المسائل البهية الزاكية على الاثنى عشرية
للإمام حسن بن عمار الشرنبلالي الحنفي
توفي سنة 1069هـ
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
جارٍ تحميل الكتاب…
المسائل البهية الزاكية على الاثنى عشرية
للإمام حسن بن عمار الشرنبلالي الحنفي
توفي سنة 1069هـ
اعتنى به:
لجنة دار الهداية للأبحاث والدراسات
الناشر:
دار الهداية للأبحاث والدراسات، القدس، ساحة المسجد الأقصى.
الطبعة الرقمية: الأولى، 1446 هـ.
المسائل البهية الزاكية على الاثنى عشرية
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعينُ
الحمد لله الذي تفضَّلَ بالإحسانِ على جميع البَرِيَّةِ، وخصَّ عُلَماءَ المِلَّةِ الحنيفية بالهبات اللدنية، وجعَلَ سِرَّهُ العزيز بإرادته الأَحَدِيَّةِ، سارياً في علماءِ الشَّريعة المُحَمَّديَّة، والمُحققينَ منَ الأئمة الحنفيَّةِ النَّاقلين أحكامَ مَذهَبِ الإمامِ الأَعظَمِ وما نص عليه ذلك المُجتَهِدُ المُقَدَّمُ، وكشَفَ عن بصيرتهم، فأظهَرُوا مسائل كانت مَسْتُورة، وهي في الحُكْمِ كالظَّاهرة المشهورة، وأنْعَمَ سُبحانَه بما ادَّخَرَ من ذلك الإظهار على مَن وُجِدَ في عَصر هو عَصْرُ بل قبضَ على جَمْرٍ مِنَ النَّارِ.
ولعله بفَضلِه يكون سبباً للنّجاة من عذابِ النَّارِ، ووسيلة للإدخال في عباده الأبرار؛ إكراماً للنَّبيِّ المُصطَفَى المُختارِ، صلَّى الله وسلَّم عليه وعلى آله وأصحابه، وأزواجه وذُرِّيَّتِه والتابعينَ بإحسانٍ بَدَوامِ فَيضِ الملكِ الغَفَّارِ.
وبعد:
فيقولُ العَبدُ الحقير، المُلتَجِيُّ إِلى جَنابِ ربِّه القَدِيرِ، حَسَنُ الوَفَائيُّ الشَّرنبلالي، غفَرَ اللهُ ذُنوبَه، وستر عُيوبه، ولطَفَ به وبمُحبّيه وذُرِّيَّتِه والأهالي، وأحسَنَ إليهم بدَوامِ الأيام والليالي: إنَّ المسائل المشهورة بالاثني عشرية تصويرُها مُقرر ظاهِرُ بالشروح، وتأصيلها عن المشايخ المحققينَ بَدْرُهُ يلوحُ، فتذكرُ لبدة من الدليل للإمام الأعظم وصاحبيه؛ ليظهَرَ للطَّالبِ وَجهُ ما يعتَمِدُه ويُعوِّلُ عليه، ونزيد جملة من نظير تلك المسائل الاثني عشرية، فنضُمُّ زيادةً عليها؛ لرجوع حُكْمِ كل منها إليها، لنَفْعِ طُلّابِ الاستفادة
بالإفادة لديها.
ونذكُرُ - إنْ شاءَ اللهُ تعالى ـ تحقيق افتراض الخروج بالصُّنْعِ على قول الإمامِ بتحقيق الأئمة الأعلام، وإظهار شُبهة مَن ظنَّ أظهريَّةَ قَولِ صاحبيه بوجوبه، وتحقيق بطلانِ الصَّلاةِ بالشَّكِّ بعدَ القُعودِ دونَ السَّلامِ، وبطلان صلاةِ المُقيمينَ بمتابعتهم إمامهم المُسافِرَ في الإتمام.
ولمَّا ظَهَرَتْ مُشْرِقَةً كالكواكبِ الدُّرِّيةِ، سَمَّيْتُها:
«المسائل البهيَّة الزَّاكِيَّة على الاثْنَي عشريَّة»
ولم نعدِلْ عنْ هذه النسبةِ وإن لم تكن في العربيَّةِ مَرْضِيَّةٌ؛ لِما أَنَّ المشهور كذلك يُقدَّمُ كما سُطَّرَ بالكتاب، وإنْ خالَفَ الصَّواب، كما قاله الفُضَلاءُ الأنجاب. قالَ ابنُ الملكِ في شرح المجمع: وهذه المسائلُ تُسمَّى اثني عشريَّةً؛ لأنَّها بهذا العدَدِ في الرّواياتِ المشهورة، كذا في الكفاية» وغيرها، لكنَّ هذه التسمية غلَط من حيثُ العربية؛ لأنَّه لا يجوزُ النِّسبةُ إلى اثني عشَرَ»، ولا إلى غيره من العددِ المُركَّب، إلا إذا كانَ علَماً، فحينَئِذٍ يُنسَبُ إلى صدره، يُقالُ: خمسي في «خمسة عشَرَ، وبَعْليُّ في «بعلَبَكَ»، ذكرَه في «المُفصَّل، انتَهَى.
وقال في «البحرِ»: وإذا لم يكُنْ علَماً وأُريد به العدد، فلا يُنسَبُ إليه أصلاً؛ لأنَّ الجزأين حينئذ مقصودانِ بالمعنى، فلو حُذف أحدُهُما اختل المعنى، ولو لم يُحذَف استُقِل.
وهي هذه:
قال في «الكنز» و «القُدورِيّ»: وبطَلَتْ إن رأى مُتيمم ماءً، أو تمَّتْ مُدَّهُ مَسحِه، أو نَزَعَ خُفَّهُ بِعَمَلٍ يسير، أو تعلَّمَ أُمِّي سورةً، أو وَجَدَ عارٍ ثوباً، أو قدَرَ مُومٍ على القِيامِ، أو تذكَّرَ فائتة، أو استخَلَفَ أُمِّيّاً، أو طلَعَتِ الشَّمسُ في الفَجْرِ، أو دخَلَ وَقتُ العصر في الجمعة، أو سقَطَتْ جَبيرتُه عن بُرءٍ، أو زالَ عُذرُ المَعذور.
قوله: «وبطَلَتْ»؛ يعني: أصلاً ووَصْفاً، إلَّا في ثلاث مسائل، ففيها تنقلبُ نَفلاً: إذا تذَكَرَ فائةٌ، أو طلَعَتِ الشَّمسُ في الفجر، أو خرج وقت الظهر في الجمعة، وقد عُدَّتْ سماوِيَّةٌ، وفيه تسامح بالنَّظَرِ لنَزْعِ الخُفُّ بعمل يسير وألحقتا بها؛ نظراً للعَمَل اليَسير، على أنَّه اختُلِفَ في استخلافِ الأُمِّيِّ، فاختار صاحبُ «الهدايةِ» أَنَّه مُفسِدٌ، واختار فخرُ الإسلام، والفقيه أبو جعفر: أنه لا يُفسد اتفاقاً؛ لأنه عمل مُنافٍ للصَّلاةِ.
وزادَ الزِّيلَعِيُّ، وتبعَه الكَمالُ بنُ الهُمام، وصاحِبُ الدُّرَرِ» رحمهم الله تعالى ثلاث مسائل: وجدانُ المُصلِّي بالنَّجِسِ ما يُزيله، ودخول الوقت المكروه على
مُصلِّي القضاء، وعدم ستر الجارية رأسها بقناعها، فأُعتِقَتْ.
وقال العلامةُ الشَّيخُ زَينُ الدِّينِ في البحر الرائق: التحقيق أنَّ هذه الزيادة على المسائل لا تخرُجُ عنها، فمسألةُ التَّطهير، وعتق الأمة يرجعان إلى وجدانِ العاري ثوباً، ومسألة دخول الوقت المكروه: إلى طلوع الشمسي في الفجر.
وأقول: فيه نَظَر؛ لأنَّ الثَّوبَ الذي ثلاثة أرباعه نجسةً ورُبعه طاهر لا تصح الصَّلاة إلا به إذا لم يُوجَدْ غيره؛ لأنَّ للربع حكمَ الكُلِّ، فَلَزِمَ السَّتر به، وإذا وَجَدَ الماءَ عند السَّلامِ، كانَ البُطْلانُ؛ لعدم إزالة النَّجاسةِ حينَئِذٍ، لا لتَركِ السَّترِ؛ فَإِنَّ السَّاتَرَ كَانَ المُصلِّي مُستَتِراً به غير أنَّه سَقَطَ اعتبارُ ما به منَ النَّجس، ثمَّ لِزِمَ إزالته عنه بوجودِ الماء، فيُمنعُ رُجوعها إلى وجدانِ العاري ثوباً.
وكذا يُقالُ فِي عِنقِ الأَمَةِ؛ إِنَّ السَّتَرَ للرَّأْسِ كانَ غيرَ لازم عليها معَ وُجودِ السَّاتِرِ، فلمَّا أُعتِقَتْ - وهو معَها - لزِمَ عليها بوجودِ العِتْقِ؛ لزَوالِ الرِّقٌ لا لوُجودِ مَا كَانَ منعدِماً، وهو الساتر.
ثم أقولُ: إِنَّه يرِدُ على صاحب البحر» دخول وقت العصرِ في الجمعة لأنَّه يرجع إلى طُلوعِ الشَّمس في الفجرِ، وقد ذُكِرَ مَعدوداً، وَكَانَ على مُقتَضَى قوله يُترَكُ ذكره في أصلِ العَد.
فترجع المسائل إلى إحدى عشرَةَ، وهو خِلافُ العددِ في الرواياتِ المشهورة كما علمته، وحكم العيد كالجمعة يبطل بخروج وقتِه بَزَوالِ الشَّمسِ، فتُرَادُ على العدد، وقد زاده صاحِبُ البحر» في باب العيد، وقالَ: إنَّها تُزادُ على المسائل معَ أنَّها ترجع إلى ما رجَعَ به زيادة صاحِبِ «الدرر»، والكمال، والزيلعي، وكانت زيادته واردةً على صنيعه.
وقال شارح المجمع ابن شعبان رحمه الله: اعلَمْ أَنَّ جنس هذه المسائلِ ليسَ مُنحَصِراً في اثنتي عشرة مسألةً، بل أكثَرُ منها، ثمَّ زادَ الثَّلاثةَ التي ذكرها الزيلعيُّ، ونوّعَ دُخول الوقت المكروه على مُصلِّي القضاء بالزَّوالِ، وتغيُّرَ الشَّمس، وكذلك طُلوعها.
وفي الذَّخيرة: لو سلَّمَ الأميُّ، ثم تذكَّرَ أَنَّ عليه سُجود سهو، فعاد إليه،
فلما سجَدَ تعلَّم سورةً، فَسَدَتْ صلاته عند الإمام لا عندهما؛ لأنَّه عادَ لحُرمةِ الصَّلاةِ حين سجد، فصار كما لو تعلم قبل السَّلام بعدما قعَدَ قَدْرَ النَّشْهْدِ، فتصيرُ من الاثني عَشَريَّة، ولو سلَّمَ ثمَّ تعلَّم سورةً، ثمَّ تذكَّرَ سجدةً تلاوة، لم يُذكر هذا في الكتاب، ويجب أن يكون من الاثني عشرية على الاختلافِ، انتهى.
فلذا علمنا أنها لا تنحَصِرُ في العَدّ، فبسطنا العَدَّ، وزِدْنا من فضل الله سبحانه الذي لا يُحد بهذه الرسالة؛ لاختلافِ صُورِ المسائل، وزيادة الإتحافِ، وإنْ رَجَعَ بعضُها إلى حكم بعض باعتبار أصل واحدٍ؛ كمسائلِ المُحاذاة، والاستخلاف، والصفوف الآتية عندَ ذَوي الإنصاف. ولم أر من زاد غير تلك المسائل، وقد فتح الله تعالى الكريم الفتّاح من فضله؛ إذ منحنا إرثاً خير ميراث موروث عن الأنبياء عليهمُ السَّلامُ، فنِعمَ المُورِّتُ والمَورُوتُ والوارث، وما سواه عَرَضُ والعَرَضُ أسرع زائل كظل زوال، وهذا لا نهاية له؛ لبقائه بكل حال، فسبحان من فتح على عبده بالمزيد، فصار أكثر من تلك المسائل إتحافاً للمريد.
والجامع بينها وبين ما زدناه وجودُ الأصل المبني عليه بطلانُ الصَّلاةِ؛ فإنَّ الأصل في هذه المسائل: أنَّ فعلَ المُصلِّي الذي يُفْسِدُ الصَّلاةَ بوجوده فيها قبل الجلوس، إذا وُجِدَ بعدَ الجُلوس الأخير لا يُفسدها بإجماع أصحابنا؛ مثل الكلام، والحدث العَمْدِ، والقهقهة.
وأما ما ليس من فعلِ المُصلِّي، بل هو عارض سماوي، وإذا اعترض يكونُ مفسداً بوجوده في أثنائها، فقد اختَلَفُوا في بطلاتها به إذا وُجِدَ بعدَ القُعودِ الأخير، قالَ أبو حنيفة: بطلت، وقالا: لم تبطل.
وهذا الخلافُ مبني على افتراض الخُروج منها بالصُّنع، أو وجوبه، كما قال في كافي النسفي: بطلت الصَّلاةُ عند أبي حنيفة في هذه المسائل؛ أي: الاثني عشَريَّة، وعندَهُما تمَّتْ؛ بناءً على أنَّ الخروج منَ الصَّلاةِ بفعلِ المُصلِّي فرضٌ عندَه، فاعتراضُ هذه العوارض بعدَ التَّشهد قبل التسليم كاعتراضها في أثناء الصَّلاةِ. ولو اعترضَتْ في أثنائها تُفسِدُها، كذا هنا، وعندهما ليسَ بفَرض، فاعتراضها في هذه الحالة كاعتراضها بعد التسليم، ولو اعترضَتْ بعده لا تفسُدُ الصَّلاةُ، كذا هنا. لهما قوله عليه السَّلام: إذا قُلتَ هذا، أو فعَلْتَ هذا، فقد تمَّتْ صَلاتُكَ علَّقَ السَّمامَ بالقَعْدَة، فمَن شَرَطَ شيئاً آخر، فقد زاد على النص، وهي نسخ، فلم يجز بالرأي.
وله أنه لا يُمكنه أداء فرض آخرَ إلَّا بالخروج من هذه الصَّلاةِ، وما لا يُتَوَكَّلُ إلى الفرض إلَّا به يكونُ فَرْضاً، كالمأمور بالتَّوضُؤ يكون مأموراً بالاستقاء من البئر، وكمَن أمر عبده بصعودِ السَّطح، يكون مأموراً بنصبِ السُّلَّمِ؛ لأنَّ الشَّيءَ إِذا ثَبَتَ ثَبَتَ بلوازمه وضروراته، انتهى.
وكذا قالَ الشَّيخُ أَكمَلُ الدِّينِ في «العناية»، وله؛ أي: لأبي حنيفة رحمه اللهُ أَنَّ أَداءَ صلاة أُخرى في وقتها واجب؛ أي: فَرضٌ لا محالة، وهو لا يُمكِنُ إلَّا بالخروج من هذه، وكأن الخروج منها وسيلة إلى الفرض باقتضاء قوله تعالى: {أَقِيمُوا الصَّلوة} [الأنعام: 72]، وما لا يتوصل إلى أداءِ الفَرْضِ إلا به كانَ فَرْضاً، وهذه النُّكتةُ منقولةٌ عنِ الشيخ الإمام أبي منصور الماتريدي رحمه الله، انتهى.
وقالَ الكَمالُ ابنُ الهُمام: وما لا يُتَوَكَّلُ إلى الفرضِ إلا به يكونُ فَرْضاً، وَمَعلومٌ أن الطلب إنَّما يتعلَّق بفعل المُكلَّف بناءً على اختياره لا بلا اختياره. انتهى.
وقال الكاكِيُّ في معراج الدراية: ولأبي حنيفة أنَّ إتمامَ الصَّلاةِ فرضٌ بالإجماع، ألا ترى أنه ممنوع عن البقاء على هذه الحالة إلى وقتِ صلاةٍ أُخرى بالاتفاق، ولولا أنَّه بقي عليه شيءٌ منها، لم يمنع بعدَ قُعوده قدرَ الشَّشهدِ، وهو معنى قوله: لا يُمكنه أداء صلاةٍ أُخرى إلَّا بالخروج من هذه؛ مثل ما لو أحرم للظهر فلم يخرج منها حتى دخل وقت العصر، ولزمه أداء العصر، لا يُمكنه أداؤها إِلَّا بِالخُروج عن تحريمةِ الظهر؛ لأنَّ العصر لا يتأدَّى بتحريمةِ الظهر، فكان الخروج منها سبباً يُتوصل به إلى أداء العصر، وأداء العصر، فرض، وما لا يُتوَصل إلى الفرض إلَّا به يكون فرضاً؛ كالانتقالِ من رُكن إلى رُكن في الصَّلاةِ، وإِنْ لم يَكُنْ رُكناً في ذاتِه، كذا هنا؛ لأنَّ صلاةَ الظُّهرِ مثلاً ما لم تبقَ على الصحة لا يُمكنه أداء العصر للزومِ الترتيب عندنا، فلا يخرُجُ عن الأولى على وجه يبقى صحيحاً إلا بصُنعِ يُوجَدُ منه، فكانَ فَرْضاً، كذا نُقِلَ عن الشَّيخِ أبي منصور، انتهى.
ثمَّ قال في «الكافي»: ولأنا أجمَعْنا على بقاءِ التَّحريمة في هذه الحالة حتّى لو نوَى المُسافِرُ الإقامة في هذه الحالة يتغيَّرُ فَرضُه، كما لو نَواها في خلال الصَّلاةِ، والتَّحريمةُ لا يُراد بها ذاتُها، إنَّما أُريد بها أفعالُ الصَّلاةِ، ولم يبقَ فعل آخَرُ سِوَى الخروج، فكانَ فَرْضاً ضرورة.
ثمَّ إِنَّ صاحبَ «الكافي» بعد إثباتِهِ مُدَّعَى فرضيَّةِ الخروج بالصُّنعِ أورَدَ سُؤالاً مُتضَمَّناً إبطال ما أتى به، ثمَّ تخلَّصَ عنه، ثمَّ رجَعَ إلى إثباتِ ما صدَّرَ به من افتِراضِ الخروج بالصُّنع حيثُ قال:
فإن قيل: الخروج منَ الصَّلاةِ قد يكون بمعصية؛ كالكذب، والمعصية لا تتّصِفُ بالوجوب؟
قُلنا عن هذا قال بعضُ مشايخنا؛ يعني: الكَرْخيَّ: ليست هذه المسائل مبنية على هذا الأصل؛ يعني: الذي هو افتراضُ الخروج بالصُّنع، ولهذا ذُكِرَ في «الهداية» بصيغة «قيل».
فصاحبُ «الكافي» إنَّما أتى بهذا؛ تخلُّصاً عن الإيراد فقط، فكأنه قال: لا نقول بفرضية الخروج بالصُّنع؛ لما يلزم من أنَّه يكون بمعصية، وهي لا تتّصِفُ بالفرضيَّة، فلا تكون المسائل مبنية على ما قاله البَرْدَعِي، ولهذا ذُكِرَ في «الهداية» بصيغة «قيل» المفيدة ضَعْفَه.
وإذا كانت مفيدة لضعفه؛ لِما يلزم من اتّصافِ المعصية بالوجوب، فنقول: بل بطلان المسائل عند الإمام باعتراض هذه الأشياء؛ لأنَّ بقاءَ التَّحريمةِ يجعلُ اعتراضها في آخرها كاعتراضها في خلالها. ولما تخلّص صاحب «الكافي» عن ذلك الإيراد بهذا الوَجْهِ، وقد استدل لافتراض الخُروج بالصُّنع قبل هذا الإدراج، وكذلك استدل له في «الهداية»، لكن حكاه فيها بصيغة «قيل» التي تُوهِمُ أنَّ صاحبَ «الهداية» لم يرتض بما قاله أبو سعيد. حتَّى إِنَّ بعضَ شُرَّاحِ «الهدايةِ» فهم ذلك عن مُؤلِّفها فقالَ: إِنَّ قولَ المُصنِّفُ: وقيل» الأصل فيه إشارة إلى أنَّ مُختاره غيره، وقد ردَّ الشَّيخُ أَكمَلُ الدِّينِ فَهُم ذلك الشارح كما سنذكره؛ فإنَّ صيغة قيل» ليس كل ما دخلَتْ عليه يكون ضعيفاً.
فلهذا استدرك صاحبُ «الكافي»، ورَجَعَ إلى إثباتِ مُدَّعَى فرضيَّةِ الخروج بالصنع - كما قاله أبو سعيد البَرْدَعِي - مجيباً عن ذلك الإيراد، فقال: ولكنا نقول: الخروج واجب؛ أي: فَرضُ، وهو من حيثُ هو هو لا يتّصِفُ بالمعصية، والكذب من حيثُ إِنَّه سبب الخروج عنِ الصَّلاةِ ليس بمعصية، وهذا كما نقولُ: إِنَّ الزَّنا سبب الحرمةِ المُصاهرة من حيثُ إنَّه سبب للولد، ومن هذا الوجه غيرُ مُتَّصف بالحرمة،
وكذا سفَرُ المعصية صلح مُتعلّق الرخصة من حيثُ إِنَّه خروج مديد، ومن هذا الوجه مباحٌ، والعِصيانُ في قَطْعِ الطَّريقِ، أو التَّمَرُّدِ على مولاه، وذلك مُجاوِرٌ له. وقوله عليه السَّلامُ: تمَّت»؛ أي: قارَبَتِ التَّمام؛ لأنَّ الشَّيء يُسمَّى باسمِ ما قَرُبَ إليه، قال تعالى: {وَإِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا} [يوسف: 36]، والخمرُ لا يُعصَرُ، وقال عليه السَّلامُ: «لقُنُوا مَوتاكُم»، وقالَ: «مَن وقَفَ بعرَفَةَ فقد تمَّ حَبُّه»، وقد بقي عليه طوافُ الزيارة، وهو فرض.
وإنَّما حملناه على هذا؛ بدلالةِ النَّص والإجماع؛ لأنَّ إتمامَ الصَّلاةِ واجب؛ إذ إتمامها منها، وهي واجبةٌ، وإتمامها بإنهائها، وإنهاؤُها بتحصيل ما يُضادُّها؛ إذ الشَّيءُ إِنَّما ينتهي بما يُنافيهِ؛ كاللَّيل ينتهي بالنَّهارِ، والسَّوادِ بالبياض، انتهَتْ عبارة الكافي».
وهي موافقة لتعليل «الهدايةِ» بقوله: لهما ما روينا من حديث ابنِ مسعود، وله ـ أي: للإمام - أنَّه لا يُمكنه أداء صلاةٍ أُخرَى إِلَّا بِالخُروج من هذه، وما لا يتوصل إلى الفرض إلَّا به يكونُ فَرضاً، ومعنى قوله عليه السَّلامُ «تمت»: قارَبتِ التَّمام، انتهى.
فقد ارتضى صاحب الهداية» و «الكافي قول أبي سعيدِ البَرْدَعِيِّ: إِنَّ الخروج منها بالصُّنعِ فَرضٌ عند أبي حنيفة رحمه الله، وعليه عامة المشايخ، كما قاله الشَّيخُ أكمل الدِّينِ. ورَدَّ الشَّيخُ أَكمَلُ الدِّينِ ما ظُنَّ أنَّ المُختارَ عند صاحب الهداية» قولُ الكَرْخِي: إنَّ الأصل وجودُ المُغيّر؛ حيثُ قال الأكمل: وكذلك ما أشرنا إليه في مطلع البحث من قول بعض الشارحين: إِنَّ قولَ المُصنِّفِ رحمه الله: وقيل؛ الأصل فيه إشارة
إلى أنَّ مُختاره غيره، مردودٌ؛ لأنَّ ترك ذكرِ المُختارِ وذكر غيره والاحتجاج عليه غيرُ منوقع من مثله، انتهى.
فصاحبُ «الهداية» موافقٌ للعامة، وكذلك صاحب «مجمعِ البَحْرَينِ» حيثُ قال: والأصل - أي: عند أبي حنيفة - افتراضُ الخُروج مِنَ الصَّلاةِ بفعل المُصلِّي، وقيل: استواء أولها وآخرها في وُجودِ المُغيَّر، انتهى. فقوله: وقيل ... » إلى آخره؛ مُبيِّن أنه لم يرتَضِه، وأَنَّ مُعتمده الأصل الأول، وشرح الماتنُ الأصل الأوَّلَ في شرحه بقوله: هذه المسائل تبتَني عند الشيخ أبي سعيد البَرْدَعِي على أصلنا، وهو أنَّ الخروج منَ الصَّلاةِ بفعل المصلي فرض عند أبي حنيفة، فاعتراض هذه العوارض قبل السلام كاعتراضها في أثناء الصَّلاةِ، فتبطل. وأكثر المشايخ قد اختارُوا قول أبي سعيد، وقد قال شمس الأئمة: الصحيحُ ما قاله أبو الحسنِ الكَرْخي، وقال صاحبُ التَّأسيس»: وما ذكره أبو الحسَنِ عليه عند أحسَنُ؛ لأنَّ الأَوَّلَ - يعني ما قاله أبو سعيد البَرْدَعِيُّ - ليس بمنصوص أبي حنيفة، انتهى.
وقد يُقال: كونه ليس بمنصوص عند أبي حنيفةَ لا يمنعُ أرجحية وجهه؛ لأنَّه مستند فيه لدلالةِ النَّص والإجماع، وكفى به وَجْهاً لأرجحيَّتِه، ويتمسك بأنَّ ما قاله الكَرخي ليسَ بمنصوص عن أبي حنيفة أيضاً، فتساويا في عدم النَّصّ، وإذا لم يكُنْ عن الإمام نص على ما قاله البَرْدَعِيُّ، ولا على ما قاله الكَرْخِيُّ، يُرجَعُ للمُرَبِّحِ. وقد رَوَينا اتَّفاقَ أَئِمَّةِ المذهَبِ على بطلانِ الصَّلاةِ بِطُروءٍ شَيءٍ قُبَيلَ السَّلامِ من تلك العوارض عندَ الإمام، واختَلَفُوا هل بطَلَتْ بتركِ ما هو فرض، أو باستواء أولها وآخرها في وُجودِ المُغيِّرِ؟
والقائل بأنَّ المُبطِلَ تركُ فَرض وهو الخروج بالصُّنع لا يمنعه وجودُ المُغيِّرِ قبله، فيكون البطلانُ بالأمرين جميعاً، وامتنعَ الخُروجُ بالصُّنعِ لطروء المانع من بقاء حُرمةِ الصَّلاةِ، فلهذا لم يرتَضِ صاحبُ «مجمع البحرينِ» الأصلَ الثَّاني، فحكاه بصيغة «قيل».
ولكنَّ شارِحَه ابن الملكِ أخرجَ المتنَ عن موضُوعِه؛ لأن الأصل الذي هو افتراض الخروج بفعلِ المُصلِّي جزَمَ به الماتِنُ، ثمَّ ذكرَ الأصل الآخر بصيغة «قيل»، فلم يرتضه مُوافِقاً للعامة.
وأمَّا ابنُ الملكِ فبعدَ شرحه للأوَّلِ قالَ: ولضَعْفِ هذا يعني: الأصل الذي قاله أبو سعيد البَرْدَعِيُّ - أوردَ المُصنِّفُ أصلاً آخرَ، ذكره أبو الحسَنِ الكَرْخِيُّ، واختاره المُحققون بقوله: وقيل: بل استواء أوَّلِها وآخرِها في وُجودِ المُغيّرِ، انتَهَى.
فلم يحسنْ قَولُ ابنِ المَلَكِ: «ولضعف هذا أورَدَ المُصنِّفُ أصلاً آخرَ معَ جزمٍ المُصنفِ الماتنِ بالأَوَّلِ، وإتيانه بصيغة التّمريض في الثَّاني.
وقال في «البرهانِ»: وقولُ الكَرْخِيٌّ باستِواءِ أَوَّلِ الصَّلاةِ وآخرِها في وُجودِ المُغيَّرِ مردود أيضاً؛ إذ تعمُّدُ المُغيّر في آخِرِها ليس كهو قبله، فلا يصح إلحاقه به، على أنَّه معقول في مقابلة منقول، وهو غير مقبول، انتهى.
وعُمدَةُ الدَّليل لهما حديث ابن مسعود، وقد تطرق إليه الاحتمال فسقَطَ به الاستدلال.
وأقول أيضاً: يحتمل أن يكونَ وُجود حديثِ ابنِ مَسعودٍ رضيَ الله عنه قبل الأمرِ بالسَّلامِ مِنَ الصَّلاةِ؛ لأنَّه لا يَتَّجِهُ التَّحْيِيرُ بينَ فعلِ واجب وتركه، وقد خيّره النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم في حديثه بقوله: «إِنْ شِئْتَ أن تقومَ فَقُمْ».
ووجه الاحتمالِ ما رَواهُ في البُرهان» عن عطاء: كانَ رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قعد في آخر صلاته قدرَ التّشهد أقبل على النَّاسِ بوجهه، وذلك قبل أن ينزِلَ التسليمُ، انتهى.
فيتّجه أن يكون تخييرُ ابنِ مسعودٍ في ذلك الوقت، وعلى تسليمِ كَونِه بعدَه يُؤَوَّلُ التّمامُ بأَنَّه لقُربه منه أُطلق عليه كما تقدَّمَ.
وأما الاستدلالُ الثَّاني لهما؛ بأنَّ الخُروج منَ الصَّلاةِ يُضادُّ الصَّلاةَ، فلا يكونُ من جملتها: فممنوع؛ لقول العلامة صاحبِ الدُّرَرِ»: إِنَّه إِنَّما يُفيدُ عدمَ الرُّكْنَيَّةِ، وهو لا يُنافي الفَرضِيَّةَ؛ لجواز أن يكونَ كالتَّحريمة - يعني: فَرْضاً - كما يُشعِرُ به استدلال الإمامِ بقوله: إِنَّ للصَّلاةِ تحريماً وتحليلاً، انتهى.
فقد تبيَّنَ قُوَّةُ قَولِ الإمامِ والدَّليلِ له على افتراض الخروج منها بالصُّنعِ كما قاله أبو سعيد البَرْدَعِيُّ، فيمتنعُ قَولُ الكَرْخي: إنَّه لا خلاف بينهم في أنَّ الخروج منها بصُنعِه ليسَ فَرْضاً، أيكون غير فرض ويقولُ بافتِراضِه صاحب «الهداية»، ويتبَعُه الشُّرَّاحُ وعامَّةُ المشايخ وأكثرُ المُحققين، والإمام النسفي في «الوافي» و «الكافي» و «الكنز» وشروحه؟ هذا بعيد جداً.
فإِنْ قُلتَ: إِنَّ صاحبَ البُرهانِ» قال في الاثني عشَريَّة: إِنَّ قولَهما بأنَّها صحيحةٌ هو الأظهر؟
قلتُ: لا وجه لظهوره فَضْلاً عن كونه الأظهرَ؛ لأنَّه استدل على ذلك بما ليسَ فيه دلالة عليه؛ فإنَّه قال: ولو رأى المُتيمِّمُ الماء ... إلى أنْ قالَ: فصلاته باطلة عندَ أبي حنيفة، وقالا: صحيحةٌ، وهو الأظهَرُ؛ لإطلاق ما رويناه، أو لدلالتِه؛ لأنَّها إذا لم تفسد مع تعمده فأَوْلى أَنْ لا تَفسُدَ عندَ عَدَمِه، انتَهَى.
وذلك لأنَّ الإمامَ فَرَّقَ بينَ تعمُّدِ المُنافي وطُروئِه [بدونِ فعل؛ كَسَبْقِ حَدَثٍ، وطلوع شمس؛ فإنَّه بالتَّعمُّدِ حصَلَ الصُّنعُ، وإِنْ جاوَره المنهي كما علمته من كلام «الكافي».
وأما إذا سبقه الحدَثُ، فهو باق في حُرمةِ الصَّلاةِ، وأما قوله: «لإطلاق ما روينا»، فالمروي قوله: «إذا قَضَى الإمامُ الصَّلاةَ وقعَدَ فَأَحدَثَ قبل أن يتكَلَّمَ تمَّتْ صلاتُه و [صَلاةُ مَن كانَ خلفَه ممَّن أتمَّ الصَّلاةَ»، وكانَ إِذا فَرَغَ مِنَ التَّشْهدِ أَقبلَ علَينا بوجهه وقالَ: «مَن أحدَثَ حدثاً بعد ما فرَغَ مِنَ التَّشهد فقد تمَّتْ صلاته»، وكان ذلك قبل أن ينزلَ التَّسليم، انتَهَى شرحه.
وليس فيه ما يدفَعُ افتراضَ الخُروج بالصُّنع، بل يُثبِتُه؛ لقوله: «فأحدَثَ»، بإسنادِ الصُّنعِ إلى المُصلِّي، وهو حقيقةٌ فيه، وليس كسبق الحدث؛ لأنَّه ليس قاطعاً، فافترقا.
فأما قوله: «أو دلالته؛ لأنَّها إذا لم تفسد مع تعمده، فأولى أنْ لا تفسُدَ عندَ عدمِه: غَفلةٌ عن الفَرْقِ بينَ العملِ المُستَلِزِم صُنعاً مُحصّلاً للفَرْضِ، وبينَ سَبْقِ حَدَثٍ ليس قاطعاً ولا مُحصّلاً للصُّنع، فلا تصح به الصَّلاةُ، ولا يخرُجُ منها به. على أنَّ صاحبَ البُرهان» في هذه المقولة نصَّ على أنَّ قولَ الكَرْحَيَّ باستواءِ أَوَّلِ الصَّلاةِ وآخرها في وُجودِ المُغيّرِ مردودٌ؛ لأنَّ المُصلَّي إذا تعمَّدَ الحدَثَ في أثنائها بطلتْ، وفي آخرها صحت، فليتنبه له.
وحاصل هذا أنَّ صاحبَ البُرهانِ» ادَّعَى أظهريَّةَ صِحَّةِ الاثني عشَريَّة بطُروءِ سماوي عندهما؛ كرُؤيةِ المُتيمِّمِ ماء ... إلخ، ولم يأتِ له بدليل يُثبِتُ الصَّحَّةَ فيها فَضْلاً عن الأظهَرِيَّةِ؛ لأنَّ هذا الدليل الذي استدلَّ به لهما هو دليل الإمامِ على افتراض الإمام الخروج بالصنع كما بيناه.
وقد حصل بمفاد هذا الحديث، فإذا لم يُوجَدْ صُنعُ بطَلَتْ بِطُروءِ سَماوِيٌّ؛ لما بيناه من دلالةِ النَّصَّ والإجماع، ومنَ المُقرَّرِ طَلَبُ الاحتياط في صحةِ العبادات، لتبرَأَ ذِمَّةُ المُكلَّف بها، وليس الاحتياط إلا بقول الإمام الأعظَمِ: إنَّها تبطل في الاثني عشَرِيَّة. وعلى منوالها هذه المسائل التي زِدْناها من كتُبِ أَئِمَّتِنا، ووَجَدْنا الحكم فيها مثلها، فألحقناها بها، وهي: كما لو حاضَتْ أو ولَدَتْ أو حاذَتْ رَجُلاً بزوال الحائل بينهما بلا صُنعِهما؛
بأن أخذه الرّيحُ، أو الماء، أو شخص، أو حاذَتْه خُنثَى، أو حاذَى الخُنْثَى مثله، ولم تتأخر المرأة ولا الخُنثَى بإشارة من حاذَتْه؛ لتركها فَرضَ المقامِ، فتفسد صلاتها دونَ من حادثه؛ لأنَّه أَخَّرَ بالإشارة، كما ذكره الكمال بـ «فتح القدير».
وإن لم يُشر، لا بطلانَ أصلاً على ما قالَ الشَّيخُ أَكمَلُ الدِّينِ في «العناية».
اعتُرِضَ بأنَّ المرأة لو حاذَتْ رجُلاً في هذه الحالة؛ يعني: بعد القُعود الأخيرِ قَدْرَ التشهد تمَّتْ صلاته بالاتفاق، ولا صُنع منه، وأجيبَ بأَنَّ المُحاذَاةَ مُفاعلَةٌ لا تتحقَّقُ إلا من فاعلين، فكان منه صُنع أدناه اللُّبَثُ في مكانه، انتَهَى.
يعني: المُكثَ بدُونِ إشارةٍ منه لتتأخَّرَ؛ لتكونَ المُحاذاة منه موجودةً بقدرِ رُكن؛ لكَونِ دَوامِ هذه الحالة كإنشائها، فكأنَّه ابتدأ صُنعاً منه، وفُقِدَ تأخيرها المُستلزم بطلان صلاتها بتركها فرضَ المقامِ حينَئِذٍ، فصحتْ صلاتها كصلاته، ولا بُدَّ من هذا الحمل لهذا المحل.
أو جُنَّ، أو أغمي عليه، أو ماتَ لِما قال قاضي خان رحمه الله: لو مات أو أغمي عليه إغماء طويلاً، أو جُنَّ جُنوناً مُطبقاً، أو حاضَتِ المرأةُ، أو صارَتْ نُفَساءَ في آخر الوقت، يسقُطُ كلُّ الصَّلاةِ، انتَهَى.
فكذا الحكم بعروض هذه الأشياء في آخرِ الصَّلاةِ؛ إذ بعروضها فيها صَيَّرتها عدماً لفَسادِها بوجودِ العارِض كما ذكرناه.
وتظهر ثمرةُ الخِلافِ فيما لو مات عندَ السَّلامِ، وقد أوصى بفدية الصَّلاةِ، يلزمُ الإخراج عنه لهذه الصَّلاةِ التي مات فيها قبلَ خُروجه منها بصنعه من ثلث ماله عندَ الإمام، لا عندَهُما إذا كانت قضاءً عمَّا لِزِمَه قبل هذا الوقت.
أو تقدّمت عليه امرأةٌ، وكان خلفها بحذائها، أو خُنَثَى، أو تقدَّمَ عليه امرأتان وكانَ مع آخر خَلْفَ المرأتين أو الخُنثيين، أو تقدَّمَ على الرِّجالِ ثلاثُ نِسوة، أو خَنَائي، أو تقدم الجنائي على مِثلِهِم مُقتَدينَ، أو أنزَلَ بنظرٍ أو فكر أو احتلام، أو شُجَّ بضَرْبٍ، أو عض زنبور، أو وقوع ثمرة من شجرة، أو حجَرٍ من سطح، أو أصابَ ثوبه جراحته فقشرتها من غير قصد، فسال دمه أو صديده؛ لأنَّ حركته التي تحرَّكَ بها ثوبه دونَ نزعه خُفَّه بعمل يسير أم ر أو مثله أو مكتَ قدر أداءِ رُكن بعد سبق الحدث نائماً؛ كما إذا نام فرعف فاستمر قدره، أو قهقه نائماً، أو كشَفَتْ عَورَتَهَا لِلتَّطْهِيرِ بِعَمَلٍ يسيرٍ لسَبْقِ حَدَثٍ مُطلقاً، وفي قاضي خان»: إن اضطرتْ لا تفسُدُ، أو كشَفَ الرَّجلُ عَورَتَه للتطهير لسبق حدث، أو استخلَفَ إمامُهُنَّ امرأة، أو إمامُ الرِّجالِ والنِّساءِ؛ لاستخلافه من لا يصلح خليفةٌ، فتفسد صلاته، وبفَسادِها تفسد صلاةُ القَومِ.
وقال زُفَرُ: صلاةُ النِّساءِ صحيحةٌ؛ لأنها تصلح لإمامتهنَّ، كذا في «الكافي». أو استخلَفَ الإمامُ مُحدثاً، أو جُنُباً، أو صبيًّا، أو متنقلاً، أو مجنوناً، أو كافراً، إلا أنه قد يُصلّي ويتشَهدُ وهو كافر؛ كرافضي يسُبُّ الشَّيخَين، أو يُنكِرُ البعث ونحوه، أو معذوراً، أو الثغ، أو فَأَفاءَ، أو تمتاماً، ثمَّ خرج الإمامُ من المسجد، بطلت صلاتهم وصلاة الإمام، وإن لم يستخلف بطلت صلاتهم دون الإمامِ، وكذا لو تجاوَزَ الصُّفوفَ في الصحراء.
أو ارتضَعَ صبيٌّ مِن ثَدْيِ أُمِّه بغيرِ صُنعها فنزلَ اللَّبَنُ، أو مصَّ مَرَّاتٍ ثلاثاً ولم ينزل اللبنُ، أو مسها زَوجها أو سيدها بشهوة، أو قبلها زوجها أو سيدها ولو بغير شهوة على ما في «قاضي خان»، وغيرُه شَرَطَ الشَّهوةَ في القُبلة.
أو أولَجَ بين فخذي زوجته أو أمته، ولم ترَ بلَلاً، أو نظَرَ إلى الفرج الدَّاخِلِ منَ المُطلَّقَةِ رَجعيّاً على ما قيل لثبوتِ الرَّجعة. وفي «الخلاصة»: المُختارُ عدم الفساد به.
أو أُلقِيَتْ عليه نجاسةٌ كثيرة، أو صبي لا يستمسكُ مُتَنَجِّساً، أو حُوِّلَ عن القبلة.
بحَملِه، أو وُضِعَ على دابَّةٍ، وإنْ لم يُحوَّلُ عن القبلة، أو حال بينه وبين الإمام سيل بقدرِ نهرٍ يمر فيه الزَّورَقُ، أو انفصَلَتْ سفينته عن سفينة الإمامِ وزالَ اقترانُهما، أو ذهبَتْ به سفينته وبقي إمامه على الشَّطِّ، أو قَلْبُه، أو ألقَتْهُ الدَّابَّةُ من وراء إمامِهِ الرَّاكِبِ معه، أو قَلْبُه، فذهَبَتْ بالآخَرِ أو لم تذهَبْ، أو علِمَ بخَطَئِهِ أو خَطأ إمامِهِ القِبلَةَ مُتحرِّياً، وتركَ التَّحوُّلَ إليها، أو تحول رأيه لجهة الإمام ولم يتحوّل إليها، أو تحول رأيه إلى الجهة الأولى على خلاف في هذه.
أو علِمَ إصابته القبلة وقد شرَعَ بدون تحرّ، أو كانَ لاحقاً فتبدَّلَ اجتهاده إلى غيرِ مُجتهَدِ إمامه بعد فراغ الإمام، أو قدرَ على استقبال القبلة بزوالِ عَجزه عن التَّوحِهِ إليها بمَرَضِ، أو خَوفِ عَرَقٍ، أو ذهاب عدو، أو غريمٍ مُفلس، أو وُقوفِ قافلةٍ، وهو على الداية.
أو وصل إلى مكان يقدرُ على النُّزولِ به؛ لزَوالِ مطر، أو وحل، أو استَدارَتْ به السفينة فلم يتحوّل إلى القبلة، أو وَجَدَ مَن يُركِبه أو يُمسِكُ دابَّتَه الجَمُوحَ، أو رفَعَ رأسَه إلى السَّماءِ فَدخَلَ حلقه مطر، أو ثلج، أو بَرَد.
أو ابتلع ما يزيد على حمصةٍ بين أسنانه بعمل يسير، أو كانَ مُدمِنَ خمرٍ فَعَرِقَ وسال عرقه؛ لنجاسةِ عرَقِه، أو سكرَ بخَمرٍ أو نبيذ أو بَنْجِ تقدَّمَ شُربُه، أو شَكٍّ أَنَّه كَم صلَّى أَوَّلَ مَرَّةٍ ولم يكُنِ الشَّكُ عادةً له.
وهذه البطلان فيها مُتَّفَقٌ عليه، فالمُشابهةُ بعُروضِ الشَّلِّ حالةَ الجلوس التّشهد، وذكرتُها معَ المسائل؛ لتحريرها كما ستعلَمُه، وهذا إذا كانَ الشَّكُ قبل سلامه، وأمَّا بعده، فلا يضُرُّه الشَّكُ.
ورُوِيَ عن محمَّدٍ أَنَّه إِذا شكَ بعدَ القُعودِ قَدْرَ التَّشْهدِ لا شيء عليه، ذكره قاضي خان رحمه الله.
وفي «الخلاصة»: إذا شكٍّ في الصَّلاةِ أَنَّه صلَّى ثلاثاً أو أربعاً، يستقبلُ، أما إذا شك بعد السّلام، أو قبلَ السَّلامِ لكن بعدما فرَغَ مِنَ التَشهُدِ، يُحكَمُ بالجواز، ولا يُعتبرُ هذا الشَّتُ؛ كالمُتوضّى إذا شكٍّ في مسح الرّأسِ بعدَما فَرَغَ مِنَ الوُضوءِ، لا يُعتبرُ الشَّكُ؛ لِما مرَّ في الطَّهاراتِ، كذا هذا، انتَهَى.
وعبارة «الخلاصة» في الطَّهارة: ومَن شكٍّ في بعض وضوئه، وهو أَوَّلُ ما شكّ غسَلَ الموضع الذي شكٍّ فيه، هذا إذا لم يصرِ الشَّكُ عادةً له، فإن وقع ذلك كثيراً لم يلتفت إليه، هذا إذا كانَ الشَّكُ في خلال الوضوء، فإن كان بعد الفراغ من الوضوء لم يَلْتَفِتْ إلى ذلك الشَّلِّ، انتهى.
وأقولُ: تَشبيهه شكٍّ المُصلِّي بالمُتوضّي في خلال الفعل قبل التّمام صحيح، أما تشبيهه سُقوط اعتبارِ شكٍّ المُصلِّي قبل التّمامِ بعدَ قُعودِهِ قدرَ التَّشهدِ بِشَكٍّ مَن فَرَغَ منَ الوضوء؛ فليس صحيحاً؛ لأنَّ مَن لم يُسلَّمْ بقي عليه بعضُ الصَّلاةِ قَطْعاً، فَصَدَقَ عليه لفظ الحديث؛ لكونه فيها، فلزمه الاستقبالُ بالشَّكِّ، وهو في حُرمتِها.
وأمَّا المُتَوضّى بعد غسلِ الرّجلين إنَّما حصلَ إتمام الوضوء ظَاهِراً، ولا مُعارِضَ له غير مجرَّدِ الشَّكُ، وهو بعدَ التّمامِ لا يُعتبرُ، فليس للمُتوفِّي شَكٍّ مُعتبر سوى الشَّكِّ مع بقاء بعض أعضائه حقيقةً بدونِ غسل.
وليس له مماثلةٌ بمَن جَلَسَ قَدْرَ التَّشهدِ وشكّ في شيء عليه قبلَه حَتَّى يُتصوَّرَ نه شكّانِ غَيْرُ مُعتبرين، فافترقَ الحالُ بين شكٍّ المُتوضّي الذي أتمَّ الوُضوءَ وبينَ مَن جلَسَ قَدرَ التَّشهدِ وشك قبل سلامه.
وظهر ضَعفُ القَولِ بعدَمِ اعتبارِ شكٍّ مَن جَلَسَ قدرَ التَّشهد؛ لقول قاضي خان ولو شك بعدَ السَّلامِ أنه صلى ثلاثاً أم أربعاً، يُحكم بالجواز بناءً على الظَّاهر، ولو شك بعدما فرَغَ مِنَ التَّشهد، رُوِيَ عن محمَّد أَنَّه يُتِمُّ صلاته أيضاً، ولا شيء عليه، انتَهَى.
قلتُ: وذلك؛ لأنَّ هذه الرّواية نصَّ محمَّدٌ على خلافها، ولما قال في «الفتاوى» الكبرى: إذا شك بعد الفراغ منَ الصَّلاةِ أَنَّه صلَّى ثلاثاً أو أربعاً، لا شيء عليه، ويُجعَلُ كأَنَّه صلَّى أربعاً؛ حَمْلاً لأمره على الصَّلاحِ، وإِنْ كانَ قبل الفراغ بعدَ التَّحري، يأخذ بالمتيقن.
وجملته في أبوابِ الصَّلاةِ من شرح الزيادات» لا في الرواية، ورواية هذه المسألة في المُنتَقَى»، وصورتها: إذا فرغ القومُ من صلاتهم، فشكُوا في الإتمامِ، قال محمد رحمه الله تعالى: إذا كانَ بعد الفراغ، لم يلتفتوا إليه، انتهى.
فهذا نص محمَّدٍ مُفيدٌ بمفهومه أنَّ الشَّكَ الحاصل قبلَ السَّلامِ ولو بعدَ التَّشهدِ يكون مبطلاً، ومفيدٌ ضَعف الرواية التي ذُكِرَتْ في قاضي خان»، وصيغه نقل قاضي خان مُفيدٌ ضَعفَها؛ لقوله: رُوِيَ عن محمَّدٍ أَنَّه يُتم صلاته.
ومفيد أيضاً أن ما في الخلاصة» مبني عليها، فيكون مدفوعاً بهذا؛ لأنَّ هذا مقتضى نص الحديث، فلا يكون شك من جلَسَ وتشهد كالشَّكُ الحاصل ممَّن خَرَجَ عنها بالسلام، ولأنَّه لو سلَّمْنا مُماثلته له، لا يصح إلا إذا علم أنَّ هذا التَّشْهدَ الذي شك وهو فيه هو النَّشْهدُ الأخيرُ قَطعاً؛ لينتفي به الشَّتُ فيما قبله، فيُمائِلُ حالَ مَن خرج بالسَّلامِ بجامع انتهاء الأركان فيهما، وليس كذلك؛ لأنَّ هذا شاكٌ فِي أَنَّ جُلوسه هذا هل هو الأخير، أو الأوّل، أو هو جلوس في غير محل جُلوس؟ لفَرْضِ المسألة في «الخلاصة» بكونه شكٍّ أنه صلى ثلاثاً أو أربعاً، فكيف لا يُعتبرُ شَكُه مُبطِلاً وهو لم يُتِمَّ الرَّكعاتِ؟ فَضْلاً عن الأركان حقيقةً قطعاً.
فلَزِمَ اعتبار شكّه مُبطِلاً؛ لشمول نص الحديثِ إِيَّاه، وظهر إفادة «قاضي خان» بالإشارة شُمول لزوم الإعادةِ بالشَّكِّ على مَن جلَسَ قَدْرَ التَّشهدِ وظَنَّ كالذي لم يجلس، وأنَّه لا يكونُ الشَّكُ ساقطاً لا يُلْزِمُ شيئاً إِلَّا إِذا حَصَلَ بَعدَ السَّلامَ لَمَن لا عادةً له به، كما نص عليه محمَّدٌ في «المُنتَقَى».
وظهر عدم إمعان نظرِ الحَبْرِ صاحب البحر» في كلامِ «الخُلاصة» لهذا النَّص الذي قاله محمَّدٌ رحمه الله، ولإفادة قاضي خان، وإفادة ما نقله صاحب «البحر» عن المحيط ذلك.
فتحرَّر لنا لزومُ الإعادةِ بالشَّكِّ قبلَ السَّلامِ؛ لنص محمد ضابط مذهب الإمامِ تغمَّدَه الله بالرَّحمةِ والرَّضوانِ بجاهِ سيّدنا محمَّدٍ عليه أفضَلُ الصَّلاةِ والسَّلام. الحمد لله ذي الجلال والإكرام، المان بالإيقاظ لهذا التحرير، على عبده الحقير، نسأله العفو عن التقصير، وخير ما نُؤمِّلُ في المصير.
ومما يزادُ: دخول وقتِ الظُّهرِ في صلاة عيد الفطر أو الأضحى، كما تقدَّمَ عن الحبر صاحب البحر رحمه الله، وجزاه عنا خيراً، ودخول الوقت المكروه على مُصلَّي القضاء بالطُّلوعِ، أو الاستواء، أو الغُروبِ، وتذكُرُ الأُمِّي سجود سهو، أو تلاوة بعد السلام كما تقدم.
ففي هذه المسائل وما هو مثلها يجري الخلاف بينَ الإمامِ الأعظَمِ وصاحبيه رحمهم الله تعالى بناءً على الأصلِ الذي ذُكِرَ في الاثني عشريَّة، فتبطل بحصولِ شيءٍ ممَّا ذكَرْناهُ قُبَيلَ السَّلامِ عندَ الإمامِ، لا عند صاحبَيه الكرام، رحمهم الله وتغَمَّدَهم بالرحمة والرضوانِ إلى يومِ المُقامِ.
وقد علمتَ أنَّ عامَّةَ العُلماءِ المُحقَّقين الأعلام قائلون بما ذكره أبو سعيد البَرْدَعِيُّ منَ التَّأصيل لقول الإمام: إنَّه يفترضُ الخروجُ مِنَ الصَّلاةِ بالصُّنعِ كما أفادَه مُقْتَدَى أهل السُّنَّةِ والجماعة أبو منصور الماتريدي.
وبه يُرَدُّ على مَن نسَبَ إليه الغلط، فالفائز من صانَ اللّسانَ عن اللَّغطِ، وقد أتى أبو سعيد باب التحقيق والاحتياط بيقين الذي عليه مدار أمر العبادة والدين، وبه التّمسك بالعروة الوثقى والحبل المتين.
وقد شدَّ أزره عامَّةُ العلماء بالوجهِ المُبينِ؛ كصاحب «الهداية»، و «العناية» الشيخ الإمام أكمل الدِّينِ، والإمامِ حافظ الحقِّ والملةِ والدِّينِ في «الكافي» و «الوافي» و «الكنز»، وإمام أهلِ السُّنَّةِ والجماعةِ أبي منصور الماتريدي، فبهذا سَعِدَ أبو سَعيد ونُصِر واعتز.
* تنبيه مهم يُعتَنَى به؛ لرَدَّ ما يُتوَهَّمُ أَنَّه وارد على ما زِدْنَاه، بل وعلى الأصلِ المزيد:
قال خاتمةُ المُحققين شيخ مشايخنا العلامة نور الدين علي المقدسي رحمهم الله في شرحه نظم الكنز»: قوله: «لو جُنَّ، أو احتلم، أو أُغمي عليه، أو استقبل، قيلَ: إنَّما تُبطِلُ هذه الأحداث لو وُجِدَت قبلَ قُعودِه قَدْرَ التَّشهد، لا بعده، فلو كان إماماً فأغمي عليه بعده، فصلاتُه ومَنْ خلفَه تامَّةٌ، إلا أنَّه لو حاول صلاة أخرى، يتوضاً.
وفيه إشكال مشهور، وهو أنَّ الخروج بصنعه فرضٌ عنده ـ يعني: الإمام فكيف تتم صلاته؟
وأُجيب كما في «النهاية» وغيرها: بأنَّه لما صارَ مُحدِثاً بالإغماء تحقَّقَ. ضَرْبُ اضطراب، وذلك صُنع منه، وإن لم يوجد اضطراب فقد مَكَثَ بعد الحدَثِ، وهذا قاطع للصَّلاةِ؛ لأنَّه صارَ مُؤدِّياً جُزْءاً من الصَّلاةِ بالحدَثِ، وهو صنع منه ورُدَّ بأَنَّ الخروج بصنعه أن يعمَلَ عَمَلاً يُنافي الصَّلاةَ عَمْداً تحقيقاً للخروج منها، والاضطراب في هذه الحالة ليس بهذه المثابة؛ إذ لا عمد للمُغمى عليه ولا المجنونِ والنَّائِمِ، ولو صَحَّ من مجنون، ومغمى عليه، ونائم أداء فرض لكانوا من أهل التكليف، وهو خلافُ الإجماع؛ إذ الخطاب موضوع عنهما، نعم؛ الأمر في النوم سهل، انتهى.
فليغتنم هذا التَّحريرُ من هذا النحرير، رحمه الله العليم القدير.
هذا؛ وإنِّي بالتقصيرِ لَمعترِفُ، غير أنّي من إفادةِ الفُضَلاءِ المُحققين وورودي عَذْبَ مَناهِلِهِم أَسْتَمِدُّ وأغترِفُ، وأسألُ عُمدة ذوي السياداتِ السَّتر على ما يراه، وأن يُفيد الزيادة، وتقييد ما أطلقناه، فالخيرُ عادة.
سُبحانَك لا علم لنا إلا ما علَّمْتَنا إِنَّكَ أنتَ العليم الحكيم، قال تعالى: {وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ} [يوسف: 76]، ولا حول ولا قُوَّةَ إلا بالله العلي العظيمِ.
ومما يُشابه تلك المسائل: ما لو نوى إمامُ المُسافرين الإقامة فلم يتبَعُوه في الإتمام.
وكذا لو تبدل اعتقاد شقيٌّ عندَ السَّلامِ بمُخالفته الإسلام، فإِنْ لا طَفَتْه عنايةٌ ورجَعَ إِلى الدِّينِ، لزِمَه إعادتها؛ لبقاء سببها - وهو الوقت؛ كالحج، وليست هذه محل خلافٍ في البطلان؛ لأنَّ الرَّدَّةَ ـ والعياذ بالله تعالى منها ـ مُحيطةٌ لجميعِ القُرَبِ بالاتفاق.
ومنَ المُبطل للصَّلاةِ ما لو أمَّ مُسافرٌ مُقيمينَ، وأتم بهم رُباعيَّةٌ بطَلَتْ صلاتهم، وهذه لها مُشابهةٌ من حيثُ وجودُ القُعودِ، وطُروءُ المُفسد بعده لصلاةِ المُقتَدينَ؛ لمتابعتهم الإمام؛ لكونه مُتَنفّلاً بالأُخريين، وهم مُفتَرِضُون، وهذه قد كانت حادثة حال بالمدينةِ المُنوَّرةِ على مُشرِّفها أفضلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ في أواخر شهرِ سنة ثمان وخمسين وألفٍ. وهو أنه تقدَّمَ مُسافرٌ، فصلّى في الروضةِ الشَّريفةِ بالسَّادة الحنفيَّةِ العِشاء، وكُنتُ مُقتَدِياً به مُتنَفّلاً بسُنَّةِ العشاء مع صاحب لي كذلك، لطف الله به وسلَكَ بنا وبه أحسَنَ المسالك، فلما أصبحَ الصَّباحُ جاءَ بعضُ أهل المدينةِ المُنوَّرةِ يسألون عن حكم صلاةِ المُقيمينَ، خلفَه، فعَلِمُوا بطلانها، وهذه لم تُسَطَّرْ في كتاب علمتُه؛ إتماماً لقول أصحاب المُتونِ: يصح اقتداءُ المُقيم بالمُسافِرِ في الوقتِ وبعده»، إِلَّا ما نَدَرَ؛ كشَرحِ القُدورِيِّ المُسمَّى مجمع الرّواياتِ، وفي «شرح الهداية» لابن الهمام في باب الحدَثِ في الصَّلاةِ.
وتصريح الشُّرَّاحِ بأن يُسلَّمَ المُسافِرُ على رأسِ الرَّكَعَتَينِ ثُمَّ يُتِمُّ المُقيمونَ منفردين، وقال الكرخي يجب عليهم القراءة، والفتوى على أنَّها لا تجب، كذا في الفيض» للبرهان الكركي.
وأقولُ: بل تحرُمُ على ما قال في كافي النسفي»: ثم قيل: يقرأُ المُقيم في هاتين الركعتين؛ لأنه كالمسبوق، وهو يقرأُ، والأصح أنَّه لا يقرأ؛ لأنه لاحق أدركَ أَوَّلَ الصَّلاةِ، وقد تم فرضُ القراءة، فيتركها احتياطاً.
وهذا لأنه لما كانَ لاحقاً كانَ في الحُكْمِ كأنَّه خلف الإمام، فكانَ مُقتَدياً من هذا الوجه، وهو منفرد حقيقةً، فتحرُمُ عليه القراءة؛ نظراً إلى أنَّه مُقتَدِ، وتُستَحَبُّ القراءة؛ نظراً إلى أنَّه منفرد؛ إذ فرضُ القراءةِ صارَ مُؤدَّى في الشَّفْعِ الأَوَّلِ، فدارَتْ قراءته بينَ الحزمة والندب، فالاحتياط في التَّركِ؛ لأنَّ الحرام واجب الامتناع، والمندوب جائز التَّرْكِ، فلو كانَ حَراماً يأثم بالفعل، ولو كان مندوباً لا يأثمُ بالتَّركِ، بخلاف المسبوق؛ فإنَّه أدرك قراءة نافلة، فكانت قراءته فيما يقضي فرضاً، فيجب عليه الإتيان بها. وقال في «الهداية»: فكانَ الإتيان أولى، وهو مُشكل؛ إذ الإتيان واجب، وكأَنَّه قال ذلك؛ مُطابقةً لقوله: احتياطاً كقوله: {وَجَزَاؤُا سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا} [الشورى: 40]، انتهى.
وأقول: قد تجوّزَ صاحب «الكافي» بمحلين، أطلق الواجب في حق المسبوق وهو فرضُ، وأطلَقَ الحرمة على قراءةِ المُسافِرِ فيما يقضي، وهي مكروهةً، فإنَّ الدليل ليس قطعياً لتركِ القراءة وحُرمتِها.
وقالَ: أَمَّا جَوازُه؛ أي: اقتداء المُقيم بالمُسافِرِ في الوَقتِ: فلانه صلى الله عليه وسلم صلَّى بِأَهلِ مكة وهو مُسافر، فقالَ: «أَتِمُّوا صلاتكم فإنَّا قومٌ سَفْرٌ، وأَمَّا بعدَ خُروج الوقتِ: فلأنَّ صلاةَ المُسافِرِ أقوى من صلاةِ المُقيم؛ يعني: لافتِراضِ القُعود على الرَّكعتين، ولُزومِ القراءة فيهما، انتَهَى.
قلتُ: فلو صحَ إتمام الإمام المسافرِ أربعاً بالمُقيمينَ، لفَعَلَه النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، ولم يتكَلَّف لقوله: «أَتِمُّوا صلاتكُم فَإِنَّا قومٌ سَفْرٌ مُخاطِباً لقومٍ مُصلِّينَ.
وتوضيحُ مَنعِ الإتمام معَه: أنَّ المُسافر يصيرُ مُتنفلاً بالأُخرَيَين كما ذكرناه، والمقيمُ مُفترض، ومن شرط صِحَّةِ صلاته مع الإتمام القراءة في جميعِ الأُوليين، والجلوس عليهما قَدْرَ التّشهد، ومع ذلك يكونُ مُسِيئاً بتركِ السَّلامِ عن محله، وشُغْلِه
عنه بمنهي عنه، وهو التَنفُلُ بما زادَ قبل الإتيان بما طُلِبَ منه، وهو السَّلامُ.
وإذ قد علمنا الأصل في المسائل، وما يتفرّعُ عليه، وأثبتنا ما تيسر على منوالها فليغتنم، وقد يفتحُ الله تعالى من فضله بما يزيد على ذلك، فنسأله التوفيق والقبول لما يُرضيه.
وقد وافق الفراغ من جمع هذه الأوراقِ مُستهل شهر ربيع الأول المبارك سنة ستينَ وألفٍ، مع شدةِ التَّعب وشغل البالِ، وتكرر تغيير عدة نسخ حتى صارت بهذا المِنْوَالِ. الحمد الله المان بهذا، وله الشكر، إنَّه الكريم المتعال.
قالَ المُؤلِّفُ رحمه الله تعالى في نُسختِه وحَرَّرَه بيده الفانيةِ مُؤلّفه عفا الله عنه، وغفر له ولوالديه، ولطف به وبذُرِّيَّتِه ومُحبّيه، ورحم مشايخه وإخوانه آمين، وصلَّى الله على سيدنا محمَّد، وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، والصَّحابة والتابعينَ بإحسان إلى يوم الدين، آمين.