دُرُ الكُنوز
للإمام حسن بن عمار الشرنبلالي الحنفي
توفي سنة 1069هـ
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
جارٍ تحميل الكتاب…
دُرُ الكُنوز
للإمام حسن بن عمار الشرنبلالي الحنفي
توفي سنة 1069هـ
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين
بحَمْدِ إِلَهِ العالَمينَ أُصَدِّرُ ... وشُكْرِ له كيما أَرُومَ يُيَسَّرُ
بدأ نظمه بحمد الله، وصدَّرَ باسم الكريمِ مَولاهُ، الذي أَبْرَزَ من خزائنِ جُودِه، ولا منع بهجة رياض السُّنَنِ والشَّرْع، وأظهَرَ من أَكمَامِ مُخبَّاتِ الأَصْلِ والفرع، زَهْراً نضيراً يميل إلى نظره كلُّ طَبْع، ويُقوِّي فؤادَ ناشقِه، ويسُرُّ قَلبَ عاشقه، ويروي ظمأ وارده بالطف شرب وگرع.
وجمع بين الحمد والشُّكرِ؛ استعمالاً للسانِ والأركان، والنسبُ السِّتُ بينهما معروفة لذوي الفَصاحةِ الأعيان، وهي في شرح مُقدِّمتي نور الإيضاح. گذاك صلاةٌ مَعْ سلامٍ تَخصُّ مَنْ أتى رحمة والآل والصَّحْبَ تَحْصُرُ أي: كذلك أُصدِّرُ بالصَّلاةِ والسَّلام على من أرسله الله رحمة للعالمين على الدَّوامِ، وتشمل تلكَ الصَّلاةُ الآلَ والصَّحِبَ الكِرام.
وبعد ففي جمع المسائل راحةً وفي نَظْمِها حَضُّ اللَّبِيبِ يُوَفَّرُ أي: بعد تقديم الحمدِ ومُتعَلَّقه، فالمسائلُ النَّفيسة يحصلُ بِجَمعِها راحةُ الأَنفُسِ الرئيسة، ولتَوفِّرِ النَّصيبِ الحاصلِ بنَظْمِها يشتاق إليها همَّةُ الكُمَّل من أهلها. وأكدها عِلمُ الصَّلاةِ وحفظها كما قد أتى نَصا أكيداً يُقررُ أي: أنَّ التأكيد الحاصِل لطلب العلمِ آكَده تحصيل مسائلِ الصَّلاةِ التي عم كل مكلّف الخطابُ بها، ولزِمَ عليه حفظ صلاته بأدائها كاملة الشروط والأركان، والواجبات والسُّنَنِ بِحَسَبِ الإمكانِ {حَفِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ} [البقرة: ???] {هُم عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ} [المعارج: 34]، أولئك هم المُفلِحونَ الوارِثونَ لنيل الدرجاتِ. فَأَجَبْتُ نَظماً للمُهم عسى به آنال عطاء من كيم ير لمَّا مَنَّ الله سُبحانَه عليَّ بجمع شروط التحريمة بشرح المُقدِّمة «نور الإيضاح»؛ «إمدادِ الفَتَّاحِ»، فبلَغَتْ أربعة عشر شرطاً لصحتها، ثمَّ زادَتْ حِينَ اختَصَرْتُ شرح منظومة قاضي القضاة شيخ الإسلامِ ابنِ وَهْبانَ لمَولى مشايخ مشايخنا العلّامة قاضي القضاةِ السَّرِي ابنِ الشَّحْنَةَ رحمهم الله، فزادَتْ على العشرين، ونظمتها من بحره الطويل، وحلّيتُها بجواهرِ «المُحيط» و «الذَّخيرةِ» بـ «العناية» و «فتح القدير» بـ «التبيين».
ثمَّ أردَفْتُها بمُتعَلَّقِها، وهو جمله ما به تصح صلاةُ المُكلَّفين، وكنتُ أو صَلْتُها لسبعة وعشرين بذلك الشَّرحِ.
وجمعتُ بينَ بابِ الشَّروط وصِفةِ الصَّلاةِ لذلك المُقتَضي، ورأيتُ ذِكرَ الوَقتِ قد أُغفِلَ في جملةٍ منَ المُتونِ: كـ «الكنز»، ولم أعلَمْ سِرَّهُ المكنون، فنبَّهتُ عليه؛ لأنَّه شرط متين.
ثمَّ مَنَّ اللهُ سُبحانَه بالمزيد، فزادَتْ على الأربعين، ولا أعلَمُ مَن حصَرَها بعد، ولا مَن جمَعَها في فردٍ من أئِمَّتِنا السَّابقينَ إِلى الدَّرَجاتِ العُلا، ولا بَدْعَ فِي التَّشبه بأولئك الملا، لعلي أن أُدْرَجَ في المُسارِ عينَ إلى الخيرات، الطَّامعينَ في كَرَمِ المَولى الفتّاح بدَوامِ الأوقات، وبفضل الله المانَّ الفَتَّاحِ على الأبرار، تيسَّرَ جمعُ ما تفرَّقَ في الأسفار، فكفَى الطَّالب وأغناهُ عنِ العَناءِ بالأسفار، وحصل ما هو أَنفَسُ نفيس يذهَبُ بظلمةِ الجهل نوره كالفَجرِ بالإسفارِ.
ثمَّ ألحقتها بنظمِ المُؤلّفِ وشَرحِه، ورأيتُ إتمام الفائدة لذوي النَّظرِ بجَمعِ واجباتِ الصَّلاةِ والسُّننِ لتزيل الحصر، وشُروط الإمامة، وصحة الاقتداء، وشُروطِ کمالِها لإكمالها المُعتبَر.
وسمّيته «دُرَّ الكُنوزِ»؛ لأَنَّهُ ... لِذِي الصَّدرِ عن أهلِ الدّرايةِ يصدُرُ
اتباعاً للفضلاء في ابتداء تأليفهم؛ فإنَّها تأتي بسبع، ثلاثة منها واجبة الاستعمال: البسملة، والتعقيب بالحمدلة، والصَّلاةِ على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم.
وأربعة جائزة الاستعمال: ذِكرُ باعثِ التَّأليف، وتسمية الكتابِ، ومَدحُ الفَنِّ، وذكر كيفية وقوع المؤلف إجمالاً.
والصدرُ الإمام الأعظمُ المُقَدَّمُ الأفخم أبو حنيفة النعمانُ زَينُ التّابعينَ، أدام الله على الأنام بركة مددِه، وبلَّغَ مَن اتَّبَعَ مَذهَبَه المَراتبَ الحِسان، وأهلُ الدرايةِ أصحابه معَ المُقتَفينَ أثَرَهُم هم المُحقِّقُونَ أصحابُ الرِّوايةِ رَحِمَهُم الله، وبلغهم مُناهُم، وزادَهُم من فضله المزيد من غير نهاية. آمين.
فائدة: ضَبط شُروطِ النيَّةِ للسَّيِّدِ محمَّدٍ الحمَوِيٌّ رحمه الله تعالى، ورضِيَ عنه، وعن عُلَماءِ المُسلمين أجمعين: [من الطويل]
أيا طالباً منِّي شَرَائط نيَّةٍ فَهَاكَ بها عقداً كما الروض حاليا
فإسلام ناوِ ثمَّ عِلم بما نوى وتمييز فَاقْطِفْ زهرَ رَوْضِ حَلالِيا
وفَقدُ مُنافٍ بينَ مَنوِ ونيَّةٍ كذا قال في «الأَشْبَاهِ» طَابَتْ مَراقيا
قالَ المُؤلِّفُ ابْنُ وَهْبانَ رحمه الله تعالى:
وإن كبَّرَ الإنسان من غير نية سهى ونوى من بعد جازَ التَّأْخُرُ إلى وقتِ ما يُثني وقيل: وبعده وقيل: وبعدَ الحَمْد بل قيلَ أكثَرُ من بعد أي: من بعدِ التَّكبيرِ، اشتمَلَ البَيتانِ على فرع غَرِيبٍ مُخالف للقواعدِ، فيه أربعة أقوال صورته شخص كبَّر وغفَلَ عن نيَّة ما يُصلِّيه، ثمَّ نواه. اختَلَفُوا في حُكمه فقيل: يجوز تجديدُ النَّيَّةِ بقَلبِه إِلى الثَّنَاءِ، وقيل: إلى ما بعد الثَّناء، وقيل: إلى ما بعد الفاتحة، وقيل: إلى الركوع.
والصَّحيح أنه لا اعتبار بالنَّيَّةِ المُتأخّرةِ عنِ التَّحريمةِ، وإذا قُدِّمَتْ مَعَ الوُضوءِ ولم يشتغل بغَيرِ المَشي للصَّلاةِ، ثمَّ كبر ولم تحضره النية، كفته النية السَّابقة عندَ الوضوء.
وقد أشارَ النَّاظِمُ رحمه الله تعالى إلى شُروطِ التَّحريمةِ بذكرِه هذا الشَّرط لتكونَ صحيحةً، فجمعتها بهذا النَّظم من بحرِه، فقُلتُ:
شُرُوطٌ لِتَحْرِيم حَظِيتُ بِجَمْعِهَا مُهَذَّبَةٌ حُسْنًا مَدَى الدَّهْرِ تَزْهَرُ
دُخُولٌ لِوَقْتِ وَاعْتِقَادُ دُخُولِهِ وَسَرُ وَطُهرٌ وَالْقِيَامُ المُحَرَّرُ
وَنِيَّةُ اتَّبَاعِ الْإِمَامِ وَنُطْقِهِ وَتَعبِينُ فَرْضِ أَوْ وُجُوبٍ فَيُذْكَرُ
بِجُملة ذكرٍ خالص عن مُرَادِهِ وبَسمَلَةٍ عَرْبَاءَ إِنْ هُوَ يَقْدِرُ
وَعَنْ تَرْكِ هَارٍ أَوْ لِهَاءِ جَلَالَةٍ وَعَنْ مَدْ هَمْزَاتٍ وَبَاءِ: أَكْبَرُ
وَعَنْ فاصِلٍ فِعْلٍ كَلَامِ مُبَابِن وَمَنْ سَبْقِ تَكْبِيرٍ وَمِثْلُك يَعْذرُ
فَدُونَك هَذِي مُسْتَقِيمًا لِقِبْلَة لَعَلَّكَ تَحْظَى بِالْقَبُولِ وَتَشْكُرُ
فَجُمْلَتُهَا الْعِشْرُونَ بَلْ زِيدَ غَيْرُهَا وَنَاظِمُهَا يَرْجُو الْجَوَادَ فَيَغْفِرُ
وَأَزْكَى صَلَاةٍ مَعْ سَلَامٍ لِمُصْطَفَى ذَخِيرَةِ خَلْقِ الله لِلدِّينِ يَنْصُرُ
فقولي: «دخول الوقت» إشارة إلى المكتوبة، فخَرَجَتِ النَّوافل غير الراتبة. و اعتقاد دخوله؛ لأنه إذا شك فيه، لم يجزم بما نوى، ولو تبين دخوله، لا تنقلب صلاته جائزة. واشتراط السَّترِ؛ أي: ستر العورة معَ القُدرة للتحريمة احتياطاً؛ لأنها ركن في رواية كما قال محمد، واختاره الطَّحاوِيُّ رحمه الله.
وقولي: «وطهر»؛ أي: طُهرُ البدنِ والثّوبِ والمكان عن نجس لا يُعفى عنه، ويطهرُ النَّجسُ بالماء والمائعِ المُزيل؛ كماء الورد، ويطهر البدن عن حدث وحيض ونفاس بالماءِ الظَّهور، أو التيتُم لعُذرِ.
والقيام في غيرِ النَّفْلِ، و «المُحرَّرُه منه أن يكون ناطقاً بالتحريمةِ حال القيام، أو قربه منه، فمَن أدرك الإمام راكعاً فكبر منحنياً، لم تصح تحريمته.
ونية اتباع الإمامِ على المُقتدي لازمةٌ معَ نيَّة أصلِ الصَّلاةِ، فَإِنْ لم ينوِ المُتابعة لا يكون شارعاً في الصَّلاةِ، لا مُنفَرِداً ولا مُؤتَما، فتبطل.
ومحلُّ النّيةِ القَلبُ، واستحبَّ المشايخ النُّطق بها؛ إذ لم يُسمع منَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم غَيْرُ تحريمته.
والنُّطق شرط، بل هو عَينُ التَّحريمةِ، فمَن هَمَسَ بها، أو أجراها بقلبه لم تكُن شيئاً، وكذا جميع أقوالِ الصَّلاةِ سوى النَّيَّةِ؛ كالثَّناءِ، والتَّعوذ، والبسملة، والقراءة، والتسبيح، والتكبير، والتَّشهد، والصَّلاةِ على النَّبيِّ، وكذا العِتاقُ، والطَّلاقُ، واليمين، والنذر، ونحوها.
وتعيينُ الواجب شمِلَ رَكعَتَيِ الطُّوافِ، والعيدين، والوِتْرَ، والمنذور، وقضاءَ نفل أفسَدَه.
وخرج بالواجب النفلُ؛ فإنَّه يصِحُ بمُطلَقِ النَّيَّةِ، حَتَّى التراويح عند عامة مشايخنا، وهو الصحيح، وفي قاضي خان»: الصَّحيحُ تعيينها، فالاحتياط في التراويح تعيينها.
وقولي: «فيذكُرُ»؛ أي: ينطق بلسانه بعدما نوى بقلبه الصَّلاة؛ أي: ينطِقُ بالتحريمة.
«بجملة ذكرٍ»؛ مُتعلّق بـ: «نطقه»، واشتراط الجملة لصِحَّةِ الشُّروع هو ظاهِرُ الرواية عن الإمام، نقله في «التجريد»، وبه قال أبو يوسف ومحمَّدٌ، فإنَّه الأكمل.
ورَوَى الحَسَنُ عن الإمامِ صِحَّةَ الشُّروع بقوله: «الله»، وعليه قول الزيلعي: يصِحُ الشُّروع بالاسم عند الإمام أبي حنيفة رحمه الله لا عند محمد إلا بالاسم والصفة، انتهى.
وقالَ ابنُ الشَّحنة: الفتوى على قول الإمامِ، انتهى.
ووَجهُه أَنَّ مَناطَ الحكمِ حُصولُ التَّعظيم؛ لكَونِهِ مُسْتَقًا مِنَ التَّالُه، وهو التَّجَبُّرُ، ففيه التَّعظيم، وهو مناطُ الحكم لإتمامه كما قالا، كذا في «العناية»، انتهى لكن يرد عليه أنه ليسَ مُشتَقًا، وهو أجَلُّ من أن يُذكرَ لهُ اسْتِقاقُ، وهو اختيار الإمامِ الأعظَمِ أبي حنيفة، والخليل رحمهما الله تعالى.
والذَّكر الخالص أنْ لا يشمل نحو الاستغفار؛ كقوله: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لي، والبسملة: الصَّحيح أنه لا يصح بها الافتتاح كما في «العناية».
و «العرباء»: المُراد بها لغةُ العَرَبِ، فلا يصِحُ شُروعه بالفارسية، ولا قراءتُه بها في الأصح في قولي الإمامِ الأعظمِ إِنْ قدرَ على العربيَّةِ.
وعن ترك هاو: والمُرادِ بالهاوي الألفُ النَّاشِى بالمد الذي في اللَّامِ الثانية من الجلالة، فإذا حذَفَه الحالفُ، أو الذَّابحُ، أو المُكَبِّرُ للصَّلاةِ، أو حذَفَ
الهاء منَ الجلالةِ؛ اختُلِفَ في انعِقادِ يمينه، وحِلَّ ذَبيحتِه، وصحة تحريمتِه، فلا يُترك ذلك احتياطاً.
وبمد همزة لا يكونُ شارعاً في الصَّلاةِ، وتبطلُ الصَّلاةُ بحُصولِه في أثنائها لو صحت تحريمته بمُعتَبرِه.
وبمد الباء يكون جمع «كَبَرِ»، وهو الطَّبَلُ، فيخرجُ عن معنى التكبير، أو هو اسم للحيض، أو اسمٌ للشَّيطانِ، فتثبتُ الشركة، فتُعدَمُ التَّحريمةُ.
والفعل الفاصل بينَ النِّيَّةِ والتَّحريمة، كما إذا نوَى ثمَّ عَبَثَ بثيابه، أو بدَنِه كثيراً، أو أكَلَ ما بينَ أَسْنانِه، وهو قدرُ الحمّصة؛ كالخارج، والشرب، والكلام وإن لم يُفهَمْ، ومنه التنحنُحُ بغيرِ عُذرٍ فاصل أجنبي يمنعُ صِحةَ التَّحريمةِ.
وأمَّا المشي إلى المسجد بعدَ النَّيَّةِ والوضوء: فليسا مانعين.
وسَبْقُ التَّكبيرِ يَسْمَلُ سَبْقَ الإمام، فإذا كبَّرَ المُقتدي وفرغ منه قبلَ فَراغ إمامه منه، لم يصح شُروعُه، وشمل تقديم التكبير على النية فلا يصحُ الشُّروع؛ إذ لا تُعتبر النية المُتأخّرةُ عنِ التَّحريمةِ في ظاهرِ الرّواية.
واستقبال القبلة شرط لانعِقادِ التَّحريمةِ معَ القُدرة على الاستقبال، فيسقُطُ بالعُذرِ، كما في بعض الشَّروط، والله سُبحانَه المُوفِّقُ بِمَنَّهُ وكَرَمِه.
ثم ألحقت جملة ما تصح به الصَّلاةُ مع ما تقدَّمَ من شُروطِ التَّحريمةِ، فقُلتُ:
وَأَلْحَقْتُهَا مِنْ بَعْدِ ذَاكَ لِغَيْرِهَا ثَلَاثَةَ عَشْرِ لِلْمُصَلِّينَ تَظْهَرُ
قيامك فِي الْمَفْرُوضِ مِقْدَارَ آيَةٍ وَتَقْرَأُ فِي ثنْتَيْنِ مِنْهُ تُخَيَّرُ
وَفِي رَكَعَاتِ النَّفْلِ وَالْوِتْرِ فَرْضُهَا وَمَنْ كَانَ مُؤْتَمًا فَعَنْ تِلْكَ يُحْظَرُ
وَشَرْطُ سُجُودِ فَالْقَرَارُ لِجَبْهَةِ وَقُرْبُ قُعُودٍ حَدُّ فَضلٍ مُحَرَّرُ
وَبَعْدَ قِيَامِ فَالرُّكُوعُ فَسَجْدَةٌ وَثَانِيَةٌ قَدْ صَحٌ عَنْهَا نُؤَخَّرُ
عَلَى ظَهْرِ كَفَّ أَوْ عَلَى فَضْلِ ثَوْبِهِ إذَا تَطْهُرُ الْأَرْضُ الْجَوَازُ مُقَرَّرُ
سُجُودُكَ فِي عَالٍ فَظُهُرٌ مُشَارِكٌ لِسَجْدَتِهَا عِنْدَ ازْدِحَامِكَ يَغْفِرُ
أَدَاؤُكَ أَفْعَالَ الصَّلَاةِ بِبَقْظَةٍ وَتَمْيِيرُ مَفْرُوضٍ عَلَيْكَ مُقَرَّرُ
وَيَخْتِمُ أَفْعَالَ الصَّلَاةِ قُعُودُهُ وَفِي صُنْعِهِ عَنْهَا الْخُرُوجُ مُحَرَّرُ
فقولي: «وألحقتها» ضميره لشُروطِ التَّحريمةِ؛ أي: من بعد بيانها ألحق بياناً لغَيرِ التحريمة، وهو جمله ما تصح به الصَّلاةُ بعد توفِّرِ شُروطِ التَّحريمةِ التي تقدَّمَ بيانها. فالقيامُ في المَفروض منَ الصَّلاةِ قدر ما يقرأُ الفَرْضَ، وأدناهُ آيَةٌ، وكذا القيام في كل صلاة واجبة، ونفل ولو جالساً.
وقولي: ويقرأُ في كلِّ ثنتين منه؛ ضميره للمفروض؛ فَإِنَّ فَرْضَ القراءة فيه في ركعتين غير مُعيَّنتَينِ، فالتخييرُ لإيقاع المفروض فيما يصح فيه، وإن كان تعيين الأوليين واجباً للقراءة؛ فإنَّ المقام لبيان ما تصح به الصَّلاةُ.
في كل ركعاتِ النَّفْلِ والوِترِ تُفتَرَضُ القِراءةُ؛ لأنَّ كُلَّ شَفْعِ صلاةٌ على حِدَةٍ، والوتر شابه السُّنَنَ.
والمؤتم محجورٌ عليه عن القراءة، فتكره، وقراءة الإمام له قراءة.
وقولي: وبعد قيام فالركوع»: إشارة إلى أن ترتيب ما شرع في الركعةِ غير مكرر فَرضُ، فإذا ركَعَ قبل القيامِ الذي تقدَّمَ بيانه، لم يصح رُكوعُه، إلا إذا أدركَ إمامه راكعاً، فلا يُشترط إلا التَّحريمةُ قائماً، وكذا لو سجدَ قبل الرُّكوعِ، ثم ركع لم يُعتد به؛ أي: بالسّجود.
وقولي: «فَسَجدَةُ: المُرادُ السَّجدةُ المُعتبَرةُ على التحقيق بوضع الجبهة واليدَينِ والركبتين وباطن أصابعِ الرَّجلَينِ، كما بينته بـ «شرحِ المُقدِّمة».
وقولي: «وثانيةٌ قد صَحَ عنها تُؤَخَّرُ»: بيانُ لصِحَّةِ الصَّلاةِ مَعَ تأخيرِ السَّجدة الثَّانية عن محلّها؛ لأنَّ مُراعاة ترتيبها واجب، وفيه إشارة إلى افتراض الفَصل بين السجدتين، وقدره إلى قُربِ القُعودِ في الأصح كما أشرنا إليه بعجز البيتِ السّابق.
وقولي: «على ظَهْرِ كَفَّ»؛ أي: كفَّ نفسه، مُتعلّق بقولي: «فَسَجدة»؛ فإِنَّه إذا سجد عليه، أو على طرف ثوبه، أو كورِ عمامته يصح إذا طهر محل وضعه، ويُكرَهُ إِذا كانَ بغيرِ عُذرٍ.
وفيه إشارة إلى وجدانِ حَجْمِ ما سجَدَ عليه؛ إذ هو شرط له كما أشرنا إليه بصَدْرِ ذلك البيت، كطهارة محلَّ الوَضْعِ؛ لأنَّ السُّجودَ عليه.
وقولي: «سُجُودُكَ في عال»؛ أي: محلّ مُرتفع، بيان وإشارةٌ إلى أَنَّ مُطلَقَ الارتفاع لا يضُرُّ على القَدْرِ اللَّازِمِ للجواز، وهو مُقدَّر بنصف ذراع، فالزَّائد عليه لا يضُر لعذر الازدحام.
واشترطنا يقظته حالَ أداء الأفعال، فإن نام قبلَ وُجودِها فوجِدَتْ وهو نائم، لم تُعتبر.
واشترطنا معرفة حقيقة ما في الصَّلاةِ من مفروض؛ ليتميز عن غيره كتمييز ركعات الفرض عن ركعاتِ النَّفْلِ.
وأما تعيينُ ما اسْتَمَلَتْ عليه الرَّكعاتُ من فرض، فليس شرطاً، فإذا اعتقد أنَّ بعضاً منها فَرضٌ وبعضاً سُنَّةٌ، صحت، أو اعتَقَدَ أن جميعَ فعلِها فَرضٌ، صحت، بخلاف ما لو اعتَقَدَ سُنِّيةَ الجميعِ، فلا تصح.
والقعود الأخير قدرَ التّشهدِ فَرضٌ شُرِعَ لخَتمِ الأركان، فإذا تذكَّرَ بعده سجدةً صُلْبيَّةً، يُعيده، وكذا يبطل بسُجُودِه سجدة تلاوة، فيُعيده.
والخروج بصنعِ المُصلِّي فرضٌ عندَ الإمام الأعظم، وهو المُحرَّرُ عندَ المحققين من أئِمَّتِنا، وقد بسطنا الكلام عليه في رسالة سميتها: «المسائِلَ البَهيَّةَ الزَّاكية على المسائل الاثني عشَرِيَّةِ»، والله المُوفِّقُ بمَنه وكرمه، ويُغتفر هذا؛ فإنَّه من مفردات هذا الجمع لا يُوجَدُ في غيره، فليُغْتَنَمْ، وليَدْعُ مُستفيده لجامعه ولذرّيته ومشايخه ومُحبّيه وللمُسلمين، وله بمثله.
واجباتُ الصَّلاةِ
الواجِبُ لغةً: بمعنى اللزوم، والسُّقُوطِ، والاضطراب.
وشرعاً: اسمٌ لِما لَزِمَنا بدليل فيه شُبهَةٌ، وإنَّما سُمِّيَ بِهِ؛ إِمَّا لَكَونِهِ ساقِطاً عنا عِلْماً، أو لكونه ساقطاً علينا عَمَلاً، أو لكونه مُضْطَرِباً بينَ الفَرْضِ وَالسُّنَّةِ، أو بينَ اللُّزومِ وعَدَمِ اللُّزومِ؛ فإنَّه يلزَمُنا عَمَلاً لا عِلْماً، وشُرِعَ الواجب لإكمال الفَرضِ، والسُّنَنُ لإكمال الواجبات، والأدب لإكمال السُّنَنِ.
لكُلَّ صلاة فافتتاح مُقَدَّرُ بإيجاب ذكر قولنا: الله أكبَرُ أي: يجب افتتاح كلّ صلاةٍ بلفظ التكبير؛ كقوله: «اللَّهُ أَكبَرُ»؛ للمُواظبة عليه من لَدُنِ النَّبيِّ، سواء كانَت فَرْضاً أو نَفلاً أو واجبةً، فلا يختص به افتتاح العيد على ما ذكره ابنُ وَهْبانَ بِقَولِه:
وفي فتح عيد تُوجِبُ الله أكبر
بل هو عام في افتتاح كل صلاة.
وتَقديه أُمَّ الكِتابِ وذَاتُها ومن غيرها آي ثلاث تُقَدَّرُ
فيه ثلاثُ مسائل: وُجوبُ تقديم الفاتحة على السُّورة، وذاتُ الفاتحة واجبة أيضاً؛ لمواظبة النَّبي لها على الفاتحة، وعلى تقديمها حتَّى ولو ابتدأ بسورة ناسياً، فتَذَكَّرَ، يقرأُ الفاتحة، ثمَّ يقرأُ السُّورةَ، ويسجُدُ للسَّهْوِ.
وضَمُّ ثلاث آيات قصار، أو سورة قصيرة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب وسورة، في فريضة أو غيرها»، والمنفي كمالها.
لدَى أُوْلَييْ فَرْض وسائرِ نَفْلِها ووثر جميعا للوجوبِ مُحرَّرُ
فيه بيانُ محل الواجب المُتقدم، وهو أن يكون مقروءاً في الأُولَينِ مِنَ الفَرْضِ، فإذا قرأه في الأُخرَيَيْنِ، أو في إحدَى الأُوليين وإحدَى الأُخرَيَين ساهِياً يسجد للسهو؛ لتأخيره عن محله.
وفي كل ركعاتِ النَّفْلِ المُؤكَّدة وغيره، وفي جميعِ رَكَعَاتِ الوِتر، ومثله في العيد للمواظبة.
مراعاة ترتيب السجود لمثله وضَمُّكَ وَضْعَ الْأَنْفِ للجَبْهَةِ اظْهَرُ
ترتيب ما شُرعَ مُكرَّراً في الركعة هو السَّجدة الثانية، فيتركها وفعلها في غيرها تصح ويسجد للسهو، وضَمُّ ما صَلُبَ من الأنف للجبهة في السجودِ واجب للمواظبة، ورَجَعَ الإمامُ الأعظَمُ عن جواز الاقتصار على الأنف في الأصح.
تَشَهدُهُ في كلّ حالٍ وجَلسَةٌ ترى أولاً في الفَرْضِ قُلْ هُوَ أَنصَرُ
فيه وجوب قراءة التشهد في كلِّ جُلوس لكل صلاة، ووُجوب الجلسة الأولى في الفَرْضِ، وهو الصَّحيح؛ للمواظبة، وقيلَ: يُسَنُ.
ومن بعد ذا إسراعه بقيامه لثالثةِ الفَرْضِ السَّلامُ المُقدَّرُ أي: يجبُ المُبادَرَةُ إلى القيامِ لثالثةِ الفَرْضِ بانتِهاءِ التَّشهدِ، حَتَّى إِذا جَلَسَ ساكِتاً مقدار رُكن، أو مُسْتَغِلاً بذكرٍ قدره ساهِياً، يسجُدُ للسَّهوِ لذاتِ تأخير القيام، لا لما أتى به من ذكرٍ في حالِ التَّأخيرِ.
ويجب في كلِّ من اليمين واليسار لفظةُ «السَّلامِ»، وهو المُرادُ بِقَولِنَا: «المُقدَّرُ»؛ أي: أنَّ زيادة «عليكم ورحمة الله ليسَتْ واجبةً؛ إذ يُحصَرُ المقصود بلفظ «السَّلامِ» دونَ مُتعلّقه.
وتعديل أركانِ الصَّلاةِ جميعها ويفرضه يعقوب حقا وينصرُ فيه وجوب الاطمئنان في كلِّ رُكن من كلِّ صلاةٍ ولو نَفْلاً، وقال أبو يوسف: الاطمئنان فرضٌ حقًا، وينصُرُ أبو يُوسُفَ قَولَهُ بحديث المسيء صلاته، ولنا الأمر بالركوع والسجود، وهو لما يتحقق به المأمور به، ومفاد الحديث الوجوب، فقُلنا به؛ لقوله: «قُمْ صَلِّ فإِنَّكَ لم تُصَلِّ» أي: كاملة.
وجَهرُ إمام في العشاء ومَغرِبِ بأوَّلَيهِما والفَجْرِ مهما يُصَوَّرُ يجب على الإمامِ الجهرُ بالقِراءةِ في الأُولَيَينِ مِنَ المغرب والعشاء أداءً كانَ أو قضاء؛ للمواظبة، ولفعله صبح ليلة التّعريس قضاء.
وفي الوتر في شهر الصيام قيامه فَحَتماً إذا يتلو الإمام فيجهَرُ يجب الجهرُ على الإمام في وِترِ شهرِ رمضانَ والتَّراويح.
وفي الجمعةِ الغَرَّاءِ والعيد ثم لا چهار يُرى فيما عداهُ فَيُذكَرُ لا يُرى: لا يُعتَقَدُ، فلا يُجهَرُ في غير ما تقدَّمَ؛ للمواظبة، وحقيقة الجهرِ إسماع الغير، ولا يزيد على حاجة القومِ فيه. ومافيه جهرٌ فالخيارُ المُفرد يُصلي كنَفَلٍ جُنْحَ ليلٍ يُستر يعني به الرَّجُل، فإنَّ المرأة لا يُستَحَبُّ لها الجهر بالقراءة في الجهرية، وخير المُنفَرِدُ؛ إذ ليس معه من يسمعُه، وإذا جَهَرَ وعنده نيام، فلا يأتي بما يُشَوِّشُ عليهم، ويكتفي بأدنى الجهرِ الحُصولِ المَقصودِ به؛ لحديث عائشة رضي الله عنها أنه عليه السّلامُ جَهَرَ فِي التَّهَجُدِ بِاللَّيلِ، فَكانَ يُؤْنِسُ اليَقْطَانَ، ولا يُوقِظُ الوَسْنانَ.
وأشرنا بقولنا: وما فيه جَهرٌ إلى أنَّ المُنفرد لا يُخيَّر في الفريضة السِّرِّيَّةِ؛ لوُجوبِ الإسرارِ فيها حَتْماً، والسِّرُّ إسماعُ النَّفس، وليسَ مُجرَّدَ تحريكِ اللّسانِ بإيمانِه إلى مَخارِجِ الحُروفِ شيئاً.
قُنوت كذا تكبيره وزوائد لعيد وتكبير الركوعِ المُؤَخَّرُ القُنوت واجب، وهو الدُّعاء المأثور، أو ما يقومُ مَقامَه، وكذا تكبيرةُ القُنوتِ، وتكبيراتُ الزَّوائد في العيدين، حتّى كلُّ تكبيرة بذاتِها؛ لأنَّها تُضافُ للصَّلاةِ فَكانَت واجبةً، وتكبير الركوع في ثانية العيدين؛ لاتصالها بالواجب، فوجَبَتْ تبعاً لتكبيراتِ الزوائد.
***
سُنَنُ الصَّلاةِ
وسُنَّتُهَا رَفعُ النُّورِ أَيادِياً إلى حَذْهِ أُذْنِ وَالأَصَابَعُ تُنشَرُ
السُّنَّةُ لُغَةٌ: الطَّريقةُ المُعتادَةُ، ولو سَيِّئَةً.
واصطلاحاً: الطَّريقةُ المسلوكةُ في الدِّينِ.
وسُنَّ الرَّفع؛ لأنَّ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم كانَ إذا صلَّى رفَعَ يديه حتَّى يكون إبهاماهُ حِذاءَ أُذنيه، ناشراً أصابعه، والنَّشر تركها على حالها، لا تُضَمُّ كلَّ الضَّمِّ، ولا تُفَرَّجُ كلَّ التفريج، ويرفع قبل الفراغ من تكبيرة الإحرام، فإن لم يفعل فات محله، فلا يرفَعُ. كذا قنَّةٌ ثم الحرائِرُ رَفعُها إلى منكب إذ ذاك فيهِنَّ أَسْتر مَنْكِب الأَمَةُ كالرَّجُلِ فِي رَفع الأَيْدي؛ لأنَّ ذِراعيها ليسا بعورة، والحرة ترفع يديها إلى مَنكِبَيها على الصَّحيح؛ لأنَّ مَبَنَى حالها على السَّترِ، وَذِراعُها عَوْرَةٌ.
كَذَاكَ اعْتِدَالُ الرَّأْسِ عند افتتاحها وتفريج اقدام بأربع قدروا
اعتدال الرَّأْسِ تَركُها مُستقيمةً، فلا يُنكِّسُها عند الافتتاح؛ لأنَّه المُتوارَثُ، وتفريجُ القَدَمَينِ بمِقدار أربعة أصابعَ؛ لأنَّه أَقرَبُ إِلى الخُشوع.
وتُسَنُّ مُقارَنةُ المُقتَدي إحرامه بإحرامِ إمامه كالسَّلامِ معه عند الإمامِ الأعظَم؛ لأنَّ الاقتِداءَ مُوافَقَةٌ بالمُقارنة عندَ عدمِ الاشتباه، فإنْ بَعْدَ عنه تابعه، والمُتابعَةُ قَولُهما مُطلَقاً.
ووضعُ الرَّجالِ الأَيدِ من تحت سُرَّة وذا للنساءِ سَتْراً على الصدر يصدُرُ يُسَنُ للرَّجُلِ وَضعُ يده اليمنى على اليُسرى تحتَ سُرَّتِه عَقِبَ التَّحريمةِ؛ لحديثِ عليٌّ رَضِيَ الله عنه: (إِنَّ مِنَ السُّنَّةِ وَضْعَ اليمين على الشِّمالِ تحتَ السُّرَّةِ، وتضَعُ النساء على الصدرِ؛ لأنَّه أستر لهنَّ، وصفةُ الوَضْع وردَ أَنَّه تضَعُ الكَفَّ على الكَفِّ، ووَرَدَ قَبضُها.
قناة وتأمين تعود قاري وتسمية تحميد بالسر تُذكَرُ دعاء الاستفتاح: «سُبحانَكَ اللَّهُم ... إلى آخرِه سُنَّةٌ لكُلِّ مُصلِّ، ولو مَأْمُوماً، وكذا التأمين بعد الفاتحة.
والتَّعوُّذُ سُنَّةٌ لمَن يقرأُ، فيأتي به المسبوق لا المُقتَدي، فلذا قيَّده بالقاري. والتسمية عند افتتاح الفاتحة في كل ركعةٍ سُنَّةٌ مُؤكَّدةٌ، وتجوزُ قبلَ السُّورةِ. والتَّحميدُ: ربَّنا لك الحمدُ سُنَّةٌ للمُؤتَمِّ والمُنفَرِدِ، والإسرارُ بها سُنَّةٌ، وأشارَ إلى أنَّ التسميع، وهو قَولُ الإمامِ: سَمِعَ اللهُ لمَن حَمِدَهِ؛ أَي: قَبِلَ اللَّهُ حَمْدَ مَن حَمِدَه، يكونُ جَهراً؛ لِيَحْمَدُوه.
وفي الفجرِ أو ظهرٍ طِوالُ مُفَصَّل وعَصْرُ عِشَاءٌ أَوسَطٌ مَغرِبُ اقْصَرُ المُفَصَّلُ: منَ الحُجُرَاتِ إِلى آخرِ القُرآنِ سُمِّيَ به؛ لكثرةِ الفَصْلِ بالبسملة، وطواله: إلى البروج، وأوساطه: بعدها إلى «لم يكُنْ»، وقصارُه: منها إلى آخرِ القُرآنِ. الطُّوالُ والقِصارُ: بكسرِ الأَوَّلِ فيهما، جمعُ: طَويلة وقصيرة، ككريم وكريمة، والطُّوالُ بالضَّمِّ: الرَّجُلُ الطُّويل.
وهذا إذا لم يُثقِل على المُقتَدينَ بقِراءتِه منَ الطُّوال، والأصل فيه ما كتَبَ عُمَرُ رضِيَ الله عنه إلى أبي مُوسَى الأَشعري رضي الله عنه: أن اقرأ في المَعْرِبِ بقِصارِ المُفَصَّلِ، وفي العِشاء بوَسَطِ المُفَصَّلِ، وفي الصُّبح بطوالِ المُفَصَّل، رَواهُ عبدُ الرَّزَّاقُ في «مُصَنِّفه»، والظُّهرُ كالفَجرِ لمُساواتهما في سَعَةِ الوَقتِ.
وفي سَفَرٍ مَهْما يكون فسُنَّةٌ لتخفيف مولانا الكريم فيشكرُ ولو في الفجرِ؛ لحديث أبي داود: «أنه قرأ بالمُعَوَّذَتَينِ في صلاةِ الفَجرِ في السَّفَرِ».
وتكبيره حال الركوع مسبحاً وفي الوَضْعِ أَيضاً في الجميع مقرر مُقَرَّرُ أي: يُسَنُّ التكبيرُ عندَ إرادةِ الرُّكوع، ويختِمُه بانحِنائِه؛ ليبتَدِئَ بتسبيحه، وفي رفعِه ليشتَغِلَ بالتَّحميدِ إلى أن يصل للسُّجودِ، فيُكبِّرُ له، ثمَّ يُسبِّحُ، ثمَّ يرفَعُ رأسه مكبراً، وهكذا.
فلا تخلو حالةٌ من حالاتِ المُصلَّي عن ذكر إلى تمامها، ولا ينقُصُ التَّسبيحَ عن ثلاث، في الركوع: «سُبحانَ ربّي العظيم»، وفي السُّجودِ: «سُبحانَ رَبِّيَ الأعلى»، والمُنفَرِدُ يزيدُ ما شَاءَ، ويختِمُ على وتر.
بداءَتُه عند الهُوي بركبة فأيدِ جَبين بينَ كَفَّيهِ يُؤْمَرُ
وعند نُهوضٍ قَلْبُ ذلك فعله وليس له عُذْرٌ ولا هُوَ أَكبَرُ
لقول وائل بنِ حُجْرٍ رَضِيَ الله عنه: رأيتُ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا سَجَدَ وَضَعَ رُكِبَتَيهِ قبل يديه، وإذا نَهَضَ رفَعَ يديه قبلَ رُكبتيه.
وهذا إذا كانَ قوِيَّا، أما إذا كانَ ضَعيفاً، أو لابِسَ خُفٌ لا يُمكِنه ذلك، يبدأُ بِوَضْعِ يديه، ويعتمدُ عليهما للسُّجودِ والنُّهوض ويُستَحَبُّ الهبوط باليمين، والنُّهوض باليسار، وفي «صحيح مسلم»: أنَّه سجَدَ ووَضَعَ وجَهَهُ بينَ كَفَّيْهِ.
جلوس على يُسرَى ونَصبُ يمينه إلى قبلة منها الأصابع صدرُوا أي: يُسَنُ للرَّجُلِ الجلوس على رِجلِه اليُسرَى مُفترشةٌ، ونَصبُ رِجله اليمينِ مُوَجِّهاً أصابعها نحو القبلة؛ لحديث عائشةَ َرضِيَ اللهُ عنها: كانَ صلى الله عليه وسلم يفترِشُ رِجلَه اليُسرى، وينصِبُ رِجلَه اليُمْنَى.
ولقَولِ ابنِ عُمَرَ رضي الله عنهما من سُنَّةِ الصَّلاةِ أن ينصِبَ القَدَمَ اليُمْنَى واستقباله بأصابعها القبلةَ، والجلوس على اليُسرَى.
وَيسُطُ كَفَّيهِ على الفَحْدِ جالساً بتصديره إيَّاهُ فِعلاً يُكرَّرُ
بكل جُلوس وانفصال بسجدة واصْبَعُه بالرفع للنفي تُقدَرُ
أي: يُسَنُ بَسطُ الكَفَّينِ على الفَخِذَينِ في الجلوس بين كل سجدتين كحالة الجلوس للتّشَهدِ، ولا يأخُذُ الرُّكبَةَ، هو الأصح.
ويرفَعُ إصْبَعَه المُسبِّحةَ اليُمْنَى مُشيراً بالرفع إلى نَفْيِ الأُلُوهِيَّةِ عن غيرِ الله، وبالوَضْعِ لإثباتِ الأُلُوهِيَّةِ اللهِ وَحدَه بالشَّهادة؛ لِما ثَبَتَ فِي السُّنَّةِ الشَّرِيفَةِ أَنَّه كانَ إِذا سجد ورفع رأسه منَ السَّجدةِ الأُولى، رفَعَ يديه منَ الأرضِ، ووضَعَهُما على فَخِذيه، وقالَ: صَلُّوا كما رَأَيْتُمُونِي أُصلِّي.
وفي حديثِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنهُما: وأشارَ بالسَّبَّابَةِ» أي: أشارَ النَّبِيُّ. ولقول أبي هُرَيرَةَ رَضِيَ الله عنه: إِنَّ رَجُلاً كَانَ يدعُو بإصبَعَيْه، فقال له رسول الله: «أَحد أَحدهُ»، والقَولُ بالإشارة احتراز عن قول كثير من المشايخ: إِنَّهُ لا يُشيرُ أصلاً، وهو خِلافُ الرّوايةِ والدراية.
وخالفه في النَّصْبِ والوَضْعِ نِسْوة توَرُّكُها والخَفْضُ أيضاً مُكرَّرُ أي: خالفَتِ المرأةُ الرَّجُلَ في أخذِ الرُّكبتين باليدين، وتفريج أصابعه ليقبض رُكبتيه، ويتمَكَّنَ من بَسْطِ ظَهرِه، وهي لا تُفرِّجُ أصابعها، و «في النَّصْبِ» يعني: نصبَ الرِّجْلِ اليُمْنَى وافتِراشَ اليُسرَى، فلا تنصبُ أَصابع القدَمِ؛ لأنَّها تتوَرَّكُ.
وفي السُّجودِ تنخَفِضُ، فتُلزِقُ بطنَها فَخِذيها، وتتوَرَّكُ في الجلوس، وهو أن تجلس على أليَتها، وتضَعَ الفَخِذَ على الفَخِذِ، وتُخرِجَ رِجلَها مِن تحتِ وركها اليُمْنَى؛ لأنَّه أستر لها في جميع جلساتها.
وثانية منها گالاولي بلائنا ولا رَفْعِ أيد والعوذ يحذَرُ أي: يفعَلُ المُصلَّي في الركعةِ الثَّانية كما فعَلَ في الأولى، إِلَّا أَنَّه لا يُثني، ولا يتعوَّذُ، ولا يرفع يديه حذاءَ أُذنيه في حال إرادة الركوع وقيامه منه.
وفي فقعسٍ مَعْ صَمْعَحٍ سُنَّ رَفعُها تشهدنا ما لابن مسعود انصر
نصَّ على المَواطنِ الَّتي يُسَنُّ فيها رَفعُ اليدَينِ بهِذِهِ الْأَحْرُفِ العَشَرَةِ:
فالفاء: لافتتاح كل صلاة.
والقافُ: للقُنوتِ في الوِتْرِ.
والعين الأولى: لتكبيراتِ الزَّوائد في العيدين.
والسِّينُ: لاستلام الحجرِ الأَسْوَدِ.
وفي هذه الأربع يرفَعُ مثل الرفع للتحريمة، وفي البواقي يبسُطُ كَفَّيه نحوَ السَّماءِ، ثمَّ يمسح بهما وجهه بالرَّحمةِ النَّازِلِةِ عليهما بدعائِه لَقَولِ ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عنهما: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا دَعوتَ اللهَ فَادعُ بباطِنِ كفَّيكَ، ولا تدعُ بِظُهورِهما، فإذا فَرَغْتَ فامسح بهما وَجْهَكَ»، رَواهُ ابنُ مَاجَه.
ولقَولِ ابنِ عُمَرَ رضي الله عنهما: «كَانَ صلى الله عليه وسلم اذا رفع يديه في الدُّعاءِ لم يحُطَهُما - وفي رواية: لم يُرُدَّهُما - حتّى يمسح بهما وجهَه، رواه الترمذي رحمه الله.
والميم: المُشاهِدَةِ الكعبة المُشرَّفَةِ؛ لأنَّ الدُّعَاءِ حِينَئِذٍ مُستجاب.
والعين الثانيةُ للدُّعاء بعدَ فَراغ المُصلِّي من التسبيح والتحميد والتكبير في كل صلاة ثلاثاً وثلاثين، وختمه المئة بـ: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كلِّ شيءٍ قدير»، دبر كل صلاةٍ مفروضة.
وعن أبي يوسفَ: أَنَّ رَفعَ اليد في الدُّعاءِ سُنَّةٌ، وعليه المُسلِمونَ في سائر البلدان.
والصَّادُ: للصَّفا حينَ يرقى عليها.
والميم: للمروة.
والعينُ الثَّالثةُ: للجَمعَينِ، جمع عَرَفَةً ومُزدَلفةً.
والجيم: للجَمَراتِ الأُولى والوُسْطَى فيما بعد يومِ النَّحْرِ.
ولمَّا كانَتِ الأحرُفُ ثمانيةٌ كما في «الكنز»، وقد كرَّرَ العَينَ، أَتَّجه زيادتي الميمَ والعَينَ للدُّعاءِ والمُشاهدة للكعبة، وإلَّا؛ فالميمُ والعَينُ في صَمْعَجِ» يُشار بهما لما زِدْناه، غير أنه لم يذكر في تفسير الأحرف، فنبَّهنا لذلك بالزيادة.
والتشهدُ المَروِيُّ عن ابن مسعودٍ أخَذْنا به، لا بتَشَهدِ ابن عباس
رضِيَ الله عنهم وذلك معلوم.
والسُّنَّةُ أن يُسرَّ بقراءةِ التَّشهد، ويقصِدُ المُصلَّي بألفاظِ التَّشهدِ معانيها مُرادةً له على وجه الإنشاء منه، وإن كانت على منوال حكاية سلام الله ورسوله، فكأَنَّه يُحيي الله ورسوله، ويُسلّم عليه، وعلى نفسه والصَّالحين، خلافاً لما قال بعضُهم: إنَّه حكاية سلام الله لا ابتداء سلام من المُصلِّي، وشرحه في شرح مُقدَّمَني إمداد الفتاح.
وَقَدْ سُنَّ بعدَ الأُوليين قراءة لفاتحة يُروَى الوُجُوبُ ويُسْطَرُ قراءة الفاتحة في الثَّالثة من المغرب، وفيها وفي الرابعة من العشاء والظُّهرِ والعَصْرِ سُنَّةٌ، هو المذهب، ويُروى عن الإمامِ وُجوبها فيها.
ويُروى افتراض الرفع بعد ركوعه وإيجاب تسبيح به ويكبر كذاكَ سُجود قيل فيه بمثله وَصَلَّ على المُختارِ والآلِ تُشْكَرُ أفاد هذا؛ ليُحرِّضَ النَّاسكَ على فعله، ولا يتهاون في تركه احتياطاً، فإِنَّ الرَّفْعَ منَ الرُّكوعِ فَرضٌ عند أبي يوسف وغيره من باقي الأئِمَّةِ، وهو رواية عن الإمام.
ومُقتَضَى الدَّليل الوجوب، وقيل بوجوب التسبيح والتكبير في الرُّكوعِ والسجودِ، حكاه في «البرهان».
والصَّلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في القعودِ الأخير بعدَ التَّشْهَدِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدةٌ، وعندَ الشَّافعي
رضِيَ الله عنه فَرضُ، وكذا عندَ غَيره، فلذا قلنا:
وصل على المُختارِ والآلِ تُشكرُ
ومِنْها دعاء شابَه الذَّكَرَ أَوْ أَتَى بسُنَّةِ مُختار وبالغَيرِ يُحْظَرُ
أي: منَ السُّنَّةِ دُعاءُ المُصلَّي بعد صلاته على النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم بما يُشبِهُ ألفاظ القُرآنِ والسُّنَّةِ.
ومنه: «اللَّهُمَّ إِنِّي أسألُكَ منَ الخيرِ كلَّه، ما علِمْتُ منه وما لم أعلَمْ، وأعوذُ بكَ منَ الشَّرَّ كله، ما علِمْتُ منه وما لم أعلَمْ».
ويمتنع على المُصلَّي الدُّعاء بغير ذلك، وهو ما يُشبِهُ كلامَ النَّاسِ، بأن يسأل ما لا يستحيلُ سُؤاله من غير الله تعالى؛ كقَولِه: اللَّهُمَّ أعطِني مَنصِبَ كذا، زَوِّجْنِي فُلانة، ارزقني سُرِّيَّةً سَنِيَّةٌ، ارزُقْني كذا قنطاراً منَ المالِ.
فإذا قاله خرج به المُصلِّي منَ الصَّلاةِ إذا كان قد جَلَسَ قَدْرَ التّشهدِ الأخير، وفاتَ به واجبُ السَّلامِ، وقبل ذلك تبطُلُ الصَّلاةُ به؛ لأنَّه من كلامِ النَّاسِ. ومنها التفات بالجهات مُسَلَّماً ويخفض ثانيه ويُنْوَى المُقَرَّرُ أي: منَ السُّنَّةِ التِفاتُه يميناً ويساراً بالسَّلامِ، وبدَاءتُه باليمينِ، وخَفْضُ صوتِه بالثانية عن الأولى، وينتظر المسبوق فَراغَ إمامه لاحتمالِ سَهْوِ عليه، وينوي بسلامه ما قرره المشايخ، أشار إليه بقوله:
فإن كان مأموماً فينوي إمامَهُ مع القوم والأَمْلاكِ فيما يُصَوِّرُ
المأموم ينوي بسلامه ثلاثة: القوم، والحفَظَةَ، وصالح الجِنِّ، مع الإمام في اليمين أو اليسار إنْ كانَ إمامه في ذلك الجانب.
وإنْ حاذَى الإمامَ في أي صَفٌ نواه في كل جانب مع الحفَظَةِ وصالحِ الجِنِّ والقومِ، وينوي الحفظة من غيرِ حَصْرٍ بعدَدٍ؛ للاختلافِ فيه.
والحفَظَةُ جمعُ «حافظ»؛ كـ «كَتَبَة»، وسُمُّوا به؛ لحفظهم ما يصدرُ منَ الإنسانِ من قَولٍ وعَمَلٍ، أو لحفظهم إيَّاهُ مِنَ الجِنِّ وأسبابِ المَعاطبِ.
وعن ابنِ عباسٍ رَضِيَ الله عنهما أنَّه قالَ: «معَ كلِّ مُؤْمِنٍ خمسةٌ منَ الحفَظَةِ، واحد عن يمينه يكتُبُ الحسَناتِ، وواحد عن يساره يكتُبُ السَّيِّئَاتِ، وآخَرُ أَمامَه يُلقَنُه الخيرات، وآخَرُ وراءه يدفَعُ عنه المَكارِة، وآخَرُ عندَ ناصيته يكتُبُ ما يُصلّي على النَّبي الله، ويُبلّغه إلى الرَّسولِ عليه الصَّلاةُ والسَّلام».
وفي بعض الأخبار: «معَ كلِّ مُؤمن سبعونَ مَلَكاً».
وفي بعضها: «مئةٌ وسِتُّونَ يذُبُونَ عنه كما يُذَبُ عنه كما يُذَبُّ عن ضَعَفَةِ النِّساءِ في اليومِ الصَّائفِ الذُّبابُ، ولو بدوا لكُم لرأيتُمُوهم على كلّ سهل وجبل، كلُّهم باسِطٌ يدَه فاغر فاه، ولو وُكِلَ العبد إلى نفسِه طَرفةَ عَيْنٍ لاختَطَفَته الشَّياطينُ.
وينوي الإمام الجمع والفَذُ قاصِرُ على حافظ ذاك السَّلامَ فسطروا أي: ينوي الإمام الجمع الذين تقدَّمُوا كما ينويه المأمومُ، والفَنُّ؛ أي: المُنفرد، ويجعل سلامه على من معه من الملائكة، وقَلَّ مَن يتنبه لهذا، فسَطروا ما تيسر جمعه، واسألوا الله سبحانه وتعالى من فضله لكم، ولجامع هذه الأحكام، فإنَّ الله تعالى كريم ا مفيضٌ على الدوام.
وآدابها لا حصرَ مِنَّا لفعلها يحث عليها عالِمٌ مُتبَحرُ
يعني أن آداب الصَّلاةِ؛ كإخراج كفيه من كميه عند الإحرام، وتظم فيه عندَ التَّناقُبِ، ودفع الشعالِ ما استطاع، وكنظَرِه عند قيامه لمحل سجوده، وفي سجوده إلى أرنبة أنفه، وفي جُلوسه لحِجره، وعندَ السَّلامِ لمَنكِبِه الأَيْمَنِ بالأيمن، والأيسر في الأيسر وغيرها، يعلَمُها العالمُ المُتبحر ويحُثُ النَّاسَ عليها.
ومَكروهها والمُفسِداتُ فلا نُرِدْ لتعليمها إذ لا انحصارَ فَتُحصَرُ لمَّا كانَتِ المكروهاتُ والمُفسِداتُ كثيرةً، فكادَتْ أن تخرج عن الحد بالعد باعتبار الأفراد، وإنْ دخَلَتْ تحت ضابط؛ كقولنا: المكروه ضِدُّ المحبوب، وقد علمنا الآدَبَ والسُّنَّةَ والمُفسِدُ: ما لا يصلح في الصَّلاةِ، ولم يُبحْهُ الشَّارِعُ فيها = أعرَضْنا عنها طلباً للإيجاز، وما هو أهم، ومن المهم حُكم الإمامة والاقتداء، فقلنا:
شروط صِحَّةِ الإمامة
شروط إمام للجماعة تُحبر عليك لتُجْلَى بالحُليّ المُخَدَّرُ لما كانت هذه المسائل لحُسنها وانفرادها كالحسناء التي تُجلى، وقد كانَتْ مُخدّرةً، شُبِّهت بها؛ لانجلائِها وكَشْفِها لأربابها ذَوي الفَضائلِ أَبقاهم الله لنفع الأُمَّةِ، وأزالَ بهم عن الخافقينِ الغُمَّةَ، وكشَفَ بهدايتهم الظُّلمةَ المُدلَهِمَّةَ، بجاه حبيبه المُصطَفَى المَبعوث رحمة لخيرِ أُمَّة، صلى الله وسلَّمَ عليه وعلى أصحابه وآله السادة الأئِمَّةِ.
بلوغ وإسلام وعقلٌ مُنَورٌ وحِفظ المفروض القراءة قرروا
فالبلوغ شَرط لصحة اقتِدائِهم، فلا تصح إمامةُ الصَّبي ولو في نفل؛ لأنَّه ليسَ لازماً عليه بإفساده.
وإسلامه، وليسَ ظُهور علامة كافرِ مُتوهّمةٍ؛ فإنَّ المدار على الاعتقادِ كما يأتي بيانه.
وعقل؛ فالمعتوه وذو الجُنونِ المُتقطَّعِ حالَ صلاته لا يؤُمُّ، والعقلُ نُورٌ، فَوُصِفَ به، وهو بالقلب أو الدماغ، وشُعاعُه مُتَّصِلٌ بالثَّاني.
وحفظ ما تصح به الصَّلاةُ، وهو مَعلومٌ مُقرَّر بما تقدَّمَ، فالأُمِّيُّ لا يقتدي به مَن يحفظ آية بالعربية، كما هو مُحرَّرٌ برسالة لي.
ذُكُورِيَّة للبالغين وصحة سَلَامَتُه مِن كُلِّ عُدْرٍ فَيُحذَرُ
إمامةٌ فَأَفَاءٍ وتَمْتَامِ الشَغْ وفاقد شرط لا تجوز فحَرِّرُوا
لا تصح إمامة امرأة لرجل، وإمامتها لهنَّ صحيحةً مكروهةً، وهو معلوم. وصحة سلامته من ناقض صارَ به معذوراً، فلا يقتدي به سالم من عُذرِه، وإن اتحدَ عُذرُهما يصح الاقتداء، وهو مُقرَّر، فلا يقتدي من به انفلاتُ ريح بمن به سلَسُ بول. ويُحذَرُ؛ أي: تمتيع إمامةُ الفَافَاءِ، وهو الذي يُكرر الفاة حتى ينطق بها، أو الناة، وهو المنام، وكذا الألتَعُ ذو اللُّغَةِ - بضم اللام وسكون الناءِ - تحرك اللسان من السين إلى الشَّاءِ، ومن الرَّاءِ إلى الغين، أو إلى السلام، أو إلى الياء، أو من حرف إلى حرف.
لا يكون إماماً لغيره، فإذا عجز عن إصلاح لسانه باجتهاده ليلاً ونهاراً، فصلاته صحيحة لنفسه، وإنْ ترَكَ التصحيح والجهد، فصَلاتُه فاسدة.
وفاقد شرط؛ كالعاري، ومَن لم يجد ما يُطَهِّرُ به النَّجاسة الكثيرة عنه لغَيرِه لا تصح إمامَتُه له، ثمَّ بَيَّنَ المُشَارَ إِليه بقوله:
ونافي كرام أو شفاعة أحمد وصُحبَةِ صديق بذلك يُكْفَرُ كذا رؤية الباري بدار كرامة وجود لبعث للخَلائِقِ تُنْشَرُ ومَن يَنقُصُ الشَّيخَينِ بالسَّبِّ والأَذَى ومَن يدعي التجسيم جلَّ المُصوِّرُ وَمَا هُوَ مَعْلُومٌ مِنَ الدِّينِ جُملةً وَمَا أَطبَقُوا جمعاً عليهِ وقَرَّرُوا لثبوتها بالقطعيّ والمُتواتِرِ يُكْفَرُ جاحِدُها، والمُنتَقِصُ كذلك بالسَّبِّ، والمُجَسم، تعالى الله عن ذلك عُلُوًّا كبيراً، {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ} [الشورى: 11]، وكذلك مَن نفَى
ما هو معلوم منَ الدِّينِ، وأطبقُوا عليه وقرَّرُوه يُكْفَرُ جاحِدُه.
مسألة اللحان:
ومَنْ خَلفِ لحانٍ يؤدي صَلاتَهُ يُعيد على ما ينبغي ويُحرِّرُ
كذا في نظم ابن وهبان رحمه الله، هو يُفيدُ لزوم الإعادة سواءٌ عَلِمَ بوجودِ اللحن منه في تلك الصَّلاةِ أو لم يعلَمْ.
وهذا يُفيدُ أنَّه علم حاله بعد الاقتداء؛ لأنَّه إِذا كَانَ يَعلَمُ لحنه المُفْسِدَ لا يقتدي به ابتداءً.
وقوله: «لحان» ليسَ احترازاً عن لحنه مرَّةً؛ فإنَّه إذا لحنَ مُفسِداً في صلاته، فعلِمَ به بعضُ المُقتَدينَ، فأعادَها وهو فقيه ثقةٌ، يجب إعادتها على مَن أعلَمَه بذلك، وقوله: ويُحرِّرُ؛ أي: على اللَّحَانِ أن يُحرِّرَ قِرا قِراءَتَه.
مسألةٌ مُناسبة للاقتداء من «نظمِ ابْنِ وَهَبَانَ» رحِمَهُ اللهُ:
ومن لم يجد يا صاح في الصَّفٌ فُرْجةً تفرَّدَ خلف الصف والآنَ يُعذَرُ
وقُل جَدْبُه مَعْهُ منَ الصَّفُ آخَراً أَتَى أَوْ إلى حالِ الرُّكوعِ يُؤْخَرُ
ويزحمهم إِنْ شَاءَ والجَذْبُ جَائِز وفي عَصْرِنا قيلَ: التأخُرُ أَنصَرُ
إذا وُجِدَ الصَّفُ مَرصُوصاً لا فُرجة فيه جاز أن يجذب واحِداً منَ الصَّفُ خُطوات إلى نفسه، فيقف إلى جنبه، والأصَحُ أَنَّه ينتظِرُ إِلَى الرُّكوعِ، فَإِنْ جاء رجلٌ وإِلَّا؛ جذب إليه رجُلاً.
والقيام وحده أولى في زماننا؛ لغَلَبَةِ الجهل، فإنَّه إذا جذَبَه تفسد صلاته، وإذا رأَى مَن لا يتأذَى لعِلمِه ولصداقتِه زاحمه، أو عالماً جذبه.
وأقول: في قوله: «ويزحمُهم إِنْ شاءَ» إشارة إلى أنَّه لا يضرهم تليين مَناكبهم لدخوله بينهم، وهو أسهَلُ منَ الجَذْبِ والتَّأْخُرِ مِنَ الصَّفٌ معه ليقف بجانبه، بل ورد الأمر بتليين المناكب بقوله: «أقيموا الصفوف، وحاذوا بين المناكِبِ، وسُدُّوا الخلل، ولينُوا بأيديكم إخوانكم، لا تذَرُوا فُرُجَاتٍ للشَّيطانِ، مَن وَصَلَ صَفًّا وصَلَه الله، ومَن َقطَعَ صَفًّا قطَعَه الله.
وقوله: «خياركم أليَنْكم مناكب في الصَّلاةِ».
وبهذا يُعلَمُ جَهلُ المُستَمسِكِ لمَنعِه مَنْ يزحُمُ، وبه يندفعُ ما نُقِلَ عن كتابٍ يُسمَّى «المتجانس» من أنَّه إذا قيل للمُصلَّي: تقدَّم، فتقَدَّمَ، أو دخَلَ فُرجةَ الصَّفْ أحد، فتجانَبَ المُصلَّي توسعةً له؛ فسَدَتْ صلاته؛ لأنه امتثل أمرَ غيرِ الله في الصَّلاةِ، وينبغي أن يمكُثَ ساعةً ثُمَّ يتقَدَّمَ برأيه، انتَهَى.
لأنَّ الامتثالَ إِنَّما هو لأمر رسول الله، فلا يضُرُّ.
مسألة إطالة الإمام الركوع:
اختار الفقيه أبو اللَّيثِ فِعله لِمَن لا يعرِفُه، وأبو حنيفة منَعَ منه مُطلَقاً؛ لأنَّه إشراك؛ أي: رياء، كذا في البحر» وغيره، وقد نظمتُ ذلك فقُلتُ:
بفسح مُصَل للمُريد زحاته بسُنَّةِ خير الخلق فيها مُسَطَّرُ
فحُكم فساد بامتثال لأمره ضَعِيفٌ فَمَا فِي ذِي التَّجَانُسِ يُهدَرُ
لإدراك جاء للركوع يطيله أبو اللَّيثِ إِنْ لا عِلْمَ والصَّدرُ يحظُرُ
والصَّدرُ هو الإمامُ الأعظَمُ رحمه الله.
ثمَّ نظَمْتُ بيانَ شُروطِ الكَمالِ للإمامِ، وبيانَ مَن هو أحقُّ بالتَّقدُّمِ مَعَ توفِّرِ الشروط السابقة، فقُلتُ: فإن كانَ شَرْطِي قَدْ تَوَفَّرَ كُلَّه بِفَضلٍ وَقَالَ اصْدَعْ بِمَا كُنتَ تُؤمَرُ أي: إذا أَرَدْتَ توفر شروط الصحة في الإمام، وقال لسان الحق: اصدغ بما أمر به الشارع، نقول: يُقَدَّمُ سُلْطانُ فمَن كانَ يأمرُ فقاضي قُضاةِ المُسلمينَ المُصدَّرُ أي: أنَّ السلطان إذا حضَرَ لا يُقدَّمُ عليه أحد، فهو المُقَدَّمُ، ثمَّ إذا لم يكُن حاضراً، فالأميرُ يُقدَّمُ، ثمَّ إذا لم يكُنْ، فالقاضي؛ لِما له من الوِلاية، ولما رواه الجماعة إلا البخارِيَّ: ولا يُؤَمُّ الرَّجُلُ في سُلطانه، ولا يُقعَدُ في بيته على تكرمته إلا بإذنه».
فصاحِبُ دار ثمَّ ربُّ وظيفة فأَعْلَمُ نُسَاكٍ بها يتصَدَّرُ أي: أنَّ صاحب المنزلِ له التَّقدُّمُ بعد الذي تقدَّم، فإذا لم يكُنْ، فالأعلَمُ بأحكام الصَّلاةِ، وإن كان غير متبحر في بقية العلوم أحق بالإمامة، والمراد بالنشاكِ العلماء فأقرؤُهم أي: مَن يُجيد قراءةً لا الاكثرُ حِفْظاً وهو لا يتدَبَّرُ أي: إذا تساوَوْا في العلمِ يُقَدَّمُ الأقرأُ، وهو الأعلَمُ بأحكام القراءة ومعرفة أداء المخارج وتجويد تلاوته، وأمَّا كثرة الحفظ بدونِ ذلك، فلا تقتضي التَّقدُّم. فأَوْرَعُهم ثُمَّ الأَسَنُّ حَلِيمُهم فَالا جمَلُ وَجْهاً بالصَّباحةِ يُزهِرُ أي: إذا تساوَوْا فيما تقدَّمَ فأَوْرَعُهم - وهو الذي يجتَنِبُ الشُّبُهَاتِ بترَقِّيه عن مرتبة التَّقوى، فإنَّها اجتِنابُ المُحرَّماتِ - يكونُ أحق بالإمامة.
والأصل قوله صلى الله عليه وسلم: «إِنْ سَرَّكُم أن تُقبَلَ صلاتكم فلْيَؤُمَّكُم عُلماؤُكم، فإنَّهم وفدكم فيما بينكم وبين ربكم»، وفي رواية الحاكم: «فلْيَؤُ مَّكُم خِيارُكم».
ثمَّ إذا تساوَوْا في الورعِ يُقَدَّمُ الأسَنُ؛ لقوله: «ولْيَؤُ مَّكُما أكبر كما»، والأكبر أعظَمُ حُرمةً، ثمَّ الحليم؛ أي: ذو الأخلاق الحسنة؛ لأنَّه يألفه النَّاسُ، ثمَّ الأحسَنُ وَجْهَا؛ أي: أصبَحُهم؛ لأنَّ حُسنَ الصُّورة يدلُّ على حُسنِ السَّرِيرةِ، وصَباحةُ الوَجهِ سببٌ لكثرة الجماعة، فلا حاجة إلى ما تُكلّف به. فقيل: المُرَادُ به مَن كَثُرَتْ صَلاتُه باللَّيلِ، فلذا أكَّد نفيه بقوله: بالصَّباحةِ يُرْهِرُ وَجهُه.
فأشرفُ أنساب فالاحْسَنُ نَعْمَةً فأنظَفُهم ثوباً فذلك أَجْدَرُ ثمَّ بعدَ التّساوي فيما تقدَّمَ يُقَدَّمُ الأشرَفُ نسَباً؛ لتعظيمه واحترامه، ثم بعده الأحسَنُ نغمة؛ للرّغبة في سَماعِه، والخُشوع بحُسنِ تلاوته، فإنَّه أَدعَى لكثرة
الجماعة، ثمَّ الأنظفُ ثَوباً؛ لبُعده عن الدَّنَسِ، ومحبَّةِ رُؤيته، فهو بذلك أَحَقُّ. فذُو زَوجةٍ حَسناءَ وَهُوَ يُحِبُّها فَأَكْثَرُهُم مالاً فجَاهاً يُوَفَّرُ أي: إذا تَساوَوْا فيما تقدَّمَ فالأحَقُّ مَن له زوجةٌ حَسناء؛ لزيادة عفيه بها معَ محبتها، ثم الأكثَرُ مالاً؛ لتكون عبادته ليست للرّغبة فيما بأيدي النَّاسِ، بل خالصة الله تعالى، وهو أَدْعَى المَحبَّةِ النَّاسِ له بزهده فيما بأيديهم، ثمَّ الأكبر جاها؛ لأنَّه أَدْعَى للرغبة في الاقتداء به؛ لتَوفُرِ حُرمتِه.
فذو سَفَرٍ أَوْ فالمُقيمُ خِلافُهم فإنْ يَتَساوَوْا فالحُضُورُ يُخيَّرُوا
اختلفُوا في الأحقِّ بالتَّقدُّمِ معَ التّساوي فيما تقدَّم، وكان أحد الحاضرينَ مُسافِراً والآخَرُ مُقيماً، قيل: المُسافِرُ؛ لأنَّ فِعْلَه فَرضٌ حتى الجلوس، وقيل: المُقيم؛ لأنَّه أكمل في حفظِ صلاةِ المُقيمين؛ إذ رُبَّما يُظَنُّ الغَلَطُ بسلامِ المُسافِرِ على ركعتين، ولذا يُنبههم بقوله: أَتِمُّوا صلاتكم فإِنَّا قَومٌ سَفْرٌ، وإِذا تَساوَوْا يُخَيَّرُ القَومُ في تقديم من شاؤوا.
وأن يقرَعُوا أَوْلى انتفاء لريبة وعند اختلافِ القَومِ قُدَّمَ الأَكثَرُ
القُرعةُ أحبُّ لنَفي ريبةِ الفرضِ لأحدٍ مُعيَّنِ المُؤدِّي لِفِتنة.
وإذا اختَلَفَ القَومُ، فاختار بعضُهم شخصاً وغيرهم آخر، فالعبرة لمن اختاره أكثرهم من أهلِ الدِّيانةِ والصَّلاحِ، لا ذَوي التَّعصُّبِ النَّفساني، وإِنْ قَدَّمُوا غير الأولى، فقد أساؤوا، ولكِنْ لا يأثَمون، كذا في «التَّجنيس والمزيد»، وينبغي اتِّباعُ وَصفِ المُختارين؛ فإنَّ الصَّلاحَ قليل أهله، وقليل ما هُم.
فإنْ كرة القوم الإمامَ فَيُنظَرُ فإن لفَسادٍ صَحَ أو لا فيُهدَرُ المسألةُ منَ «التَّجنيس» و «الخُلاصةِ»: قالَ: لو أَمَّ قَوماً وهم له كارِهُونَ، فهو على ثلاثة أوجه:
إنْ كانَتِ الكراهة لفَسادٍ فيه، أو كانُوا أحق بالإمامة منه، يُكرَهُ أن يؤمهم، هكذا رَوَى الحَسَنُ البَصْرِيُّ رَحِمَهُ اللهُ عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وإن كان هو أحق بالإمامة منهم، ولا فساد فيه، ومع هذا يكرَهُونَه، لا يُكرَهُ له التَّقدُّمُ؛ لأنَّ الجاهِلَ والفاسِقَ يكرَهُ العالم والصَّالِحَ، فيُهدَرُ بُعْضُه.
***
شروط صِحَّةِ الاقتداء
شروط اقتداء بالإمام مهمة عَلَيْكَ بها حِفْظاً أكيداً تُبَصَّرُ لما كانت شروط الاقتداء ممَّا يُهتَمُّ بشأنه، حرَّضَ على حفظها؛ لأنَّه يكون على بصيرة لأمرِ صلاته، ولما اختلف في صفة الاقتداء، قالَ:
وحكم اقتداء فاشتراك لذا انتفى أداء لفرض خلف آخر يصدُرُ قلنا: الاقتداء مشاركةٌ في المُؤدَّى، فيقتضي المُساواةَ في المُؤدَّى، وقال غيرُنا: الاقتداء متابعةٌ، فلذا لا يصِحُ عندَنا اقتداءُ مُفترِض بمُفتَرِض آخر، كالأداءِ خلفَ القضاء، أو القَضاءِ خلفَ قضاءٍ آخرَ غيرِه.
ومُفتَرِضُ فامنَعْ وَرَامُتنفل كذا حالف أيضاً لمن هو ينذُرُ لا يصح اقتداءُ المُفترض بالمُتَنَفِّلِ؛ لقُوَّةِ الفَرضِ وضَعَفِ النَّفْلِ، وكذا لا يصِحُ إمامةُ الحالفِ للنَّاذِرِ؛ لأنَّ المنذورةَ أقوى من المحلوف على فعلها؛ لأنَّ الوفاء بالمنذور فرضٌ أو واجب.
كذا ناذِرٌ غيرَ الَّذِي يَنذُرُونَهُ صَلاةُ طَوافِ للخِلافِ فيُحذَرُ: أي: وكذا لا يصح اقتداء ناذر بناذر؛ لأنَّ المَنذورَ إِنَّمَا يَجِبُ بالتِزامِه، فلا يظهَرُ الوجوب في حق غيره؛ لعدَمِ وِلايته عليه، إلَّا إذا نذَرَ عِينَ ما نذرَه صاحبه، فيصِحُ اقتداء أحدهما بالآخر؛ للاتحادِ.
ويمتنع عن الاقتداء بركعتي الطوافِ خلف مثله على ما في «الخلاصة»؛ لأنَّه جَعَلَها كالمنذورة معَ المَنذورة، وفي قاضيخان»: يجوز كالمُتنفّل بمثله.
لنية مأموم متابعة له فشرط كنا مع نية الأصل تُذكَرُ أي: يُشترط لصحة الاقتداء نيَّةُ أصلِ الصَّلاةِ، ونيَّةُ المُقتدي مُتابعة إمامه فيه، فإنْ توى الشروع في صلاة الإمام أو الاقتداء به في صلاته، تُجزتُه، ولو نوى الاقتداء به لا غير، الأصح أنه يُجزتُه. بالحركال للإمام بعقيه وإطلاق تعيين أجل وأجدر وأجدَرُ أي: يُشترط لصحة الاقتداء تأخُرُ المُقتَدي بعقبه عن عَقِبِ الإمامِ، والأحسَنُ أَن لا يُعين الإمام؛ لاحتمال أن يكون غيره، فتفسد، فلذا كانَ الإطلاق فيه أجَلَّ وأَحَقَّ للصحة.
فإن ينو زيداً والإمامُ خِلافُه يضُرُّ وإِنْ ظَنَّا فلا يَتَضَرَّرُ أي: إذا نوى الاقتداء بزيد فإذا هو عَمْرُو، لا يصح؛ لأنَّه اقتدى بالغائب، إلَّا إذا أشار إليه، وأمَّا إِنْ ظَنَّه زيداً فبانَ بَكراً فلا يضُرُّ، ولمَّا كَانَ التَّأْخُرُ بالعَقِبِ مُعتبراً، قالَ: فسَجدَتُه أعلا سجودِ إمامه فلا منع منه عند ذلك يُحذَرُ أي: لا يَضُرُّ كُونُ محلَّ سُجودِ المُقتَدي أمامَ إمامِه؛ لطُولِ قامتِه عند تأخُرِه بعَقِبِه عنه؛ لأنَّه المعتبر.
وإن ينوِ هِنْداً مَعْهُ صَحَ اقتِداؤُها وفي حال إطلاق فيمنعُ الاكْثَرُ، أي: يُشترط لصحة اقتداء المرأةِ بالرَّجُلِ نَيَّةُ إمَامَتِهَا، لِما يَلْزَمُ مِنَ الفَسَادِ بمحاذاتها، فلا بد من الالتزام، وإذا أطلق نية الإمامة؛ كيوم الجمعة، يقول: أصلي إماماً، قيل: يصح اقتداءُ النِّساءِ به، والأكثر أنه لا يجوز؛ حَذَراً من إفسادِها بالمُحاذاة، انتهى.
ويمنعُ نهر للمرور بزَورَقٍ وطرق بها وقر الجمالِ يُسيَّر أي: يمنعُ من صِحَّةِ الاقتداء تخلل نهر يمُرُّ فيه سفينةٌ صغيرةٌ؛ كالزَّورَقِ في الصحيح، أو طريق تسَعُ مُرورَ البعير بحِمْلِه، ولم يكن بها صُفوفٌ متصلةٌ؛ لأنَّ غايةَ البعدِ مانعةٌ من صِحَّةِ الاقتداء، فجُعِلَ هذا الحدُّ فاصِلاً بينَ البُعدِ والقُربِ، وقيل: ما يجتازه الرَّجُلُ القوي بوثية. كَذَاكَ فَضَا الصَّحْرا بصَفِّينِ مانع كذا المسجد الأقصى لوُسع فيُحذَرُ أي: كذا يمنعُ صِحةَ الاقتداء الفضاء الواسِعُ بالصَّحراء، وهو مُقَدَّرُ بما يَسَعُ صفين على المفتى به والمسجد الأقصى المُراد به جامعُ القُدْسِ الشَّرِيفِ الذي يشتمل على المساجد الثلاثةِ؛ الأقصى والصَّخرة والبيضاء، كما في «البزازية، والفاصل في مُصَلَّى العيد لا يمنع وإن كثر، واختلف في المُتَّخَذِ لصلاة الجنازة.
قديم خوارزم فربع غدا له بأربع آلافٍ منَ العُمْدِ يُشْهَرُ
لما كان الجامع لا يمنع الفضاء فيه استثنى منه المسجد الأقصى والجامع القديم بخوارزم، فإنَّ ربعه كانَ على أربعة آلاف أسطوانة، فالبعد الكبير فيه مانع فلذا قالَ:
وأما الفضا بينَ الصُّفوفِ بمسجد وفي جامع لا مثل ذلك يُغفَرُ
أي: لا يضُرُّ اتَّساع في جامع أو مسجد ليس كالأقصى، ولا جامعِ خُوارزم؛ لأنَّه كمكان واحد، حتَّى أنَّه لا يتكرَّرُ وُجوب السجودِ بتكريره في جوانبه آيةَ سجدة.
كذا صف نوان يقفن أمامه ومنع ثلاث للمحاذي يُضرّرُ لآخرِ صف كان من خلفها يُرى وباقي جماعات فلا يتضرَّرُ أي: كذا يمنعُ صِحَّةَ الاقتداء تخلل صفٌ مِنَ النِّساءِ يَزِيدُ على ثلاث منهُنَّ أَمامَ المُقتدين، فلا صلاةَ لِمَن كانَ خلفَهُنَّ، وأمَّا ثلاث منهُنَّ، فيمنعُ ثلاثة ثلاثة من كلَّ صَفٌ خلفَهُنَّ، وعليه الفتوى.
وصح اقتداء الباقين، وقيل: الثَّلاثُ كالصَّفٌ، وإِنْ كانَتَا اثْنَتَيْنِ، فَسَدَتْ صلاةُ خلفَهُما فقط، وإنْ كانَت، واحدةً فسَدَتْ صلاة واحد بيمينها، وآخر بيسارها، إذا توفّرَتْ شُروط المُحاذاة، ومسألتها معلومةٌ، وآخر خلفها.
كذا حائط ينفي استماعاً ورُؤيةً ومَعْ عليه شمس الأئمة ينصُرُ أي كذا يمنعُ صحة الاقتداء حائط كبير يشتبه معه العلم بانتقالات الإمام، فإن لم يشتبه العِلمُ بانتقالاتِه لسَماعِ انتقالاتِه أو رؤية، صح الاقتداء، ولو لم يُمكِن الوصول إليه في الصحيح، وهو اختيار شمس الأئمةِ الحُلواني؛ لِما رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ كانَ يُصلّي في حُجرة عائشة رضي الله عنها والنَّاسُ في المسجدِ يُصلُّونَ بصلاته، وعلى هذا الاقتداء في الأماكن المُتَّصلة بالمسجد الحرام أبوابها من خارج المسجد صحيح.
كذا سُفُن لا اقتران لبعضها و حال اقتران فاقتِداء يُقدَّرُ أي: كذلك لا يصح الاقتداء لأهل سفينة بإمام في أُخرى ولم تقترن بها، وإذا اقترنَتْ، صح الاقتداء؛ للاتحادِ حُكماً.
وعند ركوب لاختلافِ مكانهم ومَردوفِ غير فاقتِداءٌ مُيَسَّرُ أي: لا يصح اقتداءُ راكب براكب، ولا راجل براكب، وقلبه، لاختلافِ المكان، وأمَّا الرَّديف، فيصح اقتداءه بمُرْدِفِه؛ لاتحادِ المكان، وبالله سبحانه المستعان.
يقول أبو الإخلاص راجي صدقه وذا حَسَنُ الشَّبُرا بلولي يُشْهَرُ ناظِمُها حَسَنُ بنُ عَمَّارِ بن عليّ الشُّرنبلالي، وهذا غلَط شائع سائغ، والأصل الشُّبْرابُلُولي، نسبة لبلدة قرية تجاه مدينة منف العُليا بإقليم المنوفية بسَوادِ مِصْرَ المَحروسة، يُقال لها: شُبْرابُلُولا، واشتهرَتِ النِّسبة إليها بلفظ الشرنبلالي.
فلله الحمد، وكانت ولادتي بها في القريب من وسط العشر الأخير من تمامِ الألف، وهو العشر الذي يلي التسعين وتسع مئة، وأتى بي والدي رحمه الله إلى مِصْرَ، وسنِّي يقرُبُ من ست سنينَ، ومَنَّ الله تعالى بما أراده من قِسمتِه الأزليَّة، وترادُفِ نِعَمِه الجزيلة العليَّةِ، حتَّى قُلتُ:
نَظَمْتُ نظمت معان للكرام فريدة بديعة حُسْنِ بِالنُّواحِةِ تَسْحَرُ
مداعبة يجلو الهموم خطابها ويأنَسُ مَصحوب بها يتذكَّرُ
وهذي لأرباب النهي كنز حكمةٍ وفي «الكنز» ياقوت ودر وجوهرُ
وأهْدِي صلاة مع سلام مُشَرِّف لحضرة أزكى العالمين المُصدّر
كذاك لآل ثمَّ صَحْبِ وتابع أقاموا على نهج الشريعة ينصُرُوا
وأكمل نفع للمحبينَ جملةً وحُسن ختام بالسعادة يُصْدُرُ
وأسأل مولّى عز جاها وقدرةً جزيل عطاء للذراري فيُشْكَرُ
وفي عام ألف ثم قد أنى لها وستينَ قُلنا: ساغَ نظم مُحرَّرُ
«ساغ»: السِّينُ بستّينَ، والألفُ بواحِدٍ، والغَينُ المُعجمةُ بألفٍ، فكان تأريخاً عدَدِيَّا وَحَرْفيًّا، والله الموفق.
قالَ مُؤلِّفُها رحمه الله: وكنتُ مَريضاً فتَشاغَلْتُ عن شِدَّةِ المَرَضِ بكتابتها وبغيرها، والمأمول من الإخوانِ النَّاظِرِينَ إليها الدُّعاء لي ولذُرِّيَّتي بستر الحالِ، وبغفرانِ الذُّنوبِ لنا ولوالدينا ومشايخنا ومحبينا والمُسلمين.
ولهم بمثل ذلك بمَدَدِ سيّدِ المُرسَلينَ، صلى الله عليه وعليهم وعلى الصحابة والتابعين والأئِمَّةِ المُجتهدين، ومُقلّديهم أبداً بدوامٍ نِعَمِ رَبِّ العالَمينَ، وصلَّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّمَ.