بديعة الهدي لما استيسر من الهدي
للإمام حسن بن عمار الشرنبلالي الحنفي
توفي سنة 1069هـ
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
جارٍ تحميل الكتاب…
بديعة الهدي لما استيسر من الهدي
للإمام حسن بن عمار الشرنبلالي الحنفي
توفي سنة 1069هـ
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
بسم الله الرحمن الرحيم
وبهِ نَستَعينُ
الحمد الله المُتفضّل على ذَوي العِنايَةِ مِن الأبد، الذي مَتَّعَ مَن أرادَ لَهُ المزيد فضله المزيد وأوجد، فوفقه للحج والعُمرة وأسعد وطوى شُقَّةَ المَشقَّةِ لمَن لمْ يكن أهله حاضري المسجد الحرام فشرَعَ لهُ التَّرفُقَ بأداءِ النُّسكَين بسفرٍ واحد بتلك الأيام، وكَلَّفَه بالتَّقرُّبِ إليه بهدي؛ شُكراً للتّوفيق لأداء النسكين، وصوم بدله؛ ليشمل إحسانه الغني والفقير بتحصيلِ المَرامِ والصَّلاةُ والسَّلامُ على سَيِّدِ الكَونَين، وعلى آله الفائِزينَ بِالقُربِ مِنْهُ فِي الدَّارَين.
وبعد:
فيقول العبد الفقيرُ حَسَنُ الشُّرنبلالي الحنفيُّ، بَلَغَهُ الله وأهله وأولاده وذُريَّتَه ومَن أحبَّه الخيرَ المُتَوالي، وغفر له ولوالديه ولمشايخه ولإخوانه وللمسلمين
هذه تحريرات أبرزتُها، ومن مُخَبَّاتِ الكُنوز أظهرْتُها، لم أرَ مَن تعرَّضَ لكشف نقابها، ولا من تقرب للوقوف بحجابها، فَحَلَّيْتُها وجَلَّيتُها بِمنصَّةِ الشَّرفِ على صدور الأعلامِ الرَّاغِبينَ مِن أَكْفَائِها وخُطَّابِها؛ ليحظى كلَّ مِنهم بِـ نهم بِتَملية بمحاسن ذاتها وبديع جمالِ صفاتها، سميتها:
«بديعةَ الهَدْي لما استيسرَ مِنَ الهَدْي»
لتكفلها ببيانِ زمن تَيَسُّرِه المُلَزَم على النَّاسِكَ التَّقَرُّبُ بِهِ، وانتهاء زَمَنِ القُدرَةِ عليه، فيصومُ باقيَ العَشْرَةِ مِن الأَيَّامِ مَن قَدَّمَ الثَّلاثةَ عاجزاً؛ لتحصيلِ إِرْبهِ. ولتحرير سقوطُ هَدْيِ عَنه بِتَحلُّلِه بالحَلْقِ في أَيَّامِ النَّحرِ، وبيانِ أَنَّ لزوم تقديمِ النُّسَكِ على الحَلْقِ عند الإمام الأعظمِ إِنَّما هو على مَنْ لمْ يتصف بالفقرِ والعُدْم، ولبَيانِ أَنَّه لا يُتحلل بالرَّمي لشيء من محظورات الإحرام على المُعتَمدِ مِن مذهب الإمامِ، ولا بذبح الهدي، ولا بطواف الإفاضة بتلك الأيام، وإِنَّما المُحِلُّ هو الحَلْقُ لَكَنْ لا يَظْهَرُ عَملُهُ في حِلِّ النِّساءِ إِلَّا بِالطَّوافِ، ولا يتحلَّلُ بالهَدْي غيرُ المُحصَرِ بالمرض أو المُخاف، وهذا حسب طاقة العاجز المُقصِّرِ بالاعتراف.
اعلَمْ أَنَّ الهَدْيَ وجَبَ شُكراً على المُتَمتُّع والقارن، وأنَّ الصَّوم بدَلْ عَن الهَدي لمَن لَمْ يَجِدْهُ.
قال الإمامُ الزِّيلَعيُّ رحمه الله: الصَّومُ بدلٌ عَن الهَدي، وهذا الهدي ليسَ شرطاً لصحة التحلل، قال في «الهداية»: يتحلَّل بالحَلْقِ عندَنا لا بالذَّبحِ وهذا يدفع ما قيل: الهدي مشروط للتحلُّل ـ كما سنذكرهـ وكذا لا يتحلل بالطَّوافِ قبل الحَلْقِ، قال ابنُ المَلكِ رحمه الله: لو لم يحلق حتَّى طاف، لمْ يَحلَّ له شيءٌ حَتَّى يَحلق، انتهى.
وكذا لا يتحلَّلُ بالرَّمي، قال الزيلعيُّ: الرَّميُّ ليسَ مِن أسبابِ التَّحلُّلِ، وكذا قال شيخُ مَشايخنا العلامة عليّ المَقدِسي في «شرحه نظم الكنز»: الرَّمي ليسَ محُللاً، خلافاً للشَّافعي رحمه الله، وهذا هو المشهورُ عندَنا، وفي غيرِ المَشهورِ الرَّميُ مُحلَّل لغيرِ النِّساء، كما في «البرهان»، وزادَ قاضيخان: الطيب، قال: الرَّمي النِّساءِ والطَّيبِ، ولكن قال قاضيخان قبل هذا ما نصه: والخروج عن الإحرام إنَّما يكونُ بالحَلْقِ أو التقصير، فإذا حَلَقَ أو قَصَّرَ؛ حَلَّ لَهُ كُلُّ شيءٍ إِلا النِّسَاءَ، ما لم يطف بالبيت، انتهى.
محلل لغير وهذا هو الموافق لـ «الهداية»، واعتَرضَ صاحبُ البَحرِ» قاضيخان في جَعله الرَّميَ مُحلَّلاً لغيرِ الطَّيبِ والنِّساءِ، واستدلَّ لِرَدّه بما في «المحيط»: لَو قلَّمَ أَظْفَارَه قبل الحَلْقِ، فعليهِ دم؛ لأنَّ الإحرام باقٍ، لأنَّه لا يحِلُّ إلا بالحلْقِ، انتهى.
فلو كانَ التَّحلُّلُ بالرَّمي حاصِلاً في غيرِ الطَّيبِ والنِّساءِ، لم يلزمه دم بتقليم الأَظْفار، انتهى قلتُ: كانَ الأَنسَبُ في ردّه الثاني من كلامِ قاضي خان بكلامه الأَوَّلِ؛ لأنَّه حصر الخروج عن الإحرام بالحلق موافقاً لما في المحيط» بقوله: «والخروج عن الإحرام إنَّما يكونُ بالحَلْقِ»؛ ليكون الزمَ في الرَّدُّ، ولأنَّهُ استدل للأَوَّلِ بما في «الصحيحين» ولمْ يذكُر دليلاً للتّحلُّل بالرَّمي وعلمنا أنَّ التَّحلُّلَ بالرَّمي غيرُ المَشهور، وهذا يَدفَعُ ما يُنسَبُ لقاضيخان مِن حُرمةِ الطَّيبِ بالحَلْقِ كالنِّساءِ؛ لأنَّه قالَ: «يَحِلُّ بالحَلْقِ كلُّ شيءٍ إلا النِّسَاءَ مَا لَمْ يطف، فلينتبه له، فهذه تدفَعُ ما قالَه الرَّازِيُّ في «أحكامِ القُرآنِ»: الهدي مشروط للتَّحلُّل، كما سنذكره.
وكذا يَدفَعُه نص الإمام عبد الله بن أحمد النَّسَفِي صاحب «الكنز» و «الكافي» في «شرحِهِ مَنظومة الإمام عُمرَ النَّسَفي» بقوله: الحَلْقُ مُقَيَّدُ بالزَّمانِ والمَكانِ عند أبي حنيفَةً، وعِند أبي يوسف لا يَتوقَّتُ بِهما، وعندَ مُحمد يتوفَّتُ بالمَكانِ دونَ الزَّمانِ، وعندَ زُفَرَ يتوفَّتُ بالزَّمانِ دونَ المَكانِ، وهذا الخلافُ في التوقيت في حقٌّ التَّضْمِينِ بالدَّمِ.
أما ما لا يَتوقَّتُ في حق التحلُّل بالاتفاق والحلق أو التقصير في حق العُمرة غير مؤقَتِ بالزَّمانِ إجماعاً، بخلافِ المَكان فإنَّه يتوقَّتُ عندهما خلافاً لأبي يوسف، انتهى.
وتوجيه الأقوالِ فيه وحَملُ حديثِ افْعَلْ ولا حرج» على أنَّه كانَ قبل تقرر المناسك، واستدلَّ الإمامُ بقولِ النَّبي: مَن قَدَّمَ نُسُكاً عَلَى نُسُكِ أَو أَخَرَه عَنهُ، فعليه دم، كما في شرح المجمع». فهذهِ النُّصوص على أنَّ المُحلَّل هو الحَلْقُ بالاتفاق، وهذا في غيرِ المُحصَرِ وهوَ يتحلّل بذبحِ الهَدْي في مَحِلَّه عند أبي حنيفة ومحمد، وإِنْ حَلَقَ فحسن، وقال أبو يوسف عليه أن يحلق، وإن لم يحلق فلا شيء عليه، وإِنْ لمْ يجدِ المُحصَرُ ما يَذبَحُ عنهُ بقيَ مُحرِماً حتّى يذبح أو يطوف، كذا في التَّبيين»؛ يعني: يطوفُ طواف عُمرة، ويسعى ويحلِقُ، فَيَحِلُّ بأفعالِ العُمْرَةِ إِنْ فَاتَه الحج.
فقد علمنا المُحلَّلَ عن الإحرام إنَّما هوَ الحَلقُ أو التَّقصير، وعلِمْنا أَنَّ الهَديَ وَجبَ شُكراً على القارِنِ والمُتَمتَّع، وقال المُحققونَ مِن أثمَّتِنا: العِبْرَةُ لوجودِهِ في أَيَّامِ النَّحر، ولا يتحقق العجز عنه إلا بمضيها.
والهدي أَضْل والصَّومُ خَلَفٌ عنه، وشرطُ بَدلَيَّةِ الصَّومِ أَنْ يُقدِّمَ الثَّلاثَةَ قبلَ مجيء العاشر من ذي الحِجَّةِ.
فشوَّالٌ وما بعده إلى انتهاء التَّاسع وَقْتُ للثَّلاثةِ، فإذا صامَ الثَّلاثةَ ثُمَّ وجدَ الهَديَ في أَيَّامِ النَّحْرِ إنْ كانَ وجوده قبلَ الحَلْقِ لِزِمَ ذبحُهُ، وبَطَلَ حكم صومه باتِّفَاقِ أَتَمَّتِنا، وكذا وجودُ الهَدي بعد الحلقِ في أَيَّامِ النَّحْرِ على التحقيق.
قال قاضيخان رحمه الله في شرح الجامع الصغير»: وإِنْ فاتَ الصَّومُ لفواتِ وقتِه؛ يعني: أيَّامَ الحج التي هي وقت لصومِ الثَّلاثةِ، عادَ الأَصل وهوَ الهَديُّ، فَإِنْ وُجِدَ الهدي في الثَّلاثة التي يصومُها، أو بعدما صامها قبل يوم النَّحْرِ، لزمه الهدي، وبَطَلَ حكمُ الصَّومِ؛ لأنَّه خَلَفٌ عن الهدي، فإذا قدَرَ على الأصل قبلَ حُصولِ المقصودِ وفواتِ وقتِه، بَطَلَ حكمُ الخَلَفِ، وإِنْ صَامَ ولَمْ يَحلِقُ حتى مضَتْ أَيَّامُ النَّحرِ، ثمَّ وجدَ الهدي فصومه تام؛ لأنَّ وقتَ الذَّبْحِ أَيَّامُ النَّحْرِ، فَإِذا مَضَتْ حَصَلَ المقصود، وهو إباحةُ التَّحلُّل، فلا يتغير بعدَ ذلِكَ؛ كما لو حلَقَ ثمَّ وجدَ الهَديَ، انتهى کلام قاضيخان.
قوله: «فلا يتغيّر إباحةُ التَّحلُّلِ»؛ يعني: جواز الإقدام على التَّحلُّلِ؛ لسقوطِ وجوبِ الترتيب بينَ الذَّبحِ والحَلْقِ عند الإمام، لفقدِ الهَدي في أَيَّامِ النَّحْرِ، فلا يعود الترتيب؛ لوجودِ الهدي بعد أيَّامِ النَّحرِ، فيُباحُ لَهُ الحَلْقُ، ويمضي على حُكْمِ الصَّومِ، فيُتِمُّ العَشَرةَ بصوم السَّبعَةِ بعد تمامِ الحجِّ، لكِنْ عليه دم؛ لتأخيرِهِ الحَلْقَ عَن أيام النحر.
وقوله: «كما لو حلَقَ ثمَّ وجدَ الهَدي»؛ أي: سواءٌ حَلَقَ فِي أَيَّامِ النَّحْرِ ثمَّ وجدَ الهدي فيها، أو حلَقَ فيها ثمَّ وجَدَ الهدي بعدها؛ فإِنَّ إباحةَ تَحلُّلِه وسقوط الترتيب بين الحلْقِ والذَّبح حاصلةٌ في الصُّورتين، ومعلوم أَنَّهُ بوجودِ الهَدي في زَمانِه يلزمه التَّقرب به شُكراً، وقد نصَّ عليه بقوله قبل هذا: «وإنْ وجَدَ الهديَ بعدما صامَ الثَّلاثةَ
قبل يوم النحر - أي: قبلَ مُضي أيامه - لزمه الهدي، وبطل حكمُ الصَّومِ؛ لأنَّه خَلَفٌ عَنِ الهدي، فإذا قدر على الأصل - أي الهَدي - قبل حصولِ المقصودِ؛ أَي: يبدله الذي هو الصومُ المَشروط بفَقْدِ الهَدي، وقد وجد الهدي قبل فواتِ وَقتِه؛ أي: وَقتِ الأَصل؛ أي: زمانِ ذَبحِهِ الهَدْي؛ بطل حكمُ الخَلفِ الذي هوَ الصَّومُ، ويلزم ذبح الهدي، وهذا أعم مِن سَبْقِ الحَلْقِ وعدم سَبْقِه على وجودِ الهدي، فلا بَدَليَّة بينَ الهَدي والحَلْقِ. فإن قيل: يَحتَمِلُ الأَمْرُ تَفسيرَ كَلامِه بالحَمْلِ على أنَّهُ لا تَتغيَّرُ الإباحةُ ولا حُكمُ صومه بوجود الهدي في أَيَّامِ النَّحرِ؛ لحصولِ التَّحلُّلِ بالحلْقِ.
قلتُ: يلزمُ مِنه أن يكونَ الهَدي مقصوداً بهِ التَّحلل، وليس مقصوداً لهُ بَل للشكر لأداءِ النُّسكَين بسفرٍ واحد، ولا دَخَلَ له في التَّحلُّلِ، فَيَبطُلُ حُكمُ الصُّومِ، وهو قيامه عن الهدي بوجودِ الهَدْي في أَيَّامِ النَّحرِ؛ لبقاءِ وقته؛ لأن قاضيخان اعتبر وجودَ الهَدي في زمان النَّحْرِ، ولمْ يَنظُرُ لتَقدُّم الحَلق على الوجود، فقوله: «كما لو حَلَقَ ثم وجد الهَديَ تَشْبية لعدم تغير إباحةِ الإقدام على التَّحلُّلِ مَعَ وجودِ الهَدي بعدَ مُضَى أَيَّام النحر، بمثل ما لو حلق في أيَّامِ النَّحرِ فاقداً له ثم وجده فيها لا تتغير إباحةُ التَّحلُّلِ؛ لسقوط وجوبِ التّرتيب، فالإقدام على التّحلُّلِ فِي زَمَنِ النَّحْرِ موجِبُه فَقْدُ الهَدي، والإقدام على التّحلُّلِ بعدَ مُضي أيَّامِ النَّحرِ موجبه فواتُ الوقت، وليس عليه دم بالحَلْقِ فاقداً للدم للعُذرِ، فالإمامُ إنَّما أوجب الترتيب بينَ الذَّبحِ والحَلق حتى أوجب دماً بتركه على القادر. وقَدْ نَصَّ فِي شَرحِ مُختَصَرِ الطَّحاوي» للإمام الإسبيجابي على عدم لزوم شيء عليه به حيث قال: ولو لم يصم الثلاثةَ لمْ يجُزِ الصَّومُ بعد ذلك، ولا يُجزِتُهُ إلا الدَّمُ.
فإن لم يجد هَدياً حَلَّ، وعليه دمُ المُتعَةِ، ولا دَمَ لإحلالِه قبل أن يذْبَحَ، ولا دمَ عليهِ لترك الصوم، انتهى. فهذا نص على بقاء دمِ الشُّكرِ بذمَّتِه إِلى المَيْسَرَةِ، ونص على أنَّه لا يلزَمُه دم بالحلق قبل الذبح وذلك لعدم وجود دم الشكر.
فيدفَعُ قول القائل بلزومِ دمٍ عليه - كما سنذكُره - إِذْ لا تكليف بدونِ الوُسع، وقالَ الشَّيخُ أَكملُ الدِّينِ في «العناية»: العَجْزُ عنِ الهَدي إِنَّما يَتَحقَّقُ إِذا مَضى أَيَّامُ النَّحْرِ، ولمْ يَقدِرْ عليه، انتهى.
وهذا أعمُّ مِن سَبقِ الحَلْقِ على الوجودِ، لكنَّهُ أَفَادَ بِالمَفهومِ أَنَّه إِذا قَدرَ على الهَدي بعدَ الحَلْقِ، لا يلزَمُهُ الهَديُّ؛ حيثُ قالَ: «يَلزمُهُ الهَديُ إِذا قَدرَ عليه قبلَ الحَلْقِ في يومِ النَّحرِ للقدرة على الأصل قبلَ حُصولِ المَقصودِ بالخَلَفِ، انتهى.
والأصل هو الهدي، والخَلفُ صومُ العشرة المنصوص عليها في الكِتابِ. وقد يُقالُ: لا يُعتبرُ المَفهوم هنا لظهور المراد، وعدم التدافع في كلام الأكمل، وذلك لإطلاق قوله تعالى: {فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ} [البقرة: 196]، والوجود في أَيَّامِ النَّحرِ هوَ المُعتبر للزومِ الهَدي، فلا يُصار إلى خلفه وهو الصوم معه، وقد علمنا أنَّ الحلق هو المحلّل، وعلمنا أنَّ الهدي وجبَ شُكراً، والصّوم بدله، فلا بدلية بين الهدي والحلْقِ حتَّى يُقال: وجود الهدي بعد الحلْقِ لا يُعتبرُ؛ لحصول المقصود بالخلف وهو الهَدْي، كما صَدَرَ ذلكَ في عِدَّةٍ مِنَ المُعتَبَراتِ وذلك تقييد لإطلاقِ النَّص الوجودَ بالحلق قبله، وهو نسخ لا يصح بدونِ موجبه.
وتلكَ المُعتَبَراتُ منها قولُ الزَّيلعي وإن وجد الهدي بعدما تحلَّل، فلا ذَبَحَ عليه؛ لحصول المقصودِ بالصومِ، وهوَ التَّحلُّل، انتهى.
بعد قوله: الصَّومُ بدلٌ عَن الهدي، إذْ لا بَدليَّةَ بينَ الهَدي والتَّحلَّلِ بَل بينه وبينَ الصّوم، وكانَ ذلك أيضاً تعليلاً بما ليسَ مُسلَّماً، وهو في مُقابَلَةِ النَّص المُطلق للوجودِ في أَيَّامِه نسخ لا يصح، وأيضاً بهِ التَّدافُعُ في كلامِ الزَّيلعي، ثمَّ قال - أي: الزَّيلعيُّ - فصارَ كالمُتَيمِّمِ إِذا وجدَ الماءَ بعدما صلَّى، انتهى.
وقد يُقالُ: القياسُ بمسألةِ المُتيمم مع الفارق؛ لأنَّ الصَّلاةَ حصلَتْ في وقتِها، وتمَّتْ بالطَّهارة البَدَليَّةِ وانتَهَتْ، فلا يُبطِلُها وجود الماء الذي هو أصل بعد انتهاء فعل البدل، وأما وجودُ الهَدي في أَيَّام النَّحْرِ بعدَ الحلْقِ فلمْ يَكُن بعد انتهاء فعلِ بَدلِه؛ لبقاءِ السَّبعة ولبقاءِ زمانِ النَّحْرِ، فيلزمُ ذَبحُ الهَدي؛ لأنَّه الأصل وقد وجد قبلَ حُصولِ المقصودِ ببدله، وهو الصَّومُ، كما نصَّ عليه الزّيلعيُّ قبل هذا بقوله: الصَّومُ بدل. الهدي، انتهى.
فلا نظر للحلق؛ لأنَّه ليس بدلاً عَن شيءٍ، والنَّظر إلى وجودِ الحلْقِ تقييد لمطلق الكتاب، وهو نسخ، فلا يصح، وقد قالَ الزَّيلعيُّ أيضاً: ولو صام - أي الثَّلاثَةَ - ثمّ وجدَ الهَديَ، ينظرُ: فإن بقي إلى يومِ النَّحْرِ لمْ يُجزِتْهُ - أي: الصيام؛ للقدرَةِ على الأصل، وإن هَلَكَ قبلَ الذَّبحِ جازَ؛ أي: الصَّومُ للعَجْزِ عن الأَصلِ، وَكَانَ المُعتَبَرُ وقت التحلل، لا وقت الصوم، انتهى.
وبقاءُ الهَدي أعمُّ مِن سبقِ التَّحلُّلِ في كلامه هذا فيلزَمُهُ الهَديُّ. وقوله: «وكانَ المُعتَبَرُ وقت التَّحلُّلِ»؛ يعني: زمانَ الحَلْقِ، وهو أَيَّامُ النَّحْرِ؛ لأنَّها زمان وجوبِ التَّحلُّلِ بالحلْقِ فيها، وزمان وجوبِ ذَبحِ الهَدي فيها.
ومنها قولُ الكمال بن الهمام: فإن قدر على الهَدي في خِلالِ الثَّلاثةِ أَو بَعدَها قبل يوم النحر لزمه الهدي وسقط الصوم؛ لأنَّه خَلَفٌ، وَإِذا قَدرَ على الأصلِ قبلَ تَأْدِّي الحكم بالخلَفِ، بطل الخلَفُ، انتهى.
فقد نصَّ على أنَّ الصومَ خَلَفٌ عَن الهَدي، والهدي لا يُتَحلَّل به ولا بِخَلفِه بل بالحَلْقِ أو التقصير، وهذا عينُ الصَّواب.
ثمَّ َقالَ: «وإن قدر عليه»؛ أي: الهَدي بعد الحلْقِ قبل أن يصومَ السَّبعةَ في أَيَّام النَّبح أو بعدها، لم يلزمه الهدي؛ لأنَّ التَّحلل قد حصل بالحلق، فوجود الأصل بعده لا يَنقُض الخلَفَ، انتهى.
ففيه تدافع وتقييد المُطلَقِ الكتاب كما تقدَّمَ، وذلك لأنَّه أفادَ أَنَّه يتحلل بالهدي أصلاً وبالحلق خلفاً، فإذا وجد الهدي لا يبطل خلفه الذي هو الحلْقُ على كلامه الأخير.
والصَّوابُ كَلامُه الأَوَّلُ؛ لأنَّ العبرة لوجودِ الهدي في أَيَّامِ النَّحْرِ، ولا دَخلَ للحلْقِ قبل وجوده فيها، فوجوده فيها يُبطل حكم الصوم، فيُلزِمه ذبحه وإِنْ تَحلَّل قبله؛ لموجبِ إطلاقِ النَّص، ولقولِ المُحققين: العبرة لأيَّامِ النَّحر وجوداً وعدماً للهدي.
ومنها قولُ «المحيط»: وأما حكمُ المُتمتّع: فعلى المُتمتِّعِ دم، وهو دمُ نُسكِ؛ شكراً لما أنعم الله عليهِ مِن الجَمْعِ بينَ النُّسكَينِ بسفرةٍ واحدةٍ، والصّومُ شُرعَ بدل الهَدي بالنَّصَّ {فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَثَةِ أَيَّامٍ فِي الحَج} [البقرة: 196]؛ أي: وقت الحج، فإذا فات وقت الحج عادَ الأَمرُ إِلى الأَصلِ، انتهى.
فقَدْ نصَّ على أنَّ الصَّومَ بدلٌ عَن الهدي، وأنَّه وجَبَ شكراً، وهوَ الصَّوابُ. ثم قال: ولو قدَرَ على الهدي قبل إكمال صومِ الثلاثة أو بعدما أكمل قبل يومٍ النَّحرِ، لزمه الهدي وبطل صومه، انتهى.
يعني: واستمر معه الهدي حتى جاء وقتُ النَّحرِ، وهو أعمُّ مِن سبق الحلْقِ لكنه علله بقوله: لأنَّ الهدي للتّحلُّل، والصَّومَ بدلّ عنه، والقُدرَةُ على الأَصل قبل حصول المقصودِ بالبَدلِ - وهوَ التَّحلُّلُ - يُبطِلُ حُكمَ البَدلِ؛ كالمتيمم إذا رأى الماء في صلاته، انتهى.
فقَد خالف صنيعه السَّابِقَ؛ فإنَّ الهدي ليسَ للتحلُّل بل وجبَ شُكراً لله، ولا يحصلُ التَّحلُّل بذبحه كما قدَّمناه، والقِياسُ بالمُتيمم غيرُ مُسلَّم، فهو قياس معَ الفارقِ؛ لأنَّ الهَديَ ليسَ للتَّحلُّل، وليسَ التَّحلُّل بدلَه.
ثم قال: ولو وجد الهديَ بعدَما حلَقَ قبل صومِ السَّبعةِ، فلا هَديَ عليه؛ لحصول المقصود بالبدل انتهى.
وهو أعم من وجوده في أَيَّامِ النَّحر وغيرها ليسَ مُسلَّماً، وجَعَلَ الحلق بدلاً عن الهدي، وليس بدله إلا الصوم كما قدمه، فكانَ التَّدافع في كلامه مع مخالفة النَّص بهذا.
ثمَّ قال: ولو لمْ يَحِلَّ حتى مضَتْ أَيَّامُ النَّحرِ، ثمَّ وجدَ الهدي، فصومه تام ولا هدي عليهِ؛ لأنَّ التَّحلُّل يباحُ له بعد يوم النَّحرِ فحصل المقصود وهوَ التَّحلُّل، انتهى. والمنفيُّ دمُ الشُّكرِ، أَمَّا دمُ الجَبرِ بتَركِ الحلْقِ في أَيَّامِ النَّحْرِ، فهو لازم عليه؛ لتأخيره الحلْق عَن زَمانِه.
وقوله: «لأنَّ التَّحلُّلَ يباح له فيه تسامح؛ إذ هو واجب عليه، والمراد أنَّه لا يُتَوقَّفُ حِلُّ حلقه على ذَبح الهدي لفواتِ وقته فيم الصوم بعد فراغه مِن الحج.
وقوله: فحصل المقصود وهوَ التَّحلُّلُ» ليسَ مُسلَّماً؛ فإنَّ المَقصود الهدي أو بدله، وهوَ الصَّومُ للعَجز عنه، ولكنَّه إذا وجد الهديَ بعد أيامِ النَّحرِ؛ لا يَبطُلُ حكْمُ البدل الذي هو الصوم، ويتحلَّل بالحلْقِ لزوماً.
ومنها قوله في التّترْخانيَّة»: لو وجدَ الهديَ بعدما حلق قبل أن يصومَ السَّبعةَ فلا هدي عليه، وفي «الظَّهيريَّة»: وصح صومه، انتهى.
وهوَ يَحتَمِلُ الوجود بعدَ مُضيّ أَيَّامِ النَّحرِ، وفيها: ويَتعيَّنُ حملُ البَعْدِيَّةِ المُطْلَقَةِ على البَعْدِيَّةِ الكائِنَةِ في غيرِ زمانِ النَّحرِ؛ وذلكَ لِئَلَّا يُخالِفَ النَّصَّ المُلزِم للهدي بوجوده في أيَّامِ النَّحرِ؛ لأَنَّهُ الأَصل ولمْ يمض زمانه لاختصاص ذبحِ هَدي المُتعَةِ والقِرانِ بالزَّمانِ والمَكانِ.
وقوله في «الظهيرية»: «وصح صومه يعني لمُضيَّ أَيَّامِ النَّحْرِ، فلا يبطل البَدلُ الذي هو الصوم بوجودِ الأصل في غيرِ زمانِ ذبحه.
ثم قال: «م»: بشر بن الوليدِ عَن أبي يوسف: إذا صامَ المُتمتِّعُ ثلاثةَ أَيَّامٍ ثمَّ وجدَ هَدْياً قبل أنْ يحِلَّ، انتقضَ صومه، وإن وجدَ الهَدي بعدما حلَّ، جازَ صومه، ولا هَديَ عليه انتهى.
وهوَ يَحتمل أن يكونَ بعدما حلَّ وفات زمانُ النَّحْرِ.
بَل يتعيَّنُ حمله على الوجودِ بعدَ مُضيَّ أَيَّامِ النَّحرِ؛ لقوله: جازَ صومه، ولا هدي عليه، وذلك لفواتِ أيَّامِ النَّحرِ، فلا يبطل حكمُ البَدَلِ الذي هوَ الصَّومُ بوجودِ الأَصلِ الذي هو الهدي؛ لفواتِ زمانِ النَّحْرِ، فلا يُدافِعُ النَّصَّ، ومنها متْنُ اتَّبَعَ ذلك، والكلام عليه مثلما تقدم.
ومنها قول صاحِب البَحرِ الرَّائِقِ»: العِبَرَةُ لأَيَّامِ النَّحْرِ في العَجْزِ والقُدْرَةِ. ثمَّ قال: لو قدر على الهدي بعدما أكمل ثلاثة قبلَ أَن يَحلِقَ ويحِلَّ وَهُوَ فِي أَيَّامِ النَّبِحِ؛ بطل صومه، ولا يَحِلُّ إلا بالهدي، ولو وجد الهدي بعدما حلَقَ وحلَّ قبل أن يصوم السَّبعةَ؛ صح صومه، ولا يجب عليه ذبحُ الهَدي، ولو صام ثلاثةَ أَيَّامٍ ولمْ يحلق ولمْ يحل حتى مضَتْ أَيَّامُ الذَّبح، ثمَّ وجدَ الهدي، فصومه ماض ولا شيء عليه، كذا ذكرَ الإسْبِيْجَابِيُّ، انتهى.
وقوله: «ولا يَحِلُّ إلا بالهَدي» غيرُ مُسَلَّم كما بَيَّنَّاه؛ لأَنَّ التَّحلُّلَ ليسَ إِلا بِالحَلِقِ أو التقصير لغير المُحصَرِ، أمَّا المُحصَر فلا يتَحلَّلُ إِلَّا بِالهَدي كما بَيَّنَّاه.
وقوله: «ولو وجد الهدي بعدما حلق وحلَّ»؛ يعني: والوجودُ في أَيَّام النَّحرِ؛ لقوله بعده: ولو لم يحلق ولو لم يحِلَّ حتى مَضَتْ أَيَّامُ الذَّبحِ، ثمَّ وجدَ الهدي فصومه ماض، فقد نظر إلى وُجودِ الحَلْقِ في أَيَّامِ النَّحْرِ، ونظر إلى جوازِ التَّحلُّلِ.
بمُضِي أَيَّامِ النَّحْرِ، وحَكَمَ بأَنَّهُ لا يَلزَمُه الهدي في الصُّورَتين، والثانية مسلَّمَةٌ لفوات أَيَّامِ الذَّبحِ، والأولى غيْرُ مُسلَّمة؛ لأنَّ العبرة لأيَّامِ النَّحْرِ وقد وجد فيها الهدي، ولا نظر للحلق قبله، فيَلزَمُه ذبحه كما هو مُقتضى النَّصَّ فلا يعدِلُ عنه كما بيناه. ومنها قول أخيه في النَّهرِ: لو قدَرَ على الهَدي في خِلالِ الثَّلاثةِ أو بعدها قبل يوم النحر، لزمه، وبطل الصّومُ، لا إن قَدِرَ عليه بعد الحلق قبل صومِ السَّبعةِ في أَيَّامِ الذبح أو بعدها، انتهى.
وهُوَ غَيْرُ مُسلَّم، ولا يَحتَمِلُ التَّأْوِيلَ؛ لأنَّ قولَه: «فِي أَيَّامِ النَّبِحِ مُتعلّق بـ: «قدرَ عليه بعد الحلق»، وهوَ يُدافِعُ النَّصَّ لوجودِ الأصل الذي هو الهدي في وقته، فبطل حكم صومه، ولزمه الهدي، فلا يصح صومه عنه كما بيناه.
ومنها ما في شرح نظم الكنز» وغيره، والكلام عليها مثلما قدمناه. ومنها قوله في الاختيار» و «شرح المُختار»: لو قدر على الهدي قبل صومِ الثلاثةِ أو بعده قبل يوم النحر، لزمه الهدي، وبطل صومه؛ لأنه قدر على الأصل قبل حصول المقصود بالبدل، وهو التحلل، وإن قدر عليه بعد الحلْقِ قَبلَ صومِ السبعة لا هدي عليه؛ لحصول المقصود بالبَدلِ، وَإِنْ لَمْ يَصُمِ الثَّلاثَةَ لَمْ يَصُمِ السبعةَ؛ لأنَّ العشرةَ وجَبَتْ بدلاً عن التحلل، وقد فات بفواتِ البعض، فيجب الهدي، فإن لم يقدر على الهدي؛ تحلل، وعليهِ دَمَانِ؛ دمُ التَّمَتَّعِ، ودمُ التَّحلُّلِ قبل ذبح الهدي، انتهى.
وفيه تأمل من حيثُ جعلهُ التَّحْلُل بدلاً عَنِ الهدي، والبَدلُ عنهُ إِنَّما هوَ الصَّومُ.
قال الزَّيْلَعِيُّ: الصَّومُ بدلُّ عَنِ الهَدي، فهوَ يَدفَعُ كلامَ «الاختيار» كما بَيَّنَّاه. ثمَّ قوله: (وإنْ قدَرَ عليه بعد الحلق قبل صومِ السبعة لا هدي عليه؛ لحصول المقصود بالبدل»، ظاهره أنَّه وجده في أَيَّامِ النَّحْرِ؛ لأنَّه يجْعلُ الحلق بدلاً عنِ الهَدي، وقد حصل، فلا يُصار إلى الأصلِ الذي هو الهدي بعدَه، وهذا غيرُ مُسلَّم كما بَيَّنَّاه؛ لأنَّ البدَلَ إنَّما هو الصّومُ، ولم يوجد تمامه وقد وجِدَ الأَصلُ الذي هوَ الهَدي في زمانِ النَّحْرِ فَبَطَل صومه.
ثمَّ قوله: «لأنَّ العَشرةَ وجبَت بدلاً عنِ التَّحلُّلِ غَيْرُ مُسلَّم أيضاً؛ لأنَّها ليست بدَلاً إِلَّا عَن الهدي كما بَيَّنَّاه. ثم قوله: «فإنْ لمْ يقدِرُ على الهَدي؛ يحِلُّ، وعليه دمانِ؛ دمُ التَّمتُّعِ ودَمُ التَّحلُّلِ قبل الهدي».
قد ذُكِرَ مِثلُه في كافي النَّسَفَيٌّ»، ودمُ التَّحلُّلِ إِنَّما يجب على القادِرِ؛ لتركِ الترتيب الواجب عندَ الإمامِ لا على العاجِزِ عَنِ الهَدي كما قدَّمناه عن الإِسْبِيْجَابِي رحمهم الله. ومنها قوله في «الجوهرة»: الصَّومُ بدلُّ عَنِ الهَدي، فإِنْ لَمْ يَقدِرْ على الهَدي؛ تحلل وعليهِ دَمانِ؛ دمُ القِرانِ، ودمُ التَّحلُّل، وعَلِمْنا أنَّ العذر بعدم الوجدانِ أسقط حكمَ التَّقديمِ والتَّأخير عندَ الإمامِ، فلا دمَ للتَّحلُّل قبلَ الذَّبحِ؛ لعدم القدرة عليه كما قاله الإِسْبِيْجَابِيُّ وقَدَّمْناه.
ثمَّ قال في «الجوهرة»: وإن وجد الهدي بعدما حلَقَ قبل أن يصومَ السَّبعةَ في أيَّامِ الذَّبح أو بعدها، فلا هَديَ عليه؛ لأنَّ الوجود بعد حصولِ المَقصودِ بالحَلْقِ لا يُغيّر حكْمَ الخَلَفِ، انتهى وعلمنا أنَّ القدرة في أيام النَّحْرِ هِيَ المُعتَبَرَةُ، ولا نظر للحلْقِ قبلها، والخليفة ليست التحلل.
وقال في «الجوهرة»: تقديمُ نُسُكِ على نُسُكِ؛ كتأخير الحلْقِ أو طوافِ الزِّيارة عنْ أَيَّامِ النَّحرِ، وكالحَلْقِ قبلَ الرَّمي، والحلق قبلَ الذَّبحِ للقارنِ والمُتمتِّعِ يوجب دماً عند الإمام أبي حنيفة لا عِندَهما، وهذا إذا كان بغيرِ عُذرٍ في تأخير طوافِ الزِّيارة؛ كالحائِضِ والنفساء إذا حاضَتْ قبلَ أَيَّامِ النَّحْرِ، أمَّا إِذا حاضَتْ فِي أَثنائها، وجَبَ الدَّمُ بالتفريط فيما تَقدَّمَ، كذا في «الوجيز»، انتهى يعني: وكذا النفساء إذا ولدَتْ قبل أيَّامِ النَّحرِ، أما إذا ولدَتْ في أثنائها، وجبَ الدَّمُ بالتَّفريط فيما تقدَّمَ.
أقولُ: فيه تَأمُّل؛ لأنَّ الطَّواف لا يَتعيَّنُ بوقت ما دام زمانه موجوداً، والحيض والنفاسُ حصل في الأثناءِ مِن صاحب الحقِّ؛ كالصَّلاةِ إِذا حاضَتْ أو نُفِسَتْ في أثناء وقتها، لا تلزمها، وكتَركِ طواف الوداع بنزول الحيض بعدَ التَّمَكُنِ منه، فلا تفريط منها؛ لعدم تعين ما سبقَ مِنَ الوقتِ ِللطَّوافِ، وكمسألة الحلِفِ على شُرب ماء هذا الكوز اليوم وقد كان فيه، فَصُبَّ قبل الغروب، لا حِنْثَ؛ لعدم تعين ما سبق للبر. ومنها قولُ الشَّيخِ الإمامِ الأَجل أبي بكر الرازي في «أحكام القرآن»: لو صام العاجز عن الهدي ثم وجد الهدي، قال أصحابنا إذا وجد الهدي بعد دخوله في الصومِ أو بعدما صام قبل أنْ يحِلَّ، فعليه الهدي، ولا يُجزِئُه غيره؛ لقوله تعالى: {من تمتع بالعمرة إلى الحج فما استَيْسَرَ مِنَ الهُدى فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَثَةِ أيام في الحج} [البقرة: 196]، ففَرضُ الهدي قائم عليه ما لم يَحِلُّ أو تمضي أيَّامُ النَّحر التي هي منسوبة للحلق، فمتى وجدَه فعليه أن يهدي وبطل صومه، ومعلوم أنَّ الهديَ مَشروط الإحلال؛ لأنَّه لا يجوز أن يجل قبل ذبح الهدي، فعليه الهدي؛ لأنَّ الله تعالى لم يفرِّقُ في إيجابه الهدي بين حاله قبل دخوله في الصوم وبعده. ويدلُّ على أنَّ الهدي مشروط قوله تعالى: {فَإِذَا وَجَتْ جُنُوهَا فَكُلُوا مِنهَا} [الحج: 36]، {وَأَطْعِمُوا البَابِسَ الْفَقِيرَ ثُمَّ لْيَقْضُوا نَفَتَهُمْ} [الحج: ?? - ??] فأمرهم بقضاء التَّفثِ بعد ذبح الهدي، فإذا كان كذلك وجب أن يُراعى وقوع الإحلالِ، فَإِنْ صامَ وحلَّ ثم وجد الهدي، لم ينقُضُ صومه، ولم يلزمه الهدي؛ لوجودِ المعنى الذي من أجله شُرِطَ الهدي، ثمَّ نُقِلَ عند عدمه إلى البدل، وهو بمنزلة المُتيمم إذا وجد الماء بعد فراغه مِن الصَّلاة، والعاري إذا وجد ثوباً، والمُظاهِر إذا فرَغَ مِن الصَّومِ ثم وجدَ الرَّقبَةَ، انتهى.
وأقولُ: إِنَّ قولَه: الفَرْضُ الهَدي قائمٌ عليه ما لم يحِل، لا دليل عليهِ؛ لأنَّ النَّصَّ مطلق في لزومِ الهَدي ببقاء أَيَّامِ النَّحرِ، فتقييده شرط لزومِ الهَدي بعدمِ التَّحلُّلِ تقييد لمطلق نص الكتاب، وهو نسخ لا يجوز إلا بِمُخَصَّص مِن الكِتابِ أو السنَّةِ المشهورة كما هو مقرر في محله.
ثم قوله: ومعلوم أنَّ الهديَ مَشروط الإحلال؛ لأنَّه لا يجوز أن يحل قبل ذبح الهدي، انتهى. ظاهره نفيُ صِحَّةِ الإحلال بالحلْقِ قبل ذبح الهدي؛ لجعله ذلك شرطاً للإحلال، وليسَ مُسلَّماً؛ فإنَّ الإمام الأعظمَ قالَ بوجوبِ مُراعاة التّرتيب، ولم يقل بأنَّه شرط لصحة التَّحلُّلِ، فيلزمه دم بتَركِ الترتيب الواجب عنده، وقال أبو يوسف و محمد رحمهم الله: لا شيء عليه، فتَحلُّله مع وجودِ الهَدي متفق على صحتِه بين أئمتنا، انتهى. قوله: ويدلُّ على أنَّ الهَدي مشروط قوله تعالى: {فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا} [الحج: 36]، {وَأَطْعِمُوا الْبَابِسَ الْفَقِيرَ ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفتَهُمْ} [الحج: ??-??] فأمرهم بقضاءِ التَّفْثِ بعد ذبحِ الهَدي انتهى.
قلنا بموجبه وجوباً لا اشتراطاً؛ لصحةِ التَّحلُّل بقضاءِ التَّفثِ الذي هو الحلْقُ، فلا تتوقف صحةُ التَّحلُّل على ذبحِ الهدي، بل ولا يصح ذلك منه على العُمومِ؛ لأنَّ المُفرِدَ ليس عليه هدي، وإحلاله بدونِ هَدي صحيح جائز.
قوله: «فإذا كانَ كذلك، وجبَ أن يُراعي وقوع الإحلالِ، فَإِنْ صَامَ وحَلَّ ثمَّ وجدَ الهدي لم ينتقض صومه، ولم يلزمه الهَدي؛ لوجودِ المَعنى الذي مِن أجلِه شُرِطَ الهَديُّ، ثمَّ نُقِلَ عندَ عدمِه إِلى البَدَلِ، انتهى.
وهو يريد بالمعنى التَّحلُّل بالحلْقِ، وليس الهدي مشروطاً لصحته، وليس المعنى الذي من أجله شُرطَ الهَدي، بل أُريد به شكرُ نِعمَةِ التَّوفيق لأداءِ النُّسكَين بسفر واحدٍ، كما قدَّمناه فلزِمَ الهدي بالنَّصَّ؛ لقدرته عليه مع بقاء أَيَّامِ النَّحرِ، وانتقضَ حكم صومه؛ لقدرته على الأصل قبل فوات وقته، وعلى ما أراده يلزم قلبُ المَشروع لصحة الصوم، وتَركُ الهَدي كما بَيَّنَّاه، فهو ممنوع. قوله: «وهو بمنزلة المُتَيمم ... إلى آخره. قياس مع الفارق كما أوضَحْناه فهوَ بمنزلة من وجدَ الماءَ في خِلالِ الصَّلاةِ والرَّقبة في خلالِ الصَّومِ، فيلزم الأصل ويبطل الخلَفُ؛ لعدم انتهاء حكمه كما حررناه بحمد الله تعالى وعونه.
في شهر القَعْدة، سنة سبع وستين وألف، خُتِمَتْ بخَيْر.
***