يمكنه إدخاله داخل الفرج، ليس لها المطالبة بالتفريق.
وأقول: إنَّ هذا حالة دون حال العنين؛ لإمكان زوال عنته فيصل إليها، وهو مستحيل هنا، فحكمه حكم المجبوب، بجامعٍ أنَّه لا يمكن إدخال آلته القصيرة داخل الفرج، فالضرَّر الحاصل للمرأة به مساوٍ لضرر المجبوب، فلها طلب التفريق، وبهذا ظهر أنَّ انتفاء التفريق به لا وجه له. وهو من "القنية" فلا يُسلَّم، وكذا لا خيار لأحد الزوجين بعيب غير العنة، كجنونٍ، وجُذامٍ، وبرصٍ، وعن محمد: يُخيَّر فيها، وهي رواية ضعيفة.
244. وَفِيْ العِدَّةِ التَّطْلِيْقُ يَلْحَقُ مُطْلَقَاً
وَقَد قِيْلَ إِلاَّ فِيْ الْمُبَانيْنِ يُهْدَرُ
245. وَإِنْ عَلَّقَ التَّطْلِيْقَ زَوْجٌ وَبَعْدَهُ
فَأَرْسَلَ قَبْلَ الْحِنْثِ لَيْسَ يُقَرَّرُ
صورتها: إذا أنشأ طلاقاً آخر في عدَّة المطلقة لَحِقَها، إلا إذا كان بائناً بعد مثله، فإذا كان الثاني مُعلَّقاً، بأن قال لها: (إن دخلت الدار فأنت بائن)، ثمَّ نجر بائناً فدخلت في العدَّة، وقع البائن المعلَّق أيضاً.
وقد نظمه العلامة الديري رحمه الله تعالى هذه المسألة فقال:
246. وَكُلُ طَلاَقٍ بَعْدَ آخَرٍ وَاقِعٌ
سِوَى بَائِنٍ مَعْ مَثْلِهِ لَمْ يُعَلِّقُ ...
وقال الشَّارح مبيناً أنَّ المراد تعليق سابق:
247. كِلَا أُجِزْ لاَ بَائِنَاً مَعَ مِثْلِهِ
إِلا إِذَا أعْلَقَهُ مِنْ قَبْلَهِ ...
والحاصل أنَّهما: إمَّا أن يكونا صريحين، أو الأول صريحاً، والثاني بائناً، أو عكسه، فيلحق الثاني الأول، [أو يكونا بائنين، فلا يلحق الثاني الأول]، إلا أن يكون الثاني مُعلَّقاً، وشمل اللحوق ما إذا طلَّقها ثلاثاً في عدَّة بائن، وهي حادثة حلب المشهورة عن ابن المهام من نظم الشَّارح.
248. وَلَوْ قَالَ: حُرٌ أَنْتَ لِلْعَبْدِ قَاصِدَاً
بِهِ الْكِذْبَ لَمْ يَعْتِقْ كَذَا الْعِرْسُ يُذْكَرُ
249. وَرُجِّحَ هذَا فِيْ الدِّيَانَةِ لاَ الْقَضَا
وَمِنْ قَبْلِ أَنْ يَشْهَدْ فَفِيْ الْكُلِّ يُهْدَرُ
250. وَأَوْقَعَ كَالْمَظْلُوْمِ فِيْ الْكُلِّ بَعْضُهُمْ
وَفِيْ ذَا مَعَ الإِشْهَادِ فَالْرَّفْعُ يُنْصَرُ
صورتها: لو قال لعبده: أنت حرٌّ، ولزوجته أنت طالق، وأعنى به الإخبار كذباً، لا يقع ديانةً، ويقع قضاءً، وإن أشهد قبله على أنَّه يُخيَّر عن الطلاق، أو العتاق، كَذِبَاً، أو أشهد المظلوم، ثمَّ أخبر، لم يكن طلاقاً ولا عتاقاً.
251. وَمَنْ يَدَّعِيْ اسْتِثْنَاءً الْقَوْلُ قَوْلُهُ
وَقَدْ قِيْلَ: لاَ فَتْوَى، وَمَا قُلْتُ أَظْهَرُ
صورتها: قال: طلَّقت أمس، وقلت: إن شاء الله، في "ظاهر الرواية": القول قول الزوج. وقد قيل: لا يُقبَل قوله في الفتوى، والقبول قول أبي يوسف. وقال محمد: لا يُقبَل ويقع الطلاق. وعليه الاعتماد والفتوى، احتياطاً لأمر الزوج في زمان غلب على النَّاس الفساد. وفي "العمادية": الصحيح أنَّه لا يُصدَّق الزوج إلا ببيِّنة؛ لأنَّه خلاف الظاهر، وقد فسد أحوال النَّاس والله أعلم.
252. وَيُكْرَهُ إِيْقَاعُ الطَّلَاقِ بِلَفْظِةٍ
وَثِنْتَيْنِ وَالْفَرْدُ الْمُبَانُ وَيُنْكَرُ
فيه مسائل: حكمها الكَراهة في الإيقاع، صورتها: لو قال لها: أنت طالق ثلاثاً، أو طالق اثنتين، أو طالق تطليقة بائنة، كره لمخالفته السُنَّة في "ظاهر الرواية".
وفي رواية "زيادة الزيادات": لا يُكرَه. فائدة: وكتب ظاهر الرواية: "الأصل" و"المبسوط" و [الجامعان] و"الزيادات".
253. وَمَدْخُوْلَةٌ تَعْتَدُّ مَاتَ مُبِيْنُهَا
ضَعِيْفَاً بِهِ لَمْ تَرْضهُ فَهُوَ يَنْفُرُ
اشتمل على خمسة أمور إذا وجدت في طلاق، كان طلاق فار، لا يَمنع الإرْث أن يكون بعد الدخول، ويموت قبل انقطاع العدَّة بأبعد الأجلين، والطلاق بائن لم تطلبه، وقد أنشأه، أو شرطه بفعله، أو بفعلها، ولا بُدَّ لها منه في مرضه، أو حالة يغلب فيها الهلاك، كالمبارز.
254. وَيُسْقِطُ بِالإِبْرَاءِ يَعْقُوْبُ وَالإِمَا
مُ كُلَّ حُقُوقٍ بِالنِّكَاحِ يُقَرَّرُ
255. وَبِالْخُلْعِ زَادَ الصَّدْرُ وَالدَّيْنَ بَعْضُهُمْ
وَغَيْرُ الْمُسَمَّى الْغَيْرُ فِيْ الْكُلِّ يُنْكِرُ
فصورتها: قالت لزوجها: باريني على كذا، أو خالعني على كذا، أو قاله لها، فَقَبِلَت، فالمباراة والخلع يُسْقِطَان كُلَّ حقٍ لكلٍ من الزوجين على الآخر ممَّا يتعلَّق بالنكاح، خلافاً لأبي يوسف في الخلع. وبعضهم قال: ويُسقِط دَين غير النِّكاح أيضاً، والصحيح عدم سقوطه. وبعضهم قال: لا يُسقِط إلا ما ذكره في المخالعة والمباراة عليه، ويسقطه في الشَّرح.
256. وَلَوْ خَالَعَتْ بِالْمَالِ غَيْرَ رَشِيْدَةٍ
يَجُوْزُ وَلَمْ يَلْزَمْ وَلَوْ بَعْدُ يَظْهَرُ
صورتها: بلغت مفسدة لمالها فاختلعت من زوجها بمال، وقع الطلاق لتعليقه بقبولها، ولا يلزمها المال، وإن صارت بعده مصلحة؛ لأنَّها التزمت المال بدون مال منفعة ظاهرة لها، فكان النظر لها أن تُجعَل كالصغيرة في هذا الحكم، لا كالمريضة، ولذا لا يملك الزوج رجعتها إن طلَّقها بلفظةٍ على المال، لا أن وقع بلفظ الخلع؛ لأنَّه بائن بدون مال.
257. وَبِالضَّرْبِ وَبِالْحَبْسِ عَزِّرْ مُظَاهِرَاً
إِذَا لَمْ يُطَلِّقْهَا إِلى مَا يُكَفِّرُ
[في مسألة] صورتها: قال لامرأته: أنت عليَّ كظهر أمي، فلم يُكَفِّر المظاهر، أو لم يطلقها، فَرُفِعَ أمرُه للقاضي، عزَّره القاضي بالضَّرب، أو الحبس، إلى أن يفعل أحدهما. وفي الظهيرية ذكر الحبس فقط. وروى هشام عن محمد: أُجْبَرَ المظاهر على أن يُكفِّر، وإن لم يفعل حبسته، وإن لم يفعل ضربته.
258. وَإِنْ ظَاهَرَتْ بَعْضٌ يَصِحُّ، وَقِيْلَ: لاَ
وَيَعْقُوْبُ عَنْهُ كَالْيَمِيْنِ يُكَفِّرُ
259. وَبَعْضُهُمُ التَّكْفِيْرُ فِيْ الْبَابِ مُطْلَقٌ
لَهُ، فَتَكْفِيْرُ الْمُظَاهِرِ أَظْهَرُ
اشتمل على أقوال في ظهار المرأة، وصورتها: قالت لزوجها: أنت عليَّ كظهر أمي، قال في "الرَّوضة": عن علي بن صالح عن الحسن بن زياد: ويصح ظهارها، وعليها كفَّارة الظهار. وعن محمد: لا يصحُّ، فلا شيء عليها. وقال علي: ذكرت ذلك لأبي يوسف فقال: هما شيخا الفقه أخطأ، عليها كفَّارة يمين. وفي "المنتقى": عن أبي يوسف كفَّارة الظهار.
واستظهره ابن وهبان ونازعه ابن الشِّحنة فقال: يلزمها كفَّارة يمين عندي؛ لأنَّ الظِّهار ليس لها، وقول أبي حنيفة لا كفَّارة عليها، وأنَّه قول عامَّة أهل العلم، وعلى القول بوجوب الكفَّارة أنَّ كفَّارة اليمين تجب بالحنث، وكفَّارة الظِّهار إن كان تعليقاً تجب متى تزوجت، وإن كان في نكاحه تجب للحال ما لم يطلقها؛ لأنَّه لا يحل لها العزم على متعة من الجماع.
260. وَمَنْ لَمْ تَيَسْ بِالْحَيْضِ عِدَّتُهَا إِذَا
رَأَتْ قَبْلَهُ وَالْخُلْفُ لَوْ مَعْهُ يُنْصَرُ
فيه مسألتان:
الأولى: صورتها: إذا ارتفع حيض امرأة وهي ممَّن تحيض، فعدَّتها بالحيض لا بالشهور، ما لم تصل لسنِّ الإياس، وهو خمس وخمسون سنة في المختار، وعليه الفتوى.
الثانية: صورتها امرأةٌ اعتدت بالأشهر بعد سنِّ اليأس، ثمَّ رأت الدم على عادتها أحمر، أو اسود لا أخضر، ولا أصفر، اختلف فيه المشايخ: اختار الاسبيجابي: أنَّها لا تستأنف العدَّة، ولا يبطل النكاح. وبعضهم قال: هو حيض، ويبطل النكاح، ويستأنف العدَّة. وكلام صاحب "الهداية": يقتضي أنَّه اختاره. وقيل: هذا إذا كان قبل الحكم بالإياس، أمَّا بعده فلا. وطريق القضاء أن يدعي أحد الزوجين فساد النِّكاح بحكم قيام العدَّة، فيقضي القاضي بجوازه، وبانقضاء العدَّة بالأشهر. وقيل: إن رأته قبل تمام الاعتداد بالأشهر، ولم يحكم القاضي، بَطُلَ، وإذا كان بعد تمام الأشهر، لا يَبطُل، ولا تَبطُل الأنكحة، وإن لم يقض، وبه يُفتَى.
261. بِتِسْعِ شُهُوْرٍ تَنْقَضِيْ عِدَّةُ الَّتِيْ
غَدَا طُهْرُهَا يَمْتَدُّ فِيْمَا يُحَرَّرُ
صورتها: ممتدة الطهر مضى لها ستة أشهر لم تر دماً، فاعتدت بثلاثة أشهر بعد نصف الحول، وقضى به القاضي، جاز؛ لأنَّه مجتهد فيه، ويحفظ هذا لكثرة وقوعه. وقال العلامة: أنَّ الفتوى عليه، وأنَّه مذهب مالك. وفي "شرح الزاهدي": وقد كان بعض أصحابنا وأساتيذنا يفتون بقول مالك في هذه المسألة للضرورة.
262. وَواجِبٌ اسْتِبْرَاءُ مَوْلَىً يَطَأُ الإِمَا
ءَ إِذَا رَامَ عَقْدَاً أَوْ يُحَبُّ وَيَكْثُرُ
فيه مسألة فيها قولان، صورتها: وطئ أمته، ثمَّ أراد تزويجها، يُستحَبُّ له استبراءها بحيضة، وعليه كثير من المشايخ، كما لو أراد بيعها، والصحيح أنَّه يجب، وإذا لم يستبرءها المولى يجوز للزوج الوطئ قبل الاستبراء عند الإمام. والثاني: وقال محمد: لا أُحِبُّ أن يطأها قبل الاسبتراء. وقول محمد أقرب إلى الاحتياط. قال أبو الليث: "وبه نأخذ".
263. وَمَنْ وَلَدَتْ مِنْ نِصْفُ حَوْلٍ لِفِرْقَةٍ
وَمَا دَخَلَتْ فَانْفُوا وَمِنْ قَبْلُ قَرَّرُ
صورتها: طلَّقها قبل الدخول، فولدت لستة أشهر فما فوقها للفرقة، لا يلزمه النَّسب.
قلت: يخالف هذا قول "الكنز" وغيره. والبت لأقل منهما، يعني: المطلقة بائناً، يثبت نسب ولدها إذا ولدته لدون سنتين، وإلا فلا، فتأمل، وإن ولدته بعد مُضيِّ ستة أشهر للفرقة، لزمه نسبه إن كان لستة أشهر فما فوقها من العقد.
264. وَتَحْرُمُ مَنْ عَلَّقْتَ بِالْحَمْلِ بَتَّهَا
لِوَطْءٍ كَمَنْ تَزْنِيْ إِلى الْقُرْءِ يَظْهَرُ
فيه مسألتان:
الأولى: صورتها علَّق طلاق امرأته بائناً على حملها، ثمَّ وطئها يَحْرُمُ عليه أن يطأها بعد ذلك، حتى يستبرئها بحيضة.
الثانية: إذا زنت امرأة لا يحلُّ أن يقربها زوجها حتى تحيض لاحتمال علوقها من الزنا، فلا يحلُّ له أن يُسقي ماءُه زرعَ غيرِه.
265. وتَعَلِيْقُ تَطْلِيقٍ بِمِلْكٍ مُحَمَّدٌ
وَجَمْعٌ مِنَ الأَشْيَاخِ يُفْتُوْنَ يُهْدَرُ
فيه فرع غريب مهم: قال الزاهدي: "ظفرت برواية عن محمد: أنَّ تعليق الطلاق بالملك، لا يقع، وبه كان يُفتي كثير من أئمة خوارزم". وفي إطلاقه لمحمد تسامح في النظم؛ لأنَّه في رواية عنه، فلا يُطابِق المنقول.
266. وَ (َمَنْ أَتَزَوَّجْ طَالِقٌ) لَيْسَ حَانِثَاً
بِعَقْدِ فُضُوْلِيٍّ، وَبَالْفِعْلِ يَمْهُرُ
267. وَمَنْ قَالَ (مَنْ تَدْخُلْ نِكَاحِيْ تَحِلُّ لِي)
فَسَوَّاهُمَا بَعْضٌ، وَيَحْنَثُ أَظْهَرُ
صورتهما: لو قال كل امرأة أتزوجها فهي طالق، فزوَّجه فضولي وأجاز بالفعل، لا يقع، ولو قال: كل امرأة تدخل في نكاحي، أو حلَّت لي امرأة غيرك، فأنت طالق، أو هي، قال بعضهم: لا يحنث بفعل الفضولي، كالتي قبلها. وقال بعضهم: يحنث في هذه دون الأولى، وهو الأظهر.
268. وَلَمْ يَجُزْ الاِبْرَاءُ مِنْ طُعْمِ عِدَّةٍ
وَلاَ سَكَنٌ لِلْحَضْنِ وَالْبَعْضُ يُجْبِرُ
فيه مسألتان:
صورة الأولى: لو أبرأته عن نفقة العدَّة بعد الخلع، لا يصحُّ الإبراء، أمَّا لو سألته الخلع عليها، أو اختلعت منه عليها وعلى السُّكنى، صحَّ عنها دون السُّكنى.
الثانية: أجرة منزلة الحاضنة على الأب في الأظهر، وقيل: لا.
269. وَأَبْرَأَتْ مِنَ الإِنْفَاقِ مَا كَانَ زَوْجُهَا
وَبِالْيَوْمِ أَوْ شَهْرٍ لِقَاضٍ يُقَرَّرُ
270. يُصَحُّ فيْ يَوْمٍ وَشَهْرٍ وَبَعْدَ مَا
مَضَتْ أَشْهُرٌ فِيْهَا وَلَوْ قَبْلُ يُهْدَرُ
صورتها: قالت لزوجها: أنت بريء من نفقتي أبداً ما كنت امرأتك، إن لم يكن القاضي فرض عليه النفقة، كانت البراءة باطلة؛ لأنَّها قبل الوجوب، وإن كانت بعد الفرض لكل شهر كذا، وقالت ذلك، صحَّت البراءة عن نفقة شهر واحد لا غير، ولو أبرأته بعد مُضيِّ شهر، صحَّت البراءة ممَّا مضى دون ما بقي.
271. وَمَنْ لَمْ تُطِقْ تَزْوِيْجُهَا لَيْسَ مُبْطِلاً
حَضَانَتَهَا وَالأَنْسَ يَعْقُوْبَ يَنْظُرُ
صورتها: تزوجت صغيرة لا تطيق الجماع، لا يُسقط به حقُّ حضانتها فتبقى عندها إلى [أن وحتى] تصلح للرِّجال، إلا في رواية عن أبي يوسف: إذا كانت تصلح للاستئناس بها.
272. وَتُنْفِقُ أُمٌّ وَهِيَ وَالْجَّدُّ مُوْسِرَا
حَتَّى إِذا مَا أَيْسَرَ الأَبُ يَخْسَرُ
صورتها: صغيرةٌ لها أبٌ معسر، وأمٌّ وجدٌ موسران، تُؤمَر الأمُّ بالنفقة كلها، وليس على الحد منها بشيء، ثمَّ إذا أيسر الأب رجعت عليه، وفي ظاهر المذهب: النفقة على الأمِّ والجد على قدر ميراثهما، ورَوى الحسن: أنَّها على الجَّد وحده، بجعله كالأب.
273. وَقَدْ قِيْلَ بِالتَّطْلِيْقِ تَسْقُطُ وَانْقِضَا
ءِ عِدَّتِهَا كَالْمَوْتِ مَا يَتَأَخَّرُ
فيه ثلاث مسائل:
صورة الأولى: المرأةُ إذا طُلِّقَت، وقد تجمد لها نفقة مفروضة، قيل: تسقط، وهذا غير المختار، وأشار المصنف إليه بإشارة قيل، والأصحُّ عدم السقوط ولو كان الطلاق بائناً؛ لئلا يُتخَذ حيلة لسقوط حقوق النساء، وما ذكره الشَّارح غير التحقيق في المسألة.
الثانية: صورتها انقضت عدَّتها ولها نفقة مفروضة لم تقبضها، سقطت، وهذا ضعيف، والصحيح عدم سقوط المفروضة، وبه صُرِّحَ في "الكنز" وغيره.
الثالثة: إذا مات أحدهما سقطت المقضيَّة، فلا تُؤخَذ من التركة، وهذه بالاتفاق؛ لأنَّها صلة، إلا أن تكون استدانتها بأمر الزوج، أو القاضي، فلا تسقط بالموت، ولا بالطلاق، في الأصح.
274. وَذُوْ صِغَرٍ لاَ تُشْتَهَى آلَةٌ لَهُ
فَمِنْ وَطْئِهِ تَحْلِيْلُهَا الْبَعْضُ يُنْكِرُ
صورتها: إذا تزوجت المطلقة ثلاثاً بصغير، لم تكن آلته مُشتَهاة في حقِّ المرأة، لا تحلُّ للأول والله أعلم.
فصل من كتاب (العتاق والمكاتب والولاه)
275. لِعَبْدٍ بِثُلْثِ الْمَالِ يُوْصَى تَدَبُّرٌ
فَيَعْتِقُ بَعْدَ الْمَوْتِ لاَ الأَلْفُ أَجْدَرُ
فيه مسألتان:
الأولى: صورتها أوصى لعبده بثلث ماله، صار ثلثُه مُدبِّر. وفي "الخلاصة": تكون وصيَّة بعتقه. وفي "الخصَّاف": يصير مُدَبِّراً. وفي "قاضيخان ": بموت سيده يُعتَق ثلثه، ويسعى في بقية قيمته [عند الإمام. وعندهما: يُعتَق كلَّه، ثمَّ ما فضل عن قيمته] من الثلث صرف إليه بعد المقاصة. وهو مبني على تجزي الإعتاق عنده، لا عندهما.
الثانية: أوصى لعبده بمال مُقدَّر، كألف سوى رقبة، لا تصحُّ الوصيَّة، ولا يُعْتَقُ منه شيء في الأصحِّ وقيل: يُعتَق كالمُدَبِّر.
276. وَمَوْلاَهُ لَوْ أَوْصَى لَهُ بِجَمِيْعِهِ
أَوْ الثُّلْثِ مِنْهُ أَوْ بِجْزْءٍ يُدَبَّرُ
صورته: أوصى لعبده برقبته، أو بثلثه، أو بجزء منه، يكون مُدَبِّراً.
277. وَإِنْ بَاعَ نَفْسَ الْعَبْدِ مِنْهُ فَمُعْتِقٌ
فَلَوْ قَبْلَ الْمَمْلُوكُ بِالْمَالِ يُحْضَرُ
فيه مسألتان:
الأولى: صورتها: قال لعبده: بعت نفسك منك، ولم يذكر مالاً عُتِقَ، وان لم ينو، ولم يقبل العبد؛ لأنَّه صريح في الدلالة، وكذا لو وهبه نفسه، أمَّا لو قال له غلامه: بعني نفسي، فقال: قد فعلت، عُتِقَ، ويسعى في قيمته، والفرق أنَّه لمَّا صدر منه طلب البيع اقتضى إيجاب المال عليه، بخلاف الأول.
الثانية: لو باعه نفسه بمالٍ معلوم وقَبِلَ، عُتِقَ، وصار المال دَيناً عليه لمولاه، وكذا لو وهبه نفسه على أن يعوضه كذا.
278. وَلَيْسَ لِعَبْدٍ مُعْتَقٍ غَيْرُ سَاتِرٍ
وَمَوْلاَهُ يُعْطِيْهِ لَهُ وَيُخَيَّرُ
صورته: أعتق عبده وبيده أموال وعليه ثياب ليس له منها إلا ثوب يستره يتخيره المولي.
279. وَقَالَ: إِذَا أَدَّيْتَ أَلْفَاً فَمُعْتَقٌ
[فَيُعْتَقُ] بِالاِحْضَارِ أَوْلَى وَيُجْبَرُ
280. وَإِذا كَانَ ذا فِيْ الْمَجْلِسِ انْقُلْ وَبَعْدَهُ
لِيِعْقُوبَ لاَ كَالأَجْنَبِيِّ يُقَرَّرُ
فيهما ثلاث مسائل:
الأولى صورتها: قال لعبده: إذا أدَّيت إليَّ ألفاً، فأنت حُرٌ، فأحضر العبد لسيده الألف، عُتِقَ، وإن ردَّ المولى الألف وامتنع من قبضها، وعليه الفتوى؛ لأنَّ التخلية قبض، وهو معنى الإجبار، وفي النظم: لا الإجبار الحسي، ولو أحضر بعضه، ويُجبَر على القبض، ولا يُعتَق إلا بالإكمال. وفي "النهاية": لا يُجبَر على قبول البعض.
الثانية: لو قال له: إن أدَّيت، يقتصر على المجلس؛ لأنَّه تخيير، وفي قوله: إذا لا يقتصر على المجلس؛ لأنَّ إذاً يُستعمَل في الوقت بمنزلة متى، وهذا ظاهر الرواية عن أبي يوسف. وعن أبي يوسف: أنَّه لا يُقتصَر على المجلس في قوله: إنَّ بمنزلة إذاً ومتى، حتى لو باعه، ثمَّ اشتراه، ثمَّ نقده، يُعتَق.
الثالثة: لو قال لأجنبي: إذا أدَّيت إليَّ ألفاً، فعبدي حُرٌ، لا يُعتَق بالتخلية، ولا يُجبَر المولى على القبول بمنزلة البيع، وإن قال لمديونه: إن أدَّيت إليَّ الألف التي عليك، فعبدي حُرٌ بالتخلية؛ لأنَّه يُجبَر على قبض دَينه، والله تعالى أعلم.
281. وَأَوَلَدَهَا ثمَّ ادَّعَى عِتْقَ بَائِعٌ
وَبَيَّنَ يُعْطَى ماَلَهُ وَيُحَرَّرُ
صورته: استولد مشتراته، ثمَّ أقام بيِّنة أنَّ بايعها أعتقها، يرجع إليه بالثمن، وكذا لو ادَّعت الأَمَة وأولادها له. وأقول: المنظوم على ما في نسخة المصنف النَّاظم من نسخة القنية. وقال الشَّارح ابن الشِّحنة: أنَّ نسختي أقامت بضمير الأَمَة، وهو الصواب، لِمَا أنَّ من سعى في نقض ما، تمَّ من جهة، رُدَّ عليه سعيُّه.
282. وَذُوْ عَتَهٍ أَوْ جِنَّةٍ وَلَدَتْ لَهُ
وَلَمْ يَدَّعْهِ أُمُّ وَلْدٍ تُصَيَّرُ
صورتها: ولدت أَمَةٌ من مولاها المجنون، أو المعتوه، صارت أمَّ ولدٍ بدون دعواهما.
283. وَفِيْ جِنْسِ غَيْرِ الْحَقِّ يَحْبِسُ سَيِّدَاً
مُكَاتَبُهُ وَالْعَبْدُ فِيْهَا مُخَيَّرُ
فيه مسائل:
الأولى: لو كان المولى استولى لمكاتبه على مال من غير جنسه بدل الكتابة، له مطالبة المولى به، ويحبسه الحاكم به.
الثانية: مفهومه لو كان من جنس بدل الكتابة قاصصه، وهي مسألة الظفر بجنس حقه له، أخذه بلا رضى.
الثالثة: لا يُجبَر العبدُ على بقاء الكتابة، ولا قبولها، وله فسخها بغير رضى المولى نظراً له، وإن كانت لازمة في حقِّ المولى والله تعالى أعلم.
284. لَهُ شِرْكَةٌ بَيْعٌ شِرَاءٌ كِتَابَةٌ زَوَاجٌ