مجرى الأنهر على ملتقى الأبحر
للإمام نور الدين محمود بن بركات بن محمد الباقاني
توفي سنة (1004ه)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 ه.
جارٍ تحميل الكتاب…
مجرى الأنهر على ملتقى الأبحر
للإمام نور الدين محمود بن بركات بن محمد الباقاني
توفي سنة (1004ه)
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 ه.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي شرع الأحكام، وبيَّن لطرق المعاش والمعاد قوانين الأحكام، وأنارَ معالم الدين بأنوار الكتاب والآثار، وأضحك رياضها بأزهار القياس والأنظار، وفضَّلَ من اصطفاه من عباده أن أدخله في سلك العلماء وأغناه بما خصه به من وراثة الأنبياء، ورقَّاه في درجات القرب إلى أن بَلَّغهُ مراتب الأصفياء.
أحمده على ما ألهمنا من معرفته، وأكرمنا به من جزيل نعمته، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، شهادة دايمةُ بركاتها متواترة خيراتها مبلغة غاية الآمال، ذخيرة لقائلها عند المختار من خلاصة عيون القبائل، ورسوله الهادي إلى أوضح طريقة بأكمل الدلائل، أرسله بتجريد بديع أهل الشرايع بكشف أسرار الإرشاد وإيضاح منهاج السداد، وفضَّله كنزاً لأمته يوم المعاد، صلى الله عليه وسلم وعلى آله مصابيح الاهتداء، ومنازل الاقتداء، وعلى أصحابه مشارق الأنوار، ومعدن الإنصاف والإيثار، صلاةً اتخذها عمدةً قي المآل، وعدة عند رؤيه النوازل الواقعات من الأهوال وبعد.
فيقول فقير عفو ربه الباري نور الدين الباقاني القادري الأنصاري: لما كان ملتقى الأبحر أجل متون المذهب وأجمع، وأتمها فائدةً وأنفع، أردت أن أضع شرحاً عليه وأرقم مما وقفت إليه - بعد أن كتب شيخي فريدُ دهره ووحيد عصره، شيخُ مشايخ الإسلام بدمشق الشام المتقدم في هذا الفن على كافة الناس كتقدم النص على القياس، النحرير المحقق، العلامة
المدقق، مولانا الشيخ محمد البهنسي رحمة الله عليه جانب، واشتهر في الأطراف والجوانب، لم يسبق إلي مثل وصفه، ولم يصنع نظير صنيعه حاوٍ لمسائل عديدة، وفوائد فريدة، وعبارات غريبة، وقيود مديدة كما قيل، حوى مسائل فقه عز مطلبها لا يدع أن كتب في الطرس، وكان رحمه الله الفريد في الشام محققاً مدققاً حسن الصورة ذا نور وهيبة واحتشام، خطيب جامع بني أمية بدمشق المحمية، ورأى بعضُ الصالحين النبي صلى الله عليه وسلم قائلاً له: أنا أشفعُ فيه رضي والديه وأهل بيته ومن قرأ عليه وصلى خلفه، انتقل في خامس جمادي الآخر (¬1) يوم الأربعاء بين الصلاتين سنة سبع وثمانين وتسعمائ، وكنتُ أنا السبب في ذلك بقرائتي عليه المتن وطلبي منه ذلك، وأشار إليه في الديباجة بقوله: وقد طلب مني شرحه بعض المترددين من أفاضل المشتغلين ولم يقرأ عليه هذا المتن من طلبته إلا الفقير قرأت عليه من الاول إلى النفقات وانتهت كتابته هناك، ثم قرأت من النفقات إلى خيار الروية وكتباً من البيوع إليها ثم سافر إلى الحج
¬
(¬1). في نسخة خليل (الآخرة) وفي باقي النسخ (الآخر).
الشريف وتوفي بعد ما رجع من الحج بسنته رحمه الله تعالى، فشرعتُ في هذا الشرح في أوائل سنة تسعين في ثالث عشر الحجة سنة خمس وتسعين وهو آخر أيام التشريق، وكان في حجرة الفقير في المدرسة الكلاسة لصيقة الجامع الأموي عمرَّه الله تعالى بذكره، ووقع التخلل في هذه المدة بلا كتابة في أيام كثيرة بسبب الحج الشريف وكثرة العيال وشغل البال، ومع ذلك الحمد والشكر لله.
وقد جمعت فيه من كتب المذهب من الهداية وشروحها كالأكمل، وابن الهمام، والعناية، والنهاية، ومعراج الدراية، والكفاية، وشروح الكنز الزيلعي والعيني، وشرح المجمع لابن الملك، وشروح الوقاية لابن الملك، وصدر الشريعة وحواشيها، وكافي جلبي وحافظ العجم، ويعقوب باشا، وإصلاح الإيضاح لابن كمال باشا، والدرر والغرر، وشرح المنية، وبعض شرح المتن لشيخنا البهنسي المتقدم ذكره، وبعض شروح النقابة كأبي المكارم، وابن إلياس، والشنمي، ومن شروح القدوري الزاهدي، والتصحيح لابن قطلوبغا، ومن الفتاوى قاضي خان، والذخيرة، والولواجية، والخلاصة، والظهيرية، والبزازية، وإشارة خزانة الفتاوي، وجامع الفتاوي، والقنية، ومختصر واقعات الناطفي، ومختارات مجموع النوازل لصاحب الهداية، والمتبقي، والتتارخانية، ومختصر السراج الوهاج، وأنفع الوسائل للطرسوسي، والمنظومة وشرحها لابن الشحنة، والأشباه والنظائر للعلامة ابن نجيم رحمه الله تعالى، وغيرها من كتب عديدة، وسميته (مجري الأنهر على ملتقى الأبحر).
وإن تجد عيباً فسد الخللا ... فَجَلَّ من لا عيبَ فيه وعلا.
وقال بعض العلماء: اللئيم يفضح والكريم يُصلح، وأسأل الله تعالى أن يجعله خالصاً لوجهه الكريم وأن ينفعني به يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
بسم الله الرحمن الرحيم:
الظرف مستقر أي إبتداي أو أبتدي باسم الله، فهو جملة اسمية كقول الكوفية وهو المشهور، إلا أن الزمخشري وتابعيه قدَرَّ الفعل مؤخراً والباء للاستعانة، والله اسم للذات من حيث هي عند الجمهور، وقال بعضهم للذات والصفات معاً، واختُلفَ أنه عربي أو مشتق، والمختار من الفقهاء وبعض أئمة العربية أنه عربي غير مشتق، والصفتان من الرحمة أي: رقة القلب تقتضي الإنعام، ويطلق عليه تعالى باعتبار الغاية، وقدم الرحمن لأنه أنسب باسم الله تعالى من حيث اختصاصه به استعمالاً وأبلغ من حيث زيادة بنيان مع اتحاد المعنى نوعاً، ولهذا قيل: هو المعطي بجلائل النعم والرحيم المعطي لدقائقها.
الحمد لله:
الحمد لغة: الوصف على الجميل الاختياري بالجميل على قصد التعظيم، فالقيد الأول أخرج الوصف على الفعل الجزم، وبالثاني المدح فإنه يعم الاختياري وغيره على الأظهر، وبالثالث الوصف على الجميل بما ليس بجميل، وبالرابع الاستهزاء والسخرية.
وعرفاً: هو الفعل الذي يسببه إنعام المنعم على فاعله بحيث يشعر بتعظيم غيره الذي وفقنا التوفيق، خلق القدرة الداعية للطاعة قاله في جمع الجوامع، للتفقه أخذ الشيء شيئاً فشيئاً.
والفقه لغة: الفهم، والفهم إدراك معاني الكلام بسرعة.
واصطلاحاً: معرفة النفس مالها وعليها، كما نقل عن الإمام الأعظم.
وجُدّ في كتب الشافعية: العلم بالأحكام الشرعية في أدلتها التفصيلية.
وزاد ابن الحاجب: والاستدلال ولا حاجة له على ما قيل، والحكم الشرعي خطاب الله تعالى المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير.
وزاد البعض: أو الوضع إدخالاً للحكم بالسببية والشرطية والمانعية، ما شرعه الله لنا من الأحكام وأشار به إلى قوله عليه الصلاة والسلام: (من يُرد الله به خيراً يفقه في الدين}، فلما كان من الأسباب التي يوصل بها إلى رب العالمين، وصفه بالحبل الذي من شأنه أن يصل شيئاً فشيئاً بقوله الذي هو حبله المتين، ووصف الحبل بما يدل على القوة والمتانة بقوله المبين.
مُتن بالضم: متانة فهو متين أو صلب، وفضله خلاف نقيضه على ما في الصحاح المبين المتضح، وميراث الأنبياء والمرسلين والمشهور الفرق بين الرسول والنبي ما قال الحليمي وغيره: أن النبي من أوحي إليه فإن أمر مع ذلك التبليغ كان رسولاً وإلا كان نبياً لا رسولاً، فالنبي أعم، فكل رسول نبي وليس كل نبي رسولاً.
وذكر النووي رحمه الله تعالى في شرح مسلم ما يقتضي بينهما عموماً من وجه فإنه قال: الرسول يكون من البشر والمَلَك، والنبي لا يكون إلا من البشر، والمشهور أن الرسالة أفضل من النبوة.
زعم الشيخ عز الدين بن عبد السلام: أن النبوة أفضل والراجح الأول.
فائدة:
(سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عدة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فقال: مائة ألف وأربعة وعشرون ألفاً، قيل: فكم الرسل منهم فقال: ثلاث مائة وخمسة عشر جمَّاً غفيراً).
كذا نقله الكشاف، والقاضي في تفسير سورة الحج، والتفتاراني في شرح العقائد.
وأما الكتب فمائة كتاب وأربعة كتب، أُنزِلَ منها خمسون على شيت، وثلاثون على إدريس، وعشرة على آدم، وعشرة على إبراهيم، والتوراة والإنجيل والزبور والفرقان، كذا في الكشاف في آخر سورة سبح.
(وحجته): الحجة البرهان، تقول: حاجه فحجه أي غلبه بالحجة الدافعة من الشجاج التي بلغت الدماغ، ووصفت الحجة بها للمبالغة من القهر والغلبة على من حاد عن دينه من الخلق، وتصحيحه جادة الطريق وهي معظمة السالكة أي الراقية إلى أعلى عليين، أي أعلى مكان في الجنة، والصلاة والسلام، جمع بينهما ليخرج من خلاف العلماء في كراهة إفراد الصلاة متمسكاً بقوله تعالى: (وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً} (الأحزاب: 55 – 56).
والزيادة: الفضيلة على خير خلقه محمد: سمي به لكثرة خصاله المحمودة، المبعوث إلى الثقلين بالإجماع، وإلى الملائكة على الخلاف، رحمة للعاملين، والعالم ما سوى الله تعالى غلب منه العقلاء، وقيل: أسلم لذوي العلم من الملائكة والثقلين وتناوله لغيرهم على سبيل الاستتباع، وقيل: المراد به الناس، وآله وآل الرجل: أهله وعياله وأتباعه، كذا في الصحاح.
وآل النبي صلى الله عليه وسلم بنو هاشم والمطلب، وقيل: أتقياء المؤمنين فيدخل الصحابة كلهم، لما روى تمام في فوائده: (قيل: من آلك يا رسول الله؟ قال: كل مؤمن تقي إلى يوم القيامة). وقيل: جميع الأمة واختاره الأزهري والنووي وعزاه إلى المحققين، وصحبه من رأى النبي صلى الله عليه وسلم أو رآه النبي صلى الله عليه وسلم وآمن به ومات على ذلك هذا هو الصحيح.
والتابعين والعلماء العاملين.
وبعد: بالضم، وروي تنوينها مرفوعة ومنصوبة والفتح بلا تنوين على تقدير المضاف إليه يدنى بها للانتقال.
فيقول الفقير إلى ربه الغني: إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الحلبي، كان خطيباً بجامع السلطان محمد خان بمدينة قسطنطينية، أصله من حلب، وقرأ هناك على علماء عصره، ثم ارتحل إلى مصر المحروسة، وقرأ على علمائها الحديث والتفسير والأصول والفروع، ثم أتى إلى بلاد الروم وتوطن مدينة قسطنطينية وصار إماماً ببعض الجوامع، ثم صار إماماً وخطيباً بجامع السلطان محمد خان بالمدينة المزبورة، وصار مدَّرساً بدار القراء التي بناها المولى الفاضل سعدي جلبي المفتي، ومات على تلك الحال سنة (959 ه).
وجاوز التسعين من عمره، وكان عالماً بالعلوم العربية والتفسير والحديث وعلوم القراءات، وله يد طولى في الفقه، وكأن مسائل الفروع نصب عينيه، وكان ورعاً تقياً زاهداً متورعاً عابداً ناسكاً، وكان يُقْرِيء الطلبة، وانتفع به كثيرون، وكان ملازماً لبيته مشتغلاً بالعلم، ولا يراه أحدٌ إلا في بيته أو في المسجد، وإذا مشى في الطريق يغض بصره عن الناس، ولم يُسمع منه أنه ذكر أحداً بسوءٍ، ولم يلتد بشيء من الدنيا سوى العلم والعبادة والتصنيف والكتابة، وله عدة مصنفات من الرسائل والكتب، أشهرها كتابه في الفقه المسمى بملتقى الأبحر، وله شرح منية
المصلي سماه (بغنية المتملي) ما أبقى شيئاً من مسايل الصلاة إلا أوردها فيه، مع ما فيها من الخلافيات على أحسن وجوه وألطف تقدير.
روَّح الله روحه ... وزاد في أعلى غرف الجنان فتوحه، كذا في شقائق النعمان لطاش كبري زادة.
قد سألني بعض طالبي الإفادة أن أجمع له كتاباً يشتمل على مسائل القدوري أحمد بن محمد المشهور الفقيه البغدادي من أصحاب الترجيح، تكرر ذكره في الهداية والخلاصة مولده سنة (362 ه)، تفقه على الجرجاني انتهت إليه بالعراق رياسة أصحاب أبي حنيفة، وعظم عندهم قدره، وارتفع جاهه، وكان حسن العبارة في النظر، جري اللسان، مديماً لتلاوة القرآن، صنف المختصر المفيد، نفع به خلق كثير لا يحصون، وشرح مختصر الكرخي والتجريد في سبعة أسفار، يشتمل على مسائل الخلاف بيننا وبين الشافعي، شرح في إملائه سنة (405 ه) وله التقريب في مجلد، ومسائل الخلاف بين أصحابنا في مجلد وغير ذلك من التصانيف، مات رحمه الله تعالى سنة (428 ه).
والمختار لمجد الدين أبي الفضل الموصلي، ولد بالموصل سنة (599 ه) كان فقيهاً ورعاً عارفاً بالمذهب، ولي القضاء بالكوفة ثم عُزِلَ ورجع إلى بغداد، ودَّرس بمشهد أبي الإمام صفية وأفتى حتى مات سنة (683 ه)، له: المختار، والاختيار لتعليل المختار وغيره.
والكنز لحافظ الدين أبي البركات النسفي عبدالله، أخذ عن الكردي والعنتابي، أحد الزهاد المتأخرين، صاحب التصانيف المفيدة فقهاً وأصولاً المنار والكافي، والكنز، والوافي، والمستصفى شرح المنظومة، وشرح النافع، والمنار في أصول الدين، والعمدة، مات ليلة الجمعة سنة (701 ه).
والوقاية لبرهان الشريعة على ما فهم من ديباجة الشريعة، وأما ما قيل أنه تاج الشريعة فليس كذلك، والوقاية مختصرة من الهداية مع زيادات من الفتاوى والواقعات، وأما ترجيح ولادته فلم أقف عليه بعبارة سهلة كالقدوري والمختار، غير مفلقة كإغلاق الكنز والوقاية.
فأجبته إلى ذلك وأضفت إليه بعض ما يحتاج إليه من مسائل الجمع لأبي العباس أحمد بن الساعاتي البغدادي البعلبكي الأصل المنعوت بمظهر الدين، سكن بغداد ونشأ بها، وأبوه هو الذي عمل الساعات المشهورة على باب المستنصرية ببغداد إمام كبير عالم علَّامة كان الأصبهاني يفضله ويثني عليه ويرجحه على ابن الحاجب ويقول: هو أزكى منه، وكان يكتب خطاً لطيفاً من تصانيفه مجمع البحرين في الفقه، جمع فيه بين القدوري والمنظومة مع زوائد، ورتب وأحسن وأبدع في اختصاره وشرحه في مجلدين كبيرين، وله: البديع في أصول الفقه، جمع فيه بين أصول فخر الإسلام البزدوي وأحكام الآمدي، أخذ عن البخاري ونبذة من الهداية.
شيخ الإسلام برهان الدين علي بن أبي بكر بن عبد الجليل الفرغاني، كان من طبقة أصحاب الترجيح، أنزله أهل عصره بالفضل والتقدم، كالإمام قاضي خان والإمام زين الدين العنتابي تفقه على جماعة منهم: الإمام نجم الدين أبو حفص عمر
النسفي، وشيخ الإسلام علي الاسبيجابي، وفاق شيوخه، وأقرانه أذعنوا له كلهم ولا سيما بعد تصنيفه كتاب الهداية، وكفاية المنتهى ونشر المذهب، وتفقه عليه الجم الغفير ومن انتفع به كثيراً وتخرج به، وروى الهداية عنه للناس شمس الأئمة بن عبد الستار الكردي وفرغانة: قرية من فارس ومَرغتيان بفتح مدينة من بلاد فرغانة، مات رحمه الله سنة (593 ه)، له: التجنيس، والمزيد، ومناسك الحج، ومختارات مجموع النوازل، وكتاب في الفرايض.
صرحت بذكر الخلاف بينهم أئمتنا الثلاثة أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد، غالباً، وقدمتُ من أقاويلهم ما هو الأرجح، وأخرتُ غيره إلا إن قيدتهُ بما يفيد الترجيح.
وأما الخلاف الواقع بين المتأخرين من المشايخ، أو بين الكتب المذكورة. فكلما صّدَّرتُه بلفظ قيل، وقالوا، وإن كان مقروناًً بالأصح ونحوه، فإنه مرجوح بالنسبة إلى ما ليس كذلك، ومتى ذكرت لفظ التشبيه لقوله خلافاً لهما، أو قالا، أو غيرهما من غير قرينة تدل على مرجعهما فهو لأبي يوسف ومحمد، ولم آلى أقصر جُهداً في التنبيه على الأصح والأقوى وما هو المختار للفتوى، والصحيح مقابل الفاسد، والأصح مقابل الصحيح، فإذا تعارض إمامان معتبران في التصحيح فقال الآخر الأصح يُؤخذ بقول الأول، لأن قائل الأصح يوافق قائل الصحيح عنده ذلك الحكم الآخر فاسد، وحيث اجتمع فيه الكتب المذكورة سميته (ملتقى الأبحر) ليوافق الاسم المسمى والله سبحانه أسأل أن يجعله خالصاً لوجهه الكريم، وأن ينفعني به أي بسبب تأليفه يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، تقبل الله منه ومنا إنه ذو الفضل العظيم ...
كتاب الطهارة
أي كتاب أحكام الطهارة، على حذف مضاف، والكتاب في اللغة: أصله الجمع.
قال الأزهري: أصل الكتب ضم الشيء إلى الشيء، يقال: كتب البغلة: أي ضممت بين رحمها بحلقةٍ أو شبرٍ، وكتب العَربة: أي ضممت منهما، قال أهل اللغة: كتب يكتب كتباً وكتابة وكتاباً بثلاثة مصادر.
قال العلامة البيضاوي، وتبعه في الدرر والغرر وأخي جلبي: (الكتاب): مصدر كالخطاب سمي به المفعول للمبالغة كرجل عدل أو فعال، بل للمفعول كاللباس. انتهى.
وعلى التقديرين يكون بمعنى الجمع لغة.
قال العلامة الأكمل: الكتاب والكتابة في اللغة: جمع الحروف.
قال شيخنا العلامة في شرح هذا الكتاب: مصدر بمعنى الجمع لغة.
ثم قال في حاشيته: هذا رد لشارح الدرر والأكمل مع اختصار ما لا حاجة إليه.
أقول: كلام البيضاوي والدرر في غاية من الصحة والبيان كما لا يخفى على ذوي الأذهان.
وفي العرف: يطلق الكتاب على جمع من الكلمات المفردة بالتدوين.
وفي عُرف النحويين على كتاب سيبويه.
وفي عرف فقهاء الحنفية على الجامع الصغير غالباً لا على مختصر أبي الحسين القدوري كما قيل.
وفي عرف الأصوليين على إحدى الدلائل من القرآن كما عُرف في محله.
وفي عرف المصنفين جمع مسائل مستقلة، فخرج جمع الحروف والكتاب والكلمات التي ليست بمسائل، وخرج الباب والفصل لعدم استقلالهما، لدخولهما تحت الكتاب، ويشمل:
ما كان نوعاً واحداً من المسائل ككتاب اللقطة، أو أنواعاً ككتاب البيوع، وقول الأكمل: اعتبرت مستقلة ليدخل ما كان تبعاً لغيره، ولم يكن مستقلاً، بل اعتبره مستقلاً لكتاب الطهارة لا حاجة إليه، لأن المراد بالاستقلال عدم توقف تصوير المسائل على شيء قبلها، ولا شيء بعدها، وكتاب الطهارة كذلك لا للأصالة وعدم التبعية وتقييد العلامة الأكمل بالمسائل الفقهية لخصوص المقام لا للاحتراز، إذ ليس هو هنا وصفاً شرعياً، وإنما هو وقع عربي إلا أنه في عرف أهل الشرع وهو بعيد، ولهذا أقبل عليه كما زعم اختصاص العرف المذكور بالفقهاء ولا يخفى فساده، وقول شيخنا في شرح هذا الكتاب جعل الكتاب شرعاً عنواناً لمسائل مستقلة كان تحتها أنواعاً، ولا بمعنى المكتوب غير صحيح، لما قرَر وهو مبتدأ خبره محذوف على خلاف فيه.
والطهارة: بفتح الطاء: الفِعل، وبكسره: الآلة، وبضمها فضل ما يتطهر به.
ويقال: طهر بتثليث الهاء أي ضمها وكسرها وفتحها.
حكا ابن مالك في مثلثته: والفتحُ أفصح.
وهي في اللغة: النظافة.
وفي الشرع: نظافة المحل من النجاسة حقيقة كانت أو حكمية، سواء أكان ذلك المحل له تعلق بالصلاة كالبدن والثوب والمكان أو لم يكن كالأواني، وبسبب وجوبها وجوب ما لا يحل بدونها.
وفي الخلاصة: بسبب وجوب الوضوء الحدث. وقال بعضهم: إقامة الصلاة وهي الأصح.
وفي المحيط: سبب وجوبه إنما هو إرادة الصلاة بالنص.
أقول: المختار الأول وفي هذه الأقوال نظر، ذكرتُ في شرح الهداية وغيرها، وإنما وقعت عن صيغة الجمع كما وقعت الهداية إلى لفظ المفرد، لأن الجمع المعرف باللام مبطل معنى الجمعية، نحو: لا تتزوج النساء وإنما (الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء} (التوبة: 60).
قال العلامة ابن كمال باشا في شرح الهداية: من أن دخول أداة التعريف تبطل معنى الجمعية ليس بعام، بل هو مخصوص بموضع النفي.
مضى عليه فخر الإسلام البزدوي في أصوله.
فغير صحيح لوجهين:
أما الأول: فلأن المذكور في أصول فخر الإسلام خلاف ما ذكر فليراجع.
وأما الثاني: فلأن المذكور في أصول الفقه قاطبة أن اللام تبطل معنى الجمعية من غير تقييد نفي إثبات نهايته، أنهم مثلوا بقول القائل: لا أتزوج النساء، هذا لا يقتضي التخصيص كيف وقد مثلوا له بالإثبات وصرح هو بالمثالين في تقييد التصحيح فليراجع وليتأمل، وقُدْمت الطهارة على الصلاة لأنها من شرائطها، وحق الشرط أن يتَقدم على المشروط، ثم قدم الطهارة الحكمية على الطهارة الحقيقية لأنها لا تسقط بعذر من الأعذار بخلاف الطهارة الحقيقية على ما يجيء إن شاء الله تعالى، فإن قيل النية لا تسقط بعذر من الأعذار فكان ينبغي أن تقدم.
قلت: النية ليست من جنس الطهارة فلا وجه للمناقشة بها في هذا المقام كما لا يخفى على ذوي الأفهام، وبدأ بالوضوء دون الغسل لكثرة دورانه والإضافة فيه بمعنى اللام وجعلها لمعنى من بعيد، لأن ضابطها كما قال في التسهيل صحة تقدريها مع صحة الإخبار بالأول عن الثاني: كخاتم حديد وهو مفقود هنا إذ لا يصح أن يقال الكتاب طهارة، ويعيد أيضاً أن يكون بمعنى ما قال الله تعالى أفتتح الكتاب بكلام الله تعالى ضمناً وهنا نكتة وهي: أن الوضوء لما كان من الأحكام التعبدية الواقعة على خلاف مقتض العقل حيث لا يخرج تقديم دليله ليتقدر في الذهن من غير سابقة تردد قاله ابن كمال باشا في شرح الهداية.
أقول: فيه نظر لا يخفى على المتأمل الصادق، قال بعض المحققين: اعلم أن الوضوء مكي بالفرض مدني بالتلاوة، وأصل ذلك ما روي عن أسامة رضي الله عنه (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول ما أوحي إليه أتاه جبريل عليه السلام فعلمه الوضوء فلما فرغ من الوضوء أخذ غرفة من ماءٍ فنضح فرجه).
فالوضوء على هذا الحديث مكي بالفرض مدني بالتلاوة، لأن آية الوضوء مدنية، وإنما قالت عائشة رضي الله عنها: (وأنزل الله آية التيمم ولم تقل آية الوضوء).
وهي هي، لأنه كان مفروضاً قبل أنه لم يكن قرآناً يتلى حين نزلت آية المائدة، فاندفع ما قيل أن آية الوضوء مدنية بالاتفاق، والصلاة فرضت بمكة فيلزم أن تكون الصلاة بلا وضوء إلى
حين نزولها، وأن الجواب عنه بأنه يجوز أن يكون موجوداً من الشرائع السابقة يدل عليه ما روي عنه عليه السلام أنه حين توضأ ثلاثاً قال: (هذا وضوئي ووضوء النبيين من قبلي} فليس بصواب لما عرفتَ أن النص الدال على أنه غير مأخوذ من الشرائع السابقة، وأيضاً لا دلالة في الحديث الذي تمسك به على ما ذكرنا، فإن المفهوم منه أن وضوءه موافق لوضوء الأنبياء السابقة، ولا يلزم منه أن يكون مأخوذاً من شرائعهم. انتهى قوله.
وأما الجواب عنه فليس بصواب، أقول: لا يخفى مجرد الاحتمال، والجواب كان للمجيب كما أشار إليه بقوله: لم يجز أن يكون مأخوذاً من الشرائع، وأما قوله كما يدل عليه تقوية ظاهرة وتأكيد، ويكفي في التقوية ما يُفهم من الحديث في الجملة من كونه مأخوذاً من شريعة الأنبياء قبله، ولا يلزم أن يكون أيضاً فيه.
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ} (البقرة: 104).
يا: حرف نداء.
وأي: منادى مفرد مبني على الضم وليست حركته حركة إعراب خلافاً للكسائي وموضعها نصب.
وهاء: حرف تنبيه مقحم على أن المنادى في الحقيقة هو الواقع بعده، وإنما فعلوه كراهة أن يجمعوا بين الباء واللام.
والذين: جمع الذي، وهو اسم موصول وضع صلة لوصف المعارف بالجمل.
قال في المغني: وزعم الأخفش: قيل في الآية التفات نظر إلى ظاهر العدول من غيبة الذين آمنوا إلى خطاب قمتم وليس كذلك، لأن كلاً من الغيبة والخطاب هنا في موضعه والمعدول خروج عن سنن العربية، لأن كون الموصولات كلها غيباً يقتضي كون صلاتها كذلك في الاستعمال الشائع، ولهذا نسبت إلى مخالفة القياس قول علي: (أنا الذي سمتني أمي حيدرة)، والقياس أن يكون سمته لأن الذي موصول وهو غايب، وكذلك الخطاب موضعاً من هذا القبيل ودعوى العدول في الكل مما يسمع قطعاً.
قال التفتازاني في المختصر: من قال إن في الآية التفافاً فقد سهى.
فإن قلتَ: لم ذكرَ الله تعالى إذا هنا وفي إن حيث قال: (وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُواْ} (المائدة: 6). ولم يعكس؟
قلت: لأن إذا تستعمل في الأشياء الغالبة الوجود بخلاف أن فإنها تستعمل في الأشياء المترددة الوجود.
فإن قيل: ظاهر هذه الآية يوجب الوضوء على كل من قام إلى الصلاة محدثاً كان أو غير محدث.
أجيب: بأن المراد وانتم محدثون بقرينة تقيد التيمم به وهو بدل عنه وفيه نظر، والأحسن أن يقال الجواب: (أنه صلى الله عليه وسلم صلى بوضوء خمس صلوات).
ففرائض الوضوء:
الفاء: للتعقيب.
والفرض: لغة القطع والتقدير والفرض على قسمين: فرض اعتقادي، وفرض عملي.
فالفرض الاعتقادي: ما ثبت بدليل قطعي، وكلمة استحقاق تاركه العقاب بلا عذر ويكفر جاحده.
والفرض العملي: ما يفوت الجواز بفوته ولا يكفر جاحده، وقدَّمَ الوضوء على الغسل لكثرة وروده، ولأنه بمنزلة الجزء من الغسل.
قال شيخنا في شرح هذا الكتاب: ولو قال: وركن الوضوء لكان أولى، إذ المذكورات نفس الوضوء، فهي أركان والفرض أعم.
أقول: كثيراً ما يُطلقْ الفقهاء الفرض ويريدون به الركن، من إطلاق العام على الخاص وهذا شائع، لان المصنِّف قلَّدَ غيره يترك عبارة غيره، والإضافة بمعنى اللام.
والوضوء في اللغة: مأخوذ من الوضاءة وهي النظافة والحسن.
وفي المغرب: إنه بالضم المصدر، وبالفتح غسل الأعضاء الثلاثة مرة ومسح الرأس.
الغَسل: بفتح الغين: إزالة الوسخ عن الشيء بإجراء الماء عليه ألفة، وبالضم: اسم من الاغتسال وهو تمام غسل الجسد، واسم للماء والذي يُغتسل به، وبالكسر: ما يُغسل به الرأس من خطمي وغيره، وكذا نقله بعض الأفاضل واختلف في معناه الشرعي.
فقال أبو حنيفة ومحمد: هو الإسالة مع التقاطر ولو قطرة حتى لو لم يسل الماء، وكذا من توضأ بالثلج ولم يقطر منه شيء لم يجز.
وعن خلف بن أيوب أنه كان يقول: ينبغي للمتوضىء في الشتاء أن يبل أعضاءه شبه الدهن، ثم يسيل الماء عليها لأن الماء يتجافى عن الأعضاء، كذا في البدائع.
وعن أبي يوسف: هو مجرد بَلِ المحلِ بالماء سال أو لم يسل.
والمسح في اللغة: إمرار اليد على الشيء السايل أو المتلطخ لإذهابه، كذا ذكره صاحب القاموس.
وفي إصابة البلل سواء أكان المصاب عضواً أو غيره كالخف أو الليف ونحوهما، سواء كانت الإصابة باليد أو بغيرها حتى لو أصاب رأسه، أو خفه من الماء قدر المفروض أجزأه مسحه باليد أو لم يمسح، ولو وضع رأسه في الإناء ناوياً المسح أجزأه عند أبي يوسف حلافاً لمحمد لأن
الماء صار مستعملاً بالملاقاة فلا يجوز، وهذا الخلاف في الخف والرأس ولا يجزي في مسح الجبيرة اتفاقاً، كذا قال شيخنا تبعاً لابن فرشتا.
أقول: هذا يخالف ما في البدائع حيث قال: لو أدخل رأسه في الإناء أو خفه أو جبيرته، وهو مُحْدِث. قال أبو يوسف: يجزيه المسح ولا يعيد مستعملاً، والصحيح أن يجوز ولا يعيد الماء مستعملاً، وإن نوى المسح اختلف المشايخ على قوله.
قال بعضهم: لا يجزيه ويعيد مستعملاً، والصحيح أنه يجوز ولا يعيد الماء مستعملاً. انتهى.
وشرط في صحة المسح أن لا يكون البلل مستعملاً كما شرط في صحة الغسل أن لا يكون مستعملاً فلا يصح المسح ببلل بأخذه من عضو ممسوح كان أو مغسولاً، وكذا ببلٍ بقي في يده بعد المسح، وأما الذي بقي فيها بعد الغسل. فقال الحاكم الشهيد: لا يجوز المسح به أيضاً.
وخطَّأه عامة المشايخ لما ذكر محمد في مسح الخف، أنه إذا مسح رأسه بفضل غسل ذراعيه لم يجز إلا بماء جديد؛ لأنه قد يطَّهر به مرة.
والوجه: ما بين قصاص الشعر غالباً، فلو قال: من أعلى سطح الجبهة لكان أولى، والقُصاص: مثلث القاف والضم أعلاه وأسفل الذقن، هذا حده طولاً، وشحمة الأذنين هذا حده عرضاً.
وعبارة الكنز: وإلى شحمتي الأذن.
وفي إضافة الشحمتين إلى الأذن نظر، لأنه يقتضي أن يكون لكل أذن شحمتان، فيفرض غسل ما بين العذر والأذن لعدم الساتر المخرج عن كونه وجهاً خلافاً لأبي يوسف للحايل المخرج عن الوجه عنده.
والمرفقان والكعبان يدخلان في الغسل عملاً لا اعتقاداً حتى لا يكفر جاحد فرضيتهما، خلافاً لزفر له: أن الغاية لا تدخل تحت المغيَّا كقوله تعالى: (ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ} (البقرة: 187)، ولنا أن الغاية إذا كانت لإسقاط ما وراءهما وفي الصوم لمدَّ الحكم، فيتناول إمساك ساعة فإن من حلف لا يصوم فحيث يصوم ساعة، فلم تدخل، قيل: هذا الفرق ليس بمطرود لانتقاصه بالغاية في اليمين فإن ظاهر الرواية عدم الدخول، كما إذا حلف لا يكمله إلى عشرة أيام لا يدخل العاشر مع تناول الغد، وكذلك رأس السمكة في قوله: والله لا آكل السمكة إلا رأسها فإنها لا تدخل مع التناول المذكور.
أقول: الجواب عنه، أن الكلام هنا في مقتضى اللغة والإيمان تُبْنى على العرف وجاز أن يخالف العرف اللغة، فتأمل.
قال الزمخشري والتفتازاني: أن إلى تفيد معنى الغاية، فأما دخولها إلى الحكم وخروجها عنه فأمر يدور مع الدليل.
قال بعض المتأخرين: الأولى الاستدلال بالإجماع على فرضيتها.
قال الإمام الشافعي رضي الله عنه في الأم: لا نعلم مخالفاً في إيجاب دخول المرفقين في الوضوء. وهذه حكاية منه للإجماع.
أقول: قوله لا نعلم مخالفاً يعني من الصحابة في الصدر الأول، وإلا زفر من المخالفين كما مر فتدبر.
والكعبان هما: العظمان النابتان من جانبي القدم، أي المرتفعان كذا في المغرب وصححه في الهداية.
وروى هشام عن محمد: أنه في ظهر القدم عند مقعد الشراك.
قالوا: هو سهو من هشام لأن محمداً إنما قال ذلك في المحرم إذا لم يجد النعلين حيث يقطع خفيه أسفل من كعبه، وأشار محمد بيده إلى موضوع القطع فنقله هشام إلى الطهارة.
ويرد على هشام أيضاً من جهة المعنى فإنما يوجد من خلق الإنسان فتثنيته بعبارة الجمع كقوله تعالى: (فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} (التحريم: 4)، أي: قلباً كما في اثنين من خلقه فتثنيته بلفظ التثنية، ولكل يد مرفق واحد، كذلك جمع، وما كان اثنين من واحد، فتثنيته بلفظ التثنية، فلما قال تعالى: (إِلَى الْكَعْبَينِ} (المائدة: 6)، علم أن المراد لكل رجل كعب كذا في المبسوط وغيره.
وما قالوا: من أنه كان ينبغي غسل يدٍ واحدةٍ ورجلٍ واحدةٍ؛ لأن مقابلة الجمع بالجمع تقتضي انقسام الآحاد على الآحاد. وأجابوا: بأن وجوب غسل يدٍ واحد بالعبارة، والأخرى بالدلالة.
لا طائل تحته بعد انعقاد الإجماع اللفظي على فرضيتها بحيث صار يُعلم من الدين بالضرورة كما أن الإجماع انعقد على غسلهما بلا خلاف، ولا اعتبار بخلاف الروافض القائلين بالمسح فتدبر.
وقرئَ في السبعة: وأرجلكم بالجر على الجواز.
وفي الكشاف: لما كانت الرجلان مظنه الإسراف المذموم عطفتا على الممسوح لا لتمسحا بل للتنبيه على وجوب الاقتصار في صب الماء عليهما وقيل إلى الكعبين لإزالة ظن أنهما ممسوحة، لأنه لم تضرب له غاية.
(فروع)
إذا كان على أظفاره طين أو عجين، أو المرأة تصبغ بالحناء جاز الوضوء في القروي والمدني وهو الصحيح وعليه الفتوى ولو التصق بأصل ظفره عجين يابس وبقي قدر رأس إبرة من موضع الغسل لم يجز وإن كان في أصبعه خاتم، إن كان ضيَّقاً فالمختار أن يجب نزعه
وتحريكه بحيث يصل الماء إلى ما تحته، ولو طالت أظفاره حتى خرجت عن رؤوس الأصابع وجب غسلهما، ولو خُلفَ له يدان على المنكب فالتامة هي الأصلية يجب غسلها والأخرى زايدة، فما حاذى منها محل الفرض وجب غسله ومالا فلا، ولو قُطعت يده أو رجله، ولم يسبق هنا المرفق والكعب شيئاً سقط الغسل ولو بقي وجب كذا في ابن الهمام وفي قاضي خان في باب صلاة المريض ذكره محمد في النوادر، من قطعت يداه من المرفقين وقدماه من السباتين لا صلاة عليه، فثبت أن مجرد الفعل العقل لا يكفي لتوجيه الخطاب، وفيه أيضاً في باب الوضوء: وإن شُلْت يداه وعجز عن الوضوء والتيمم يمسح ذراعيه مع المرفقين ووجهه على الحائط ولا يدع الصلاة.
أقول: هذا يخالف ما روى عن محمد.
وقال في الدرر والفرر نقلاً عن التتارخانية: قيل إن وجد من يوضيه يأمره أن يغسل وجهه وموضع القطع ويمسح ذراعيه وإلا وضعَ جبهته ورأسه في الماء أو يمسح وجهه وموضع القطع على جدار ويصلي، والمفروض في مسح الرأس قدر الربع أي المقَّدر بالدليل الظني لا الاجتهادي فلذا لم يكفر جاحده، مؤولاً كان أو غير مؤول لما عرفت سابقاً أن الفرض على نوعين: قطعي واجتهادي، ومسح المقدار المعيَّن من الرأس من قبيل الثاني.
وقال الشافعي: المفروض في مسح الرأس أدنى ما يطلق عليه البعض، إذ الباء في قوله تعالى: (وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ} (المائدة: 6) للتبعيض، ولنا ما روى مسلم: (أن
النبي عليه السلام توضأ ومسح بناصيته)، فكان بياناً لما أُجمل في الآية كذا قالوا.
قال العلامة ابن الهمام في التحرير: لا إجمال في الآية.
وقال بعض المتأخرين أيضاً: جُعل حديث المغيرة مبيناً للآية موقوف على إثبات أن هذا الوضوء أول وضوئه صلى الله عليه وسلم بعد نزول الآية، لأنه لو لم يكن لزم تأخير البيان عن وقت الحاجة وهو غير جائز ولم يثبت ذلك، إذ لو ثبت لنقل ولأن كان كذلك فلا ينبغي التأخير.
بالنسبة إلى الذين لم يحضروا وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ الظاهر أن جميع المسلمين لم يكونوا حضروا في تلك السباطة وإلا لنقل، لأنها حادثة عمت بها البلوى، فعلم به أنه لا إجمال في الآية وهنا بحث آخر، وهو أن المدعي قدر الربع.
والدليل: يطابقه لأن الناصية دون الربع لما صرح به الإسبيجابي وشارح الإرشاد. فالأولى أن يستدل برواية أبي داود عن أنس رضي الله عنه قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ وعليه عمامة قطرية فأدخل يده تحت العمامة فمسح مقدم رأسه). وسكت عليه أبو داود فهو محبته.
وظاهره استيعاب تمام المقدم، وتمام مقدم الرأس هو الربع المسمى بالناصية.
وقٍطرية: بكسر القاف وسكون الطاء المهملة، ثياب حمر لها أعلام منسوبة إلى قطر موضع بين عمان وسيف البحر عن الأزهري.
وقال غيره: ضرب من البورد فيه حمرة ولها أعلام فيها بعض الخشونة.
وقال مالك: يجب مسح كل الرأس لأن الباء صلة مثل قوله تعالى: (وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ} (المائدة: 6).
قلت: إن الباء للإلصاق والفعل هو المسح قد تعدى إلى الآية، فإذا قيل مسحتُ الحائط يراد كله.
فإذا قيل: مسحت بالحائط يراد به بعضه، والتقدير في الآية (وامسحوا أيديكم برؤوسكم) فيقتضى استيعاب اليد دون الآية، واستيعابها ملصقة بالرأس لا تستغرق غالباً سوى ربعه فتعيَّن مراده من الآية، وهو المطلوب، والاستيعاب بالتيمم لم يكن بالآية، بل بالسنة المشهورة، وقيل يجزي وضع ثلاث أصابع وهي رواية الأصل.
وقال في غاية البيان: إنها ظاهرة الرواية.
وفي معراج الدراية: إنها ظاهر المذهب.
وصححها في شرح القدوري.
وفي الظهيرية: وهو الصحيح، لأن الواجب إلصاق اليد والأصابع أصلها والثلاث أكثرها، وللأكثر حكم الكل وإنما ضعَّفها المصنف بقوله: قيل: لان هذا من المقدرات الشرعية وفيها يعتبر عين ما قدر به ومد أصبعاً أو أصبعين لا يجوز خلافاً لزفر له أن الماء لا يصير مستعملاً حالة المسح لما أنه لا يصير مستعملاً بمجرد الإضافة لقوة الماء، ولأن المسح بالماء المستعمل لا يجوز لوجود زوال الحديث أو قصد القربة، إلا أنه في باب الغسل لم يظهر حكم الاستعمال قبل المزايلة للضرورة، لأنه يحتاج أن يأخذَ لكل عضوٍ ماءً على حده، وفي ذلك حرج، والحرج مدفوع ولا ضرورة في المسح، لأنه يمكنه أن يمسحه دفعة واحدة فلا يحتاج إلى المدّ، وإجراء الماء لإقامة الغرض فصار مستعملاً بالوضع، فظهر حكم الاستعمال فيه بخلاف حالة الاستيعاب فيه، ولو مسح بأصبع واحد من ثلاثة جوانب أجزأه، كذا في الظهيرية.
ولو مسح بأطراف أصابعه والماء متقاطر جاز، لأنه حينئذ ينزلُ من أصابعه إلى أطرافها، فإذا مده صار كأنه أخذ ماءً جديداً، كذا في المحيط.
وفي الخلاصة: لو مسح بأطراف أصابعه يجوز سواءً كان الماء متقاطراً أو لا، وهو الصحيح.
وفي البدائع: لو مسح بأصْبُعٍ واحدٍ ببطنها أو بظهرها أو جانبيها ثم يُذكر في ظاهر الرواية. واختلف المشايخ: فقال بعضهم: لا يجوز، وقال بعضهم: يجوز وهو الصحيح، لأن ذلك في معنى المسح بثلاثة أصابع.
أقول: ينبغي أن لا يجوز على المعتبر من قدر الربع، وقول ابن فِرِشتا في شرح المجمع: إنه لا يجوز اتفاقاً منظور فيه، لأن المذكور في الخلاصة وغيره، والأصح أنه لا يجوز من غير ذكر الاتفاق، ولو مسح على شعره من فوق أذنه جائز، وتحت أذنه لا يجوز، وقيل في حرمة المصاهرة على هذا، كذا في الظهرية.
وفي المنتقى: لو أرسل الماء في وسط رأسه فنزل على وجهه يسقط به فرض المسح وغسل الوجه، ويفترض مسح ربع اللحية في رواية عن أبي حنيفة، لأنه لمَّا سقط غسل ما تحتها صارت كالرأس، والأصح مسح ما يلاقي البشرة من اللحية تبع في هذا صاحب المجمع وغيره.
أقول: وهذا غير صحيح رواية ودراية، لما قال صاحب البدائع وغيره: إن رواية المسح مرجوع عنها، والصحيح أنه يجب غسله لأن البشرة خرجت من أن تكون وجها لعدم المواجهة لاستتارها بالشعر فصار ظاهر الملاقي ظاهر الوجه لأن المواجهة تقع به، ولهذا أشار أبو حنيفة فقال: إنما مواضع الوضوء ما ظهر منها، والظاهر هو الشعر لا البشرة، فيجب غسله، فلله در صاحب الهداية حيث لم يجعل اللحية وظيفة مستقلة بل أدرجها في حد الوجه، والعجب من أصحاب المتون في ذكر الإجابة المرجوع عنها وترك الإجابة إلى مرجوع إليها المصححة المفتى بها وهذا كله في الكثة، أما الحقيقة التي تُسرى بشرتها فيجب إيصال الماء إلى ما تحتها وهذا أيضاً في غير المسترسل، أما المسترسل فلا يجب غسله ولا مسحه.
وما نقله صدر الشريعة وغيره عن شرح الجامع الصغير لقاضي خان: أن أشهر الروايتين عن أبي حنيفة مسح ما يستر البشرة فرض وهو الأصح المختار فمنظور فيه، لأن عبارة شرح الجامع الصغير لقاضي خان (مسح ما يلاقي بشرة الوجه من اللحية واجب في قول أبي حنيفة خلافاً لأبي يوسف من عَدَ لفظ أصح ومختار)، فليراجع.
وما نقله ابن الهمام وصاحب الدرر والغرر وغيرهما عن الظهيرية: أنه يجب غسله وبه يفتى فمنظور فيه أيضاً، لأن عبارة الظهيرية (ومسح ما يلاقي بشرة الوجه من اللحية واجب)، وهو الصحيح، وأشار محمد في باب الاغتسال من الجنابة أنه يفترض وعليه الفتوى وفيه تأمل، ولو مَرًَّ الماءَ على شعر الذقن ثم حلقه لا يجب غسل الذقن كالرأس.
قال قاضي خان وغيره: الوضوء ثلاثة أنواع: فرض وهو وضوء المحدث عند القيام إلى الصلاة، وواجب وهو الوضوء للطواف، وإن طاف بالبيت من غير وضوء جاز طوافه، ويكون تاركاً للواجب، ومندوب، وذلك غير معدود، فمنها الوضوء للنوم، إذا أراد النوم يستحب له أن
يتوضأ، ومنها المحافظة على الوضوء وتفسيره: أن يتوضأ كلما أحدث ليكون على الوضوء في الأوقات كلها، ومنها الوضوء بعد الغيبة وبعد إنشاد الشعر، ومنها الوضوء على الوضوء إذا ضحك قهقهة، ومنها الوضوء لغسل الميت.
وسننه:
هي في اللغة الطريقة المعتادة.
وفي الإصطلاح: هي الطريقة المسلوكة في الدين من قوله أو فعله صلى الله عليه وسلم من غير لزوم على سبيل المواظبة، فإن كانت المواظبة من غير ترك فهي دليل السنة المذكورة، وإن كانت مع الترك أحياناً فهي دليل غير المؤكدة، وإن اقترنت بالأفكار على من لم يفعله فهي دليل الوجوب، وهذا أحسن ما قيل في تعريفها.
قيل: وينبغي أن يراد في التعريف مواظبة الخلفاء الراشدين لأنها مثبته للسنة، ألا يرى إلى ما قال صاحب الهداية في التراويح: والأصح أنها سنة، لأنه واظب عليها الخلفاء الراشدين وإنما جمع السنن وأفرد الفرض إشارة إلى أن الفروض وإن كثرت في حكم شيء واحد بدليل فساد البعض بترك البعض، بخلاف السنن، وحكم السنة: أنه يُثاب على فعلها ويلام على تركها.
(غسل اليدين إلى الرسغين)
ابتداء الرسغ منتهى الكف عند المفصل، وفي غسل اليدين ابتداء ثلاثة أقوال:
قيل: إنه فرض وتقديمه سنة واختاره ابن الهمام وغيره وإليه أشار محمد في الأصل، وقيل: أنه سنة تنوب عن الفرض كالفاتحة فإنها واجبة تنوب عن الفرض وفيه نظر، وقيل: إنه سُنة لا تنوب عن الفرض.
قال السرخسي: وهو الأصح عندي فعلى هذا يعيد غسلهما. واستشكله صاحب الذخيرة بأن المقصود هو التطهير فبأي طريق حصل التطَّهر، والمقصود وظاهر كلام المشايخ أن المذهب هو الأول ويغسلهما قبل الاستنجاء وبعد وهو الصحيح، ثم اعلم أن الابتداء بغسل اليدين واجب إذا كانت النجاسة محققة فيهما، وسنة عند ابتداء الوضوء، وسنةٌ مؤكدة عندَ توهمِ النجاسةِ، كما إذا استيقظَ من النوم، فَعُلِمَ بهذا أن قيدَ الاستيقاظ الواقع في الهداية وغيرها اتفاقي، لأن من حكى وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم فيه البداءة بغسل اليدين من غير تقيد بكونهما عن نوم.
وعلل في الهداية بأن اليدين آلة التطهير، فيبدأ بتنظيفهما وأورد عليه بأن هذا يقتضي الوجوب، لأن ما لا يتوصل للواجب إلا به فهو واجب.
وأجيب: بأن هنا قولاً مانعاً من القول بالوجوب وهو طهارتهما حقيقةً وحكماً، واقتصر على غسلهما إلى الرسغين لأنه يكفي في حصول المقصود وهو تنظيف الآلة، وما في شرح المجمع من أن السنة في غسل اليدين للمستيقظ مقيدة بأن يكون نائماً غير مستنجٍ، أو كان على بدنه
نجاسة حتى لو لم يكن، لا يُسن في حقه، ضعيف، أو المراد نفي السنة المذكورة لا أصلها وكيفية غسلهما، أنه إذا كان الإناء صغيراً بحيث يمكن رفعه لا يدخل يده فيه، بل يرفعه بشماله ويصب على كفه الأيمن ويغسلهما ثلاثاً ثم يأخذ الإناء بيمينه ويصبه على الأيسر ويغسلهما ثلاثاً، وإن كان الإناء كبيراً لا يمكن رفعه، فإن كان معه إناء صغير يفعل كما ذكرنا، وإن لم يكن معه يدخل أصابع يده اليسرى مضمومة في الإناء ويغسل اليسرى، والظاهر تقديم اليمنى على اليسرى لأجل القياس، قالوا: ولا يدخل الكف حتى لو أدخله صار الماء مستعملاً، وقالوا: يكره إدخال اليد في الإناء قبل الغسل للحديث وهي كراهة تنزيه، لأن النهي معروف عن التحريم بقوله: (فإنه لا يدري أين باتت يده}، فالنهي محمول على الإناء الصغير أو الكبير إذا كان معه إناء صغير فلا يدخل اليد فيه أصلاً، وفي الكبير على إدخال الكف، كذا في المنتقى وغيره.
مع أن المنقول في الخانية أن المحْدِث أو الجنب إذا أدخلَ يده في الإناء للاغتراف وليس عليها نجاسة لا يفسد الماء، وكذا إذا وقع الكوز في الجب فأدخل يده إلى المرفق لا يصير الماء مستعملاً.
وفي شرح الأقطع: يكره الوضوء بالماء الذي أدخل المستيقظ يده فيه لاحتمال النجاسة، كما يكره الوضوء بالماء الذي أدخل الصبي يده فيه.
وفي المضمرات: إذا لم يكن معه إناء يغترف به ويداه نجستان فإنه يأمر غيره أن يغترف بيده ليصب على يديه ليغسلهما، وإن لم يجد يُرسل في الماء منديلاً ويأخذ طرفه بيده ثم يُخْرِج من البئر فيغسل اليد بقطراته ثم يغسل اليد الأخرى ويأخذ الثوب بأسنانه فيسل يديه بالماء الذي يتقاطر ثلاثاً، فإن لم يجد يرفع بفمه فيغسل يديه، فإن لم يقدر، فإنه يتيمم ويصلي ولا إعادة عليه. انتهى.
وفي مسألة رفع الماء بفمه اختلاف، والصحيح، أنه يصير مستعملاً وهو مزيلٌ للخبث.
والتسمية سنة في ابتداء الوضوء مطلقاً ولفظها المنقول عن السلف كما في النهاية.
وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في الخانية: بسم الله العظيم، والحمد لله على الإسلام.
وفي المحيط: السنة: مطلق الذكر، كالحمد لله أو لا إله إلا الله، وقيل الأفضل: بسم الله الرحمن الرحيم بعد التعوذ، ويسمي قبل الاستجمار وبعده وهو الصحيح إلا مع
الانكشاف وموضع النجاسة، كذا في الخانية. وكونها سنة مختار القدوري وغيره، وقيل: مستحبة.
وفي النهاية هو الأصح، ولعل مسنده ضعيف الأحاديث، لكن كثرة طرق الضعيف ترقيه إلى الحسن، فلذا ذهب كثير إلى سنتها كما في شرح شيخنا.
أقول: فالحق ما صححه صاحب النهاية وغيره، وقد قال الإمام أحمد: لا أعلم فيها حديثاً ثابتاً، والله سبحانه أعلم.
ولو نسي التسمية في ابتداء الوضوء ثم ذكرها في خلاله لا تحصل السُنة، بخلاف الأكل لأن الوضوء عمل واحد بخلاف الأكل، فإن كل لقمة فعل مبتدأ ولهذا لو قال: كلما أكلتُ فلله عليَّ أن أتصدق بدرهم فعليه لكل لقمة درهم، لأن كل لقمة أكل.
والسواك: أي استعماله، لأنه اسم للخشب.
قال شيخنا: فيه ردٌ لشارح الدرر حيث ادعى مجيئه بمعنى المصدر من غير سندٍ، ولو كان كلامه صحيحاً لكان في الصحاح أو القاموس إذ عليهما في ذلك المعتمد. انتهى.
أقول: ليس هذا بشيء، لأن ابن فارس ذكر في كتابه المسمى بمقاييس اللغة: أن السواك يأتي بمعنى المصدر.
ولهذا قال ابن الهمام: أي الاستياك، والجمع سواك ككتاب وكتب.
قال ابن الهمام: والحق أنه من مستحبات الوضوء.
وكذا صحح الشارح الاستحباب واستدل في الكافي والهداية (لأنه عليه الصلاة والسلام واظب عليه)، والمواضبة مع الترك على السنة، وتعقبه ابن الهمام بأن أفضلية الصلاة التي بالسواك على غيرها فيدل على الاستحباب، واختلف في وقته، فقيل: إنه عند المضمضة، وقيل: قبل الوضوء، والأكثر على الأول، وهو الأولى لأنه الأكمل في الإنقاء، وليس هو من خصائص الوضوء، بل يستحب في مواضع اصفرار السن وتغير رائحة الفم، والقيام من النوم، والقيام إلى الصلاة، وأول ما يدخل البيت، وعند اجتماع الناس، وعند قراءة القرآن، لكن قولهم: يستحب عند القيام إلى الصلاة، ينافي ما نقلوه من أنه للوضوء لا للصلاة، خلافاً لزفر والشافعي.
وعلله السراج الهندي بأنه إذا إستاك للصلاة، وربما يخرج منه دم وهو نجس بالإجماع، وإن لم يكن ناقضاً عند الشافعي، وكيفيته أن يستاك أعالي الأسنان وأسفلهما والحنك، ويبتدئ بالجانب الأيمن وأقله ثلاث في الأعالي وثلاث في الأسافل بثلاث مياه، ويستحب أن يكون ليناً من غير عقد في غُلظ الأصبع وطول شبر من الأشجار المُرَّة المعروفة، ويستاك عرضاً لا طولاً.
وقال الغزنوي: يستاك طولاً وعرضاً.
أقول: وفي الاستياك طولاً مخالفة للحديث ولأنه يجرح لحم الإنسان، ويستحب إمساكه باليد اليمنى، والمستحب في كيفية أخذه، أن تجعل الخنصر من يمينك أسفل السواك تحته، والبطن والوسطى والسبابة فوقه، واجعل الإبهام أسفل رأسه كما رواه ابن مسعود، ولا يقبض القبضة على السواك فإن ذلك يورث الباسور، وتقوم الأصابع والخرقة الخشنة مقامه عند فقده أو عدم أسنانه في تحصيل الثواب لا عند وجوده، والعلكة تقوم مقامه للمرأة، ومنافعه كثيرة منها: أن يرضي الرب ويسخط الشيطان ويزيد في الحسنات ويوافق السنة، ويطهر الفم، ويزيد الرجل فصاحة، (والصلاة
به تعدل سبعين صلاة)، ومن خشي من السواك تحريك القيء، تركه، ويكره أن يستاك مضطجعاً فإنه يورث الطحال.
(غسل الفم بمياه والأنف بمياه)
عبر بالغسل عن المضمضة والاستنشاق للاختصار والاكتفاء بذكر المفرد، وقيل للإشعار بأن المبالغة فيهما سنة أخرى إلا أن يكون صائماً خوفاً من فساد صيامه، كذا قال شيخنا وغيره، وفيه نظر، لأن المبالغة فيها سنة أخرى على ما نص عليه تاج الشريعة وغيره، أو مستحبة على ما اختاره البعض، وقيل: إن الفعل يشعر بالاستيعاب فكان أولى من ذكر المضمضة والاستنشاق، وفيه نظر، لأن المضمضة كذلك.
فإنها في الإصطلاح: استيعاب الماء جميع الفم، والاستنشاق إيصال الماء إلى مارن
الأنف، كذا في الخلاصة، وإنما كرر لفظ مياه لئلا يتوهم أن ثلاث مياه يكفي لها، وليس كذلك، ولو تمضمض ثلاثاً من غرفة واحدة لم تُصره آتياً بالسنة.
وذكر الصيرفي: أنه يصير آتياً، ولا يخفى أنه يكون آتياً بسنة المضمضة لا سنة كونهما بماءٍ، فالنفي والإثبات في القولين والاعتبارين، فلا خلاف.
وفي الظهيرية والمجتبى: وإذا أخذ الماء بكفه فتمضمض ببعضه استنشق بالباقي جاز، وفي الاستنشاق لا يجوز لصيرورة الماء مستعملاً، ولا يخفى أن نفي الجواز بمعنى نفي الإجزاء في تحصيل السنة، لا بمعنى الحرمة، لأن أصلها سنة، أو بجعل المضمضة والاستنشاق في الغسل الواجب.
وفي السراج الوهاج: أنهما سنتان مؤكدتان، فإن تركهما أثم على الصحيح. انتهى.
قيل: لا يخفى أن الإثم منوط بترك الواجب، ويمكن الجواب لما قالوه: أن السنة المذكورة في قوة الواجب، ودليل سنتيهما المواظبة مع الترك أحياناً.
وتخليل اللحية والأصابع هو المختار، أما تخليل اللحية فهو تفريق الشعر من جهة الأسفل إلى فوق لغير المحرم فسنته على الأصح، لما روى أبو داود عن أنس رضي الله عنه: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا توضأ أخذ كفاً من ماءِ وأدخله تحت حنكه يخلل به لحيته، وقال: بهذا أمرني ربي}.
وأما تخليل الأصابع، فهو إدخال بعضها في بعضٍ بماءٍ متقاطر، ويقوم مقامه الإدخال في الماء ولو لم يكن جارياً فسنة اتفاقاً، لقوله صلى الله عليه وسلم: (خللوا بين أصابعكم لئلا يخللها نار جهنم}.
وإنما لم يكن التخليل واجباً بهذا الحديث، وبالأمر أيضاً في أوني ربي لوجود الصارف وهم تعليم الأعرابي الذي حكى منهما وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن التخليل لم يذكر فيها، وقيل: هو في اللحية فضيلة عند الإمام محمد، لأن السنة قد تكون لإكمال الفرض في محله، وداخل اللحية ليس بمحل لإضافة فرض الغسل، وما روي من الأحاديث يحمل على الفضيلة.
وفي الظهيرية: والتخليل إنما يكون بعد التثليث لأنه سنة، ثم قيل: الأولى في أصابع اليدين أن يكون تخليلها بالتشبيك وصفته بالرجلين أن يخلل بخنصر يدي اليسرى رجله اليمنى، ويختم بخنصره رجله اليمنى كذلك ورد في الخبر، كذا في المعراجية وغيرها، والظاهر أن هذا أمر اتفاقي لا سنة متعددة، ولعل الحكمة في كونها بالخنصر كونها أرق الأصابع فهي بالتخليل أنسب، وتثليث الغسل: أي تكراره ثلاثاً سنة، لكن الأولى فرض واثنتان مؤكدتان على الصحيح، كذا في السراج الوهاج.
واختاره في المبسوط: وإن اكتفى بالمرة الأُولى قيل: يأثم، وقيل: لا يأثم، لأنه أتى بما أُمر فيه.
والأصل فيه ما روى أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، من حديث عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده: (أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله كيف الطهور؟ فدعا بماء في إناء فغسل كفيه ثلاثاً إلا الرأس ثم قال: هكذا الوضوء فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم (أو ظلم وأساء)}، وفي رواية ابن ماجه (فقد تعدى وظلم)، والنسائي (فقد تعدى وأساء وظلم) واختُلف في قوله: (فمن زاد على هذا) على أقوال: فقيل: على الحد المحدود: فهو مردود بقوله صلى الله عليه وسلم: (من أراد منكم أن يطيل غرته فليفعل}، لأن الغرة تكون بالزيادة على المحدود، وقيل: على أعضاء الوضوء، وقيل: الزيادة على العدد والنقص عنه، والصحيح أنه محمول على الاعتقاد دون نفس الفعل، حتى لو زاد أو نقص واعتقد أن التثليث سنة لا يخلفه الوعيد، كذا في البدائع.
واقتصر عليه في الهداية، وعلى الأقوال كلها لو زاد لطمأنية القلب عند الشك أو نيَّة وضوء آخر بعد الفراغ من الأول فلا بأس به لأنه نور على نور، وكذا إن نقص لحاجة فلا بأس، كذا في المبسوط وغيره.
وقيل: فيه كلام لأنهم صرحوا أن تكرار الوضوء في مجلس واحد لا يستحب، بل يكره لما فيه من الإسراف في الماء فيمكن حمله على اختلاف المجلس وهو بعيد، وفي الحديث لغة ونشر، لأن التعدي يرجع إلى الزيادة، والظلم إلى النقصان وقيدَّ المصنِّف بالغسل احترازاً عن المسح، فإنه لا يسن تثليثه بل يكره على ما في المحيط والبدائع.
وقيل: لا بأس به.
وفي قاضي خان: وعندنا لو مسح ثلاث مرات بثلاث مياه لا يكره، ولكن لا يكون سنة أدباً. انتهى.
وهو الأولى كما لا يخفى إذ لا دليل على الكراهة.
والنية: وعند الشافعي فرض لقوله صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات}. ووجهه أن المراد بالأعمال العبادات، لكن كثيراً من الأعمال لا يعتبر شرعاً بلا نية، فيكون المراد: إنما صحت العبادات بالنيَّة، والوضوء عبادة، لأنها فعل يرضي الرب تعالى، وهو كذلك، فصار كالتيمم، ولنا ما ذكره الأصوليون: أن حقيقة هذه التراكيب متروكة بدلالة محل الكلام، لأن كلمة إنما للحصر، وقد دخلت على المعرف بلا الاسغراق، وذلك يقتضي أن لا يوجد عمل بلا نية، ويمكن حمله على العموم، لأن كثيراً من الأعمال يوجد بلا نية، فصار مجازاً عن حكمه، فالتقدير.
حكم الأعمال بالنيات من إطلاق اسم التسبب على المسبب، ومن حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه، والحكم نوعان مختلفان: أحدهما أخروي وهو الثواب، والاسم وهو بناء صدق العزيمة وعدمه، والثاني: دنيوي وهو الجواز والفساد، ولما اختلف الحكمان صار الاسم بعد كونه مجازاً مشتركاً ويكفي في تصحيحه ما هو المتفق عليه، وهو الحكم الأخروي، ولا دليل على ما اختلف فيه، فلا يصح تقديره فلا حجة علينا، وإنما افتقر التيمم إلى النية، لأن التراب غير مُطهِر إلا في حالة إرادة الصلاة، ولأن التيمم يبنى على القصد.
فإن قلت: أليس كل عارف باللغة يفهم من قوله تعالى: (إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ} (المائدة: 6) ... الآية، أن المأمور به هو الغسل لأجل الصلاة، لا الغسل مطلقاً كما يُفهم إذا أردت الدخول على الأمير فتأهب، أن المراد: تتأهب له.
قلت: بلى، ولكن الكلام فيما هو مفتاح الصلاة لا في الوضوء المأمور به، وبينهما فرق على ما بيَّن في التلويح وغيره.
لكن الظاهر من تصدير بيان فرض الوضوء بالآية المذكورة، وترتيبه عليها أن يكون الكلام في الوضوء المأمور به أيضاً فليتأمل.
والترتيب المنصوص إرادة التنصيص من قبل الشارع كما هو المبادر وذلك أنه عليه الصلاة والسلام لما بيَّن الترتيب المسنون بفعله، حيث واظب عليه، كان فعله ذاك نصاً من السنة الفعلية لا التنصيص في آية الوضوء، لأنها خلو عن الدلالة عليه عندنا، وهل المشاجرة بيننا وبين المخالفين إلا فيه.
فإن قلت: أليس ذكره في النص المذكور مرتباً؟
قلت: بلى، ولكن الترتيب في الذكر لا يدل على الترتيب في الوجود، ولذلك لم يتمسك المخالف به، بل تمسك بحرف الفاء وَرُدَ عليه، بأنها داخلة في المجموع لا في غسل الوجه وحده،
ولا يخفى عليك أن مبنى الاحتجاج على أن يكون وضع الفاء الجزائية للتعقيب بدون الفصل، ولم يأتِ ذلك، كيف ولو كان كذلك لما صح الفصل بين القصد إلى الصلاة والوضوء بعمل آخر، وبهذا التقرير يندفع ما قيل أي الذي نص عليه في كلام الفقهاء لا القرآن، لكونه ممنوعاً، وإلا لزم مخالفة النص.
واستيعاب الرأس بالمسح:
وفي المحيط: والمستحب في الاستيعاب من كل واحدٍ من اليدين ثلاثة أصابع، مقدم رأسه، ولا يقع الإبهام والسبابة، ويجافي كفيه ويمدّهما إلى القفا، ثم يضع كفيه على مؤخر القفا ويمدّها إلى مقدمه، ثم يمسح ظاهر كل أذن بإبهام ويمسح باطنها بمسحة.
وقال الزيلعي: تكلموا في كيفية المسح، والأظهرُ أن يضع كفيه وأصابعهُ على مقدم رأسه يمدهما إلى القفا على وجه يستوعب جميع الرأس، ثم يمسح أذنيه بأصبعيه، ولا يكون الماءُ مستعملاً بهذا، لأن الاستيعاب بماءٍ واحدٍ لا يكون إلا بهذا الطريق، وما قاله بعضهم من أنه يجافي كفيه تحرزاً عن الاستعمال لا يفيد، لأنه لا بد من الوضع والمدَّ، فإن كان مستعملاً بالوضع الأول فكذا بالثاني فلا يفيد تأخيره، وقيل: هذه الثلاثة أي: النية، والترتيب، واستيعاب الرأس مستحبة وهو واختيار القدوري.
والوِلا: بكسر الواو، وهو غسل العضو الثاني قبل جفاف الأول مع اعتدال الهوى.
ومسح الرأس:
وفي المجتبى: يمسح بالسبابتين داخلهما وبالإبهامين خارجهما، وهو المختار.
قال الشافعي: يؤخذ لهما ماءً جديداً لأنهما ليسا من الرأس، حتى لا يتأذى بهما وظيفة الرأس. ولنا ما روى الدارقطني بإسناد صحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الأذنان من الرأس} أراد بيان الحكمة لا الخَلقة لأنه عليه الصلاة والسلام لم يُبْعث بيان الخلقة، فثبت أنها من أجزاء الرأس حكماً وإنما لم يجز المسح عليهما عوضاً عن مسح الرأس لأنه ثبت بالكتاب وكونهما من الرأس بخبر واحد فلا يتأذى به ما ثبت بالكتاب كاستقبال الحطيم بالصلاة لم يجز وإن كان من البيت، لأن فرضيَّة استقبال الكعبة ثبتت بالنص، وكون الحطيم من البيت بخبر واحد.
ومستحب (التيامن):
المستحب في اللغة: الشيء المحبوب ضد المكروه.
وعند الفقهاء: هو ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم مرة وتركه أخرى، والمندوب: ما فعله مرة أو مرتين تعليماً للجواز، كذا قيل، وما جعله هذا القائل تعريفاً للمستحب جعله في المحيط تعريفاً للمندوب فالأول: ما عليه الأصوليون من عدم الفرق بين المستحب والمندوب وإنما واظب
عليه النبي صلى الله عليه وسلم مع الترك بلا عذر سنة، وما لم يواظب عليه فمندوب ومستحب وإن لم يفعله بعد رغَّب فيه، كذا في التحرير.
وحكمه الثواب على الفعل وعدم اللوم على الترك، وإنما كان التيامن مستحباً كما في الكتب الستة: (عن عائشة رضي الله عنها كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحب التيامن في كل شيء حتى في طهوره وتنعله وترجله وشأنه كله).
والمحبوبة لا تستلزم المواظبة، لأن جميع المستحباب محبوبة له، ومعلوم أنه لم يواظب عليها كلها وإلا لم تكن كلها مستحبة بل مسنونة.
(والرَجل) شط الشعر، والطُهور بضم الطاء فلا يجوز فتحها على قول الجمهور،
ومسح الرقبة، وأما مسح الحلقوم فبدعة وليس مراد المصنِّف حصر مستحباته فيما ذكره، لأن له مستحبات كثيرة وعبر عنها بعضهم بمندوباته، فقال: إن المندوبات نيف وعشرون، ترك الأسفار، والتفتير، وكلام الناس، والاستعانة، وعن الوبري لا بأس بصب الخادم والتمسح بخرقة يمسح بها موضع الاستنجاء، ونزع خاتم عليه اسم الله تعالى واسم نبيه حال الاستنجاء، وكون آنيته من خزف، ويغسل عروة الإبريق ثلاثاً، ووضعه على يساره وإن كان إناءاً يغترف منه فعن يمينه، ووضع يده حالة الغسل على عروته لا رأسه، والتأهب للوضوء قبل الوقت، وذكر الشهادتين عند كل عضو، واستقبال القبلة في الوضوء، واستصحاب النية في جميع أفعاله، وتعاهد مواقيه وما تحت الخاتم، والذكر المحفوظ عند كل وضوء، ولا يلطم وجهه بالماء، وإمرار اليد على الأعضاء المغسولة، والتأني والدلك خصوصاً في الشتاء وتجاوز حدود الوجه واليدين والرجلين ليتقين غسلهما ويقول: (سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله اللهم اجعلني من التوابين ... الخ).
وأن يشرب فضل وضوئه مستقبل الكعبة قائماًُ، قيل: وإن شاء قاعداً، ويكره الشرب قائماً إلا هذا وماء زمزم، والكراهية فيما عدا هذين كراهة تنزيه لا تحريم لأن الأمر فيه ظني لا أمر ديني (لأنه قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه شرب قائماً) في غير ما ذُكر على ما رواه الترمذي، وصلاة ركعتين عقبه، وملءُ آنية استعداداً، أو الاستخاط بالشمال عند الاستنشاق، ويكره باليمين، وكذا يكره إلقاء البزاق في الماء، والزيادة على الثلاث في غسل الأعضاء إلا لطمأنينة القلب، ونيَّة وضوء آخر ويكره الوضوء بالماء المشمس، كذا في ابن همام وغيره.
وفي القنية: لا بأس بالماء المشمس عندنا.
وقال الشافعي: ولا أكره الماء المشمس إلا من جهة الطب.
وفي التهذيب: ولا تكره الطهارة بالماء المسخن بالنار ويكره بالشمس. انتهى.
وقيل: يكره، قاله الشافعي وأبو الحسن التميمي، وفي قوله قصد اتفاقاً إشارة إلى أنه لو لم يقصد لم يُكره اتفاقاً، والمعاني: أراد بالمعاني العلل المؤثرة في نقص الوضوء،
وإنما غبر عنها بالمعاني اقتداءً بالنبي صلى الله عليه وسلم في قوله: (لا يحل دم امرءٍ مسلم إلا بإحدى ثلاث}، وإتباعاً للسلف في الاحتراز عن استعمال مصطلحات الفلاسفة، فغن المتقدمين كانوا مستكفين عن ذلك إلى أن نشأ الطحاوي لاستعمالها فتبعه من بعده، فشاع استعمالها في كتب الفقه، وإذا لم يكن المراد من المعاني هنا الأصلية المقابلة للذوات، لم يتعذر حمل ما يخرج من السبيلين (عليها بدون تقدير الخروج، فقول من قال: أي خروج ما يخرج من السبيلين) ثم قال: وإنما قدرنا المضاف إليه تصحيحاً للعمل، فإن حمل الذات على المعنى غير صحيح لا يخلو من نظر، لأن هذا القائل بجمع بين التأويل والتقدير والحال، لأن أحدهما مغني عن الآخر كما لا يخفى على من له نوع تدبير.
الناقضة:
أي: للوضوء (والنقض في الأجسام إبطال التأليف وفي المعاني إبطال المقصود، ومنها خروج شيء).
قال النسفي: الناقض هو خروج ما خرج، لا عينه، لأن عينه ليست بمعنى، فلا يكون علة الانتقاض، لأن العلة عبارة تحل بالمحل لا عن إخبار فيتغير به حال المحل، وقيل: إن الناقض هو النجس الخارج لا خروجه المخرج للنجس عن كونه مؤثراً للنقص مع أن الضد هو المؤشر في رفع ضدَّه، وصفت النجاسة الرافعة للطهارة، إنما هي قائمة بالخارج وغاية الخروج أن يكون علة يحقق صفة شرعية، أعني صفة النجاسة وذلك لا يضر، إذ بعد تحققها عن علتها المؤثرة للنقص، ثم هو ظاهر الحدث.
الحدث:
قال: ما يخرج من السبيلين ولم يوجد ما يوجب صرفه عن ظاهره، فالناقض: الخارج النجس، والخروج شرط عمل العلة، وعلة لها نفسها لأنه علة تحقيق الوصف الذي هو النجاسة، وإلا لم يحصل لأحد طهارة، فإضافة النقيض إلى الخروج إضافة إلى علة العلة من إحدى السبيلين معتاداً إذا كان كالبول، والغائط، وغير معتاد، كالدودة والحصاة، إن خرجت الدودة من الإحليل نقضت، كذا في الخلاصة، وعليه مشى صدر الشريعة.
وفي السراج الوهاج: والدودة الخارجة من الفرج والذكر ناقضة بالإجماع سوى ريح الفرج والذكر، لأنه لا ينبعث من محل النجاسة، كذا في الهداية. وهو (يشير إلى
أن) الريح نفسها ليست نجسه. وإنما تنجس بمرورها على محل النجاسة.
وفي الخلاصة: لو خرج ريح من الدبر يُعلم أنه لم يكن من الأعلى، فهو اختلاج لا وضوءَ عليه، أما الخارج من قَُبل المرأة فغير ناقض على الصحيح، وعن محمد أنه ناقض، هذا إذا لم تكن حصاة فإن كانت فيستحب لها الوضوء، وعن محمد وأوجبه احتياطاً وبه أخذ أبو جعفر، وقيل: إن كانت سنة وجب وإلا فلا، ولو طُلقت المفضاة ثلاثاً وتزوجت بأخرة لا تحل للأول ما لم تحبل لاحتمال الوطىء في الدبر، ويحرم على زوجها جماعها إلا أن يمكنه إتيانها في قبلها من غير تعمد، ولو خشي القطن في إحليله، أو المرأة في فرجها حتى غيبته ثم أخرجته، قيل: لا ينقض، وقيل: ينقض، وقيل: إن خرج مبلولاً نقض وإلا فلا، وقيل: لا ينقض عند أبي حنيفة، وينقض عندهما، وأصل الخلاف، أن رطوبة الفرج طاهرة عند أبي حنيفة كسائر رطوبات البدن، كالريق والعرق، وعندهما نجسة كالقيح لأنها رطوبةٌ متولدةٌ في محل النجاسة، ثم الخروج في السبيلين يتحقق بالطهور، فلو نزل البول إلى قصبة الذكر وإلى القلفة، والصحيح: النقض، واستُشكل بأنهم قالوا: لا يجب على الجنب إيصال الماء إلى القلفة، لأنه خِلْقهٌ كقصبة الذكر.
وأجيب: أن الصحيح وجوب الإيصال في الغسل، ولو أدخل أصبعه في دبره ولم يغيبها فإنه يعتبر فيه البلة والرائحة وهو الصحيح، لأنه ليس بداخل من كل وجه، كذا في شرح قاضي خان.
ويستفيد منه أنه إذا أعيبها نقصٌ مطلقاً وكذا الذباب إذا طار ودخل في الدبر وخرج من بلة لا ينقض، والأحوط أن يتوضأ، كذا في منية المصلي.
وفي الخانية: وإن قَطَّرَ في إحليله دهناً، ثم عاد فلا وضوء عليه، بخلاف إذا ما احتقن بدهن ثم عاد. انتهى.
والفرق بينهما أن في الثاني اختلاطاً بالنجاسة بخلاف الإحليل للحايل عند أبي حنيفة، كذا في فتح القدير، فعلى هذا عدم النقض قوله وقد صرح به في المحيط فقال: لا ينقض عند أبي حنيفة خلافاً لأبي يوسف. والخنثى: إنه إذا تيقن أنه امرأة فذكره كالجرح أو ذكر ففرجه كالجرح وينقض في الآخر بالطهور، كذا في فتح القدير.
ولكن قال في التبيين: وأكثرهم على إيجاب الوضوء عليه، فالحاصل أن الخنثى ينتقض وضوءه بخروج البول من فرجيه جميعاً، سال أم لا، تبين حاله أو لا، وقيل: يؤخذ بالخنثى المشكل بالأحوط وهو النقض، وفي قاضي خان: إن المجبوب إذا خرج منه ما يشبه البول، إن كان قادراً على إمساكه إن شاء أمسكه، وإن شاء أرسله، فهو بول ينقض الوضوء، وإن كان لا يقدر على إمساكه لا ينقض ما لم يسل.
وفي البدائع: لو حشت في الفرج الداخل قطنة ونفذت البلة إلى الجانب الآخر، فإن كانت القطنة عالية أو عجازية لجوف الفرج كان حدثاً لوجود الخروج، وإن كانت القطنة مستقلة عنه لا
ينقض لعدم الخروج، وفي منية المصلي: وإن كانت أحشت في الفرج الخارج فاقبل داخل الحشو نقض، نفذ أو لم ينفذ.
والناقض للوضوء أيضاً:
خروج نَجَس – بفتح الجيم عين النجاسة – وبكسرها ما لا يكون طاهراً هذا في اصطلاح الفقهاء.
وفي اللغة: يقال نجس الشيء فهو نجس، من البدن إن سال بنفسه. يشير: إلى أن المخرج غير ناقض، وهذا اختيار صاحب الهداية، والظهيرية، وصاحب التتمة، والخلاصة، والسرخسي، وصاحب الكافي، إلى أن المخرج ناقض كالخارج قياساً على الحجامة والفصد ومص العلكة.
وقال الأتقاني: وهذا هو المختار عندي، لأن الاحتياط وفيه: وإن كان الرفق بالناس في الأولى، وتحقيقه عندي: أن الخروج لازم حين وجود الملزوم، فيحصل الناقض لا محاله. انتهى.
وأما وجه الأول: فلأن علة النقض هو الخروج بالطبع والسيلان وقد انتفيا، والقياس على المذكورات غير مستقيم، لأن في كل منهما يخرج الدم بعد قطع الجلدة، فهو بمنزلة ارتفاع المانع حتى صرحوا بأن المصَّ إذا كان بحيث لا يسيل الدم بعد سقوط العلقة لا ينتقض، وما ثخن ليس كذلك لأن علة الخروج وهو العصر فأفهم إلى موضع يلحقه حكم التطهير، أي يجب تطهيره، أو يندب تطهيره إما في الوضوء أو الغسل، أو المكان أو الثوب، فلا يرد النقض بصورة الفصد كما أورده العلامة صدر الشريعة، وإنما فسرنا الحكم بالأعم من الواجب بل يندب، لما أن المبالغة في الاستنشاق لغير الصائم مسنونة، وإن حدها أن يأخذ الماء منخره حتى يصعد إلى ما امتد من الأنف.
وقد صرح في معراج الدراية: بأنه إذا أنزل الدم إلى قصبة الأنف نقض.
وفي البدائع: إذا نزل الدم إلى صماخ الأذن يكون حدثاُ، وليس كذلك إلا لكونه يُندب تطهيره في الغسل ونحوه، وكذا إذا فصدَ وخرجَ دمُ كثيرُ بحيث لم يتلطخ رأس الجرح لكونه وصل إلى ثوب أو مكان يلحقها حكم التطهير، ولهذا يندفع إشكال صدر الشريعة وغيره.
وقول الحدادي: إذا نزل الدم إلى قصبة الأنف لا ينقض، محمول على أنه لم يصل إلى ما سَفَّ إيصال الماء إليه في الاستنشاق، فهو في حكم الباطن حينئذ توفيقاً بين العبادات، واختلفوا في حد السيلان.
ففي المحيط حده: أن يعلو وينحدر عند أبي يوسف، وعند محمد: إذا انتضح على رأس الجرح وصار أكبر من رأسه نقض، والصحيح: الأول، وفي الدراية جعل قول محمد أصح، واختار السرخسي الأول، وفي فتح القدير أنه الأولى، وقيل: أن الخروج من غير السبيلين عين السيلان، وفيه نظر، لأن الاحتراز يفيد السيلان إلى ما يظهر عما لا يلحقه حكم التطهير، كذا
القيء ونحوه وما له حكم داخل اليدين من كل وجه حتى لو سدت بقطنة داخل العين ولم يَسل منها إلى خارج العين لا ينقض الوضوء. وقيل: المعتبر هو قوة السيلان عن المخرج، بحيث أي يكون للخارج قوة السيلان بنفسه عن المخرج، إن لم يمنع مانعُ سواء وجد السيلان بالفعل إلى موضوع يلحقه حكم التطهير أو لم يوجد، كما إذا مسحه (حين خرج) بخرقة ثم وَثَمَ، أو ألقى عليه التراب، إن كان بحالٍ لو تُرك سالَ نقض، وإلا فلا، ولو عَضَّ شيئاً أو خَلَلَ أسنانه، أو أدخل أصبعه في أنفه فرأى أثر الدم، واستنشق فخرج من أنفه الدم علقاً مثل العدس، لا ينقض عندنا، لان القليل نادرٌ لإخراجه، والنجاسة المستقرة في موضعها لا تنقض، وأيضاً الشيء القليل من غير السبيلين معفوٌ عنه، ولو خرج القيح من الأذن.
فعن الحلواني: إن كان بدون الوجع لا ينقض، وإن كان معه ينقض، لأنه دليل الجرح، ولو كان بالعين رمدٌ يسيل منها الدمع، أو عمش، قالوا: يأمر بالوضوء لوقت كلَ صلاة، لاحتمال أن يكون قيحاً، قيكون صاحب عذرٍ.
والقيء:
هو بالجر عطفٌ على شيء، إذ لا تصح الأخبار عن المعاني إلا بتقرير، ومضاف لأنه عين كذا في شرح شيخنا، أقول: ويجوز الرفع أيضاً عطفاً على خروج فتأمل.
مليء الفم:
وَحَدّهُ أن يضبط بتكلف وهو الصحيح، وفي الخلاصة هو المختار، وقيل: أن يمنعه من الكلام، وإنما كان ناقضاً لما روي (أن النبي صلى الله عليه وسلم قاء فتوضأ) أخرجه الترمذي وصححه. ولصعوده من قعر المعدة متنجساً بالمجاور، بخلاف القليل لأنه من أعلى المعدة ولو طعاماً، أو ماءً، أو مرق صفراء، أو علقاً (وهو دم غليظ متمدد) والمراد به السواد، وكذا شرط إملاء الفم لا ينقض في خارج حال كونه بلغماً مطلقاً، أي: نازلاً من الرأس أو صاعداً من الجوف، ملأ الفم أو لا، لأنه للزوجته لا تتداخله النجاسة، وما يتصل به قليل، والقليل من غير السبيلين غير ناقض خلافاً لأبي يوسف في الصاعد من الجوف لأنه نجس بالمجاورة، والطحاوي يميل إلى قول أبي يوسف حتى قال: يكره أن يأخذ البلغم بطرف كمه ويصلي معه، فإن كان البلغم مختلطاً بالطعام، إن كانت الغلبة للطعام – وإن كان بحالِ لو انفرد بنفسه يبلغ ملأ الفم من ساعته – لا ينتقض وضوءه، لأنه طاهر لم يستحيل، وما اتصل به قليل، وكذا الصبي لو ارتضع وقاء من ساعته، قيل: هو المختار.
وفي القنية: لو قاءَ دوداً كثيراً ملء فاه لا ينقض.
قال العلامة ابن الهمام: والحق بالقيء ما يسيل من فم النائم إذا صعد من الجوف بأن كان أصفراً أو منتناً عن أبي النصر وعن أبي الليث: هو كالبلغم، وقيل: نجس عند أبي حنيفة خلافاً لمحمد وهو معنى قول أبي الليث: لو نزل من الرأس فطاهر اتفاقاً. انتهى.
وفي قاضي خان في فصل النجاسة: الماء الذي يسيل من فم النائم طاهر وهو الصحيح، لأنه متولدٌ من البلغم.
زاد في الخلاصة: عند أبي يوسف نجس والتقدير بالكثير والفاحش، بناءً على مسيلة البلغم وعلى هذا لو صلى ومعه خرقة المخاط تجوز الصلاة عندهما، وعند أبي يوسف: لا تجوز، إن كان كثيراً فاحشاً ذكره في الأصل. انتهى.
أقول: فعلى هذا قول ابن الهمام خلافاً لمحمد محل نظر، ويشترط في الدم المائع والقيح مساواة البزاق لا الملاءَ، خلافاً لمحمد، لا يخلو إما أن يكون من الفم أو من الرأس أو من الجوف، فالأول ناقض عند الغلبة بأن كان أحمرَ، وكذا عند المساواة بأن كان أصفرَ، ولو كانت الغلبة للبزاق إن كان فيه خطوط حمر لا ينقض، والثاني: ناقض اتفاقاً وإن قل، لأنه من جراحه، والثالث: مثله، وفي رواية الحسن عن الإمام، يعتبر فيه ملاء الفم وهو قول محمد، والمختار إن كان علقاً يشترط فيه ملاءَ الفم، لأنه ليس بدم بل سوادة محترقة، وإن كان مائعاً نقض، وإن قَلَّ لكونه من جراحه مثل الثاني، وحينئذ: فكلام المصنِّف لا يظهر حمله على واحد من الأقسام: أما الأول: فلعدم مخالفة محمد فيه، وأما الثاني: فكذلك مع عدم اشتراط المساواة، وأما الثالث: فلعدم اشتراط المساواة إلا أن يُقال: إذا كان مغلوباً لا يكون خارجاً بقوة نفسه، كذا قاله العلامة في شرحه.
أقول: الخلاف محمول على الذي يخرج من الجوف كما هو المفهوم من الهداية وغيرها.
وقد صرح به الحدادي في السراج الوهاج، والجوهرة حيث قال: وإن كان ذايباً ينقض قليله وكثيره عندهما. قال محمد: لا ينقض حتى يملأ الفم اعتباراً بسائر أنواع القيء، وصحح في الوجيز قول محمد، والخلاف في المرتقي من الجوف وأما النازل من الرأس فقليله وكثيره ناقض بالاتفاق. انتهى كلامه.
والعجب من مولانا العلامة، كيف خفي عليه مثل هذا؟
وفي الطهيرية: لو كان في البزاق عرق الدم فهو عفو وهو – أي محمد – يعتبر اتخاذ السبب وهو الغثيان بأن يوجد الثاني قبل سكون النفس من الأول يجمع ما قاءَ قليلاً قليلاً، وكان بحيث يملأ الفم لأن اتخاذ السبب مظنة اتخاذ الحكم، ولهذا لو جُرِحَ إنسانٌ جراحات ومات منها قبل تخلل البرىء يتحد الموجب، ومن تخلل البرء يختلف، وكذا لو مرض العبدُ في يد البائع فبرأ فباعه فمرض في يد المشتري، إن كان هذا المرض بالسبب الذي في يد البائع يتمكن من الرد،
وإلا فلا، وكذلك السرقة والاباق، وأبو يوسف يعتبر بجميع ما قاءَ قليلاً اتحاد المجلس، لأن اتحاد المجلس أثر في جمع المتفرقات، وبهذا يتخذ الأقوال المتفرقة في النكاح والبيع وسائر العقود باتحاد المجلس، والتلاوة المتعددة لآية السجدة تعدد بتعدد المجلس وتتحد باتحاده، ومختار المصنِّف قول محمد على المصطلح من تقديم الراجح.
وقال في الكافي وغيره: الأصح قول محمد، لأن أصل إضافة الأحكام إلى الأسباب، وإنما تُرك في بعض الصور للضرورة، كما في سورة التلاوة إذ لو اعتبر السبب لانتفى التداخل، لأن كل تلاوة سبب، وفي الأقادير اعتبر المجلس للعرف، وفي الإيجاب والقبول لدفع الضرورة، وهذا جواب عما قال أبو يوسف.
والمسألة على أربعة أوجه: إن اتحدا ينقض إجماعاً، وإن اختلفا لم ينقض إجماعاً، وإن اتحد المجلس واختلف السبب نقض عند أبي يوسف خلافاً لمحمد، وإن اتحد السبب واختلف المجلس نقض عند محمد خلافاً لأبي يوسف.
وفي الفتاوي الصغرى: مسألة: على عكس هذا، فمحمد اعتبر المجلس وأبو يوسف اعتبر السبب، وهي: إذا نَزَعَ خاتماً من أُصبُع النائم ثم أعاده، فأبو يوسف اعتبر في نفي الضمان النومة الأولى، حتى إذا استيقظ بعد ذلك، ثم نام في موضعه فأعاده في أُصبُعه لم يبدأ من الضمان، ومحمد يعتبر بالمجلس، حتى أنه لا يضمن ما دام في مجلسه ذلك، وما ليس حدثاً ليس نجساً، يروى ذلك عن أبي يوسف وهو الصحيح، فالقيء القليل والدم إذا لم يسيل لم يكن ناقضاً للطهارة، فإذا أصاب ثوبُ إنسان لا يمنع جواز الصلاة لأنه ليس بحدث، وعلى قول محمد يكون نجساً حتى لو أخذه بقطنة وألقاه في الماء القليل يفسده عنده، وعلى قول أبي يوسف لا يفسد، وبه قول محمد أنه دم، وإن قَلْ، فيكون نجساً، ولأبي يوسف أن النجس هو الدم المسفوح فما لا يكون سائلاً لا يكون نجساً كدم البعوض والبرغوث، والدم الذي يبقى في العروق بعد الذبح، واستدل صدر الشريعة له بقوله تعالى: (قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً} (الأنعام: 145) .... الآية، على أن غير المسفوح من الدم لا يكون محرماً فلا يكون نجساً، ولا يخفى ضعفه، لأن المراد من المحرم في الآية على ما فسره صاحب الكشاف الطعام المحرم من المطاعم التي حرموها، وبني الاستدلال المذكور على أن يكون الاستثناء مطلق المحرم، ثم قال: إن الفرق بين المسفوح وغيره مبني على كلمة غامضة وهي أن غير المسفوح دمٌ انتقل عن العروق وانفصل عن النجاسات وجعل له هضم آخر في الأعضاء، وصار مستعداً لأن يصير عضواً وأخذ طبيعة عضواً فأعطاه الشرع حكمه، بخلاف دم العروق، فإذا سال عن رأس الجرح علم أنه انتقل من العروق في هذه الساعة، وهو الدم النجس، أمَّا إذا لم يسل علم أنه دم العضو. انتهى.
ويرد عليه، أنه قد يدور السيلان وعدمه على سعة الجرح وضيقه بالحكم، كما أنه كلما سال يتعين أنه دم انتقل إلا من العروق، وكلما لم يسل يتعين أنه دم العضو تكلفها ظاهر. قيل فيه إشكال: وهو أن الآية المذكورة مكية لان سورة الأنعام مكية بالإجماع إلا ثلاث آيات وهي قوله تعالى: (قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ ... إلى قوله: وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً ...... الآية} (الأنعام: 151 – 153). وسورة البقرة والمائدة مدنيتان بالإجماع، وذكر حرمة الدم فيهما مطلق عن قيد المسفوح، فلم لا يكون التقييد منسوخاً بالإطلاق، مع أن المطلق ينسخ المقيد، والعام ينسخ الخاص عندنا
قول: يجوز أن يُجعل من باب حمل المطلق على المقيَّد اتحاد الحكم والحادثة بالإجماع كما هنا، ولا اعتبار في حمل المطلق على المقيد (إذا اتحد الحكم والحادثة بالإجماع) عُلمَ التاريخ أولاً، ثم المراد بقوله: وما ليس بحدث: لقلته ما ليس بحدث مطلقاً نص عليه الزاهدي وبه اندفع ما قيل أنه منقوض بما يخرج من الجرح القائم والرعاف الدايم، وبعض المشايخ اختار قول محمد احتياطاً، وبعضهم قول أبي يوسف لكونه أرفق خصوصاً في حق أصحاب القروح، وقد مرَّ أنه الصحيح.
والناقض للوضوء أيضاً الجنون، هو: سلب العقل.
قال في الهداية: والغلبة على العقل بالإغماء والجنون. يعني ناقض.
قال الشراح: والجنون مرفوع عطفاً على قوله الغلبة، والجر خطأ، لأن العقل في الإغماء مغلوب، وفي الجنون مسلوب. انتهى.
أقول: ليس الجر بخطأ، بل يجوز وفائدة قيد الغلبة فيه للاحتراز عن المعتوه، فإن المجنون قد يطلق في كلام الفقهاء، ثم المراد بالمجنون ما يعرض ويزول، لا المطبق، لأنه بمعزل عما نحن فيه لخروج صاحبه عن دائرة التكليف وهذا القسم من الجنون أشد من الإغماء في تضعيف القوى والاسترخاء. لأن الجنون أقوى من الصحيح.
والسُكْرُ الصحيح في حده:
أن يدخل في مشيته خلل، والإغماء هو: ما يكون العقل به مغلوباً، وقد مرَّ، وهو مرض يُضعف القوي ولا يزيل العقل وسببه: إملاء بطون الدماغ من بلغم غليظ بارد وقهقهة بالغٌ هذا النوع من النواقض ليس بحقيقي ولا بحكمي، فكان القياس أن لا تنقض القهقهة لكن ورد النص فيها على خلاف القياس، فيقتصر على مورده، وهو (ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي في أصحابه، فجاء أعرابي في عينيه سوء فوقع في بئر فضحك بعض من خلفه، فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم صلاته قال: ألا من ضحك منكم قهقهة فليعد الوضوء والصلاة، ومن تبسم فلا شيء عليه).
قال ابن الهمام وغيره: روي حديث القهقة مسنداً ومرسلاً.
فاعترف أهل الحديث بصحته مرسلاً، ومدار المرسل على أبي العالية، وإن رواه غيره، والقهقهة ما يكون مسموعاً عالياً فقط، وحكمه بطلان الصلاة والتبسم لا يبطل شيئاً في صلاة ذات ركوع وسجود، احترز بها عن صلاة الجنازة وسجدة التلاوة خارج الصلاة، والمراد ذات ركوع وسجود، أي أصلها ذات ركوع وسجود، فلو قهقه (فيما يصليه) الإيماء بعذر أو راغباً في النفل أو في الفرض لعذرٍ انتقض وضوءه، وفي قهقهة النائم اختلاف للمشايخ، وعامة المتأخرين على أن النقض احتياطاً.
وقال الزيلعي: الصحيح أن قهقهة النائم لا تبطل الوضوء ولا الصلاة، وتبطل القهقهة وضوءً حصل في ضمن الغسل على الصحيح.
وفي الظهيرية: الباني في الحدث إذا جاءَ متوضئاً وقهقه في الطريق لا يبطل وضوءه وتبطل صلاته.
وقال ابن الهمام: وفي قهقهة الباني في الطريق بعد الوضوء روايتان: فإذا قهقه الرجل بعد ما قعد مقدار التشهد لا يفسد وينقض وضوءه عند زفر لا ينتقض وضوءه أيضاً. ولو قهقه الإمام والقوم بعد القعود قدر التشهد، إن كان قهقهتهم قبل قهقهة الإمام أو معاً انتقض وضوءهم ولا تفسد صلاتهم، لأن ضحكهم حصل في حرمة الصلاة، وصلاتهم تامة، وإن قهقه الإمام أولاً فعلى الإمام الوضوء ولا وضوء عليهم لأنه في حرمة الصلاة، لأن ضحكهم خارج الصلاة لأنهم خرجوا منها لخروج الإمام وصلاة الكل تامة، ولو قهقه الإمام أو أحدث متعمداً بعد القعود قدر التشهد وخلفه مسبوقون فسدت صلاتهم عند أبي حنيفة، وعندهما لا تفسد ويقومون إلى قضاء ما فاتهم، وفي فساد صلاة اللاحق روايتان عن أبي حنيفة.
وفي ابن الهمام: لو قهقه القوم بعد سلام إمامهم بطل وضوءهم.
وجعل في الخلاصة: الأصح أنه لا يبطل.
ومباشرة فاحشة حدَّها أن يتماسا الفرجان:
والألة منتشرة لأنها لا تخلو عن خروج مذي غالباً، فأقيمت مقام الخروج كما في التقاء الختانين، والقياس عدم النقض، إلا بخروج شيء، وهو قول محمد لإمكان الوقوف على الحقيقة، بخلاف التقاء الختانين، وكذا انتقض بالمباشرة بين المرأتين وبين الرجلين، وبين الرجل والغلام.
وفي الينابيع: الفتوى على قول محمد وفي الزاد والنصاب، الصحيح قول محمد.
وفي المضمرات: وهو الأصح.
وفي الغياثية: روي عن أصحابنا أنه لا ينقض ما لم يظهر شيء وهو الصحيح.
لكن قال في الخلاصة (على ما نقله صاحب الجواهر: والصحيح قولهما. ولم أجد هذا التصحيح في الخلاصة) على ما عندي من النسخ.
أقول: وهو المعول عليه في المذاهب كما في سائر المتون، ولو وطئ بهيمة أو ميتة ولم ينزل لا ينتقض كذا في صوم النظم نقله الخراساني في شرح النقاية، ونوم مضطجع ومتكي لزوال المسكة، ومَسند إلى ما لو أُزيل لسقط ضمن الاتكاء من الاستناد، فعداه بإلى وإلا فتعد عينه إنما هي بعلى هذا إذا كان زائل المقعد فينتقض بالاتفاق، وإن لم يكن، قيل: ينقض، والصحيح عدم النقض لأن النوم ليس حدثاً بل سبب الحدث، فأقيم مقامه عند زوال المسكة ولوم المتورك في الصلاة وخارجها ناقض.
قال ابن همام: ولا يخالفه ما في الخلاصة من عدم نقض المتورك لأنه فسره بأن يبسط قدميه ويلصق آليته بالأرض.
وفي الأسرار علله: بأن يكشف عن المقعدة، فهو اشتراك في استعمال لفظ التورك.
وفي الذخيرة: من نام واضعاً آليته على عقبه وصار شبه المنكب على وجهه واضعاً بطنه على فخذيه لا ينتقض وضوءه.
وفي غيرهما: لو نامَ متربعاً ورأسه على فخذيه نقض وهذا خلاف ما في الذخيرة. انتهى.
وفي الظهيرية: لو نام قاعداً فقط إن انتبه قبل أن يصل جنبه إلى الأرض لا ينتقض، وقيل: ينتقض إذا ارتفع مقعده من الأرض، والأول أصح.
في الخلاصة: أن الأول قول أبي حنيفة، والثاني: قول محمد، ولو وضع يده على الأرض، لا ينقض، ولو نام محتبياً ورأسه على ركبتيه لا ينقض، ولو صلى المريض مضطجعاً فنام فالصحيح أنه ينقض، ولو نعس مضطجعاً إن كان نعاسه خفيفاً بحيث يسمع ما يتحدث عنده لا ينتقض.
وفي الخلاصة: لو نام راكباً على السرج والمحمل لا ينتقض وضوء إلا إذا كان مضطجعاً في المحمل، ولو نام على رأس التنور وهو جالس وقد أدلى رجليه، كان حدثاً.
وفي المحيط: لو نام على دابته وهي عريانة يكون حدثاً.
قال الحدادي: وإنما قيدَ بالنوم احترازً عن النعاس، فإنه غير ناقض، والفرق بينه وبين النوم: أنه ما دام يسمع ما يقال عنده أو أكثر فهو نعاس، وإن لم يسمع فهو نوم.
وفي الخلاصة: وإن نام جالساً ولم يتمايل ربما يزول مقعده وربما لا يزول.
قال شمس الأئمة الحلواني: في ظاهر المذهب عن أبي حنيفة أنه لا يكون حدثاً لا نوم، قائم أو قاعد أو راكع أو ساجد سواء كان في الصلاة أو خارجها في الصحيح، إذا نام على هيئة السجود المعتبرة شرعاً لقيام المسكة، وسواء أكان في الصلاة عن تعمد أو لا على
الصحيح، والأصل فيه قوله عليه الصلاة والسلام: (لا وضوء على من نام قائماً أو قاعداً أو راكعاً أو ساجداً، إنما الوضوء على من نام مضطجعاً، فإنه إن نام مضطجعاً استرخت مفاصله}. ولفظ إنما في هذا الحديث حصراً إضافي لا حقيقي، فلا إشكال.
ولا خروج دودة من جرح:
لأنها ليست نجسة متنجسة، والقليل غير ناقض في غير السبيلين أو لحم سقط منه.
قال شيخنا: بالرفع عطفاً على خروج، لما رواه الجماعة عن ابن ماجه عن قيس
ابن طلق عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه سُئل عن رجل مسَّ ذكره في الصلاة، فقال صلى الله عليه وسلم: هل هو إلا بضعة منك}، قال الترمذي: هذا الحديث أحسن شيء يروى في الباب.
(ولا مسُ امرأة) لما في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (كنتُ أنامُ بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجلاي في قبلته، فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي، وإذا قام بسطتها).
وعن عائشة رضي الله عنها أيضاً: (أنه عليه الصلاة والسلام كان يُقبِّل بعض نسائه ولا يتوضأ)، رواه البزار في مسنده بإسناد حسن.
قال ابن السكيت: إذا قرن اللمس بالمرأة يُراد به الجماع.
(فروع)
لو صلى بغير وضوء يكفر، وقيل: إنما يكفر إذا فعل مستخفاً.
وفي الخلاصة في فصل استقبال القبلة: صلى إلى غير القبلة متعمداً فوافق ذلك القبلة، وقال أبو حنيفة: هو كافر بالله وكذا الصلاة بغير طهارة، وكذا الصلاة في الثوب النجس، والمختار أنه يكفر في الصلاة بغير طهارة، ولا يكفر في الصلاة في الثوب النجس، وإلى غير القبلة هذا اختيار القاضي والإمام على السعة، قال: لأن الصلاة في الثوب النجس وإلى غير القبلة جائز حال العذر وأما الصلاة بغير وضوء فلا يؤتى بها بحال، فيكفر.
قال الصدر الشهيد: وبه نأخذ.
من تيقن بالطهارة وشك في الحدث، فهو على الطهارة، ومن تيقن بالحدث وشك في الطهارة فهو على الحدث، فلو شك في خلال الوضوء فعليه غسل ما شك، وإن شك بعد تمام
الوضوء فلا يلتفت ما لم يتيقن، ومن شك في الحدث فهو على وضوئه، ومن كان مُحدثاً فشك في الوضوء فهو على حدثه، لأن الشك لا يعارض اليقين، وإن شك في نجاسة الإناء والثوب، لا بأس باستعماله لأنه تيقن الطهارة وشك في النجاسة، وإن شك أنه صلى أم لا، إن كان في الوقت سعة فالظاهر أنه صلى، ومن شك في طلاق زوجته أو عتق عبده أو أمته، لم يقع طلاق، كذا قال الحدادي وشيخي.
زيادة إن شاء الله:
وفرض الغسل:
قدم الوضوء على الغسل اقتداءً بالكتاب، ولكثرة دوران الوضوء، كأنه كالجزء منه، وقدم ما يرفعه، والترتيب يقتضي تقديم الموجب، لأنه بصدد بيان الطهارة، وكان أصلاً وَذِكْر الموجب استطراداً كذلك الناقض للوضوء، كذا قاله الشارح.
أقول: قد تبعَ المصنِّف صاحب الهداية في هذا الترتيب، وصاحب الهداية تبع القدوري – لكن قدم في الجامع الصغير النواقض على الوضوء.
غسل الفم والأنف:
هما فرضان عملاً لا اعتقاداً، حتى لا يكفر جاحدهما ولهذا قال مالك والشافعي بسنتيهما كما في الوضوء، ولنا أن المأمور به في الوضوء غسل الوجه، وهو ما تقع به مواجهة، ولا مواجهة بداخل الفم والأنف، والمأمور به من الجنابة غسل جميع البدن، فما في غسله جرح كداخل العين يسقط، وما لا حرج فيه يبقى وداخل الفم والأنف لا حرج فيه.
وفي الخلاصة وغيرها: رجل اغتسل ونسي المضمضة لكن شرب الماء على وجه السنة لا يخرج عن الجنابة، وإن شرب على غير وجه السنة يخرج.
وفي واقعات الناطفي: لا يخرج ما لم يمجه، وهنا أحوط.
وفي المحيط عن النوادر: قال محمد: إن كان الماء في الشرب يأتي على جميع فمه أجزأه وإلا فلا، لأن إزالة الجنابة بوصول الماء إليه وسائر البدن – أي بقيته – وقد يجيء السائر بمعنى الجميع، لكن الأول أنسب بهذا المقام كما لا يخفى على ذوي الأفهام، فيجب غسل السرة، وغسل فرج المرأة الخارج.
وفي مجموع النوادر: وتحريك الخاتم سنة إن كان واسعاً وفرض إن كان ضيقاً إن لم يصل الماء تحته، والثقب التي في القرط على هذا.
وفي الظهيرية: من اغتسل وبين أسنانه طعامٌ لا بأس به، لأن بين الأسنان رطبٌ فيصل الماء إلى ما تحته.
وقال البزدوي: يجب غسل ذلك الموضع.
وفي فوائد أبي علي النسفي: لو توضأ الرجل واغتسل وبقي على جسده أو بعض أعضائه خرءُ برغوث أو ذباب، لم يصل الماء تحته، جاز وضوءه.
لا دلك:
أي لا يُفْرَض، بل هو سنة، وقيل: مستحب، وفي رواية عن أبي يوسف: يجب، وكان وجه خصوص صيفة (فاطهروا) فإن تَغفَّل للمبالغة وهو أصله، وذلك بالدلك، كذا في ابن الهمام، وبه سقط كلام الزيلعي، وقيل: لا يجب إدخال الماء جلدة الأقلف، وهو الأصح، فيكون مستحباً، والمصنِّف ضعفه تبعاً للزيلعي في جعله الصحيح الوجوب، وقال في القول الثاني: وهذا مشكل ووجه الإشكال: إعطاؤه في النقض حكم الظاهر، وفي الغسل لما فيه من الحرج، وهو مرفوع، فلا إشكال، كذا في شرح شيخنا.
قال ابن الهمام: الأصح: عدم الوجوب للحرج، لا لكونه خلقة رد على قاضي خان، حيث قال: وإن لم يصل الماء تحت الجلدة يخرج عن الغسل لأن ذلك خلقي.
قال في البدائع: هذا ليس بصحيح إذا لا حرج فيه.
أقول: وكونه خُلقياً لا أثر له فالمعتمد من المذهب الوجوب.
(فروع)
قال ابن الهمام: وتغسل المرأة فرجها الخارج لأنه كالفم فلا يجب إدخالها الأصبُع في قبلها وبه يفتى. انتهى.
وإدخال الماء داخل السرة فرض، وكذا الاستنجاء بالماء عند الغسل لا موضعه من جملة البدن، وإن لم يكن فيه نجاسة حقيقية، لأن فيه نجاسة حكمية وهي الجنابة، وكذا تخليل الأصابع في الاغتسال، والوضوء فرض إذا كانت الأصابع مضمومة، لا يدخلها الماء وكانت منفتحة فهو سنة كما مرَّ، وكذا يفترض إنقاء البشرة – أي غسلها – بإسالة الماء عليها، والبشرة ظاهر الجلد يصفه في الآية ولقوله صلى الله عليه وسلم: (إن تحت كل شعرة خبابة فاغسلوا الشعر وانقوا البشرة}، رواه أبو داود والترمذي وضعفاه.
ولأحمد عن عائشة نحوه، وفيه راوٍ مجهول فإذا كان ضعيفاً، فالآية كافية في الاستدلال (وسنته) أن يقدم غسل يديه أولاً، ليكون متناولاً الماء بآلةٍ طاهرةٍ، ولو قال المص وسنته البداءة أولاً كما ذكر في الوضوء لكن أشمل، (وفرجه) لأنه لا يخلو عن نجاسة غالباً، ونجاسة إن كانت على بدنه لكيلا تشيع النجاسة.
قال الزيلعي: وكان يغنيه أن يقول ونجاسةٌ عن قوله وفرجه، لأن الفرج إنما يغسل لأجل النجاسة.
أقول: كذلك بل إنما يغسل لأجل فعله صلى الله عليه وسلم وهو ما في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: قالت ميمونة: (وضعتُ للنبي صلى الله عليه وسلم غسلاً، فستره بثوب، فصببتُ على يديه فغسلهما، ثم أدخل يمينه في الإناء فأفرغ به على فرجه، ثم غسله بشماله، ثم ضرب بشماله الأرض، فدلكها دلكاً شديداً، ثم غسلهما فتمضمض واستنشق وغسل وجهه وذراعيه، ثم أفرغ على رأسه ثلاث حثيات ملأ كفيه ثم غسل سائر جسده، ثم تنحى فغسل رجليه، فناولته ثوباً فلم يأخذه، فانطلق وهو ينفض يديه).انتهى.
أقول: يُفهم من قولها (فناولته ثوباً فلم يأخذه)، أن التمسيح بالمنديل بعد الغسل ليس بمستحب.
لكن قال في الخلاصة: ولا بأس بالمسح بالمنديل بعد الوضوء والغسل قاله في الفصل التاسع من الحظر والإباحة، قبيل كتاب الصلاة منه.
وفي منية المصلي: يستحب أن يمسح يديه بمنديل بعد الغسل لما روت عائشة رضي الله عنها قالت: (كان للنبي صلى الله عليه وسلم خرقة يتنشف بها بعد الوضوء)، رواه الترمذي وهو ضعيف.
قال المصنِّف في شرح المنية: لكن يجوز العمل بالحديث الضعيف في الفضائل.
والوضوء:
إلا رجليه، استثناء متصل، لأن المعنى: يغسلُ أعضاء الوضوء إلا رجليه، ويمسح رأسه على الصحيح.
قال في الهداية: إنما يؤخر غسل رجليه لأنها في مستنقع الماء المستعمل، فلا يفيد الغسل حتى لو كان على لوح لا يؤخر.
أقول: فلا يفيد الغسل إلى آخره: هذا على تقدير كون الماء المستعمل نجس، وأما على تقدير كون الماء المستعمل طاهراً غير مُطهر كما هو ظاهر الرواية عن أبي حنيفة ومحمد، وعليه الفتوى، فعدم إفادة الغسل غير مسلم، ومن المشايخ من استدل بتأخير النبي صلى الله عليه وسلم الرجلين، وهذا أولى.
وتثليث الغسل:
المستوعب إذ لو لم يكن مستوعباً لكان الجميع فرضاً، لان التثليث سنة بعد الاستيعاب، كما في الوضوء ثم قيل: يبدأ بالمنكب الأيمن، ثم الأيسر، ثم بالرأس، ثم بسائر الجسد، قال بعضهم: وهو الأصح، وقيل: يبدأ بالأيمن ثم بالرأس ثم بالأيسر، وهو ظاهر الهداية وغيرها،
وظاهر حديث ميمونة أيضاً، فينبغي التعويل عليه، ولو انغمس في ماء جاز وإن مكث قدر الوضوء والغسل فقد أكمل السنة وإلا فلا.
ثم غسل الرجلين لا في مكانه:
أي في مكان اغتسل فيه إن كان أي: مكانه في مستنقع الماء، لأن التأخير لذلك وكيفية غسل الرجلين، أن يأخذ الماء بيمينه ويفيض الماء على مقدم رجله اليمنى ولكنهما بيساره فغسلهما ثلاثاً، ثم أفاض الماء على مقدم رجله اليسرى، ولكنها بيساره، والدلك عندنا سنة، كذا في مفتاح السعادة، ولا يجب على المرأة قيد بالمرة، لأن الأحوط في الرجل إذا كان مصغور الشعر العمل بالوجوب.
نقض ضفيرتها ولا بلها إن بل:
قال في الهداية: وليس على المرأة أن تنقض ضفيرتها في الغسل إذا بلغ الماء أصول الشعر، لقوله عليه السلام لام سلمة: (يكفيك إذا بلغ الماء أصول شعرك}، وليس عليهما بل ذوائبها وهو الصحيح، بخلاف اللحية لأنه لا حرج في إيصال الماء إلى ذوائبها. انتهى.
أقول: حديث أم سلمة رواه الجماعة لكن بغير هذه العبارة كما لا يخفى على من تشبع كتبَ الحديث.
قال شيخنا رحمه الله في شرحه: فإن كانت منقوضة يجب غسلها لحديث أم سلمة، لا يقال: حديثها معارض للكتاب، لأنا نقول: مؤدى الكتاب غسل البدن والشعر ليس منه، بل متصلٌ به من حيث الأصول ومنفصل عنه من حيث الأطراف.
فعلمنا بالاتصال في حق الرجال، وبالانفصال في حق النساء دفعاً للحرج، أو نقول: خصَّ من الكتاب مواضع الضرورة، فجاء تخصيصه بخبر الواحد، لأنه لم يَبْقَ قطعيَّاً، لكن لم يسقط الاحتجاج به على الصحيح وما روي من الأحاديث الدالة على وجوب النقض أنها متقدمة على حديث أم سلمة، وكانت للتنظيف لا للتطهير.
وفي القنية: لو وجب غسلٌ على رجل ولم يجد ما يستره من رجال يرونه، يغتسلُ ولا يؤخر، ولو وجب عليه الاستنجاء يتركه، والفرق أن النجاسة الحكمية أقوى من النجاسة الحقيقية، بدليل: عدم جواز الصلاة معهما وإن كانت دون وزن الدرهم، ولو وجب غسل المرأة لا تجد سترة من الرجال تؤخر، ولو كانت لا تجد ستراً من النساء فكالرجل بين الرجال. قال شيخنا في شرحه.
(فروع)
يجوز للجنب الذكر والتسبيح والدعاء.
(وينوب شرب الماء عن المضمضة)
إن أتى على جميع الفم.
أقول: قوله بجواز للجنب الذكر والتسبيح سيأتي في المتن فلا حاجة لذكره هنا. وقوله: وينوب شرب الماء عن المضمضة قد مَّرَ ذكره سابقاً.
وفي محيط السرخسي وغيره: ثمن ماء الغسل والوضوء، هل يجب على الزوج؟ قيل: يجب عليه إن كانت فقيرة، وقيل: لا يجب، قيل: وإن كانت فقيرة يأذن لها أن تنقل الماء، أو يُنقل الماء إليها.
وفي السراج الوهاج: ثمن ماءِ الوضوء على الزوج بالإجماع.
أقول: قوله: بالإجماع سهوٌ من قلم الناسخ لما علمتَ أن المسألة مختلف فيها.
وقال شيخنا: وثمن ماءِ وضوء المرأة وغسلها من الجنابة على الرجل، وإن كانت غنية على الصحيح. انتهى.
ولم أرَ هذا التصحيح لغيره، لكن هو الذي اعتمده قاضي خان من غير تصحيح، وهو تصحيح حسن، وثمن ماء الاغتسال من الحيض إذا انقطع الدم لأقل من عشرة أيام على الزوج، وإن انقطع لأقل عشرة أيام فعليها، لأنه يقدر على وطئها بدون الاغتسال، فكانت هي المحتاجة لأداء الصلاة. وقد ذكرت هذا في شرحي على النقاية.
وفي الخلاصة: إذا أراد الجنب أن يأكل فالمستحب له أن يغسل يديه ويمضمض فاه، وأجمعوا على أنه لو عليهما نجاسة حقيقية يجب عليه إزالتها، وفي الحائض إذا أرادت أن تأكل: تغسل يَديَها، وفي المضمضة اختلاف المشايخ، وفيها أيضاً في باب الغسل: لا بأس للجنب أن ينام ويعاود أهله قبل أن يغتسل أو يتوضأ.
قال شيخنا: ولا يكره معاودة أهله من غير غسل ذكره إلا أن يكون محتلماً، ويجوز نقل البلة من الاغتسال من عضو إلى عضو بشرط التقاطر بخلاف الوضوء، هذا على القول بعدم التجزيء، وقدر ماء الاغتسال صالح، والوضوء مدٌّ على الصحيح فيهما. انتهى.
أقول: المذكور في كتب الفتاوي: وأدنى ما يكفر في الغسل من الماء صالح، وفي الوضوء مُدّ، وهذا التقدير ليس بلازم، لأنه لو أسبغ الوضوء بدون المدّ جاز، وفرض الغسل لا تزال مَنيٍّ من العضو.
قال في الهداية: المعاني الموجبة للغسل: أي العلل الموجبة واختار لفظ المعاني لما تقدم في الوضوء.
قال في النهاية: هذه معانٍ موجبة للنجاسة لا للغسل، فإنها تنقضه فكيف توجبه. وذكر في مبسوط شيخ الإسلام سبب وجوب الاغتسال، أرادت ما لا يحل فغسله بسبب الجنابة عند عامة المشايخ. وَرَدُ بأن الغسل يجب إذا وجدت المعاني المذكورة سواء وجدت الإرادات أو لم توجد، وفيه نظر، كذا قال الأكمل. ولعل وجه النظر أن فايدة الوجوب للأداء وهو أمر اختياري، فأضيف
الوجوب إلى الأداء لهذا المعنى، وعند البعض السبب الجنابة وأورد عليه الحيض والنفاس، ولو زيِدَ، أو ما في معناه لا تدفع، وعلى هذا تكون المعاني الموجبة علة العلة.
ذي دفق:
وهو شرط في الوجوب. (وشهوة) شرط بالاتفاق عندنا، فلو أنزل بحمل ثقيل، أو كسر صُلب لا يجب.
وعند الشافعي: خروج المني كيف ما كان يوجب الغسل.
ولنا: أن الغسل واجب على الجنب بالنص.
وهو في اللغة: من قامت به جنابة، وهي حالة تحصل عند خروج المني على وجه الشهوة، وقوله عليه السلام: (الماءُ من الماءِ}، عام لا يمكن إجراؤه على العموم، فيراد به أخصَّ الخصوص المتيقنة، والمني عن الشهوة مراداً إجماعاً فلم يبقَ مراداً، فالماء جنس خاص وأخص منه بشهوة. قوله: ولا يكره معاودة أهله، هذا مذكور في الدرر والغرر، ولو في نوم عند انفصاله من الظهر، متعلقٌ بشهوة، فلو قُدم كان أولى، أي: بشرط الشهوة عند انفصاله من الظهر عند أبي حنيفة ومحمد.
قال شيخنا: لا عند خروجه من العضو خلافاً لأبي يوسف، لأن الغسل متعلقٌ بالخروج والمزايلة تشترط الشهوة عند الظهور كما شُرّطت عند الانفصال، إذاً الشهوة شرط، فشرط كمالها إذا الأصل في كل فائت كماله، وذا باعتبارها في الحالين. لأنه لو اعتبر في إحداها دون الأخرى، لا يجب الغسل بالشك، ولهما: أنه متى وجب – نظراً – إلى الشهوة عند الانفصال فالاحتياط في الإيجاب، إذاً المعتبر وجود أصل الشهوة لا نهايتها، كذا قال شيخنا، وينبغي أن يقيد من أن المني ماء إذا لم يكن سبب البلوغ، لما قالوا: إن الصبي إذا أنزل بدفق وكان سبب بلوغه لا يلزمه الغسل، ولا خلاف في اشتراط خروجه من العضو وإنما الخلاف في وقت الشهوة، فلو انفصل من الظهر بشهوة ولم يخرج فلا يجب الغسل اتفاقاً، وتظهر ثمرة الخلاف فيمن استمنى أو جامع فيما دون الفرج والدبر على الصحيح، أو احتلم، فلما انفصل عن مكانه أمسك ذكره إلى أن بردت شهوته، ثم خرج بلا شهوة يجب عندهما (لا عنده) ويظهر أيضاً فيما إذا اغتسل قبل أن يبول ويمشي أو ينام ثم خرج مني، يجب إعادة الغسل عندهما لا عنده، فلو كان صلى لا يعيدها اتفاقاً، ولو كان الغسل بعد واحد مما ذكر لا يعيد اتفاقاً. انتهى.
وفي السراج الوهاج: الفتوى على قول أبي يوسف في حق الضيف، وعلى قولهما في غيره، وفرض لرؤية مستيقظ لم يتذكر الاحتلام.
بلالاً ولو مذيَّاً خلافاً له – أي لأبي يوسف – أن الأصل براءة الذمة، فلا يجب إلا بيقين، وهو القياس: ولهما: أن النائم غافلٌ، والمني قد يَرِقُ في الهَوى فيصير مثل المذي، فيجب عليه
احتياطاً، والمرأة مثل الرجل في الأصح، وقيل: إن احتلمت ولم يخرج منها المنيُ إن وجدت لذة الإنزال، وجب عليها الغسل، لأن ماءها ينزل من صدرها إلى رحمها، بخلاف الرجل حيث يشترط الظهور إلى ظاهر الفرج في حقه.
وفي قاضي خان: إذا استيقظ الرجل من منامه، فوجد في طرف إحليله بلة، لا يدري أنها مني أو مذي، فإنه يغتسل إلا أن يكون قد انتشر ذكره قبل النوم، فلما استيقظ وجد البلة هاهنا لا غسل عليه، لأنه إذا كان منتشراً قبل النوم فما وجد من البلة بعد الانتباه يكون من آثار ذلك الانتشار، فلا يلزمه الغسل إلا أن يكون أكثر رأيه أنه مني، فحينئذ يلزمه الغسل، أما إذا كان ذكره ساكناً حين نام تجعل تلك البلة منيَّاً فيلزمه الغسل.
قال شمس الأئمة الحلواني: هذه مسألة كثيرة الوقوع والناس عنها غافلون، فلا بد من حفظها. انتهى.
أقول: فيه إشكال لان المني إذا خرج عن الشهوة سواء أكان في نوم أو يقظته فإنه لا بد من دفقه وتجاوزه عن رأس الذكر أيضاً، فكون البلل ليس إلا في رأس الذكر دليل ظاهر أنه ليس بمني، لا سيما والنوم محل الانتشار بسبب هضم الغذاء وانبعاث الريح، فإيجاب الغسل في الصورة المذكورة مشكل بخلاف وجود البلل على الفخذ ونحوه، لان الغالب أنه مني خرج بدفق ولم يشعر به.
وفي النوادر وغيرها: ولو أفاق السكران والمغمي عليه فوجد مذياً لا غسل عليهما لأنه وجد سبب خروج المذي وهو السكر والإغماء، ولو نام رجل وامرأة في فراش واحد، فلما استيقظا وجدا في الفراش بللاً لا يُعرف من أيهما بأن لا يميز بغلض ورِقة ولا بياض وصفرة، يجب عليهما الغسل، قاله ابن الهمام وصححه صاحب الظهيرية، وقيل: إن كان أصفر فمن المرأة، وإن كان أبيض فمن الرجل. وقيل: إن وقع طولاً فمن الرجل، وإن وقع عرضاً فمن المرأة، والاحتياط أن يغتسلا جميعاً، ولو أتى امرأته ما لم يُنزل لا غسل عليه، ولو جامعها فيما دون الفرج فدخل المني فرجها لا غسل عليها، إلا أذا أُحبلت، فحينئذ يجب عليها، كذا في الخلاصة وغيرها.
وسئلتُ مراراً أنه إذا تحقق الحبلُ وقلتم بوجوب الغسل، هل يجب عليها قضاء تلك الصلاة التي صلتها قبل ظهور الحبل أم لا؟
فأجيب: بعدم قضاء تلك الصلاة، ولم أرَ منقولاً، ثم رأيت مسألة تؤيد جوابي وهي: قال في نظم الزندويستي وذُكر في كتاب مسائل أبي جعفر البخاري: رجل احتلم ولم يخرج منه شيء وتوضأ وصلى ثم خرج منه مني، قال: صلاته جائزة ويغتسل لصلاة أخرى، ولم يحكِ فيه خلافاً. انتهى.
ثم رأيت في الذخيرة خلاف ما أجبتُ به حيث قال: وإذا أحبلت يجب عليها إعادة الصلاة من ذلك الوقت.
وذكر شمس الأئمة الحلواني وقال المصنِّف أيضاً في شرح المنية: تعيدُ ما صلت بعد الجماع قبل الغسل كذا قالوا، ولا شك أنه مبنيٌ على وجوب الغسل عليها بمجرد انفصال منيه إلى رحمها، وهو خلاف الأصح الذي هو ظاهر الرواية.
قال في التتارخانية: وفي ظاهر الرواية يشترط الخروج من الفرج الداخل إلى الفرج الخارج لا غسل عليها، وفي النصاب وهو الأصح.
وفي الخلاصة وغيرها: وإن اغتسلت بعد ما جامعها زوجها ثم خرج منها المني لا يجب عليها الغسل. وإيلاج حشفة أو قدرها في مقطوعها، وإنما قال: إيلاج حشفة، ولم يقل: والتقاء الختانين كما قال غيره، لان التقاء الختانين لا يتصور عن الإيلاج في الدبر في قبل أو دبر آدمي احترازاً عن الحيوان فإنه لا يوجب إلا بالإنزال، كما سيجيء، لو قالت معي جني يأتيني فأجد في نفسي ما أجد إذا جاء معي زوجي، لا غسل عليها لانعدام سببه وهو الإيلاج والإنزال، واحترز به عن الحيوان، فإنه لا يُنزل إلا بالإنزال، كما سيجيء (حيٌّ) أُحترز به عن ميت، فإنه لا يجب إلا بالإنزال لقلة الرغبة، وإن لم يُنزل لأن السببية موجودة في الإيلاج على الكمال، فربما يخفى عليه الإنزال، ولقوله عليه السلام: (إذا التقى الختانان وتوارت الحشفة أنزل أو لم ينزل}، رواه بهذا اللفظ عبدالله بن وهب وابن أبي شيبة.
ومعناه في صحيح مسلم وغيره من حديث عائشة رضي الله عنها: (إذا جلس بين شعبها الأربع ومس الختان الختان فقد وجب الغسل).
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهرها فقد وجب الغسلَ أنزلَ أم لم ينزل}.
وأما قوله عليه الصلاة والسلام: (إنما الماء من الماء}، فقد مرَ الجواب عنه، وقيل إنه منسوخ.
والأحسن في الجواب عنه، أن اللام للعهد الذهني، والماء المعهود بينهم هو الخارج عن شهوة، كيف وقد فسَرتْهُ عائشة رضي الله عنها بالشهوة، واعلم أن التقاء الختانين لا يكون إلا بعد تواري الحشفة كيلا يظن أن المراد من الالتقاء القرب، ولو أدخلت المرأة في فرجها ذكر ميت لا يجب الغسل، إلا بالإنزال.
لكن قال في النهاية: إن ملاقات الفرجِ الفرجَ من غير تواري الحشفة لا يوجب الغسل، ولكن يوجب الوضوء عندهما خلافاً لمحمد وإن كان ذِكْرُ غيبوبة الحشفة من الحديث بقوله: (وغابت الحشفة) لإزالة ذلك التوهم على الفاعل والمفعول به، بشرط التكليف، وإنما تركه لكونه
معلوماً في الأصول، فلو لم يكن المفعول به مكلفاً يجب على الفاعل فقط، وفي عكسه يجب على المفعول فقط.
(فروع)
لو لف على ذكره خرقة وأولج ولم يُنزل، قال بعضهم: يجب الغسل لأنه سمي مولجاً، وقال بعضهم وهو الأصح: إن كانت الخرقة رقيقة بحيث يجد حرارة الفرج واللذة يجب الغسل وإلا فلا، والأحوط وجوب الغسل في الوجهين، ولو أولج الخنثى المُشَّكل ككدهُ في فرج امرأة أو دبرها، فلا غسل عليها، بجواز أن يكون امرأة وهذا الذكر منه زائد، فيصير كأنه أولج أصبعه، وكذا في دبر رجل أو فرج بخنثى مثله، لجواز أن يكونا رجلين والفرجان جائزان منهما، وإن أولج رجل في فرج خنثى مشكل لا يجب عليه الغسل، لجواز أن يكون الخنثى شكلاً والفرج منه بمنزلة الفرج، وهذا كله من غير إنزال، لأنه لو أنزل وجب الغسل بالإنزال.
ولا انقطاع حيض ونفاس:
اعترض على من قال: إن انقطاع الحيض والنفاس موجب للغسل، لان انقطاعها طهر، والطهرُ لا يوجب الإطهار، ويمكن أن يجاب بأن الانقطاع نفسه ليس بطهر وإنما الطهر لحاله المستمرة عقبه ولو سلم، فلما كان الانقطاع لا بد منه في وجوب الغسل إذاً لا فائدة في الغسل بدون نسبة السببية إليه، وإن كان السبب في الحقيقة خروج الدم، أما كون انقطاع الحيض موجباً فلقوله تعالى: (وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ} (البقرة: 222)، بتشديد الطاء، فإن منع الزوجان من القربان الذي هو حقه وجعل الغسل غاية لذلك المنع دليل على وجوب الغسل، وأما كون انقطاع الدم موجباً له فبالإجماع أو القياس على الحيض لا يفرض لمذي (هو بسكون المعجمة وتخفيف الياء وبكسرها وتسديد الياء – ما يخرج عند الملاعبة) من المرأة لقوله عليه السلام: (كلُ فحل يمذي ... ففيه الوضوء} أخرجه أبو داود والإمام أحمد، وما يخرج من المرأة عند ملاعبة زوجها فيسمى القذي – بالقاف والمعجمة المفتوحتين – حكمه حكم المذي، وودي هو ماء غليظ يعقب البول فاعتبر به، فإن قيل: كيف يتصور الوضوء من الودي وهو قد وجب بالبول السابق، فالجواب عنه من وجوه:
إحداهما: أن المراد به نفي الاغتسال.
الثاني: أن وجوب الوضوء من البول لما ينافي وجوبه من الودي دليل أن من حلفَ لا يتوضأ من الرعاف، فبال ثم رِعَف ثم يتوضأ فإنه يحنث، فعلم أن كل واحد منهما موجب للوضوء، وإذا لم يكن الرعاف موجباً لما حنَث، لتقدم البول، إلا أنه يكفرِ مرَّة واحدة من الكل، وكذا لو حلف لا يغتسل من فلانة فجامع غيرها واغتسل حنث، ويكون الاغتسال منها.
والثالث: يتصور فيمن به سلس البول إذا ودي في الوقت، يتوضأ، ويكون وضوئَه من الودي خاصته.
والرابع: يتصور فيمن بال وتوضأ ثم أودى، فإنه يتوضأ من الودي.
واحتلام بلا بلل:
أي يفرض الغسل بالاحتلام بلا بلل، وإيلاج في بهيمة، وكذا الإيلاج في صغيرة لا يجامع مثلها، وهي بنت ست مطلقاً، أو بنت سبع أو ثمان إذا لم تكن عيلة، وقيل يجب، والصحيح عدم الوجوب.
أو ميتة بلا إنزال:
هذا تصريح بما علم من قوله: (ولرؤية مستيقظ)، وقوله: (آدمي) هي للإيضاح على قاعدة المصنِّف حيث قال في الديباجة بعبارة سهلة غير معلقه، فلا يكون الحذف أولى، إذ التصريح أقوى من المفهوم، فإن قيل: إن المفهوم معتبر اتفاقاً كما صرح به صدر الشريعة في باب المهر.
قلت: قال الزاهدي: إنه غير معتبر.
أقول: إنه معتبر إلا أنه أثريٌ لا كلي صرح به في النهاية في كتاب الحدود، وسن الغسل للجمعة والعيدين والإحرام وعرفة، وقال بعضهم: مستحب وهو الأصح، والغسل ليوم الجمعة عند الحسن وعند أبي يوسف للصلاة وهو الصحيح، وتظهر ثمرة الخلاف فيمن اغتسل يوم الجمعة ولم يصلِّ به، وفيمن اغتسل بعد صلاة الجمعة، وفيمن اغتسل قبل الفجر وصلى به الجمعة.
وقال أهل الظاهر: هو واجب لقوله عليه الصلاة السلام: (من أتى منكم الجمعة فليغتسل)، متفق عليه.
قلت: كان ذلك في الابتداء ثم نسخ، أو أن الأمر للندب لقوله عليه الصلاة والسلام: 0من توضأ ليوم الجمعة فبها ونعمت ومن اغتسل فالغسل أفضل)، أخرجه النسائي والترمذي وصححه.
ووجب الغسل للميت، وجوب كفاية، إن قامَ به البعض سقط عن الباقين لقوله صلى الله عليه وسلم للذي سقط عن بعيره: (اغسلوه بالماء)، أخرجاه في الصحيحين.
ثم المفهوم من التعميم أن المراد بالواجب الاصطلاحي الذي هو دون الفرض عندنا والظاهر من الأدلة أنه فرض كفاية، كما صرح به ابن الهمام والسَّروجي وغيرهما، فإذا قام به البعض سقط عن الباقين، لأن المقصود هو قضاء حق المسلم، وقد وجدوا أن ترك إثم كل من علم به قادراً عليه كما في سائر فروض الكفاية، والأولى في الاستدلال على فريضة الكفاية أو وجوبها الإجماع، ثم قِيل سببه حدثٌ حل لاستراخية فوق الإغماء ونجاسته قَلْتْ بالموت كما في سائر الحيوانات، فطهارته بالغسل خاصة لكرامته وكذا ننجس البئر بموته فيها، ولو دفع فيها بعد الغسل لما ينجس ولو حُمِلَ ميْتاً قبل غسله وصلى به لا تصح صلاته بخلاف المُحدْث.
قال السروجي: وقول الجرجاني قول العامة وهو الأحسن. ولو قَدَّم قسم الواجب على السنة لكان أولى، ويجب على من أسلم جنباً، لان الجنابة صفة مستدامة، واستدامتها بعد الإسلام كإنشائها وهو لا يدري كيف يغتسل في حالة الكفر، وقيل: يستحب لأن الكفار غير مخاطبين بفروع الإيمان، والصحيح الأول، بخلاف الكافرة إذا طهرت من الحيض ثم أسلمت لا يجب عليها الغسل، (لأن الحيض غير مستمر، والأحوط الوجوب فيهما.
وقال ابن الهمام: ولا نعلم خلافاً في وجوب الوضوء للصلاة إذا أسلم محدثاً.
وفي الظهيرية: المرأة إذا ولدت ولداً ولم ترَ الدمَ، الأصح أنه يجب عليها الغسل).
(فروع)
الجنب أولى بالماء المباح إذا وجده هو وحائض ومعهما ميت فتيمم الميت والحائض وكذا الجنب أولى من المُحدث إلا ندب. أي: وإن لم يكن جنباً بأن كان طاهراً ندب، ومن الاغتسالات المندوبة الغسل لدخول مكة والوقوف بمزدلفة، ودخول المدينة، ومن غسل الميت، والحجامة، ولليلة القدر إذا رآها، والمجنون إذا أفاق، والصبي إذا بلغ بالسَّن ولسوف واستسقاء، ويكفي غسل واحد للجمعة والعيد إذا اجتمعا، ولا يجوز لمحدث بأحد الحدثين الأصغر والأكبر مس المصحف إلا بغلافه المنفصل – كالخريطة – لا المتصل. لذا أخذ حكمه بالصَّلاة، وكذا ما فيه أية تامة من لوح أو درهم ونحو ذلك، فلو قال: مسَّ ما فيه قرآن لكن أشمل، لما روى الحاكم في المستدرك وقال: صحيح الإسناد: عن حكيم بن حزام قال: لما بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا تمسَّ القرآن إلا وأنتَ طاهرٌ)، في الصحيح، كذا في الهداية. احترازاً عن قول من فسَّر الغلاف بالجلد الذي عليه.
وقال في المحيط: والغلاف هو الجلد الذي عليه في أصح القولين، فقد يعارض الصحيح.
قال المصنِّف في شرح المنية: والذي أخذناه عن المشايخ أنه إذا تعارض إمامان معتبران في الصحيح فقال أحدهما: الصحيح كذا، وقال الآخر: الأصح كذا، قال: أُخذ بقول من قال الصحيح أولى من قال الأصح، لأن الصحيح مقابل الفاسد، فالأصح مقابل إلى الصحيح فقد وافقه من قال الأصح قائل الصحيح على أنه صحيح، وأما من قال الصحيح فهذا الحكم على الآخر فاسد، والأخذ كما اتفقنا على أنه صحيح أولى من الأخذ بما هو عند أحدهما فاسد، فعلى هذا الأخذ بقول صاحب الهداية أولى من الأخذ بقول صاحب المحيط. وأيضاً إذا اجتمع المُحرَّم والمبيح يُرجح المُحرَّم خصوصاً في العبادات، وقال عليه الصلاة والسلام: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك).
وقيل: يجوز مسُّ غير المكتوب من الورق كالأطراف كراهة تحريم، وكره المسَّ بالكم وهو الصحيح، كذا في الهداية، وهو مناسب ما اختاره من عدم الجواز مع الحائل، كالجلد المقشر،
لان الكم تبع للماس ولهذا لو بسط كمه على نجاسة لا يجوز، وكذا لو حلف لا يجلس على الأرض وجلس على ثيابه وهو لابسها يحنث، كذا في النهاية وغيره.
قال المصنف في شرح المنية الكبرى: (يطهر من) مسَّ الجلد المقشور، فإن يسمى ماساً للقرآن لشدُ اتصاله، وبخلاف الجلوس على الأرض. انتهى.
فإن العرف يُسَمْي من جلس على ثيابه من غير حصيد ونحوه جالً على الأرض. انتهى.
أقول: ويؤيد هذا ما في الوجيز لصاحب المحيط: أنه لا بأس بمسه بالكم، لكن المُحرَّم هو المس، وأنه اسم للمباشرة باليد بلا حائل إلى يرى أنه يحل للأجنبي أخذ يد المرأة بحايل ثوب إذا وقعت في طينه ولا تثبت حرمة المصاهرة بالمس بالحائل.
قال صاحب مفتاح السعادة: هذا هو المختار.
أقول: هذا أقوى من جهة العلل وما في الهداية أحوط من جهة التبجيل، ويكره أيضاً للمُحدث ونحوه مسَّ تفسير القرآن وكتب الفقه وكتب السنن، لأنها تخلو عن آيات القرآن، وعلى هذا التعليل يكره أيضاً مسُّ شروح النحو.
لكن في الخلاصة في كتاب الصلاة في الفصل الحادي عشر: وكذا كتب الحديث والفقه عندهما، والأصح أنه لا يكره عند أبي حنيفة. انتهى.
ووجه قول أبي حنيفة وأنه لا يُسمى ماساً للقرآن، لأن ما فيها منه بمنزلة التابع، ولا بأس بمسِّها بالكم خلاف، وكره بعضهم دفع المصحف واللوح الذي فيه القرآن إلى الصبي، والصحيح أنه لا بأس به، لأن في تكليفه الطهارة حرجاً به، ولا بأس بكتابة القرآن إذا كانت الصحيفة على الأرض عند أبي يوسف، لأنه لا يمسَّ القرآن بيده، وإنما يكتب حرفاً حرفاً، وليس الحرف الواحد من القرآن. وقال محمد: أحبَّ إليَّ أن لا يكتب لأنه في حكم الماس للقرآن، ولا يمس الكافر المصحف لكفره، وهو الظاهر، وقيل: لجنابة، ولا يجوز مس درهم فيه سورة كسورة الإخلاص، ولو قال فيه أية لكان أولى بالشمول. ولو عمَّ بما قلناه سابقاً لاستغنى عن ذكر هذه المسألة، وتقيده بالسورة لما أنها كانت على بعض الدراهم، كذا قال شيخنا في شرحه.
إلا بصرته:
لأنها بمنزلة الغلاف، ويكره أن يمسَّ المحْدِثُ بضمه ما عليه سورة من القرآن، لأنه ماسَّ له، ويكره كتابه الآية على الدراهم كما يُكره ما يًبسط ويفرش، وكتابة القرآن على المحاريب والجدران ليس بالمستحب لما يخاف من سقوط الكتابة فتوطأ بالأقدام، ولا يجوز لجنب دخول مسجد، لما روى أبو داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا أحل المسجد لحائض أو جنب}.
وأما الآية: فلا حجة للمخالف فيها للاختلاف في تأويلها إلا لضرورة بأن كان طريقه المسجد لا غيره. ولا يجوز للمحدث قراءة القرآن ولو دون الآية، هذا على رواية الكرخي لقوله عليه السلام: (لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئاً من القرآن)، رواه الترمذي وغيره وهو المختار.
وقال أيضاً صاحب الهداية: في التجنيس ويستوي في القراءة فما دونها هو الصحيح.
وقال في مفتاح السعادة: وهو المختار.
وفي الظهيرية: الأصح أنه لا يقرأ ما دون الآية.
وفي رواية الطحاوي: يجوز ما دون الآية.
وقال في الخلاصة: وإنما يمنع من قراءة آية تامة وما دونها لا يمنع وهو الصحيح. انتهى.
أقول: هذه هو المعتمد لأن النظم والمعنى قاصران فيما دون الآية، ويجري مثله في تجاوزات الناس فتمكث فيه شبهة عدم القراءة، ولهذا لا يجوز به الصلاة، ولا يكفر إن جحد أنه ليس بقرآن، وعلى هذا يكون (من) في قوله شيء من القراءات بيانية لا تبعيضية، وعن أبي حنيفة: أن الجنب إذا غسل يده وفمه لا بأس أن يمس القرآن، والصحيح أنه لا يجوز إلا إذا كانت القراءة على وجه الدعاء والثناء والذكر، فحينئذ تجوز بلا كراهة ويُكره له قراءة التوراة والإنجيل والزبور، لأن الكل كلام الله تعالى.
قال في الخلاصة: كذا روي عن محمد والطحاوي، ولا تسلم هذه الرواية وبه يفتي. انتهى.
فقوله: به يفتي، يظهر منه أنه يفتي بقول الطحاوي المشير إلى عدم الكراهة، لكن الصحيح الكراهة، لان ما بدل منها بعض غير معَّين وما لم يبدل غالب وهو واجب التعظيم والصون، وإذا اجتمع المحرم والمبيح غلب المحرم، وقال عليه السلام: (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك).
ولهذا ظهر فساد قول بعض الشافعية: أنه يجوز الاستنجاء بما في أيدي أهل الكتاب من التوراة والإنجيل، فإنه مجاوزة عظيمة لأن كونها منسوخة لا يخرجها من كونها كلام الله تعالى كالآيات المنسوخة من القرآن، كذا قال المصنِّف في شرح المنية الكبيرة. ولا يكره للمُحْدِث ونحوه قراءة القنوت لأنه ليس بقرآن. وعن محمد: أنه يُكره لأنه شبه القرآن، والصحيح الأول، ويكره دخول الخلاء وفي أصبعه خاتم فيه شيء من القرآن، أو من أسماء الله تعالى لما فيه من ترك التعظيم، وقيل: لا يُكره إن جعل فصه إلى باطن الكف. ولو كان ما فيه شيء من القرآن أو من أسماء الله تعالى في جيبه، لا بأس به، ولو كان ملفوفاً في شيء، والتحرز أولى، ويجوز له الذكر والتسبيح والدعاء لبقائها على أصل الإباحة. والحائض والنفساء كالجنب في جميع ما ذكر من الأحكام.
(فروع)
وتكره قراءة القرآن والذكر في الخلاء والمغتسل والحمام، وعند محمد لا يُكره في الحمام.
وفي الخلاصة في فضل القراءة: لا يقرأ في المخرج والمغتسل والحمام إلا حرفاً حرفاً، وفي الحمام إنما تُكره إذا قرأ جهراً، فإن قرأ في نفسه فلا بأس به، هذا هو المختار، وكذا التسبيح والتحميد، وكذا لا يقرأ إذا كانت عورته مكشوفة أو امرأته هناك تغتسل، وفي الحمام أحد مكشوف العورة.
وفي قاضي خان: إن لم يكن فيه أحد كشوف العورة، وكان الحمام طاهراً لا بأس بأن يرفع صوته بالقراءة، وإن لم يكن كذلك قرء في نفسه ولا يرفع صوته، ولا بأس بالتهليل والتسبيح وإن رفع صوته بذلك، وأما الصلاة في الحمام: إن فيه صورة وتماثيل ويكره، وإن لم يكن فإن كان الموضع طاهراً فلا بأس بذلك، لأنه صلى على موضع طاهر وكثيرٌ من أئمة بخارى كانوا يفعلون ذلك، حتى حكي أن الإمام إسماعيل الزاهد كان يصلي الفريضة بجماعة مع الخادم وغيره في الحمام.
ويُكره للإنسان أن يتنوَّر وهو جنب لما روي: (أن من تنوَّر قبل أن يغتسل جاءت كل شعرة فتقول يا ربه سله لم ضيعني ولم يغسلني)، كذا في التجنيس لصاحب الهداية.
وفي الفتاوي: حوض الحمام إذا اغترف منه رجل وعلى يده نجاسة، إن كان الماء يدخل في أنبوب الحوض والناس يغترفون منه غرفاً متراكماً لم ينجس، لأنه بمنزلة الماء الجاري. وعن أبي يوسف: أن الجنب إذا أتزر في الحمام وصُبَّ الماء على جسده حتى يخرج من الجنابة ثم صبَّ الماء على الإزار يحكم بطهارة الإزار، وإن لم يعصره.
وفي الجواهر: أن الرجلين بالماء البارد بعد الخروج أماناً من الصداع.
(فصل)
هذه طائفة من المسائل تغيَّرت أحكامها بالنسبة إلى ما قبلها غير مترجمة لا بالكتاب ولا الباب، هذه الواو يجوز أن تكون للاستئناف ولا يضر ذكر فصل، والأولى عدم ذكرها.
تجوز الطهارة عند الحدثين الأصغر والأكبر بالماء المطلق وبما يسمى في العرف ماءً من غير احتياج إلى تقييد في ذاته، فإضافته إلى محله كماء البئر إلى صفة كماء المدّ، أو إلى مجاورة كماء الزعفران، ليست بقيدة كماء السماء والعين والبئر والأودية والبحار لقوله تعالى: {وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً} (الفرقان: 48)، وقوله عليه السلام: {خلق الله الماء طهوراً}، وكذا تجوز الطهارة بماء ذاب من الثلج والبّرّد.
وفي الظهيرية: ولو توضأ بالثلج يجوز إن كان الماء متقاطراً، وعن أبي يوسف: يجوز وإن لم يكن متقاطراً، والصحيح قولهما.
ولا يجوز بماء الملح وه (يجمد في الصيف) ويذوب في الشتاء عكس الماء. ويجوز بماء ينعقد به الملح، كذا في عيون المذاهب.
لعل الفرق بينهما أن في الأول انقلب إلى طبيعة أخرى فلا يجوز، وفي الثانية باقي على طبيعته الأصلية، كذا قيل.
فإن قيل: قد جعل ماء العين قسماً لماء السماء وكذا ما عطف عليه، وليس كذلك، بل الجميع ماء السماء لقوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأرْضِ} (الزمر: 21).
قلت: الماء قسميهما على ما نشأ عادة، وإنما جاز به التطهير لقوله تعالى: {وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ} (الأنفال: 11).
قال شيخنا رحمه الله في الشرح: وقيَّدنا بالحدثين لأن التعميم ينافيه جواز تطهير الحدث بما لا يجوز به رفع الخبث، بخلاف التخصيص، لأن كلما يُطهر به الحدث يُطهر به الخبث من غير عكس. انتهى كلامه.
قال شارح الهداية والقدوري كالأكمل وغيره عن كلام صاحب الهداية: الطهارة من الأحداث جائزة، ذكر الإحداث ليس للتخصيص لأن الطهارة من الخبث أيضاً تحصل بهذه المياه، لكن التبويب لا يحصل به الوضوء والغسل، ذكر ذلك حتى قال في النهاية: لما كان هذا الماء مزيلاً للحدث فهو مزيل للخبث بالطريقة الأولى.
قال بعض الفضلاء من طلبة شيخنا: نظر شيخنا أدق وأحق من كلام غيره نظراً إلى قول الماتن الآتي لا لما خرج عن طبع الماء فإن العموم حينئذ لا يناسب المقام كما لا يخفى على ذوي الأفهام، وأن للوصل تغير بطاهر بعض أوصافه كالتراب، والزعفران، والصابون، أو نتن (بالمَكث) وهو بفتح الميم مصدر بمعنى الانتظار، والماضي منه (مَكَثَ) بفتح الكاف وضمها، والاسم منه المُكث بضم الميم وكسرها.
لا تجوز طهارة:
بما خرج عن طبعه وهو الرقة والمري بكثرة الأوراق الواقعة فيه حتى يظهر لون الأوراق في الكف إذا رُفع، هل يجوز الوضوء به، قال: لا يجوز ولكن ذُكر في النهاية أن المنقول عن الأساتذة: أن أوراق الأشجار وقت الخريف تقع في الحياض فيتغير ماؤها من اللون والطعم والرائحة، ثم إنهم يتوضؤن منها من غير نكير أو بغلبة غيره أو بالطبخ، كالأشربة والخل وماء الورد وماء الباقلاء والمرق وإنما لم يقل المصنِّف وتعتبر الغلبة بالإجزاء إلا باللون في الأصح كما قاله في المجمع، لأن عبارات ساداتنا أولي الألباب مختلفة في هذا الباب.
فقال في الهداية: والغلبة بالإجزاء لا بتغير اللون هو الصحيح.
وفي الينابيع: لو وقع الحمص أو الباقلاء وتغيَّر لونه وطعمه ورائحته يجوز الوضوء به، فإن طُبخ فهو على وجهين: إن كان قد ثَخُنَ لا يجوز به الوضوء، وإن كان لم يثخن ورِقة الماء باقية جاز كذا في التجنيس.
وأشار القدوري: أنه إذا غيَّر وصفين لا يجوز الوضوء به. وعن أبي يوسف: ماء الصابون إذا كان ثخيناً قد غلب على الماء لا يتوضأ به، وإن كان رقيقاً يجوز، وكذلك ماء الأشنان ذكره في الغاية، ونقل بعضهم في اعتبار الغلبة خلافاً بين أبي يوسف ومحمد، فأبو يوسف يعتبر بالإجزاء ومحمد باللون، وفي المحيط عكسه، والأول أثبت.
فإن صاحب الأجناس نقل قول محمد نصاً: فقال محمد في الماء الذي يطبخ فيه الريحان والأشنان إذا لم يتغيَّر لونه حتى يحمر بالأشنان أو يوّد بالريحان وكان الغالب عليه الماء، فلا بأس بالوضوء به. محمد يراعي لون الماء وأبو يوسف اعتبر غلبة الإجزاء هذا هو الصحيح، لأن الماء متى غلبت أجزأه على غيره فهو مستهلك في الماء، فصار تبعاً للماء، ومتى كان الماء مقلوباً بالماء ومستملك في غيره كذا في التجنيس.
ولا بأس بالوضوء بماء السيل مختلطاً بالطين إن كان رقة الماء غالبةً، فإن كان الطين غالباً فلا يتوضأ، وصرَّح في التجنيس: بأن من التفريغ على اعتبار الغلبة بالإجزاء قول
الجرجاني: إذا طُرح الزاج في الماء حتى اسوَّد وطرح العفص في الماء جاز الوضوء به وإن اختلط بعضه ببعض، إن كان لم يُنْقَشْ إذا كتب جاز به الوضوء، والماء هو الغالب، وإن كان ينقش إذا كتب لا يجوز والماء هو المغلوب، هذه عبارات التجنيس لصاحب الهداية.
قال الزيلعي: هكذا جاء الاختلاف في هذا الباب كما ترى، فلا بد من ضابط وتوفيق بين الروايات، فنقول: إن الماء إذا بقي على أصل خليقته، ولم يَزًل عنه اسم الماء جاز الوضوء به، وإن نزل وصار مقَّيَّداً لم يَجُزْ، والتقيد بأحد أمرين إما بكمال المتمزج أو بغلبة المقترج، وكمال الامتزاج بأحد أمرين، إما بالطبخ بعد خلطه بشيء طاهر لا تُقصِد به المبالغة في التنظيف أو بتشرب النبات بحيث لا يخرج منه إلا بعلاج، وإن كان يخرج بغير علاج لم يكمل امتزاجه، جاز الوضوء به. كالماء الذي يَقْطُرُ من الكرم، وغلبة المتمازج تكون بالاختلاط من غير طبخ ولا بترُّبِ نباتٍ، ثم هذه المخالط له، لا يخلو إما أن يكون جامداً أو مائعاً، فإن كان جامداً، فما دام يجري على الأعضاء فالماء هو الغالب، وإن كان مائعاً فلا يخلو أن يكون مخالفاً للماء في الأوصاف كلها (من اللون والطعم والرائحة) أو في بعضها أو لا يكون، فإن لم يكن مخالفاً له في شيء منها كالماء المستعمل على قول من يقول إنه طاهر على ما هو الصحيح وغيره من المائعات التي لا تخالف الماء في الوصف تُعتبرُ بالأجزاء، وإن كان مخالفاً له فيها، فإن غيَّر الثلاث أو
أكثرها لا يجوز الوضوء به، وإلا جاز، وإن خالفه في وصف واحدٍ أو في وصفين تعتبر الغلبة من ذلك الوجه كاللبن مثلاً يخالفه في اللون والطعم، فإن كان لون اللبن أو طعمه هو الغالب فيه لم يَجُزْ الوضوء به، وإلا جاز، وكذا ماء البطيخ يُخالفه في الطعم فتعتبر الغلبة فيه بالطعم، فعلى هذا ينبغي أن يُحمل ما جاء منهم على ما يليق به، فيُحمل قول من قال: إن كان رقيقاً يجوز الوضوء به وإلا فلا، على ما إذا كان المخالط له جامداً، ويحمل قول من قال: إن غيَّر أحد أوصافه جاز الوضوء به، على ما إذا كان المُخَالط له يخالفه في الأوصاف الثلاثة، ويحمل قول من قال: إذا غيَّر أحد أوصافه لا يجوز الوضوء به، على ما إذا كان يخالفه في وصفٍ واحدٍ أو وصفين، ويحمل قول من اعتبر بالأجزاء، على ما إذا كان المخالط لا يخالفه في شيء من الصفات، فإذا نظرت وتأملت وجدت ما قاله الأصحاب لا يخرج عن هذا، ووجدت بعضها مصرحاً به وبعضها مشاراً إليه. انتهى كلامه رحمه الله.
لكن قال العلامة ابن همام بعد نقل كلامه: والوجه أن يخرج من الأقسام ما خالفه جامداً فسلبَ رقته وجريانه لأن هذا ليس بماءٍ مقيَّد والكمال منه، بل ليس بماء أصلاً فما يشير إليه صاحب الهداية في المختلط بالأشنان بقوله: إلا أن يغلب فيصير كالسويق لزوال اسم الماء عنه. انتهى.
أقول: هذا مخرج من مفهوم كلامه ومنطوق نظامه الحمد لله الذي وفقني لجميع هذا النظام، فإنه من مزال الأقدام.
ولا تجوز الطهارة بماء قليل وقع فيه نجاسة، لما روى أبو داود وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يبولن أحد في الماء الدائم ولا يغتسل فيه من الجنابة).
والغسل عن الجنابة لا يغير لوناً ولا طعماً ولا ريحاً، فلولا أن الماء تنجسه لوقوع النجاسة لم يكن لهذا النهي فائدة، ولا فصل في الحديث بين دائم وغير دائم، أي بين أن يكون قلتين أو لا يكون، فهو على العدم إلا أن يصير في حكم الجاري، والذي في حكمه ما لا يخص بعضه إلى بعض كالحوض الكبير وبهذا التقدير اندفع ما يقال الاستدلال بإطلاق الحديث حجة عليكم، لأن الغدير العظيم ماء دائم يدخل تحت العموم، فإن قيل النهي يحتمل التنزيه، قلنا: مطلقه يوجب التحريم، وفساد العمل شرعاً ما لم يكن غديراً لا يتحرك طرفه المتنجس بتحريك طرفه الآخر.
قال في الهداية والقدوري: الغدير العظيم الذي لا يتحرك أحد طرفيه بتحريك الطرف الآخر إذا وقعت نجاسة في أحد جانبيه جاز الوضوء من الجانب الآخر، لأن الظاهر أن النجاسة لا تصل إليه إذ أثر التحريك في السراية فوق أثر النجاسة. انتهى.
قال الحدادي وغيره: التحريك عند أبي حنيفة يعتبر بالاغتسال من غير عنف، لا بالوضوء، لأن الحاجة إلى الاغتسال في الغدران أشَدُّ من الحاجة إلى التوضؤ، لان الوضوء يكون في البيوت غالباً. وعند أبي يوسف يعتبر باليد، لأن هذا أدنى ما يتوصل به إلى معرفة الحركة، وعند محمد بالتوضؤ، وصحح في الوجيز والمحيط قول محمد، لأن الاحتياج إلى التوضؤ أكثر من الاحتياج إلى الاغتسال فكان الاختيار فيه أولى، لأنه أمرٌ متوسط بين التحريك باليد وبين الاغتسال.
وقال الكرخي: المعتبر أكثر الرأي إن كان أكثر رأيه أن النجاسة تخلص إلى هذا الموضع، فإنه لا يتوضأ منه، وقيل: ينجس بالصَّبغ، بأن يلقى فيه صبغ مقدار النجاسة ثم ينظر إن نفذت إلى الجانب الآخر فهو صغير وإن لم ينفذ فهو كبير، والمعتبر من الحركة الارتفاع والانخفاض، لا موج الماء، لان الموج يكون وإن كثر الماء لو اضطرب الماء الذي وقعت فيه النجاسة بالريح أو بغيرها يجوز الوضوء به، لأن النجاسة اختلطت بجميعه وضاعت فيه.
وقول صاحب الهداية والقدوري: جاز الوضوء من الجانب الأخر، فيه إشارة إلى تنجس موضع الوقوع (سواء أكانت النجاسة مرئية أو غير مرئية، وهو اختيار أهل العراق، وعند مشايخ خراسان وبلخ إن كانت مرئية كذا قال العراقيون، وإن كانت غير مرئية يجوز التوضؤ من موضع الوقوع) وهو الأصح لأن غير المرئية لا تستقر في موضع وقوعها، بل تنتقل وتتلاشى باضطراب الماء حتى لو تيقن بالنجاسة فيه لا يتوضأ منه، كذا في المحيط والوجيز لصاحب المحيط.
قال شيخنا العلامة رحمه الله: أقول: في عبارة المتن قصور من وجهتين: الأول: لاقتضابها بأن الماء المذكور قليل وليس كذلك، فإنهم اعتبروا كثيراً وجعلوه كالجاري لا يتنجس بطهور أثر النجاسة. الثاني: أن طرق وقوع النجاسة متنجس مطلقاً وليس كذلك، فإن المروي عن أبي يوسف جواز التوضؤ من جميع جوانبه مرئيَّة كانت أو غير مرئية، غير أن المتن على ما أخذ به مشايخ العراق وعليه صاحب المبسوط والبدائع، وجعله صاحب الكنز الأصح، وقيل: يتنجس موضع الوقوع إن كانت مرئية وإلا فلا، وإن أحد مشايخ بلخ وبخارى. انتهى كلام شيخنا.
أقول: الجواب من المقصود الأول بما يأتي من كلام المصنِّف حيث قال: فإنه كالجاري، وعن الثاني: أن المصنِّف رحمه الله تعالى مشى على ما هو الأصح كما اعترف به نفسه كما ذكر الزيلعي في شرح الكنز.
فتأمل، وعبارة شرح الكنز هذه حيث قال: وذكر الكرخي، كلما خالطه النجس لا يجوز الوضوء به وإن كان جارياً، وهو الصحيح، أو يكن عشراً في عشر، هذا تفسير آخر للغدير.
وفي شرح الوقاية لصدر الشريعة: قال محي السنة رحمه الله: التقدير بعشرٍ في عشرٍ لا يرجع إلى أصل شرعي يعتمد عليه.
قول: أصل المسألة أن الغدير العظيم الذي لا يتحرك أحد طرفيه بتحريك الطرف الآخر، إذا وقعت النجاسة في أحد جوانبه، جاز الوضوء في الجانب الآخر، ثم قدر هذا بعشرٍ في عشرٍ، وإنما بناء على قوله صلى الله عليه وسلم: (من حفر بئراً فله حولها أربعون ذراعاً)، فيكون له حولها من كل جانب عشرة أذرع، ففهم من هذا أنه إذا أراد أن يحفر في حريمها بئراً يُمنع، لأنه ينجذب الماء إليها وينقص الماء في البئر الأول، وينجس ماؤها ولا يمنع، وإن أراد أن يحفر بالبالوعة يمنع أيضاً لسراية النجاسة إلى البئر الأول، وينجس ماؤها ولا يمنع فيما وراء الحريم، وهو عشرة في عشرة، فعلم أن الشرع اعتبر العشر في العشر في عدم سراية النجاسة، حتى لو كانت تسرى حكم بالمنع.
أقول: قياس سراية الماء بعضه لبعض على سرايته في الأرض من مكان إلى آخر قياس مع الفارق كما لا يخفى على أحد.
وقوله: لأن حريم البئر عشرة أذرع من كل جانب، هذا قول البعض، والصحيح أنه أربعون من كل جانب على ما سيأتي، والصحيح من مذهب أبي حنيفة وهو ظاهر الرواية أنه مفوض إلى رأي المتوضئ إن غلب على ظنه بحيث تصل النجاسة إلى الجانب الآخر لا يجوز الوضوء منه، وإلا جاز، وهذا هو الأليق بأصل الإمام أبي حنيفة، وهو عدم التحكم بتصدير فيما لم يرد فيه تقدير شرعي، واختاره الكرخي وصاحب الغاية والينابيع وجماعة.
وقال شمس الأئمة: الظاهر التحري والتفويض إلى رأي المبتلى من غير تحكم بالتقدير وهذا هو الأصح.
وقال أبو عصمة: كان محمد رحمه الله يقول: فيه عشراً في عشرٍ ثم رجع عنه إلى قول الإمام وقال: لا (أقدر فيه) شيئاً.
ولكن قال المصنِّف في شرح المنية: وعامة المتأخرين سهَّلوا الأمر واختاره أبو سليمان الجرجاني، وهو عشرة أذرع طولاً وعرضه كذلك، فيكون وجه الماء مائة ذراع وجوانبه أربعين ذراعاً إن كان مربعاً، أما وإن كان مدوَّراً فالأكثرون اعتبروا جوانبه ثمانية وأربعين.
وقال ابن الهمام: ستة وأربعون وفي الملتقط يعتبر ستةً وثلاثين وهو الأصح، إن قطرها عشرة أذرع وإنما نقص من كل زاوية ذراعاً من الجانبين من كل جانب نصف ذراع، فيبقى ستة وثلاثون ذراعاً، كذا قيل، وعمقه ما لا ينحسر الأرض بالغرف.
قال في الهداية: وهو الصحيح.
وفي الخلاصة: وعليه الفتوى، وقيل: بقدر ذراع، وقيل: بشبر، واختلفوا في
التقدير بالعشرة، هل هو بذراع المساحة أو بذراع الكرباس.
فاختار في الهداية ذراع الكرباس – سعة للأمر على الناس وهو ست قبضات بغير أصبعه قائمة كذا ذكر شيخنا وابن الهمام، وجعله اللولوالجي في فتاواه سبع قبضات فقط. واختاره قاضي خان في فتاواه ذراع المساحة وهو سبع قبضات بأصبع قائمة في القبضة الأخيرة، وقيل: في كل قبضة، والتقدير بذراع المساحة أليق بالممسوحات، لكن ذراع الكرباس أقصر ليكون أيسر، وفي المحيط الأصح أن يعتبر في كل زمان ومكان ذراعهم، وتبعه صاحب الكافي وغيره، فإنه كالجاري يعني: إذا كان غديراً وهو (أي الجاري) ما يذهب بتْبِنةٍ.
قال في الدرر والغرر: واختلف في الماء الجاري فاختير هاهنا مختار الهداية والكافي، وهو ما يذهب بتبنة.
أقول: عبارة الهداية: والجاري ما لا يتكرر استعماله، وقيل: ما يذهب بتبنةٍ. انتهى.
وقيل: ما يعده الناس جارياً وهو الأصح، ذكره في البدائع والتحفة (¬1)، فتجوز الطهارة به ما لم يرَ أثر النجاسة فيه، وهو طعم أو لون أو ريح، هذا إذا كانت النجاسة غير مستقرة فيه بان بال شخص أو كسر خابية خمرٍ في الفرات فيجوز له أن يتطهر به ما لم يظهر الأثر، فلو كانت مستقرة كجيفة يعتبر في المنع جري أكثر الماء عليها وكذا النجاسة في السطح إذا كان أثر أكثر ماء المطر جارياً عليها يمتنع الوضوء منها، وإلا فلا، وإن كانت في الميزاب فلا يجوز، وإذا لم يظهر الأثر.
قال صدر الشريعة: كل ماءٍ ضعيف الجريان إذا توضأ به يجب أن يجلس بحيث لا يستعمل غسالته، أو يمكث بين الغرفتين مقدار ما يذهب المسألة، هذا مبني على نجاسة الماء المستعمل، فينبغي مثل هذا ولا يفتي به، لأن الماء المستعمل طاهر غير طهور على الصحيح من المذهب كما سيجيء.
حوض صغير يدخل الماء فيه من جانب ويخرج من جانب آخر:
يجوز الوضوء من جميع جوانبه، وعليه الفتوى من غير تفصيل بين أن يكون أربعاً في أربعٍ، أو أقل، فيجوز، أو كثر فلا يجوز، ولو كان للماء طول، وليس له عرض، إن كان له، ضُمَّ طوله إلى عرضه يصير عشراً في عشرٍ يجوز التوضىء منه، ولا يتنجس بوقوع النجاسة فيه.
وفي المحيط: حوض فيه عصير وهو عشرٌ في عشرٍ فوقع البول فيه لا يفسده كالماء، وفي الأصل ويتوضأ من الحوض الذي يخاف أن يكون فيه نجس ولا يتيقنه وليس عليه أن يسأل ولا يدع التوضىء منه حتى يتيقن بالنجاسة، ولا بأس بالوضوء من حيث يوضع في الدار ويشرب منه ما لم يعلم أنه نجس، ويكره للرجل أن يختص لنفسه إناء يتوضأ منه ولا يتوضأ منه غيره.
¬
(¬1). السمرقندي، تحفة الفقهاء، مصدر سابق، ج 1، ص 56.
وفي فوائد الرستغفني: التوضىء من الحوض أفضل من التوضىء من النهر، لأن أهل الاعتزال لا يرون التوضىء من الحياض جائزاً، فنحن نتوضأ رغماً لهم.
قال ابن الهمام: وهذا إنما يفيد الأفضلية لهذا العارض ففي مكان لا يتحقق الاجتماع فالتوضىء من النهر أفضل.
وفي الواقعات: البول في الجاري مكروه، وأما في الراكد فحرام.
أقول: الظاهر أن الحرمة في الماء الراكد القليل وأما الراكد الكثير الذي في حكم الجاري فالبول مكروه كما لا يخفى، والماء المستعمل طاهر غير طهور، هذا بيان حكمه وقدَّمه على بيان وصفه وسبب ثبوته له ردفت ذلك لأنه أهم والمختار وبه قال محمد وهو ظاهر الرواية عن أبي حنيفة.
قال فخر الإسلام: وهو المختار.
وقال في التقريب: هو الصحيح.
وقال الصدر حسام الدين: وعليه الاعتماد.
وقال الاسبيجابي: وعليه الفتوى.
وقال في الخلاصة: الصحيح إنه طاهر وعليه الفتوى.
وقال في المفيد: هو الصحيح.
وقال في الكافي: إنه ظاهر الرواية عن أبي حنيفة وعليه الفتوى.
وذكر في التحفة (¬1) والبدائع (¬2) وغيرهما: أن مشايخ بلخ حققوا الخلاف بين أصحابنا، ومشايخ العراق قالوا: إنه طاهر غير طهور بين أصحابنا بلا خلاف وهو اختيار المحققين من مشايخ وراء النهر، ودليل الطهارة ما روى البخاري رضي الله عنه عن جابر
رضي الله عنه قال: (مرضت فأتاني النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه وهما ماشيان فوجداني أُغمي عليَّ فتوضأ النبي صلى الله عليه وسلم ثم صبَّ وضوءَه عليَّ فأفقت، فقلت: يا رسول الله كيف أصنع في مالي كيف أقضي في مالي؟ فلم يجبني بشيء حتى نزلت آية المواريث).
وروى البخاري أيضاً من حديث أبي جحيفة قال: (أتيتُ النبي صلى الله عليه وسلم وهو في قبة حمراء من أدم، ورأيتُ بلالاً أخذ وضوء النبي صلى الله عليه وسلم والناس يبتدرون ذاك الوضوء، فمن أصاب منه شيئاً يمسح منه ومن لم يصب منه شيئاً أخذ من بلل يد صاحبه).
¬
(¬1). السمرقندي، تحفة الفقهاء، مصدر سابق، ج 1، ص 78.
(¬2). الكاساني، بدائع الصنائع، مصدر سابق، ج 1، ص 67.
وذكر في الفتاوي إن انتصح من غسالة الجنب في الإناء لا يفسد الماء، وأما إن سال فيه سيلاناً فإنه يفسده، وعلى هذا حوض الحمام، وعلى قول محمد وهو المختار: لا يفسده ما لم يغلب عليه.
قال الشيخ قاسم: إذا عرفت هذا لم يتأخر الحكم بصحة الوضوء في الغساقي الموضوعة في المدارس عند غلبة الظن بغلبة الماء المستعمل، أو وقوع نجاسة في الصغار منها، فإن قلتَ: إذا تكرر الاستعمال هل يجمع ويمنع؟ قلتُ: الظاهر عدم اعتبار هذا المعنى في النجس فكيف بالطاهر؟
قال في المنتقى: قومٌ يتوضئون صفوفاً على شطِ نهر جارٍ فكذا في الحوض، لأن حكم الحوض في حكم الماء الجاري. انتهى كلامه.
قال ابن الهمام: حوضان صغيران يخرجُ الماءُ من أحدهما ويدخل في الآخر فتوضأ في خلال ذلك جاز لأنه جارٍ، وكذا إذا قطع الجاري من فوق وقد بقي جري الماء كان جائزاً أن يتوضأ بما يجري في النهر.
وذُكر في فتاوى قاضي خان في المسألة الأولى وقال: والماء الذي اجتمع في الحفيرة الثانية فاسد، وهذا مطلقاً إنما هو بناء على كون المستعمل نجساً، وكذا كثير من أشباه هذا، فأما على المختار من الرواية أنه طاهر غير طهور فلتُحفظ ليُفرع عليها، ولا يُفْتى بمثل هذه الفروع. انتهى كلامه.
وعن الإمام: أنه نَجسٌ مغلظ، لأن النجاسة الحكمية فوق الحقيقية بدليل عن القاضي أبي حازم العراقي أنه كان يقول: إنا نرجو أن لا نثبت نجاسة الماء المستعمل عن أبي حنيفة، وهو اختيار المحققين من مشايخ ما وراء النهر.
وقال في المحيط: وهو الأشهر الأقيس، وعن أبي يوسف مخفف للاختلاف الواقع فيه، وهو ما استعمل لقربة أو لرفع حدَّث خلافاً لمحمد في الثاني، فلو توضأ غير المحدث بنية التبرد لا يكون الماء مستعملاً اتفاقاً، ولو توضأ المحدث بغير نيَّة أو بنية التبرد يكون الماء مستعملاً عندهما ليدفع الحدث، ولا يكون مستعملاً عند محمد لعدم نيَّة القربة.
وفي النوادر: ولو غسل يده للطعام أو منه، صار الماء مستعملاً لأنه أقام به قربة، ولو غسل يده من الوسخ لا يصير مستعملاً لعدم إزالة الحدث وإقامة القربة.
وفي الزيلعي: ولو غسل الطاهر شيئاً من بدنه غير أعضاء الوضوء كالفَخِذِ والجَنْبِ بنيَّة القربة، قيل: يصير مستعملاً كأعضاء الوضوء، وقيل: لا يصير مستعملاً، ولو توضأ الصبي يصير الماء مستعملاً، ويصير مستعملاً إذا انفصل عن العضو وهو الصحيح، لأن سقوط حكم
الاستعمال قبل الانفصال للضرورة، ولا ضرورة بعده، كذا في الهداية، وقيل: قائله النسفي في كنزه، إذا استقر في مكان.
وفي الخلاصة: المختار أنه لا يصير مستعملاً ما لم يسكن عن الحركة في مكان وبه أفتى الإمام المرغيناني.
أقول: الأولى الاعتماد على ما في الهداية وهو المذكور في الظهيرية والمحيط: ولو انغمس جنب في البئر ولم يكن غديراً بلا نيَّة غسل إذا لو نواه فسد الماء اتفاقاً، فقيل: الماء والرجل نجسان عند الإمام أما الماء فنجاسته بملاقاة أو عضو منه، وأما الرجل فلبقاء الحدث.
وقال في المجمع: الأصح أن الرجل طاهر، لأن الماء لا يعطي له حكم الاستعمال قبل الانفصال والماء المستعمل عنده، لأنه أزيل به حدث.
قال في الهداية وغيرها: وهذا وفق الروايات عند الإمام وعند أبي يوسف هما بحالهما، أي: الرجل نجس لأنه لم يزل حدثه لاشتراطه في إزالة الحدث الصب إذا لم يكن جارياً أو في حكمه والماء لم تزل طهوريته لأنه لم يزل حدثاً، والماء طهور لعدم نيَّة القربة وهذا إذا لم يكن على بدنه نجاسة، وعند محمد: الرجل طاهر لزوال حدثه والماء طهور لعدم نيَّة القربة، ولو أدخل المحدث أو الجنب أو الحائض الذي طهرت اليد في الإناء للاغتراف لا يصير الماء مستعملاً للحاجة، كذا في ابن همام وغيره.
قال ابن همام: واعلم أن ما ذُكر في الخلاصة من كونه يصير مستعملا بالإدخال للتبرد محمله ما إذا كان محدثاً، أما إن كان متطهراً فلا، إذ لا بد عند عدم ارتفاع الحدث من نيَّة القربة لثبوت الاستعمال، وكذا إطلاق ثبوت الاستعمال بغسل اليدين قبل الطعام وبعده وهو أقرب في هذا.
وموت ما يعيش في الماء:
الصحيح أنه لا فرق بين الموت في الماء أو الإلقاء فيه بعد الموت، ولا بين الماء وباقي المائعات، كذا في الزيلعي والمصنِّف في شرح المنية: لا بنجسه لأن ميتته طاهرة، والمراد ما يتولد فيه ولا يدخل فيه الأوز والبط كالسمك لأنه لا دم فيه، وما يخرج منه ليس بدم، بدليل أنه لا يسوَّد عند التشمس.
وفي الهداية: أنه لا فرق بين الضفدع البري والبحري والضفدع المائي هو الذي بين أصابعه سترة بخلاف البري.
وفي الخلاصة: الضفدع لا يفسد إلا إذا كان بريَّاً وهو كبير، فإن كان صغيراً لا يفسد، وكذا موت ما لا نفس له سائلة، لأن النجس الدم ولا دم له كالبق والذباب والزنبور والعقرب.
لما روى البخاري وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه ثم لينزعه، فإن في إحدى جناحيه دواء والأخرى شفاء).
(وكل إهاب) الإهاب: الجلد قبل الدباغ وما بعد الدباغ فيسمى أديماً دبغ بما يمنع النتن والفساد كالقرط والعفص وهي الدباغة الحقيقية كالترتيب والتشميس والإلقاء (في الريح) لا بمجرد التجفيف، فقد طهر وحل الانتفاع به لقوله عليه الصلاة والسلام: (أيما إهاب دبغ فقد طهر)، رواه الترمذي وصححه.
ولا يُتَعارضُ بقوله عليه الصلاة والسلام: (ولا تنتفعوا من الميتة بأهاب)، لأنه اسم لغير المدبوغ إلا جلد الآدمي وإن طهر لا يحل الانتفاع به لكرامته، ولو قَدَّم الخنزير كان أولى كما وقع في الهداية والكنز، مقام الامتهان يُقدم المُهان، والخنزير لا يطهُر لنجاسة عينه، فلا يحل الانتفاع به لقوله تعالى: {أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ} (الأنعام: 45). والضمير إلى المضاف إليه لقربه مع صحة عود إلى المضاف لكن المقام مقام الاحتياط وهما فيما قلت.
فإن قيل: المضاف إليه غير مقصود فلا يعود الضمير على نحو رأيت بن زيد وكلمته.
أجيب: بأن عودة إلى المضاف إليه سائغ من غير نكير نحو قوله تعالى: {وَاشْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} (النحل: 114). واختلف روايات المبسوط في الكلب، ذكر في باب الحدث، إن جلد الكلب يطهر بالدباغ عندنا، وذكر في باب الوضوء والغسل، والصحيح في المذهب عندنا أن عين الكلب نجسه.
ولكن قال في المحيط والصحيح: أن الكلب ليس بنجس.
وقال في الهداية: وليس الكلب بنجس العين ألا ترى أنه ينتفع به حراسة واصطياداً.
أقول: وهو الذي عليه المتون فينبغي أن يعوَّل عليه.
قال العلامة ابن الهمام: وفي فتاوى قاضي خان: فروع عليه: منها وقع الكلب في بئر تنجس، أصاب فمه الماء أو لم يصب ولو ابتل فأصاب ثوباً أكثر من الدرهم أفسده. واختلف المشايخ في التصحيح، والذي يقتضيه هذا العموم طهارة عينه ولم يعارضه ما يوجب نجاستها فوجب أحقية تصحيح عدم نجاستها فيطهر بالدباغ ويُصلى عليه ويتخذ دلوا للماء. والفيل طاهر العين فيطهر جلده بالدبغ كالسبع، وعند محمد نجس العين لا يطهر كالخنزير.
وفي النوادر: عن محمد إذا صلح مصارين شاة ميتة أو دبغ مشافتها أو أصلحها طهر، ألا ترى أنه يتخذ منها الأوتار والكرش إذا كان يقدر على إصلاحه كما في المثانة يظهر، وقال أبو يوسف: الكرش لا يطهر كاللحم لأنه وإن يبس يعود لحماً.
وفي الظهيرية: وجلد الحية نجس وإن كانت مذبوحة لأن جلدها لا يحتمل الدباغة وقميص الحية طاهر قال ذاك شمس الأئمة الحلواني.
لكن قال الزيلعي: وأما ما لا يَحَتْمِلُ الدَّبَاغَ مثل جلد الحية الصغيرة والفأرة لا يطهر بالدباغ كاللحم. فتأمل.
قالوا: وما يطهر جلده بالدباغ طهر بالذكاة الشرعية لأنها مانعة لتشرب الجلد الرطوبات كما أن الدباغ رافع للرطوبات، وكذا يطهر لحمه لأن الجلد يطهر بالزكاة واللحم متصل به، فلا يكون نجساً وإن لم يؤكل لأن الطهارة لا تستلزم حل الأكل كالتراب.
قال في الهداية: الصحيح طهارة لحمه.
وقال في المحيط: هو الصحيح في المذهب ومختار الكرخي والتحفة.
وقال الزيلعي وتبعه ابن همام: وقال كثير من المشايخ: يطهر جلده بها ولا يطهر لحمه كما لا يطهر بالدباغ وهو الصحيح.
وفي الكافي: اللحم النجس في الصحيح وكلام صاحب الكافي مخالف لما ذكره في الذبائح.
أقول: اعتمد من المذهب نجاسة اللحم، وقول المصنِّف: وقالوا إلى آخره، لا يخلو عن نظر لأنه لا يفيد تضعيف طهارة الجلد، واللحم بالذكاة على اصطلاحه، حيث قال في الديباجة: وكلما قدرته بلفظ قيل: فهو مرجوع بالنسبة إلى ما ليس كذلك، وإن كان مقروناً بالأصح ونحوه، ولو قال: وقالوا كذا يطهر لحمه وإن لم يؤكل لكان أصوب. فليتأمل.
وشعر الميتة:
غير الخنزير وأما الخنزير فجميع أجزائه نجس العين خلافاً لمحمد في شعره، كذا قاله الزيلعي، وعظمها وعصبها وقرنها وحافرها طاهر لأن الحياة لا تحلها بدليل عدم الألم بإيصال المؤلم إليها ووجود الألم في بعضها لاتصاله باللحم والعروق وما لا يحلها الحياة لا يحلها الموت، والمراد بإحياء العظام في النص ردَّها إلى ما كانت عليه في بدن حيّ حسّاس أو أصحاب العظام لأن العظم وحده لا حياة فيه ولا روح له، والموت هو زوال الحياة ولا يتحقق في العظم نفسه، كذا قيل، وكذا شعر الإنسان وعظمه وإن لم يحل الانتفاع به لكرامته، ولذا أفرد بالذكر، فتجوز الصلاة معه وإن جاوز قدر الدرهم.
وفي الكافي: أعاد سنه جازت صلاته، وإن زاد على الدرهم. قال محمد رحمه الله: لا يجوز لأن ما أبيّن من الحي ميت وكان هذا مجرد وضع النجاسة. وقال أبو يوسف: يجوز لأنها إذا وضعت مكانها جعل كأنها لم تزل.
فإن قيل: أليس أن عظم الإنسان طاهر عندنا فأنى يتصور الخلاف.
قلنا: على ظاهر المذهب وهو الصحيح لا يتصور الخلاف، وهذا الخلاف على الرواية التي جاءت أن عظم الإنسان نجس. انتهى.
ولا فرقَ بين جواز الصلاة بين إعادة سنه وسن غيره على الصحيح، وبهذا يظهر ما في معراج الدراية وشرح الوقاية لابن فرشتا: من أنه إذا أعاد سن غيره تفسد الصلاة اتفاقاً.
وبول ما يؤكل نجس نجاسة مخففة خلافاً لمحمد فإنه طاهر عنده فيشرب مطلقاً ولا يشرب عند أبي حنيفة ولو للتداوي لأنه نجس، والتداوي بالطاهر الحرام كلبن الأتان لا يجوز فما ظنك بالنجس، كذا في شرح شيخنا آخذاً عن الزيلعي.
وفي منية المصلي: لبن الأتان نجس في ظاهر الرواية عن أصحابنا الثلاثة.
وروي عن محمد في النوادر: أنه طاهر ولكن لا يؤكل وهو الصحيح.
قال المصنِّف رحمه الله في شرح المنية: لم أرَ تصحيحه لغيره.
بل قال في الهداية: وكذا لبنه وعرقه لا يمنع جواز الصلاة وإن فحش.
قال في الكفاية: هذا في العرق بحكم الروايات الظاهرة صحيح وأما في اللبن فغير صحيح، لان المذكور في الكتب نجاسة لبن الحمار.
وذكر شمس الأئمة السرخسي في المبسوط في تعليل سؤر الحمار فقال: وكذا اعتبار سؤر بعرقه يدل على طهارته واعتبار سنه يدل على نجاسته.
وذكر في المحيط: ولبن الأتان نجس في ظاهر الرواية، وروي عن محمد أنه طاهر ولا يؤكل.
وذكر التمرتاشي عن البزدوي: يعتبر فيه الكثير الفاحش هو الصحيح أنه نجس نجاسة غليظة لأنه حرام بالإجماع.
وفي فتاوي قاضي خان في طهارة لبن الأتان روايتان. انتهى.
والذي يقتضيه هو ما ذكره شمس الأئمة، لأن الحرمة لا للكراهة، فكون أية النجاسة وليس فيه ضرورة كما في السَّنَّور فيكون نجساً نجاسة غليظة كبوله خلافاً لأبي يوسف، فإنه يجوز شربه للتداوي وإن كان حراماً لقصة العرنيين، ولأبي حنيفة قوله عليه الصلاة والسلام: (استنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه)، وأنه يستحيل إلى نتن وفساد وأما قصة العرنين فمنسوخة أو علم النبي صلى الله عليه وسلم الشفاء خاصاً.
ونافحة المسك:
إن كانت بحال لو أصابها الماء لم تفسد فهي طاهر، والأصح أنها بكل حال، ومن الذبيحة طاهرة بالاتفاق، وكذا قال الزيلعي: والمسك طاهر حلال، كذا في الخانية، وزاد قوله حلال لأنه لا يلزم من الطهارة الحلّ كما في التراب.
فصل:
وتنزح البئر:
أي: ماؤها لوقوع النجس ما لم يكن عشراً في عشرٍ إلا إذا تغير الماء. والقياس في البئر إما أن لا تظهر أصلاً لاختلاط النجاسة بالأوحال وتنجس الحيطان ويُعسر غسلها وإخراجها ولا تنجس اعتباراً بالجاري كحوض الحمَّام، إذا الماء ينبع من أسفلها ويؤخذ من أعلاها، وقد قال محمد: اجتمع رأي ورأي أبي يوسف أن ماء البئر في حكم الجاري، ولكن ترك علماء القياس للآثار، ولهذا قيل: مسائل الآبار مبنية على اتباع الآثار حتى إذا خرج الواجب منها حُكم بطهارة أحجارها وطينها وجميع ما فيها ودلوها ورشاها وبكرتها ويد النازح، لا نبجو بغير رطباً كان أو يابساً صحيحاً كان أو منكسراً، وروث وحشي ما لم يستكثر الناظر في المروي عن أبي حنيفة وعليه الاعتماد كذا في الهداية، ولو بعَّرت لشاة في المحلب بعرةً أو بعرتين، قالوا ترمى البعرة ويشرب اللبن لمكان الضرورة، ولا يعفى القليل في الإناء على ما قيل لعدم الضرورة، وعن أبي يوسف إنه بمنزلة البئر في حق البعرة والبعرتين، ولا بخرء حمام أو عصفور، فإنه (أي الخرء) طاهر بالإجماع على اقتنائها في المساجد، ورد الأمر بتطهير المساجد، وكذا خرء ما لا يؤكل من الطيور على الأصح، وإذا عُلم وقت الوقوع أي وقوع حيوان مات في البئر حُكم بالتنجس من وقته - أي من وقت الوقوع -، وإلا - أي وإن لم يُعلم فمن يوم وليلة - إن لم ينتفخ الواقع أو لم يتفسخ، يعني في حق الوضوء حتى يلزمهم إعادة الصلاة إذا توضئوا منها، وأما في حق غيره، فإنه يُحكم بنجاستها في الحال من غير إسناد، لأنه باب وجود النجاسة في الثوب حتى إذا غسل الثوب من مائها لا يلزم إلا غسلها على الصحيح، كذا قال الزيلعي، وذكر الانتفاخ والتفسخ لأنه لو اكتفى بالتفسخ يتوهم أن المدة في الانتفاخ أقل لأنه دونه، ولو اكتفى بالانتفاخ يتوهم أن مدة التفسخ أكثر لأنه فوقه.
قال شيخنا: ومن ثلاثة أيام ولياليها إن انتفخ أو تفسخ لأنه دليل التقادم، فقدَّر بالثلاث، لأنه أدنى الكثير، وكذا لو دفن الميت بلا صلاة يصلي على قبره إلى ثلاثة أيام، ولا يصلي بعدها لأنه يتفسخ، وعدم الانتفاخ دليل على قرب العهد، فقدرنا بيوم وليلة، لأن ما دون ذلك ساعات يعسر ضبطها، وقال: يحكم بتنجيسه من وقت الوجدان، لأن اليقين لا يُزال بالشك، فلا يلزم إعادة فرض أدى بالوضوء من مائها، إلا إذا علم زمن الوقوع، كمن رأى في ثوبه نجاسة أكثر من قدر الدرهم، ولم يدرِ متى أصابه، كذا في شرح شيخنا، ولو وجد في ثوبه نجاسة أكثر من قدر الدرهم ولم يدرِ متى أصابته، فلا يعيد شيئاً من صلاته بالاتفاق وهو الصحيح، لأن الثوب شيء طاهر يَطلعُ صاحبه أو غيره على إصابة النجاسة، فإذا لم يشعر به هو ولا غيره، علم أنها أصابته للحال، ولا كذلك البئر لأنها غاية مخفية عن الأعين، لا يدري ما فيها.
وقال المعلى على قياس من قول أبي حنيفة: إن كانت رطبة أعاد صلاته يوماً وليلة، وإن كانت يابسة أعاد ثلاثة أيام ولياليها.
وفي نوادر ابن رستم: لو رأى في ثوبه منيَّاً أعاد الصلاة من آخر نومة نامها فيه لأنه يتيقن أنه صلى فيه، وإن كان الثوب قد لبسه غيره فالنطفة والدم سواء لا يلزمه الإعادة حتى يتيقن، ولو فتق جبة فرأى فيها فأرة ميتة ولم يعلم متى دخلت، فإن لم يكن للجبة ثقب يعيد الصلاة من يوم ندف القطن فيها، وإن كان في الجب ثقب يعيد الصلاة ثلاثة أيام ولياليها عند أبي حنيفة كما في البئر عشرون دلواً على سبيل الوجوب وسطاً وهو ما كثر استعماله في تلك البئر إلى ثلاثين استحباباً بموت فأرة أو عصفور أو سام أو برص، هذا إذا لم تكن مجروحة ولا متنجسة، والأربعة كالواحد عند أبي يوسف، والخمسة كالدجاجة إلى التسعة والعشرة كالشاة، وعن محمد: الفأرتان إذا كانا كهيئة الدجاج يُنزع أربعون، كذا في شرح شيخنا وأربعون وجوباً إلى ستين استحباباً نحو حمامة أو دجاجة أو سؤر، بالشرطين المذكورين.
قال في الهداية وفي الجامع الصغير: أربعون أو خمسون وهو الأظهر والاثنان كالشاة، ولو كان مع الهرة فأرة، فالحكم للهرة وكله بنحو كلب أو شاة أو آدمي، أو انتفاخ حيوان أو تفسخه ولو صغيراً لانتشار البلة النجسة في الماء.
وفي المحيط: الحيوان الواقع في البئر إذا خرج حياً وإن كان نجس العين كالخنزير ينجس الماء، وفي الكلب روايتان بناء على أنه نجس العين أو لا، والصحيح أنه ليس بنجس العين، وإن كان آدمياً أو مأكول اللحم وليس على بدنه أو مخرجه نجاسة لم ينزح شيء لأنه طاهر في ظاهر الرواية، وإن كان على مخرجه نجاسة نزح كله.
وذكر القدوري: إن كان الآدمي محدثاً نزح أربعون دلو، وإن كان جنباً نزح كله لأن حكم الحدث أخف من الجنابة فتقض في النزح، وإن كان من سباع الوحش أو الطير فالصحيح أن البئر لا ينجس، وإن كان حماراً وبغلاً لا يصير الماء مشكوكاً فيه، لأن بدنها طاهر، لأنها خلقت لاستعمالنا، وإنما تصير نجسة بالموت، هذا كله إذا لم يصل الماء شيء من اللعاب، فإن وصل إليه اعتبر بسؤره، فإن طاهراً فالماء طاهر وإن كان نجساً فنجس، وإن كان مشكوكاً فمشكوكاً، وينزح جميعه، وإن كان مكروهاً فمكروه، ويستحب نزحه وإن وقع آدمي ميت في البئر قبل الغسل تنجس لأنه نجس، وإن وقع بعد الغسل لا ينجس إلا أن يكون كافراً، لأن غسل المسلم شُرع للتطهير، ولهذا تعلق به شرعي، وهو جاوز الصلاة عليه، فصار كما لو لم يغسل، وروى الحسن عن أبي حنيفة: أن السقط إذا وقع في الماء أفسده، وإن غسل لأنه لا يصلى عليه، فكان في حكم الكافر.
وفي الخزانة: ثمانية أشياء لو انغمست في الماء وأُخرجت منه يُنزح الماء كله: البغل، والحمار، والخنزير، والفهد، والنمر، والأسد، والذئب، وإن لم يكن نزحها نُزح قدر ما فيها بتخمين
رجلين لهما بصارة بأمر الماء، فإذا قدَّراه بشيء وجب نزح ذلك القدر وهو الأصح والأشبه بالفقه لكونها نصاب الشهادة الملزمة، كذا في الزيلعي. ويفتي بنزح مائتي دلو إلى ثلاثمائة، وهو المروي عن محمد.
وفي الغنية والخلاصة وعليه الفتوى: وما زاد على الوسط احتسب به حتى لو نزح بدلو عظيم مرَّة مقدار الواجب جاز، وكان الحسن بن زياد يقول: لا يجوز لأن في التكرار مع النبع من أسفله حكم الجاري، وقيل: يعتبر في كل بئر دلوها، هذا تفسير الدلو الوسط وهو الراجح، وقيل: دلو يسع صاعاً.
(فروع)
لو صب دلواً من بئر نجس بموت حيوان في بئر طاهر ينزح المصبوب، وقدرها بقي من الواجب بعد ذلك من الثانية في رواية أبي حفص وفي رواية أبي سليمان قدر الباقي فقط، والأول أصح، فلو صبّ الدلو الأخير نزح دلواً اتفاقاً، فلو كان المصبوب فيه نجساً فأي الواجبين كان أكثر أغنى عن الأقل، فإن كانا متساويين يكفي أحدهما.
وفي الدرر ومجمع الفتاوي: يعفي عن تقاطر بول مثل رأس الإبرة فيها، ولو غار بئر نجس ثم عاد كذا في شرح شيخنا.
وفي قاضي خان: بئر بالوعة جعلوها بئر ماءٍ، إن جُعلت أوسع وأعمق مقدار ما تصل إليه النجاسة، كان طاهراً وإن كانت حُفرت أعمق ولم تُجعل أوسع من الأولى فجوانبها نجس وقعرها طاهر.
بئر تنجس الماء ثم عاد، الصحيح أنه طاهر، ويكون ذلك بمنزلة النزح وكذا بئر وجب نزح عشرون ولو نزح عشرة فلم يبقَ فيها الماء، ثم عاد لا ينزج فيه شيء، وينبغي لأن يكون بين بئر البالوعة وبين بئر الماء مقدار ما لم يصل النجاسة إلى بئر الماء، وقدر في الكتاب بخمسة أذرع أو سبعة، وذلك غير لازم، إنما المعتبر عدم وصول النجاسة وذلك يختلف بصلابة الأرض ورخاوتها.
ثم لمّا بيّن أحكام البئر شرع يبيَّن أحكام السؤر فقال: وسؤر الآدمي جنباً كان أو حائضاً أو نفساء، أو كافراً ما لم يكن شرب أثر شرب الخمر، والفرس وما يؤكل لحمه.
أفرد الفرس بالذكر لاختلاف في سؤرها، في رواية هو نجس، وفي رواية مكروه كراهة تحريم لما صححه صاحب الهداية في لحمه هكذا حمله البعض، وكراهة تنزيه كما صححه البعض في لحمه، وفي رواية هو مشكوك فيه، وفي رواية أنه طاهر بلا كراهة وهو الصحيح المعتمد من المذهب، لأن كراهة اللحم لكرامته وشرفه لكونه آلة الجهاد، وطاهر لان المخلوط بالماء اللعاب
وقد تولد من لحم طاهر، وسؤر الكلب والخنزير وسباع البهائم نجس لنجاسة لحمها، ومنه يتولد اللعاب، وهو المعتبر في الباب.
وسؤر الهرة ما لم تكن شربت أثر أقل نجس، والدجاجة المخلاة وهي التي تأكل القاذورات وسباع الطيور وسواكن البيوت كالحية والفأرة مكروه، أما الهرة فلسقوط النجاسة بعلة الطوف فبقيت الكراهة.
وأما الدجاجة المخلاة لمخالطتها النجاسة، وأما سباع الطيور لأنها تأكل الميتات، وعن أبي يوسف: أنها إذا كانت يعلم صاحبها أنه لا قذر على منقارها لا يكره، واستحسن المشايخ هذه الرواية، لان الملاقي للماء منقارها وهو عظم جاف لا لسانها بخلاف سباع البهائم، وأما سواكن البيوت فلما قلنا في الهرة وسؤر البغل إذا كانت أمه حمارة، فلو أمه فرساً فحكمه حكم الخيل والحمار مشكوك فيه.
وكان الشيخ أبو طاهر الدبَّاس يُنكر هذه العبارة ويقول: لا يجوز شيء من أقوام الشرع مشكوكاً فيه، بل هو محتاطٌ فيه، وفي النوازل يُحل ما شربَ منه الحمارُ.
قال ابن مقاتل: لا بأس به.
وقال أبو الليث: هذا خلاف قول أصحابنا، ولو أخذ اثنان بهذا القول أرجو أن لا يكون به بأس، والاحتياط أن لا يشرب والأصح أن الشك في طهوريته، واختلفوا في سبب الشك، فقيل: تعارض الأدلة في إباحته وحرمته، ورد بأن الثابت حينئذ الحرمة، وقيل: لاختلاف الصحابة رضي الله عنهم، وَرَدَ بأن الاختلاف لا يوجبه كما لو أخبر عدلان أحدهما بطهارة الماء والآخر بنجاسته يتهاتران ويعمل بالأصل. وهو طهارة الماء والصواب عند شيخ الإسلام أن سبب الشك التردد في تحقيق الضرورة المسقطةُ للنجاسة فإنه يربطُ في الأفنية ويشرب من الإجانات المستعملة، فالنظر إلى هذا العذر من المخالفة تسقط نجاسة سؤره التي تقتضي نجاسة حرمة لحمه الثابتة، وبالنظر أنه لا يدخل المضائق كالهرة والفأرة، يكون مجانباً لا مخالطاً فلا تسقط. فلما وقع التردد في الضرورة وجب تقرير الأصول، فالماء كان طاهراً فلا ينجس بما لم يتحقق نجاسته، والسؤر بمقتضى حرمة لحمه نجس، فلا يحكم بطهارته ولا يتنجس الماء بوقوعه فيه، يتوضأ به إن لم يجد غيره، ويتيمم ليخرج عن العهدة بيقين، والمراد: أن لا تخلو الصلاة الواحدة عنها دون الجمع، حتى لو توضأ بسؤر حمار وصلى ثم أحدث يتيمم وأعاد تلك الصلاة خرج عن العهدة وأيا قدم جاز، والأفضل تقديم الوضوء، وقال زفر: لا يجوز إلا التقديم.
(فروع)
اختُلف في النيَّة في الوضوء بسؤر الحمار، والأحوط أن ينوي، وعرق كل شيء كسؤره في الأحكام المذكورة، لأنهما يتولدان من اللحم، فأخذ أحدهما حكم صاحبه لا يرد علينا كون سؤر
الحمار والبغل مشكوكاً مع أن عرق الحمار طاهر، لأن حكم العرقِ ثبت بالحديث المخالف للقياس وهو: (أن النبي صلى الله عليه وسلم ركب الحمار محرورياً والحُرحُر الحجاز والثقل ثقل النبوة).
وإنما قلنا إنه مخالف للقياس لأن القياس يقتضي أن يكون عرقه نجساً لتولده من اللحم النجس، قلنا معنى ما سبق كونه طاهر البدن حكماً بمعنى أن ما يلاقيه من المائعات لا يكون نجساً لضرورة الاستعمال وهو لا ينافي كون باطنها نجساً لانتفاء الضرورة بالنظر إليه، وإن لم يوجد إلا نبيذ التمر تيمم ولا يتوضأ به عند أبي يوسف، وبه يفتي وهو الصحيح المحمول عليه من المذهب لأن أبا حنيفة رحمه الله رجع إلى قول أبي يوسف قبل موته عملاً بآية التيمم.
فإن قلت: أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ به ليلة الجن، يتيمم.
قلت: هو منسوخ بآية التيمم إذ هي مدنية وعند الإمام يتوضأ به ولا يتيمم لحديث ليلة الجن، وعند محمد يُجمع بينهما لأن الحديث فيه اضطراب لأن مداره على أبي زيد وكان نباذاً، أو على فزارة وهو مجهول جهالة توجب الجمع احتياطاً وإلا قائل الثلاثة مروية عن أبي حنيفة، وأما الاغتسال فقد قيل يجوز عند أبي حنيفة، وصححه في المبسوط اعتباراً بالوضوء، وصُحح في المفيد أنه لا يجوز الاغتسال به لأنه فوق الوضوء.
أقول: وأما على قول أبي يوسف المفتى به فلا يجوز الاغتسال به كما لا يخف ولا يجوز التوضأ بما سواه من الأنبذة جرياً على القياس خلافاًٍ للاوزاعي واختلفوا فيه النبيذ الذي يجوز به الوضوء قال: النبيذ الماء الذي ألقي فيه ثمرات فصار حلواً ولم يزل عنه اسم المال وهو رقيق يجوز الوضوء به بما لا خلاف بين أصحابنا وإن طبخ أدنى طبخه يجوز الوضوء به حلواً كان أو مسكراً قال: وهو الأصح.
المنازع فيه المطبوخ الذي زال عنه اسم الماء وفيه وبعد.
وقال صاحب الهداية: وإن غيرته النار فما دام حلواً فهو على هذا الاختلاف فعند أبي حنيفة يجوز التوضىء به لأنه يجوز شربه عنده وهذا ينافي ما ذكره هو بنفسه في باب الماء الذي يجوز به التوضىء فإنه قال هناك: فإن لم يتغير بالطبخ بعدما خُلط به غيره لا يجوز الوضوء به لأنه لم يبق في معنى المنزول من السماء إذ النار غيرته.
وذكر صاحب المبسوط: أن المسكر منه لا يجوز الوضوء به لأنه حرام وإن كان مطبوخاً فالصحيح أنه لا يتوضأ به إذ النار قد غيرته حلواً أو مشتداً كالمطبوخ الباقلاء. وهو اختيار أبي طاهر الدبوسي.
قال في المحيط: وهو الأصح قال العبد الضعيف وهذا وافق الروايات، لأنه بالطبخ كمل امتزاجه وكمال الامتزاج يمنع إطلاق اسم الماء عليه , وقد مر في موضعه كذا في الزيلعي.
(فرع)
إذا قلنا يجوز التوضىء به فلا يجوز إلا بالنية كالتيمم لأنه بدل عن الماء حتى لا يجوز عند وجود الماء وينقض به إذا وجد، ذكره القدوري في شرحه عن أصحابنا.
باب التيمم
وهو في اللغة: القصد. واختلفت عباراتهم في تعريفه شرعاً، والأحسن عندي أنه استعمال الصعيد بمسح الوجه واليدين على قصد إزالة الحدث والمراد من الاستعمال ما يتناوله لكن القصد شرط لأن النية والتيمم مخصوص بهذا الأمة يدل عليه أحاديث شتى. يتيمم المسافر لقوله تعالى: (أَوْ عَلَى سَفَرٍ} (البقرة: 184). ويتيمم أيضاً من هو خارج المصر هذا القيد بناءاً على الغالب لا الاحتراز عن المصر لأن عادم الماء يتيمم، كذا في الأسرار.
وقيل: لا يجوز لغير المسافر فنقول: من هو خارج المصر ولهذا أبعده عن الماء ميلاً، وهو في الصحاح: الميل من الأرض مد البصر.
وفسر أبو شجاع الميل بثلاثة آلاف ذراع وخمسمائة إلى أربعة آلاف ذراع.
وفي الينابيع: الميل ثلاثة فراسخ، والفرسخ اثنى عشرة ألف خطوة، فكل خطوة ذراع ونصف بذراع العامة، وهو أربع وعشرون أصبعاً.
وعن الكرخي: إن كان في موضع يسمع صوت أهل الماء فهو قريب أمامه يعتبر ميلين، وإن كان يمينه أو يساره أو خلفه فميل واحد، عن أبي يوسف: إن كان بحال لو اشتغل به تذهب القافلة تغيب عن بصره يكون بعيداً، وإن كان على العكس فهو قريب، كذا في المحيط.
وفي الهداية: الميل هو المختار في المقدار، أو لمرض خاف زيادته باستعمال الماء كما في الجدري، والحصبة، أو بالتحرك كما في البطون، والمشتكى من العرق المدني، فإن عجز عن استعماله فوجد من يعينه عليه أو على التحول إلى القبلة أو عن الفراش النجس، جاز عند أبي حنيفة، إن كان المعين خيراً أو منكوحةً، خلافاً لهما، وإن مملوكاً اختلف المشايخ على قول وقيل: إن أعانه بلا بدل لا يجوز التيمم اتفاقاً، والفرق أن المنكوح إذا مرضة لا يجب أن يوضيها ويتعاهدها بخلاف المملوكة، أو بطأ برأته يجوز أن يكون معطوفاً على مرض على مرض أو زيادة جراً ونصباً، لأن شرعية التيمم للمريض إنما هو لدفع الحرج عنه وحرج يتحقق بالاشتداد والامتداد، كذا قال شيخنا في شرحه، أو لخوف عدو حال بينه وبين الماء أو سَبُع كذلك، ولو اكتفى بذكر العدو لكن أخصر، ولو تيمم في كله، لخوف البق، أو المطر، أو الحر الشديد، جاز، وكذلك لو خاف من ضياع الأمانة، كذا في القنية، والكلمة هو شيء كالخيمة، وقوله البعد المراد به الناموس، أو عطش رقيقة أو دابة أو كلبة في الحال أو الاستقبال.
وفي الظهيرية: إذا كان معه ماء يحتاج إليه لاتخاذ المرق لم يجز له التيمم.
وفي المحيط عن الفتاوي: الماء الموضوع في الفلاتي في الجب ونحو، لا يمنع جواز التيمم، لأنه لم يوضع للوضوء غالباً، وإنما وضع للشرب، إلا أن يكون كثيراً، فيستدل بكثرته على أنه وضع للشرب والوضوء جميعا.
وفي الخلاصة: رجل في البادية معه ماء زمزم في قمقمه، وقد رصّص القمقم، لا يجوز له التيمم، والحيلة أن يهبها لغيره ويسلمها إليه.
أقول: لا بد أن يهبه على وجه ينقطع الرجوع، ثم يودعها الموهوب منه، أو يجعل فيه ماء الورد، أو ماء الزعفران، حتى يصير مقيداً.
وفي المحيط عن النوادر: قال أبو يوسف في جنب، وميت، وامرأة طهرت من حيضها، ومعهم من الماء ما يكفي أحدهم، فإن كان الماء مباحاً فالجنب أحق به، لأن غسله فريضة، ويكون إماماً، ويتيمم الميت، وإن كان لهم جميعاً، فلا ينبغي لواحد منهم أن يغتسل به، لأن للميت فيه نصيباً، وينبغي أن يصرف نصيبهما إلى غسل الميت ويتيمما.
وفي الظهيرية: قال عامة المشايخ الميت أولى، وقيل الجنب أولى، وهو الأصح، وأما إن كان لأحدهم فهو أولى، أو لفقد آلة يستخرج بها الماء، ولو مندياً يصل إلى الماء، أو شاشاً، أو ثوباً يصل إلى الماء، وهو طاهر ما كان من جنس الأرض، يتعلق يتيمم وهو ما لا ينطبع ولا يترمد بالنار، كالتراب، والرمل، والنورة، والجص، والكحل، والزربيخ، والحجر، والمغرة، والكبريت، والملح الجبلي لا المائي، والأرض السبخة والمحترقة في الأصح، والفيروز، والعقيق، والبلخش، والياقوت والزمرد، لا المرجان واللؤلؤ، لأن أصلها ماء، وكذا المصنوع منها كالكيزان والجفات والزبادي، إلا أن تكون مطليه بالدهان، والآجر المشوي على الصحيح، إلا إن اختلط به ما ليس من جنس الأرض، كذا أطلق فيما رأيت، مع أن المسطور في فتاوي قاضي خان: التراب إذا خالطه ما ليس من أجزاء الأرض يعتبر فيه الغلبة، وهذا يقتضي أن يفصل في المخالطة للبن بخلاف المشوي، لاحتراق ما فيه بما ليس منه من أجزاء الأرض، كذا في ابن الهمام.
وفي الخلاصة: واختلفوا في الجبلي فإن كان عليه غبار لا يجوز وكذا إن لم يكن عليه غبار عند أبي حنيفة وعندهما لا يجوز والأصح الجواز.
قال شمس الأئمة الحلواني: الأصح أنه لا يجوز سواء أكان مائياً أو جبلياً وأجمعوا على أنه يجوز التيمم بالرماد.
قال قاضي خان: لأنه من أجزاء الشجر.
وقال صاحب مجمع الفتاوي في الإشارات: سمعت عن أبي حنيفة إن كان الرماد من الحطب لا يجوز، وإن كان من الحجر يجوز، لأنه من أجزاء الأرض، وقد رأيت في بعض بلاد تركستان أن حطبهم الحجر، وما لا يجوز التيمم به إن كان عليه غبار يجوز التيمم به إذا كان
الغبار طاهراً ولو بلا نفخ، أي غبار حتى لو وضع يده على حجر لا غبار عليه، جاز خلافاً لمحمد، المخالف قولاً واحداً أبو يوسف وأما محمد مع أبي حنيفة وفي رواية مع أبي يوسف وفي أخرى لقوله تعالى: (فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ} (المائدة: 6)، أي من التراب وهو كما ترى يوجب المسح بشيء من الأرض لأن كلمة من للتبعيض وتمسك أبو حنيفة بإطلاق قوله تعالى: (فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً} (المائدة: 6)، فإن الصعيد وجه الأرض ترابها أو غيره وإن كان صخراً لا تراب عليه ذكره الزمخشري نقلاً، ويعضده حديث: (تيمم النبي صلى الله عليه وسلم بجدار المدينة ولم يكن عليه غبار)، وكلمة (من) للابتداء إذ لا يصح فيه ضابط التبعيضية والبيانية وهو وضع بعض موضعها فالأول ولفظ الذي بالثاني والباء بالأول ويزداد في الثاني خبر تيمم صلة الموصول كما في {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ} (الحج: 30). ولو قيل: فامسحوا وجوهكم وأيديكم بعضه، أفاد أن المطلوب جعل الصعيد ممسوحاً والعضو من آلة وهو منتف اتفاقاً وأما الجواب لعود الضمير في قوله تعالى (منه) إلى الحدث ليس بقوي لأن حقه أن يذكره قبل قوله (فامسحوا) لأن الفاء فيه تفسيرية وهو قيد المفسر لا دخل له في التفسير فتأمل.
وخصه أبو يوسف بالتراب والرمل، في رواية المبسوط جعل هذه الرواية مرجوعاً عنها إلى الثانية، وفي أخرى بالتراب لا غير ولكل دليل من السنة، كذا في شرح شيخنا، ويجوز بالنقع حال الاختبار لأنه تراب رقيق حتى لو تيمم بغبار ثوبه أو بنافضة لبده أو كنس داراً أو كال حنطة أو هدم حائطاً أو هبة الريح ما فارتفع الغبار فأصاب وجهه وذراعيه فمسحه بنية التيمم جاز.
وفي الخلاصة: لو أدخل رأسه في موضع الغبار ونوى به التيمم جاز , إذ الشرط وجود الفعل منه.
وفي قاضي خان: لو تيمم من طين طاهر لا يتيمم بالطيب.
وذكر شمس الأئمة الحلواني: أنه لا ينبغي أن يتيمم بالطيب لأنه فيه يلطخ الوجه ولو فعل جاز.
وقيده في المحيط: إذ لم يجد إلا الطين يلطخه بثوبه فإذا جف تيمم به.
وقيل عند أبي حنيفة: لو تيمم من الطين جاز وهو الصحيح لأن الواجب عنده وضع اليدين على الأرض لاستعمال جزء منها والطين من جنس الأرض إلا إذا صار مقلوباً بالماء فلا يجوز التيمم به خلافا له أي لأبي يوسف وأما حالة الاضطرار فيجوز به اتفاقاً، وشرطه العجز عن استعمال الماء حقيقة بأن كان مفقودا أو حكماً بأن كان مشغولاً بحاجته أم لم يقدر على استعماله بسبب كما تقدم، والمحبوس في السجن يصلي بالتيمم ويعيد بالوضوء لأن العجز فيه بصنع العبد، وصنع العباد لا يؤثر في إسقاط حق الله تعالى شيئاً، فأمرناه بالصلاة بالتيمم للعجز حقيقةً وبالإعادة لكون العجز بصنع العبد كمن قيد رجلاً حتى صلى قاعداً يؤمر بالإعادة، وعن أبي حنيفة أنه لا
يتيمم ولا يصلي، وهو قول زفر لأنه لا فائدة في الإعادة، وعن أبي يوسف أنه يصلي ولا يعيد، لأنه إن ضم عذر السفر إلى العجز الحقيقي، والغالب في السفر عدم الماء فيتحقق العدم من كل وجه، والمحبوس الذي لا يجد طهراً لا يصلي عندهما، وعند أبي يوسف يصلي بالإيماء ثم يعيد، وهو رواية عن محمد تشبيهاً بالمصلين وقضاءاً الوقت كما في الصوم، ولهما أنه ليس بأهل للأداء بمكان الحدث، فلا يلزمه التشبيه كالحائض، وبهذه المسألة تبين أن الصلاة بغير الطهارة متعمداً ليس بكفر، لأنه لو كان كفراً لأمر أبو يوسف به، وقيل كفر كالصلاة إلى غير القبلة أو مع الثوب النجس عمداً، لأنه كالمستخف، والأصح أنه إن صلى إلى غير القبلة أو مع الثوب النجس، لا يكفر، لأن ذلك يجوز أداءه بكل حال، ولو صلى بغير طهارة متعمداً يكفر، لأن ذلك يحرم بكل حال ويكون مستخفاً، كذا في السمني ناقلاً عن المحيط.
وفي فتاوي التتارخانية نقلاً عن فتاوي الحجة: الرجل إذا كان مريضاً أو صار بحيث لا يمكنه الوضوء يتيمم فإن صار بحال لا يقدر على التيمم بنفسه ولا يجد أحداً يوضيه ولا يتيمم سقطت عنه الصلاة ما دام هكذا، فلو صح ليس عليه القضاء، وإذا مات لا وبال عليه وعلى قياس قول أبي يوسف يصلي هكذا تشبيهاً بالصلاة وإن كان في وطن ولا يقدر على الوضوء والتيمم يصلي بالإيماء ويعيد إذا قدر وإذا كان في سفر ولا يمكنه إخراج يده من كمه مخافة البرد فإنه يمسح وجهه ويديه إلى الرسغ ويصلي وشّرط أيضاً طهارة الصعيد، لأن غير الطاهر لا يطهر وهو المراد بقوله تعالى: {طَيِّباً} (المائدة: 6)، والاستيعاب في الأصح وهو ظاهر الرواية وعليه الفتوة فينزع الخاتم ويخلل الأصابع، وفي رواية الحسن لا يشترط لأن للأكثر حكم الأقل والنية لأن التيمم يُنبئ عنها فلا تتحقق بدونها والفرق بينه وبين الوضوء أن الماء مطهر بنفسه بأصل الخلقة بخلاف التراب لأنه ملوث وليس بمطهر بنفسه بالنية على ما قالوا.
وقال زفر: لا تشترط النية لأنه خلق فلا يخالف الأصل.
والجواب عنه ما قررناه ولا بد من نية قربة مقصودة لا تصح بدون الطهارة فلو تيمم لدخول المسجد أو مس المصحف ثم صلى الفرض جاز عند أبي بكر ابن سعيد البلخي.
وقال أبو جعفر البلخي وعامة الفقهاء: لا يجوز وكذا لو تيمم للإقامة أو الأذان له أن يصلي به لأنه هذه الأشياء ليست عبادة مقصودة وإنما هي اتباع لغيرها وفي التيمم لقراءة القرآن روايتان الصحيح أنه لا يجوز، كما في الغاية. فإن تيمم لصلاة الجنازة أو لسجدة التلاوة يجوز بعد التيمم أداء المكتوبات، كذا في صدر الشريعة.
فإن قيل: ذكر في أصول القصة أن سجدة التلاوة ليست بقربة مقصودة وها هنا جُعلت مقصودة وهذا مناقضة.
قلنا: جهتا النفي والإثبات مختلفتان فلا يناقض أصلاً فإن المراد بما ذُكر في الكتاب أنها شرعت ابتداءاً تقرباً إلى الله تعالى من غير أن تكون تبعاً لأمر آخر كما هو المراد من كونها قربة مقصودة ها هنا، بخلاف دخول المسجد، ومسح المصحف، والمراد بما في أصول الفقه، أن هيئة السجدة ليست مقصودة لذاتها عند التلاوة، بل لاشتمالها على التواضع المحقق بموافقة أهل الإيمان ومخالفة أهل الطغيان، فلهذا لا تختص إقامة الواجب بهذه الهيئة، بل ينوب الركوع عنها بها، كذا في الكفاية، والمعراجية.
فإن قيل التيمم يصح بنية الطاهرة وهي ليست بعادة مقصودة.
قلنا: الطهارة شرعت للصلاة، وشرطت لإباحتها فكانت نيتها نية إباحة الصلاة.
(فروع)
وفي القنية: التيمم على التيمم ليس بقربة، فلو تيمم كافر للإسلام لا تصح صلاته به، لأن الكافر ليس بأهل للنية، قيده بقوله للإسلام، لأنه لو أراد الصلاة بالاتفاق لأنه ليس من أهلها، كذا في ابن فرشتا، ومثله في شرح شيخنا، خلافاً لأبي يوسف، لأنه نوى قربة مقصودة بخلاف التيمم لدخول المسجد ونحوه، لأنه ليس بقربة مقصودة، ولو يشترط تعين الحدث والجنابة هو الصحيح، كذا في الهداية.
قال صاحب الهداية في التجنيس: النية المشروطة هي نية التطهير وهو الصحيح احترازاً كما قاله أبو بكر الرازي، فإنه كان يقول: يحتاج إلى نية التيمم للمحدث، والجنابة، لأن التيمم لها بصفة، واحدة فلا تتميز إلا بالنية، وصفته، أن يضرب يديه على الصعيد، ولو وضع يديه مرتين من غير ضرب، في المبسوط الجواز، وفي الغاية الضرب أولى، فينفضهما إذا كثر الغبار لئلا يصير مثله ثم يمسح بهما وجهه، وكذا يمسح بكل كف طاهر الذراع الأخرى، وباطنهما مع المرفق، لما روى الدارقطني والحاكم وصححه من حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (التيمم ضربتان ضربة للوجه وضربة للذراعين إلى المرفقين)، وقد أن الاستيعاب شرط في الأصح فيجب أن يخلل أصابعه وعلى رواية الحسن لا.
وقال في الذخيرة وصدر الشريعة في شرح الوقاية: ولو لم يدخل الغبار بين أصابعه فعليه أن يخلل أصابعه فيحتاج إلى ضربة ثالثة ليتخللها. انتهى.
اعترض عليهما بأنه مخالف لقول النبي صلى الله عليه وسلم (ضربتان) فإن التقدير ينفي الزيادة لأجل إدخال الغبار بين الأصابع وهذا على جهة الكمال لا على جهة الاشتراط.
وفي المحيط: إذا تيمم اثنان من مكان واحد جاز لأنه لم يصر مستعملاً لأن التيمم لا يتأذى إلا بما التزق بيده لا بما فضل ولا يجوز التيمم بأقل من ثلاثة أصابع لأنه مسح مشروع في طهارة معهودة فصار كمسح الرأس والخفين.
وفي الذخيرة لم يرد النص هل الضربة بباطن الكفين أو بظاهرهما، والأصح أنه بظاهرهما وباطنهما.
وبالخلاصة رجل ضرب يديه على الأرض للتيمم، ثم أحدث قبل الاستعمال، الأصح أنه لا يستعمل ذلك التراب، كذا أختاره الشيخ الإمام شمس الأئمة، كما لو اعترضه الحدث في خلال الوضوء.
وفي بعض نسخ الواقعات: أنه يُستعمل، ومقطوع اليدين يمسح ذراعيه، ومقطوع الذراعين يمسح موضع القطع، وإن كان القطع فوق المرفق لا يجب المسح، كذا في الفتاوى، وفي الفتاوى الظهيرية.
قال الشيخ الإمام أبو بكر: رأيت في الجامع الصغير للكرخي، أن مقطوع الرجلين واليدين إذا كان بوجهه جراحات يصلي بغير طهارة ولا يتيمم، ولا يعيد، وهذا هو الأصح، كذا في شرح الكنز للمسكين، ويستوى فيه الجنب والمحدث والحائض والنفساء لما روي (أن قوماً جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: إنا قوم نسكن هذه الرمال ولا نجد الماء شهراً أو شهرين وفينا الحائض والجنب والنفساء، فقال عليه الصلاة والسلام: عليكم بأرضكم).
وقال شيخنا في شرحه: حملاً للملامسة على المجامعة آخذاً بقول علي وابن عباس وعائشة أية البدل وتحصيلاً لفائدة جديدة منها وحكم الحائض والنفساء كالجنب. انتهى.
أقول: وفيه كلام مذكور في شرح الهداية يطول الكلام بذكره فطالعه إن شئت ويجوز التيمم قبل الوقت، لأن النصوص الواردة في التيمم لم تفصل بين وقت ووقت والمطلق يجري على إطلاقه، كما يجري العام على عمومه، ومن قيده بالوقت فقد خالف النص، ولأنه بدل الوضوء فقد جاز قبل الوقت، كالوضوء ويصلي به ما شاء، ومن فرض ونفل، لكونه طهارة مطلقة رافعة للحدث عندنا كالوضوء، وقال غيرنا: هي طهارة ضرورية ويجوز التيمم للصحيح المقيم خوف فوت صلاة جنازة لأنها لا تقضى فيتحقق العجز.
وفي الوقاية وغيرها: لغير الولي فإنه لا يجوز له التيمم لأنه ينتظر فلا يخاف الفوت، وعلى هذا فلا حاجة إلى استثنائه بعد تقييده بخوف الفوت.
وفي الهداية: لا يجوز للولي، وفي رواية الحسن عن أبي حنيفة، هو الصحيح لأن للولي حق الإعادة فلا فوات في حقه، فعلى هذا ينبغي أن يراد من الولي من له ولاية الصلاة ليشمل السلطان والقاضي وغيرهما ممن له حق التقدم، لا ما يتبادر إلى الذهن، أن المراد منه قريب الميت.
إلا أن تعليل صاحب الهداية لما صححه لا يخلو من نوع إشكال، على كلا التقديرين، أما على تقدير من يراد من له حق التقدم، فلأن قوله للولي حق الإعادة لا يصّدق في حق السلطان
والقاضي ونحوهما، إذا صلى قريب الميت على ما ذكره في المنافع أنه ليس لأحد بعده الإعادة سلطاناً كان أو غيره، وأما على تقدير أن يراد منه قريب الميت، فكذلك لأنه لو صلى من له حق التقدم كالسلطان ونحوه، لا يكون له حق الإعادة، فقد تحقق الفوات في حقه أيضاً، إلا أن يقال مختار التقدير الأول.
ولا نسلم ما ذكره صاحب النافع: من أنه ليس للسلطان ونحوه حق الإعادة بعد صلاة الولي القريب.
فقد قال نجم الدين الزاهدي من قول القدوري: فإن صلى الولي لم يجز لأحد أن يصلي عليه بعده، هذا إذا كان في حق الصلاة، بأن يحضر السلطان، أما إذا حضر وصلى عليه الولي يعيد السلطان، فالحاصل أن المجوز للتيمم خوف الفوت، ولا فرق في ذلك بين الولي الذي هو قريب الميت، وبين غير الولي لو لم ينتظره أجزأه التيمم.
قال شمس الأئمة: الصحيح هذا، وظاهر الرواية جواز التيمم أيضاً لأن الانتظار فيها مكروه وما صححوه من أنه لا يجوز للولي ينبغي أن يراد بالولي فيه من له حق التقديم، لأن الذي لا يخاف فوتها، ولو حضر جنازة أخرى بعد فراغه من الصلاة، فعند محمد يعيد التيمم لأن الضرورة للأولى تمت، وعندهما لا يعيده لأن تيممه إنما صح لكونه عاجزاً وهذا المعنى باقٍ في حق الجنازة الأخرى.
وفي المصفى: وهذا إذا لم يتمكن من التوضي بين الصلاتين أما إذا تمكن ثم فات التمكن فإنه يعيد التيمم اتفاقاً، كذا في شرح المجمع لابن فرشتا، لكن قال الزيلعي: قال أبو يوسف: أن يوجد بينهما وقت عليه الوضوء فليصل لذلك التيمم.
وفي شرح النقاية لأبي المكارم: إذا صلى بالتيمم فحضرت أخرى فإن كان بينهما مدة التوضأ أعاد التيمم وإلا فلا، وعليه الفتوة، وقال محمد وزفر: يعيد مطلقاً، كذا في المضمرات، ويجوز التيمم أيضاً لخوف فوت صلاة جنازة أو عيد ابتداءاً بأن خاف لو اشتغل بالطهارة تفوته صلاة العيد وهذا بالاتفاق، وكذا بناءاً بعد شروعه فتوضأ وسبق حدثه، لأن الخوف باقٍ، لأنه يوم زحمة فيغلب اعتراء عارض يفسد عليه صلاته، خلافاً لهما، لأن اللاحق يصلي بعد فراغ الإمام، فلا يخاف الفوت، ولو شرع في التيمم تيمم وبنى بالاتفاق، لأنا لو أوجبنا الوضوء يكون واجداً للماء في صلاته فتفسد صلاته، كذا في الهداية، لا يجوز لخوف فوت صلاة جمعة لأنها تفوت إلى خلف وهو الظهر أو وقتية لأن فوتها إلى خلف وهو القضاء.
وفي الخلاصة: وأما سجدة التلاوة ففي السفر يجوز لأجلها التيمم، وفي المصر لا يجوز ولا ينقضه رده.
قال زفر: يبطل تيممه لأن الكفر ينافيه فيستوي فيه الابتداء والبقاء، ولا يشكل عليه ما إذا سبقه الحدث في الصلاة حيث لا يفسد لأنه ثبت على خلاف القياس لقوله عليه الصلاة والسلام: (من قاء ..... الحديث).
فإن قلت: هذا الاختلاف كيف يُصحح على أصل زفر وهو لا يشترط النية في التيمم كالوضوء؟
قلت: روي عن زفر رواية أخرى اشترط فيها النية للتيمم، ولنا أن الباقي كون المتيمم طاهراً فإن اعتراض الكفر لا ينافي ذلك كما لو اعتُرض على الوضوء وإنما لا يصح التيمم من الكافر لانعدام النية.
فإن قيل: الردة تحبط العمل لقوله تعالى: روَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ} (المائدة: 5)، وتيممه من عمله؟
قلنا: معنى حبوط العمل زوال ثوابه، لأن السبب لا يبقى بدون الحكم، وما له حكم سواه كالأعمال المقصودة آلة للغير لا تبطل ببطلان ثوابه، لما تقرر أن السبب يبقى ببقاء أحد حكميه، ألا ترى أنه لو توضأ بنية الصلاة ثم ارتد يبطل الثواب فتبقى الطهارة، وكذا في التيمم، بل ناقض الوضوء لأنه خلف عنه فأخذ حكمه، وينقضه أيضاً القدرة على ماء كافٍ لطهارة الناقض هنا ظهور الحدث السابق عند القدرة على الماء، لأن القدرة في الحقيقة غير ناقضة إذ ليس بخروج نجس لا حقيقة ولا حكماً، ولكن انتهت طهورية التراب عندها لأنه لم يجعل طهوراً إلا إلى وجود الماء، فإذا وجده وبقي محدثاً الحدث السابق، وشرط أن يكون فاضلاً عن حاجته، لأنه لو لم يفضل عنهما فهو مشغول بالحاجة الأصلية، وقد تقدم أنه كالمعدوم، وكذا يشترط أن يكون كافياً لأنه لو لم يكن كافياً فوجوده كعدمه، فلا ينقض تيممه إذ لا يجب استعماله ولهذا يجوز التيمم مع وجوده في الابتداء.
فإن قيل: لفظ ما في قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء} (المائدة: 6)، نكرة في سياق النفي تتناول ما يسمى به قليلاً أو كثيراً.
قيل: المراد به ما تحل به الصلاة ألا يرى أن وجود الماء النجس لا يمنعه وإن تناولته النكرة المذكورة، والحل موقوف على ما يكفي.
وفي شرح شيخنا والنهاية: المراد بالقدرة في الكتاب والسنة الوجود لا الملك، كما في نص الكفارة، حتى لو عُرِض عليه منع التيمم بخلاف عرضه الرقبة على الجانب، حيث لا يمنع التكفير بالصوم، فلو وجدت القدرة وهو في الصلاة بطلت صلاة للقدرة على الأصل قبل حصول المقصود بالخلف، وإن قعد قدر التشهد عند أبي حنيفة على ما يأتي إن شاء الله تعالى لا إن حصلت بعدها الحصول والمقصود بالخلف.
وفي فتاوى: إذا مر بالنائم وهو نائم أو لا يعلم به لا يبطل تيممه، وقيل عن أبي حنيفة بالنوم ينقض، وهذا يتصور في من تيمم بالجنابة ومر بماء وهو نائم بالصلاة راكباً على الدابة وهي تسير، أو ماشٍ وهو نائم، وإلا فقد انتقض تيممه بالنوم، وعند محمد ينتقض.
وفي المنظومة في مقالات أبي حنيفة: ثم مرور المرء في نعاسة بالماء كاليقظان في قياسه وهذا يدل على الانتقاض عند أبي حنيفة.
وفي النهاية: ذكر في فتاوي قاضي خان: متيمم مر على الماء وهو نائم ففي بعض الروايات عن أبي حنيفة ينتقض تيممه، قال: ينبغي ألا ينتقض عند الكل، لأنه لو تيمم وبقربه ماء لا يعلم أنه يجوز تيممه ينتقض تيممه، ولو مر وهو نائم على الدابة أو غير نائم لكن لم يعلم به ينتقض تيممه، ولو علم به لكان بحال لا يستطيع النزول لخوف نفسه من العدو أو من السَبُع لا ينتقض تيممه.
(فروع)
جنب اغتسل وبقي لمعة وفني ماؤه تيمم لبقاء الجنابة، لأنها لا تجزئ أي زوالاً وثبوتاً، فإن تيمم ثم أحدث للحدث، لأن تيممه للجنابة متقدم على الحدث فلم يجزِ عن الحدث المتأخر، فإن تيمم فوجد ماءً يكفيهما صرفه إليهما لانتقاض تيممه للجنابة والحدث لقدرته على الأصل فيهما، وإن اكتفى معاً صرفه إليه، والتيمم للآخر باقٍ، وإن كفى واحداً غير عين صرفه إلى اللمعة، لأنه أهم، وأعاد تيممه للحدث عند محمد لقدرته على الماء، ووجوب صرفه إلى الجنابة لا ينافي قدرته على صرفه إلى الحدث، ولهذا لو صرفه إلى الوضوء جاز، وتيمم لجنابة اتفاقاً، وعند أبي يوسف لا يعيد لأنه مستحق الصرف إلى اللمعة، والمستحق لجهة كالمعدوم، فإن لم يكن تيمم للحدث قبل وجود هذا الماء فتيمم قبل وجود اللمعة للحدث لم يجز عند محمد، وعن أبي يوسف يجوز، والأول أصح، وإن لم يكفِ واحد بقي بينهما جنب على ظهره لمعة ونسي أعضاء وضوئه وماءه يكفي أحدهما صرفه إلى أيهما شاء، لأن كل واحد نجاسة الجنابة وأعضاء الوضوء أولى إقامة للسنة.
جنب على بدنه لمعة أحدث قبل أن يتيمم تيمم لهما واحد ناوياً لهما، لأن التيمم لا يكون طهارة بلا نية، فلو لم ينو عينهما بقي التيمم، وفي إحداهما بلا نية فلا يكون طهارة في حقه، فإن تيمم لهما ثم وجد ما يكفي لأحدهما غير عينٍ صرفه إلى اللمعة، ويعيد التيمم للحدث عند محمد.
جنبٌ معه ماء كافٍ للوضوء تيمم ولم يتوضأ، أي لا يجب عليه الوضوء، فإن توضأ وتيمم لجنابته وأحدث تيمم لحدثه، فإن تيمم ثم وجد ما يكفي لأحدهما لبقية بدنه أو لمواضع وضوئه يصرفه إلى الجنابة، لأنها أهم، ويعيد تيممه، للمحدث أحدث وثوبه أو بدنه دم وماءه يكفي لأحدهما صرفه إلى الدم وتيمم للحدث ليحصل أداء الصلاة بالطهارتين.
متيممون قال لهم رجل: هذا الماء يتوضأ به أيكم شاء، وهو يكفي لواحد بطل تيممهم، لأن كل واحد قدّر على الأصل على سبيل البذل، لو قال هذا الماء لكم وقبضوه لا ينتقض تيممهم، لأنه تمليك منهم، ولا يملك كل واحد ما يكفي للوضوء، بخلاف الأول لأنه أباحه.
فإن قيل: هبة المشاع فيما يحتمل العشمة من رجلين لا يصح عند أبي حنيفة، فلا يكون تمليكاً منهم، بل يكون إباحة، فصار كالمسألة الأولى.
قلنا: الهبة فاسدة، تفيد الملك عند اتصال القبض بها، لأن الإباحة لو ثبتت تثبت في ضمن التملك، فإذا لم يثبت التملك عنده كيف تثبت الإباحة؟ وإذا لم يثبت الملك والإباحة صارت الحال بعد الهبة كالحال قبلها، وقيل: الهبة لا تبطل تيممهم فكذا بعدها، ولو إذ نوى المعين بطل تيممه، كثبوت الملك لهم فيصبح إذنهم، وقيل: هذا عندهما، ولو نسيه المسافر في رحلةٍ سواء وضعها بنفسه أو غيره بأمره أو سلمه وصلى بالتيمم، لا يعيد إن كان في محلٍ ينسى عادةً، لأنه ذو قدرة بدون العلم، وهي المرادة بالوجد، كذا قال شيخنا في شرحه.
وقال أبو يوسف: يعيد ما دام في الوقت، لأنه واحد للماء لأن الرجل لا يخلو عنه عادة فكان مقصراً وصار كمن صلى في ثوب نجس أو عرياناً، وفي رحله ثوب طاهر قد نسيه، أو كمن صام للكفارة، وفي ملكه عبد قد نسيه، ولهما أنه غير قادر على الماء إذ لا قدرة بدون العلم.
ومسألة الثوب ذكر الكرخي أنها على الخلاف وهو الأصح، ولو كانت على الوفاق، فالفرق أن فرض الستر هناك فائت لا إلى خلف، وفرض الوضوء فائت إلى خلف، ومسألة التكفير فقيل هي على الخلاف، وقيل على الإجماع وهو الصحيح، والفرق أنه يتمكن من الإعتاق بدون العلم، بل يقول: كل عبد لي فهو حر عن كفارتي ثم يشتري عبداً بالنسبة فيعتقه عن كفارته فيكون قادراً لا يمكنه استعمال الماء فيثبت العجز، ولأن الشرط بالرقبة الملك، وقد وجد، وفي الشرط في استعمال القدرة على استعماله ولم توجد فيه بالنسيان، لأنه لو ظن أن الماء فني فتيمم، ثم تبين أنه لم يفن أعاد الصلاة باتفاق، لأن أخطاءه في ظنه، وأمكن تمكينه بالطلب والفحص، وقيدنا الماء بكونه في محل ينسى فيه عاده، لأنه لو لم يكن كذلك بأن كان في مقدم الرجل، أو وهو راكباً في مؤخره، أو على الظهر، وهو سابق يعيد بالاتفاق، ولو كان الماء معلقاً على مؤخر الدابة وهو راكب وعلى مقدمتها، وهو سائق، أو عليها، وهو قائد فعلى الخلاف، ولو كان على شاطئ النهر، فعن أبي يوسف في الإعادة روايتان، كذا في المحيط، ويستحب لراجي الماء تأخير الصلاة إلى آخر وقت.
قال الأتقاني في شرحه على الهداية: قال الشارحون: تدل هذه المسألة على أن الصلاة في أول الوقت أفضل عندنا إلا إذا كان في التأخير فضيلة أخرى كتكثير الجماعة والصلاة بأكمل طهارتين، واستدلوا على ما قالوا نقوله في الهداية لمعدم الماء لأن التخصيص بعادم الماء دل على
الاستحباب في غيره وهو التقديم، وكذا قوله في الهداية كالطامع في الجماعة دل على أن المستحب في غير الطامع التقديم، بدليل ما ذكره في السير الكبير: أن التخصيص في الروايات والمعاملات يدل على نفي ما عداه.
أقول: هذا سهو من الشارحين، وليس مذهب أصحابنا كذلك، ألا ترى إلى ما صرح به صاحب الهداية وغيره من المتقدمين في كتبهم بقولهم: ويستحب الإسفار في الفجر والإبراد في الظهر في الصيف وتأخير العصر ما لم تتغير الشمس وتأخير العشاء إلى ما قبل ثلث الليل، لنا ما ذكروا عن السير الكبير فصحيح، لأن صاحب الهداية احترز بقوله لعادم الماء عن قول الشافعي لا عن غير عادم الماء، لأن مذهب الشافعي أن عادم الماء وإن رجى أن يجده في آخر الوقت يقدم الصلاة، وكذا قوله في الطامع في الجماعة باحتراز عن غير الطامع، بل هو إلزام الشافعي، لأن مذهبه أن التأخير يستحب إذا كان طامعاً في الجماعة والصلاة بأكمل الطهارتين لا على أن الصلاة عندنا في أول الوقت أفضل أيضاً إلا إذا تضمن التأخير فضيلة لا تحصل بدونه كيف يكون مخالفاً لمذهب أصحابنا فإن الأول أتم من الثاني ودلالة العام لا تستلزم الدلالة على الخاص، فقوله لعادم الماء، احترازاً عن غيره، لا عن قول الشافعي لأن الرد عليه بقوله يستحب فتأمل.
فإن هذا المقام من مزالق الاقدام، وينبغي له أن لا يفرط في التأخير، حتى لا تقع الصلاة في وقت مكروه، فيكون في أدائها خلل، ونقصان، والصلاة بالتيمم عند عدم الماء لا خلل فيها ولا نقصان، ولا يجب التأخير، لأن العدم ثابت يقيناً، فلا يزول حكمه بالشك، وعن أبي حنيفة وأبي يوسف في غير ظاهر الرواية أنه يجب لأن غالب الرأي كالمتحقق، والصحيح الأول، ويجب طلبه إن ظن قربة قدر غلوة هي رمية السهم.
قال الجوهري: غلوت بالسهم إذ رميت به بعد ما نقدر عليه والغلوة مقدار رمية. انتهى.
وقيل: هب أربعمائة ذراع.
وفي الذخيرة: ثلاثمائة ذراع ولا تبلغ الميل لئلا ينقطع عن رفقته وإن لم يظن فلا يجب لأن العدم ثابت حقيقة لفوات الدليل الدال على الوجود من حيث الظاهر، إذا الظاهر في المغاوز عدم الماء بخلاف العمرانات فإنه لو تيمم قبل الطلب فيها لم يجز لأن وإن كان ثابتاً حقيقة لم يثبت ظاهراً لقيام الدليل عليه وهو العمارة إذ قيامها بالماء ولو غلب على ظنه أو أخبره مخبر لان الغالب الرأي كالمحقق في وجود العمل.
لا يقال لو كان غالب الرأي كالمحقق هذا لوجب التأخير في ما إذا غلب على ظنه أنه يجد الماء في آخر الوقت لأنا نقول: غلبة الظن ثمة أنه سيصير بقرب الماء وهنا غلبة الظن أن يقرب الظن فافترقا.
وفي المحيط: لو قرب من الماء وهو لا يعلم به ولم يكن بحضرته من يسأله فلم يسأله حتى تيمم وصلى ثم سأله فأخبره بماء قريب لم تجز صلاته لأنه قادر على استعمال الماء بواسطة السؤال فإن لم يسأله جاز التقصير من قبله قلم يُعذر كمن نزل بالعمران ولم يطلب الماء لم يجز تيممه، وإن سأله في الابتداء فلم يخبره حتى تيمم وصلى ثم أخبره بماء قريب جازت صلاته لأنه فعل ما عليه.
ويجب شراء الماء إن كان له ثمن لتحقق القدرة ويباع بثمن المثل إن كان ثمن المثل فاضلاً عن حاجته وإلا أي وإن لم يقع فلا يجب عليه شراءه لأنه تحمل الغبن الفاحش حذر مسقط للوجوب.
وفي الخلاصة: تفسير الغبن الفاحش لو كان قيمته درهماً وهو لا يباع إلا بدرهمين فهو غبن فاحش.
وفي قاضي خان: أنه يعتبر في قيمة الماء في أقرب المواضع التي يعز فيه وجود الماء. وإن كان مع رفيقه ماء طلبه منه قبل أن يتيمم لعدم المانع غالباً، فإن منعه منه تيمم لتحقق العجز وإن تيمم قبل الطلب أجزأه عند أبي حنيفة لأنه لا يلزمه الطلب من تلك الغير، وقال: لا يجوز لأن الماء مبذول عادة، كذا في الهداية، وقال شراحها: هكذا ذكر الخلاف في التقريب والإيضاح وشرح الأقطع بين أبي حنيفة وصاحبه له لما أنه لم يملك الأصل لم يجب عليه الطلب في ملك الآخر بغير عوض كالمكفر إذا لم يملك الرقبة. وقولهما أن الماء مبذول عادة فلا نسلم لأن الماء في البادية من أعز الأشياء.
وشمس الأئمة ذكر هذه المسألة بلا خلاف في مبسوطه فقال: وإن لم يطلب منه حتى تيمم وصلى لم يجزه لأن الماء مبذول في الناس عادة خصوصاً للطهارة.
وكان الحسن بن زياد يقول: السؤال ذل وفيه بعض الحرج وما شُرِع التيمم إلا لرفع الحرج. فتيمم قبل السؤال وقول الحسن حسن. ولو كان في الصلاة إن غلب على ظنه أن يعطيه يقطع صلاته وإلا فلا، ولو مضى عليها وسأله بعد فراغه وأعطاه أعاد وإلا فلا، ولو أعطاه بعد المنع لم يعد، كذا في الزيلعي.
وفي الخلاصة: لو شرع في الصلاة بالتيمم فرأى رجلاً معه ماء كثير إن علم أن يعطيه يقطع الصلاة، وإن علم أنه لا يعطيه يمضي على صلاته وإن أشكل يمضي على صلاته ثم يسأل إن أعطاه أعاد الصلاة.
قال شيخنا: وهذا يخالف ما تقدم. فيُحمل على الوجوب والأول على الجواز توفيقاً.
وفي المحيط: مع رفيقه ماء فصلى بالتيمم ولم يطلب لا تجوز صلاته لأنه قادر على استعماله بواسطة السؤال لان الظاهر أن يعطيه ولا يشح. انتهى.
أقول: الظاهر أن هذا على قول من يقول بوجوب الطلب، وقد مر الكلام عليه فيه فتأمل.
وفي الخلاصة عن نسخة الإمام السرخسي: فلو سأله فأبى أن يعطيه فتيمم وصلى ثم أعطاه بعد ذلك تجوز صلاته.
فإن كان مع رفيقه دلو وليس معه دلو، يجب عليه أن يسأله، فإن سأله فقال انتظرني حتى استقي به، ثم دفعه إليه، يستحب له عند أبي حنيفة أن ينتظر إلى آخر الوقت، فإن خاف فوت الوقت، تيمم وصلى، وعندها ينتظر، وإن خاف فوت الوقت، أو تيمم الجنب في المصر لخوف البرد جاز عند أبي حنيفة، لان العجز ثبت في حقه، فيعتبر كما إذا أُعدم الماء في المصر حقيقة، حيث يجوز التيمم، والمعتبر كون وجود الماء في المصر غالباً، لأن الكلام في تحقق تعسره عليه بعدم قدرته عليه وعلى ثمنه.
وفي الفتاوى قال مشايخنا: لا يباح للمتيمم أن يتيمم في عرف دارنا لأن أجر الحمام تعطى بعد الخروج فيمكنه أن يدخل ويتعلل بعد الخروج بالعسرة.
أقول: فيه إتلاف ماء الغير وهو إنما يباح بشرط الضمان عند ضرورة لا تندفع إلا به ولم توجد. وفيه تعريض العرض بالطعن باللسان الذي هو أشد من طعن السنان، لا سيما في هذا الزمان الذي غلب فيه الشح وعدم الرغبة في الخير، وسوء الظن بالصادق لكثرة الكاذبين في موضع، قد منَّ الله سبحانه على عباده بأن ما يريد ليجعل عليهم في الدين من حرج، فلله در الإمام الأعظم ما أدق نظره، وما أشد فكره، ولهذا جعل العلماء الفتوى على قوله في العبادة ما لم يكن عنه رواية، كقول المخالف في طهارة الماء المستعمل، والتيمم فقط، عند عدم غير نبيذ التمر قيد بالجنب لأنه لا يجوز للمحدث التيمم لخوف البرد على الصحيح، خلافاً لهما في المسألتين، ولا يُجمع بين الوضوء والتيمم، لما فيه من الجمع بين البَدَلَ والمُبدل، ولا ينظر له في الشرع، بخلاف الجمع بين التيمم وسؤر الحمار، لأن الغرض يتأدى بأحدهما لا بهما فجمعنا بينهما لمكان الشك، كذا في الزيلعي.
وفي قوله لا ينظر له في الشرع محل تأمل، فإن كان أكثر الأعضاء جرحاً سواء أكانت أعضاء جنب أو محدث تيمم وإلا أي وإن لم يكن أكثر الأعضاء جريحاً غُسل الصحيح ومُسح الجريح، وإن كان النصف صحيحاً والنص جريحاً لا رواية فيه، واختلف فيه المشايخ فمنهم من أوجب التيمم لأنها ظاهرة كاملة ومنهم من أوجب غسل الصحيح ومسح الجريح لأنهما طهارة حقيقية وحكمية فكان أولى والأول أشبه، كذا في الزيلعي.
وفي الخلاصة: وإن كان نصف البدن صحيحاً والنصف جريحاً اختلف المشايخ فيه، والأصح أن يتيمم ولا يستعمل الماء.
وفي شرح المجمع لابن فرشتا: قيل يتيمم وقيل يغسل الصحيح ويمسح على الباقي، وهو الصحيح لأنه أحوط، ومثله في قاضي خان.
وفي الذخيرة: مختصر المحيط: الأصح أن يغسل الصحيح ويمسح على الجرح.
وفي الخلاصة: واختلف المشايخ في معرفة القلة والكثرة منهم من اعتبر من حيث عدد الأعضاء حتى لو كان رأسه ووجهه ويداه صحيحة ورجلاه جريحتين يجب الغسل ومنهم من اعتبر الكثرة من كل عضو من أعضاء الوضوء إن كان الأكثر صحيحاً يجب الغسل وإن كان الأكثر جريحاً تيمم.
(فروع)
وفي الخلاصة: لو وجد ما يتوضأ به وفي ثوبه دم أكثر من قدر الدرهم، يغسل به ثوبه ويتيمم، ولو توضأ جاز، وكان مساءً.
وفي قاضي حان: المصلي بالتيمم إذا رأى سراباً فظن أنه ماء فانصرف ثم علم أنه سراباً فسدت صلاته جاوز موضع صلاته ولم يجاوز وهذه (جنس مسائل):
أحدها: هذه: ومنها: إذا رأى حمرة على ثوبه وظن أنها نجاسة، ومنها: إذا ظن ترك مسح الرأس أو لم يتوضأ أصلاً ثم علم أنه قد توضأ ومسح، ومنها: إذا ظن في الظهر أنه لم يصل بعجزه فانصرف ثم علم أنه صلى الفجر فانصرف ثم علم أنه صلاها، ومنها: ماسح الخف إذا ظن أنه انقضت مدة المسح ثم علم أنها لم تنقضِ فسدت صلاته في هذه الوجوه كلها، بالاستدبار جاوز محل صلاته، وإن لم يجاوز ويفارق هذا الجنس، مسألتان: إذا ظن في صلاته أنه رعف فانصرف ثم علم أنه لم يرعف، والثانية: قومٌ صلوا بالجماعة فرأوا سواداً فظنوه عدواً فانصرف بعضهم ليقوم بإزاء العدو ثم علم بأنه كان غباراً، أو دواباً، إن جاوزوا موضع صلاتهم فسدت صلاتهم، وإلا فلا. انتهى.
المسح على الخفين:
إنما عقب المسح على الخفين بالتيمم لأن كل واحد منهما طهارة بمسح أو لأنهما بدل عن الغسل، أو من حيث أنهما رخصة مؤقتة إلى غاية وكان التيمم بدل الكل والمسح على الخفين بدل البعض، وقدم التيمم لثبوته في الكتاب بخلاف المسح على الخفين، فلهذا قال: يجوز بالسنة، وإنما قال: يجوز بالسنة لأن ثبوته على وجه التخيير لا على وجه الإيجاب، وفي قوله (بالسنة): إشارة إلى نص الكتاب ساكت عنه، ورُد على من زعم قراءة الجر في (أرجلكم) تدل عليه لأن قوله تعالى: {إِلَى الْكَعْبَينِ} (المائدة: 6)، يدفعه ضرورة أن المسح غير معني ولمّا اشتهرت السنة الواردة في هذا الباب جاز بها الزيادة على نص الكتاب، وروي عن أبي حنيفة أنه قال: ما قلت بالمسح حتى وردت فيه آثار كضوء الشمس، حتى قال: من أنكر المسح على الخفين يخشى عليه
الكفر، وقيل: على قياس أبي يوسف يكفر جاحده، ولأن المشهور عنده بمنزلة المتواتر، وقيل: على قول محمد لا يكفر لأنه بمنزلة الآحاد عنده.
ثم المسح على الخفين رخصة لكل من رآه ثم يمسح آخذاً بالعزيمة كان مأجوراً، كذا في الهداية.
وفي المبسوط لشيخ الإسلام: فإن قيل هذه رخصة إسقاط لما عُرف من أصول الفقه فينبغي أن لا يثاب بإتيان العزيمة إذ لا تبقى العزيمة مشروعة إذا كانت الرخصة بالإسقاط، كما في قصر الصلاة.
قلنا: العزيمة لم تبق مشروعة ما دام متحققاً أيضاً، والثواب باعتبار النزع والغسل، وإذا نزع صارت مشروعة، كذا في الكافي.
قال العلامة الزيلعي: هذا سهو فإن الغسل مشروع وإن لم ينزح خفيه ولأجل ذلك يبطل مسحه إذا فاض الماء حتى انغسل أكثر رجليه ذكروه في عامة الكتب، ولولا أن الغسل مشروع لما بطل بغسل البعض من غير نزع وكذا لو تكلف وغسل رجليه من غير نزع أجزأه عن الغسل حتى لا ينقض بانتهاء المدة.
أقول: في تنظير الكافي في قصر الصلاة نظر، لأن قصر الصلاة عزيمة عندنا على ما في المجمع وغيره. وتسميتها في كتب الأصول رخصة مجازاً، قال بعض الفضلاء: بأن هذا سهو لأن مراد صاحب الكافي بالمشروعية الجواز في نظر الشارع بحيث يترتب عليه الثواب لا أن يترتب عليه حكم من الأحكام الشرعية، يدل عليه تنظيره بقصر الصلاة، فإن العامل بالعزيمة ثمة، بأن صلى أربعاً وقعد على رأس الركعتين ثم مع توضئه تيمم. انتهى.
أقول: ما قال من المراد بالمشروعية وهو الجواز، حيث يترتب عليه الثواب غير مسلم، فإن المختار إنما يريدون بمشروعية الفعل الجواز بحيث يترتب عليه أحكامه، غير أن الثواب من جملة أحكام الفعل الذي يقصد به العبادة، فغسل الرجل حالة تخفيف لو يكن مشروعاً، لما ترتب عليه حكمه في جواز الصلاة وغيرها مما تشترط له الطهارة، واستدلالاً بنظيره من قصد الصلاة غير صحيح لما قدمنا، ولأن المسافر إذا صلى أربعاً وقعد على رأس الركعتين لا يكون آتياً بالعزيمة، وليس في وسعه ذلك، لأن فرضه ركعتان لا يطيق الزيادة عليهما كالمقيم لا يطيق الزيادة على الأربع فرضاً، وإنما تم فرضه ركعتين فحسب، وأتم لبناء النفل، وهو الركعتان الأخيرتان على تحريمه الفرض، لا لأنه أتى بالعزيمة مع عدم جوازها وإباحتها له، بخلاف المتخفف الذي انغسل أكثر رجليه حيث اعتبر الغسل شرعاً، ويترتب عليه حكم من الأحكام الشرعية، وبطلان المسح ولزوم نزع الخف لإتمام الغسل، ولو قدّر أنه غُسِل كلتا الرجلين متخففاً، لترتب عليه أن لا ينتقض بتمام المدة، ولا يدع الخف مع جواز الأفعال التي تشترط، إما الطهارة