الجزء 1 · صفحة 7
بلوغ الأرب لذوي القرب
للإمام حسن بن عمار الشرنبلالي الحنفي
توفي سنة 1069هـ
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد الله الملِكِ العزيزِ الوَهَّاب، المانِّ على ذَوِي السَّعادةِ الأَنْجاب، بإجابة الدَّاعي لمُوجب ما سبَقَ به الكتاب، فلبّى كل فلذا يحج بحَسَبِ الإجابة وطيب الخطابِ، ويتكرَّرُ رُجوعه لحج البيتِ والوُقوفِ على البابِ.
وأشرَفُ الصَّلاةِ وأزكَى السَّلامِ على الحبيبِ المُصْطَفَى المَخْصوص بأشرفِ مقام، الآمر بالحج عن الأبوين؛ تشريعاً لجميعِ الأُمَّة، ليُزيل الحصْرَ عنها والغُمَّة، وكذا سائِرُ القُرُباتِ فَضْلاً أفاضَه وأَعَمَّه، وعلى سائر الأنبياء والمُرسَلينَ مِنَ الله السلام، وعلى آله والصَّحابة والتابعينَ بدَوامِ الإنعام.
وبعد:
فيقول العبدُ المُلتَجِيُّ لمَولاهُ، الرَّاجي كرَمَه في آخرتِه وأُولاهُ، أبو الإخلاص حَسَنُ الشُّرنبلالي الحنفي ذو العَجْزِ والسُّهادِ والشَّجَن:
هذه مسألةٌ فَتَحَ اللهُ سُبحانَه بمَنّه عليَّ بها لبيانِ حُكمِها مَعَ العَوائِقِ والمحن، سمّيتها:
بلوغ الأرب لذوي القُرَبِ
مُتَضَمَّنة لإزالة الاشتباه الحاصل في الحجّ بالأشباه، وبيان منع الاستئجار، وصِحَّةِ النِّيابة في الحَجّ بالاتفاق، بعبارة واضحة للعارِفينَ الحُذَاق. قال في «الأشباه والنظائرِ»: يصِحُ استئجارُ الحاج عنِ الغَيرِ، وله أجر مثله، ثمَّ أسنده لـ «الخانية».
وأقولُ: نص قاضيخان رحمه الله: إذا استأجَرَ المَحبوسُ رَجُلاً لِيحُجَّ عنه حَجَّةَ الإسلام، جازَتِ الحَجَّةُ عنِ المَحبوسِ إذا مات في الحبس، وللأجير أجر مثله في ظاهرِ الرّواية، انتهى.
الجزء 1 · صفحة 8
فهذا نص على أنه لا صِحَّةَ لقَولِه في «الأشباه»: يصح الاستئجار للحج، ولا صِحَّةَ لعَزْوِه لـ «الخانيَّةِ»؛ فإنَّه لم يقُلْ في «الخانيَّةِ»: يصح استئجار الحاج عنِ الغَيرِ، وإنما قال: جازَتِ الحَجَّةُ ... إلى آخره.
وكذا قال في «المَنبَعِ شرحِ المَجمَعِ»: لو استأجر للحَجِّ ودَفَعَ إِليه الأُجرةَ، فَحَجَّ عنِ المَيِّتِ، جازَ عَنِ المَيِّتِ، انتهى.
يعني: جاز الحج، ولم يقل: جازَتِ الإجارَةُ.
ثمَّ قال: وفي المُحيط»: وما فَضَلَ منَ النَّفقة بعدَ رُجوعه يَرُدُّه على الورثة؛ لأنَّه فَضَلَ عن حاجة الميّتِ؛ لأنَّ النَّفقة لا تصيرُ مُلكاً للحاج؛ لأنَّ الاستئجار على الطَّاعاتِ لا يجوز، ولكِنْ يُنفِقُ المال على حكم ملك الميِّتِ في الحج، فإذا فرغ منه يرُدُّ باقيه للوَرَثِةِ، انتَهَى.
الجزء 1 · صفحة 9
لأنَّ الإجارة على الحج غير صحيحة باتفاق أئِمَّتِنا، وسنذكُرُ حُكم باقي القُرَبِ، والإجارة على الحج وإن لم تصح فإنَّما جازَتِ الحَجَّةُ عَنِ المُستأجِرِ؛ لأنَّه لَمَّا بطَلَتِ الإجارة بقي الأمرُ بالحجّ، وقد نَواه الفاعِلُ عن الأمر، فصح، كما سنذكُرُه. وقد أشار قاضيخان رحمه الله إلى عدَمِ صِحَّةِ الإجارة بقوله: «وللأجير أجرُ مثله»؛ لأنَّه المُستَحَقُ في الإجارةِ الفَاسِدةِ، بخلافِ الإجارةِ الصَّحيحة، فإنَّ المُستَحَقَّ هو الأجرُ المُسمَّى في العقد، فلو صحتِ الإجارةُ للحَجِّ لحكِمَ له بالمُسمَّى. وعلى ظاهِرِ عبارة قاضيخان التي هي: «وللأجير أجر مثله، استَشكَلَه المُحقِّقُ الكَمالُ بنُ الهُمام، حيثُ ذكَرَ حُكم المأمور بالحج، فقالَ: ومهما فَضَلَ مِنَ الزَّادِ والأمتعة يُرُدُّه على الوَرَثِةِ أو الوَصيِّ، إلا إنْ تبرَّعَ به الوارِثُ أو أَوْصَى له به الميِّتُ. وهذا لأنَّ النَّفقة لا تصير ملكاً للحاج بالإحجاج، وإِنَّما يُنفِقُ في ذهابه وإيابه على حكم ملك الميِّتِ؛ يعني: أو الأمرُ حال حياته؛ لأنَّه لو مَلَكَه لكانَ بالاستئجار، ولا يجوز الاستئجار على الطَّاعاتِ، انتَهَى.
قلتُ: وهذا هو الفَرقُ بين الاستئجارِ والاستنابةِ للحَجِّ، امتَنَعَ الاستئجار، فلا يملكُ الأُجرة؛ لأنَّها تُملَكُ في الإجارة بالتعجيل، ويلزَمُ الأجيرَ المُضِيُّ في مُوجبِ الإجارة، لا في هذه الإجارة؛ لعَدَمِ صحتِها، وهكذا حُكمُ النَّائبِ، فلا يملكُ المال المدفوع إليه، ويُنفِقُ منه على حُكمِ ملكِ الآمرِ، ويرُدُّ ما، فَضَلَ انتَهَى. ثم قال الكَمالُ: وعن هذا قلنا: لو أوصى أن يحج عنه ولم يزد على ذلك، كانَ للوَصِيُّ أن يحج عنه بنفسه، إلا أن يكونَ وارِثاً، أو دفعه لوارِث ليحُجَّ، فإنَّه لا يجوز إلا أن يُجيز ورثته وهم كبار؛ لأن هذا كالتبرع بالمال، فلا يصح للوارث إلا بإجازة الباقين.
الجزء 1 · صفحة 10
ولو قال الميِّتُ للوَصيُّ: ادفَعِ المالَ لمَن ُيحُجُّ عَنِّي، لم يجُز له أن يحُجَّ بنفسه مُطلَقاً، وإذا عُلِمَ هذا فما في قاضيخان من قوله: «إذا استأجَرَ المَحبوس رجُلاً ليحُجَّ عنه حَجَّةَ الإسلام، جازَتِ الحَجَّةُ عَنِ المَحبوس إذا مات في الحبس، وللأجير أجرُ مثله» مُشكل، لا جَرَمَ أنَّ الذي في الكافي» للحاكمِ الشَّهِيدِ أبي الفَضْلِ في هذه المسألة قالَ: «وله نفَقةُ مثله»، هي العِبارةُ المُحرَّرة.
وزاد إيضاحها في «المبسوط»، قال: وهذه النفقةُ ليسَ يستحقها بطريقِ العِوَضِ، بل بطريق الكفاية؛ لأنَّه فرَّغَ نفسَه لعَمَلٍ ينتفعُ المُستَأجِرُ به.
هذا؛ وإنَّما جازَ الحج عنه؛ لأنَّه لما بطَلَتِ الإجارة بقي الأمر بالحج، فيكون له نفقَةُ مثله، انتهى كلامُ الكَمالِ رحمه الله.
قُلتُ: فهذا نص الكمال على بطلان الإجارة، ووافقه قاضيخان بإشارته، ولكن اعترضَه الكمال في تعبيره بأجر المثل، والعبارةُ المُحرَّرةُ أن يُقالَ: لَهُ نفَقةُ مثلِهِ.
وقد يُجاب عن قاضيخان بأنه أرادَ ما قاله الحاكِمُ الشَّهيد، غير أنه عبر عن نفقة المثل بأُجرة المثل؛ لمشاكلة صيغة العبارة المناسبة للفظ الإجارة، وبه يزولُ إشكال الكمال.
الجزء 1 · صفحة 11
ونقل صاحب الأشباه» في «البَحرِ» عدَمَ صِحَّةِ الإجارة، بقوله: ذكَرَ الإسبيجابيُّ أنَّه لا يجوز الاستئجار على الحجّ، ولا على شيء منَ الطَّاعاتِ، فلو استأجر على الحجّ رَجُلاً، ودَفَعَ إليه الأجر ليَحُجَّ عَنِ المَيِّتِ، فإنَّه يجوزُ عن الميت، - يعني: فإنه - أي: الحج - يجوز عن الميت؛ لأنَّه لما بطَلَتِ الإجارة بقي الإذن بالأمر بالحج، وقد نَواه عنِ الآمِرِ فصح، انتهى ـ وله من الأجر مقدار نفقة الطَّريقِ في الذَّهاب والمجيء، ويرُدُّ الفَضْلَ على الوَرَثِةِ؛ لأَنَّه لا يجوز الاستئجار عليه، ولا يحِلُّ له أن يأخُذَ الفَضْلَ لنَفْسِهِ، إِلَّا إِذا تبرَّعَ الوَرَتْةُ به، وهم من أهلِ التَّبرُّع، أو أوْصَى الميِّتُ بأنَّ الفَضْلَ للحاج عنه، هوا، هو الأصح - أي: حُكم صحة الوصيَّةِ بالفاضل له هو الأصح؛ لأنَّه - أي: المُوصَى له - صارَ معروفاً بحجه عن الآمر، فلم يكُنْ وصيَّةً لمجهول، انتَهَى.
وفيه تأييد لما أجَبْنا به عن قاضيخان، حيثُ قال: له من الأجر مقدار نفقة الطريق، انتهى.
وقال في «المَنبَعِ»: في «الغاية»: اتَّفَقَ العُلماء على أنَّ الأرزاق) في الحج، واختَلَفُوا في الإجارة، فمَنَعَها أبو حنيفة وأحمَدُ ومَن تابعهما، وجَوَّزَها مالك والشافعي بأجرة معلومة.
والأعمال أنواع ثلاثة:
ما يجوز فيه الأَرْزاقُ والإجارة؛ كبناء المساجد ونحوها.
وما يمتنع فيه الإجارة دُونَ الإرزاقِ؛ كالقَضاءِ والفتيا.
وما اختُلِفَ في جواز الإجارة فيه دُونَ الأرزاق؛ كالإمامة، والأذان، والإقامة، والحج.
ومنَعَ الشَّافعي الاستئجارَ بالنَّفقة للجهالة، وجوَّزَه مالك قياساً على استئجار الظَّئرِ بطَعامِها.
الجزء 1 · صفحة 12
وإن مات عن غيرِ وصيَّةٍ، يأثَم بلا خِلافٍ، وإنْ وَجَبَ عليه الحج ولم يُؤَخِّرُه، فخرج معَ النَّاسَ عام وجوبه، فمات في الطريق فليس عليه أن يُوصِي به، إلَّا أن يتطوع؛ لأنَّه لم يُؤَخِّرْه بعدَ الوُجوبِ. فاغتنم بهذه المسألة. انتهى كلامُ المَنبَعِ». قلت: وقد قال بعد هذا: صارَ إلى نصفِ النَّهارِ فمات، يجب عليه الإيصاءُ بفدية صوم هذا اليوم كاملاً. انتهى كلامه. فلْيُتأَمَّلْ.
ويُنظَرُ الفَرقُ بينهما، فإنَّه في الصّومِ لم يُؤَخِّرُه فهو كالحجِّ، فلا فَرْقَ فِي نَفْيِ لزومِ الإيصاء فيهما.
فتَحرَّر لنا أنَّ الاستنابة للحَجّ غيرُ الاستئجار عليه، والفَرْقُ بينهما قد علمناه بأنَّه لا يملكُ النَّفقة المدفوعة إليه بالاستنابة، والأجير يملكُ الأُجرَةَ المُعجَّلة لو صحتِ الإجارة، وأنَّه لا صحة للإجارة على الحجِّ، فلِعَدَمِ ملكِ ما عُجِّل له من الأجرة على الحج يرُدُّ الفاضِلَ منهما؛ لِما تَقَدَّمَ.
وعلِمْنا أَنَّه لا يلزَمُ من عَدَمِ صِحَّةِ الإجارة على الحج عدَمُ وُقوعِ الحج عنِ المُستأجِرِ، بل يقَعُ عنه، لما أنَّه لما لم تصح الإجارةُ بقيَ الإذنُ بالحجّ، فصَحَ: واستحَقَّ النَّائبُ نفقَةً مثله من تلك الأجرةِ بحَسَبِ الحال.
فكانَ هذا مثلَ قَولِ أَئِمَّتِنا: الكَفالة بشَرطِ البَراءةِ حَوالَةٌ، والحَوالَةُ بِشَرْطِ عدَم البَراءةِ كَفالة؛ اعتباراً للمعنى، فتكون الإجارة للحَج إنابة باعتبارِ المَعنَى؛ لصِحَّةِ الحج عنِ المُستأجر.
تنبية: علمنا وقوع الحج عنِ الآمر، وهو الصَّحيح؛ لما قال قاضيخان: إذا حَجَّ عنِ المَيِّتِ بأمره، هل يسقط الحج عن المحجوج عنه؟
اختَلَفُوا فيه:
قال بعضُهم: لا يقعُ الحج عن المحجوج عنه، ويكون له ثَوَابُ النَّفقة لا غيرُ.
قُلتُ: وسنذكرُ أنَّه مع ذلك يسقط عن الأمرِ أصل الحج. انتهى.
الجزء 1 · صفحة 13
وقال بعضهم: يقعُ عنِ المَحجوج عنه، وهو الصحيح؛ لأنَّ الآثار تدلُّ عليه، ولهذا تشترط النيَّةُ عن المَحجوج عنه، ويذكُرُه الحاج في التَّلبية، فيقولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُريدُ الحج فيسره لي، وتقبله منِّي ومن فُلانٍ.
وسُئِلَ الشَّيخُ الإمام أبو بكر محمَّدُ بنُ الفَضْلِ َرحِمَهُ اللهُ عن هذا فقالَ: ذَاكَ مُعلَّقٌ بمشيئة الله تعالى كما قال محمَّدٌ رحِمَه الله تعالى انتَهَى.
وقالَ الكَمال رحمه الله تعالى: ثمَّ اختُلِفَ في أَنَّ نَفْسَ الحجِّ يَقَعُ عَنِ الآمِرِ، أو عنِ المَأمور، فعن محمَّدِ رحِمه الله تعالى عنِ المأمور، بناءً على أنَّه أُقيم الإنفاق على الحاج مُقامَ نفسِ الفِعلِ شَرْعاً؛ كالشَّيخ الفاني حيث أُقيمَ الإطعام في حقه مُقامَ الصومِ، انتهى.
والمراد بقولِ الكَمالِ: «بناء على أنَّه أُقيم الإنفاق ... إلى آخره» سقوط أصل الحج عن الأمر بالإنفاق؛ لعَجْزه عن أداء الحج، وقد وقع الحج عن المأمور، يُوَفِّحُه قَولُ الإمامِ النَّسَفيُّ في «الكافي»: وعن محمد أنَّ الحج يقع عن الحاج، وللمحجوج عنه ثواب النفقة؛ لأنَّ الحج عبادةٌ بدَنيَّة، ولا تُجرى النيابة في ذاتها، لكن الواجب عليه إنفاق المال في الطريق، وأداء الحج، فإذا عجز عن الأداء بقي ما قدر عليه، وهو إنفاق المال في الطَّرِيقِ، فَلَزِمَه دَفَعُ المال ليُنفِقَه الحاج في الطَّريقِ، وصارَ الإنفاق قائماً مقام الأفعال عندَ العَجْزِ، كما أُقيمَ الفِدَاءُ مقام الصوم في حق الشيخ الفاني، انتهى.
الجزء 1 · صفحة 14
وكذا يُوَضْحُه قَولُ الشَّيخ أَكمَلِ الدِّينِ في العناية»: وعن محمَّد أَنَّ الحج يقعُ عن الحاج؛ يعني: المأمور، وللآمر ثواب النفقة، وصار إنفاق المأمور كإنفاق الآمر بنفسه، ولكن يسقط أصل الحج عن الآمر؛ لأنَّه عبادةٌ بدَنيةٌ حَصَلَ العَجز عن فعله، وكلما كان كذلك قام الإنفاق فيه مقامَ الفعل، كما في الشَّيخِ الفاني، فإنَّه لما عجَزَ عنِ الصوم قام الفديةُ مَقامَ الصَّوم، وإلحاقه بالفدية بطريق الدلالة، لا بطريق القياس؛
لأنها - أي: الفدية - تثبتُ في حق الفاني بخِلافِ القياس، فلا يُقاس عليها غيرها. ووَجْهُ الدَّلالةِ أنَّ الإنفاقَ لمَّا قامَ مَقامَ الصَّومِ، وهو عبادةٌ بدنِيَّةٌ مَحْضَةٌ، فَلَأَنْ يقوم فيما هو مُرَكَّب منَ البَدَنِ والمَالِ أَوْلى.
قال شيخ الإسلام وإلى هذا القَولِ مالَ عامَّةُ المُتأخرينَ رَحِمَهُم الله تعالى، انتهى.
وقولُ الأكمل: «الأله عبادةٌ بدنية»؛ يعني: من حيث الوقوف والطواف والسعي وإلا فهو عبادةٌ ماليَّة أيضاً من حيثُ اشتراط الاستطاعة، ووُجوبُ الأجزية بارتكاب محظوراته، كما قالَه الزَّيْلَعِيُّ رحمه الله تعالى، وهو نَصُّ الأكمَل رَحِمَهُ الله بقولِه بعد هذا: هو مُرَكَّبٌ منَ المالِ والبَدَنِ»، وكذا قالَ الزِّيلَعِيُّ أيضاً: الحج عبادة بدنية، والمالُ شَرْطُ للوجوبِ انتَهَى.
ثمَّ قال الأكمل: قالوا: بعضُ الفُروع ظاهرةٌ في هذا؛ أي: فيما قاله محمد، وستأتي، وعليه جَمعٌ منَ المُتأخرينَ صَدر الإسلام، والإسبيجابي، وقاضيخان، حتى نسب شيخُ الإسلام هذا لأصحابنا فقال: على قول أصحابنا أصل الحج عنِ المأمور، ومُختارُ شَمسِ الأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ، وجَمعِ مِنَ المُتأخرينَ رَحِمَهُم الله تعالى أنَّه يقعُ عنِ الآمِرِ، وهو ظاهِرُ المَذهَبِ، وتشهد بذلك الآثارُ مِنَ السُّنَّةِ، ومَنَ المَذهَبِ بعضُ الفروع، انتهى.
الجزء 1 · صفحة 15
وأقولُ: يُتأمل في عَدَّ الكَمالِ رحمه الله قاضيخان من القائلين بأنَّ الحج يقعُ عنِ المأمور؛ لما قدمناه من تصحيح قاضيخان بقوله: «وقال بعضُهم: يَقَعُ الحج عنِ المحجوج عنه، وهو الصَّحيح؛ لأنَّ الآثار تدلُّ عليه ... إلى آخره».
فقاضي خان من القائلين بوقوع الحجّ عنِ الآمر كما اختاره بتصحيحه في «فَتاواه» مُستَدِلا بالآثارِ وغيرها، كما علمته.
وهي كما رَوَى البُخارِيُّ رَضِيَ الله عنه، عن ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما: أَنَّ امرأةٌ من جُهَينَةَ جَاءَتْ إِلى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسولَ اللَّهِ؛ إِنَّ أُمِّي نَذَرَتْ أَن تَحُجَّ، فَمَاتَتْ قبل أن تحُجَّ، أَفَأَحُجُ عنها؟ قال: نعمْ، حُجِّي عنها، أَرَأَيْتِ لو كانَ على أُمِّكِ دَيْنٌ، أَكُنْتِ قاضِيتَه عنها قالت: نعمْ قالَ: «فاقْضُوا الذي له تعالى؛ فإِنَّ اللَّهَ أَحَقُّ بالوفاء»، انتهى.
وكما قال الكمال رحمه الله تعالى: فمِنَ الآثارِ حديث الخَثعَمِيَّة، وهو أنَّ امرأةٌ من خَثْعَم قالت: يا رسول الله، إِنَّ فريضة الله تعالى في الحج على عبادِه أَدْرَكَتْ أبي شَيخاً كبيراً، لا يثبت على الرّاحلةِ، أَفَأَحُجُ عنه؟ قالَ: «نعَمْ». مُتَّفَقٌ عليه. فقد أطلق على فعلها الحجَّ كَونَه عنه.
وكذا قوله عليه السَّلامُ للرَّجُلِ: «حُجَّ عن أبيكَ، واعتَمِرُ»، رواه أبو داود، والنسائيُّ، والتِّرْمِذِيُّ، وصَحْحَه.
وأمَّا الفُروعُ: فإِنَّ المأمورَ لا يسقط عنه حَجَّةُ الإسلام بهذه الحجَّةِ؛ أي: التي لم يُخالِفِ الآمر فيها، فلو كانَتْ عنه لسَقَطَتْ؛ إذ الفَرْضُ أَنَّ حَجَّةَ الإِسلامِ تتأدَّى بإطلاق النيّة، وتلغُو الجهة على ذلك التَّقديرِ، وفيه تأمل.
ولم يستَدِلَّ في «البدائع» بعد حديثِ الخَثعَمِيَّةِ سِوَى باحتياج النَّائبِ إِلى إِسنادِ الحج إلى المَحجُوج عنه في النِّيَّةِ، ولو لم يقع نفس الحج عن الآمر لم يحتج إلى نيته انتهى.
الجزء 1 · صفحة 16
وأقول: وإذا خالَفَ المَأمورُ الآمِرَ وقَعَ الحج عنه، ولم تسقط عنه به حجَّةُ الفَرْض، كما لا يسقط عنه معَ مُوافقته على القَولِ بوقوعِ الحج له؛ لأَنَّ حَجَّ الْفَرْضِ أقل ما يقعُ بإطلاق النية، والنائب قد صَرَفَها عنه لغَيرِه في النِّيَّةِ، وفيه نَظَر، قالَه الكَمالُ رحمه الله تعالى.
فله نظران: في أصلِ وقوع الحجّ عنِ النَّائبِ فيما رُوِيَ عن محمَّدٍ، وفي مُخالفتِه وضمانه المال، ووقوع الحج عنه لا عنِ الآمِرِ.
* تتِمَّةٌ لِما وَعَدْنا به:
قال في «البَزَّازِيَّةِ»: الاستئجار على الطَّاعاتِ؛ كتعليم القُرآنِ، والفقه، والتدريس، والوَعْظِ، لا يجوز؛ أي: لا يجب الأجر، وأهل المدينة طَيِّبَ الله ساكنيها جوَّزُوها، وبه أخَذَ الإمامُ الشَّافعي رحمه الله تعالى.
قال في «المُحيط»: ومشايخُ بَلْخَ على الجواز، قال الإمامُ الفَضْلِيُّ: والمُتأخّرونَ على جوازه)، وقال محمدُ بنُ الفَضْلِ: كَرِهَ المُتقدِّمونَ الاستئجار على تعليمِ القُرآنِ، وكَرِهُوا أَخْذَ الأُجرةِ عليه؛ لوُجودِ العَطِيَّةِ من بيتِ المالِ معَ الرَّغبة في أُمورِ الدِّينِ، وفي زَمانِنا انقَطَعَتا، ويعني بالرَّغبة التّعلُّمَ والإحسان إلى المُعلمينَ بلا أُجرة، فلو اشتَغَلُوا بِالتَّعليم بلا أجر مع الحاجة إلى المعاش، لضاعُوا، وتعطَّلَتِ المَصالِحُ، فقُلنا بما قالوا.
وفي «الكافي»: وعليه الفَتْوَى، وفي قاضيخان»: ومشايخ بَلْخَ جوزُوا هذه الإجارة؛ أي: على تعليمِ القُرآنِ حتَّى حُكِيَ عن محمَّدِ بنِ سلام رحِمَهُ اللهُ أَنَّهُ قالَ: أقضي بتسميرِ بابِ الوالد لأُجرةِ المُعلم.
ثمَّ حَكَى كلامَ الشيخ الإمام محمَّدِ بنِ الفَضْلِ الذي تقدَّمَ، ثم قال: فإِنْ لم يكن بينهما، أي: بين الوالد والمُعلم شَرط يُؤمَرُ الوالد بتطييب قَلْبِ المُعلم وإرضائه. انتهى.
الجزء 1 · صفحة 17
وفي الخلاصة»: يُفتَى بوجوبِ الأجرِ المُسمَّى عندَ ذِكْرِ المُدَّةِ، وبوجوبِ أَجرِ المِثلِ عندَ عدمِ المُدَّةِ، ويُحبَسُ عليها، وهذا بخلافِ المُؤذِّنِ والإِمامِ، إذ ذاك لا يشغَلُ الإمام والمُؤذِّنَ عن المعاش.
وقالَ الشَّيخُ الإمامُ شَمسُ الأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ: إِنَّ مَشايِخَ بَلْخَ جَوَّزُوا الإجارة على تعليم القُرآنِ، وأَخَذُوا في ذلك بقولِ أهل المدينة، وأنا أُفتي بجواز الاستئجار ووُجوبِ المُسمَّى.
وأجمَعُوا على أنَّ الاستئجار على تعليمِ الفِقْهِ باطِلٌ، انتهى كلام قاضيخان.
وكذا في «الخُلاصة»، وفي «الأصل»: لا يجوز الاستئجار على الطَّاعاتِ؛ كتعليم القُرآنِ والفِقْهِ، والأذانِ والتَّذكير والتدريس، والحج، والغَزْو؛ يعني: لا يجِبُ الأجر، وعند أهل المدينة يجوزُ، وبه أخَذَ الشَّافعي رحمه الله تعالى، ونصير، وعِصام، وأبو نَصْرِ، والفقيه أبو اللَّيثِ رَحِمَهُم الله تعالى.
وهذا وارد على حكاية قاضيخان الإجماع على بطلان الاستئجار لتعليمِ الفقه، فتَأمَّل؛ إذ أبو اللَّيثِ وأبو نَصرٍ وعِصامٌ ونُصيرٌ ومَن وافَقَهم على جَوازِ الإجارةِ وأئمَّةُ بَلْخَ على الجواز كما تقدَّمَ.
وعلى الجَوازِ مَشَى في الدُّرَرِ والغُرَرِ»، قالَ: يُفتى اليومَ بصِحَّةِ الإجارة لتعليم القُرآنِ والفقه والإمامة والأذان، ويُجبَرُ المُستأجِرُ على دَفْعِ الأُجرةِ، ويُحبَسُ به، وعلى الحلوةِ المرسومة على رُؤوس بعض سُوَرِ القُرآنِ انتَهَى.
ووجه لزوم الأجر في جميعها ظاهرة للحاجة، وعدم مرومة المتعلمين وغيرهم، و انقطاع ما لهم من بيت المال.
الجزء 1 · صفحة 18
وتعليلُ ما تَقَدَّمَ من أنَّ الأذان والإمامة لا يشغَلُ عَنِ المَعَاشِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ؛ فَإِنَّ تَقيدَ المُؤذِّنِ بالأذانِ والتَّذكير في كل وقت، وطُلوع المنارِ في اللَّيلِ والبَرَدِ والأمطارِ يُصبحُ به في غاية الانحطاط وذُبولِ الجسَدِ، وكلُّ وقت ينتَظِرُ دُخولَه بِمُدَّةٍ قبلَه، وبعدَ الصَّلاة يشتغل بالتسبيح، ولا يقدِرُ على التَّعطيل منَ القِيام عليه، وأذِيَّةُ العامة له. وأما تعليمُ الفِقْهِ، فليسَ أَقوَى منه في المَنعِ من أمرِ المَعاشِ مُطالعةٌ، وإلقاء الدروس، وتعليم المُتفقهة، والصَّبر على كل طالب بحَسَبِ ما يَصِلُ إِلى فَهْمِه، وتكرير الإلقاء، والكتابة لما يُحتاج إليه، وتفريغ البال من طَلَبِ العِيالِ القُوت، وما يحتاجون إليه بدَفْعِ الحر والبرد، وما يحتاجه من شراء كتب، وكتابة بالأجرة للكاتب، فالأمر الله العلي العظيمِ الواحِدِ القَهَّارِ، حَسبنا اللهُ ونِعْمَ الوَكيلُ، والآنَ صَارَ الأمرُ أظهَرَ من فَلَقِ الفَجْرِ. تنبيه: لم يذكرُ أحَدٌ من مشايخنا جواز الاستئجار على الحج، وجَوَّزُوا على باقي القُرَبِ؛ لأنَّه لا ضرورة في الاستئجار على الحج؛ لأنه يحصل بالاستنابة، ولها باب في كتاب الحج مُتَّفَقٌ فيه على صحتِها في الفَرْضِ بِالعَجْزِ المُستَمِرُ إِلى المَوتِ، ومنه الحبس كما تقَدَّمَ، وفي النَّفْلِ مُطلَقاً معَ القُدرةِ والعَجْز.
وأزلنا الاشتباة الحاصل في «الأشباه والنظائر» بِحَمْدِ الله العليمِ القَادِرِ للتيقْظِ من سِنَةِ الغَفْلَةِ بسُرعة الانتباه.
وقد بقي الكلام على العباداتِ إذا جَعَلَ فاعِلُها ثوابها لغيره كما قال في «الهداية»: الأصل في هذا - أي: الحج عن الغَيرِ ـ أن الإنسان له أن يجعل ثوابَ عَمَلِهِ لغَيرِه صلاةٌ أو صوماً أو صَدَقَةً أو غيرها.
الجزء 1 · صفحة 19
قال الشارح: كتلاوةِ القُرآنِ والأذكار عند أهلِ السُّنَّةِ والجماعة؛ يعني به أصحابنا على الإطلاق؛ لما رُوِيَ أَنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم ضَحَى بِكَبْشَينِ أَمَلَحَينِ، أَحدُهُما عن نفسه، والآخر عن أُمَّتِه، ممَّن أقر بوحدانية الله تعالى، وشهد له بالبلاغ، جعَلَ تضحية إحدى الشَّاتَينِ لأُمَّتِه؛ أي: ثوابها، انتهى.
وقال شارِحُها الكَمالُ بنُ الهُمامِ رحمه الله: إِنَّ الإمام مالكاً والإمامَ الشَّافعي رحِمَهُما الله لا يقُولان بوصول العباداتِ البَدَنِيَّةِ المَحْضَةِ؛ كالصَّلاةِ والتلاوة، ويقولان بوصول غَيْرِها؛ كالصَّدَقَةِ والحَجِّ.
وخالف في كلِّ العباداتِ المُعتَزلَةُ؛ لقوله تعالى: {وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَنِ إِلَّا مَا سَعَى} [النجم: 39]، وسَعْيُ غيره ليسَ سعيه، وما قصه الله تعالى من غير إنكار يكون شريعة لنا.
والجواب لإبطالِ قَولِهم ونَفْيِ التَّخصيص بما يبلُغُ مَبْلغَ التَّواتُرِ، وبالقطعِيِّ مِنَ الكتابِ والسُّنَّةِ، فقد جعَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بتضحيةِ الشَّاةِ عن أُمَّتِه ثوابها للأُمَّةِ. قلت: وهذا يُفيدُ جَعَلَ الثَّوابِ للأحياء؛ كالأموات؛ لأنه لم يختص أحداً، بل جعَلَه عاما لمَن اتَّبَعَهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، انتَهَى.
وقال في «المَنبَعِ»: لأهلِ السُّنَّةِ أحاديثُ كثيرةٌ، منها أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم ضَحَى بِكَبَشَينِ أَملَحَينِ، أَحَدُهُما عن نفسه والآخَرُ عن أُمَّتِه، مُتَّفَقٌ عليه. أي: جَعَلَ ثوابه لأُمَّتِه، وهذا تعليم منه وتشريع منه عليه السَّلامُ أنَّ الإنسانَ يجوز أن يَنفَعَه عَمَلُ غَيْرِه، والتاسي برسول الله الله هو العُروَةُ الوُثقَى، انتَهَى.
الجزء 1 · صفحة 20
وأمر بالحج عن الأبوين، وبالصَّلاةِ والصِّيامِ لهما، وقراءةِ «يس» والإخلاص» إحدَى عَشرةَ مَرَّةٍ، وبقراءةِ (يس) يُخفِّفُ اللهُ العَذابَ، ثم لا يعود، ويُعطي للقارئ بعدَدِ ما في المقابر من الأمواتِ حَسَناتٍ، وكذا يُعطى بقراءةِ الإخلاص، جَزاء له من كَرَمِ الله تعالى.
وفي الصحيحين: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرَّ بقبرين فقالَ: «إنَّهما يُعَذِّبَانِ، وما يُعذِّبَانِ في كبير، أمَّا أحدُهُما فكانَ لا يستَنزِه منَ البَولِ، وَأَمَّا الثاني، فكانَ يمشي بالنميمة، فأخَذَ رسول الله صلى الله عليه وسلم جريدة رطبةً فشَقَّهَا نِصْفَينِ، فَغَرَزَ في كل قبر واحدةً، وقال: «لعله يُخفَّفُ عنهما ما لم ييبسا.
قال الخطابي: هذا عند أهل العلم محمولٌ على أَنَّ الأشياءَ ما دامَتْ على أصلِ خلقتِها وخُضْرَتِها وطَرَاوَتِها تُسَبِّحُ الله تعالى حتّى تجِفَّ رُطُوبَتُهَا، فَإِنَّ ذلك بمنزلة مَوتِها، فإذا خَفَّفَ اللهُ عنِ المَيِّتِ بوضعه الجريدة فبالأولى أن يكون ذلك بالقُرآنِ الذي جاء به من عند الله تعالى، كذا في المنبع».
وفي «شرح الهداية»: سألَ أنسٌ رَضِيَ الله عنه النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فقالَ: يا رسول الله، إِنَّنا نتَصَدَّقُ عن موتانا، ونحُج عنهم، وندعُو لهم، فهل يصِلُ ذلك لهم؟ قالَ: «نعم، إنَّه ليصل إليهم، وإنَّهم ليفرَحُونَ به، كما يفرَحُ أحدُكُم بالطَّبَقِ إِذا أُهدِيَ إليه.
الجزء 1 · صفحة 21
ونحو هذا من السُّنَّةِ كثير، يبلُغُ مَبْلَغَ التَّواتُرِ القَدْرُ المُشتَرَكُ بينَ الكُلِّ فِي أَنَّ مَن جَعَلَ شيئاً منَ الصَّالحاتِ لغَيرِه نفَعَه الله به، وكذا ما في الكتاب العزيز قطعي في حصول الانتفاع بعَمَلِ الغَيرِ، كالأمر بالدُّعاء للوالدين، واستغفار الملائكة للمُؤمِنينَ في آياتٍ عديدة. فثَبَتَ بذلك إبطال قولِ المُعتزلة، وانتفاءُ قَولِ الإمام مالك والشَّافعيّ رَضِيَ اللهُ عنهما في العباداتِ البَدَنِيَّةِ، كذا قالَ الكَمالُ بنُ الهُمامِ، وبسَطَه بـ «فتح القدير.
* تَتميم مُتعَيِّن لبيانِ ما تقدَّمَ:
اعلَمْ أَنَّ تفسير الآيةِ إِنَّما يَتَّضِحُ بالعلم بحُكمِ ما هي معطوفةٌ عليه، وقد ذُكِرَ سبَبُ نُزولِ القِصَّةِ، وهو قوله عزّ وجلَّ: أَفَرَءَ يْتَ الَّذِي تَوَلَّى وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدى [النجم: 33 - 34] اختَلَفَ العُلماء بالتفسير في المُرادِ بهذه الآيةِ مَن هو؟ فقيل: أبو جَهْل بن هشام، والقَليل الذي أعطى ثمَّ قَطَعَه وأَعرَضَ عنه إنَّما هو من القول لا من المال، وذلك أنَّه قال: والله ما يأمُرُنا محمَّدٌ قَطُّ إِلا بِمَكارِمِ الأخلاقِ، وهذا القَولُ مَروِيٌّ عن محمَّدِ بنِ كَعْبِ القُرَظِي.
وقيل: هو العاصي بنُ وائل السَّهمِيُّ، قاله السُّدِّيُّ، قَالَ: وَكَانَ رُبَّما وافَقَ النَّبِيِّ في بعض الأحوالِ وخالفه في بعض، ثمَّ انقَطَع إلى العنادِ والكُفْرِ. وقيل: هو النَّضْرُ بنُ الحارِثِ، أَعطى بعض فُقَراءِ المُسلمينَ خمسَ قَلائِصَ ليرتَدَّ عنِ الإسلام، وشَرَطَ له أن يحمل عنه وِزْرَه، قالَه الضَّحَّاكُ.
الجزء 1 · صفحة 22
وقيل: هو الوَليدُ بنُ المُغيرةِ المَخزومي، وهو أظهر هذه الأقوال الأربعة، وقد كانَ تبعَ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم على دينه وأظهَرَ مُوافقته، فعيّره بعضُ المُشْرِكِينَ، وقال له: تَرَكْتَ دينَ الأشياخ وضَلَّلْتَهُم، فقالَ: إِنِّي خَشِيتُ عذابَ الله، فَضَمِنَ له إِنْ هو أعطاه شيئاً من مالِهِ ورَجَعَ إِلى شِرْكِه و دينِ آبائه أن يتحَمَّلَ عنه عذابَ اللهِ، ففعل، فأعطاه بعض الذي ضَمِنَ له، ثمَّ بخِلَ، ومنعه، فنزلت هذه الآيةُ، وهذا قَولُ مُجاهد وابن زيد. ومعنى «أَكْدَى»: قطَعَ العَطاء، وهو مَأخوذُ مِنَ الكُدْيَةِ، وهي الصخرة الصلبة التي تعرِضُ للحافرِ في البئرِ، فلا يعمل فيها معوله، فيَيْأَسُ مِنَ الماءِ، فيترُكُ الحفر، ومنه حديثُ الكُذيةِ العارِضةِ في حَفْرِ الخندق.
وقوله تعالى: {أَعِندَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى} [النجم: 35]؛ أي: فهو يُعايِنُ أمر الآخرةِ فيعلَمُ حاله فيها من خيرٍ وشَرٍّ.
{أَمْ لَمْ يُنَبا بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِى وَفَّى} [النجم: 36 - 37]، وقد صَحَ في حديث أبي ذَرِّ أَنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال: «أنزَلَ اللهُ عزَّ وجلَّ على إبراهيمَ عَشْرَ صحائِفَ، وأنزَلَ على مُوسَى قبلَ التَّوراةِ عَشْرَ صحائِفَ»، ثمَّ بَيَّنَ ما أَنزَلَ في تلكَ الصَّحائِف، فقال: {أَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى الا وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} [النجم: ?? - ??]؛ أي: ليس كما توَهَّمَ الكافِرُ أن يحمل عنه وِزْرَه غَيرُه، بل منَعَه من الانتفاع بسَعْيِ سِواهُ كُفره.
وللمُفَسِّرِينَ في مَدْحِ إبراهيمَ عليه السَّلامُ بالوَفاء عشرة أقوال:
الجزء 1 · صفحة 23
الأَوَّلُ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: «وَفَّى عَمَلَ يومه بأربع ركعاتٍ من أوَّلِ النَّهارِ. الثاني: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: «أَلا أُخبِرُكُم بما سَمَّى اللَّهُ خَليلَهِ؟ وَفَّى لأَنَّه كَانَ يقُولُ كلَّما أصبحَ وكلَّما أمسى: {فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ} [الروم: 17] حتَّى خَتَمَ الآية».
الثَّالثُ: أَنَّه وَفَّى الطاعة فيما فعَلَ بابنه، رُوِيَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ، وبه قالَ القُرطبي والربيع.
الرَّابِعُ: أَنَّه وَفَّى ربَّه عزَّ وجَلَّ جميع شرائع الإسلامِ، رَوَى هَذا المَعنَى عِكرمة عن ابن عباس، وفي «الكَشَّافِ»: وقيلَ: وَفَّى سِهام الإسلام، وهي ثلاثون: عشرةٌ «التَّوبة»: التَّبِبُونَ الْعَيدُونَ .... إلى آخره [التوبة: 112]، وعشرة في الأحزاب: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ [الأحزاب: 35]، وعشرة في «المُؤمنين»: قَدْ أَفَلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ... [المؤمنون: 1] إلى آخره، انتَهَى.
الخامس: أَنَّه وَفَّى ما أُمِرَ به من تبليغ الرسالة، رُوِيَ عن ابنِ عباس أيضاً. السَّادِسُ: أَنَّه عَمِلَ بما أُمِرَ به قاله الحسَنُ، وسعيدُ بنُ جُبَيرٍ، وقتادة، وقال مُجاهِدٌ: وَفَّى بما فَرَضَ الله عليه.
السَّابِعُ: وَفَّى بتبليغ هذه الآياتِ: أَلَّا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [النجم: 38] وما بعدها، وهذا مَروِيٌّ عن عكرمة ومُجاهد والنَّحْعِيُّ.
الثَّامِنُ: وَفَّى شَأْنَ المَناسِكِ، قالَه الضَّحَّاكُ.
التَّاسِعُ: أَنَّه وَفَّى بما عاهَدَ اللهَ أنْ لا يسأل مخلوقاً شيئاً، فلمَّا قُذِفَ فِي النَّارِ، قَالَ له جبريل: ألك حاجةٌ؟ فقال: أما إليك فلا، فوَفَّى بما عَاهَدَ، ذكَرَه ابنُ السَّائِبِ.
العاشِرُ: أَنَّه أدَّى الأمانةَ، قالَه سُفيانُ بنُ عُيَينةَ.
الجزء 1 · صفحة 24
وقرأَ سعيدُ بنُ جُبَيرٍ، وأبو عِمْرانَ الجوني، وابنُ السَّمَيفِعِ: «وَفَى» بتخفيف الفاء، قالَ الزَّجَّاجُ: والتَّشديدُ أبلَغُ.
ومعنى قوله: {أَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [النجم: ??]؛ أي: لا تحمل نفس حاملة حمل أخرى؛ أي: فلا تُؤخَذُ بإثم غيرها.
فإِنْ قُلتَ: قد قال الله سبحانه وتعالى: {لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَمَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ} [النحل: 25]، وقد ذُكِرَ أنَّ «من» مزيدةٌ، فعلى الحاملة وِزْرُ أُخرَى، وقد قالَ اللهُ تعالى: {وَلَيَحْمِلْنَ أَنْقَاهُمْ وَأَنْقَا لَا مَعَ أَثْقَالِهِمْ} [العنكبوت: 13]. قلتُ: الجوابُ أنَّ المنفيَّ حَملُ إثْمِ الغَيرِ من حيثُ هو، وبإنشاء سيِّئَةٍ أُتَّبِعَت بحَمْل مثلِ وِزْرِ فاعلها زيادة على إثم إنشائها بكونه مُنشئاً لها، ففي الحقيقة ما حمل وِزْرَ غيره بل مثلَهُ بصُنعِه؛ لاقتراحه أصلها، وبظلمه يحمل أثقال غيره؛ لِما رَوَى أبو أمامة الباهلي رضي الله عنه، عن النبي الله أَنَّهُ قالَ: «يُؤتَى بِالرَّجلِ يومَ القيامةِ النَّبيِّ وهو كثير الحَسَناتِ، فلا يزالُ يُقتَصُّ منه حتّى تفنَى حسَناتُه، ثمَّ يطالب، فيقولُ الله عزّ وجلَّ: اقتصوا من عبدي، فتقول الملائكةُ ما بقي له حسنات، فيقولُ الله تعالى: خُذُوا من سيِّئاتِ المظلوم فاجعَلُوها عليه، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: {وَلَيَحْمِلُنَ أَنْقَاهُمْ وَأَثْقَا لَا مَعَ أَثْقَالِهِمْ} [العنكبوت: ??].
وقال قتادةُ: مَن دَعا إلى ضَلالةٍ كانَ عليه وِزْرُها، ووِزْرُ مَن يعمل بها، ولا ينقُصُ منها شيء، كذا في «التفصيل الجامعِ بسائِرِ علومِ التَّنزيل، انتَهَى.
الجزء 1 · صفحة 25
ولما رَوَى العلامةُ القَسْطَلَّانيُّ في شرحه البخارِيَّ» من حديثِ: «مَن دَعا إلى ضلالةٍ كانَ عليه منَ الإثم مثلُ آثَامٍ مَن تبعه، لا ينقُصُ ذلك من آثامِهِم شيئاً»، أَخْرَجَه مُسلِم وأبو داود والترمذي.
وحديثُ: (مَن سَنَّ في الإسلامِ سُنَةٌ سَيِّئَةً كانَ عليه وِزْرُها وِوِزْرُ مَن عَمِلَ بها من غير أن يُنقص من أوزارهم شيئاً، رواه مُسلِمٌ.
وفي شَرحِ القَسْطَلَّاني من رواية البخاري عنِ ابنِ مسعودٍ رَضِيَ اللهُ عنه، قالَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: اليسَ مِن نَفْسٍ تُقتَلُ ظُلماً إِلَّا كانَ على ابنِ آدمَ الأَوَّلِ ـ قابيل حيثُ قَتَلَ أخاه هابيل - كِفْلٌ منها - بكسر الكاف وسكون الفاء: نصيب منها، ورُبَّما قالَ سُفيانُ راوي الحديثِ كِفْلٌ من دَمِها؛ أي: نصيب من دَمِها؛ لأنَّه أَوَّلُ مَن سَنَّ القتلَ أَوَّلاً على وَجْهِ الأَرضِ من بني آدم».
وفي الحديث الحث على اجتِنابِ البِدَعِ والمُحدَثاتِ فِي الدِّينِ؛ لأنّ الذي يُحدِثُ البدعةَ إِنَّما تهاوَنَ بها لخفَّةِ أمرِها في الأوَّلِ، ولا يشعُرُ بما يترتَّبُ عليها منَ المَفسدة، وهو أن يلحَقَه إثمُ مَن عَمِلَ بها من مفسدة؛ إذ كان الأصل في إحداثها. وقال تعالى: {لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَمَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ} [النحل: 25] الآية.
وفي «من» وجهانِ، أحدهما: أنَّ «من» زائدةٌ، وهو قول الأخفش؛ أي: وأوزارَ الذينَ، على معنى: ومثل أوزارِ؛ لقوله: كانَ عليه وِزْرُها ووِزْرُ مَن عَمِلَ بها».
والثاني: أنها غيرُ مَزيدةٍ، وهي للتّبعيض؛ أي: وبعض أوزار الذين، وقدَّرَ أبو البقاءِ مَفعُولاً حُذِفَ، وهذه صفته؛ أي: وأوزاراً من أوزار .. ولا بُدَّ من حَذْفِ «مثل» أيضاً.
الجزء 1 · صفحة 26
ومنع الواحدي أن تكونَ للتَّبعيض، قالَ: لأنَّه يستلزم تخفيف الأوزارِ عنِ الأتباع، وهو غَيْرُ جائز؛ لقوله عليه السَّلامُ: من غيرِ أَنْ يَنقُصَ من أوزارهم شَيءُ»، لكنَّها للجِنْسِ؛ أي: ليَحمِلُوا من جنس أوزارِ الأتباع.
قال أبو حيان: والتي لبيان الجنس لا تتقدَّرُ هكذا، إنَّما تتقَدَّرُ: والأوزار التي هي أوزار الذينَ، فهو من حيثُ المعنى كقَولِ الأَخفَشِ، وإِنِ احْتَلَفا في التَّقدير. بغير علم حال من مفعول يُضِلُّونَهم»؛ أي: يُضِلُّونَ مَن لا يعلَمُ أَنَّهُم ضُلَّالٌ، قاله «الكشاف».
أو من الفاعل، وربَّحَ هذا بأنَّه المُحدَّثُ عنه، وأوَّلُ الكَلامِ قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُم مَّاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ القِيمَةِ} [النحل: 24 - 25].
وقوله: «لهم»؛ أي: لهؤلاء الكُفَّارِ.
و «أساطير الأولينَ»؛ أي: أحاديثُ الأَوَّلِينَ وأباطيلهم.
واللَّامُ في «اليَحمِلُوا» للتّعليل؛ أي: قالُوا ذلك إضلالاً للنَّاسِ، فَحَمَلُوا أوزارَ ضلالهم كاملة، وبعض أوزار، أو وأوزار مَن ضَلَّ بِضَلالهم، وهو وِزْرُ الإضلال؛ لأنَّ المُضِلَّ والضَّال شريكانِ انتَهَى كلامُ القَسْطَلاني رحمه الله.
وقوله تعالى: {وَأَن لَيْسَ لِلْإِنسَيْنِ إِلَّا مَا سَعَى} [النجم: 39]؛ قالَ الزَّجَّاجُ: هذا في صُحفهما أيضاً، ومعناه: ليس للإنسانِ إِلَّا جزاء سعيه، إِنْ عَمِلَ خيراً جُزِيَ خَيْراً، وإِنْ عَمِلَ شَرًّا جُزِيَ شَرًّا.
وقد اختَلَفَ العُلماء في هذه الآية على ثمانية أقوال ذكرها في «المنبعِ شرح المَجمَعِ عن «الغاية»، وذكرها غيره.
الجزء 1 · صفحة 27
الأوَّلُ: أَنَّها منسوخة بقوله تعالى: {وَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَاتَّبَعَنْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ} [الطور: ??] الآية، فأُدخِلَ الأبناء الجنَّةَ بصلاح الآباء، قاله ابنُ عباس، وعليه للفُقَهَاءِ اعتراض من حيثُ أنَّ الآيةَ خبرٌ، والأخبارُ لا تُنسَخُ إلَّا أن يكون الخبر في معنى الأمرِ والنَّهْي. وقال الكَمالُ بنُ الهُمامِ والجواب أنَّ الآية وإِنْ كانَت ظاهِرةً فيما قالوه ـ يعني المُعتَزِلَةَ - لكِنْ يحتمل أنَّها نُسِخَتْ أو هي مُقيَّدةٌ، وقد ثَبَتَ مَا يُوجِبُ المصير إلى ذلك، وهو تضحِيةُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عن أُمَّتِه.
وذَكَرَ الكَمالُ عِدَّةَ طُرُقِ له، فلا يبعُد أن يكونَ القَدْرُ المُشْتَرَكُ، وهو تضحيته عن أُمَّتِه مشهوراً يجوز تقييد الكتاب به.
وكذا ما في الكتابِ منَ الأمر بالدُّعاء للوالدين، واستغفارُ الملائكة للمُؤمِنينَ قطعي في. في حصول الانتفاع بعَمَلِ الغَيرِ، فيُخالِفُ ظاهِرَها، قطَعْنا بانتفاء إرادةِ ظَاهِرِها على ظَرافَتِه، فيتقَيَّدُ بما لم يهَبْهُ العَامِلُ، وهو أَوْلَى مِنَ النَّسخ.
أمَّا أَوَّلاً: فلأنَّه - أي: التقييد - أسهَلُ؛ إذ لم يبطل بعد الإرادة.
وأما ثانياً: فلأنَّها من قبيل الإخبارات، ولا يجري النَّسخُ في الخبر، انتهى. الثَّاني: أنَّ ذلك كانَ لقَوم إبراهيمَ وَمُوسَى، فأمَّا هذه الأمَّةُ فلهم ما سَعَوا، وما سَعَى لهم غَيرُهم، قالَه عِكْرِمَةُ، واستَدَلَّ بقول النبي صلى الله عليه وسلم التي سألته: إِنَّ أبي مات ولم يحُجَّ، قالَ: «حُجي عنه».
وقال الكَمالُ بنُ الهُمام رحمه الله: هذا مَرجِعُه إلى تقييد الأخبار، لا النَّسخ؛ إذ حقيقته أنْ يُراد المعنى، ثُمَّ يُرفَعَ إرادته، وهذا تخصيص بالإرادة بالنسبة إلى أهل تلك الشَّرائع، ولم يقع نَسْخُ لهم، ولم ترد الأخبار أيضاً في حقنا، ثُمَّ نُسِخَ، انتَهَى.
الجزء 1 · صفحة 28
الثَّالثُ: أنَّ المُراد بالإنسانِ هاهنا الكافِرُ، وأمَّا المُؤْمِنُ، فله ما سَعَى، وما سُعِيَ له، قاله الربيع بن أنس.
الرابع: أنَّه ليس للإنسانِ إِلَّا ما سَعَى من طريق العَدْلِ، فأَمَّا من طريقِ الفَضْلِ، فجائز أن يزيدَه الله تعالى ما شاءَ، قالَه الحَسَنُ بنُ الفَضْلِ.
الخامس: أنَّ معنى ما سَعَى»: ما نَوَى، قاله أبو بكرِ الوَرَّاق، يدلُّ على صِحَّةِ هذا القَولِ ما رُوِيَ في الحديثِ أنَّ الملائكة تصُفُّ كلَّ يوم بعدَ العَصرِ بكُتُبِها في السَّماءِ الدُّنيا، فيُنادي المَلَكُ: أَلْقِ تلكَ الصَّحيفة، فيقولُ المَلَكُ: وعِزَّتِكَ ما كتبتُ إِلَّا ما عَمِلَ، فيقولُ الله عزّ وجَلَّ: لم يُرِدْ به وَجْهي، ويُنادي المَلَكُ الآخَرُ: اكتُبْ لفُلانٍ كذا، فيقولُ المَلَكُ: وعِزَّتِكَ وجَلالِكَ إنَّه لم يعمل ذلك، فيقولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِنَّه نَوَاهُ، إِنَّه نَواه.
السَّادِسُ: ليسَ للكافِرِ مِنَ الخيرِ إِلَّا ما عَمِلَه في الدُّنيا، فيُثاب عليه فيها، حتَّى لا يبقى له في الآخرةِ خيرٌ، ذكرَه الثَّعْلَبِيُّ.
السَّابِعُ: أَنَّ اللَّامَ في قوله: «للإنسانِ» بمعنى: «عليه»، تقديره: ليس على الإنسانِ إلا ما سَعَى.
وقال الكمال: هو بعيد من ظاهِرِ الآية، ومن سياقها؛ فإنَّها وَعْظٌ للذي تَوَلَّى، وأَعْطَى قليلاً، وأَكْدَى.
الثَّامِنُ: أنْ ليس له إلَّا سعيه، غيرَ أنَّ الأسباب مختلفة، فتارة يكون سعيه في تحصيل الشَّيء بنفسه، وتارة يكون سعيه في تحصيل سَبَبِه، فيكونُ سَبَبه مثل سعيه في تحصيل قرابة، أو ولد يترحم عليه، وصديق يستغفر له، وتارةً يسعى في خدمة الدين والعبادة، فيكتَسِبُ محبَّةَ أَهلِ الدِّينِ، فيكون ذلك سباً حَصَلَ بسَعْيِه. حكَى هَذَينِ القَولَينِ ابن الجوزي عن شيخه علي بن عبيد الله الزَّاغُونِي رَحِمَهُم الله.
الجزء 1 · صفحة 29
وفي معنى قوله تعالى: {وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى} [النجم: 40] قولان: أحدهما: يَرَى بمعنَى: يعلَمُ، قاله ابن قتيبةَ، والثَّاني: سوف يرى العبد سعيه يوم القيامةِ؛ أي: يرى عمله في ميزانه، قالَه الزَّجَاجُ.
ثُمَّ يُجْزَنَهُ الهاء في «يُجزاه» عائِدٌ على السعي.
الْجَزَاء الْأَوْفَى} [النجم: 41]؛ أي: الأكمل الأتم.
وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنتَهى [النجم: 42]؛ أي: مُنتَهَى العبادِ ومَرجِعُهم إلى الله عزّ وجَلَّ.
قالَ الزَّجَاجُ: هذا كُلَّه في صُحِفِ إبراهيمَ وَمُوسَى.
وقدَّمنا ذكرَ الخِلافِ في وصولِ ثواب الأعمال، ومَذهَبُ الإمامِ أحمدَ بنِ حنبلٍ رحمه الله تعالى، وعامَّةِ أهلِ النَّقلِ والحديثِ على مثل ما قلناه عن أَئِمَّةِ مذهب الإمامِ الأعظَمِ أبي حنيفَةَ رحِمَهُم الله من أنَّ القُرَبَ الدِّينيَّةَ، والعبادات المالية، والبَدَنيَّةَ، إذا فُعِلَتْ وأُهدِيَ ثَوابها إلى الأمواتِ وَصَلَ إليهم، وانتَفَعُوا به؛ كالدُّعاءِ، والصَّلاةِ، والصَّدَقة، والقراءة، والعِتْقِ، والحجّ، وكلُّ ما يُتَقَرَّبُ به إلى اللهِ تعالى.
وقدَّمنا دليلَ صِحَتِه، والرَّدَّ على المُخالِفِ.
وكذا إذا فُعِلَ له، ثُمَّ جَعَلَه لحيّ فقبله، أو سأل الله له ذلك، كما فعَلَ النَّبِيُّ بتضحِيَتِه عمَّن شَهِدَ له بالبلاغ والله بالوحدانية، مُتَّفق عليه؛ أي: جعَل ثوابه لأُمَّتِه.
وهذا تعليم منه أنَّ الإنسان يجوز أن يَنفَعَه عَمَلُ غَيْرِه.
والتأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم هو العُروَةُ الوُثقَى، كذا في المَنبعِ شرحِ المَجمَعِ.
والجواب عن الاستدلال بقوله: إذا ماتَ ابنُ آدَمَ انقَطَعَ عَمَلُه إِلَّا من ثلاث»؛ بأنه لم يقل: انقَطَعَ نفعُه من عَمَلِ غَيره، وقد عَمِلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الأضحِيةَ وجعَل ثوابها لأُمَّتِه، وأمر بالحج والصَّلاةِ والصَّدقة عن الأموات، كما هو كثير في السُّنَّةِ.
الجزء 1 · صفحة 30
وعن عطاء بن أبي رَبَاحٍ أَنَّ رَجُلاً جَاءَ إِلى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَقالَ: إِنَّ أَبِي مَاتَ، أَفَأُعْتِقُ عنه؟ قالَ: «نعم».
وعن أبي جعفَرِ محمَّدِ بنِ عليّ أنَّ الحسَنَ والحُسَينَ رَضِيَ اللهُ عنهما كانا يُعتِقانِ عن عليّ رضِيَ اللهُ عنه.
وفي الحديث الصحيح في الذي مات وعليه دينارانِ، ودُعِيَ الصَّلاة عليه، فقالَ: صَلُّوا على صاحبِكُم، وما تُغني عنه صلاتي عليه وذِمَّتُه مُرتهنةٌ في قبره بدينه»، فلمَّا ضَمِنَهما عنه علي رضي الله عنه تَقَدَّمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وصلى عليه، وقالَ: «الآنَ بَرَدَتْ عليه جِلدَتُه، الآنَ فَكَكْتَ رِهانَه، والضَّمانُ بالأداءِ نوع نيابة، وإيصال يقعُ إلى الميت بفعل الحي.
والجواب عن قَولِ المُخالفِ لنا أيضاً: إنَّ الذي ادَّعَيتُموه من وصولِ ثوابِ القِراءةِ والصَّلاةِ لا يصح على أصلِكُم؛ لأنَّ الثَّوابَ عندَكُم غَيْرُ مُستَحَقِّ، وإِنَّما هو منحةً وتفَضُّل، والهبات والمِنَحُ لا يُحالُ بها، ولا تُهدَى، والبارِئُ مُخيَّرٌ عندَكُم إِنْ شاءَ أَتَابَ، وإن شاءَ لم يُثب؛ حاصِل بأنَّ الشَّرعَ جَعَلَ مُقابلةَ الطَّاعاتِ أُجوراً وأثماناً، فقال تعالى: {لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ} [فاطر: 30]، ولو كانَ الكُل
منحة ما سماه أجراً، فلما فصَّلَ بينَ الأجر والمنحةِ عُلِمَ أَنَّه جَعَلَه أجراً. على أنه في الحقيقة عندَنا سُؤالٌ ورَغبةٌ وشَفاعَةٌ فِيمَن أُهْدِيَ إليه التَّوابُ، كما يشفع في صلاة الجنازة، وفي الاستغفار للموتى.
والجواب على قولِ المُخالفِ إِنَّ العُلماء على المَنعِ مِنَ الإيثار بأسباب النواب، وهي القُرَبُ، فكيفَ بعَينِ الثَّوابِ بأنّ الإيثارَ مَنعُ تحصيل ثواب للمُؤثر، وكلامنا في حاصِل له أهدَى ثَوابه، والمنعُ منَ الإيثار للحث على تحصيل كلِّ ذلك الشَّيء المرغوب فيه، والنهي عنِ التَّقاعُدِ عن فعله.
الجزء 1 · صفحة 31
وممَّا يُرَدُّ به على المُخالفِ ما رُوِيَ عن أبي أمامة: أَنَّه قال له النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: يا أبا أمامة، ألا أدلك على كلماتٍ هُنَّ خيرٌ لك من الدنيا وما فيها، أو ما غابت عليه الشَّمسُ؟ قلتُ: بلى يا رسول الله، بأبي أنت وأُمِّي، قال: «إذا ماتَ أخوكُمُ المُؤمِنُ وفَرَعْتُم من دَفنِه فَلْيَقُمْ أحَدُكُم عِندَ قَبرِه، وليَقُلْ: يا فُلانُ بنَ فلانة، فوالذي نفسي بيده ليَستَوِيَنَّ قاعِداً، ثمَّ ليَقُلْ: يا فلان بن فلانة، فإنَّه يقول أرشدنا إلى ما عندك يرحمك الله، فيقولُ: أَذْكُرْ مَا خَرَجْتَ عليه من الدُّنيا، شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسولُ اللهِ، وقد كُنتَ رضيت باللهِ ربا، وبالإسلام ديناً، وبمُحَمَّد صلى الله عليه وسلم نبيًّا، قال: فيَقُومُ مُنكَرٌ فَيَأْخُذُ بيد نكير فيقولُ: تم بنا فما يُقعِدُنا عند هذا وقد لقنَ حُجَّتَه، ويكون الله عزّ وجَلَّ حجيجهما دُونَه، فقلتُ: بأبي أنتَ وأُمِّي يا رَسولَ الله، وإِنْ كُنتُ لا أحفَظُ اسمَ أُمَّه؟ قالَ: فانسبه إلى حَوَّاءَ»، وقد أَوْصى بها أبو أمامة وقد حَضَرَه المَوتُ أن تُفعَلَ به.
ورُوِيَ من كَرَم ذي الجلالِ أَنَّ المَلَكَيْنِ الحافِظينِ إِذا ماتَ العبدُ المُسلِمُ اسْتَأْذَنَا ربَّهما عزَّ وجَلَّ في العُروج إلى السَّماءِ، فيقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ: سَمائي مملوءةٌ من مَلائِكتي، وأَرضِي مملوءةٌ من خَلقي، يعبُدونَني، ولكن قوما عند قبر عبدي فسبحاني واحمداني وكبّراني وهَلَّلاني، واكتُبا ذلك في حَسَناتِ عبدي إلى يوم القيامة.
ويُناسِبُه أيضاً فَضْلُ زيارة القبور، رُوِيَ في الحديثِ: «إِذا سَلَّمَ على الميَّتِ مَن يعرِفُه قال: وعليكَ السَّلامُ يا فُلانُ، باسمه، وإن لم يعرفه قال له: وعليك السَّلامُ يا عبد الله».
ورُوِيَ: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «زُورُوا مَوتاكُم، وسلَّموا عليهم؛ فإنَّ لكم فيهم
عبرة».
الجزء 1 · صفحة 32
ورَوَى ابن أبي الدنيا بإسناده عن عائشةَ رَضِيَ اللهُ عنها قالَتْ: قال رسول الله: «ما مِن رَجُلٍ يزور قبر أخيه المُسلِمِ ويجلس عندَه إِلَّا اسْتَأْنَسَ به، ورَدَّ عليه، حتى يقوم.
وبإسناده عن الحسَنِ قالَ: مَن دخَلَ المَقابر فقالَ: اللَّهُمَّ رَبَّ هذه الأجسادِ البالية، والعِظامِ النَّخِرة، التي خَرَجَتْ منَ الدُّنيا وهي بك مُؤمنةٌ، أَدخِلْ عليها رَوْحاً منكَ وسلاماً منّي، كتَبَ الله له بِعَدَدِ مَن ماتَ مِن وَلَدِ آدمَ إلى أن تقومَ السَّاعَةُ حَسَناتٍ.
ورُوِيَ أَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما الميت في قبره إِلَّا كالغَرِيقِ المَبعوث ينتَظِرُ دعوةً تلحقه من أبيه، أو أخيه، أو صديق له، فإذا لحقتْهُ كانَتْ أَحَبَّ إليه منَ الدُّنيا وما فيها، وإنَّ هدايا الأحياء للأمواتِ الاستغفارُ والدُّعاء».
وقدَّمنا أنه بقراءة «يس» وإهدائها لأهل المقابر إذا دخَلَها يُخفَّفُ عنهم يومَئِذٍ، ثمَّ لا يعود العذاب إليهم، ويُعطَى القارِئُ بِعَدَدِ ما فيها من الأمواتِ حَسَناتٍ.
وفي هذا القَدْرِ كفايةٌ، نسألُ اللهَ سُبحانَه العفو والعافية، وحُسنَ الخاتمة، والنَّظَرَ إلى وجهه الكريم، بجاءِ محمد السيد السَّنَدِ العظيم، صلَّى الله عليه وعلى آله، وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، والصَّحابة والتابعينَ والأَئِمَّةِ المُجتهدين، ومُقَلِّديهم، وزادَه فَضْلاً يليقُ بجَنابِه وحِزْبِه.
قالَ المُؤلِّفُ وكانَ تأليفه في أوائل شهر رجب سنة خمس وستينَ وألفٍ، والله تعالى أعلم.