تحفة النحرير وإسعاف الناذر الغني والفقير
للإمام حسن بن عمار الشرنبلالي الحنفي
توفي سنة 1069هـ
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
جارٍ تحميل الكتاب…
تحفة النحرير وإسعاف الناذر الغني والفقير
للإمام حسن بن عمار الشرنبلالي الحنفي
توفي سنة 1069هـ
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه ثِقَتي ورجائي
الحمد لله الذي أكرَمَ خِيارَ عِبادِه، وأفاضَ عليهم عزيز إمداده، ويسر لهم القيام بخدمته، وأبدَلَهُم ما يشُقُ بأيسر موجود من نِعمَتِه، والصَّلاة والسَّلامُ على حبيبه وصفوته، وعلى آله وأصحابه والتابعينَ وذُرِّيَّتِه.
وبعد:
فيقول العبد المُقصِّرُ في خِدمَتِهِ، حَسَنُ الشُّرُنْبُلا ليُّ لطَفَ اللهُ بذُرِّيَّتِه، وتغَمَّدَه بمَغفِرَتِه: هذه نُبدَةٌ يسيرةٌ لتحرير مسألةِ النَّذْرِ بحَسَبِ عَجْزِهِ وقِلَّةِ بِضَاعَتِهِ، سَمَّيْتُها: تُحفة التحرير وإسعاف النَّاذِرِ الغَنِيِّ والفقير بالتخيير على الصحيح والتحرير لما ورَدَ سؤال فيمَن قالَ: إِنْ دخَلْتُ دارَ زيد، فعَليَّ الله تعالى صَوْمُ سَنَةٍ، فما الحكم؟
فأجَبتُ كما في «الهدايةِ: يُجزِتُه كَفَّارة يمين بعد دخوله. ثم إنني أرَدْتُ ذكر المسألة من أصلها، وما ذكره الشُّراحُ في حلها.
قال في «الهداية»: ومَن نذَرَ نَدْراً مُطلَقاً، فعليه الوَفاءُ به؛ لقَولِهِ صلى الله عليه وسلم: «مَن نذَرَ وسمَّى فعليه الوفاء بما سمَّى»، وإِنْ علَّقَ النَّذْرَ بشرط فوُجِدَ الشَّرْطُ، فعليه الوَفاءُ بنَفْسِ النَّذرِ؛ لإطلاق الحديثِ، ولأنَّ المُعلَّقَ بالشَّرطِ كالمُنجَّزِ عندَه، وعن أبي حنيفةً رجَعَ عنه، وقال: إذا قالَ: إِنْ فعَلتُ كذا، فعليَّ حَجَّةٌ، أو صَومُ سنةٍ، أو صَدَقَةً ما أملِكُه؛ أجزأه من ذلك كفَّارة يمين، وهو قول محمد، ويخْرُجُ عن العُهدة بالوفاء بما أَنَّه سُمّى أيضاً.
وهذا إذا كانَ شَرْطاً لا يُريدُ كونَه؛ لأنَّ فيه معنى اليمين، وهو المنع، وهو بظاهره نذر، فيتخير ويميل إلى أي الجهتين شاءَ، بخلاف ما إذا كانَ شَرْطاً يُرِيدُ كونَه؛ كقوله: إِنْ شفَى الله مريضي؛ لانعدام معنى اليمين فيه، وهذا التفصيل هو الصَّحيحُ، انتهى.
وقالَ الشَّيخُ أكمَلُ الدِّينِ في «العناية» رحِمَهُ اللهُ: وَمَن نذَرَ نَذْراً مُطلَقاً؛ مثل أن قالَ: لله عليَّ صَوْمُ سنةٍ، ولم يُعلّقه بشيء، فعليه الوَفاءُ بِهِ؛ لَقَولِهِ صلى الله عليه وسلم: «مَن نَذَرَ وسَمَّى فعليه الوفاء بما سمَّى».
وإِنْ علَّقَ النَّذْرَ بشَرط سواء كانَ شَرْطاً أرادَ كونه أو لم يُرِدْ، فَوُجِدَ الشَّرط فعليه الوَفاءُ بنَفْسِ النَّذْرِ، ولا ينفَعُه كفَّارة يمين؛ لإطلاق الحديثِ؛ فَإِنَّه لم يُفَصِّلُ بينَ كَونِ النَّذِرِ مُطلَقاً، أو مُعلَّقاً بشَرْطٍ، ولأنَّ المُعلَّقَ بالشَّرط كالمُنجَّزِ عندَه، ولو نُجِّزَ عندَ وُجودِ الشَّرطِ، لم تُجزئه الكفَّارة، فكذا هاهنا.
وعن أبي حنيفةَ أنَّه رَجَعَ عنه؛ أي عن تعيينِ الوَفَاءِ بِنَفْسِ النَّذْرِ المُعلَّقِ بِشَرْطٍ مُطلَقاً، ورَجَعَ إلى التَّخيير بينَ كفَّارة اليمين وبينَ الوَفاءِ بالمَنذُورِ في المُعلَّقِ ممَّا لا يُرادُ كُونُه.
وقال: إذا قالَ: إِنْ فَعَلْتُ كذا فعلَيَّ حَجَّةٌ، أو صوم شهر، أو صدقة ما أملكه؛ أجزأه من ذلك كفَّارة يمين، وهو قول محمَّد، ويخرُجُ عن العُهدَةِ بالوفاء بما سمّى أيضاً، حتّى لو كانَ مُعسِراً كانَ مُخيَّراً بينَ أن يصوم ثلاثة أيام، وأن يصوم شهراً، وهذا مَروِيٌّ عن أبي حنيفة في النَّوادِرِ.
ووَجهُه ما رُوِيَ فِي السُّنَنِ مُسنَداً إلى عُقبَةَ بنِ عامرٍ رَضِيَ اللهُ عنه، أَنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: «كفَّارةُ النَّذرِ كفَّارَةُ اليَمينِ»، قالُوا: هذا إذا كانَ شَرْطاً لا يُرِيدُ كَونَه؛ لأنَّ بينَ الحديثين كما ترى تعارضاً، فحَمَلُوا الحديثَ الأوَّلَ على النَّدْرِ المُرْسَلِ، وعلى نَذْرِ مُقيَّد أراد الحالِفُ كَونَه، والثَّاني على مُقيَّد لا يُرِيدُ كَونَه؛ جَمعاً بينَ الآثَارِ. والمعنى الفقهِيُّ في ذلك أنَّ في الشَّرطِ الذي لا يُريدُ كَونَه كَلامَه يَسْتَمِلُ على معنى النَّذْرِ واليمين جميعاً.
أما معنَى النَّذِرِ، فظاهِرُ، وأمَّا معنَى اليمين؛ فلأنَّه قُصِدَ به المنع عن إيجادِ الشَّرطِ، فيتخير ويميل إلى أي الجهتين شاءَ، والتَّخييرُ بينَ القليل والكثير في الجنس الواحد باعتبار معنيين مختلفين جائز، كالعبد إذا أذِنَ له مولاه بالجمعةِ، فَإِنَّه مُخيَّرٌ بينَ أَداءِ الجمعة ركعتين، وبينَ أداءِ الظَّهِرِ أَربَعاً.
والنذر واليمينُ معنَيَانِ مُختَلِفانِ؛ لأنَّ النَّذِرَ قُربةٌ مقصودة واجبٌ لعَينه، واليَمينُ قربة مقصودة لغيره، وهو صيانة حُرمة اسم الله تعالى، بخِلافِ ما إذا كانَ شَرْطاً يُرِيدُ كَونَه؛ كقوله: إِنْ شَفَى الله مريضي؛ لانعدام معنَى اليمين فيه، وهو المنع؛ لأنَّه قصد إظهارَ الرَّغبة فيما جعَلَه شَرْطاً.
قالَ المُصنِّفُ: وهذا التَّفصيل - أي: الذي ذكَرْنا بينَ شَرْطٍ لَا يُرِيدُ كَونَه وبَينَ شَرْطٍ يُريدُه - هو الصّحيح، وفيه نظر؛ لأنَّه إنْ أرادَ حَصْرَ الصَّحَّةِ فِيه من حيثُ الرّوايةُ فليس بصحيح؛ لأنَّه غير ظاهرِ الرّواية، وإنْ أرادَ حَصْرَها فيه من حيثُ الدرايةُ لدفع التّعارُضِ؛ فالدَّفْعُ مُمكِنٌ من حيثُ حَمْلُ أحدهما على المُرْسَلِ والآخرِ على المُعلق، من غير تفرِقةٍ بين ما يُريدُ كَونَه وما لا يُريده على أنه فيه إيماء إلى القصورِ " في الذهاب إلى ظاهرِ الرّواية، انتهى كلام الأكمل.
أقولُ: التَّنظيرُ غَيْرُ مُسلَّمٍ، أَمَّا الجواب عن مَنْعِ الشَّيخِ أَكمَلِ الدِّينِ الصِّحَّةَ روايةً بما ذُكِرَ من أَنَّه غيرُ ظاهرِ الرّواية؛ فليسَ حَصْرُ الصَّحَّةِ من هذا القبيل، بل حَصْرُ الصَّحَّةِ من حيثيَّةِ رُجوع الإمام إليه؛ لأنَّه َرجَعَ إليه قبل موته بسبعةِ أَيَّامٍ، فصار هو الصَّحيحَ؛ لأنَّ المَرجوع عنه لا يُقاوِمُ المَرجوع إليه في الصِّحَّةِ؛ لأنَّ الذي استَقَرَّ أمرُ المُجتَهِدِ ورأيه عليه صارَ هو المَذهَبَ للإمام، فيصيرُ المُسَطَّرُ عنه في ظاهرِ الرّواية كالمنسوخ بما بعده. فجَعْلُ الشَّيخِ أَكمَلِ الدَّينِ رَحِمَهُ اللهُ ظَاهِرَ الرّوايةِ وَجْهَا لَمَنعِ الصِّحَّةِ لِما في النَّوادِرِ غيرُ مُسلَّم؛ لأنَّه لا يكونُ ما أراده الأكمَلُ إِلَّا إِذا تَقابَلَ ظَاهِرُ الرِّوايةِ والنَّوادِرُ، وتعارضا من غيرِ رُجوع عن إحدى الروايتين.
فأمَّا معَ الرجوع كما بَيَّنَّاهُ فلا يتأتى ذلك، ولهذا أفتى بما في النَّوادِر إسماعيل الزَّاهِدُ، ومشايخ بَلْخَ، وبعضُ مشايخ بخارى، واختارَهُ شَمسُ الأَئِمَّةِ، والقاضي المَرْوَزِيُّ، وقال في «البَزَّازِيَّةِ»: وعليه الفَتْوَى.
وقال في «الفيض»: والمُفتَى به ما رَوَيناه عن أبي حنيفة من رجوعه، وكذا اختاره الصَّدرُ الشَّهيد.
وفي «الخُلاصة»: وعن أبي حنيفةَ أَنَّه رجَعَ قبلَ مَوتِه بسبعةِ أَيَّامٍ، وقالَ: تَجِبُ فيه الكفَّارةُ، واختارَهُ شَمسُ الأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ والصَّدرُ الشَّهِيدُ وبه يُفتى، وقد جَعَلَه مثناً في مَجمَعِ البَحْرَينِ»، فقالَ: ومَن نَذَرَ نَدْراً مُطلَقاً، لِزِمَه الوفاء به، والصّحيحُ في المُعلَّقِ بشرط لا يُرادُ لزوم الكفَّارة، وفي المُرادِ الإيفاء، انتَهَى.
لكنَّه لم يُفصِحْ عنِ المُرادِ، حيثُ حَكَمَ بلزومِ الكفَّارَةِ فِي المُعلَّقِ بما لا يُراد، وهو غَيرُ مُرادِ الإمامِ في المُعلَّقِ بما لا يُراد؛ فإنَّه خيَّره فيه بينَ الكفَّارِةِ وبينَ الوَفاءِ بما نذَرَه، ولم أرَ مَن نبَّةَ على كلامِ المَجمَعِ.
وقال الزيلعيُّ: وإِنْ سَمَّى - أي: النَّاذِرُ - شيئاً، ففي المُطلَقِ يجب الوفاء به، وكذا في المُعلَّقِ إنْ كانَ التَّعليقُ بشرطٍ يُرادُ كَونُه، وإِنْ كانَ لا يُرادُ كَونُه قيلَ: يجب عليه الوفاء بالنَّذِرِ، وقيلَ: يُجزِئُه كفَّارة اليمين إنْ شاءَ، وإِنْ شَاءَ أَوفَى بالمنذور، وهو الصَّحيحُ، رجَعَ إليه أبو حنيفة قبل موته بثلاثةِ أَيَّامٍ، وقيل: بسبعةٍ، انتَهَى.
وفي «الدُّرَرِ والغُرَرِ»: نذَرَ مُعَلَّقاً بشرط لا يُريدُه، وَفَّى أو كفَّرَ، وبه يُفْتَى، رجَعَ إليه أبو حنيفة، وبه كانَ يُفتي شمس الأئِمَّةِ وغيرُه من كبارِ الفُقَهَاءِ، انتَهَى.
وكذا قالَ صَدرُ الشَّريعة وبما لم يُرِدْه وفَّى أو كفَّرَ هو الصَّحِيحُ، انتهى. فبهذا ظهَرَ حَصْرُ الصّحة بـ «الهداية» روايةً فيما رجَعَ إليه الإمامُ، واتَّضَحَ حَصْرُ تصحيح «الهداية» لها.
فإِنْ قُلتَ: إِنَّ رُجوع الإمام ليسَ عاما، بل كانَ خاصا، فإِنَّه ما خيرَ بينَ الوَفاءِ بالمنذور وبينَ كفَّارة اليمينِ إِلَّا في المُعلَّقِ بما لا يُرادُ كَونُه؛ لأنَّ الإمامَ لمَّا صوَّرَه بقوله: إذا قال: إن فعلت كذا، فعَليَّ حَجَّةٌ، أو صَومُ سنةٍ، أو صدَقةُ ما أملكه؛ أجْزَاه من ذلك كفَّارة يمين، كانَ مخصوصاً بهذا النوع؛ إذ لا يحتمِلُ التَّصوير غيرَه؛ لأنَّه مُعلَّقٌ بفعلِ النَّاذِرِ، فبقي ما عداه على لزومِ عَينِ المَنذور، وهو المُطلَقُ والمُعلّق بما يُرادُ كُونُه.
فما الحاجة إلى استدراكِ صاحِبِ «الهداية» وغيره بقوله: «وهذا إذا كانَ شَرْطاً» لا يُريدُ كَونَه مع نقله تصوير الإمامِ رُجوعه؟
وما وجه قولِ ابنِ الهُمام واختار المُصنِّفُ - أي: صاحِبُ «الهداية» والمُحققونَ أنَّ المُرادَ بالشَّرطِ الذي يُجزِئُ معَه الكَفَّارةُ الشَّرطُ الذي لا يُريدُ كَونَه، مثل دخول الدَّارِ، سيما مع نص الإمام على ذلك.
وكذا قولُ الشَّيخ أَكمَلِ الدِّينِ رحمه الله: وعن أبي حنيفة أنَّه رجَعَ عنه؛ أي: عن تعيين الوفاءِ بنفس النَّدْرِ إلى القَولِ بالتَّخيير ... إلى آخره، مع تصوير الإمام المذكور.
قلتُ: إنَّه لمّا كانَ ظَاهِرُ قول حاكي الرجوع شُمول المنذورِ بقوله: الوليد بن أبان أنَّ الإمامَ رَجَعَ قبل موته بسبعةِ أَيَّامٍ، وقالَ: يتخَيَّرُ، كان قول صاحب الهدايةِ ومَن وافَقَه إظهاراً وبيانا لتحقيق حكم النوع الذي رجَعَ عنه الإمامُ؛ لئَلَّا يفهم أحَدٌ شُمول الرجوع، فيُجْرِي التَّخيير عُموماً في كل منذور. نعم؛ كانَ الأولى والأحسَنُ أن يُقالَ: أفاد الإمام بهذا التصوير تخصيص رُجوعه عن لزومِ عينِ المَنذورِ المُعلَّقِ بما لا يُرادُ كَونُه، ورَجَعَ إِلى التَّخيير.
فبقي لزومُ عَينِ المَنذور في غيره، وهو ما يُرادُ كَونُه، والنَّدْرُ المُرسَلُ؛ إذ لا يحتمل التصوير بذلك النوع غيره.
وكان الأولى من تقديرِ الأكمَلِ مُضافاً أن يُصَرِّحَ بِمُضافِه فيقول: وعن أبي حنيفة أنَّه رجَعَ عن إطلاق تعيين الوفاءِ بنَفْسِ النَّذْرِ إلى القَولِ بالتَّخيير ... إلى آخرِه، فيكونُ أَحسَنَ من قوله: رجَعَ عن تعيينِ الوَفَاءِ بنفسِ النَّذْرِ.
وراوي الرجوع سمَّاهُ الكَمالُ، قال - أي: الكَمالُ بنُ الهُمامِ رَحِمَهُ اللهُ: ورُوِيَ عن عبد العزيز بن خالد الترمذي: خرَجْتُ حاجًا، فلمَّا وَصَلتُ الكوفة قرأتُ كتابَ النذور والكفَّاراتِ على أبي حنيفة، فلما انتهيتُ إلى هذه المسألة قالَ: قِفْ؛ فإنَّ من رَأيي أن أرجِعَ، فلمَّا رَجَعْتُ منَ الحجّ إذا أبو حنيفة قد تُوُفِّيَ رحمه الله، فأخبرني الوليد بن أبان أنَّه رجَعَ قبل موته بسبعة أيام، وقالَ: يتخير - أي: في المُعلَّق ـ بما لا يُرادُ گونه.
وبهذا كان يُفتي إسماعيل الزَّاهِدُ، وقال الوَلوالجيُّ: مَشايِخُ بَلْخَ وبُخارَى يُفتُونَ بهذا، وهو اختيار شمس الأئِمَّةِ، قال: لكثرةِ البَلوَى في هذا الزَّمانِ انتَهَى.
والمُحقِّقونَ فَصَّلُوا بينَ ما يُرادُ كَونُه وما لا يُرادُ بما نص عليه الإمام تصويراً، فَأَوْضَحُوا المُرادَ واختارُوا ما صححه صاحِبُ «الهداية» منَ التَّفصيل؛ لأنَّه الذي رجَعَ إليه الإمام.
وقد حقَّقَ الكَمالُ بنُ الهُمام ذلك بقوله: واختارَ المُصنِّفُ - يعني: صاحِبَ «الهداية - والمُحقِّقُونَ أَنَّ المُرادَ بالشَّرطِ الذي يُجزِئُ مَعَه الكفَّارةُ الشَّرطُ الذي لا يُريدُ كَونَه، مثلُ دُخولِ الدَّارِ، وكلامِ فُلانٍ؛ فإنَّه إذا لم يُرِدْ كَونَه، يعلمُ أَنَّه لم يُرِدْ كونَ المنذور، حيثُ جَعَلَه مانِعاً من فعل ذلك الشَّرط؛ لأنَّ تعليق النَّذرِ بعمل ما لا يُرادُ گونه بالضَّرورة يكون لمنع نفسه عنه، فإنَّ الإنسانَ لا يُريدُ إيجابَ العباداتِ دائماً، وإن كانَتْ مَجلَبَةٌ للتَّوابِ؛ مخافة أن تثقُلَ، فيَتَعَرَّضَ للعِقابِ، ولهذا صَحَّ عنه عليه السَّلامُ أَنَّه نهى عن النَّذِرِ وقالَ: «إنَّه لا يأتي بخير»، الحديث.
* تنبيه لتجديدِ حُكم يبتَني على ما ذكرناه، بل هو من أفرادِ ما صَدَقَ عليه.
وهو أَنَّ مَن قال لزوجته: إِنْ قَربْتُكِ، فعليَّ حَجٌ أو صَومُ كذا ونحوه الله تعالى يكون مولياً؛ فإِنْ قَربَها في مُدَّةِ الإيلاء، لزِمَه الجزاء، ويتخَيَّرُ بينَ الوَفَاءِ بِعَينِ المَنذورِ وكفَّارة يمين على الصَّحِيحِ المُفتَى به.
وهذا لم أُسبَقْ إلى إفادَتِه فيما علِمتُه، فلِلَّهِ الحمد والمنة.
وأمَّا الشَّرطُ الذي يُريدُ كَونَه؛ مثلُ قَولِه إِنْ شفَى الله مريضي، أو قَدِمَ غائِبي، أو ماتَ عَدُوِّي؛ فلِلَّهِ عليَّ صَومُ، شهر، فوُجِدَ الشَّرطُ، لا يُجزِتُه إِلَّا عَينُ المَنذورِ؛ لأنَّه إِذا أرادَ كَونَه، كانَ مُريداً ذاتَ النَّذرِ، فكانَ النَّدْرُ في معنى المُنجَّزِ، فَيَندَرِجُ في حكمه، وهو وجوب الإيفاء به، فصارَ مَحْمِلُ ما ـ أي: مَحْمِلُ الحَدِيث الذي ـ يقتضي الإيفاء المُنجز والمُعلَّقَ المُرادَ كَونُه.
ونص الحديثِ: «مَن نذَرَ وسَمَّى فعليه الوفاء بما سَمَّى»، ومحمل ما يقتضي إجزاء الكفَّارَةِ المُعلَّق الذي لا يُرادُ كُونُه، وهو المُسمَّى عند طائفة منَ الفُقَهَاءِ نَذْرَ اللجاج.
ومذهَبُ أحمدَ فيه كهذا التفصيل الذي اختارَهُ المُصنِّفُ.
واستَدَلَّ ابنُ الجَوزِيّ في التَّحقيق الاكتفاء في خُصوص هذا النَّذْرِ بحديثِ مُسلِم، معَ أَنَّه مُطلَقٌ، وليسَ إِلَّا؛ لِما قُلنا. انتَهَى.
وهذا هو المُقتضي لإجزاء الكفَّارة كما تقدَّمَ.
قلتُ: فهذا التسليم، وتحقيق وحكاية موافقة الإمامِ أحمدَ بنِ حَنْبَلٍ لِما قال به الإمام الأعظَمُ أبو حنيفة برجوعه إليه، فهو ممَّا اتَّفَقَ عليه إمامانِ عظيمانِ مُجتَهِدانِ، صدَرَ ذلك منَ الكَمالِ تأييداً لـ «الهداية»، وفيه لطيفُ رَدُّ على ذلك الأكمل، رحِمَهُم الله تعالى.
ثمَّ قالَ الكَمالُ بعد تقريره الذي تقدَّمَ: وهذا التَّقريرُ أُولَى مِمَّا قيلَ؛ لأنَّ الشَّرطَ إذا لم يُرَدْ كَونُهُ كانَ في معنى اليمين، فإنَّها تُعقَدُ للمَنعِ، فَأَجْزَأَ فيه الكفَّارَةُ، بِخِلافِ الذي يُريدُ كَونَه، فإنَّه يرد على هذا التقرير أنَّ اليمين كما تكونُ للمنع تكونُ للحَمْلِ، فلم يختص معناها بما لا يُرادُ كُونُه، فالفَرقُ على هذا تحكُمْ، انتَهَى.
هذا ما يتعلَّق ببيانِ صِحَّةِ إرادةِ حَصْرِ صاحب «الهداية» الصِّحَّةَ رِوايةً، ولم يذكُرِ المُحَشَّي العلامةُ سَعْدي شيئاً في هذا المحل.
وقد علمت الجواب عن صاحِبِ «الهدايةِ، وأَوضَحْنا صِحَّةَ إرادتِه رِوايةً. وأما الجوابُ الثَّاني: فتَعلَمُه بما نذكُرُه جَواباً للشَّيخِ أَكمَلِ الدِّينِ، وكلامه معَ صاحب «الهداية» بموجب قوله؛ أي الشَّيخِ أكمَلِ الدِّينِ رَحِمَهُ اللهُ تعالى: وإِنْ أَرادَ حضرها ـ أي: الصحة - فيه ـ أي: التفصيل - من حيثُ الدرايةُ لدَفْعِ التَّعارُضِ فالدَّفعُ مُمكِنٌ من حيثُ حَملُ أحدهما - أي: الحديثين - على المُرْسَلِ، والآخَرِ على المُعلَّقِ من غير تفرقة بين ما يُريدُ كَونَه وما لا يُريدُه.
أقول: هذا لا يكفي لدفع التّعارُضِ؛ لأنَّه إذا لم يُوجَدِ التَّفرقةُ فيما بينَ ما لا يُريدُ كَونَه وما لا يُريدُه، يبقَى التَّعارُضُ على حاله؛ لأنَّ الأمرَ بوَفاء ما نذَرَه يكونُ في أحدهما مطلقاً، فيُعارِضُه الثَّاني بقوله: كفَّارةُ النَّذرِ كفَّارة اليمينِ مُطلَقاً، فلا يكفي حمل أحدهما على المُرسَلِ والثَّاني على المُقَيَّد، لدَفعِ التَّعارُضِ على إطلاقِ الحمل؛ لأنَّ الأحدَ دائِرٌ غيرُ مُعيَّن، فلا بُدَّ مِنَ التَّفرقةِ لدَفعِ التَّعارُضِ.
ويُرجعُ الحمل على التَّفرقةِ إشارة الحديثِ الثَّاني بقولِه: «كفَّارةُ النَّذرِ كفَّارةُ اليَمينِ؛ لأنَّ النَّذِرَ المَحْضَ لا كفَّارة فيه إلَّا على إرادةِ التَّأويل، والكفَّارة فيما فيه معنى اليمين، ولا يكون إلا فيما لا يُرادُ كَونُه، فكانَ التَّفصيل هو الصَّحيحَ دِرايةً أيضاً - أي: كما أنه صحيح روايةً - لوُجوعِ الإمامِ إليه كما قدَّمناه، وهو مفاد نص الإمامِ بما صوَّرَ به المسألةَ، فكانَ كلامُ المُحقِّقينَ إيضاحاً له ليسَ مُثبتاً غير ما قاله الإمام، واختاروه للفتوى.
قوله - أي: الشَّيخِ أَكمَلِ الدِّينِ: على أنَّ فيه إيماء إلى القُصورِ في الذَّهَابِ إلى ظاهر الرّواية.
أقولُ: ضَميرُ أَنَّه» و «فيه» يرجعُ إلى حَصْرِ الصَّحَّةِ من حيثُ الدرايةُ؛ أي: إِنَّ حَصْرَ التّفصيل درايةً فيه إيماء؛ أي: إشارة إلى القصور عن التفصيل في الذَّهَابِ؛ أي في الأخذ والاستناد إلى ظاهرِ الرّواية؛ أي: إلى اعتقادِ حُكمِها بعدَمِ التَّفرقةِ، فالمَعنَى أَنَّ ظَاهِرَ الرّواية يقصُرُ عن إفادة ذلك؛ لحُكمِها بلزومِ عَينِ المنذورِ مُطلَقاً، سواءٌ عَلَّقَ بما يُرادُ كَونُه أو لا يُرادُ، هذا حل كَلامِه.
ولقائل أن يقول: نعم؛ هو كذلك، مُشيراً إلى تصورِ ظاهرِ الرّواية عن التفصيل المذكور، وهو وَجهُ رُجوع الإمامِ الأعظَمِ عن ظاهرِ الرّواية إلى ما في النَّوادِرِ؛ لأنَّ حديثَ عُقبة يقتضيه، وهو المعنى الفقهيُّ المُستفاد منه، وذلك المعنى هو النَّظَرُ لِما في النَّذرِ المُعلَّقِ بما لا يُرادُ من معنى اليمين، وهو المنع عن الفعل الذي لا يُرادُ حصوله بلزومِ المَنذور، فإنَّه إذا لم يُرِدْ كَونَه يعلمُ بالضَّرورةِ أَنَّه لم يُرِدْ كَونَ المَندُورِ حيثُ جعَلَه مانِعاً من فعل ذلك الشَّرطِ، انتهى.
وقال المُحَشِّي سَعدي رحمه الله تعالى: قَولُه: وإِنْ أَرادَ حَصْرَها فيه».
أقولُ: فيه أنَّه يجوز أن يُرادَ حَصرها فيه من حيثُ الدَّرايةُ لدَفعِ التَّعارُضِ من حيثُ المعنى الفقهي، انتهى.
أقول: هو تأييد منه وتوضيح لقول «الهداية»، وحَصْرِها الصَّحَّةَ فيما ذكرتُه، فتبيَّنَ بما سَطَّرناه، وبما عن المُحققينَ أَورَدْناه ونقَلْناهُ، حَصِرُ الصَّحَّةِ في كلامِ «الهداية»، والله سُبحانَه هو المان بفَضلِهِ ومِنَتِه.
كتبه حَسَنُ الشُّرنبلالي في مُستَهَل ربيع الأَوَّلِ سنةَ سِت وستينَ وأَلفٍ، غفر الله له ولوالديه، ولطَفَ بذُرِّيَّتِه وإخوانه والمُسلمين، وصلَّى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
***
. الرسالة رقم: (14) ....
بلوغ الأرب لذوي القُرَبِ
كتاب الحج
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد الله الملِكِ العزيزِ الوَهَّاب، المانِّ على ذَوِي السَّعادةِ الأَنْجاب، بإجابة الدَّاعي لمُوجب ما سبَقَ به الكتاب، فلبّى كل فلذا يحج بحَسَبِ الإجابة وطيب الخطابِ، ويتكرَّرُ رُجوعه لحج البيتِ والوُقوفِ على البابِ.
وأشرَفُ الصَّلاةِ وأزكَى السَّلامِ على الحبيبِ المُصْطَفَى المَخْصوص بأشرفِ مقام، الآمر بالحج عن الأبوين؛ تشريعاً لجميعِ الأُمَّة، ليُزيل الحصْرَ عنها والغُمَّة، وكذا سائِرُ القُرُباتِ فَضْلاً أفاضَه وأَعَمَّه، وعلى سائر الأنبياء والمُرسَلينَ مِنَ الله السلام، وعلى آله والصَّحابة والتابعينَ بدَوامِ الإنعام.
وبعد:
فيقول العبدُ المُلتَجِيُّ لمَولاهُ، الرَّاجي كرَمَه في آخرتِه وأُولاهُ، أبو الإخلاص حَسَنُ الشُّرنبلالي الحنفي ذو العَجْزِ والسُّهادِ والشَّجَن:
هذه مسألةٌ فَتَحَ اللهُ سُبحانَه بمَنّه عليَّ بها لبيانِ حُكمِها مَعَ العَوائِقِ والمحن، سمّيتها:
بلوغ الأرب لذوي القُرَبِ
مُتَضَمَّنة لإزالة الاشتباه الحاصل في الحجّ بالأشباه، وبيان منع الاستئجار، وصِحَّةِ النِّيابة في الحَجّ بالاتفاق، بعبارة واضحة للعارِفينَ الحُذَاق. قال في «الأشباه والنظائرِ»: يصِحُ استئجارُ الحاج عنِ الغَيرِ، وله أجر مثله، ثمَّ أسنده لـ «الخانية».
وأقولُ: نص قاضيخان رحمه الله: إذا استأجَرَ المَحبوسُ رَجُلاً لِيحُجَّ عنه حَجَّةَ الإسلام، جازَتِ الحَجَّةُ عنِ المَحبوسِ إذا مات في الحبس، وللأجير أجر مثله في ظاهرِ الرّواية، انتهى.
فهذا نص على أنه لا صِحَّةَ لقَولِه في «الأشباه»: يصح الاستئجار للحج، ولا صِحَّةَ لعَزْوِه لـ «الخانيَّةِ»؛ فإنَّه لم يقُلْ في «الخانيَّةِ»: يصح استئجار الحاج عنِ الغَيرِ، وإنما قال: جازَتِ الحَجَّةُ ... إلى آخره.
وكذا قال في «المَنبَعِ شرحِ المَجمَعِ»: لو استأجر للحَجِّ ودَفَعَ إِليه الأُجرةَ، فَحَجَّ عنِ المَيِّتِ، جازَ عَنِ المَيِّتِ، انتهى.
يعني: جاز الحج، ولم يقل: جازَتِ الإجارَةُ.
ثمَّ قال: وفي المُحيط»: وما فَضَلَ منَ النَّفقة بعدَ رُجوعه يَرُدُّه على الورثة؛ لأنَّه فَضَلَ عن حاجة الميّتِ؛ لأنَّ النَّفقة لا تصيرُ مُلكاً للحاج؛ لأنَّ الاستئجار على الطَّاعاتِ لا يجوز، ولكِنْ يُنفِقُ المال على حكم ملك الميِّتِ في الحج، فإذا فرغ منه يرُدُّ باقيه للوَرَثِةِ، انتَهَى.
لأنَّ الإجارة على الحج غير صحيحة باتفاق أئِمَّتِنا، وسنذكُرُ حُكم باقي القُرَبِ، والإجارة على الحج وإن لم تصح فإنَّما جازَتِ الحَجَّةُ عَنِ المُستأجِرِ؛ لأنَّه لَمَّا بطَلَتِ الإجارة بقي الأمرُ بالحجّ، وقد نَواه الفاعِلُ عن الأمر، فصح، كما سنذكُرُه. وقد أشار قاضيخان رحمه الله إلى عدَمِ صِحَّةِ الإجارة بقوله: «وللأجير أجرُ مثله»؛ لأنَّه المُستَحَقُ في الإجارةِ الفَاسِدةِ، بخلافِ الإجارةِ الصَّحيحة، فإنَّ المُستَحَقَّ هو الأجرُ المُسمَّى في العقد، فلو صحتِ الإجارةُ للحَجِّ لحكِمَ له بالمُسمَّى. وعلى ظاهِرِ عبارة قاضيخان التي هي: «وللأجير أجر مثله، استَشكَلَه المُحقِّقُ الكَمالُ بنُ الهُمام، حيثُ ذكَرَ حُكم المأمور بالحج، فقالَ: ومهما فَضَلَ مِنَ الزَّادِ والأمتعة يُرُدُّه على الوَرَثِةِ أو الوَصيِّ، إلا إنْ تبرَّعَ به الوارِثُ أو أَوْصَى له به الميِّتُ. وهذا لأنَّ النَّفقة لا تصير ملكاً للحاج بالإحجاج، وإِنَّما يُنفِقُ في ذهابه وإيابه على حكم ملك الميِّتِ؛ يعني: أو الأمرُ حال حياته؛ لأنَّه لو مَلَكَه لكانَ بالاستئجار، ولا يجوز الاستئجار على الطَّاعاتِ، انتَهَى.
قلتُ: وهذا هو الفَرقُ بين الاستئجارِ والاستنابةِ للحَجِّ، امتَنَعَ الاستئجار، فلا يملكُ الأُجرة؛ لأنَّها تُملَكُ في الإجارة بالتعجيل، ويلزَمُ الأجيرَ المُضِيُّ في مُوجبِ الإجارة، لا في هذه الإجارة؛ لعَدَمِ صحتِها، وهكذا حُكمُ النَّائبِ، فلا يملكُ المال المدفوع إليه، ويُنفِقُ منه على حُكمِ ملكِ الآمرِ، ويرُدُّ ما، فَضَلَ انتَهَى. ثم قال الكَمالُ: وعن هذا قلنا: لو أوصى أن يحج عنه ولم يزد على ذلك، كانَ للوَصِيُّ أن يحج عنه بنفسه، إلا أن يكونَ وارِثاً، أو دفعه لوارِث ليحُجَّ، فإنَّه لا يجوز إلا أن يُجيز ورثته وهم كبار؛ لأن هذا كالتبرع بالمال، فلا يصح للوارث إلا بإجازة الباقين.
ولو قال الميِّتُ للوَصيُّ: ادفَعِ المالَ لمَن ُيحُجُّ عَنِّي، لم يجُز له أن يحُجَّ بنفسه مُطلَقاً، وإذا عُلِمَ هذا فما في قاضيخان من قوله: «إذا استأجَرَ المَحبوس رجُلاً ليحُجَّ عنه حَجَّةَ الإسلام، جازَتِ الحَجَّةُ عَنِ المَحبوس إذا مات في الحبس، وللأجير أجرُ مثله» مُشكل، لا جَرَمَ أنَّ الذي في الكافي» للحاكمِ الشَّهِيدِ أبي الفَضْلِ في هذه المسألة قالَ: «وله نفَقةُ مثله»، هي العِبارةُ المُحرَّرة.
وزاد إيضاحها في «المبسوط»، قال: وهذه النفقةُ ليسَ يستحقها بطريقِ العِوَضِ، بل بطريق الكفاية؛ لأنَّه فرَّغَ نفسَه لعَمَلٍ ينتفعُ المُستَأجِرُ به.
هذا؛ وإنَّما جازَ الحج عنه؛ لأنَّه لما بطَلَتِ الإجارة بقي الأمر بالحج، فيكون له نفقَةُ مثله، انتهى كلامُ الكَمالِ رحمه الله.
قُلتُ: فهذا نص الكمال على بطلان الإجارة، ووافقه قاضيخان بإشارته، ولكن اعترضَه الكمال في تعبيره بأجر المثل، والعبارةُ المُحرَّرةُ أن يُقالَ: لَهُ نفَقةُ مثلِهِ.
وقد يُجاب عن قاضيخان بأنه أرادَ ما قاله الحاكِمُ الشَّهيد، غير أنه عبر عن نفقة المثل بأُجرة المثل؛ لمشاكلة صيغة العبارة المناسبة للفظ الإجارة، وبه يزولُ إشكال الكمال.
ونقل صاحب الأشباه» في «البَحرِ» عدَمَ صِحَّةِ الإجارة، بقوله: ذكَرَ الإسبيجابيُّ أنَّه لا يجوز الاستئجار على الحجّ، ولا على شيء منَ الطَّاعاتِ، فلو استأجر على الحجّ رَجُلاً، ودَفَعَ إليه الأجر ليَحُجَّ عَنِ المَيِّتِ، فإنَّه يجوزُ عن الميت، - يعني: فإنه - أي: الحج - يجوز عن الميت؛ لأنَّه لما بطَلَتِ الإجارة بقي الإذن بالأمر بالحج، وقد نَواه عنِ الآمِرِ فصح، انتهى ـ وله من الأجر مقدار نفقة الطَّريقِ في الذَّهاب والمجيء، ويرُدُّ الفَضْلَ على الوَرَثِةِ؛ لأَنَّه لا يجوز الاستئجار عليه، ولا يحِلُّ له أن يأخُذَ الفَضْلَ لنَفْسِهِ، إِلَّا إِذا تبرَّعَ الوَرَتْةُ به، وهم من أهلِ التَّبرُّع، أو أوْصَى الميِّتُ بأنَّ الفَضْلَ للحاج عنه، هوا، هو الأصح - أي: حُكم صحة الوصيَّةِ بالفاضل له هو الأصح؛ لأنَّه - أي: المُوصَى له - صارَ معروفاً بحجه عن الآمر، فلم يكُنْ وصيَّةً لمجهول، انتَهَى.
وفيه تأييد لما أجَبْنا به عن قاضيخان، حيثُ قال: له من الأجر مقدار نفقة الطريق، انتهى.
وقال في «المَنبَعِ»: في «الغاية»: اتَّفَقَ العُلماء على أنَّ الأرزاق) في الحج، واختَلَفُوا في الإجارة، فمَنَعَها أبو حنيفة وأحمَدُ ومَن تابعهما، وجَوَّزَها مالك والشافعي بأجرة معلومة.
والأعمال أنواع ثلاثة:
ما يجوز فيه الأَرْزاقُ والإجارة؛ كبناء المساجد ونحوها.
وما يمتنع فيه الإجارة دُونَ الإرزاقِ؛ كالقَضاءِ والفتيا.
وما اختُلِفَ في جواز الإجارة فيه دُونَ الأرزاق؛ كالإمامة، والأذان، والإقامة، والحج.
ومنَعَ الشَّافعي الاستئجارَ بالنَّفقة للجهالة، وجوَّزَه مالك قياساً على استئجار الظَّئرِ بطَعامِها.
وإن مات عن غيرِ وصيَّةٍ، يأثَم بلا خِلافٍ، وإنْ وَجَبَ عليه الحج ولم يُؤَخِّرُه، فخرج معَ النَّاسَ عام وجوبه، فمات في الطريق فليس عليه أن يُوصِي به، إلَّا أن يتطوع؛ لأنَّه لم يُؤَخِّرْه بعدَ الوُجوبِ. فاغتنم بهذه المسألة. انتهى كلامُ المَنبَعِ». قلت: وقد قال بعد هذا: صارَ إلى نصفِ النَّهارِ فمات، يجب عليه الإيصاءُ بفدية صوم هذا اليوم كاملاً. انتهى كلامه. فلْيُتأَمَّلْ.
ويُنظَرُ الفَرقُ بينهما، فإنَّه في الصّومِ لم يُؤَخِّرُه فهو كالحجِّ، فلا فَرْقَ فِي نَفْيِ لزومِ الإيصاء فيهما.
فتَحرَّر لنا أنَّ الاستنابة للحَجّ غيرُ الاستئجار عليه، والفَرْقُ بينهما قد علمناه بأنَّه لا يملكُ النَّفقة المدفوعة إليه بالاستنابة، والأجير يملكُ الأُجرَةَ المُعجَّلة لو صحتِ الإجارة، وأنَّه لا صحة للإجارة على الحجِّ، فلِعَدَمِ ملكِ ما عُجِّل له من الأجرة على الحج يرُدُّ الفاضِلَ منهما؛ لِما تَقَدَّمَ.
وعلِمْنا أَنَّه لا يلزَمُ من عَدَمِ صِحَّةِ الإجارة على الحج عدَمُ وُقوعِ الحج عنِ المُستأجِرِ، بل يقَعُ عنه، لما أنَّه لما لم تصح الإجارةُ بقيَ الإذنُ بالحجّ، فصَحَ: واستحَقَّ النَّائبُ نفقَةً مثله من تلك الأجرةِ بحَسَبِ الحال.
فكانَ هذا مثلَ قَولِ أَئِمَّتِنا: الكَفالة بشَرطِ البَراءةِ حَوالَةٌ، والحَوالَةُ بِشَرْطِ عدَم البَراءةِ كَفالة؛ اعتباراً للمعنى، فتكون الإجارة للحَج إنابة باعتبارِ المَعنَى؛ لصِحَّةِ الحج عنِ المُستأجر.
تنبية: علمنا وقوع الحج عنِ الآمر، وهو الصَّحيح؛ لما قال قاضيخان: إذا حَجَّ عنِ المَيِّتِ بأمره، هل يسقط الحج عن المحجوج عنه؟
اختَلَفُوا فيه:
قال بعضُهم: لا يقعُ الحج عن المحجوج عنه، ويكون له ثَوَابُ النَّفقة لا غيرُ.
قُلتُ: وسنذكرُ أنَّه مع ذلك يسقط عن الأمرِ أصل الحج. انتهى.
وقال بعضهم: يقعُ عنِ المَحجوج عنه، وهو الصحيح؛ لأنَّ الآثار تدلُّ عليه، ولهذا تشترط النيَّةُ عن المَحجوج عنه، ويذكُرُه الحاج في التَّلبية، فيقولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُريدُ الحج فيسره لي، وتقبله منِّي ومن فُلانٍ.
وسُئِلَ الشَّيخُ الإمام أبو بكر محمَّدُ بنُ الفَضْلِ َرحِمَهُ اللهُ عن هذا فقالَ: ذَاكَ مُعلَّقٌ بمشيئة الله تعالى كما قال محمَّدٌ رحِمَه الله تعالى انتَهَى.
وقالَ الكَمال رحمه الله تعالى: ثمَّ اختُلِفَ في أَنَّ نَفْسَ الحجِّ يَقَعُ عَنِ الآمِرِ، أو عنِ المَأمور، فعن محمَّدِ رحِمه الله تعالى عنِ المأمور، بناءً على أنَّه أُقيم الإنفاق على الحاج مُقامَ نفسِ الفِعلِ شَرْعاً؛ كالشَّيخ الفاني حيث أُقيمَ الإطعام في حقه مُقامَ الصومِ، انتهى.
والمراد بقولِ الكَمالِ: «بناء على أنَّه أُقيم الإنفاق ... إلى آخره» سقوط أصل الحج عن الأمر بالإنفاق؛ لعَجْزه عن أداء الحج، وقد وقع الحج عن المأمور، يُوَفِّحُه قَولُ الإمامِ النَّسَفيُّ في «الكافي»: وعن محمد أنَّ الحج يقع عن الحاج، وللمحجوج عنه ثواب النفقة؛ لأنَّ الحج عبادةٌ بدَنيَّة، ولا تُجرى النيابة في ذاتها، لكن الواجب عليه إنفاق المال في الطريق، وأداء الحج، فإذا عجز عن الأداء بقي ما قدر عليه، وهو إنفاق المال في الطَّرِيقِ، فَلَزِمَه دَفَعُ المال ليُنفِقَه الحاج في الطَّريقِ، وصارَ الإنفاق قائماً مقام الأفعال عندَ العَجْزِ، كما أُقيمَ الفِدَاءُ مقام الصوم في حق الشيخ الفاني، انتهى.
وكذا يُوَضْحُه قَولُ الشَّيخ أَكمَلِ الدِّينِ في العناية»: وعن محمَّد أَنَّ الحج يقعُ عن الحاج؛ يعني: المأمور، وللآمر ثواب النفقة، وصار إنفاق المأمور كإنفاق الآمر بنفسه، ولكن يسقط أصل الحج عن الآمر؛ لأنَّه عبادةٌ بدَنيةٌ حَصَلَ العَجز عن فعله، وكلما كان كذلك قام الإنفاق فيه مقامَ الفعل، كما في الشَّيخِ الفاني، فإنَّه لما عجَزَ عنِ الصوم قام الفديةُ مَقامَ الصَّوم، وإلحاقه بالفدية بطريق الدلالة، لا بطريق القياس؛
لأنها - أي: الفدية - تثبتُ في حق الفاني بخِلافِ القياس، فلا يُقاس عليها غيرها. ووَجْهُ الدَّلالةِ أنَّ الإنفاقَ لمَّا قامَ مَقامَ الصَّومِ، وهو عبادةٌ بدنِيَّةٌ مَحْضَةٌ، فَلَأَنْ يقوم فيما هو مُرَكَّب منَ البَدَنِ والمَالِ أَوْلى.
قال شيخ الإسلام وإلى هذا القَولِ مالَ عامَّةُ المُتأخرينَ رَحِمَهُم الله تعالى، انتهى.
وقولُ الأكمل: «الأله عبادةٌ بدنية»؛ يعني: من حيث الوقوف والطواف والسعي وإلا فهو عبادةٌ ماليَّة أيضاً من حيثُ اشتراط الاستطاعة، ووُجوبُ الأجزية بارتكاب محظوراته، كما قالَه الزَّيْلَعِيُّ رحمه الله تعالى، وهو نَصُّ الأكمَل رَحِمَهُ الله بقولِه بعد هذا: هو مُرَكَّبٌ منَ المالِ والبَدَنِ»، وكذا قالَ الزِّيلَعِيُّ أيضاً: الحج عبادة بدنية، والمالُ شَرْطُ للوجوبِ انتَهَى.
ثمَّ قال الأكمل: قالوا: بعضُ الفُروع ظاهرةٌ في هذا؛ أي: فيما قاله محمد، وستأتي، وعليه جَمعٌ منَ المُتأخرينَ صَدر الإسلام، والإسبيجابي، وقاضيخان، حتى نسب شيخُ الإسلام هذا لأصحابنا فقال: على قول أصحابنا أصل الحج عنِ المأمور، ومُختارُ شَمسِ الأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ، وجَمعِ مِنَ المُتأخرينَ رَحِمَهُم الله تعالى أنَّه يقعُ عنِ الآمِرِ، وهو ظاهِرُ المَذهَبِ، وتشهد بذلك الآثارُ مِنَ السُّنَّةِ، ومَنَ المَذهَبِ بعضُ الفروع، انتهى.
وأقولُ: يُتأمل في عَدَّ الكَمالِ رحمه الله قاضيخان من القائلين بأنَّ الحج يقعُ عنِ المأمور؛ لما قدمناه من تصحيح قاضيخان بقوله: «وقال بعضُهم: يَقَعُ الحج عنِ المحجوج عنه، وهو الصَّحيح؛ لأنَّ الآثار تدلُّ عليه ... إلى آخره».
فقاضي خان من القائلين بوقوع الحجّ عنِ الآمر كما اختاره بتصحيحه في «فَتاواه» مُستَدِلا بالآثارِ وغيرها، كما علمته.
وهي كما رَوَى البُخارِيُّ رَضِيَ الله عنه، عن ابنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهما: أَنَّ امرأةٌ من جُهَينَةَ جَاءَتْ إِلى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسولَ اللَّهِ؛ إِنَّ أُمِّي نَذَرَتْ أَن تَحُجَّ، فَمَاتَتْ قبل أن تحُجَّ، أَفَأَحُجُ عنها؟ قال: نعمْ، حُجِّي عنها، أَرَأَيْتِ لو كانَ على أُمِّكِ دَيْنٌ، أَكُنْتِ قاضِيتَه عنها قالت: نعمْ قالَ: «فاقْضُوا الذي له تعالى؛ فإِنَّ اللَّهَ أَحَقُّ بالوفاء»، انتهى.
وكما قال الكمال رحمه الله تعالى: فمِنَ الآثارِ حديث الخَثعَمِيَّة، وهو أنَّ امرأةٌ من خَثْعَم قالت: يا رسول الله، إِنَّ فريضة الله تعالى في الحج على عبادِه أَدْرَكَتْ أبي شَيخاً كبيراً، لا يثبت على الرّاحلةِ، أَفَأَحُجُ عنه؟ قالَ: «نعَمْ». مُتَّفَقٌ عليه. فقد أطلق على فعلها الحجَّ كَونَه عنه.
وكذا قوله عليه السَّلامُ للرَّجُلِ: «حُجَّ عن أبيكَ، واعتَمِرُ»، رواه أبو داود، والنسائيُّ، والتِّرْمِذِيُّ، وصَحْحَه.
وأمَّا الفُروعُ: فإِنَّ المأمورَ لا يسقط عنه حَجَّةُ الإسلام بهذه الحجَّةِ؛ أي: التي لم يُخالِفِ الآمر فيها، فلو كانَتْ عنه لسَقَطَتْ؛ إذ الفَرْضُ أَنَّ حَجَّةَ الإِسلامِ تتأدَّى بإطلاق النيّة، وتلغُو الجهة على ذلك التَّقديرِ، وفيه تأمل.
ولم يستَدِلَّ في «البدائع» بعد حديثِ الخَثعَمِيَّةِ سِوَى باحتياج النَّائبِ إِلى إِسنادِ الحج إلى المَحجُوج عنه في النِّيَّةِ، ولو لم يقع نفس الحج عن الآمر لم يحتج إلى نيته انتهى.
وأقول: وإذا خالَفَ المَأمورُ الآمِرَ وقَعَ الحج عنه، ولم تسقط عنه به حجَّةُ الفَرْض، كما لا يسقط عنه معَ مُوافقته على القَولِ بوقوعِ الحج له؛ لأَنَّ حَجَّ الْفَرْضِ أقل ما يقعُ بإطلاق النية، والنائب قد صَرَفَها عنه لغَيرِه في النِّيَّةِ، وفيه نَظَر، قالَه الكَمالُ رحمه الله تعالى.
فله نظران: في أصلِ وقوع الحجّ عنِ النَّائبِ فيما رُوِيَ عن محمَّدٍ، وفي مُخالفتِه وضمانه المال، ووقوع الحج عنه لا عنِ الآمِرِ.
* تتِمَّةٌ لِما وَعَدْنا به:
قال في «البَزَّازِيَّةِ»: الاستئجار على الطَّاعاتِ؛ كتعليم القُرآنِ، والفقه، والتدريس، والوَعْظِ، لا يجوز؛ أي: لا يجب الأجر، وأهل المدينة طَيِّبَ الله ساكنيها جوَّزُوها، وبه أخَذَ الإمامُ الشَّافعي رحمه الله تعالى.
قال في «المُحيط»: ومشايخُ بَلْخَ على الجواز، قال الإمامُ الفَضْلِيُّ: والمُتأخّرونَ على جوازه)، وقال محمدُ بنُ الفَضْلِ: كَرِهَ المُتقدِّمونَ الاستئجار على تعليمِ القُرآنِ، وكَرِهُوا أَخْذَ الأُجرةِ عليه؛ لوُجودِ العَطِيَّةِ من بيتِ المالِ معَ الرَّغبة في أُمورِ الدِّينِ، وفي زَمانِنا انقَطَعَتا، ويعني بالرَّغبة التّعلُّمَ والإحسان إلى المُعلمينَ بلا أُجرة، فلو اشتَغَلُوا بِالتَّعليم بلا أجر مع الحاجة إلى المعاش، لضاعُوا، وتعطَّلَتِ المَصالِحُ، فقُلنا بما قالوا.
وفي «الكافي»: وعليه الفَتْوَى، وفي قاضيخان»: ومشايخ بَلْخَ جوزُوا هذه الإجارة؛ أي: على تعليمِ القُرآنِ حتَّى حُكِيَ عن محمَّدِ بنِ سلام رحِمَهُ اللهُ أَنَّهُ قالَ: أقضي بتسميرِ بابِ الوالد لأُجرةِ المُعلم.
ثمَّ حَكَى كلامَ الشيخ الإمام محمَّدِ بنِ الفَضْلِ الذي تقدَّمَ، ثم قال: فإِنْ لم يكن بينهما، أي: بين الوالد والمُعلم شَرط يُؤمَرُ الوالد بتطييب قَلْبِ المُعلم وإرضائه. انتهى.
وفي الخلاصة»: يُفتَى بوجوبِ الأجرِ المُسمَّى عندَ ذِكْرِ المُدَّةِ، وبوجوبِ أَجرِ المِثلِ عندَ عدمِ المُدَّةِ، ويُحبَسُ عليها، وهذا بخلافِ المُؤذِّنِ والإِمامِ، إذ ذاك لا يشغَلُ الإمام والمُؤذِّنَ عن المعاش.
وقالَ الشَّيخُ الإمامُ شَمسُ الأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ: إِنَّ مَشايِخَ بَلْخَ جَوَّزُوا الإجارة على تعليم القُرآنِ، وأَخَذُوا في ذلك بقولِ أهل المدينة، وأنا أُفتي بجواز الاستئجار ووُجوبِ المُسمَّى.
وأجمَعُوا على أنَّ الاستئجار على تعليمِ الفِقْهِ باطِلٌ، انتهى كلام قاضيخان.
وكذا في «الخُلاصة»، وفي «الأصل»: لا يجوز الاستئجار على الطَّاعاتِ؛ كتعليم القُرآنِ والفِقْهِ، والأذانِ والتَّذكير والتدريس، والحج، والغَزْو؛ يعني: لا يجِبُ الأجر، وعند أهل المدينة يجوزُ، وبه أخَذَ الشَّافعي رحمه الله تعالى، ونصير، وعِصام، وأبو نَصْرِ، والفقيه أبو اللَّيثِ رَحِمَهُم الله تعالى.
وهذا وارد على حكاية قاضيخان الإجماع على بطلان الاستئجار لتعليمِ الفقه، فتَأمَّل؛ إذ أبو اللَّيثِ وأبو نَصرٍ وعِصامٌ ونُصيرٌ ومَن وافَقَهم على جَوازِ الإجارةِ وأئمَّةُ بَلْخَ على الجواز كما تقدَّمَ.
وعلى الجَوازِ مَشَى في الدُّرَرِ والغُرَرِ»، قالَ: يُفتى اليومَ بصِحَّةِ الإجارة لتعليم القُرآنِ والفقه والإمامة والأذان، ويُجبَرُ المُستأجِرُ على دَفْعِ الأُجرةِ، ويُحبَسُ به، وعلى الحلوةِ المرسومة على رُؤوس بعض سُوَرِ القُرآنِ انتَهَى.
ووجه لزوم الأجر في جميعها ظاهرة للحاجة، وعدم مرومة المتعلمين وغيرهم، و انقطاع ما لهم من بيت المال.
وتعليلُ ما تَقَدَّمَ من أنَّ الأذان والإمامة لا يشغَلُ عَنِ المَعَاشِ غَيْرُ مُسَلَّمٍ؛ فَإِنَّ تَقيدَ المُؤذِّنِ بالأذانِ والتَّذكير في كل وقت، وطُلوع المنارِ في اللَّيلِ والبَرَدِ والأمطارِ يُصبحُ به في غاية الانحطاط وذُبولِ الجسَدِ، وكلُّ وقت ينتَظِرُ دُخولَه بِمُدَّةٍ قبلَه، وبعدَ الصَّلاة يشتغل بالتسبيح، ولا يقدِرُ على التَّعطيل منَ القِيام عليه، وأذِيَّةُ العامة له. وأما تعليمُ الفِقْهِ، فليسَ أَقوَى منه في المَنعِ من أمرِ المَعاشِ مُطالعةٌ، وإلقاء الدروس، وتعليم المُتفقهة، والصَّبر على كل طالب بحَسَبِ ما يَصِلُ إِلى فَهْمِه، وتكرير الإلقاء، والكتابة لما يُحتاج إليه، وتفريغ البال من طَلَبِ العِيالِ القُوت، وما يحتاجون إليه بدَفْعِ الحر والبرد، وما يحتاجه من شراء كتب، وكتابة بالأجرة للكاتب، فالأمر الله العلي العظيمِ الواحِدِ القَهَّارِ، حَسبنا اللهُ ونِعْمَ الوَكيلُ، والآنَ صَارَ الأمرُ أظهَرَ من فَلَقِ الفَجْرِ. تنبيه: لم يذكرُ أحَدٌ من مشايخنا جواز الاستئجار على الحج، وجَوَّزُوا على باقي القُرَبِ؛ لأنَّه لا ضرورة في الاستئجار على الحج؛ لأنه يحصل بالاستنابة، ولها باب في كتاب الحج مُتَّفَقٌ فيه على صحتِها في الفَرْضِ بِالعَجْزِ المُستَمِرُ إِلى المَوتِ، ومنه الحبس كما تقَدَّمَ، وفي النَّفْلِ مُطلَقاً معَ القُدرةِ والعَجْز.
وأزلنا الاشتباة الحاصل في «الأشباه والنظائر» بِحَمْدِ الله العليمِ القَادِرِ للتيقْظِ من سِنَةِ الغَفْلَةِ بسُرعة الانتباه.
وقد بقي الكلام على العباداتِ إذا جَعَلَ فاعِلُها ثوابها لغيره كما قال في «الهداية»: الأصل في هذا - أي: الحج عن الغَيرِ ـ أن الإنسان له أن يجعل ثوابَ عَمَلِهِ لغَيرِه صلاةٌ أو صوماً أو صَدَقَةً أو غيرها.
قال الشارح: كتلاوةِ القُرآنِ والأذكار عند أهلِ السُّنَّةِ والجماعة؛ يعني به أصحابنا على الإطلاق؛ لما رُوِيَ أَنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم ضَحَى بِكَبْشَينِ أَمَلَحَينِ، أَحدُهُما عن نفسه، والآخر عن أُمَّتِه، ممَّن أقر بوحدانية الله تعالى، وشهد له بالبلاغ، جعَلَ تضحية إحدى الشَّاتَينِ لأُمَّتِه؛ أي: ثوابها، انتهى.
وقال شارِحُها الكَمالُ بنُ الهُمامِ رحمه الله: إِنَّ الإمام مالكاً والإمامَ الشَّافعي رحِمَهُما الله لا يقُولان بوصول العباداتِ البَدَنِيَّةِ المَحْضَةِ؛ كالصَّلاةِ والتلاوة، ويقولان بوصول غَيْرِها؛ كالصَّدَقَةِ والحَجِّ.
وخالف في كلِّ العباداتِ المُعتَزلَةُ؛ لقوله تعالى: {وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَنِ إِلَّا مَا سَعَى} [النجم: 39]، وسَعْيُ غيره ليسَ سعيه، وما قصه الله تعالى من غير إنكار يكون شريعة لنا.
والجواب لإبطالِ قَولِهم ونَفْيِ التَّخصيص بما يبلُغُ مَبْلغَ التَّواتُرِ، وبالقطعِيِّ مِنَ الكتابِ والسُّنَّةِ، فقد جعَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بتضحيةِ الشَّاةِ عن أُمَّتِه ثوابها للأُمَّةِ. قلت: وهذا يُفيدُ جَعَلَ الثَّوابِ للأحياء؛ كالأموات؛ لأنه لم يختص أحداً، بل جعَلَه عاما لمَن اتَّبَعَهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، انتَهَى.
وقال في «المَنبَعِ»: لأهلِ السُّنَّةِ أحاديثُ كثيرةٌ، منها أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم ضَحَى بِكَبَشَينِ أَملَحَينِ، أَحَدُهُما عن نفسه والآخَرُ عن أُمَّتِه، مُتَّفَقٌ عليه. أي: جَعَلَ ثوابه لأُمَّتِه، وهذا تعليم منه وتشريع منه عليه السَّلامُ أنَّ الإنسانَ يجوز أن يَنفَعَه عَمَلُ غَيْرِه، والتاسي برسول الله الله هو العُروَةُ الوُثقَى، انتَهَى.
وأمر بالحج عن الأبوين، وبالصَّلاةِ والصِّيامِ لهما، وقراءةِ «يس» والإخلاص» إحدَى عَشرةَ مَرَّةٍ، وبقراءةِ (يس) يُخفِّفُ اللهُ العَذابَ، ثم لا يعود، ويُعطي للقارئ بعدَدِ ما في المقابر من الأمواتِ حَسَناتٍ، وكذا يُعطى بقراءةِ الإخلاص، جَزاء له من كَرَمِ الله تعالى.
وفي الصحيحين: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرَّ بقبرين فقالَ: «إنَّهما يُعَذِّبَانِ، وما يُعذِّبَانِ في كبير، أمَّا أحدُهُما فكانَ لا يستَنزِه منَ البَولِ، وَأَمَّا الثاني، فكانَ يمشي بالنميمة، فأخَذَ رسول الله صلى الله عليه وسلم جريدة رطبةً فشَقَّهَا نِصْفَينِ، فَغَرَزَ في كل قبر واحدةً، وقال: «لعله يُخفَّفُ عنهما ما لم ييبسا.
قال الخطابي: هذا عند أهل العلم محمولٌ على أَنَّ الأشياءَ ما دامَتْ على أصلِ خلقتِها وخُضْرَتِها وطَرَاوَتِها تُسَبِّحُ الله تعالى حتّى تجِفَّ رُطُوبَتُهَا، فَإِنَّ ذلك بمنزلة مَوتِها، فإذا خَفَّفَ اللهُ عنِ المَيِّتِ بوضعه الجريدة فبالأولى أن يكون ذلك بالقُرآنِ الذي جاء به من عند الله تعالى، كذا في المنبع».
وفي «شرح الهداية»: سألَ أنسٌ رَضِيَ الله عنه النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فقالَ: يا رسول الله، إِنَّنا نتَصَدَّقُ عن موتانا، ونحُج عنهم، وندعُو لهم، فهل يصِلُ ذلك لهم؟ قالَ: «نعم، إنَّه ليصل إليهم، وإنَّهم ليفرَحُونَ به، كما يفرَحُ أحدُكُم بالطَّبَقِ إِذا أُهدِيَ إليه.
ونحو هذا من السُّنَّةِ كثير، يبلُغُ مَبْلَغَ التَّواتُرِ القَدْرُ المُشتَرَكُ بينَ الكُلِّ فِي أَنَّ مَن جَعَلَ شيئاً منَ الصَّالحاتِ لغَيرِه نفَعَه الله به، وكذا ما في الكتاب العزيز قطعي في حصول الانتفاع بعَمَلِ الغَيرِ، كالأمر بالدُّعاء للوالدين، واستغفار الملائكة للمُؤمِنينَ في آياتٍ عديدة. فثَبَتَ بذلك إبطال قولِ المُعتزلة، وانتفاءُ قَولِ الإمام مالك والشَّافعيّ رَضِيَ اللهُ عنهما في العباداتِ البَدَنِيَّةِ، كذا قالَ الكَمالُ بنُ الهُمامِ، وبسَطَه بـ «فتح القدير.
* تَتميم مُتعَيِّن لبيانِ ما تقدَّمَ:
اعلَمْ أَنَّ تفسير الآيةِ إِنَّما يَتَّضِحُ بالعلم بحُكمِ ما هي معطوفةٌ عليه، وقد ذُكِرَ سبَبُ نُزولِ القِصَّةِ، وهو قوله عزّ وجلَّ: أَفَرَءَ يْتَ الَّذِي تَوَلَّى وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدى [النجم: 33 - 34] اختَلَفَ العُلماء بالتفسير في المُرادِ بهذه الآيةِ مَن هو؟ فقيل: أبو جَهْل بن هشام، والقَليل الذي أعطى ثمَّ قَطَعَه وأَعرَضَ عنه إنَّما هو من القول لا من المال، وذلك أنَّه قال: والله ما يأمُرُنا محمَّدٌ قَطُّ إِلا بِمَكارِمِ الأخلاقِ، وهذا القَولُ مَروِيٌّ عن محمَّدِ بنِ كَعْبِ القُرَظِي.
وقيل: هو العاصي بنُ وائل السَّهمِيُّ، قاله السُّدِّيُّ، قَالَ: وَكَانَ رُبَّما وافَقَ النَّبِيِّ في بعض الأحوالِ وخالفه في بعض، ثمَّ انقَطَع إلى العنادِ والكُفْرِ. وقيل: هو النَّضْرُ بنُ الحارِثِ، أَعطى بعض فُقَراءِ المُسلمينَ خمسَ قَلائِصَ ليرتَدَّ عنِ الإسلام، وشَرَطَ له أن يحمل عنه وِزْرَه، قالَه الضَّحَّاكُ.
وقيل: هو الوَليدُ بنُ المُغيرةِ المَخزومي، وهو أظهر هذه الأقوال الأربعة، وقد كانَ تبعَ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم على دينه وأظهَرَ مُوافقته، فعيّره بعضُ المُشْرِكِينَ، وقال له: تَرَكْتَ دينَ الأشياخ وضَلَّلْتَهُم، فقالَ: إِنِّي خَشِيتُ عذابَ الله، فَضَمِنَ له إِنْ هو أعطاه شيئاً من مالِهِ ورَجَعَ إِلى شِرْكِه و دينِ آبائه أن يتحَمَّلَ عنه عذابَ اللهِ، ففعل، فأعطاه بعض الذي ضَمِنَ له، ثمَّ بخِلَ، ومنعه، فنزلت هذه الآيةُ، وهذا قَولُ مُجاهد وابن زيد. ومعنى «أَكْدَى»: قطَعَ العَطاء، وهو مَأخوذُ مِنَ الكُدْيَةِ، وهي الصخرة الصلبة التي تعرِضُ للحافرِ في البئرِ، فلا يعمل فيها معوله، فيَيْأَسُ مِنَ الماءِ، فيترُكُ الحفر، ومنه حديثُ الكُذيةِ العارِضةِ في حَفْرِ الخندق.
وقوله تعالى: {أَعِندَهُ عِلْمُ الْغَيْبِ فَهُوَ يَرَى} [النجم: 35]؛ أي: فهو يُعايِنُ أمر الآخرةِ فيعلَمُ حاله فيها من خيرٍ وشَرٍّ.
{أَمْ لَمْ يُنَبا بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِى وَفَّى} [النجم: 36 - 37]، وقد صَحَ في حديث أبي ذَرِّ أَنَّ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قال: «أنزَلَ اللهُ عزَّ وجلَّ على إبراهيمَ عَشْرَ صحائِفَ، وأنزَلَ على مُوسَى قبلَ التَّوراةِ عَشْرَ صحائِفَ»، ثمَّ بَيَّنَ ما أَنزَلَ في تلكَ الصَّحائِف، فقال: {أَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى الا وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى} [النجم: ?? - ??]؛ أي: ليس كما توَهَّمَ الكافِرُ أن يحمل عنه وِزْرَه غَيرُه، بل منَعَه من الانتفاع بسَعْيِ سِواهُ كُفره.
وللمُفَسِّرِينَ في مَدْحِ إبراهيمَ عليه السَّلامُ بالوَفاء عشرة أقوال:
الأَوَّلُ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: «وَفَّى عَمَلَ يومه بأربع ركعاتٍ من أوَّلِ النَّهارِ. الثاني: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قالَ: «أَلا أُخبِرُكُم بما سَمَّى اللَّهُ خَليلَهِ؟ وَفَّى لأَنَّه كَانَ يقُولُ كلَّما أصبحَ وكلَّما أمسى: {فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ} [الروم: 17] حتَّى خَتَمَ الآية».
الثَّالثُ: أَنَّه وَفَّى الطاعة فيما فعَلَ بابنه، رُوِيَ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ، وبه قالَ القُرطبي والربيع.
الرَّابِعُ: أَنَّه وَفَّى ربَّه عزَّ وجَلَّ جميع شرائع الإسلامِ، رَوَى هَذا المَعنَى عِكرمة عن ابن عباس، وفي «الكَشَّافِ»: وقيلَ: وَفَّى سِهام الإسلام، وهي ثلاثون: عشرةٌ «التَّوبة»: التَّبِبُونَ الْعَيدُونَ .... إلى آخره [التوبة: 112]، وعشرة في الأحزاب: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ [الأحزاب: 35]، وعشرة في «المُؤمنين»: قَدْ أَفَلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ... [المؤمنون: 1] إلى آخره، انتَهَى.
الخامس: أَنَّه وَفَّى ما أُمِرَ به من تبليغ الرسالة، رُوِيَ عن ابنِ عباس أيضاً. السَّادِسُ: أَنَّه عَمِلَ بما أُمِرَ به قاله الحسَنُ، وسعيدُ بنُ جُبَيرٍ، وقتادة، وقال مُجاهِدٌ: وَفَّى بما فَرَضَ الله عليه.
السَّابِعُ: وَفَّى بتبليغ هذه الآياتِ: أَلَّا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى [النجم: 38] وما بعدها، وهذا مَروِيٌّ عن عكرمة ومُجاهد والنَّحْعِيُّ.
الثَّامِنُ: وَفَّى شَأْنَ المَناسِكِ، قالَه الضَّحَّاكُ.
التَّاسِعُ: أَنَّه وَفَّى بما عاهَدَ اللهَ أنْ لا يسأل مخلوقاً شيئاً، فلمَّا قُذِفَ فِي النَّارِ، قَالَ له جبريل: ألك حاجةٌ؟ فقال: أما إليك فلا، فوَفَّى بما عَاهَدَ، ذكَرَه ابنُ السَّائِبِ.
العاشِرُ: أَنَّه أدَّى الأمانةَ، قالَه سُفيانُ بنُ عُيَينةَ.
وقرأَ سعيدُ بنُ جُبَيرٍ، وأبو عِمْرانَ الجوني، وابنُ السَّمَيفِعِ: «وَفَى» بتخفيف الفاء، قالَ الزَّجَّاجُ: والتَّشديدُ أبلَغُ.
ومعنى قوله: {أَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [النجم: ??]؛ أي: لا تحمل نفس حاملة حمل أخرى؛ أي: فلا تُؤخَذُ بإثم غيرها.
فإِنْ قُلتَ: قد قال الله سبحانه وتعالى: {لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَمَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ} [النحل: 25]، وقد ذُكِرَ أنَّ «من» مزيدةٌ، فعلى الحاملة وِزْرُ أُخرَى، وقد قالَ اللهُ تعالى: {وَلَيَحْمِلْنَ أَنْقَاهُمْ وَأَنْقَا لَا مَعَ أَثْقَالِهِمْ} [العنكبوت: 13]. قلتُ: الجوابُ أنَّ المنفيَّ حَملُ إثْمِ الغَيرِ من حيثُ هو، وبإنشاء سيِّئَةٍ أُتَّبِعَت بحَمْل مثلِ وِزْرِ فاعلها زيادة على إثم إنشائها بكونه مُنشئاً لها، ففي الحقيقة ما حمل وِزْرَ غيره بل مثلَهُ بصُنعِه؛ لاقتراحه أصلها، وبظلمه يحمل أثقال غيره؛ لِما رَوَى أبو أمامة الباهلي رضي الله عنه، عن النبي الله أَنَّهُ قالَ: «يُؤتَى بِالرَّجلِ يومَ القيامةِ النَّبيِّ وهو كثير الحَسَناتِ، فلا يزالُ يُقتَصُّ منه حتّى تفنَى حسَناتُه، ثمَّ يطالب، فيقولُ الله عزّ وجلَّ: اقتصوا من عبدي، فتقول الملائكةُ ما بقي له حسنات، فيقولُ الله تعالى: خُذُوا من سيِّئاتِ المظلوم فاجعَلُوها عليه، ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: {وَلَيَحْمِلُنَ أَنْقَاهُمْ وَأَثْقَا لَا مَعَ أَثْقَالِهِمْ} [العنكبوت: ??].
وقال قتادةُ: مَن دَعا إلى ضَلالةٍ كانَ عليه وِزْرُها، ووِزْرُ مَن يعمل بها، ولا ينقُصُ منها شيء، كذا في «التفصيل الجامعِ بسائِرِ علومِ التَّنزيل، انتَهَى.
ولما رَوَى العلامةُ القَسْطَلَّانيُّ في شرحه البخارِيَّ» من حديثِ: «مَن دَعا إلى ضلالةٍ كانَ عليه منَ الإثم مثلُ آثَامٍ مَن تبعه، لا ينقُصُ ذلك من آثامِهِم شيئاً»، أَخْرَجَه مُسلِم وأبو داود والترمذي.
وحديثُ: (مَن سَنَّ في الإسلامِ سُنَةٌ سَيِّئَةً كانَ عليه وِزْرُها وِوِزْرُ مَن عَمِلَ بها من غير أن يُنقص من أوزارهم شيئاً، رواه مُسلِمٌ.
وفي شَرحِ القَسْطَلَّاني من رواية البخاري عنِ ابنِ مسعودٍ رَضِيَ اللهُ عنه، قالَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: اليسَ مِن نَفْسٍ تُقتَلُ ظُلماً إِلَّا كانَ على ابنِ آدمَ الأَوَّلِ ـ قابيل حيثُ قَتَلَ أخاه هابيل - كِفْلٌ منها - بكسر الكاف وسكون الفاء: نصيب منها، ورُبَّما قالَ سُفيانُ راوي الحديثِ كِفْلٌ من دَمِها؛ أي: نصيب من دَمِها؛ لأنَّه أَوَّلُ مَن سَنَّ القتلَ أَوَّلاً على وَجْهِ الأَرضِ من بني آدم».
وفي الحديث الحث على اجتِنابِ البِدَعِ والمُحدَثاتِ فِي الدِّينِ؛ لأنّ الذي يُحدِثُ البدعةَ إِنَّما تهاوَنَ بها لخفَّةِ أمرِها في الأوَّلِ، ولا يشعُرُ بما يترتَّبُ عليها منَ المَفسدة، وهو أن يلحَقَه إثمُ مَن عَمِلَ بها من مفسدة؛ إذ كان الأصل في إحداثها. وقال تعالى: {لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَمَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُم بِغَيْرِ عِلْمٍ} [النحل: 25] الآية.
وفي «من» وجهانِ، أحدهما: أنَّ «من» زائدةٌ، وهو قول الأخفش؛ أي: وأوزارَ الذينَ، على معنى: ومثل أوزارِ؛ لقوله: كانَ عليه وِزْرُها ووِزْرُ مَن عَمِلَ بها».
والثاني: أنها غيرُ مَزيدةٍ، وهي للتّبعيض؛ أي: وبعض أوزار الذين، وقدَّرَ أبو البقاءِ مَفعُولاً حُذِفَ، وهذه صفته؛ أي: وأوزاراً من أوزار .. ولا بُدَّ من حَذْفِ «مثل» أيضاً.
ومنع الواحدي أن تكونَ للتَّبعيض، قالَ: لأنَّه يستلزم تخفيف الأوزارِ عنِ الأتباع، وهو غَيْرُ جائز؛ لقوله عليه السَّلامُ: من غيرِ أَنْ يَنقُصَ من أوزارهم شَيءُ»، لكنَّها للجِنْسِ؛ أي: ليَحمِلُوا من جنس أوزارِ الأتباع.
قال أبو حيان: والتي لبيان الجنس لا تتقدَّرُ هكذا، إنَّما تتقَدَّرُ: والأوزار التي هي أوزار الذينَ، فهو من حيثُ المعنى كقَولِ الأَخفَشِ، وإِنِ احْتَلَفا في التَّقدير. بغير علم حال من مفعول يُضِلُّونَهم»؛ أي: يُضِلُّونَ مَن لا يعلَمُ أَنَّهُم ضُلَّالٌ، قاله «الكشاف».
أو من الفاعل، وربَّحَ هذا بأنَّه المُحدَّثُ عنه، وأوَّلُ الكَلامِ قوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُم مَّاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ القِيمَةِ} [النحل: 24 - 25].
وقوله: «لهم»؛ أي: لهؤلاء الكُفَّارِ.
و «أساطير الأولينَ»؛ أي: أحاديثُ الأَوَّلِينَ وأباطيلهم.
واللَّامُ في «اليَحمِلُوا» للتّعليل؛ أي: قالُوا ذلك إضلالاً للنَّاسِ، فَحَمَلُوا أوزارَ ضلالهم كاملة، وبعض أوزار، أو وأوزار مَن ضَلَّ بِضَلالهم، وهو وِزْرُ الإضلال؛ لأنَّ المُضِلَّ والضَّال شريكانِ انتَهَى كلامُ القَسْطَلاني رحمه الله.
وقوله تعالى: {وَأَن لَيْسَ لِلْإِنسَيْنِ إِلَّا مَا سَعَى} [النجم: 39]؛ قالَ الزَّجَّاجُ: هذا في صُحفهما أيضاً، ومعناه: ليس للإنسانِ إِلَّا جزاء سعيه، إِنْ عَمِلَ خيراً جُزِيَ خَيْراً، وإِنْ عَمِلَ شَرًّا جُزِيَ شَرًّا.
وقد اختَلَفَ العُلماء في هذه الآية على ثمانية أقوال ذكرها في «المنبعِ شرح المَجمَعِ عن «الغاية»، وذكرها غيره.
الأوَّلُ: أَنَّها منسوخة بقوله تعالى: {وَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَاتَّبَعَنْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ} [الطور: ??] الآية، فأُدخِلَ الأبناء الجنَّةَ بصلاح الآباء، قاله ابنُ عباس، وعليه للفُقَهَاءِ اعتراض من حيثُ أنَّ الآيةَ خبرٌ، والأخبارُ لا تُنسَخُ إلَّا أن يكون الخبر في معنى الأمرِ والنَّهْي. وقال الكَمالُ بنُ الهُمامِ والجواب أنَّ الآية وإِنْ كانَت ظاهِرةً فيما قالوه ـ يعني المُعتَزِلَةَ - لكِنْ يحتمل أنَّها نُسِخَتْ أو هي مُقيَّدةٌ، وقد ثَبَتَ مَا يُوجِبُ المصير إلى ذلك، وهو تضحِيةُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عن أُمَّتِه.
وذَكَرَ الكَمالُ عِدَّةَ طُرُقِ له، فلا يبعُد أن يكونَ القَدْرُ المُشْتَرَكُ، وهو تضحيته عن أُمَّتِه مشهوراً يجوز تقييد الكتاب به.
وكذا ما في الكتابِ منَ الأمر بالدُّعاء للوالدين، واستغفارُ الملائكة للمُؤمِنينَ قطعي في. في حصول الانتفاع بعَمَلِ الغَيرِ، فيُخالِفُ ظاهِرَها، قطَعْنا بانتفاء إرادةِ ظَاهِرِها على ظَرافَتِه، فيتقَيَّدُ بما لم يهَبْهُ العَامِلُ، وهو أَوْلَى مِنَ النَّسخ.
أمَّا أَوَّلاً: فلأنَّه - أي: التقييد - أسهَلُ؛ إذ لم يبطل بعد الإرادة.
وأما ثانياً: فلأنَّها من قبيل الإخبارات، ولا يجري النَّسخُ في الخبر، انتهى. الثَّاني: أنَّ ذلك كانَ لقَوم إبراهيمَ وَمُوسَى، فأمَّا هذه الأمَّةُ فلهم ما سَعَوا، وما سَعَى لهم غَيرُهم، قالَه عِكْرِمَةُ، واستَدَلَّ بقول النبي صلى الله عليه وسلم التي سألته: إِنَّ أبي مات ولم يحُجَّ، قالَ: «حُجي عنه».
وقال الكَمالُ بنُ الهُمام رحمه الله: هذا مَرجِعُه إلى تقييد الأخبار، لا النَّسخ؛ إذ حقيقته أنْ يُراد المعنى، ثُمَّ يُرفَعَ إرادته، وهذا تخصيص بالإرادة بالنسبة إلى أهل تلك الشَّرائع، ولم يقع نَسْخُ لهم، ولم ترد الأخبار أيضاً في حقنا، ثُمَّ نُسِخَ، انتَهَى.
الثَّالثُ: أنَّ المُراد بالإنسانِ هاهنا الكافِرُ، وأمَّا المُؤْمِنُ، فله ما سَعَى، وما سُعِيَ له، قاله الربيع بن أنس.
الرابع: أنَّه ليس للإنسانِ إِلَّا ما سَعَى من طريق العَدْلِ، فأَمَّا من طريقِ الفَضْلِ، فجائز أن يزيدَه الله تعالى ما شاءَ، قالَه الحَسَنُ بنُ الفَضْلِ.
الخامس: أنَّ معنى ما سَعَى»: ما نَوَى، قاله أبو بكرِ الوَرَّاق، يدلُّ على صِحَّةِ هذا القَولِ ما رُوِيَ في الحديثِ أنَّ الملائكة تصُفُّ كلَّ يوم بعدَ العَصرِ بكُتُبِها في السَّماءِ الدُّنيا، فيُنادي المَلَكُ: أَلْقِ تلكَ الصَّحيفة، فيقولُ المَلَكُ: وعِزَّتِكَ ما كتبتُ إِلَّا ما عَمِلَ، فيقولُ الله عزّ وجَلَّ: لم يُرِدْ به وَجْهي، ويُنادي المَلَكُ الآخَرُ: اكتُبْ لفُلانٍ كذا، فيقولُ المَلَكُ: وعِزَّتِكَ وجَلالِكَ إنَّه لم يعمل ذلك، فيقولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِنَّه نَوَاهُ، إِنَّه نَواه.
السَّادِسُ: ليسَ للكافِرِ مِنَ الخيرِ إِلَّا ما عَمِلَه في الدُّنيا، فيُثاب عليه فيها، حتَّى لا يبقى له في الآخرةِ خيرٌ، ذكرَه الثَّعْلَبِيُّ.
السَّابِعُ: أَنَّ اللَّامَ في قوله: «للإنسانِ» بمعنى: «عليه»، تقديره: ليس على الإنسانِ إلا ما سَعَى.
وقال الكمال: هو بعيد من ظاهِرِ الآية، ومن سياقها؛ فإنَّها وَعْظٌ للذي تَوَلَّى، وأَعْطَى قليلاً، وأَكْدَى.
الثَّامِنُ: أنْ ليس له إلَّا سعيه، غيرَ أنَّ الأسباب مختلفة، فتارة يكون سعيه في تحصيل الشَّيء بنفسه، وتارة يكون سعيه في تحصيل سَبَبِه، فيكونُ سَبَبه مثل سعيه في تحصيل قرابة، أو ولد يترحم عليه، وصديق يستغفر له، وتارةً يسعى في خدمة الدين والعبادة، فيكتَسِبُ محبَّةَ أَهلِ الدِّينِ، فيكون ذلك سباً حَصَلَ بسَعْيِه. حكَى هَذَينِ القَولَينِ ابن الجوزي عن شيخه علي بن عبيد الله الزَّاغُونِي رَحِمَهُم الله.
وفي معنى قوله تعالى: {وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى} [النجم: 40] قولان: أحدهما: يَرَى بمعنَى: يعلَمُ، قاله ابن قتيبةَ، والثَّاني: سوف يرى العبد سعيه يوم القيامةِ؛ أي: يرى عمله في ميزانه، قالَه الزَّجَاجُ.
ثُمَّ يُجْزَنَهُ الهاء في «يُجزاه» عائِدٌ على السعي.
الْجَزَاء الْأَوْفَى} [النجم: 41]؛ أي: الأكمل الأتم.
وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنتَهى [النجم: 42]؛ أي: مُنتَهَى العبادِ ومَرجِعُهم إلى الله عزّ وجَلَّ.
قالَ الزَّجَاجُ: هذا كُلَّه في صُحِفِ إبراهيمَ وَمُوسَى.
وقدَّمنا ذكرَ الخِلافِ في وصولِ ثواب الأعمال، ومَذهَبُ الإمامِ أحمدَ بنِ حنبلٍ رحمه الله تعالى، وعامَّةِ أهلِ النَّقلِ والحديثِ على مثل ما قلناه عن أَئِمَّةِ مذهب الإمامِ الأعظَمِ أبي حنيفَةَ رحِمَهُم الله من أنَّ القُرَبَ الدِّينيَّةَ، والعبادات المالية، والبَدَنيَّةَ، إذا فُعِلَتْ وأُهدِيَ ثَوابها إلى الأمواتِ وَصَلَ إليهم، وانتَفَعُوا به؛ كالدُّعاءِ، والصَّلاةِ، والصَّدَقة، والقراءة، والعِتْقِ، والحجّ، وكلُّ ما يُتَقَرَّبُ به إلى اللهِ تعالى.
وقدَّمنا دليلَ صِحَتِه، والرَّدَّ على المُخالِفِ.
وكذا إذا فُعِلَ له، ثُمَّ جَعَلَه لحيّ فقبله، أو سأل الله له ذلك، كما فعَلَ النَّبِيُّ بتضحِيَتِه عمَّن شَهِدَ له بالبلاغ والله بالوحدانية، مُتَّفق عليه؛ أي: جعَل ثوابه لأُمَّتِه.
وهذا تعليم منه أنَّ الإنسان يجوز أن يَنفَعَه عَمَلُ غَيْرِه.
والتأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم هو العُروَةُ الوُثقَى، كذا في المَنبعِ شرحِ المَجمَعِ.
والجواب عن الاستدلال بقوله: إذا ماتَ ابنُ آدَمَ انقَطَعَ عَمَلُه إِلَّا من ثلاث»؛ بأنه لم يقل: انقَطَعَ نفعُه من عَمَلِ غَيره، وقد عَمِلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الأضحِيةَ وجعَل ثوابها لأُمَّتِه، وأمر بالحج والصَّلاةِ والصَّدقة عن الأموات، كما هو كثير في السُّنَّةِ.
وعن عطاء بن أبي رَبَاحٍ أَنَّ رَجُلاً جَاءَ إِلى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَقالَ: إِنَّ أَبِي مَاتَ، أَفَأُعْتِقُ عنه؟ قالَ: «نعم».
وعن أبي جعفَرِ محمَّدِ بنِ عليّ أنَّ الحسَنَ والحُسَينَ رَضِيَ اللهُ عنهما كانا يُعتِقانِ عن عليّ رضِيَ اللهُ عنه.
وفي الحديث الصحيح في الذي مات وعليه دينارانِ، ودُعِيَ الصَّلاة عليه، فقالَ: صَلُّوا على صاحبِكُم، وما تُغني عنه صلاتي عليه وذِمَّتُه مُرتهنةٌ في قبره بدينه»، فلمَّا ضَمِنَهما عنه علي رضي الله عنه تَقَدَّمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وصلى عليه، وقالَ: «الآنَ بَرَدَتْ عليه جِلدَتُه، الآنَ فَكَكْتَ رِهانَه، والضَّمانُ بالأداءِ نوع نيابة، وإيصال يقعُ إلى الميت بفعل الحي.
والجواب عن قَولِ المُخالفِ لنا أيضاً: إنَّ الذي ادَّعَيتُموه من وصولِ ثوابِ القِراءةِ والصَّلاةِ لا يصح على أصلِكُم؛ لأنَّ الثَّوابَ عندَكُم غَيْرُ مُستَحَقِّ، وإِنَّما هو منحةً وتفَضُّل، والهبات والمِنَحُ لا يُحالُ بها، ولا تُهدَى، والبارِئُ مُخيَّرٌ عندَكُم إِنْ شاءَ أَتَابَ، وإن شاءَ لم يُثب؛ حاصِل بأنَّ الشَّرعَ جَعَلَ مُقابلةَ الطَّاعاتِ أُجوراً وأثماناً، فقال تعالى: {لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ} [فاطر: 30]، ولو كانَ الكُل
منحة ما سماه أجراً، فلما فصَّلَ بينَ الأجر والمنحةِ عُلِمَ أَنَّه جَعَلَه أجراً. على أنه في الحقيقة عندَنا سُؤالٌ ورَغبةٌ وشَفاعَةٌ فِيمَن أُهْدِيَ إليه التَّوابُ، كما يشفع في صلاة الجنازة، وفي الاستغفار للموتى.
والجواب على قولِ المُخالفِ إِنَّ العُلماء على المَنعِ مِنَ الإيثار بأسباب النواب، وهي القُرَبُ، فكيفَ بعَينِ الثَّوابِ بأنّ الإيثارَ مَنعُ تحصيل ثواب للمُؤثر، وكلامنا في حاصِل له أهدَى ثَوابه، والمنعُ منَ الإيثار للحث على تحصيل كلِّ ذلك الشَّيء المرغوب فيه، والنهي عنِ التَّقاعُدِ عن فعله.
وممَّا يُرَدُّ به على المُخالفِ ما رُوِيَ عن أبي أمامة: أَنَّه قال له النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: يا أبا أمامة، ألا أدلك على كلماتٍ هُنَّ خيرٌ لك من الدنيا وما فيها، أو ما غابت عليه الشَّمسُ؟ قلتُ: بلى يا رسول الله، بأبي أنت وأُمِّي، قال: «إذا ماتَ أخوكُمُ المُؤمِنُ وفَرَعْتُم من دَفنِه فَلْيَقُمْ أحَدُكُم عِندَ قَبرِه، وليَقُلْ: يا فُلانُ بنَ فلانة، فوالذي نفسي بيده ليَستَوِيَنَّ قاعِداً، ثمَّ ليَقُلْ: يا فلان بن فلانة، فإنَّه يقول أرشدنا إلى ما عندك يرحمك الله، فيقولُ: أَذْكُرْ مَا خَرَجْتَ عليه من الدُّنيا، شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسولُ اللهِ، وقد كُنتَ رضيت باللهِ ربا، وبالإسلام ديناً، وبمُحَمَّد صلى الله عليه وسلم نبيًّا، قال: فيَقُومُ مُنكَرٌ فَيَأْخُذُ بيد نكير فيقولُ: تم بنا فما يُقعِدُنا عند هذا وقد لقنَ حُجَّتَه، ويكون الله عزّ وجَلَّ حجيجهما دُونَه، فقلتُ: بأبي أنتَ وأُمِّي يا رَسولَ الله، وإِنْ كُنتُ لا أحفَظُ اسمَ أُمَّه؟ قالَ: فانسبه إلى حَوَّاءَ»، وقد أَوْصى بها أبو أمامة وقد حَضَرَه المَوتُ أن تُفعَلَ به.
ورُوِيَ من كَرَم ذي الجلالِ أَنَّ المَلَكَيْنِ الحافِظينِ إِذا ماتَ العبدُ المُسلِمُ اسْتَأْذَنَا ربَّهما عزَّ وجَلَّ في العُروج إلى السَّماءِ، فيقولُ اللهُ عزَّ وجلَّ: سَمائي مملوءةٌ من مَلائِكتي، وأَرضِي مملوءةٌ من خَلقي، يعبُدونَني، ولكن قوما عند قبر عبدي فسبحاني واحمداني وكبّراني وهَلَّلاني، واكتُبا ذلك في حَسَناتِ عبدي إلى يوم القيامة.
ويُناسِبُه أيضاً فَضْلُ زيارة القبور، رُوِيَ في الحديثِ: «إِذا سَلَّمَ على الميَّتِ مَن يعرِفُه قال: وعليكَ السَّلامُ يا فُلانُ، باسمه، وإن لم يعرفه قال له: وعليك السَّلامُ يا عبد الله».
ورُوِيَ: أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «زُورُوا مَوتاكُم، وسلَّموا عليهم؛ فإنَّ لكم فيهم
عبرة».
ورَوَى ابن أبي الدنيا بإسناده عن عائشةَ رَضِيَ اللهُ عنها قالَتْ: قال رسول الله: «ما مِن رَجُلٍ يزور قبر أخيه المُسلِمِ ويجلس عندَه إِلَّا اسْتَأْنَسَ به، ورَدَّ عليه، حتى يقوم.
وبإسناده عن الحسَنِ قالَ: مَن دخَلَ المَقابر فقالَ: اللَّهُمَّ رَبَّ هذه الأجسادِ البالية، والعِظامِ النَّخِرة، التي خَرَجَتْ منَ الدُّنيا وهي بك مُؤمنةٌ، أَدخِلْ عليها رَوْحاً منكَ وسلاماً منّي، كتَبَ الله له بِعَدَدِ مَن ماتَ مِن وَلَدِ آدمَ إلى أن تقومَ السَّاعَةُ حَسَناتٍ.
ورُوِيَ أَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما الميت في قبره إِلَّا كالغَرِيقِ المَبعوث ينتَظِرُ دعوةً تلحقه من أبيه، أو أخيه، أو صديق له، فإذا لحقتْهُ كانَتْ أَحَبَّ إليه منَ الدُّنيا وما فيها، وإنَّ هدايا الأحياء للأمواتِ الاستغفارُ والدُّعاء».
وقدَّمنا أنه بقراءة «يس» وإهدائها لأهل المقابر إذا دخَلَها يُخفَّفُ عنهم يومَئِذٍ، ثمَّ لا يعود العذاب إليهم، ويُعطَى القارِئُ بِعَدَدِ ما فيها من الأمواتِ حَسَناتٍ.
وفي هذا القَدْرِ كفايةٌ، نسألُ اللهَ سُبحانَه العفو والعافية، وحُسنَ الخاتمة، والنَّظَرَ إلى وجهه الكريم، بجاءِ محمد السيد السَّنَدِ العظيم، صلَّى الله عليه وعلى آله، وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، والصَّحابة والتابعينَ والأَئِمَّةِ المُجتهدين، ومُقَلِّديهم، وزادَه فَضْلاً يليقُ بجَنابِه وحِزْبِه.
قالَ المُؤلِّفُ وكانَ تأليفه في أوائل شهر رجب سنة خمس وستينَ وألفٍ، والله تعالى أعلم.
***
. الرسالة رقم: (15).
«بديعةَ الهَدْي لما استيسرَ مِنَ الهَدْي»
بسم الله الرحمن الرحيم
وبهِ نَستَعينُ
الحمد الله المُتفضّل على ذَوي العِنايَةِ مِن الأبد، الذي مَتَّعَ مَن أرادَ لَهُ المزيد فضله المزيد وأوجد، فوفقه للحج والعُمرة وأسعد وطوى شُقَّةَ المَشقَّةِ لمَن لمْ يكن أهله حاضري المسجد الحرام فشرَعَ لهُ التَّرفُقَ بأداءِ النُّسكَين بسفرٍ واحد بتلك الأيام، وكَلَّفَه بالتَّقرُّبِ إليه بهدي؛ شُكراً للتّوفيق لأداء النسكين، وصوم بدله؛ ليشمل إحسانه الغني والفقير بتحصيلِ المَرامِ والصَّلاةُ والسَّلامُ على سَيِّدِ الكَونَين، وعلى آله الفائِزينَ بِالقُربِ مِنْهُ فِي الدَّارَين.
وبعد:
فيقول العبد الفقيرُ حَسَنُ الشُّرنبلالي الحنفيُّ، بَلَغَهُ الله وأهله وأولاده وذُريَّتَه ومَن أحبَّه الخيرَ المُتَوالي، وغفر له ولوالديه ولمشايخه ولإخوانه وللمسلمين
هذه تحريرات أبرزتُها، ومن مُخَبَّاتِ الكُنوز أظهرْتُها، لم أرَ مَن تعرَّضَ لكشف نقابها، ولا من تقرب للوقوف بحجابها، فَحَلَّيْتُها وجَلَّيتُها بِمنصَّةِ الشَّرفِ على صدور الأعلامِ الرَّاغِبينَ مِن أَكْفَائِها وخُطَّابِها؛ ليحظى كلَّ مِنهم بِـ نهم بِتَملية بمحاسن ذاتها وبديع جمالِ صفاتها، سميتها:
«بديعةَ الهَدْي لما استيسرَ مِنَ الهَدْي»
لتكفلها ببيانِ زمن تَيَسُّرِه المُلَزَم على النَّاسِكَ التَّقَرُّبُ بِهِ، وانتهاء زَمَنِ القُدرَةِ عليه، فيصومُ باقيَ العَشْرَةِ مِن الأَيَّامِ مَن قَدَّمَ الثَّلاثةَ عاجزاً؛ لتحصيلِ إِرْبهِ. ولتحرير سقوطُ هَدْيِ عَنه بِتَحلُّلِه بالحَلْقِ في أَيَّامِ النَّحرِ، وبيانِ أَنَّ لزوم تقديمِ النُّسَكِ على الحَلْقِ عند الإمام الأعظمِ إِنَّما هو على مَنْ لمْ يتصف بالفقرِ والعُدْم، ولبَيانِ أَنَّه لا يُتحلل بالرَّمي لشيء من محظورات الإحرام على المُعتَمدِ مِن مذهب الإمامِ، ولا بذبح الهدي، ولا بطواف الإفاضة بتلك الأيام، وإِنَّما المُحِلُّ هو الحَلْقُ لَكَنْ لا يَظْهَرُ عَملُهُ في حِلِّ النِّساءِ إِلَّا بِالطَّوافِ، ولا يتحلَّلُ بالهَدْي غيرُ المُحصَرِ بالمرض أو المُخاف، وهذا حسب طاقة العاجز المُقصِّرِ بالاعتراف.
اعلَمْ أَنَّ الهَدْيَ وجَبَ شُكراً على المُتَمتُّع والقارن، وأنَّ الصَّوم بدَلْ عَن الهَدي لمَن لَمْ يَجِدْهُ.
قال الإمامُ الزِّيلَعيُّ رحمه الله: الصَّومُ بدلٌ عَن الهَدي، وهذا الهدي ليسَ شرطاً لصحة التحلل، قال في «الهداية»: يتحلَّل بالحَلْقِ عندَنا لا بالذَّبحِ وهذا يدفع ما قيل: الهدي مشروط للتحلُّل ـ كما سنذكرهـ وكذا لا يتحلل بالطَّوافِ قبل الحَلْقِ، قال ابنُ المَلكِ رحمه الله: لو لم يحلق حتَّى طاف، لمْ يَحلَّ له شيءٌ حَتَّى يَحلق، انتهى.
وكذا لا يتحلَّلُ بالرَّمي، قال الزيلعيُّ: الرَّميُّ ليسَ مِن أسبابِ التَّحلُّلِ، وكذا قال شيخُ مَشايخنا العلامة عليّ المَقدِسي في «شرحه نظم الكنز»: الرَّمي ليسَ محُللاً، خلافاً للشَّافعي رحمه الله، وهذا هو المشهورُ عندَنا، وفي غيرِ المَشهورِ الرَّميُ مُحلَّل لغيرِ النِّساء، كما في «البرهان»، وزادَ قاضيخان: الطيب، قال: الرَّمي النِّساءِ والطَّيبِ، ولكن قال قاضيخان قبل هذا ما نصه: والخروج عن الإحرام إنَّما يكونُ بالحَلْقِ أو التقصير، فإذا حَلَقَ أو قَصَّرَ؛ حَلَّ لَهُ كُلُّ شيءٍ إِلا النِّسَاءَ، ما لم يطف بالبيت، انتهى.
محلل لغير وهذا هو الموافق لـ «الهداية»، واعتَرضَ صاحبُ البَحرِ» قاضيخان في جَعله الرَّميَ مُحلَّلاً لغيرِ الطَّيبِ والنِّساءِ، واستدلَّ لِرَدّه بما في «المحيط»: لَو قلَّمَ أَظْفَارَه قبل الحَلْقِ، فعليهِ دم؛ لأنَّ الإحرام باقٍ، لأنَّه لا يحِلُّ إلا بالحلْقِ، انتهى.
فلو كانَ التَّحلُّلُ بالرَّمي حاصِلاً في غيرِ الطَّيبِ والنِّساءِ، لم يلزمه دم بتقليم الأَظْفار، انتهى قلتُ: كانَ الأَنسَبُ في ردّه الثاني من كلامِ قاضي خان بكلامه الأَوَّلِ؛ لأنَّه حصر الخروج عن الإحرام بالحلق موافقاً لما في المحيط» بقوله: «والخروج عن الإحرام إنَّما يكونُ بالحَلْقِ»؛ ليكون الزمَ في الرَّدُّ، ولأنَّهُ استدل للأَوَّلِ بما في «الصحيحين» ولمْ يذكُر دليلاً للتّحلُّل بالرَّمي وعلمنا أنَّ التَّحلُّلَ بالرَّمي غيرُ المَشهور، وهذا يَدفَعُ ما يُنسَبُ لقاضيخان مِن حُرمةِ الطَّيبِ بالحَلْقِ كالنِّساءِ؛ لأنَّه قالَ: «يَحِلُّ بالحَلْقِ كلُّ شيءٍ إلا النِّسَاءَ مَا لَمْ يطف، فلينتبه له، فهذه تدفَعُ ما قالَه الرَّازِيُّ في «أحكامِ القُرآنِ»: الهدي مشروط للتَّحلُّل، كما سنذكره.
وكذا يَدفَعُه نص الإمام عبد الله بن أحمد النَّسَفِي صاحب «الكنز» و «الكافي» في «شرحِهِ مَنظومة الإمام عُمرَ النَّسَفي» بقوله: الحَلْقُ مُقَيَّدُ بالزَّمانِ والمَكانِ عند أبي حنيفَةً، وعِند أبي يوسف لا يَتوقَّتُ بِهما، وعندَ مُحمد يتوفَّتُ بالمَكانِ دونَ الزَّمانِ، وعندَ زُفَرَ يتوفَّتُ بالزَّمانِ دونَ المَكانِ، وهذا الخلافُ في التوقيت في حقٌّ التَّضْمِينِ بالدَّمِ.
أما ما لا يَتوقَّتُ في حق التحلُّل بالاتفاق والحلق أو التقصير في حق العُمرة غير مؤقَتِ بالزَّمانِ إجماعاً، بخلافِ المَكان فإنَّه يتوقَّتُ عندهما خلافاً لأبي يوسف، انتهى.
وتوجيه الأقوالِ فيه وحَملُ حديثِ افْعَلْ ولا حرج» على أنَّه كانَ قبل تقرر المناسك، واستدلَّ الإمامُ بقولِ النَّبي: مَن قَدَّمَ نُسُكاً عَلَى نُسُكِ أَو أَخَرَه عَنهُ، فعليه دم، كما في شرح المجمع». فهذهِ النُّصوص على أنَّ المُحلَّل هو الحَلْقُ بالاتفاق، وهذا في غيرِ المُحصَرِ وهوَ يتحلّل بذبحِ الهَدْي في مَحِلَّه عند أبي حنيفة ومحمد، وإِنْ حَلَقَ فحسن، وقال أبو يوسف عليه أن يحلق، وإن لم يحلق فلا شيء عليه، وإِنْ لمْ يجدِ المُحصَرُ ما يَذبَحُ عنهُ بقيَ مُحرِماً حتّى يذبح أو يطوف، كذا في التَّبيين»؛ يعني: يطوفُ طواف عُمرة، ويسعى ويحلِقُ، فَيَحِلُّ بأفعالِ العُمْرَةِ إِنْ فَاتَه الحج.
فقد علمنا المُحلَّلَ عن الإحرام إنَّما هوَ الحَلقُ أو التَّقصير، وعلِمْنا أَنَّ الهَديَ وَجبَ شُكراً على القارِنِ والمُتَمتَّع، وقال المُحققونَ مِن أثمَّتِنا: العِبْرَةُ لوجودِهِ في أَيَّامِ النَّحر، ولا يتحقق العجز عنه إلا بمضيها.
والهدي أَضْل والصَّومُ خَلَفٌ عنه، وشرطُ بَدلَيَّةِ الصَّومِ أَنْ يُقدِّمَ الثَّلاثَةَ قبلَ مجيء العاشر من ذي الحِجَّةِ.
فشوَّالٌ وما بعده إلى انتهاء التَّاسع وَقْتُ للثَّلاثةِ، فإذا صامَ الثَّلاثةَ ثُمَّ وجدَ الهَديَ في أَيَّامِ النَّحْرِ إنْ كانَ وجوده قبلَ الحَلْقِ لِزِمَ ذبحُهُ، وبَطَلَ حكم صومه باتِّفَاقِ أَتَمَّتِنا، وكذا وجودُ الهَدي بعد الحلقِ في أَيَّامِ النَّحْرِ على التحقيق.
قال قاضيخان رحمه الله في شرح الجامع الصغير»: وإِنْ فاتَ الصَّومُ لفواتِ وقتِه؛ يعني: أيَّامَ الحج التي هي وقت لصومِ الثَّلاثةِ، عادَ الأَصل وهوَ الهَديُّ، فَإِنْ وُجِدَ الهدي في الثَّلاثة التي يصومُها، أو بعدما صامها قبل يوم النَّحْرِ، لزمه الهدي، وبَطَلَ حكمُ الصَّومِ؛ لأنَّه خَلَفٌ عن الهدي، فإذا قدَرَ على الأصل قبلَ حُصولِ المقصودِ وفواتِ وقتِه، بَطَلَ حكمُ الخَلَفِ، وإِنْ صَامَ ولَمْ يَحلِقُ حتى مضَتْ أَيَّامُ النَّحرِ، ثمَّ وجدَ الهدي فصومه تام؛ لأنَّ وقتَ الذَّبْحِ أَيَّامُ النَّحْرِ، فَإِذا مَضَتْ حَصَلَ المقصود، وهو إباحةُ التَّحلُّل، فلا يتغير بعدَ ذلِكَ؛ كما لو حلَقَ ثمَّ وجدَ الهَديَ، انتهى کلام قاضيخان.
قوله: «فلا يتغيّر إباحةُ التَّحلُّلِ»؛ يعني: جواز الإقدام على التَّحلُّلِ؛ لسقوطِ وجوبِ الترتيب بينَ الذَّبحِ والحَلْقِ عند الإمام، لفقدِ الهَدي في أَيَّامِ النَّحْرِ، فلا يعود الترتيب؛ لوجودِ الهدي بعد أيَّامِ النَّحرِ، فيُباحُ لَهُ الحَلْقُ، ويمضي على حُكْمِ الصَّومِ، فيُتِمُّ العَشَرةَ بصوم السَّبعَةِ بعد تمامِ الحجِّ، لكِنْ عليه دم؛ لتأخيرِهِ الحَلْقَ عَن أيام النحر.
وقوله: «كما لو حلَقَ ثمَّ وجدَ الهَدي»؛ أي: سواءٌ حَلَقَ فِي أَيَّامِ النَّحْرِ ثمَّ وجدَ الهدي فيها، أو حلَقَ فيها ثمَّ وجَدَ الهدي بعدها؛ فإِنَّ إباحةَ تَحلُّلِه وسقوط الترتيب بين الحلْقِ والذَّبح حاصلةٌ في الصُّورتين، ومعلوم أَنَّهُ بوجودِ الهَدي في زَمانِه يلزمه التَّقرب به شُكراً، وقد نصَّ عليه بقوله قبل هذا: «وإنْ وجَدَ الهديَ بعدما صامَ الثَّلاثةَ
قبل يوم النحر - أي: قبلَ مُضي أيامه - لزمه الهدي، وبطل حكمُ الصَّومِ؛ لأنَّه خَلَفٌ عَنِ الهدي، فإذا قدر على الأصل - أي الهَدي - قبل حصولِ المقصودِ؛ أَي: يبدله الذي هو الصومُ المَشروط بفَقْدِ الهَدي، وقد وجد الهدي قبل فواتِ وَقتِه؛ أي: وَقتِ الأَصل؛ أي: زمانِ ذَبحِهِ الهَدْي؛ بطل حكمُ الخَلفِ الذي هوَ الصَّومُ، ويلزم ذبح الهدي، وهذا أعم مِن سَبْقِ الحَلْقِ وعدم سَبْقِه على وجودِ الهدي، فلا بَدَليَّة بينَ الهَدي والحَلْقِ. فإن قيل: يَحتَمِلُ الأَمْرُ تَفسيرَ كَلامِه بالحَمْلِ على أنَّهُ لا تَتغيَّرُ الإباحةُ ولا حُكمُ صومه بوجود الهدي في أَيَّامِ النَّحرِ؛ لحصولِ التَّحلُّلِ بالحلْقِ.
قلتُ: يلزمُ مِنه أن يكونَ الهَدي مقصوداً بهِ التَّحلل، وليس مقصوداً لهُ بَل للشكر لأداءِ النُّسكَين بسفرٍ واحد، ولا دَخَلَ له في التَّحلُّلِ، فَيَبطُلُ حُكمُ الصُّومِ، وهو قيامه عن الهدي بوجودِ الهَدْي في أَيَّامِ النَّحرِ؛ لبقاءِ وقته؛ لأن قاضيخان اعتبر وجودَ الهَدي في زمان النَّحْرِ، ولمْ يَنظُرُ لتَقدُّم الحَلق على الوجود، فقوله: «كما لو حَلَقَ ثم وجد الهَديَ تَشْبية لعدم تغير إباحةِ الإقدام على التَّحلُّلِ مَعَ وجودِ الهَدي بعدَ مُضَى أَيَّام النحر، بمثل ما لو حلق في أيَّامِ النَّحرِ فاقداً له ثم وجده فيها لا تتغير إباحةُ التَّحلُّلِ؛ لسقوط وجوبِ التّرتيب، فالإقدام على التّحلُّلِ فِي زَمَنِ النَّحْرِ موجِبُه فَقْدُ الهَدي، والإقدام على التّحلُّلِ بعدَ مُضي أيَّامِ النَّحرِ موجبه فواتُ الوقت، وليس عليه دم بالحَلْقِ فاقداً للدم للعُذرِ، فالإمامُ إنَّما أوجب الترتيب بينَ الذَّبحِ والحَلق حتى أوجب دماً بتركه على القادر. وقَدْ نَصَّ فِي شَرحِ مُختَصَرِ الطَّحاوي» للإمام الإسبيجابي على عدم لزوم شيء عليه به حيث قال: ولو لم يصم الثلاثةَ لمْ يجُزِ الصَّومُ بعد ذلك، ولا يُجزِتُهُ إلا الدَّمُ.
فإن لم يجد هَدياً حَلَّ، وعليه دمُ المُتعَةِ، ولا دَمَ لإحلالِه قبل أن يذْبَحَ، ولا دمَ عليهِ لترك الصوم، انتهى. فهذا نص على بقاء دمِ الشُّكرِ بذمَّتِه إِلى المَيْسَرَةِ، ونص على أنَّه لا يلزَمُه دم بالحلق قبل الذبح وذلك لعدم وجود دم الشكر.
فيدفَعُ قول القائل بلزومِ دمٍ عليه - كما سنذكُره - إِذْ لا تكليف بدونِ الوُسع، وقالَ الشَّيخُ أَكملُ الدِّينِ في «العناية»: العَجْزُ عنِ الهَدي إِنَّما يَتَحقَّقُ إِذا مَضى أَيَّامُ النَّحْرِ، ولمْ يَقدِرْ عليه، انتهى.
وهذا أعمُّ مِن سَبقِ الحَلْقِ على الوجودِ، لكنَّهُ أَفَادَ بِالمَفهومِ أَنَّه إِذا قَدرَ على الهَدي بعدَ الحَلْقِ، لا يلزَمُهُ الهَديُّ؛ حيثُ قالَ: «يَلزمُهُ الهَديُ إِذا قَدرَ عليه قبلَ الحَلْقِ في يومِ النَّحرِ للقدرة على الأصل قبلَ حُصولِ المَقصودِ بالخَلَفِ، انتهى.
والأصل هو الهدي، والخَلفُ صومُ العشرة المنصوص عليها في الكِتابِ. وقد يُقالُ: لا يُعتبرُ المَفهوم هنا لظهور المراد، وعدم التدافع في كلام الأكمل، وذلك لإطلاق قوله تعالى: {فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ} [البقرة: 196]، والوجود في أَيَّامِ النَّحرِ هوَ المُعتبر للزومِ الهَدي، فلا يُصار إلى خلفه وهو الصوم معه، وقد علمنا أنَّ الحلق هو المحلّل، وعلمنا أنَّ الهدي وجبَ شُكراً، والصّوم بدله، فلا بدلية بين الهدي والحلْقِ حتَّى يُقال: وجود الهدي بعد الحلْقِ لا يُعتبرُ؛ لحصول المقصود بالخلف وهو الهَدْي، كما صَدَرَ ذلكَ في عِدَّةٍ مِنَ المُعتَبَراتِ وذلك تقييد لإطلاقِ النَّص الوجودَ بالحلق قبله، وهو نسخ لا يصح بدونِ موجبه.
وتلكَ المُعتَبَراتُ منها قولُ الزَّيلعي وإن وجد الهدي بعدما تحلَّل، فلا ذَبَحَ عليه؛ لحصول المقصودِ بالصومِ، وهوَ التَّحلُّل، انتهى.
بعد قوله: الصَّومُ بدلٌ عَن الهدي، إذْ لا بَدليَّةَ بينَ الهَدي والتَّحلَّلِ بَل بينه وبينَ الصّوم، وكانَ ذلك أيضاً تعليلاً بما ليسَ مُسلَّماً، وهو في مُقابَلَةِ النَّص المُطلق للوجودِ في أَيَّامِه نسخ لا يصح، وأيضاً بهِ التَّدافُعُ في كلامِ الزَّيلعي، ثمَّ قال - أي: الزَّيلعيُّ - فصارَ كالمُتَيمِّمِ إِذا وجدَ الماءَ بعدما صلَّى، انتهى.
وقد يُقالُ: القياسُ بمسألةِ المُتيمم مع الفارق؛ لأنَّ الصَّلاةَ حصلَتْ في وقتِها، وتمَّتْ بالطَّهارة البَدَليَّةِ وانتَهَتْ، فلا يُبطِلُها وجود الماء الذي هو أصل بعد انتهاء فعل البدل، وأما وجودُ الهَدي في أَيَّام النَّحْرِ بعدَ الحلْقِ فلمْ يَكُن بعد انتهاء فعلِ بَدلِه؛ لبقاءِ السَّبعة ولبقاءِ زمانِ النَّحْرِ، فيلزمُ ذَبحُ الهَدي؛ لأنَّه الأصل وقد وجد قبلَ حُصولِ المقصودِ ببدله، وهو الصَّومُ، كما نصَّ عليه الزّيلعيُّ قبل هذا بقوله: الصَّومُ بدل. الهدي، انتهى.
فلا نظر للحلق؛ لأنَّه ليس بدلاً عَن شيءٍ، والنَّظر إلى وجودِ الحلْقِ تقييد لمطلق الكتاب، وهو نسخ، فلا يصح، وقد قالَ الزَّيلعيُّ أيضاً: ولو صام - أي الثَّلاثَةَ - ثمّ وجدَ الهَديَ، ينظرُ: فإن بقي إلى يومِ النَّحْرِ لمْ يُجزِتْهُ - أي: الصيام؛ للقدرَةِ على الأصل، وإن هَلَكَ قبلَ الذَّبحِ جازَ؛ أي: الصَّومُ للعَجْزِ عن الأَصلِ، وَكَانَ المُعتَبَرُ وقت التحلل، لا وقت الصوم، انتهى.
وبقاءُ الهَدي أعمُّ مِن سبقِ التَّحلُّلِ في كلامه هذا فيلزَمُهُ الهَديُّ. وقوله: «وكانَ المُعتَبَرُ وقت التَّحلُّلِ»؛ يعني: زمانَ الحَلْقِ، وهو أَيَّامُ النَّحْرِ؛ لأنَّها زمان وجوبِ التَّحلُّلِ بالحلْقِ فيها، وزمان وجوبِ ذَبحِ الهَدي فيها.
ومنها قولُ الكمال بن الهمام: فإن قدر على الهَدي في خِلالِ الثَّلاثةِ أَو بَعدَها قبل يوم النحر لزمه الهدي وسقط الصوم؛ لأنَّه خَلَفٌ، وَإِذا قَدرَ على الأصلِ قبلَ تَأْدِّي الحكم بالخلَفِ، بطل الخلَفُ، انتهى.
فقد نصَّ على أنَّ الصومَ خَلَفٌ عَن الهَدي، والهدي لا يُتَحلَّل به ولا بِخَلفِه بل بالحَلْقِ أو التقصير، وهذا عينُ الصَّواب.
ثمَّ َقالَ: «وإن قدر عليه»؛ أي: الهَدي بعد الحلْقِ قبل أن يصومَ السَّبعةَ في أَيَّام النَّبح أو بعدها، لم يلزمه الهدي؛ لأنَّ التَّحلل قد حصل بالحلق، فوجود الأصل بعده لا يَنقُض الخلَفَ، انتهى.
ففيه تدافع وتقييد المُطلَقِ الكتاب كما تقدَّمَ، وذلك لأنَّه أفادَ أَنَّه يتحلل بالهدي أصلاً وبالحلق خلفاً، فإذا وجد الهدي لا يبطل خلفه الذي هو الحلْقُ على كلامه الأخير.
والصَّوابُ كَلامُه الأَوَّلُ؛ لأنَّ العبرة لوجودِ الهدي في أَيَّامِ النَّحْرِ، ولا دَخلَ للحلْقِ قبل وجوده فيها، فوجوده فيها يُبطل حكم الصوم، فيُلزِمه ذبحه وإِنْ تَحلَّل قبله؛ لموجبِ إطلاقِ النَّص، ولقولِ المُحققين: العبرة لأيَّامِ النَّحر وجوداً وعدماً للهدي.
ومنها قولُ «المحيط»: وأما حكمُ المُتمتّع: فعلى المُتمتِّعِ دم، وهو دمُ نُسكِ؛ شكراً لما أنعم الله عليهِ مِن الجَمْعِ بينَ النُّسكَينِ بسفرةٍ واحدةٍ، والصّومُ شُرعَ بدل الهَدي بالنَّصَّ {فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَثَةِ أَيَّامٍ فِي الحَج} [البقرة: 196]؛ أي: وقت الحج، فإذا فات وقت الحج عادَ الأَمرُ إِلى الأَصلِ، انتهى.
فقَدْ نصَّ على أنَّ الصَّومَ بدلٌ عَن الهدي، وأنَّه وجَبَ شكراً، وهوَ الصَّوابُ. ثم قال: ولو قدَرَ على الهدي قبل إكمال صومِ الثلاثة أو بعدما أكمل قبل يومٍ النَّحرِ، لزمه الهدي وبطل صومه، انتهى.
يعني: واستمر معه الهدي حتى جاء وقتُ النَّحرِ، وهو أعمُّ مِن سبق الحلْقِ لكنه علله بقوله: لأنَّ الهدي للتّحلُّل، والصَّومَ بدلّ عنه، والقُدرَةُ على الأَصل قبل حصول المقصودِ بالبَدلِ - وهوَ التَّحلُّلُ - يُبطِلُ حُكمَ البَدلِ؛ كالمتيمم إذا رأى الماء في صلاته، انتهى.
فقَد خالف صنيعه السَّابِقَ؛ فإنَّ الهدي ليسَ للتحلُّل بل وجبَ شُكراً لله، ولا يحصلُ التَّحلُّل بذبحه كما قدَّمناه، والقِياسُ بالمُتيمم غيرُ مُسلَّم، فهو قياس معَ الفارقِ؛ لأنَّ الهَديَ ليسَ للتَّحلُّل، وليسَ التَّحلُّل بدلَه.
ثم قال: ولو وجد الهديَ بعدَما حلَقَ قبل صومِ السَّبعةِ، فلا هَديَ عليه؛ لحصول المقصود بالبدل انتهى.
وهو أعم من وجوده في أَيَّامِ النَّحر وغيرها ليسَ مُسلَّماً، وجَعَلَ الحلق بدلاً عن الهدي، وليس بدله إلا الصوم كما قدمه، فكانَ التَّدافع في كلامه مع مخالفة النَّص بهذا.
ثمَّ قال: ولو لمْ يَحِلَّ حتى مضَتْ أَيَّامُ النَّحرِ، ثمَّ وجدَ الهدي، فصومه تام ولا هدي عليهِ؛ لأنَّ التَّحلُّل يباحُ له بعد يوم النَّحرِ فحصل المقصود وهوَ التَّحلُّل، انتهى. والمنفيُّ دمُ الشُّكرِ، أَمَّا دمُ الجَبرِ بتَركِ الحلْقِ في أَيَّامِ النَّحْرِ، فهو لازم عليه؛ لتأخيره الحلْق عَن زَمانِه.
وقوله: «لأنَّ التَّحلُّلَ يباح له فيه تسامح؛ إذ هو واجب عليه، والمراد أنَّه لا يُتَوقَّفُ حِلُّ حلقه على ذَبح الهدي لفواتِ وقته فيم الصوم بعد فراغه مِن الحج.
وقوله: فحصل المقصود وهوَ التَّحلُّلُ» ليسَ مُسلَّماً؛ فإنَّ المَقصود الهدي أو بدله، وهوَ الصَّومُ للعَجز عنه، ولكنَّه إذا وجد الهديَ بعد أيامِ النَّحرِ؛ لا يَبطُلُ حكْمُ البدل الذي هو الصوم، ويتحلَّل بالحلْقِ لزوماً.
ومنها قوله في التّترْخانيَّة»: لو وجدَ الهديَ بعدما حلق قبل أن يصومَ السَّبعةَ فلا هدي عليه، وفي «الظَّهيريَّة»: وصح صومه، انتهى.
وهوَ يَحتَمِلُ الوجود بعدَ مُضيّ أَيَّامِ النَّحرِ، وفيها: ويَتعيَّنُ حملُ البَعْدِيَّةِ المُطْلَقَةِ على البَعْدِيَّةِ الكائِنَةِ في غيرِ زمانِ النَّحرِ؛ وذلكَ لِئَلَّا يُخالِفَ النَّصَّ المُلزِم للهدي بوجوده في أيَّامِ النَّحرِ؛ لأَنَّهُ الأَصل ولمْ يمض زمانه لاختصاص ذبحِ هَدي المُتعَةِ والقِرانِ بالزَّمانِ والمَكانِ.
وقوله في «الظهيرية»: «وصح صومه يعني لمُضيَّ أَيَّامِ النَّحْرِ، فلا يبطل البَدلُ الذي هو الصوم بوجودِ الأصل في غيرِ زمانِ ذبحه.
ثم قال: «م»: بشر بن الوليدِ عَن أبي يوسف: إذا صامَ المُتمتِّعُ ثلاثةَ أَيَّامٍ ثمَّ وجدَ هَدْياً قبل أنْ يحِلَّ، انتقضَ صومه، وإن وجدَ الهَدي بعدما حلَّ، جازَ صومه، ولا هَديَ عليه انتهى.
وهوَ يَحتمل أن يكونَ بعدما حلَّ وفات زمانُ النَّحْرِ.
بَل يتعيَّنُ حمله على الوجودِ بعدَ مُضيَّ أَيَّامِ النَّحرِ؛ لقوله: جازَ صومه، ولا هدي عليه، وذلك لفواتِ أيَّامِ النَّحرِ، فلا يبطل حكمُ البَدَلِ الذي هوَ الصَّومُ بوجودِ الأَصلِ الذي هو الهدي؛ لفواتِ زمانِ النَّحْرِ، فلا يُدافِعُ النَّصَّ، ومنها متْنُ اتَّبَعَ ذلك، والكلام عليه مثلما تقدم.
ومنها قول صاحِب البَحرِ الرَّائِقِ»: العِبَرَةُ لأَيَّامِ النَّحْرِ في العَجْزِ والقُدْرَةِ. ثمَّ قال: لو قدر على الهدي بعدما أكمل ثلاثة قبلَ أَن يَحلِقَ ويحِلَّ وَهُوَ فِي أَيَّامِ النَّبِحِ؛ بطل صومه، ولا يَحِلُّ إلا بالهدي، ولو وجد الهدي بعدما حلَقَ وحلَّ قبل أن يصوم السَّبعةَ؛ صح صومه، ولا يجب عليه ذبحُ الهَدي، ولو صام ثلاثةَ أَيَّامٍ ولمْ يحلق ولمْ يحل حتى مضَتْ أَيَّامُ الذَّبح، ثمَّ وجدَ الهدي، فصومه ماض ولا شيء عليه، كذا ذكرَ الإسْبِيْجَابِيُّ، انتهى.
وقوله: «ولا يَحِلُّ إلا بالهَدي» غيرُ مُسَلَّم كما بَيَّنَّاه؛ لأَنَّ التَّحلُّلَ ليسَ إِلا بِالحَلِقِ أو التقصير لغير المُحصَرِ، أمَّا المُحصَر فلا يتَحلَّلُ إِلَّا بِالهَدي كما بَيَّنَّاه.
وقوله: «ولو وجد الهدي بعدما حلق وحلَّ»؛ يعني: والوجودُ في أَيَّام النَّحرِ؛ لقوله بعده: ولو لم يحلق ولو لم يحِلَّ حتى مَضَتْ أَيَّامُ الذَّبحِ، ثمَّ وجدَ الهدي فصومه ماض، فقد نظر إلى وُجودِ الحَلْقِ في أَيَّامِ النَّحْرِ، ونظر إلى جوازِ التَّحلُّلِ.
بمُضِي أَيَّامِ النَّحْرِ، وحَكَمَ بأَنَّهُ لا يَلزَمُه الهدي في الصُّورَتين، والثانية مسلَّمَةٌ لفوات أَيَّامِ الذَّبحِ، والأولى غيْرُ مُسلَّمة؛ لأنَّ العبرة لأيَّامِ النَّحْرِ وقد وجد فيها الهدي، ولا نظر للحلق قبله، فيَلزَمُه ذبحه كما هو مُقتضى النَّصَّ فلا يعدِلُ عنه كما بيناه. ومنها قول أخيه في النَّهرِ: لو قدَرَ على الهَدي في خِلالِ الثَّلاثةِ أو بعدها قبل يوم النحر، لزمه، وبطل الصّومُ، لا إن قَدِرَ عليه بعد الحلق قبل صومِ السَّبعةِ في أَيَّامِ الذبح أو بعدها، انتهى.
وهُوَ غَيْرُ مُسلَّم، ولا يَحتَمِلُ التَّأْوِيلَ؛ لأنَّ قولَه: «فِي أَيَّامِ النَّبِحِ مُتعلّق بـ: «قدرَ عليه بعد الحلق»، وهوَ يُدافِعُ النَّصَّ لوجودِ الأصل الذي هو الهدي في وقته، فبطل حكم صومه، ولزمه الهدي، فلا يصح صومه عنه كما بيناه.
ومنها ما في شرح نظم الكنز» وغيره، والكلام عليها مثلما قدمناه. ومنها قوله في الاختيار» و «شرح المُختار»: لو قدر على الهدي قبل صومِ الثلاثةِ أو بعده قبل يوم النحر، لزمه الهدي، وبطل صومه؛ لأنه قدر على الأصل قبل حصول المقصود بالبدل، وهو التحلل، وإن قدر عليه بعد الحلْقِ قَبلَ صومِ السبعة لا هدي عليه؛ لحصول المقصود بالبَدلِ، وَإِنْ لَمْ يَصُمِ الثَّلاثَةَ لَمْ يَصُمِ السبعةَ؛ لأنَّ العشرةَ وجَبَتْ بدلاً عن التحلل، وقد فات بفواتِ البعض، فيجب الهدي، فإن لم يقدر على الهدي؛ تحلل، وعليهِ دَمَانِ؛ دمُ التَّمَتَّعِ، ودمُ التَّحلُّلِ قبل ذبح الهدي، انتهى.
وفيه تأمل من حيثُ جعلهُ التَّحْلُل بدلاً عَنِ الهدي، والبَدلُ عنهُ إِنَّما هوَ الصَّومُ.
قال الزَّيْلَعِيُّ: الصَّومُ بدلُّ عَنِ الهَدي، فهوَ يَدفَعُ كلامَ «الاختيار» كما بَيَّنَّاه. ثمَّ قوله: (وإنْ قدَرَ عليه بعد الحلق قبل صومِ السبعة لا هدي عليه؛ لحصول المقصود بالبدل»، ظاهره أنَّه وجده في أَيَّامِ النَّحْرِ؛ لأنَّه يجْعلُ الحلق بدلاً عنِ الهَدي، وقد حصل، فلا يُصار إلى الأصلِ الذي هو الهدي بعدَه، وهذا غيرُ مُسلَّم كما بَيَّنَّاه؛ لأنَّ البدَلَ إنَّما هو الصّومُ، ولم يوجد تمامه وقد وجِدَ الأَصلُ الذي هوَ الهَدي في زمانِ النَّحْرِ فَبَطَل صومه.
ثمَّ قوله: «لأنَّ العَشرةَ وجبَت بدلاً عنِ التَّحلُّلِ غَيْرُ مُسلَّم أيضاً؛ لأنَّها ليست بدَلاً إِلَّا عَن الهدي كما بَيَّنَّاه. ثم قوله: «فإنْ لمْ يقدِرُ على الهَدي؛ يحِلُّ، وعليه دمانِ؛ دمُ التَّمتُّعِ ودَمُ التَّحلُّلِ قبل الهدي».
قد ذُكِرَ مِثلُه في كافي النَّسَفَيٌّ»، ودمُ التَّحلُّلِ إِنَّما يجب على القادِرِ؛ لتركِ الترتيب الواجب عندَ الإمامِ لا على العاجِزِ عَنِ الهَدي كما قدَّمناه عن الإِسْبِيْجَابِي رحمهم الله. ومنها قوله في «الجوهرة»: الصَّومُ بدلُّ عَنِ الهَدي، فإِنْ لَمْ يَقدِرْ على الهَدي؛ تحلل وعليهِ دَمانِ؛ دمُ القِرانِ، ودمُ التَّحلُّل، وعَلِمْنا أنَّ العذر بعدم الوجدانِ أسقط حكمَ التَّقديمِ والتَّأخير عندَ الإمامِ، فلا دمَ للتَّحلُّل قبلَ الذَّبحِ؛ لعدم القدرة عليه كما قاله الإِسْبِيْجَابِيُّ وقَدَّمْناه.
ثمَّ قال في «الجوهرة»: وإن وجد الهدي بعدما حلَقَ قبل أن يصومَ السَّبعةَ في أيَّامِ الذَّبح أو بعدها، فلا هَديَ عليه؛ لأنَّ الوجود بعد حصولِ المَقصودِ بالحَلْقِ لا يُغيّر حكْمَ الخَلَفِ، انتهى وعلمنا أنَّ القدرة في أيام النَّحْرِ هِيَ المُعتَبَرَةُ، ولا نظر للحلْقِ قبلها، والخليفة ليست التحلل.
وقال في «الجوهرة»: تقديمُ نُسُكِ على نُسُكِ؛ كتأخير الحلْقِ أو طوافِ الزِّيارة عنْ أَيَّامِ النَّحرِ، وكالحَلْقِ قبلَ الرَّمي، والحلق قبلَ الذَّبحِ للقارنِ والمُتمتِّعِ يوجب دماً عند الإمام أبي حنيفة لا عِندَهما، وهذا إذا كان بغيرِ عُذرٍ في تأخير طوافِ الزِّيارة؛ كالحائِضِ والنفساء إذا حاضَتْ قبلَ أَيَّامِ النَّحْرِ، أمَّا إِذا حاضَتْ فِي أَثنائها، وجَبَ الدَّمُ بالتفريط فيما تَقدَّمَ، كذا في «الوجيز»، انتهى يعني: وكذا النفساء إذا ولدَتْ قبل أيَّامِ النَّحرِ، أما إذا ولدَتْ في أثنائها، وجبَ الدَّمُ بالتَّفريط فيما تقدَّمَ.
أقولُ: فيه تَأمُّل؛ لأنَّ الطَّواف لا يَتعيَّنُ بوقت ما دام زمانه موجوداً، والحيض والنفاسُ حصل في الأثناءِ مِن صاحب الحقِّ؛ كالصَّلاةِ إِذا حاضَتْ أو نُفِسَتْ في أثناء وقتها، لا تلزمها، وكتَركِ طواف الوداع بنزول الحيض بعدَ التَّمَكُنِ منه، فلا تفريط منها؛ لعدم تعين ما سبقَ مِنَ الوقتِ ِللطَّوافِ، وكمسألة الحلِفِ على شُرب ماء هذا الكوز اليوم وقد كان فيه، فَصُبَّ قبل الغروب، لا حِنْثَ؛ لعدم تعين ما سبق للبر. ومنها قولُ الشَّيخِ الإمامِ الأَجل أبي بكر الرازي في «أحكام القرآن»: لو صام العاجز عن الهدي ثم وجد الهدي، قال أصحابنا إذا وجد الهدي بعد دخوله في الصومِ أو بعدما صام قبل أنْ يحِلَّ، فعليه الهدي، ولا يُجزِئُه غيره؛ لقوله تعالى: {من تمتع بالعمرة إلى الحج فما استَيْسَرَ مِنَ الهُدى فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَثَةِ أيام في الحج} [البقرة: 196]، ففَرضُ الهدي قائم عليه ما لم يَحِلُّ أو تمضي أيَّامُ النَّحر التي هي منسوبة للحلق، فمتى وجدَه فعليه أن يهدي وبطل صومه، ومعلوم أنَّ الهديَ مَشروط الإحلال؛ لأنَّه لا يجوز أن يجل قبل ذبح الهدي، فعليه الهدي؛ لأنَّ الله تعالى لم يفرِّقُ في إيجابه الهدي بين حاله قبل دخوله في الصوم وبعده. ويدلُّ على أنَّ الهدي مشروط قوله تعالى: {فَإِذَا وَجَتْ جُنُوهَا فَكُلُوا مِنهَا} [الحج: 36]، {وَأَطْعِمُوا البَابِسَ الْفَقِيرَ ثُمَّ لْيَقْضُوا نَفَتَهُمْ} [الحج: ?? - ??] فأمرهم بقضاء التَّفثِ بعد ذبح الهدي، فإذا كان كذلك وجب أن يُراعى وقوع الإحلالِ، فَإِنْ صامَ وحلَّ ثم وجد الهدي، لم ينقُضُ صومه، ولم يلزمه الهدي؛ لوجودِ المعنى الذي من أجله شُرِطَ الهدي، ثمَّ نُقِلَ عند عدمه إلى البدل، وهو بمنزلة المُتيمم إذا وجد الماء بعد فراغه مِن الصَّلاة، والعاري إذا وجد ثوباً، والمُظاهِر إذا فرَغَ مِن الصَّومِ ثم وجدَ الرَّقبَةَ، انتهى.
وأقولُ: إِنَّ قولَه: الفَرْضُ الهَدي قائمٌ عليه ما لم يحِل، لا دليل عليهِ؛ لأنَّ النَّصَّ مطلق في لزومِ الهَدي ببقاء أَيَّامِ النَّحرِ، فتقييده شرط لزومِ الهَدي بعدمِ التَّحلُّلِ تقييد لمطلق نص الكتاب، وهو نسخ لا يجوز إلا بِمُخَصَّص مِن الكِتابِ أو السنَّةِ المشهورة كما هو مقرر في محله.
ثم قوله: ومعلوم أنَّ الهديَ مَشروط الإحلال؛ لأنَّه لا يجوز أن يحل قبل ذبح الهدي، انتهى. ظاهره نفيُ صِحَّةِ الإحلال بالحلْقِ قبل ذبح الهدي؛ لجعله ذلك شرطاً للإحلال، وليسَ مُسلَّماً؛ فإنَّ الإمام الأعظمَ قالَ بوجوبِ مُراعاة التّرتيب، ولم يقل بأنَّه شرط لصحة التَّحلُّلِ، فيلزمه دم بتَركِ الترتيب الواجب عنده، وقال أبو يوسف و محمد رحمهم الله: لا شيء عليه، فتَحلُّله مع وجودِ الهَدي متفق على صحتِه بين أئمتنا، انتهى. قوله: ويدلُّ على أنَّ الهَدي مشروط قوله تعالى: {فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا} [الحج: 36]، {وَأَطْعِمُوا الْبَابِسَ الْفَقِيرَ ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفتَهُمْ} [الحج: ??-??] فأمرهم بقضاءِ التَّفْثِ بعد ذبحِ الهَدي انتهى.
قلنا بموجبه وجوباً لا اشتراطاً؛ لصحةِ التَّحلُّل بقضاءِ التَّفثِ الذي هو الحلْقُ، فلا تتوقف صحةُ التَّحلُّل على ذبحِ الهدي، بل ولا يصح ذلك منه على العُمومِ؛ لأنَّ المُفرِدَ ليس عليه هدي، وإحلاله بدونِ هَدي صحيح جائز.
قوله: «فإذا كانَ كذلك، وجبَ أن يُراعي وقوع الإحلالِ، فَإِنْ صَامَ وحَلَّ ثمَّ وجدَ الهدي لم ينتقض صومه، ولم يلزمه الهَدي؛ لوجودِ المَعنى الذي مِن أجلِه شُرِطَ الهَديُّ، ثمَّ نُقِلَ عندَ عدمِه إِلى البَدَلِ، انتهى.
وهو يريد بالمعنى التَّحلُّل بالحلْقِ، وليس الهدي مشروطاً لصحته، وليس المعنى الذي من أجله شُرطَ الهَدي، بل أُريد به شكرُ نِعمَةِ التَّوفيق لأداءِ النُّسكَين بسفر واحدٍ، كما قدَّمناه فلزِمَ الهدي بالنَّصَّ؛ لقدرته عليه مع بقاء أَيَّامِ النَّحرِ، وانتقضَ حكم صومه؛ لقدرته على الأصل قبل فوات وقته، وعلى ما أراده يلزم قلبُ المَشروع لصحة الصوم، وتَركُ الهَدي كما بَيَّنَّاه، فهو ممنوع. قوله: «وهو بمنزلة المُتَيمم ... إلى آخره. قياس مع الفارق كما أوضَحْناه فهوَ بمنزلة من وجدَ الماءَ في خِلالِ الصَّلاةِ والرَّقبة في خلالِ الصَّومِ، فيلزم الأصل ويبطل الخلَفُ؛ لعدم انتهاء حكمه كما حررناه بحمد الله تعالى وعونه.
في شهر القَعْدة، سنة سبع وستين وألف، خُتِمَتْ بخَيْر.
***